الأحد، 17 مايو 2026

كيف تبدو بيوت الأغنياء من فوق "مونوريل" القاهرة؟

 كيف تبدو بيوت الأغنياء من فوق "مونوريل" القاهرة؟

يوسف الدموكي

فوق أعمدة إسمنتية ضخمة، وقضبان حديدية، كشاهد بين الأرض والسماء، لهؤلاء الذين دفعهم الفضول إلى مشاهدة كيف تبدو البلاد من الأعلى قليلًا، اتخذ مواطنون مصريون رحلة "المونوريل" (قطار كهربائي معلّق) نزهة ثقافية، ومصعدًا بين الطبقات الاجتماعية، حيث يركب الواحد منا مواصلات مُهملة تذكّرنا بأنّ جزءًا منا ما زال يقبع في العصور الوسطى، لكنه يريد أن يجرب وسيلةً "زاهية" تشعره ولو لساعة بالانفصال عن واقعه، وكأنه، يا عفو الله، مواطن في دولة مُتقدّمة!

يلمع زجاج المونوريل، يبتسم المواطنون في الداخل، بمشهد شديد السذاجة حول طينة الشعب المقهور، الذي يسيل دمه على الطريق الإقليمي، في حوادث شبه يومية، ثم يضمّد جراحه ليرى انعكاس وجهه في القطار المُعلّق اللامع، الذي لا يخدم إلا قلّة تقصد "الجمهورية الجديدة"، غير تلك التي عفا عليها الزمن وابتلعتها حضارتها ذات الآلاف المؤلّفة من السنين.

لكن العجيب، أنّ المونوريل نفسه، الذي افتتحته السلطة ضمن معالم "الفشخرة الكدابة" التي تأكل من لحم المواطنين وتشرب من دمائهم مقابل بيع "الأونطة"، لم يكن هو ما بَهَرَ المواطنين، وإن كان قد منحهم جرعة دوبامين بشأن النظر من الأعلى، لكن اللافت حقًّا، الذي تداولوه عبر منصّات التواصل الاجتماعي، كان "البيوت" التي يكشفها المونوريل، ويطلّ عليها من قرب، والتي لا تشبه بيوتهم بالمرّة، ليس حقدًا على الأغنياء ولا أسًى من الفقراء، لا سمح الله، لكن لمرارة مُعيّنة يستشعرها أهل مصر وحدهم.

الفراغ هو أعزّ مفقود وأكثر موجود في مصر

فما لفت هؤلاء، الذين قد يأوي أحدهم آخر اليوم إلى بيت آيل إلى السقوط، أو غرفة لا تصلح للاستخدام الآدمي، هي تلك "المساحات" المفقودة، المسافات الآمنة المُحترمة بين كلّ مسكن والآخر، والأشجار التي تزيّن وتكسو الفضاء بين الأماكن، أكاد أجزم بأن لا البهرجة ولا الفلل ولا القصور جذبتهم بقدر ما جذبهم ذلك الحقّ البسيط الذي لا يعجز عنه فقير ولا يعبأ به غني، وهو "النفَس النضيف".

ومع أنّ مصر فارغة ومُتكدّسة في الوقت ذاته، عن بكرة أبيها، فالفراغ هو أعزّ مفقود وأكثر موجود في مصر، حيث تُمدّد المدن أذرعها في كلّ اتجاه، مختنقةً من الزحام في قلبها، وكذلك يشعرك الفراغ خارجها بأنّك في بلاد أشباح، من سوء التخطيط، وسوء الإدارة، وسوء الحظ عمومًا، من باب التسليم بحقيقة أنّ المصري "مخنوق" بالفطرة.

تُمدّد المدن أذرعها في كلّ اتجاه، مختنقةً من الزحام في قلبها

هكذا بدت مصر من فوق المونوريل، مصر التي اشتاق إليها أهلها، كأنّما يمرّون من فوق سجن شديد الحراسة، هم في السجن، ومن يعيشون داخل المدن المسوّرة في الفردوس المفقود، الشجر، المساحة، والمساحة، والشجر، لا شيء آخر، الحجارة كلّها تهون أمام ما يرون، ولا فرق كبيرًا إن عاشوا في قصر أو في قبر، ما داموا قادرين على التنفّس بما يرضي الله، لكن الأزمة هي استكثار ذلك عليهم، في هندسةٍ كاملةٍ للإمساك بزمارة رقابهم، حتى لا يأملوا أن يعيشوا في أرضهم كبشر عاديين أو مواطنين صالحين، فثمّة طرف ثالث مجهول في مصر -هو ذاته الطرف الأول في أغلب الروايات- يخنقه الشجر، ويشعره اصفرار الجو بانتماء رهيب، إلى القبح، الذي ألفته رئتاه.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق