الأربعاء، 1 يوليو 2026

التفاؤل وبناء الأمّة

التفاؤل وبناء الأمّة


بسم الله الرحمن الرحيم

التفاؤل وبناء الأمّة

د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

    عبارة صدرت بعفوية وتلقائية من قلب شاب أو فتاة، بعثت في نفسي الأمل وأحيت في قلبي التفاؤل وشعرت فيها بالإبداع والتجديد، استمدت العبارة أصالتها وعمقها من محاكاة القرآن، واستمدت من ينبوع الصدق والإخلاص بريقها ورونقها، هي تلك العبارة البسيطة التي تناولها النشطاء على الفيس بوك مسطرة على أحد الحوائط بخط لا يقل عنها في البساطة والتلقائية: (ربّ أرني كيف تحيي الثورة)! 

إنَّها عبارة ساحرة في بعث الأمل وبث التفاؤل، إنَّها بكل بساطة تعبير من بنان واحد عمّا يجيش في قلوب الملايين، وهذا هو سحر البيان في أعلى تجلياته، وإذا كانت العبارة تشع دلالات شتى في كل اتجاه؛ فإنّ ألمع وأجلى إشعاعاتها: التفاؤل.

    والتفاؤل حالة نفسية تَعْبُرُ فوق الواقع الأليم إلى المستقبل الواعد العظيم، حالة يتعاون في تشكيلها جملة من المشاعر الوجدانية الغلَّابة، مثل التوكل على الله وحسن الظن به، وعظيم الثقة في وعده، مع الاعتداد والثقة بالنفس، والقدرة على التخلص من دواعي الهزيمة النفسية، حالة ترى الواقع ماضياً، والمستقبل حاضراً بادياً، وتصنع السعادة والغبطة، وتنشر البشرى وتبث الأمل، وتهيء النفوس البائسة المحبطة للانطلاق والعمل.

   ولأنّ الإسلام العظيم ينقل الناس من واقعهم المظلم إلى مستقبلهم المشرق، وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزع بالناس إلى حالة التفاؤل الباعثة، ويبتعد بهم عمّا يضادها من التشاؤم المثبط والتطيّر المحبط، فها هو ينهى عن الطيرة ويحثّ على التفاؤل وعلى كل ما يدعو إلى التفاؤل، ففي صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طيرة، وخيرها الفأل» قال: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم«([1]) وروى مسلم عن أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة«([2])

   ثم وجدناه صلى الله عليه وسلم يصنع التفاؤل ويبعث الأمل في المواضع الباعثة على اليأس والقنوط والإحباط، فها هو في قلب الحدث المزلزل يبشر بالفتح الكبير الذي ينهي دور كل الإمبراطوريات الجاهلية لصالح هذه الأمّة المستضعفة في قاع الصحراء العربية، فقد سجل التاريخ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بالخندق قالوا يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقاموا معه، فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر؛ فسمعوا هدة لم يسمعوا مثلها قط، فقال: فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر؛ فسمعوا هدة لم يسمعوا مثلها قط، فقال فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر؛ فسمعوا هدة لم يسمعوا مثلها قط، فقال: جاء الله بحِمْيَر أعوانا وأنصارا"([3])

    ومن قبل ذلك - عندما كانوا مستضعفين في شعاب مكة يسامون العذاب - بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحيي في نفوسهم الأمل، روى البخاريّ عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد برده له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"([4])

    ولقد عاش الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتحوا تلك البلاد ووطئوا أكنافها بأرجلهم، ورأوا بأعينهم سراقة بن مالك يلبس سواري كسرى بعد انتصار الجيش الإسلاميّ في نهاوند، فازدادوا إيماناً مع إيمانهم واستبشاراً مع استبشارهم وتفاؤلاً بالخير والبناء، فكان هذا التفاؤل له دوره البارز في مدّ سلطان الإسلام إلى شرق الأرض وغربها، وفي إقامة صرح حضاريّ هائل، عاشت البشرية في ظله زماناً سعيداً امتد لقرون عديدة.

    وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بما يوحى إليه؛ فقد ترك فينا الوحي المعصوم كله، تركه ينطق بالحق الكبير الذي يفجر ينابيع التفاؤل، فكيف نذهل عن ذلك الوعد الربانيّ الكريم: 

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء 105) 

بل كيف ننسى ذلك الوعد الأكثر صراحة وتحديداً: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور 55).

    ونحن إذ نستقبل تحولاً حضارياً كبيراً، ونعاني لأجله حالة الخروج من عنق الزجاجة؛ نحتاج إلى إحياء التفاؤل؛ لننطلق الانطلاقة الكبرى التي سيتحقق بها وعد الله لهذه الامّة بالنصر والتمكين، وما لا يعلمه كثير من الناس أنّ مفكري الغرب يرون ما لا نرى نحن؛ وهذا سرّ الحرب المجنونة التي يشنّها الغرب علينا، وفي الوقت الذي ينبعث فينا التفاؤل تراهم يعانون من حالة من التشاؤم غير مبررة في ظاهر الأمر، وتسمع الناصح لهم يصرخ فيهم: 

" نحن لا نملك شيئاً لنكون متشائمين نحوه عدا التشاؤم نفسه ... وإنّ تدوير الغرب ليعود إلى التفاؤل سوف يستغرق حركة فكرية جديدة كاملة، وليس هناك أيّ علامة على مثل هذا التحول في الأفق"([5])

    وإذا كنّا قد ابتلينا بما ابتلينا به على أثر الانقلابات على الموجة الأولى من الثورة فإنّها - مهما كانت قسوتها - ليست آخر الدنيا، والأيام دول، وانكسار الطريق لا يعني نهايته، وكتاب الله هو الذي يقرر هذه الحقائق الكبرى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ( آل عمران 140) 

وقد نزلت هذه التقريرات عقب أحداث أحد، ونزل معها هذا الأمر المانع من الإحباط: 

" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ."

    فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تيأسوا ولا تحبطوا، بل تفاءلوا وأبشروا وبشروا، وانشروا روح التفاؤل والأمل، ولكن لا بدّ مع ذلك من مواصلة العمل، وغداً - إن شاء الله - سوف نتذاكر تلك الأحداث ونتذاكر معها دعواتنا للتفاؤل، عندها سوف نغتبط كما اغتبط الأولون، ونقول مثلهم: "عند الصباح يحمد القوم السرى".

 

 



(1)  صحيح البخاري (7/ 135)

(2)  صحيح مسلم (4/ 1746)

(3)  البداية والنهاية (4/ 100)

(4)  صحيح البخاري 4/201

(5)  انتحار الغرب - ريتشارد كوك ، كريس سميث - ترجمة محمد محمود التوبة - ط أولى 2009م العبيكان السعودية صــــــ 114



الثلاثاء، 30 يونيو 2026

تستهدف استراتيجية إسرائيل "القتل أولاً" تركيا الآن. فهل سترد المنطقة؟

تستهدف استراتيجية إسرائيل "القتل أولاً" تركيا الآن. فهل سترد المنطقة؟

هناك حاجة إلى استخدام القوة العسكرية لوقف سعي تل أبيب المتهور لإعادة رسم حدود الشرق الأوسط


وقّعت الإدارة الأمريكية اتفاقيتين متناقضتين لإنهاء حربها على إيران .

إن القوة التي فقدتها إسرائيل في فرض شروط السلام على إيران ، تسعى إلى استعادتها في لبنان .

وقد ساعدها بشكل كبير الحكومة اللبنانية، التي تنازلت عن سيادتها على أراضيها وعن واجبها في السعي للحصول على تعويض قانوني عن جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل .

بموجب الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، قبلت واشنطن برابط صريح بين إيران ولبنان من خلال الموافقة على "إنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان".

إن هذا الالتزام، في حال تنفيذه، يجعل الاتفاقية الثانية الموقعة في واشنطن يوم الجمعة بين ممثلي الحكومات اللبنانية والإسرائيلية والأمريكية لاغية. ويمنح هذا "الإطار" القوات الإسرائيلية، التي تحتل مساحات شاسعة من جنوب لبنان، حق البقاء لأجل غير مسمى.


في الاتفاق الأول، تعهدت الولايات المتحدة باحترام السيادة الإيرانية، بما في ذلك السيادة على مضيق هرمز. أما في الاتفاق الثاني، فلا يقع على عاتق حليفتها إسرائيل أي التزام باحترام السيادة اللبنانية، التي تزداد ضعفاً مع إنشاء "مجموعة تنسيق عسكري " تُدار من واشنطن.

يلزم الاتفاق الجيش اللبناني، الذي تم إبقاؤه ضعيفاً عمداً بسبب حق النقض الذي تمارسه واشنطن وإسرائيل على الأسلحة التي يمكنه نشرها ، بنزع سلاح جماعة مسلحة متمرسة في القتال، والتي يعتبرها الكثيرون في لبنان الرادع الوحيد الموثوق به ضد الهجوم والاستيطان الإسرائيلي.

تُلزم الاتفاقية الإطارية الحكومة اللبنانية بمنح الحصانة للقوات والجنرالات الإسرائيليين عن جرائم الحرب التي ارتكبوها خلال الغزو. 
وبحسب خبراء قانونيين، فإن المادة 13 تتنازل بموجبها الحكومة اللبنانية عن حقها في رفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل أمام المحاكم الدولية.

خطر اندلاع حرب أهلية لبنانية

نزح أكثر من مليون شخص قسراً في لبنان منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقُتل ما لا يقل عن 8000 شخص . 
واستهدفت العديد من الغارات الإسرائيلية المدنيين ، بمن فيهم الصحفيون والعاملون في مجال الرعاية الصحية.

بحسب حليمة كعكور، النائبة اللبنانية والخبيرة في القانون الدولي ، فإن "البند يعكس قراراً سياسياً من جانب السلطات اللبنانية بعدم اتخاذ إجراءات أمام المحافل الدولية مقابل انسحاب إسرائيلي - وهو في حد ذاته حق ولا ينبغي التنازل عنه مقابل أي شيء آخر".

سادت حالة من الغضب في شوارع بيروت، لدرجة أن رئيس الوزراء نواف سلام اضطر، بحسب التقارير، إلى توجيه الشكر لرئيس البرلمان نبيه بري لتهدئة الأوضاع، إذ تعهد بري بعرقلة تمرير الاتفاق لتجنب حرب أهلية محتملة. وبالنظر إلى تاريخ لبنان، لا ينبغي الاستهانة بهذا التحذير.


قال بري: "إنّ من أعدّوا هذا الاتفاق يريدون إشعال فتنة، لكني لا أريد ذلك، وأضغط لمنع الانفجار. 
حتى حزب الله يعمل على تهدئة الأوضاع الداخلية، لكنه يصرّ على المضيّ قدماً باتفاق أسوأ من اتفاق 17 مايو... إنهم يريدون فتنة".

وقال بيري إن المنطقة قد تدفع ثمن ما وصفه بـ "صراع شد الحبل" داخل الإدارة الأمريكية.

وبصفته المعتدي الرئيسي على لبنان، فقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسروراً باتفاق واشنطن، متجاهلاً المنطقتين المحيطتين بنهر الليطاني اللتين وعدت القوات الإسرائيلية بالانسحاب منهما باعتبارهما غير مهمتين.

وصف نتنياهو الاتفاق بأنه "ضربة قوية" لإيران، قائلاً: "تحاول إيران إجبارنا على الانسحاب من جنوب لبنان بالقوة. في الواقع، تقول لهم إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة: هذا ليس من شأنكم".

إن الصفقتين مختلفتان للغاية لأنهما تتنافسان مع مؤلفين آخرين في الإدارة الأمريكية في "شد وجذب" الحرب التي أشار إليها بيري.

يعكس اتفاق ترامب مع إيران تفكير نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي لا بد أنه شعر بأنه قد تم تبرير موقفه بالفشل التام للغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية في تحقيق تغيير النظام.

لم يخفِ فانس معارضته للضربات المشتركة، وكان غيابه عن غرفة العمليات في فبراير/شباط لافتاً للنظر، عندما اتخذ ترامب قرار شن الحرب على إيران بعد أن أطلعه نتنياهو وديفيد بارنيا ، مدير الموساد آنذاك، على الأمر.

خطاب "المحور السني"

كان الاتفاق الإطاري الذي أبرمته واشنطن بين إسرائيل ولبنان من إنجازات وزير الخارجية ماركو روبيو. ولا يزال روبيو ملتزماً بهدف تغيير النظام في إيران، كما كان الحال في فنزويلا، وهو الآن في كوبا.

يعتقد روبيو أن نزع سلاح حزب الله يجب أن يكون شرطاً للسلام، وليس نتيجة لتسوية سياسية تفاوضية، وأن إسرائيل يجب أن تظل القوة المهيمنة الإقليمية بلا منازع.

من الواضح أن فانس يرى الكثير من السلبيات لمواصلة حملة القصف في إيران، وليس أقلها الضربات التي تعرضت لها 20 موقعًا عسكريًا أمريكيًا في المنطقة من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، من بينها قاعدة بحرية رئيسية في البحرين ، إلى جانب الوقت الذي سيستغرقه تجديد مخزونها من صواريخ توماهوك.

من ناحية أخرى، يصر روبيو على الأسطورة القائلة بأن حزب الله غريب عن لبنان وأنه مجرد أداة لإيران.


أصبحت تركيا أحدث عدو وجودي لإسرائيل. وكأنهم متفقون، أطلق عدد من السياسيين الإسرائيليين ناقوس الخطر بشأن ظهور "محور سني" جديد.


مثّلت الحرب الإيرانية انتكاسة واضحة لخطط إسرائيل الإقليمية. ولكن في إشارة جلية إلى أن الحرب كانت ستستمر حتى لو نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تغيير النظام في طهران، حوّلت المؤسسة السياسية في تل أبيب أنظارها الآن إلى تركيا .

مع تعاقب الليل والنهار، أصبحت تركيا أحدث عدو وجودي لإسرائيل. وكأنهم متفقون، أطلق عدد من السياسيين الإسرائيليين ناقوس الخطر بشأن "محور سني" جديد آخذ في الظهور، يتألف من تركيا وسوريا وقطر .

لم يرق هذا الأمر لترامب، الذي لم يتردد كثيراً في الاستهزاء بفكرة أن صديقه الإقليمي المقرب، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، هو "ديكتاتور معادٍ للسامية" و"يرتكب إبادة جماعية ضد الأكراد"، كما يدعي نتنياهو الآن .

قال ترامب: "أردوغان قائد عظيم، وشخص قوي جداً... كل ما طلبته منه، فعله" .

عندما صرّح نتنياهو بأن عقيدة الأمن "الجديدة" لإسرائيل هي "قتلهم أولاً"، كان فانس أكثر صراحةً. مخاطباً وزيرين من اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو، ولكنه في الحقيقة كان يخاطب رئيس الوزراء نفسه، قال فانس: "أنتم دولة يبلغ تعداد سكانها تسعة ملايين نسمة. لا يمكنكم ببساطة حلّ جميع مشاكل الأمن القومي بالقتل".

وضع الأسس

لكن إسرائيل جادة في استهداف تركيا بنفس جدية استهدافها لإيران.

أولاً، الخطاب المعادي لتركيا يحظى بتأييد الحزبين. وهو الشعار الرئيسي للمرشح الأوفر حظاً لخلافة نتنياهو، نفتالي بينيت، الذي صرّح بأن تهديداً تركياً جديداً يلوح في الأفق: "أريد أن أكون واضحاً جداً. لقد اكتسبت تركيا وقطر نفوذاً في سوريا، وتسعىان إلى بسط نفوذهما في أماكن أخرى وفي كل مكان في المنطقة، ومن هنا أحذر - تركيا هي إيران الجديدة".

وقد تناول وزير شؤون المغتربين، أميشاي تشيكلي ، هذا الموضوع، قائلاً إن عهد "إمبراطورية إيران الشيعية" قد ولّى. وأضاف أن محوراً جديداً يحل محلها: "محور الإخوان المسلمين في تركيا أردوغان وسوريا وقطر. ومن الأفضل أن تفتحوا أعينكم الآن".

ثانياً، تم وضع الأساس لحملة إسرائيل الأخيرة في نوفمبر 2024، عندما قال وزير الخارجية جدعون ساعر قبل شهر من سقوط بشار الأسد في سوريا، إن على إسرائيل أن تتواصل مع حلفائها الطبيعيين - الأكراد والدروز.

عندما سقط الأسد، دمرت إسرائيل القوات البحرية والجوية السورية، وغزت منطقة في جنوب سوريا أكبر من غزة. وقد سعت تل أبيب علنًا إلى إقامة دولة سورية اتحادية مقسمة إلى مقاطعات طائفية.


يصف نتنياهو الآن الأراضي التي تحتلها قواته في لبنان وسوريا وغزة بأنها " أحزمة أمنية "، ولا ينوي الانسحاب منها.

من خلال هذه الوسائل، سعت إسرائيل إلى الحد من سلطة الحكومة الوطنية في دمشق التي شكلها الرئيس أحمد الشرع، وإلى تحدي علاقة تركيا مع سوريا ما بعد الأسد.

سعت إسرائيل أيضاً، عن قصد، إلى إعادة إشعال التوترات بين اليونان وتركيا بشأن قبرص وشرق المتوسط، بما في ذلك تزويد قبرص بصواريخ باراك إم إكس للدفاع الجوي. وتحظى إسرائيل بوضع مميز في قاعدة بافوس الجوية، بينما تُشير التقارير إلى أن قبرص تدرس شراء صواريخ وطائرات مسيرة هندية أسرع من الصوت.

كل هذه التحركات لها هدف مشترك واحد: تحدي القوة البحرية التركية المتنامية.

تُشير مقالة نُشرت مؤخراً في صحيفة معاريف إلى أن تركيا باتت تُنظر إليها بشكل متزايد في الأوساط الاستراتيجية الإسرائيلية على أنها تُمثل تحدياً استراتيجياً طويل الأمد أكثر أهمية من إيران. ولا يقتصر الأمر، كما تُشير التحليلات، على حاملات الطائرات التي تُبنى أو قوة طائراتها المسيّرة وراداراتها وقدراتها المتقدمة في مجال الحرب الإلكترونية ، بل يشمل أيضاً توسع النفوذ الدبلوماسي والعسكري لأنقرة في شرق المتوسط ​​والقوقاز وأفريقيا والبلقان والشرق الأوسط.

وقالت وزيرة إسرائيلية أخرى، جيلا غامليئيل، إن إسرائيل تستعد لمواجهة "الإمبراطورية العثمانية".
تقلب المزاج

كان رد فعل تركيا على تحركات إسرائيل حذراً، بل ربما أكثر من اللازم. فلنضع جانباً خطاب أردوغان، ولننظر إلى ما فعلته تركيا فعلاً عندما غزت إسرائيل سوريا وقصفت قواتها الجوية والبحرية.

أجرت تركيا وإسرائيل محادثات بشأن خط تجنب الاشتباك بعد أن هاجمت إسرائيل مواقع عسكرية في سوريا، بما في ذلك قاعدتي حماة وتياس الجويتين، حيث كانت تركيا تخطط لنشر قواتها.

خلال العدوان على غزة ، أبقت تركيا تدفق النفط من أذربيجان إلى إسرائيل عبر ميناء جيهان، وهو على الأرجح أحد "الأمور" التي طلبها ترامب من أردوغان. وقد نشر نشطاء حملة "أوقفوا تمويل الإبادة الجماعية" أدلة تشير إلى أن ناقلة النفط "سيفيجور" قد شحنت النفط الخام من ميناء جيهان التركي إلى خط أنابيب قرب عسقلان في إسرائيل ثماني مرات على الأقل في عام 2024 بعد أن أعلنت تركيا حظراً تجارياً.

قلل المسؤولون الأتراك من شأن تصريحات نتنياهو، معتبرينها لأغراض داخلية فقط. وشددوا على أهمية الخطوط الساخنة التي أنشأها الجيش التركي مع الجيش الإسرائيلي، ومعارضة الجنرالات الأتراك لأي مواجهة مع إسرائيل في سوريا، والتواصل بين الأجهزة الأمنية التركية والإسرائيلية.


في عام 2022، أي قبل عام من ترقية هاكان فيدان من رئيس المخابرات إلى وزير الخارجية ، اعترضت المخابرات التركية وأحبطت 10 مخططات اغتيال مختلفة من ثلاثة أجهزة تابعة للمخابرات الإيرانية ضد أهداف يهودية في تركيا والقوقاز، حسبما أفادت مصادر مطلعة على الأمر لموقع ميدل إيست آي.

تغيرت هذه السياسة المتساهلة بعد الانتخابات المحلية في عام 2024، والتي تعرض فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان لانتقادات حادة بسبب عدم اتخاذ تركيا أي إجراء بشأن غزة - لكن سلسلة الإجراءات التي اتخذتها تركيا بعد ذلك كانت دبلوماسية في الغالب، واعتمدت على كسب ترامب وسفيره، توم باراك ، إلى جانبها بشأن سوريا.

اليوم، تغير المناخ السياسي في أنقرة، وأصبح هناك قبول بأن إسرائيل جادة في تصريحاتها بشأن المواجهة المرتقبة. وتركز تركيا على تعزيز قدراتها الردعية، سواءً البحرية أو الجوية أو الطائرات المسيرة.

يقدم ترامب الآن لتركيا الدعم اللازم لبناء مقاتلتها الشبحية من الجيل الجديد "كان"، في حين تُسرّع أنقرة وتيرة بناء حاملة طائرات تزن 60 ألف طن، وتبني 30 سفينة حربية أخرى . كما أجرت مؤخراً مناورة مشتركة مع البحرية المصرية .

مع ذلك، فإن تركيا تكسب الوقت. ويعتقد محللو الدفاع الأتراك أن الأمر سيستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات حتى تصل أنظمة الدفاع الجوي في البلاد إلى القدرة التشغيلية الكاملة في مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي.

كان رد تركيا الرئيسي على غزة هو التركيز على إنشاء حلف دفاعي مع السعودية وباكستان ، وهما نفس القوتين الإقليميتين اللتين ساعدتا في التوسط في الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني. وهذا ما تخشاه إسرائيل وتسعى الآن جاهدةً لتفكيكه.

ومهما حدث الآن في الخليج، فإن خط المواجهة الرئيسي بين إسرائيل والمنطقة سيُرسم في لبنان وسوريا.

الدرس المستفاد من كل هذا هو أن إسرائيل جادة فيما تقوله عندما يتعهد رئيس وزرائها بتغيير حدود الشرق الأوسط. ولا بد من استخدام القوة العسكرية لوقف ذلك.

كلما تأخرت الدول العربية في المنطقة في ردها أو تراجعت ببساطة إلى علاقاتها الضعيفة مع واشنطن، كلما كانت الصدمة التي ستتلقاها أكبر عندما "تقتل إسرائيل أولاً".


المصدر 


استثمارك الحقيقي

استثمارك الحقيقي
عبدالرحمن الشمري


سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ 
السؤال الأعمق والأخطر: 
هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟

كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. 
فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته.

هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟

إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده.

كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات.

فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟

ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. 
فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! 
وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! 
لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات.

لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً.

وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. 
كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. 
لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم

هل تغيرت سيكولوجية الجماهير في القرن 21 ؟

هل تغيرت سيكولوجية الجماهير في القرن 21 ؟

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com




يُقصد بسيكولوجية الجماهير كما يعرفها البعض بذلك العلم الاجتماعي والنفسي الذي يدرس سلوك الأفراد عندما ينخرطون في حشد أو جماعة بشرية، حيث تذوب حينها الشخصية الواعية للفرد الواحد لصالح "عقل الجماعة "، وهو تصرف يقوده الوجدان لا المنطق، وتتراجع فيه ملكة النقد الذاتي خوفاً من بطش الجماعة، وتعد كتابات الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، ولا سيما كتابه العمدة والمشهور بـ "سيكولوجية الجماهير"، الحجر الأساسي والمنطلق الفكري الأبرز في هذا المجال المعرفي، حيث يرى لوبون أن الجماهير ليست مجرد تجمع عددي، بل هي كيان نفسي جديد يتميز بالاندفاع والشراسة، وسرعة التصديق، والتبسيط الساذج للأفكار المعقدة، والنزوع نحو التطرف والغلو في المشاعر، حيث يتحرك الحشد البشري ككتلة واحدة مدفوعة بالغرائز البشرية واللاوعي الجمعي، وحسب نظريته، فإن المحرك الأساسي لهذه الجماهير ليس الحقيقة العقلانية أو البرهان العلمي، بل المحرضون والزعماء الذين يتقنون استخدام لغة العاطفة والديماغوجيا، والعدوى النفسية، والتركيز على الصور الذهنية المؤثرة والتكرار المستمر للكلمات ذات المعنى المؤثر، مما يسهل قيادة الحشود وتوجيهها نحو أهداف محددة عبر الشعارات الحماسية الملهبة للمشاعر بدلاً من الحجج والبراهين والخطط المنطقية المفصلة.



ومع دخول القرن الحادي والعشرين وما بعد الألفية، نجد أنه لم تتغير الغرائز البشرية لسيكولوجية الجماهير في جوهرها ومنطلقاتها، لكن "البيئة الحاضنة" الحالية التي تنشط فيها شهدت تحولاً جذرياً غير مسبوق في التاريخ البشري، فلقد انتقلت الجماهير من الميادين الملموسة والشوارع إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، ليتشكل مفهوم "الجماهير الشبكية الافتراضية" التي تجتمع وتفترق في ثوانٍ معدودة عبر وسم "هاشتاق" أو مقطع مرئي واسع الانتشار، والفارق الجوهري في عصرنا هو أن العدوى النفسية والتحريض اللذين تحدث عنهما لوبون أصبحا يعملان بسرعة وعبر القارات، وتذكيهما وتزيدهما خوارزميات ذكية مصممة خصيصاً للفت الانتباه وإثارة الغضب والمشاعر لزيادة التفاعل، وهذا الواقع الجديد أنتج ظاهرة شبيهة بـ "غرف العزلة"، حيث يعزل الأفراد أنفسهم داخل إطارات فكرية متشابهة تعيد إنتاج آرائهم وتضخمها، مما يضاعف الاستقطاب السياسي والاجتماعي، ويجعل الجماهير الرقمية أكثر حدة وشراسة في إقصاء المخالفين وممارسة الاغتيال المعنوي والإلغاء الرقمي مما أظهر مفهوم "الذباب الإلكتروني"، والتي هي مدفوعة بوهم المعرفة وسهولة التعبئة عن بُعد دون أدنى مسؤولية واقعية.

لذلك فإن مواجهة الآثار السلبية والمخاطر الناتجة عن سيكولوجية الجماهير الحديثة لا تعني محاولة كبحها تدفق الآراء الجمعية أو قمعها، بل تتطلب إعادة صياغتها بذكاء عبر أدوات هذا العصر ذاته، لتحويلها من طاقة عاطفية تدميرية مساقَة من أطراف شريرة إلى قوة بناءة واعية ومسؤولة في المجتمع، فتبدأ هذه الصياغة بـالتحصين المعرفي الشامل للشعوب، من خلال إدراج مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية الرقمية في المناهج التعليمية، لتمكين الأفراد منذ الصغر من تفكيك السرديات والحكايا الموجهة وتمييز الأخبار الزائفة من الحقائق، وتلي ذلك خطوة إدارة الخوارزميات، عبر فرض تشريعات وقوانين ملزمة لشركات التكنولوجيا الكبرى تمنع المتاجرة بانفعالات البشر وتحد من صناعة الاستقطاب المصطنع، وأخيراً يكمن الحل في تحويل "التفاعل الافتراضي" السلبي إلى "مشاركة مدنية" إيجابية، من خلال توجيه الزخم الرقمي الجارف نحو مبادرات تنموية، وتطوعية، وفكرية حقيقية تؤثر إيجاباً على أرض الواقع

السُّعار الشرس على الأمة دواعي السُّعار الشرس على الأمة واختلال الحكم على مجريات التاريخ والحوادث!

 السُّعار الشرس على الأمة

دواعي السُّعار الشرس على الأمة واختلال الحكم على مجريات التاريخ والحوادث!

أستاذ علوم سياسية واستشرافية


تختل الأحكام على الأمور والحوادث بمحاكمتها بمعايير مختلة، أو بغير موازينها التي تُوزن بها. فالعالم والحضارة الإنسانية اصطلحا على معايير وأوزان لكل شيء؛ فمنها ما يقيس الثقل، ومنها ما يقيس المسافات، ومنها ما يسمى ميزان الأرباح والخسائر، ومنها ما توزن به الكتل والأحجام، وغيرها. وعند قياس أو وزن شيء على غير معياره وميزانه، يأتي الحكم مختلًا.

جدلية المعايير ومحاكمة الأمم…

حركة المجتمعات نحو المستقبل لا تُقاس بمعايير التجار من ربح وخسارة، ولا بمعايير الحروب بقدر الغنائم والمغارم، ولا بعدد الضحايا والأسرى، ولا بعدد التجارب الفاشلة أو أنصاف التجارب غير المكتملة، ولكن بحجم سقوط المسلمات التي تقود العقل وتحكم تصوره عن الواقع والمستقبل بكل متطلباته، وكانت أسس التخلف وقيوده التي أحاطت به وسادت في الماضي، واستبدالها بأسس لا تقوم للأمم قائمة إلا بها، ولا يمكن لها مزاحمة غيرها في المستقبل مجردةً منها.

ولهذا، فإن كل عمليات النقد الذاتي للمجتمعات، حين تصدر من أنصاف علماء الاجتماع أو غير المختصين، تكرس للهزيمة واليأس في أوقات تقترب فيها الأمم من آخر خطوات مغادرة الماضي بكل معاناته وهزائمه.

ولا توجد أمة مكتملة البنيان بين الأمم منذ نزول الوحي على محمد ﷺ، وحاضرة في كل عصر إلى اليوم، وعلى كافة المستويات، من مرجعيات مكتملة، وجغرافيا استراتيجية، وتنوع في الثروات الطبيعية والبشرية، وتنوع في المهارات حتى أدق التخصصات العلمية والفائقة التقدم، وتستطيع الاشتباك مع المستقبل، وتدفع أو تبذل كل التكلفة اللازمة بأوفر مما تطلبه، وفوق ما يتخيله أكبر المتخيلين في العالم، إلا أنه ينقصها فقط الرأس الرباني والنداء، حتى إن من يصلح أن يكون من حواريي هذه الرأس اليوم بوفرة لم يسبق لها مثيل فيما مضى.

ولهذا، فإن كل نقد للصحوة الإسلامية واتهامها بأنها لم تؤتِ أكلها، نقد يجافي الحقيقة، وما السعار الشرس على الأمة، وعلى كافة المستويات اليوم، إلا أن أعداءها يوقنون بأن الأمة، حتى وهي مبعثرة، وتعمل في جزر، بعضها ضد بعض، وبعضها ينازل عدوها، إلا أنها حاضرة، وحية، وبعافية، برغم كل الآلام، وأقرب ما تكون إلى لحظة التمام والكمال والنزال مع المستقبل بكل مكوناته.

وحين ييأس فقهاء الطوائف من الإجابة عن أسئلة المستقبل وعلاج الحاضر بفقههم، سيضطرون إلى فقه الأمة، الذي يعتمد التكامل لا التضاد، والإيثار لا الشح، واتساع ذمة الأمة لتحمل ضعفاءها قبل أقويائها، ووحدة الجغرافيا، ووحدة المسؤولية.

وحينها تستأنف الأمة بعثها من جديد، وهو آتٍ لا محالة، وعن قريب.

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا
إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

 

غيث التميمي أحد مشايخ القبائل العربية العراقية الشيعية، وصاحب مواقف جريئة وقبيحة، يتحدث عن كنه المشروع الشيعي بلا تقية، وهو ما ألجأه اليه واقع التدافع القائم، وطموحه السياسي المتعاظم، الأمر الذي لم يدع له فسحة أو هامشا للتقية أمام حجم المغارم التي يتوقعها، والمغانم التي يسعى لتحقيقها على المستويين الشخصي والجماعي.

إن مضمون حديث غيث التميمي، والممتد على مدى ثمانين دقيقة، لا يمكن عرضه أو تلخيصه في هذا المقام. غير أنني أدعو كل من يريد استيعاب بعض الزوايا المعتمة المتعلقة بالشخصية والمشروع الشيعي السياسي بلا تقية، الى الاستماع للحلقة كاملة؛ ففيها إضافات تكشف جوانب من الصورة ليست بهذا الوضوح عند عموم الناس وكثير من النخب.

سأترك للمهتمين تقييم المضامين بعد الاستماع إلى هذه الحلقة الكاشفة، غير أنني سأقف عند بعض الملاحظات الرئيسة التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذا اللقاء، وأضعها في نقاط:

1- إن حجم الجاهلية والعبث المتضمنين في مشاريع الدولة الوطنية لا بد ان ينتهيا الى مواقف سيئة، لا تحفظ البعد الأخلاقي عدا عن تعارضها الصريح مع مفهوم الامة، وتعويقها القاطع لتمكين رسالة الإسلام في الأرض، وتهديدها الدائم لمشروع الوحدة وهدرها القائم لقضايا العالمين العربي والإسلامي.

الأمر الذي يستدعي من العلماء ورثة الأنبياء -بل ورثة المواقف المتقدمة- بناء تصورات واسعة وعميقة لحقيقة وكنه مشاريع الدول الوطنية -التي تم استيرادها من التجربة الغربية في القرن التاسع عشر الميلادي- والتعامل معها بوعي يتجاوز الشعارات السطحية والمقاربات الضيقة والعصبية الحزبية والمشاريع المرحلية.

2- لم يعرف تاريخ العرب والمسلمين ولا أقاليمهم سيرة وسلوكا يعبر عن المقاومة والجهاد في تاريخ الأمم وسِيَر الحقب الشيعية، وإن ما يتحدث عنه بوضوح غيث التميمي كطموح سياسي في سياق معادلات ومقاربات جريئة ومفاجئة تجاه الكيان الإسرائيلي اليوم هي وقائع تعكس حقائق وتعبر عن كنه وحقيقة التصور والموقف والسلوك السياسي للشيعة عبر التاريخ.

غير أن المشروع الإيراني الطائفي انتزع فكرة المقاومة ليخدع قطيع المغفلين من أمتنا الذين يتصفون بهشاشة البناء العقدي.

3- لم يعرف التاريخ الإسلامي مواقف على المستوى الفردي والجماعي في مواجهة الباطل سواء أكان احتلالا خارجيا أم استبدادا داخليا أم منكرا قائما إلا عند المسلمين من أهل السنة والجماعة. وهو نتاج طبيعي يعكس جوهر التوحيد الذي لا ينحصر في التصورات العقلية والأعمال القلبية بل يترجم إلى واقع سلوكي فردي وجماعي سياسي -وهي ثلمة في مدارس التصوف-.

وقد جسدت شعوب الأمة دلالات التوحيد، وكان آخرها الجهاد في فلسطين، والذي سبقه جهاد في سوريا والعراق واليمن ومصر والمغرب والسودان والشيشان وأفغانستان وتركيا وكردستان، ولم تخل منه بقعة إسلامية.

4- إن الأدوار المشبوهة التي يمارسها رجالات الشيعة من السياسيين تجاه أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ليست مواقف خارج الشرعية، فقد عبر عنها غيث التميمي -بلا تقية- وكشف إتصالها بالمرجعية الشيعية، حتى لو حملت المرجعية خطابا مغايرا بتقية، لينخدع خلفها المغفلين في الأمة.

5- إن فلسطين من أعظم وأقدس قضايا الأمة، والأقصى سبب يدفع نحو تحقيق الوحدة الاسلامية، كما أن احتلاله سبب لتثوير الشعوب ضد الظلم والاستبداد ورفض الاستخذاء أمام القوى الغربية.

غير أن حقبتنا المعاصرة قد شهدت وجود قيادات نافذة قادت فلسطين إلى مسارات خاطئة وخدعت أمة التوحيد وغررت بالمسلمين لصالح رؤية حزبية ضيقة. وهو ما يوجب عليها إعلان توبة من كبيرة الكبائر السياسية لتكَفِّر عن إثمها الكبير وتعالج آثار تجربتها ودعاويها المضطربة وترويجها المضلل الذي شوّه الجهاد ولوّثه وأفسد معنى النصر في أذهان المسلمين بلوثة إيرانية طائفية شيعية.

6- إن تعري المشروع السياسي الشيعي تجاه المسألة الفلسطينية وانكشاف خداعه يضع القضية برمتها أمام تحدي السقوط المرحلي، وذلك لأنها بنت استراتيجيتها خلال العقود الأخيرة على الحلف مع المشروع الشيعي الإيراني الذي أصبح جزءا رئيسيا من عمادها الحزبي التنظيمي المالي العسكري والسياسي.

وهو ما يوجب على المنتمين -الذين لا يعبدون فلسطين ولكن يعبدون رب فلسطين ويؤمنون برسالة المعراج ويهتدون بمن عرج من الأقصى للقاء ربه في السماء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- أن يعيدوا صياغة تصور جديد ومختلف يعترف بالأخطاء ويحددها بوضوح دون كبر مفض إلى الخسارة والاستبدال، ليتمكنوا من بناء تصور جديد ومقاربة سياسية وجهادية ومجتمعية مختلفة تنطلق من هوية الأمة الثقافية القائمة على الدين، وترتكز على شعوب الأمة بديلا عن السرداب الأسود الذي تاهوا فيه تحت مسمى وحدة الساحات الإيرانية الشيعية.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 12/6/2026