الجمعة، 27 مارس 2026

فوق السلطة 485 هل كُسر وهم التفوق الأمريكي بعد إصابة "إف-35″؟

فوق السلطة 485  هل كُسر وهم التفوق الأمريكي بعد إصابة "إف-35″؟



فوق السلطة: هل كُسر وهم التفوق الأمريكي بعد إصابة "إف-35″؟
في حلقة مشحونة بالتصعيد والتحولات في المنطقة، قدّم برنامج فوق السلطة قراءة درامية لمشهد إقليمي يقترب من أخطر مراحله، حيث تتداخل الضربات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية.

وسلّط البرنامج في حلقته بتاريخ (2026/3/27) الضوء على التصعيد غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، والذي بلغ ذروته مع قصف محيط مفاعل ديمونا، ردا على استهداف منشأة نطنز، في مشهد وصفته الحلقة بـ"معادلة النووي بالنووي"، مما يُنذر بانزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية.

وتناولت الحلقة تفاصيل الضربة الصاروخية الإيرانية التي طالت محيط مجمع ديمونا النووي، معتبرة أنها نقلت الصراع من مرحلة الردع النظري إلى واقع ميداني مباشر.

وأشارت إلى أن الليلة التي وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنها "الأصعب في معركة الوجود"، شهدت سقوط صاروخ في منطقة سكنية بمدينة عراد، مما أسفر عن دمار واسع وإصابة أكثر من 100 شخص، وسط فشل أنظمة الاعتراض في احتواء الهجوم.
لغز إصابة "إف-35"

وفي محور آخر، ناقشت الحلقة حادثة إصابة مقاتلة أمريكية من طراز "إف-35″، والتي اضطرت للهبوط بعد تعرضها لنيران مباشرة داخل الأجواء الإيرانية.

واعتبر البرنامج أن الحادثة تطرح تساؤلات حول صورة التفوق العسكري الأمريكي، مؤكدا أن "لا سلاح بلا ثغرات"، وأن حتى أكثر المنظومات تطورا تبقى عرضة لمفاجآت الميدان.
الأقصى بلا عيد

وفي مشهد إنساني مؤثر، تناولت الحلقة مرور عيد الفطر دون إقامة الصلاة في المسجد الأقصى، لأول مرة منذ عام 1967.

وأشارت إلى أن القيود الإسرائيلية منعت المصلين من الوصول إلى المسجد، مما دفع المقدسيين لأداء الصلاة في شوارع البلدة القديمة، في مشهد وصفته الحلقة بأنه "عيد بلا تكبيرات داخل الأقصى".

كما رصدت تفاعلات رمزية في إسطنبول داخل جامع الفاتح، حيث عبّر مشاركون عن رفضهم إغلاق المسجد الأقصى عبر لفتات رمزية مستوحاة من التاريخ الإسلامي.
بوتين بين الوفاء والمقايضة

سياسيا، عرضت الحلقة رسالة تهنئة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران بمناسبة النوروز، وصف فيها بلاده بأنها "شريك موثوق".

لكنها تطرقت في المقابل إلى تسريبات نشرتها "بوليتيكو" عن عرض روسي مزعوم لمقايضة المعلومات الاستخباراتية، وهو ما نفاه المبعوث كيريل ديميترييف بوصفه "مزيفا"، ليبقى التساؤل مفتوحا حول حقيقة الموقف الروسي.

وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع وهذه أبرزها:هرمز.. من النفط إلى الغذاء
"ريمونتادا" تاريخية تهز أفريقيا
مفارقة أمريكية: تمويل الخصم في زمن الحرب
زلة "بيرل هاربر".. ارتجال يفتح جراح التاريخ
من الملاعب إلى "الفار": ويمبلدون تدخل عصر المراجعة

خلافة على منهاج الاتحاد الأوروبي

 خلافة على منهاج الاتحاد الأوروبي

رابطة علماء أهل السنة

   من الفوارق المهمة بين النموذج الحضاري الإسلامي والنموذج الغربي أن الأول مُسْتَكمِلٌ لبنيانه النظري وله لحظته النماذجية المتحققة في التاريخ وهي زمن النبوة والخلافة الراشدة المحددة في الأحاديث الصحيحة بثلاثين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وسائر ما صنعه المسلمون ويصنعونه حتى الآن من نظريات سياسية أو تطبيقات عملية إنما هي "اجتهاد" في الفهم والتفريع واستيعاب المسائل المستحدثة، أو "اجتهاد" في التطبيق والتنزيل. ولذلك يدور سائر التراث الإسلامي –تنظيرا وتطبيقا- على الاستمداد من القرآن وسنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين.

بينما النموذج الغربي لافتقاده نصا مقدسا لا يزال يتقلب بين الآراء والأفكار والنظريات التي تصل إلى أن ينقض بعضها بعضاً فهو يُطارد نموذجاً نظرياً مكتملاً للفكر، كما يطارد نموذجاً تطبيقياً نهائياً يسميه "المدينة الفاضلة" أو "نهاية التاريخ"1.

وقد تبدت ملامح النظام السياسي للدولة الإسلامي قبل قيامها، فقد نزلت سورة الشورى بمكة، ونزلت فيها البشارة للمؤمنين بقرب قيام الدولة الإسلامية المرجوة، وذلك في قوله تعالى {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 38، 39]، ففي الآية رسم لمجتمع يقيم الصلاة ويدير نظامه بالشورى ويدفع أصحاب الرزق شيئا من أموالهم، ثم هو مجتمع يستطيع أن ينتصر لنفسه إذا أصابه ظلم. وهو الأمر الذي يُمثِّل حلما يطوف بخيال المؤمنين الذين منعهم الله من رد الاعتداء الواقع عليهم بمكة.

ويظهر أن الآية رسمت تاريخ تطور الدولة الإسلامية، فلقد كان بناء المسجد أول شيء فعله النبي حال وصوله المدينة، ثم صار النبي يدير شأن الأمة بالشورى رغم اتصاله بالوحي قبل أن تُفرض الزكاة في العام الثاني للهجرة، وهو العام الذي نزل الإذن بالقتال. لكن ما يهمنا هنا هو هذا التحديد المبكر لملامح النظام الإسلامي، في حرصه على العبادة، وكون نظامه يُدار بالشورى، وله سياسة مالية، وعنده القوة القادرة على الردع والردّ ضد التهديدات الخارجية.

ثم تطور الحال مع قيام الدولة، ونزلت التشريعات التفصيلية، وصارت الآيات تُفَصِّل في شأن المجتمع ونظامه، كما في قول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 58، 59]. ففي هذه الآية رسم أوضح تفصيلا، إذ يُرى فيها:

1. أن المسلمين صاروا في "جماعة" لها "نظام"، تنزل عليه الأوامر، وله مرجعية عليا، وله أولي أمر، ثم له جهة لفض المنازعات. ومن لطيف ما يُستدل به هنا ما قاله ابن تيمية من أن انتفاء النظام من سمت الجاهلية، "فأهل الجاهلية لم يكن لهم رأس يجمعهم، والنبي صلى الله عليه وسلم دائما يأمر بإقامة رأس، حتى أمر بذلك في السفر إذا كانوا ثلاثة، فأمر بالإمارة في أقل عدد وأقصر اجتماع"2.

2. أن نظامهم يمارس الحكم والسيادة لا على المسلمين فقط بل على "الناس"، فحكمهم هذا يستوعب ويشمل الملل والنحل والطوائف والأديان المخالفة، ومع هذا فهو مأمور بإقامة العدل لهم.

3. أن "أولي الأمر" في هذا النظام جماعة وليس فردا، وإلا قال "وولي الأمر منكم"، وهو ما يقتضي تعدد السلطات وتوزيعها، وألا ينفرد واحد بالأمر من دون المسلمين.

4. أن المسلمين مأمورون بالطاعة ما دام أولي الأمر لم يخالفوا القرآن والسنة، فطاعة أولي الأمر مشروطة بلزومهم المنهج، وأن التنازع بين المسلمين وبين أولي الأمر فيهم وارد، وأن جهة فض التنازع إنما تكون بمرجعية القرآن والسنة.

وهكذا، ظهر من نصوص القرآن وسيرة النبي (طوال عشر سنوات في المدينة) وسنة الخلفاء الراشدين (طوال ثلاثين سنة) نظام حقيقي انتقلت به أمة العرب من الجاهلية إلى الحضارة، ثم تأسست به حضارة زاهرة ظلت في موقع الصدارة أكثر من ألف سنة، فنظام الخلافة هو من أبرز حقائق التاريخ3.

لم تزل الخلافة عن المسلمين إلا قبل تسعين عاما فقط، لا كما يحاول البعض تصوير هذا النظام وكأنه نظام سحيق عتيق تجاوزه العصر وانتهى الأمر، بل من الغريب أن صار بعضهم يتصور استحالة إحياء نظام الخلافة مرة أخرى، رغم أنه النظام الذي أجمع عليه المسلمون، فليس في مذاهب المسلمين من لم يُوجب نصب الخليفة، ومن اقترح صيغا أخرى –كالسنهوري في فقه الخلافة- إنما جعلها ضرورة واعترف بأن ما يطرحه عن عصبة الأمم الإسلامية إنما هو حكومة إسلامية "ناقصة" للعجز عن إقامة الكاملة، حتى فوجئنا في الأعوام الأخيرة من يؤصل لأن الخلافة يمكن أن تكون على طريقة الاتحاد الأوروبي!

ربما يتفهم المرء وبكثير من الصعوبة أن يخرج هذا الكلام من سياسي إسلامي يسير على جمر العلاقات والتوازنات، أو من شيخ في فتوى مخصوصة اضطرته إليها ظروف إقامته أو محاضرته في بلد ما، أما أن يُقال هذا الكلام على سبيل التأصيل الفقهي وفي غير موطن اضطرار مخصوص فهذا هو الشذوذ نفسه، ليس شذوذا عن فقه الأمة وحده بل شذوذ عن مسار التاريخ.

فأما الفقه فقد اضطرد في أقوال العلماء ضرورة وجود الإمامة، وأنها "من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها"4، بل سمّى بعضهم اضطراب أمرها بالاضطراب الأعظم "بل الاضطراب الأعظم على السلطة الإسلامية التي يعتقدون أن لا بقاء للإسلام بدونها، والحرص على بقائها ممزوج بدم كل مسلم وعصبه، فهو لا يرى دينه باقيًا إلا بوجود دولة إسلامية مستقلة قوية قادرة بذاتها على تنفيذ أحكام شرعه بغير معارض ولا سيطرة أجنبية"5.

والفارق واضح وكبير بين نموذج الخلافة في مهماته ووظائفه وبين نموذج الاتحاد الأوروبي، فالخلافة ليست مجرد حدود مفتوحة أو عملة واحدة أو تعاون اقتصادي، وليس متاحا في ظل الخلافة انفصال بعض أقطارها والخروج من نظامها، وليس الدخول إليها قرارا منوطا بالسلطة بل بالمسلمين إذ لا تظل دولة مسلمة تنتظر موافقة سلطة الخلافة على دخولها إليه سنين ولربما لا تدخل! والفوارق كثيرة لا نطيل بذكرها.

وأما التاريخ فكيف يُقارن نظام دام ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن بنظام جاوز بالكاد نصف القرن، ثم هو مضطرب على أهله أيضا ويُصَوِّت بعض أطرافه بالانفصال عنه، ويهدد بعضهم بعدم تمويل بعض مشاريعه، ولئن كان مفهوما أن يصل الأوروبيون إلى هذا المستوى من التعاون والتنسيق –لا الوحدة- وهم الذين أهلكتهم حروب القرون الوسطى ثم التنافس الاستعماري ثم حربين عالميتين، فليس من المفهوم إطلاقا أن يكون هذا المستوى هو أمل من حققوا الأمة الواحدة بالمعنى الكامل للكلمة فكان لهم خليفة واحد في المدينة أو في دمشق أو في بغداد يحكم سائر المسلمين شرقا وغربا، فيرى أنه مسؤول عنهم ويرون أنهم مسؤولون منه، ويكون استقلال أي طرف عنه بمثابة الانحراف عن الأصل فهو دليل على ضعف النظام وانهيار الوحدة.

لم تكن قدوتنا ولن تكون في نسخة حضارية طرحها الشرق أو الغرب، بل لدينا نموذجنا الذي تحقق فعلا في دولة المدينة في عصر الخلافة الراشدة، وكوننا ملزمين بالاقتداء بهذا النموذج يدفعنا دائما إلى العودة إليه كما كان وبأدق صورة ممكنة، ولا نجاوز شيئا كان فيه إلا لضرورة يقتضيها الواقع تقدر بقدرها. (6).

الهامش

(1) للمزيد، راجع: قيمة ومعنى وجود نموذج سياسي إسلامي.

(2) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط1 (الرياض: جامعة الإمام، 1986)، 1/557.

(3) راجع: هل تجاوز الواقع تراث الفقه السياسي

(4) ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ط1 (الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، 1998)، ص129.

(5) محمد رشيد رضا، الخلافة، مجلة المنار، المجلد 24، شعبان 1341هـ.

(6) المصدر

الأقصى من خطر الإغلاق إلى خطر القربان

الأقصى من خطر الإغلاق إلى خطر القربان

زياد ابحيص


بين الإغلاق غير المسبوق والتصعيد المتسارع، يبدو أن المسجد الأقصى يقف على أعتاب مرحلة خطيرة لم يشهدها من قبل… فهل نحن أمام تحوّل حاسم في مصيره؟

في ظل تطورات متسارعة وإجراءات غير مسبوقة، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تحمل في طياتها تغييرات عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ما يجري ليس مجرد أحداث عابرة، بل إشارات تستدعي قراءة أعمق لفهم ما قد يأتي لاحقًا.

رمضان ٢٠٢٦: إغلاق غير مسبوق للأقصى يكسر كل الخطوط الحمراء

لقد تم في رمضان ٢٠٢٦: أطول إغلاق في التاريخ الحديث للأقصى؛ فقد شهد رمضان الحالي أطول إغلاق للمسجد الأقصى بقرار المحتل منذ تحريره من الصليبيين قبل أكثر من ثمانية قرون، وفرض فيه الاحتلال سوابق تاريخية لم يتمكن من فرضها من قبل؛ بمنع الجمعة في رمضان لأول مرة، ومنع الجمعة الأخيرة منه –الجمعة العظيمة- ومنع صلاة التراويح والتهجد والاعتكاف طوال العشر الأواخر من رمضان، والاحتلال ماضٍ في إبقائه مغلقاً طوال أيام عيد الفطر كذلك.

إغلاق الأقصى: مناورة مدروسة تمهيدًا لمرحلة أخطر

لم يعد خافياً أن هذا الإغلاق عمل من أعمال الحرب، مدروس ومخطط له ضد الأقصى، يهدف أولاً إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد، وثانياً يشكل مناورة حية لعزل المسجد_الأقصى في أقدس الشهور وأكثرها شداً للرحال وتوافداً للمصلين إلى الأقصى، تمهيداً لعدوان أكبر بعد رمضان.

وبقراءة المنحنى التدريجي لتهويد المسجد الأقصى المبارك عبر ثلاثة عقود من الزمن حتى الآن، فإن الأقصى ماضٍ من خطر إلى خطر أكبر، وفيما يلي ما يتوقع من أخطار بعد العيد:

الخطر الأول: القربان الحيواني – ذروة التأسيس المعنوي للهيكل

والهدف هنا هو إدخال حملٍ أو سخلٍ إلى الأقصى وذبحه فيه، والمعنى الديني هنا هو تطبيق ذروة العبادة التوراتية في الأقصى، تكريساً للتعامل معه وكأنه قد بات هيكلاً حتى وإن كانت أبنيته ما تزال إسلامية؛ هو ذروة التأسيس المعنوي للهيكل، بحيث تشكل هذه العبادات مقدمة معنوية للتأسيس المادي للهيكل المزعوم في مكان المسجد الأقصى وعلى كامل مساحته.

المعنى الديني للقربان: استعمار الطقوس لتهويد المكان

والفكرة هنا أن اليهودية كما استقرت في شكلها المعاصر تؤمن بعقيدة الحلول، وبأن الهيكل المزعوم كان الموضع الذي سكنت فيه “روح الرب” وفق الأسطورة التوراتية، وبالتالي فإن القرابين تُقدم إلى “روح الرب” في “محل سكنها”. في المحصلة، فإن تقديم القرابين في الأقصى هو توظيف استعماري للطقوس الدينية كأداة تهويد وقضم وفرض وقائع جديدة.

المعنى السياسي: استجلاب التدخل الإلهي بوابة للخلاص

أما المعنى السياسي لهذا القربان، فإن اليمين الصهيوني عموماً ومنه منظمات الهيكل، يؤمن بأن المخلص سيأتي في آخر الزمان، وأن هناك مقدمات لمجيئه يمكن لتحقيقها أن يعجل بإرادة الرب في إرساله، وفي إرسال المعجزات معه وإنزال الهيكل من السماء.

وتعتقد منظمات الهيكل أن ذبح القربان كان سبباً مباشراً لتدخل الرب بإخراج “شعبه” من تيه سيناء، وأن دم القربان بحد ذاته كان المحفز لهذا التدخل الإلهي، وبالتالي فإنهم يرون أن ذبح القربان الآن في الأقصى، ونزول دمه هناك حيث تسكن “روح الرب” وفق أسطورتهم، سيدفع الرب للتدخل بالمعجزة في مجرى التاريخ، بإرسال المخلص، وإنزال الهيكل من السماء، وبأن يخضع الرب لـ”شعبه” أعناق الأمم.

عقيدة التدخل الإلهي: مفتاح فهم سلوك اليمين الصهيوني

إن فهم السلوك السياسي لشخصيات مثل بن غفير وسموتريتش وحتى عميحاي إلياهو من حزبي الصهيونية الدينية والليكود، لا يمكن أن يُفهم تماماً بعيداً عن فكرة سعيهم لاستجلاب التدخل الإلهي في الصراع باعتباره بوابة الخلاص الممكن. وكلما ازداد مأزق المشروع الصهيوني ووعيه باستحالة الحسم بالأدوات البشرية؛ فإنهم سيكونون أقرب للمضي في خطوات تقرب تدخل الرب في المعركة.

باختصار، كلما اشتدت الحرب الحالية كلما ازداد دافع اليمين الصهيوني لذبح القربان الحيواني في الأقصى، لجلب الرب إلى الحرب باعتباره وفق فهم هذا اليمين أداة الحسم النهائية…

من هنا يمكن الاستنتاج بأن اليمين الصهيوني بات اليوم أقرب من أي وقت مضى لأن يُقبل على مغامرة ذبح القربان الحيواني في المسجد الأقصى، وموعد ذلك هو عيد الفصح العبري الذي سيحل ما بين ٢ وحتى ٩ من شهر نيسان/ أبريل ٢٠٢٦، أي بعد العيد بإثني عشر يوماً.

الخطر الثاني: كيف استُخدم فتح الأقصى لفرض وقائع تهويدية

تقول التجربة القريبة في ٢٠٢٠ ثم في ٢٠٢٥ أنه في كل مرة ترك فيها الاحتلال ليفرض طريقة ووقت فتح الأقصى، فقد كان يستغل ذلك لفرض حقائق جديدة في تهويد المسجد، ففي ٢٠٢٠ عمل على تكريس مبدأ “الحق المتساوي” للمصلين المسلمين والمستوطنين المقتحمين، وبأنه ما لم يفتح الأقصى للمستوطنين فلن يفتح للمسلمين، أما في ٢٠٢٥ ففي اليوم التالي لإعلان قوات الاحتلال فتح الأقصى قرر بن غفير فرض الاحتفالات والرقص والغناء للمستوطنين في الأقصى، ومضى أبعد من تحويل الأقصى إلى ساحة صلاة لليهود، نحو تحويله لساحة مناسبات اجتماعية وحيّز عام للمستوطنين.

قراءة في مؤشرات التهويد القادمة

اليوم تُقرأ من سلوك الاحتلال في الأيام العشر الأولى من رمضان قبيل الإغلاق، ومن سلوكه خلال الإغلاق، نيته أن يمضي في واحد أو أكثر من أشكال فرض الحقائق التهويدية في الأقصى:

أولاً: تهميش الأوقاف وإحالة الإدارة إلى منظمات الهيكل

إحالة جزء من القرارات الإدارية في المسجد إلى اتحاد منظمات الهيكل، والذي تحاول شرطة الاحتلال منذ فترة تكريسه باعتباره من يدير الحضور اليهودي الاستيطاني في الأقصى، مقابل الأوقاف التي يجري تهميش دورها في المسجد الأقصى لينحصر في إدارة الحضور الإسلامي في الأقصى، وتحاول الشرطة أن تجعل حتى هذه المهمة خاضعة لإملاءاتها، وهو تهديد وجودي لدور الأوقاف الأردنية وتهديد أساساً لهوية المسجد كمقدس إسلامي ينبغي أن تديره هيئة إسلامية خالصة.

ثانياً: فرض “التقسيم المتساوي” وزيادة ساعات الاقتحام

محاولة فرض وقت إضافي للاقتحامات، وبحسب ما سبق أن أعلنه ياريف ليفين نائب رئيس الوزراء الصهيوني فإن عينهم على استحداث فترة اقتحام مسائية لزيادة أعداد المقتحمين، والوصول بالأوقات المخصصة لهم إلى تسع ساعات يومياً تقابلها تسع ساعات للمسلمين، أملاً في تكريس مبدأ “التقسيم المتساوي”، تمهيداً للانتقال للسقف التالي وهو تغليب الحضور الاستيطاني اليهودي على الحضور الإسلامي.

ثالثاً: استباحة دار الحديث الشريف ومصلى باب الرحمة

العودة إلى استباحة دار الحديث الشريف والساحة الشرقية، والتضييق على مصلى باب الرحمة الواقع بينهما، أملاً في قضم الجزء الشرقي من الأقصى كاملاً.

مرحلة النهاية: تسريع مخطط تصفية الأقصى

باختصار، المسجد الأقصى لم يعد اليوم في مرحلة التقدم البطيء والتمهيد للتهويد، بل انتقل إلى مرحلة استعجال قطف النتائج، والوصول إلى النهايات، لقد وصلنا إلى مرحلة محاولة تصفية الأقصى واستثمار الحرب الحالية لتحقيقها، وهو ما يفرض توجيه الأولوية إليه، وعدم السماح بعودة الأقصى إلى هامش الأحداث من جديد.

المصدر

المركز الفلسطيني للإعلام، زياد ابحيص.

اقرأ أيضا

القدس بين خطري التهويد والتجهيل



مشاريعنا بين التَّجْرِبة والجَلَّاد

 بسم الله الرحمن الرحيم

مشاريعنا بين التَّجْرِبة والجَلَّاد

د.عطية عدلان 

أستاذ الفقه والساسة الشرعية

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

"أَوَكُلَّما فشلنا في تجربة من التجارب تجاهلنا أسباب الفشل ولَعَنَّا التجربة بِرُمَّتها ؟!" 

هذه هي صرخة الضمير المسلم الحائر بين الجلادين الذين يشنقون التجارب على أعواد المراجعات، ويجلدون الماضي بسياط الندم الهوجاء الطائشة.

   ما أكثر التراجعات التي أخذت في تاريخنا المعاصر اسم المراجعات، وما أكثر التجارب التي أضحت في حياتنا عوراتٍ نزفف عليها ونجتهد في إخفائها أو إعلان التوبة منها، فلم يبق أمامنا - لكثرة ما تنكرنا له وتبرأنا منه - إلا أن نبحث لنا عن صوامع نلوذ بها ونتحنث فيها بعيداً عن فتنة العمل ومزالق الجهاد، على خوف أن ينالنا منها مانال "برصيصا" العابد المفتون.

   لقد أخطأنا يوم أن رشحنا رجلاً مِنَّا لرئاسة الدولة؛ ما لنا وللدولة؛ إنَّها ليست سوى حقل ألغام كبير لا ينجو منه إلا من نأى عنه، كان من الواجب علينا أن نتركها لأي كلب ضال مُشَرِّقٍ في مذهبه أو مُغَرِّب، ها نحن قد أوقعنا عدونا في الفخ، كالفأر الأحمق الذي صار حبيس المصيدة الموصدة.

   ومن قبل ضيعنا أنفسنا وضيعنا الإسلام معنا عندما واجهنا السَّفَّاح بالسلاح، ثم اكتشفنا - بعد فوات الأوان -  أنّنا لم نكن سوى فئة باغية خارجة على الإمام، وأنّ الشهيد المظلوم راح ضحية فتنة عمياء، فلنعلن توبتنا، ولنظهر أوبتنا، ولنلعن الإرهاب لعن الغادين المصبحين للضباب.

   هكذا صنعنا، ولو صنع الصحابة صنيعنا عقب هزيمتهم في أحد لكان المجتهد منَّا في التحنث يحمل اليوم على صدره صليباً أثقل من جبل أحد، لو صنعوا مثل صنيعنا اليوم لجلسوا على سفح أحد بعد الهزيمة حول نبيهم؛ ولتذاكروا خطأهم الأكبر، إذ تعجلوا إقامة الدولة وسط محيط من العداوات وفي أدغال من الجاهلية تعوي فيها الكلاب والذئاب، ولقال قائل من المهاجرين: ألم يكن جديرا بنا أن نلحق بإخواننا الآمنين في الحبشة فنعبد الله معهم هناك إلى أن يجعل الله لنا فرجا ومخرجاً، ولصاح آخر من الأنصار: لقد ضيعنا سعد بن معاذ، ألم نبايع رسول الله على الدفاع عنه ومنعه ممن يبغي عليه؛ فمالنا وقتال الناس خارج المدينة، وليس بعيداً أن يقول قائل: نحن الذين أخطأنا بعدواننا على قافلتهم التجارية، أقطاع طريق في الإسلام؟ .. 

ولك أن تتخيل حجم الهرج والمرج الذي كان يمكن أن يحدث في جو تلك المراجعات !! 

ولك الحق أن تجزم بأنّه لو كان ذلك وقع لكانت القاصمة التي تحرم البشرية كلها من نور الله.

   والحمد  لله أنَّ المصاب وقع على حياة رسول الله، وأنّه وقع أول ما وقع في عهد ذلك الجيل الفذُّ الذي تربي على يدي رسول الله، وأنَّ الصدمة الأولى حلت والوحي ينزل؛ لتتعلم الأمَّة إلى يوم الدين كيف تعالج مثل هذه التجارب؟ وكيف تتخذ من المصائب منصات للانطلاق والوثوب لا محطات للتراجع والرسوب.

   وارجعوا إلى سورة آل عمران لتتأكدوا أنّ المعالجات القرآنية كانت في اتجاه انهاض الأمة من كبوتها، وتثبيت خطاها على ذات الطريق الذي سالت على جوانبه دماؤهم في أحد، فتبدأ الجولة بالتربيت على قلوبهم وإعادة الثقة إليهم: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" ثم بالتخفيف من آلامهم: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم  قرح مثله" ثم يطرق السياق على مواقع الخطأ طرقاً خفيفاً: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم  خبالاً "، ثم  يقرع عليها قرعاً مدوياً لكنه في ذات الوقت ستير غير فاضح: "منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة" "وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"، ويتولج السياق جمل هامة ترسي أعمدة ثابتة، فهذا تنبيه على مكانة القيادة التي لا يمكن أن تهزها الوقائع: " لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، وهذا تنبيه على حق الجند وشرفهم مهما كانت أخطاؤهم: " فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر".

   والعجيب أنّ الآيات التي أسهبت في علاج الأخطاء المنهجية والخلقية لم تتطرق قط للخطأ الاجتهاديّ الكبير الذي تمثل في الخروج للقاء العدو خارج المدينة، بل إنّه قد ورد في السياق ما ينفي عنه وصف الخطأ لأنّه كان عن مشورة واجتهاد؛ إذ احتفظت الآية الكريمة لهؤلاء الذين أخطأوا بحقهم في المشورة: "وشاورهم في الأمر".

   وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لقن الصحابة أن يجيبوا على استعلاء الكفار بلغة ملؤها الاستعلاء بالإيمان: " الله أعلى وأجل" "لسنا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" ثم أمر فرقة منهم أن تخرج للقاء الكفار مرة أخرى عندما  علموا أنهم جمعوا لهم لينقلبوا عليهم في المدينة، وفيهم أنزل الله قوله: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا".

   فيا أيها الإسلاميون، كفُّوا عن جلد الذات ولعن الماضي وشنق التجارب على أعواد المراجعات، فما أخطأتم يوم أن قدمتم رجلاً منكم لتولي مسئولية الحكم، بل فعلتم ما يمليه عليكم الواجب؛ إذ لا يليق بمثلكم أن يترك البلاد وقد أثقلتها الديون وأنهكتها الخطوب نهبة لكل طامع، كما لا يليق بكم أن تعرضوا عن فرصة مهيأة تنطلقون منها إلى التمكين لشريعة الله في الأرض.

   إنما كان الخطأ في أنكم لم تأخذوا الأمر على الوجه الذي ينبغي، ولم تستكملوا له عدته التي تليق به، ولم تتعاملوا مع المواقف بما تتطلب، فركنتم إلى الذين ظلموا، واتخذتم ممن لا يألونكم خبالاً بطانة من دون المؤمنين المخلصين، ووليتم وجوهكم شطر العسكر المجرمين وظهوركم للشباب المناضلين؛ فظفر بولاء قطاع كبير من الشباب مَنْ لا يرقبون فيكم ولا فيهم إلَّاً ولا ذمة، ثم بعد ذلك أعرضتم عن قول الله تعالى: " وإعدوا " إعراض العرب عن قول رسول الله: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".

   وما أخطأ سلفكم عندما كان لهم جهاز سريّ، ولا كان الإمام على ضلالة عندما شكله وهيكله على عينه، أم إنكم تؤمنون ببعض ما رباكم عليه وتكفرون ببعض؟! كذلك ما أخطأ إخوانكم الذين جاءوا من بعدكم فتوسعوا في هذا الأمر وأحيوا فريضة كادت أن تموت في الأمّة، وشرقوا بها وغربوا وصالوا في أرض الله وجالوا؛ فكان لهم أثر بلغ من قوته أنه دق ألف مسمار في نعش امبراطورية قامت على الإلحاد، وضرب شبابهم في سجون الطواغيت أروع الأمثلة في الصبر الأسطوريّ.

   ما  أخطأوا؛ وإلا لوجب أن نتهم الإسلام بأنَّه دين إرهاب وسفك للدماء؛ فنشهد لأعداء الله في طعنهم على دين الله، وإنما كان الخطأ فاشياً في نواح أخرى، بعضها يقفون هم فيها، وأكثرها يقف فيها غيرهم من الإسلاميين وغير الإسلاميين، فاستعجال المواجهة استجابة لاستفزاز العدو المتربص خطأ، واتهام الآخرين لهم بالإرهاب والتطرف خطأ، وإعراض العلماء عن البيان الذي يكشف حقيقة العدو فيخفف من الغلواء ويقلل من سفك الدماء خطأ، وانقسام الإسلاميين في كل بلد إلى فريقين أحدهما يجاهد الطواغيت والآخر يباركهم خطأ.

   وليس صحيحاً أنَّ موجات الربيع العربيِّ نسخت بمنهج التظاهر السلمي آيات السيف، ومن الظلم والجور الزعم بأنّ تحول الثورة في بعض البلدان إلى ثورة مسلحة هو الذي قضى عليها وأطفأ جذوتها؛ أو هو الذي جرَّ على البلاد الويلات والخراب، فهذا - على ما فيه من ظلم وجور - يعمي أبصارنا عن مواضع الخطأ والتقصير، فالخطأ يكمن في إعراض الكبار عن دورهم في قيادة الشباب والترتيب لهم؛ مما ترتب عليه أن يأتي الأمر على النحو الذي يريده العدو لا على النحو الذي يقتضيه مشروع الأمّة الواضح الذي يتبناه الكبار ويعلمونه للشباب.

   ولسنا نجهل ولا نغفل عن السبب الأكبر في كل هذه المصائب أننا لم  نفلح يوماً في تحقيق الواجب الأكبر - واجب الوحدة الإسلامية - ولو في حدها الأدنى بحسن إدارة الاختلاف، فكثرت إخفاقاتنا، وضاعت إنجازاتنا، وتكسرت على صخور الأهواء والنزاعات آمالنا آمال أمتنا.

   إننا نمارس الهروب من تحمل المسئولية، ونخلق بهذا الهروب ألف (داعش) تقوم حيث نتخلف وتتقدم حيث نتأخر؛ لتلتهم الساحة وتحقق مقصود العدو في حرق المشروع الإسلاميّ كله لصالح المشاريع الكبرى: الصليبي والصهيوني والصفوي.

   ولست بهذا متقدماً على علمائنا ولا مفتاتاً عليهم، فهذا قولي؛ فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.   

                               

الخميس، 26 مارس 2026

الإخوان المسلمون والمشهد المصري بين العدو الرمزي والفاعل الكامن.

 الإخوان المسلمون والمشهد المصري

 بين العدو الرمزي والفاعل الكامن.

أحمد هلال.. 

كاتب مصري وناشط حقوقي


 في ظل الأزمات الإقليمية، والمجال العام المغلق

تظل مصر اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والسياسية مع التوترات الإقليمية، لتخلق ما يسميه علماء السياسة، نوافذ الفرص التاريخية، وهي لحظات قد تعيد تشكيل موازين القوى داخل الدولة والمجتمع.

 وفي هذا المشهد، تظل جماعة الإخوان المسلمين محوراً لا يمكن تجاهله، ليس فقط كتنظيم سياسي واجتماعي، بل كفاعل كامن ينتظر اللحظة المناسبة للتموضع، وأيضاً كعدو رمزي حاضر في الخطاب الإعلامي والثقافي الرسمي.

الإخوان المسلمون كفاعل كامن والعدو الرمزي

منذ الانقلاب المصري 2013 على الرئيس المنتخب محمد مرسي، دخلت مصر مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تعريف السلطة وترسيخ قبضة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية والاقتصادية.

 في هذه المرحلة، تم إقصاء الإخوان من المجال السياسي الرسمي وكذلك الأحزاب السياسية المدنية، وتعرضت الجماعة ورموز العمل السياسي لضربات أمنية واسعة، شملت آلاف الاعتقالات وحملات تشويه إعلامية مستمرة.

ورغم ذلك، لم تغب الجماعة عن واجهة التحليل السياسي. فهي حاضرة بقوة كعدو سياسي يُستحضر من النظام العسكري باستمرار في الإعلام، سواء عبر البرامج الحوارية، الصحافة، أو الدراما مثل مسلسل رأس الأفعى، حيث تُصوَّر الجماعة كرمز للفوضى السياسية ومصدر فشل التغيير عبر الانتخابات، وتُستعمل لترويج فكرة عدم جدوى التغيير الشعبي.عبر آليات الديمقراطية.

هذا الحضور الرمزي للإخوان يعكس استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ الرواية الرسمية للماضي، وتعزيز شرعية النظام، وبناء الذاكرة السياسية للجمهور بطريقة تحدد فهمهم للأحداث منذ 2011.

 وفي الوقت نفسه، يبقى التنظيم كياناً كامناً يحتفظ بشبكاته الاجتماعية وخبراته التنظيمية، ما يجعله فاعلاً محتملًا إذا توفرت الظروف المناسبة.

الحروب والأزمات الإقليمية تُشكل عاملاً موازياً يمكن أن يخلق فجوات سياسية داخلية. فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر أو تراجع إيرادات قناة السويس، جنباً إلى جنب مع انخفاض الاستثمارات وارتفاع التضخم، يزيد الضغوط الاقتصادية على النظام.

كذلك ومن مسار موازي سوف تضغط تلك الحرب الحالية على حلفاء وداعمي النظام في مصر مما قد يكشف هشاشة النظام أمام أزماته الداخلية والتحولات الإقليمية واحتمالية الاستغناء عن عدد كبير من العمالة المصرية في دول الخليج التي ستبقى في حالة تقشف لمعالجة آثار الحرب الراهنة.

هذه الضغوط قد تدفع النظام إلى البحث عن أدوات لامتصاص الاحتقان الاجتماعي، وإعادة توزيع بعض المساحات السياسية بطريقة تدريجية.

 وهنا يمكن أن يظهر دور الإخوان كفاعل اجتماعي وتنظيمي، مستفيدين من شبكة علاقاتهم التاريخية في المجتمع، وقادرين على إعادة التموضع إذا توفرت فرصة سياسية مناسبة.

تظل مصر أمام تحدي إعادة تعريف دور الجيش في الحياة الاقتصادية والسياسية.

المؤسسة العسكرية التي لعبت دوراً تاريخياً منذ ثورة 1952، أصبحت لاعباً اقتصادياً وسياسياً واسع النفوذ وترسخت سيطرته السياسية والاقتصادية، ما أعاق تطور القطاع المدني والمجتمع السياسي الحر.

إعادة الجيش إلى دوره الدفاعي الأساسي، مع توسيع المجال السياسي للأحزاب والجماعات، قد يشكل جزءاً من أي تحول مستقبلي حقيقي.

 لكن هذه التحولات عادةً لا تحدث دفعة واحدة، إذ تتطلب تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتحولات إقليمية قد تضطر النظام لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية.

سيناريوهات مستقبلية محتملة للإخوان المسلمين

وحيث أن المنطقة يعاد رسم جغرافيتها السياسية الجديدة وفي ضوء الضغوط الداخلية والتحولات الإقليمية، يمكن تصور أربعة سيناريوهات محتملة:


السيناريو التدريجي: التهدئة والإفراج الجزئي

الإفراج عن معتقلين محددين، وتوسيع هامش العمل الاجتماعي والسياسي للجماعة، مع بقاء حضورهم الرسمي محدوداً. الجماعة تستعيد نشاط قوتها التنظيمية تدريجياً وتبني شبكاتها.


السيناريو التفاوضي: إعادة الدمج السياسي المحدود

في ظل أزمة اقتصادية أو تحولات إقليمية، قد يضطر النظام لعقد صفقة مع الجماعة، تسمح بمشاركة محدودة في الحياة العامة.

تصبح الجماعة شريكاً داخلياً لتخفيف الاحتقان الاجتماعي.

السيناريو التحولي: إعادة التموضع الاستراتيجي الكامل

إذا تراكمت الضغوط الاقتصادية والسياسية وظهرت اضطرابات شعبية، قد تتحول الجماعة إلى قوة فاعلة في دفع إصلاح سياسي شامل، بما يشمل انتخابات أوسع وتقليص هيمنة الجيش على الاقتصاد والسياسة.

السيناريو الرمزي: استمرار حالة العدو السياسي مع التأثير الخفي التي يستدعيها النظام في خطابه الإعلامي المكثف،

يبقى الإخوان حاضرون في الإعلام والثقافة كعدو رمزي، مستمرون في تشكيل الوعي العام حول مخاطر الفوضى والتغيير السياسي، مع إمكانية تفاعلهم تحت السطح لإعادة التموضع إذا تغيرت الظروف.

المشهد المصري اليوم يتشكل من شبكة معقدة من العوامل: أزمة اقتصادية تضغط على الاستقرار، حرب إقليمية تفتح فجوات سياسية، نظام عسكري يحاول الحفاظ على هيمنته، وجماعة الإخوان كيان كامن وفاعل محتمل.

بين الأزمة والتحول، وبين العدو الرمزي والفاعل الكامن، وبين الضغوط الاقتصادية والحروب الإقليمية، تنتظر مصر لحظة قد تعيد ترتيب الأولويات، وتخلق فرصة لإطلاق مساحات أوسع من المجال العام، وإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والكيانات الاجتماعية والسياسية التي ظلت لسنوات على هامش المشهد الرسمي.


أخيرا ويبقى السؤال المركزي مفتوحا، وفي ظل التغيرات القادمة بقوة

من يصنع التغيير في مصر في الأيام القادمة