الجمعة، 24 يوليو 2026

هاجر عليها السلام.. المرأة التي حولت الصحراء إلى درس خالد في اليقين

هاجر عليها السلام.. المرأة التي حولت الصحراء إلى درس خالد في اليقين

تتحول بعض الشخصيات في التاريخ مجرّد أسماء تُذكر إلى معانٍ حيّة تسكن الوجدان، وتصبح مواقفها نورًا تمشي به الأرواحُ في ظلمات الحياة، ومن أعظم هذه النماذج المباركة السيدة هاجرُ عليها السلام؛ تلك المرأة التي لم يكن معها في الوادي غير رضيعٍ صغير، وقلبٍ ممتلئ بالله، ويقينٍ لا تهزّه الرمال ولا الوحشة ولا الخوف (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37).


لقد شاء الله أن تكون قصتها أكثر من قصة أمٍّ تبحث عن الماء، بل أرادها منهجًا كاملًا في التوكل والسعي والصبر والتسليم (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، حتى صار سعيها عبادةً تتكرر كل يوم على ألسنة الملايين وأقدامهم وقلوبهم، وما ذاك إلا لأن الله إذا أحب عبدًا صادقًا جعل أثره ممتدًّا في الأرض والسماء.


إنّ المتأمل في سيرة هاجر لا يرى امرأةً ضعيفة تُصارع ظروفًا قاسية، بل يرى روحًا ربانية تربّت على الثقة بالله حتى غلب يقينُها قوانينَ الأرض كلها؛ ولذلك بقي ذكرها خالدًا، لا بكثرة الكلام، وإنما بصدق الموقف، فبعض الناس يكتبون أسماءهم بالحبر، وأهل الصدق يكتبهم الله بالنور.


إذًا لن يضيّعنا الله

من أعظم ما تعلّمناه من هاجر عليها السلام أن القلب إذا امتلأ بالله هانت عليه المخاوف كلّها، لقد كانت في موقفٍ يكفي وحده لتحطيم أشدّ النفوس صلابة: وادٍ مقفر، لا ماء فيه ولا بشر، وطفل صغير يصرخ من العطش، وزوجٌ يغادر المكان امتثالًا لأمر الله، ومع ذلك لم يكن أول ما خرج من قلبها صراخ الاعتراض، وإنما سؤال اليقين: "آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيّعنا"(1).


فلما علمت أن الأمر من الله، تبدّل المشهد كلّه في قلبها، وقالت كلمتها التي ينبغي أن تبقى زادًا لكل خائف: "إذًا لا يضيّعنا". يا الله… 

ما أعظم هذه العبارة، وما أوسع أبواب الطمأنينة التي تحملها، لم تقل: كيف سنعيش؟ ولم تقل: من أين يأتي الطعام؟ ولم تسأل عن تفاصيل النجاة؛ لأنها عرفت أصل الحقيقة: أن من كان الله معه فلن يضيعه الله.


وفي حياتنا صحارى كثيرة لا تقلّ قسوة عن صحراء مكة؛ صحارى الفقد، والخذلان، والمرض، والقلق، والغربة، وضيق الرزق، وتعثّر الأحلام. 

وكثيرًا ما يقف الإنسان أمامها مرتجفًا لأنه ينظر إلى قلة الأسباب، بينما كانت هاجر تنظر إلى عظمة رب الأسباب. 

وهنا يكمن الفرق بين من يعيش بعينه، ومن يعيش بقلبه قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) (الملك: 15).


لقد علّمتنا هاجر أن اليقين ليس كلامًا يُقال في أوقات الراحة، وإنما نورٌ يظهر حين تنطفئ الأنوار كلها، وأن المؤمن الحقيقي ليس من لا يخاف، بل من يغلب خوفه بثقته بالله؛ ولذلك كانت تلك المرأة وحدها أمةً كاملة من السكينة في قلب الصحراء.


البيت الذي تحرسه التقوى لا يضيع

علّمتني هاجر أن البيت لا تقوم أركانه بالأثاث والجدران وحدها، وإنما تقوم أولًا بالإيمان، فقد يغيب الرجل عن بيته لسببٍ من الأسباب، وقد تضيق الأحوال، وقد تشتدّ الظروف، لكن المرأة المؤمنة تستطيع أن تحرس بيتها بالله، وأن تصنع من قلبها وطنًا آمنًا لمن حولها، وهذا درس لأسر الأسرى والمعتقلين في فلسطين وعالمنا.


لم تكن هاجر تملك أسباب الاستقرار الظاهرة، لكنها كانت تملك ما هو أعظم من ذلك: قلبًا موصولًا بالله؛ ولذلك لم يتحول غياب إبراهيم عليه السلام إلى انهيار، بل صار بابًا لظهور معدنها الإيماني العظيم، فلقد بقيت وحدها مع رضيعها، ولكنها لم تستسلم للذعر؛ لأن الأرواح التي تتوكّل على الله لا تسقط بسهولة.


وكم من البيوت اليوم تمتلئ بالناس لكنها فارغة من السكينة والمودة والرحمة (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)؛ لأن الإيمان غائب عنها، وكم من بيتٍ صغيرٍ قليل الإمكانات لكنه ممتلئ رحمةً وطمأنينة لأن فيه قلبًا يعرف الله.. إنّ السعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيمن نتوكّل عليه.


وهاجر عليها السلام تعلّم النساء أنهن لسن كائنات هامشية في صناعة الحياة، بل قد تكون المرأة المؤمنة سببَ نجاة أسرة كاملة، بل أمة كاملة؛ فهذه المرأة التي كانت وحدها في الوادي، صار أثرها جزءًا من شعائر الإسلام إلى يوم القيامة، وما ذلك إلا لأن الله يرفع من صدق معه، ولو كان وحيدًا لا يملك شيئًا من زخارف الدنيا.


الطريق إلى الله ليس دائمًا كما نحب

علّمتنا هاجر أن الطريق إلى الله لا يسير دائمًا وفق ما تهواه النفوس، فبعض الناس يظنون أن الإيمانَ الحقيقيَّ يعني أن تُفتحَ الطرقُ بسهولة، وأن تأتيَ الطاعةُ موافقةً للرغبات، بينما الحقيقة أن أعظم أبواب القرب إلى الله قد تمرّ عبر المشقة والتضحية والصبر.


لم يكن فراق الزوج سهلًا على هاجر، ولم يكن ترك الولد في الصحراء هيّنًا على إبراهيم - عليه السلام - لكنهم أدركوا أن العبودية ليست أن نعبد الله حين توافق أوامرُه رغباتِنا فقط، بل أن نعبده لأنه ربنا، ولأنه أعلمُ بنا من أنفسنا.


إنّ كثيرًا من الابتلاءات التي تمرّ بنا ليست عقوبة، وإنما تربية إلهية ترفع أرواحنا إلى مقاماتٍ أعلى، وقد يظن الإنسان في لحظةٍ ما أن الطريق قد أُغلق أمامه، بينما يكون الله في الحقيقة يفتحُ له بابًا أعظم مما تخيّل.


ولهذا كانت قصة هاجر درسًا عظيمًا في معنى التسليم؛ فالإيمان ليس مجرد مشاعر دافئة، بل قدرةٌ على الثبات حين تتعب الروح، وعلى الطاعة حين تتألم النفس، وعلى حسن الظن بالله حين تبدو الصورة كلها غامضة.


لأن الله أمرني!

من أجمل ما تعلّمناه من هاجر أن أعظم سبب يدفع الإنسان لفعل الشيء هو أن يكون الله قد أمر به، فحين يصبح أمرُ الله هو البوصلةَ الكبرى للحياة، تهدأ الحيرة، وتسقط الفوضى، ويستريح القلب من مطاردة رضا الناس (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).


لقد كانت تستطيع أن تغضب، وأن تعاتب، وأن ترفض، لكنها حين علمت أن الأمر من الله سكتت كل الاعتراضات داخلها؛ لأن الأرواح المؤمنة تدرك أن الله لا يختار لعباده إلا الخير، وإن خفيت الحكمة في البداية.


ونحن في زمانٍ صار كثيرٌ من الناس يربطون الطاعةَ بالمصلحة العاجلة، فإذا فهموا الحكمة أطاعوا، وإذا غابت عنهم تثاقلوا، أما أهل الإيمان العميق فإنهم يطيعون؛ لأنهم يثقون بالله قبل أن يفهموا التفصيلاتِ كلَّها؛ ولذلك فإن عبارة: "لأن الله أمرني" ليست كلمة سهلة، بل مقام عظيم من مقامات العبودية؛ مقامٌ يتحرر فيه القلب من عبودية الهوى، ومن خوف الناس، ومن اضطراب التردد، ليعيش في سكينة الامتثال لله وحده.


السعي الذي يحبه الله

علّمتنا هاجر أن الله لا يريد من عباده التواكل، بل يريد منهم السعي الصادق، لم تجلس تنتظر معجزة تنزل من السماء وهي قادرة على الحركة، وإنما قامت تسعى بين الصفا والمروة، تركض مرة، وتمشي مرة، وتصعد وتهبط، وقلبها معلّق بالله، ويأتي هنا حديث ابن عباس السابق؛ إذ يقول:  "... وجَعَلَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ تُرْضِعُ إسْماعِيلَ وتَشْرَبُ مِن ذلكَ الماءِ، حتّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى -أَوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ- فانْطَلَقَتْ كَراهيةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيها، فَقامَتْ عليه، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِيَ تَنْظُرُ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حتّى إذا بَلَغَتِ الوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حتّى جاوَزَتِ الوادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذلكَ سَبْعَ مَرّاتٍ -قالَ ابنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: فَذلكَ سَعْيُ النّاسِ بيْنَهُما- فَلَمّا أَشْرَفَتْ على المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقالَتْ: صَهٍ -تُرِيدُ نَفْسَها-، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقالَتْ: قدْ أَسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غِواثٌ، فَإِذا هي بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بعَقِبِهِ -أَوْ قالَ: بجَناحِهِ- حتّى ظَهَرَ الماءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وتَقُولُ بيَدِها هَكَذا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الماءِ في سِقائِها وهو يَفُورُ بَعْدَ ما تَغْرِفُ"(2).


إنّ الله كان قادرًا أن يُفجّر زمزم من اللحظة الأولى، لكنه أراد أن يعلّم البشرية كلها أن الفتح يأتي بعد السعي، وأن الأرزاق تُنال بالأخذ بالأسباب مع صدق التوكل، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح).


وكم من إنسان يريد الفرج دون تعب، والنجاح دون مجاهدة، والفتح دون طرق الأبواب، بينما كانت هاجر تركض في الصحراء بكل ما تملك من جهد، رغم أن الظاهر كله يقول: إنه لا ماء هنالك.


لقد تعلّمنا منها أن الله ينظر إلى صدق المحاولة قبل الوصول، وإلى إخلاص القلب أثناء السعي، وأن العبد إذا تحرك لله فتح الله له أبوابًا لم يكن يتصورها.


قد يأتي الفتح من مكانٍ آخر

ومن أعجب الدروس التي تعلّمناها من هاجر أن الإنسان قد يسعى في اتجاه، بينما يأتيه الفتحُ من جهة أخرى تمامًا، لقد كانت تبحث عن الماء بين الصفا والمروة، لكن زمزم تفجرتْ تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يريد أن يقول لنا: اسعوا أنتم بما تستطيعون، أما الفتح الحقيقي فمن عندي أنا، وليس بالضرورة أن يأتي من الطريق الذي تتوقعونه.


وهذا من ألطف أسرار التربية الإلهية؛ لأن الإنسان لو جاءه الخيرُ دائمًا من نفس الباب الذي طرقه لتعلّق بالأسباب أكثر من تعلقه بالله، لكن الله أحيانًا يفاجئ عبده بالعطاء من حيث لا يحتسب، حتى يبقى القلب معلّقًا به وحده (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (سورة الطلاق).


كم من إنسان ظن أن نجاته في وظيفة، فجاءه الفتح من بابٍ آخر، وكم من شخص ظن أن سعادته في أمرٍ معين، فإذا بالله يرزقه خيرًا أعظم لم يكن يتخيله؛ ولذلك فإن المؤمن يسعى، لكنه لا يعبدُ الطريق، بل يعبد ربَّ الطريق.


الفرج قد يتأخر لكنه لا يضيع

علّمتنا هاجر أن الفرج ليس شرطًا أن يأتي في منتصف التعب، بل قد يتأخر حتى تظن أن الجهد قد استُنفد كله، ثم يفتح الله فجأةً أبواب رحمته.


لم ينبع زمزم من أول شوط، ولا من الثاني، ولا الثالث، بل بعد اكتمال السعي كله، وكأن الله يربّي عباده على الصبر الكامل، لا الصبر المؤقت (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155).


وكثير من الناس يتوقفون قبل الفتح بلحظات؛ لأنهم يظنون أن الطرق انتهت، بينما تكون الرحمة على الأبواب؛ ولذلك فإن من أعظم العبادات أن يبقى الإنسان ثابتًا حتى آخر لحظة، وألا ييأس من الله مهما طال الانتظار.


إنّ الله لا ينسى عباده الصادقين، لكنه يختار الوقت الذي يفتح لهم فيه؛ لأن بعض القلوب لا تنضج إلا بالصبر، وبعض الأرواح لا تتطهّر إلا بطول الانتظار.


امرأةٌ خلد الله سعيها

وأخيرًا علّمتني هاجر ألا أقلّل من شأني، وألا يظن أحد أن المرأة لا تستطيع أن تصنع أثرًا خالدًا، فهذه المرأة التي كانت وحدها في الصحراء، جعل الله سعيها شعيرةً من شعائر الحج، يسير عليها الملايين جيلاً بعد جيل، فلم يكن معها سلطان، ولا جيش، ولا مال، لكن كان معها الصدق، والله إذا أحب صدقَ عبدٍ جعل أثره ممتدًا عبر الزمان.


إنّ الخلود الحقيقي ليس أن يعرف الناسُ أسماءنا، بل أن يرضى اللهُ عنا، وأن يجعل لحياتنا أثرًا نافعًا في الأرض، وهاجر - عليها السلام - لم تكتب كتابًا، ولم تخطب في الناس، لكنها كتبت بصدقها درسًا خالدًا في معنى الإيمان؛ ولهذا بقيت سيرتها حيّة في القلوب؛ لأنها لم تكن امرأةً عظيمة في الظاهر فقط، بل كانت عظيمة عند الله، ومن عظُم عند الله عظُم أثره في الدنيا والآخرة.


المقاصد العظمى في قصة هاجر عليها السلام

رغم كل ما تعلمناه من هاجر أعلاه فإن قصة هاجر - عليها السلام - ليست مجرد مشهدٍ مؤثر من مشاهد الصبر الإنساني، بل هي بناءٌ مقاصديٌّ عظيم، تتجلّى فيه حِكَمُ الله في تربية النفوس، وصناعة اليقين، وربط القلوب به سبحانه، فالأحداث في القرآن والسنة لا تُروى لمجرد الحكاية، وإنما لتُنشئ في الإنسان معنى العبودية، وتكشف له سنن الله في الحياة والهداية والتمكين.


ومن يتأمل قصة هاجر يرى أنها تحقّق مقصدًا عظيمًا من مقاصد الإيمان، وهو: تحرير القلب من التعلّق بالأسباب وربطه بمسبّب الأسباب سبحانه؛ فقد جُرّدت المرأة من كل ما يبعث الطمأنينة الظاهرة: لا ماء، ولا زرع، ولا مجتمع، ولا حماية بشرية، ثم تُركت مع رضيعها في وادٍ موحش، وكان من الممكن أن تنهار النفس أمام هذا الفراغ المخيف، لكن الله أراد أن يعلّم البشرية أن القلب إذا امتلأ بالله لم يعد فقر الأسباب سببًا للهزيمة الداخلية.


وفي القصة مقصدٌ آخر جليل، وهو: الجمع بين التوكّل والسعي، فهاجر لم تجلس مستسلمة تنتظر الفرج، ولم تعتمد على الحركة وحدها، وإنما جمعت بين حركة الجوارح وافتقار القلب؛ ولذلك جاء زمزم بعد السعي، ليبقى هذا الدرس خالدًا: أن الله يريد من عباده أن يتحركوا نحوه، وأن يبذلوا ما يستطيعون، ثم يفتح لهم من حيث لا يحتسبون، ومن هنا صار السعي بين الصفا والمروة شعيرةً متكررة؛ لأن الإسلام لا يربّي أتباعه على السكون والعجز، بل على الحركة الممتلئة يقينًا.


ومن المقاصد العظيمة في القصة أيضًا: تربية الإنسان على الصبر الطويل وعدم استعجال الفرج؛ فالماء لم ينبع من أول لحظة، مع أن الله قادر على ذلك، ولكن تأخير الفرج كان جزءًا من التربية الإلهية؛ حتى تتعلّم القلوب أن الثبات عبادة، وأن بعض أبواب الرحمة لا تُفتح إلا بعد اكتمال السعي والصبر والافتقار.


كما تتجلّى في القصة مقاصد الأسرة المؤمنة التي تُبنى على الطاعة لا على الهوى، فإبراهيم عليه السلام، وهاجر، وإسماعيل، كانوا جميعًا جزءًا من مشروع ربانيٍّ يقوم على الامتثال والتسليم؛ ولذلك تحوّلت هذه الأسرة الصغيرة إلى أصلٍ من أصول الهداية في الأرض، وارتبطت بها شعائرُ الحج، وبُنيت في موضعها الكعبة المشرفة، ليبقى أثرُ الطاعة ممتدًّا في حياة الأمة كلها.


ومن المقاصد الباهرة في قصة هاجر كذلك: تكريم المرأة المؤمنة وإبراز دورها في صناعة التاريخ الإيماني؛ فالإسلام لم يجعل المرأة كائنًا تابعًا بلا أثر، بل جعل سعيَ امرأةٍ واحدة عبادةً تتكرر إلى يوم القيامة، وفي ذلك رسالةٌ عميقة: أن القيمة الحقيقية عند الله ليست بالنوع ولا بالمظهر، وإنما بالصدق والإيمان، والقيام بالوظيفة التي أرادها الله للإنسان.


وفي القصة أيضًا مقصد تربوي دقيق، وهو: تعليم الأمة أن الفتح قد يأتي من غير الجهة التي يسعى إليها الإنسان؛ فقد كان سعيُ هاجر بين الصفا والمروة، بينما جاء الماء من تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يربّي عباده على ألا يعبدوا الأسباب، وألا يظنوا أن النتائج مرتبطة دائمًا بالطريق المتوقع، بل المطلوب منهم أن يصدقوا في السعي، أما الفتح فبيد الله وحده.


ثم إنّ القصة كلها تنتهي إلى مقصدٍ جامعٍ عظيم، وهو: أن الصدق مع الله يخلّد الأثر؛ فهاجر - عليها السلام - لم تكن صاحبةَ مُلكٍ ولا سلطان، ولم تترك خلفَها خُطبًا أو مؤلفاتٍ، ولكنها تركتْ صدقًا خالصًا، فخلّد اللهُ ذكرها، وجعل خطواتها شعيرة، وارتبط اسمها بأقدس بقاع الأرض، وهكذا يعلّمنا الله أن الأعمال التي تُصنع بإخلاصٍ صادق قد تتحول إلى نورٍ يمتد أثره عبر القرون.


وهكذا لم تكن هاجرُ عليها السلام امرأةً واجهت محنةً ثم انتهى أثرها، بل كانت مدرسةً ربانيةً كاملة، علَّمت القلوب أن اليقين قد يصنع من الصحراء حياة، وأن السعي الصادق لا يضيع عند الله، وأن الفرج قد يتأخر لكنه يأتي في اللحظة التي يختارها الله بحكمته ورحمته، وفي قصتها تتجلّى مقاصد عظيمة؛ ولذلك بقيت هاجرُ حيّةً في ضمير الإيمان، لا لأن التاريخ حفظ اسمها فحسب، بل لأن الله رفع ذكرها بصدقها، فصار سعيُها درسًا، وصبرُها نورًا، ويقينُها زادًا لكل قلبٍ أرهقته الحياة، حتى كأنها ما زالت تهمسُ في آذان المؤمنين والمؤمنات عبر القرون: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).


الهوامش

1 صحيح البخاري عن ابن عباس (3364)، وهو من أفراد البخاري على مسلم. 

2 صحيح البخاري عن ابن عباس (3364)، وهو من أفراد البخاري على مسلم. 

   اقرأ أيضاً   






بعد عقود من الغياب.. سر عودة اليهود إلى دمشق لترميم مقابرهم

 بعد عقود من الغياب.. سر عودة اليهود إلى دمشق لترميم مقابرهم


بدأت مؤسسة سورية/أمريكية، يقودها يهودي سوري أمريكي، عملية ترميم المقبرة اليهودية الرئيسة في دمشق، ضمن مساعٍ لإعادة إحياء ما تبقى من إرث الطائفة اليهودية في سورية في يوليو 2026م.


وتُشرف مؤسسة «موزاييك» على تنفيذ المشروع الذي يستهدف واحدة من أبرز المقابر اليهودية في سورية، وتضم مئات القبور التي يعود بعضها إلى عقود طويلة.

ويأتي هذا بالتوازي مع تحركات رسمية ومجتمعية شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية شملت تأسيس أول منظمة مرخصة لحماية التراث اليهودي، وزيارات متكررة ليهود سوريين مقيمين في الخارج إلى أماكن العبادة والمقابر والأحياء التي عاشوا فيها.

وتعمل مؤسسة «موزاييك» بين سورية ونيويورك، ورئيسها هو اليهودي السوري الأمريكي جوزيف جاجاتي، وقد بدأت أعمال تنظيف المقبرة وتدعيم عدد من القبور المتهالكة، وترميم السور الخارجي، وتركيب منظومة إنارة وكاميرات مراقبة.

وتُعرف نفسها بأنها منظمة غير ربحية تُعنى بالحفاظ على التراث الثقافي والديني السوري، وتسعى إلى توثيق وحماية المواقع التاريخية، وتعزيز الحوار بين مكونات المجتمع السوري، وبناء جسور بين السوريين داخل البلاد وخارجها.

وسبق أن أثارت زيارات المؤسسة واتصالاتها داخل سورية، إلى جانب مشاركة مؤسسها في مبادرات لإحياء التراث اليهودي السوري، اهتمامًا إعلاميًا وتساؤلات حول طبيعة نشاطها وهويتها، وهل تعمل لحساب أي حكومة أو جهاز استخبارات أو جهة سياسية.

وكانت «وكالة الأنباء الفرنسية» نقلت عن اليهودي السوري الأمريكي جاجاتي أن المقبرة لم تتضرر جراء الحرب التي شهدتها سورية منذ عام 2011م، وأن آخر عملية دفن فيها جرت قبل نحو عام ونصف عام لنقص أعداد اليهود بسورية.


وانقطعت زيارة اليهود لها خلال العقود الثلاثة الماضية، قبل أن تبدأ وفود من اليهود السوريين المقيمين في الخارج بزيارة سورية بعد التغيرات السياسية الأخيرة، لتفقد أملاكهم ودور العبادة وقبور أسلافهم.


وبحسب الحاخام السوري الأمريكي هنري حمرا، فإن المنظمة التي أسسها عدد من أبناء الجالية اليهودية السورية في الخارج تهدف إلى توثيق الأملاك اليهودية، ومتابعة استعادة ما صودر منها خلال حكم النظام السابق، إضافة إلى حماية الكنس والمزارات اليهودية وترميمها وإتاحتها للزيارة.


تاريخ المقبرة اليهودية


وتقع المقبرة اليهودية الرئيسة في حي الأمين داخل البلدة القديمة بدمشق، بالقرب من باب شرقي، وتُعد أكبر وأهم مقبرة يهودية تاريخية في سورية، وتضم قبورًا يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين لعدد من كبار الحاخامات والعلماء اليهود الذين عاشوا في دمشق.


وهي ضمن الحي اليهودي التاريخي في دمشق، الذي كان يتركز بين حي الأمين وحارة اليهود قرب باب شرقي، وتمثل أبرز معالم الوجود اليهودي التاريخي في دمشق، وقد أصبحت مقصدًا لزوار يهود من أصول سورية، بعد السماح لهم بزيارة سورية، وتضم شواهد قبور مكتوبة بالعبرية والعربية، ما يجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ يهود دمشق.


رغم تراجع عدد اليهود في سورية إلى أعداد قليلة جداً خلال العقود الأخيرة، لا تزال المقبرة قائمة، وخضعت لأعمال ترميم وصيانة محدودة في السنوات الأخيرة، كما زارها بعض أفراد الجالية اليهودية السورية المقيمين في الخارج بعد سقوط نظام بشار الأسد وبدء انفتاح نسبي على الزيارات الدينية والتراثية.


الوجود اليهودي في سورية


ويعود الوجود اليهودي في سورية، وفق المؤسسة، إلى أكثر من 2500 عام، وتركز تاريخيًا في 3 مدن رئيسة هي دمشق وحلب والقامشلي، وازدهرت الجالية خلال العهدين العثماني والانتداب الفرنسي، حيث امتلكت معابد ومدارس ومؤسسات خيرية وأسهمت في التجارة والصناعات والحرف.


وقبل قيام «إسرائيل» عام 1948م، كان عدد اليهود في سورية يُقدر بنحو 30 ألف نسمة، ثم بدأ العدد يتراجع بصورة حادة بعد حرب 1948م، وما تبعها من توترات وقيود على السفر والملكية، وصولًا إلى السماح لليهود بمغادرة البلاد عام 1992م، في عهد الرئيس حافظ الأسد، فهاجر معظم من تبقى منهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية، مع حظر السفر إلى «إسرائيل» في ذلك الوقت.


وتشير أحدث التقديرات، الصادرة عامي 2025 و2026م، إلى أن عدد اليهود المقيمين داخل سورية يتراوح بين 5 و7 أشخاص فقط، وجميعهم تقريبًا من كبار السن ويقيمون في دمشق، بينما لا توجد حياة دينية منظمة أو حاخام مقيم أو مؤسسات يهودية فاعلة داخل البلاد، ما يجعل الوجود اليهودي في سورية شبه منعدم.

وبعد التغيير السياسي في سورية أواخر عام 2024م، بدأت السلطات اتخاذ خطوات لإحياء التراث اليهودي والحفاظ عليه، شملت تسهيل زيارات يهود سوريين من المهجر، وإطلاق مبادرات لترميم المعابد والمقابر اليهودية، والنظر في إعادة بعض الممتلكات التاريخية، في إطار جهود أوسع للحفاظ على التنوع الديني والثقافي في البلاد.


  اقرأ أيضاً   


الخميس، 23 يوليو 2026

النهاية القاتلة: حين تتحول الممرات إلى أفخاخ… ويُعاد تشكيل ميزان القوة

النهاية القاتلة: حين تتحول الممرات إلى أفخاخ… ويُعاد تشكيل ميزان القوة

 مكاوي الملك

‏هل نحن أمام تصعيد تقليدي يمكن احتواؤه… أم أمام لحظة انكشاف تعيد تعريف من يملك القرار فعليا ؟
‏ما يحدث لم يعد سلسلة ضربات… بل اختبار لقدرة النظام العالمي على الصمود..
‏التفكيك: ماذا نرى على الأرض؟
‏استهداف مباشر لسفن مرتبطة بالسعودية… مقابل مرور آمن لسفن تحمل غطاءً صينياً
‏ضربات دقيقة تطال قواعد أمريكية… مع مؤشرات إخلاء وإصابات أكبر مما يُعلن
‏ارتفاع النفط فوق 100 دولار… مع سقف مستهدف يتجاوز 150
‏تصعيد لفظي أمريكي واسع… يقابله توسع عملياتي محسوب من الطرف الآخر
‏تحركات صينية هادئة… تفتح ممرات وتغلق أخرى دون ضجيج
‏المشهد لا يتجه نحو الانفجار السريع… بل نحو استنزاف ذكي طويل..
‏الربط: أين تغيّر المسار؟
‏في منشوراتي السابقة كان الصراع يُدار ضمن قواعد اشتباك واضحة..
‏اليوم تغيّر جوهر المعادلة:
‏الاستهداف لم يعد عشوائياً … بل اقتصاديًا وانتقائيًا
‏الممرات لم تعد مغلقة بالكامل… بل “مفلترة” وفق المصالح
‏التصريحات لم تعد تعكس الواقع… بل تغطي فجوة متسعة بين الميدان والسياسة
‏نقطة التحول:الانتقال من (إغلاق المضائق) إلى (التحكم بمن يمر ومن يُمنع)
‏التفسير: ماذا يعني ذلك؟
‏إيران لا تسعى لإغلاق كامل… بل لرفع الكلفة تدريجيًا حتى حد الانفجار الاقتصادي
‏واشنطن تتحرك بخطاب تصعيدي… دون قدرة مضمونة على حسم ميداني سريع
‏الصين تدخل من البوابة الصامتة… تحمي تدفقها وتعيد رسم قواعد المرور
‏الأسواق بدأت تسبق الجميع… وتسعّر السيناريو الأسوأ
‏المعادلة لم تعد عسكرية فقط… بل مالية–طاقوية بالدرجة الأولى
‏ما لا يُقال:
‏الخطر الحقيقي ليس في الضربات الحالية…بل في (الضربة الهيكلية) للبنية التحتية للطاقة..
‏حينها:
‏لا قيمة للمضائق
‏لا جدوى من الالتفاف
‏ولا قدرة على السيطرة على الأسعار
‏ساعتها… الأرقام لن تتوقف عند 150..
‏الاستنتاج: إلى أين يتجه المسار؟
‏إذا استمر التصعيد بهذا الشكل:
‏الاقتصاد الأمريكي يدخل ضغطًا مركباً(نفط + سندات + تضخم)
‏الأسواق تتحول من تذبذب إلى صدمة
‏أي خطأ تكتيكي يتحول إلى أزمة استراتيجية شاملة
‏والأخطر:
‏القرار لم يعد بيد من يهدد… بل بيد من يتحكم بالإيقاع
‏الخاتمة: لحظة الانكشاف
‏المعركة لم تعد حول من يطلق الصاروخ…بل حول من يحدد (قواعد اللعبة) دون إعلان..
🎯 الخلاصة:
‏حين تمر بعض السفن… وتحترق أخرى…فاعلم أن الحصار لم يفشل…بل أصبح أكثر دقة… وأكثر خطورة..
✍️ صفحة مكاوي الملك | Makkawi Elmalik

في ظل رسم مسارات جديدة لهجرة العقول.. ماذا ينبغي لتركيا أن تفعل؟

 في ظل رسم مسارات جديدة لهجرة العقول.. ماذا ينبغي لتركيا أن تفعل؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

بدا الخبر الذي نشرته وكالة "رويترز" قبل أيام، للوهلة الأولى، وكأنه مجرد تعديل تقني يتعلق بسياسات الهجرة في الولايات المتحدة. لكن عند قراءته بعناية، يتبين أنه ينذر بتحول ذهني تاريخي يهدد أهم رصيد أسهم في بناء التفوق العالمي للولايات المتحدة.

فما جعل الولايات المتحدة ما هي عليه اليوم لا يقتصر على حجمها الاقتصادي أو قوتها العسكرية أو تفوقها التكنولوجي. فالدافع الحقيقي الكامن وراء كل ذلك هو قدرتها، على مدى نحو قرن، على استقطاب ألمع العقول من مختلف أنحاء العالم. 

لقد استند التفوق العالمي للولايات المتحدة بدرجة كبيرة إلى مواردها البشرية، لا إلى مواردها الطبيعية. 

فمن العلماء الفارين من أوروبا، إلى أنجح المهندسين في آسيا، ومن الباحثين اللامعين في الشرق الأوسط، إلى الشباب الواعدين في إفريقيا، لم يقتصر دور ملايين الأشخاص على تلقي التعليم في الولايات المتحدة، بل شاركوا أيضاً في بناء قوتها.

ومن المستحيل تقريباً، عند التجول في أروقة أفضل جامعات العالم، من هارفارد إلى ستانفورد، ومن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى بيركلي، ألا يشعر المرء بأن العالم كله حاضر هناك، وأن الولايات المتحدة هي مركزه. 

ففي المختبرات يعمل باحثون من عشرات الجنسيات معاً، وفي القاعات الدراسية يجلس طلاب من عشرات الدول المختلفة. وهذا التنوع ليس مجرد ثراء ثقافي، بل يعد أيضاً أحد أهم مصادر الإبداع العلمي.

وبحسب التعديلات الأخيرة التي أوردتها "رويترز"، يجري فرض قيود كبيرة على مدة تأشيرات الطلاب الأجانب، والباحثين المشاركين في برامج التبادل، والصحفيين الأجانب. 

فستصبح مدة تأشيرة الطلاب الدوليين بحد أقصى أربع سنوات، كما ستُخفض المهلة الممنوحة لهم للبقاء في البلاد بعد التخرج والعثور على عمل من 60 يوماً إلى 30 يوماً. 

كذلك ستصبح عملية الانتقال بين الجامعات أكثر صعوبة، بل إن تغيير طلاب الدراسات العليا لمسارهم الأكاديمي سيخضع أيضاً لقيود مشددة.

وتبرر هذه التعديلات بالزيادة في أعداد الطلاب والمشاركين في برامج التبادل القادمين إلى الولايات المتحدة. ففي عام 2024 تجاوز عدد الطلاب الدوليين الذين دخلوا الولايات المتحدة 1.8 مليون طالب، كما مُنحت في العام نفسه أكثر من نصف مليون تأشيرة للمشاركين في برامج التبادل، وأكثر من 37 ألف تأشيرة للصحفيين الأجانب. وتنظر واشنطن إلى هذه الأعداد باعتبارها عبئاً يصعب ضبطه.

غير أن تحول هذه الأرقام، التي تعكس في الحقيقة مصدر القوة الحقيقي للولايات المتحدة، إلى مصدر قلق بالنسبة للإدارة الأمريكية، لا يبشر بالخير لمستقبل البلاد.

فهذا الأشخاص ليسوا عبئاً على الولايات المتحدة، بل هم استثمار في مستقبلها. فجزء كبير من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، وجوائز نوبل، وبراءات الاختراع، والإنجازات العلمية، يقف وراءه مهاجرون أو طلاب دوليون. 

ويمكن القول إن نموذج "استيراد العقول" الذي اعتمدته الولايات المتحدة هو ربما أنجح استراتيجية تنموية عرفها التاريخ.

ولهذا، قد تحقق هذه القرارات مكاسب على المدى القصير في السياسة الداخلية، لكنها تحمل على المدى البعيد خطر تقويض الجاذبية العالمية للولايات المتحدة. فالعالم أو الطالب لا يبحث فقط عن راتب أو منحة دراسية، بل يبحث أيضاً عن الثقة، وإمكانية التنبؤ بالمستقبل، والحرية، وأفق واضح للحياة. 

أما النظام الذي قد يحول الشخص في أي لحظة إلى فرد غير مرغوب فيه، فسيصبح أقل جاذبية تدريجياً بالنسبة لألمع شباب العالم.

وفي هذا تحديداً تكمن طبيعة المرحلة الجديدة، إذ بدأت تلوح فرص جديدة أمام بقية دول العالم. 

وفي الواقع، شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة تحولاً هادئاً لكنه مهم في هذا المجال. فعدد الطلاب الدوليين الذين يدرسون اليوم في الجامعات التركية بلغ نحو 380 ألف طالب. 

ويختار شباب من رقعة جغرافية واسعة تمتد من إفريقيا إلى آسيا الوسطى، ومن البلقان إلى الشرق الأوسط، تركيا وجهة للدراسة. 

كما يتزايد عدد الأكاديميين الأجانب عاماً بعد آخر. وبفضل برامج "إيراسموس"، و"مولانا"، والاتفاقيات الثنائية، ومشاريع البحث المشتركة، أصبحت الجامعات التركية لاعباً أكثر حضوراً في حركة التنقل الأكاديمي الدولية.

ولا يمكن إدراك القيمة الحقيقية لهذا التحول ونتائجه إلا عند النزول إلى الميدان.

فعند التجول، ولا سيما في سوريا التي تمر بمرحلة إعادة البناء، أو في بنغلاديش، أو أفغانستان، أو السودان، أو العديد من الدول الأخرى، يمكن أن تلتقي في كل مكان بشباب تلقوا تعليمهم في الجامعات التركية. فمنهم من أصبح أستاذاً جامعياً، ومنهم من يعمل في مؤسسات الدولة، أو يدير منظمات مجتمع مدني، أو يعمل صحفياً، أو رائد أعمال، أو سياسياً. وما يجمعهم جميعاً هو أنهم لا ينظرون إلى تركيا بوصفها مجرد بلد درسوا فيه، بل يعتبرونها وطنهم الثاني.

وهل هناك قوة ناعمة أكثر تأثيراً من ذلك؟

فاليوم لم يعد تصدير التعليم مجرد قطاع يدر العملات الأجنبية، بل أصبح أيضاً تصديراً للثقافة، واللغة، والثقة، والنفوذ. فكل طالب دولي يتخرج في تركيا، ثم يعود إلى بلده، يتحول إلى جسر حي يربط بين تركيا ومجتمعه. وتتطور التجارة، وتتوطد العلاقات الدبلوماسية، وتتوسع أوجه التعاون الأكاديمي، ويتعمق التفاعل الثقافي. فكثيراً ما تحدد الصداقات التي تُبنى على مقاعد الجامعات مستقبل الدول أكثر مما تفعله أنظمة التسليح الكبرى.

ولهذا تقف أمام تركيا فرصة تاريخية.

فانكفاء الولايات المتحدة المتزايد على نفسها، وتردد أوروبا في التعامل مع قضية الهجرة، وبحث الحركة الأكاديمية العالمية عن مراكز جديدة، كلها عوامل توفر فرصة مهمة لتركيا. لكن الاستفادة من هذه الفرصة لا تقتصر على زيادة أعداد الطلاب.

وقبل كل شيء، ينبغي أن تبذل جامعاتنا جهداً لامتلاك رؤية جامعية متماسكة، وفلسفة واضحة، وإدارة سليمة.

وثانياً، ينبغي تطوير البيئات التي تستضيف هؤلاء الطلاب وتوفر لهم التعليم بالشكل المناسب. ومن أجل ذلك، علينا التخلي عن النظر إلى مفهوم "الطالب الأجنبي" من زاوية الهجرة والأمن فقط. فجزء كبير من الشباب الذين يأتون إلى جامعاتنا سيكونون في المستقبل وزراء، وسفراء، وعلماء، ورجال أعمال، وقادة رأي. وينبغي أن ننظر إليهم لا باعتبارهم ضيوفاً مؤقتين، بل شركاء استراتيجيين لتركيا على المدى الطويل.

وثالثاً، يجب تطوير إجراءات جديدة أكثر ملاءمة للطلاب والأكاديميين الدوليين، بدءاً من إدارة الهجرة، مروراً بالبلديات، ووصولاً إلى الجامعات والحياة في المدن. وينبغي تسهيل إجراءات الإقامة، وتقليص العوائق البيروقراطية، وإنشاء آليات تدعم الاندماج الاجتماعي في المدن، ومعالجة مشكلات السكن والعمل بوتيرة أسرع. كما يجب أن تتحول المدن التي تحتضن جامعاتنا إلى بيئات يشعر فيها الطلاب الدوليون بالأمان، والتقدير، والانتماء.

ولا ينبغي أن تكتفي تركيا اليوم بكونها بلداً يستقبل الطلاب، بل يجب أن تصبح مركز جذب للعقول من مختلف أنحاء العالم.

ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد المنافسة الحقيقية بين الدول تقوم فقط على رأس المال أو مصادر الطاقة، بل على رأس المال البشري. فالدول القادرة على استقطاب ألمع العقول ستكون هي التي سترسم ملامح التكنولوجيا، والاقتصاد، والسياسة في المستقبل.

لقد نجحت الولايات المتحدة في ذلك طوال سنوات طويلة، وكانت مدينة بجزء كبير من زعامتها العالمية لهذه السياسة. وإذا كانت تتبع اليوم سياسات من شأنها إضعاف هذه الميزة، فإن ذلك لا يمثل خسارة للولايات المتحدة وحدها، بل يشكل أيضاً فرصة تاريخية لدول صاعدة مثل تركيا.

فضلاً عن ذلك، فإن العمق التاريخي والعلمي والثقافي والروحي الذي تتمتع به تركيا يجعلها أكثر قدرة على بناء هذه العلاقة بصورة أكثر تأثيراً مع فضاءات إنسانية وروحية أوسع بكثير.

 


الإسلام في أفريقيا.. بين خطاب تراوري وإرث العبودية والحلم الإنساني

 الإسلام في أفريقيا.. بين خطاب تراوري وإرث العبودية والحلم الإنساني

باحث إسلامي مستقل رئيس المركز الكندي للاستشارات الفكريةتورن في تورونتو
  • الإسلام (الأفريقي) والحلم الإنساني

كان يهمني فهم دوافع الغضب في خطاب الرئيس إبراهيم تراوري، وفهم الظرف الثقافي لهجومه، وواقع الاتجاهات المذهبية التي ربما كان يعنيها تحديدا، وهي تدور على مفاهيم (السلفية الطائفية)، ولا نقصد بها الحالة السلفية كلها، ولكن جناح الغلو الذي لديه نزعة تكفيرية تأصيلية ضد مدارس أهل السنة الأخرى، أو ضد الطوائف المختلفة من أهل القبلة وغيرهم، والذي نبت في محاضن المذهب الجامي، ثم توسع دوليا وإقليميا من خلال أجهزة المخابرات المتعددة، ثم ارتباط هذا الفكر الدموي منذ عقود بتاريخ أفريقيا المروع في جماعات العنف الدينية، وعلاقته بمشروع حصار دول التمرد على باريس.

فهذا مما يجب التوقف عنده لفهم غضب الرجل.

هل الصعود الأخير اليوم لرؤى خطرة جدا، بحجة العودة إلى منظومة التراث، ولا نقصد بذلك إسقاط الفقه الإسلامي، ولا نقول هنا بتحييد تاريخ التشريع ورحلة الفقهاء والعلماء العظيمة في حضارة المسلمين، ولكن نؤكد على تصحيح المرجعية بقانون الشريعة الأعلى، في منظومات الحكم والتعامل بين الناس، وفقه المعاملات الكبرى، الذي يهدي إلى سبيل الرشاد، وبالتالي ترد الفتاوى القاصرة أو المنحرفة إلى هذه الأصول، والتي تم استدعاؤها في التراث عبر علماء مسلمين في عدة قرون، وفيها ما يخالف أصول الشريعة، وقطعيات القرآن، أو التنزيل الواقعي على الأحكام.

إن خلاصة فهم الحكم للعالم لا بد لها من مراجعة الحالة النفسية والخصومة التي يعيشها، أو حتى ظرف الحرب، وهذا مما أبدع فيه الإمام الذهبي، في سير أعلام النبلاء، حيث تختلف عبارات، بل وحتى أحكام الإمام، بين زمن وزمن

إن مهمة حملة الشريعة الصادقين مواجهة هذه الاستدلالات، والتي سفكت من خلالها جماعات غلو دماء الأبرياء من الشعوب، بحجة أنهم مواطنون للأنظمة الممتنعة عن تطبيق الشريعة، فأعلن التكفير الجماعي، واخترقت القبائل الأفريقية باسم الثأر الديني، فحل العذاب على أبناء أفريقيا، والغرب يحلب في هذه المساحة حتى اليوم، فالقضية ليست أزمة زعيم سياسي فقط، بل كارثة فهم فكري.


وقد سبق أن بينا الفرق في كتبنا بين منظومة الفقه في تاريخ التشريع، وبين التزكية المطلقة لكل التراث، وعبر قطعيات الكتاب والسنة والمقصد الأعلى الذي نقيم به الميزان، فما هو حجم التصحيح الذي أنجز لمواجهة أرضية الغلو، أيا كانت سلفية أم خلفية!

وكنموذج بالغ الخطورة، استدعيت فتاوى للإمام ابن تيمية رحمه الله، وهو علم كبير في تاريخ العقل الشرعي العلمي للمسلمين، لتبرير ثقافة إبادة الأقليات، التي تأثرت بمذبح سوريا الكبير، في عهد النظام الطائفي في دمشق، وهذا المزلق الذي استدعى الفتوى يرتد على واقع المسلمين وتشكل الأفكار في بيئات الشباب لاستثمارهم مخابراتيا، ثم يعاد ليستدل بهذه الأقوال الحديثة، سواء في منابر إعلامية أو مقالات، لتطرح أسئلة الفتنة: هل هذا الدين الذي تدعون له كبديل، وهو لا يضمن حقوق الحياة للأقليات؟ قس على ذلك ما يستدعى من فقه في العبودية والرق.

وهنا، وأتحدث بعد دراسات عديدة في بعض كتب التراث الكبرى، أقول إن خلاصة فهم الحكم للعالم لا بد لها من مراجعة الحالة النفسية والخصومة التي يعيشها، أو حتى ظرف الحرب، وهذا مما أبدع فيه الإمام الذهبي، في سير أعلام النبلاء، حيث تختلف عبارات، بل وحتى أحكام الإمام، بين زمن وزمن.

انظر، على سبيل المثال، إلى الإمام ابن تيمية نفسه في التقريرات عن الأشاعرة والصوفية، والاخلاف في التقييم، وهذا لا يخص ابن تيمية وحده، بل وجدت أثر الظرف والتاريخ والحدث الصراعي عند الإمام الجويني والإمام الحجة الغزالي، وغيرهما.

إن قطاع الطرق من المسلمين ومن تجار النخاسة كانوا مقاولين بالباطل للاستعمار الغربي، الموغل في العبودية، المتورط فيها إلى أخمص قدميه، كمتطلب أصلي لديهم لتحقيق معادلة التفوق والتقدم، من فلاسفة الإغريق القدماء حتى فلاسفة النهضة

ولذلك قد ترى في زمن بعض العلماء أنفسهم عبودية لم تتفق مع حقوق الحرب الشرعية، فهي باطلة في الأصل، ولعل البعض يغيب عنه، مثلا، أن بعض حالات العبودية لدينا في الخليج العربي قبل تحرير الدولة الوطنية لهم، ومنذ استقدامهم في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عبر وكلاء عرب وأفارقة وآسيويين مسلمين، يعملون لصالح شركات النخاسة الدولية من البرتغاليين إلى الأمريكيين، هم عبيد وإماء مسلمون أحرار من الأصل، من أفريقيا ومن مناطق آسيوية، خطفوا خطفا، وكان يجب أن ينفذ في مختطفيهم القصاص.

كيف تم استعبادهم وهم في الأصل مسلمون؟

وهذه قضية موثقة عملت عليها شخصيا، إن تاريخ الرق والعبودية في العالم المسلم، في حالات عديدة منه، منفصل عن أحكام الشريعة وروحها، فضلا عن مبتدأ الحرب من حيث الغزو لمصالح الحاكم القديم، بما فيه التمتع بالجواري، أو للتحالف مع دولة مسيحية ضد أخرى، أو لصراع داخلي في هذه الدولة والسلطنة، وعليه فإن مراجعة هذا التاريخ فريضة شرعية، فهو محل شك قطعا، فكيف يستدل بما قاله بعض العلماء عن أحكام الرق، في زمن لم تتحقق فيه شرعية الجهاد؟

إن قطاع الطرق من المسلمين ومن تجار النخاسة كانوا مقاولين بالباطل للاستعمار الغربي، الموغل في العبودية، المتورط فيها إلى أخمص قدميه، كمتطلب أصلي لديهم لتحقيق معادلة التفوق والتقدم، من فلاسفة الإغريق القدماء حتى فلاسفة النهضة، والمتورطون غالبية كبرى، وهذا أول رد على النقيب تراوري.


أفريقيا كلها في تاريخ الغرب، مزرعة لسوق العبودية، ومسرح سرقة كبرى للغرب الحديث، وهنا يجدر به المراجعة والفهم، قبل أن يعرض بدين شعبه، وهل من الوطنية أن تفرض على أهل هذا الوطن مفارقة دينهم، الذي قاوم الاستعمار والاستعباد.

واليوم لا توجد عبودية، إلا حالات قليلة بين المسلمين الجهلة، ولكن توجد ثقافات عنصرية، أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنها جاهلية، في حق أحد أصحابه الصالحين، حتى تكون درسا للأمة ولو بعد حين

إن الفارق المركزي هو أن العبودية لا أصل لها في الشريعة، إلا من خلال أدوات ضبط ما بعد الحرب، فالأسرى هنا هم الكتلة البشرية للمجتمع المعادي، فيحفظ حقهم في الحياة وتنظم شؤونهم، ويختلطون بالمجتمع المسلم، ولكن تضمن لهم عدالة وحق المكاتبة في الخلاص، وأحكام الأسر ليست ملزمة في الشريعة على القائد لكل فرد، فله أن ينظر فيمن يستحق القصاص من مجرمي الحرب، ومن تقبل الفدية فيه، ومن يعفى عنه أو يؤسر، خاصة إذا تلبس بشبهة حق أو ورد عليه مظلمة من المسلمين.

ماذا عما ورد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والفقه الرشيد؟

كل ما ورد أصله على القاعدة التي ذكرناها، مع تقدير ظروف كل زمن ومرحلة، وأن ما يسقط أصل المقصد الشرعي فيه، وهو الهداية والسلام المجتمعي، ويتحول إلى متاجرة بحرية الناس، فقد سقط المبرر الشرعي للرق، وتباين عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، في عظمة حقوق المكاتب أو المولى، والتشديد النبوي فيه دليل على أصل المقصد الشرعي.

واليوم لا توجد عبودية، إلا حالات قليلة بين المسلمين الجهلة، ولكن توجد ثقافات عنصرية، أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنها جاهلية، في حق أحد أصحابه الصالحين، حتى تكون درسا للأمة ولو بعد حين، وقد جاءت الحاجة لها وتكررت، ولكن تنكب الأمة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم هو الفتنة الكبرى.

هذا هو النبي العربي الذي يجب على تراوري أن يعرف سيرته، وأنه حامل البلاغ المقدس، لا فضل لبشر على بشر إلا بالتقوى، ومن التقوى أن تكون خاضعا لله، فلا تظلم حقه عليك، ولا حق البشر بين يديك.

هل نحن ننكر فضل كل قانون حقوقي يحترم حرية البشر، وينظم دستور المساواة؟ أيما وصل إليه البشر من وسائط خير هو ضالتنا، غير أن الفطرة التي جاء بها هدي الإسلام تفرض شريعة الحرية كحق وجودي مطلق

فهل انتهت قصة العبودية في الغرب؟

هل هذه الروح اليمينية، والإحصائيات عن العنصريات، وأسر الدول الأفريقية في سلة الحصار، الذي عاشته بوركينا فاسو، واغتيال أحرار أفريقيا، مارسها العرب، أم فرنسا والقوى الاستعمارية؟ أليس المصفقون الكولونياليون لتراوري يعظمون ثقافة الغرب الحديث؟

فمن أين أتت هذه الثقافة، أليس من ذات الفكرة التي أنتجت العبودية؟ كيف كانت أفريقيا زمن الثورات التقدمية للغرب، وما بعدها في أوروبا الحديثة، وفي زمن إعلان الدساتير والفلسفة الحقوقية؟ ألا يعرف النقيب تراوري أن مجرد الاعتراف بإنسانية الأشقاء الأفارقة كان محل جدل، وأن نموذج الكونغو وبلجيكا المتكرر لا يزال محتبسا الموقف السياسي منه حتى مداولات البرلمان في بروكسل عام 2022؟ هل يعرف عدد الضحايا هناك الذين حصدتهم الروح الغربية التقدمية؟

لكن هل نحن ننكر فضل كل قانون حقوقي يحترم حرية البشر، وينظم دستور المساواة؟ أيما وصل إليه البشر من وسائط خير هو ضالتنا، غير أن الفطرة التي جاء بها هدي الإسلام تفرض شريعة الحرية كحق وجودي مطلق، ببلاغ قرآني مقدس للكرامة الآدمية، لا شرائع تسقط في التطبيق، وتتغير بين العالم الجنوبي والشمالي.

ولذلك، أيها الرئيس، تحول مالكوم إكس إلى زمن الحرية الجديد، ورفض خرافة التراث الأسود الذي جاء به إليجا محمد، وبعث ثورة روح أخلاقية مقاومة بين كل الأفارقة الأمريكيين، وربطها بقصة الحلم الإنساني للإسلام الأفريقي؛ إسلام واحد عربيا أم أفريقيا، ولكن المزيفين في بعض رجال الدين المسلمين، وفي مشروع المستعمرين الغربيين، أسقطوا الحقيقة، فخدعت بهم أيها الرئيس.

أنياب سد النهضة.. الجفاف الحارق يطرق أبواب السودان

 أنياب سد النهضة.. الجفاف الحارق يطرق أبواب السودان

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني.

لم يكن ما يشهده السودان في هذا الشهر الأعجف، يوليو/تموز الجاري، مجرد انخفاض عابر في منسوب النيل، ولا نزوة من نزوات الفصول التي ألفها الناس منذ عرفوا هذا النهر العظيم المعطاء، بل كان إنذارا يقرع الأسماع قبل الأبواب، ويوقظ الضمائر قبل العيون.

فقد انحسر الماء على غير عادته، وكأن النيل نفسه أراد أن يروي لأبنائه قصة جديدة؛ قصة لم تكتبها الطبيعة وحدها، وإنما شاركت فيها إرادة الإنسان حين ظن أن بإمكانه أن يجعل من مجرى الحياة ملكا خاصا، ومن حق الشعوب امتيازا يمنحه أو يمنعه كيف يشاء.

لقد اكتمل التخزين النهائي لسد النهضة الإثيوبي في العام الماضي 2025، ودخل المشروع مرحلة التشغيل الكامل، فلم يعد النقص بسبب التخزين إذن؛ وإنما بدأت تتكشف آثار لم تعد تنتمي إلى عالم التوقعات، وإنما إلى عالم الوقائع.

ووفقا للتقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الري السودانية، شهدت الأيام الممتدة بين السابع والعاشر من يوليو/تموز انخفاضا حادا في واردات بحيرة خزان "الروصيرص"، إذ تراجعت من 207 ملايين متر مكعب يوميا إلى 129 مليونا، وانخفضت التصريفات الخارجة من سدَي "الروصيرص" و"سنار" بنحو 100 مليون متر مكعب يوميا.

ولم يكن ذلك مجرد رقم يدون في سجلات الفنيين، بل واقعا انعكس على مناسيب المياه نفسها، فانخفضت بمقدار متر ونصفٍ  في "الروصيرص"، ومتر وسبعة أعشار في "ود العيس"، ومتر وستة أعشار في "ود مدني"، وأكثر من متر في الخرطوم، بينما هبطت التدفقات المجمعة إلى نحو 180 مليون متر مكعب يوميا بعد أن كانت تقارب 300 مليون في الأشهر السابقة.

وقد أشارت الجهات الرسمية إلى جملة من الأسباب، من بينها تراجع إيرادات النيلين الأزرق والأبيض، وضعف الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وازدياد السحب الزراعي في مشروعي الجزيرة والمناقل.

حين يغيب الاتفاق، ويحل القرار الأحادي محل التعاون، تتسع دائرة المخاطر لتشمل الأمن الغذائي، واستقرار المجتمعات، واحتمالات النزوح، وتفاقم التوترات في إقليم لا يحتمل مزيدا من الأزمات

غير أن العامل الأكثر مباشرة وتأثيرا كان تقليل التصريفات الخارجة من سد النهضة. وهنا تتجلى الحقيقة التي لا يمكن التهوين من شأنها: فحين يصبح مجرى النهر خاضعا لقرار منفرد، تتحول المياه من نعمة تجري بقوانين الطبيعة إلى مورد يتحكم فيه قرار سياسي وتشغيلي.


لقد بلغ منسوب خزان السد بعد اكتمال التخزين نحو أربعة وستين مليار متر مكعب، مقتربا من سعته الكلية البالغة أربعة وسبعين مليارا، وأعلن افتتاحه رسميا في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025 مع تشغيل عدد من التوربينات. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر متعلقا ببناء هندسي ضخم فحسب، بل بمنشأة قادرة على التأثير في نحو 85% من موارد النيل الأزرق، ذلك النهر الذي ظل على امتداد التاريخ عماد الحياة في السودان ومصر.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز أن يظل حبيس المجالس المغلقة: هل يجوز أن تنفرد دولة واحدة بالتحكم في شريان حياة مئات الملايين من البشر؟

تجيب إثيوبيا بأن السيادة تمنحها هذا الحق، وأن النهر ينبع من أراضيها، والسد ضرورة وطنية لتوليد الكهرباء لملايين المواطنين. ومن هذا المنطلق، تدار المياه وفق احتياجات تشغيل التوربينات؛ فيخزن الماء حين تفيض السماء، ويحافظ على منسوب الخزان في سنوات الشح؛ ضمانا لاستمرار إنتاج الطاقة. ذلك هو المنطق الذي تستند إليه أديس أبابا، وهو منطق يجد بعض وجاهته إذا نظر إليه من زاوية المصلحة الوطنية الضيقة.

غير أن الحقوق، مهما بلغت قوتها، لا تعيش بمعزل عن الواجبات، والسيادة، مهما علت منزلتها، لا تبيح أن يصبح المورد المشترك أداة لإرادة منفردة. فالنهر العابر للحدود ليس ملكا خاصا، وإنما أمانة تتقاسمها الجغرافيا قبل أن تتقاسمها السياسة. ولهذا فإن سنة جفاف واحدة تكفي لتكشف هشاشة أي نظام تشغيل يخلو من التنسيق، وتظهر أن غياب قواعد واضحة لإدارة الأزمات قد يحول الخزان العظيم من مشروع تنمية إلى مصدر اضطراب دائم.

وقد حذر عدد من الخبراء السودانيين من قبل والسد فكرة طموحة لدى إثيوبيا، من أن إدارة خزان بهذه السعة الضخمة من دون اتفاق ملزم بين دول الحوض قد تؤدي إلى تقلبات شديدة، فيظهر الانخفاض الحاد في سنوات الجفاف، وتقع الفيضانات العنيفة في السنوات المطيرة، كما شهدت المنطقة خلال العام 2025.

خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2025، ساعدت وفرة الأمطار على تخفيف آثار الملء، فتوهم كثيرون أن الأزمة قد انحسرت، غير أن عام 2026 بدد هذا الوهم، وأثبت أن استقرار النهر قد يصبح رهنا بقرارات تشغيلية تصدر من طرف واحد

ويبدو أن العام الحالي  2026 يمثل أول اختبار حقيقي للتشغيل الكامل في ظروف شح مائي، حيث أعطيت الأولوية لاستمرار إنتاج الكهرباء من دون تنسيق مسبق مع السودان أو مصر.

وتعتمد البلاد على النيل في نحو 70% من مياه الشرب، و90% من النشاط الزراعي، فضلا عن دوره الحيوي في إنتاج الكهرباء من سدَي "مروي" و"الروصيرص". ومن ثم فإن انخفاضا في المنسوب بمقدار متر أو مترين ليس حدثا فنيا عابرا، بل قد يعني اتساع رقعة الأراضي المتضررة، وتراجع إمدادات مياه الشرب، وازدياد الضغوط على منظومة الكهرباء في بلد يرزح أصلا تحت أعباء جسيمة.

ويزداد هذا المشهد تعقيدا في ظل غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل السد في سنوات الجفاف. فسنوات التفاوض الطويلة لم تثمر حتى الآن قواعد واضحة تحدد الحد الأدنى للتصريفات أو آليات التنسيق في الظروف الاستثنائية. وخلال الفترة الممتدة بين 2020 و2025، ساعدت وفرة الأمطار على تخفيف آثار الملء، فتوهم كثيرون أن الأزمة قد انحسرت، غير أن عام 2026 بدد هذا الوهم، وأثبت أن استقرار النهر قد يصبح رهنا بقرارات تشغيلية تصدر من طرف واحد.


إن القضية في جوهرها ليست نزاعا بين حق في التنمية وحق في البقاء، فهذان الحقان لا يتعارضان إذا أحسن تدبيرهما، وإنما هي مسألة تتعلق بكيفية إدارة مورد مشترك تتوقف عليه حياة شعوب بأكملها.

فحين يغيب الاتفاق، ويحل القرار الأحادي محل التعاون، تتسع دائرة المخاطر لتشمل الأمن الغذائي، واستقرار المجتمعات، واحتمالات النزوح، وتفاقم التوترات في إقليم لا يحتمل مزيدا من الأزمات.

لقد اكتمل بناء السد، وانتهت مرحلة التخزين، ولكن ما يبدو أنه نهاية مشروع هندسي قد يكون بداية مرحلة أكثر تعقيدا في إدارة مياه النيل. وإذا لم توضع قواعد عادلة وملزمة تضمن الحد الأدنى من التصريفات في سنوات الجفاف، فإن النهر سيظل عرضة لتقلبات لا تمليها الطبيعة وحدها، بل تتحكم فيها أيضا اعتبارات التشغيل والسياسة.

إن الأنهار لم تخلق لتكون أدوات نفوذ، ولا لتتحول إلى أوراق ضغط بين الأمم، وإنما خلقت لتجمع ولا تفرق، ولتمنح الحياة لا لتجعلها رهينة.

وحين يصبح مصير الملايين معلقا بقرار منفرد، فإن القضية تتجاوز حدود الهندسة والطاقة، لتدخل ميدان المسؤولية الأخلاقية والقانونية والإنسانية.

وما لم يتحرك الإقليم والمجتمع الدولي لصياغة إطار عادل يوازن بين حق التنمية وحق الحياة، فقد تتحول سنوات الجفاف المقبلة إلى امتحان قاس لا يدفع ثمنه أصحاب القرار، بل الشعوب التي لم يكن لها من ذنب إلا أنها ولدت على ضفاف النيل.