الاثنين، 30 أغسطس 2021

هزيمة أمريكا في أفغانستان بين الإقرار والإنكار

 هزيمة أمريكا في أفغانستان بين الإقرار والإنكار

إحسان الفقيه

قال المؤرخ ابن الأثير في كتابه «الكامل» في معرض حديثه عن التتار واجتياحهم العالم الإسلامي: 

«وَلَقَدْ حُكِيَ لِي عَنْهُمْ حِكَايَاتٌ يَكَادُ سَامِعُهَا يُكَذِّبُ بِهَا مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْهُمْ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ الْقَرْيَةَ أَوِ الدَّرْبَ وَبِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَلا يَزَالُ يَقْتُلُهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، لا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى ذَلِكَ الْفَارِسِ. وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ إِنْسَانًا مِنْهُمْ أَخَذَ رَجُلا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ التَّتَرِيِّ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ رَأْسَكَ عَلَى الأَرْضِ وَلا تَبْرَحْ، فَوَضَعَ رَأَسَهُ عَلَى الأَرْضِ، وَمَضَى التَّتَرِيُّ فَأَحْضَرَ سَيْفًا وَقَتَلَهُ بِهِ».
إنها صورة من صور الهزيمة النفسية التي يغرق في وحْلها المغلوب، فيظن أن عدوه لا يُقهر، وأن الأمور تسير دائما على النحو الذي أراد ذلك العدو.
بمجرد إعلان الولايات المتحدة انسحابها من أفغانستان، اتجهت التحليلات فورا للحديث عن وجود ترتيبات بين أمريكا وطالبان، تأسيسا على رغبة الولايات المتحدة في وضع كيان يهدد المصالح الروسية والصينية، ورفض أصحاب هذا الاتجاه وصف الانسحاب بأنه هزيمة أمريكية على أرض أفغانستان.
معظم أصحاب هذا المنحى التفسيري، واقعون في أسر أسطورة أمريكا الدولة التي لا تقهر، شرطي العالم الذي يُسيِّره كما يريد وينجح دائما في ما يريد، وهذا مردّه إلى الآلة الإعلامية الضخمة التي تمتلكها أمريكا وتصوّرها على هذا النحو، بما في ذلك أفلام هوليوود التي تبرز القوة الأمريكية على أنه لا قِبل لأهل الأرض بها، بل امتدت قوتها إلى كواكب المجرة، لتكون منقذ الأرض من المخلوقات الفضائية، وتضم على أرضها كل الأبطال الخارقين الذين صنعهم الخيال السينمائي. 

الذين لا يقبلون بفكرة هزيمة أمريكا في أفغانستان، يُعرضون عن إخفاقات القوات الأمريكية وانسحابها بعار الهزيمة من أدغال فيتنام، وخروجها بما يزيد عن 58 ألف جثة من جنودها، وأكثر من 150 ألفا بعاهات مستديمة، و830 ألفا مصابين باضطرابات نفسية، وفرار 50 ألفا خلال سنوات الحرب، إضافة إلى خسائر مالية تقدر بـ 168 ملياراً، وهو يوازي في الوقت الحالي قرابة 1.17 تريليون.


وفضيحة الهزيمة الأمريكية في الصومال معروفة، عندما أمر كلينتون بحملة عسكرية عام 1993 ضد الفصائل المتحاربة في الصومال، بقوة قوامها 30 ألف جندي، فأسقطت قوات عيديد مروحية «بلاك هوك» وقتلت 19 جنديا من قوات دلتا الأمريكية، وتم ربط جثة جندي أمريكي على سيارة لاندروفر وسحلها أمام كاميرات التلفزيون، فانسحبت القوات بعد أقل من ستة أشهر. 

وحتى في اجتياحها للعراق، لم تكن لتصمد وتتوغل في أرض الرافدين، لولا عملاء الداخل العراقي، ومعاونة إيرانية اعترف بها كبار الساسة الإيرانيون.


أمريكا انسحبت من أفغانستان انسحاب المهزوم، لأنها لم تحقق أهدافها من خلال وجودها العسكري، ومنيت بخسائر فادحة، استنزفت الخزانة الأمريكية، وخسائر أخرى في الأرواح، أثارت الرأي العام الأمريكي، فكان الانسحاب نتاجا لخسائر تراكمية طيلة عشرين عاما. 

الذين يرفضون وصف الانسحاب الأمريكي بالهزيمة، لم يضعوا في الاعتبار السمعة العسكرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم، فهل تضحي هكذا ببساطة عن هذه السمعة لتحقيق بعض المصالح غير المضمونة في تحققها؟

عندما يجد العالم في ذاكرته أن الولايات المتحدة قادت جيوش الغرب للقضاء على طالبان الإرهابية الداعمة لـ«القاعدة» وظلت في صراع محتدم على مدى عشرين سنة لم تحقق فيها نصرا حاسما، في حرب كلفتها ما يزيد عن 992 مليار دولار على أدنى تقدير، ومقتل وإصابة ما يزيد عن 23 ألف جندي بخلاف خسائر حلفائها، ثم تتخلى بكل ببساطة عن الأرض لحركة طالبان لإزعاج الصين وروسيا، رغم توجهات الحركة الصارمة بعدم السماح بالوجود الأجنبي، وإصرارها على تطبيق الشريعة، فهل سيقتنع العالم بعد ذلك كله بأن الانسحاب الأمريكي لم يكن هزيمة؟
العالم بأسره يتحدث عن الهزيمة الأمريكية في أفغانستان، عدا صنف من أمتنا اعتادوا التسليم للنموذج الأمريكي، وصنف آخر منها تتملكهم مخاوف سيطرة الإسلاميين. صحيفة «بوليتيكن» الدانماركية تقول: «أفغانستان هي أكبر هزيمة للولايات المتحدة منذ حرب فيتنام، وهي نهاية مُذلّة تمامًا».


وصحيفة «تاغس أنتسايغر» السويسرية تقول: «الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون قد بالغوا في تقدير تأثيرهم في أفغانستان لمدة 20 عاما… طالبان فاجأت الولايات المتحدة والغرب عموما بشكل تام». 

أما صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية فقالت: «الولايات المتحدة والغرب لحقتهما فضيحة بأنهما أرادا فرض قيمهما وسيطرتهما في واحدة من أصعب مناطق العالم، لكنهما فشلتا بعد ذلك بسبب الفرضيات الخاطئة ونقص القدرة على التحمل».

صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية كتبت: «الولايات المتحدة كانت تبحث لها عن مخرج من أفغانستان». 

النائب الجمهوري البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي مايكل ماكول، انتقد في تصريح له لصحيفة «نيويورك بوست» الأمريكية، قرار الانسحاب، ووصفه بالكارثة وأنه وصمة عار على إدارة بايدن، وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي استخف تماما بقوة طالبان، وتجاهل تحذيرات المخابرات الأمريكية. حتى بايدن نفسه، تضمنت تصريحاته ما يفيد بهزيمة في أفغانستان، حيث قال في ما نقلته رويترز: «كلما استطعنا الانتهاء مبكراً (أي من إجلاء القوات) كان ذلك أفضل، كل يوم من العمليات يجلب مخاطر إضافية لقواتنا» بل إنه استخدم مصطلح «أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات» لتبرير انسحابه، وقال في خطابه لشعبه: «أقف بقوة وراء قراري، بعد عشرين عاما تعلمت بالطريقة الصعبة أنه لن يكون هناك أبداً وقت جيد لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان».


من وجهة نظري وبكل موضوعية أقول:
إن بايدن أحسن في الاختيار لأمته، رغم ما يترتب عليه من انخفاض أسهم تأييده داخل أمريكا، وقد أجرت مؤسسة USA TODAY وجامعة سوفولك استطلاعاً كشفت نتائجه أن نسبة تأييد بايدن قد انخفضت إلى 41٪ في ضوء الانسحاب وسيطرة طالبان على أفغانستان، وأزعم أنه لو عقدت انتخابات أمريكية في الوقت الراهن لعاد الجمهوريون إلى تولي الإدارة بلا أدنى مشقة.


قليل هم الذين اعتبروا الانسحاب الأمريكي هزيمة أنهت الاحتلال الأجنبي لدولة أفغانستان المسلمة، كان أبرزهم مفتي عمان أحمد بن محمد الخليلي، الذي سارع لتهنئة الشعب الأفغاني بالنصر على المعتدين. 

كان الأحرى أن ينظر الجميع إلى الانسحاب على أنه انتصار للشعب الأفغاني وتحرير للأرض المحتلة، ليست القضية طالبان أو غير طالبان، هي قضية تحرير أرض ممن احتلها لمدة عشرين سنة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

حوار مع ناجي من الغرق

حوار مع ناجي من الغرق


بقلم الباحث والمحلل السياسى

 الدكتور محمد السيد رمضان

شأت الاقدار ان اجلس مع مجموعة من الأصدقاء ونتحدث عن الأوضاع المزرية في مصر منذ الانقلاب والانهيار الاقتصادي والاخلاقي والاجتماعي الذي اصاب البلد وفي معرض حديثنا جاء خبر العثور علي جثث لعدد من المهاجرين غير الشرعيين علي الشواطئ الليبية وادلي كل واحد من الأصدقاء برأيه فيما يعرفه عن الأسباب التي تدفع الشباب الي ذلك الطريق وذكر احدهم ان البعض اتي لكي يحقق رغبة او أمنية ان يكون مثل فلان الذي سافر وكتب له عمر ويعيش الان في دولة أوروبية وهولاء الشباب يغوي بعضهم بعضا بالسفر والاهل لا يمانعون في ذلك بل يسعون في البحث عن سفر الابن عن طريق بعض المعارف او من سبق له السفر .
دهشت من سماع هذا الكلام كيف لأب ان يلقي بولده في التهلكة ؟

السفر بهذه الطريق خطر محدق وهل يوجد من يضحي بولده هكذا ؟ الإجابة مفزعة العشرات بل المئات من الأهالي يفعلون ذلك ويعلمون ان الابن قد يموت غرقا في رحلة الموت ولكنهم يفعلونها بلا تردد وأردت ان اعرف القصة وكيف بدأت فقال لي غداسياتي معي شاب جاء الي هنا بنفس الطريقة سيروي لك تفاصيل رحلة الموت .
وفي اليوم التالي جاء صديقي ومعه شاب في العشرين قدمه لي .. صلاح..من قرية تابعة لمركز سمنود غربية .. رحبت به وجلس

وقلت له اريد ان اعرف كيف جئت الي هنا؟
فتبسم وقال مثل كل اللي جاءوا قبلي فطلبت ان اسمع تجربته الشخصية ..فقال
حاولت السفر اكثر من مرة وأول مرة كان عمري 15 سنه … استوقفته
كنت تريد السفر في هذا العمر لماذا انت لست مكلفا ؟
فقال : كل أصحابي سافروا كده بس طبعا الموضوع مكانش سهل !
كيف حاولت ومع من ؟
أصحابي عرفوني علي واحد بيسفر بيجي البلد وسفر ناس لما كلمته قالي انا موافق حتصل بيك واقولك تيجي فين !
سألته اهلك عارفين انك عاوز تسافر ؟
طبعا وانا اعمل حاجة زي كده من غير ماقلهم !
والمبلغ المطلوب  ؟

طلب 35 الف لما أوصل ياخدهم من ابويا والشرط لو حصلي حاجة محدش يجيب سيرته ولو اتمسكت ورجعت ميخدش فلوس !
واصل سرده .. وفي يوم اتصل  وقال لي اركب وتعالي ادكو .. وصلت ولاقيت معاه ناس خدونا في منطقة كلها  مزارع وبعد كأم يوم وفي نصف الليل قالوا يلا حنركب
وصلنا الي البحر ونزلنا المية وركبنا زوديك ولسه بيتحرك لاقينا البوليس والسواحل حوطونا وقبضوا علينا وأخذونا الي المركز ومكانش عندي بطاقة اتصلوا باخويا الكبير وجاء واستلمني ،
انتظرت شوية كأم شهر وبعدين كلمت المندوب فقالي في محاولة من بلطيم !
بعد كده سافرت بلطيم وجمعنا مع شباب كثير في مكان ذي الجبل رملة ..انتظرنا 5ايام لحد المركب ما وصلت و طلب مننا نركب ذي فلوكةبتمشي بالموتور وقال عاوز 20 واحد بيعرفوا يعوموا وكان معايا ابن عمي ركبنا وبعد شوية الموتور اتعطل والفلوكه دخلها المية وكنا حنغرق وطلّعونا وحسيت أني مش قادر من الخوف روحنا البلد وفشلت الرحلة عشان ربنا عاوز كده ،
سألته هل حاولت مره اخري ؟
كتير..! وكنا بنجري من البوليس لما كانوا الأهالي يبلغوا علينا !
والأهالي يبلغوا عنكم ليه ؟
المهربين كانوا بيخزنونا في أماكن الناس بتشوفنا بتتخض والإعلام كان بيتكلم عن الشباب اللي بيموت في البحر وده حصل في إسكندرية في أبوقير وأكثر من مره تفشل الرحلة بسبب كده ،
كان عددكم كأم ؟
كثير , 300 علي الأقل !
طبعا مرت شهور لان السفر دائماً في الصيف عشان البحر في الشتاء بيكون عالي ،
قلت ما فيش نصيب وصرفت نظر موقت عن السفر.
و كنت اعمل علي توك توك واللي جاء رايح عرفت ان صحابي سافروا مع واحد تاني وبعد شهر وصلوا إيطاليا سالت مين يعرف الشخص اللي بيفسر قالولي فلان (مندوب) هو ده اللي بيتفق معاك ويخلص وانت مالكش دعوه ..
انتظرت حتي جاء القرية وعرفني صاحبي بيه وقال لي السفر يكلفك 35 الف جنية !
قلت له معيش المبلغ ده كله ومنين اضمن أني أوصل الي إيطاليا ؟
قال لي تكتب وصل أمانة ولما توصل أخذ فلوسي وهو ده الحل عشان تكون مطمان ،
أبوبيا وافق علي الحل ده وانا حسّيت انه مبيكذبش بس الاحتياط واجب وهو سفر ناس كتير بالطريقة دي ووصلوا ,
سألته وهل كان معاك جواز سفر ؟

تبسم وقال ..لا طبعا ولابطاقة عشان لما يمسكونا ميلاقوش معانا اي إثبات شخصية ،
ولاقدر الله متنا مافيش دليل اننا احنا اللي متنا والاهل بيعملوا محضر في القسم تغيب عشان ميقدروش يقولوا الحقيقة !
تعجبت من هذا الأسلوب في التفكير ولكني ارادت ان أعرف الحكاية وتابع الحديث …
المندوب قالي اول ما أكون جاهز حكلمك ، وبعدها بأسبوع اتصل بيا وطلب ان اروح الي الاسكندرية في مكان هو حدده ووصلت هناك وبعدها كلمني وجاء بعربية وأخذني ،
العربية مشت كتير لحد ماوصلنا الي مكان علي البحر سألته احنا فين قالي (أبوقير )بس ده مكان غير اللي اعرفه قبل كده
مشيت معاه لحد ما دخلنا مكان ولاقيت ناس كتير مصرين وسورين ، سلمني للمعلم اللي بيجمع الناس وأعدنا منتظرين وبعد نصف الليل خدونا مجموعات وركبنا مراكب صغيرة ومشت في البحر بتاع ساعة وبعد كده لاقينا مركب كبيرة طولها 24 متر واقفة طلعنا عليها ، بعد كده نزلونا في مكان في المركبة بيسموه التلاجة وطلبوا مننا منتحركوش وكان كل شوية نلاقي ناس جاية علينا لحد لما مبقاش مكان ،
وبعد كده اتحركت المركب ،
كنا حاسين بسعادة وخوف وبعد يوم كامل فتحوا علينا عشان يدونا اكل .. مَش عارف أقولك آيه رغيف بايت وحتت جبنه ومحدش يتكلم ولا يقول ليه لكن السورين كانوا بيتعاملوا احسن مننا عشان دافعين فلوسهم مقدم وبالدولار !

وفي يوم لاقينا مركب تانية جاءت جنب المركب اللي احنا فيها وكان معاهم ناس عاوزين يطلعوهم معانا المسؤول عن المركب رفض وزعق وقالهم احنا 480 واحد ولو طلع حد تاني معانا حنغرق كلنا وزعقوا مع بعض واحنا طبعا مش عارفين ايه ممكن يحصل وبعد شوية صوت المركب التاني بعد عرفنا انهم مشوا .
فضلنا علي الحالة دي تقريبا 8 ايام والمهربين اتصلوا بصحابهم في أبوقير وقالوا لهم قربنا علي إيطاليا وبعد يومين لاقينا المهربين نزلوا عندنا وقالوا لنا البوليس الايطالي حيجي بعد شوية احنا بعتنا رسالة إستغاثة قلنالهم المركب بتغرق احنا ذي بعض اوعوا تقولوا اننا اصحاب المركب … حتقولوا اصحاب المركب سبونا هنا ومنعرفش راحوا فين ! طبعا منقدرش نقول غير اللي طلبوه مننا ..
وجاء البوليس ونزلونا من المركب وبعد كده غرقوها وخدونا الي الجزيرة ، مش عارف اسمها وجابولنا اكل وعملوا معانا كل واجب وآخر النهار لاقينا الأتوبيسات جايه تأخذنا سألنا فين قالوا معسكر تجميع اللاجئين لحد ما يرحلونا ! انا اتجننت آذي أوصل حي وبعدين يرحلونا ؟ ركبونا الأتوبيس وبعد شوية كان بيلف وكأنه بيطلع زي جبل اتفقنا اننا ننط بس ازاي ؟
كسرنا الإزار والسواق شافنا بقي خايف مش قادر يوقف الأتوبيس لأننا في مطلع فراح مهدي السرعة قمنا نزلنا من الشبابيك وراء بعض ونزلنا من الجبل وفضلنا ماشين وبعدين سألنا فين محطة القطر مكانتش بعيده،
اشترينا تذاكر واستخبينا لحد معاد القطر مايطلع عشان البوليس كان ملا المحطة ووصلنا روما الصبح وبعدين قابلت واحد قريبي اخت منه فلوس وحجزلي قطر الي باريس القطر كان بتاع نوم وفيه سراير فوق بعضها وحظي ان كان في مصريين في الكبينة ولما اتكلمت معاهم قالولي الكنترول بيطلع بيسأل علي الأوراق سألتهم طيب أعمل آيه قالوا لي خليك في السرير اللي فوق ومتعملش اي حركة وقاموا حطين الشنط بتاعتهم مداريني بيها والكنترول عدا وربنا سلمها وقبل ما القطر يدخل باريس خليت الشباب اللي في الكبينة يكلم قريبي عشان معرفش حاجة في فرنسا وجه استناني وادي انا هنا الحمد الله عايش ,

كتير بس المندوب بيحاول تاني فلوسه مبتروحش عليه ودي الميزة
لكن لو المركب انقلب ومات … الله يعوض علي أهله وهما كمان مايقدروش يتكلموا مع المندوب لانه في الحاله دي مابيخدش فلوس !
أردت ان اعرف هل هناك أماكن اخري غير أبوقير بتخرج منها مراكب المهاجرين ؟
اه لي أصحاب سافروا من دمياط ووصلوا بردوا عن طريق المندوب ده ،
يعني ماشفتوش بوليس مصري او حرس السواحل ولا الموضوع مترتب ؟
أكيد مترتب لان المراكب دي بتبقي واقفة بعيد عن البر واكيد حد مظبط معاهم .
كأم واحد تعرفه جاء بهذا الطريقة ؟
من بلدنا كتير ولسه في ناس جايه من اسبوع وفي ناس في الطريق … يااستاذ مافيش فيز ومافيش شغل والدنيا بايظة الواحد مننا بيغامر بعمرة ليه ؟ بس للأسف في 4 من بلدنا ماتوا من أسبوعين مركبهم غرقت !
وأهاليهم عملوا آيه ؟
أخدوا العزي واستعوضوا عيالهم عند ربنا !

ولو حبيت تنصح اي شاب يحب ان ياتي الي اورويا ماذا تقول ؟

اقوله ماتسافرش ولا حتي مباشر بتاشيرة الوضع هنا مش كويس واحنا بنعاني ….

اشكرك واتمني لك التوفيق 

إعادة صياغة المعتقد.. المعنى في بطن السيسي!

إعادة صياغة المعتقد.. المعنى في بطن السيسي!


سليم عزوز

قديماً قالت العرب: "المعنى في بطن الشاعر"، وذلك لتفسير مقولة تحمل أكثر من معنى، وقد ارتبط الأمر ببيت شعر لشاعر، يحتمل معنيين، أحدهما سلبي، والآخر إيجابي، وكذلك مقولات السيسي، بل معظم مقولاته، والجديد فيها هو حديثه عن إعادة صياغة المعتقد!

مشكلتنا مع جناب المشير، هي في عدم قدرته على التعبير عما في رأسه، ولهذا يحدث جلبة عبر منصات التواصل الاجتماعي، عندما يتكلم، لاسيما في شأن من شؤون الدين، وهو يعتقد أنه الإمام المجدد، يوشك أن يدعي أنه يوحى إليه، ولماذا يوشك وقد ارتفع بنفسه ليكون واحداً من أولي العزم من الرسل، عندما ادعى مؤخراً أنه كليم الله، وأن الله تعالى قال له، وفي مرة سابقة على ذلك، ألمح بما لا يحتاج إلى تصريح بأنه في مقام نبي الله سليمان، عندما قرأ جزءاً من آية "ففهمناها سليمان.."، بشكل فهمه من استمع إليه بدون أية إشارات إضافية، على نحو كاشف بأننا أمام حالة لابد وأن تنتهي إلى الحكم بالحق الإلهي!

في مداخلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، قفز من حديث إلى حديث آخر بدا أنه ما يسيطر عليه عندما قال: "من يوم ما تولدنا المسلم مسلم والمسيحي مسيحي.."، "فمن ساعة ما تولدنا لقينا مكتوب في البطاقة مسلم ومسيحي.. احنا عاوزين نغير الفكرة والمنطق دا"، ومن ثم دعا إلى ما أسماه بإعادة صياغة المعتقد، من خلال التفكير فيه!

فالحاكم الذي لا يسمح بالتفكير في تغييره، يدعو المصريين للتفكير في دينهم، وفي الوقت الذي لا يسمح فيه بمناقشة عدم اقتناع الناس به، ويريد منهم الإيمان بدون تفكير، يدعو الناس لإعادة صياغة معتقداتهم، وفي الوقت الذي ليس مسموحا للمصريين فيه بالعمل من أجل تغييره فإنه يدعوهم إلى تغيير الدين، ولا يسلمون بما جاء في خانة الديانة منذ المولد!

الداعي والدعوة:

حالة عبثية حقاً، لكن إذا تجاوزنا الداعي إلى الدعوة، والسيسي إلى ما يدعو اليه، وجدنا أنفسنا أمام طلاسم، تسبب فيها عدم قدرته على التعبير، ليصبح من الطبيعي أن ندعوه إلى إعادة صياغة ما يقول، قبل أن يدعونا إلى إعادة صياغة المعتقد، أو الاستعانة بصديق ليعبر عنه بتفسير معتمد لما يقول، لكي يقفل الباب على الذين يستهويهم الاجتهاد مع النص، فيذهبون بعيداً، إلى حد إراحة النفس باتهامه بالعداء للإسلام، أو أنه يدعو للديانة الإبراهيمية، المعتمدة في أبو ظبي، وهذا ليس صحيحاً وإن كان مريحاً.

فبالعودة لتصريح قديم له، بدا بدون مناسبة، ككل تصريحاته الخاصة بالدين، عندما قال إنه لم يسلم بصحة كونه مسلماً، إلا بعد تفكير عميق، انتهى به إلى أن يكون كذلك عن إيمان واقتناع، أو كما قال، فقد أعدنا صياغة تصريحه ليصبح صالحا للقراءة والفهم، ومن ثم فإن أي حديث عن العداء للإسلام أو الدعاية لديانة أرضية إنما يدخل في باب المناكفات السياسية، ولاسيما وأن دعوته لإعادة صياغة المعتقد ليست قاصرة على المسلمين فقد استهدف المسيحيين أيضاً، والذين نكفيهم بحماسنا شر كثير من الحروب، فيعتزلوها باعتبارها لا تخصهم، تماما كما نجح بعض المسلمين في تحويل الحرب ضد العلمانية وكأنها معركة إسلامية، في حين أن نشأتها الأوروبية تقول إنها نشأت ضد الكنيسة، وتماما كما يحث عندما ترفع الأنظمة التافهة الانتماء الفرعوني في مواجهة الانتماء الإسلامي، مع أن استدعاء الفرعونية يمثل اعلان حرب على الديانتين المسيحية واليهودية، فموسى عليه السلام هو من دخل في حرب مع فرعون، والمسيحيون المصريون سحلوا الفراعنة "الوثنيين" في الشوارع!

لكن لا بأس من خوض حروب الاستنزاف هذه بالنيابة عن الغير أو بالأصالة عن النفس، وقد خاض المسلمون المعركة الخاصة بإعادة صياغة المعتقد، فاعتبروها موجهة ضدهم بالأساس، مع أنها شملت "المسيحي" مع "المسلم"، لتبقى المشكلة كامنة فيما يريد أن يقوله الشاعر؟!

المصريون كافة:

فالظاهر من مقولات السيسي أنه يدعو المصريين كافة، إلى التفكير في ديانتهم، ليؤمنوا بها أو يكفروا، ولم يقل من أين البداية، وهل نعود مثلاً منذ بداية عبادة الأصنام، لنصل لمرحلة هذا ربي هذا أكبر، ونمر بمرحلة الشك للوصول إلى اليقين، هذا إذا وصلنا؟، وما هو الموقف القانوني لمن بدأ التفكير ولم يقتنع بدينه؟، والقانون الحالي يعاقب الملحدين بتهمة ازدراء الأديان!

لقد فهم البعض إنه بذكر "البطاقة" انما ينوي الاستجابة لمطالب حقوقية بإلغاء خانة الديانة، ومن ثم أعلن محامي الكنيسة نجيب جبرائيل، أنه بصدد إقامة دعوى قضائية لإلغاء خانة الديانة من البطاقة، وغضب المسلمون أيضاً لإحساسهم المزمن بالاضطهاد، وماذا في هذه الدعوة يغضب؟

ربما لدى السيسي مآرب أخرى مثل سعيه للاستجابة للدعوة الحقوقية ولإرضاء الغرب وتقديم خدمة وهمية للمسيحيين بإلغاء الديانة في البطاقة، وقد استدعاها بدون مبرر، لأن تدوين الديانة "من ساعة ما تولدنا.." لا يكون في البطاقة، ولكن في شهادة الميلاد!

المسيحيون، والحقوقيون، يرون أن حرص الدولة على الإبقاء على خانة الديانة في البطاقة هو تصرف طائفي يستهدف التمييز لكي يُستبعد المسيحيون من وظائف بعينها، وكأن هذا هو العلامة الدالة على التمييز، ولا يعرف الناس المسلم والمسيحي بمجرد الاسم، وكأن المسيحيين لا يمارسون التمييز الطائفي بدق الصلبان على أيديهم؟!

  


’’لظاهر من مقولات السيسي أنه يدعو المصريين كافة، إلى التفكير في ديانتهم، ليؤمنوا بها أو يكفروا، ولم يقل من أين البداية، وهل نعود مثلاً منذ بداية عبادة الأصنام، لنصل لمرحلة هذا ربي هذا أكبر، ونمر بمرحلة الشك للوصول إلى اليقين، هذا إذا وصلنا؟، وما هو الموقف القانوني لمن بدأ التفكير ولم يقتنع بدينه؟، والقانون الحالي يعاقب الملحدين بتهمة ازدراء الأديان!’’



أكبر المؤسسات الحقوقية التي تتبنى هذه الدعوة هي "المبادرة المصرية"، وهي كعبها عال على دولة العسكر، وشاهدنا كيف أنها عقدت ندوة مؤخراً حضرها لفيف من سفراء الدول الغربية في القاهرة، في تصرف كان يستدعي موقفاً من السلطات المصرية، والتي هي أضعف من هذا، فكان المصريون بالمنظمة هم الضحايا، لكنها اضطرت أن تفرج عنهم بعد فترة قصيرة من الحبس الاحتياطي، وهزمت في هذه الموقعة.

والدعوة إلى إلغاء خانة الديانة من البطاقة هي جزء من حملة تبني المبادرة للبهائية، وقد أقامت دعوة أمام القضاء الإداري، في عهد مبارك لتدوين الديانة البهائية للبهائيين في البطاقات، لكن المحكمة قضت بوضع (شرطة) امام خانة الديانة لهم، وهي الآن تستكمل المهمة، ويعوم المسيحيون على عومها بأن وجود هذه "الخانة" من الأدلة على وجود اضطهاد طائفي يمكن من يرغب منهم اللجوء السياسي في الغرب؟!

ومع الوقت، صدق المسيحيون الدعاية، وصاروا ينطلقون جادين من أجل إلغاء هذه الخانة، دون إدراك حقيقي لعواقب الأمور، لأن هذا من شأنه أن يجعل عملية الانتقال للدين الإسلامي، سهلة وميسورة دون الخضوع لإجراءات طويلة ومملة لتغيير الديانة في البطاقة، يمكن خلالها للأهل الانتصار على المتحول ولو باختطافه ووضعه في أحد الأديرة، قبل أن ينتهي من هذه الإجراءات، وفي حال الغاء خانة الديانة لن يكون بحاجة إلى ذلك.

وإذا كانت الكنيسة تمارس ضغوطا على النظام من خلال تسليمه لزوجات القساوسة اللاتي يعتنقن الإسلام لاحتجازهن في الأديرة، كما واقعة كاميليا شحاتة، ووفاء قسطنطين، بمجرد الشروع في خطوة تغيير الديانة في البطاقة، فلن يكون بحاجة إلى هذه المخاطرة في المستقبل، بل إن السلطة نفسها مطالبة بعملية الاختطاف والتسليم!

وهناك أزمة آلاف المسيحيين الذين طلقوا زوجاتهم بأحكام قضائية ولا تعترف الكنيسة بهذا الطلاق ومن ثم لم تسمح لهم بالزواج الثاني، فإن سقوط عائق الديانة في البطاقة لن يجعلهم بحاجة إلى هذه الموافقة التي لن تصدر أبداً، وبإمكانهم حل مشكلاتهم بعيداً عن سلطان البابا.

تجارة الوثائق الرسمية:

ومهما يكن، فمن الواضح أن المسيحيين لم يدركوا مغبة ما يطالبون به من كثرة ترديده، أو أنهم يراهنون إلى عدم استجابة السلطة لهم. ومع وجود المطلب الدولي بإلغاء خانة الديانة، يكون السيسي ـ بحسب الظاهر من الأوراق ـ قد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فيرضي الغرب، ثم يرفع الحرج عن نظامه في أزمة المسيحيين المتحولين، وجزء من الأزمة تكمن في التصور أن الإجهاز على السيسي يكون باتهامه بالعداء للإسلام، أو بأنه مرتد، ليُطوى ملفه، وهو لا هذا ولا ذاك، لكن لديه تصورات عن نفسه (يعجز عن التعبير عنها فيلمح)، وعن تدينه، قد ينتقل به إلى أن يكون شكري مصطفى مؤسس جماعة المسلمون (التكفير والهجرة)، الذي كان يكفر من لا يعتمد تصوراته هو عن الدين، وعن الذات. وقد قال من قبل إنه مسؤول عن "دين المصريين"، لا تسأل عن الدم فعبد الرحمن ابن ملجم قاتل سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، لم يكن يشك لحظة في أنه يقدم خدمة عظيمة للإسلام!

لنصل هنا إلى المهم إذا كان ما في بطن الشاعر هو التمهيد لإلغاء خانة الديانة (اعتبرها البعض حرباً على الإسلام)، لندخل في "سبوبة"، أو تجارة الوثائق الرسمية التي تعرفها مصر الآن بشكل منقطع النظير، ويدرك أهميتها "التاجر" البسيط، في حدود ثقافة "تاجر البقالة"، والسيسي لم يتجاوز هذه الثقافة!
لم تكن مصر تعرف صلاحية للبطاقة، فهي سارية حتى تجدد، وتبدأ بطاقة شخصية، وبعد الزواج تجدد لبطاقة عائلية، ثم يكون تغييرها إذا استدعت الحاجة لتغيير بعض بياناتها، كمحل الإقامة، أو المهنة، وقد صاحبتني بطاقتي طالباً وصحفياً، ومقيما في الصعيد وفي القاهرة، وعازباً ومتزوجاً، ولم أجدني مضطراً لتغيير بياناتها، الا بعد انتهاء العمل بالبطاقات الورقية.

لكن، البطاقة الجديدة، أو ما يسمى بالرقم القومي، مدة صلاحيتها محددة، وإن لم يطرأ طارئ يستدعي تغييرها، والهدف من هذا هو جني المزيد من الأموال من المواطنين، مع أن شيئاً لا يكون قد تغير، فالرقم القومي ثابت، وكذلك الاسم وتاريخ الميلاد، ثم إن الانسان لا تتغير صورته كل سبع سنوات، هذا فضلا عن أن صور الرقم القومي هي من أردأ الصور، ولا يمكن التعرف على الشخص من خلالها أبداً، ولو التقطت في الحال!

وكانت شهادات الميلاد الورقية، تستخدم للإنسان مدى الحياة، في كل المهام المطلوبة من أول التقديم للدراسة، وتنتقل نفس النسخة وربما صورة طبق الأصل منها، معه في كل مراحل التعليم، وفي استخراج البطاقة وفي الزواج والطلاق، لكن البطاقة المميكنة حالياً ينتهي مفعولها بعد ستة أشهر، ليتم استخراج شهادة أخرى مع كل مهمة جديدة، وتعد الثانوية العامة "فاتحة خير" على السلطة، فالتقديم للجامعة يلزمه شهادة جديدة، كما يلزمه استخراج شهادة قيد عائلي بالإضافة إلى أن تكون البطاقة صالحة!

ويضج الناس في بلدي ي بالشكوى لهذه الرسوم التي يدفعونها بدون مبرر، فضلاً عن التكدس أمام الجهات الحكومية المختصة باستخراج هذه الأوراق وختمها!

ولا شك أن إلغاء خانة الديانة سيرتب دخلا كبيرا للسلطة بعد توقف الدعم الإقليمي، فالبطاقة تتراوح رسومها بين 45، و120، و170 جنيها، بحسب سرعة إنجازها، واستخراجها يستدعي وجود شهادة ميلاد سارية تكلفتها رسوماً وتوثيقاً مائتا جنيه، وفي بعض الحالات قد يحتاج إلى شهادة قيد عائلي بنفس التكلفة استخراجا وتوثيقا!

وبند إلغاء خانة الديانة، سيدر على خزينة الدولة مبالغ طائلة، يكفي أن تضرب خمسمئة جنيه رسوماً، في خمسين مليون مواطن، للوقوف على هذا الناتج، الذي يحتاج إلى شاطر في جدول الضرب للوصول إليه، فقد حاولت وفشلت، ولا يقال إن الجميع ليسوا مطالبين بشهادة القيد العائلي، لأننا أسقطنا أكثر من عشرة ملايين مواطن من تعداد من هم فوق 16 سنة!

فهل وصلنا إلى كل ما في بطن الشاعر.. أقصد السيسي؟!

سطور أخيرة:

رداً على قرار سحب الدكتوراه الوهمية منه قال الممثل محمد رمضان إنه يستطيع أن يشتري جامعة من بابها.

وهذا صحيح، وليس هذا فحسب، بل يستطيع أن يشتري دكتوراه ليحاضر في هذه الجامعة، لكنه أبداً لن ينجح في أن يكون فنانا كبيراً.

إن سلطة تقف خلفه لتجعل منه أحمد زكي بدون جدوى، وبإمكانيات لو توفرت لجحا لكسب رهانه، ونجح في أن يعلم حمار العمدة اللغة الإنجليزية.

إنه إفراز مرحلة، وخيار سلطة، لا أكثر ولا أقل!



فخرية محمد رمضان وعثمان الخشت وأشياء أخرى

 فخرية محمد رمضان وعثمان الخشت وأشياء أخرى


وائل قنديل

قامت الدنيا ولم تقعد إلا بتجريد الدكتور الممثل محمد رمضان من درجة الدكتوراه الفخرية، التي حصل عليها مما يطلق عليه "المركز الثقافي الألماني في لبنان"، وإصدار المركز بيان اعتذار إلى الشعب المصري، قال فيه إنه لم يكن يعلم بقصة الطيار الذي مات كمدًا بسبب الممثل.
التفاصيل كثيرة، وقد حفظها كل من تابع هذا البالون المبهر في الفضاء الإلكتروني قاطعًا الرحلة بين بيروت والقاهرة، منطلقًا من ذلك المركز أو المعهد الذي لا علاقة لألمانيا أو سفارتها به.
يلفت النظر أن المركز الذي يسمّى "الثقافي" ومقرّه في بيروت، العاصمة العربية التي لا تزال عصيةً على السقوط في مسار التطبيع، تراجع عن منح الدكتوراه الفخرية للممثل، مستندًا إلى قضيته مع الطيار الذي تسبّب في إنهاء خدمته، وإصابته بالأسى حتى الموت حزنًا، عقب نشر صاحب الدكتوراه صورة له في قمرة القيادة، وهو يقوم بوظيفة الطيار.
لم تُلفت نظر المركز الثقافي الألماني، مثلًا، حكايات التطبيع الساخن بين الممثل وصهاينة دبي وأبوظبي، في حفلات تدشين العلاقة الحميمية بين الإمارات والكيان الصهيوني، لكنه اختار قضية الطيار الضحية لتكون مبرّرة في سحب الدكتوراه.
محمد رمضان هو أحد أيقونات انحطاط فن صناعة السينما العربية، وقبل ذلك هو العنوان الحقيقي لانهيار الذوق العام، والانتقال بالفن من المفهوم الأرسطي، فعل تطهر، أو في تعريفات أخرى تالية وسيلة للارتقاء بالمجتمعات، إلى مفهوم جديد تمامًا يجعل الفن وسيلة تدمير للوجدان والعقل وترويج قيم الفساد والاستبداد، وتسييد الجهل والسوقية.
غير أن هذا كله ليس إلا الانعكاس لسياقٍ عام يعادي الفن الحقيقي والعلم الحقيقي والثقافة الحقيقية، ويحارب بلا هوادة كل من تتجسّد فيهم هذه المعاني ويُقصيهم ويهمّشهم، بل ويسخر منهم، كذلك، فيما ينتجه من أعمالٍ بقصد احتلال وعي الجمهور، ثم إعاده هندسته وتشكيله، بما يجعله في حالة تفاعل واستجابة كاملتين لكل ما هو زائف وفاسد، والنفور من كل ما هو حقيقي.
في ذلك، يمكن القول إن ما تسمّى "الدكتوراه الفخرية" في العالم العربي باتت واحدة من أدوات تكريم الجهل والاحتفاء به، واعتباره معيار التميّز والنبوغ، سواء جاءت هذه الدكتوراه الفخرية من جامعةٍ هي الأعرق والأقدم في الشرق الأوسط لملك أو حاكم لا يجيد القراءة والكتابة، وكل مؤهلاته أنه يموّل منظومة استبداد وفساد سياسي تحقق له طموحاته .. أو كانت هذه "الفخرية" صادرة من معاهد ومراكز وهمية، مجهولة المنشأ والمصدر.
وبالتالي عليك وأنت تنهال بالسخرية والسباب لنموذج محمد رمضان، وما يمثله من انهيار، ألا تنسى أن هناك من هم أجهل منه وأشد بؤسًا معرفيًا، حصلوا على شهادات وألقاب لم يكن نيوتن أو أينشتاين يحلمان بالحصول عليها.
هذا المناخ الذي يقبل بكل أريحية أن يتعاطى مع وصف الجنرال عبد الفتاح السيسي لنفسه أنه "طبيب الفلاسفة صاحب العلم اللدني" هو نفسه المناخ الذي يمنح عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، لقب الفيلسوف المجدّد، أو كما ظهر على غلاف كتاب مبتذل الإخراج والألوان "فيلسوف التجديد والمواطنة والتقدم .. دراسات في فلسفة الخشت النقدية أعدها نخبة من المفكرين والأستاذة بالعالم العربي".
خمسة وعشرون اسمًا تجمّعت على غلاف واحد، مجاملة ونفاقًا لرئيس الجامعة، الذي هبط بمستوى الجامعة قبل نحو ثلاث سنوات، إلى ما هو أبعد من عمق انحدار الممثل محمد رمضان بالفن، حين نظّم حفلًا غنائيًا صاخبًا في حرم الجامعة، لمناسبة التصويت على تعديلات دستور السيسي، وأمسك بالميكروفون ليؤدّي نشيدًا للفساد، ويعرض الرشوة على الطلاب، ممثلة في النجاح بمواد الدراسة، والإعفاء من رسوم السكن الجامعي، مقابل التصويت لصالح مواد الدستور التي تجعل السيسي حاكمًا إلى ما لا نهاية.

إذا كان الخشت، صاحب هذه الممارسات، يحمل لقب فيلسوف التجديد فما الذي يمنع أن يلقب محمد رمضان حامل الدكتوراه الفخرية؟

الأحد، 29 أغسطس 2021

تحقيق خاص "شركاء جرائم الحرب"..

برنامج: تحقيق خاص

"شركاء جرائم الحرب".. عندما تتورط شركة فرنسية في جريمة اغتيال أطفال غزة




جريمة ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في حي شعبي شمالي قطاع غزة عام 2014، فقد استهدفت بصاروخ منزلا يعود لعائلة شحيبر. وراح ضحيته 3 أطفال: أفنان، جهاد، وسيم.

ففي 17 يوليو/تموز 2014 دخلت القوات الإسرائيلية قطاع غزة، وأطلقت صاروخا لم يمهل الأسرة المكونة من 23 فردا من تناول طعام إفطارهم الرمضاني، رغم أنهم لم يكونوا لا مسلحين ولا مقاتلين.

وسلطت حلقة (29/8/2021 ) من البرنامج الاستقصائي "شركاء جرائم الحرب" على الجريمة الإسرائيلية التي أسفرت عن استشهاد الأطفال الثلاثة الذين كانون ينتمون لنفس عائلة شحيبر، وعلى دور شركة فرنسية تصنع الأسلحة في هذه الجريمة.

يتذكر والد أفنان ذلك اليوم ويقول إن الحي الذي يقطنون كان هادئا ذلك اليوم الذي كانت غزة تتعرض فيه منذ أيام لقصف إسرائيلي،، رغم القصف الذي كان يحدث بالجوار، ويقول إنه كان يجلس في إحدى غرف المنزل عندم سمع نجلي شقيقه وطفلته يتحدثون عن عزمهم الصعود لسطح المنزل لإطعام الحمام هناك، وبعد لحظات سمع صوت انفجار، ثم جاءت زوجته تصرخ وتخبره أن الانفجار استهدف منزلهم.

فما كان منه إلا أن هرع للأعلى ليجد الطفلين قد فارقا الحياة، بينما لا زالت أفنان تتنفس وتحدثه عن ألم في يدها بينما الدماء تنزف من أنحاء متفرقة من جسدها.

ورغم مرور السنين، ما تزال أم أفنان غير مصدقة أن ابنتها فارقتها، وتصف ما حدث بالكابوس، وبأنها تتخيل ابنتها وهي عائدة من المدرسة، وتقول إنها عندما ذهبت لتوديعها وهي في الكفن كانت في صورة جميلة حتى أنها لم تصدق أنها ميتة.

وبنظر العائلة الفلسطينية فإن الهجوم الذي استهدف منزلها خلال عملية "السور الواقي" للجيش الإسرائيلي يعد "جريمة حرب" لأنه "لم يصوب على أي هدف عسكري".

بصمة فرنسية في الجريمة

وفي سياق البحث والتحقيق في الجرائم الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين في قطاع غزة، عثر يامن المدهون مسؤول وحدة البحث الميداني بمركز الميزان لحقوق الإنسان، الذي كان شاهدا على الجريمة الإسرائيلية، على قطعة معدنية فوق سطح منزل أسرة شحيبر صنعت في فرنسا، وبناء على هذا الاكتشاف قام المركز بإرسال كل تفاصيل التحقيق إلى مكتب محاماة في العاصمة الفرنسية باريس.

وبدوره قام جوزيف بريهام، وهو عضو هيئة المحامين في باريس، بتقديم شكوى بالنيابة عن عائلة شحيبر. وفي فبرير/شباط 2018، تولى القضاء الفرنسي النظر في الشكوى، وخصص قاضي تحقيق لمتابعة القضية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018 قام قاضي التحقيق باستدعاء المدهون للاستماع إلى شهادته. وبدأت محكمة الجرائم الإنسانية ووحدة جرائم الحرب في محكمة باريس العليا النظر في الشكوى، وهي وحدة جديدة متخصصة في أخطر الجرائم، وكانت أول مرة تحقق في دعوى ضد شركة أسلحة فرنسية.

وحسب المحامي الجنائي فإن العثور على القطعة المعدنية فوق سطح عائلة شحيبر يعد دليلا حاسما يحدد دور الشركة الفرنسية في الجريمة.

ويؤكد المحامي أن الخبراء توصلوا إلى أن القطعة المعدنية التي عثر عليها فوق سطح منزل أسرة شحيبر هي عبارة عن مجس تصنعه شركة "أوروفاراد " الفرنسية والتي اشترتها شركة "إكسيليا".

وعندما عرضت "إكسيليا" في يونيو/حزيران 2018 أفضل منتجاتها بمعرض أقيم في باريس، كان من بين أفضل منتجاتها مجسات تحديد الموقع ذات الدقة المتناهية، ويعتقد أن القطعة التي عثر عليها فوق سطح العائلة الفلسطينية هي واحدة من هذا المكون الإلكتروني كثير الدقة والذي يستطيع توجيه صاروخ إسرائيلي مثل الذي قتل به أطفال غزة.

كما عثر المدهون بقطاع غزة على مجسات في صواريخ غير منفجرة أطلقت خلال حرب 2014، تماثل تلك التي عثر عليها فوق منزل شحيبر، وجميعها تتطابق مع الطراز الذي مازالت الشركة الفرنسية تبيعه منذ عام 2012 إلى قطاع الطيران الإسرائيلي، وهو أحد موردي الصواريخ للجيش الإسرائيلي.

وتعد هذه المجسات عتادا حربيا، ويعتقد محامي عائلة شحيبر أن الشركة الفرنسية كانت تعلم أنها ستستخدم في صنع صواريخ قادرة على القتل وارتكاب جرائم.

ويقول المحامي إنهم اتهموا شركة "إكسيليا" بالاشتراك في ارتكاب جرائم حرب والقتل غير العمد. وإذا نجحت شكوى قضية شحيبر فسيقوض ذلك الإفلات من العقاب الذي تعتمد عليه شركات الأسلحة.

ويذكر أن بيع الأسلحة الفرنسية بالخارج يستوجب موافقة الحكومة. ورغم أن فرنسا بلد حقوق الإنسان، فإنها تعد ثالث مصدر للأسلحة في العالم، وتقول وزارة دفاعها إنها لا تبيع السلاح كما يباع الخبز، وإنه يمنع عليهم بيع الأسلحة بدون ترخيص.

إسرائيل ومعاهدات جنيف 

وينص المبدأ الأساسي لمعاهدات جنيف عام 1949 على أن على طرفي أي نزاع أن يفرقا في كل الأوقات بين السكان المدنيين وبين المقاتلين، وبين الأهداف المدنية وبين الأهداف العسكرية، وبالتالي لا ينبغي لهما أن يوجها عملياتهما إلا إلى أهداف عسكرية.

ولم توقع إسرائيل على كل بروتوكولا ت اتفاقية جنيف التي حددت قانون الحرب، ولا تعترف بوضع الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ورفعت عائلة شحيبر منذ يوليو/تموز 2014 شكوى لدى إسرائيل بشأن الجريمة التي ارتكبتها قواتها، لكنها لم تتلق أي رد.

حيث يحسن وحيث يحب

حيث يحسن وحيث يحب 

د.محمد جلال القصاص


من مظاهر الحرية في النموذج الحضاري الإسلامي إطلاق صراح الناس إلى ما يحبون.. إلى ما يحسنون.. حين يشب المرء يشتد إلى ما يحب أو إلى ما يحسن، إن كان محبًا للقتال التحق بالثغور. يتدرب ويتسلح ويجاهد مع المجاهدين دفاعًا عن الدين واعتاقًا لرقاب المستضعفين من المتكبرين في الأرض بغير حق؛ وإن كان من أهل التجارة ذهب إلى السوق يتاجر؛ وإن كان حرفيًا فإلى ما يريد؛ وإن كان ممن يحبون العلم، تربع بين يدي العلماء في بيوت الله، في مجلسٍ تخشاه السكينة والوقار.

ولم تكن الحرية في التوجه العام فقط. بل كان التوجه العام الواحد(جهاد، تجارة، زراعة، تعلم، حرفية...) به عديد من التخصصات؛ فهذا الذي قد يمم وجهه شطر حِلَقِ العلم -مثلًا- يجد نفسه أمام ثمار شهية، بعضها قرآن كريم (تلاوة .. قراءات)، وبعضها تفسير، وبعضها حديث، وبعضها فقه، وبعضها شعر، وبعضها مما ابتدع في الدين (كعلم الكلام)...

وليس فقط تعدد أفقي للتخصصات. بل وتعمق في كل تخصص، ففي كل تخصص عديد من الطبقات، فأهل الفقه ليسوا سواء، وأهل التفسير ليسوا سواء، والقراء ليسوا سواء... طبقات بعضها فوق بعض.. كل حسب جهده ... حتى ينتهي الأمر بأن يكون الفرد علامة على نفسه، يقف حيث هو وحده مميزًا بما من الله به عليه من صفاتٍ (حميدة أو ذميمة).

والدولة لا دخل لها بحركة الأفراد، لا تأمر أحدهم بأن يتخصص في هذا أو ذاك. بل تكفل للفرد الحد الأدنى من المعيشة من بيت المال. ففي كل تجمع سكاني حاكم، وبيت مال، يأخذ الحاكم من الغني ما فرضه الله عليه من زكاة ويوضع في بيت المال ويوزع بعد ذلك على الفقراء والمساكين ويوزع في التمكين للدين، فلا فقر ولا مهانة..لا يمنُّ الغني على الفقير، ولا يمد الفقير يده للغني. حرية وأمان مادي، وتفعيل تام للإنسان حيث يحب .. حيث يحسن.

وهكذا كان الصحابة، رضوان الله عليهم، كل حيث يحسن، بعضهم لا تكاد تسمع به إلا في التجارة، وبعضهم في القتال، وبعضهم في الرأي والمشورة.... كلٌ نجمٌ ساطعٌ في مكانه.. والجميع يحضر المواقف العامة.

ولا يظنن أحدٌ أن الناس إن تركوا  فإنهم يسيرون في اتجاه واحد. أبدًا لخمسةٍ:

أولها:  في مثل هذا المجتمع يكون التفاضل بالتقوى لا بالوظيفة كما هو حاصل اليوم، ففي نموذجنا الحضاري أكرم الناس أتقاهم، وأحسنهم خلقًا. {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

ثانيها: أن الناس بطبعهم مختصون، كلٌ له ما يحسنه؛ وحين يترك لهم العنان لا يتجمعون في نقطة واحدة، هذا يحدث الآن فقط في النموذج الغربي المضاد للفطرة. فالآن لو تركتهم لتجمعوا في عددٍ قليل من الوظائف ذات الدخل العالي أو النفوذ الاجتماعي، وذلك لارتباط الأرزاق والوجاهة الاجتماعية بالوظائف ظاهريًا، ولأن الناس لا يفاضلون بالتقوى.

ثالثها: أن في الشريعة ما يعرف بـ "فرض الكفاية"، وهو ما إن ترك يأثم الجميع. فأحوال الناس كلها بين فروضٍ واجبة وفروضِ كفايات، وبالتالي تسد كل حاجاتهم، ويستقيم المجتمع متزنًا بلا خلل، كما قد كان لقرون طوال.

رابعها: أن الفرد كان يتحرك في مساحة كبيرة من الأرض دون أدنى عائق سلطوي أو اجتماعي، حيث شاء يحط رحاله كأنه قد ولد في ذات البلد، فمن الصين (تركستان المحتلة الان) إلى شمال أسبانيا يتحرك من شاء متى شاء آمنًا مطمئنًا.

خامسها: في نموذجنا الحضاري تكون الرتب بالأفعال لا بالدعاوى، والمهام تسند ولا تطلب، فالناس لا يستفتون جاهلًا لأنهم أتقياء، أو متدينون في الجملة، والعالم يعيش بينهم ويعرفونه، ولا يدعي أحد الجندية ثم هو يجلس بينهم، بعيدًا عن الثغور، يعربد تجارةً وإرهابًا للآمنين، ولا يؤمن المجتمع الخائن على ما أوقفوه لفروض الكفايات، فهي أموالهم، دفعوها من قوتهم أو ينتظرون الإفادة منها...

واليوم:
نساق كلنا في مسارٍ واحدٍ، لا ينظرون للفروق الفردية، لا ينظرون للمواهب الشخصية، كأننا قطيع مواشي وسائقنا فقط من قد رشد.. نساق إلى مسارٍ واحد: الذكور والإناث، الأذكياء والأغبياء، محبي الحرفة ومحبوا التعلم والمطالعة؛ ولذا يتسرب الناس من التعليم، ولذا يكون الفرد مزدوج الشخصية، يتأرجح بين تخصصين أو أكثر، ما يحسنه وما هو مضطر إليه كسبًا لقوت يومه، فتجده صيدلي وسياسي، مهندس وشاعر، مدرس وبلطجي، محامي وتاجر، فلا يحسن الهندسة ولا يحسن الشعر. ويفقد المجتمع التخصصية العالية التي تنفع الناس. إننا نمتلك أرقى وأبهى نموذج في التاريخ، وإننا -اليوم بما استوردناه من حضارة غيرنا- نضيع الأوقات والأعمار، فمتى نعود؟!.

السبت، 28 أغسطس 2021

مات سيد قطب، وبقيت معركة القرآن والطغيان

مات سيد قطب، وبقيت معركة القرآن والطغيان

المؤرخ [م. محمد إلهامي]


"إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا، ولكن بشرط واحد: أن يموتوا لتعيش أفكارهم، أن يُطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم، أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق. إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء، انتفضت حية وعاشت بين الأحياء"
سيد قطب
***

أعدل وسيلة لتقييم شخصية تاريخية، لا سيما من كان عالما أو داعية، هو النظر إلى إسهامه في معركة عصره، فذلك هو واجب وقته. وبهذا المقياس فقد كان سيد قطب هو شيخ العصر.

ولا يزال سيد قطب حتى اللحظة الحاضرة ينتصب نموذجا، يكرهه كل أتباع الطغيان من العلمانيين الذين يكرهون الدين كله ولا يريدون له وجودا في نظام الدنيا حتى مشايخ السوء وعلماء السلطان الذين يزعمون أنهم أهل الدين ولا يفعلون شيئا إلا تزييف الدين وتعبيد الناس للظالمين. وعلى الجانب الآخر فلا تكاد تجد مجاهدا أو عالم حق إلا ولسيد قطب عنده مكانة عظيمة وله فيه مدح سائر مهما اختلف معه في تفاصيل وفروع هنا أو هناك.

مات سيد قطب كما مات عبد الناصر.. وبقيت معركة القرآن والطغيان!

لكم تزاحمت علي الأفكار منذ نويت أكتب عن سيد قطب عند ذكرى نصف قرن على استشهاده (29 أغسطس 1966م)، ثم بدا لي بعد طول تفكير أن أنقل بعض الكلمات التي منذ مات في سبيلها الشهيد صارت حية.

(1) آثار الاستبداد

ليس أشد إفساداً للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقّوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمرداً حين يرفع عنها السوط، وتبطراً حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة.

(2) الاستبداد والفساد

ليس وراء الطغيان إلا الفساد. فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء. كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة. ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال..

إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف وكذلك قال فرعون{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى} عند ما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد.

ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية. والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة. وميدانا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك. وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد..

ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة، لأنها خطر على الطغاة والطغيان. فلا بد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة..

(3) أخلاق العبيد

العبيد هم الذين يهربون من الحرية، فإذا طردهم سيد بحثوا عن سيد آخر، لأن في نفوسهم حاجة ملحة إلى العبودية. لأن لهم حاسة سادسة أو سابعة، حاسة الذل.. لا بد لهم من إروائها، فإذا لم يستعبدهم أحد أحسَّت نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد، وتراموا على الأعتاب يتمسحون بها، ولا ينتظرون حتى الإشارة من إصبع للسيد ليخروا له ساجدين!

العبيد هم الذين إذا أُعتقوا وأُطلقوا حسدوا الأرقاء الباقين في الحظيرة، لا الأحرار المطلقي السراح، لأن الحرية تخيفهم والكرامة تثقل كواهلهم...

والعبيد –مع هذا- جبارون في الأرض، غلاظ على الأحرار شداد، يتطوعون للتنكيل بهم، ويتلذذون بإيذائهم وتعذيبهم، ويتشفون فيهم تشفي الجلادين العتاة! إنهم لا يدركون بواعث الأحرار للتحرر، فيحسبون التحرر تمردا، والاستعلاء شذوذا، والعزة جريمة، ومن ثم يصبون نقمتهم الجامحة على الأحرار المعتزين، الذين لا يسيرون في قافلة الرقيق!

(4) صدمة المستبد

«فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً» .. فكلمة الحق وتوحيد الله والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما يقول! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية! فأما موسى فهو قوي بالحق الذي أرسل به مشرقا منيرا مطمئن إلى نصرة الله له وأخذه للطغاة: «قالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. بَصائِرَ. وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً» هالكا مدمرا، جزاء تكذيبك بآيات الله وأنت تعلم أن لا أحد غيره يملك هذه الخوارق. وإنها لواضحة مكشوفة منيرة للبصائر، حتى لكأنها البصائر تكشف الحقائق وتجلوها.

عندئذ يلجأ الطاغية إلى قوته المادية، ويعزم أن يزيلهم من الأرض ويبيدهم، «فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ» فكذلك يفكر الطغاة في الرد على كلمة الحق.

(5) نسب الإيمان

المؤمن ذو نسب عريق، وضارب في شعاب الزمان. إنه واحد من ذلك الموكب الكريم، الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف، وموسى وعيسى، ومحمد.. عليهم الصلاة والسلام.. {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}. هذا الموكب الكريم، الممتد في شعاب الزمان من قديم، يواجه- كما يتجلى في ظلال القرآن- مواقف متشابهة، وأزمات متشابهة، وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور، وتغير المكان، وتعدد الأقوام. يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى، والاضطهاد والبغي، والتهديد والتشريد. ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو، مطمئن الضمير، واثقا من نصر الله، متعلقا بالرجاء فيه، متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ. ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ}.. موقف واحد وتجربة واحدة. وتهديد واحد. ويقين واحد. ووعد واحد للموكب الكريم.. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف.

(6) المهمة الكبرى

علم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه لم يعد هناك نوم! وأن هنالك تكليفا ثقيلا، وجهادا طويلا، وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام! وقيل لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- «قم» .. فقام. وظل قائما بعدها أكثر من عشرين عاما! لم يسترح. ولم يسكن. ولم يعش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائما على دعوة الله. يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به. عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض. عبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد..

 (7) حاجات الثائر

المطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك، ليست مع هذا أمراً هيناً، ولا طريقاً معبداً. إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة. وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيراً ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره.

والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته، لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه وقد يغالبها مرة ومرة ومرة ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي، أقوى من كل قوي. قوي على شهوته وضعفه. قوي على ضروراته واضطراراته. قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه.

(8) منهج الإسلام: الكفاح

هو منهج رفيع طليق.. الأرض فيه صغيرة، والحياة الدنيا قصيرة، ومتاع الحياة الدنيا زهيد، والانطلاق من هذه الحواجز والشوائب غاية وأمنية.. ولكن الانطلاق عند الإسلام ليس معناه الاعتزال ولا الإهمال، ولا الكراهية ولا الهروب.. إنما معناه المحاولة المسترة، والكفاح الدائم لترقية البشرية كلها، وإطلاق الحياة البشرية جميعها.. ومن ثم فهي الخلافة والقيادة بكل أعبائهما، مع التحرر والانطلاق بكل مقوماتهما.

إن الخلاص عن طريق الصومعة سهل يسير. ولكن الإسلام لا يريده. لأن الخلافة في الأرض والقيادة للبشر طرف من المنهج الإلهي للخلاص. إنه طريق أشق، ولكنه هو الذي يحقق إنسانية الإنسان.

(9) القوة طبيعة الإسلام

كانت قوة الإسلام ضرورية لوجوده وانتشاره واطمئنان أهله على عقيدتهم، واطمئنان من يريدون اعتناقه على أنفسهم. وإقامة هذا النظام الصالح وحمايته. ولم يكن الجهاد أداة قليلة الأهمية، ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله كما يريد أخبث أعدائه أن يوحوا للمسلمين..!

لا بد للإسلام من نظام ولا بد للإسلام من قوة، ولا بد للإسلام من جهاد. فهذه طبيعته التي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود.

(10) ضريبة الذل

لقد شاهدت في عمري المحدود –وما زلت أشاهد- عشرات من الرجال الكبار يحنون الرؤوس لغير الواحد القهار، ويتقدمون خاشعين، يحملون ضرائب الذل تبهظ كواهلهم، وتحني هاماتهم، وتلوي أعناقهم، وتنكس رؤوسهم.. ثم يُطردون كالكلاب بعد أن يضعوا أحمالهم ويسلموا بضاعتهم، ويتجردوا من الحسنيين: في الدنيا والآخرة، ويمضون بعد ذلك في قافلة الرقيق لا يحس بهم أحد حتى الجلاد!

لقد شاهدتهم وفي وسعهم أن يكونوا أحرارا، ولكنهم يختارون العبودية. وفي طاقتهم أن يكونوا أقوياء، ولكنهم يختارون التخاذل. وفي إمكانهم أن يكونوا مرهوبي الجانب، ولكنهم يختارون الجبن والمهانة.. شاهدتهم يهربون من العزة كي لا تكلفهم درهما، وهم يؤدون للذل دينارا أو قنطارا. شاهدتهم يرتكبون كل كبيرة ليرضوا صاحب جاه أو سلطان، ويستظلوا بجاهه أو سلطانه وهم يملكون أن يرهبهم ذوو الجاه والسلطان!

الجمعة، سبتمبر 02، 2016