مضر أبو الهيجاءليسَ مستغربًا بالمطلقِ أن يذهبَ الإمبراطورُ الأمريكيُّ إلى التنينِ الصينيِّ الأصفر، حيثُ يسعى إلى الحفاظِ على مُلكِه، لاسيما وقد سبقَ ذلك بخطواتِ محاصرتِه دوليًّا وإقليميًّا قبلَ أن يجلسَ على الطاولةِ معه.
كنتُ ولا زلتُ أقولُ:
إننا كمشاريعَ عربيةٍ وإسلاميةٍ لسنا أكثرَ من فروقِ حساباتٍ في منظورِ وميزانِ المشاريعِ الدوليةِ المتصارعة، وذلك بسببِ غيابِ مشروعٍ حقيقيٍّ مُعبِّرٍ عن مجموعِ الأمةِ وثقافتِها القائمةِ على دينِ الإسلامِ العظيمِ وأحكامِ شريعتِه الراقية. وهو ما عوَّقتْه المشاريعُ القُطريةُ التي تعامَتْ وتجاوزتْ عن حقيقةِ الأمةِ الواحدةِ من جهة، وغرقُ مشاريعِ التغييرِ الإسلاميِّ في منظومةِ الدولةِ الوطنيةِ الحديثةِ المكبِّلة لهُ من جهةٍ أخرى.
لقد جاءَ اللقاءُ الأمريكيُّ-الصينيُّ تتويجًا لمرحلةٍ طويلةٍ من ليِّ الأذرعِ وفرضِ الهيمنةِ على الأرضِ والبحرِ والجوِّ من كلا الطرفين. وقد سارعَ الطرفُ الأمريكيُّ نحو هذا اللقاء بعدما اختطفَ الرئيسَ الفنزويلي، وصادرَ نفطَ فنزويلا، فيما حطَّمَ ثلثي القوةِ الإيرانية، وقامَ بتشذيبِ النظامِ الإيرانيِّ لمنعِ صعودِه فوقَ المستوى الإسرائيلي، وفي الوقتِ نفسه فقد أبقته للحفاظِ على شرورِه وأدوارِه وخطواتِه الساعيةِ لمنعِ أيِّ نهضةٍ عربيةٍ إسلامية، وتعويقِ وإفشالِ كلِّ حالةٍ ثوريةٍ أو نهضويةٍ واعدة.
وكما استخدمتِ الصينُ إيرانَ في معاركِ النفوذِ مع القطبِ الأمريكيِّ وتركتْها تواجهُ مصيرَها -فحافظت إيران على نفسها نتيجة وعيها بطبيعة العلاقة مع الصين وأهدافها-، فإنَّ إيرانَ سبقَ أن امتطت واستخدمتِ الفصائلَ الفلسطينيةَ المقاومةَ في معاركِ نفوذِها مع المشروعِ الإسرائيلي -فهلكت المقاومة نتيجة حسابات خاطئة ورؤى قاصرة أقامتها حول فكرة وحدة الساحات الإيرانية-. وبالعموم فإن ما فعلتْه إيرانُ وتسببتْ به في غزة، فُعلَ بها اليومَ في طهران.
وإذا كنّا لا نُفرِّقُ بين المشروعِ الأمريكيِّ والمشروعِ الصينيِّ والمشروعِ الإسرائيليِّ والمشروعِ الإيرانيِّ من حيثُ أصلُ العداءِ للإسلامِ وتجاهَ أمةِ المسلمين، فإنَّ التميٌُزَ الكبيرَ لا بدَّ أن يكونَ من صالحِ المسلمين، الأمرُ الذي يستوجبُ أن يكونَ المسلمونَ على درجةٍ أعلى من الفهمِ والنضجِ والذكاءِ والحكمةِ والإدارة، بما يحفظُ مصالحَ المسلمين، ويُحدِّدُ سقفَ كلِّ خطوةٍ بعدَ دراستِها بشكلٍ أصيلٍ يُعبِّرُ عن أهدافِ الأمةِ وهويّتِها ومصالحِ شعوبِها، دون افتئات حزبي على الشعوب ودون تجاوز حزبي لنصح العلماء الربانيين.
كيف نتعلمُ من الكفرةِ والأعداءِ ما ينفعُنا؟
إذا تناولنا التجربةَ الفلسطينيةَ التنظيميةَ الحزبيةَ الحركية، ووضعناها على طاولةِ التشريح، فإنَّ حجمَ الأخطاءِ السياسيةِ والقتاليةِ والمجتمعيةِ التي يمكنُ أن نقفَ عليها سينفعُ عمومَ التجاربِ العربيةِ والإسلاميةِ بشكلٍ كبيرٍ وهام.
وحتى لا نختزلَ مشهدَ القراءةِ الناقدة، يمكنُ الإشارةُ إلى خطأين كبيرين تسببا في انحرافِ المسارِ الإسلاميِّ الفلسطينيِّ وخروجِه عن الجادة، وهما:
أولًا: جنوحُ حركةِ حماس نحو امتلاكِ السلطةِ والتموضعِ بها في ظلِّ الاحتلالِ الإسرائيليِّ وعلى أرضيةِ اتفاقِ أوسلو.
ثانيًا: التحالفُ الفولاذيُّ الذي أقامتْه قياداتُ حماس الثلاثة -بنسبٍ وأشكالٍ متفاوتة- مع المشروعِ الإيرانيِّ المعادي للأمةِ ودينِها، والذي يقوده الملالي أبناءُ دينِ وليِّ الفقيه.
وكما يمكنُ أن نضعَ تجربةَ حماس على طاولةِ الفحصِ والتشريحِ الناقد، فإننا يجبُ أن نضعَ أمريكا والصينَ وإيران، وندرسَ شكلَ تعاملِهم في واقعِ التنافسِ والاحترابِ والتحالف، لنستفيدَ من عناصرَ هامةٍ ميزتِ المشاريعَ الثلاثة، وهي:
1/ استقلاليةُ القرار.
2/ نضوجُ الرؤيةِ واتساعُ الفهم.
3/ الانحيازُ العميقُ والكليُّ لكلِّ مشروعٍ لصالحِ أمتِه وشعوبِه وهويّتِه.
ومن نافلةِ القولِ أنَّ المشاريعَ المعاديةَ هي مشاريعُ تقومُ على الباطل، ولا تؤمنُ بقيمٍ صحيحة، ولا تسعى لإقامةِ العدل، ولكنَّ هذا لا يمنعُ أنَّ الحكمةَ ضالَّةُ المؤمنِ أينما وجدها فهو أحقُّ بها، لاسيما وأنَّ حالَ الضعفِ الذي تعيشُه الأمةُ في ظلِّ غيابِ الإطارِ السياسيِّ المُعبِّرِ عنها منذ سقوطِ الخلافة، يوجدُ أرضيةً تسمحُ باستغلالِها من قبلِ المشاريعِ الكبرى والمهيمنة، مما يستدعي درجةً عاليةً من التفكيرِ والتشاورِ والبحثِ والصبر، لتكونَ الجهودُ في الاتجاهِ الصحيح، وتُثمرَ التضحياتُ نتائجَ مكافئة.
ولعلَّ من أكبرِ إشكالياتِ العقلِ الإسلاميِّ المعاصرِ رفضُه لمسألةِ المراجعة، وهي آفةٌ تفشَّت في كثيرٍ من القياداتِ الإسلاميةِ كما العلماء؛ وإذا كان من بين كلِّ مئةِ عالمٍ وقائدٍ ثلاثةٌ يؤمنونَ بالمراجعة، فإنَّ اثنينِ منهم لا يمارسانِها، وواحدًا فقط من يصرّحُ بها، وهي صورةٌ ترسمُ واقعًا عليلًا للمكوّنِ الإسلاميِّ المعاصر، مما يبررُ أو يفسرُ تكرارَ الأخطاءِ في الأعمالِ الإسلاميةِ لدى عمومِ الحركات، وفي جغرافياتٍ متنوعةٍ وحقبٍ متباعدة.
ومن المهمِّ أن تلتقطَ قياداتُ العملِ الإسلاميِّ وحركاتُ النهضةِ أنَّ واقعَ الاحترابِ الدوليِّ والإقليميِّ اليومَ يمثّلُ فرصةً ذهبيةً ومنحةً سننيةً للمسلمين، لكي يشقّوا طريقَهم نحو النهضةِ عبرَ الوحدةِ وتشكيلِ مشروعِهم الجامع، والتمييزِ بين مفهومِ الأمةِ بوصفِه انتماءً وهويةً ورسالة، وبين الجغرافيا القُطريةِ التي يمكنُ التعاملُ معها بمنطقٍ ومرجعيةٍ إدارية، لا باعتبارِها هويةً نهائيةً وانتماءً مطلقًا.
الخلاصة
إن على قيادات الحركات الإسلامية المعاصرة المهتمة بقضايا الشأن العام والإصلاح والتغيير والجهاد أن تتعامل بمسؤولية كاملة ووعي متقدم وصبر كبير في سياق أعمالها السياسية، بحيث تخرج من حالة الاستخدام والاستهلاك -المباشر وغير المباشر- لصالح المشاريع الدولية والإقليمية، وأن تستفيد اليوم من إيقاع سياسات المشاريع الدولية المعادية لتحقيق فهم أعمق وأوسع.
وكما استخدمت إيران حركات المقاومة الفلسطينية في معارك نفوذها في المنطقة، فقد استخدمت أمريكا سابقًا المجاهدين العرب في أفغانستان لضرب السوفييت، ثم سجنتهم وقتلتهم وانتقمت منهم.
وهكذا تسعى أمريكا اليوم لاستخدام نظام الحكم السوري الجديد وثواره الكرام وعلمائه الأبرار في سياق سياسي ينسجم مع خطتها المرحلية لإعادة هندسة المنطقة العربية برمتها، وهو ما يجب أن ينتبه له الأحرار السوريون بعد كل النكبات التي حصلت في فلسطين والعراق ومصر واليمن وأفغانستان والسودان.
ولعل تركيا المسلمة -من حيث توجهاتها المتوسطة والبعيدة- تقف في المسافة الوسط تجاه هذا الأمر، وتتمتع أكثر من غيرها بحكمة وحنكة وصبر كبير تجاه المشاريع الدولية والإقليمية التي تحاول باستمرار أن تزج بها في اتجاه يهدم ولا يبني.
وختامًا، يمكن القول:
إن كل الأعمال الإسلامية الإصلاحية التغييرية القُطرية محكوم عليها بالفشل في إحداث الصعود الحقيقي، ولن يكون سقفها أكثر من إصلاح الطرق، وتنظيف الأنهار، وبناء المستشفيات، وتحسين اقتصاد البلاد لينعم العلمانيون المعادون للدين بحكمها ثم يضطهدوا أهلها. أما إن أراد المسلمون أن تعود لهم الريادة الحضارية، فهذا غير ممكن في ظل المنطق والإطار القُطري، ولا حتى ضمن محددات الدولة الوطنية الحديثة التي ستؤدلج الأعمال الإسلامية وتمنعها من تحقيق مفهوم الأمة -شرط الانعتاق والنهضة- ولو بشكل تراكمي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق