الاثنين، 14 سبتمبر 2026

صراع «الأنا»

صراع «الأنا»


صراع «الأنا»

حين تُقْبَض روح الإنسان، وتُطوى صحيفة أيامه في الدنيا، يتبدّى الموتُ في حقيقته الكبرى لا كفناء للجسد فحسب، بل كموت قاطع لأسطورة «الأنا» التي طالما سكنت محراب الوهم، وطالما عاش العبد يظنّ تلك الأنا حقيقةً لا تزول، وكياناً مستقلاً يملك ويحكم ويوجه، فإذا بالموت يهوي بسيفه البتار على كل تلك الهلاميات والشكليات، ليُسقط الأسماء، والألقاب، والتطلعات، والعلاقات التي لطالما اتخذها العبد وطناً وملاذاً.


يموت الإنسان، فتسقط الأسماء التي كان يلوذ بها، وتخفت الألقاب التي كان يعتز بها، وتبقى الحقيقة عارية من كل زينة، تسقط «أنا» الاسم، و«أنا» المكانة، و«أنا» الثوب، و«أنا» البيت، و«أنا» الناس، و«أنا» العلاقات، و«أنا» الممتلكات، و«أنا» الشهرة، و«أنا» التطلعات، و«أنا» الذكريات، و«أنا» الآراء.


في تلك اللحظة الفارقة، يرتطم الإنسان بصدمة الحقيقة العارية؛ فكل ما كان يخدمه، ويدفع عن حياده، ويسعى لشهرته، وجماله، وثناء الناس عليه، يتبدد كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، يفاجأ المسكين بأنه أفقر ما يكون، لا يملك من أمره شيئاً، بل يكتشف متأخراً أن حتى تلك «الأنا» التي استبدت بوجدانه لم تكن سوى عارية من الله، اختبره بها، فإذا به يعبدها من دون الله.


حتى العمل الصالح تحول نفسه إلى غذاء لها، قد يقرأ القرآن، و«الأنا» تتطلع إلى أن تسمع تصفيق الناس، وقد يطلب العلم، و«الأنا» تطلب المنزلة، وقد يدعو إلى الله، و«الأنا» تطلب أن يكون الناس معه، وقد يخدم الحق، و«الأنا» تطلب أن ينسب الفضل إليها، وقد يبني، و«الأنا» تريد أن يكتب اسمها على البناء، فتصبح العبادة التي كان ينبغي أن تحرره من نفسه طريقاً جديداً لتضخيم نفسه.


إنه الفقر الحقيقي؛ حيث يتخلى عنه كل شيء ويعود عبداً فقيراً ليس له شيء مطلقاً، لأن كل تعلّقاته ماتت بموت «الأنا»، قال تعالى: (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ {9}‏ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات)، فكل ما تعلق بالنفس والجسد يبعثر لا وزن له، أما ما كان من علاقة بالله وثيقة فذلك الذي يُحصل وينفع، وحين تُبعثر القبور، وتُحشر الوحوش، وتتكور الشمس، وينفرط عقد الكون الزاخر بمظاهره، وتتصدع جدران الوهم، يبرز الخلق لله الواحد القهار، وتخرج الحقيقة سافرة؛ (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) (التكوير: 14).


هناك، حيث تنقشع سحابة الغفلة وتتوارى أضواء الدنيا الزائفة، تقف النفس وجهاً لوجه أمام حصاد عمرها؛ فلا تستطيع إنكار خطيئة، ولا ادعاء فضل، ولا التخفي خلف اسم أو لقب، إنها لحظة الانكشاف الأعظم التي تُعرض فيها الدواوين، ويقف العبد ليراقب ما قدمت يداه، وما أضمره قلبه، وما حفرته «الأنا» من آثار في باطنه وظاهره، قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) (الأنعام: 94).


حين تنكشف السرائر وتحصل ما في الصدور، لا ينجو إلا ما كان خالصاً لوجه الله، لا تبقى تلك المظاهر الخادعة، بل يبقى رصيد الخلوات؛ الصلوات الطويلة الخاشعة، السجدات العميقة التي عفرت الجباه في أطراف الليل، الأذكار الخفية، الدمعات التي حفرت مجاريها في السر، التضحيات التي لم تبتغِ غير القرب، والحب الصادق والشوق العارم للحي القيوم.

تلك هي الخبيئة التي لا تموت بموت صاحبها؛ لأن قيمتها ليست في شهرة صاحبها، وإنما في صلتها بالله؛ (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل: 96).


فاجعل من نفسك شيئاً عند الله، لا شيئاً عند الناس، واجعل في قلبك رصيداً لا يأخذه الموت، واجعل لك من الخبيئات ما لا تعرفه الألسن ولا تراه العيون، ولكن يعلمه الله سبحانه، فالمشكلة ليست أن يكون للإنسان وجود، وإنما أن ينسب وجوده إلى نفسه.


لقد عرف السالكون طريقهم إلى الله على بصيرة، فأدركوا أن أخطر ما يقطع على العبد سيرَه هو ذلك الحجاب الثخين المسمى بـ«الأنا»، لقد فهموا بعمق معنى التزكية الربانية في قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس)، فعلموا أن التزكية الحقة ليست ترفاً تعبدياً، بل هي عملية انتشال كبرى للقلب من ورطة التعلقات، وتخليصه من دساستها حين تترك أسيرة للشهوات والتطلعات، والتكبر والتجبر ومطالب الدنيا المهلِكة.


من هنا جاء الهدي النبوي الشريف دقيقاً وحاسماً في التعامل مع جذور «الأنا» وقطع دابر استعلائها؛ إذ علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته منهج الكفاف الذي يكسر شوكة النفس ويقمع طمعها، بقوله الحكيم: «إنما يكفيك ما يسد جوعتك ويواري عورتك، وإن كان لك بيت فذاك، وإن كان لك زوجة فبخٍ بخ».


وبقوله: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صُلبه»، لم يكن هذا زهداً تدميرياً، بل كان تدبيراً ربانياً لئلا تطغى «الأنا» وتتخذ من فضل الدنيا وثيابها وشهرتها صنماً تدور في محرابه.


لقد بلغ من شدة وعي السالكين بخطورة النفس أنها كانت موضع اتهام مستمر في كل خطوة وكل كلمة؛ فكان أحدهم يراقب خواطره ليلاً ونهاراً، خشية أن يتسلل حب الظهور أو حظ النفس إلى خلواته أو طاعاته، ومن هنا غاص العارفون في أبعاد هذا المعنى الخطير حتى صار من مناجاتهم العجيبة؛ اللهم خذني إليك مني، وارزقني الفناء عني، ولا تجعلني مشغولاً بنفسي محجوبًا بحسي.


إنها دعوة للتحرر الأعظم؛ ألا يسجن العبد داخل قفص أنانيته ورغباته الشخصية، بل يخرج من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، ومن رؤية نفسه إلى شهود المنعم وحده، فمتى فني العبد عن حظوظ نفسه الأمارة، وأدرك فقره الذاتي أمام غنى مولاه، انفتحت له أبواب المعرفة، واستقام له السير في دروب القرب بلا التفات لغير الله.


وحين يستقر هذا الفهم في سويداء القلب، تنقلب الحياة كلها؛ فلا يعود النجاح صنماً، ولا ينكسر القلب لفوات حظ من حظوظ الدنيا، وحين يأتي الموت لأصحاب هذه القلوب، لا يكون صدمة مرعبة، بل هو الانكشاف الأخير لما اعتادوا تذوقه في خلواتهم، ليهتفوا بيقين تام في ملكوت الحقيقة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5).



فاقبض على نفسك اليوم قبل أن تُقَبض، واخلع أردية الوهم قبل أن تُنزع عنك قسراً، حتى لا يتبقى في قلبك يوم القيامة سوى الحقيقة الباقية؛ أنك عبد، وأن الله هو الغني الحميد، وأن أجمل ما فيك وأبقاه هو ما كان له وحده.




حقيقة الوضع في اليمن

 حقيقة الوضع في اليمن

عامر عبد المنعم 


منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قررت تأجيل الكتابة عن مستقبل العلاقة بين طهران والعالم الإسلامي حتى انتهاء الحرب، حتى لا يثار الجدل الذي يشوش على المعركة التي من مصلحة الإيرانيين والأمة أن يخسرها ترامب وحليفه نتنياهو.

كنا ومازلنا نرى أن الصمود الإيراني ضد العدوان يصب لصالح الأمة وينبغي البناء عليه، لتصحيح الكثير من المواقف الطائفية السابقة التي ولدت انطباعا سلبيا حال دون التقارب.

لكن اللعبة المعادية التي تهدف إلى إشعال الصراع الشيعي السني، واستمرار الإيرانيين في سياسة التوسع في العالم العربي من خلال ميليشيات طائفية تابعة لها يجعلني مضطرا للكتابة للتحذير من الخطر، ولتوضيح ما يخفى على البعض.

ما أراه من خلال متابعتي للشأن اليمني يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1 – الأمريكيون ومعهم البريطانيون هم أصحاب القرار، وهم منذ البداية مع تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب، وهم مع إعطاء الشمال للحوثي وأيدوا سيطرة الإمارات على الجنوب، وعندما حاول الحوثي التمدد جنوبا إلى عدن تقرر ضربه؛ فكانت عاصفة الحزم التي توقفت عند هذا الحد.

2 – الحوثيون قبيلة في جبال صعدة بشمال اليمن اعتنقت المذهب الإيراني، وهم أقلية صغيرة في دولة بها 42 مليون إنسان أغلبيتهم شوافع سنة، وأقلية زيدية معظمهم على خلاف كبير مع الحوثيين، أقرب للسنة، وسيطرت ميليشيا هذه القبيلة المسلحة على المحافظات الشمالية، وارتكبوا مذابح طائفية ودمروا البيوت وهدموا المساجد، ومارسوا التهجير الطائفي ضد الملايين من اليمنيين وشردوهم خارج اليمن (مثل ما فعلوا في العراق وسوريا).

3 – بعد ثورة اليمنيين في 2011 وسقوط حكم علي عبد الله صالح ضغطت الولايات المتحدة والدول الغربية على دول الخليج لمنع حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون) من المشاركة في أي ترتيبات سياسية.

4 – انتقم على عبد الله صالح من الثورة وفتح الطريق للحوثيين فاجتاحوا المحافظات الشمالية واحدة بعد الأخرى، طمعا في أن يشاركوه في الحكم ولكنهم قتلوه بعد ذلك.

5 – اصطدم الحوثي بكتائب حزب الإصلاح والإسلاميين في تعز ومأرب والجوف والضالع والمقاومة القبلية في كل المحافظات، فلم يستطع استكمال الانتشار واحتلال كل اليمن الشمالي.

6 – المقاومة في تعز ومأرب والجوف، استطاعت بتسليح متواضع أن تستجمع قوتها، وتساند المجموعات الأخرى مثل التهاميين في تحرير الساحل وكادوا أن يحرروا الحديدة، لكن التدخل الأمريكي والبريطاني العسكري غير المعلن أوقفهم بالقصف الجوي وبالضغط السياسي، وبعدها تم التوافق الدولي على تنصيب طارق صالح المرتبط بالإمارات قائدا للشرعية في منطقة الساحل، ودعمه عسكريا ودفع رواتب القوات التي تحت إمرته.

 7- السعودية دعمت بقوة الجيش والمقاومة لكن غلطتها انها أدخلت الإمارات معها ويبدو ان الإمارات كان لديها حسابات مسبقة وتنسيق قبل اجتياح الحوثي ليمن مفكك والسيطرة على الجزر اليمنية وباب المندب وفصل الجنوب.

8 – تصدت المقاومة للحوثيين، وكان جيش الشرعية الذي تكون يتعرض لضربات غامضة بغارات من طائرات مقاتلة حديثة لم تعلن أي دولة المسئولية عنها.

9 – في الاتفاقات التي تمت لتهدئة الصراع لحماية الحوثي وبضغوط أمريكية تم نفي بطل تعز حمود المخلافي الذي قهر الحوثيين إلى خارج اليمن.

10 – كان من الاتفاقيات لوقف إطلاق النار حظر الطيران على صنعاء بقرار دولي، الذي استمر حتى الشهر الماضي عندما كسر الحوثيون الحظر بإرسال وفد إلى طهران للتعزية في وفاة المرشد الإيراني وقرروا كسر قرار الحظر ، فقامت طائرة مقاتلة قيل أنها يمنية تابعة للشرعية وقيل أنه سعودية بقصف المدرج بمطار صنعاء ولم تقصف الطائرة التي نزلت بسلام، فرد الحوثيون بقصف أهداف داخل المملكة، بعدها جرى التصعيد بين الطرفين والذي انتهى بالهجوم على تعز ومحاولة تطويقها، ثم السيطرة على الساحل بعد انسحاب طارق صالح من المواجهة (بترتيبات لم يعلن عنها حتى الآن) وتسليم المنطقة الساحلية للحوثيين، الذين اندفعوا حتى باب المندب وسيطروا على الجزر اليمنية التي تتحكم في المضيق.

11 – كان واضحا أن إيران تريد قصف منشآت البترول السعودية لوقف تصدير النفط من المنطقة وهي أعلنت ذلك مرارا، وأوكلت المهمة للحوثيين والميليشيات العراقية التي قصفت هي الأخرى أنبوب النفط السعودي (شرق غرب)، وأردت إيران تمكين الحوثيين من الإمساك بمضيق باب المندب للتحكم في المضيقين، لشل حركة النقل البحري تماما.

12 – الجبهات التي كان ينتشر فيها جيش الشرعية النظامي الضعيف والمهلهل سقطت بسبب عدم الكفاءة والخيانات وغياب الروح المعنوية لتولي شخصيات باهتة لا هوية لها القيادة؛ بينما صمدت كتائب تعز ومأرب والبيضاء والجوف والمجموعات الإسلامية الأخرى التي تقاتل بدافع العقيدة.

13- في الجنوب عجز الحوثيون عن البقاء بسبب المقاومة الشعبية، بمشاركة الإصلاح والأغلبية السلفية، وفي عدن تم صدهم من قبل المقاومة الشعبية بقيادة نايف البكري القيادي الإصلاحي وقيادات سلفية؛ تم اغتيال معظمها بعد التحرير ونفي الآخرين ومنهم نايف البكري.

14- أكدت الحرب أن الميليشا العقائدية توقفها ميليشيا عقائدية وليس وحدات نظامية مفككة، وصمود تعز ومأرب والجوف تجربة واضحة في البسالة والشجاعة بسبب الروح القتالية.

15- الأسلحة التي تم توزيعها على كل الجبهات واستولى عليه الحوثي في النهاية؛ لو تم تسليم 10% منها لكتائب الإصلاح لفشل الحوثي منذ البداية، لكن الفيتو الأمريكي والاستجابة السعودية في البداية أوصلا اليمن للوضع المأساوي الحالي.

16 – التطورات تظهر أن الهدف لم يعد فقط تدمير اليمن، وإنما المملكة السعودية التي ستصبح المحطة التالية إن سقطت مأرب وتعز والجوف وما تبقى من مناطق صامدة.

تنويه مهم

تأييد الإيرانيين في الدفاع عن أنفسهم ضد العدوان وحقهم في أن يكون لهم مشروعهم الدفاعي والنووي لا جدال فيه، وأيضا موقفهم من دعم القضية الفلسطينية يستحق التحية ويشكروا عليه، لكن هذا التضامن والتأييد لا يعطيهم شرعية احتلال بلاد العرب وممارسة التطهير العرقي لفرض مذهبهم على الأمة بدعاوى محاربة أمريكا وإسرائيل.

حتى لو كنا نعترض على سياسات بعض الحكومات العربية فإن البلاد الخاضعة للهيمنة الخارجية مدعوة للتحرر وأن نساعد في ذلك، وليس تدميرها بزعم أنها دول صهيونية عميلة!

المستقبل يقتضي تغيير السياسات الطائفية، والتحرك كجزء من الأمة وليس كعنصر تدمير للأمة وخدمة المخططات الخارجية، وإذا كانت سوريا قد تخلصت من الاحتلال الإيراني فإن العراق واليمن لن يستقرا حتى يتم التخلص من الميليشيات الطائفية التي ارتكبت مجازر مروعة ضد شعوب مسلمة.

بيتُ النَّبيِّ ﷺ ليس فيه إلا الماء! في بيت النبي

 بيتُ النَّبيِّ ليس فيه إلا الماء!

في بيت النبي





البيوتُ العظيمةُ ما كانتْ تلك التي تَفيضُ موائدُها، بل التي تفيضُ قلوبُها، ولا كان الغِنى في مدرسةِ النبوّةِ بكثرةِ ما في الأيدي، بل بسِعةِ ما في الصدورِ. 

هناك، حيثُ يُختبَرُ الإيمانُ في لحظاتِ القِلّةِ لا الوفرةِ، وتُقاسُ الأخلاقُ عندَ الحاجةِ لا الرَّخاءِ، كانتِ الكرامةُ تُصانُ ولو لم يبقَ في البيتِ سوى الماءِ، وكان الضيفُ سيّدَ الموقفِ ولو خلا البيتُ من الطّعامِ. 

ومن هذا المقامِ العالي، نقرأُ مشهدًا يُعلِّمُ الدُّنيا أنَّ أعظمَ صورِ العطاءِ تبدأُ أحيانًا حين لا نملكُ شيئا إلا القلبَ!

أتى رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: إنّي مجهودٌ.

فأرسلَ النَّبيُّ ﷺ إلى بعضِ نسائِه يسألُها إن كان عندَها طعامٌ في البيتِ حتّى يأتيَ بالضيفِ، فقالتْ: والذي بعثَك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ! فأرسلَ إلى زوجاتِه جميعًا، حتّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ: والذي بعثَك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ!

فقالَ النَّبيُّ ﷺ لجُلسائِه: مَن يُضيفُ هذا اللّيلةَ رحمَه الله؟

فقالَ رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسولَ الله!

فانطلقَ به إلى بيتِه، وقالَ لزوجتِه: هذا ضيفُ رسولِ الله ﷺ، فهَيِّئي له الطَّعامَ.

فقالتْ: ما عندي إلا طعامُ أولادِي!

فقالَ لها: نوِّمي أولادَكِ، ثمَّ ضعي الطَّعامَ، فإذا مدَّ يدَه ليأكلَ فقومي إلى السِّراجِ فأطفئيه، ثمَّ تعالي نُوهِمْه أنّا نأكلُ معه حتّى يكفيَه الطَّعامُ فيشبَعَ.

ففعلتْ مثلَما أمرَها، فشبِعَ الضيفُ، وباتا جائعينِ!

فلمّا أصبحَ غدا إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالَ له: عَجِبَ اللهُ من صنيعِكما!

وأنزلَ فيكما قرآنًا:

 ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ   شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).                                      

الدُّنيا دُولابٌ، والزَّمنُ دوّارٌ؛ اليومَ معك مالٌ، وغدًا قد لا تجده، واليومَ لا تجده، وغدًا قد تثرى. لا الفقرُ عيبٌ، ولا الغِنى سُبَّةٌ، المهمُّ أخلاقُ المرءِ في غناه أو فقرِه، المهمُّ ما في قلبِه لا ما في جيبِه. تخيَّلوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجِدْ في بيتِ واحدةٍ من زوجاتِه طعامًا يُقري به ضيفَه! إيّاك أن تعتقدَ أنَّ الفقرَ عقوبةٌ، أو أنَّ الغِنى جائزةٌ؛ كلُّ ما في الأمرِ أنَّ الدُّنيا امتحانٌ، فإيّاك أن ترسُبَ مهما كانتْ أسئلةُ الامتحانِ.

النَّبيلُ هو الذي يُبادِرُ ليسدَّ حاجةَ غيرِه، ولا يُحرِجُه فيُظهِره بمظهرِ المُقصِّرِ. 

ومن النُّبلِ إذا علمتَ بمرضِ أحدٍ في بيتِ جارٍ فقيرٍ أن تُعينَه دونَ أن يطلبَ؛ أنتَ تعرفُ حالَه، وبعضُ النّاسِ تمنعُه كرامتُه أن يطلبَ، وأجملُ العطاءِ ما يرحمُ الكرامةَ ويحفظُ ماءَ الوجهِ.

ومن النُّبلِ إذا أُقيمَ عزاءٌ لفقراءَ تعرفُهم أن تُساهِمَ معهم في تكاليفِ العزاءِ، أو أن تشتريَ لهم بعضَ حاجياتِه ومُتطلّباتِه كي لا تُحرجَهم أمامَ النّاسِ فيظهروا بمظهرِ المُقصِّرِ والمحتاجِ؛ فهذا لا يدخلُ في بابِ الصدقةِ فقط، وإنّما في بابِ السِّترِ أيضًا، ويا لحُبِّ اللهِ للسِّتِّيرينَ من عبادِه!

العطاءُ أدبٌ أيضًا؛ فأن تحرِمَ إنسانًا من صدقتِك أهونُ من أن تُعطيَه إيّاها على ملأٍ فتجرحَ كرامتَه وتُشعِرَه بالحرجِ. وانظُرْ إلى أدبِ الأنصاريِّ عندما علِمَ أنَّ الطَّعامَ قليلٌ، طلبَ من زوجتِه أن تُطفئَ السِّراجَ؛ لأنَّ الضيفَ سيشعرُ بالحرجِ ولن يأكلَ لو رأى أنَّ الطَّعامَ لا يكفي للجميعِ.

رفعُ الحرجِ من جبرِ الخواطرِ، وجبرُ الخواطرِ عبادةٌ!

يُعيدُ لنا هذا المشهدُ تعريفَ الغِنى والفقرِ، فلا الغِنى فيما نملكُ، ولا الفقرُ فيما نفقدُ، بل الغِنى في قلبٍ يتّسعُ لغيرِه، والفقرُ في نفسٍ تُمسِكُ وهي قادرةٌ على البذلِ. لقد كان الإيثارُ هنا عبادةً صامتةً، لا ضجيجَ فيها ولا ادّعاءَ، وكان السِّترُ خُلُقًا يُقدَّمُ قبل اللُّقمةِ، وكانت الكرامةُ محفوظةً كما يُحفَظُ العطاءُ. فمن تعلّمَ أن يرفعَ الحرجَ عن الناسِ، فقد فتحَ لنفسِه بابًا من أبوابِ رحمةِ اللهِ، ومن جعلَ جبرَ الخواطرِ طريقَه، وجدَ عند اللهِ ما لا يزولُ!

الشبو.. لماذا يعودون؟

الشبو.. لماذا يعودون؟


حمد حسن التميمي

يعود إلى بيته بعد العلاج، فتتنفس أسرته الصعداء. غرفته كما تركها، وهاتفه ينتظره، وربما ما زالت فيه أرقام الأشخاص الذين تعاطى معهم أول مرة. 

حاول خلال العلاج أن يتغير، لكن الحياة التي يعود إليها قد تكون بقيت على حالها. 

نفرح بعودته، ونوشك أن نحسب الحكاية انتهت، كأن الإدمان وقع له تعهداً بعدم الرجوع. 

ثم تخف الزيارات والتهاني، ويجد نفسه أمام تفاصيل حياته القديمة، يحاول ألا يعود إلى ما خرج منه. 

كيف تستمر مساعدته حينها؟

هذا ما يشغلني في الحديث عن الشبو: لماذا يعود بعض الشباب إلى التعاطي رغم وجود العلاج والمتابعة؟ 

هناك رعاية لاحقة وتأهيل، والسؤال عن أثرهما في حياة المتعافي يستحق إجابة واضحة. 

فالحديث عن البرامج يوضح ما نقدمه، والحديث عن النتائج يوضح ما تحقق للإنسان. والأسرة التي تخشى أن تفقد ابنها مرة أخرى تريد أن تعرف ما الذي يساعده على الاستمرار. لن يخف خوفها بمجرد تعداد الخدمات المتاحة.

ولكي نفهم العودة، علينا أن نتحدث بصراحة عن البداية. قد يبدأ التعاطي بحثاً عن المتعة، أو هرباً من ضيق، أو فضولاً ومجاراة للرفاق. نعم، المتعة من الأسباب، وتجاهلها لا يجعل خطابنا أكثر إقناعاً. 

لكن ما يبدأ طلباً للنشوة قد يتحول مع استمرار التعاطي إلى حاجة ملحة يصعب التحكم فيها؛ لذلك لا يصح تفسير كل عودة بالرغبة في الاستمتاع. 

ولمن يظن أنه سيجرب ثم يتوقف متى شاء: قدرتك على اتخاذ الخطوة الأولى لا تضمن قدرتك على التراجع عنها. قد تبحث عن شعور يخصك، ثم تترك تبعاته في بيت كامل؛ أم تخاف، وأب يترقب، وثقة تحتاج إلى وقت طويل لتعود.

وهذا ما يجعل قياس التعافي بعد الخروج ضرورياً. ففي دراسة منشورة عام 2014 في مجلة «Drug and Alcohol Dependence»، 

حللت الباحثتان ماري لين بريخت وديان هيربيك، من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، بيانات 350 شخصاً تلقوا العلاج من تعاطي الميثامفيتامين، المعروف بالشبو. 

وأظهرت إفادات المشاركين أن 61 % منهم عادوا إلى التعاطي خلال السنة الأولى بعد الخروج. كما ارتبطت المشاركة في مجموعات المساعدة الذاتية أو علاج إضافي بفترة أطول من الامتناع. هذه النتائج تخص عينة الدراسة، ولا يصح تعميمها على جميع المتعافين. كما أنها لا تثبت أن المشاركة وحدها كانت سبب استمرار الامتناع. 

ومع ذلك، تضع أمامنا سؤالاً عملياً: 

ما الذي يميز تجارب مَن استمروا في التعافي، وكيف نستفيد منه لمساعدة مَن تعثروا؟

ولهذا أرى أن الحزم في المتابعة ينبغي أن يظهر في التزامات واضحة، وتدخل سريع عند الانقطاع، ومراجعة للحالات التي تتكرر فيها العودة. 

ويشمل ذلك تحديد الحالات التي تستدعي إلزاماً بالمتابعة وفق تقييم طبي وضوابط قانونية، مع معالجة العوائق التي تمنع الالتزام. 

فالإلزام بالمتابعة يختلف عن إلزام الشخص بالإقامة داخل مركز للعلاج، ولكل شروطه. ويكون ذلك بإجراء مناسب في وقته، يعرف المتعافي ما يتطلبه منه، وتُراجع نتائجه. 

أما أن نرفع صوتنا بكلمة «نجبره»، فلا يشرح كيف سنساعده؛ كما أن الاكتفاء بعبارة «هذا اختياره» لا يجيب أسرة ترى ابنها يتعثر أمامها.

والعودة إلى التعاطي لا تثبت وحدها فشل العلاج، لكنها تستدعي فهماً لما حدث واستجابة تناسبه. 

من تعثر رغم التزامه يختلف عمن انقطع، ومن احتاج إلى تعديل علاجه يختلف عمن واجه عائقاً في الوصول إليه. هنا نحتاج إلى مؤشرات عامة تحفظ خصوصية المرضى، وتوضح النتائج وما أُجري بناء عليها من تحسينات. 

فالعدد الذي يهمنا يتجاوز من حضروا المواعيد إلى من استفادوا منها واستمروا في تعافيهم. ومن المشروع أن نسأل عن ذلك؛ فنشر النتائج الجيدة يعزز الثقة، والنتائج التي تحتاج إلى تحسين لا تتحسن بمجرد وصف الجهد المبذول.

وللأسرة والمحيط الاجتماعي دور لا تنوب عنه المواعيد العلاجية. الأسرة تحتاج إلى إرشاد يوضح كيف تسانده، ومتى تتواصل مع المختص، وكيف تحمي أفرادها إذا ترتب على سلوكه أذى. محبتها له لا تعني أن تتحمل كل شيء بصمت، وخوفها عليه لا يبرر إذلاله. وقد نطالبه بأن ينسى حياته السابقة، ثم نحتفظ نحن بنسخة منها لاستخدامها عند أول خلاف. نريد منه أن يتغير، فهل نسمح له بأن نراه متغيراً؟ ومساعدته على العودة إلى الدراسة والعمل والصحبة التي تعينه تجعل البداية الجديدة شيئاً يعيشه، لا نصيحة نلقيها ثم نمضي.

من لديه ابن أو صديق يتعاطى يريد أن يعرف ماذا يفعل اليوم، وإلى من يلجأ، وما الإجراء إذا تكررت المشكلة. والمتعافي عليه مسؤولية في الالتزام والمصارحة وطلب المساعدة، وعلى من يساندونه أن يحولوا فهم حالته إلى خطوات قابلة للتنفيذ. 

هذا هو الحزم الذي أقصده: أن تقود المعرفة إلى قرار، وأن يظهر أثر القرار في حياة الإنسان. فمن السهل أن نسأل الشاب: 

لماذا عدت؟ 

ويبقى أن نسأل أنفسنا أيضاً: 

ماذا تعلمنا من عودته، وما الذي تغير بعدها؟.

الأحد، 13 سبتمبر 2026

اختبار الغرب مع فرانكشتاين الصهيوني

اختبار الغرب مع فرانكشتاين الصهيوني

عبدالله مراد أوغلو
 Yeni Şafak Arabic

تجاوز عدد المستوطنين الصهاينة غير الشرعيين في القدس الشرقية والضفة الغربية الواقعتين تحت الاحتلال الإسرائيلي 750 ألفاً. ولم تصل الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى هذا الحال بين ليلة وضحاها، بل جرى دفعهما إلى هذه النقطة خطوةً خطوة على مدى عقود. لقد خلقت الأنظمة الغربية في الأراضي المحتلة «فرانكشتاين»، وهي اليوم لا تعرف كيف تسيطر على هذا الوحش الذي شكّلته بيديها.

أعلنت 12 إدارة غربية، تتقدمها بريطانيا وفرنسا وكندا، أنها ستفرض قيوداً على التجارة مع المستوطنات غير الشرعية، وستلجأ إلى بعض العقوبات. ورغم أن الإعلان يشير إلى تغير في علاقات أوروبا مع إسرائيل، فإنه لا يبدو مرجحاً أن تغيّر هذه القيود الواقع الفعلي على الأرض. وما لم تشمل العقوبات والقيود إسرائيل مباشرة، فسيكون من الصعب جداً اقتلاع المحتلين المسلحين من المستوطنات وطردهم منها.

وفقاً لتصريحات وزير الخارجية البريطاني إد ميلباند، تقرّ الحكومة البريطانية رسمياً بأن احتلال إسرائيل غير قانوني. وهي تعترف بالتطهير العرقي في الضفة الغربية، وبدور الدولة الإسرائيلية في توسيع المستوطنات وتهجير الفلسطينيين. غير أن القيود التجارية والعقوبات الموعود بها تتناقض مع ثقل هذه التصريحات.

أما رد إسرائيل على القيود «الناعمة» التي لا تستهدفها مباشرة، فكان عنيفاً. وبريطانيا هي البلد الذي نشأت فيه الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية. ولولا دعم بريطانيا لما كانت إسرائيل موجودة. ومع ذلك، يهاجم الصهاينة المصالح الوطنية البريطانية مباشرة. فقد دعا يائير، نجل نتنياهو المتهم بارتكاب الإبادة الجماعية، إلى الإعلان بأن جزر فوكلاند، التي تسببت في حرب قصيرة بين بريطانيا والأرجنتين، تابعة للأرجنتين.

والجزر التي يسميها الأرجنتينيون «لاس مالفيناس» والبريطانيون «فوكلاند» تشكل موضع نزاع وصراع بين البلدين. فقد غزاها المجلس العسكري الحاكم في الأرجنتين في 2 أبريل/نيسان 1982. وتدخلت بريطانيا عسكرياً وفرضت سيطرتها على الجزر. وفي الحرب التي استمرت نحو عشرة أسابيع، قُتل 649 جندياً أرجنتينياً و255 جندياً بريطانياً.


وقال وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في منشور على حسابه في منصة «إكس»:

«لقد حان الوقت كي تقرّ دولة إسرائيل علناً بأن جزر مالفيناس أرض أرجنتينية محتلة، وأن البريطانيين سرقوا هذه الأراضي من الشعب الأرجنتيني بالعنف. فالبريطانيون لا يكتفون باحتلال هذه الأراضي، بل يجرون فيها أيضاً عمليات تنقيب عن النفط ويسرقون أموال الشعب الأرجنتيني. أدعو رئيس الوزراء نتنياهو إلى الاعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر مالفيناس، وفرض عقوبات على بريطانيا العظمى ما دام الاحتلال مستمراً».

وكانت دعوات الصهاينة المناهضة للمصالح الوطنية البريطانية ذات أثر تنبيهي لدى البريطانيين. كما يتهم الصهاينة بريطانيا بالقيام بـ«أعمال عدائية» ضد إسرائيل. ويرد بعض الكتّاب البريطانيين على هذا الوصف بتذكيرهم بمبيعات الأسلحة التي أجرتها إسرائيل للأرجنتين قبل حرب فوكلاند وأثناءها وبعدها.

ولو أن الحكومات الغربية فعلت عند إنشاء المستوطنات الأولى ما تحاول فعله اليوم، لما بلغ الوضع في الضفة الغربية هذه المرحلة، ولما وقعت الإبادة الجماعية في غزة. ففي عام 2004، قضت محكمة العدل الدولية بضرورة إزالة المستوطنات الصهيونية، مؤكدة أنها تنتهك القانون الدولي. لكن الرعاة الغربيين للنظام الدولي الليبرالي المزعوم القائم على القواعد لم يتخذوا أي خطوة جدية رغم قرار المحكمة.

ومن جهة أخرى، تستعد إسرائيل لتعويض خسائر المحتلين الخاضعين للقيود التجارية من إيرادات السلطة الفلسطينية. فإسرائيل تجمع الرسوم الجمركية على المنتجات التي تدخل الأراضي الفلسطينية، وتحول هذه الرسوم شهرياً إلى وزارة المالية الفلسطينية. وإسرائيل، التي تقطع هذه الإيرادات متى شاءت، تسخر من الغربيين وهي تُظهر منذ الآن ما بيدها.

وبحسب خبر نشرته بلومبرغ، فقد أكد دبلوماسيون بريطانيون لواشنطن أن العقوبات «رمزية» إلى حد كبير، وأنها لن يكون لها تأثير ملموس على العلاقات الأوسع بين بريطانيا وإسرائيل. كما أن واردات بريطانيا من مستوطنات الاحتلال لا تشكل سوى جزء ضئيل جداً من التجارة بين بريطانيا وإسرائيل.

وسيتضح قريباً ما إذا كانت القيود ستبقى مجرد «حملة علاقات عامة» موجهة إلى الرأي العام الغربي الذي يبدي رد فعل على تعريض الفلسطينيين للإبادة الجماعية.

"نازا.. فيلم "إسرائيلي" يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!

 "نازا.. فيلم "إسرائيلي" يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!

حلمي الأسمر

في العاشر من أيلول/سبتمبر 2026، حدث شيء في قاعة "سالا غراندي" بمهرجان البندقية السينمائي يتجاوز حدود السينما بكثير. أُطفئت الأضواء، وبدأ عرض الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "نازا"، وبعد ثمانين دقيقة تقريباً لم يكن الجمهور أمام فيلم آخر عن غزة، بل أمام محاولة لفتح باب غرفة العمليات التي صُنعت فيها الحرب نفسها. وحين أضيئت الأنوار، وقف الجمهور وصفق قرابة خمس وعشرين دقيقة، في واحدة من أطول وقفات التصفيق في تاريخ المهرجان، فيما رُفعت أعلام فلسطينية داخل القاعة، ووقف المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور متأثرين أمام جمهور يعرف أن ما شاهده ليس رواية فلسطينية عن الحرب، ولا تقريراً من منظمة حقوقية، وإنما شهادات جاءت من الجهة الأخرى: من رجال ونساء كانوا جزءاً من المنظومة التي راقبت وحددت واستهدفت الفلسطينيين في غزة. ولهذا فإن السؤال الذي تركه "نازا" خلفه لم يكن: ماذا حدث في غزة؟ فالعالم يعرف بعضاً مما حدث؛ السؤال كان أكثر رعباً: كيف حدث؟ ومن صنع الآلة التي جعلت قتل هذا العدد الهائل من البشر ممكناً؟

والحدث نفسه يستحق التوقف، فالفيلم عُرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية، أحد أقدم وأهم مهرجانات السينما في العالم، وكان الفيلم الوثائقي الوحيد المتنافس على الأسد الذهبي. ولم يصل إلى المهرجان كعمل مجهول أو هامشي؛ فمخرجاه يوفال أبراهام وراحيل تسور هما من الأسماء المرتبطة بفيلم "لا أرض أخرى"، الذي فاز بأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025.

أما إنتاج "نازا" فجاء بالشراكة مع صحيفة "الغارديان" وشركة المنتج جيمس ويلسون، فيما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب فيلم "منطقة الاهتمام"، الإنتاج التنفيذي. وهذه المصادفة الأخيرة ليست تفصيلاً سينمائياً عابراً؛ فغليزر الذي صنع في "منطقة الاهتمام" فيلماً عن قدرة الإنسان على مواصلة حياته الطبيعية بينما تجري الإبادة خلف الجدار، يجد نفسه الآن منتجاً تنفيذياً لفيلم يضع أمام المشاهدين شهادات عن منظومة قتل في غزة.

من هنا تأتي كلمة "نازا"، وهي الكلمة التي اختارها المخرجان عنواناً للفيلم لأنها تكشف، في حد ذاتها، شيئاً من طبيعة هذه الحرب. المصطلح مشتق من العبارة العبرية التي تعني "الضرر الجانبي"، لكنه يشير في السياق الذي يكشفه الفيلم إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة معينة


وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات "نازا" قسوة، وربما أكثرها دلالة: فالرجل الذي يتولى إنتاج الفيلم التنفيذي هو المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب "منطقة الاهتمام"، الفيلم الذي عاد إلى أوشفيتز لا ليروي حكاية الضحايا من داخل المعسكر، وإنما ليرينا شيئاً أكثر رعباً: عائلة رودولف هوس، قائد معسكر الإبادة، وهي تعيش حياتها اليومية في بيت وحديقة وأجواء عائلية عادية، بينما كانت ماكينة قتل اليهود تعمل خلف الجدار. كان غليزر يريد أن يسأل كيف يستطيع الإنسان أن يفصل بين حياته الطبيعية والجريمة التي تجري على بعد خطوات منه، وكيف يصبح الجدار وسيلة نفسية وأخلاقية لعزل الضحية عن الضمير.

وبعد سنوات قليلة، يجد المخرج نفسه منتجاً تنفيذياً لفيلم آخر يأتي من الجهة المقابلة تماماً لهذا الجدار. "نازا" لا يراقب عائلة تعيش بجوار ماكينة الإبادة، بل يدخل إلى داخل ماكينة القتل نفسها، إلى غرف المراقبة وشاشات الاستهداف وشهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الذين شاركوا في عمليات المراقبة والقتل عن بُعد في غزة.

وهنا يصبح الربط بين الفيلمين أكثر من مصادفة سينمائية؛ ففي "منطقة الاهتمام" كان السؤال: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا حياة طبيعية فيما يجري قتل آخرين خلف الجدار؟ وفي "نازا" يصبح السؤال: كيف تتحول عملية قتل الآخرين نفسها إلى عمل إداري وتقني، إلى بيانات وأرقام وخوارزميات وأوامر وشاشات، بحيث يستطيع من يديرها أن يتحدث عنها كما لو كان يدير عملية عسكرية عادية؟

وبين أوشفيتز وغزة تتغير التكنولوجيا، وتتغير اللغة، وتتغير أدوات القتل، لكن السؤال الذي يلاحق غليزر وصنّاع "نازا" واحد: كيف تبدأ عملية نزع إنسانية الآخر، وكيف يصبح قتله قابلاً للحساب، ثم قابلاً للتنفيذ، ثم قابلاً للحياة اليومية؟ وليس من العبث أن يقول مخرجا "نازا" إنهما وجدا نفسيهما أمام الأسئلة نفسها التي طرحتها أجيال القرن العشرين: كيف تسمح جماعة من البشر بـ"نزع الإنسانية الكامل" عن جماعة أخرى؟ عند هذه النقطة لا يعود غليزر مجرد منتج لفيلم عن غزة؛ يصبح وجوده نفسه جسراً سينمائياً بين صورتين تاريخيتين للشر: صورة الجدار الذي كان يخفي الإبادة في أوشفيتز، وصورة الشاشة التي تجعل الإبادة في غزة بعيدة عن العين، قابلة للضغط على زر، وقابلة لأن تتحول إلى رقم في نظام إلكتروني. وإذا كان "منطقة الاهتمام" قد علّم العالم كيف يمكن أن يعيش الإنسان على بعد أمتار من الإبادة من دون أن يراها، فإن "نازا" تسأل السؤال المعاكس والأشد رعباً: ماذا يحدث عندما تصبح الإبادة نفسها نظاماً يستطيع الإنسان أن يديره من خلف شاشة؟

لكن الأهم أن "نازا" لم يولد في البندقية، فالمخرجان أمضيا ثلاث سنوات في العمل السري للوصول إلى أربعة وعشرين ضابطاً وجندياً وعاملاً في الاستخبارات الإسرائيلية، شاركوا، بدرجات مختلفة، في منظومة المراقبة والاستهداف التي يتناولها الفيلم. صُورت المقابلات ليلاً على أسطح في تل أبيب، وأخفيت الوجوه وحُرفت الأصوات رقمياً لحماية أصحابها. هؤلاء ليسوا شهوداً على حرب سمعوا عنها في نشرات الأخبار؛ إنهم، بحسب الفيلم، أشخاص كانوا داخل النظام نفسه، بعضهم في الاستخبارات وبعضهم في وحدات مرتبطة بالاستهداف، ولذلك فإن قيمة شهاداتهم بالنسبة لصانعي الفيلم تكمن تحديداً في أنهم يستطيعون أن يقولوا كيف كانت المنظومة تعمل من الداخل. وقد قال أبراهام إنهما لم يريدا صناعة فيلم عن "جنود مارقين"، وإنما عن النظام نفسه، عن الأوامر والسياسات واللغة والآليات التي تجعل القتل الجماعي ممكناً.

ومن هنا تأتي كلمة "نازا"، وهي الكلمة التي اختارها المخرجان عنواناً للفيلم لأنها تكشف، في حد ذاتها، شيئاً من طبيعة هذه الحرب. المصطلح مشتق من العبارة العبرية التي تعني "الضرر الجانبي"، لكنه يشير في السياق الذي يكشفه الفيلم إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة معينة. تخيلوا ذلك: قبل أن تسقط القنبلة، وقبل أن ينهار البيت، وقبل أن تُنتشل الجثث من تحت الركام، يوجد رقم تقديري لعدد المدنيين الذين سيقتلون. يصبح الطفل "نازا"، والأم "نازا"، والجد والجدة والأخوة والجيران أرقاماً تدخل في معادلة الاستهداف. ليس السؤال إذن: هل سيموت مدنيون؟ بل: كم مدنياً يمكن أن يموتوا حتى يظل الهدف العسكري مقبولاً؟ وهنا تنهار اللغة التي تحاول أن تجعل القتل عرضاً جانبياً للحرب؛ لأن الموت الذي تعرفه مسبقاً، وتحسبه مسبقاً، وتناقش إمكان قبوله مسبقاً، لم يعد مجرد حادث وقع بعد العملية، وإنما صار جزءاً من عملية اتخاذ القرار نفسها.

لكن الأكثر إثارة للرعب أن "نازا" لا يقدم هذه المعادلة في صورة جندي يرفع بندقية ويطلق النار، إنه يدخل بنا إلى عالم أكثر برودة: عالم الهواتف والبيانات والخوارزميات والشاشات. في غزة، يصبح الهاتف جزءاً من عين الحرب؛ الموقع، الاتصال، حركة الجهاز، علاقته بأجهزة أخرى، نمط الاتصالات، كلها إشارات يمكن جمعها وتحليلها، ثم تأتي الأنظمة الإلكترونية التي تساعد الاستخبارات على غربلة هذا الكم الهائل من المعلومات. ومن أبرز ما يناقشه الفيلم نظام "لافندر"، الذي كان قد ظهر في التحقيقات الصحفية السابقة حول استخدام منظومات تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأشخاص الذين تعتبرهم إسرائيل أهدافاً محتملة. هنا لا تعمل الآلة بوصفها قاتلاً مستقلاً؛ وهذه نقطة يجب فهمها بدقة؛ الآلة لا تضغط الزناد وحدها، وإنما تساعد المؤسسة على صناعة قائمة الأهداف بسرعة وعلى نطاق هائل، ثم يأتي الإنسان للمراجعة والموافقة والتنفيذ.

وهذا هو الوجه الحقيقي للثورة التكنولوجية في الحرب: الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان، وإنما يستطيع أن يجعل الإنسان قادراً على إدارة عدد من عمليات القتل أكبر بكثير مما يستطيع أن يستوعبه كأفعال فردية. عندما يجلس موظف أمام شاشة ويشاهد رقماً أو إحداثية بدلاً من وجه إنسان، تصبح المسافة النفسية بين القرار والضحية هائلة. أحد المشاركين في الفيلم يصف العملية بأنها شبيهة بلعبة فيديو، وآخرون يتحدثون عنها كأنها مصنع. وهذه الكلمات، مهما بدت صادمة، تكشف جوهر التحول: القتل الذي كان يحتاج في الماضي إلى مواجهة مباشرة بين القاتل والضحية أصبح يمكن أن يمر عبر طبقات من البيانات والخوارزميات والشاشات حتى لا يرى أحد في السلسلة الإنسان الذي سيموت.

لكن "نازا" يذهب إلى مكان أشد ظلمة، فالمسألة، وفق الشهادات التي يقدمها، لم تكن دائماً تحديد مقاتل في شارع أو استهداف منشأة عسكرية بعيدة عن السكان، بل الوصول إلى الأشخاص داخل بيوتهم. وهنا يصبح الهاتف أداة لمعرفة أين يوجد الهدف، ومتى يوجد في منزله، ومن يمكن أن يكون معه. ويشير الفيلم إلى شهادات عن معرفة مسبقة بأن البيوت (أو حتى الخيم والخرابات!) المستهدفة مأهولة، وأن أطفالاً ونساء موجودون فيها. هذه النقطة بالذات هي التي تجعل مصطلح "الضرر الجانبي" يبدو كأنه قناع لغوي؛ لأنك إذا كنت تعرف أن البيت مأهول، وتعرف أن عائلة ستقتل، وتعرف تقريباً عدد الذين سيسقطون، ثم تمضي في الضربة، فهل ما يحدث "ضرر جانبي" فعلاً؟ أم أن المدنيين أصبحوا جزءاً متوقعاً من النتيجة؟

وهنا يفتح الفيلم الباب على مفهوم الإبادة الجماعية، لا باعتبار أن فيلماً وثائقياً يستطيع وحده إصدار حكم قضائي، وإنما باعتبار أن شهاداته تفرض السؤال عن القصد والمنهج والغاية، فالقتل الجماعي هو الوجه الأكثر وضوحاً للإبادة، لكنه ليس الوجه الوحيد الذي ينبغي أن نبحث عنه عندما نتحدث عن تدمير جماعة بشرية. ماذا يحدث عندما لا يُقتل الإنسان فقط، بل يُدمر البيت الذي يعيش فيه، والمستشفى الذي يعالجه، والمدرسة التي يتعلم فيها أطفاله، ومصادر الماء والطاقة والغذاء، والطرق التي تربطه بالعالم، والأحياء التي تشكل ذاكرته ومجتمعه، ثم يُدفع إلى النزوح مرة تلو أخرى حتى تصبح العودة إلى المكان الذي كان يسمى "وطناً" أمراً بالغ الصعوبة؟ هنا لا يعود السؤال: كم جثة أنتج القصف؟ بل يصبح: هل تُدمر شروط الحياة نفسها؟

وهذه، في رأيي، أخطر نقطة في "نازا"، لأنها تنقل النقاش من إبادة الأجساد إلى إبادة إمكانية الحياة. أن تقتل الإنسان يعني أن تنهي حياته، أما أن تدمر البيئة التي تجعل حياته وحياة جماعته ممكنتين، ثم تجعل العودة وإعادة البناء شبه مستحيلتين، فأنت لا تضرب فرداً فقط؛ أنت تضرب قدرة مجتمع على الاستمرار. وهذه هي الإبادة الجماعية في أبشع نسخها: النسخة الإسرائيلية؛ وهنا يمكن فهم الحديث في الفيلم عن تدمير واسع للمنازل وخلق واقع يمنع السكان من العودة. فالبيت ليس إسمنتاً فقط، والمدرسة ليست جدراناً، والمستشفى ليس مبنى، والماء ليس أنبوباً؛ هذه كلها شروط مادية لبقاء المجتمع. وعندما تُسحق بصورة متزامنة، يصبح الدمار أكثر من مجموع أجزائه.

وهنا تتضح خطورة نظام القتل الإلكتروني نفسه، فهو يستطيع أن يساعد على قتل الأشخاص، بينما تقوم القوة العسكرية في الوقت نفسه بتدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه من بقي منهم. التكنولوجيا تلاحق الإنسان، والقنابل تطارد المكان، والنتيجة مجتمع يفقد البشر ويفقد البيئة التي تحفظ بقاءه. هذه ليست مجرد معادلة عسكرية؛ إنها، في أبشع صورها، معادلة تفكيك مجتمع وإبادته بمنتهى الوحشية وقدم بارد أيضا.

والشهادات التي يقدمها "نازا" لا تأتي دائماً من أشخاص يقولون إنهم كانوا مذعورين مما يحدث منذ البداية. بعضهم يتحدث عن العمل كأنه وظيفة، وبعضهم يصف الإثارة والأدرينالين، وبعضهم يصفه بأنه لعبة أو مصنع، وبعضهم يحتمي بعبارة "أنا مجرد ترس" في آلة. وهذه العبارة الأخيرة ربما تكون أكثر العبارات دلالة في الفيلم كله؛ لأن الإبادة الحديثة، إذا أردنا فهم آليتها، لا تحتاج إلى آلاف الوحوش الذين يستمتعون بالقتل؛ تحتاج إلى آلاف البشر الذين يُقنع كل واحد منهم نفسه بأنه مجرد جزء صغير من منظومة أكبر منه. واحد يجمع البيانات، وآخر يحدد الموقع، وثالث يقترح الهدف، ورابع يوافق، وخامس ينفذ، وسادس يراجع النتائج. وفي النهاية يستطيع كل واحد أن يقول: لم أقتل أنا.

لكن الآلة لا تقتل وحدها؛ البشر يصممونها ويشغلونها ويضعون قواعدها، والخوارزمية لا تمتلك أخلاقاً من تلقاء نفسها؛ الأخلاق التي تحملها هي الأخلاق التي يضعها البشر في النظام الذي تستخدمه. ولذلك فإن السؤال الأخطر الذي يطرحه "نازا" ليس: هل كان الذكاء الاصطناعي مسؤولاً؟ وإنما: أي نوع من البشر يصبح قادراً على قتل هذا العدد من البشر عندما تساعده الآلة على ألا يراهم؟

وهنا تأتي واحدة من أكثر لحظات الفيلم إيلاماً، عندما يدخل المشاركون في مواجهة مع صورتهم عن أنفسهم وعن التاريخ. أحدهم يستحضر النازيين باعتبارهم الشر المطلق، ثم يصل إلى السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه: إذا كنت ما زلت أرى النازيين أشراراً، فما الذي يجعلني مختلفاً؟ ليست هذه محاكمة تاريخية جاهزة، لكنها لحظة مرآة؛ رجل شارك في منظومة قتل يجد نفسه مضطراً إلى مقارنة صورته الأخلاقية عن نفسه بما فعله بالآخرين!

ومن هنا جاء عنواننا: "نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة! كلمة "نازيتهم" هنا ليست حكماً قضائياً، ولا ادعاء؛ إنها المفارقة السوداء التي يضعها الفيلم أمام المشاهد الإسرائيلي والعالمي: مجتمع يحمل ذاكرة النازية بوصفها أقصى درجات الشر، ثم يظهر منه أشخاص يقولون إنهم شاركوا في منظومة تحول الإنسان إلى رقم، وتعرف أن الأطفال موجودون في البيت، وتحسب مسبقاً عدد المدنيين الذين سيموتون، وتستخدم التكنولوجيا لتوسيع نطاق الاستهداف، وتشارك في تدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه الناجون.

الجيش الإسرائيلي -كالعادة- يرفض هذه الصورة رفضاً قاطعاً، ويقول إن الشهادات مجهولة الهوية ولا يمكن التحقق منها، وإن قرارات الاستهداف والموافقة على الضربات يتخذها بشر، وإن الجيش يتخذ إجراءات لتقليل أذى المدنيين(!). وهذا الرد يجب أن يبقى في أي قراءة جادة للفيلم؛ لكن المشكلة بالنسبة إلى الرواية الرسمية أن "نازا" لا يقف وحده في الفراغ؛ فهو يأتي بعد سلسلة من التحقيقات الصحفية التي نشرتها "972+" و"لوكال كول" و"الغارديان" حول أنظمة الاستهداف والمراقبة والذكاء الاصطناعي في غزة، ويحاول تحويل تلك التحقيقات إلى شهادات بشرية مصورة من داخل المؤسسة نفسها

ولهذا فإن المعركة الحقيقية حول الفيلم لم تبدأ بعد، عرض البندقية كان مجرد البداية. "نازا" ينتقل بعد ذلك إلى مهرجان نيويورك السينمائي، حيث يعرض في 26 و27 أيلول/سبتمبر ضمن الدورة الرابعة والستين للمهرجان، فيما حصلت شركة "إم كيه2" الفرنسية على حقوق المبيعات العالمية. أي أن الفيلم لن يبقى حبيس القاعة الإيطالية التي شهدت التصفيق الطويل؛ إنه يدخل إلى الجمهور الأمريكي، ثم إلى سوق التوزيع الدولي، ويحمل معه شهادات قد تصبح جزءاً من النقاش الإعلامي والسياسي والقانوني حول الحرب في غزة

وربما لهذا تحديداً يجب ألا ننشغل كثيراً بعدد دقائق التصفيق في البندقية، مهما كان الرقم لافتاً. التصفيق سينتهي، والمهرجان سينتهي، وستغادر الكاميرات القاعة، لكن ما لن ينتهي بسهولة هو السؤال الذي يتركه الفيلم وراءه: ماذا يعني أن تمتلك "دولة!" نظاماً يستطيع مراقبة ملايين الإشارات، وتحويل البيانات إلى أهداف، وتقدير عدد المدنيين الذين سيموتون، ثم إرسال القنابل إلى البيوت؟ وماذا يعني أن تتزامن هذه القدرة على قتل الإنسان مع قدرة عسكرية على تدمير البيت والمدرسة والمستشفى والماء والطريق، بحيث لا يعود الناجي إلى المكان الذي كان يعيش فيه؟

الفيلم لم يأتِ ليخبر العالم أن غزة تحترق، العالم يعرف ذلك، لقد جاء ليضع أمام العالم بعض الذين جلسوا خلف الشاشات ويقول لهم: هذه ليست فقط صورة القنبلة وهي تسقط، هذه هي الطريقة التي اخترنا بها أين تسقط


هنا تصبح غزة في "نازا" أكثر من أرض تجري فوقها حرب، تصبح المكان الذي التقت فيه الخوارزمية بالقنبلة، والبيانات بالإحداثية، والإنسان بالرقم، والقتل بتدمير شروط الحياة. وإذا كان قتل الإنسان هو الوجه الأول للإبادة، فإن جعل الحياة مستحيلة هو وجهها الذي لا يجوز أن يضيع خلف أعداد القتلى.

فالإبادة لا تبدأ دائماً عند لحظة الموت، قد تبدأ قبلها بكثير؛ في اللحظة التي يجلس فيها رجل أمام شاشة ويحوّل إنساناً إلى بيانات، وفي اللحظة التي تتحول فيها الأسرة إلى "خسارة مدنية متوقعة"، وفي اللحظة التي يصبح البيت هدفاً لأن صاحبه موجود داخله، وفي اللحظة التي يصبح عدد الأطفال الذين سيموتون رقماً يمكن تحمله، وفي اللحظة التي يقرر فيها أحدهم أن دوره "تقني" وأنه مجرد "ترس صغير". ثم تأتي القنبلة، ثم يأتي الركام، ثم يأتي النزوح، ثم لا يبقى بيت يعود إليه أحد.

وهنا يكون السؤال الأكثر قسوة الذي يتركه "نازا" أمام العالم: هل كان الهدف قتل الفلسطينيين في غزة فقط، أم كان الهدف أيضاً قتل غزة بوصفها مكاناً يمكن للفلسطينيين أن يعيشوا فيه؟ إذا كانت الإجابة موجودة في الشهادات التي يقدمها الفيلم، فإننا لا نكون أمام "ضرر جانبي" على الإطلاق، وإنما أمام شيء أكثر اتساعاً وأشد رعباً: منظومة تجعل الموت محسوباً، والقتل قابلاً للتكرار، والمدينة قابلة للمحو، والحياة نفسها هدفاً.

وهنا، ربما، نفهم لماذا كان الصمت بعد التصفيق أهم من التصفيق نفسه؛ لأن الفيلم لم يأتِ ليخبر العالم أن غزة تحترق، العالم يعرف ذلك، لقد جاء ليضع أمام العالم بعض الذين جلسوا خلف الشاشات ويقول لهم: هذه ليست فقط صورة القنبلة وهي تسقط، هذه هي الطريقة التي اخترنا بها أين تسقط.

وهذا هو الجرح الذي فتحه "نازا" داخل إسرائيل، وفي الوعي العالمي كله: ليس جرح الضحية هذه المرة، بل "جرح!" القاتل حين يُجبر على النظر إلى الآلة التي شارك في تشغيلها، ويرى أن الإنسان الذي كان رقماً على شاشته كان طفلاً، وأن البيت الذي كان إحداثية كان حياة، وأن "الضرر الجانبي" الذي حسبه قبل القصف كان عائلة كاملة، وأن المدينة التي كان يراها خريطة عمليات كانت وطناً. عندها فقط يصبح عنوان الفيلم مرعباً في بساطته: "نازا"؛ الاسم الذي اختصر الإنسان إلى رقم، والرقم الذي سبق القنبلة، والقنبلة التي لم تقتل الإنسان وحده، بل بدأت، مع آلاف القنابل الأخرى، في قتل المكان الذي كان يفترض أن يعيش فيه.

"نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!


عادل الناطور من السجن إلى القصر! المؤمن كيِّس فطن قويٌّ بإخوانه

عادل الناطور من السجن إلى القصر!

المؤمن كيِّس فطن قويٌّ بإخوانه
 

لن يجد الرئيس السوري أحمد الشرع في كل محيطه قامة تمتلك خبرة سياسية مبنية على قراءة واطلاع وتجربة شخصية عميقة وواسعة في المشرق والمغرب العربي كما يمتلكها المجاهد الفلسطيني والمناضل العربي والداعية الإسلامي الإصلاحي الأستاذ عادل الناطور أبو أحمد، والذي يعرفه جيدا الثوار الطليعيون في سورية كما يعرفه رجالات في الهيئة مجاهدون قبل وبعد التحرير.

فهل يتصرف الأخ أبو محمد الجولاني بذكاء ودهاء وينهي مسألة عادل الناطور ويمنع من تحولها لمهزلة من خلال المغرضين، وينقل قامة شامية فلسطينية من السجن إلى القصر منتمية للثورة السورية وعاملة في مشروع الإصلاح هو السجين الحالي أبو أحمد عصام (الأستاذ عادل الناطور).

إن سورية ومشروع البناء والإصلاح العظيم القائم في أرضها المباركة بعد التحرير يحتاج لكل قامة عربية وإسلامية غيورة ومتحرقة، وكيف لا وجميع شياطين الإنس على سورية يتسابقون اليوم لمنع نهضتها وتعويق مشروع الإصلاح والبناء فيها، والذي انبرى له الصادقون المتجردون الذين هداهم الله واختارهم ليكونوا على صراط مستقيم.

فهل يفعلها أحمد الشرع بشجاعة ويكسب خيرا كثيرا قابعا قرب قصره في السجن فينقل عادل الناطور للقصر؟

إن عادل الناطور أبو أحمد هو يوسف الناصح الأمين الذي تحتاجه سورية الجديدة والحرة كما احتاجه العزيز وانتفعت منه مصر.. فهنيئا للذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام المباركة 3/8/2026