بيعوا السقف الذهبي يا سادة

حمّور زيادة
أصدر الناطق الرسمي باسم "تحالف السودان التأسيسي" تصريحاَ صحافياً في بداية أكتوبر/ تشرين الأول الجاري عن لقاء عقده مع مسؤولين في الخارجية البريطانية. بحسب نص التصريح، ناقش اللقاء أموراً منها"القضايا المتعلقة بحماية العاملين في الحقل الإنساني وحماية المدنيين".
"تحالف السودان التأسيسي" هو الاسم المستعار للتحالف الذي كوّنه قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهي تسمية لم تغير من واقع أن التحالف هو "قوات الدعم السريع وملحقاتها".
النقاش الذي دار مهم جداً، لكننا لا نعرف ما جرى فيه إلا ما يخبرنا به تصريج الناطق الرسمي. فلعل اللقاء تطرق إلى ما نشره مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في فبراير/ شباط 2026 بعد مقابلات في السودان وتشاد مع الناجين من مدينة الفاشر.
وثقت المقابلات مقتل أكثر من ستة آلاف قتيل في الأيام الثلاثة الأولى من هجوم "الدعم السريع" على المدينة، وأكثر من أربعة آلاف قتيل داخلها، وأكثر من 1600 قتلوا وهم يفرّون خارجها.وقالت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان في تقريرها بوضوح:
"توجد مؤشّرات إلى وقوع إبادة جماعية".
جيدٌ أن الناطق الرسمي ناقش مع مسؤولي الخارجية البريطانية هذه القضايا، فما رصدته جامعة ييل الأميركية ووثقته من مشاهد الدماء التي ترى من الفضاء، ومواقع المقابر الجماعية في المدينة، هذه قضايا تستحق النقاش.
وبحسب تصريح الناطق الرسمي باسم قوات "الدعم السريع وملحقاتها"، ناقش اللقاء "انعدام الأمن الغذائي واحتمالات المجاعة، وتوظيف الغذاء سلاحاً في الحرب".
هذه قضية مهمة، خصوصاً بعد أن اتهم تقرير الخبراء في يونيو/ حزيران الماضي الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع باستخدام التجويع سلاحاً في الحرب.
وفي أغسطس/ آب، اتهمت المقرّرة الخاصة بالأمم المتحدة المعنية بالغذاء "الدعم السريع" بمنع إيصال المساعدات إلى المحتاجين.
يوحي التصريح الصحافي الصادر عن تحالف تأسيس بأنه طرف مهتم بوقف الانتهاكات، وليس طرفاً متهماً بها ومتورّطاً فيها.
يرسل طرفا الحرب أصحاب ربطات العنق الأنيقة ليناقشوا مع المجتمع الدولي "القضايا"، بينما يرتكبها رفاقهم أصحاب السلاح. هم فقط لا يسمّونها "قضايا"، يسمونها "انتصاراً في الحرب".
فيصوّر جندي "الدعم السريع" إطلاقه الرصاص على الأسرى فرحاً بالنصر، ويصور مواطنون جندياً يرتدي زي الجيش السوداني يصفي، بعد التحرير، متهماً بالتعاون مع "الدعم السريع" في الطريق وسط زغاريد النساء وفضول الأطفال.
الذين يرتكبون هذه الأفعال لا يدخلون الاجتماعات الدولية المغلقة، فيذهب بدلاً عنهم السادة المتأنقون ليحولوا الجرائم إلى "وضع معقد يحتاج إلى حل".
لو أن "الدعم السريع" أرسل مقاتله المعروف باسم أبولولو لكانت نتائج اللقاء مختلفة.
الجيش كذلك لا يرسل من يذبحون المدنيين بحجّة التعاون مع العدو، لكنه يرسل من يتحدثون بإنكليزية طلقة عن "مؤسسات الدولة وواجبها في حماية البلاد والمواطنين".
ذاق السودانيون في مناطق متفرّقة من البلاد ويلات هذه الحرب وانتهاكاتها. ورصدت عشرات التقارير الدولية استهداف المدنيين والأعيان المدنية، والهجمات العشوائية، واستهداف العاملين في الحقلين الطبي والإنساني، والعنف الجنسي، والتعذيب والقتل خارج القانون، والنهب وتجنيد الأطفال، في قائمة طويلة من الجرائم.
من يرتكبون هذه الجرائم يناقشون خطورتها وأهمية منع خصومهم من ارتكابها!
هكذا تستمر جولات التفاوض والنقاش وتقديم الرؤى ويزيد عدد الوسطاء، وتتراكم التقارير عن الانتهاكات.
للأسطورة الكروية مارادونا قصة معروفة عندما زار الفاتيكان، وبحسب مذكّراته "أنا دييغو"، فقد سمع البابا يقول إن الكنيسة قلقة بشأن رفاهية الأطفال الفقراء. قال ماردونا: "إذاً؟ بع هذا السقف الذهبي يا صديقي! افعل شيئاً".
السادة الذين يعكفون بالساعات لمناقشة الأزمة وانتهاكات الحرب وضحاياها قلقون بشأن رفاهية الأطفال الفقراء.
لكنهم لا يفعلون شيئاً.
يحدثوننا حديثاً كثيراً طويلاً عن معاناة المواطنين والانتهاكات التي ترتكب بحقهم.
كلهم يبحثون عن طريقة لمساعدتهم. يتبادلون الاتهامات والغارات الجوية لكنم يدّعون البحث عن طريقة لحماية المدنيين.
حسناً... بيعوا السقف، وأوقفوا حربكم، أيها السادة. افعلوا شيئاً.




