الجمعة، 13 فبراير 2026

أئمة يدعـون إلى النار

              أئمة يدعـون إلى النار

د. عبدالله العمادي

حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى، وما آتاهما الله من الآيات والدلائل على صدق دعوتهما، لم يتركوا الناس على حالهم وما يعتقدون، بل كانوا إلى ترهيب كل أحد يستمع وينصت إلى موسى وأخيه أقرب.


 تعمقوا أكثر من ذلك، فأخذوا يناصرون الضلال أينما ظهر، ويبثونه بين الناس وتزيينه لهم، وكانوا قولاً وفعلاً قادة وزعماء وأئمة، يدعون إلى النار كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ). 

أي جعلنا فرعون وجنوده أئمة للضلالة المفضية إلى النار، كما جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، فكأنهم بأعمالهم تلك يدعون إلى النار.. فكلٌ يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له.

 إذن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده، أئمة وقادة في الضلالة، يدعون الناس إليها رغبة ورهبة. ومعلوم بالضرورة أنّ الدعوة إلى أي نوع من الضلالة والشرك بالله، أو تزيين الفسوق والعصيان، هي أعمال تفضي بأصحابها إلى النار لا محالة، وبصريح القرآن. 

فرعون ومن معه قاموا على هذا الأمر بشكل واضح صريح، بل ومتعمّد، استكباراً في الأرض. كانت العاقبة أنهم استحقوا الوصف القرآني الدقيق لهم بأنهم أئمة يدعون إلى النار، فيحملون تبعاً لذلك أوزارهم وأوزار من استمع لهم واتبعهم، حتى إذا جاءوا جميعاً يوم القيامة، لا تجد أحدهم يناصر الآخر، أو أحداً غيرهم يناصرهم وينقذهم مما هم فيه يومئذ. 

 لقد خذلهم الله في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم، فكانوا جديرين بالخذلان أيضاً يوم القيامة. 

إنها إذن هزيمة في الدنيا، وهي تارة أخرى هزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة، كما جاء في ظلال القرآن. 

إنهم يوم القيامة أضعف من أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يدفعوا عن غيرهم، فليس لهم من دون اللّه يومئذ، من ولي ولا نصير.

دعاة على أبواب جهنم

 حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، كاتم أسرار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يحتاج منا كثير تأمل وتدبر هذه الأيام، فقد جاء عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. 

قلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ 

قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ 

قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر.

قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟

قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: 

هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. 

قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ 

قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. 

قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ 

قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.


 هل الاعتزال هو الحل؟  

 إن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده أئمة يدعون إلى النار، وهم على الكفر الصريح يومئذ، فماذا نقول اليوم عن مسلمين موحدين من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كما جاء في الحديث، صاروا لا يختلفون عن فرعون ومن كان معه في الفعل، وإن اختلفوا في المظهر والمسمى؟! 

 أولئك المجرمون كانوا يدعون إلى الضلال وهم معروفون للناس يومئذ، لكن الأمر تغير اليوم، ولم يعد كالسابق واضحاً، كفر وإيمان. 

أما اليوم، فيأتي أناس على شكل علماء ومصلحين ودعاة، أو ما يسمون أنفسهم بمفكرين ومثرثرين تحت مسمى مؤثرين، يشوشون على الناس دينهم. يدعون إلى بدع من القول والفعل ما أنزل الله بها من سلطان، بعد أن يتم تزيين وتدليس أقوالهم بآيات وأحاديث، تُفسد على الناس مفاهيمهم عن الدين والدنيا كذلك ! 

 هؤلاء الدعاة الواقفون على أبواب جهنم، لا شك أنهم المقصودون في حديث حذيفة. 

خطرهم أكبر من خطر فرعون وجنوده وما كانوا يفعلون. إنهم اليوم في كل مكان، تناديهم مؤسسات الإعلام المختلفة، ومعها منصات التواصل المتنوعة، فيدخلون عالم ما يسمون بالمشاهير، حيث الأضواء والشهرة والأموال، تدفعهم وتحميهم أياد خفية، وما هي عن عالم الجاسوسية والسياسة ببعيد !

 لقد التبس على الناس دينهم بفعل هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، والشبهات زادت وكثرت، فيما دعاة الحق تزدحم بهم السجون والمعتقلات، أو يتم حجبهم عن العامة بكل الوسائل والطرق، حتى صار الوضع على ما نحن عليه اليوم، من قلق وتوتر وفوضى فكرية ومفاهيمية، حتى يكاد يقول المرء: نفسي نفسي، ما يشير إلى أننا ربما وصلنا إلى الزمن الذي تحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن دعاة على أبواب جهنم، ما يستدعي بالتالي من كل أحد غيور على دينه ودين أهله ومحبيه، أن يلتزم جماعة المسلمين وإمامهم كما نصحنا بذلك الرسول الكريم..

 لكن الإشكالية كما قال حذيفة: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ وهذا هو الأقرب للواقع اليوم. 

إذ لا تجد جماعة مؤمنة تدعو إلى الله إلا وهي مضطهدة مُطاردة، ولا في الوقت نفسه تجد إماماً راشداً مؤمناً يهتدي الناس به ويحتمون بظله بعد الله.. 

فهل الحل هو الاعتزال؟  

سؤال يحتاج إلى شيء من البحث والنقاش في كل بيت ومسجد ومصلى، بل في كل ناد وتجمّع ومنتدى، لأنّ الحق أحق أن يُتّبع.. 

وخير ما نختم به هذا الحديث، أن نسأل الله لنا ولكم أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه.

 إنّه سميع عليم مجيب الدعوات.

فوق السلطة 480 | المحور السني؟

 فوق السلطة  480 | المحور السني؟

فوق السلطة: إسرائيل تتهم مصر وتركيا بالسعي لتعزيز أمنهما

تناولت حلقة 2026/2/13 من برنامج “فوق السلطة”، أبرز المواضيع التي شغلت الإعلام خلال الأسبوع الفائت، وفي مقدمتها ردة فعل إسرائيل على التعاون العسكري بين مصر وتركيا، والمفاوضات الأمريكية الإيرانية.

واستعرضت الحلقة الانزعاج الذي أبدته إسرائيل من التقارب العسكري بين القاهرة وأنقرة، وحديث بنيامين نتنياهو عن ضرورة مراقبة نمو القوة العسكرية لمصر ومنعها من تحقيق تطور نوعي.

فقد نقلت "يسرائيل هيوم"، أن نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– طلب مراقبة نمو الجيش المصري عن كثب لضمان عدم تجاوزه "الحد المطلوب" رغم استمرار معاهدة السلام بين البلدين، فيما قالت "هآرتس" إن النقاش ركز على منع أي قفزة عسكرية في مصر.

كما حذر العميد المتقاعد أمير أفيفي من هذا التقارب الذي وصفه بـ"المحور السني الراديكالي"، قائلا إنه يرفع رأسه من جديد بينما "المحور الشيعي الراديكالي" يتفكك، مطالبا بالاستعداد لمواجهة جيشين نظاميين معا.

وتناولت حلقة "فوق السلطة" أيضا المفاوضات الأمريكية الإيرانية المتعثرة، قائلة إنهما "متفقتان على الطاولة ومختلفتان على الصحون"، فالولايات المتحدة تريد ضم البرنامج الصاروخي ودعم إيران لحلفائها في المنطقة إلى المفاوضات، بينما تصر طهران على حصر النقاشات في القضية النووية فقط.

ففي حين أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أن حصر الحوار في الملف النووي وحده "لم يعد كافيا"، وأنه لا بد وأن يشمل مدى صواريخها الباليتسية ودعم ما أسماه "التنظيمات الإرهابية بالمنطقة"، نقلت وكالة "مهر" الإيرانية عن مصدر أن أي محاولة لتوسيع مجالات التفاوض سينهي المفاوضات كلها.

ومع ذلك، أكد مسؤول أمريكي أن واشنطن ستذهب للمفاوضات احتراما لرغبة حلفائها العرب والمسلمين، في حين قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده مستعدة للتفاوض ضمن إطار محدد وقائم على الاحترام المتبادل.

المالكي والشرع

وعرجت الحلقة على رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، المعروف بتحالفه مع إيران، والذي قال سابقا إنه يرفض الجلوس مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ثم عاد ووصفه بـ"الأخ".

ولم يقف الأمر عند المالكي، لكنه امتد إلى النائب الإيراني السابق أمير موسوي، الذي لم يستبعد لقاء الرئيس السوري بالمرشد الأعلى علي خامينئ، قائلا إن طهران تدعم خيارات الشعب السوري.

أما الصحفي اللبناني القريب من "محور الممانعة"، فقال إن الشرع يعرف أنه سيدخل في حرب حتمية مع إسرائيل، وإن قريبين منه يقولون إنه ذاهب للتحالف مع حزب الله.

ذهب ألمانيا بيد أمريكا

وفي شأن آخر، تناولت الحلقة احتياطي الذهب الألماني الذي يحل في المرتبة الثالثة عالميا بعد الولايات المتحدة وروسيا، والذي يقدر بـ3352 طنا. لكنّ الجزء الأكبر من هذه الثروة الهائلة يقبع في خزائن البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي لأكثر من 70 عاما.

فمنذ الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها ألمانيا منزوعة السيادة، لم يكن مسموحا لها بالتحكم الكامل في ثرواتها ولا بتخزين احتياطيها الإستراتيجي داخل أراضيها، وهو ما يعني بقاء هذا الكنز الإستراتيجي رهن القرار الأمريكي.

وسلط "فوق السطلة" الضوء على مواضيع أخرى منها:

  • حديث حارس نتنياهو السابق عن بخله وضرب ابنه يئير له وسرقة زوجته سارة لمناشف الفنادق.
  • تعيين منسق عسكري إسرائيلي لدروز سوريا ولبنان.
  • مستقبل رئيس الوزراء البريطاني بعد فضائح جيفري إبستين.
  • عتب الشاعر السوري أدونيس على الغرب لأنه يسمح للمسلمين بحكمه.

ما لم يظهر في وثائق إبستين

 ما لم يظهر في وثائق إبستين

يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

3 ملايين صفحة ما زال الخلق يقرؤونها منذ 10 أيام، كانت توجههم الأوراق إلى حيث شاءت، وتصدمهم كيفما شاءت، لا أحد قرأ شيئًا يريد أن يقرأه فعلًا، من أفرج عنها أو القائم بأمره هو من قرر ماذا على الجميع أن يقرأ، عن كسوة الكعبة التي على الأرض، أم الوايت صوص الذي فوق اللحم البشري، أم الدبلوماسية التي تغزلت إليه بأختها، أم ما هو أكثر بكثير. على كل حال، لن يستطيع إنسانٌ قراءة كل هذه الأوراق ولا البحث المنهجي فيها بما يكشف له حقائق واضحة، لأن الحقائق قد لا تكون ببساطة في ما أفرج عنه، بغرض الإغراق -في رأيي-، أو تكون فيها من حيث لا يصل الناس إليه، أو لا تكون قابلة للظهور أبدًا. فهل كنتم ترجون أن يفرج عن آلاف الوثائق؟ هاكم هي بين أيديكم بالملايين، ثم اليوم تريدون "متعة" إضافية؟ سنزيل العلامات السوداء من بعض النصوص، لنمنحكم شيئًا "تصعيديًّا" تتفاوضون عليه.

ذلك السيناريو، من نظير المؤامرة، يملك حصة في التحليلات فعلًا، وله زاوية معتبرة في المنطق، وإذا جمعنا الأحداث بالترتيب، وفلسفة الإدارة الأميركية مع رصيدها "الأخلاقي"، يمكننا تخيل كم هو قريب هذا السيناريو إلى الحقيقة أكثر من غيره، حيث لا مانع لدى النخبة بأن يضحَّى بالرجل ذي الجلباب الأبيض الذي يطهو لإبستين في بيته، ولا بعض الساسة الذين دعتهم نزواتهم لأبشع القذارات والقاذورات، ولا بعض الأكاديميين المثيرين للشفقة والقرف بشهواتهم المعقدة، كل ذلك إلهاء مناسب للغوغائيين الذين يريدون أن يغوصوا في ذلك الوحل من باب الفضول لسنتين قادمتين، لكن أحدًا لن يسأل عن شيء معين في الوثائق نبرزه إليه، ببساطة لأنه لا أحد يعرف ما يراد إخفاؤه في الوثائق فعلًا.

والتكلفة الآنية؟ بعض الخجل للطبقة السياسية والنخب المتورطة؟ بعض التضحية بآخرين؟ بعض الضجيج الذي سيصدره من يعتقدون أنهم كانوا كبش الفداء؟ 

لا بأس، فإبستين نفسه لم يعد موجودًا -بغض النظر عن فرضية أنه ما زال على قيد الحياة أصلًا-، ولن يتمكن أحد من الوصول في عهد الإدارة الأميركية الحالية إلى ما يدينها ويهدد بقاءها، وقد تجذرت في كثير من المفاصل، وأنهكت المؤسسات بتوغل موحش، والشارع نفسه لا يعول عليه كثيرًا حتى اللحظة، حيث لا مانع من استبدال هؤلاء "المهووسين جنسيًّا" في الدورة القادمة، في أفضل الأحوال، أما بقاؤهم فهو جزء من وجه أميركا الذي لا مانع من بقائه، ليس لأنه إن طلع العيب من أهل ميبقاش عيب، ولكن لأن ذلك "التوحش" جزء من القناع الذي يفضله مجانين السلطة أحيانًا، من قبيل منطق "أنا بعمل وبعمل وهعمل.."، فما يعيبني لو صح هذا كله؟

لن يستطيع إنسانٌ قراءة كل هذه الأوراق ولا البحث المنهجي فيها بما يكشف له حقائق واضحة، لأن الحقائق قد لا تكون ببساطة في ما أفرج عنه، بغرض الإغراق

والحقيقة الجلية هنا أن وثائق إبستين ليست إثباتًا صادمًا بعكس الخيالات التي كانت مرسومة، وإنما هي توكيد لها لا أكثر، مع أمثلة مقتضبة، لأن الذين بقروا بطون الحوامل في العراق وأفغانستان وغزة، والذين تقربوا بأشلاء الأطفال شلوًا شلوًا وطفلًا طفلًا، والذين اغتصبوا الذكران في سديه تيمان وغوانتانامو وأبو غريب، والذين استحلّوا نفط العراق وليبيا وفنزويلا وفيتنام، لم يكن ينقصهم أن يغتصبوا الفتيات القاصرات، أو أن يقوموا بطقوس يتقربون خلالها بأفعال لا ترد على عقل أو دين أو جنون أو انعدام دين وفطرة، لأن ما لم يظهر في وثائق إبستين ببساطة كان قد ظهر بالفعل على مدار 50 سنة مضت، بالتزامن مع المراسلة بالإيميل وما قبله، حين كانت لحوم "الشرقيين"، وثروات "الجنوب العالمي" حِلًّا للاغتصاب الجماعي، من قبل الرجل الأبيض الوسيم، الذي يرى العالم كله جزيرة معزولة يمارس فيها ما لذ له وطاب، ولا يعكر صفوه إلا هؤلاء الـ8 مليارات من البشر، الذين يرفضون أن يؤكَلوا صامتين على عشاء الليلة.

ترامب ورفاقه أدركوا فعلًا.. من أين تؤكل الكتف!

زملاء نتنياهو في مجلس السلام

 زملاء نتنياهو في مجلس السلام


وائل قنديل

بعد طول تمنع واستعلاء، وبعد هرولةٍ مبكّرة من حكام عرب للانضمام، تنازل مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وتواضع أخيراً، وتفضَّل بالتوقيع رسميّاً على عضويته فيما يسمى "مجلس السلام" الذي سوف يحكم غزّة، ويتصرّف فيها تصرّف المالك الحصري، برئاسة شريكه وداعمه وراعيه في حرب الإبادة، دونالد ترامب.


اختار نتنياهو البيت الأبيض، لكي يعلن منه الموافقة الرسمية على دخول المجلس، شريكاً استراتيجيّاً للرئيس الأميركي في إدارة غزة وعموم منطقة الشرق الأوسط، وطرفاً رئيساً في قرارات ضرب إيران، والتفاوض معها، والتحايل عليها بعروض سلام تخفي في طياتها نيات العدوان والتدمير. 

والحال كذلك صار بنيامين نتنياهو زميلاً لمجموعة من حكام الدول العربية والإسلامية في حكم غزّة، التي دمر كل شبر فيها وأحرق الأخضر واليابس، ولا يزال، وقتل أكثر من 72 ألف شهيد، ولم يترك مبنىً قائماً في القطاع إلا قصفه، ولم يترك خيمة لضحايا عدوانه إلا وأغار عليها، الأمر الذي رشّحه للقب "مجرم حرب" على مجمل أعماله الإرهابية، بحكم صادر من المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت في 20 نوفمبر/ تشرين ثاني 2024 مذكرات اعتقال بحق كل من بنيامين نتنياهو، ويوآف غالانت وزير دفاع الكيان الصهيوني السابق. بحسب القرار، وجدت المحكمة أسبابا معقولة للاعتقاد بأن كلاً منهما يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجرائم التالية، باعتبارهما مشاركين في ارتكاب الأفعال بالاشتراك مع آخرين: جريمة الحرب المتمثلة في التجويع من أساليب الحرب؛ والجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والاضطهاد وغيرهما من الأعمال اللاإنسانية.

 ووجدت أيضاً أسبابا معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت يتحملان المسؤولية الجنائية باعتبارهما مسؤولين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجوم متعمد ضد السكان المدنيين.


بمقتضى هذا القرار، كان من المفترض أن يبقى مجرم الحرب الصهيوني منبوذاً ممنوعاً من الذهاب إلى أي مكان في العالم يحترم قرارات المحكمة الجنائية الدولية، والأهم أن يكون تصنيفه رسميّاً مجرم حرب مانعاً أية حكومة من التعاون معه سياسيّاً واقتصاديّاً وتجاريّاً، وهو الموقف القانوني والأخلاقي المحترم الذي كان من المفترض أن تكون الدول العربية والإسلامية أجدر باتخاذه.


الآن، وبقرار ترامب الذي هو أمضى وأقدس عند جل الحكومات العربية من قرارات الهيئات الأممية صار بنيامين نتنياهو زميًلاً وشريكاً لحكام من هذه الدول في حكم غزّة، في أوقات فراغه من ارتكاب مزيد من جرائم القتل الجماعي والاغتيال الفردي، على نحو متواصلٍ لا يقطعه شيء، بما في ذلك اجتماعات ما يسمى "مجلس السلام" نفسه، إذ ليس ثمّة ما يمنع من خروج نتنياهو دقائق معدودة من الاجتماعات، يعطي فيها إشارة الهجوم على مدينةٍ عربيةٍ بالطائرات المقاتلة والمسيّرة، أو يصدّق على عملية اغتيال قيادي مقاوم داخل غزّة نفسها، ثم يعود مبتسماً لاستئناف الاجتماع.


من المقرّر أن دونالد ترامب سوف يدعو مجلس السلام للاجتماع الموسع الأول في غضون أيام أو أسابيع، بعد استكمال تشكيله، قد يكون الاجتماع في غزّة نفسها، أو يستضيفه الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة، أو قد يقترح ترامب أن يكون في عاصمة عربية لدولة من المشاركين في المجلس، أو قد يتمنّى أحدهم على الرئيس أن يمنحه شرف استضافة اجتماع المجلس على أرضه، وأيًا ما يكون المكان فأن نتنياهو، مجرم الحرب، سوف يلتقي زملاءه بالمجلس من حكّام عرب ومسلمين، في اجتماعات تنعقد على مائدة مصنوعة من عظام 72 ألف شهيد، وأمام أنظار أكثر من مليون إنسان فلسطيني يتكدسون في خيم مهترئة، ينهشها البرد ولا يدفئها سوى انبعاثات القنابل الحرارية التي قد يلقي نتنياهو بعضها على رؤوسهم في الوقت المستقطع للاستراحة من جلسات "مجلس السلام"، قبل أن يعود ليتابع مداولات الزملاء حول القضية المحورية في فلسفة مجلس ترامب ويمينه الصهيوني: نزع السلاح وإنهاء زمن المقاومة وقتل أي مشروع قد يسبّب إزعاجاً للاحتلال الإسرائيلي. 

الخميس، 12 فبراير 2026

هل هززتَ النَّخلة؟

 هل هززتَ النَّخلة؟ 

 أسعد طه

(1)

ما حدث هو أن “لين كونج” الطبيب في الجيش الصيني، اضطر إلى الزواج من امرأة ريفية لا يحبُّها؛ انصياعًا لرغبة والده، وفكَّر أنه ربما عليه أن ينتظر بعض الوقت أملاً في أن يتغير الحال؛ مما يتيح له الانفصال عن زوجته دون أن يُغضب أباه.

لكنَّ الأيام تمرُّ دون جدوى، وقد زاد الأمر تعقيدًا، أن التقى في مستشفاه العسكري مع ممرِّضة وقع في حبها، مما دعاه لأن يفكِّر جديًّا في  أن يطلِّق زوجته ويتزوج حبيبته.

إلى هنا والحكاية ليس فيها جديد.

لكنَّ الجديد أنه ظل هكذا 18 عامًا في حالة انتظار ليحقق رغبته هذه، ربما كان مترددًا، ربما الواقع الاجتماعي والقانوني لا يسمح، لكنه في النهاية انتظر هذه الأعوام الطويلة ليفعل ما تمنَّاه.

الصدمة أنه حين وقع الطلاق بالفعل “لم يشعر (لين كونغ) بفرح، بل بفراغ واسع، كأن سنوات الانتظار قد حفرت داخله فراغًا لا يُملأ”.

وذلك بحسب ما ورد في رواية عنوانها: “الانتظار” اعتمد كاتبها الصيني الأمريكي (Ha Lin)  على هذه الواقعة الحقيقية، التي جرت أحداثها بالصين، في فترة الستينيات.

الرواية ليست قصة حب فاشلة، بل تأمُّل فلسفي في طبيعة الزمن البشري، وكيف يتحول الانتظار إلى سجن، وكيف تذوب الرغبة حين تُؤجَّل طويلاً، وكيف يعيش الإنسان حياته بين ما يجب أن يفعله وما يريد أن يفعله.

أنظر حولي فأرى أننا جميعًا نكاد نكون مصابين بهذا الداء، نحن في حال انتظار دائم، انتظار أن تُتاح وظيفة أفضل، أن تتحسن الأحوال المادية حتى نستمتع بالحياة، أن نجد الفرصة المناسبة لنفعل ما نرغب به، لكننا في الأغلب مترددون، بل إننا ننتظر أكثر مما نعمل، نقوم بالواجب، ونتنازل عن رغبتنا.

لكنَّ السؤال: هل لدينا بالفعل القوة على الفعل؟

(2)

هل تعلم أن بعضنا يمضي حياته كفقير بائس، فيما كنزه مدفون في مكان ما، وهو لا يكلف نفسه عناء البحث عنه، بل يقضي عمره كله، يندب حياته وأحواله، لأنه لا يستطيع أن يحقق أمانيه، مفضلا انتظار المجهول، عن عناء البحث.

لكل منا كنزه المدفون، وهذا ليس حديث تنمية بشرية، وإنما الواقع.

لم يخلق الله العظيم أحدًا منَّا عبثًا.

حاشاه، وإنما خلقه لدور ما، ولهدف ما، ومنحه مواهب مدفونة في نفسه، وتركه يبحث عنها ويجدها، لكن المرء منا أحيانًا لا يفعل، ويفضِّل الانتظار، ربما تتغير الظروف، معتقدًا أن لا حول له ولا قوة، وأنه مسلوب الإرادة، لا يستطيع اتخاذ قرارات حياته، يظن أنه حتى لو  فعل فلن يستطيع أن ينجز هدفه، كافرًا بما في نفسه من قدرات.

أليس ذلك جحودًا بنعمة الله؟!

نعم يمنحك الله نعمة وأنت تنكرها، ولا تستمتع بها؛ لأنك ابتداء أنكرت وجودها.

أنت لا تعرف نفسك حق المعرفة، بل الأدهى أنك لا تريد أن تعرفها، تخشى أن تفاجأ بما لا يرضيك، وفي الحقية ثمة مواهب مدفونة فيك، أنت لم تكتشفها بعد، وهي تتكشف أحيانًا عند الأزمات، فتتفجر الطاقات وتعرف نفسك وقدراتها، لكن في الأغلب للأسف متأخرا.

(3)

دع تفاؤلك يهزم تشاؤمك.

وفي تفسير التفاؤل دعني أخبرك بأمر بسيط.

كل ما عليك هو العمل، العمل على أحسن وجه ممكن، ثم تقبل النتيجة أيا كانت، فهذا قدر الله، والرضا به هو أعلى درجات السعادة.

الأمر لا يخضع للحسابات المادية.

فإذا كنتُ -مثلاً- في وضع اجتماعي ومادي متوسط فلا يعني تفاؤلك، أنك ستكون أفضل وفق هذه الحسابات، لكنك ستكون أسعد، ذلك أنك أديت واجبك كاملا، هذا شعور لا يفهمه ولا يقدره إلا من يعيشه ويؤمن به.

تمامًا مثلما إذا هاجمك عدو قوي وقررت -وأنت الضعيف- أن تدافع عن نفسك، فليس بالضرورة أنك ستنتصر، لكنني في الحالتين فائز.

