الفرح وسط المآسي.. محاولة الإنسان للنجاة
- ابتكار الحياة: هل ينجو الإنسان بالفرح؟
مع اقتراب عيد الأضحى، الذي لا يبدو مختلفا هذه المرة، إذ يستحوذ صوت الخوف والرعب على المكان، ويسقط ضحايا كثر بسبب الاستهداف الممنهج لآلة القتل. ولعل انتظار الناس لحظات يفرحون بها لا ينتهي عند استعراض البهجة والسرور واتساع الابتسامات، فنحن أمام شاشة مثقلة بمصائر الموت، تحجب عنا ما يدفعنا إلى النظر في فن الحياة البسيطة وتبادل الابتسامات.
وفي هذا العالم المترامي على عتبات التغيير، يبحث الناس عن شيء يسير من الفرح ينسيهم مآسي يشيب لها الولدان. فالحرب تدفع نحو مزيد من الفقد والخذلان والنسيان. فما الذي يعنيه أن نفرح، وغيرنا يذوق عذابات الموت والتهجير؟ وما الذي يمكننا أن نفعله؟ هل نتوقف عن الفرح، أم نواري وجوهنا خجلا من السعادة، ونبصر تجلياتها في لحظاتنا الموسمية؟
حري بنا أن نقف، ولو لحظة، نتأمل "معنى الفرح" في زمن فقدت فيه الإنسانية قيمتها، وانساقت نحو الإذعان لرغبة التملك، التي لا تتأخر عن إعلان فرحها باستهداف المدنيين والمدارس، إذ لا يعنيها من يموت بقدر ما تتحقق أهدافها الأساسية. ومع أن الفرح لا يقترن بالأشياء الجميلة فحسب، فثمة مهمشون يرون في الموت حياة مفعمة باللذة والاقتناء. وهذا الاقتران ما هو إلا تفسير لعالم تعرج النفس فيه إلى ملكوت التخلي، أو لذاك الذي ارتمى في شهوة التملك، لتفتح أبواب الصراع اللانهائية، وترتفع معها أصوات المدافع.
فهل بإمكاننا أن نفرح بأشيائنا البسيطة، أم أصبح جليا أننا ضمن حضارة تبهجنا وتحزننا باستعراضاتها الاستهلاكية؟
حاجة المهمشين والمنفيين إلى أن يجتمعوا حول أفران العيد ليست لصناعة الحلوى واستقبال لحظات الفرح فحسب، بل لتقديم معنى خالص للحياة
الفرح متكلما
اقترن تصور العبادات بشيء من الحزن، ذاك الذي يجعل الحياة في صورتها القاتمة، ويحملها معاني التخلي القاسية، ويذهب بنوع من لذاتها. فالعبادة، على اختلاف مراتبها، ما هي إلا حضور إنساني بقيم وأخلاق تعرفها الأديان والعقائد وفق نمط معين، يجعل من الحياة ذات معنى خاص، وتصورا شديد الحساسية تجاه الإنسان ذاته.
إن مفهومنا للفرح قد يقتصر، اختزالا له، على أحد الجانبين، فإما أن يكون صورة باذخة من الضحك الهستيري والانغماس في طرائق الاستهلاك المفرط، أو تزهدا في الحياة ومعاشرة الناس في حلهم وترحالهم. غير أنه يخرج عن هذه الثنائية الاختزالية، كونه دافعا للذات البشرية نحو فن الابتكار والاستمرار. فما معنى أن تكون الطبيعة ذات جمال متنوع، ويكون الإنسان فناء لها؟
حين نرجع إلى ماهية الفرح، فإننا نقرنه بالسعادة، تلك الحالة الاستثنائية في زمن تجتاحه الحروب وتلغيه صراعات الإنسان اللاحضارية.
وهذا الربط طبيعي لتقديم جمالية ما، إذ إن الفرح تعريف مختصر للسعادة، وإحالة للذات نحو مستقبل تأمن فيه من أهوال الفقد والخوف والموت.
ولعل ما ورد في كتاب الله عن الفرح لا يختصر المزاعم التي تقدمه مجتزأ في قوله تعالى: "إن الله لا يحب الفرحين"، بل علينا أن نعي كذلك أن ثمة مظاهر أخرى عنونت في قوله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".
وهاتان الإحالتان إلى الفرح لا تنطويان إلا على أنه طبيعة بشرية تتقلب بين الطلب والترك، والبحث عن السعادة في تجلياتها الإنسانية الخالصة، لا تلك التي تفتح أبواب الصراع والضغينة.
يحيلنا سؤال: لماذا نفرح؟ إلى البحث عن تعريف دقيق لمعانيه الواسعة، لكنه يحجب عنا جوهر أن يكون الفرح موضوعا متعلقا بالنفس البشرية. فحين نمرح، هل نبدع ونتفنن في تصورنا للعالم، أم إنه خلاص للذات من امتحان الدنيا نحو تفسيرات أخروية؟
إذ يمكن للمرء أن يبتهج بجمع الأموال، وإغاثة اللهفان، والسعي إلى قضاء حوائج الخلق. لكن ما الذي يجعل أحدهم يتمرغ في سبيل اكتساب أشياء قديمة، متعبة ومربكة للكثيرين، حتى يرى فيها جمالية الابتهاج، ويجعل منها عنوانا للفرح؟
فأن تكون مهووسا بماركات سيارات قديمة، أو أن نعود إلى تاريخنا فنستذكر الحكايات والأساطير، يشرح الإمكانات التي من شأنها أن تجعل الإنسان عالما خالصا، ونوعا طبيعيا متميزا، يحسن ابتكار الفرح حتى في أسوأ المظاهر الحضارية قسوة. فحاجة المهمشين والمنفيين إلى أن يجتمعوا حول أفران العيد ليست لصناعة الحلوى واستقبال لحظات الفرح فحسب، بل لتقديم معنى خالص للحياة.
أن يهلك الإنسان بالموت هو بداية مصير آخر، وانتقال نحو الأبدية، لكن أن نفنى في غياهب العجز عن ابتكار الحياة، وارتضاء السائد المهيمن بطعم الاستغلال والاستهلاك، فما هو إلا هروب نحو العدم
هل فقدنا شغف ابتكار الحياة؟
يستغرق أن نفهم الفرح، بوصفه خلاصا للذات البشرية من مأساتها، أن ندرك أن صناعة الخوف والمعاناة هي ما يحول دون جمالية الحياة وروعة الأشياء. ولعل لحظات الناس الجميلة، وبالخصوص أعيادهم الموسمية، تظهر ذلك التمايز الاستثنائي لماهية الفرح، كونه اجتماعيا يحيلنا إلى قصص وصور متعددة للجنس البشري، ودينيا يبعث فينا أخلاق التعايش والتجاوز، وتاريخيا يستجلب لنا ذكريات الصغر والعائلة والأصدقاء. لكن، هل فقدنا فن ابتكار الحياة، واتجهنا نحو البحث عن سبيل للهروب من قسوتها؟
حين تحل ذكرى ميلاد أو عيد الأضحى مثلا، ينتابنا شيء خاص من الحضور الإنساني تجاه الآخرين، إنسانية ينتظرها المهمشون بشغف، ويرجون تحصيل نتائجها احتسابا لما قدموه من تضحيات، لتتجلى الإنسانية في أسمى صور الحضور الإبداعي والفني. فكما ينشغل المتعبدون في محاريب مناجاتهم، وتتزين البيوت بالروائح الطيبة من أصناف الحلوى، وتوقد الأفران ليلا لصناعة كعك العيد، وتتبادل النسوة أحاديث الصباح ومشاغل الرواح، يبصر البسطاء لحظات ذكرياتهم الجميلة قبيل ارتدائهم الثياب الجديدة.
وبهذه الصورة، التي على ما يبدو نفتقدها ونرجو أن تتكرر، ولو في شكلها الحضاري الاستهلاكي، نعجز عن ابتكار معنى للحياة البسيطة، تلك التي تجعل من الأشياء عالما، ومن الإنسان حضارة، ومن الحياة فنا. حتى إننا نخشى تعريف ذواتنا والتعبير عن حقيقتها في قوالب الحلوى، فنختار الإذعان للمصائر المرعبة، وصراعات لا نجاة منها ولا غنيمة.
ليس بمقدورنا الإعراض عن الإجابة عن حالنا حينما تجتاحنا اللحظات السعيدة، فالزمن كفيل بالإفصاح عما نخفيه ونتوارى خلفه، وما عجزنا عن مواجهته في العالم، ورفض المأساة التي تتكرر بعناوين موجعة في كل مكان. فنحن في قبضة أولئك الذين يصنعون أفراحنا، ويتلذذون بمعاناتنا، وما هي إلا لحظات يسيرة تتنفس فيها البشرية معنى الحياة.
أن يهلك الإنسان بالموت هو بداية مصير آخر، وانتقال نحو الأبدية، لكن أن نفنى في غياهب العجز عن ابتكار الحياة، وارتضاء السائد المهيمن بطعم الاستغلال والاستهلاك، فما هو إلا هروب نحو العدم، حيث يتكرر اليومي من العمل واللقاء والأصدقاء والحلوى بلا تعريف متميز لهم. إذ يكفي أن نضحك معا ونتلذذ بحلوى "البنيون" مثلا، حتى تمر اللحظة على عجل، دون أن ندرك أن الفرح ليس نقيضا للمأساة، بل قدرة الإنسان على ابتكار الحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق