الاثنين، 30 يونيو 2014

سنة أولى انقلاب

سنة أولى انقلاب

عام بالتمام والكامل يمر اليوم على ذكرى وقوع أول انقلاب عسكري ، وأول تآمر مضاد من قوى الاستبداد ضد ثورات الربيع العربي ، عام مضى على مصر وهي تعاني من انشقاق مجتمعي خطير ، وفاشية شعبية بغيضة ، وانهيار اقتصادي كبير ، وتدهور سياسي وأمني مستمر، بعد أن أصبحت عربة مصر تسير على منحدر بلا كوابح ، عام مضى على عودة الاستبداد والتخلف السياسي والعودة لحكم الفرعون الذي يرى ما لم ير شعبه ، عام مضى على أكثر من ستة آلاف قتيل ، وثلاثون ألف جريح ، وثلاثون ألف معتقل ، و1207 جمعية خيرية مجمدة ، وعشرات المساجد والجوامع المغلقة والمهدمة والمحترقة ، عام مضى على تكميم الأفواه ، وكسر الأقلام ، ومصادرة الحريات ، وقمع المعارضين ، عام مضى على عودة الدولة البوليسية والقبضة الأمنية المرعبة ، وعودة زوار الفجر وسراديب الخوف وزنازين القهر ، عام مضى على إجهاض الآمال والطموحات ، وأخيرا عام مضى على كشف الغطاء وعودة الوعي وتمايز الصفوف .  
ففي لحظة فارقة وحاسمة في مصائر ثورات الربيع العربي، وفي مشهد لم تره مصر منذ أكثر من 60 سنة؛ جاء التغيير العسكري المصري ليعيد إلى الأذهان ذكريات أليمة، وحصائد تجارب مريرة، كانت الشعوب أول وأكبر من دفع ثمنها. في مصر؛ أغار العسكر على الإرادة الشعبية الحرة والنزيهة، معيدا الأوضاع في مصر إلى المربع رقم صفر، حيث الحكم العسكري الذي ظل متسلطًا على البلاد لعقود ممتدة ، وفي نادرة تاريخية فريدة أن يخرج الملايين على الحكم الفاشي والاستبدادي في 25 يناير ، ثم يخرج شطر منه بعد ذلك بعامين ونصف ينادي بعودته وعودة الاستبداد والديكتاتورية، بعد أن غلبه الحنين والشوق لقرع السياط على ظهره ووقع البيادة على مستقبله السياسي.
الانقلاب العسكري هو أحد أفرع فلسفة (البرجماتية العسكرية) التي تحكم فكر معظم القيادات العسكرية المسيطرة على جيوش العالم الثالث عامة وجيوش محيطنا الإقليمي خاصة. والانقلاب هو عملية عسكرية بحتة يقوم بها بعض المغامرين العسكريين في جيش تقليدي محترف، من أجل التدخل في مسار العملية السياسية، والتحكم في مقاليد السلطة لمصالحهم الخاصة أو مصالح قوى معينة، سواء داخلية أو خارجية؛ من أجل تأمين وضعية سياسية تجهض محاولات الخروج عن الخطوط المرسومة والنطاقات المحجوزة إقليميًا ودوليًا لهذا البلد، وتعيده مرة أخرى للسير على الدرب القديم والأطر المرسومة سلفًا، أو بعبارة أخرى العودة بالدولة لسياسات النخبة الموروثة.
الانقلابات العسكرية ليست حدثًا عفويًا أو ردود أفعال وقتية، بل هي مخططات مرسومة من إجهاض إيمان الشعوب في أن خلاصهم السياسي في استكمال مسيرتهم نحو سقف لا محدود من الديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، من خلال فرض وصاية غير شرعية بنكهة عسكرية على الإرادة الشعبية. البرجماتية العسكرية هي التي تبرر هذا الوثوب اللا أخلاقي على إرادة الشعوب، ومصادرة اختياراتها، وهي شارع طويل المدى، شاحح الملامح، صامت المعاني، أصم المنافذ لا مداخل فيه ولا مخارج، ولا مجال فيه للبحث والتفكير والالتفات، لكن دائمًا وأبدًا تنظر للأمام حتى لو على حساب هرس الشعوب، وسحق اختياراتها. وثقافة الانقلابات العسكرية ثقافة متجذرة في منطقتنا العربية والإسلامية، لها أعوان وأنصار وأولياء وخدم وعبيد لا يرون عزهم إلا في ركاب العسكر، ولا يتحقق لهم سلطانهم وولايتهم إلا بفوهة البنادق ومن على ظهور الدبابات ، ومن باكستان شرقًا إلى موريتانيا غربًا، ومن تركيا شمالًا إلى اليمن والصومال جنوبًا، كانت الانقلابات العسكرية حاضرة بقوة في المشهد السياسي، وكانت لها كلمة الفصل في وأد تجارب الديمقراطية الوليدة في منطقة أريد لها دائمًا أن تظل أسيرة النظم السلطوية الشمولية.
الانقلاب العسكري المصري جاء بنكهة ثورية غافلة أو مغفلة ، وطلاء من قشرة شعبية رقيقة ممن لم يفهم لعبة العسكر جيدا ، ولم يدرك حجم الكيد والتآمر المحيط بالثورة المصرية منذ البداية ، فقد كشف مراسل صحيفة "التلغراف" البريطانية في القاهرة، ريتشارد سبنسر، أن الجنرال عبد الفتاح السيسي دبر انقلابا عسكريا حتى في الوقت الذي كان فيه حسني مبارك في السلطة، وكان يرى نفسه بأنه المنقذ لمصر. وأفاد الكاتب، نقلا عن كبار المستشارين، أن "الرجل القوي الجديد" في مصر وضع مخططا لاستيلاء الجيش على السلطة حال حدوث ثورة ضد الرئيس السابق حسني مبارك منذ العام 2010. وكان المشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع في عهد الرئيس مبارك، ينادي السيسي ب"ابني" ثقة منه أنه سيكون خليفته ، وهذا ما كشف عنه ضابط عسكري بارز يعرفه شخصيا لمراسل "التلغراف"، وأضاف: "حتى عندما كان (السيسي) لا يزال عقيدا، كنا جميعا نعلم أنه سيكون وزير الدفاع المقبل"، إذ لم يكن للمشير طنطاوي طموحات سياسية شخصية، ولكنه كان حريصا على اختيار خليفته . وهذا الأمر يعني أن الثورة كانت منذ البداية تحت سيطرة العسكر وداخل نطاق خططه المعدة سلفا ، مما حدا بالدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية للقول بأن الجيش كان يمتلك خططا مسبقة للانتشار قبل وقوع ثورة 25 يناير ، وأن الجيش قد استفاد من الثورة في التخلص من مخططات التوريث ، ثم التضحية برأس النظام ؛ مبارك ، من أجل الحفاظ على النظام نفسه الذي يهيمن عليه العسكر .
الانقلاب العسكري الذي جاء على خلفية إنقاذ البلاد من سوء إدارة الإخوان ووقف مسلسل التدهور الاقتصادي والأمني لم يجن منه المصريون سوى الفقر والإذلال وتعطل المصالح والتبعية التامة للغرب والشرق ، والعرب والعجم ، فقطاع السياحة الذي يعد أحد أعمدة الاقتصاد المصري ، والذي ولول إعلاميو الانقلاب على انهياره بسبب الثورة يشهد بعد الانقلاب انهيارا مروعا ، وقد تراجعت إيرادات السياحة في مصر خلال الربع الأول من العام الجاري إلى 1.3 مليار دولار بانخفاض 43% عن الربع ذاته من العام الماضي إبان حكم الرئيس "محمد مرسي"، والذي سجل نحو 3 مليارات دولار. وقالت عادلة رجب المستشارة الاقتصادية لوزير السياحة الانقلابي في تصريح لها في 17 أبريل الماضي: إن مصر استقبلت نحو 2 مليون سائح في الربع الأول من 2014 م بانخفاض 30% عن الربع المقابل من 2013م. وفي نهاية العام الماضي اعترف هشام زعزوع، وزير السياحة في حكومة الانقلاب العسكري بأن القطاع السياحي في مصر فقد 95% من التعاقدات الشتوية لهذا الموسم، بعد أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة يوم 14 أغسطس الماضي. ووفق آخر تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن نسبة البطالة في مصر بلغت 13.4% بزيادة قدرها 1 من عشرة خلال فترة الانقلاب، وهو ما يقدر بـ33 ألف شخص انضموا إلى قائمة البطالة خلال الستة شهور الأولى من عمر الانقلاب العسكري الذي استطاع في غضون شهور قليلة أن يقفز بأزمة البطالة بمعدلات غير مسبوقة ،وبلغ عدد المصانع التي أغلقت 855 مصنعًا وذلك وفقاً للخطابات المقدمة من أصحاب تلك المصانع لمركز تحديث الصناعات.وقال د. يوسف القريوتي، المدير الإقليمي لمنظمة العمل الدولية لمنطقة شمال إفريقيا: إن معدل البطالة في مصر خلال العام الماضي، بلغ 25% . وهذا غيض من فيض الانجازات المشئومة للانقلاب العسكري في مصر ، وذلك فقط بعد مرور عام واحد ، فأي مستقبل مظلم ينتظر المصريون تحت حكم هذه السلطة الجديدة ؟! وهل سيطول مداها وتترسخ قواعدها ؟ وهل فشل الحراك الثوري ضد هذا الانقلاب ؟ وسيستسلم  المصريون وخاصة الشباب منهم للوضع القائم ؟ أم سيكون للقدر خبيئة أخرى يفاجئ بها المنطقة والعالم بأسره ؟
الله أعلم

رياح الفوضى تهب على العالم العربي

 رياح الفوضى تهب على العالم العربي   

فهمي هويدي

تحت أعيننا تُرسم الآن خرائط جديدة للشرق الأوسط، المرئي منها يتبنى سيناريو الفوضى.

(1)
سنحتاج إلى وقت لكي نعرف ما إذا كانت هناك علاقة بين الحاصل في العالم العربي الآن وبين السيناريوهات التي سمعنا بها من قبل (الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الفوضى الخلاقة).

وليس بمقدورنا أن نتبين دور قوى الخارج فيما يجري، إلا أن ما يبدو لنا الآن أن إرهاصات الفوضى الحاصلة هي صناعة محلية في الغالب، صحيح أن تفكيك العراق -مثلا- تم بأيدٍ أميركية منذ بدء الاحتلال عام 2003، حين تعامل الأميركيون مع البلد ليس باعتباره وطنا للعراقيين ولكن بحسبانه مكانا تساكنت فيه الطوائف الثلاث السُنة والشيعة والأكراد وآخرون، إلا أن أهل البلد حين أداروها فإنهم كرسوا التمزق وأقاموا الأسوار عالية بين الفئات الثلاث.

وتحول الوطن إلى ساحة للقتال يشكل الموت عنوانا لها والقتل طقسا يوميا يمارسه الجميع بغير كلل أو ملل. حتى صرنا بإزاء حالة قصوى للفوضى، لا يقتل فيه المواطنون بغير حساب فحسب، ولكن يقتل فيه الوطن أيضا.

ليس بمقدورنا الآن أن نتبين دور قوى الخارج فيما يجري، إلا أن ما يبدو لنا أن إرهاصات الفوضى الحاصلة هي صناعة محلية في الغالب، وإن كان تفكيك العراق تم بأيد أميركية
في عدد 20/6 من جريدة "الشرق الأوسط" جاء فيه أن مائتي ألف متطوع يتجمعون لقتال داعش، وأن الوقف السني في الجنوب أعلن عن تسجيل خمسة آلاف متطوع من شباب أهل السُنة وأن ناطقا باسم ثورة عشائر العراق قال إنها تتهيأ لدخول بغداد من محورين لإسقاط حكومة المالكي، في العدد ذاته أن رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني أعلن أنه سيجلب كل قوات البشمركة للحفاظ على كركوك والدفاع عنها، وأن آلاف العوائل المسيحية في سهل نينوى نزحت إلى أربيل (الإقليم الكردي).

ومن التعليقات المثيرة للانتباه ما كتبه الصحفي السعودي عبد الرحمن الراشد محذرا من أن داعش أصبحت الآن على حدود السعودية وتركيا والأردن، بعدما عبرت من العراق إلى سوريا، وأزالت الحدود بين البلدين وأقامت دولة نسبتها إلى الخلافة الإسلامية، وهي القرائن التي فصلت فيها مجلة تايم الأميركية وعرضتها على ثماني صفحات في عدد 20/6، الذي كان عنوان غلافه من كلمتين هما: "نهاية العراق".

والكلمتان استعارة لعنوان كتاب صدر عام 2006 للسياسي والدبلوماسي الأميركي بيتر جاليبيرت، وقد تبنى فيه فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث دول سُنية وشيعية وكردية. وهي الفكرة التي كانت متداولة في أوساط الخارجية الأميركية.

(2)
الحاصل في العراق يُعد نموذجا للفوضى التي نتحدث عنها، إذ الجديد فيه بعد احتلاله وتدميره أمران أولهما الزحف المفاجئ والتقدم المباغت لجماعة "داعش" وتحولها إلى لاعب رئيسي في الساحة السياسية، من حيث إنها بدت في جانب منها تعبيرا عن انتفاضة أهل السُنة، وهو ما استنفر المرجع الشيعي آية الله السيد علي السيستاني، فدعا إلى ما سماه "الجهاد الكفائي" وهو ما أعطى دفعة قوية لفكرة الحرب الطائفية.

الأمر الثاني تمثل في الجهر بالدعوة إلى استقلال كردستان (الذي هو واقع من الناحية العملية، والتلويح بورقة تقنين الوضع وإضفاء الصفة الرسمية عليه بإتمام الانفصال، وهو ما شجعته إسرائيل ودافع عنه في العلن رئيس وزرائها ووزير خارجيته).

ما حدث في العراق يُعد هزيمة من الوزن الثقيل للسياسة الأميركية، أسوأ من تلك التي منيت بها في أفغانستان التي بقيت فيها الدولة رغم كل ما جرى، لكن الدولة في العراق لم ينفرط عقدها فحسب، ولكنها صارت بابا لحرب طائفية تأتي على ما تبقى من استقرار في المنطقة.

ما حدث في العراق يُعد هزيمة من الوزن الثقيل للسياسة الأميركية، فالدولة في العراق لم ينفرط عقدها فحسب، ولكنها صارت بابا لحرب طائفية تأتي على ما تبقى من استقرار في المنطقة
ذلك أن إعلان دولة سُنية في العراق لا يفتح الباب لاندثار الدولة العراقية واستبدالها بحريق طائفي كبير فحسب، وإنما يمثل أيضا تمددا في الأراضي السورية وتهديدا بطرق أبواب الأردن والسعودية وقلقا في الكويت والبحرين، وإخلالا بالتوازنات الحاصلة في لبنان. ناهيك عن أنه يمثل ضربة للمشروع الإيراني وإفشالا لسياستها وتطلعاتها في الإقليم.

وليس معروفا تأثير تلك الخطوة على الوضع الداخلي في سوريا، وإن كان من شأنه أن يقوي ساعد المجموعات الإسلامية التي تقاتل هناك، وأغلب الظن أنه سوف يفتح جبهة اشتباك إضافية مع ثوار الجيش السوري الحر. بما قد يخفف الضغط على نظام الأسد بصورة أو أخرى.

أما انفصال الإقليم الكردي، فالتداعيات المترتبة عليه لا تقل جسامة ولا خطرا. من ناحية لأن ضم كركوك والتمترس داخلها والاستعداد للقتال دفاعا عن إلحاقها بالإقليم الكردي يؤجج الصراع المسلح مع بغداد، ليس فقط لأن كركوك أحد معاقل تصدير النفط ولكن أيضا لأن المدينة لم تكن كردية يوما ما، ولكن الأغلبية الكردية لم تتوفر لها إلا بعد تهجير بعض سكانها الأصليين (العرب والتركمان) منها.

من ناحية أخرى، فإن انفصال الإقليم وإقامة دولة مستقلة باسم كردستان، يثير العديد من الأسئلة حول موقف الأكراد في الدولة الأخرى المحيطة (العدد الكلي لهم بحدود ثلاثين مليونا).

ومن المفارقات أن قضية الأكراد ليست عراقية في حقيقة الأمر، ولكنها تركية بالأساس حيث النسبة الأكبر منهم (أكثر من 15 مليونا) يقيمون في تركيا، وعددهم في إيران ستة ملايين، أي أنهم أكثر من أكراد العراق البالغ عددهم خمسة ملايين، وإلى جانب هؤلاء وهؤلاء فهناك مليونان من الأكراد في سوريا.

السؤال الأهم هو ما موقف الأكراد في الدول المجاورة؟ وكيف ستكون علاقتهم بالدولة الجديدة؟ وهل يمهد ظهور دولة كردستان لإعادة رسم خرائط المنطقة المحيطة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تقبل تركيا أو إيران بذلك؟ ذلك أنني أفهم مثلا أن الحكومة التركية على استعداد لدخول حرب تستمر مائة عام للاحتفاظ بالمنطقة الكردية ضمن أراضيها، إذ النسبة الأكبر منهم يعيشون في الأناضول، وهي منطقة المياه الوفيرة والزراعة التي تعتمد عليها تركيا.

احتمال إعادة رسم حدود دول الجوار لإقامة كردستان الكبرى ليس واردا في الأجل المنظور لأنه يفتح الباب لحروب في المنطقة لا حدود لها، لكن استقلال كردستان العراق لابد أن يكون له أثره على الأقل في توازنات الإقليم، الأمر الذي يمكن أن يكون له أثره في استمرار النزاعات الحدودية فيها.

(3)
خارج منطقة الشام تتفاوت مؤشرات الاستقرار والفوضى، فمصر تواجه مرحلة صعبة، جراء معاناتها من الأزمة السياسية والاقتصادية. فالمواجهة بين السلطة الجديدة وبين الإخوان ومعها جماعات الإسلام السياسي من ناحية، وبينها وبين جيل ثورة يناير 2011 لا تزال تلقي بظلالها على أجواء الاستقرار المنشودة.
إن الانتكاسات التي واجهت ثورات الربيع العربي أمر مفهوم من زاوية الخبرة التاريخية، ذلك أن الثورات الكبرى استغرقت عشرات السنين قبل أن تتمكن وتستقر على الأرض
وقد واجهت السلطة الطرف الآخر بالأساليب الأمنية والمحاكمات التي قضت بإعدام أكثر من ألف شخص، غير أحكام السجن والغرامة المشددة التي استهدفت شرائح واسعة من الشباب.

في الوقت ذاته، فإن الأزمة الاقتصادية الضاغطة التي اقترنت بتعثر عجلة الإنتاج بسبب عدم الاستقرار الأمني، من شأنها أن تحدث توترا اجتماعيا سوف يتزايد حيث يتم رفع الأسعار في الفترة المقبلة، نتيجة رفع الدعم وتعالي مؤشرات الغلاء. وحين يحدث ذلك في أجواء الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة فإن انعكاسه على الاستقرار الاجتماعي يظل موضع تساؤل.

نذر الفوضى أكثر وضوحا في اليمن الذي لم تستقر أوضاعه طوال الثلاث السنوات الماضية. فعناصر الثورة المضادة لم تتوقف عن محاولة إجهاض الثورة وتعطيل مسيرتها، ومصادر الاضطراب تتراوح بين دعوات الانفصال في الجنوب وعناصر القاعدة المستمرة في إنهاك الجيش والشرطة، والاشتباك مع الحوثيين في الشمال الذي ينفجر كل حين.

والحاصل في السودان منذ انفصال الجنوب الذي لم يحقق له الاستقرار أدخل في طور آخر من القلاقل، وهي التي تراوحت بين أزمة السلطة والمعارضة في الخرطوم وطموحات الانفصال التي تراود البعض في دارفور وشرق السودان والنوبة.

نذر الفوضى لها صداها في المغرب العربي أيضا، إذ بلغت تلك الفوضى ذروتها في ليبيا التي يلوح فيها شبح التقسيم مقترنا بالحزازات والصراعات القبلية، إضافة إلى أنشطة المجموعات المسلحة التي تعد جماعة أنصار الشريعة أبرزها، وليست معروفة نهاية الصراع القائم الآن بين بنغازي في الشرق حيث يتمترس اللواء خليفة حفتر مؤيدا ببعض عناصر الجيش والرموز الموالية، وبين طرابلس في الغرب حيث السلطة الشرعية ومقر ثوار 17 فبراير، وهو الصراع الذي تتداخل فيه النزاعات القبلية والجهوية مع التجاذبات بين الإسلاميين ومعارضيهم.

الوضع أفضل بصورة نسبية في بقية الدول المغاربية، ولا مفر من الإقرار بأن تونس تعد استثناء بين دول الربيع العربي، من حيث نجاح السلطة التي أفرزتها الثورة في الحفاظ على وتيرة الاستمرار وتجنب رياح الفوضى.

ولا نستطيع الادعاء بأن تلك الرياح اختفت تماما، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنها كامنة على الأقل. ذلك أن الصراع لا يزال قائما بين سلطة الثورة وبين غلاة السلفيين من ناحية وبين غلاة العلمانيين الراغبين في إفشال التجربة من ناحية ثانية. صحيح أن الأوضاع ليست مستقرة تماما في المغرب والجزائر وموريتانيا، إلا أننا نكاد نلمس أثرا لرياح الفوضى في محيطها.

(4)
إذا جاز لنا أن نعلّق على تلك "اللوحة" فإننا نخلص منها إلى ملاحظات عدة في مقدمتها ما يلي:
تيارات الغلو والعنف خرجت من عباءة الظلم والقهر والاستبداد، الأمر الذي يسلط الضوء على أهمية إفساح المجال لتيارات الوسطية والاعتدال، ويبرز في الوقت ذاته خطورة استهدافها
- إن دور القوى الغربية في تحريك عوامل الفوضى ليس واضحا وليس مقطوعا به، رغم وجوده في الخلفيات والجذور (العراق مثلا). وإذا كان كثيرون يتحدثون عن تراجع دور أميركا بشكل عام، إلا أن ذلك لا يعني أنها خرجت من المنطقة لأن حضورها مستمر، ولكنه يعني أن واشنطن وجدت أن تفاعلات العالم العربي لا تتعارض مع مصالحها في نهاية المطاف.

- إن ما يجري في العالم العربي قدم أكبر خدمة لإسرائيل في الأجل المنظور، ذلك أن الصراعات العربية لم تؤد إلى تآكل وإضعاف بعض تلك الدول، فحسب، ولكنه أيضا صرف الانتباه عن الخطر الإسرائيلي ومخططات الاستيطان والتهويد، وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن إسرائيل هي الفائز الأكبر من الصراعات العربية.

- إن الانتكاسات التي واجهت ثورات الربيع العربي أمر مفهوم من زاوية الخبرة التاريخية، ذلك أن الثورات الكبرى استغرقت عشرات السنين قبل أن تتمكن وتستقر على الأرض.

- إن القوى الإقليمية العربية ليست بعيدة عن التفاعلات الحاصلة في دول الربيع العربي، وإنما كان لها دورها المؤثر في مساعي إجهاض الثورات التي نجحت، وفي جهود مساندة قوة الثورة المضادة بكل صور الدعم السياسي والمالي والعسكري.

- إن الأطراف التي أسهمت في نذر الفوضى المخيمة (داعش وأنصار الشريعة وأنصار بيت المقدس) لم تكن بعيدة عن نفوذ تلك القوى الإقليمية، وإنما كان لها دورها في تكوينها ودعمها في أطوار نشأتها، حتى انقلب السحر على الساحر في نهاية المطاف.

- إن تيارات الغلو والعنف المنسوب إلى الدين خرجت من عباءة الظلم والقهر والاستبداد، الأمر الذي يسلط الضوء على أهمية إفساح المجال لتيارات الوسطية والاعتدال، ويبرز في الوقت ذاته خطورة استهداف تلك التيارات الأخيرة، الأمر الذي يعد إسهاما غير مباشر في إفساح الطريق أمام تيارات الغلو وإطلاق العنان للفوضى.

إن ما يجري الآن في العالم العربي إذا لم ينبهنا ويعيد إلينا الوعي والرشد، فمتى يمكن أن نفيق إذن؟

من يمثل الأقباط الدولة أم الكنيسة



من يمثل الأقباط الدولة أم الكنيسة


أ. د. زينب عبد العزيز 

أستاذة الحضارة الفرنسية

تحية واجبة للكاتب الصحفى جمال أسعد عبد المالك، لكتابه المعنون "من يمثل األقباط.. الدولة أم البابا ؟" 
(1992).. 
تحية لمجرد تناوله هذا الموضوع المثقل بالمغالطات والحساسيات على مر القرون، ولكن إصراره على "مواجهة الحقائق ومواجهة الأخطاء" بصراحة وموضوعية، وإصراره على الحوار الصادق.. 
واستجابة منى لهذه الدعوة البناءة، لايسعنى إلاأن أتناول ما طرحه فى كتابه بالتعقيب الصريح الموضوعى 
وفقا لطلبه، على الرغم من بعض المآخذ العلمية، من حيث التداخل والتكرار وعدم التوثيق أو التأريخ إلا فيما ندر، الأمر الذى يمس بمصداقية معظم ما يطرحه، أو ما ينجم عنه من نتائج واستنتاجات تخالف الواقع، مما يستوجب إعادة صياغة الكتاب برمته. 
إلاأنه يمكن إختصار محتواه فى عبارة واحدة هى : أنها محاولة لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية للطائفة القبطية بغية الوصول إلى الحكم (صفحة 87). وهنا يقوم المؤلف بمطالبة الاستاذ فهمى هويدى وأصحابه وجميع الفقهاء التوصل إلى فقه يسمح بمبدأ تبادل السلطة بين المسلمين واألقباط ! 
وذلك إلى جانب العديد من القضايا، منها على سبيل المثال لاالحصر : إن "الشعب القبطى وحده هو الشعب المصرى الاصيل، وأنه يتميز بالصبر الطويل وبالمقدرة على طرد المستعمر مهما إمتد به األمد"، والمستعمر هنا حاليا وفى نظر السيد جمال أسعد هو الاسلام ، وإن كان قد ألصق القول بالوجدان الطائفى، و"أن الكنيسة المصرية هى أول كنيسة فى التاريخ"، و"أنها باتت تمثل أحد قطبى المسيحية فى العالم مع الكنيسة الكاثوليكية".. 


كما تناول المؤلف بوضوح طائفية الحكومة المصرية و"مواقفها الحقيرة مع الأقباط" (صفحة 146)، والجماعات الدينية الإسلامية، ومبالغة الإعلام المصرى فى تناول مذبحة البوسنة، وعزل الأقباط ، والشكوى من الدور السياسى للبابا شنودة الثالث ، وأنه "منذ السبعينيات يوجد مناخ طائفى وصل إلى ذروته فى إعلان السادات أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة" (صفحة 96) !!
وهنا لا بد من توضيح بعض الحقائق التاريخية فى عجالة، ولا أظنها بخافية على المؤلف، إذ أنها حقائق راسخة ثابتة فى التاريخ، يتحتم عليه أن يعلمها، وأن يعلمها الجميع، لا ليصبح الحوار مثمرا فحسب، وإنما لتصويب ما علق خطـأ بالأذهان أو ما يتم غرسه فيها عمدا عن طريق بعض القساوسة المنفلتة..
ولا يسع المجال فى هذا الحيّز الضيق للرد على كل ما ورد بالكتاب من مغالطات أو من تسريب جديد لبعض الفريات فى الوجدان العام ، لكننى أتناول بعضا منها فحسب.
وأول ما أبدأ به هو أن أوضح للصحفى السياسى، الذى يعرف معنى الكلمة وتأثيرها، بل يعرف أهمية أداة التعريف فى الكلمة ومدى تغييرها للمعنى، وكيف أن تكرار أية عبارة أو فكرة، مهما كانت خطأ أو فى سياق خطأ يقوم بترسيخها فى ذهن القارئ، وخاصة فى ذهن الإخوة المسيحيين الذين يأخذون كلام إبن عقيدتهم على أنه حقائق مسلّم بها.
والكتاب للأسف يغص بمثل هذه الفريات التى ما كنت أتوقعها ممن بدأ حديثه بزعم الأمانة والمطالبة بمواجهة الحقائق..
بل إن الصياغة برمتها تشى عن ذلك الموقف الطائفى المختلق من مثل هذه الفريات التى يشكو منها.
فكان يتعيّن عليه بدايةً الإبتعاد عن مثل هذا الأسلوب فى بحثه عن الحقيقة ، وخاصة الإبتعاد عن السب ووصف الحكومة المصرية التى تمثله وتمثل الشعب المصرى برمته بأنها حكومة "حقيرة"..
وأولى هذه الحقائق التى عليه أن يعرفها كحقيقة تاريخية، وليست حقيقة مسلّم بها فحسب أو أنها تحصيل حاصل كما يقول، أى بلا أى توثيق، هى :
إن مصر دولة مسلمة، وأن الإعتراف بذلك لا "يمثل ذروة المناخ الطائفى"، وأن الأخوة الأقباط كانوا منذ البداية وظلوا حتى الآن طائفة أقلية بدليل الوقائع التالية :
* اللغة القبطية هى محاولة لكتابة اللغة المصرية القديمة بالأحرف اليونانية لغة المستعمر آنذاك، وذلك فى حوالى القرن الثانى قبل الميلاد : أى قبل مولد المسيح، وبالتالى فلا علاقة لها أصلا بالمسيحية، وإن ربطها بالإخوة المسيحيين هو بداية تحريف الحقائق بغية إكتساب عمق تاريخى حضارى غير حقيقى.
وإن هذه "الصياغة الكتابية" إن أمكن القول، لم تكن أبدا اللغة الرسمية للبلد فى أى وقت من الأوقات. فالأبجدية اليونانية كانت تتكون من 24 حرفا إضافة إلى سبعة أحرف مصرية قديمة، واللغة القبطية لم تتحول إلى لغة واسعة الإنتشار لسببين : لم تكن أبدا فى أى فترة من الفترات اللغة الرسمية للبلد أو اللغة الوحيدة فى مصر ؛ وفترة وجودها كانت قصيرة المدى (Mallon : Grammaire Copte, 1956).
وطوال العصر الرومانى والبيزنطى كانت لغة الحكومة وعلية القوم هى اليونانية.
 وهناك العديد من الكلمات اليونانية فى اللغة القبطية لأن معظم الأعمال القبطية كانت عبارة عن ترجمات لأعمال يونانية.
وأولى النصوص المسيحية المكتوبة باللغة القبطية هى ترجمات لنصوص العهدين القديم والجديد، وأقدم هذه النصوص يرجع إلى أواخر القرن الثانى الميلادى.
ويقول العالم جاردينر (A. Gardiner) "أن اللغة القبطية تعد إلى حد ما لغة مصطنعة ، قام بصياغتها الرهبان المسيحيون ، وهى شديدة التأثر بالأدب الإنجيلى اليونانى" (Egyptian Grammar).
 ومن ناحية أخرى يقول القس رينودو (Renaudot) : "بعد فتح العرب لمصر بنحو قرن تلاشت اللغة القبطية نهائيا فى معظم القطر المصرى ولم تعرف إلا بين العلماء ورجال الدين" (Recherches sur la langue et l’écriture de l’Egypte). 
* حينما دخلت المسيحية مصر كان يسكنها كلا من : الشعب المصرى القديم أو الفرعونى، فالمعابد الفرعونية ظل بعضها يعمل حتى القرن السادس الميلادى ؛ والجالية اليونانية ؛ والجالية الرومانية ؛ والجالية اليهودية ؛ والبُجاه (من جنوب السويس حتى كَسَلا) ؛ وأهالى النوبة. وكانت الديانة المصرية القديمة أو الديانة الوثنية هى السائدة سواء بالنسبة للشعب المصرى أو بالنسبة للحكام. وظلت هذه الوثنية قائمة حتى ألغاها الإمبراطور تيودوز الأول فى أواخر القرن الرابع سنة 380 . أى إن الديانة المسيحية كانت تُحارب حتى ذلك الحين، ولم تكن فى أى لحظة من اللحظات هى الديانة الرسمية أو حتى الديانة الوحيدة فى مصر، بل ظلت حتى القرن الخامس الميلادى فى تخبط عقائدى متناقض وتعانى فى نفس الوقت من الإضطهاد الرومانى.
* أما الأب الكنسى والأديب الفرنسى إرنست رينان (E. Renan) فيقول عن كنيسة الإسكندرية : "إن التراث القائل بتبشير مرقس الرسول الإسكندرية يعد من الإختلاقات المتأخرة التى كانت الكنائس الكبرى تحاول أن توجد لنفسها إمتدادا رسوليا. وكلنا نعلم جيدا الخطوط العامة لحياة القديس مرقس ، وأنه قد إتجه إلى روما وليس إلى الإسكندرية. فقد كانت كل الكنائس الكبرى تزعم أن لها مؤسس رسولى ، وكانت كنيسة الإسكندرية قد نمت وأرادت أن تتزود بألقاب العراقة التى كانت تنقصها. وكان مرقس يعد من الشخصيات التاريخية الرسولية التى لم يكن قد تم تبنيه بعد ... ويستشهدون بكتابات فيلون (Philon) على ذلك ، إلا أن هذا بمثابة هذيان غريب ... لأن فيلون كان قد توفى منذ فترة طويلة قبل مجئ مرقس المزعوم إلى الإسكندرية" (الأناجيل ، صفحة 157ـ158) .
* عند دخول المسيحية مصر إعتنقها جزء من المصريين ولم يفقد هذا الجزء مصريته، وظلت غالبية الشعب وثنية.
وأيام الفتح الإسلامى إعتنقه المصريون الوثنيون ولم يفقدوا مصريتهم. كما إعتنقه عدد كبير من المسيحيين ولم يفقدوا مصريتهم أيضا. ومن ظل منهم مسيحيا أصبح أقلية ولم يفقد مصريته. وبذلك فإن المسلمين والمسيحيين فى مصر ، منذ الفتح الإسلامى وحتى الآن هم جميعا مصريون أصلاء، ولم يفقدوا مصريتهم بسبب العقيدة. 
وبالتالى فإن مقولة "أن الأقباط وحدهم هم الخيط الأصيل" تزييف رخيص، مغرض و فاضح، ولا يؤدى إلا إلى غرس مفاهيم خاطئة لدى الجميع، بل ويؤدى إلى ما يقوم به البعض حاليا من محاولة الإستحواذ على الحضارة المصرية القديمة على أنها الجذور الممتدة للحضارة الغربية من خلال "الأقباط" الذين هم وحدهم من سلالة الفراعنة
(راجع مجلة "العالم القبطى" التى يصدرها أقباط فى فرنسا).
* لذلك أؤكد و أعيد تأكيد حقيقة : إن مختلف أنواع الحكم التى عرفتها مصر هى : الحكم الفرعونى ، ثم اليونانى ، ثم الرومانى ، ثم البيزنطى ، ثم الإسلامى. ولم يحدث فى التاريخ أن حكم الأقباط أى بلد.
* إن الأقباط الذين كانوا أقلية فى كافة العصور ولم يتولوا الحكم أبدا فى أى عصر من العصور، وبالتالى فهم أقلية دينية مصرية بحكم الواقع، لا يجوز أن يطلق عليهم كلمة "شعب"، وإنما "أتباع الكنيسة" أو "أتباع العقيدة الفلانية". فكلمة "الشعب" لا تطلق إلا نسبة إلى دولة ذات سيادة وإقليم خاص بها، والأقباط هم جزء من تعداد هذا الوطن . وبالتالى فإن إستعمال وتكرار تعبير "الشعب القبطى" أو "الأمة القبطية" هى مغالطة تاريخية ولغوية فى آن واحد. 
كما إن مقولة : "إن الأقباط جزء أصيل من الشعب المصرى : عددهم عدد الشعب المصرى" تمثل منحنى غير أمين لا أعتقد أن الكاتب الباحث عن الحقيقة لا يدرك فداحة هذه العبارة تشير ضمنا إلى خرافة تنصير مصر بأكملها وفقا لما فرضه عليكم مجمع الفاتيكان الثانى (1962ـ1965)، حين فرض على جميع الأتباع وعلى كافة الكنائس المحلية المساهمة فى عملية تنصير العالم !.
وأقول فداحة هذه العبارة وفداحة ما يمكن أن يترتب عليه : فإذا ما ربطنا بين هذا المطلب إلى جانب المطالبة بإختلاق "فقه يسمح بذلك" ، مع كل ما يدور فى الغرب بدأب، بالتواطوء مع أقباط المهجر، خاصة بعد سنة 1965 وقرارات مجمع الفاتيكان الثانى بتنصير العالم، فإن الموقف يتخذ أبعادا خطيرة.
فهناك خطان يمكن متابعتهما فى الصحافة الغربية بعامة، وفى الصحافة الفرنسية بصفة خاصة:
الخط الأول يتناول تكرار زعم ما يتعرض له الأقباط من محن ومجازر وتقطيع الأيدى والأقدام وإجبارهم على تغيير العقيدة فى البطاقة الشخصية للحصول على وظيفة ما، وما إلى ذلك من فريات جد رخيصة ؛ 
أما الخط الثانى فهو ما نراه فى مجلة "العالم القبطى" التى يرأس تحريرها أشرف إسكندر صادق فى فرنسا، وفى العديد من المراجع الأثرية أو الحضارية والفنية والتاريخية الحديثة من محاولة للإستحواذ على الحضارة المصرية القديمة وقصرها على الأقباط ، ويا لها من محاولات تزوير فجة..
وإذا ما كان البابا شنودة قد إعترض على ما صدر من بيانات تناشد الغرب التدخل لحماية الأقلية القبطية، أو إذا ما كان قد استنكر ذلك، فها هو الغرب يورطه أو ينوه بعكس ذلك. فإن ما نشرته مجلة "فيجارو ماجازين" الفرنسية الصادرة فى 15/5/1993 على تسع صفحات، تتوسطها صفحة بكاملها للبابا شنودة رافعا بيد واحدة الصولجان والصليب معاً، لا معنى له إلا أن الحكم القادم للكنيسة وللصليب !
وهنا لا يسعنى إلا أن أترك الأمر للمسئولين فى الدولة ، كلا فى مجاله لإتخاذ اللازم ، لأواصل التعقيب على بعض النقاط التى أثرها المؤلف، علها تساعد على توضيح الرؤية له ولمن يتبع هواه :
* إن المسيحية لم تدخل مصر من الوهلة الأولى كما يقول الكتاب، ولم يكن بها "أول كنيسة فى التاريخ". وذلك لأن أولى الكنائس التى تم تشييدها فى الإسكندرية ترجع إلى القرن الثالث. وأول كنيسة أقيمت خارج القدس بعد وفاة المسيح، كما تقولون، كانت فى إنطاقيا وأسسها برنابا الحوارى/النبى الذى كان أول من باع كل ما لديه ليتبع المسيح، وليس القديس أنطونيوس. إلا إن كان السيد المؤلف أصدق من الأناجيل الحالية !
* إن تعداد الأقباط الخاضعين للجزية بعد معاهدة بابليون عام 21 هجرية (قبل أن يُوقف العمل بها) كان ستة آلاف شخصا. وكانت كل الطائفة القبطية حوالى مائة وستون ألف ضخصا. وعام 1940 وصل تعدادهم إلى مليون وثمانمائة ألفا. وعام 1980 إرتفع إلى مليونين، ليصل عام 1988 إلى ثلاثة ملايين ونصف ، وهو آخر إحصاء إستطعت التوصل إليه فى كتاب الأب دى بورجيه عن "الأقباط". وهو ما يؤكده أيضا كتاب "الجغرافيا السياسية للفاتيكان" الصادر عام 1992 ، إذ يورد أن عدد المسيحيين فى الشرق الأوسط إثنى عشر مليونا، ربعهم تقريبا يوجد فى مصر، أى أنهم ثلاثة ملايين. ولعل هذه الحقيقة هى التى تكمن خلف رفض الأقباط التمثيل النسبى بزعم رفض الطائفية.. كما أن محاولة رفع التعداد إلى عشرة ملايين ـ على الرغم من ذلك العدد الضخم الذى هاجر، يمثل تزييفا صارخا للواقع.
ونفس الإصرار على المبالغة فى رفع نسبة الأقباط نجدها فى كتاب "المسيحيون والقومية المصرية" للدكتور زاهر رياض (صفحة 56)، فهو الوحيد الذى رفع عدد فيلق الأقباط الذى كونه الخائن يعقوب من 500 جندى إلى 2000، ثم يضيف : "إن الأقباط لم يدخروا وسعا فى التعاون مع الفرنسيين على أمل أن يخلصوهم من الحكم الإسلامى" (صفحة 37)..
* أما العبارة الغريبة الخاصة بالكنيسة القبطية و"أنها باتت تمثل أحد قطبى المسيحية فى العالم مع الكنيسة الكاثوليكية".. فيؤسفنى الإشارة إلى ضحالة معلومات السيد جمال أسعد عن دينه ، فالمسيحية ليست مجرد قطبين عالميين أحدهما كاثوليكى والآخر أرثوذكسى، وإنما المسيحية منقسمة إلى أكثر من 349 كنيسة مختلفة ومنشقة عقائديا ولاهوتيا، وهذا الرقم هو عدد الكنائس المشارك فى مجلس الكنائس العالمى ، بخلاف الفاتيكان والكرسى الرسولى الذى رفض الإشتراك ليتمكن من المساعدة بصورة فعالة أكثر من الخارج. وإنما هذه العبارة تشير إلى العبارة الواردة فى مختلف نصوص مجمع الفاتيكان الثانى حين تحدث عن وحدة الكنائس المنشقة لتكون بمثابة "رئتين" يتنفس بهما العالم !!
* أما عن عدد الكنائس فيقول تقرير الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء أنها كانت 442 كنيسة عام 1972، وفى عام 1989 نطالع فى كتاب "السادات والبابا" أنها وصلت إلى 1691 كنيسة، بخلاف مائتين تم بنائها أيام السادات، وأن عددها بالنسبة لتعداد الأقباط مماثل تقريبا لعدد المساجد بالنسبة للمسلمين. 
مع مراعاة فارق أساسى هو: أن الصلاة فى المسيحية وفقا لمطلب السيد المسيح ، وهو ثابت فى الأناجيل، فهى أن يصلى الشخص فى غرفته ويغلق عليه الباب، فلم تكن هناك كنائس أيام السيد المسيح ولم يطلب هو إنشاء أى منها.
أما الصلاة بالنسبة للمسلم فهى محددة بأن تكون فى المسجد خاصة صلاة الجمعة. 
فما معنى إفتعال أزمة ووصف الحكومة "بالحقارة" على الرغم من حمايتها للأقباط على حساب الإسلام والمسلمين، حفاظا على الوحدة الوطنية ؟!
* إن المطالبة "بدولة مستقلة" ليست مجرد "من الأفكار الراسخة" فى الوجدان، كما يزعم المؤلف وإنما هى من الوقائع التاريخية الإنفلاتية المعاشة ، وما أكثر مثل هذه المواقف التى لا توصف إلا بالخيانة للوطن، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : المعلم يعقوب الذى كوّن فيلقا من 500 قبطيا للتعاون مع جيش الحملة الفرنسية والمطالبة بالإستقلال ؛ وهناك أخنوخ فانوس فى مطلع القرن العشرين وتكوينه "الحزب المصرى"؛ ومؤتمر الأقباط فى أسيوط المنعقد عام 1911؛ وحبيب جرجس الذى كان أول من إستخدم تعبير "الأمة القبطية" وأنشأ مدارس الأحد ؛ كما طالب بالإستقلال وتنظيم حزب "الأمة القبطية" الذى أسسه إبراهيم فهمى هلال سنة 1952 وتم بعدها تغيير إسم جريدة "الوطن" إلى "وطنى" ، وهو الذى طالب بتطبيق أحكام الإنجيل على الإقباط فى كل المواقف، وأن تتكلم "الأمة القبطية باللغة القبطية"، وطالب بإصدار جرائد يومية وأسبوعية وشهرية، والتعامل على أساس التقويم القبطى فقط، وإنشاء محطة إذاعة خاصة بالأمة القبطية، والإهتمام بالدعاية الدولية والمحلية، وبالرياضة وإنشاء دار كبرى فى وسط القاهرة تسمى "المركز الرئيسى للجماعة"، وهو ما له مغزاه الواضح فى محاولة تنصير مصر بكاملها !..
كما أن هناك حادثة إنقلاب قطار الصعيد سنة 1957 وما كشفت عنه من مطالب إنفصالية ؛ وأيام أحداث 1965 ؛ وأثناء المؤتمر القبطى عام 1977 ؛ وأثناء مؤتمر "مسيحيو الشرق" المنعقد فى باريس عام 1985؛ إضافة إلى منشورات أقباط المهجر ومناشدتهم الغرب لإنقاذ ذويهم ، الخ ، الخ !! أى إن المطالبة بتقسيم مصر أو تنصيرها ليس من الأفكار الوجدانية فحسب وإنما هى حقيقة تغذيها النعرات الإنفلاتية التاريخية المتراكمة والتى لم تكف عن الظهور منذ الحملة الفرنسية، والتى توصم الأقلية المسيحية بالخيانة للوطن.
* جماعة "الإخوان المسلمين" التى تم أنشاؤها عام 1928 ، لم تكن من باب المزايدة فى التعصب وإنما بسبب ما وصل إليه التبشير من تحد إستفزازى بدخول السيد زويمر مسجد الأزهر الشريف لتوزيع منشوراته التبشيرية ! وبالتالى فإن تبرير قيام "الجماعة القبطية" ردا على قيام الإخوان مغالطة غير أمينة فى عرض الحقائق التاريخية.
* عزلة الأقباط المزعومة وهجرتهم "بسبب العزلة" أو "لأن المجتمع يلفظهم" مقولة غير صادقة ، فلقد هرب الأقباط بأمواهم أيام تأمينات عبد الناصر، ثم أيام النكسة 1967 .. أما عن العزلة فيكفينا جميعا عار أن يمثل الشعب المصرى فى إحدى المنظمات الدولية واحدا من أولئك الموصومون بالخيانة رسميا.. ولا يسع المجال هنا لسرد قوائم الخيانة أو التعصب والكيل بمكيالين.
* عرض مقتل بطرس غالى بعبارة "على حسب قول الوردانى" (صفحة 38) وكأن بطرس غالى هذا لم يقم فعلا بتوقيع إتفاقيات السودان التى أسلمته للإدارة الإنجليزية سنة 1899 ، أو كأنه لم يرأس محكمة دنشواى سنة 1906 وشنق الفلاحين المسلمين ، أو لم يعمل على مد إمتياز قناة السويس 40 عاما بعد إنتهائه !!
عيب ، نعم عيب عليك أن تشارك فى نشر الفريات وأنت تطالب بقول الحق والبحث عن الحقيقة.
* أما عن الشكوة المزعومة من البابا شنودة ، فلا شك فى أنها من المعالم المشتركة فى أكثر من كتاب للإخوة المسيحيين ، فلا يسعنى إلا أن أتساءل : لماذا لا تقوم الطائفة القبطية بتغييره ، خاصة وإن هناك سابقة فى هذا المجال ؟.. 
أم إن ذلك من الشعارات التى ترفع ذرا للرماد فى الأعين حتى لا يسأل سائل : ما الذى فعله البابا زعيم الأثوذكسية فى الشرق الأوسط ، وأحد رؤساء مجلس الكنائس العالمى، لوقف مذبحة المسلمين فى البوسنة والهرسك ؟؟ فالكنيسة الأرثوذكسية توجد فى روسيا وفى الصرب وفى اليونان ككنيسة واحدة.
والمعلن فى الصحف الدولية هو أن روسيا واليونان تساعدان الصرب ، بينما المانيا والفاتيكان يساعدان الكروات ، وذلك هو ما أكده جون ميجر ، لتدمير البوسنة كدولة مسلمة غير مرغوب فيها فى وسط أوروبا ..
ولو سلمنا جدلا بما قاله فى نفس الخطاب ، من سيطرة الغرب على الحكومات الإسلامية ، فهل يتفق هذا الموقف مع تعاليم السيد المسيح أو حتى مع حقوق الإنسان والمطالبة بحرية العقيدة ، أو حتى ليطالب الأقباط بالوصول إلى الحكم ؟!
والعكس هو الصحيح فى هذه العزلة المزعومة والتى تخفى وراءها حقيقة مغايرة ، هى العمل على إثبات إن مصر قبطية وأن المسلمين غزاة (راجع حوار البابا شنودة مع المناوى)، فما يدور من محاولة لتغيير معالم التاريخ وإختلاق مفهوم وبُعد حضارى قبطى مزيف ، وما يدور من محاولات لربط الأقباط بالغرب وخيانة الوطن عبارة عن حقائق معاشة ، كان الأجدر بالسيد المؤلف أن ينتقدها أو يطالب بالكف عنها !
وفى نهاية هذه المحاولة الشديدة الإختصار والتى لم أتناول فيها إلا بعضا مما ورد بالكتاب ، لا يسعنى إلا أن اقول للسيد جمال أسعد ، الباحث عن الحقيقة والمصارحة ، إن الصدور جد مفعمة بالمرارات ، والأحداث الراهنة جد عصيبة ، ولا تحتمل اللعب بالألفاظ والتلاعب بالمسميات .. لكى لا أضيف وبالمغالطات.
نحن مصريون ، شعب واحد بلا شك ، شعب أغلبيته مسلمة وبه أقلية مسيحية ، نسيج واحد فى كيان الوطن ، والحوار الصادق الأمين ، الحوار الصريح ، هو المطلوب لدرء كل ما ألم بهذا الوطن من جراح على مر القرون.. وخاصة بعد أن بدأ الغرب يضع إخواننا المسيحيين أمام الإختيار الواضح :


خيانة الوطن ، أم الدفاع عن وحدته ؟!




ديسمبر 1992





حكاوي الجوادي ( الحلقة الثانية )

حكاوي الجوادي

الحلقة الثانية  

 الرئيس محمد نجيب




جاكوب كوهين: إسرائيل أفشلت ثورة مصر وتتغلغل عربيا



جاكوب كوهين: إسرائيل أفشلت ثورة مصر وتتغلغل عربيا




كشف المفكر اليهودي الفرنسي جاكوب كوهين عن الدور الذي لعبته إسرائيل والغرب في إفشال الثورة المصرية وإسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر، كما تناول سيطرتها على العديد من الدول العربية التي قال إنها باتت خاضعة لإسرائيل.
وقال المفكر -المغربي الأصل- في حلقة الأربعاء (18/6/2014) من برنامج "بلا حدود" إن إسرائيل والغرب بذلوا قصارى جهدهم للقضاء على الثورة المصرية، التي شكلت خطرا عليهم، بعد أن استطاع هذا البلد وللمرة الأولى أن ينتخب رئيسه ديمقراطيا، وكان لجماعة الإخوان المسلمين مشروع يتمثل في الهوية العربية وقطع العلاقة مع إسرائيل، وبالتالي بدأ العمل لمناهضة ذلك، والإعداد لانقلاب عسكري مقبول لدى الشعب المصري.
وأضاف أنه بوصول المشير عبد الفتاح السيسي لرئاسة مصر، تشعر إسرائيل بالارتياح بعد أن ساهمت في إيصال نظام حليف بل وخادم لها لسدة الحكم ليقوم بتنفيذ إرادتها، حسب قوله.
"هناك طرق متعددة ومتنوعة لإرغام الدول العربية على الخضوع للإملاءات الإسرائيلية وعدم تجاوز خطوطها الحمراء"
أما بقية الدول العربية فقال المفكر اليهودي إنه ليس هناك أي بلد عربي يعتقد أنه في منأى من السيطرة اليهودية والإسرائيلية.
وأوضح كوهين أن إسرائيل ساهمت في القضاء على كل الرغبات في الاستقلال والوحدة بالدول العربية أو إضعافها، ووصفها بأنها "ذراع عسكرية رهيبة" للغرب وتخدم ذلك الغرض، وهي "كلب حراسة للإمبريالية الغربية".
وكشف المفكر اليهودي عن نجاح إسرائيل في اختراق الأنظمة العربية، مدللا على ذلك بالمملكة المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حيث عمل مستشارون من الموساد له في الوقت الذي كانت إسرائيل تحتل فيه الضفة الغربية.
أما الدول الأخرى، مثل الجزائر والأردن والعراق، فقال كوهين إن هناك طرقا متعددة ومتنوعة لجعلها تخضع للإملاءات الإسرائيلية ولا تتجاوز الخطوط الحمراء التي تضعها، مثل مقاطعة الشركات التي لها علاقات مع إسرائيل، فيما اعتبر أن الأردن أصبحت "محمية إسرائيلية"، حسب وصفه.
وأكد أن الدول العربية تخضع لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة واليهود.
الصهيونية واليهوديةوعن الفوارق الأساسية بين اليهودية والصهيونية أوضح كوهين أن الصهيونية أيديولوجية نشأت في القرن العشرين ولا علاقة لها باليهودية، مشيرا إلى أن تقاليد الديانة اليهودية تفرض على اليهود عدم العودة بأعداد كبيرة إلى ما يسمى بـ"الأرض المقدسة".
وأضاف أنه قبل العام 1948 كان معظم اليهود ضد الصهيونية، ثم بدأ الحاخامات بالقبول والخضوع والعمل مع الصهيونية.
"كوهين اعتنق الفكر الصهيوني في شبابه قبل أن يدير له ظهره وينضم لمنظمة يهودية فرنسية تناصر القضية الفلسطينية، وله عدة مؤلفات أبرزها "ربيع السايانيم""
أما عن الكيفية التي استطاعت بها الصهيونية تسخير القوى العالمية لخدمتها، فقال كوهين إن الأمر حدث تدريجيا، فضلا عن تواطؤ بريطانيا ومساعدات عدة دول غربية أخرى.
وأوضح أن الإعلام والسينما والاقتصاد والثقافة تمثل إلى جانب أشياء أخرى أدوات الصهيونية للسيطرة والتغلغل، وأضاف أن إسرائيل تعد البلد الوحيد في العالم الذي ليس له فقط تأثير سياسي، لكن لديه عشرات آلاف العملاء داخل بلدان العالم، جندوا لخدمة إسرائيل ودعمها، من خلال ترسيخ صورة إسرائيل دولة صغيرة تريد السلام وسط عرب "إرهابيين" لا يؤمنون بالسلام.
الجدير بالذكر أن كوهين كان قد اعتنق الفكر الصهيوني في شبابه، قبل أن يدير له ظهره وينضم لمنظمة يهودية فرنسية تناصر القضية الفلسطينية، وله عدة مؤلفات عن الصراع العربي الإسرائيلي، أبرزها "ربيع السايانيم" و"الإله لن يعود لبيت لحم".
وبسبب مواقفه من إسرائيل والصهيونية، تعرض كوهين عام 2012 لاعتداء أعضاء من عصبة الدفاع اليهودية في فرنسا أثناء تقديمه كتابه الأخير المتعلق بالقضية الفلسطينية.
سوريا والعراق وفلسطينوبشأن الأزمة في سوريا وفيما إذا كانت لإسرائيل مصلحة في بقاء نظام بشار الأسد، أكد كوهين أن إسرائيل كانت لديها مصلحة في أن تبقي النظام السوري كما كان كنظام مستقر يخضع لها ويقبل بخطوطها الحمراء، ظلت محتلة جزءا من أرضه "الجولان" أربعين عاما ولم يطلق عليها رصاصة واحدة.
وأضاف أن إسرائيل تحاول بكل السبل إضعاف سوريا، التي قال إنه "حتى لو خرجت من أزمتها فستخرج مدمرة وضعيفة جدا ومنقسمة وستخضع للتناقضات الاجتماعية إلى الأبد".
"حتى لو خرجت سوريا من أزمتها فستخرج مدمرة وضعيفة جدا ومنقسمة وستخضع للتناقضات الاجتماعية إلى الأبد"
وبشأن الأحداث الحالية في العراق، أوضح أن إسرائيل ربما لا تتدخل حاليا مباشرة هناك، ولكن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 كان يهدف لإخضاع العراق لمصالح إسرائيل، الذي كانت تراه عدوا قاتلا بسبب قوته ووحدته، حتى تمكنت من تدميره.
وأضاف أن العراق يمثل نعمة للغرب الذي أبقى مصالحه الموجودة هناك وهي النفط، مشيرا إلى أن المخططات الأميركية والإسرائيلية تهدف لتقسيمه إلى ثلاث مناطق تخدم مصالح الإمبريالية الغربية.
أما عن حل الدولتين فيصفه كوهين بأنه "مهزلة وحل وهمي وغير منطقي" في ظل دولة تقزم أيديولوجيتها على الحرب والتوسع، متسائلا لماذا فشل هذا الحل إذا كانت كل الدول تؤيده؟ وهل يعتقد الفلسطينيون والعرب أن إسرائيل ستترك المستوطنات التي تبنيها كل يوم هناك؟

نص الحلقة

مدرسة الأمريكتين لتدريب السفاحين [1]

مدرسة الأمريكتين لتدريب السفاحين [1]


محمد يوسف عدس

في مدينة سراييفو عاصمة البوسنة في يوم 6إبريل2010 بمناسبة عيد استقلالها قُدّم عمدة المدينة إلى رويْ جوتمان Roy Gutman جائزة مجلس المدينة مع مفتاح مدينة سراييفو التاريخي .. ذلك لأن هذا الكاتب والصحفي الأمريكي الحر كان أول رجل في العالم يكتشف معسكرات الصرب لتعذيب وإبادة المسلمين البوسنويين؛ فنبه بذلك الرأي العام الأمريكي والعالمي إلى هذه المجزرة الدائرة بعيدا عن أعين البشر، وطارت صور هذه المعسكرات لتملأ الصفحات الأولى في صحف العالم .. ورأى الناس لذهولهم المعتقلين المسلمين خلف الأسلاك الشائكة، هياكل عظمية، لا تسترها إلا أسمال بالية، وقد خط الجوع والأمراض على وجوههم وأبدانهم آ ثارا جعلته أقرب إلى الموتى أو الأشباح...
(1)
ليس هذا هو موضوع المقالة على كل حال، ولا هو جوتمان الذي أردت أن أستشهد بكتاباته في موضوع هذه المقالة؛ فقد تبين لي أن المسألة لا تعدو أن تكون مجرد تشابه في الأسماء؛ فالرجل الذي عرض لحقيقة مدرسة السّفاحين، وكشف اللثام عن مهمتها الإجرامية في العالم، وعلى الأخص في بلاد أمريكا اللاتينية هو دبليو. إى. جوتمان W.E. gutman، قرأت له مرة مقالة عن نتنياهو، وحديثا آخر ألقاه في جامعة إسرائيلية، تميز بجرأته، يتنبأ فيه بأنه لا أمل في حل للقضية الفلسطينية ، على يد هذا الرجل الصهيوني المتعصب ضد العرب، الذي سيخذل كل آمال أوباما، وينسف كل وعوده المتواضعة لا في السلام فحسب، ولكن حتى في مجرد التهدئة المؤقتة ..!
والعجيب في الأمر هو أن هذا الكاتب الأمريكي يتحدث من واقع صداقته لإسرائيل، وهو نفسه كان يعمل لفترة من الوقت متحدّثًا صحفيا للقنصلية الإسرائيلية في نيويورك، والأدهى من ذلك أنه كان عضوا سابقا في عدد من المحافل الماسونية بالولايات المتحدة .. حيث يعتبرون هذه العضوية شرفا لا يرقى إليه إلا كبار المفكرين ، ولعل هذا يفسّر لنا في العالم الثالث عموما والعرب منهم أن من أبرز المؤهلات للوصول إلى المراكز العليا كمركز الوزارة مثلا أن يحتوى ملف المرشح على تقرير أمني يؤكد انتسابه إلى محفل ماسوني معتبر...!
ولكن ما هو سرّ اهتمامي بمدرسة السفاحين الأمريكية...؟!
أولا: قرأت مؤخرا مقالا مطولا لصديق عزيز هو الدكتور محمد عباس عن عمليات التعذيب والترويع والتدمير المادّي والمعنوي لمواطنين أبرياء على يد الشرطة.. يبدو فيها أن الكاتب يعبر عن اندهاش شديد وواضح لهذه القسوة المروّعة.
ثانيا: أنني عانيت من هذه الدهشة من قبل ، وحاولت البحث عن إجابة مقنعة لما أثاره الموضوع عندي من تساؤلات، وكانت نتيجة دراستي أنني كتبت عددا من المقالات نُشرت في مواقع مختلفة منذ بضعة أعوام منها: تفكيك الشخصية، والفاشية الناعمة، وظاهرة جنجريتش في السياسة الأمريكية وغيرها ...
ولكن هذه المقالات كانت مبنية على دراسات لعلماء النفس الاجتماعي يغلب عليها الجانب النظري، مع إنها لم تخلُ من أمثلة عملية قويّة الدلالة...
(2)
أما هذه المقالة فتتناول تحقيقا ميدانيا لخبير معنيّ بشئون هذه المدرسة ، وقد استطاع جمع حقائق لا حصر لها في مجال التطبيق العملي، بينما كان يعيش ويكتب تقارير في جولات طويلة بأنحاء دول أمريكا الجنوبية كمراسل دبلوماسي، يقول جوتمان:   "التخلص من شخص ما أمر سهل، أما تحطيم آمال الشعوب فيحتاج إلى جهود أكبر... لكنك تستطيع أن تقول واثقا بأن بعضا من الناس سيتطوّع للقيام بالعمل القذر مقابل مغريات ثلاثة: المال والجاه والسلطة... وعندما تفشل الأساليب الاعتيادية فيمكن الاعتماد على مدرسة الأمريكتين"؛ هكذا يبدأ جوتمانمقالته فيتساءل: "مَنْ مِنْ دول العالم أكثر من أمريكا تملك قوات عسكرية ومالية وتنظيمية وإعلامية هائلة..؟! وتملك خبرات تآمرية طويلة قائمة على العلم والتكنولوجيا الحديثة..؟!
من مثل أمريكا له مصالح هائلة متغلغلة في كل أنحاء العالم، وعينها على ثروات الدنيا تسعى لنهبها من كل بلد..؟! [أمريكا ليس لها أصدقاء، فهذه مجرّد خرافة شاعت وذاعت في وسائل الإعلام] ... أمريكا تبحث دائما عن رعاع ومجرمين عُتاة من أبناء هذه البلاد لتصنع منهم السلاح القاتل الذي تقتل به آمال شعوبهم ...! وتقطع بهم ألْسنة مواطنيهم فتخرسهم حتى لا يجرؤ أحد على المطالبة بحقه في ثروة بلاده ...؟!... ثم تبدأ أمريكا بالرموت كنترول عملياتها للامتصاص من بعيد، ودون أن تلطخ يدها مباشرة بالدم إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك..
هذا البحث الأمريكي عن الأراذل من أبناء كل شعب وصقلهم وتجهيزهم للقيام بأدوارهم المستقبلية اتخذ أكثر أشكاله تنظيماً وصراحة في مؤسسة بشعة السمعة هي"مدرسة الأمريكتين".. صمّمتها وزارة الدفاع الأمريكية لتحقيق هدف أساسي هو صناعة كوادر عسكرية وإرهابية عالية الكفاءة لتضيفها إلى الحثالات الأخلاقية من أصدقائها المزعومين في دول أميركا الجنوبية والوسطى، ومن ثم استعمالها لإحكام السيطرة الأمريكية على القارة بأسرها..
(3)
يقول جوتمان: "الطلاب في هذه المدرسة لا يتعلمون كيفية الدفاع عن أوطانهم، بل إشعال الحرب ضد مواطنيهم.. يتعلمون فنون تشويه الحقائق، وإخراس الشعراء والكتاب والصحفيين، وترويض المفكرين، وإسكات الناشطين، وعرقلة النقابات، وتكميم أصوات الاعتراض والاحتجاج، وتحييد الفقراء والجائعين والمنبوذين.. وإطفاء أحلام العامة حتى في مجرد مسكن آمن يأويهم مع أسرهم وأبنائهم تحت سقف واحد .. وإغراق حقول الوفرة بدموع المجتمع المقيد الجائع المقهور الذي يئن تحت وطأة الفقر والغلاء والأمراض.. وتحويل المحتجّين إلى عملاء مطيعين للنظام الدكتاتوري المستبد..."
أُسِّسَتْ مدرسة الأمريكتين في بنما عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية بعام واحد، ثم تم نقلها إلى "حصن بينينج" في الولايات المتحدة بعد عامين، عندما طردها الرئيس البنمي ووصفها بأنها "أكبر قاعدة لإثارة القلاقل في أميركا اللاتينية ..ومنذ تأسيسها حتى سنة 1955كان قد تخرج منها ما يزيد عن 60 ألف عسكري من دول أميركا اللاتينية..
(4)
اشتهر العديد من خريجي مدرسة الأمريكتين بأعمال الإرهاب والاغتيالات السياسية، مثل ما حدث عام 1989 عندما دخلت مجموعة من الجيش السلفادوري
إلى "الجامعة الأمريكية المركزية"Universidad Centroamericana) واغتالت ستة من القساوسة ومديرة منزلهم وابنتها، وقد تبين أن 19 من العسكر الـ 27 المشتركين في المذبحة كانوا من خريجي مدرسة الأمريكتين، حسب تقرير لجنة كشف الحقائق التابعة للأمم المتحدة .. ومنذ ذلك الحين يقوم الناشطون الأمريكيون الأحرار المطالبون بإغلاق المدرسة بالتظاهر سنوياً من أجل لفت الأنظار إلى معهد تفريخ الإرهاب هذا، ولكن بلا جدوى...
لم تكن تلك هي المذبحة الوحيدة لهم ولا حتى أكبرها، فقد كان خريجو المدرسة يشكلون حوالي ثلاثة أرباع الضباط السلفادوريين المتورطين في سبع مذابح أخرى خلال الحرب الأهلية في السلفادور، ومنها اغتيال القس الأكبر اوسكار روميرو... وفي كولومبيا وُجد أنه من الـ 246 ضابطاً الذين ارتكبوا جرائم مختلفة وفق محكمة دولية لحقوق الإنسان عام 1992، كانت حصة المدرسة 105 ضابطا .. وكان أكبر ثلاثة ضباط من المساهمين في انقلاب رئيس جواتيمالا السابق سيرانو عام 1993 من خريجي تلك المدرسة أيضاً، منهم وزير الدفاع السابق هوسيه دومينكو جارسيا ورئيس موظفي الرئاسة سيئ الصيت لويس فرانسيسكو اوريتجا ، و كان قد تدرب على نشاطات الأمن العسكري عام 1976 فيها.
ومن الأسماء الشهيرة من خريجي المدرسة أيضاً كان وزير الدفاع الجنرال ماريو إينريك ورئيس البرلمان الجنرال هوسيه إفرين ريوس مونت، والذي حكم جواتيمالا عامي 1982 إلى 1983، واشتهر بسياسة "الفاصوليا أو الرصاص": [الفاصوليا للمطيعين والرصاص للمتمرّدين]
(5)
ويواصل جوتمان سرد أسماء مجرمي هندوراس من خريجي المدرسة .. ويبين لنا كيف سميت بـاسم "مدرسة الدكتاتوريين" أو السفاحين.. وذلك لتخريجها ضباطا تمكنوا من الاستيلاء على السلطة بمساعدة المخابرات الأمريكية .. استولى كل منهم على السلطة بعد الإطاحة بحكومة مدنية منتخبة بصورة ديمقراطية في بلاده..
ويمضى جوتمان في سرد أسمائهم واحدا واحدا، فيذكر منهم مثلا: الرئيس هوجو بانزر سواريز الذي حكم بوليفيا بالحديد والنار، وسحق المعارضة وعمال المناجم بقسوة وحشية.. ويذكر روبرتو دوبوسيون، قائد إحدى فرق الموت السلفادورية والمخطط لاغتيال القس الأكبر روميرو.. والذي اتهم بالمشاركة في مذبحة "الموزوت" التي راح ضحيتها تسعمائة من الرجال والنساء والأطفال.
كان نورييجا من أول أمره شخصاً مؤهلا للتلمذة في مدرسة الأمريكتين .. فقد بدأ حياته السياسية جاسوسا لحساب الـ سى آي إي على الطلبة اليساريين من رفاقه في أحد التنظيمات.. ويذكر دبليو إي توجمان أسماء رؤساء آخرين ارتبطت أسماؤهم بالفساد والاستبداد وتجارة المخدرات، كان اسم واحد منهم لا يزال مسجلا في قائمة الشرف بمدرسة السفاحين حتى عام 1988! ... ويُذكر أنه في جواتيمالا التي يبلغ تعداد سكانها10 ملايين نسمة كان لشعب المايا من سكان البلاد الأصليين حصة الأسد من المعاناة، حيث قُتل منهم خلال 30 عاماً في الحرب الأهلية ما يزيد عن 200 ألف مواطن.. وكان معظم الجنرالات الذين شاركوا في الانقلابات الدموية وأعمال الإرهاب خلال تلك الفترة، من أولئك الذين تدربوا في مدرسة الأمريكتين...!
استجابة للضغوط المتزايدة لإغلاق المدرسة سيئة السمعة، قام الكونجرس بحركة التفافية لإنقاذ المدرسة فقد صوّت عام 2000 على إغلاقها ثم إعادة فتحها في عام 2001 باسم أخر هو "معهد نصف الكرة الغربي للتعاون الأمني" .. واشترط أن يضاف إلى منهج الدراسة فيها دروساً عن حقوق الإنسان لا يقل مجموعها عن 8 ساعات...! وذلك للتمويه أو ذرّ الرماد في العيون .. وقد وصف الناشط بورجوا، أحد مؤسسي منظمة (رقابة أميركا) هذه المحاولة بأنها: أشبه بإلصاق ورقة كتب عليها (بنسلين) على قنينة للسم".
(6)
 ومنها مانويل نورييجا دكتاتور بنما السابق المشهور.. الذي كان يحكم ويدير تجارة المخدرات بالتعاون مع إدارة ريجان عندما كان بوش الأب مديرا للمخابرات المركزية، حتى اضطرت الإدارة الأمريكية للتخلي عنه والانقلاب عليه بعد افتضاح أمره أكثر مما يجب.. وأصدر الكونجرس قانوناً ضده رغم اعتراض الإدارة، وحين لم تجد الإدارة الأمريكية طريقاً لإنقاذه (وكان يفاوضها على ذلك مقابل اغتيال مسئولي الساندينست في نيكاراجوا) هاجمت القوات الأمريكية بنما ... وفي النهاية سلم نورييجا نفسه حيث حُكم عليه بالسجن لمدة أربعين عاماً بتهم تتعلق بتجارة المخدرات!..مدة سجن مبالغ في طولها حتى يموت في السجن قبل أن يُتاح له فرصة من الزمن للحديث عن شركائه في تهريب المخدرات من كبار رجال الإدارة الأمريكية ..
 
(7)
يحاول اليوم بعض المعتدلين استبدال القواعد العسكرية الأمريكية في العراق مع الاكتفاء بتدريب القوات العراقية من جيش وشرطة في هذه المدرسة تحت اسمها الجديد، .. وهكذا مازال "معمل تفريخ الدكتاتوريات والسفاحين" يستقبل أسوأ إفرازات مجتمعاتنا العربية، ليعيدهم إلى بلادهم مرة أخرى وقد تسلحوا بالمعرفة اللازمة والتدريب المناسب لخنق أي تطلع في بلادنا التعيسة نحو الحرية أو الديمقراطية، مما لا يتناسب مع أنشطة ومصالح الشركات الكبرى، والتكتلات الاحتكارية الأمريكية وطموحاتها، التي تتركز في: السيطرة على العالم، ونهب ثرواته وموارده .. وتجريد الشعوب من كرامتها وإنسانيتها وأخلاقها الدينيِة .. وكل ما تعتز به في تقويم هويّتها... ولك أن تفهم لماذا لا يستطيع أوباما ولا أي رئيس أمريكي آخر أن يقدم على إغلاق مدرسة السفاحين..؟! لو كان قادرا لاستطاع إغلاق معسكر التعذيب في جوانتنامو، بعد أن وعد وأكد أنه سيغلقه... لماذا لم يفعل..؟ لأن مثل هذا الأمر ليس بيده .. ليس من اختصاصه ولا من اختصاص أجهزة دولته كلها .. الأمر بيد من يسيطر على التكتلات الاحتكارية.. ومدرسة السفاحين جزء من آليات هذه المؤسسة الكونية ..
(8)
ثم اعلم أنه [فيما يخصّنا هنا على الأقل]ستجد إن خبراء التدريب في هذه المدرسة يركزون هناك على تدريب ما يسمّونهم ب[المدرِّبين]، أي الذين سيقومون بعد ذلك بتدريب غيرهم .. وهكذا يمتدّ تأثير أفكار هذه المدرسة الجهنمية إلى أوسع نطاق .. ولتشمل أعدادا من البشر أكبر مما تتصوّر .. إنهم يغسلون عقولهم وينفثون في أرواحهم كراهية عميقة لتراث شعوبهم الثقافيّ، وعلى الأخص احتقار رجال الدين وكراهيتهم.. ويعلّمونهم أن الإرهاب نابع من القرآن نفسه.. ويستشهدون على ذلك بالآية القرآنية: { وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدوّ الله وعدوّكمْ} ثم يضيفون:
عليكم أن تفهموا وتتنبّهوا.. فأنتم أعداء هؤلاء المتشددين الإرهابيين .. فإذا سمحتم لهم باستلام السلطة أو الاقتراب منها فستكونون أول ضحاياهم ... [ لا حظ أن لديهم من أبناء جلدتنا عدد من خبراء اللغة والثقافة الدينية يعملون كمستشارين يتقاضون رواتب هائلة .. ويقدّمون لهم النصائح القاتلة .. ولست أستبعد أن الأستاذ الأزهري الذي أعلن عن تنصّره.. ثم هرب إلى أمريكا قد وصل الآن واستقر في مدرسة السفاحين]....!
 
(9)
لعل فيما ذكرت آنفا ما يلقى الضوء على بعض الجوانب الغامضة في سلوك رجال الأمن مع الشيوخ الأفاضل .. لعله يفسر بعض الظواهر الغريبة التي بدأت تتمدّد على صدر مجتمعاتنا .. من هذا: الأسرة المسلمة في العريش التي لجأت إلى الكنيسة بعد أن يئست في محاولاتها إنقاذ ابنها البريء المحتجز لدى رجال الأمن.. بعد أن يئست كل محاولاتها في استنفار المشايخ والسياسيين والمحافظ... ثم كيف استقبلها رجل الأمن وهى في حماية القسيس بالترحاب والابتسام .. والتحية بالمشروبات الساخنة والباردة.. ثم أطلق سراح ابنها تكريما لمقدم القسيس المبارك... أليست هذه دعوة صريحة لتيئيس المسلمين من دينهم وتوجيه نظرهم إلى دين آخر تتحقق به المصالح وتنحل به المشاكل والمآسي ...؟؟ إذا كان الأمر غير ذلك فدلوني عليه مشكورين..!
قل لي يا صديقي الكاتب الألمعيّ الأستاذ جمال سلطان، فأنت الذي أثرت موضوع لجوء الأسرة المسلمة للكنيسة في العريش .. هل لديك تفسير آخر ..؟! إذا لم يكن لديك فانظر إلى هذا الجانب للقضية نفسها .. يرصده مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف.. إنه فيما يذكر صديق آخر وكاتب شجاع هو الدكتور محمد عباس في مقالة له يقول فيها: يرصد المركز كيف يعامل ضابط الأمن المهذب الرقيق مع الكهان والقساوسة وكيف ينقلب على رأسه في التعامل مع الشيوخ... يسرد المركز وقائع تعذيب أحد شيوخ المساجد... ويروي حكاية علقة ساخنة لإمام مسجد داخل أمن الدولة بالعريش بعد خطبة له عن رعاية اليتيم . وقد نشرت صحيفة  "المصريون بعض التفاصيل: حيث تم استدعاء  الشيخ محمد عبد الحميد بعد إلقائه خطبة الجمعة المذكورة بالعريش وانهال ضابط مباحث أمن الدولة عليه بالسب والشتم وسب الأم والأب ثم قام الضابط محمد رضا بضرب الشيخ على وجهه وعلى صدره ضربا مبرحا وهدده بالاعتقال إذا رآه مرة ثانية في مكتبه ..[الحقيقة أنني لم أفهم من تفاصيل الجريدة ولا من كلام الدكتور محمد عباس لماذا يعاقب شيخ على حديثه عن الأيتام..!]
ونتابع الخبر: حيث يشير إلى أن الضابط نفسه قد قام باستدعاء الشيخ المثالي بالمحافظة وإمام وخطيب مسجد أبو هريرة بالعريش الشيخ عبد الله القطب وقام بسبه وشتمه بأفظع الألفاظ الجارحة وشتم الأب والأم ، وقام بتهديده بتلفيق قضية أموال عامة واعتقاله وصعقه بالكهرباء وتعذيبه ، وتتطاول على أئمة المساجد كلهم بالجملة بأفظع الألفاظ.
وقام الشيخ محمد عبد الحميد والشيخ عبد الله القطب بتقديم بلاغ إلى المحامي العام بنيابة شمال سيناء وتم تحويل البلاغ إلى النيابة ...[أيضا هنا لم أفهم ما هي المشكلة.. أم أن المسألة مجرد استعراض عضلات حتى يفهم الجميع من هو صاحب السلطان.. وأنه لا سبيل للحياة إلا بالخضوع التام والالتزام بالأوامر بلا فهم ولا مناقشة..!! أيّ جهنم هذه التي يعيشها الناس..؟! وهل نشهد اليوم آخر ثمار المنظومة السياسة وقد نضجت وتعفنت، وأصبحت في طريقها إلى التحلّل والانهيار...!هل هذه خلاصة ما تبقى في قاع هذه المنظومة من قاذورات... قبل إن تذبل وتموت...! ]
(10)
تعجّب الشيخ قطب من موقف مدير عام أوقاف شمال سيناء الذي يقف موقفاً متخاذلاً أمام ما يتعرض له الأئمة من انتهاكات وإهانات من الأمن، وقال إننا أرسلنا فاكسات عاجلة لكل من وزير الداخلية ووزير الأوقاف وشيخ الأزهر ومحافظ شمال سيناء لإطلاعهم على ما نتعرض له على يد رجال الأمن... يا شيخ قطب الله وحده هو الوليّ وهو الملاذ وهو مالك الملك، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير.. أعرف أنك لست بحاجة إلى موعظتي..إنها مجرد تذكرة .. ولكن إذا أردت أن تعرف في أي عالم نعيش اليوم فاقرأ هذا المقال... ولله الأمر من قبل ومن بعد 

علماء السلطان وتاريخهم وكيف دمروا الأمة



تاريخنا  في الميزان

علماء السلطان وتاريخهم وكيف دمروا الأمة

مع الدكتور طارق سويدان





صورة اليوم



أوباما وأبو عماما !






إنهم لايملكون البكاء كالنساءعلى ثورة لم يحافظوا عليها كالرجال


إنهم لايملكون البكاء كالنساءعلى ثورة لم يحافظوا عليها كالرجال

وائل قنديل


يمكن بكثير من التسامح، تفهّم أن قطاعاً هائلاً من المصريين تعرّض لعملية خداع استراتيجي في ٣٠ يونيو/ حزيران من العام الماضي، فسقط في فخ ثورة مضادة دهست بسنابكها وأحذيتها الثقيلة ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.
لكن لا يمكن على الإطلاق ابتلاع أكذوبة أن الطبقة العليا من النخبة السياسية في مصر كانت ضحية للخداع ذاته، ذلك أن هذه الطبقة كانت واعية ومدركة تماماً أنها حاشدة ومحتشدة ومحشودة لإسقاط ثورة يناير وليس لإسقاط نظام حكم الدكتور محمد مرسي.
كل المقدمات كانت واضحة لا لبس فيها ولا تشويش، كان الأبيض واضحاً والأسود أوضح، بحيث كان الذين زأروا كأسود جائعة طلباً لرأس نظام الحكم المنتخب لأول مرة راضين تماماً بدور الأرانب، وربما الفئران، في ماكينة انقلاب الثورة المضادة، طمعاً في قليل من العشب، أو اختباء من جنون الماكينة المنطلقة بأقصى عنفوانها.
وبالتالي لا يصح هنا التماس أعذار لمَن كانوا يعلمون، ويعون بالضبط طبيعة ما هو آتٍ، إذ كان معظمهم من أولئك الذين لا ينفكون يملأون الدنيا طنيناً بـ"حواديت" الثورة المضادة، حسب الكتالوج الروماني، وحكايات انقلاب العسكر، كما حدث في سيناريو جمهورية "تشيلي" مطلع سبعينات القرن الماضي.
في ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٢، كان واضحاً تماماً أن كل الأطراف قررت إشعال النار في ثورة يناير، وقلت وقتها: 
"ليس أكثر قتامة وعتامة من اللحظات التي تمر بها مصر الآن سوى لحظة الجنون التي أودت بالعرب إلى الجحيم وأخرجتهم من التاريخ ليلة ٢ أغسطس ١٩٩٠، حين انفتح الباب واسعاً لكي يقتل العربي أخاه في معركة خرج الجميع منها مهزومين مقتولين".
في تلك اللحظة، كانت ثورة ٢٥ يناير المصرية تقف على الباب ذاته وتتأهب للقفز إلى حريق مستعر، صنعه أعداء هذه الثورة ببراعة فائقة، وينساق إليه شركاؤها وكأنهم يمارسون رقصة جنون جماعي أو لعبة موت.
نعم، كل الأطراف شاركت في اغتيال ثورة يناير. تسابقت أخطاء نظام مرسي مع خطايا المعارضة اللعوب لبلوغ الهدف بأقصى سرعة، والذي حدث ببساطة متناهية أن المصلحة الانتخابية والتكتيكات الحزبية قد طغت على المصلحة الوطنية واستراتيجيات التوافق الوطني ـ على أرضية الثورة ـ ورأينا حزب جماعة الرئيس في طليعة العاملين على إحراق مصداقية الرئيس، في سياق حالة من الهرولة الجماعية ـ حكومة ومعارضة ـ لمغازلة رموز النظام السابق، انتخابياً واقتصادياً، تعكسها تصريحات متعاقبة من قيادات الحرية والعدالة تتحدث عن المصالحة مع ماضٍ لا يزال في طور فعل المضارع المستمر.
هذا ما سجلته في ذلك الوقت حين بدا أن بعضاً من المحسوبين على الرئيس المنتخب ساهموا، بمنتهى السذاجة والغفلة، في قطع الطريق على كل محاولة لإقامة حالة حوار وطني تحول دون اندلاع حريق في بيت الثورة المهددة بالزوال، وكان التجلّي الأوضح لهذه الحالة أن ما كان يتم التوافق عليه في جلسات الحوار التي تستضيفها مؤسسة الرئاسة كان يُحرَق في قاعة مجلس الشورى الذي آلت إليه سلطة التشريع في ذلك الوقت، ومن ذلك إلغاء المادة الخاصة بعدم جواز تغيير النائب لصفته وانتمائه الحزبي الذي توافق عليها المشاركون في جلسات الحوار الوطني، بمجرد وصوله إلى مجلس الشورى. 
وقد أعلنت وقتها أن لا معنى لذلك إلا أن حزب الحرية والعدالة يسير على خطى "الوطني المنحلّ"، وينقل حرفياً من كتابه الكريه في أصول الألاعيب البرلمانية.
الآن.. لا يوجد محمد مرسي ولا حزبه أو جماعته، توجد ثورة ملقاة غارقة في دمائها على قارعة الطريق، وهي ثورة كان قطاع من أهلها يصرون على أن لا دور للإخوان فيها.. حسناً..
تقدموا أيها الثوار المغاوير وأنقذوها، فما عاد للإخوان وجود إلا في المقابر الجماعية وعتمة السجون والمنافي.. هذا وقت انتفاضتكم لو كنتم جادين حقاً في الحرص على إثبات انتمائكم لهذه الثورة الذبيحة.
أدعوكم لمراجعة البنود السبعة، أو قل الأساطير المؤسِّسة لدعوة الجماهير للانقضاض على حكم محمد مرسي، اقرأوها على أنفسكم وانظروا حولكم وتفحّصوا ملامحكم في مرايا ضمائركم، وقارنوا بين ما كان وما هو قائم الآن، حدّثونا عن حرية المواطن وحق الإنسان في حياة محترمة، كلّمونا عن حتمية إسقاط "حكم الشحاتة والتسوّل" والأمن المفقود والاقتصاد المنهار، والكرامة الوطنية والتبعية للسيد الأميركي. هل أتاكم نبأ استيراد الغاز من العدو الصهيوني، بعد أن كان منتهى النضال هو منع تصديره بثمن بخس للعدو؟
أتذكّر أن السيد محمد البرادعي كان يغرّد أناء الليل وأطراف النهار بسقوط شرعية النظام كلما منع مظاهرة أو اعتقل متظاهرين. والآن لدينا أكثر من أربعين ألف معتقل، ومتظاهرات يُغتَصَبن في السجون، وهو شخصياً متهم بالخيانة العظمى، دون أن يجرؤ على التغريد أو يتجاسر ويبدي ألماً وامتعاضاً من فاشية اشتعلت في طرف ثوبه ومكارثية التهمت أقرب مريديه.
ولكل ما سبق من تفاصيل مخجلة في صورة شديدة العتامة، لا تملك إلا أن تنحني احتراماً لجماهير لا تزال قابضة على جمر ثورتها، في مواجهة سلطة مدججة بالفظاعات، ونخبة غارقة في عنصريتها، لا ترى في كل هذا الصمود نضالاً، لا لشيء سوى أنها مسكونة بوهم أن لا نضال إلا ما يهتف بحياتها ويردد "كليشيهات" هي صانعتها.
هي نخبة لم تعد تملك حتى القدرة على البكاء كالنساء على ثورة لم تحافظ عليها كالرجال، ويا لبشاعتها وهي تزدري مَن اختاروا استكمال المسير في طريق وحيد لانتزاع الحلم من بين أنياب قاتليه