الأحد، 30 أبريل 2023

الأرمن.. القرم.. أي ذاكرة تُنعش؟!

 الأرمن.. القرم.. أي ذاكرة تُنعش؟!

  أمير سعيد

 

اللافت للنظر جداً فهو أن الرئيس الأمريكي حين يجدد هذا العام الحديث عن "الإبادة الجماعية" للأرمن ومطالبته لأنقرة بالاعتراف بها؛ فهو يضرب عن جرائم الروس في القرم صفحاً في وقت يخوض معها حرباً غير مباشرة عبر أوكرانيا


مع كل دعاية غربية لما يطلق عليه "مذابح الأرمن" التي تحل ذكراها في الرابع والعشرين من إبريل في كل عام، ومع كل مطالبة لتركيا بالاعتراف بها ومن ثم تحملها للمسؤولية القانونية عن تلك الأحداث التي وقعت في العام 1915م وما بعده، تثور عدة تساؤلات في المقابل حولها، كثير منها يتعلق بملابسات وظروف تلك الأحداث، وموجات الدعاية المتواصلة لها المتراوحة صعوداً وهبوطاً تبعاً للمتغيرات الدولية وحجم الضغوط المراد ممارستها على الدولة التركية وفقاً لعدد من العوامل من بينها شكل النظام الحاكم في أنقرة نفسه وطبيعة علاقته مع الغرب.


لا غرو في مناقشتها الآن، لكن يبقى التساؤل الأبرز الذي يمكن الإفادة منه والترتيب عليه هو عن هشاشة الوضع الإعلامي الإسلامي وعجزه عن مواجهة هذا الزيف المستمر في الإعلام العالمي، وفقدان القدرة على وضع استراتيجية إعلامية لها القدرة على صد الهجمات الدعائية في مثل هذه الأمور وغيرها.


وللتمثيل: دعونا ننحي مؤقتاً التحقيق في تلك الأحداث التي مر عليها أكثر من قرن، ونذر تحديد من الظالم والمظلوم بين الأتراك والأرمن، فلكل وجهات نظره وحججه، لكن الأهم عندنا في مناقشة ذلك: هل كانت هذه الأحداث فريدة في زمنها أو حتى هذه اللحظة التي نعيشها الآن حتى لا يسلط الضوء على شيء سواها؟! أو أن هذا التقصد يشي بأننا لا نحسن وضع مظالمنا في دائرة اهتمام الرأي العام، ولا نجيد إلجام أعدائنا الحجة وتحجيم تعاليهم في النطاق الأخلاقي.

 

قضية كتلك أجرم فيها ستالين وقبله القياصرة حيث أبيد الملايين من تتر القرم المسلمين إبان الحكم القيصري، ثم مات ملايين آخرين على يد ستالين إذ أجبرهم على الهجرة في قطارات الماشية إلى صحراء سيبيريا القاسية البرودة في الأربعينات من القرن الماضي

في الحرب العالمية الأولى، مات نحو عشرة ملايين مدني، لا يذكر منهم سوى "ضحايا الأرمن" وحدهم، فيما يغض العالم الغربي الطرف عن بقية القتلى، وفي الحرب العالمية الثانية قُتل ما بين 50-52 مليون مدني لا أحد يتحدث عن كيفية قتل هذا العدد الهائل ضمن معارك حربية!

جرائم قنابل هيروشيما ونجازاكي التي حصدت أكثر من


 140 ألف مدني ليس لهم أي تقاطع مع مناطق الصراع،

قتلتهم أمريكا، وجرائم فرنسا في الجزائر التي بلغت نحو

 5.5 مليون جزائري مدني قتلتهم فرنسا حتى العام 1960

 وفقاً لرئيس الجزائر عبد المجيد تبون، ثم ضحايا آخرين قضوا جراء تجارب فرنسا النووية في الجزائر بعد "الاستقلال" حتى العام 1966. وجرائم بلجيكا في الكونغو الديمقراطية التي قتلت فيها قوات الملك ليوبولد الثاني ما يربو عن عشرة ملايين نفس وقطعت أيدي ملايين آخرين خلال حقبة احتلالها لهذا البلد المنكوب منذ القرن الـ19 وحتى العام 1960م.. إلى آخر تلك الجرائم الأوروبية الشنيعة في شتى أرجاء العالم، والتي غاضت بمذابح لا علاقة لها بالمعارك الحربية بالمرة، ومعظمها إما تندرج تحت الاضطهاد الديني أو العنصري أو الاستعباد الاقتصادي.

أما اللافت للنظر جداً فهو أن الرئيس الأمريكي حين يجدد هذا العام الحديث عن "الإبادة الجماعية" للأرمن ومطالبته لأنقرة بالاعتراف بها؛ فهو يضرب عن جرائم الروس في القرم صفحاً في وقت يخوض معها حرباً غير مباشرة عبر أوكرانيا، ولا يريد أن يثير قضية كتلك أجرم فيها ستالين وقبله القياصرة حيث أبيد الملايين من تتر القرم المسلمين إبان الحكم القيصري، ثم مات ملايين آخرين على يد ستالين إذ أجبرهم على الهجرة في قطارات الماشية إلى صحراء سيبيريا القاسية البرودة في الأربعينات من القرن الماضي، في واحدة من أكبر جرائم الروس التي أفقدت القرم 95% من سكانها بحملات إبادة جماعية.


كان يمكن لواشنطن أن تتحدث عن مذابح التتر القرم وهي تواجه الروس في واشنطن كأحد أدوات صراعها معها وضغوطها، وكان يمكن للغرب أن يصنع من 18 مايو القادم (ذكرى المذبحة والتهجير) يوماً لتذكير العالم بجرائم الروس في القرم التي تشهد حرباً الآن، أو كان يمكنه أن يتحدث عن إبادة السوريين الجماعية التي اقترفها الروس وحلفاؤهم في سوريا بدلاً من أن يتقصد الأتراك وهم حلفاؤه في الناتو ولهم دور واضح في تكبيد الروس خسائر في حرب أوكرانيا عبر البيرقدار التركية، لكنه لم يفعل ولن يفعل لأنه حنقه على الأتراك (الحلفاء) أكبر من خصومته مع الروس (الأعداء). هذا معلوم ولا يهم كثيراً، غير أن المهم – كما تقدم – أن يباشر المسلمون هجوماً إعلامياً قوياً على المجرمين الحقيقيين مرتكبي معظم الإبادات الجماعية في العالم، أصحاب القفازات الحريرية التي تخفى أيدٍ ملطخة بدماء عشرات ملايين الأبرياء.

ربما يقف بايدن فوق مقبرة جماعية للهنود الحمر الذين أبادهم أجداده، وهو يتحسر على أرمن في أقصى الأرض، قضوا في أحداث لم تزل تثير جدلاً كبيراً بين المؤرخين حتى الآن؛ فالوثائق الرسمية العثمانية ولجان تقصي الحقائق الحربية الغربية تشير إلى قتل العصابات الأرمينية زهاء 540 ألف مسلم شرق تركيا بين سنوات 1914 و1921 أثناء خيانة سجلها التاريخ لجموع من الأرمن تحت ظل الدولة العثمانية قد ارتضوا أن ينخرطوا مع الجيش الروسي الغازي لممتلكات الدولة العثمانية وتشكيل ميليشيات لقتل المسلمين الآمنين في قراهم بشرق الدولة طمعاً في تحقيق حلم أرمينيا الكبرى، ما دفع حكومة الاتحاد والترقي المناهضة للعثمانية إذ ذاك إلى تهجير مئات الآلاف منهم.

وسواء تورط الجيش العثماني حينها في ارتكاب مذابح أم لم يفعل؛ فإن تلك الدولة التي احتضنت الأرمن أربعة قرون على الأقل قبلها، كانت في طور التفكك، والاضطراب الشامل بعد انقلاب الاتحاد والترقي على النظام العثماني واندلاع الحرب العالمية الأولى، واحتلال أجزاء كبيرة من أراضي تلك السلطنة وخضوع مناطقها لأحوال وقيادات مختلفة ومتباينة.

إن أولي الألباب في هذه الأمة مدعوون إلى العمل على وضع العالم الغربي دوماً تحت ضغط التذكير المستمر بجرائمه المعاصرة، الماضية والآنية، وإحياء تلك الأيام التي عانى فيها المسلمون ما عانوه على يد هذا "العالم المتحضر"، لكي تبقى جذوة المشاعر متقدة في النفوس، ويبقى المجرم ملتصقا دوماً بجرائمه لا ينفك عنها ولا تمحوها عنها خطيئة النسيان المتعمد أو غير المتعمد.


إبادة الأرمن على أيدي العثمانيين .. الأكذوبة الكبرى



تلفيق وكذب.. مؤرخون عالميون يدحضون مزاعم الأرمن فماذا قالوا؟


ذاكرة الدم.. عن الجنرال أوفقير والحسن الثاني

 ذاكرة الدم.. عن الجنرال أوفقير والحسن الثاني

  محمد بنميلود

من يمقتون الجنرال المغربي الراحل، محمد أوفقير، عليهم أيضاً أن يمقتوا الحسن الثاني. لقد كان أوفقير اليد اليمنى للملك التي يضرب بها، اليد البلاستيكية المستعارة، تفادياً لتلطيخ يده. كان ملكاً حذراً وذكياً يحافظ على نظافة يده ما أمكن، بينما كانت يد أوفقير مخلوقة لذلك، للنبش في الجلد والدم والعظام.

 في الوقت الذي ولد فيه الحسن الثاني في قصر تحيط به الحدائق والرياض والخدم والحشم واللغة الأنيقة والسفراء والوزراء والضيوف من ملوك وسلاطين ورؤساء، ولد أوفقير قرب رشاش. رجل طويل دون مناسبة، عيناه صغيرتان كعيني بوعميرة، أنفه معقوف كمنقار البوم، أذناه مائلتان في اتجاه الصدى كأذني ابن آوى. من حرب إلى حرب، اعتاد الجنرال الدم والجثث والصراخ والعويل. بدم بارد يطلق الرصاصة، وبدم مثلّج كدم الطبيب يُغلق عيني القتيل ويذهب ليرتشف من قهوته. لم يكونا من عائلة واحدة، ولا من طبقة اجتماعية واحدة، سوى أنّ السلطة توحّد الملك بالقاتل المتسلسل والشريف بالنذل والنبيل باللص، حيث شجرة العائلة الحقيقية لكلّ المتسلطين هي المال والموت.

كان الحسن الثاني مستعداً لقتل كلّ معارضيه من أجل البقاء ملكاً، حتى وإن فعل ذلك بأيدي أشخاص آخرين من أصول دنيئة كأوفقير أو كالدليمي أو كالبصري، وكان أوفقير مستعداً لقتل الجميع من أجل الوصول إلى الحكم والسلطة والهيمنة، ليس بأيدي غيره، بل بيديه. 

حين يتفق القتلة يصيرون أصدقاء، وحين يختلفون يقتلون بعضهم. الأسرع إلى الزناد هو من يفوز، هو من يبقى، هو من يسود. الذكر المهيمن داخل القطيع يسحق كلّ الذكور الأخرى، وخصوصاً الذكور القوية.

السلطة توّحد الملك بالقاتل المتسلسل والشريف بالنذل والنبيل باللص، حيث شجرة العائلة الحقيقية لكلّ المتسلطين هي المال والموت

سيرة أوفقير سيرة ملطخة بالدم من بدايتها إلى نهايتها. طموحه كان أكبر من طموح أصحاب الأوسمة والتشريفات. إنه طموح المحارب، وليس طموح "السيفيل". كان يريد الكعكة كاملة بكلّ دمه الرجولي المتأصّل من قطاع الطرق. كان يملك كلّ شيء تقريباً، كان المقرّب الأول للملك وكاتم أسراره والموّسوس في أذنيه والضارب بيده. كان الرجل الحديدي مرعب الشعب باسم الملك. كان الكلّ في الكل، سوى أنه كان ملزماً بالانحناء وتقبيلِ يد الملك. أتخيّل أنه كان يعود إلى بيته بعد اجتماع مع الملك، يفكّ ربطة عنقه كأنها تخنقه، ينهار على الأريكة الفاخرة، يتجرّع الويسكي وحيداً كما لو أنه يتجرّع السم، ويدخن محدقاً في السقف بذلّ...

جينات قطّاع الطرق الدنيئة تشبه تماماً جينات الملوك، لا تقبل الخضوع لأحد ولا الانحناء لأحد. كان أوفقير يملك كلّ شيء تحت جناح الملك، السلطة والمال والوجاهة، سوى أنّ ذلك كله كان مخصياً. أراد أن يملك عزّة نفسه أيضاً، ووقوفه المنتصب، المستقيم الإلهيّ. أراد أن يخرج إلى الضوء، وليس أن يظل قابعاً كالشبح المرعب في العتمة. أراد أن يسطو على شاشة التلفزيون، وأن يخاطب الشعب المغربي: شعبي العزيز، أو: شعبي الحر، أو: أبنائي. فالديكتاتور المتسلّط تريحه هذه العبارات التي تمزج عاطفته السادية في عاطفة الشعب المازوشية وتتماهى فيها. يتحوّل عبرها من القاتل الجبّار الظالم المتسلّط إلى الأب الحاني الذي يضرب ليقوم، وليس ليكسر ويقتل، ليحمي وليحيي، ويظلم ليعدل. على الشاكلة نفسها كان جمال عبد الناصر، ومن بعده السادات، وكذلك كان صدام، وكان القذافي، وكان حافظ الأسد... وكانوا جميعاً في كلّ مكان وزمان، آباء بالسوط في أيديهم، بالرشاش في أيديهم، بالدبابة في أيديهم... يقوّمون أبناءهم بساحات الإعدام، وبالقتل الغامض بالسم أو بحوادث السير، بسيارات غير مرقمة أو بالمعتقلات السرّية الرهيبة. حين كانت أجساد المعتقلين تتحوّل إلى هياكل عظمية بشعور ولحى كثيفة كسكان الكهوف البدائيين، يلحسون الجدران باحثين عن قطرة ماء، كان الآباء الشفوقون يلعبون الغولف ويقرعون أنخاب الشامبانيا ويغيّرون ثيابهم الباهظة كما نغيّر نحن آراءنا وولاءنا بسرعة البرق.

حين يتفق القتلة يصيرون أصدقاء وحين يختلفون يقتلون بعضهم

كان أوفقير من طينة أولئك الآباء المهيئين للأبوة الحديدية القاتلة، ولم يكن قادراً على مواصلة دور الابن المطيع أمام الحسن الثاني. سوى أنّ الحسن الثاني كان أباً أكبر منه، رغم أنه أصغر منه سناً، وأذكى منه، وأقوى منه، ولم يقبل أن يصير الأب المقتول الذي يرث عرشه ابنه القاتل. كان لا بد للبلاد من أب واحد ومن ملايين الأمهات، وكان على الرجال الذين لا يريدون لرؤوسهم أن تُقطع أن يمثّلوا دور الأم، دور الزوجة، ودور البنت العاشقة لأبيها المتيّمة به، المغرمة به.

كان لا بدّ للبلاد من أب واحد، وقد تصارع كلّ من ظنّ في نفسه الأب حول تلك الأبوة، صراعاً طبيعياً بالأسلحة والدسائس والمؤامرات، صراع ديكة حكيمة ورزينة وداهية ودموية. وكلّ ما حدث، هو أنّ الحسن الثاني الأب الأول استطاع القضاء على كلّ الآباء المنافسين، ابتداءً من اعبابو والمذبوح إلى أوفقير والدليمي، وغيرهم كثير. 

لا يمكننا اليوم الحديث عن خائن ووفي، عن بطل وعن نذل، عن رمز وعن عار، لا يمكننا اليوم سوى النظر إلى تاريخ البشر بعيون جاحظة كعيون الموتى والبقاء صامتين، لأنّ الكلام مصيدة، الكلام شراك، الكلام رصاص ينطلق من فم صاحبه عبر بندقية مقلوبة في اتجاهه. لا يمكننا إلا النظر، ومن ثمّة الالتفات بعيداً حيث السماء الملغزة. 

السلطة لا تصنع إلا بالحديد، والملك لا يُبنى إلا على الجماجم، والجاه لا يُشيّد إلا بالظلم والغبن والخديعة. إنهم جميعاً الآلة نفسها، الآلة المعدنية القاتلة ذات القلب الرقيق، الآلة التي تقتل وتنسى، تفتك وتضحك، تدمّر وتغني. 

جينات قطّاع الطرق الدنيئة تشبه تماماً جينات الملوك، لا تقبل الخضوع لأحد ولا الانحناء لأحد

وأنت تسمع الضابط يقرأ لائحة الضباط الذين حكم عليهم بالإعدام في الماضي، والذين سيحكم عليهم بالإعدام في المستقبل، في كلّ الدول والبلدان والحروب وعبر التاريخ، ستعرف أنّ اليد التي تسبق إلى الزناد هي نفسها اليد التي تصنع العدالة، كما لو أنّ العدالة هي القدرة القصوى على القتل عوض أن تكون القدرة القصوى على السلم.

لو أنّ انقلاب أوفقير نجح لصرخ الشعب باسم الجنرال: عاش الجنرال، عاش البطل، عاش محرّر المغاربة من الملوك والسلاطين الفاسدين، عاش الأب الجديد والخزي للأب القديم... لو أنّ الانقلاب نجح لانقلب بسرعة كلّ الأوفياء للملك إلى هجّائين بارعين له، فهم أول من يعرف أسراره وهناته وسقطاته...

مع قليل من التوابل والبخور، كان الشعب سينسى بسرعة كلّ الدم الذي تقاطر من ساعدي أوفقير ويصنع له هالة الشرفاء والأولياء والسلاطين، وبالسرعة نفسها سينسى كلّ مدحه للحسن الثاني وكلّ هالته وهيلمانه، ولن يرى فيه إلا ذلك النذل الصغير، القاتل، ناهب ثروات البلاد والعباد. 

للشعوب دائماً، وعلى مرّ التاريخ، ذاكرة الأسماك. 

بينما للآباء الحمقى الحاكمين أو الساعين للحكم ذاكرة واحدة فقط، ذاكرة مشتركة، لا تَنسى ولا تُنسى هي: ذاكرة الدم

تحت نيران قناصة حميدتي.. هكذا رأيت الحرب!

 

تحت نيران قناصة حميدتي.. هكذا رأيت الحرب!

هُدنة عبثية للقتال

هكذا هي العاصمة السودانية الخرطوم، فجر الخميس، حين تسللت خلسة أنا وأسرتي من مقرن النيلين، على مقربة من القصر الجمهوري، الذي وقع تحت يد ميليشيا قوات الدعم السريع، هو ووزارة الداخلية والخارجية أيضًا، وكل المباني الحكومية التي تطل على ضفة النيل الأزرق، وفي الضفة الأخرى، تحديدًا عند قصر الصداقة والديار القطرية، تربض السيارات المدججة.

عبرت وسط الخرطوم إلى المينا البري جنوبًا، لم يقابلني سوى ارتكاز واحد للجيش في شارع الغابة، دلفت إلى منطقة أبو حمامة، خفت أصوات الرصاص قليلًا، الأسواق ومحلات القهوة والشيشة تعمل، في مفارقة عجيبة، كانوا ينظرون إلينا بغرابة، لكنه الفرار من أقدار الله إلى أقدار الله، وبدا لافتًا الانتشار الكثيف لقوات الدعم السريع جنوب الخرطوم، أو ما يُطلق عليهم في دارفور اسم الجنجويد، بمعنى جن يعتلي جوادًا، المواصلات متوافرة وقيمة التذكرة مُضاعفة، الصفوف حول طلمبات الوقود القليلة على مد البصر.

وأوقفنا جنود الدعم السريع:

أوقف جنود الدعم السريع “الباص” الصغير الذي يقلنا، وأشهروا في وجوهنا السلاح، ثم طلبوا منا هوياتنا، وأي بطاقة عسكرية يتم التحفظ على صاحبها، وقبل ذلك كانوا يطلبون من السائق ما يتوفر له من وقود، وأحيانًا صناديق التبغ (السجاير) لأن سياراتهم التي تتحرك كثيرًا نفد منها الوقود، ولذلك قاموا بكسر الطلمبات، وكان بعضهم في الأطراف ينهبون الهواتف القيمة، سألوني عن اسمي ووجهتي أخبرتهم دون تردد، دون أن أخبرهم أنني أعمل في مجال الصحافة، ومن ثم سمحوا لنا بالعبور.

وأثناء المرور بطريق ولاية الجزيرة رأيت هياكل الدبابات والسيارات المُحترقة، مؤكد هذه آثار معركة ليست بعيدة، بينما اكتفى الجيش بالسيطرة على الفضاء والمواقع العسكرية والاستماتة في الدفاع عن القيادة العامة للقوات المُسلحة، قبل الانتشار الميداني والبدء في مرحلة التمشيط، والاعتماد على سلاح الطيران الذي دمر معسكرات الميليشيا كلها، وشتت قواتها وهم يهيمون على وجوههم، ورجّح كفة الجيش حتى الآن، وجعل أفراد الدعم، وأغلبهم من الصغار، يهربون إلى الأحياء والمستشفيات، يختبئون من الموت بعد أن جعلوا من المواطنين دروعًا بشرية.

هكذا هي الحرب في السودان، وعلى وجه الدقة في الخرطوم، الناس جميعهم يتمنون نهايتها، وكثير منهم يتمنون نهايتها لصالح الجيش، الذي يمكن إصلاحه بخلاف هذا المشروع الخطير الذي يريد اختطاف الدولة لصالح أسرة مدعومة من الخارج.

وكثير منا يتذكر هتاف الثوار الشهير “ما في ميليشيا بتحكم دولة”.

السبت، 29 أبريل 2023

حَمَاسُ التي كانت


حَمَاسُ التي كانت



دكتورعلي فريد 


لا راحةَ كاليأس..

ولا ألمَ كالحقيقة..
حماس لم تَعُد حركةً إسلامية.. هذه هي الحقيقة!!
إذا صدقتها واقتنعت بها أرحتَ ميؤوساً واسترحتَ يائساً.. وإِنْ لم تُصَدِّقها وعَانَدتَ الأحداثَ والوقائع؛ فلا تلومَنَّ- عند اكتشافِ الفجيعة- إلا نفسَك!!
سَتَظلُّ تُحَمِّلُ حماس ما لم تَعُدْ حماس تُحَمِّلُ به نفسَها؛ فتأتيكَ النتائجُ على الأرضِ خلافَ المقدمات في عقلك، فإذا ضَرَبَتكَ صاعقةُ الدهشةِ بنتيجة مغايرة لمقدمتك؛ لجأتَ إلى التبرير بمقدمة جديدة تُؤمِّلُ بها نتيجةً مختلفة.. وهكذا دواليك حتى تصير كحمار الرحى؛ يسيرُ والمكانُ الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه!!
هذا يكفي يا صديقي.. آن لكَ أن تعودَ إلى الواقع..
مَا مضى فاتَ والمؤمَلُ غَيبٌ
ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها!!
حَسبُك وحَسبِي أننا عشنا زمناً رغداً بأوهامنا وأحلامنا وأمانينا..
مُنىً إن تكن حقاً تكن أعذبَ المُنى
وإلا فقد عشنا بها زمناً رَغْدا
انخلعْ من أوهامك، وأَزِلِ الغَمامةَ عن عينيك، وكُفَّ عَنِ التبرير..
الموسمُ الوهمي لأغبى المُنى
يُعطي قُبيلَ الحرثِ وَهْمَ الثمارْ
حماس لم تَعُدْ حركةً إسلامية، ولن تكونَ حركةً قومية، ولن تستطيع أن تكون حركة وطنية!!
حماس حركةُ واقع.. هكذا صارت.. تماماً كَأيِّ نظامٍ عربي.. هل ترى في الأنظمة العربية مرجعياتٍ عقائدية أو قومية أو وطنية؟!
لا مرجعية للأنظمة سوى الأنظمة!!
***
كانت حماس فكرةً.. ولا بد للفكرة من جماعةٍ تَحملها..
صارت حماس جماعةً.. ولا بد للجماعة من تنظيمٍ يحمي الفكرة..
صارت الجماعةُ تنظيماً.. ولا بد للتنظيم من قادةٍ عقائديين يُضحون من أجل الفكرة..
جاء السامري؛ فجعلَ التنظيمَ أصلاً، والفكرةَ سِلعةً، والجماعةَ تُجاراً.. ثم حَصَرَ الفكرةَ في الجماعة، وحَصَرَ الجماعةَ في التنظيم؛ فصارَ التنظيمُ حجرَ الرحى ومركزَ الدائرة، واستُخدمت الفكرةُ والجماعةُ في الحفاظِ على التنظيم!!
هكذا تسقط الأفكار والجماعات والتنظيمات!!
حين ينحصر هدفُ التنظيم في الحفاظِ على التنظيم؛ تسقطُ الفكرةُ والجماعةُ والتنظيم!!
يَرحَلُ العقائديون بالفكرة، ويبقى التُجارُ بالتنظيم!!
السامريُّ لا يُطلق رصاصةَ الرحمةِ على الحِصان ليسقطه أمامكَ مرةً واحدة.. هذا ليس من عمل السامريّ.. السامريُّ يُجِمُّ الحِصانَ طويلاً ليحوله من حصان معركة إلى حصان جَرّ؛ فلا يصلح بعدها للنزال في المعارك ولا الصهيل في البرية.. وحسبُه أن يَجُرَّ عربةَ السيِّد بما يضع فيها السيِّد؛ حتى يحين وقتُ إطلاقِ النار على الحصان!!
لقد تَمَّتْ عمليةُ (فيرسةِ) الجهاز بنجاح في الوقت الذي كنتَ تعملُ عليه!!
يعتمد السامري على التاريخ المَجِيدِ للقادة العقائديين مع شيء من وَهْمِ الفكرة يسحر به أعينَ الناس ويسترهبهم.. يرفعُ قميصَ عثمان ليحصل على رأس عَليّ!! وكلما بدا له رأسٌ جديد؛ جَدَّدَ مَا رَثَّ من القميص، حتى يهترئ القميصُ وتفنى الرؤوس!!
الانتكاسات بشعة.. وأبشع الانتكاسات انتكاساتُ العقائديين!!
العقائديُّ إذا انتكسَ كالفَلَّاحِ الأحمقِ إذا تَحَضَّرْ؛ يجلب لنفسه وأهله المصائب!!
في طريقه لارتداء العَبَاءَةِ الأخرى؛ يَخلعُ العقائديُّ المنتكسُ ثيابَه قطعةً قطعة، ويرتدي مكانَ كلِّ قطعةٍ مُرقَعَةً يظنُّ فيها الستر؛ فتدلُّ المُرَقَّعَةُ على مكان العُري في جسده؛ فكأنه كاسيةٌ عارية تَكشِفُ ما تُخفِي حين تَلبسُ ما لا يَستُر!!
وليس أشد على العقائديِّ المنتكس من أعدائه الذين انتكسَ بهم ولهم؛ فكلما رأوا مرقعاته التي ارتداها ليُرضيهم؛ تذكروا دروعه التي خلعها ليخدعهم؛ فكأن كلَّ مُرَقَّعَةٍ عليه، تشير إلى موضع قتلٍ فيه.. ولا تسأل عن السهام حينئذٍ!!
***
أنا لا ألومُ حماس.. الموتى لا يُلامون!!
هي حُرَّةٌ فيما تنتهج وتَتَنَكَّب، حُرَّةٌ فيما تَدَّعي وتَنفِي، حُرَّةٌ فيما ترتدي وتخلع.. بيد أن استمرار ممارسة الخِداع على (القواعد من الإسلاميين!!) سيجعلُ الإسلاميين أشدَّ أعداءِ حماس في الوقت الذي تكون فيه حماس في أشدِّ الحاجة إليهم!!
طَعمُ الخديعة مُرٌّ، وحِبال الكذبِ قصيرة، والزمنُ زمنُ مجازر، وأزمنةُ المجازر كاشفة، والناس لم يعودوا- كما كانوا- يمسحون لحاهم بأيديهم ثم يتخذون لإخوانهم سبعين عذراً في الوقت الذي يُصر إخوانُهم فيه على الوقوع في الحفرةِ مرةً بعد مرة.. ويكأننا خُلقنا لالتماس الأعذار وخُلقتم للوقوع في الحُفَر!!
تُصِرُّ حماس على الظهور بمظهر العقائدي المحافظ على مبادئه.. وهذا من حقها؛ فهي لم تكسب مِن شيء مثلما كسبت من الظهور بهذا المظهرِ صِدقاً أو كَذِبَاً.. بيد أَنَّ لكلِّ حَقٍّ حقيقة، ولكل دعوى دليل، وقد تتابعت الوقائعُ على مُخالفةِ المَخْبَرِ للمظهر، ومباينة الأدلة للدعاوى.. ولا رماد دون نار، ولا أثر دون مسير.
المسجدُ دارُ عِبادة، والمَرقَصُ دارُ خَنَا.. تسميةُ المرقص (مرقص الحاج محمد) لن يحوله إلى مسجد، وإحسانُ الظنِّ بك لا يعني غَضّ الطرفَ عن إقامتك الدائمة في المرقص لأنه منسوبٌ للحاج محمد!!
هذه (الفهلوة) المقيتة يجب ألا تدوم.. لقد هرمنا ونحن نلتمس لكم الأعذار والمبررات!!
مصلحتكم مع إيران؟!! لا بأس.. إيران تقتل إخواننا وإخوانكم السوريين.. فلتكن مصلحةُ السوريين مع إسرائيل!! وليرفع السوريون صور نتنياهو كما ترفعون صور سُليماني!!
إذا خرجتم من مربع الفكرة الإسلامية إلى مربع المصلحة فلن يستطيع أحدٌ لومَ أنظمة الخيانة والردة العربية على حصاركم؛ لأن مصلحة هذه الأنظمة مع إسرائيل.. فإن عُدتم إلى الفكرة الإسلامية فأين الإسلامُ فيما تفعلون؟!
التنازل- في المرحليات- حالةٌ طارئة يفرضها الواقع بعد مدافعة، وتتقبلها العقول بعد تمحيص.. إذا لم تستطع فرضَ ما تنازلتَ مِنْ أجلهِ بالقوة فلن تَحصلَ من التنازل إلا على مَعَرَّةِ التنازل.. وإذا تَحَوْلَتِ الحالةُ الطارئة إلى حالةٍ دائمة جَمَعْتَ حُقرةً وسوءاً؛ فكأنهم إنما جاؤوا بك لتلعبَ دورَ المقاوم ظاهراً والمتنازل باطناً!!
التضييقُ والحصار لازماك منذ ظهورك، ولا زلتَ تتنازل ولا زال الحصارُ قائماً؛ فعلام تُعطي الدنية دون أخذ العَطِيَّة؟!
الذي هَددَّ بتكسير رؤوس الناس من أجل وَهْمِ المصالحة كَسَّرَتِ المصالحةُ الموهومةُ رأسه ولا يزال الحصار مستمراً!!
والذي تلا بنودَ وثيقة المباديء الجديدة معترفاً ضمناً بحدود الـ67 أخرج نتيناهو له لسانه!!
والذي أردتم منه استلام غزة بمشاكلها وضع ساقاً على ساق واشترط نزع سلاح المقاومة.. ولا زالت غزة تغرق في مشاكلها!!
والخائن الذي شدد حصاركم وقتلنا وشردنا وأسقط (الرئيس والجماعة) لا تزال وفودكم تَحُجُّ إليه؛ فتختفي عنده ثلاثة أسابيع، ثم تعود لا نعرف فيمَ ذهبت وبمَ عادت!!
يبدو أنكم استحليتم اللعبة واستطبتم الحصار؛ فما كسب أحدٌ من هذا الحصار الملعون مثلما كسبتم؛ فعلى مشجبه تُعلق كُلُّ تنازلاتكم، وبه يُردُّ كلُّ انتقادٍ لأفعالكم.. ظللتم تأكلون الميتة اضطراراً لبلوغ الغاية، حتى صار أكلُ الميتة الغاية.. وسيلُ التبريرات هادر، وكتائب (الألتراسات) جاهزة!!
الخاسر الوحيد في كل هذا هُم أهل غزة الذين ناصروكم ووقفوا معكم حين رأوا منكم الخير في بداياتكم..
كَرِهُوا (فتح) حين تَرَهلت بالمطاولة، وبَهَتَتْ (القضية) عندها بالسياسة، وتحول أمنها الوقائي إلى أداة قمعٍ وإرهابٍ لهم ولكم.. فلما كان عام الحسم ناصروكم وتحملوا معكم حين رأوكم تَحْمِلُونَ- في بداياتكم صادقينَ- هَمَّ القضية، وتَعُفُّون عن المال الحرام والدم الحرام.. رضوا بالجوع معكم على الشبع مع فتح، والفقر معكم على الغنى مع فتح، والخوف معكم على الأمن مع فتح، والحصار معكم على الحرية مع فتح.. وكان أن تطاول عليكم الأمدُ كما تطاول على فتح؛ فارتكبتم كثيراً مما ارتكبته فتح، وتعللتم بكثيرٍ من أعاليلها الباطلة، وظهر فيكم دحلانيون وعباسيون وعريقاتيون، وصار (الأمن الداخلي) عندكم كـ(الأمن الوقائي) عندهم، وصرتم تعتقلون المجاهدين وتقتلونهم وتسلمونهم لأعدائهم بدعوى الإرهاب والخارجية كما كانت تفعل بكم فتح منذ سنوات، وخُصصت لكم المخصصات دون أهل غزة، وأصبحت التنازلات أصلاً والمقاومة فرعاً.. فعلامَ يحتملكم أهلُ غزة وقد تحولتم إلى فتحٍ أخرى بخوفها دون أمنها، وجُوعها دون شبعها، وفقرها دون غناها، وحصاركم دون حريتها!!
إن دعاياتكم الموجهة للخارج عن الصمود والمقاومة في الداخل لم تُفلح في منع تَسَرِّبِ كثير من أصواتِ أهلِ غزة المظلومين بكم ومعكم.. وما خفي من الأصوات خوفاً أعظمُ مما ظهر مجازفةً!!
***
مِنْ حَقكم أن تحافظوا على التنظيم.. ولكن- إن كنتم تذكرون- فإن هذا التنظيم وتلك الجماعة كُوِّنَا في الأصل للمحافظة على المباديء التي تنازلتم عن جُلِّهَا، والدفاعِ عن الناسِ الذين تستخدمون دماءَهم الآن للمحافظة على التنظيم!!
أَيَّةُ مظاهراتٍ هذه التي تنتهجها حركةُ أُسست على المقاومة؟!!
ما هذا؟! ذكرتموني بالقذافي ومظاهراته!!
هؤلاء الذين يسقطون كُلَّ جُمعةٍ لا يسقطون من أجل القضية؛ بل من أجل تنظيمكم.. وهُمْ- تقبلهم الله- إِنْ كانت نِيَّتهم القضية؛ فإن نيتكم أنتم المصلحة، حتى لو أخرجتم أولادكم ونساءكم معهم!!
أَوَ بَعْدَ (رابعة) تُجدي المظاهرات؟!! ما هذا العبث بأرواح الناس؟!
أَيُّ عَالَمٍ هذا الذي سيتعاطف معكم.. وإن تعاطف فماذا سيفعل؟!
إن كنتم تريدون إبقاء القضية ساخنة بالدماء فلا بأس.. ولكن من الحمق أن تُسفَكَ الدماءُ مجاناً.. من السفه الذي يصل إلى حد الخيانة أن تُقدموا الشباب والنساء للعدو ليجعل أجسادَهم مُنخلاً بالرصاص!!
مَنْ غاندي، ومَن لوثر، ومَن مانديلا؟!
مَعاتِيهٌ أنتم؟! الآن غاندي، ومانديلا، ولوثر.. الآن ؟!!!
عَلامَ كُلّ هذه الدماء في كل تلك السنوات إذن؟!
هل تظنون أنكم حين تُعَلِّقُون صورَ هؤلاء وراءكم سيقتنع العالم بسلميتكم لرمزيتهم المُدَّعاة في السلمية واللاعنف؟!
أيَّة سلمية الآن؟!
مَسَحُوا لِحَاهُم ثم قالوا سَالِموا
بئسَ السلامُ وبئس مَسَّاحُو اللحى
إن كنتم تُسيِّرون الأمور في غزة بهذه العقلية فإن بقاءكم في غزة حتى الآن من المعجزات.. وربما من المُلغزات التي قد تشطح الظنون فيها وبها.. والصمت في بعضِ الأحايينِ أنطقُ!!
قد فَعلها إخواننا وإخوانُكم من قبل حين رفعوا لافتات الديمقراطية على منصة رابعة؛ فما أغنت عنهم ولا عنا يوم المجزرة شيئاً!!
العالم لا يهتم.. أنتم أكثر من يعرف هذا.. فَعَلامَ كُلّ هذه الدماء؟!
تذكروا أن الحصار عليكم أنتم وليس على أهل غزة..
أهلُ غزة مُحَاصَرون بسببكم ولستم محاصرين بسببهم.. لا تنسوا أنهم المتفضلون عليكم بالصبر معكم، فلا تهدروا دماءهم في الحفاظ على مكاسبكم بعدما استخدمتم حُسنَ ظنهم بكم في الحصول على تلك المكاسب.. وقد كانوا- وغيرُهم- يبذلون أرواحَهم من أجل المباديء التي يعلمون تمسككم بها؛ فعلام يبذلونها الآن وقد تساقطت مبادئكم شيئاً فشيئاً!!
فِعلٌ.. وفَاعِلٌ.. ومفعولٌ.. وزمانُ فِعْل.. ومكانُ فِعْل..
إن كان الفعلُ خطأً في ذاته فالخلافُ حول ذاته معدوم.. وإن كان صواباً في ذاته نظرنا إلى الفاعلِ، والمفعولِ، وزمانِ الفعل، ومكانه؛ لنعرف هل الفعل محض صوابٍ أو محض خطأ، أو هو ضِغْثٌ مِن هذا وضِغْثٌ من ذاك؛ فنحدد درجات الخطأ ودرجات الصواب فيه!!
قد يكون الفعلُ في ذاته صواباً، ولكن صدوره من ذلك الفاعل على ذلك المفعول في ذلك الزمان في ذلك المكان؛ يجعله خطأً محضاً، أو محل دهشة واستنكار!!
وقد يكون الفعل في ذاته خطأً، ولكن صدوره من ذلك الفاعل على ذلك المفعول في ذلك الزمان في ذلك المكان؛ يجعله صواباً محضاً، أو محل تبرير واستحسان!!
الفعل الذي يُقبل من فاعلٍ قد لا يُقبلُ من فاعلٍ آخر..
والفعلُ الذي يُقبلُ مِن فاعلٍ على مفعولٍ قد لا يُقبل من فاعلٍ على مفعولٍ آخر..
والفعلُ الذي يُقبل من فاعلٍ على مفعول؛ قد لا يُقبل مِن فاعلٍ على مفعولٍ في زمنٍ بعينه..
والفعل الذي يُقبل من فاعلٍ على مفعولٍ في زمنٍ بعينه؛ قد لا يُقبل من فاعلٍ على مفعولٍ في مكانٍ بعينه!!
ما سبق معلومٌ من الحياة بالضرورة لا يكاد يحتاج إلى توضيح.. بيد أننا في زمنٍ احتاجت فيه الواضحات إلى توضيح، وقديماً قيل: توضيح الواضحات من أشكل المشكلات!!
السِلميَّة صوابٌ في ذاتها، وكذلك الجهاد!!
إذا رأيتَ (البرادعي) في شوارع سيدة المدائن (الموصل)، يُقاتل مع المجاهدين؛ ستُصاب بذاتِ الدهشة والاستنكار اللذيْن سَتُصابُ بهما إذا رأيتَ (الظواهري) فوق منصة رابعة يتظاهر مع المتظاهرين!!
هذان الفعلان لا يصدران من هذين الفاعليْن أمام هذين المفعولين في هذين الزمانين وهذين المكانين!!
وقِس على هذين الفاعلين أمثلةً أخرى للفعل والمفعول والزمان والمكان!!
لكل شيءٍ شيء، ولكل فُولَةٍ كَيَّال، ولكل وقتٍ أذان..
وإنَّ مِن الفعل أحياناً ألا تفعل؛ فإنكَ إن أعطيتَ المريضَ دواءً ليس له؛ قتلتَه أو زِدتَهُ مرضاً!!
هل هذه المظاهرات (التي صرنا نخاف يومَ الجمعة بسبب الدماء التي تُسفكُ فيها) هي الفعلُ الذي يُمكن أن يُفعلَ منكم الآن؟!
أنا معكم في أن الحرب الآن لن تكون في صالحنا أبداً.. لا أطالبكم بالحرب، ولن أزايد عليكم بها.. ولكن هذه الدماء التي تُسفك، مِنْ أجل ماذا تُسفك؟! أليست هذه حرباً؟!
أَيّ ذراع تريدون لَيَّها بدماء الناس؟!
أَيّ مفاوضاتٍ تريدون كَسْبَها بدماء الناس؟!
أَيّ أنظمةٍ تريدون إحراجها بدماءِ الناس؟!
وهل بقيت الآن أنظمةٌ تشعر بالحرج من شيء؟!
ماذا فعل هنية والستةُ الذين رافقوه في مصر؟!
ما الذي يُطبخ بالضبط ؟!
إنْ كان ثمة شيء يُطبخ بدماء الناس فتلك مصيبة، وإن كانت دماء الناس تُسفك من أجل لا شيء فالمصيبة أعظم!!
ما الذي حدث لكم فصرتم تستبدلون بصور عياش وياسين والرنتيسي صورَ مانديلا ولوثر وغاندي؟!
إِنْ كنا قد وصلنا إلى هذا الدرك؛ فإن تفجير الوضع كله أجدى لنا ولكم من التقلب في هذا المستنقع.. وما كل هروب إلى الأَمَامِ سَيء، وما كُل طاولةٍ مقلوبةٍ شر.. عركةٌ في خمارة أشرفُ من حياةٍ فيها.. ومن السياسةِ إسقاطُ السياسة إن ضاقت السياسة!!
***
لقد دخلتم أو استُدرجتم إلى لُعبةٍ تعلمون قبل غيركم أن النظام العالمي لا يسمح لأمثالكم فيها بالجمع بين السلاح والسياسة، وما غَضَّ الطرفَ عن ذلك حيناً من الدهر إلا ليجركم إلى المطاولة الضاغطة؛ فتسقطون جملةً بضغطِه، أو تسقطون شيئاً فشيئاً بتخليكم- تحت ضغطه- عن مبادئكم مبدأً مبدأً.. ويبدو أنكم اخترتم السقوط الثاني.. وإنه والله لشرٌ من الأول!!
لن تحصلوا على شيء..
الطريق الذي دخلتموه الآن لن يوصلكم إلى شيء..
وما نتحسر- والله- على قادتكم الحاليين بقدر حسرتنا على شبابكم المرابطين في الأنفاق مِن الذين صَدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.. لقد صيرتموهم سهاماً بلا نصال، وبنادق بلا ذخيرة، وإنهم والله لقمينون أن يَفتحَ اللهُ بهم ولهم إن قادهم (عياشٌ) آخر، أو اختار اللهُ لهم جبهاتٍ أخرى لم يُغير قادُتها أو يبدلوا!!
***
لسنا متكئين على أرائكنا.. ولا نُنَظِّرُ عليكم من أبراج عاجية.. لقد طالَ البلاءُ الجميع، وعَمَّتِ المجازرُ البلاد؛ فكفوا عن التعلق بالأوهام، ونقوا صفوفكم من السامري وشيعته، وعودوا- ولا أظنكم تستطيعون- مِنْ حيث بدأتم؛ فإنه زمن الفسطاطين؛ مَن قُتِلَ فيه دون دينه فقد انتصر وإن قُتِل، ومن عاشَ فيه بلا دينٍ فقد مَاتَ وإن عَاش.. ويوشك مَنْ ظَلَّ مُذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء أن تَدْهَسَهُ المفاصلة؛ فيتمنى (الخَوارجَ!!) فلا يَمنُّ اللهُ عليه بهم حتى يكونَ خارجياً في نفسه ولنفسه..
وكُلُّ الطرق تُؤدي إلى الأشعث الأغبر!!

 دكتور علي فريد
19/ 4 / 2018

أهمية الانتخابات التركية للعالم العربي والإسلامي


أهمية الانتخابات التركية للعالم العربي والإسلامي

   
حسام فوزي جبر
ناشط سياسي من سيناء


لا شك أن الأمة كلها تتوق للتحرر من قبضة دول الاستعمار والنهضة باقتصاد واعد يمكن لشعوبها الرقي المعيشي والأخلاقي والدعوي وصولاً لعزة الإسلام وتمكين المسلمين، ومن العلوم أي مشروع نهضوي أو تحرري لأي دولة أو أمة لابد وأن يرتكز على قاعدة انطلاق ثابتة وقوية تمثل الداعم الأساس والركن القوي الذي يسند ويحمي ذلك المشروع، وإذا كنا نقول قبل ذلك أن قيام الخلافة أمر واجب على المسلمين فالأوجب منه إقامة الدولة المسلمة القوية التي تكون نواة أولى لقيام الخلافة.


ومن هنا يأتي وأهمية الدولة التركية التي تعتبر النواة الأهم والركيزة الأساس والركن الأقوى لانطلاق ذلك المشروع النهضوي التحرري ليجتمع حولها بعد ذلك كثير من دولنا العربية، وبالأخص دول ثورات الربيع العربي التي تتوق شعوبها لتحرر من قبضة الغرب والنهضة بمشروع اقتصادي فريد يمثل انطلاقة جديدة في كل الجوانب العلمية والعسكرية والأخلاقية (وبذلت الدم في سبيل ذلك) لتكون تركيا كملكة النحل التي يجتمع حولها وصيفاتها، أو كما نقول في مثال آخر “كبقع الزيت المتفرقة والمتناثرة على سطح الماء تسير بهدوء ليجتمعن وتكوّن بقعة زيت واحدة كبيرة”.



ولاشك أن تركيا قطعت شوطا طويلا وتجاوزت عقبات كؤود، واستطاعت التغلب على أكثرها اقتصادي وعسكري على وجه الخصوص ووجود أردوغان على رأس السلطة هو استكمال لتلك الصناعات العسكرية التي تعتبر الركيزة الأخطر في المشروع التحرري والنهوض الاقتصادي الذي يرشح تركيا لدخول نادي العشرة الكبار وكل ذلك في مصلحة تركيا والأمة الإسلامية جمعاء.


ودليلي في ذلك قوله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) سورة قريش. فلا يمكن لمشروع اقتصادي يقوم إلا في وجود استتباب أمني، وهذان العنصران هما أهم ركيزتين لدولة تركيا التي تقود مشروع الأمة التحرري والنهضوي.
ومن هنا نتمنى وندعو الجميع لإنجاح أردوغان.



“جريمة ضد الإنسانية”.. هيئة أممية تدعو لإطلاق سراح معتقل فلسطيني بغوانتانامو منذ 21 عاماً دون اتهامه

 “جريمة ضد الإنسانية”.. 

هيئة أممية تدعو لإطلاق سراح معتقل فلسطيني بغوانتانامو منذ 21 عاماً دون اتهامه

معتقلون في سجن غوانتانامو


أعلنت هيئة تابعة للأمم المتحدة أن اعتقال أبو زبيدة، المعتقل في غوانتانامو منذ فترة طويلة، ليس له سند قانوني، وطالبت بالإفراج عنه في الحال، لافتة إلى أن الحرمان الممنهج من الحرية في المعتقل ربما "يشكل جرائم ضد الإنسانية"

إذ قالت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي (UNWGAD) في تقرير إن المملكة المتحدة "مسؤولة، مع دول أخرى، عن تعذيب أبو زبيدة، وأي معاملة قاسية أو غير آدمية أو مهينة يتعرض لها" منذ أكثر من 20 عاماً قضاها في المعتقل، بحسب صحيفة The Guardian البريطانية الجمعة، 28 أبريل/نيسان 2023.
"الرجل الثالث"

والتقرير الذي أصدرته مجموعة الأمم المتحدة العاملة، الجمعة، 28 أبريل/نيسان، يتناول تحديداً قضية أبو زبيدة، وهو فلسطيني يبلغ من العمر 52 عاماً اعتُقل في باكستان في مارس/آذار عام 2002، واحتُجز وعذِّب في مجموعة من المواقع السوداء الخاصة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، قبل أن يُنقل إلى معتقل خليج غوانتانامو عام 2006.

وزعمت الولايات المتحدة في البداية أنه "الرجل الثالث" في تنظيم القاعدة، لكنها اعترفت لاحقاً بأنه ليس عضواً فيه من الأساس.

وتطرق التقرير أيضاً إلى ظروف الاحتجاز في غوانتانامو بشكل عام، و"أعرب عن القلق البالغ إزاء النمط الذي تتبعه جميع هذه القضايا" وأشار إلى أنه "في ظروف معينة، قد يشكل الاعتقال واسع النطاق أو المنهجي أو غيرهما من أشكال الحرمان المشدد من الحرية، في انتهاك للقواعد الأساسية للقانون الدولي، جرائم ضد الإنسانية".

ومجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة عبارة عن هيئة شبه قضائية، تصدر أحكاماً قانونية باسم المجتمع الدولي، لكنها ليست مُلزِمة، ولا تملك سلطة فرض النتائج التي تتوصل إليها. وهي مكونة من 5 خبراء قانونيين من جميع أنحاء العالم، واللجنة الحالية مكونة من محامين وأساتذة قانون وقضاة سابقين من ماليزيا ونيوزيلندا وأوكرانيا والإكوادور وزامبيا.

"جريمة محتمَلة ضد الإنسانية"

ويمثل تقرير يوم الجمعة المرة الأولى التي تصف فيها هيئة دولية المعتقل الذي أُنشئ منذ 21 عاماً بجريمة محتمَلة ضد الإنسانية، والمرة الأولى التي تصدر فيها هذه الهيئة حكماً ضد الولايات المتحدة بسبب اعتقال أبو زبيدة، وأول قضية دولية ضد المملكة المتحدة والمغرب وتايلاند وأفغانستان، وجميعها متواطئة في الاحتجاز التعسفي والتسليم والتعذيب.

وخلص التقرير أيضاً إلى أن دول باكستان وبولندا وليتوانيا متورطة جزئياً: "باكستان لمشاركتها في اعتقاله وتسليمه، وبولندا وليتوانيا لاستضافتهما مواقع سوداء".

 وسبق للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن حكمت ضد بولندا وليتوانيا لمشاركتهما في شبكة مرافق الاحتجاز السرية ورحلات التسليم.

من جهتها، قالت هيلين دافي، الممثلة القانونية الدولية لأبو زبيدة، التي تدير مجموعة Human Rights In Practice القانونية في لاهاي: "هذا التقرير تذكير قوي بعدم قانونية غوانتانامو عموماً، ووضع موكلنا خصوصاً".

ويُشار إلى أن معتقل غوانتانامو لا يزال يضم 30 سجيناً، واحد فقط أدين بارتكاب جريمة؛ و10 يخضعون لإجراءات محكمة عسكرية، رغم أن المحاكمات لم تبدأ حتى في معظم القضايا؛ و16 تمت التوصية بنقلهم إلى بلد آخر، في انتظار ضمانات أمنية؛ وتجري إدارة بايدن مفاوضات سرية مع الحكومات الأجنبية لإقناعها بقبول هؤلاء المعتقلين.

وأبو زبيدة واحد من 3 "سجناء مدى الحياة" لم توجَّه إليهم تهم، ولم يُوصَ بنقلهم.

الدعوة والبرهان لا تغنى عن القوة والنظام

الدعوة والبرهان لا تغنى عن القوة والنظام




حين اتفقت كنائس الغرب عن فقرها أما م خطاب الدعوة وبراهينه لم تستسلم واجتاحت الدعوة حصونهم فما كان لهم إلا أن سارعوا فى بناء النظام العالمى ولهذا سبقتنا الكنائس الغربية بقرون إلى تأسيس نظام عالمى بحكم صيرورة الكون لأن يكون وحدة واحدة بحكم تطور الحضارة بينما نحن ضللنا بعض مفكرونا وصدروا لنا صور الكنائس التى تهجر وتتحول لمساجد بالغرب وتوقف أو الإبطاء بالتبشير وضعفه وفرحنا بهذا وغفلنا عن مزاحمة الشراكة فى النظام الدولى والذى أحتكرته الكنائس فسبقتنا ببناء سلطة الأمر والنهى والتحسين والتقبيح والتحليل والتحريم
والتشريع والتجريم ومنح الشرعيات وسلبها داخل مؤسسات النظام الدولى وكان اهم وأخطر وأسرع من الإشتغال بالتبشير إذ اصبح لا يستطيع أحد فى المعمورة بالخروج على ما أباحوه ولا معارضة ما حرموه إلا وأصبح إرهابى منبوذ وأبطلوا كل ثمار الدعوة وأهدروا كل أثمان المساجد التى اشتراها المسلمون بالغرب وحتى أذعنت كل النظم الاسلامية والمنضوية كرها أو طوعا للنظام الدولى بتبنى ما تشرعه تلك المؤسسات الدولية وتحل حلالها وتحرم حرامها وتوالى وتعادى على موثيقها وتتحكم فى شكل ومادة حتى ما تتعلمه أطفالنا لينتجوا أجيال منا على هواهم كمسخ بشرى تحت زعم التحضر والتقدم ولهذا فواجعنا تأتى بعد وإبان رمضان حين لا نرى أطفالنا بالمساجد أو لا نرى غير الشيوخ والعجزة منا عن مشاركة الغرب فى اللهو الذى صنعوه بديار المسلمين ورعته وسائل إعلامنا وما يعد لرمضان كل عام من مسلسلات
;كل ما كتبت اعلاه لا يهم بقدر الفاجعة كيف للنبى عليه الصلاة والسلام يباشر وهو بالمدينة مع ثلة من الرجال ببناء نظامه العالمى ويمارس أول مهماته ببعث السفراء لكل القوى المحيطة والمتحكمة فى الاقليم من حوله والعالم كأحد راكائز وأهم أسس البقاء مع الدعوة خطوة بخطوة ونحن لازلنا من قرون خارج هذا النظام مع أننا مخزن ثرواته وجغرافيتنا تكمن فيها روحه ومحياه ومماته بغيرنا--
كل ما هو مكتوب أعلاه لا يهم المهم كيف لازال يغرق أهل الدعوة فى الترف الفكرى والخلافات اللغوية والتأويلات والتنظير والتحزبات والصراعات فيما بينهم وهم أسرى لعدوهم الذى يملك مفاتيح كل شىءحتى التحكم فى ألوان ملابسهم الداخلية