الخميس، 24 سبتمبر 2026

الدواء القاتل!

 الدواء القاتل!    

كيف أسهمت حروب أمريكا وتدخلاتها منذ سبتمبر في استنزاف قوتها وتوسيع نفوذ خصومها، وهل تشهد المنطقة اليوم نهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية وبداية ترتيبات جديدة تفرض على دولها مراجعة رهاناتها وتحالفاتها على أسس مختلفة في السنوات المقبلة؟


الحمد لله قاصم الجبارين، وناصر المستضعفين؛ الذي أمره بين الكاف والنون، فما بين الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى الحادي عشر من سبتمبر 2026 ربع قرن من السنوات حصلت فيها أحداث جسام قلبت المعادلات في مشاهد متتالية مستمرة؛ لا بد لفهمها من تأمّل عميق سيأخذك حتمًا إلى العيش في أجواء القصص القرآني، خاصةً القصص المبسوطة، والتي تكرَّر ذِكْرها مثل قصة موسى ويوسف -عليهما السلام-.

وهناك تكتشف أن الصورة لا تكتمل إلا بجمع الأطراف، والوقوف عند كل التفاصيل؛ فالأحداث الصغيرة تُماثل الكبيرة في ضرورتها لتحقّق النهاية؛ ففي قصة يوسف نجد أن الرؤيا تُلخِّص المشهد النهائي، ولكنّ الغَيْرة كانت البداية، والخطوة الثانية كانت بين خيارين؛ القتل أو طرحه في البئر.

والمشهد الثاني مَن عثر عليه كان يمكن أن يُحِبّه ويتبنّاه، ولكنّهم نظروا إليه كبضاعة، وباعوه بمصر بثمن بخس، وكان يمكن أن يُباع ببلد آخر، ومَن اشتراه بمصر كان عزيز مصر ومحرومًا من الولد؛ فتمسَّك به وربَّاه، وأحسن إليه.

 وكان الابتلاء بهيام المرأة، وسجنه، ولقاء الفتيان، وتفسير منامهما؛ فلْنتخيل أنهما لم يَريا حُلمًا، فكيف يُعرَف أن يوسف لديه عِلْم بتأويل الرؤى، وكيف يُرجَع إليه لتأويل رؤيا الملك؟ ولذلك فمسار الأحداث يُبيِّن أن الله شاء أن يكون الوصول للتمكين عبر طريق طويل يمتدّ لعشرات السنوات من الابتلاء بالخير والشر؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].

وكما كانت أحداث قصة يوسف بدأت برؤيا ليوسف؛ فإن قصة موسى بدأت برؤيا فرعون التي فُسِّرت له أن هلاكه سيكون على يد فتًى من بني إسرائيل، وكان القرار الإجرامي للطاغية الخائف بقتل الأطفال، وكانت إرادة الله أن يتربَّى بحضنه؛ قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8].

 وكما كانت مسيرة عشرات السنين كذلك كانت مسيرة موسى مواقف وأحداث تفصل بينها سنوات؛ فمنها ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]. 

و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، 

و ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣].

وكانت النهاية المحتومة هلاك فرعون وجيشه، وخروج بني إسرائيل من مصر؛ 

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].

والجامع من هذه القصص: 

أن الله يبتلي ويمتحن، ولكنّ حُكمه النافذ وقَدَره الذي لا يتغيّر هو أن الغلبة في النهاية محسومة؛ 

كما قال تعالى: 

﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]؛ 

وهو نَصْر مُتحقّق ماديًّا ومعنويًّا، عاجلًا في الدنيا أو آجلًا في الآخرة؛ 

كما قال -سبحانه وتعالى-: 

﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 44]؛ واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وهذه اللعنة تُلاحِق الظلمة في الدنيا والآخرة.

ولذا لا يمكن فَهْم الأحداث ومآلاتها إلا بتتبُّع ممتدّ زمنيًّا ومكانيًّا، ولنأخذ أمريكا مثالًا؛ فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991م؛ تربَّعت أمريكا على عرش العالم كقوة عظمى وحيدة. 

وللحفاظ على حيويتها كان لا بد لها من عدوّ حقيقي أو موهوم، وبدأت حرب منطقة البحيرات العظمى في إفريقيا، والتي شملت راوندا وبورندي والكونغو، والنتيجة تمدُّد النفوذ الأنجلوساكسوني على حساب الفرنسي، ولكن الأخطر هو اشتعال حرب الخليج الثانية التي تضمَّنت دخول القوات العراقية للكويت بإغراء أمريكي، وبعدها تم ضرب القوات العراقية، وحصار العراق، وانتشار القوات الأمريكية في المنطقة.

 وهنا تم الترويج للعدو الوهمي، وهو الإسلام؛ تحت شعار «صراع الحضارات»، وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرصة استغلتها أمريكا والغرب في محاربة شرسة للحضارة الأخرى التي كانت تتلمس طريقها لمحاولة النهوض، 

وتحت شعار «محاربة الإرهاب»، و«مَن ليس معنا فهو ضدنا»؛ تم الإجهاز على العراق بمشاركة مباشرة من إيران، وكذلك تم غزو أفغانستان لوَأْد تجربة طالبان.

 وكانت أمريكا -في سَكْرة القوة والسيطرة-؛ ترى أن احتلال العراق وأفغانستان بقوات أمريكية ضروري لإبقاء بل وتنشيط الجاهزية القتالية للقوات الأمريكية؛ فهي مناطق تدريب ميدانية للقوات، وميادين لتجربة وتطوير الأسلحة الجديدة.

ولمن يريد أن يعرف الإجرام الذي مُورِسَ

 في العراق؛ فلْيَرجع إلى فضيحة سجن «أبو غريب».

وأما أفغانستان، فمن مظاهر الإجرام أن القوات الخاصة الأسترالية قامت بقتل المدنيين بقصد التدريب، أو لنَقُل متعة القتل! 

وهنا نسأل إذا كانت القوات الأسترالية اعترفت بقتل عشرات المدنيين، فكم قتلت أمريكا من الأبرياء بقصد التدريب أو تطوير الأسلحة؟!

وما يهمنا هنا أن أمريكا مكثت في العراق وأفغانستان لمكاسب مرجوة وعلاج مشكلة فقدان العدو، والذي حصل أن عشرات السنوات من الصراع أدَّى لاستنزاف القوات الأمريكية ماديًّا ومعنويًّا؛ 

فلم تَعُد الخدمة في العراق وأفغانستان سببًا للفخر، بل إن الجرائم التي ارتكبوها لاحَقَتْهم أمراضًا وكوابيس.

ولكنّ الأهم أن التورّط في العراق وأفغانستان أدَّى لتمكين حليفتها المؤقتة «إيران» من التمدُّد، والفخر بالسيطرة على أربع عواصم عربية، وكذلك فإن احتلال أفغانستان المجاورة للصين أدَّى للتغافل الأمريكي عن تمدُّد الصين العالمي، وعدم استفزاز الصين للحفاظ على أمن قواتها في أفغانستان.

ولكن بعد عقود من الزمن بدأت أمريكا تُواجه نتيجة الفشل في إدارة مناطق احتلالها، وخرجت من أفغانستان تَجُرّ أذيال الخيبة بعودة طالبان، والأنكى أن الصين وروسيا كذلك تقرّبتا من طالبان.

وأما العراق فالنفوذ الأمريكي فيه في مهبّ الريح بعد دخول أمريكا في حرب مع إيران يكاد يُجمِع المحلّلون أنها حرب أمريكية لحساب «إسرائيل»، وهي الحرب التي خلطت أوراقًا كثيرة؛ فقد أوقفت التخادم الأمريكي الإيراني، وكان المأزق الأمريكي حقيقيًّا، حتى إنه أدّى إلى انفصال أمريكي مُؤقّت عن المسار «الإسرائيلي» في المنطقة.

 ولذا فالصراع مع إيران -التي تحظى بدعمٍ واضح وعلني من الصين وروسيا- صراع يُهدّد السيطرة الأمريكية التي كانت مُطلَقة، وفشل القوات الأمريكية في تحقيق أهدافها المعلنة، بل وانكشاف عجزها عن حماية قواعدها بالمنطقة؛ وهو بالضرورة رسالة لكل الأنظمة التي بَنَت سياساتها على المظلة الأمريكية.

 ومن هنا نفهم أن خريطة الصراع والمناطق المُلتهبة في المنطقة؛ يجب أن تتغير؛ فالأكراد -الذين صُدِمُوا بتقلُّص الوجود الأمريكي، وتخلّي أمريكا عن رعاية مشروع كردستان الكبرى-، مضطرون للتفاهم مع تركيا. 

وكذلك نرى أن دولة الأقليات في الشام قد سقطت نهائيًّا، ولم يَعُد مشروع الدروز في السويداء قابلًا للحياة؛ فـ«إسرائيل» غارقة في أوحال ما بعد الطوفان، وهي حاليًّا تستميت للحفاظ على تحالفها مع اليونان التي تتعرض للضغط والتهديد مِن قِبَل تركيا لفكّ ارتباطها مع «إسرائيل»، وهو ما رشح من زيارة إبراهيم قولن رئيس الاستخبارات التركي لأثينا.

 وأما الحليف الآخر وهو «مودي» رئيس وزراء الهند، فيحاول التراجع عن ارتباطه بنتنياهو، الذي يبدو أن أيامه باتت معدودة؛ فالغرب لم يَعُد يطيق مناوراته ومغامراته قصيرة النظر، ومن هنا نفهم التسريبات المقصودة أن رئيس الإمارات حذَّر نتنياهو شخصيًّا بمكالمة مطولة من أن حماس تُعِدّ لهجوم وشيك، وهو ما يعني أن رئيس الإمارات يريد أن يَصطفّ مع الزعامة المقبلة بالمساهمة بإسقاط نتنياهو!

وإذا كان ملف إسقاط نتنياهو قد وُضِعَ على الطاولة؛ فمثله ملف ترامب الذي يترنّح، وما أكثر الذين سيتقربون للزعامة الجديدة في أمريكا بالمساهمة في إسقاط البرتقالي الذي لم يَعُد قادرًا على نفع الحلفاء ولا مضرة الأعداء الذين يُحْكِمُون السيطرة على المضايق في المنطقة التي دخلت في مرحلة جديدة، وهو «حلّوا مشاكلكم بعيدًا عن أمريكا وإسرائيل»؛ فالعاجز عن فتح مضيق هرمز سيكون أعجز عن باب المندب، ومَن يراهن على حلّ عسكري سريع في أيّ مكان في المنطقة فهو واهِم؛ فليبيا لم تتمكّن الإمارات من تثبيت حفتر، وكذلك فإن الدعم السريع و«قحت» في السودان يعيشون أزمة البقاء؛ فأيّ صراع يُغذّيه داعمان جادّان لا يمكن حَسْمه عسكريًّا، والطرف الخاسر هو الذي يدخل بصورة مباشرة، فأمريكا فشلت في فيتنام، والاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وأمريكا في أفغانستان؛ فأمريكا نجحت في إخراج الاتحاد السوفييتي، ولكنها أُخْرِجَت أيضًا؛ فمن يُدْخِل نفسه مباشرة في الميدان يتأذى أكثر ويخسر.

وعليه، نقول: إنه قد حان الوقت لوقف كل مشاريع التقسيم والتفتيت في المنطقة، وندعو إلى حوار داخلي بنّاء بدعمٍ من وسطاء دوليين مقبولين وحريصين على مستقبل البلدان، بعيدًا عن الدول الاستعمارية أو هياكلها العالمية، وهذه فرصة حقيقية؛ فهَوس أمريكا بالحروب لتنشيط الذات وإحكام السيطرة تحوَّل من علاج إلى سُمّ قاتل يتسلل ببُطْء وثبات.

وستمرّ أمريكا في مرحلة انعزالية، وإكْفَاء على الداخل، وهو مطلب أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهو يتمدّد شعبيًّا؛ فالحكيم هو الذي يرتب أوضاعه على أساس أمريكا المكتئبة المنعزلة، وأوروبا العجوز المريضة الخائفة من الروس، و«إسرائيل» المكروهة المُحاطة بأعداء أقوياء، والتي تمرّ بمرحلة صراع داخلي عنيف.

 نسأل الله أن يُبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يُعزّ فيه أهل طاعته ويُذلّ فيه أهل معصيته.

حسن الخاتمة.. حين تحمل العقيدة الإنسان في لحظاته الأخيرة

 حسن الخاتمة.. حين تحمل العقيدة الإنسان في لحظاته الأخيرة



مهند أحمد الحداد
ناشط فلسطيني يُعنى بقضايا الأمة الإسلامية

الكاتب: الامتحان الحقيقي لما استقر في داخل الإنسان يظهر عندما تضيق به الأسباب التي كان يتكئ علي

  • حين تكتب العقيدة وصيتها الأخيرة

في مشهد يتكرر أمامنا كثيرا هذه الأيام، جسد ممدد أنهكه الألم، وأيد من حوله تحاول أن تسعف أو تودع، وبين كل هذا الوجع ترتفع إصبع واحدة نحو السماء. قد تبدو تفصيلا صغيرا في مشهد أكبر منها، لكنها بالنسبة للمسلم تحمل معنى يعرفه جيدا؛ إنها إصبع التوحيد التي اعتاد أن يرفعها في تشهده، وكأن الجسد، حين يعجز اللسان عن الكلام، يتمسك بآخر ما يستطيع التعبير عنه: "لا إله إلا الله ".

كلما رأيت مشهدا كهذا، لا يشغلني الموت وحده بقدر ما يشغلني سؤال آخر: ما الذي يمكن أن يسكن قلب الإنسان طوال حياته، حتى يبقى حاضرا معه عندما تتراجع الدنيا كلها من حوله؟

إن إصبع التوحيد في نهاية الطريق تعيدني دائما إلى بدايته. فإن كنا نرجو أن تكون "لا إله إلا الله " حاضرة معنا في آخر لحظاتنا، فالأولى أن تكون حاضرة في أيامنا العادية؛ في اختياراتنا، وفي خلواتنا، وفي خوفنا ورجائنا

حين يصبح الجسد شاهدا

في اللحظات القاسية تتساقط أشياء كثيرة، وتضعف القوة، ويخفت الصوت، ولا يعود للإنسان متسع للكثير مما كان يشغله من قبل، ويبقى ما رسخ في داخله. لهذا يصعب علي أن أرى الإصبع المرفوعة في مثل هذه المشاهد باعتبارها تفصيلا عابرا، فهي تستدعي معنى عاشه المسلم آلاف المرات في صلاته وذكره: أن الله واحد، وأن هذه الدنيا مهما طالت فهي زائلة، وأن نهاية الطريق إليه سبحانه.

لا خطبة هنا، ولا كلمات منتقاة، ولا مشهد أعد سلفا؛ جسد أنهكه الألم، وإصبع نحو السماء، وصمت يقول الكثير. ولعل وقع هذه الصورة علينا اليوم أشد؛ فنحن نعيش في أرض أثقلتها الحرب، وكثرت فيها مشاهد الوداع، وغاب فيها من الأحبة أكثر مما تحتمله القلوب. أصبحنا نعرف معنى أن يكون الإنسان حاضرا بين أهله، ثم يتحول فجأة إلى اسم وصورة وذكرى ودعاء.

ومع ذلك، يبقى في القلب شيء آخر إلى جانب الحزن: الرجاء. رجاؤنا في رحمة الله، وفي كرمه، وفي الأجر الذي أعده للشهداء، وهذا الرجاء لا يلغي ألم الفقد، ولا يجعل الغياب هينا؛ فمن ذاق فقد عزيز يعرف أن بعض الأماكن تظل فارغة مهما مر عليها الزمن، لكنه يمنح القلب قدرة على أن ينظر أبعد من حدود هذه الدنيا، وأن يؤمن بأن الموت ليس نهاية الحكاية، وأن ما عند الله خير وأبقى.

رسالة بقيت لنا

ربما لهذا لا أرى تلك الإصبع المرفوعة رسالة عن الموت فقط، بل رسالة لنا نحن الذين ما زلنا نملك شيئا من الوقت. نقضي أعمارنا في جمع أشياء كثيرة، وننشغل بمكانتنا وأرزاقنا وخلافاتنا ومخاوفنا، ونحسب لبعض الأمور حسابا أكبر مما تستحق، ثم تأتي لحظة واحدة لتعيد كل شيء إلى حجمه الحقيقي.

ماذا يبقى من ذلك كله عندما يقف الإنسان على آخر عتبات الدنيا؟ السؤال ليس ماذا امتلكنا، بل ماذا امتلك قلوبنا؟

وهذا هو المعنى الذي يعيدني إليه مشهد التوحيد. فـ"لا إله إلا الله " ليست كلمة نحتفظ بها للموت، ولا عبارة نرددها بألسنتنا ثم نمضي. إذا استقرت حقا في القلب، فإنها تعيد ترتيب أشياء كثيرة في حياة الإنسان: خوفه، ورجاءه، وعلاقته بالدنيا، ونظرته إلى الناس وإلى نفسه.

أن تعرف أن الأمر كله لله فحين أن تكون آمنا فهذا شيء، وأن يبقى هذا اليقين معك عندما تضيق الدنيا شيء آخر.

حسن الخاتمة لا يبدأ عند الموت. نرجو أن يكون ثمرة طريق طويل مع الله؛ صلاة لا يعلم بها إلا هو، وذكر في وقت الغفلة، وصدق حين يكون الكذب أسهل، وقلب يجاهد كل يوم حتى لا تصبح الدنيا أكبر همه

حين تحملك العقيدة

لطالما رأيت أن هناك فارقا بين أن تحمل العقيدة، وأن تحملك العقيدة أنت. قد يعرف الإنسان كثيرا، ويحفظ كثيرا، ويتحدث طويلا عن الإيمان، لكن الامتحان الحقيقي لما استقر في داخله يظهر عندما تضيق به الأسباب التي كان يتكئ عليها.

العقيدة التي تحمل صاحبها ليست فكرة مجردة في العقل. إنها التي تمنحه ميزانه حين تختلط الموازين، وترده إلى الله حين تتفرق به الطرق، وتذكره في الخوف بأن الأمر لله، وفي الفقد بأن اللقاء لم ينته، وفي الشدة بأن الدنيا، مهما قست وطالت، ليست الدار الأخيرة.

لهذا فإن إصبع التوحيد في نهاية الطريق تعيدني دائما إلى بدايته. فإن كنا نرجو أن تكون "لا إله إلا الله " حاضرة معنا في آخر لحظاتنا، فالأولى أن تكون حاضرة في أيامنا العادية؛ في اختياراتنا، وفي خلواتنا، وفي خوفنا ورجائنا، وفي الطريقة التي نعيش بها قبل أن نفكر في الطريقة التي سنرحل بها.

قبل أن يأتي ذلك اليوم

حسن الخاتمة لا يبدأ عند الموت. نرجو أن يكون ثمرة طريق طويل مع الله؛ صلاة لا يعلم بها إلا هو، وذكر في وقت الغفلة، وصدق حين يكون الكذب أسهل، وقلب يجاهد كل يوم حتى لا تصبح الدنيا أكبر همه.

ولعل هذا هو أكثر ما يبقى معي بعد كل مشهد من تلك المشاهد: إصبع واحدة مرفوعة إلى السماء، وجسد يودع الدنيا، وسؤال يعود إلينا نحن الأحياء:

على أي معنى نعيش، حتى نتمنى أن يبقى معنا حين يغيب كل شيء؟



هل تدخل تركيا في حرب مع الحوثي؟

 هل تدخل تركيا في حرب مع الحوثي؟



كاتب وصحفي تركي.

ذهبت إلى اليمن للمرة الأولى قبل 28 عاما. كنت أصور فيلما وثائقيا عن الحروب العثمانية في اليمن. بدأنا التصوير من ميناء الحديدة، وواصلناه على امتداد الطريق حتى صنعاء، وكنت مندهشا مما أراه. وكان تغير المناخ والظروف الطبيعية يثير استغرابنا.

وفي الحديدة الواقعة على ساحل البحر، رأينا الهياكل الحديدية للمنازل تتآكل بسبب الرطوبة. وأثناء توجهنا إلى صنعاء، عانينا من شدة الحر في الصحراء، ثم شعرنا بالبرد ونحن نصعد بين الصخور الوعرة شديدة الانحدار. أما صنعاء، الواقعة على ارتفاع 2500 متر، فكان مناخها وأجواؤها مختلفين تماما.

وكانت اليمن واحدة من أكثر الدول التي رأيتها صعوبة وإدهاشا والصعوبة من حيث طبيعتها الجغرافية.

وحين تكون جغرافيا بلد فيها وعورة، تفرض نمطا معينا من الحياة وأسلوبا خاصا في الحرب والسلم والمعاش، وبالطبع ليس من شأني أن أشرح لإخوتنا العرب طبيعة اليمن وأهله. لكن ما نراه في مذكرات الولاة العثمانيين وكتب التاريخ هو أنهم أناس أشداء شجعان، مقاتلون ومكافحون. وقد واجه العثمانيون صعوبات كبيرة في اليمن.

عندما ذهبت إلى اليمن عام 1998، رأيت الهلال والنجمة مرسومين على جوانب القوارب الموجودة على الساحل وعلى جدران المنازل القديمة. وكان هذا هو شكل العلم المستخدم في العهد العثماني.

وبينما كنت أتجول في شوارع صنعاء مع رجل مسن، أمسك بذراعي وقال: "لم يكن ينبغي لكم أن ترحلوا من هنا، ولم يكن ينبغي لنا أن نحاربكم".

أثرت فيَّ اليمن كثيرا خلال الأسبوع الذي قضيته هناك، وهي اليوم تؤثر في العالم بأسره.

لم يكن بإمكان إيران والهند وإسرائيل أن تجد فرصة أنسب من هذه لاختبار جدوى الاتفاق ومدى تأثيره، أو على الأقل للإضرار بسمعته؛ إذ يبدو من غير المنطقي توقع انخراط أطراف تحالف لم يمضِ على توقيعه ثلاثة أشهر في حرب مباشرة من أجله

الأزمة في الشرق الأوسط تعمقت واتسعت

بدأت المقال بهذه المقدمة لأن الأيام التي قضيتها في اليمن عادت إلى ذهني مع سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب.

كما أن من لم ير اليمن ولم يعرف اليمنيين يصعب عليه كثيرا أن يجيب عن أسئلة من قبيل: ماذا يعني القتال هناك؟ وفي أي ظروف تجري المواجهات؟ ولماذا يُعد مضيق باب المندب مهما؟ وإذا أضفنا إلى ذلك التحولات الجيوسياسية والتوازنات التي أصبحت أكثر تعقيدا، يصبح تحليل التطورات وفهمها أكثر صعوبة.

وللأسف، فإن التداعيات التي خلّفتها الحرب الإيرانية- الأمريكية التي أشعلتها إسرائيل، في المنطقة كلها ثم في العالم لم تتراجع، بل اتسعت وأصبحت تؤثر في العالم. وبعد مضيق هرمز، بدأت المخاطر المتزايدة في طرق التجارة عبر باب المندب والبحر الأحمر تؤثر بشكل مباشر في أسعار الطاقة والاقتصاد.

وحتى إن لم يكن الحوثيون قد أغلقوا الممر المائي بعد، فإن مجرد احتمال حدوث ذلك في أي لحظة يعد كافيا لرفع الأسعار والتأثير في التجارة.

ألن تتدخل باكستان وتركيا في الأزمة؟

من يعرف المنطقة جيدا يستطيع أيضا رؤية تأثير مختلف الدول فيها، فهي ساحة تتواجه في ايران الداعمة للحوثي مع الحكومة اليمنية وداعميها، وتشارك الولايات المتحدة وإسرائيل في الأحداث بصورة غير مباشرة.

وكانت الأزمة اليمنية المستمرة منذ فترة طويلة قد تحولت بعد الحرب مع إيران إلى جزء من صراع أكبر، واتسع نطاق تأثيرها. واليوم تواجه الأزمة اليمنية مجالا جديدا للتأثير والانتشار.

وبسبب اتفاق مكة، بدأ ذكر تركيا وباكستان أيضا بوصفهما طرفين في هذا الصراع. وبينما يهدد بعض المتحدثين باسم الحوثيين تركيا وباكستان علنا، تصدر من البلدين تصريحات تتعلق بالصراع.

من الطبيعي أن تشغل هذه الأزمة الخطيرة جدول أعمال تركيا بصورة مكثفة. وقد أدلى وزير الخارجية هاكان فيدان بتصريحات مهمة عن الأزمة خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، قال فيها: "رئيسنا أيضا قائد يفي بكلمته

والسؤال الذي يدور في أذهان الجميع هو: 

هل سيصبح اتفاق مكة فاعلا في هذه المواجهة؟ ولا أستبعد أيضا أهمية السؤال عن سبب عدم قصف الولايات المتحدة الحوثيين رغم طلب السعودية منها ذلك.

وفور سقوط الصواريخ على السعودية، أظهرت الأخبار التي نُشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية والإيرانية والأمريكية أن هناك من يريد لاتفاق مكة أن يموت قبل أن يولد. ولن يكون من الخطأ القول إن إسرائيل، التي تعارض الاتفاق علنا، وبلدانا أخرى تعارضه بصورة غير معلنة، تراقب التطورات بعناية وتسعى بأمل إلى النيل من سمعة الاتفاق.

أثار اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان صدى عالميا واسعا، لا سيما بين الدول المعارضة له. وفور استهداف الحوثيين الأراضي السعودية بالصواريخ، استغلت وسائل إعلام مناوئة للاتفاق الحدث للترويج بأن غياب الدعم التركي والباكستاني للرياض أجهز على الاتفاق قبل أن يدخل حيز التنفيذ الفعلي.

لم يكن بإمكان إيران والهند وإسرائيل أن تجد فرصة أنسب من هذه لاختبار جدوى الاتفاق ومدى تأثيره، أو على الأقل للإضرار بسمعته؛ إذ يبدو من غير المنطقي توقع انخراط أطراف تحالف لم يمضِ على توقيعه ثلاثة أشهر في حرب مباشرة من أجله، ومع ذلك استغلت تلك الدول هجمات الحوثيين لتسجيل نقاط سياسية ضده.

وخلال الحرب الإيرانية، عندما أطلق الحوثيون صواريخ على إسرائيل، قصفت الولايات المتحدة مواقعهم مرات عدة. أما هذه المرة، فلم تفعل ذلك رغم تسريبات مررت إلى وسائل الإعلام تزعم طلب السعودية ذلك.. لماذا؟

عندما تحدثت إلى عدد من المحللين في الولايات المتحدة، قالوا إن واشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة بسبب الانتخابات. لكنني لا أعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي. فالولايات المتحدة، استجابة لرغبة إسرائيل، تريد من السعودية العودة إلى اتفاقات أبراهام. وقد تحدث ترمب عن ذلك عدة مرات. وربما تقصف الولايات المتحدة مواقع الحوثيين جوا بعد فترة، لكنها أوصلت رسالتها إلى الرياض.

هاكان فيدان: تركيا قد ترسل معدات عسكرية إلى السعودية

من الطبيعي أن تشغل هذه الأزمة الخطيرة جدول أعمال تركيا بصورة مكثفة. وقد أدلى وزير الخارجية هاكان فيدان بتصريحات مهمة عن الأزمة خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، قال فيها: "رئيسنا أيضا قائد يفي بكلمته.

ونحن كدولة وقعنا على اتفاق في هذا الشأن، وهناك تضامن بيننا. ونجري تقييمات وتحليلات للوضع. وفي المرحلة التي وصلنا إليها، نتابع الوضع عن كثب بصفتنا أعضاء في تحالف مكة. ولدينا بعض المحادثات التي لم تُعلن للرأي العام.

وقد تكون هناك احتياجات عسكرية، ولا سيما في بعض القضايا التقنية، ولن تكون لدينا مشكلة في تلبيتها… نحن أعضاء في حلف الناتو منذ عام 1952. وربما لم يُفعّل الناتو المادة الخامسة سوى مرتين في تاريخه، ولم تكن له مهام أخرى خارج ذلك.

ومع ذلك لم يقل أحد إن الناتو نمر من ورق أو شيء من هذا القبيل. إن وصف اتفاق وُقع قبل ثلاثة أشهر فقط بهذه الطريقة، رغم تحركه بهذه السرعة، يهدف إلى إنهاء شيء قبل أن يبدأ… وهذه أمور لا تستحق أن تؤخذ على محمل الجد. سترون أن تحالف مكة سيحدث تغييرا كبيرا في قواعد اللعبة".

وبذلك تكون تركيا قد أعلنت للمرة الأولى أنها قد تقدم المساعدة إذا طُلب منها ذلك في الصراع مع الحوثيين. لكن في أي مجالات يمكن لتركيا أن تقدم الدعم للسعودية؟

في المقام الأول، يمكن نقل الخبرة الكبيرة التي تتمتع بها تركيا في مجال الاستشارات العسكرية. كما يمكن نشر أنظمة الرادار التركية "كالكان" و"ألب"، التي تنتجها تركيا، في السعودية لرصد الصواريخ والطائرات المسيرة التي يطلقها الحوثيون.

ولإسقاط الطائرات المسيرة الانتحارية التي ترصدها هذه الرادارات، يمكن إرسال منظومة "كوركوت" للذخائر الذكية وصواريخ "حصار". كما يمكن تعطيل الطائرات المسيرة التي يرسلها الحوثيون باستخدام أنظمة الحرب الإلكترونية.

صعوبات تواجهها السعودية

في الواقع، تبدي السعودية منذ أربع سنوات اهتماما كبيرا بالصناعات الدفاعية التركية، وسبق أن أبدت رغبتها في شراء العديد من المنتجات. وحتى من دون اتفاق تحالف مكة، يمكنها شراء جميع المنتجات التي ذكرتها ونشرها على أراضيها.

ولكن اتساع مساحة السعودية، يتطلب عددا كبيرا جدا من أنظمة الدفاع الجوي. ولا يكفي أن تحصل عليها من الولايات المتحدة وحدها. فصواريخ باتريوت المستخدمة ضد الصواريخ الباليستية قد استنفدت المخزونات الأمريكية جزءا كبيرا منها. وفي ظل هذه المعطيات تبرز تركيا كقوة مستعدة لإرسال أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة وأنظمة الحرب الإلكترونية إلى السعودية على الفور.

أيهما أفضل.. زعيم قوي أم مؤسسة قوية؟

أيهما أفضل.. زعيم قوي أم مؤسسة قوية؟
د. جاسم الجزاع


عند قراءتنا للتاريخ القديم نجد أنه عندما مات الإسكندر المقدوني الأكبر، لم يترك خلفه مؤسسة قوية قادرة على إدارة الإمبراطورية التي صنعها بقوته وبأسه، بل ترك مساحة واسعة وفراغا كبيرا ينتظران من يملأهما، ولهذا سرعان ما تنازع قادته من بعده على إرثه، وتفتت إمبراطوريته الكبرى رغم اتساعها وقوة جيوشها، فالمشكلة لم تتمركز في شخص الإسكندر، بل المعضلة تكمن في أن الدولة كانت مرتبطة بشخصه أكثر مما كانت مرتبطة بنظام يستطيع البقاء بعده زمنا طويلاً.


وكثيرًا ما تُختصر قوة الدول في صورة زعيم قوي، من صفاته أنه سريع القرار، وحاضر في كل تفاصيل المشهد، وقادر على فرض النظام والهيبة وإنهاء الخلافات بكلمة واحدة منه، وخاصة تتجلى هذه الصفات في لحظات الأزمات، فيبدو هذا النوع من الزعماء ضرورة لا غنى عنها ـ إذ تحتاج الدولة أحيانًا إلى من يحسم الأمر ولا يطيل النقاش، وإلى من يتحمل مسؤولية القرار بدل أن يلقيها على الآخرين.

وهنا تكون المشكلة.. حين تتحول قوة الزعيم من وسيلة لحماية الدولة إلى بديل عن الدولة نفسها، فقوة الزعماء تقوم غالبًا على شخص الزعيم، في حضوره، كاريزميته، وقدرته على الإقناع، وقدرته على صناعة شبكة الولاءات من حوله، ولذلك قد تكون هذه القوة فعالة وسريعة، لكنها تظل مرتبطة بشخصه وحياته وصحته ومزاجه، فإذا غاب الزعيم أو رحل من الدنيا، غاب معه استقرار الدولة، وظهرت الخلافات التي كان وجوده يؤجلها أو يخفيها.


أما قوة المؤسسات، فهي لا تقوم على وجود شخص واحد، بل على قوة القواعد والإجراءات وتوزيع الصلاحيات بين المعنيين والهيكل التنظيمي الداخلي وعلاقة المؤسسات مع الأطراف الخارجيين، والمؤسسة القوية لا تحتاج إلى شخص ذي عبقرية دائمة على رأسها، بقدر ما تحتاج إلى أن تمتلك نظامًا يحفظ الاستمرار، ويمنع القرار من أن يتحول إلى نزوة شخصية، ويجعل انتقال السلطة أقل اضطرابًا وأكثر سلاسة، فقد تكون المؤسسة أبطأ إيقاعاً من سرعة القائد أو الزعيم، لكنها أكثر قدرة على البقاء والاستمرار، وأقل تعرضًا للانهيار عند غياب الأفراد.

فالقيادي القوي يستطيع أن يبني مشروعًا قوياً، لكن المؤسسة القوية بنظامها الداخلي وقوانينها تستطيع أن تحمي المشروع بعد غياب القيادي الذي صنعه، وتستطيع أن لا تجعل ما فعلته أيادي القيادي والزعيم الملهم عبارة عن محطة عابرة في مسيرة المؤسسة تنتهي بوفاته وتنهار بعده.

لذلك ليس المطلوب أن تكون دولنا وأنظمتنا بلا زعماء أقوياء، فالدول تحتاج بالطبع إلى القيادي الاستثنائي وصاحب الرؤية والقرار الشجاع، لكن هناك فرقا بين زعيم يبني دولته ومؤسسته ويزرع فيها بذور الاستمرار عن طريق تقوية مؤسساته من الداخل وبين زعيم غرق في زهو إنجازاته وانشغل بصورته وحده، ونسي أن يجاوب على التساؤل التالي: كيف أجعل الدولة قادرة على الاستمرار من دوني ومن بعدي؟

فقد أدرك جورج واشنطن أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرته على البقاء طويلاً في السلطة، فغادر الرئاسة طوعًا، وأسهم في بناء نظام سياسي جعل مؤسسات الدولة أقوى من مؤسسها، وقادرة على الاستمرار بعد رحيله، فالزعيم الحق هي الذي يصنع المؤسسات الراسخة في ديمومتها ومناط ذلك عدم الارتهان للأشخاص.


* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

عدو الحضارة

عدو الحضارة

في اليونان القديمة، كان الإسبرطيون — الذين يتخذهم الصهيوني مرتكب الإبادة الجماعية المدعو نتنياهو نموذجاً حين يتباهى قائلاً: «سنجعل إسرائيل إسبرطة عظمى» — ما إن يدخلوا أراضي أثينا (أتيكا)، حتى يكون أول ما يفعلونه إحراق الحقول وأشجار الزيتون والكروم والبساتين في الأرياف. وفي تلك الأثناء، كان سكان الريف قد انسحبوا قبل وصول الإسبرطيين إلى أثينا، التي كانت تحيط بها أسوار تمتد حتى ميناء بيرايوس.

سمع معظمنا قصصاً عن أن الجنود العثمانيين كانوا، خلال الحملات العسكرية، يتركون أكياساً صغيرة من النقود مقابل عناقيد العنب التي يقطفونها من الكروم. هذا فارق حضاري. 
أما المؤرخ الروماني تاسيتوس فقال منتقداً الإمبراطورية الرومانية التي غزت إنجلترا: 
«يطلقون اسم الإمبراطورية على السرقة والمجازر والنهب؛ يصنعون صحراء ثم يسمون ذلك سلاماً».

ويحوّل الصهاينة، الذين لم ينالوا نصيباً من الحضارة، الأراضي الفلسطينية التي احتلوها إلى صحراء بالقنابل الأميركية، ثم يسمون ذلك «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». 
ولا يكتفي الصهاينة المولعون بالإسبرطيين بتحويل فلسطين، المعروفة منذ القدم ببساتين الزيتون، إلى صحراء، بل كانوا يجعلون الجهلة المتعلمين في العالم الغربي يبتلعون مقولة: 
«حققت إسرائيل معجزة خضراء في أرض صحراوية بلا شعب».

اعتاد الإسبرطيون أن يصطادوا، على فترات منتظمة، شباب الهيلوت الذين احتلوا أراضيهم وحولوهم إلى مزارعين عبيد، ثم يقتلوهم. 
وكان صيد أحد الهيلوت البالغين وقتله عملاً يستحق المكافأة. وشكّل إرهاب إسبرطة أداة قمع غير إنسانية ضد الهيلوت. 
وإسرائيل تعامل الفلسطينيين بالطريقة نفسها في الضفة الغربية وغزة، وتطلق على ذلك اسم «جزّ العشب».

كان الإسبرطيون يقتاتون حصراً على المحاصيل التي ينتجها الهيلوت. وبينما كان عدد الإسبرطيين، الذين عاشوا جنوداً طوال حياتهم تقريباً، يتناقص تدريجياً، واصل الهيلوت التكاثر رغم المجازر. 
وكان الهيلوت، الذين فاق عددهم الإسبرطيين بكثير، يثورون كلما سنحت لهم الفرصة. وقد أدت هذه الثورات، التي شكّلت كابوساً لإسبرطة، دوراً مهماً في انهيارها.

وعندما جاء اليوم الذي غزت فيه القوى المنافسة إسبرطة، لم يكن فيها عدد كافٍ من الجنود. وهكذا أخذت إسبرطة، أقوى دولة عسكرية برية في اليونان القديمة، تذوي تدريجياً. وبينما بقيت من أثينا القديمة آثار كثيرة يمكن زيارتها، لم يبقَ من إسبرطة القديمة شيء ذو قيمة يستحق المشاهدة. 
وانظروا ماذا يقول فيلسوف التاريخ الأميركي ويل ديورانت عن «إسبرطة»:

«ابتلعتها النزعة العسكرية، وحولت هذه المدينة التي كانت تحظى بكل ذلك التبجيل إلى مصدر رعب يكرهه جيرانها. دهشت جميع الأمم لسقوطها، لكن لم يحزن عليها أحد. واليوم، بين البقايا القليلة لتلك العاصمة القديمة، لا يكاد يوجد جذع تمثال أو عمود منهار يدل على أن اليونانيين عاشوا هنا يوماً».
يعلم الجميع ما فعله الصهاينة في غزة والضفة الغربية من أجل القضاء على البنية المادية والبيئية معاً. وهم لا يكتفون بقتل الفلسطينيين، بل يعذبون الحيوانات ويقتلونها أيضاً. 
أما وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، فهو مرتكب إبادة جماعية بلغ به الجنون حد إعلان ضرورة قتل ما بين 30 و40 فلسطينياً كل يوم.

وفي جنوب لبنان المحتل، تمحو إسرائيل قرى بأكملها من الوجود عبر قصفها، وتجبر السكان على النزوح نحو الشمال. وكأن ذلك لا يكفي، فهي تضرم النار في غابات البلوط والصنوبر، وتدمر بساتين الزيتون. ومن جهة أخرى، تستخدم قنابل فوسفورية تلوث التربة بالرصاص وغيره من المعادن الثقيلة، لكي تصبح غير قادرة على إنتاج المحاصيل. ويهدف التدمير المنهجي للبيئة الزراعية إلى منع المهجّرين قسراً من العودة إلى الأراضي التي عاشوا فيها مئات السنين. وتجعل إسرائيل جنوب لبنان وغيره من الأراضي التي تحتلها غير صالح للحياة، تحت غطاء إنشاء «منطقة عازلة» أو «منطقة أمنية».

كل ذلك موثق. فكل ما يمت إلى الحضارة بصلة يُمحى من الوجود، بمن فيه من البشر وسائر الكائنات الحية. أما الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى، فلا تفعل شيئاً لكبح إسرائيل سوى التذمر. بل على العكس، تستمر شحنات الأسلحة والقنابل والقطع إلى إسرائيل بطرق علنية وسرية. وفي دول غربية كثيرة، تُقمع حتى الاحتجاجات ضد إسرائيل أو يُعاقب المشاركون فيها، بعد وصمها بـ«معاداة اليهود».

وسيدخل التاريخَ، بوصفه رمزاً للإفلاس الأخلاقي للحضارة الغربية، ما ترتكبه إسرائيل، عدو الحضارة، من إبادة جماعية أمام أعين العالم بلا قيود أو عراقيل. وكما أشار ويل ديورانت، جلبت إسبرطة نهايتها بيدها. وهنا تنطبق تماماً العبارة: «قل لي بمن تقتدي، أقل لك كيف ستكون نهايتك».


فاضل السامرائي.. شيخ النحو الذي أعاد للعربية دهشتها

 فاضل السامرائي.. شيخ النحو الذي أعاد للعربية دهشتها



 بقلم مروان الجبوري
صحافي وكاتب عراقي




قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي ودخولها إلى حياتنا، كان ملايين العرب من المحيط إلى الخليج يتحلّقون حول التلفزيون مرة كل أسبوع لمشاهدة برنامج “لمسات بيانية” على قناة الشارقة الفضائية، حيث يطل عليهم عالم لغوي عراقي يدعى فاضل السامرائي.

كان نحيلًا خفيض الصوت، يرتدي نظارة ويتحدث بنبرة وقورة عن بلاغة العربية، ويفسر للمشاهدين آيات القرآن الكريم بطريقة مختلفة، تمتزج فيها أصالة المصدر بلغة العصر، كاشفًا عن مكامن الجمال والإعجاز في حروفه وكلماته.

ومع مرور الوقت، حاز الدكتور السامرائي شعبية واسعة في العالم العربي، وتحول إلى ظاهرة معرفية استثنائية جسّرت الفجوة بين الدرس النحوي الصارم والتذوق الجمالي الآسر، وقرّبت علوم اللغة والبلاغة والنحو إلى رجل الشارع الذي طالما نظر إليها كعلوم شائكة، مليئة بالتعقيد والتقعّر.

وعبر برنامجه الذي استمر سنوات، رسّخ السامرائي فكرة أن النحو أكثر من قواعد وجداول جافة تُحفظ لتُنسى؛ فهو عنده “كائن ينبض بالحياة”، ومرآة تتجلى فيها عظمة الإعجاز البياني للقرآن الكريم.

سامراء.. النبع الأول



في سامراء شمالي بغداد، وُلد فاضل صالح مهدي البدري عام 1933، في مدينة عريقة ظلت عاصمة للدولة العباسية لنحو ستة عقود، وما زالت تحتفظ بجانب كبير من آثار بني العباس وقصورهم ومبانيهم في العراق.

وبعد أفول تلك الحقبة الإمبراطورية، فقدت المدينة كثيرًا من أهميتها السياسية وتراجع عدد سكانها، فيما ظلت مجالس العلم قائمة، وحلقاته في المساجد والمدارس الدينية عامرة بالشعر والحديث والتفسير والأدب، وهي البيئة التي أسهمت في تشكيل الملامح الأولى لشخصية السامرائي.

وكانت الكتاتيب والمساجد في سامراء الحواضن الأولى لموهبته، واتسم منذ صباه بالهدوء والإنصات العميق، كما يصفه من عرفوه، وهي سمة رافقته طوال مسيرته، وجعلت منه مستمعًا جيدًا للغة قبل أن يكون متحدثًا بها.

انتقل السامرائي بعد ذلك إلى بغداد، لتبدأ رحلته الأكاديمية المنظمة، فالتحق بدار المعلمين العالية، التي أصبحت لاحقًا كلية التربية في جامعة بغداد، وكانت آنذاك تضم نخبة من علماء العراق وأدبائه، وتخرج فيها عام 1953 حاملًا درجة البكالوريوس في اللغة العربية.




واصل دراسته العليا في جامعة بغداد، فنال درجة الماجستير في اللغة العربية عام 1961، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث حصل على الدكتوراه في النحو العربي من جامعة عين شمس عام 1968.

وخلال هذه المحطات، تتلمذ السامرائي على أيدي جيل من كبار علماء العراق ومصر، فجمع بين صرامة المنهج البغدادي في التحقيق والتدقيق، ورحابة المدرسة المصرية في التحليل والبيان.

عاد بعدها إلى بغداد أستاذًا في جامعتها، وتنقل بين عدد من كلياتها، ثم درّس في جامعات عربية، بينها جامعات في الكويت والإمارات، وأسهم في تخريج أجيال من الباحثين. كما كان عضوًا في المجمع العلمي العراقي، قبل أن يُحال إلى التقاعد من العمل الجامعي عام 1998، بعد مسيرة قاربت أربعة عقود في التدريس، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى من عطائه الأكاديمي في جامعات دولة الإمارات.

النحو دليلا إلى الجمال



لفهم إرث الدكتور فاضل السامرائي، ينبغي الوقوف أولًا عند فلسفته في التعامل مع النحو العربي، فقد شاع لعقود بين الطلبة والمثقفين النظر إلى النحو كعلم جاف، مثقل بالخلافات الإعرابية المعقدة بين البصريين والكوفيين، تنحصر غايته في سلامة النطق وتجنب اللحن.

قدّم السامرائي رؤية تجعل النحو طريقًا إلى المعنى، وربطه بالبلاغة ربطًا وثيقًا، مقتفيًا أثر الإمام عبد القاهر الجرجاني في نظرية “النظم” الشهيرة، التي تنظر إلى قيمة اللفظ من خلال موقعه وعلاقته بما حوله.

وفي رؤيته، يحمل التقديم والتأخير في الجملة دلالات مقصودة، كما يكشف اختيار حرف دون آخر عن فروق دقيقة في المعنى. وينطبق الأمر نفسه على الذكر والحذف والتعريف والتنكير، التي تعامل معها كأدوات بيانية تكشف دقائق التعبير القرآني وتفاوت الدلالات بين تراكيبه.



من لقاءات الدكتور السامرائي على قناة الشارقة في برنامج لمسات بيانية




هذا المنهج جعل دروس السامرائي ومؤلفاته أكثر قربًا من القارئ والمستمع، إذ قدّم الظواهر النحوية من زاوية جمالية تجمع بين الإقناع العقلي والتذوق اللغوي.

ونجح برنامجه “لمسات بيانية” في إحداث ما يمكن تسميته بـ”مصالحة جماهيرية” بين العربي ولغته الفصحى، فتحول النحو من علم ارتبط في الأذهان بالتعقيد إلى حديث مشوق ينتظره الجمهور بشغف، إذ كان السامرائي يبسط أعقد المسائل البيانية بأسلوب سلس يحفظ للعلم رصانته، ويجعلها مفهومة للمتخصص والعامي على السواء.

السامرائي بين البصريين والكوفيين


في العراق، حيث نشأت مدارس النحو الكبرى في البصرة والكوفة ثم بغداد، استند السامرائي إلى أصول النحو وقواعد القياس والتعليل التي عُرفت بها المدرسة البصرية، ومنح القاعدة المنضبطة وزنًا مهمًا في تفسير الظواهر اللغوية.

وفي مسائل الخلاف، كان يأخذ أحيانًا بآراء الكوفيين حين يجد فيها سعةً في الدلالة أو قدرةً أكبر على استيعاب الشواهد الشعرية التي ضيّق البصريون دائرة الاحتجاج بها، مستفيدًا من مرونة المدرسة الكوفية واتساع مادتها المروية.

ومن هنا، يمكن تصنيف منهجه ضمن الاتجاه “الانتخابي” أو “الاختياري”، الذي ينتقي من المدارس النحوية ما يراه أقرب إلى الدلالة والشاهد، وهو ما يجعله قريبًا في منهجه من “المدرسة البغدادية”، التي ازدهرت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وقامت على الإفادة من المدرستين البصرية والكوفية مع مساحة للاجتهاد المستقل.


وزير التعليم يكرم أستاذ الدراسات اللغوية والقرآنية الدكتور فاضل صالح السامرائي – 5 نيسان/ أبريل 2023 – موقع الوزارة


وقد قامت هذه المدرسة على الانتخاب والمزج بين مناهج النحاة، فأخذ علماؤها، مثل ابن كيسان وابن جني وأبي القاسم الزجاجي وأبي البركات الأنباري وسعيد بن الدهان، من أصول المدرسة البصرية القائمة على القياس والتعليل، واستفادوا من سعة الرواية والمرونة لدى الكوفيين، وأضافوا إلى ذلك اجتهاداتهم وآراءهم الخاصة.

وتميز هذا الاتجاه بعنايته بالتعليل والفلسفة اللغوية، وبرز ذلك بوضوح عند ابن جني في كتابه “الخصائص”، حيث يتجاوز البحث حدود الإعراب إلى أسرار الدلالة وحكمة الاستعمال اللغوي، وهي مساحة تلتقي مع جانب أساسي من مشروع السامرائي، الذي يبحث في العلة الكامنة وراء اختيار اللفظ والتقديم والتأخير، ويجعل النحو مدخلًا إلى تذوق البيان وفهم المعنى.

ومن هذه الزاوية، يبدو منهج السامرائي قريبًا من روح المدرسة البغدادية، بما تقوم عليه من انتقاء واجتهاد وعناية بالدلالة، أكثر من ارتباطه الحرفي بمذهب نحوي واحد.

منهجه التفسيري والسهل الممتنع


يتجاوز مشروع الدكتور فاضل السامرائي الشرح اللغوي إلى سبر دقائق النظم القرآني، حيث ينظر إلى اللفظة باعتبارها “لبنة في جدار” يتحدد معناها ووظيفتها من خلال موضعها وعلاقتها بما يحيط بها، ويعتمد في ذلك على منهج استقرائي يقوم على الموازنة بين المواضع القرآنية المختلفة، وتتبع الكلمة والصيغة للكشف عن الفروق الدقيقة بين تعبيرات تبدو متقاربة في ظاهرها.

وبهذه الطريقة، جمع السامرائي بين دقة الدرس النحوي القديم والذائقة الأدبية الحديثة، ومنح القاعدة النحوية بعدًا دلاليًا يتجاوز حدود الإعراب، فأصبحت الحركة والصيغة وترتيب الكلمات مفاتيح لفهم الفروق البيانية داخل النص القرآني.

ويقوم جانب مهم من منهجه على ما يسميه “اللمسة البيانية”، أي البحث في سبب اختيار لفظ دون آخر، أو تقديم كلمة وتأخير أخرى، أو اختلاف صيغة التعبير بين موضع وآخر، ومن خلال هذه الموازنات، يكشف عن دقة البناء القرآني وترابط عناصره، ويرى أن لكل اختيار لغوي أثره الخاص في المعنى.

ويمتاز أسلوبه بالسهولة والتحليل الهادئ، إذ يقود القارئ عبر مقارنات دقيقة بين الآيات المتشابهة في سور مختلفة، مستندًا إلى شواهد من لغة العرب وإلى حس لغوي مرهف، ليكشف الفروق التي قد تمر على القارئ لأول وهلة، ويقدم القرآن باعتباره بناءً لغويًا محكمًا تتآزر ألفاظه وتراكيبه في صناعة المعنى.

الثروة المكتوبة وأبرز المؤلفات


أثرى الدكتور السامرائي المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في النحو والدراسات القرآنية، وتميزت كتبه بالعمق والدقة والاستقصاء، ومن أبرزها كتاب “معاني النحو” في أربعة أجزاء، وهو من أوسع مؤلفاته وأشهرها، إذ يعيد قراءة أبواب النحو ومسائله من زاوية تربط القاعدة بالمعنى والدلالة.




وفي كتابه “التعبير القرآني”، يتتبع السامرائي دقة اختيار المفردات والتراكيب في القرآن الكريم، ويبحث في أسباب اختلاف الصيغ بين موضع وآخر، مثل الإفراد والجمع، واختيار لفظ دون مرادفه، وما يحمله كل اختيار من فروق دلالية وبيانية.

أما كتابه “الجملة العربية والمعنى”، فيتناول بنية الجملة العربية والعلاقات التي تربط عناصرها، ويبحث في كيفية تشكل المعنى من خلال ترتيب الكلمات ووظائفها وتفاعل مكوناتها النحوية.

وفي مؤلفه “لمسات بيانية في نصوص من التنزيل”، يقدم تطبيقات على منهجه في الموازنة بين الآيات والتراكيب، ويكشف من خلالها الفروق الدقيقة في التعبير القرآني.

تراث إنساني وأخلاقي

ارتبط النتاج العلمي للسامرائي بشخصية هادئة عُرفت بالتواضع والابتعاد عن أضواء الشهرة، ويصفه من عرفوه عن قرب أستاذًا رفيقًا بطلابه، قليل الانشغال بالخصومات والمناكفات، كرّس جانبًا كبيرًا من حياته للدرس والبحث والتعليم.

وأسهم هذا الوقار، مقرونًا بطريقة عرضه السهلة والعميقة، في منحه حضورًا واسعًا لدى الجمهور، فتحول من أستاذ جامعي متخصص إلى اسم ثقافي معروف في العالم العربي، وواحد من أبرز الوجوه العراقية التي ارتبطت في الذاكرة المعاصرة باللغة العربية والبيان القرآني.

وعلى امتداد مسيرته، ظل فاضل السامرائي وفيًا للفكرة التي قامت عليها تجربته، أن النحو مفتاح للمعنى، وأن دقائق العربية تحمل وراءها طبقات من الدلالة والجمال. ومن قاعات الجامعات إلى شاشة “لمسات بيانية”، قرّب هذا العالم العراقي علوم اللغة من جمهور واسع، وترك وراءه كتبًا ودروسًا ستظل شاهدة على مشروع جعل من السؤال عن الحرف والكلمة والحركة طريقًا إلى اكتشاف جمال العربية.


الأديب العربي ، المفكرون الإسلاميون ،

المفكرون العرب




كتاب أسئلة بيانية في القرآن الكريم