الأربعاء، 15 أبريل 2026

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

"الذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين"


 في كتابه "الإسلام المفترى عليه" يقول الشّيخ محمّد الغزالي رحمه الله تعالى: 

"إنّ كلّ دعوة تحبّب الفقر إلى النّاس أو تُرَضِّيهم بالدّون أو تقنعهم بالهوان في الحياة أو تصبّرهم على قبول البخس والرّضا بالدنيّة؛ فهي دعوةٌ فاجرة يراد بها التّمكين للظّلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فردٍ أو أفراد وهي قبل ذلك كذب على الإسلام وافتراء على الله. وأيّ تجاهلٍ لأحوال الأمم المحرومة من العدالة الاجتماعيّة، أو تهوينٌ لآثار الضّيم النّازل بها، أو تسكينٌ للثّوائر المهتاجة فيها؛ فهو دليلٌ على أحد أمرين: خبالٌ في العقل، أو نفاقٌ في القلب؛ وكلا الأمرين له منزلته الحقيرة من دين الله تعالى، ومن دنيا النّاس فلا يُلتَفَت إليه".


إنّ هذه الكلمات البديعة تضع قاعدة حاكمة، وهي أنّ الزهد مقامٌ تربويّ جليل حين يقيم الإنسان على القناعة والإتقان والحرية من عبودية المتاع، ويُثمر في صاحبه شجاعة في طلب الحق وصلابة في مواجهة الفساد ونزاهة في الكسب وحسّا بالمسؤولية تجاه المظلومين، أمّا تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان.

تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان


وكذلك تجد بعض الدّعاة يستشهد بقصة مروية عن عمر رضي الله عنه وهي: "جاء الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: غلا اللّحم فسعّره لنا؛ فقال: أرخصوه أنتم فقالوا: نحن نشتكي غلاء السّعر واللّحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم؟ فقال: اتركوه لهم".

وهذه القصّة مكذوبةٌ على أمير المؤمنين عمر، فلم يرد في أيّ كتابٍ من كتب التّاريخ أنّها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وقد ورد قريب منها في تاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنّهاية لابن كثير منسوبا إلى إبراهيم بن أدهم إذ قيل له: إن اللّحم قد غلا فقال: أرخصوه؛ أي لا تشتروه.

ومن يعرف سياسة عمر رضي الله عنه يعلم جيّدا أنّه حين ترتفع الأسعار الفاحشة فإنّه لا يمكن أن يترك الحبل على غاربه لجشع الجشعين دون من محاسبة من يكون سببا في كارثة اقتصاديّةٍ، وكذلك حين تكون الجائحة الاقتصاديّة كبيرة فإنّ أمير المؤمنين عمر يكون أوّل من يجوع وآخر من يشبع، ويعاني وهو في سدّة الحكم قبل أن يعاني أشدّ النّاس فقرا في رعيته. فلا تكذبوا على عمر رضي الله عنه كي تبرّروا هذا الخراب الذي يفتك بهذا الشّعب المسكين؛ فقد أخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن سعد في الطبقات الكبرى والبيهقي في السنن عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "أصاب النّاس سنة غلا فيها السّمن وكان عمر يأكل الزّيت فيقرقر بطنه فيقول: قرقر ما شئت فوالله لا تأكل السّمن حتى يأكله الناس".

وهذا الأثر يقدّم مفتاحا في فقه الحكم قبل أن يقدّم لنا حكاية زهد، إذ يضع العدالة في مركز السياسة، ويجعل "المعاش" عنوان أمانةٍ لا تفصيلا إداريا عابرا؛ فالحاكم هنا يجعل نفسه أولَ من يلتزم بضبط الاستهلاك وآخرَ من يمدّ يده إلى الرفاه، فتتحوّل القدوة من شعارٍ يقال إلى ميزانٍ يضبط سلوك السلطة. وفي هذا المعنى تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها.

تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها


وبعض الدّعاة يستشهد بما يروى عن أحد السّلف حين شكا له الناس غلاء الأسعار فقال: أرخصوها بالاستغفار، وهذا الأثر لو صحّ فهو يعني مطالبة النّاس بالتوبة ومن شروط التّوبة الإقلاع عن الذّنب، والذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين، وهذا الاستغفار يقتضي ضمنا توجيه المسؤوليّة إلى المتسبّب في كلّ هذا، لا ترديد عبارة "أستغفر الله العظيم" باللّسان من دون فقه مضامينها التي تقتضي التوبة إلى الله تعالى من ذنب تحكيم المجرمين برقاب العباد ومصائرهم.

فكلّ داعيةٍ أو واعظٍ يرفع عقيرته في الحديث عن استفحال الأسعار وفحش الغلاء وآثار التضخم وتهاوي العملة، مقتصرا على مطالبة النّاس بالصّبر والاحتمال ومحببا الزهد إلى نفوسهم ومطالبا إياهم بالتقشف، مغفلا الحديث عن أسباب هذه الانتكاسات وصامتا عن تحميل الطّبقة السياسيّة الفاسدة التي تتقلّب في الترف مسؤولية احتراق النّاس بنيران الغلاء؛ فهو يكذب على الله تعالى ويفتري على دين الإسلام وهو جنديّ من جنود الباطل والاستبداد درى أو لم يدرِ؛ فلا تصدّقّوه ولا تقيموا لكلامه وزنا ولا قيمة.


x.com/muhammadkhm


الثلاثاء، 14 أبريل 2026

بين الاستبداد والفوضى: كيف يوازن الفقه المقاصدي بين مقاومة الظلم وتجنب الانهيار؟

 بين الاستبداد والفوضى: كيف يوازن الفقه المقاصدي بين مقاومة الظلم وتجنب الانهيار؟

أحمد هلال‎

"النتائج المتوقعة معيار لا يقل أهمية عن تشخيص الظلم"- 

في المسافة الشائكة بين الاستبداد والفوضى، يقف العقل الفقهي والسياسي أمام سؤالٍ لا يقبل التبسيط: كيف يمكن مقاومة الظلم دون أن يتحول السعي إلى العدالة إلى بابٍ لخرابٍ أوسع؟ هذا السؤال ليس جديدا في تراثنا، لكنه اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، مع تعقّد الدول الحديثة وتشابك العوامل الداخلية والخارجية.

الفقه السياسي الإسلامي، في أحد مساراته الأكثر نضجا ومرونة، لا ينظر إلى السلطة باعتبارها قيمة في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غاية أسمى: إقامة العدل وصيانة الكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن أي نظامٍ يتحول إلى أداةٍ للقمع الممنهج، ويُعطّل العدالة، ويصادر الحريات، إنما يفقد -تدريجيا- مبررات بقائه من منظور المقاصد، حتى وإن احتفظ بأدوات القوة.

لكن هذه النتيجة النظرية لا تفتح الباب تلقائيا إلى الدعوة للتغيير الجذري أو المواجهة المباشرة، فالمسار المقاصدي، بخلاف القراءات العاطفية أو الثورية المجردة، يضع الواقع في قلب الحكم، ويجعل من "النتائج المتوقعة" معيارا لا يقل أهمية عن "تشخيص الظلم" ذاته. فليس كل ظلمٍ يُزال، لأن بعض محاولات الإزالة قد تفضي إلى ما هو أشد وطأة وأطول أمدا.

الاستبداد مرفوض شرعا، لكنه لا يُقاوَم بأي ثمن، والعدالة مطلوبة، لكنها لا تُطلب بوسائل تؤدي إلى انهيارها الكامل


من هنا تتشكل معادلة دقيقة: الاستبداد مرفوض شرعا، لكنه لا يُقاوَم بأي ثمن، والعدالة مطلوبة، لكنها لا تُطلب بوسائل تؤدي إلى انهيارها الكامل. هذه الجدلية هي التي أنتجت ما يمكن تسميته بـ"سُلَّم التغيير"، حيث تتدرج الوسائل من الإصلاح السلمي، إلى الضغط المجتمعي، وصولا في حالات استثنائية إلى التغيير الجذري، بشروطٍ صارمة تكاد تجعل هذا الخيار الأخير نادر التحقق.

الإصلاح السلمي يظل الخيار الأول، ليس فقط لأنه الأقل كلفة، بل لأنه الأكثر انسجاما مع طبيعة المجتمعات المركبة. فالتغيير الحقيقي لا يحدث فقط بإزاحة سلطة، بل ببناء بديل قادر على إدارة الدولة دون الانزلاق إلى الفوضى. وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى في تجارب التغيير المعاصرة: غياب البديل المؤسسي الواضح، أو ضعف القدرة على ضبط المرحلة الانتقالية.

وحين يفشل الإصلاح، يظهر خيار "المقاومة المدنية" بوصفه مساحة وسطى بين الخضوع الكامل والانفجار الشامل. هذا النمط من الحراك، إن أُحسن تنظيمه، يمكن أن يخلق توازنا تدريجيا، ويفرض كلفة سياسية على الاستبداد دون أن يفتح أبواب العنف. لكنه، بدوره، يحتاج إلى وعيٍ جماعي، وتنظيم، وقدرة على الصبر، وهي شروط لا تتوفر دائما.

أما التغيير الجذري، فهو في هذا المسار ليس حقا مطلقا، بل احتمالٌ مشروط، ولا يُنظر إليه من زاوية "الشرعية الأخلاقية" فقط، بل من زاوية "الإمكان الواقعي". هل توجد قدرة حقيقية على التغيير؟ هل هناك بديل أفضل؟ هل يمكن تجنب الانزلاق إلى صراع دموي؟ هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا، بل هي جوهر الحكم ذاته.

في هذا السياق، تصبح قضايا مثل الاعتقال الواسع، وتقييد الحريات، وغياب العدالة، علاماتٍ على خللٍ عميق في بنية النظام السياسي. فهي لا تمثل فقط انتهاكاتٍ قانونية، بل تمس جوهر المقاصد التي قامت عليها فكرة الحكم في الإسلام: حفظ النفس، وصيانة الكرامة، وتحقيق العدل. غير أن الإقرار بهذا الخلل لا يعني تلقائيا أن كل وسائل مقاومته مشروعة أو حكيمة.

التحدي الحقيقي إذن ليس في توصيف الواقع، بل في اختيار المسار. فالمجتمعات لا تعيش في فراغ، وأي محاولة للتغيير يجب أن تأخذ في الحسبان موازين القوة، وتركيبة الدولة، واحتمالات التدخل الخارجي، وطبيعة النسيج الاجتماعي. التغافل عن هذه المعطيات قد يحوّل النوايا الحسنة إلى كوارث تاريخية.

بين الاستبداد والفوضى، لا يكفي أن نختار الموقف الأخلاقي الصحيح، بل يجب أن نختار الطريق الأقل كلفة للوصول إليه


ما يقدمه المسار المقاصدي، في جوهره، هو دعوة إلى العقلانية الأخلاقية: أن نتمسك بالمبادئ دون أن نفقد البصيرة بالواقع، وأن نرفض الظلم دون أن نقع في فخ التهور، وأن نبحث عن التغيير لا بوصفه لحظة انفجار، بل عملية تراكمية معقدة.

وفي النهاية، لا توجد وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان؛ لكن يمكن القول إن المجتمعات التي تنجح في تقليل كلفة الصراع، وبناء بدائل تدريجية، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، هي الأقرب إلى تحقيق انتقال حقيقي نحو العدالة. أما تلك التي تختزل المسألة في ثنائية إما الخضوع أو الانفجار، فغالبا ما تدفع أثمانا باهظة، دون أن تضمن الوصول إلى ما خرجت من أجله.

بين الاستبداد والفوضى، لا يكفي أن نختار الموقف الأخلاقي الصحيح، بل يجب أن نختار الطريق الأقل كلفة للوصول إليه. وهذا، في جوهره، هو التحدي الأكبر الذي لا يزال مفتوحا أمام العقل السياسي في عالمنا العربي.



لماذا يشتري الوافدون تذاكر باتجاه الحرب؟!

  خواطر صعلوك 

لماذا يشتري الوافدون تذاكر باتجاه الحرب؟! 

محمد ناصر العطوان

 عزيزي القارئ، دعنا نضع نظريات علم الاجتماع السياسي جانباً للحظة، ونراقب شاشات المغادرة والوصول في المطارات؛ ففي أوقات الأزمات، لوحات المطارات أصدق انباء من الكتب ونشرات الأخبار! 

 القاعدة البشرية الغريزية التي يتفق عليها سكان الكوكب منذ العصر الحجري هي عندما تبدأ الحرب، وتدوي صفارات الإنذار، وتتساقط الصواريخ من السماء... اهرب بحياتك! فرأس المال جبان، والبشر بطبيعتهم أجبن عندما يتعلق الأمر بشظايا لا تفرق بين مواطن ومقيم. 

 لكن الحرب الأخيرة، وما رافقها من عدوان إيراني آثم بمسيراته وصواريخه التي حاولت اختراق سماء دول مجلس التعاون الخليجي، كشفت لنا عن «مفارقة سيكولوجية» وظاهرة عبثية تضرب كل نظريات النزوح واللجوء في مقتل.  

في الوقت الذي كانت فيه سماء الخليج تشتعل بالاعتراضات الصاروخية، والمطارات تحت مرمى الاستهداف، حدث ما لا يصدقه عقل... الوافدون عادوا أدراجهم إلى دول الخليج! 

 نعم يا سادة، حزموا حقائبهم في بلدانهم الآمنة، وركبوا الطائرات المتجهة نحو «عين العاصفة». 

 لكي نفهم حجم هذه «المعجزة النفسية»، دعنا نوجه الكاميرا قليلاً إلى الضفة الأخرى... إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي. 

 هناك، مع انطلاق أول صاروخ «بدائي» الصنع، ومع أول رنة لصفارة الإنذار، نرى مشهداً هوليوودياً للهروب العظيم. مطار «بن غوريون» يغص بالمستوطنين، وأصحاب الجنسيات المزدوجة، وأن الوافدين الأجانب، يتدافعون بالمناكب لحجز أي مقعد على أي طائرة متجهة إلى «أي داهية» خارج الخريطة! 

 المشروع هناك مبني على «وهم الأمان المطلق»، ومجتمعهم مصاب بـ «متلازمة الحقيبة الجاهزة»... بمجرد أن يُخدش هذا الوهم، يتبخر الانتماء المزعوم، ويلجأ الجميع فوراً إلى خطة الطوارئ (Plan B) وجواز السفر الأجنبي. 

 هم يهربون من دولتهم المزعومة في أوقات مجرد «التصعيد»، فما بالك بالحرب الشاملة؟ 

نعود الآن إلى مفارقة الخليج. لماذا عاد الوافدون الهنود، والمصريون، والفلبينيون، والأوروبيون إلى الرياض والكويت وأبوظبي والدوحة وغيرها، والمشهد ينذر بالخطر؟ 

هنا يقفز المحلل «السطحي» ليقول لك: «يا أخي واضحة... عادوا من أجل لقمة العيش وأكل العيش مر!». 

 وهذا –مع احترامي– تحليل ساذج لا يمت للمنطق بصلة. فلا يوجد إنسان عاقل، مهما بلغ فقره، يضع روحه ورواتب أبنائه على كف عفريت، أو يشتري تذكرة طيران ليقف تحت وابل من الصواريخ البالستية، لو كان لديه أدنى شك بأن سماء هذه الدول ستسقط على رأسه، أو أن هذه الدول ستنهار. 

 السر يا عزيزي ليس في «الراتب»، السر في «اليقين». 

 هؤلاء الوافدون، الذين عاشوا بيننا، خبروا تركيبة هذه الدول من الداخل. لقد عادوا لأنهم يمتلكون «ثقة عمياء» بأن دول مجلس التعاون الخليجي ستنتصر حتماً. 

لقد رأوا بأم أعينهم كيف أن هذه الدول لا تدير الأمن بالخطابات الحماسية، بل بمنظومات دفاعية جبارة، وبنية تحتية سيادية تجعل من الصواريخ المعتدية مجرد «ألعاب نارية» تتناثر في الفضاء قبل أن تلامس الأرض. لقد عادوا لأنهم يثقون في «مؤسسة الدولة الخليجية». 

في عز الأزمة، السوبرماركت لم يفرغ من الخبز، والكهرباء لم ترمش، والإنترنت لم ينقطع، والشرطة في الشوارع تنظم السير وكأننا في يوم عطلة ربيعية. الوافد في الخليج تشرّب حالة «الهدوء الإستراتيجي» التي تمارسها القيادات، وأدرك أن هذه الدول ليست مشاريع «ورقية» قابلة للطي وقت الحروب، بل هي قلاع محصنة قادرة على حماية كل من يستظل بظلها. 

 إنّ هذه الظاهرة يجب أن تُسجل كشهادة نجاح تاريخية لدول مجلس التعاون. 

لقد تحولت «القوة الناعمة» والموثوقية الاقتصادية لهذه الدول إلى قوة نفسية صلبة في عقول الملايين... 

في الوقت الذي تفر فيه شعوب ودول من أوطانها في وقت السلم هرباً من الفساد والفقر، يعود الملايين إلى الخليج في وقت الحرب... لا بحثاً عن الموت، بل إيماناً لا يتزعزع بصناع الحياة، ويقيناً بأن سفينة الخليج لا تغرق. 

 وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... 

وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الاثنين، 13 أبريل 2026

فلسطين بين الحصرية السياسية وارتباك البوصلة الإسلامية! إضاءات سياسية في القضية الفلسطينية

فلسطين بين الحصرية السياسية وارتباك البوصلة الإسلامية!
إضاءات سياسية في القضية الفلسطينية
  مضر أبو الهيجاء

لم أزل، ومنذ عقدين ونيف، ناقدًا وناصحًا لإخواني في فلسطين، من الذين خرجوا عن الصراط المستقيم في علاقتهم وحلفهم الفولاذي الآثم مع المشروع الإيراني الذي يقوده الملالي أتباع دين ولاية الفقيه.

وفي ظل التعنت الحمساوي وإصرار القيادة النافذة على هذا الحلف مع العدو الإيراني، والذي دفع قيادتها الثالثة والأخيرة سابقا للعودة إلى نظام بشار الأسد — المجرم والطائفي — كاستحقاق لهذا الحلف الآثم، فقد دعوت منذ سنوات إلى سحب التمثيل الإسلامي من حركة حماس في القضية الفلسطينية، حفاظًا على الدين والسوية. 

فإذا لم نكن قادرين على حماية فلسطين، فلا يجوز أن نكون سببًا في إتلاف وعي الأمة ودينها وسوية خياراتها.

وحتى لا أظلم أحدًا، طالبت باعتبار حركة حماس المجاهدة حركة وطنية فلسطينية، كحركة فتح، ولكن بخلفية إسلامية، كما أن الجبهة الشعبية تقاتل لتحرير فلسطين بخلفية يسارية ماركسية. 

وقد قدم عموم الشعب الفلسطيني التضحيات العظيمة منذ حلول الاستعمار البريطاني لفلسطين، وقبل ولادة حركة حماس بأكثر من نصف قرن. بل كان من أهم مؤسسي الجهاد ضد الإنجليز، وفي مواجهة استجلاب اليهود الصهاينة، الشيخ الجليل عز الدين القسام، الذي قدم إلى فلسطين من مدينة جبلة على الساحل السوري.

وقد طالبت -ولا أزال- بإنهاء الاحتكار الحمساوي للمسار الإسلامي الفلسطيني، وإنهاء الحصرية الفلسطينية في إدارة القضية الفلسطينية سياسيًا، الأمر الذي يوجب حضور الدور العربي والإسلامي، رسميًا وشعبيًا وحركيًا. 

وفي ذلك حماية لفلسطين والأقصى، ورعاية لأوضاع شعبها القابض على الجمر، لا سيما وهو رأس الحربة في مواجهة الصهاينة عن الأمة، وهو من يحافظ على جذوة الجهاد قائمة في مواجهة المحتل الإسرائيلي وفق المستطاع شرعًا وواقعًا.

والآن، وقد انتقلت المسألة الإيرانية من مشروع ملتبس يخدع المسلمين من مدخل حب آل البيت والانحياز لفلسطين، إلى مشروع إقليمي يحاول أن يقدّم نفسه بوصفه -المخادع- كممثل لشعوب العالم المستضعفة والساعية للعدالة والحرية، ورأس حربة في مواجهة الرأسمالية والإمبريالية — وذلك نتيجة التصادم بين إيران وأمريكا وإسرائيل — فقد اكتسبت إيران وملاليها مؤخرا مدخلًا جديدًا يزيد المشهد تعقيدًا، ويضاعف من اضطراب الوعي العام وخداع الشعوب.

وفي ظل تعنت قيادة حماس الرسمية إزاء الموقف من المشروع الإيراني، فإنني أعلنها بوضوح وأقول:

لا تأخذوا دينكم في السياسة عن قيادة حماس الأخيرة والحالية، فقد فقدت الهدى والبصر والبصيرة. 

وبدل أن تكون القضية الفلسطينية رافدًا يحقق وحدة الأمة ويصوب مسارها، باتت الخيارات الفلسطينية -برعاية حمساوية- سببًا مباشرًا في شرخ الأمة وإتلاف وعيها، وذلك انطلاقًا من ضيق أفق سياسي وأنانية لم تعرفها فلسطين، الأرض المباركة، عبر تاريخها منذ فتحها عمر بن الخطاب.

وقد كنت أطالب سابقًا بإنقاذ قيادة حماس واحتضانها، لئلا تذهب بعيدًا في غيّها، واليوم أطالب علماء الأمة وحركاتها الإسلامية المنتمية بإنقاذ فلسطين من خيارات حركتي حماس وفتح السياسية، فقد باتت فلسطين يتيمة بلا أب، بعدما استُشهد الوعي وغاب العقل الذي كان حاضرًا فيها.

مضر أبو الهيجاء فلسطين/جنين 11/4/2026

التوحيد بين الشكل والمقصد

 التوحيد بين الشكل والمقصد

د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي


قال سيد قطب رحمه الله: لن أعتذر عن العمل مع الله.

كلام قوي، ولكنه بسيط، ومع ذلك فلا يمكن أن يقول ذلك في زمن المحنة إلا الكبار، ويوما ما قال: ان الإصبع التي تشهد أن لا إله إلا الله خمس مرات في اليوم أبت أن تكتب حرفا واحدا للطاغية، هكذا ارتفع الرجل في أزمنة الحضيض، وعاش في القمة مع فكره، ولم يتنازل عن القمة بحال من الأحوال، بل ظل فيها حتى الرمق الأخير، وجاء إليه مرة شيخ معمّم أراد أن يذكره نطق الشهادة قبل إعدامه، فابتسم، ثم قال: أنت ترتزق بلا إله إلا الله، ونحن نموت لأجلها، ما أطول المسافة بين الرجلين، فهذا يدّعى، وذاك يعيش لأجل الحقيقة، ويموت لأجلها، ومع ذلك فالناس يتيهون بينهما، والسبب أن الطريق طويل، وأنه ليس مفروشا بالزهور والورود، فهو مفروش بالدموع والتضحيات.

ان سيد قطب قد يخطئ، لأنه بشر، ولكن الجميع متفقون على أن الرجل لم يكن كاذبا في دعواه، ولم يكن لاعبا بالمبادئ، ولم يكن يعرف بالتلون الفكري والمذهبي، بل كان جادا لا يعرف الهزل، ورافضاً للذل والجري وراء السراب، فعاش كريما، ومات عزيزا، بينما الناس اليوم يتحدثون عن الدعوة بلغة باردة، وكلام مرسل، ولا يفكرون ماذا تعنى كلمة (التوحيد)، فهي لا تعنى سوى الرفض لكل الآلهة المزيفة، والمعبودات الأرضية، والاستسلام لله الواحد القهار، فهذا هو لبّ التوحيد، وبهذا يصبح قضية القضايا، وجوهر الجواهر، فليس كلمة تقال بلا حساب، أو ترفع كشعار في السوق الفكري، بل هي عقيدة تعاش، وإيمان في القلب، وذكر في اللسان، وترجمة عملية في السلوك، فالتوحيد ثورة في العقل، ورحمة في القلب، ونور في الحياة، فهو رفض وقبول، وليس رفضا لأجل الرفض، وليس كذلك قبولا لأجل القبول، بل هو رفض يحمل دليلا وحجة، وقبولا مع الدليل والحجة، ولهذا، يصبح التوحيد قضية لا تنتهى، وفكر لا يبلى، وروح تسرى في الحياة لا تتوقف، وحجة دامغة عند لسان الدعاة الصادقين.

إن الإنسان بلا عقيدة جثة هامدة، فهو مع العقيدة يكون ذا وزن كبير، ومن هنا، رفع كل الأنبياء شعار التوحيد، وجعلوا مركز دعوتهم (فاتقوا الله وأطيعون)، فدعوة الأنبياء لم تكن فارغة من الفكرة المركزية، ففكرتهم المركزية تكمن في التوحيد، وفي قضية (لا إله إلا الله)، وقد بيّن سيد قطب رحمه الله أن (لا إله إلا الله) منهج حياة، وليس فقط كلمة تقال في اللسان، فهي مشروع كامل للتغيير، ومدرسة عظيمة لصناعة التاريخ، ومن هنا، كان التغيير عند الأنبياء صعبا، وعند غيرهم سهلا، والسبب هو أن الناس يبدأون التغيير من السطح، بينما منهج النبوة يبدأ التغيير من العمق، والعمق يحتاج إلى شيء واحد، وهو التوحيد الحقيقي، فالتوحيد الحقيقي يكمن في إخلاص العمل لله، وفي عدم الإشراك بغيره، وأن لا يمنح واحدا من المخلوق ما هو خالص لله، فالله هو المعبود، وهو المشرع، وهو المقصود في الطاعات، وحينها فقط يمكن أن يصبح التوحيد مشروعا لبناء الإنسان، وصناعة التاريخ، وانهاء الأرباب المزيفة من التاريخ، وإعادة البشرية إلى فطرتها الأولى، ومحاربة الفساد بكل أنواعه، وهذا ما صنعته التجربة النبوية من لدن نوح حتى محمد عليهم الصلاة والسلام.

لن يكون الداعية عظيما ما لم يكن سليم العقيدة، وصحيح العبادة، ومتين الخلق، ومثقف الفكر، وقوي البدن، ونافعا لغيره، وقادرا على الكسب، ومنظما لشؤونه، وحريصا على وقته، ومجاهدا لنفسه، وبهذا يمكن له أن يتميز عن غيره، فالداعية الصادق ليس من يعيش كما يعيش الناس، ولكنه هو الذي يعيش مع الناس، ولكنه ليس كالناس، فهو يهتم بذاته كثيرا، كما يهتم بقضايا أمته، ويعيش لفكره، ويشعر بخطورة الواقع، ويعمل مع غيره في تغيير هذا الواقع بقدر المستطاع، فيبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبدأ من التوحيد بشموله، وليس بأجزائه المفصلة، فهو لا يقدم للناس عقيدة باردة، وكأنها فلسفة عقلية فقط، بل يقدم للناس عقيدة التوحيد كمنهج خلاص للبشر مثلما فعل نبي الله يوسف عليه السلام حين دعا إلى التوحيد الشامل (إن الحكم إلا لله، أمر أن لا تعبدوا إلا إياه) فهذا كلام قوي وواضح، فالحكم لا يكون إلا لله، والعبادة لا تكون إلا لله، فهذه هي معادلة التوحيد، وهذا هو الدين القيم (ذلك الدين القيم)، ولكن هناك من يجادل، ويناقش، ويراجع، ولكن الله قال (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فالدين القيم هو التوحيد الشامل، وليس من التوحيد محاربة شرك القبور فقط، وقبول شرك القصور، وليس من التوحيد محاربة شرك القصور، وقبول شرك السوق (تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم) فهذا الزمن هو زمن عبودية السوق، فالشرك الظاهر ليس في المعابد فقط، بل هو منتشر في الأسواق العالمية والمحلية حيث يصبح الدولار إلها من دون الله، فيجب أن نتعلم فقه العقيدة والتوحيد بشمولية، ونعمل للدين بفهم أعمق، ونحاول أن نصحح الواقع بفهم وعلم وحكمة.

نعتبر التوحيد قضية القضايا، ونعتبر الشرك الفساد الأخطر في حياة الناس، ولكن المشكلة ما التوحيد الذى ندعو الناس إليه؟ وما الشرك الذي نحذر منه؟ فالتوحيد ليس كلمات تحفظ، بل هو قضية تعيش في الوجدان، ويعمل لها الإنسان ما دام في الدنيا (قل إني وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)،

فالتوحيد بهذا المنظور القرآني قضية للحياة، وليس فلسفة تدرس فقط في المساجد والجامعات ثم تحفظ، وتبقى في الرؤوس دون أن تتنزل في الحياة، فهذا ليس من التاريخ، ولا من الواقع، ولا تصنع مستقبلا، ومن هنا، يجب على الدعاة أن يعودوا إلى رشدهم من جديد، فالإسلام واحد، والفهم للإسلام قد يتنوع، وقد يتشكل، ولكن الذى لا يتنوع هو التوحيد، ومن هنا، كانت التجارب عند الأنبياء مختلفة، فالنبي هود عليه السلام عالج مسألة الاستكبار الحضاري، كما عالج لوط عليه السلام مسألة الهبوط الأخلاقي، بينما عالج شعيب عليه السلام مسألة الظلم الاقتصادي في حين عالج موسى عليه السلام قضية التأله السياسي، ولكن كل ذلك يكون في إطار التوحيد الشامل (يا قوم اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره).

في هذا الزمن، وفي هذه اللحظات التي بدأت بعض التجارب تعلن إفلاسها تبيّن لي بعد تأمل عميق لواقع الدعاة بأن منهج سيد قطب رحمه الله وشقيقه محمد قطب رحمه الله أقرب إلى الصواب في الكليات، وليس في الحزئيات، وما ورد في كتاب (واقعنا المعاصر) لمحمد قطب بحاجة إلى الدراسة من جديد، كما أن ما كتبه الشيخ العلامة الندوي رحمه الله (التفسير السياسي للإسلام) بحاجة أيضا إلى الدراسة، ولكن بسياقها، وبعقل نقدي، فالتيه الذي نعيشه يجعلنا نسأل، أين نحن اليوم؟ وما الذي فعل الدعاة؟ وأين نجحوا؟ ولماذا نجحوا؟ وأين أخفقوا؟ ولماذا أخفقوا؟

إن السقوط لا يعنى النهاية، وإن النجاح المادي لا يعنى الفوز، فالسقوط مرحلة، وليس نهاية، والفشل تجربة، وليس خسارة، والدعوة ليست قضية فردية، بل هي قضية أمة، ومسألة حضارة، وبناء تاريخ، فهي ليست مسألة دروشة، وخلافات عقيمة مع أفكار عفا عليها الزمن، فالدعوة حركة نحو عمق الإنسان، وأخرى نحو عقل الإنسان، وثالثة نحو حياة الإنسان، فالدعوة حركة إصلاحية، وتغييرية، (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب).


حان وقت حلف المتوسط.. إسبانيا تقترب منا أكثر

 حان وقت حلف المتوسط.. إسبانيا تقترب منا أكثر

كاتب وصحفي تركي.

من أجل إيجاد حل لوقف الأزمة التي تعصف بالمنطقة، بادر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بالاتصال بالرئيس التركي أردوغان، وناقشا ما يجب فعله.

شرح أردوغان لسانشيز تفاصيل لقاءاته مع عشرات القادة، ومخاوفه بشأن المنطقة، والخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها. وعلى الرغم من أنهما لا يتحدثان اللغة نفسها، فإنهما كانا يتشاركان الفكرة والمخاوف والرؤية ذاتها.

وفي التوقيت نفسه، كانت هناك مئات التحركات الدبلوماسية تجري بين عشرات الدول، من باكستان إلى قطر، ومن إنجلترا إلى المملكة العربية السعودية.

وعندما علمتُ بتفاصيل حركة لقاءات رئيس الجمهورية التركي، ووزير الخارجية، ورئيس جهاز الاستخبارات، أدركتُ أن هذا أكبر نشاط دبلوماسي شهدته السنوات الأخيرة.

وحين أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن جهودهم الكبيرة من أجل وقف إطلاق النار، تبين أنه كان أيضا على تواصل مع عشرات الدول.

وبينما كان هناك توجه للاتفاق على وقف إطلاق النار في نهاية المطاف، شنت إسرائيل أكبر هجوم لها في السنوات الأخيرة، مما تسبب في مقتل 254 شخصا وإصابة الآلاف في لبنان.

لقد كانت هذه الهجمات في الواقع بمثابة قنبلة ألقيت على مشروع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار.

ما أريد الوصول إليه هو: أن الجهود الدبلوماسية قيمة للغاية، لكنها لم تعد كافية لوقف العدوان الإسرائيلي. لذا، أصبح من الضروري الانتقال إلى خطوة أبعد.

يجب إضافة إسبانيا إلى هيكل التحالف الرباعي

إن مساعي الدول الأربع لتأسيس تحالف، وهو الأمر المطروح على الأجندة منذ فترة وتمت مناقشته في اجتماعين ملموسين، قد تلعب دورا حيويا تحديدا في هذه الأيام؛ فتركيا، والسعودية، وباكستان، ومصر تتحدث فيما بينها حول هذا الموضوع وتحرز تقدما.

وأرى أنه من الممكن المضي قدما عبر تغيير هيكلية هذا التحالف قليلا؛ حيث إن إسرائيل التي تحاول خنق هذا التحالف بمفاهيم مثل "الهلال السني" أو "ناتو إسلامي" لم تجد ضالتها بعد، لكنها لا تزال تحاول.
من الممكن توسيع هذا الهيكل وجعله أكثر سياسية ودبلوماسية من خلال ضم إسبانيا إليه، والنقطة المشتركة هنا هي "حضارة البحر المتوسط".

إن متابعي هذه الزاوية يعلمون أنني أدافع منذ فترة طويلة عن هذه الفكرة التي أطلقتُ عليها اسم "تحالف المتوسط"؛ فبينما يتفكك النظام العالمي، ويضعف الاتحاد الأوروبي، وتبرز الحاجة إلى أنظمة وتحالفات جديدة، يمكن لـ"تحالف المتوسط" أن يقدم مساهمة كبيرة في حل المشكلات.

تحالف المتوسط السياسي
يتحدث المؤرخ والمفكر الفرنسي الشهير فرناند بروديل في كتابه الفريد "البحر المتوسط والعالم المتوسطي"، عن كيف أن دول الشرق والغرب هي في الواقع أجزاء من حضارة مشتركة. ولهذه الحضارة ثقافة ومشاعر وتاريخ وتقاليد ووجهات نظر سياسية مشتركة.

وإن عشرات الدول وعشرات الشعوب، من إسبانيا إلى لبنان، ومن تركيا إلى فرنسا، هي أجزاء مشتركة في هذه الثقافة.

والآن، برزت أمامنا فرصة لتحريك هذه الحضارة المشتركة ضد الأزمة التي تشهدها المنطقة؛ إذ بدأت المواقف السياسية ووجهات النظر وسبل الحل للعديد من الدول تتماثل تجاه هذه الأزمة.

في الوقت الحالي؛ تهيأت الأرضية والظروف لتأسيس "تحالف المتوسط السياسي". وليس بالضرورة أن يكون هذا التحالف في المجالين العسكري والدفاعي، فلقد ظهرت القيمة الكبيرة للحوار والوحدة السياسية التي بدأتها الدول الإسلامية الأربع خلال عملية وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

ففي مقابل تهديد ترمب بـ"تدمير الحضارة"، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بفضل الجهود الرائعة لباكستان ودعم الدول الأخرى. أما إسرائيل فقد خربت هذه العملية بقصف وقف إطلاق النار هذا.

وقد أعرب الرئيس أردوغان عن رد فعله تجاه إسرائيل في محادثته مع سانشيز قائلا: 

"يجب ألا نسمح لأي أحد بإحراق جهود وقف إطلاق النار".

الآن، يجب دعوة إسبانيا للانضمام إلى الرباعي: تركيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وباكستان؛ فإسبانيا، التي تمثل صوت الضمير في أوروبا، سيكون لديها الكثير لتقدمه للجهود المبذولة من أجل إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.

وأنا واثق تماما من أن فرنسا وإيطاليا، اللتين تشكلان جزءا من المتوسط وتهتمان بالمنطقة، ستنضمان إلى هذا التحالف السياسي في وقت قصير.

وبشكل طبيعي، ستنضم أيضا الدول المطلة على المتوسط مثل لبنان، وسوريا، وليبيا، وتونس، والمغرب، ومالطا، وغيرها من دول المنطقة التي تؤمن بهذه الفكرة السياسية.

يجب أن يكون البحر المتوسط مركز الجذب الجديد

حوض البحر المتوسط هو المكان الذي تأسست فيه أكثر حضارات العالم خصوبة وثراء. ولا تزال هذه المنطقة هي المجال الأكثر إستراتيجية لموارد الطاقة والثروات الباطنية، وللمواصلات البحرية والبرية، وللموقع الجيوسياسي.

وبعد الأزمة التي دخل فيها الشرق الأوسط، لن تعود المنطقة أبدا كما كانت في السابق؛ فقد بدأت بالفعل مساعٍ وتطلعات جديدة في كل المجالات.

لقد أدركت الدول التي تشكل جزءا من هذه الجغرافيا الآن أنه يتعين عليها تقرير مصيرها بنفسها. وإذا وحدت دول المنطقة قواها، بدءا من الصناعات الدفاعية وصولا إلى الاقتصاد، ومن التكنولوجيا إلى التمويل، فستنبثق عن ذلك قوة هائلة.

لنتألم للدمار الذي تخلفه الأزمات، ولكن دعونا نفكر أيضا في بناء عالم تعيش فيه الأجيال القادمة بسلام، وذلك من خلال التركيز على الفرص التي تبرز في الوقت ذاته.


الأحد، 12 أبريل 2026

هل ينقذ خالدِ مشعلٍ المسار الإسلامي في فلسطين؟

 هل ينقذ خالدِ مشعلٍ المسار الإسلامي في فلسطين؟

نداءٌ مفتوحٌ لأبي الوليدِ المنتمي والأصيل
 مضر أبو الهيجاء

لا شكَّ بأنَّ حركةَ حماس في طريقها إلى الاندثار كما اندثرت حركةُ فتح، وخرجت من دائرة الفعل والتأثير. وهكذا هي حركةُ حماس، حيث خضعت –ولا تزال– لسننِ الله في الاستبدال، وسيأتي خيرٌ منها، ممَّن لا يكون مثلَها في جوانب الزيغ السياسي، والإصرار على الأخطاء، والاستكبار على نصح العلماء والدعاة الغيورين والمجاهدين المشفقين.

من الواضح أنَّ سننَ الله قضت أن تكون إيرانُ الضالّةُ الباغيةُ المجرمةُ أحدَ منعرجاتِ الفرز، حيث سقطت حركةُ حماس وقيادتُها الثالثةُ والأخيرةُ في الاختبار، وهي اليوم ماضيةٌ نحو حتفها من خلال تصادمٍ مع جبهةٍ عريضةٍ من المسلمين وثقافتهم الإسلامية المرتبطة بالوحي والأحكام الشرعية.

خالدُ مشعلٍ تلميذُ الشيخِ عمرَ الأشقرِ.

لكنَّ خالدَ مشعلٍ مختلفٌ عن الرائجين؛ فهو تلميذُ الشيخ السلفي عمر الأشقر، وهو سليلُ مدرسةِ الشيخ عبد الله عزام، وهو متصلٌ بعلماء المسلمين باستمرار، الأمرُ الذي ظهر تميّزُه في تصريحه المعلن حول إيران، حيث صدقَ الأمةَ وتحدّث بشجاعةٍ كبيرة، مبيِّنًا خلفيةَ الدعم الإيراني وأهدافَه دون مواربة، وهي:

1/ تجميلُ صورةِ نظامِ ملالي إيران لدى الشعوب العربية والإسلامية، مما يصنع أرضيةً تسمح بتوسّع مشروع التشيّع.

2/ المتاجرةُ بورقة فلسطين والمقاومة لدى الغرب، وذلك بهدف تحصيل نفوذٍ أكبر، وحماية مصالحَ إيرانيةٍ أعلى.

نِداءُ الاستغاثةِ.

أوجّه نداءَ الاستغاثة للأخ خالد مشعل، لإنقاذ الفكرة الإسلامية والمسار الإسلامي في فلسطين، وذلك باعتباره من تلامذة الشيخ الكبير عمر الأشقر، وباعتباره سليلَ مدرسةِ العلماء وروّادِ حفظ القرآن الكريم، وباعتباره من مؤسسي العمل الجهادي المعاصر في فلسطين، وباعتباره ابنًا بارًّا للمسار الإسلامي الذي ينشد بناء دولة الإسلام والمسلمين.

ولأخي أبي الوليد أقول:

يا خالدُ مشعل، بالأمس حملتَ على كتفك شيخَك وأستاذَك عمر الأشقر، وغدًا –وليس ببعيد– سنحملك على الأكتاف ونُدفنك، وترحلُ عنّا، لتقفَ أمام الله الواحد الجبّار، فيحاسبك عن دينه وشريعته قبل أن يحاسبك عن غزة والضفة وفلسطين.. فماذا ستقول لله الواحد الذي بعث الرسل والأنبياء بدعوةٍ واحدة: «يا قومِ اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيرُه»، وها أنت اليوم ترى بأمّ عينك كم انصرف بعض الناس، وفُتن كثير من الخلق، وباتوا يعبدون ملالي إيران ومن يكفرون بالله، وذلك بعد أن مجَّدت قيادةُ حماس الثالثةُ والأخيرةُ النظامَ الإيراني، وجعلته أزكى المشاريع وأرقى القيادات وأحسن الشهداء!

فهل تظنُّ أن تلك الفتنة التي يعيشها المسلمون ليست بسبب حركةٍ كنتَ ترأسها ولا تزال؟

آنَ الأوانُ لتصحيحِ المسارِ والعودةِ إلى الصراطِ المستقيمِ..

يا خالد، انجُ بنفسك قبل الرحيل، وإذا احترقت الورقتان فلا يزال بين يديك ورقة ثالثة ناجعة وآخر العلاج الكي، وما بقي لديك من نفوذ وهمة وجهد وطاقة، فصوّبه باتجاه ما يُرضي الله ويُبيّن الحق لعباده المؤمنين. فأنت ونحن لن نُنقذ الآن فلسطين، فهناك جيلٌ عظيمٌ يتهيأ للنصر في مصر واليمن والعراق والشام وكردستان وتركيا وكل بلاد المسلمين. وقيمتك الحقيقية اليوم هي في تنقية الفكرة وبيان الحق والحقيقة، والعودة بالمسار الإسلامي في فلسطين ليسير على الصراط المستقيم. وكن واثقًا أن النصر من عند الله، وهو مرتبطٌ بسننٍ وقوانين، وأن الله أقام عليكم الحجة منذ أن رأيتم وسمعتم وشاهدتم وعاينتم كفر النظام الإيراني وبطشه وإجرامه بالموحدين واحتلاله لبلاد العرب والمسلمين.

النُّزولُ الكريمُ إلى أرضِ الشَّامِ المباركةِ والمحرَّرةِ.

يا خالد مشعل، انزل إلى الشام الكريم، فأهلها يحبّونك، وعلماؤها يعرفونك وينصرونك، وهم عونٌ لك على الاستقامة وتصحيح المسار، والعودة بالمسار الفلسطيني إلى الصراط المستقيم، وقد من الله على المسلمين بتحرير الشام من الطائفيين والمحتلين والحكام الطواغيت، وأرض فلسطين لم تكن يوما دولة بل هي أرض مباركة وجزء من الشام المبارك والكبير.

التوبةُ السياسيّةُ القويمةُ تَجُبُّ ما قبلَها.

يا أبا الوليد… أمامك فرصةٌ أخيرةٌ وحقيقية لتُعلن عن توبةٍ سياسية، وتُصحّح المسار الأعوج في فلسطين، وذلك بإعلان الطلاق البائن بينونة كبرى بين القضية الفلسطينية ونظام الملالي ومشروع ولي الفقيه الإيراني، قبل أن ترحل كمن سبقوك –رحمهم الله أجمعين– دون أن تستغل حياتك قبل موتك فيما سيسألك الله عنه.

يا خالد عبد الرحيم.. اللهُ رحمنٌ رحيم، وسعت رحمته كلَّ شيء، فلا تُضيّع أسبابها. وموقفك ومواجهتك اليوم أمام الأنظمة والناس أهونُ من وقفتك أمام الله في عتمة قبرٍ سيتركك الجميع فيه ويرحلون عنك.

أخيرا أجدد ندائي القديم والمتكرر للعلماء للقيام بواجبهم بدعم وإسناد خالد مشعل ليتجاوز النهر وينجح.

اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.
مضر أبو الهيجاء فلسطين/جنين 7/4/2026