سؤال محيّر في الصميم
قد يغيبُ عن الجيلِ الجديد، الذي لم يُعاصر ولم يستوعب، كيف صهرتِ القواتُ الأمريكيةُ بمقذوفاتِها النوعية عام 2003 الجيشَ والقواتِ والآلياتِ العراقية، لاسيما في معركةِ مطارِ بغداد الشهيرة.
وفيما استخدمَ الجيشُ الأمريكيُّ قدراتِه قبل ربعِ قرنٍ لإفناءِ وسحقِ وصهرِ الجيشِ العراقيِّ العربيِّ الكرديِّ السني، يستجدي ترامبُ اليومَ الحرسَ الثوريَّ الإيرانيَّ لقبولِ عقدِ الاتفاقِ المقترح معه!
لقد استخدمتِ الإدارةُ الأمريكيةُ كلَّ قدراتِها العسكريةِ لإفناءِ العراقِ العربيِّ السني، لكنها اليومَ تستخدمُ قدراتِها العسكريةَ والدبلوماسيةَ والسياسيةَ والاقتصاديةَ للحفاظِ على مشروعِ وليِّ الفقيه ممكنًا في حكمِ طهران، وتسعى لتحقيقِ أهدافٍ أخرى مختلفةٍ وأبعدَ وأعمقَ مما يعتقده القارئُ والمتابعُ البسيط.
وخلاصةُ القول: بقدرِ ما تسعى أمريكا والغربُ إلى إفناءِ وتدميرِ وتفكيكِ أيِّ دولةٍ عربيةٍ أو إسلاميةٍ واعدةٍ تسعى نحو النهضة والانعتاق السياسي من الهيمنة الغربية، بقدرِ ما تسعى للمحافظةِ على منظومةِ إيرانَ الطائفية، والتي حققت للغربِ إنجازًا كبيرًا لم يحقق عشره ذراعها الضارب إسرائيل، وذلك من خلالِ تدميرِ المنظومةِ السياسية والمجتمعية العربيةِ وإحداث الاصطراع الثقافي الجارح، واستنزافِ دولها وسرقة ثرواتها ومنعِ نهضتِها؛ وهو ما يجبُ أن تعيهِ تركيا الصاعدة.
سرُ الاستجداءِ الأمريكيِّ لإيران.
إنَّ أمريكا معنيّةٌ أكثرَ من إيران بالوصولِ إلى حلٍّ مع النظامِ الإيراني -رغم قدرتِها على سحقِه بضربةٍ واحدةٍ تُنهيه إلى الأبد- وذلك إدراكًا منها لأهميةِ بقاءِ مشروعِه الطائفيِّ وأدواتِه الفاعلةِ في التدمير، -بالذات بعد ثوراتِ الربيعِ العربي التي خلخلتِ البُنى والمفاهيمَ القطرية، وضربت وكلاءَ الغربِ في الدولِ العربية- وهو ما زادَ مستوىَ التهديدِ بزوالِ أو تراجعِ الهيمنةِ الأمريكيةِ الغربيةِ على المنطقةِ العربيةِ والأقاليمِ الإسلامية.
يدركُ الكاهنُ الغربيُّ الصهيوصليبيُّ والمديرُ التنفيذيُّ الأمريكيُّ أنَّ النظامَ الإيرانيَّ الحاليَّ ومنظومتَه الطائفيةَ ضرورةٌ مرحليةٌ لا تزالُ قائمة؛ وإذا كان قد تخلّى عن بشارِ الأسد نتيجةَ تضحياتِ الثوارِ وثباتِ أهلِ الشامِ الكرام، فوصلَ الأحرارُ إلى دمشق وفككوا منظومةَ الجيشِ والاستخباراتِ الأسدية، التي كانت تُشكّلُ حلقةً متقدمةً للأمريكان والإسرائيليين وعمومِ الأجهزةِ والأنظمةِ الأمنيةِ الأوروبية، فإنَّ استغناءَ أمريكا عن النظامِ الإيرانيِّ الحاليِّ ومنظومتِه الطائفية سيؤولُ إلى أضعافٍ مضاعفةٍ من الخسائر مقارنةً بالثمراتِ المحدودةِ التي تحققت في أرضِ الشام؛ وهو ما يستدعي أن يعضَّ الأمريكانُ بالنواجذِ على النظامِ الإيرانيِّ الحاليِّ ومنظومتِه الطائفية.
فأمريكا تُدركُ أنَّ عمومَ العواصمِ العربيةِ تنتظرُ لحظةَ تراجعٍ وخلخلةٍ في ركائزِ السيطرةِ الأمريكيةِ على منطقتِنا وإضعافِها، لاستردادِ قرارِها وإنهاءِ سطوةِ وكلاءِ الغربِ الذين نُصِّبوا على رقابِ شعوبِنا العربيةِ والإسلامية.
إنَّ أهميةَ بقاءِ المشروعِ الإيرانيِّ الطائفيِّ وأدواتِه في المرحلةِ الحالية -إلى جانبِ إسرائيل- تُشكّلُ ضمانةً متقدمةً لأمريكا والغرب في العبثِ بالمنطقةِ العربيةِ وتركيا، ومنعِها من الانعتاقِ بوصفِه شرطًا لنهضتِها السريعةِ الراجحة، بعد تحررِها السياسيِّ من الكاهنِ الغربيِّ الجاثمِ على صدرِها منذ قرنٍ ونصف.
سننُ اللهِ في التدافعِ أقوى من تدبيرِ الطواغيت.
يغفلُ أهلُ الباطلِ ومعسكرُه أنَّ اللهَ أكبر، وأنَّ كلَّ ما سواه أصغر، وأنَّه سبحانه يُديرُ الكونَ بتفاصيلِه وفقَ سننه التي لا مبدلَ لها.
يقولُ سبحانه وتعالى:
﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾.
فاثبتوا على إيمانكم يا إخوتي، وإياكم واهتزازَ الثقةِ بالله، ولا تدفعنَّكم موازينُ القوى إلى تغييرِ حكمِكم الشرعي، وتوصيفِكم الأخلاقي، ومواقفِكم الراشدةِ المنحازةِ للحقِّ وأهلِه. وهنيئًا لمن استقامَ وصبرَ وثبت.
مضر أبو الهيجاء فلسطين/جنين 8/5/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق