الأحد، 10 مايو 2026

أطباء الترند.. حين يتحول الطب إلى استعراض!

أطباء الترند.. حين يتحول الطب إلى استعراض!


مدون، طبيب أمراض صدرية ورعاية حرجة
الكاتب: المستشفى ليس أستوديو تصوير وغرفة الطوارئ ليست منصة 
وسرير المريض ليس خلفية جميلة لمقطع قصير

  • بين وقار "المعطف الأبيض" وصخب "الترند": حين يختلط العلاج بالاستعراض.
  • كيف أعادت منصات التواصل تشكيل صورة الطبيب، وفتحت الباب أمام تسليع الثقة الطبية وتضليل المرضى باسم "التوعية"؟

لم يكن "المعطف الأبيض" يوما مجرد قطعة قماش يرتديها الطبيب فوق ملابسه، بل كان دائما رمزا صامتا للمهنية، ودلالة على مسؤولية ثقيلة لا يحملها إلا من اختار أن يقف في المسافة الفاصلة بين الألم والشفاء، وبين الخوف والرجاء، وبين الحياة والموت. لكننا اليوم نعيش زمنا أصبحت فيه الكاميرا أقرب إلى الوجه من المرآة، وأقرب إلى الضمير من الاستبصار.

نحن نعيش في زمن لم تعد فيه قيمة الإنسان تقاس بما ينجز في الخفاء، بل بما يعرض في العلن. فخرج الطبيب من عيادته إلى مسرح آخر: شاشة لا تركز على حالة المريض وشفائه بقدر تركيزها على عدد المشاهدات والتفاعل.

فما الذي تغير؟ هل هو الطبيب؟ أم تغيرت المرايا التي يرى نفسه فيها؟ أم إن العالم كله تسارع حتى صرنا غرباء عنه، لا نفهمه ولا ننتمي إليه؟

بعض "المؤثرين" من الأطباء لم يعودوا يقتصرون على الحديث ضمن تخصصاتهم، بل بما تمليه عليهم متطلبات شهرتهم. فترى الواحد منهم ينتقل بين التخصصات: اليوم يتحدث عن القلب، وغدا عن الصحة النفسية

الطب في جوهره ليس وظيفة تمارس وفق ساعات دوام محدودة، بل هو ثقة تمنح، ورسالة تحمل، وعهد أخلاقي يربط الطبيب بمريضه قبل أن يربطه بالمهنة. المريض لا يسلم جسده فحسب للطبيب، بل يسلم كذلك خوفه وكرامته وأسراره، وهذه ليست تفاصيل عابرة.

لهذا فإن أي انزلاق للطبيب نحو الاستعراض والمنصات لا يطرح سؤالا: "هل يحق له ذلك؟" بقدر ما يطرح سؤالا أشد عمقا: ماذا يبقى من وقار المهنة حين تتحول لحظات الألم إلى مشاهد قابلة للتداول؟

حين نرى طبيبا يرقص في أروقة المستشفى، فإنه لا يرقص وحده، بل ترقص معه فكرة خطيرة: أن المكان الذي تقاوم فيه الحياة الموت قد تحول إلى مسرح، وأن معاناة المريض قد أصبحت محتوى، وأن هيبة المهنة قد استبدلت بنشوة الشهرة.

المشكلة ليست في تصرف عابر، بل في السياق. فالمستشفى ليس أستوديو تصوير، وغرفة الطوارئ ليست منصة، وسرير المريض ليس خلفية جميلة لمقطع قصير.

في الحقيقة، إن المريض لا يبحث عن نجم ولا عن بطل، بل يبحث عن إنسان يسمعه ويخفف ألمه ويحترم خوفه، ويضعه في المرتبة الأولى لا خلف جمهور "السوشيال ميديا".

غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في السلوك وحده، بل في المعيار الذي أصبحنا نحاكم به هذا السلوك. في زمننا هذا تكاد الشهرة تتحول إلى دليل قائم بذاته على الأفضلية: من كثر متابعوه كثر المصدقون به، ومن أحسن لفت الانتباه نسب إليه الإتقان.

هكذا يصبح "الترند" -حتى لو كان قائما على المبالغة أو التفاهة- شهادة جودة غير مكتوبة، لا لأن صاحبه أتقن الصنعة، بل لأنه اشتهر.

والمخيف أننا، في أغلب الأحيان، نفتقر إلى أدوات تقييم صادقة ومنهجية. فنحن لا نسأل عن نتائج حقيقية، ولا عن نسب المضاعفات، ولا عن نتائج ما بعد العلاج، ولا عن الأدلة العلمية التي تستند إليها النصائح. نكتفي فقط بما يعرض، لا بما يقاس. وفي غياب المعايير، يعلو الصوت على الدليل، وتسبق الصورة الحقيقة.

ومما يزيد الطين بلة، أن بعض "المؤثرين" من الأطباء لم يعودوا يقتصرون على الحديث ضمن تخصصاتهم، بل بما تمليه عليهم متطلبات شهرتهم. فترى الواحد منهم ينتقل بين التخصصات: اليوم يتحدث عن القلب، وغدا عن الصحة النفسية، ثم عن التغذية والسرطان والسكري.

يقتحم ميادين لا يعرف تضاريسها، وعلوما لم يسبر أغوارها، كأن الطب بحر واحد لا تخصصات فيه. وقديما قالت العرب: "لكل مقام مقال، ولكل علم رجال".

الطبيب هنا قد لا يتعمد التضليل، لكنه يقع في تضليل منطق الشهرة: "أنا معروف… إذن أنا مؤهل لكل شيء". والمريض، المتشبث بأي أمل، يصدق، فالشهرة تكفي أحيانا لتمنح القول صفة اليقين، و"الطبيب المشهور" قد يبدو أصدق من الدليل نفسه.

المريض أصبح محاصرا بين خطرين: نصيحة مجانية ناقصة قد تضلله، ونصيحة مدفوعة قد تتحول إلى تجارة باسم الطب، حيث تباع الثقة وتشترى دون ضمانات واضحة

ثم تأتي ظاهرة أكثر شيوعا وخطورة: تقديم نصائح علاجية حاسمة بلا كشف طبي، وبلا معرفة تفاصيل الحالة. الطب ليس وصفة جاهزة للجميع، فالتاريخ المرضي قد يغير كل شيء، والأدوية تتداخل، والتحاليل تصحح الافتراضات، والفحص السريري قد يكشف ما لا يظهره الكلام.

لذلك فإن نصيحة تقال بثقة على منصة قد تصبح بابا للضرر، خصوصا حين يسمعها مريض فيطبقها وهو لا يعرف أن لديه فشلا كلويا يمنع دواء معينا، أو حساسية خطيرة، أو أن أعراضه ليست بسيطة، بل مؤشرا لحالة تهدد الحياة.

ومع الوقت، تفاقم الوضع، فلم يعد المحتوى الطبي نوعا واحدا، بل تحول إلى سوق: نصائح مجانية لكسب المتابعين، ونصائح مدفوعة عبر اشتراكات أو استشارات سريعة، ومحتوى غير مراقب لا يخضع لمراجعة علمية أو أخلاقية.

والنتيجة أن المريض أصبح محاصرا بين خطرين: نصيحة مجانية ناقصة قد تضلله، ونصيحة مدفوعة قد تتحول إلى تجارة باسم الطب، حيث تباع الثقة وتشترى دون ضمانات واضحة.

وفي قلب هذه الفوضى تظهر الدعاية الطبية الممولة، حين يروج الطبيب أو "المؤثر الطبي" لمنتج أو مكمل أو مركز علاجي لا لأنه الأفضل علميا، بل لأنه ممول.

والأخطر أن الإعلان لا يأتي دائما بصيغة واضحة، بل يقدم كقصة أو "تجربة شخصية" أو "نصيحة إنسانية". المريض لا يرى ما وراء الكواليس: من دفع؟ وكم دفع؟ وما هي الدراسات والأدلة؟ وما هي الآثار الجانبية؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا حدث الضرر؟

هنا تختلط النصيحة بالإعلان، ويخسر الطبيب أثمن ما يملكه: النزاهة.

قد يربح الطبيب متابعين، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا فوق المهنة كلها: هل ربح الطب شيئا؟ أم خسر جوهره؟ وهل نريد طبا علاجيا أم طبا استعراضيا؟

أخيرا، قد يقول قائل إن في هذا القرب من الناس فائدة، وإن في هذه الخفة جسرا نحو الجمهور، خاصة صغار السن. وهذا صحيح إلى حد ما، فالتواصل قد ينشر الوعي ويصحح بعض المفاهيم الخاطئة.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل في الأمر فائدة؟ بل: ما كلفة هذه الفائدة؟ فإذا كان الثمن أن ينحني العلم أمام التسلية، وأن تتراجع الرصانة لصالح الانتشار، فنحن لا نربح جمهورا بقدر ما نخسر معيارا. وحين تسقط المعايير، يختل الميزان وينهار كل شيء.

ربما نحتاج اليوم إلى وعي جماعي بسيط: أن الطب ليس ساحة استعراض، وأن الطبيب ليس "ترندا"، وأن الشهرة لا تعني الكفاءة.

كما نحتاج إلى حس نقدي لدى الناس: لا تؤخذ النصيحة العلاجية من مقطع قصير، ولا يوثق بمن يتحدث في كل شيء، ولا يسلم الجسد لإعلان مقنع، ولا يستبدل الكشف الطبي بمعلومة ناقصة.

في النهاية، قد يربح الطبيب متابعين، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا فوق المهنة كلها: هل ربح الطب شيئا؟ أم خسر جوهره؟ وهل نريد طبا علاجيا أم طبا استعراضيا؟

فيصل الغولة

الشحارير الجدد وسرقة الخطاب الإسلامي

الشحارير الجدد وسرقة الخطاب الإسلامي
شريف محمد جابر

لمّا عجزت العلمنة عن مواجهة الإسلام وجهاً لوجه، ارتدت حُلّته وسرقَت مفاهيمه. هذا المقال رحلة في دهاليز الخطاب التحريفي الجديد الذي يصادر مرتكزاتنا ويحوّرها لتخدم العلمنة من داخل عباءة الدين.

فشل العلمنة التقليدية في مواجهة الإسلام

قام الخطاب العلماني التحريفي للدين منذ نحو قرن على تهميش الدين ومحاصرته وقصره على المعتقد والشعائر، بصورة شبيهة لما حدث مع المسيحية في أوروبا، لكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا؛ لأنّ طبيعة الإسلام تأبى ذلك والخطاب الإسلامي المناوئ كان قويا في تفكيك هذه الأطروحة.

التحول الاستراتيجي: من مقاومة الخطاب الإسلامي إلى مصادرته

ولأجل ذلك يقوم الخطاب الشحروري التحريفي المعاصر في صورته الجديدة على العلمنة بطريقة مختلفة؛ فبدلا من معاداة مفاهيم الخطاب الإسلامي، يصادرونها ويعيدون تأويلها لتتماشى مع المفاهيم العلمانية المعاصرة!

فالملاحَظ أنّ مجموعة كبيرة من مرتكزات هذا الخطاب مسروقة من مرتكزات الخطاب الإسلامي المؤثّر بجميع فروعه: التراثي والإصلاحي والسلفي والحركي والدعوي والصحوي، وإليكم البيان:

سطو على “العمل والسلوك” تحت عباءة العلمنة

فإذا كان الخطاب الإسلامي قد جهر من قديم بأن العقيدة ليست مجرد تصورات ذهنية، بل تقتضي عملًا وسلوكًا في واقع الحياة، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذه الفكرة، لكنه يحوّرها ويجعل العمل هنا لأجل الدنيا وإصلاحها بما يتماشى مع الرؤية العلمانية.

توظيف “الكفر بالعمل” لتفريغ الاعتقاد

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد بيّن أن الكفر والشرك لا يكونان بالاعتقاد والتصوّر فقط، بل قد يكونان بالعمل والطاعة والاتباع، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذه الفكرة ليهوّن من شأن الاعتقاد، وليجعل جوهر الإيمان في السلوك الإنساني العام لا في الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر.

اختطاف “العبادة الشاملة” لإضفاء الشرعية على الدنيوي فقط

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد بيّن أنّ مفهوم “العبادة” ليس محصورًا في الشعائر كالصلاة والصيام والحجّ، وأنّه طاعة واتباع وخضوع لله ويشمل كل جوانب الحياة وله بعد حضاري، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المعنى ليجعل العبادة اسمًا لكل عمل نافع دنيويا، ثم يذيب خصوصية الشعائر ويخرجها من العبادة ويوهن من حاكمية الشريعة!

تحريف “الحب الإيماني” إلى قيمة إنسانية مجردة

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد قال إن الحب ليس مجرد وجدانات هائمة وعشق مزعوم بلا رصيد من الطاعة والانقياد، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا المعنى ليحوّل الحبّ إلى قيمة إنسانية أو كونية عامة منفصلة عن الولاء لله ورسوله وشريعته.

من نقد التلاوة الطقوسية إلى تعطيل الأحكام

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد نقد اختزال القرآن في التبرك والتلاوة الطقوسية بلا تدبّر، وأكد أن القرآن كتاب هداية وعمل وإصلاح، فإن الخطاب التحريفي الجديد ينطلق من النقد نفسه لكن دون رصيد حقيقي من اتباع أحكام القرآن، فهو يخالف الكثير من أحكامه.

“الكتاب المسطور والكون المنظور”.. المخلوق حاكمًا على الخالق

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد تحدث عن “كتاب الله المسطور وكتاب الكون المنظور” (بهذه الألفاظ)، وربط بين آيات الوحي وآيات الكون، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا المفهوم ليجعل الكون والطبيعة والإنسان مصدرًا موازيًا للوحي، أو حاكمًا عليه.

تحويل “العالمية” إلى إنساوية مائعة

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد أكد عالمية الإسلام وأنه ليس دينًا عرقيًا أو قوميًا وبأنّ “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، فإن الخطاب التحريفي الجديد يحوّر هذه العالمية إلى إنسانوية مائعة، تذيب الفوارق بين الحق والباطل، وبين الإسلام وغيره من الملل، وتبطل دلالة أسباب النزول وأحداث القرآن في فهمه.

“الدين كنظام اجتماعي” مفتوح وفق الهوى العلماني

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد ربط كلمة “الدين” بالنظام والطاعة والخضوع والجزاء، لا بمجرد الاعتقاد الخاص، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المرتكز ليعيد تعريف الدين بوصفه نظامًا اجتماعيًا مفتوحًا يمكن تشكيله وفق المفاهيم الحديثة.

السنن الكونية: من آيات للتدبر إلى بديل عن الشريعة

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد تحدث عن الشريعة الكونية وسنن الله في الخلق والتاريخ والاجتماع، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا الباب ليجعل السنن الكونية بديلًا عن الشريعة المنزلة، أو يجعل الواقع والتاريخ حاكمين على النص.

الهوية الإيمانية تتحول إلى “إبراهيمية جديدة

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد أكد الهوية الإيمانية الواحدة، ونقَد التعصب العرقي والقومي، فإن الخطاب التحريفي الجديد يحوّر هذا المعنى إلى هوية إنسانية عامة تضعف رابطة الإسلام الخاصة وتساوي بينها وبين غيرها، بل تلغي الطوائف التاريخية المذكورة في كتاب الله سعيًا نحو “الإبراهيمية الجديدة”!

من “الإيمان أمن وطمأنينة” إلى إلغاء التصديق بالغيب

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد قال إن الإيمان مشتقّ من “الأمن”، كما ذكر الحكيم الترمذي والحليمي وابن تيمية وغيرهم، وأن الإيمان ليس مجرد تصديق ذهني بل طمأنينة ومحبة وانقياد، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المعنى ليقلل من شأن التصديق والاعتقاد بالغيب، وليجعل الإيمان مجرد منح للأمن في الدنيا، ويمنح صفة “الإيمان” من يكفر بدين الله!

تسخير “ذم التحزب” لخدمة الدولة العلمانية

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد ذمّ التفرق والتحزب، ودعا إلى الاعتصام بحبل الله، فإن الخطاب التحريفي الجديد يستغل هذا الأصل ليطعن في الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خدمةً للدولة العلمانية، وليجعل كل تفريق بين الحق والباطل أو اجتماع على الخير ضربًا من التحزب والتفرّق!

رفض “الوسائط”: من نقد الكهنوت إلى هدم السنة والعلماء

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد أكد الصلة بالله بلا واسطة في التعبّد والدعاء، ونفى “الكهنوت” والتقليد الأعمى، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا المعنى ليلغي قيمة أخذ العلم عن العلماء وقيمة التراث العلمي التراكمي عبر القرون بل ليلغي قيمة السنّة النبوية في فهم الدين، فهذه كلها عنده “وسائط” مرفوضة!

وحدة الأديان تحت غطاء “الإسلام دين الأنبياء

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد قرر أن الإسلام دين الأنبياء جميعًا كما جاء في الكتاب والسنّة، وأن أصل دعوتهم واحد وهو التوحيد والاستسلام لله، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المرتكز ليجعله بابًا لوحدة الأديان، أو وحدة الإنسانية الدينية، أو تمييع الفوارق العقدية بين الإسلام وغيره.

نقد الجبرية: من حافز للعمل إلى إلغاء الإيمان الصحيح

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد نقد الجبرية والتواكل والاعتماد على الانتماء الاسمي للإسلام في النجاة الأخروية، فإن الخطاب التحريفي الجديد يستغل ذلك ليجعل معيار الدين هو الفاعلية الدنيوية وحدها، لا الإيمان الصحيح والعمل الصالح معًا.

تسخير الدقائق اللغوية لتحريف الثوابت الكبرى

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد اهتم بالدقائق واللطائف والفروق اللغوية وعلل استعمال كلمة بدلًا من أخرى والجوانب الصوتية للألفاظ، كما عند سيد قطب وفاضل السامرائي وغيرهما، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذه الحساسية اللغوية البلاغية ليبني عليها تأويلات بعيدة تغيّر مفاهيم الإسلام الكبرى الثابتة في الكتاب والسنّة والإجماع، فيجعل الفروق اللفظية بابًا لتحريف المعاني الكبرى.

الإعجاز العلمي: من آية على الخلق إلى حكم العلم على القرآن

وإذا كان الخطاب الإسلامي قد اعتنى بالإعجاز العلمي وربط بعض الآيات بعجائب الكون والنفس (بصرف النظر عن غلوّ بعض أفراده في ذلك)، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا الباب ليجعل العلم الحديث حاكمًا على القرآن، أو ليعيد قراءة الوحي كله بمنطق علموي معاصر يتكلّف استخراج النظريات العلمية الحديثة من كتاب الله.

خلاصة السطو: قاعدة “اركب المرتكزات وغيّر المضامين

ولو دققتم في كلام هؤلاء لأدركتم عملية السطو الشاملة هذه، ولكنه سطو مع تحريف، فالقاعدة تقول: إذا لم تستطع مقاومة الخطاب الإسلامي فاركب مرتكزاته المؤثّرة في الشعوب المسلمة، ثم ضع مضامينك العلمانية ذاتها!

ما لم يُسرق: غياب قضايا الحرية والعدالة والاستبداد

الطريف أنّ هناك مرتكزات أساسية في الخطاب الإسلامي لم يقترب منها هؤلاء، وهي: مكافحة الاستبداد والجَور السياسي، وإعطاء الشعوب حقّها في اختيار من يحكمها والرقابة والحسبة عليه، ومناضلة العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة وتحاصر الإسلام، فمثل هذه القضايا التي تميّز بها الخطاب الإسلامي المعاصر غائبة عن خطاب هؤلاء لسبب بسيط: أنّها ليست في مصلحة من يموّلهم ويصدّرهم ويفتح لهم الفضائيات والمنصّات!


المصدر

صفحة شريف محمد جابر

السبت، 9 مايو 2026

هذا ما تخفيه هجمات 25 أبريل في مالي

هذا ما تخفيه هجمات 25 أبريل في مالي
كاتب وباحث مالي في الشؤون الأفريقية.

في الساعات الأولى من فجر 25 أبريل/نيسان بدت باماكو وبعض المناطق الأخرى وكأنها تستيقظ على يوم غير عادي.

أصوات الانفجارات المتتالية، وحالة الارتباك التي انتشرت سريعا بين السكان، والتدفق المتسارع للأنباء المتضاربة، كلها أوحت منذ اللحظة الأولى بأن البلاد أمام واحدة من العمليات الأمنية التي تختلف كثيرا عن الهجمات المعتادة التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية.

خلال الساعات الأولى، سادت حالة من الغموض داخل العاصمة، خاصة مع تضارب المعلومات، وتداول مقاطع فيديو لم يكن معروفا مدى ارتباطها الحقيقي بالأحداث.

لكن مع مرور الوقت، بدأت الصورة تتضح تدريجيا، وتبيّن أن ما جرى لا يقتصر على هجوم انتحاري منفرد، بل عملية واسعة ومنسقة، استهدفت أكثر من موقع داخل العاصمة باماكو ومحيطها، إلى جانب كاتي التي تُعد من أهم مراكز النفوذ العسكري والسيادي في البلاد، وكذلك كيدال وغاو وتساليت ومناطق أخرى. تكررت الهجمات بأساليب مختلفة، لكن بتوقيت متقارب ورسائل متشابهة.

ولم تمض ساعات حتى بدأت جماعات متعددة، بعضها مرتبط بحركات انفصالية، وأخرى بتنظيمات مصنفة "إرهابية"، تتبنى العمليات أو تعلن المشاركة فيها، رغم تباينها المعروف، ومرجعياتها السياسية والأيديولوجية.

استهداف محيط وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا حمل دلالة تتجاوز البعد العسكري المباشر.

فالهجوم الذي طال المنزل والمسجد المجاور خلال وقت صلاة الفجر بدا وكأنه رسالة نفسية بقدر ما هو عملية أمنية، خصوصا أن المكان المستهدف لا يرتبط فقط بشخصية عسكرية بارزة، بل بإحدى أكثر الدوائر تأثيرا داخل بنية السلطة الأمنية في البلاد.

ولهذا، بدا واضحا أن الهدف لم يكن فقط إحداث خسائر ميدانية، بل توجيه رسالة تقول إن الجماعات المسلحة لا تزال قادرة على الاقتراب من العمق الأكثر تحصينا داخل الدولة المالية.

أولا: دلالات التوقيت السياسي والعسكري للهجمات

أعتقد أن توقيت هذه الهجمات لم يكن عشوائيا. فدولة مالي تمر أصلا بمرحلة شديدة الحساسية سياسيا وأمنيا، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتوترات إقليمية معقدة، إضافة إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في أجزاء واسعة من البلاد.

لذلك يصعب التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد عملية ميدانية منفصلة عن السياق العام؛ لأن مثل هذه الهجمات غالبا ما تحمل رسائل تتجاوز بعدها العسكري المباشر، سواء للداخل المالي، أو للأطراف الإقليمية والدولية المتابعة للمشهد.

وربما لهذا السبب جاء قرار آسيمي غويتا بتولي حقيبة الدفاع بنفسه في هذا التوقيت تحديدا.

فالسلطة تبدو مدركة أن المرحلة المقبلة لن تسمح بإدارة أمنية تقليدية، خاصة بعد الهجمات الأخيرة وما كشفته من حاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات العسكرية والأمنية بشكل سريع.

ثانيا: طبيعة التنسيق بين الجماعات المسلحة والانفصالية

أخطر ما كشفته هذه الهجمات ربما لا يتعلق فقط بحجمها، بل بطبيعة التنسيق الذي ظهر بين جماعات تختلف ظاهريا في الخطاب والأهداف.

فما حدث لا يبدو تحالفا مفاجئا بقدر ما هو امتداد لتحولات طويلة شهدها شمال مالي ومنطقة الساحل منذ عام 2012، حيث دخلت الجماعات المسلحة في عمليات متواصلة من إعادة التموضع، والانشقاقات، وتبدل الولاءات.

وخلال السنوات الماضية، لم تكن الحدود الفاصلة بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية ثابتة دائما على المستوى الميداني، خاصة في المناطق التي تتداخل فيها المصالح المرتبطة بالحركة والتمويل والسيطرة على طرق النفوذ.

الجديد هذه المرة أن هذا التقاطع بين بعض الفصائل لم يعد يجري في الظل، كما كان يُعتقد سابقا، بل ظهر بصورة أكثر وضوحا وتزامنا على الأرض، وهو ما منح الهجمات بعدا سياسيا إضافيا.

ثالثا: قراءة في الرسائل التي أرادت هذه العمليات إيصالها

داخليا، لم تكن هذه الهجمات مجرد محاولة لإيقاع خسائر ميدانية، بل بدت وكأنها محاولة لإعادة فرض الشعور بعدم اليقين داخل المجال الأمني للدولة.

فاستهداف مواقع حساسة، والاقتراب من مراكز مرتبطة ببنية القرار العسكري، أعادا إلى الواجهة أسئلة قديمة حول قدرة السلطة على تأمين عمقها الإستراتيجي، وليس فقط أطرافها البعيدة.

وربما كان الأثر النفسي للهجمات، خاصة خلال الساعات الأولى وما رافقها من ارتباك وتضارب في المعلومات، أحد أبرز الرسائل التي أرادت الجماعات المسلحة إيصالها إلى الداخل المالي.

أما خارج مالي، فقد حملت هذه الهجمات رسالة واضحة: أن الصراع في منطقة الساحل لا يزال مفتوحا على احتمالات أكثر تعقيدا.

فرغم التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على إعادة تنظيم نفسها، وتنفيذ عمليات متزامنة بهذا الحجم، وهو ما يكشف أن الأزمة الأمنية في الساحل لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار الحقيقي.

رابعا: الفجوة بين الرواية الإعلامية والواقع الميداني

في الساعات الأولى بعد الهجمات لم يكن الواقع فقط ما جرى ميدانيا، بل الطريقة التي تشكلت بها الصورة حوله. كان هناك تباين واضح منذ البداية: روايات تتحدث عن انهيار واسع في بعض المواقع، وأخرى تعطي انطباعا بأن الوضع تحت السيطرة. وبين هذين الخطين، ضاع كثير من التفاصيل الدقيقة.

من خلال متابعة تطور الأحداث، يبدو أن الواقع لم يكن في أي من الاتجاهين بشكل كامل. لا انهيار شاملا، ولا سيطرة كاملة كما حاولت بعض السرديات إيصاله. ما حدث أقرب إلى ارتباك ميداني في أكثر من نقطة في وقت واحد، وهو ما جعل الصورة تتشكل بشكل متأخر ومتدرج.

من الواضح أيضا أن الهجمات، بتزامنها واتساعها، وضعت المنظومة الأمنية تحت ضغط مباشر في أكثر من موقع، وهذا ظهر في بطء الاستجابة في الساعات الأولى، قبل أن تبدأ القوات الحكومية في إعادة التموضع، واستعادة السيطرة على عدد من النقاط الحساسة داخل العاصمة ومحيطها.

لكن الأهم من ذلك، ليس فقط ما جرى على الأرض، بل كيف جرى نقله. كثير من المحتوى الذي انتشر في البداية كان خارج سياقه أو غير مكتمل، وهذا أمر متكرر في بيئات الأزمات، حيث تتحول المنصات الرقمية بسرعة إلى مصدر للروايات المتنافسة أكثر من كونها وسيلة لنقل صورة دقيقة.

في مثل هذه اللحظات، لا تكون المسألة مجرد نقل خبر، بل هو صراع مبكر على تفسير ما يحدث، قبل أن تكتمل الصورة أصلا على الأرض.

خامسا: سيناريوهات المرحلة المقبلة

يبدو أن السلطات في باماكو ستضطر في المرحلة المقبلة إلى تغيير طريقة تعاملها مع الملف الأمني، وإعادة ترتيب أولوياتها، خصوصا فيما يتعلق بحماية الطرق الرئيسية والمناطق المفتوحة خارج المدن؛ لأن ما ظهر خلال الهجمات الأخيرة يشير إلى أن الخطر لم يعد داخل المدن فقط، بل أصبح موجودا أيضا على طول الطرق التي تربط العاصمة ببقية المناطق.

وهذا يعني أن التركيز على تأمين المدن وحدها لم يعد كافيا، لأن جزءا مهما من التهديد أصبح خارجها، في مناطق يصعب فيها وجود أمني ثابت وقوي.

وعلى نطاق أوسع، قد يدفع هذا الوضع صناع القرار في باماكو إلى التفكير بطريقة أوسع من السابق، خاصة إذا استمر وجود تداخل بين الجماعات المسلحة داخل مالي، والجماعات النشطة في منطقة الساحل بشكل عام.

وفي النهاية، فإن ما سيحدد المرحلة القادمة ليس فقط قدرة الدولة على التعامل مع الهجمات داخل المدن، بل أيضا قدرتها على تأمين الطرق والمناطق البعيدة؛ لأن هذا هو المكان الذي يظهر فيه الضعف أكثر.

ختاما: ما حدث في 25 أبريل/نيسان لم يكن مجرد هجوم أمني عابر، بل هو مؤشر جديد على أن الصراع في مالي يدخل مرحلة أكثر تعقيدا وتشابكا.

فالمشكلة لم تعد فقط في قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات واسعة، بل أيضا في قدرتها على فرض حضور نفسي وإعلامي يتجاوز حدود الميدان نفسه.

وربما يكون التحدي الأصعب أمام الدولة المالية خلال المرحلة المقبلة ليس فقط حماية المدن الرئيسية، بل استعادة السيطرة على المجال الجغرافي الذي يربط بينها، في ظل استمرار التهديدات الأمنية واتساع حالة الهشاشة خارج المراكز الحضرية.



ماريغا ماسري

لغة الأنوثة: معالجة فلسفية

 لغة الأنوثة: معالجة فلسفية

محمد صالح البدراني

"عندما تضع الأنثى حدودا، فهي في الحقيقة تساعد الرجل على اكتشاف إنسانيته"


مقدمة: في البدء كان الجوهر

قد يستغرب الذكور عندما تقول المرأة أريد أن أحس باني أنثى، يبدو لهم أنها جرأة وتعبير كالسيل، ذلك أنه يفهم الكلمة بلغة الذكر، بيد أن المرأة السوية أقل فصلا بين معنى المرأة والأنوثة كما يجري الفصل بين الرجولة والذكورة، وأن النمط في الذاكرة المجتمعية الذي يحجم المرأة ينسى لغتها المشفرة التي قد لا تُقرأ من كثير من النساء أنفسهن. ولعل الباحث في علم الاجتماع يدرك هذا إن كانت نفسه متواضعة وصبره طويلا، وإلا فإنه سيبقى أمام طلاسم عندما تظن أن المرأة مستجيبة لكلمات الإطراء لكنها لا تتفاعل معك عاطفيا، ليس كرها فيك ولكن المصفوفة لم تتطابق كما في ذهنها، مع أنها ليست دائما منطقية أو يمكن تمثيلها بمعادلة رياضية. وتعجب أحيانا أن تستجيب المرأة لرجل ليس بمواصفات عالية كما يراها الرجال، وتجد كلماته أوقع من الشعر والغزل، فهو وفق خوارزميتها حقق الاصطفاف المقبول.

المرأة إذن تتعامل مع ثلاثيتها وحضورها وليس مع مدح جمالها والهيام، فطقوس قبولها للكلام موافقة لتعريفها لنفسها في الزمان والمكان.

الأنوثة كلغة: حوار الأمان والفهم

الأنثى لا تتحدث بكلماتها فقط، بل تمتلك لغة متكاملة تتأسس على ثلاث ركائز الأمان، والاحترام، والفهم. هذه اللغة لا تُدرك بالحواس البدائية، بل تُدرك بالوعي الإنساني الراقي


الأنثى لا تتحدث بكلماتها فقط، بل تمتلك لغة متكاملة تتأسس على ثلاث ركائز الأمان، والاحترام، والفهم. هذه اللغة لا تُدرك بالحواس البدائية، بل تُدرك بالوعي الإنساني الراقي، قد تحققها مع رفيق وتكتفي أن تتكرم عليه بالعيش في ظله، ولكنها عندما تجبر على هذا الظل فستغادره عند أول فرصة إلى حيث ترى الشمس وتبحث عن الثلاثية بمجهودها ما لم تجد الظل الحقيقي الذي تتفانى غالبا من أجله ولو لم يكن على صواب، كما فعلت أمنا حواء حين سايَرَت آدم وزلت معه من أجل حبها له أو خوفها أن تفقده. وعمق الفكرة القرآنية مطلوب في تعريف وفهم سلوك المرأة أو الأنثى، فيطوي ذكر المرأة في مواضع المحاسبة أو العتاب سترا لها، بينما يبرزها في مواضع التشريف.

عندما نقول إن للأنثى لغة، فنحن نعني أنها نظام تواصل "عاطفي-ذهني". الأمان بالنسبة للأنثى ليس غياب الخطر الجسدي، بل هو البيئة التي تسمح لنفسها بأن تظهر دون أقنعة، إنه "الرحم النفسي" الذي إذا ما توفر، تفجرت معه ينابيع الإبداع والاحتواء، أما الفهم، فهو التحدي الأكبر؛ إذ يتطلب من الطرف الآخر (الرجل) أن يتخلى عن أدواته الذكورية الجافة من حرارتها ليقرأ ما بين السطور، ليسمع الصمت، ويفهم التقلب هو تقليبا له لترى أي وجه صالح قد يفيد.

وهْم الاختزال: سيكولوجية "الذكر" وعمق "الرجل"

من أكبر السقطات الفكرية في المجتمعات البشرية هي اختزال الأنوثة في "الجانب الجنسي"، هذا الاختزال هو نتاج رؤية "ذكورية" ضيقة ترى في المرأة "موضوعا" للإشباع وليس "ذاتا" للتحاور. الفلسفة تفرق هنا بوضوح بين "الذكر" و"الرجل"؛ فالذكر هو الذي يقف عند حدود الغريزة، يرى في الأنوثة شكلا، ويحاول امتلاكها كأداة، أما "الرجل"، فهو الذي يرتقي ليدرك أن الأنوثة هي "النصف المتمم" لنفسها وإنسانيتها، لأن الاختزال بالفهم الجنسي السطحي للأنوثة هو في الحقيقة إسقاط للأمان، لأنه يتجاهل معنى الأنثى؛ الأنوثة في جوهرها هي "طاقة خلق" و"بناء"، والجانب الجسدي فيها ليس إلا غلافا خارجيا لسرٍّ أعظم بداخلها، هو نوع من المهمة في السلالة له لغة تتجاوز الغريزة والإشباع إلى الاندماج بالعطاء.

الحدود الصحية: حراسة المقدس

لكي تظل هذه اللغة نقية، كان لا بد من "حدود"، الحدود في حياة الأنثى ليست جدرانا للعزل، بل هي "حصون" لحماية قدسية الجوهر، وضع الحدود هو الفعل الفلسفي الذي تعلن من خلاله الأنثى استقلاليتها؛ إنها تقول للعالم: "أنا كائن يجب أن يُحترم، يُفهم، ويُقدر، ولست مساحة مستباحة للغرائز". هذه الحدود تبدأ من "الرفض الواعي" لكل ما يمسّ كرامتها، وتنتهي بفرض نمط من التعامل يجبر المحيطين على الارتقاء بلغتهم، عندما تضع الأنثى حدودا، فهي في الحقيقة تساعد الرجل على اكتشاف "إنسانيته"؛ إذ تدفعه للتعامل معها كإنسان ، وتبقى أفهام المجتمع توجب الحد المعقول وإلا الخروج عنها يتجاوز المنطق على أي حال، ولن يسير ذكور مجتمعها بإرادتها، ولا فهمها وإنما بفهمهم المقلل من قيمتها، والتجني على خصوصيتها المضعف لدائرة أمنها وربما انتهاكه.

الأنوثة كفعل حضاري.. مقياس الرقي:

دعوتنا اليوم هي إعادة تعريف الأنثى كمفهوم مجتمعي، ليخرج من غرف الغرائز الضيقة إلى فضاءات الفكر الرحبة، وإحاطته بالقيم العليا وليس بقناعات موروثة تخالف الدين أحيانا كثيرة


دع من تهتم لأمرها، حبيبة أو زوجة، أو أي صلة لك بها، أن تحس بالأمان معك ومنك، فأمان الدنيا في أمانك، واحترم حضورها فيكون أمانك منها، وافهم أنها قد تأخذ نهجا ليس للنهج نفسه وإنما لتحقيق الذات، فلا تنتقدها وإنما أعطها ما ستجد بعده أنها ترتصف للاعتدال لأنها وجدت ضالتها. إن رقي أي فكر حضاري أو مجتمع مدني لا يُقاس بالخطب وناطحات السحاب، بل أحد معاييره "الأمان" الذي تشعر به الأنثى فيه، وبمدى احترام لغتها الخاصة. المجتمع الذي يحترم الأنوثة هو مجتمع متصالح مع قيم اللين، والرحمة، والاحتواء، أما إجبارها بالتخلي عن ثلاثيتها سواء بالضغط عليها بحجة العفة، أو معاملتها كآلة للجنس والشهوات، وجعل معيار حريتها كما نراها في الغرب، فالاثنان يفتقدان للفهم.

الخاتمة: الفهم

إن دعوتنا اليوم هي إعادة تعريف الأنثى كمفهوم مجتمعي، ليخرج من غرف الغرائز الضيقة إلى فضاءات الفكر الرحبة، وإحاطته بالقيم العليا وليس بقناعات موروثة تخالف الدين أحيانا كثيرة.

إن مشكلة مجتمعنا ككل البشرية اليوم هي الفهم، فكل ما نتعامل به هي انطباعات تستند إلى هوى السلطة في الحكم، وهوى الذكورية في الهيمنة المجتمعية مثلا، وإلى التمرد في إثبات المرأة لوجودها، وإصرارها أحيانا لدرجة تثبيت الجهل بما هو فيه نجاتها في الدارين، فلا يكفي أنها لا تقتنع بشيء بالهوى، وإنما عليها أن تبحث، وأن يكون رضا الله أهم من كل شيء.


إجابة سؤال ترمب.. لماذا انتظرت أمريكا 47 عاما قبل أن تضرب إيران؟

 إجابة سؤال ترمب.. لماذا انتظرت أمريكا 47 عاما قبل أن تضرب إيران؟


أحمد مولانا

  "لا أدري لماذا انتظرنا 47 عاما قبل أن نتحرك ضد إيران"

بواسطة (الرئيس الأمريكي دونالد ترمب)

أثار وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري ضجة خلال مشاركته في حلقة ببرنامج "ذا بريفينغ" مع الإعلامية والمتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض جين بساكي يوم 10 أبريل/نيسان الماضي، حيث كشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لطالما حث الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بداية من بوش الابن ثم أوباما ثم بايدن، على شن ضربات عسكرية ضد إيران، لكن كل الرؤساء السابقين رفضوا ذلك، باستثناء الرئيس ترمب.

تثير تصريحات كيري سؤالا: لماذا لم يُقدِم الرئيس ترمب نفسه أثناء إدارته الأولى على تنفيذ طلب نتنياهو؟ وهو ما نجد إجابته في مذكرات مايكل بومبيو، مدير الاستخبارات الأمريكية ووزير الخارجية السابق في حقبة ترمب الأولى، إذ يقول: "كان وزير الدفاع جيمس ماتيس والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية، فقد قال ماتيس لي: مايكل، إذا واجهنا الإيرانيين، فإنهم سيُسيطرون على سلم التصعيد، وسننتهي في مكان سيئ للغاية".

وقبل ماتيس، سبق لوزير الدفاع الأمريكي في عهدي بوش الابن وأوباما روبرت غيتس أن صرح بأن "نتائج ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على إيران قد تكون كارثية، وستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، حيث ستدفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من التخفي والتعقيد، وستطاردنا لأجيال".

"كان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق جيمس ماتيس والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية"

وعلى ذات المنوال حذر وزير الدفاع الأمريكي في عهد أوباما ليون بانيتا في ديسمبر/كانون الأول 2011 قائلاً: "سنشهد تصعيداً لن يقتصر على إزهاق أرواح كثيرة فحسب، بل أعتقد أنه سيُغرق الشرق الأوسط في مواجهة وصراع سنندم عليهما، وستكون لهذا الهجوم تبعات اقتصادية وخيمة قد تؤثر على اقتصاد أوروبا الهش، وعلى اقتصاد الولايات المتحدة أيضاً، لذا علينا أن نكون حذرين من العواقب غير المقصودة لمثل هذا الهجوم".

سخر بومبيو من تخوُّفات ماتيس وغيتس وبانيتا والبنتاغون قائلاً: "هذه العقلية المزعجة تعتقد بأن علينا أن نخاف أكثر من خصوم أمريكا وليس العكس.. لقد كنت واثقاً من قدرتنا على التحكم في سلم التصعيد من خلال تفوقنا الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الهائل". وقد انسحب ترمب من الاتفاق النووي مع إيران ثم اغتال قائد فيلق القدس قاسم سليماني مطلع عام 2020، لكن جاءت أزمة وباء كوفيد لتطغى على غيرها من الملفات لحين خروج ترمب من البيت الأبيض بعد هزيمته في الانتخابات أمام جو بايدن.

ولكن بغض النظر عن تعليق بومبيو، فقد استندت مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تقديرات مواقف ودراسات ناقشت تداعيات شن حرب على إيران، ومن أبرزها دراسة مهمة برعاية رموز من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نُشرت عام 2012 بعنوان "تقييم فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران".

وتأتي أهمية تلك الدراسة من خلفية المُوقِّعين عليها، والبالغ عددهم 32 شخصا، فجميعهم من المسؤولين السابقين والمتخصصين في قضايا الأمن القومي، وفي مقدمتهم زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد كارتر وأحد أبرز منظري الجغرافيا السياسية الأمريكيين، ووزير الدفاع في عهد أوباما تشاك هيغل، وبول فولكر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية السابق، ونيكولاس بيرنز السفير الأمريكي لدى حلف الناتو والصين، وويليام فالون وأنتوني زيني، وهما قائدان سابقان للقيادة المركزية الأمريكية "سينتكوم".

"رجَّحت الدراسة أن الحرب ستؤثر على سيطرة الحكومة الإيرانية، وستستنزف خزينتها، وترفع مستوى التوترات الداخلية، لكنها لن تؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه"

صدرت الدراسة وقت تبني واشنطن سياسة مواصلة الضغط على إيران مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام إمكانية التوصل إلى حل سياسي، دون استبعاد استخدام القوة العسكرية، لكن مع الاحتفاظ بها كخيار أخير. وخلصت إلى أنه في ظل التشجيع الإسرائيلي لواشنطن، وعدم اليقين بشأن نوايا إيران الحقيقية، فإن السيناريو العسكري الأكثر ترجيحا هو أن تبادر الولايات المتحدة وإسرائيل لتنفيذ هجوم استباقي ضد إيران.

ورجَّحت الدراسة أن الحرب ستؤثر على سيطرة الحكومة الإيرانية، وستستنزف خزينتها، وترفع مستوى التوترات الداخلية، لكنها لن تؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه، بل قد تؤدي إلى اصطفاف المواطنين الإيرانيين خلف الحكومة بدلاً من تثويرهم ضدها، كما ستبقى القدرة العلمية والخبرة اللازمة لاستئناف إيران لبرنامجها النووي إذا ما رغبت في ذلك. بل حتى في حال إسقاط النظام، فلن تصبح إيران بالضرورة، أو المنطقة كلها، أكثر استقراراً نتيجة لذلك.

ونظرا لأهمية تلك الدراسة وارتباط تفاصيلها بشكل وثيق بواقع الحرب الحالية، وتشديدها على أن النقاشات الأمريكية حول شن حرب على إيران غالباً ما تكون ذات دوافع سياسية، ومبنية على افتراضات غير مدروسة حول قدرة العمل العسكري على تحقيق أهداف الولايات المتحدة، سنتطرق لأبرز ما ورد فيها، فهي بمثابة كشَّاف يُسلط الضوء على مستقبل وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وتجيب على سؤال الرئيس ترمب المتكرر: لا أدري لماذا انتظرنا (في الولايات المتحدة) 47 عاماً قبل أن نتحرك ضد إيران؟

حدود الأهداف والقدرات العسكرية

سعت الدراسة لنقاش أسئلة ينبغي أن يطرحها القادة الأمريكيون على أنفسهم عند التفكير في أي عمل عسكري: متى يكون استخدام القوة مبررا؟ ما هي الأهداف المرجوة؟ هل تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تحقيق تلك الأهداف؟ ما هي استراتيجية الخروج من الحرب؟ ما هي الفوائد المحتملة لاستخدام القوة العسكرية في هذا الوضع؟ وأخيرا: ما هي التداعيات الفورية وبعيدة المدى؟

تنطلق الدراسة من تحديد وتقييم للهدف المعلن للعمل العسكري الأمريكي، وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي في حال بروز مؤشرات واضحة على عزمها ذلك، مثل انسحاب طهران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وفصل أجهزة المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنع أي عمليات تفتيش ميدانية.

"خلص التقييم الأمريكي أن الحملة الجوية وحدها لن تكون قادرة على تدمير برنامج إيران النووي، وأن كل ما ستفعله هو تأخيره لعامين أو 4 أعوام على الأكثر"

وتخلص الدراسة إلى أن هذا الهدف غير قابل للتحقق عسكرياً بالاعتماد على تنفيذ حملة جوية كبيرة، مدعومة بهجمات سيبرانية وعمليات خاصة، سواء نُفِّذَت بشكل أحادي أو بالشراكة مع إسرائيل، واعتبرت أن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي تأخير البرنامج النووي الإيراني لفترة زمنية محدودة، قد تصل إلى أربع سنوات، وستتقلص إلى عامين في حال تنفيذ إسرائيل للهجوم بمفردها، في ظل محدودية القدرات العسكرية الإسرائيلية على تدمير أهداف مبنية في أعماق الأرض مثل منشأة فوردو.

واستند هذا التقدير إلى طبيعة البرنامج النووي الإيراني ذاته، القائم على تعدد المواقع وتوزعها الجغرافي، وتحصين بعضها في أعماق الأرض، ما يستبعد تكرار نجاح ضربات إسرائيل السابقة ضد مفاعلات نووية في العراق وسوريا. فالضربات الأمريكية قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالمواقع النووية الرئيسية، لكن لا يُمكنها ضمان تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، في ظل احتمال وجود منشآت سرية، وقدرة طهران على إعادة بناء ما دُمِّر استناداً إلى خبرتها العلمية المتراكمة. إذن فالحرب ستولد حاجة إلى تكرار الضربات في المستقبل، أو القبول بعودة البرنامج النووي إلى مساره بعد الترميم.

تمتد إشكالية العمل العسكري إلى غياب التوافق داخل واشنطن بشأن طبيعة الأهداف نفسها. فبينما تشير التصريحات الرسمية الأمريكية عادة إلى هدف محدد يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تكشف الدراسة عن وجود اتجاهات داخل دوائر صنع القرار تتبنى أهدافاً أكثر طموحاً، تشمل تغيير النظام، أو إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية، وإعادة تشكيل سلوك طهران الإقليمي.

ويفتح هذا التباين الباب أمام فخ التصعيد، إذ تبدأ الحرب بهدف محدود، ثم تتوسع تدريجياً بفعل ديناميات الصراع، بحيث تتطلَّب حرباً جوية وبحرية لفترة طويلة من الزمن، وربما تمتد لسنوات، ما يستلزم نشر قوات برية واحتلال أجزاء من إيران أو حتى السيطرة على كامل البلد، بحسب الدراسة.

"يفتح غموض الأهداف الباب أمام فخ التصعيد، إذ تبدأ الحرب بهدف محدود، ثم تتوسع تدريجيا بفعل ديناميات الصراع"

يحتاج هذا السيناريو موارد بشرية وعسكرية تفوق ما خصصته الولايات المتحدة لحربي العراق وأفغانستان مجتمعيْن، بالنظر إلى حجم إيران الجغرافي، فمساحتها تبلغ نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع، وتعدادها السكاني يبلغ حاليا 93 مليون نسمةٍ. تلك المعطيات جعلت الباحث العسكري الأمريكي مايكل أوهانلون يشير في كتاب أصدره مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS)، إلى أن احتلال إيران يتطلب نحو مليون جندي أمريكي، كما أنه يُصعِّب وضع استراتيجية خروج من حرب ستتطلب في نهاية المطاف حلاً سياسياً.

تفترض الدراسة استخداماً كثيفاً للقوة الجوية الأمريكية، بما في ذلك القاذفات الشبحية والقنابل الخارقة للتحصينات، لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية المدفونة في أعماق الأرض، إلى جانب تدمير أنظمة الدفاع الجوي ومراكز القيادة والتحكم، وجزء كبير من القواعد والمنشآت العسكرية الرئيسية التابعة للحرس الثوري والجيش. غير أن هذه القدرة الأمريكية، رغم تفوقها التقني، تظل مقيدة بعدة عوامل.

"يرى الباحث العسكري الأمريكي مايكل أوهانلون أن احتلال إيران يتطلب مشاركة نحو مليون جندي أمريكي"

أول هذه العوامل هو الجدل القائم حول قدرة الذخائر الأمريكية، مثل القنبلة الخارقة للتحصينات، على تدمير منشآت عميقة مثل فوردو بشكل كامل، حيث تشير التقديرات إلى أن الضربات قد تلحق أضراراً جسيمة بالمنشأة، لكنها لا تضمن القضاء النهائي عليها. أما العامل الثاني فيتعلق بطبيعة الأهداف نفسها، فنجاح الضربة الأولى لا ينهي العملية، بقدر ما يتطلب الحاجة إلى تقييم الأضرار وإعادة الاستهداف، خاصة إذا تبين أن بعض المنشآت قابلة لإعادة الاستخدام أو أن إيران نجحت في نقل جزء من قدراتها مسبقاً.

كذلك سيصبح الاعتماد على المعلومات الاستخبارية لتقييم نتائج الضربات أكثر تعقيداً في حال طردت إيران مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يقلل من القدرة على التحقُّق بدقة من حجم الضرر الفعلي. وهو استشراف حدث بالفعل، إذ استهدفت الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، وأعلنت على لسان الرئيس ترمب تدميرها بالكامل، ثم عادت مجدداً عام 2026 لشن حرب تحت لافتة "منع إيران من امتلاك سلاح نووي".

إشكالية الرد الإيراني

يُعد طبيعة ومستوى الرد الإيراني عنصرا جوهريا في تقييم جدوى العمل العسكري الأمريكي ضد طهران. وقد رجَّحت الدراسة أن إيران لن تكتفي برد محدود، وستلجأ إلى مزيج من الأدوات العسكرية مثل استخدام الصواريخ الباليستية لضرب إسرائيل، إضافة إلى استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.

توقعت الدراسة أيضا قيام طهران بشن هجمات على البنية التحتية للبتروكيماويات في الخليج، واستخدام قدراتها البحرية مثل الألغام والزوارق السريعة والصواريخ المضادة للسفن لعرقلة الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً لإغلاقه لأيام أو حتى أسابيع، ما سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع حاد في أسعار النفط. وهو تخوف حدث بالفعل، حيث ارتفع سعر برميل النفط من 60 دولاراً قبل الحرب ليتجاوز 100 دولارٍ.

"كل رد إيراني سيستدعي ردا أمريكيا أو إسرائيليا، والذي بدوره قد يدفع إيران إلى تصعيد إضافي، في حلقة يصعب التحكم فيها"

إلى جانب ذلك، حذَّرت الدراسة من تفعيل إيران لشبكاتها الإقليمية، مثل حزب الله والجماعات المسلحة في العراق، لتنفيذ هجمات صاروخية أو عمليات غير تقليدية، وتمديد نطاق الصراع جغرافياً، وزيادة تعقيد البيئة العملياتية، ضمن إستراتيجية تهدف لتحويل الصراع إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات. كما أشارت الدراسة إلى أن أخطر ما في العمل العسكري ضد إيران هو ديناميات التصعيد التي قد يُطلقها. فكل رد إيراني سيستدعي ردا أمريكيا أو إسرائيليا، والذي بدوره قد يدفع إيران إلى تصعيد إضافي، في حلقة متتالية يصعب التحكم فيها.

وتزداد خطورة هذه الديناميات في ظل "ضباب الحرب" وارتفاع مستويات انعدام الثقة، ما يرفع من احتمالات سوء التقدير أو سوء الفهم السياسي أو سوء التقدير العسكري. وقد يؤدي ذلك إلى اتخاذ قرارات تصعيدية لم تكن ضمن الحسابات الأولية لأي من الطرفين، فما يعتبره أحدهما رداً مبرراً قد يُنظَر إليه من الطرف الآخر على أنه تصعيد وانتهاك للخطوط الحمراء، ما يفتح الباب أمام تحول الحرب المحدودة إلى حرب إقليمية.

وقد خلصت الدراسة إلى أن العمل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث سيدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي بدلاً من إبطائه. فالهجوم الأمريكي سيعزز قناعة القيادة الإيرانية بأن تغيير النظام هو الهدف الحقيقي للحرب، ما يدفعها إلى اعتبار السلاح النووي وسيلة ردع ضرورية للحماية من الهجمات المستقبلية.

"خلصت الدراسة إلى أن العمل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث سيدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي بدلاً من إبطائه"

كما قد تنسحب إيران من معاهدة عدم الانتشار النووي، وتنهي التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن ثمَّ تقِل قدرة المجتمع الدولي على مراقبة برنامجها النووي، ويزيد من الغموض المحيط به بسبب نقص المعلومات. وبالفعل بعد هجمات 2025 علقت إيران زيارات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمواقع النووية التي تعرضت لضربات، ما أثار تكهنات حول مدى الضرر الذي لحق بها.

على المستوى الدولي، يبرز احتمال تآكل نظام العقوبات، خاصة في حال تنفيذ الهجوم الأمريكي دون تفويض أممي، فقد تتراجع بعض الدول عن دعمها للسياسات الأمريكية. كما أن ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، يُضيفان بعداً اقتصادياً للأزمة يمس بالأمن الدولي والإقليمي، فضلاً عن إلحاق الضرر بسمعة الولايات المتحدة، وزيادة مصداقية الجهات المعادية لأمريكا.

رؤى مغايرة

تكشف تصريحات جون كيري وبانيتا وغيتس، عند النظر لها ضمن التقديرات الواردة في الدراسة، عن مفارقة في السلوك الأمريكي تجاه إيران: فبينما ظل خيار الحرب حاضرا نظرياً على الطاولة لعقود، امتنعت الإدارات المتعاقبة عن تفعيله عمليا لإدراكها حدود هذا الخيار، والحذر مما سيسفر عنه. فأي عمل عسكري دون الغزو البري، لن يحقق الهدف المعلن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وأقصى المأمول من الضربة تأخير القدرات الإيرانية عدة سنوات، مع بقاء إمكانية إعادة البناء قائمة، ما يطرح سؤالاً حول مدى استعداد واشنطن لتكرار الضربات كلما أعادت إيران بناء برنامجها، وهو ما حذر منه الرئيس ترمب قائلاً إنه لا يريد العودة لشن حرب كل 5 سنوات على إيران، ما يعني أن الخيار البديل هو أن تتجه واشنطن لتوسيع نطاق الحرب عبر تنفيذ عمليات برية لإسقاط النظام بالكامل.

"بينما ظل خيار الحرب ضد إيران حاضرا نظريا على الطاولة لعقود، امتنعت الإدارات المتعاقبة عن تفعيله عمليا لإدراكها حدود هذا الخيار"

في هذا الإطار، تُجسِّد تحذيرات ماتيس، التي نقلها بومبيو، منطقا راسخا داخل وزارة الحرب، مفاده أن شن حرب على إيران يعني الدخول في مسار تصعيدي تملك طهران أدوات مؤثرة فيه، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو موقعها الجغرافي أو شبكاتها الإقليمية. وفي المقابل، يُمثِّل موقف بومبيو تصوُّرا مغايرا، يفترض قدرة الولايات المتحدة على التحكم في سلم التصعيد استناداً إلى تفوقها العسكري والاقتصادي. غير أن هذا التصور يصطدم بحقيقة أن ديناميات الحرب، بمجرد انطلاقها، لا تخضع لإرادة طرف واحد، وأن تفاعل الضربات والردود يولد مسارا تصعيديا قد يتجاوز الحسابات الأولية، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وانعدام الثقة.

من هنا يمكن فهم سبب تردد الإدارات الأمريكية المتتالية تجاه شن عملية عسكرية على إيران، خصوصاً في ظل تقديرات تشير إلى أن الحرب قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعزيز الدافع الإيراني نحو امتلاك سلاح نووي، وتآكل منظومة الرقابة الدولية، واضطراب علاقات واشنطن مع حلفائها في حال شن الحرب بشكل أحادي.

إن تحليلات حسابات فوائد الحرب وتكاليفها أدَّت طوال عقود إلى تراجع الإغراء باستخدام القوة، لصالح إدراك أكثر تعقيدا لطبيعة الصراع، ما جعل الحرب على إيران، رغم حضورها الدائم في الخطاب الأمريكي، خيارا مؤجلا، إلى أن عاد ترمب للبيت الأبيض، وقرر شنها دون النظر لتحفظات من سبقوه، بل ومع تعجُّبه من أسباب عدم إقدام أسلافه على شنِّها طوال نحو نصف قرن.