أين يختبئ المثقف المتواضع؟
د. جاسم الجزاع
لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف آخر ويأخذون برأيه؟ وهم يعلمون أن المثقف الذي انزووا عنه أكثر علما من المثقف الأول؟
فعندما نتأمل في تاريخ الأفكار وتطورها وتغيرها، نكتشف أن الأزمات الكبيرة التي نعانيها لا تأتي مباغتة بقدر ما تكون نتيجة أخطاء تراكمت وتُرِكت لسنوات دون علاج.
ومن أكبر هذه الأخطاء هي فكرة "وصاية المثقف" على المجتمع، فبدلاً من أن يكون المثقف شعلة نور تفتح الأبواب المغلقة فكرياً وتكشف الحقائق للناس وتريهم النور في حياتهم، تحول مع الوقت إلى "وصي" على عقول الناس البسطاء ويحاول فرض رأيه بالقوة على المجتمع دون دلائل واضحة ودون أخلاقيات سمحة، فالناس قد تتقبل منك لأن طريقة عرضك للفكرة كانت مغلفة بالود والاحترام، وهذا الأسلوب الاستعلائي الكبريائي جعل بعض المثقفين يرى نفسه كأنه "المرشد" أو المنقذ الوحيد الذي يملك الحقيقة المطلقة، بينما ينظر إلى عامة الناس وكأنهم "قطيع" جاهل، فلا يعرفون مصلحتهم ولا يفهمون شيئاً في الحياة من دونه، وهذا التعالي والكبر الثقافي لم يظل مجرد كلام في الكتب، بل تحول إلى جدار عازل فصل المثقف تماماً عن نبض الشارع الذي يعيش في مجرياته، فصار يعيش في برج عاجي معزول، يطلق شعارات رنانة بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومشكلاتهم الحقيقية في الواقع.
وفعلا إذا تأملنا في دقائق هذه المسألة سنجد أن هذه النخبة الفكرية التي تعامل الناس بهذه الأفعال الاستعلائية سرعان ما تنكشف جهالتها عند أول صدمة، فالمثقف الاستعلائي الذي قضى سنوات طوالاً يدعي أنه يملك مفاتيح الحلول ويرسم المستقبل، وجد نفسه فجأة واقفاً في مكانه مذهولاً وعاجزاً أمام الأحداث والتحولات الكبيرة التي هزت بيئته من حوله، ولقد أثبتت لنا الوقائع أن الحياة تتحرك بسرعة مدهشة ولها قوانينها الخاصة، وهي لا تنتظر إذن المثقفين ولا تطلب بركة المفكرين لكي تتغير من مسار الى مسار ومن نتيجة الى نتيجة، ولهذا السبب، سقطت العديد من الأفكار والشعارات والادعاءات الكبرى التي ادعاها بعضهم أمام انتفاضات الناس العفوية تجاه المسلمات بزعمه، وهذا العجز الواضح كشف لنا أن هذا التعالي لم ينتج وعياً، بل أصاب أصحابه بـ"عمى وغرور فكري"، وبدلاً من أن يستشرف المثقف المستقبل ويمهد الطريق للمجتمع، أصبح هو أول من يتفاجأ بالتحولات والخطوات التي يتخذها الناس، مما أفقده هيبته وثقة الشارع به.
وأمام هذه الحقائق، أصبح من الواجب اليوم أن نرفض هذا النمط من المثقفين ونبحث عن نموذج "المثقف المتواضع"، لكي نكسر هذا الوهم، ويجب على المثقفين النزول فوراً من منصات الأستاذية والتوقف عن توزيع صكوك الغفران والمحاكمات الفكرية، وأن يدخلوا مع الناس في حوار حقيقي كشركاء لهم في حياتهم، ولا يكونوا أوصياء على عقولهم، فالحل ليس في إلغاء دور المثقف والثقافة، بل في جعل المثقف باحثاً مستمراً عن الحقيقة يداً بيد مع مجتمعه، ولا يظن نفسه حارساً لنسخة واحدة منفردة من المعرفة ويظن أنه الوحيد الذي يملكها.
فيا أصدقائي إن الاعتراف بأن المعرفة واسعة، وأن الناس العاديين قادرون على فهم واقعهم وإدارة حياتهم، هو الخطوة الأولى لإنهاء الفجوة الكبيرة بين بعض المثقفين والناس، وعندها فقط، ستتحول الثقافة من أداة للتعالي على الناس إلى مساحة حرة تخدم الجميع، فالأفكار لم تُنتج ليتعالى بعضنا بها على بعضنا، بل وُجدت لتصحح نفسها أولاً، وتضمن ألا نقع في فخ الوصاية على عقول الآخرين مجدداً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق