لقد وضعتُ مقولة «الجغرافيا سلاح» منذ زمن طويل في صدارة عالمي الفكري. وعندما أنظر إلى تركيا، وإلى المنطقة التي نعيش فيها، وإلى العالم، فقد جعلت من النظر عبر قوة الجغرافيا ومصائر الأمم مبدأً أساسياً.
ومن هذه الزاوية رأيت كيف أن الصورة الظاهرة لا تحدد حاضر تركيا وفرصها فحسب، بل كيف تصوغ أيضاً تشكل التاريخ السياسي، وترسم ملامح المستقبل، وتحدد لنا الطريق الذي ينبغي أن نسلكه.
وللأسف، ففي تركيا، بلد النقاشات اليومية العابرة، لا يُتناول هذا المنظور الذي يحمل في طياته شيفرات قرون طويلة بالقدر الكافي. وبدلاً من الانطلاق من هذه الرؤية السهلة والواضحة، فإننا نظل نتخبط في متاهات تعتم الأذهان وتشُلّ العقول. وعند رسم توجهات تركيا اليوم، فإننا لا نتبع كثيراً هذه الحقائق التي لا جدال فيها.
تركيا – السعودية: من الأناضول إلى البحر الأحمر...
قبل يومين، تم توقيع مذكرة تفاهم بين تركيا والسعودية لإنشاء خط سكة حديد يربط تركيا وسوريا والأردن والسعودية ببعضها البعض.
هذا الاتفاق الواسع النطاق، الذي يشمل أيضاً إعادة إعمار سوريا، لا يقتصر على احتضان إمكانات تجارية بقيمة خمسمائة مليار دولار، بل يشكل خطوة عملاقة نحو تكامل جغرافي أكثر رسوخاً واستدامة.
فبعد مشروع «الممر الجنوبي» الذي يربط تركيا بالخليج العربي، سيؤدي هذا المشروع إلى ربط تركيا بشبه الجزيرة العربية حتى البحر الأحمر. كما أن مشروع الشراكات الذي تنفذه تركيا في الجانب الشرقي من البحر الأحمر، في دول مثل الصومال والسودان، بات اليوم يندمج أيضاً مع اليابسة العربية.
توحيد القارات والبحار... نحن العمود الفقري لجميع المشاريع!
وهكذا يتحول البحر الأحمر والخليج العربي والأناضول إلى حوض اقتصادي مشترك. وإلى جانب الاقتصاد، تُتخذ أيضاً الخطوات الأولى لتخطيط مستقبلي قائم على الجيوسياسة والأمن.
وبات بإمكاننا أن نقول بوضوح إن حوضاً اقتصادياً يمتد من الحدود الإيرانية إلى شرق أفريقيا، ويربط بين البحر المتوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، قد بدأ بالتشكل فعلاً.
فلنوسّع هذه الخريطة قليلاً:
إن «الممر الأوسط» الممتد من الصين إلى لندن سيصبح الشريان اللوجستي للعالم، وربما يكون الخط الوحيد الذي يستطيع الغرب أن يتنفس من خلاله.
وعلى الرغم من أن شرق هذا الممر هو الصين وغربه لندن، فإن محطاته الأساسية هي تركستان. أما عموده الفقري وقوامه الرئيسي فهو الدول التركية؛ أي جغرافيتنا نحن. إنها آسيا الوسطى، والقوقاز، والأناضول.
نحن نشاهد منذ مئتي عام هذا النهب، وهذا «التدمير»
ستة من أصل ثمانية ممرات ومضائق بحرية استراتيجية في العالم تقع ضمن «جغرافيتنا».
كما أن معظم ممرات التجارة البرية تقع في هذه الجغرافيا أيضاً. ذلك لأن الجغرافيا التي يعيش فيها المسلمون تشكل محور الأرض.
فليست الموارد الاقتصادية وحدها هي المهمة، بل إن النظريات الجيوسياسية والأمنية المعروفة في العالم صيغت أساساً وفقاً لهذا الحزام الجغرافي.
لقد شهدنا طوال مئتي عام نهب هذه الجغرافيا وتفكيكها وغرقها في الكوارث. فالعالم الغربي ينهب هذه الجغرافيا منذ قرنين من الزمن، بل يكاد يدمرها تدميراً.
وكان آخر فصول ذلك تفكيك الدولة العثمانية، بما أتاح لهم فرض سيطرة كاملة على الجغرافيا. ثم تولوا إدارة الأنظمة والدول والقادة بأنفسهم. واستمر الاستعمار والاحتلال على حالهما.
تدمير الجغرافيا وبناء الجغرافيا... صراع متواصل منذ مئتي عام: وإسرائيل تواصل هذا التقليد
لقد كانت أوروبا، ثم الولايات المتحدة لاحقاً، تدرك أن السيطرة على هذا الحزام الجغرافي هي الطريق الوحيد للهيمنة العالمية.
وقد حكموا علينا بتاريخ بالغ القسوة والانحطاط والوحشية، إلى درجة أنهم نجحوا في تحويل عقولنا وجعلونا أعداء لأنفسنا.
وها هي إسرائيل اليوم تواصل هذا التقليد. فمن خلال الغزو والإرهاب اللذين تسوّقهما باسم «الغرب»، تتسبب في الدمار في كل أنحاء هذه الجغرافيا الكبرى.
كما أنها تخدع الغرب بقولها: «نحن نحارب من أجلكم»، فيظل الغرب أسيراً لأمراضه القديمة، عاجزاً عن رؤية العالم على حقيقته، مستمراً في عملية تفتيت الجغرافيا.
لقد استمر الصدام بين «تدمير الجغرافيا» و«بناء الجغرافيا» دون انقطاع طوال مئتي عام. لكننا لم نكن قادرين حتى على التدخل في هذا الصراع بسبب ما فقدناه من قوة.
إسرائيل لا تستطيع حمل هذا العبء التاريخي... ولذلك سيتغير التاريخ والجغرافيا معاً
لكن معادلات القوة العالمية تغيرت اليوم بصورة عميقة ومزلزلة. ففي الوقت الذي يفقد فيه الغرب قوته، تكتسب مناطق أخرى من العالم مزيداً من القوة. وكانت تركيا الدولة المفاجأة في هذه القفزة الجديدة للقوة.
وعليه، فإن التاريخ سيتغير، وكذلك الجغرافيا. لقد وصلنا إلى اللحظة التي ستشهد تحولاً جذرياً في مسار المئتي عام الماضية.
وفي الصراع بين تدمير الجغرافيا الذي مارسه الغرب وما زالت إسرائيل تواصله، وبين بناء الجغرافيا الذي تقوده تركيا وتقترح له المسارات، ستتبدل الأدوار.
فالغرب وإسرائيل لم يعودا يمتلكان القدرة على مواصلة التدمير.
إسرائيل اليوم تقصف غزة... وتقصف سوريا، وتقصف اليمن، وتقصف إيران. وتهدد مصر. وتهدد تركيا.
كما أنها تهاجم جميع المبادرات التركية الرامية إلى «بناء الجغرافيا». وتحاول إقامة جبهات مناوئة لتركيا في قبرص واليونان وشرق المتوسط والبحر الأدرياتيكي والقوقاز وآسيا الوسطى.
كيف يعمّون الغرب ويشلّونه!
والعالم الغربي يصفق لذلك، معتقداً أن هذا سيضمن استمرار تاريخه الاستعماري التقليدي.
إن إسرائيل تعمي أبصارهم، وتشُلّ عقولهم، وتنصب لهم الفخاخ، وتقودهم نحو تاريخ خاطئ للغاية.
وهم عاجزون عن رؤية أنهم لن يتمكنوا من مواصلة هذا المسار بالاعتماد على إسرائيل وحدها، وأنهم لن يستطيعوا إعادة فرض السيطرة على هذه الجغرافيا من خلال الغزو والحروب فقط.
لقد بدأ تاريخ بناة الجغرافيا... من الأناضول إلى المحيط الهندي
لم يعد لدى الغرب مثل هذه القوة، ولن تكون لديه مستقبلاً. فجميع أدواته وأطروحاته وأساليبه الموجهة نحو تدمير الجغرافيا قد شاخت واستنفدت أغراضها.
وها هو الآن تاريخ بناة الجغرافيا يبدأ.
فتركيا تدعو منذ عقود جميع دول المنطقة إلى هذا المسار.
وتقول لهم: «احموا دولكم وشعوبكم ومواردكم، ولا تسمحوا بنهب ثرواتكم».
ومن «الممر الأوسط» إلى «الممر الجنوبي»، ومن اتفاقيات السكك الحديدية إلى ربط الخط السوري–اللبناني، ومن تكامل الأناضول مع الشرق الأوسط إلى إعادة فتح أبواب الأناضول نحو آسيا الوسطى، ومن ربط المتوسط بالبحر الأحمر والبحر الأسود بالمحيط الهندي، وصولاً من آسيا الوسطى إلى أفريقيا، فإننا نشهد بناء جغرافيا قائمة على الشراكات.
أكبر مشروع في القرن الحادي والعشرين: عولمة الجغرافيا!
سأقول ذلك بصراحة: هذا هو أكبر مشروع في القرن الحادي والعشرين.
إنه إعادة الجغرافيا المركزية للعالم إلى هويتها الأصلية، وثروتها، وقوتها، وتاريخها.
ونحن نشهد خطوة خطوة، وغرزة غرزة، تشييد واحد من أكبر مشاريع التاريخ الإنساني. وتركيا هي المهندس الرئيسي لهذا المشروع.
وليس الأمر مقتصراً على خطوط السكك الحديدية فحسب، بل إن جميع خطوط النقل ومشاريع أنابيب النفط والغاز يعاد تعريفها في اليابسة العربية.
فالأمة العربية، التي ترى في العدوانية الإسرائيلية وفي عدم الاستقرار الإيراني تهديداً لها، تحاول فتح ثرواتها على العالم عبر تركيا، التي يتحسب منها البلدان معاً.
وكل ذلك ليس هدفاً محصوراً في هوية أيديولوجية معينة، بل هو محاولة لضمان مستقبل الدول والشعوب.
وقد يبدو الأمر اقتصادياً، لكنه في الحقيقة حسابات مرتبطة ببناء القوة.
وفي مثل هذه الجغرافيا، لن تكون هناك فرصة لبقاء دولة عدوانية مثل إسرائيل. فالجغرافيا لن تتقبلها، بل ستلفظها.
ولهذا السبب ينبغي للأمة العربية أن تحدد جيداً جواب السؤال:
« لماذا تقع جميع الحروب على الأراضي العربية؟».
هذا بالضبط ما تقوله لهم تركيا.
فهي توجه نداءً إلى جميع الأمم، من سور الصين العظيم إلى جنوب آسيا وأفريقيا، من أجل «صحوة القرن الحادي والعشرين».
كما أنها تتخذ خطوات من أجل «عولمة الجغرافيا»، خطوات من شأنها أن تعيد تشكيل القرون القادمة.
نحن هنا لألف عام أخرى! وهذه مواجهة كبرى للغاية...
نحن موجودون في هذه الجغرافيا منذ أكثر من ألف عام، وسنبقى فيها آلاف السنين الأخرى.
فليست الممرات البحرية وحدها ملكنا، بل إن لدينا مدناً أقدم من الإمبراطوريات نفسها، وهي اليوم ترشدنا إلى الطريق.
وهذه المدن أقدم من تاريخ الغرب بأسره، وهي تعلمنا الحكمة.
إننا نعيش فترة تاريخية لا يجوز إهدارها في نقاشات صغيرة.
إنه سيكون تاريخ الادعاءات الكبرى.
هناك صدام هائل بين خطط الغرب الرامية إلى «تدمير الجغرافيا» وبين خططنا الهادفة إلى «بناء الجغرافيا».
وللمرة الأولى منذ مئتي عام، أصبحنا في وضع يمكّننا من الانتصار في هذا الصدام.
إن تركيا تسير في طريق طويل وعظيم.
وآمل أن نُدرك حقيقة ذلك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق