المسافة بين المالكي وبشار
ياسر الزعاترة
كان السؤال الأكثر إلحاحا في أذهان كثيرين عشية تخلي إيران عن نوري المالكي هو المتعلق بإمكانية انسحاب ذلك لاحقا على بشار الأسد في سوريا، لاسيما أن صلة واضحة تربط بينهما ممثلة في كونهما التابعين الأكثر أهمية للمشروع الإيراني في المنطقة، إلى جانب حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، فضلا عن بعض شيعة الخليج الذين تحاول إيران استخدام بعضهم وقت تشاء بحسب تطور المعادلات السياسية على الأرض.
ما ينبغي التأكيد عليه ابتداءً هو أن التخلي عن المالكي كان متوقعا منذ اللحظة التي سقطت فيها الموصل بيد “الدولة الإسلامية”، وهو السقوط الذي يدرك الجميع أنه ما كان ليتم، وبعده مدن أخرى بعضلات الدولة وحدها، بل بوجود حاضنة شعبية في الوسط العربي السنّي بعد اليأس من إمكانية التفاهم مع دكتاتور طائفي هو المالكي.
وللتذكير، فقد غابت تلك الحاضنة حين عوّل العرب السنة على العملية السياسية للحصول على وضع معقول، الأمر الذي انكشف عن لا شيء في الواقع العملي، إذا طارد المالكي رموزهم وأمعن فيهم قمعا وتهميشا، وعندما ذهبوا في الاتجاه السلمي ما لبث أن تعامل مع اعتصامهم السلمي بالقوة المسلحة.
من هنا لم يكن بوسع الولايات المتحدة أن تشارك في مواجهة “الدولة الإسلامية” من دون تفاهم واضح مع إيران على شطب المالكي، وهو ما كان، لكن البعد الذي لا يقل أهمية في السياق هو إدراك إيران سريعا لحقيقة عجزها عن احتمال نزيفين في الآن نفسه؛ النزيف السوري والنزيف العراقي، لاسيما أن العراق كان يحمل عنها جزءا كبيرا من العبء في سوريا؛ إن كان ماليا ونفطيا، أم بشريا عبر مشاركة مليشيات شيعية عراقية في القتال إلى جانب بشار، ولذلك كانت معادلة الخسارة كبيرة جدا في حال استمر النزيف العراقي، وهو ما دفع إيران إلى عناق سريع مع “الشيطان الأكبر” بقبول مساعدته مقابل صفقات سلاح للعراق في ظل الحاكم الجديد، ومقابل التخلي عن المالكي، ولكن أيضا مقابل وعود (مرجحة) بالتفاهم على الملف النووي، وحيث يدرك الجميع أن أمريكا لم تكن لتلقي بثقلها من أجل ضرب الدولة الإسلامية في العراق من دون تفاهم على ذلك الملف.
الآن، ينهض السؤال الآخر المتعلق ببشار الأسد، وما إذا كانت إيران في وارد التخلي عنه كما هو حال المالكي أم لا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق