الأربعاء، 30 يناير 2019

الأمر في القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس

الأمر في القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس

فضيلة الشيخ
أحمد محمد شاكر رحمه الله (١)
محدث الديار المصرية ونائب رئيس المحكمة الشرعية العليا
قال رحمه الله(٢):
"أقول: أفيجوز -مع هذا- في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس من تشريعات أوروبا الوثنية الملحدة؟ بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شِرعة الإسلام أم خالفها؟
إن المسلمين لم يُبْلوا بهذا قط -فيما نعلم من تاريخهم- إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلمة والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلام التتار ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه ولم يعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره.
أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير- في القرن الثامن- لذلك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد، أشرنا إليه آنفاً أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمان سريعاً فاندمجت في الأمة الإسلامية، وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذلك "الياسق"(٣) الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء ثم يجعلون مردّ أمرهم إلى معتنقي هذا "الياسق العصري" ويحقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم "رجعياً" و"جامداً"!! إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة، بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقى في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى "ياسقهم الجديد" بالهُوَينا واللين تارة، وبالمكر والخديعة تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطات تارات، ويصرحون - ولايستحيون- بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين!!
... إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداراة ولا عذر لأحد مما ينتسب للإسلام -كائناً من كان- في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه، ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين".
وقال رحمه الله في تفسير سورة النساء (٥٩-٦٥)(٤): " انظروا أيها المسلمون، في جميع البلاد الإسلامية، أو البلاد التي تنتسب إلى الإسلام في أقطار الأرض- إلى ما صنع بكم أعداؤكم المبشرون والمستعمرون، إذ ضربوا على المسلمين قوانين ضالة مدمرة للأخلاق والآداب والأديان، قوانين إفرنجية وثنية، لم تُبنَ على شريعة ولا دين...
هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافرو العداوة، هي في حقيقتها دين آخر جعلوه ديناً للمسلمين بدلاً من دينهم النقي السامي؛ لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيراً كلمات "تقديس القانون"، "قدسية القانون"، "حرمة المحكمة"، وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين، بل حينئذ يصفونها بكلمات الرجعية والجمود والكهنوت وشريعة الغاب، إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية...
ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراستها كلمة "الفقه" و"الفقيه" و"التشريع" "والمشرع"، وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها.
وينحدرون فيتجرؤون على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دينهم المفترَى الجديد!!
ثم نفوا شريعتهم الإسلامية عن كل شيء، وصرح كثير منهم في كثير من أحكامها القطعية الثبوت والدلالة بأنها لا تناسب هذا العصر، وأنها شرعت لقوم بدائيين غير متمدينين، فلا تصلح لهذا العصر...
فترى الرجل المنتسب للإسلام، المتمسك به في ظاهر أمره، المُشرَب قلبه هذه القوانين الوثنية يتعصب لها ما لا يتعصب لدينه، بل يجتهد ليتبرأ من العصبية للإسلام خشية أن يُرمى بالجنود والرجعية! ثم هو يصلي كما يصلي المسلمون، ويصوم كما يصوم المسلمون، وقد يحج كما يحج المسلمون، فإذا ما انتصب لإقامة القانون، لبسه شيطان الدين الجديد، فقام له قومة الأسد يحمي عرينه، ونفى عن عقله كل ما عرف من دينه الأصلي! ورأى أن هذه القوانين ألصق بقلبه وأقرب إلى نفسه!
وقد ربى لنا المستعمرون من هذا النوع طبقات، أرضعوهم لِبان هذه القوانين، حتى صار منهم فئات عالية الثقافة، واسعة المعرفة في هذا اللون من الدين الجديد الذي نسخوا به شريعتهم، ونبغت فيهم نوابغ يفخرون بها على رجال القانون في أوربا، فصار للمسلمين من أئمة الكفر ما لم يُبتلَ به الإسلام في أي دور من أدوار الجهل بالدين في بعض العصور".
وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم) المائدة:٣٨ (٥):
"هذا حكم الله في السارق والسارقة، قاطع صريح اللفظ والمعنى، لا يحتمل أي شك في الثبوت ولا في الدلالة، وهذا حكم رسول الله تنفيذاً لحكم الله وطاعة لأمره، في الرجال والنساء: قطع لليد، لا شك فيه، حتى ليقول صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي-: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدها"(٦).
فانظروا إلى ما فعل بنا أعداؤنا المبشرون المستعمرون!
لعبوا بديننا، وضربوا علينا قوانين وثنية ملعونة مجرمة، نسخوا بها حكم الله وحكم رسوله، ثم ربوا فينا ناساً ينتسبون إلينا، أشربوهم في قلوبهم بُغض هذا الحكم، ووضعوا على ألسنتهم كلمة الكفر: أن هذا حكم قاسٍ لا يناسب هذا العصر الماجن، عصر المدنية المتهتكة! وجعلوا هذا الحكم موضع سخريتهم وتندرهم! 
فكان عن هذا أن امتلأت السجون في بلادنا وحدها بمئات الألوف من اللصوص، بما وضعوا في القوانين من عقوبات للسرقة ليست برادعة، ولن تكون أبداً رادعة، ولن تكون أبداً علاجاً لهذا الداء المستشري.
ثم أدخلوا في عقول الطبقة المثقفة- وخاصة القائمين على هذه القوانين الوثنية- ما يسمونه: "علم النفس"، ولقد جادلت منهم رجالاً كثيراً من أساطينهم، فليس عندهم إلا أن حكم القرآن لا يناسب هذا العصر!! 
وأن المجرم إن هو إلا مريض يجب علاجه لا عقابه، ثم ينسون قول الله سبحانه في الحكم بعينه: ( جزاء بما كسبا نكالاً من الله)، فالله سبحانه -وهو خالق الخلق، وهو أعلم بهم وهو العزيز الحكيم- يجعل هذه العقوبة للتنكيل بالسارقين، نصاً قاطعاً، فأين يذهب هؤلاء الناس؟!
هذه المسألة -عندنا نحن المسلمين- هي من صميم العقيدة ومن صميم الإيمان، فهؤلاء المنتسبون للإسلام، المنكرون حد القطع، أو الراغبون عنه سنسألهم: أتؤمنون بالله وأنه خلق هذا الخلق؟ فسيقولون: نعم. أفتؤمنون بأنه يعلم ما كان وما يكون، وبأنه أعلم بخلقه من أنفسهم وبما يصلحهم ويضرهم؟ فسيقولون: نعم. أفتؤمنون بأنه أرسل رسوله محمداً بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه هذا القرآن من لدنه هدى للناس وإصلاحاً في دينهم ودنياهم؟ فسيقولون: نعم.
أفتؤمنون بأن هذه الآية بعينها (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) من القرآن؟ فسيقولون: نعم. أفتؤمنون بأن شريعة الله تعالى قائمة ملزمة للناس في كل زمان وفي كل مكان، وفي كل حال؟ فسيقولون: نعم. إذن فأنى تصرفون وعلى أي شرع تقومون؟!...
ولو عقل هؤلاء الناس -الذين ينتسبون للإسلام- لعلموا أن بضعة أيدٍ من أيدي السارقين لو قُطعت كل عام لنجت البلاد من سُبة اللصوص، ولما وقعت كل عام إلا بضع سرقات كالشيء النادر، ولخلت السجون من مئات الألوف التي تجعل السجون مدارس حقيقية للتفنن في الجرائم، لو عقلوا لفعلوا، ولكنهم يصرون على باطلهم ليرضى عنهم سادتهم ومعلموهم! وهيهات!! (7)

(1) ولد الشيخ رحمه الله عام ١٨٩٢م، وأبوه هو الشيخ محمد شاكر وكيل مشيخة الأزهر، وقاضي قضاة السودان. حصل على الشهادة العالمية من الأزهر عام١٩١٧م، واشتغل بالتدريس فترة قصيرة، ثم عمل بالقضاء، حتى اختير نائباً لرئيس المحكمة الشرعية العليا، انتهت إليه إمامة الحديث في مصر. توفي عام ١٩٥٨ م تاركاً ما يزيد عن خمسين مصنفاً.
(٢) "عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير" مختصر تفسير القرآن العظيم، للشيخ أحمد شاكر (١/٦٩٦،٦٩٧) دار الوفاء، الطبعة الثانية.
(٣) هو دستور دولة "التتار" جمعه قائدهم "جنكيز خان" من شرائع شتى.
(٤) المصدر السابق (١/٥٣٤،٥٣٥).
(٥) المصدر السابق (١/٦٧٧،٦٧٨).
(٦) أخرجه البخاري (٣٤٧٥)، مسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(7) نقلاً عن كتاب: فتاوي كبار علماء الأزهر حول وجوب تحكيم الشريعة وتعظيمها، لمجموعة من العلماء، ط: دار اليسر، القاهرة.

الثلاثاء، 29 يناير 2019

بعد فيلم "في سبع سنين".. رواية أخرى

بعد فيلم "في سبع سنين".. رواية أخرى
ساري عرابي



في اليوم التالي لبثّ قناة الجزيرة الفيلم الوثائقي "في سبع سنين".. كنت حاضرا لحوار، أثاره موضوع الفيلم، بين شابين، أحدهما في أواخر الثلاثينيات من عمره، والآخر في أواخر العشرينيات، يفصل بينهما كما قدّرتُ عشر سنوات من العمر، لكنها بدت لي ألف عام من التجربة.

بدأ الشاب الصغير يقصّ لصاحبه الثلاثيني حكاية الفيلم، والتحولات التي يعرضها للشباب، الإسلامي منه على وجه الخصوص، بعد نكسة الثورات العربية، وتحوّل بعضهم إلى الإلحاد أو العنف. كان أوّل ما ردّ به صاحبه الثلاثيني، بقوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (*) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ".. لم يقصد الثلاثيني الاستدلال بهذه الآية على هؤلاء الشباب، وإنّما قصد أن الفتنة معلومة نظريّا سلفا للشباب الإسلامي، يستحضرونها قرآنا وأحاديث نبوية وقصصا تروى وأناشيد، ويستعدون بذلك لاجتيازها إن وقعت، ولكنّ دخولها ليس كالحديث فيها من قبل.

إنّه بالقدر الذي يمكننا أن نحمّل فيه الحركات الإسلامية قسطا من المسؤولية عن أساليبها التربوية أو أفكارها التي تساعد في فتح أبواب الفتنة، أو أوضاعها التنظيمية وانكشافاتها الأخلاقية التي تُمثّل بذاتها أبوابا للفتنة، وبالقدر الذي يبوء فيه الظلمة بإثم فتنة المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)، فإنّ في الفتنة جانبا ذاتيّا صرفا يتعلق بكل صاحب تجربة، هو ما قصد الثلاثيني روايته من تجربته الذاتية.
بالقدر الذي يمكننا أن نحمّل فيه الحركات الإسلامية قسطا من المسؤولية عن أساليبها التربوية أو أفكارها التي تساعد في فتح أبواب الفتنة، أو أوضاعها التنظيمية وانكشافاتها الأخلاقية التي تُمثّل بذاتها أبوابا للفتنة، وبالقدر الذي يبوء فيه الظلمة بإثم فتنة المؤمنين
قسّم الفتن التي مرّ بها إلى ثلاثة أقسام، عازلا ما سوى ذلك مما لا يدخل في تجربة الدعوة أو النضال مما يُبتلى به المرء من حيث هو إنسان، كالابتلاء بالفقر أو اليتم أو المرض أو أيّ من ضروب الحرمان، انفردت أو اجتمعت، فقال لصاحبه إنّه عانى السجن.. وبعض السجن الذي كابده كان مختلفا ومميّزا في شدته وانفراده في التجربة. ولا شكّ أن الاختصاص بالبلاء من عظيم البلاء لانعدام الأنيس، ولأنّه ضرب من البلاء المضاعف لأنّه من صنف فتنة الناس بعضهم ببعض، إذ قد تُبتلى بما لا يُبتلى به رفاقك في المسيرة، بيد أنّه وصف هذا النوع من البلاء بالسهل، الذي قد يشعرك بالضعف ساعته، لكنه لا يفتنك في أفكارك أو إيمانك، وإن كبح اندفاع البعض، وغالبا ما يزول أثره بزواله.

ثم كانت المرتبة الثانية من البلاء، وهي أعلى، تلك الفتنة المباشرة برفاق المسيرة، وهذه الفتنة من درجات بحسب موضوعها، إلا أنّه ما من أحد انضمّ إلى هذه المسيرة، إلا وقاسى شيئا من الافتتان برفاقه، يشتد ويضعف، وأعلاه وقوع الظلم الصارخ على بعض رفاق التجربة، ومما هو حاصل؛ الممارسة التنظيمية المناقضة للادعاءات الأخلاقية، واختلال مفاهيم العدالة والمحاسبة التي تُلبّس لبوسا شرعيّا متعسفا، كجعل كل أفعال القيادة من قبيل الاجتهاد المأجور، والتمثيل الدائم لأفعال القيادة (محل الانتقاد) ببعض ما فعله النبي، في مقابل الحطّ الشديد ممن هم دون القيادة لأدنى خطأ أو نصح أو رأي مخالف. وهكذا، قد يفتن بعض رفاق المسيرة، لما يشعرونه من ظلم، أو تمييز، أو يصل إلى مسامعهم من غيبة، أو للتفاوت غير المفهوم في المحاسبة، أو في توزيع المقدّرات أو توظيف الكفاءات، أو التفاوت في الظروف والأوضاع.
الظلم المحقق أو المتوهم أو العجز عن احتواء العنصر وتطبيب جراحه، إذا وقع من هذا المجتمع الخاصّ سيكون أقسى؛ لأنه واقع من الحياة كلّها، مما صرف فيه نفسه كلها
الذي يجعل من هذا الضرب من الفتنة أصعب مما سبق، أنّ الحركات الإسلامية، مثّلت مجتمعا بديلا لعناصرها عن المجتمع العام، فتنحصر علاقاتهم الاجتماعية، وحواراتهم، وانشغالاتهم الذهنية، وهمومهم النفسية، داخل مجتمعهم الخاصّ، بالإضافة للتصورات المثالية التي تحكم علاقة العنصر بهذا المجتمع البديل، وتفضيله مطلقا على المجتمع العام، ثمّ يزداد الارتباط العاطفي، حينما لا يدفع العنصر وقته وشغله داخل هذا المجتمع فحسب، بل حياته كلّها، كأن ينشأ فيه، ويسجن بسببه، وتتعقد معيشته لأجل ذلك، ويعاني في دراسته، ويقاسي في شغله.. الخ، فلا شكّ حينئذ أن الظلم المحقق أو المتوهم أو العجز عن احتواء العنصر وتطبيب جراحه، إذا وقع من هذا المجتمع الخاصّ سيكون أقسى؛ لأنه واقع من الحياة كلّها، مما صرف فيه نفسه كلها.

حينما تصير الجماعة التي تصوّرت لعناصرها بهذه الصورة عاجزة عن مجرد سماعهم، فكيف إذا أوقعت عليهم بعض أشكال الظلم؟ وإذا كان ظلم ذوي القرابة أشد مضاضة، فإنّه وفي مجتمع خاصّ على النحو الذي بيناه، يكون معنى الخروج أشبه بصورة التمزق، فيمكننا حينئذ تخيل قدر الأوجاع أو التشوهات النفسية.

بيد أنّ (والحديث لراوي تجربته) هذه الفتنة على خطورتها، لا تصل ذروتها إلا في أوضاع معينة، أمّا ما دون الذروة فيتطبع به العناصر بمرور الوقت، فتكون الخطورة في هذه الحالة أن تقودك هذه التجربة بهذه السمات لما هو أعلى، أي أن تنتظر قطف ثمرة صبرك، صبرك في المستويين السابقين: معاناة أذى العدو الذي يقاسمك فيه أكثر رفاق المسيرة، ومعاناة الخلل الحاصل طوال الطريق من رفاق الطريق أنفسهم، فإذا وصلت لحظة قطف الثمرة، في غمرة من الآمال المسكّرة للعقل والبصر، فإنّ الفتنة ستكون في أعلى درجاتها.
بالهزيمة تتكشف انهيارات أخلاقية، لدى الجميع تقريبا، وهو ما يعزّز من الدوافع الهروبية صوب هذا الخيار أو ذاك، والذي ينطوي بقدر ما على نزوع انتقامي من كل ما ظنّ المرء أنّه مؤمن به، أو صرف حياته فيه

وإذا كان المرء في المستوى الأول من الفتنة، قد يسأل عن الحكمة الإلهية، وعن حقيقة العناية الإلهية، وعن القصد من إجابة المضطر، مما قد يطرأ لأي مبتلى، وينسج في ضميره أسئلة حول أسباب الإيجاد، وحقيقة القدر، وخلق أفعال العباد، ومشكلة الشرّ، وهي فتنة في درجة أولى، فإنّ هذه الأسئلة ستجد لها مساحات أعظم في ما هو أعظم، كأنّ يكون "الفشل" نتيجة الصبر كلّه، وكأن يكون الظلم أفحش، والناس إزاءه أعجز، وبعد ذلك سيحصل انكشاف أخلاقي عظيم، فإنّ الدعاة، والمعارضات، ومختلف أشكال التغيير، بنت جزءا من خطابها على مقولة أخلاقية، وإذا بالهزيمة تتكشف انهيارات أخلاقية، لدى الجميع تقريبا، وهو ما يعزّز من الدوافع الهروبية صوب هذا الخيار أو ذاك، والذي ينطوي بقدر ما على نزوع انتقامي من كل ما ظنّ المرء أنّه مؤمن به، أو صرف حياته فيه.


يقول صاحب هذه الرواية، وكلّ ما سبق هو من كلامه بحسب فهمي له، إنّه ليس مصريّا ولا سوريّا، وإن ما مرّت به الثورتان، كان أصعب على نفسه من كلّ ما كابده بشحمه ولحمه وروحه، بينما علّق الشاب الأصغر سنا، بأنّه لم يكن مشغولا حينها بشيء من هذه الهموم، بل إنّه وقت فضّ رابعة لم يتابع الخبر، وهو الآن لا يشعر بأي أزمة وجودية أو أخلاقية!


قمة الوقح والمدّعي


قمة الوقح والمدّعي


شريف أيمن
اجتمع السيسي وماكرون أمس الاثنين (28 كانون الثاني/ يناير) في الذكرى الثامنة لجمعة الغضب، التي كسر فيها المصريون الدولة العسكرية القائمة منذ 1952، واستطاع العسكر استعادة الحكم سريعا لأسباب كثيرة ليس هذا محلها، لكن المهم أنالمؤتمر الصحفي لهما عقب الاجتماع أبْدَى مرتكزات العقيدة السياسية المصرية منذ منتصف 2013، كما أبْدَى طبيعة السياسة الفرنسية خاصة والغربية بشكل عام تجاه ما يجري في مصر. وكان العطل (غير المعهود) في السماعات الداخلية، مناسبا لعدم التقاط أي طرف للأصوات المتألمة من السياسات المصرية والدولية، وكاشفا للضعف المصري في التنظيم، حتى على مستوى قمة بذلك المستوى.

كان ملفتا تحدّث السيسي عن تأثر "النخبة المصرية المثقفة بكتابات مفكري عصر النهضة الفرنسية"، ومن يستمع إلى خطابات السيسي وتوجهاته يعلم أنه لا علاقة له إطلاقا بأي مجال فكري أو ثقافي، حتى يتحدث بأريحية عن مفكري عصر النهضة، فضلا عن أن أهم إسهامات مفكري عصر النهضة يجافيها السيسي ونظامه السياسي على طول الخط. ولا وجه يبدو لتأثر السيسي بمونتسيكيو، مؤسس نظرية الفصل بين السلطات، ولا جان بودان، ناحت مفهوم السيادة واستقلال القرار الوطني عن العوامل الخارجية. فالسيسي لا توجد لديه أسس قانونية ولا فكرية ولا ثقافية ولا علمية تحكم إدارته، خاصة أنه من قال: "يعمل إيه التعليم في وطن ضائع"، وأنه من قال: لو كنا نقوم بدراسات الجدوى لما تحقق ربع الإنجاز الحالي في مصر، لكنه على كل حال مشهور بالجرأة غير العادية على اقتحام ما لا يحسنه.

من يستمع إلى خطابات السيسي وتوجهاته يعلم أنه لا علاقة له إطلاقا بأي مجال فكري أو ثقافي، حتى يتحدث بأريحية عن مفكري عصر النهضة، فضلا عن أن أهم إسهامات مفكري عصر النهضة يجافيها السيسي ونظامه

كان ملفتا كذلك خوض السيسي في قضية حقوق الإنسان أثناء خطابه وأثناء إجابته على سؤال صحفي فرنسي، وأراد السيسي أثناء خطابه أن يشير إلى خصوصية الحالة المصرية بقول: "إن مؤسسات المجتمع المصري، بجميع أشكالها التنفيذية والتشريعية والقضائية والمدنية، تتضافر جهودها لتطوير منظومة حماية حقوق الإنسان من منطلق فهم معمق لعوامل التاريخ والحضارة والتراث التي تقود إلى حركة التطور الطبيعي للمجتمع، وفقاً لدرجة امتلاكه للعناصر اللازمة التي تدفعه من مرحلة إلى أخرى، اتساقاً مع تطلعاته الوطنية ومسئولياته الإنسانية. ولا يخفى هنا ضرورة التعامل مع قضايا حقوق الإنسان بمفهومها الشامل؛ لأن جميع تلك الحقوق متشابكة ومتداخلة وتعزز بعضها البعض بحيث لا يمكن تجزئتها؛ فالحق في الحياة، والأمن، وحرية الرأي والتعبير، والتنمية بما يشمل الحصول على غذاء ورعاية صحية وتعليم ومسكن لائق، إنما هي حقوق توليها مصر أولوية كبيرة انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه مواطنيها والتزاماً ببنود الدستور التي تعد أساساً راسخاً لحماية حقوق الإنسان، وأن الشعب المصري صاحب الحق في تقييم مدى ما يتمتع به من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية. كما يجدر بنا في هذا المقام تأكيد ضرورة ألا تثنينا التحديات التي تواجهنا، سواء في المنطقة أو أوروبا، من انتشار لظاهرة الإرهاب وزيادة معدلات الجرائم المرتبطة بالعنصرية وكراهية الأجانب، عن التشبث بمواصلة توفير الحماية والتقدم لمواطنينا".

ففضلا عن أكاذيب جهود المؤسسات المصرية لتطوير منظومة حقوق الإنسان، المعلوم واقعها المتدهور، فإن السيسي يصر دائما على التأكيد أن هناك منظورا آخر لحقوق الإنسان يغفل عنه الغرب، وهو يقف هنا موقف المنظّر مدعي الحكمة والفلسفة. ومعلوم مدى ابتعاده عن هذا المجال بملايين السنين الضوئية، خاصة عندما قال وهو يتحدث عن حقوق الإنسان في مصر: "لسنا كأوروبا وأمريكا، وكل دولة لها خصوصيتها. التعدد والتنوع بين الدول طبيعي، ومحاولة تغيير التنوع إلى مسار واحد لن يكون جيدا"، وهو هنا يشير إلى تنوع بين القمع والحريات. وهذه المقارنة تظهر مدى الثبات الانفعالي لماكرون، إذ لم ينفجر ضاحكا من هذه السذاجة والحماقة.

وطالب السيسي الأوروبيين بألاّ يروا المصريين بعيون أوروبية، بل بعيون مصرية، وتلعثم وهو يستكمل عبارته الغريبة وتشبيهه المثير للضحك كالعادة. ثم انتقل السيسي في رده على كلام ماكرون الناقد لمصر بأنه نابع من حرصه على سمعة مصر كصديق لها، فكان رد السيسي المزلزل: "من يقوم بعمل سمعة دولية هي الاتهامات، لو محدش اتكلم عن موضوع حقوق الإنسان، كان الموضوع انتهى"، فالسيسي كما يطالب الإعلام المصري بالسكوت، فإنه يطالب المجتمع الدولي والإعلام العالمي بالسكوت، ليصر على إهانة مصر، عندما يبدو للإعلام والمجتمع الدوليين أن هذا الجنرال محدود القدرات يحكم دولة بحجم مصر.

يشير إلى تنوع بين القمع والحريات. وهذه المقارنة تظهر مدى الثبات الانفعالي لماكرون، إذ لم ينفجر ضاحكا من هذه السذاجة والحماقة

أمام هذه الأكاذيب والسذاجات اللامنطقية، كان خطاب ماكرون واضحا في دعمه للسيسي، فهو تحدث عن التقاء في وجهات النظر حول ليبيا "وعمل في الميدان" كذلك، وتحدث عن نفس التلاقي في وجهات النظر حول سوريا لمكافحة ما أسماه ماكرون بوقاحة "الإرهاب الإسلامي"، ثم عاد ماكرون ليؤكد أن البلدان واجها "آفة الإرهاب الإسلامي"، ليضيف أن أمن واستقرار مصر "أهمية استراتيجية لنا، ومعركتكم هامة لنا". وبالطبع، لم يقف السيسي ليرفض كلمة الإرهاب الإسلامي من ماكرون، بل ربما أكّدها وهو يتحدث عن فشل إقامة "دولة دينية في مصر"، وهذا هو المتوقَّع من مغتصب للسلطة، يبحث عن شرعية خارجية بعدما فقدها داخليا.

خطاب مخفف حول "بعض أسماء تبدو هامة" لفرنسا، فيما يشير إلى انتقادات انتقائية لحقوق الإنسان، وكذلك لم يتحدث ماكرون عن القتل بالشوارع، ولا القتل بالجملة في سيناء

كان خطاب ماكرون داعما للسيسي في ما أسماه مواجهة الإرهاب الإسلامي، وواضحا في دعمه للعملية الاقتصادية التي أفقرت المصريين وقصمت ظهورهم، واعتبر ما يقوم به السيسي "إصلاحات اقتصادية طموحة"، مما دفعه لتعزيز الشراكة الفرنسية بمليار يورو على مدى أربع سنوات قادمة، ثم توجه بدعم كامل بقوله: "رسالتي للشركات الفرنسية: مصر تتحول، مصر تحدّث نفسها، مصر تتطور، وشركاتنا يجب أن تستغل الفرص العديدة". وكانت هذه الكلمات عقب حديث ماكرون عن حقوق الإنسان في مصر وانتقاده "الصوري"ّ لها، إذ لا تمكن مقارنة ما قام به ماكرون من دعم سياسي واقتصادي للسيسي، مع خطاب مخفف حول "بعض أسماء تبدو هامة" لفرنسا، فيما يشير إلى انتقادات انتقائية لحقوق الإنسان، وكذلك لم يتحدث ماكرون عن القتل بالشوارع، ولا القتل بالجملة في سيناء. صحيح أنه ليس مطالبا بذلك، لكن بما أنه تحدث عن "حالات فردية ظهر له أنها لا تزعزع الاستقرار"، فكان الأجدر به أن يتحدث عن حالات جماعية تصنع قنابل موقوتة بالمنطقة كلها.

كنا أمام قمة بين وقح انتقائي في حديثه عن حقوق الإنسان، ومدافع عن انتهاكها طالما لا تمس من يشبهونه في الأفكار، وموقفه من ابن سلمان يؤكد هذا التوجّه المتسم بالنقد الخافت دون فاعلية، والطرف الآخر في القمة، كاذب مدّعٍ للحكمة والنزاهة، وهي قمة تليق بالحكام الغربيين والشرقيين على السواء، وتبيّن مأزق السياسة الدولية في هذه المرحلة اللاأخلاقية، مما يؤكد يوما بعد يوم أن النظام الدولي فقد صلاحيته، وهو بانتظار لحظة إسدال الستار على مرحلة وضيعة من التاريخ البشري، تشبه تماما مرحلة تأسيسه عقب حرب مات فيها عشرات الملايين، وصاغ أسسها أكثر الأطراف إجراما.

ابن خلدون في مصر.. وقّع فتوى انقلاب وتنبأ بسيطرة العثمانيين!

ابن خلدون في مصر.. 
وقّع فتوى انقلاب وتنبأ بسيطرة العثمانيين!



محمد المختار ولد أحمد 
قبل قرن من الآن (عام 1917)؛ ناقش طه حسين رسالته لنيل الدكتوراه في جامعة السوربون الفرنسية بعنوان: "فلسفة ابن خلدون الاجتماعية: تحليل ونقد". وبغض النظر عن الخلاف بشأن مضمون هذه الأطروحة ونتائجها؛ فقد كانت أولَ كتاب يضعه مؤلِّف عربي -وإن لم يكن بلسان الضاد- ليدْرس فيه بأسلوب حديث "المقدمة". وبذلك تكون مصر قدمت أول مظاهر الاحتفاء العلمي العربي بعلامة المؤرخين ولي الدين أبي زيد عبد الرحمن بن خَلدون الحضرمي.
ولئن جاء هذا الحدث كشفا لأهمية عالم مرموق ومؤرخ عظيم أضاعته أمته؛ فإن قصة احتفاء "أرض الكنانة" به سبقت ذلك بخمسة قرون ظلت شخصيته فيها مثار جدل وعواطف متنافرة بين أبنائها، منذ أن لجأ إليها عام 784هـ (1384م) طلبا لاستقرار نفسي افتقده طوال نصف قرن ملأته كروب القدَر وحروب السياسة مغامراتٍ ومؤامراتٍ، في رقعة جغرافية ظلت تتمدد وتتبدل بين الممالك المغاربية والأندلسية: تونس وبجاية وتلمسان وفاس وغرناطة، تلك الأقطار التي أحس فيها أبو زيد بأنه أضرّت به ما سماها "غواية الرُّتَب.. وإغفالُ العلم".
في حضرة الدنيا
وصل ابن خلدون مصر يسبقه صِيته السياسي وصَوته العلمي، لكنه جاء وحيدا من مسقط رأسه تونس التي استودعها عائلة طالما أعجلته دسائس السياسة عن اصطحابها إلى ملاجئه ومنافيه المختلفة؛ فبهرته القاهرة المملوكية وسحرته إذ رأى فيها "حضرة الدنيا وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوّه، وتزهو الخوانق (= دُور الصوفية) والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه...، وسكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم".
ولم يكن إعجاب مؤرخنا بحفاوة المصريين به (سلطةً ونخبةً وساكنةً) بأقل من انبهاره ببلدهم الكبير والمثير؛ إذ سرعان ما وجد طريقه إلى مقابلة سلطان البلد الظاهر برقوق الذي قال عنه: "فأبرّ مقامي، وآنس الغربة، ووفّر الجراية (الراتب) من صدقاته"؛ وعن حاشيته: "أولوني عناية وتشريفا، وغمروني إحسانا ومعروفا".
ثم تصدّر حلقته العلمية بالجامع الأزهر حيث "انثال علـيـ[ـه] طلبة العلم" يتلقون منه دقائق العلوم وفيوض الحِكم وعُصارات التجارب، ولم يزل بعدها دائم التدريس في إحدى المدارس الرسمية المالكية المذهب. بل إنه تولى كذلك "مشيخة (إدارة) خانقاه بيبرس.. [وهي] أعظم الخوانق" الصوفية، بعد أن جلس –وهو القاضي والمؤرخ والوزير سابقا- يوما واحدا في حلقاتهم ليستحق بذلك هذه الوظيفة!!
ومع ذلك؛ فقد صدم الواقعُ المصري -وما يعجّ به من أنشطة اللهو والمجون- ابنَ خلدون حين عايشه، حتى روى عنه تلميذه المقريزي قوله إن "أهل مصر [يعيشون] كأنما فرغوا من الحساب [الأخروي]"، وهو ما عزز رأيه القديم فيهم الذي دوّنه في مقدمته باعتبارهم ممن "غلب الفرح عليهم والخفة والغفلة عن العواقب".
والحقيقة أن تلك الأوصاف لم تكن ثمرة استنتاج شخصي من ابن خلدون، وإنما رواها عن مشايخه الذين كان يسمع منهم -وهو فتى يافع بالمغرب- أخبار مصر وما يمور به مجتمعها من "عجائب"؛ وقد أشار لذلك في "الرحلة".
لكن أبا زيد ما إن استقرّ به المقام في "بستان العالم" حتى دعته "غواية الرُّتب" إلى تقلد وظيفة القضاء سنة 786، إثر شغور منصب قاضي قضاة المذهب المالكي بعزل السلطان للقاضي جمال الدين بن خير السكندري، فكانت تلك الوظيفة شرارة الزناد التي أشعلت غَيرة القضاة البلديين -ممن سمّاهم ابن خلدون قبلُ "البدور والكواكب"- على هذا الوافد الطامح إلى مزاحمتهم على المناصب والرواتب.
"صدم الواقعُ المصري -وما يعجّ به من أنشطة اللهو والمجون- ابنَ خلدون حين عايشه، حتى روى عنه تلميذه المقريزي قوله إن "أهل مصر [يعيشون] كأنما فرغوا من الحساب [الأخروي]"، وهو ما عزز رأيه القديم فيهم الذي دوّنه في مقدمته باعتبارهم ممن "غلب الفرح عليهم والخفة والغفلة عن العواقب".

لم يصوِّر طبيعةَ حياة ابن خلدون بمصر ومعاركه فيها شيءٌ مثلما صورتها علاقتُه بالقضاء توليةً وعزلًا؛ فقد أدى دخوله أروقة العدالة إلى اكتشافه ما تعجّ به من فساد ومحسوبية خاصة في أوساط مكاتب الشهود والموقّعين، فهم عنده "كان البَرُّ فيهم مختلطا بالفاجر، والطيب ملتبسا بالخبيث، والحكام (= القضاة) ممسكون عن انتقادهم...، لما يموِّهون به من الاعتصام بأهل الشوكة (السلطة)، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء"، ومع ذلك فقد حافظ على "القيام بالحق والإعراض عن الأغراض".
ويُزكي شهادتَه تلك لنفسه ما شهد له به مؤرخو مصر ولخصه أحدهم بقوله: "فباشره {= القضاء} بحرمة وافرة وعظمة زائدة وحُمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدولة وشفاعات الأعيان" بل وعاقب بعض ذوي الشأن؛ فكان رده لوساطات أرباب السلطة المتنفذين في القضايا المرفوعة أمامه وحزْمه في معاملة الشهود والموقّعين "إيذانا بوثوب العاصفة من حوله"؛ كما قال بحق عبد الله عنان.
فبعد مضي سنة واحدة من توليته؛ سعى به خصومه عند السلطان فعُزل سنة 787 وظل خارج المنصب القضائي أربع عشرة سنة، ثم عاد إليه سنة 801 ليدخل –حتى وفاته قاضيا سنة 808- دائرةً مفرغة من العزل والتولية (تولّاه ست مرات خلال سبع سنوات).
وينبئ ذلك باحتدام الصراع بينه وبين نظرائه من القضاة (الجَمَالان: جمال الدين الأقفهسي وجمال الدين البساطي وخاصة الأخير) ومسانديهم من ذوي النفوذ، فطعنوا في أهليته للقضاء ولفّقوا له تُهَمًا "أكثرُها لا حقيقة له"، حتى عابوا عليه أنه يرفض التقيد باللبس الرسمي للقضاة و"مستمر على طريقته في بلاده"، وأنكروا عليه التنزه في البساتين وعلى ضفاف نهر النيل؛ بل كانت التهم أحيانا تشي بالقذف والتعريض.
بيد أن ابن خلدون لدى المؤرخين الثقات "لم يشتهر عنه في منصبه إلا الصيانة"؛ وفقا لشهادة تلميذه الحافظ ابن حجر. وربما كان إطلاق تلك التهم عليه انتقاصا صدر من قضاة منافسين وظيفيا أو تعصبا من علماء مخالفين مذهبيا، خاصة أن من أطلقها أو نقلها هو معاصره "محتسب القاهرة" جمال الدين البشبيشي الشافعي. أما رواية السخاوي لها فغير مستغربة لما عُرف به من شدة وتجاوز –بغير حق- في تراجمه للأعلام مهما علا شأنهم.
فتوى الإطاحة ببرقوق
وإلى جانب منغصات الوظيفة القضائية؛ لم تسمح أيضا "طبائع الملك" في الدولة المملوكية بمصر لابن خلدون بالاستمتاع بمنفاه الاختياري معتزلا عوالم السياسة، ففي سنة 791 سوّلت للأمير يلبغا الناصري نفسُه الإطاحةَ بنظام السلطان برقوق، فأحكم تدبير انقلابه بين عصبته من الأمراء، ولم يبق إلا "تشريع" العملية بفتوى تُستصدر من قضاة المذاهب، ويباركها الخليفة العباسي الألعوبة بين أيدي المنقلِبين.
ورغم أن ابن خلدون لم يكن حينها قاضيا لقضاة مذهبه بل متفرغا للتدريس؛ فإنه أحضِر مجلس التوقيع على فتوى الانقلاب المؤسَّسة على دعوى أن برقوق "استعان بالكفار على قتال المسلمين"؛ فنجح الانقلاب ولكن سرعان ما تمكن برقوق من إجهاضه بأعجوبة والعودة إلى عرشه 792.
وعندها بالغ ابن خلدون في استعطافه شعرا ونثرا، قائلا إنه ضُلل بالمبررات المقدمة للانقلاب بل وأكرِه على التوقيع، راجيا ألا يؤخذ بجريرة "التغرير" به، وطالبا ألا تُقطع عنه صنائع معروف السلطان فهو "الجار الغريب"؛ فعفا عنه برقوق وأبقاه في وظائف تدريسه بشفاعة من الأمير ألْطُنْبُغَا الجوباني، الذي كان سيد نعمة مؤرخنا -منذ وطئت قدماه مصر- وبه نال الحظوة لدى السلطان.
وإذا كان حسّ ابن خلدون الاجتماعي وبصيرته السياسية لم يُسعفاه بقراءة صحيحة لموازين القوة بين مراكز القوى المملوكية، فانخرط في "تشريع" انقلاب قصر فاشل؛ فإن حدسه التاريخي وتأمله في مصائر الأمم -نشأة وانحطاطا فاندثارا- أدّيا به إلى تنبؤ صادق بأطماع العثمانيين في مصر، قال تلميذه ابن حجر: "سمعت ابن خلدون مرارا يقول: ما يُخشى على ملك مصر إلا من ابن عثمان". لكن انكسار العثمانيين أمام الاجتياح المغولي لبلادهم بقيادة تيمورلنك عام 1402م أجّل استيلاءهم على مصر قرنا آخر بعد وفاة ابن خلدون.
لم تكن مواقف ابن خلدون في القضاء والسياسة هي الوحيدة التي تباينت فيها رؤى وآراء المصريين في مؤرخنا بل أضيفت إليهما جوانبه المعرفية؛ فمثلاً كان تقييم درة تاج إنتاجه العلمي "المقدمة" مثارَ خلاف بين تلامذته المصريين."
"إذا تجاوزنا خصومات ابن خلدون القضائية و"مؤامراته" وتنبؤاته السياسية في مصر؛ فسنجد أن أكبر إنجازاته العلمية فيها هو تخريجه لها -وللتراث العربي الإسلامي من ورائها- كوكبة هادية من كبار المؤرخين، "

فإذا كان مؤرخ مصر الأشهر تقي الدين المقريزي يرى أنها "لم يُعمل عليها مثلها، وإنه لعزيز أن ينال مجتهد منالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم ونتيجة العقول السليمة والفهوم"، فإن زميله ابن حجر يرد عليه بأن "ما وصفها به -فيما يتعلق بالبلاغة والتلاعب بالكلام على الطريقة الجاحظية- مُسلَّم له فيه، وأما ما أطراه به زيادة على ذلك فليس الأمر كما قال إلا في بعض دون بعض، إلا أن البلاغة تزيّن بزخرفها".
وإذا تجاوزنا خصومات ابن خلدون القضائية و"مؤامراته" وتنبؤاته السياسية في مصر؛ فسنجد أن أكبر إنجازاته العلمية فيها هو تخريجه لها -وللتراث العربي الإسلامي من ورائها- كوكبة هادية من كبار المؤرخين، فتبلورت على أيديهم معالم المدرسة التاريخية المصرية الخالصة، والمتميزة بنزعتها التفصيلية والتحليلية وبسلسلة نوابغها التي تواصلت –بعد ابن خلدون- أكثر من 150 سنة.
وقد جسد فرعيْ هذه المدرسة الكبيرين كلٌّ من الإمامين المقريزي وابن حجر العسقلاني وتلامذتهما (ابن تَغْرِي بَرْدِي والسخاوي والسيوطي وابن إياس)؛ يقول ابن حجر عن تلمذته لصاحب المقدمة: "اجتمعتُ به مراراً، وسمعتُ من فوائده ومن تصانيفه خصوصاً في التاريخ، وكان... [له] معرفة تامة بالأمور خصوصاً متعلقات المملكة {=الدولة}".
وأنت –أيها القارئ- واجدٌ أثر المنهجية الخلدونية في الآثار الباقية لهؤلاء الأعلام، ليس فقط في استغراقهم في دروب التاريخ تخصصا وتناولا؛ بل وفي نمط التأليف ومنهجية الطرح، والنزوع لوضع كتب المقدمات المنهجية للموسوعات العلمية الكبرى في شتى حقول المعرفة، احتذاءً بـ"مقدمة" شيخهم المنهجية لتاريخه الكبير "العبر".
ومن أمثلة ذلك إفرادُ القلقشندي -وهو من تلامذة ابن خلدون بمصر- جزءا منهجيا كاملا جعله "مقدمة" لكتابه الأدبي الإداري الضخم "صبح الأعشى"؛ ووضْع ابن حجر كتابه "هدي الساري" ليكون "مقدمة" منهجية لموسوعته الحديثية والفقهية "فتح الباري"، بل إن شرحه هذا لصحيح البخاري ربما استلهم فكرة تأليفه من كلمة شيخه ابن خلدون التي قال فيها: "ولقد سمعت كثيرا من شيوخنا رحمهم الله يقولون: شرح كتاب البخاري دَيْنٌ على الأمة"، فأراد الحافظ ابن حجر –وقد منّ الله عليه بالإمامة في علوم الحديث وغيرها- أن يقضي عن الأمة دَينها لهذا الإمام.

جدل التقييم المتجدد
وإذا طوينا قرون الركود الثقافي -التي طبعت غالبا الحقبةَ العثمانية من تاريخ مصر- إلى زمننا المعاصر متلمّسين مكانة ابن خلدون في الذاكرة الثقافية المصرية؛ فسنرى أن الانقسام القديم بشأنه سرى -بكل أبعاد تقييمه الوظيفية والسياسية والعلمية- إلى الأجيال الحديثة من النخبة الثقافية المصرية، وأن الاحتفاء به -في مصر المعاصرة مَلَكية وجمهورية- كان أيضا رسميا وأهليا، وإن جاء في شقه الرسمي متحفظا أحيانا.
وبالعودة إلى رائدهم في الهوى الخلدوني شخصاً ونصًّا؛ نجد أن طه حسين يصف ابن خلدون –في رسالته عنه التي بدأنا بها هذا الحديث- بطائفة وافرة العيوب الخُلقية والنقائص المنهجية، وينفي عنه "العبقرية" فيما جاء به في "المقدمة"، ويعدّه "قبل كل شيء سياسيا وافر الحكمة والبراعة"؛ لكن ذلك كله لم يمنعه من التسليم بأنه "إليه يرجع الفضل في أن الآداب العربية تستطيع أن تفخر بأنها كانت الأولى في وضع الفلسفة الاجتماعية في قالب علمي".
ثم خلَفَ من بعد طه خلْفٌ ذهبوا في إزرائهم بابن خلدون أن وصموا أسلوبه البياني بالركاكة والتعقيد، واتهموه بسرقة أفكار غيره ورصّها في "المقدمة" وكأنها بنات أفكاره. ومن أبرز من أطلق هاتين التهمتين الدكتور علي سامي النشار في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن الأزرق "بدائع السلك". أما الدكتور محمود إسماعيل فقد اتهمه -في دراسته: "نهاية أسطورة: نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل إخوان الصفاء"- بالسطو على أفكار جماعة "إخوان الصفاء".
لكن إسماعيل نفسه متهم عند آخرين بـ"سرقة" فكرة هذا الاتهام ممن سبقه بالإشارة إلى العلاقة بين ما جاء به ابن خلدون وما قال به "إخوان الصفاء" وغيرهم من الفلاسفة المسلمين، وممن سبقه إلى ذلك -بربع قرن- المؤرخُ التونسي محمد الطالبي الذي دوّن ذلك في كتاباته منذ مطلع السبعينيات.
ورغم تيار الإزراء هذا؛ فإن مصر أقرّت عين ضيفها الخلدوني -في مرقده بـ"مقبرة الصوفية"- بتيار آخر أعجِب بتراثه إلى حد التصوف فيه أحيانا، فطفق يثني عليه ويشيد به وبمكانته بين أعلام العبقرية الإنسانية. ومن أهم من تصدر هذا الاتجاه محمد عبد الله عنان؛ أولاً بترجمته رسالة صديقه طه حسين عن ابن خلدون إلى العربية عام 1925، ثم بتأليفه كتاب: "ابن خلدون: حياته وتراثه الفكري" سنة 1933 في ذكرى مئوية ميلاد ابن خلدون.
وقد تبعه في ذلك النهج دارسون كثر؛ في طليعتهم الدكتور عبد الواحد وافي في كتابه "عبقريات ابن خلدون" ومؤلفات أخرى تناول فيها نظريات ابن خلدون وريادته العالمية في تأسيس علم الاجتماع، إضافة إلى تحقيقه الرائع لكتاب "المقدمة".
أما الاهتمام المصري الرسمي الحديث بابن خلدون؛ فقد كان أكبر مظاهره تنظيم أسابيع فكرية خاصة به خلال العقود الثمانية الأخيرة، قُدمت فيها عشرات الأبحاث عن حياته وتراثه ومكانته في الفكر الإسلامي والعالمي، وذلك في عام 1933 بمناسبة مئوية ميلاده، ثم في 1962، وآخرها كان عام 2006 في ذكرى مرور ستمئة سنة على وفاته بالقاهرة.
المصدر : الجزيرة

يوسف العظمة وزير الدفاع العربي الوحيد الذي استشهد في معركة

يوسف العظمة 
وزير الدفاع العربي الوحيد الذي استشهد في معركة

د. محمد الجوادي
مفكر سياسي
الشهيد يوسف العظمة (1884 ـ 1920) هو بطل سوريا الأسطوري في العصر الحديث، كان وزيرا للحربية في عهد المملكة السورية التي حكمت ما بين 1918 ـ 1920 بقيادة الملك فيصل الأول، وكان هو وزير الحربية ورئيس الأركان في هذه الدولة الوليدة التي تآمر عليها الفرنسيون فعسفوا بها وفرضوا الانتداب على أرض سوريا لكن الشهيد يوسف العظمة كان من الذين قاوموا هذا الانتداب بأرواحهم، وقاد مقاومة السوريين العسكريين رغم عدم تكافؤ القوى وخاض في مواجهة الفرنسيين معركة ميسلون الشهيرة التي تغنى بها شعراء الحماسة والوطنية والعروبة.

كان الشهيد يوسف العظمة عسكريا مثقفا وكان يُتقن عددا من اللغات بحكم النشأة والتعلم المتصل، فكان منها العربية والتركية والفرنسية والألمانية. ولد الشهيد يوسف العظمة في حي الشاغور في دمشق 1884 لعائلة دمشقية أصيلة، وكان والده موظفا في مالية دمشق لكنه توفي 1890 حين كان الشهيد يوسف في السادسة من عمره فكفله شقيقه الأكبر عبد العزيز.

درس الشهيد يوسف العظمة دراسة مدنية في المرحلة الابتدائية وتحول مبكرا إلى الدراسة العسكرية فدرس في المدرسة الرشيدية العسكرية التي كانت قائمة في جامع يلبغا وهو في التاسعة من عمره وانتقل إلى المدرسة العسكرية الإعدادية وهو في الثالثة عشرة من عمره، وعندما أصبح في السادسة عشرة من عمره (1900) انتقل للدراسة في المدرسة الإعدادية العسكرية (وهي تناظر المدارس الثانوية في النظام المصري) في إسطنبول فأحرز شهادتها في ذلك العام وانتقل إلى المدرسة الحربية السلطانية في الآستانة وتخرج فيها 1903 برتبة ملازم ثان، وتدرٌج في سلك العسكرية فنال رتبة ملازم أول بعد سنيتن، وانتقل إلى مدرسة أركان الحرب فدرس فيها ونال رتبة يوزباشي أركان الحرب 1907 كما نال وسام المعارف الذهبي.

سجٌل التاريخ أن غورو خاض الحرب بتسعة آلاف جندي مزودين بالطائرات والدبابات والرشاشات في مواجهة ثلاثة آلاف من المتطوعين السوريين الذين كونوا الجيش السوري المحارب الذي قاده الشهيد يوسف العظمة يوم 24 يوليو 1920
وبعد عام واحد 1908 أصبح الشهيد يوسف العظمة مدربا مساعدا للتعبئة بمدرسة الأركان في قصر يلدز، وفي العام التالي درس في مدرسة أركان الحرب العليا في ألمانيا 1909، وعيٌن ملحقا عسكريا في المفوضية العثمانية في القاهرة ومعاونا للمفوض السامي العثماني. وفي 1912 عاد الشهيد يوسف العظمة إلى الآستانة واشترك 1913 في حرب البلقان.

أما في الحرب العالمية الأولى فقد كانت له إسهامات مرموقة فقد بدأ رئيسا لأركان حرب الفرقة 20 ثم الفرقة 25 العاملة في بلغاريا ثم في النمسا وفي رومانيا، ولما كانت الدولة العثمانية متحالفة مع ألمانيا فقد ضمٌه المارشال ماكترون قائد القوات الألمانية المحاربة إلى هيئة أركان الحرب الألمانية ممثلا للجيش العثماني.

ثم أعيد الشهيد يوسف العظمة إلى الآستانة ليكون مرافقا لوزير الحربية العثماني أنور باشا وهو يتفقد الجيوش العثمانية في الأناضول وسوريا والعراق، وعين رئيسا لأركان حرب القوات المرابطة في القوقاز ثم رئيسا لأركان الجيش الأول في إسطنبول.

وبانتهاء الحرب العالمية الأولى ونهاية الدولة العثمانية غادر إسطنبول، فاستعان به الملك فيصل الأول من قبل تأسيس المملكة السورية مرافقا له، ثم عيٌن معتمدا لأركان الحرب العامة في سوريا برتبة قائمقام وذلك قبل أن يتولى أكبر إنجاز حققه في حياته وهو تأسيس الجيش السوري وقد نجح في تأسيسه من عشرة آلاف مقاتل على طريقة عسكرية محترفة، وهو الجيش الذي صمم الفرنسيون بعد معركة ميسلون على حله وتصفيته.

في يونيو 1920 وجٌه الفرنسيون إنذارهم الشهير للملك فيصل، وجمع الملك فيصل وزرائه، وكانت وجهة نظر الملك أن يقبل الإنذار لكن الشهيد يوسف العظمة وزير الحربية رفض، وحاول هو و الدكتور عبد الرحمن شهبندر وزير الخارجية إقناع الملك دون جدوى، ومع أن الملك بدأ الخطوات التنفيذية للاستجابة للفرنسيين بما في ذلك حل الجيش وسحبه وأرسل بهذا إلى الجنرال غورو فإن الجنرال غورو بدأ الزحف تجاه دمشق في 24 يوليو 1920، متذرعا كالعادة بسبب مختلق كان في هذه الحالة أن برقية الملك فيصل بالموافقة على الإنذار لم تصله إلا بعد انتهاء المدة.

هكذا تأكد للسوريين أن النية لا تقف عند حد قبول الإنذار أو التوافق وإنما تتعدى هذا إلى احتلال كامل، وهكذا كان على الوطنيين وفي مقدمتهم الشهيد يوسف العظمة أن يقاوموا ما استطاعوا ليحفظوا شرفهم وشرف وطنهم في مواجهة هذا الاعتداء السافر، وهكذا أدرك البطل الشهيد يوسف العظمة أن واجبه الأول هو أن يبدأ عهدا من مقاومة المحتل مهما كانت نتيجة المعركة في صالح جبروت العدو وقوته، ولولا هذا الوعي من الشهيد يوسف العظمة بالشرف والوطنية والتاريخ والمستقبل لانتهت إلى الأبد رجولة الجيش السوري.

وقد سجٌل التاريخ أن غورو خاض الحرب بتسعة آلاف جندي مزودين بالطائرات والدبابات والرشاشات في مواجهة ثلاثة آلاف من المتطوعين السوريين الذين كونوا الجيش السوري المحارب الذي قاده الشهيد يوسف العظمة يوم 24 يوليو 1920 الذي هو أمجد أيام سوريا في تاريخها الحديث.

أبلى الشهيد يوسف العظمة في ذلك اليوم بلاء حسنا وحارب بنفسه إلى آخر طلقة كانت في بندقيته حتى استشهد، فكان بهذا أول وزير حربية عربي يستشهد وهو يخوض معركة فاصلة. دفن الشهيد يوسف العظمة في مقابر الشهداء في ميسلون على بعد 28 كم شمال غرب دمشق، وخلٌد الشعر بطولته بقصائد كثيرة لا تزال تحتل مكانتها في مقدمة أصدق شعر الحماسة العربي في العصر الحديث الذي تمثل فيها عن حق. 

ماذا خسرت السعودية في اعتقال سلمان العودة؟

ماذا خسرت السعودية في اعتقال سلمان العودة؟

 مهنا الحبيل
لا يقوم أصل هذا الموضوع على أن الخسارة المقصودة تخص الدولة السعودية، بل الأمر أوسع منها بكثير، غير أن الخسارة أعمق في جسد الدولة والمجتمع معاً، في ظل ما يتعرّضان لها من اضطراباتٍ فكريةٍ عميقة، وسياسيةٍ حادة منذ صعود الحكم الجديد، والذي انتهج خطةً جنونية، في المواجهات الداخلية وخريطة القمع، وفي إدارته الأزمة الخليجية التي كانت موجّهة لاجتياح قطر.
يعيش العالم الإسلامي اليوم حالة اضطراب واسعة، في تحديد معالم رسالته الفكرية، تقوم على إشكاليتين، الأولى ما يتعرّض له من اعتداءاتٍ وانحيازاتٍ خارجيةٍ كبرى، سواء كانت هيمنة بنوازع استعمارية أو خلفيات أيديولوجية، بصراعات سياسية أو مصالح إمبريالية متوحشة. والثانية هي الأزمة الذاتية التي من بوابتها تعمقت جراحات، وكوارث الشرق الإسلامي. وأول معضلات هذه الأزمة أن العالم الإسلامي افتقد مرحلةً زمنيةً طويلة، لصناعة خطاب النهضة والاعتدال الذاتي غير المشروط لصفقات الأنظمة المستبدة والغرب، وتكييف الحالة الشعبية في كل وطن، لقبول المنتج الغربي، الموائم لصناعة الاستبداد، ولو ترتّب عليه إلغاء مفاهيم إسلامية، وصرف الشعوب عن التقدم المدني الذي يقوم على التكافل الوطني الاجتماعي، والصناعة الفكرية الاجتهادية لنهضته، والضمان الدستوري الذي يكبح تغوّل الاستبداد على المواطنين.
ومن خلال هذه المنظومة، وإعادة بعث خطاب الأخلاق الإسلامي، القائم على كرامة الفرد، لا محاربته أو قمعه المباشر لمجرد رأيه، تبدأ معالم الوعي الإسلامي الجديد بالانتشار. وعبر هذا الوعي، تنخفض تأثيرات خطاب الغلو، والمجموعات الوظيفية التي تتخذ من السلفية المتشدّدة 
 وعاءً لتكريس التطرف، وتعزيز التباين بين الشعوب ذاتها، ورفض لغة الحوار بين الشباب أنفسهم، في أمور المعتقدات والسياسة والاجتماع.
هذا الضغط المتزايد منذ عقود، والذي نشأ مبكّراً منذ قيام الدول القُطرية العربية، والصراع بين الفكرة العلمانية والإسلامية، تعمّق من خلال استغلال نُظم الاستبداد للفكرتين. ولكن التغول في الحالة السعودية كان عميقاً، فنُصّب الدين الوظيفي ترساً للقمع، طوال هذه الفترة، منذ المواجهة ما بين النظام والقوميين واليساريين، حتى مواجهته، مع الإصلاحيين الإسلاميين التقدميين والديمقراطيين، وحتى مع التشدّد الذي خرج من عباءته، لكنه تمرّد على الحكم.
هنا شكّل خطاب الشيخ سلمان العودة فارقاً فكرياً واجتماعياً كبيراً، قرّب له فئاتٍ متعدّدة من الشعب وأطيافهم وأقاليمهم. وعلى الرغم من أنه عمل تاريخيا على هذه التفرقة ولا يزال، إلّا أن النظام تعرّض لمرحلة فراغ ضخمة، واضطراباتٍ واسعة، تقذف اليوم حممها وانفجاراتها، ولم تمنعها كل الأموال التي قُدمت للرئيس الأميركي، ترامب، والمصالح الغربية وإعلامها.  

كان الشيخ العودة يمثل خطابا أصلياً للمجتمع، وخصوصا مناطق العصبية للنظام في إقليم نجد الكبير، وفي الوقت نفسه، كان له قبول واسع من بقية المناطق، ومن الأطياف الفكرية والمزاج الشعبي العام الذي يُحب التدين الروحي والأخلاقي، ويكره التعصب، في ظل هيمنة الوعّاظ، الذين انقلب عليهم العهد الجديد اليوم، بعد أن كانوا حلفاءً تاريخيين له.
وعلى الرغم من أن الشيخ سلمان العودة آمن ودعم معنويا رسائل الحريات، والتوافق الدستوري لدولة العدالة الاجتماعية التي بعثتها حركة الربيع العربي، إلا أنه، وفي حديث مباشر معي، كان يرى أن المساحة الأخلاقية والاجتماعية، والخطاب الروحي التربوي الذي سجل له حضوراً كبيراً في الشرق والمهجر، هي المهمات الرئيسية له، وإن ظل إيمانه بأولوية العدالة السياسية قائماً. وهنا تبرز أزمة النظام، في ظل تعطش الشعب لخطاب التوازن الاجتماعي، والحرية الفردية وقيم الروح الإسلامية، وقلقه واضطرابه من قرارات الانفتاح التي جاءت تحت سياط قمع شامل للإسلاميين والديمقراطيين والحقوقيات النسوية. وبدلاً من أن يترك مساحة للناس، لتأمين حدٍّ أدنى من الاستقرار الاجتماعي، استهدف أكبر منابر الاعتدال والخطاب القيمي الروحي.
ليس بالاعتقال وحسب، ولكن بتعمّد الإهانة المتوحشة للشيخ سلمان العودة، وهنا الخسارة باعتقال منبر الاعتدال لا تقف عند مساحة المجتمع السعودي، وإنما تتوسّع إلى أن تتحول إلى دعم بنية التطرّف ضد السلام العالمي، وهذا يمثل خسارةً للنظام نفسه، حين يستيقظ على حصاد  
سياسته. وبالطبع، لا يعني واشنطن ذلك، بقدر ما يعنيها تدفق الأموال لصالحها، وإن دَفع الثمن الضحايا من كل دين وبلد.
لم نعد اليوم نجد أي مساحةٍ يعي فيها هذا النظام مثل هذه الرسائل، ولا ندري إن كان سيستيقظ أم لا، والخطورة هنا أن هذه السياسات لا تخرج آثارها اليوم، بل هي بناءٌ تراكمي يتعمّق في الأجيال، فعلى سبيل المثال أنصار السلفية الحركية في المملكة، وخصوصا أبناء التيار السروري، مثّل لهم الشيخ العودة الطريق الثالث، وبالفعل خرج فيهم وبينهم من يؤمنون بقيم الاعتدال والمدنية، غير أن هذا القهر والاعتقال الواسع الذي يشمل أغلب رموزهم، الإصلاحية المحافظة كالشيخ عبد العزيز الطريفي، والقيادية الاجتماعية كالشيخ ناصر العمر، هي رسائل تجتاح وجدان هذا الشباب، هذا فقط على مستوى التيار السروري الواسع.
ومهما استقطب النظام بمشروعه إعادة توظيف المذهب الوهابي، وهي قضيةٌ تكرّرت في تاريخ الدولة السعودية، منذ المصادمة مع الإخوان البدو، في معركة السبلة، بعد توظيفهم ضد سُنّة الجزيرة العربية، بغرض توسيع دائرة الدولة السعودية، فإن مساحة الغبن تتسع في قواعد أخرى، في ظل غياب الحريات والتعبير عن الرأي.
وليست المسألة في انفتاح وطني لمساحة الفنون والآداب والمسرح وغيرها، فهذه متطلبات إنسانية، لكن المشكلة في بعثرتها في فوضى مضطربة، وجعلها كأنها ترسٌ استفزازي، لمجتمع ينتقل فجأة من دعم الداخلية السعودية عصا الواعظ عقودا طويلة إلى سوط وسجن وقتل باسم الانفتاح، كما جرى مع الشيخ أحمد العماري، وهو من رموز التيار، وشخصيات سراة غامد وزهران في تهامة، فهل يعي الحكم السعودي، ومن يدفعه إلى ذلك أي أرضية يصنع لعالم الغد.

الأحد، 27 يناير 2019

طفل البلكونة وطفل الزنزانة

طفل البلكونة وطفل الزنزانة


وائل قنديل
تصلح واقعة "طفل البلكونة" عنوانًا دالًا يلخص الحالة الحقوقية في مصر: دراما إنسانية مصنوعة بحرفيةٍ شديدة، يقابلها واقع غير إنساني موغل في التوحش والتلذذ بحرق أبسط معاني العدل والرحمة.

في مقابل "طفل البلكونة" الذي غرقت في قصته كل منابر الإعلام الرسمي، وغير الرسمي، فضلًا عن مواقع التواصل الاجتماعي، هناك عشرات آلاف من الأطفال عرفوا الطريق إلى الزنازين، حيث لا يرون آباءهم أو أمهاتهم، منذ ست سنوات، إلا عبر أسلاك سيارات الترحيل إلى السجن، أو أسياخ حديد قفص المحاكمة أو السجن.

هناك أيضًا عشرات الأطفال الذين تم زجّهم في السجون، وعوقبوا بأحكام حبسٍ مغلظة، بتهم لا تستوعبها عقولهم الصغيرة، مثل مقاومة السلطات وهدم الدولة والانتماء إلى جماعةٍ محظورة.

من هؤلاء من أمضى سنوات طفولته اليانعة في السجون، حتى صار شابًا ولم ير النور، وسط حالة صمتٍ مشينٍ من المجتمع، بمؤسّساته وأفراده.

يتم إشعال قضية "طفل البلكونة" بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى القاهرة، في ظل تسريباتٍ غير مؤكدة عن مناقشة أوضاع حقوق الإنسان في مصر على مائدة مباحثاته مع عبد الفتاح السيسي، فتبدأ القصة بعنفٍ أسريٍّ، يعرّض حياة طفلٍ للخطر، فيقف المجتمع كله على قدمٍ واحدةٍ ضد هذا الانتهاك الصارخ للطفولة، وتشتغل ماكينة الإعلام بكل طاقتها على القصة، لتتصاعد الأحداث بالقبض على السيدة التي كادت تسقط الصغير من الشرفة، ثم تضاف عناصر إثارة أخرى عن الفقر الذي ينهش في الأسرة الكادحة، فيدفعها إلى هذا السلوك الفظ، فتنساب المشاعر حزنًا على الطفل الضحية الذي تتدخل الدولة الحنون، وتنتزعه من الأم (القاسية) كي ترعاه وتعلمه، ثم يتم توجيه فائض المشاعر إلى الأم المغلوب على أمرها، والتي ألقي القبض عليها، وكيف أنها، هي الأخرى، ضحية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، ليسدل الستار على مشهدٍ أخير عن دولةٍ تحمي حقوق الإنسان، طفلًا وأسرة.

غير أن الواقع مختلف عن الدراما الإعلامية، إذ يأتي ماكرون في السابع والعشرين من يناير/ كانون ثاني، وهو اليوم الذي قامت فيه هذه الدولة الحنون المحترمة المدافعة عن حقوق الإنسان بالاعتداء على الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينة، بواسطة بلطجيةٍ يتبعون النظام، عندما كان في الطريق إلى المحكمة، لحضور جلسة الطعن علي قرار  فصله من منصبه، فسال الدم من وجهه، وأصيب بكسرٍ في قدمه، ثم رفضت مستشفيات الدولة الحنون علاجه، ثم تحول إلى متهم بالاعتداء على البلطجية.. ثم أخيرًا تم اعتقاله وإيداعه السجن، لأنه تجرأ وأجرى حوارًا صحافيًا، أعلن فيه منافسة عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية، نائبًا محتملًا لمرشح رئاسي محتمل، يقبع هو الآخر في المعتقل، اسمه الفريق سامي عنان.

هذه الدولة الحنون التي يأتيها الرئيس الفرنسي، فجأة، فيجدها مشغولةً بمعركة إنقاذ حياة طفل فقير، هي، أيضًا، التي ارتكبت مجزرة في مثل هذا اليوم من العام 2011 ضد أهالي مدينة السويس، حين أشعلوا شرارة الثورة على نظام حسني مبارك، الأب الروحي والفيزيقي للنظام الحالي، وقطعوا عن سكانها المياه والكهرباء والاتصالات.

يأتي الرئيس الفرنسي في زيارةٍ إلى مصر المحبوسة احتياطيًا، الجائعة إلى الحرية والعدل والديمقراطية، فيتم إخفاؤها قسريًا، ويقدّمون له بدلًا منها مصر التلفزيونية الدرامية الرقيقة العطوفة التي تنتفض حكومتها، من أجل طفلٍ كاد يسقط من "البلكونة"، فكيف إذن تكون فيها أزمة حقوق إنسان؟!