المقاوم ينتصر حتى وإن مات.

والمستسلم ينهزم حتى وإن عاش.

الجنَّة على الأرض هي في أن تفعل ما بوسعك، وترضى بما يقدِّره الله.

وجهنم هي الانتظار.

هكذا ببساطة.

فلا تُلقِ بنفسك إلى التهلكة وتستسلم.

ستنجو فقط حين تتحرك.

(4)

كان النهار يميل إلى الغروب حين وصلتْ إلى أطراف الوادي السيدة الطاهرة، السماءُ رمادية تشوبها حمرة المساء، والريح تمرُّ على الرمال كأنها تهمس بالوحدة، لا صوت سوى خرير ماء خافت في جوف الأرض، ولا ظلَّ إلا ظلُّ نخلة وحيدة شامخة، جذعها عتيق، تتدلَّى منها بقايا سعف يابس كأنه أطراف ذاكرة قديمة.

الأفق من حولها جبليٌّ خافت، حجارةٌ بلون الطين والسكوت، وفي البعيد، ملامح مدينة (بيت لحم) القديمة، بيوتها الصغيرة من الحجارة البيضاء، لكنَّ المكان الذي لجأت إليه السيدة مريم كان أبعد من العمران، لا قريب، ولا عزيز، ولا حتى أي إنسان. 

تجلس عند جذع النخلة، وقد اشتدَّ بها المخاض، تتألم وهي وحيدة، حتى إنها تتمنى لو ماتت قبل ذلك، لكنَّ الله يأمرها أن تهز جذع النخلة، فقط هكذا كل ما في الأمر 

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾

كيف تفعل والمرأة التي في حال مخاض تكون في أضعف حالاتها الجسدية؟

إذن ستفعل ما في وسعها، حتى وإن لامست يداها جذع النخلة امتثالا لأمر الرحمن.

المهم أن تفعل شيئًا.

المهم ألا تستسلم.

المهم ألا تنتظر.

الأمر بسيط: افعل ما في وسعك، وانتظر قَدَر الله، وارض به.

(5)

يا شباب!

هزوا نخلتكم، هزوا جذع النخلة، فقط افعلوا ما عليكم أن تفعلوه، ليس كل أمر بالحسابات المادية، ثمة أمور لا يعرفها الذكاء الطبيعي ولا الاصطناعي. 

ابحثوا عن الكنز الذي وضعه الله في أنفسكم، وأنتم تجاهلتموه.

ثقوا في أنفسكم وفي قدراتكم. 

في كلٍّ منَّا كنز، حتى المريض، حتى الأعرج، حتى الأعمى، حتى العجوز لديه ما لديه.

لقد عشتُ في الدنيا ورأيتُ ذلك بعيني وليس كلامًا عاطفيًّا.

افعلوا ثم ارضوا بما يقسمه الله.

ستقولون: إن السيدة مريم إنما كانت مؤيَّدة من ربها!

كلنا مؤيَّد من ربه إن أطاع.

هزوا النخلة يا شباب.

لا تنتظروا وهزوا النخلة.

ضغط الكتابة و«السُكر» الحلال!

 خواطر صعلوك

ضغط الكتابة و«السُكر» الحلال!



محمد ناصر العطوان

نحن جيل «يتامى» الثقافة، جيل بلا «أسطوات» كبار يعلموننا الصنعة... تعلمنا الكتابة كما يتعلم الطفل المشي، بالوقوع والقيام، بالكدمات والجروح، وبالتجربة والخطأ، وبتجاوز الخطوط الحمراء والعودة للمربع الآمن، وبكثير من «اللت والعجن» الذاتي، وبكثير من ملاحظات الراسخون في العلم في جريدة «الراي» ولأننا كذلك، فنحن في حاجة دائمة لأن نختلس النظر إلى طريقة الكبار، لعلنا نفهم كيف تتحول الفكرة في رؤوسهم إلى نص ينبض بالحياة.

في الأسبوع الماضي، قادني القدر إلى كتاب بديع، كتاب تشعر وأنت تقرأه أنك تجلس في «المعمل السري» لكاتب حقيقي، لا لمدعٍ يبحث عن «اللايكات». 

الكتاب هو «ضغط الكتابة وسُكْرها» للروائي السوداني الكبير أمير تاج السر، عن دار الساقي، وهو ليس كتاباً للنظريات النقدية المملة التي تصيبك بالحموضة، بل هو بوح حميم عن الوجع واللذة في مهنة المتاعب الجميلة.

العنوان وحده حكاية، «ضغط الكتابة وسُكرها». تاج السر، هنا يضع يده على الجرح والبلسم في آن واحد. 

الكتابة ليست نزهة، وليست مجرد «إلهام» ينزل عليك وأنت تشرب القهوة في البلكونة أو في أي مقهى كما يتخيل الرومانسيون... ولا في منتديات المبدعين وورش الكتابة... 

الكتابة «ضغط»؛ ضغط الفكرة التي ترفض الخروج، ضغط اللغة التي تتمرد عليك، ضغط الخوف من الصفحة البيضاء. لكنها في المقابل تمنحك «سكراً» حلالاً؛ نشوة الخلق، ولذة أن ترى عالماً كاملاً يولد من بين أصابعك.

يقول تاج السر، في جملة تزن ذهباً «حين لا أكتب أشعر أني خارج الزمن». 

وهنا تكمن الحالة الوجودية للكتابة، لأنها عزيزي القارئ ليست مهنة لأكل العيش، بل هي مبرر للحياة نفسها.

ما يجعل أمير تاج السر، مبدعاً، هو طريقته في «الصيد» فهو لا يكتب من الكتب والقراءات السابقة، بل يكتب من «لحم الحياة».

عينه كاميرا لا تنام، تلتقط تفاصيل لا يراها غيره... نظرة مريض في عيادته (بحكم عمله كطبيب)، نبرة سائق تاكسي غاضب، رائحة بائع الشاي في شوارع الخرطوم. هذه «الخردة» اليومية هي الخامة التي يصنع منها أدبه الرفيع. هو يمارس ما يسميه «الواقعية الحسية»؛ حيث الخيال ليس هروباً من الواقع، بل هو «إعادة تدوير» ذكية له لكي نفهمه بشكل أعمق.

في زمن «الترافيك» والكتابة من أجل «الترند»، يأتي أتاج السر، ليعلمنا درساً في الأخلاق الأدبية، ويقول بوضوح «حين أكتب ما لا يخصني، أشعر أن النص يلفظني».

الإبداع عنده ليس «فهلوة» ولا محاولة لإرضاء النقاد المتحذلقين أصحاب القوالب الجاهزة لكل النصوص... 

الإبداع هو أن تكون صادقاً مع نفسك أولاً. أن تكتب وجعك، وهواجسك، وأسئلتك الحارقة. عندما تفعل ذلك، سيصدقك القارئ، لأن الناس تشم رائحة «الزيف» على بعد ميل.

وهذه نقطة موجعة للكسالى أمثالنا... أمير تاج السر، رغم موهبته الفذة، يؤمن أن «الكتابة تحتاج إلى عرق أكثر من الإلهام»... هي «صنعة» تحتاج لتدريب يومي، ولانضباط حديدي... وهنا لا يجلس في الصومعة...، بل يمسك الفأس ويحفر في الأرض كل يوم، سواء كانت الأرض لينة أو صخرية... هذا هو الفرق بين «الهاوي» المزاجي وبين «المحترف» الملتزم... أو كما قال عادل إمام هذا هو الفرق بين المحترف والحريف.

ولا ينسى تاج السر، أن يأخذنا إلى «مختبره» الأثير ووطنه الحبيب السودان. تلك البلاد الغنية بالتناقضات، حيث الوجع يختلط بالسخرية، والفقر يختلط بالكرم... لكنه لا يكتب عن السودان كفولكلور محلي، بل يكتبه كمرآة للإنسان في كل مكان. يجعلك ترى نفسك، وأنت في القاهرة أو بيروت أو الكويت، في ملامح أبطاله السودانيين. وهذا هو سحر الأدب الحقيقي... أن يجعل «المحلي» كونياً... تماماً مثلما فعل نجيب محفوظ وإبراهيم أصلان.

هذا الكتاب ليس دليلاً مدرسياً يعلمك «كيف تكتب رواية في 3 أيام» بل هو كتاب يعلمك كيف «تعيش» ككاتب، والأهم هو أنه يعلمك أن الكتابة فعل مقاومة ضد العدم، وأن الألم الذي تعصره في كلماتك هو الوقود الذي يضيء الطريق للآخرين.

عزيزي القارئ، إذا كنت تريد أن تدخل «درويشاً» في حضرة الكتابة، فعليك أن تقبل شروطها القاسية... الضغط والسُكر الحلال، الوجع والنشوة، العرق والدهشة... والتواضع يا صديقي... وإلا... فدع القلم، وابحث لك عن «حرفة» أخرى أرحم وأكثر ربحاً!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

خالد مشعل.. هل يحل في أرض الشام ويصحح المسار الفلسطيني المعوج!

خالد مشعل.. هل يحل في أرض الشام ويصحح المسار الفلسطيني المعوج!

إضاءات سياسية أخلاقية فلسطينية وسورية




لا شك بأن العودة الآثمة لجزء من قيادة حماس لنظام الأسد قبل عامين من التحرير -بعد خروجها الممدوح من دمشق بقرار من خالد مشعل بناء على انحياز الحركة للشعب السوري والانسجام مع مطالبه المحقة في مواجهة الطاغوت النصيري- كانت عودة خاطئة آثمة ومدانة، وقد وقف في وجهها الأخ مشعل منذ اللحظة الأولى ودفع الثمن -ولا يزال-.

وإذا كنت أعتقد بأنك لن تجد أوفى لأرض فلسطين من أهلها إلا السوريين المنتمين، فإنك لن تجد قائدا عربيا أكثر انحيازا وانتماء لأرض الشام من أهلها إلا خالد مشعل .. فليس عجبا أن أكرر دعوتي للأخ خالد مشعل بالنزول إلى سورية الجديدة، وليس مستنكرا أن أكرر مطالبتي لحكام سورية المنتمين بفتح الأبواب أمام عودة حركة حماس بنت الشام المبارك.

إن عودة حركة حماس للشام فيها خير وتعاون واجب مع قضايا المسلمين وخصوص قضايا سورية الساخنة والشائكة، كما أن فيها توبة سياسية معلنة عن كبيرة سياسية اجترحها جزء من قيادة حماس والذي قرر العودة لبشار الأسد المجرم الآبق.

الطلاق الواجب بين فلسطين وملالي إيران!

من المؤكد أنه لن ينحصر استقبال خالد مشعل إذا نزل إلى دمشق بالمشايخ والعلماء بل عموم الشعب السوري المحب لأبي الوليد سيكون أكثر فرحا به، فبينهما تاريخ وود وانتماء وأخوة وعمل مشترك وحنين، والتاريخ يشهد أن عطاء الشعب السوري لحماس والقضية الفلسطينية فاق كل التوقعات في زمن الهالك الأسد فكيف يمكن أن يكون في زمن الثوار الأحرار؟

زكاة عملية التحرير!

إن أهم ما يمكن أن يجسده وصول أبي الوليد لدمشق هو تصحيح العلاقة المختلة التي انزلقت إليها حركة حماس مع ملالي إيران، الأمر الذي يوجب على السوريين المنتمين الشرفاء أن يفتحوا أمام حركة حماس الأبواب وأن ينصروها ظالمة كما نصروها مظلومة، فيكونوا عونا لها على تصويب الطريق، وتلك زكاة التحرير الواجبة.

المعضلة الإسرائيلية الأمريكية يفككها أردوغان!

كنت ولا زلت أقول لإخواني الثوار الأحرار في الشام المبارك بأن تركيا الحالية بوجود رجب الطيب أردوغان هي من أكبر نعم الله على عموم أهل الشام وخصوص السوريين الكرام، الأمر الذي جسدته سنوات الثورة القاسية العجاف، حيث وجد السوريون ملاذا ودعما في تركيا من كل النواحي، كما لولاها -بعد الله- لما حدث التحرير الأخير ولما تجاوز الثوار حلب الشهباء.

 وبغض النظر عن كل الملاحظات على التجربة التركية، فإن أردوغان بما يملكه من قدرات فريدة في التفكيك والمناورة السياسية مؤهل أكثر من الجميع لصناعة فجوة في الموقف الأمريكي -المضطرب إقليميا ودوليا- من أجل خلق فرصة حقيقية لعودة حركة حماس إلى أهلها الكرام في الشام، الأمر الذي يمكن أن تؤيده كتلة كبيرة من النظام العربي الرسمي -لما في ذلك تخليص للقضية الفلسطينية من الاستخدام الإيراني لها في معارك النفوذ-، كما تؤيده الشعوب العربية ويفرح له عموم الشعب السوري المنتمي.

شبهة المقاومة وحتمية الجهاد!

قد يعتقد البعض أن عودة خالد مشعل ستخلق تهديدا مضافاً لسورية من خلال إشعال المقاومة، والحق أن سورية ومصر مستهدفتين إسرائيليا أكثر من فلسطين الآن، لاسيما وفلسطين قد تكسرت مفاصلها في معادلة معارك النفوذ الإيراني، وهي مأزومة ذاتيا بخياراتها وتكتيكاتها وارتباطاتها سواء في تيارها الوطني أم الإسلامي، فهي بحاجة لإخوة كبار حتى تخرج من غرقها وتعالج جراحاتها وتسد الحد الأدنى من حاجاتها، علاوة على أنه لا يعتقد راجح التفكير وقارئ للتاريخ أن فلسطين ستتحرر من داخلها بعيدا عن أمتها ومحيطها، وشرطه تعافيها من ضعفها وإعدادها.

إن إسرائيل -وليست سورية- هي التي ستفرض على أهل الشام الكرام الجهاد كخيار لا يمكن القفز عنه أمام حقيقة اعتداءاتها وتوسعها، فما هو الحل وكيف يكون التدبير؟

الحل في الشام هو بالبناء عبر تكامل عربي إسلامي!

لم يتحقق في سورية مفهوم التمكين بعد، فسورية اليوم لا تزال تنجز التحرير النسبي في ظل مؤامرات وتحديات خارجية وداخلية، وأما التمكين فذاك شأن آخر مختلف ومتميز بطرحه وأدواته ووسائله وأناسه وخططه عن مرحلة التحرير، لاسيما وتحرير سورية لم يتحقق إلا من خلال التقاء إرادة سورية محقة وإرادة دولية مغرضة ومساندة تركية منتمية تبنت الثورة السورية ولفظت الأسد.

لقد تحقق في الشام مشروع التحرير بشكل نسبي تفرضه تعقيدات الحالة السورية، وبنفس الوقت فقد انطلق مشروع التمكين، وإذا كان نظام الحكم هو القائم على إنجاز واستكمال التحرير، فإن واجب التمكين موكل للعلماء والمصلحين والشرائح المجتمعية جميعها، وبقدر ما ينسجم الخطان بشكل متواز دون اصطراع واحتكاك يخلق الفجوات، بقدر ما يتحقق التمكين بشكل مضطرد مشهود وملموس.

فهل يلتقط الأحرار السوريون الحاجة للتكامل الإسلامي كضرورة لتحقيق معادلة التمكين؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين الشام 8/2/2026