‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. عادل الأسطل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. عادل الأسطل. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 14 يناير 2015

مناسك شارل أبيدو !

مناسك شارل أبيدو !


عادل الأسطل
لم تكن الهجمة الأوروبية الممنهجة ضد الإسلام والمسلمين في شأن محاربتهما هكذا، بل كانت نتيجة تنامي الخوف منذ شعورها باستيطان الإسلام لديها، والذي من شأنه أسلمة شعوبها، بناءً على صدور تقارير عِدة خلال السنوات الفائتة تؤكّد ذلك الشعور، ولذلك فقد دأبت حكوماتها في تأليف الخطط وتكوين الأحلاف لمكافحة الإسلام والمسلمين، باعتباره ظاهرة تؤرق مضاجعها، فعلاوة على التضييق عليهم من خلال إجراءات خاصة، تحِد من نشاطاتهم الدينية، برغم ما تُنادي به في جولات (حوار الأديان) والتي لا تهدف من ورائها إلاّ محو الإسلام أو تجديده بما يتواءم مع مصالحها على الأقل، والتي أنتجت المزيد من الاحتقان والكراهية بين الشعوب، وأتاحت عبر قوانين مُواربة لمؤسساتها الإعلامية، أن تنشط كما يحلو لها باتجاه العرب والمسلمين، بدون حفلها باحترامهم ولا بمراعاة حقوقهم، بزعم الإبداع الثقافي والحرية الفكرية والصحفيّة، وبالتالي تسجيل المزيد من العنف والحوادث الدموية فيما بينها، وهذا ما حدث بالفعل ضد صحيفة (شارل أبيدو) الفرنسية، عندما قامت عن عمدٍ وتحدٍ واضحين، بنشر رسومات مسيئة للنبي سيد العالمين "محمد صلى الله عليه وسلم" برغم الهجومات التي حدثت ضدها منذ عام 2006، لقاء إعادة ما نشرته زميلتها الدنماركية (يولاندس بوستن) من رسومات مسيئة للنبي محمد (صل الله عليه وسلم) وتلك التي جرى تنفيذها خلال العام الماضي، والتحذيرات المتتالية التي قالت بأنه محظورٌ عليها المس بالدين الإسلامي والنبي محمد (صل الله عليه وسلم)، وهو الأمر- في نظر المهاجمين على الأقل- الذي استوجب هجومهم على مقر الصحيفة، وقتل المتسببين بالإقدام على ذلك الفعل، ومن بينهم مديرها "شارب" وثلاثة من رسّامي الإساءة، بعدما لم يجد القاتلون من يغارون ضدها بوسيلة أو بأخرى لنصرة دينهم ونبيّهم، وهذا لا يعني تبريراً بالضرورة أو موافقتنا على الطريقة التي تم إتباعها.

لم يكن مُلفتاً الغضب الذي أبدته الجمهورية الفرنسية، بسبب أن الحادثة على أراضيها وتستهدف مواطنيها، لكن الذي كان ملفتاً أكثر، وبحرارة زائدة عن الحد، هو هرولة قادة العرب والمسلمين إلى ركوب الريح للمشاركة في التظاهرة التي أقامها الرئيس الفرنسي "فرانسوا هولاند" وأداء مناسكها على أصولها، دعماً لـسياسة "هولاند" واحتجاجاً على الإرهاب، وكأنهم يرفلون بأثواب السعادة في بلدانهم، أو هم الذين لا يقمعون الحريات بها، في جوٍ من الموت والدمار والجوع والشقاء.

على أي حال، ولست بالضرورة أن أقف مع أو ضد الذين رحّبوا بمشاركة العرب في التظاهرة، فإن ذهابهم إليها وبُكائهم أثناءها، لم يشفع لهم جميعاً، بسبب علم الفرنسيين بأن مجيئهم هو بمعزل عن شعوبهم، ولأن مسؤولية قمع الإرهاب تقع على عاتقهم، ومن ناحيةٍ أخرى، بسبب وضوح "هولاند" نفسه من أنه لا ينبغي تقييد حرية التعبير، وأنه أن الأوان لبدء الحرب ضد الإرهاب والإسلام المتطرف، حيث ماثلت دعوته تماماً، دعوة الولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر، بعبارة (من ليس معي فهو ضدّي)، كما لم تكنفِ المؤسسات الإعلامية ولا الصحيفة المكلومة ذاتها، بعدم احترامهم ولا بالاعتذار لهم على الأقل، على قيامها بنشر إساءاتها المريضة، بل قامت بتحدٍ آخر لهم، من خلال نشر صورٍ مسيئة جديدة، الذي تعهّد بها الرسام "لويز" تحت عنوان (كل شيء مغفور) استخفافاً بهم وبالمسلمين بعامّة. وإمعاناً في التحدّي والمواجهة، قضت بأنها ستضاعف إلى مئات المرات عدد نسخها المطبوعة لتصل إلى 3 ملايين نسخة سيتم توزيعها على أكثر من 30 بلداً، وبأكثر من 20 لغةً وبضمنها اللغة العربية، حيث أثبتت بذلك بأنها أكثر عدائية وإصراراً على تسخين الأمور، لأجل أن يسود الشارع الغربي موجة من انعدام التسامح في مواجهة الإسلام والمسلمين، دونما أيّة صلة، لا بالفكر ولا بالحريّة الصحفية ولا باحترام مشاعر المسلمين، سيما وأن الكل يعلم بأن المساس بالدين، هو من الكبائر التي لا يمكن السكوت عليها.

وإذا كان تبرير جرائم الإساءة للإسلام بالاعتداء على المسيحية وأنبياءها، فهذا شأنهم وحدهم، وكذا اليهودية والبوذية والهندوسية وغيرها، فهذا شأن من تخصهم، وأمّا الدين الإسلامي، والنبي محمد(صل الله عليه وسلم) فهو شأننا ولا يحق لأحد الاقتراب من قدسيتهما، فالغضب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لدى المسلمين لا يؤدي بشكل عام إلى الثورة، بقدر ما يثور ضد أيّة جهة تتعمّد المس بديننا القويم ومعتقداتنا الأصيلة، وهم على استعداد للتضحية بحياتهم من أجل إسلامهم الذي ارتضوه، فما الذي يمكن أن يتوقعه أيّهم، ليس في أوروبا وحسب، بل في آسيا، أفريقيا، وأيضاً الولايات المتحدة، سوى التعبير وبوسائل مختلفة، فكما لديهم محاذير وعلينا احترامها، بسبب آدابنا وأخلاقنا ومعتقداتها الدينية، التي تحتم علينا الاعتراف بالكتب وبالكتابيين والإيمان بالرسل والأنبياء أجمعين، فإن لدينا محاذير أشد صرامةً يجب عليهم أيضاً احترامها.
وحشيّة النظرة الغربيّة تجاه المسلمين، من الأيديولوجيا المتعالية، المدعومة بمنهاجية الجنس الأبيض دينياً وإعلامياً، التي ترى أن الحريّة تكمن في الاعتداء على الأديان كافة وبلا حدود، تتلاشى تماماً عندما تُذكر الساميّة، بسبب الحدود اليهودية التي وضعتها أمام مناخرها، احتراماً لها بالدرجة الأولى، وخشية أن تجلب الشر لنفسها بدرجة ثانية.

إن القيم التي تُحاول الدول الغربيّة من خلال مؤسساتها الحاكمة والإعلامية، غرسها في ذاتنا وعلى مراحل حياتنا، والمرتكزة على نعومة ممارساتها وبهرجة سلوكياتها، هي مرفوضة بالمطلق، لعدم استساغتها أو قبولها، لأننا جُبلنا على الفطرة القويمة التي فطرنا الله عليها وحسبنا هي، وإن كانت تلك الدول ترغب في المحافظة على أشكال العلاقات المتكافئة مع العرب والمسلمين، فعليها قبول محاذيرهم، ومن ثمّ ربط كِلابها.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

الاتحاد الأوروبي.. آيات من النفاق!


الاتحاد الأوروبي.. آيات من النفاق!

د. عادل الأسطل


تعتبر اللجان الدولية لتقصّي الحقائق، الأداة القادرة على تطبيق القوانين والشرائع الدولية الإنسانية، بناءً على ما تمخض عن المؤتمر الدبلوماسي الدولي منذ العام 1974م، بشأن كافة المهمات الإنسانية - الحوادث، الحروب، مهمّات الإغاثة، حفظ السلام- وغيرها من المهمّات الأخرى، وسواء المتعلقة بالدولة الواحدة أو بمجموعة من الدول..
وبصورة رئيسة، فإن الاتحاد الأوروبي يتمتع بثقلٍ سياسي واقتصادي كبيرين، في شأن خلق اللجان وتكليفها، وفي تحديد حركتها فيما بين مهمّاتها، والمفترض أن ينطبق كل ما تقدّم على "إسرائيل" أيضاً، وإلاّ فبتوفير روادع راغمة، تتمكن من خلالها لجان وجهات حقوقية دوليّة، من الدخول إليها، للتحقيق في القضايا المُثارة ضدها، وعلى رأسها فيما إذا ارتكبت جرائم حرب.

في كل مرّة، منعت "إسرائيل" التعاون مع اللجان المقترحة منذ البداية، وأدّى التراخي الدولي والأوروبي على نحوٍ خاص، إلى أن تقوم بتطوير ممانعتها تلك، من عدم السماح لها بدخولها البلاد والتعاون معها، إلى منع دخولها بالمطلق إلى داخل الأراضي الفلسطينية، بالاستناد إلى ذرائعها الموجودة والتي لا تحتاج إلى الكثير من التفكير، كونها تعتبر أنها ذات سيادة، وبها الكفاية في إنتاج تحقيقاتها بنفسها، كما أنها لا تريد معاودة معاناتها من جراء تقرير "ريتشارد جولدستون" الذي تم السماح له بالهبوط إلى القطاع، في أعقاب العدوان "الإسرائيلي" (الرصاص المصبوب) أواخر عام 2008م، والتي فيما بعد، أفلتت منه بصعوبة.

سمعنا معاً، منذ القِدم وفي الأثناء، أن الاتحاد الأوروبي، يقف إلى جانب الفلسطينيين وخلف حقوقهم المشروعة، وربما لمسنا شيئاً من دأبه بشأن إعداد خطط إستراتيجية تتناسب وتطلعات الشعب الفلسطيني، والمتمثلة بوقوفه ضد النشاطات الاستيطانية أو تصدّيه للممارسات العنصرية المختلفة، أو بوضعه القضية الفلسطينية ضمن أولوياته، واستعداده بالدعم المالي حتى لموظفي قطاع غزة.

لكن، لم نشعر كفايةً كفلسطينيين، بأن الاتحاد كان جادّاً، وبالمقابل، فهو يديم المكافأة لـ"إسرائيل" ويعتني بشؤونها الاقتصادية والعسكرية، ولا يحرك ساكناً بالنسبة لإعلانها بعدم الانصياع لما يراه مناسباً بشأن القضايا المطروحة، وخاصةً في مسألة استقبالها للجان التحقيق الدولية أو التعاون معها، بما يحمل من تحدٍّ صارخ له، وبالنظر إلى لجان "اليونسكو" التي رفضت "إسرائيل" السماح لها بالهبوط، بشأن الاطلاع على مقتنيات وآثار مُسجّلة في كشوفها، ويمكن التأكّد فيما لو كانت الجهة المانعة جهة فلسطينية أو "حماس" تحديداً، فالمؤشرات الآتية من الاتحاد، تُفيد بأنه يثق بتحقيقات الجيش "الإسرائيلي"، تماماً كما أيّة جهةٍ دولية أخرى، على الرغم من توجيه اتهاماته، بأن المقاومة الفلسطينية هي من أطلقت الصواريخ وقتلت المدنيين، واستعملت آخرين كدروع بشرية، واستفادت أيضاً من مؤسسات "الأونروا" العاملة في القطاع، بجعلها مخازن أسلحة وإطلاق النيران من خلالها.

ولا يغيب عن بالنا، أن الاتحاد لديه من المخاوف، التي في حال تحمّلت "إسرائيل" جرائم حرب على يدِ لجنةٍ ما، فإنه لا يستطيع التحرك بما يقابلها، والتي قد تحتاج إلى تغيير سياسات، أو فرض عقوبات مؤلمة؛ لذا فهو يفضّل السكوت من الآن، باعتباره أقل خطراً، على الرغم من ضمانه، من أن أيّ تقارير في هذا الصدد، ستفضي إلى أن كلاً من الجيش "الإسرائيلي" والفصائل المسلحة الفلسطينية وعلى رأسها حركة "حماس"، قد ارتكبت سواء بسواء، ما يمكن اعتباره جرائم ضد الإنسانية، وعلى النحو الذي جاء به تقرير "جولدستون" عام 2009م.

وللإحاطة قبل الختم، فإنّه كما لا يتوجب علينا الإيمان بالولايات المتحدة كجهة ذات مصداقية بالنسبة للصراع مع "إسرائيل"، فإنه لا يتوجب علينا بنفس القدر، الوثوق بكل خطوات الاتحاد باعتبارها مصلحيّة منافقة، وسواء في شأن تباطؤه في إبداء مواقف صارمة، أو نشر عقوبات ذات قيمة، كونها تجاوزت كل القيم الإنسانية، الأدبية والأخلاقية، أمام عينه وعلى مسمع منه، أو بعدم مشيئة حكوماته مجاراة برلماناتها بإشكالية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إضافةً إلى تتويجه لمبادرته الخاصة أمام مجلس الأمن، باعتبارها بطلة المبادرات السياسية - غير مُلزمة – والتي تقدّم بها، رغبةً من "الإسرائيليين"، لإبعادهم عن شفا الحفرة، ورغماً عن الفلسطينيين، عوضاً عن خطوتهم، والتي طالما قطع الرئيس الفلسطيني "أبومازن" من الوعود، على التقدّم بها أمام المجلس، أملاً في إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" وإقامة الدولة.

(*) خانيونس - فلسطين