من ملاعب العالم إلى حدود السياسة: هل بدأت النسخة الأمريكية من كأس العالم بأزمة قيم؟
أحمد هلال
"البطولة التي تجمع شعوباً من عشرات الثقافات والأديان والأعراق يفترض أن تكون لحظة إنسانية نادرة يتراجع فيها منطق الجوازات والخرائط أمام منطق المشاركة الإنسانية"
لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة، فمنذ أن تحولت إلى اللغة المشتركة للبشرية، أصبحت الملاعب مرآة تعكس ما يجري خارجها من صراعات وأفكار وتوازنات قوة. وفي كل نسخة من كأس العالم لا تتنافس المنتخبات فقط على الكأس، بل تتنافس الدول أيضاً على تقديم صورة عن نفسها أمام مليارات البشر الذين يتابعون الحدث الأكبر في عالم الرياضة.
لهذا السبب تحديداً تبدو المقارنات بين كأس العالم 2022 في قطر وكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أكثر من مجرد مقارنة تنظيمية أو رياضية؛ إنها مقارنة بين سرديتين حضاريتين مختلفتين، وبين رؤيتين لدور الرياضة في عالم مضطرب سياسياً وثقافياً.
منذ الأسابيع الأولى للبطولة الأمريكية، برزت أخبار تتعلق بصعوبات التأشيرات، ومنع دخول بعض الشخصيات الرياضية، والانتقادات الموجهة للإجراءات الأمنية المشددة بحق بعض الوفود القادمة من أفريقيا والشرق الأوسط. وبينما قد تكون بعض هذه الحالات مرتبطة بقوانين الهجرة والأمن القومي كما تقول السلطات الأمريكية، فإن الصورة التي تشكلت في الوعي العام كانت مختلفة تماماً: صورة بطولة عالمية تقف عند أبواب الحدود، وتخضع لمعايير السياسة قبل أن تفتح أبواب الرياضة. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فكرة كأس العالم تقوم أساساً على تجاوز الحدود لا على تعزيزها، والبطولة التي تجمع شعوباً من عشرات الثقافات والأديان والأعراق يفترض أن تكون لحظة إنسانية نادرة يتراجع فيها منطق الجوازات والخرائط أمام منطق المشاركة الإنسانية. لكن عندما يصبح الحديث عن التأشيرات أكثر حضوراً من الحديث عن المباريات، فإن شيئاً ما يكون قد اختل في الرسالة الأساسية للحدث.
لا يمكن الجزم بسهولة بأن ما جرى يعكس سياسة عنصرية أمريكية ممنهجة ضد القارة الأفريقية أو ضد شعوب بعينها، فالعنصرية مصطلح خطير يحتاج إلى أدلة واضحة ومستمرة تتجاوز الحوادث الفردية لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيراً من الانتقادات جاءت من دول ومؤسسات وشخصيات شعرت بأن هناك تفاوتاً في المعاملة بين جنسيات مختلفة، وأن بعض الوفود القادمة من الجنوب العالمي واجهت عراقيل لم تواجهها وفود أخرى.
وفي السياسة الدولية، لا تهم الوقائع وحدها؛ بل تهم أيضاً الانطباعات التي تخلقها تلك الوقائع. لقد أمضت الولايات المتحدة عقوداً طويلة تقدم نفسها بوصفها نموذجاً للتعددية والانفتاح والهجرة والتنوع الثقافي، لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً واضحاً في الخطاب المرتبط بالحدود والهجرة والهوية الوطنية، وهو خطاب انعكس على صورة البلاد في نظر كثيرين حول العالم. وعندما تستضيف دولة تحمل هذا الجدل الداخلي بطولة بحجم كأس العالم، فإن كل حادثة مرتبطة بالدخول أو التفتيش أو التأشيرات تتحول تلقائياً إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي.
في المقابل، لا يزال كثيرون يستحضرون تجربة قطر 2022 باعتبارها نموذجاً مختلفاً. فبرغم الحملات السياسية والإعلامية التي سبقت البطولة، نجحت قطر في تقديم نسخة اتسمت بدرجة عالية من الانفتاح الاجتماعي والثقافي. وصل مشجعون من مختلف الأديان والقوميات والخلفيات الفكرية إلى الدوحة، وتجولوا في فضاء عربي وإسلامي كان بالنسبة لكثير منهم مجهولاً أو مشوهاً في الصورة النمطية الغربية. وهناك اكتشف ملايين الزوار والمتابعين أن التعايش لا يعني بالضرورة الذوبان الثقافي، وأن الانفتاح لا يقتضي التخلي عن الهوية.
كانت الرسالة القطرية تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: يمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته الحضارية وأن يفتح أبوابه للعالم في الوقت نفسه. ولهذا السبب لم تُقرأ بطولة قطر باعتبارها نجاحاً تنظيمياً فقط، بل باعتبارها لحظة ثقافية كسرت احتكار السردية الغربية حول مفهوم العالمية. فقد قدمت دولة عربية صغيرة نموذجاً يقول إن العالم لا يحتاج دائماً إلى المرور عبر العواصم الغربية كي يلتقي ويحتفل ويتعارف.
أما في النسخة الأمريكية، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالملاعب أو البنية التحتية أو القدرة التنظيمية، فهذه أمور لا يشكك فيها أحد، وإنما يتعلق بالسؤال الأعمق: هل تستطيع الرياضة أن تبقى مساحة محايدة عندما تستضيفها قوة عظمى غارقة في صراعاتها السياسية الداخلية والخارجية؟
ويتجلى هذا السؤال بوضوح في حالة المنتخب الإيراني. فوجود إيران في البطولة جاء في ظل أجواء إقليمية ودولية مشحونة، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب والمواجهة السياسية. ومن الطبيعي أن تتحول كل إشارة أو رمز أو موقف يصدر عن البعثة الإيرانية إلى مادة للتأويل والنقاش. وعندما حمل اللاعبون الرقم الذي قيل إنه يرمز إلى ضحايا مدنيين سقطوا في سياق الحرب، فإن الرسالة تجاوزت حدود الرياضة لتصبح صرخة سياسية وإنسانية في آن واحد.
هنا تكشف كرة القدم مرة أخرى عن حقيقتها القديمة: إنها ليست معزولة عن العالم، بل هي امتداد له. لكن المفارقة أن فيفا ظلت لعقود ترفع شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، بينما تثبت الأحداث المتلاحقة أن هذا الفصل يكاد يكون مستحيلاً. فكيف يمكن فصل السياسة عن بطولة يتوقف فيها مصير المشاركين على قرارات التأشيرات؟ وكيف يمكن عزل الرياضة عن الجغرافيا بينما يعيش العالم على وقع الحروب والعقوبات والاستقطابات الدولية؟
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة تنظيمية أو خلاف إعلامي عابر، بل هو انعكاس لتحول أوسع في النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي بدا بعد الحرب الباردة وكأنه يتجه نحو مزيد من الانفتاح والعولمة، يعود تدريجياً إلى لغة الحدود والهويات والصراعات الجيوسياسية. وكأس العالم، بوصفه الحدث الأكثر عالمية على وجه الأرض، أصبح مسرحاً مثالياً لظهور هذه التناقضات.
ولعل أهم ما تكشفه المقارنة بين قطر 2022 والنسخة الأمريكية الحالية هو أن القوة المادية وحدها لا تصنع صورة إيجابية للدول. فالملاعب العملاقة والتقنيات المتطورة والبنية التحتية الهائلة لا تكفي إذا شعر الناس بأن هناك تمييزاً أو إقصاء أو ازدواجية في المعايير.
القوة الحقيقية في عصرنا لم تعد مجرد قدرة على التنظيم، بل قدرة على الإقناع، لم تعد فقط القدرة على الاستضافة، بل القدرة على جعل الضيف يشعر بأنه مرحب به مهما كان دينه أو لونه أو جنسيته أو موقفه السياسي.
لهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تنظيم كأس عالم ناجح، فهي بلا شك قادرة على ذلك. السؤال الأهم هو: أي صورة ستخرج بها البطولة إلى ذاكرة الشعوب؟ هل ستُذكر باعتبارها احتفالاً عالمياً جمع البشر تحت راية الرياضة، أم باعتبارها بطولة طغت عليها نقاشات الحدود والتأشيرات والاستقطاب السياسي؟
الجواب النهائي ما زال مبكراً، لكن المؤكد أن بدايات البطولات الكبرى كثيراً ما تحدد طبيعة السردية التي ترافقها حتى النهاية. وإذا كانت قطر قد نجحت في أن تجعل من كأس العالم قصة عن التعايش والانفتاح الحضاري، فإن النسخة الأمريكية مطالبة اليوم بإثبات أن الرياضة ما زالت قادرة على الانتصار على السياسة، وأن أبواب الملاعب أوسع من أبواب الحدود.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق