الاثنين، 1 يونيو 2026

كيف ينظر اليهود إلى شخصية المسيح الدجال؟

 كيف ينظر اليهود إلى شخصية المسيح الدجال؟


جاسم الجزاع

في كلّ ثقافةٍ ودين و في كلّ زمان، هناك دائماً قصة عن “المخادع و المراوغ الأكبر ” و ذلك الشخص الذي يظهر في أوقات الأزمات والحروب، ليبيع للنّاس أوهاماً براقة وشعارات رنانة، فيتبعه الكثيرون بحثاً عن طوق النّجاة والأمان، قبل أن يكتشفوا أنّه أكبر فخ في حياتهم،  وهذا الرمز المشترك بين البشر هو ما نعرفه جميعاً باسم “المسيح الدجال”، الذي جاءت في موروثنا الإسلامي أن أكثر أتباعه من اليهود ولكن، هل تساءلت يوماً كيف تنظر العقيدة اليهودية إلى هذه الشخصيّة؟


في التراث اليهودي، وتحديداً في كتب العصور الوسطى، لا يُسمى الدجال بهذا الاسم، بل يظهر تحت اسمٍ غامض ومثير وهو يمثّل لديهم قمة “الوصاية الفكرية” والتضليل البشري.


فتبدأ قصة الدجال و الذي أتى في موروثاتهم أنّ اسمه “أرميلوس” بنشأة غريبة جداً، إذ تقول النصوص القديمة -مثل كتاب “أسرار الحاخام شمعون”  إنّه لا يولد كبقية البشر، بل يخرج من داخل صخرة صمّاء أو تمثال رخامي قديم في مدينة روما!،  وهذه البداية الأسطورية ترمز إلى حقيقته في نظرهم، قائد جامد، قاسي، وليست لديه أيّ رحمةٍ أو نبض إنساني تجاه معاناة النّاس.


وبمجرد أن يخرج هذا الرّجل إلى العلن، لا يقول للنّاس “أنا شرير ومراوغ”، بل يرتدي قناع “المنقذ والمرشد الوحيد”، فيستغل حاجة المجتمعات للأمن وسط الفوضى، ويدعي الألوهية، ويوزّع وعوداً كاذبة بالرفاهية والخلاص. وبسبب ذكائه الاستعراضي، يقع العوام في حبّه ويتبعونه عمياناً، ظنًّا منهم أنّه يملك مفاتيح أمانهم ومستقبلهم.


والشيء الذي يثير الدهشة في التراث اليهودي هو الوصف الجسدي لأرميلوس، فهو يُصوّر دائماً بأنّه أعور العين ومشوه الخِلقة، وهو نفس الوصف تقريباً للدجال في ثقافتنا الإسلامية.


وهذا “العور” في أدبيات اليهود هو رمز لمرض فكري قاتل، فأرميلوس “الدجال”  يرى الحياة بعينٍ واحدة فقط (أيّ: عين الغرور، والمصلحة، والتعالي)، وإنّه يرى نفسه كاملاً  يملك الحقيقة المطلقة، وينظر إلى بقية البشر وكأنّهم “قطيع” ناقص و جاهل لا يفهم شيئاً.


ولكن، كما علّمتنا أحاديث نبينا الكريم و سنن الإله أن قوانين الحياة لا تسير وفق أهواء الدجاجلة والمخادعين، فسرعان ما تنكشف جهالة أرميلوس عندما يستيقظ النّاس فجأة ويرفضون الخضوع لألوهيته المخادعة ، وهنا، يسقط قناع “المرشد الودود”، ويتحوّل أرميلوس إلى طاغية شرس يشنّ حرباً ضدّ كلّ من يعارضه.


وفي ذروة هذه الأحداث المتسارعة من علامات الساعة، تتدخّل الحقيقة السماوية لتنهي هذا الوهم، فيظهر في السردية اليهودية المخلص المنتظر، وهو “المسيح” بن داود!، ويلتقي الطرفان في معركةٍ حاسمة عند أبواب القدس، تنتهي بمقتل أرميلوس وسقوط مشروعه التضليلي بالكامل.


ولكن إذا كان التراث اليهودي يرسم “أرميلوس” بهذه الصورة المشوّهة ويحذّر من عوره الفكري والجسدي، فلماذا يندفع الكثير منهم وراءه ويقعون في فخّ كذبه و كفره؟ والإجابة تكمن في سيكولوجية اليهود المتذبذة يعرفون الحقّ و لا يهتدون اليه سبيلا.

الصليبيون الجدد (12)

 الصليبيون الجدد (12)

كيف اعترف التاريخ متأخرا؟..

كيف اعترف التاريخ متأخرا؟.. 
سيد قطب وعبد الناصر في لقاء عاصف في يونيو!
طارق الزمر
"كأن هزيمة يونيو، وصعود إسرائيل، وتآكل المشروع القومي كله، كانت تعترف متأخرة بأن الرجل الذي أُعدم قبل عقود، كان يرى أكثر مما رأى من أعدموه"

في كل ذكرى لهزيمة الخامس من يونيو لا تعود الأسئلة القديمة بوصفها مجرد استدعاء لحدث عسكري عابر، بل بوصفها لحظة انكشاف تاريخي هائلة سقطت فيها أوهام كاملة، لا مجرد جيوش. 
لم تكن الهزيمة سقوط طائرات ودبابات فقط، بل سقوط تصور كامل عن الدولة والسلطة والإنسان. 

ومن بين أكثر الأصوات التي تبدو حاضرة في تلك اللحظة حتى اليوم، يقف جمال عبد الناصر بوصفه رمز المشروع القومي العربي، ويقف سيد قطب بوصفه أحد أكثر من حذروا مبكرا من المصير الذي ينتهي إليه الاستبداد حين يتحول إلى عقيدة حكم.

جلس عبد الناصر مثقلا بصورة رجل حمل مشروعا أراد به أن يغيّر وجه المنطقة، ثم رأى كيف انتهت أحلام الوحدة والتحرير والتنمية إلى هزائم وانكسارات وتبعية ممتدة. 
أما سيد قطب فكان أكثر هدوءا، لا يحمل نشوة المنتصر، بل يقين رجل رأى العطب مبكرا ودفع حياته ثمنا لتحذيراته قبل أن تتحول إلى واقع يطارد الأمة كلها.

بدأ عبد الناصر الحديث بصوت خافت: لو رأيت ما جرى بعدنا لأدركت كم كان الخطر كبيرا.. كنا نحاول إنقاذ الدولة من الانهيار.

نظر إليه سيد قطب طويلا ثم قال:
بل كنتم تبنون دولة تخاف من شعبها أكثر مما تخاف من أعدائها.. وهناك فرق هائل بين حماية الدولة وحماية السلطة.

ساد الصمت..


ثم تابع سيد قطب: تصورتم أن الأمة يمكن أن تُبنى بالأجهزة والإعلام والهتافات الكبرى والحشد الجماهيري، لكنكم لم تدركوا أن الأمة التي يُسحق فيها الإنسان لا يمكن أن تنتصر حتى لو امتلكت آلاف الخطب والشعارات.

رد عبد الناصر: كنا نواجه استعمارا ومؤامرات وضغوطا هائلة.

ابتسم سيد قطب ابتسامة حزينة: كل سلطة مستبدة تبدأ دائما من هنا.. من الخوف. الخوف من الخارج، ثم الخوف من الداخل، ثم الخوف من المجتمع نفسه.

ثم اقترب بصوته أكثر: لكن دعني أسألك.. ماذا بقي فعلا بعد كل هذه العقود؟ أين مشروع التحرير؟ أين الوحدة العربية؟ أين العدالة الاجتماعية؟ أين الاستقلال الوطني الذي ملأتم به الشوارع والإذاعات والخطب؟

أطرق عبد الناصر رأسه بصمت ثقيل.

واصل سيد: قلتم إنكم ستلقون إسرائيل في البحر، فإذا بإسرائيل بعد نصف قرن تصبح القوة العسكرية والتقنية والاقتصادية الأكثر تفوقا في المنطقة. جيشها أكثر تطورا، واقتصادها أكثر نفوذا، واختراقها السياسي والأمني أوسع، بينما تحولت الجيوش العربية التي رفعت شعارات التحرير إلى جيوش مشغولة بحراسة الأنظمة وليس حماية الأوطان.

ثم أضاف بحدة: هزيمة يونيو لم تكن مجرد هزيمة عسكرية.. بل لحظة انكشاف كامل للفكرة نفسها. انكشاف دولة ضخمة في الإعلام، هشة في الحقيقة. دولة كانت تخاف الكلمة الحرة أكثر مما تخاف الطائرات التي دمّرت سلاحها الجوي في ساعات.

ارتجف وجه عبد الناصر قليلا: كانت هزيمة قاسية.. لكننا حاولنا النهوض بعدها.

رد سيد: المشكلة لم تكن في الهزيمة وحدها، بل في العقل الذي صنعها. عقل ظن أن الجماهير المحشودة يمكن أن تكون بديلا عن الحرية، وأن الإعلام يمكن أن يكون بديلا عن الحقيقة، وأن الأجهزة الأمنية يمكن أن تصنع أمة قوية.

ثم قال: لقد بنيتم دولة ضخمة من الخارج، لكنها كانت خاوية من الداخل، وحين جاءت لحظة الاختبار الحقيقي انهار كل شيء بسرعة مرعبة.

تنهد عبد الناصر: لكننا أقمنا مشروعا للتصنيع والتنمية والاستقلال الاقتصادي.

أجاب سيد قطب: صنعتم مصانع.. لكنكم لم تصنعوا إنسانا حرا قادرا على الإبداع، ربطتم الاقتصاد بالدولة لا بالمجتمع، وبالسلطة لا بالحرية. ولهذا حين ضعفت الدولة تآكل المشروع كله، لأن الناس لم يكونوا شركاء فيه، بل مجرد أدوات داخل ماكينة مركزية هائلة.

ثم أضاف: حتى العدالة الاجتماعية التي رفعتموها شعارا انتهت مع الوقت إلى طبقات جديدة أكثر قربا من السلطة وأكثر احتكارا للنفوذ والثروة. تغيرت الشعارات، لكن المواطن بقي ضعيفا أمام جهاز دولة يتضخم كل يوم.

رفع عبد الناصر رأسه وقال: لكنكم أنتم أيضا لم تقدموا نموذجا ناجحا للحكم.

هز سيد قطب رأسه بهدوء: لأنكم لم تتركوا أصلا بيئة تسمح بنمو سياسة حقيقية. منذ الخمسينيات أُعيد تشكيل الدولة العربية على أساس إلغاء السياسة وتجريف المجتمع وتحويل مؤسسات القوة إلى أدوات لحماية النظام لا الأمة.

ثم أردف: ومع ذلك، فالمشكلة لم تكن فقط في الأنظمة. بعض الإسلاميين دخلوا الحكم بعقلية دعوية لا بعقل دولة، لكنهم على الأقل كانوا يحاولون إعادة وصل السياسة بالأخلاق، بينما كانت الدولة الحديثة تتحول تدريجيا إلى آلة قمع لا تنتج إلا السيطرة والخوف.

قال عبد الناصر بنبرة دفاعية: لكن الدولة القوية كانت ضرورية لحماية الأمة.

أجابه سيد بحسم: الأمة لا تحميها دولة تخاف من شعبها، الدولة التي تقوم على القهر تظل خائفة حتى وهي تملك كل شيء. ولهذا احتاجت أنظمتكم إلى مزيد من السجون، ومزيد من الإعلام، ومزيد من أجهزة المراقبة.. لأنها فقدت الشيء الوحيد الذي يمنح أي دولة استقرارا حقيقيا: الشرعية الأخلاقية.

ثم قال:
أنتم انتصرتم على المجتمع مؤقتا.. لكنكم هزمتم الدولة نفسها على المدى الطويل.

ساد الصمت من جديد.


ثم قال عبد الناصر: إذن ترى أنكم كنتم على حق؟

أجاب سيد قطب دون تردد: في الجوهر.. نعم.

ثم استند إلى كرسيه وقال: كنتم ترون الدين خطرا على الدولة، بينما كنت أرى أن إقصاء الدين عن الحياة العامة سيترك فراغا هائلا تملؤه السلطة المطلقة والانهيار الأخلاقي والفراغ الروحي.

وأضاف: لقد أخطأ كثيرون حين اختزلوا معركتي في خلاف سياسي مع نظام، بينما كانت معركتي الحقيقية مع الفكرة التي تجعل الإنسان عبدا لأي قوة غير الله.. سواء كانت سلطة أو حزبا أو دولة أو أيديولوجيا.

نظر إليه عبد الناصر طويلا: لكن الناس كانت تريد الخبز والتنمية والقوة.

ابتسم سيد قطب: والإنسان أيضا يريد الكرامة والحرية والمعنى. مشكلتكم أنكم تصورتم أن الخبز يمكن أن يكون بديلا عن الحرية، وأن الأمن يمكن أن يكون بديلا عن الكرامة، وأن الشعارات يمكن أن تكون بديلا عن الاستقلال الحقيقي.

ثم قال ببطء: لكن انظر إلى الحصيلة النهائية.. لا وحدة تحققت، ولا تحرير اكتمل، ولا عدالة استقرت، ولا تنمية استمرت، ولا استقلال وطني ترسخ. بل إن كثيرا من الدول التي رفعت شعارات التحرر انتهت أكثر تبعية وخوفا وارتهانا للخارج.

ثم اقترب بصوته أكثر: وإسرائيل التي قيل إنها كيان طارئ مؤقت، تحولت بسببكم إلى مشروع متصاعد أكثر حضورا ونفوذا وقوة، بينما تراجعت الأمة كلها إلى الخلف.

تنهد عبد الناصر: ربما كنا نظن أن الزمن سيعمل لصالحنا.

رد سيد قطب: لكنه عمل ضدكم، لأن الدولة التي تُغلق السياسة تُنتج الانفجار، والدولة التي تُقصي الدين تُنتج الفراغ، والدولة التي تبني الخوف بدل الثقة تظل مطاردة بالخوف نفسه.

ثم قال بحسم: لقد خفتم من المجتمع فحوّلتموه إلى خصم، وخفتم من الحرية فقتلتم السياسة، وخفتم من الإسلام ففتحتم الباب أمام أشكال أكثر غضبا وحدّة.

رفع عبد الناصر عينيه: وهل تعتقد أن المستقبل سيكون للإسلاميين؟

أجاب سيد قطب: المستقبل لن يكون لأحد بمجرد الشعارات، بل لمن يفهم الإنسان والدولة معا. لكن المؤكد أن الأمة لا يمكن أن تعيش طويلا بلا هوية، ولا بلا حرية، ولا تحت سلطة تحكمها بالخوف وحده.

ثم وقف أخيرا، ونظر نحو الأفق البعيد، وقال كأنما يخاطب قرنا كاملا: لقد ظننتم أنكم تستطيعون بناء أمة بالقوة وحدها، بلا حرية، وبلا عقيدة حية، وبلا إنسان مستقل داخليا.. لكن كل ما بُني على الخوف سقط أو سيسقط، وكل مشروع انفصل عن روح الأمة بقي غريبا عنها مهما امتلك من سلاح وإعلام وشعارات.

أما عبد الناصر، فبقي صامتا.. كأن هزيمة يونيو، وصعود إسرائيل، وتآكل المشروع القومي كله، كانت تعترف متأخرة بأن الرجل الذي أُعدم قبل عقود، كان يرى أكثر مما رأى من أعدموه.

النخب العربية ‏والهذرلوجيا السياسية

 النخب العربية ‏والهذرلوجيا السياسية
‏تكاد شعوب المشرق العربي كله اليوم -باستثناء الميليشيات الإيرانية- تصم آذانها عن كل ضجيج النخب العربية الإسلامية والقومية واليسارية التي أغرقت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بطوفان من (الهذرلوجيا) عن وجوب الوقوف مع النظام الإجرامي الإيراني!


‏وتقف شعوب المشرق العربي اليوم بذاكرتها الحية، وإدراكها الطبيعي للخطر، وعقلها الجمعي، وحسها الفطري، صفا واحدا ضد الانجرار إلى خندق النظام الإيراني، أو خندق المحتل الأمريكي؛ لأنها باختصار تعده عدوا لها، وخطرا مهددا لوجودها، وعقيدتها، تماما كالعدو الصهيوني، بل رأت من فتك النظام الإيراني بها وعدوانه عليها – منذ حربه على العراق سنة 1980م حتى قصفه لمدن الخليج اليوم 2026 بالصواريخ البالستية – أشد مما رآه الشعب الفلسطيني من المحتل الصهيوني منذ 1948م!


‏فدعوة النخب العربية شعوب المشرق العربي اليوم – سواء في جزيرة العرب واليمن أو الشام أو العراق – إلى الوقوف مع من استباح دماءها، وقصف مدنها، وتحالف مع المحتل الأمريكي والروسي لاحتلال أوطانها، وتدمير بلدانها، وحصارها، وتهجيرها من أرضها، ضرب من الجنون لا يمارسه إلا هؤلاء المهووسون!


‏تماما كمن يدعو الشعب الفلسطيني إلى الوقوف مع إسرائيل وتناسي جرائمها لأنها تواجه عدوانا وقصفا إيرانيا!


‏هذه النخب العربية -المصابة بالهذرلوجيا وفقدان الذاكرة- لا تعي بأن المشكلة لدى هذه الشعوب العربية الإسلامية ليست مذهبية ضد الشيعة، ولا قومية ضد الفرس، كما يتوهمون ليذكروها بالوحدة الإسلامية! وإنما لديها مشكلة حقيقية وجودية مصيرية مع نظام إجرامي عدواني أعان المحتل الأمريكي على احتلال العراق وأفغانستان، واستعان بالمحتل الروسي على قتل الشعب السوري وتدمير مدنه، وتهجيره من أرضه، وعاث فسادا في اليمن، وها هو يدك مدن الخليج بالصواريخ دون أدنى اعتبار لدين ولا مصلحة ولا سياسة، حتى حول هذه الحرب – كما تريد أمريكا وإسرائيل – إلى حرب مع المسلمين وبين دولهم وشعوبهم، لتقف روسيا والصين خلفه، وتقف أمريكا وإسرائيل خلف دول الخليج، وتُستنزف المنطقة في حرب وظيفية رابعة جديدة لخدمة القوى الدولية على حساب العالم الإسلامي واستقراره وأمن شعوبه! كما فعل في حربه ضد العراق ثمان سنين من 1980 – 1988م!


‏فلا يتصور بعد هذا كله دعوة الأمة وشعوبها للاصطفاف خلفه لمجرد أنه اختلف مع من تحالف معهم وخدمهم عشرين سنة ضد الأمة وشعوبها!


‏إن هذه النخب العربية والجماعات الوظيفية التي تدعو اليوم للوقوف مع النظام الإيراني الإجرامي الذي يقصف شعوب الخليج بذريعة أنه يواجه الحملة الصليبية! هي نفسها ممن لزم الحياد سنة 2001 حين غزت أمريكا أفغانستان بدعوى مكافحة الإرهاب وإقامة الديمقراطية وبعضها تعاون معها!


‏ولم نسمع أحدا منهم أوجب على الأمة وشعوبها الوقف مع طالبان وحكومة أفغانستان الإسلامية التي لم تعتدِ على أي شعب مسلم! وقد ظل الشعب الأفغاني وحده يخوض معركة تحرير أفغانستان عشرين سنة من 2001 إلى 2021م في الوقت الذي كانت هذه الجماعات الإسلامية نفسها تقف مع حكومة الاحتلال في كابل أو كانت في أحسن الأحوال تقف على الحياد!


‏وشاركت تلك الجماعات في السلطة التي فرضها المحتل الأمريكي في كابل وبغداد بإشراف خليل زلماي وبول بريمر!


‏وقاتلت مع المحتل الأمريكي قوى المقاومة الحقيقية التي تصدت له!


‏وكان أحسن حلفاء إيران حالا آنذاك من لزم الحياد كحماس بعد تصفية ياسر عرفات وأحمد ياسين سنة 2004م!


‏وكانت المكافأة لإيران على وقوفها مع الحملة الصليبية إشراك حزب الوحدة الشيعي في حكم كابل 2001م، واستلام ميليشياتها الشيعية الحكم في بغداد 2004م، والاعتراف بالحوثي في اليمن وبدء التفاوض معه، واستلام حماس السلطة في غزة بانتخابات 2006 بإشراف أمريكي مباشر! ودخول حزب الله الحكومة في لبنان 2008م!


‏في الوقت الذي كانت الأمة وشعوبها تخوض أكبر معركة في تاريخها الحديث ضد الحملة الصليبية في أفغانستان والعراق!


‏فهذه الحرب الدائرة اليوم بين واشنطن وطهران معركة النظام الإيراني وحده ومحوره معه، ولا علاقة للأمة وشعوبها، ولا لفلسطين والقدس بها، وليست معركة بين المسلمين والكفار! بل معركة بين الحملة الصليبية وحلفائها الذين خدموها بالأمس، وارتدوا على الأمة مع المحتل الأمريكي والروسي واستباحوا دماءها وأرضها، وأرادوا اليوم منازعتها النفوذ على المنطقة، والخروج عن أدوارهم المرسومة لهم، فصاروا جميعا شركاء متشاكسين، وأعداء متحاربين، بين أنظمة جاهلية وظيفية، وأنظمة همجية طائفية!


‏وهذه شهادتهم بأنفسهم، على خدمتهم لهم، حتى لا يغتر بهم من لم يدرك تلك الفترة، التي ما تزال الأمة وشعوبها تختزنها في ذاكرتها وعقلها الجمعي!






بعض ما لا يُحكى عن فتح القسطنطينية

 

بعض ما لا يُحكى عن فتح القسطنطينية

 محمد إلهامي


لقد فضّل أهل القسطنطينية الحكم العثماني على الخضوع لروما. فما الحقيقة التي يخفيها هذا الاختيار التاريخي؟

“ليس كل ما يلمع في روايات الفتح ذهبًا؛ فهذا المقال يكشف، على لسان ألد خصوم العثمانيين من المستشرقين، المفارقة الصادمة: كيف أصبح السلطان حاميًا للكنيسة، وكيف عاد النازحون إلى ‘كارثة’ الفتح مختارين.”

بين عمائم الأتراك وقلنسوات اللاتين

قد التزمنا في هذا المقال أن نسوق أقوال المؤرخين الغربيين فقط ليكون ذلك أبلغ في الحجة!

قليل من العرب والأتراك من يعرفون أن القسطنطينية فضَّلت أن تذهب إلى الأتراك على أن تخضع لسلطان الكاثوليكية في روما، وفيما قبل هذا الفتح العظيم جرت أحد أهم المحاولات في توحيد الكنيستين تحت سلطان البابا في روما، وأخفق الاتفاق الذي عقد قبل أربعة عشر عاما (١٤٣٩م)، ويروي المؤرخ الأمريكي ول ديورانت أنه “لما عاد الإمبراطور اليوناني وحاشيته إلى القسطنطينية (بعد إتمام هذا الاتفاق)، قوبلوا بالإهانات والشتائم، فقد رفض رجال الدين والشعب الخضوع إلى روما”، وما إن انتصر اتجاه الاتحاد بالقوة –في العام السابق للفتح ١٤٥٢- حتى تجنب الشعب “الاتصال بالكنيسة الكبرى؛ ولَعَن رجال الدين المعارضون للاتحاد كل من يؤيدونه، ورفضوا أن يغفروا ذنوب كل من حضروا قراءة المرسوم، وأهابوا بالمرضى أن يموتوا دون تناول القداس بدل أن يتناولوه من يد قس “اتحادي”، ورفض بطارقة الإسكندرية، وإنطاكية، وبيت المقدس (قرار الاتحاد)”١. وساعتها “قال الرجل الثاني في الإمبراطورية البيزنطية القائد الأعلى لوكاس نوتار: إنني أفضل أن أرى عمائم الأتراك في القسطنطينية على أن أرى قلنسوات رجال الدين اللاتين”٢.

لماذا فضَّل اليونانيون السلطان على البابا؟

ويعلق المؤرخ الفرنسي فرناندو بروديل على هذا فيقول: “الحق أن الكنيسة الأرثوذكسية –ولنا أن نقول الحضارة البيزنطية- فضَّلَتْ على الاتحاد مع اللاتينيين الخضوعَ للأتراك، ولا سبيل هنا إلى إلقاء الأمر على قرار متعجل اتُّخِذ عفو الساعة في مواجهة حدث معين، وإنما لا يعدو الأمر أن يكون النتيجة النهائية والطبيعية لسباق زمني طويل من تحلل إمبراطورية بيزنطة ذاتها، والتي رفضت الوحدة مع اللاتينيين وكانوا دون سواهم القادرين على إنقاذها من الخضوع لبراثن الأتراك، وذلك من ناحية أخرى ما عمل على ازدياد نفور اليونانين من التقارب مع اللاتينيين وكانت بينهم خلافات عقدية لاهوتية. فقد كانت الوحدة ممكنة… ولكن اليونانيين كانوا يفضلون الأتراك… ويكتب بطريرك القسطنطينية عام ١٣٨٥ إلى البابا أوربان السادس يقول: إنهم [أي: الأتراك المسلمون] على الأقل يتركون للكنيسة اليونانية كامل حرية الحركة… ويكتب بترارك –وهو من أشهر كتاب العلوم الإنسانية في عصر النهضة ومن المؤرخين البارزين- يقول: لا شك أن هؤلاء المنشقين [أي: أهل القسطنطينية] خافوا منا.. وكرهونا من أعماقهم”٣.

مرسوم الفاتح: حماية الكنيسة لا هدمها

ويذكر المستشرق البريطاني المعروف توماس أرنولد أنه “لم تكد حاضرة الإمبراطورية الشرقية القديمة (القسطنطينية) تسقط في أيدي العثمانيين حتى توطدت العلاقات بين الحكومية الإسلامية والكنيسة المسيحية بصفة قاطعة وعلى أساس ثابت. ومن أولى الخطوات التي اتخذها محمد الثاني بعد سقوط القسطنطينية وإعادة إقرار النظام فيها، أن يضمن ولاء المسيحيين بأن أعلن نفسه حامي الكنيسة الإغريقية؛ فحرَّم اضطهاد المسيحيين تحريما قاطعا، ومنح البطريق الجديد مرسوما يضمن له ولأتباعه ولمرءوسيه من الأساقفة حق التمتع بالامتيازات القديمة والموارد والهبات، التي كانوا يتمتعون بها في العهد السابق. ولم يقتصر المسلمون في معاملة رئيس الكنيسة على ما تعود أن يلقاه من الأباطرة المسيحيين من توقير وتعظيم، بل كان متمتعا -أيضا- بسلطة أهلية واسعة… وكان من أثر ذلك أن الإغريق -ولو أنهم كانوا يفوقون الأتراك عددا في كل من الولايات الأوربية التابعة للدولة العثمانية- قد جعلهم التسامح الديني الذي رخص لهم، وما تمتعوا به من حماية لحياتهم وأموالهم، يسرعون في الموافقة على تغيير سادتهم وإيثار سيادة السلطان على سيادة أية سلطة مسيحية، وكان الغزاة العثمانيون في بقاع كثيرة من المملكة يلقون ترحيبا من جانب الإغريق، ويعدونهم مخلصين لهم من الحكم الظالم المستبد”٤.

استقلال روحي مقابل سيادة سياسية

وهكذا فإن احتفاظ الكنيسة –كما يقول نيقولا فاتان– “باستقلال روحي لم يكن بوسعه إلا أن يداعب مشاعر الشعب المعادية للاتينيين، وسوف تدار “الأمة” اليونانية وتُمَثَّل من جانب البطريرك، وسوف تُحَلُّ الخلافات بين اليونانيين عن طريق محاكم أرثوذكسية، وأخيرا، فإن الممارسة الحرة للعبادة سوف تكون مكفولة، وصحيح أن هذا القانون يتمشى مع الوضع العادي للطوائف المسيحية في البلدان الإسلامية، لكن تأكيده على نطاق الدولة وتعزيز مكانة البطريركية يشكلان حدثا هاما”٥.

المتوحشون الذين بنوا حضارة (على لسان خصم)

ويدافع المستشرق الأمريكي الصهيوني برنارد لويس عن صورة العثمانيين الفاتحين، رغم أنه من ألدّ أعدائهم، فيقول بأن “الأتراك الذين دخلوا القسطنطينية فاتحين، لم يكونوا المتوحشين البدائيين كما يصورهم بعض كتاب الغرب. بل كانوا ورثة وحاملي حضارة قديمة ورفيعة: أي حضارة الإسلام القديمة، والتي هم أنفسهم أضافوا إليها قدرا غير يسير”، وهو حين يصف عظمة اسطنبول لا ينسى أن يقول أن “معظم اليونانيين الذين كانوا غادروا المدينة قبيل الفتح قد عادوا إليها إلا القليل منهم، وجاء الآخرون من جميع أنحاء الإمبراطورية ليشاركوهم، وشكل هؤلاء جالية غنية تحت زعامة بطريركهم. وقد ازداد عدد اليهود أيضا، والذين كانوا موجودين من قبل في العاصمة البيزنطية”٦.

عودة النازحين إلى “كارثة” الفتح!

ويفسر المستشرق الألماني كارل بروكلمان هذه العودة بقوله: “عمل محمد على تنظيم أحوال اليونان (الروم) المغلوبين، للتو والساعة. والواقع أنه أبقى على استقلال البلغار الكنسي، فِعْل أسلافه من قبله، واعترف –وفقا للفكرة الإسلامية المعززة بالتقاليد الدينية- بجميع السلطات الدينية اليونانية. بل إنه زادها قوة إلى قوة بأن وكل إليها أمر القضاء المدني وتطبيق أحكامه على أتباعها… ولم يكد يُعَيِّن في البطريركية ممثلا حازما للكنيسة الوطنية حتى رجع إلى أرض الوطن، بناء على دعوته، عدد غفير من الروم الذين نزحوا عن ديارهم قبل الكارثة”٧. وهو يقصد بالكارثة: الفتح! ولكنه مستشرق يرى الكارثة ولو في التسامح العظيم الذي لم يوجد في تاريخهم مثله!!

اسطنبول: من عاصمة بيزنطية إلى جوهرة إسلامية

وما إن تم الفتح حتى بدأ محمد الفاتح في سياسته “الرامية إلى استعادة شأن اسطنبول، وقد أمر محمد الثاني بأعمال هامة: إصلاح الحصون وبناء قلعة الأبراج السبعة (يديقولي) وقصر في وسط المدينة، وفي عام ١٤٥٩ يتلقى كبار وجهاء الدولة الأمر بأن ينشئ كل منهم مجمعات علاجية وخيرية وتجارية حول المساجد الكبرى. وعندئذ تعاود الحياة الفكرية والاقتصادية الازدهار في المدينة”٨، حتى “بلغت العاصمة قمتها من المجد”٩ في عهد سليمان القانوني بشهادة برنارد لويس!

الهوامش

[١] ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، دار الجيل، بيروت ٢٠/٢١.

[٢] نيقولو باربارو: الفتح الإسلامي للقسطنطينية، ترجمة ودراسة د. حاتم الطحاوي، عين للدراسات والبحوث، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢م. ص٣٥ (مقدمة المترجم، وهو ينقل عن:

Dukas: decline  decline and fall of byzantium, Trans. By, Harry J. Magoulias (Detroit, ١٩٧٥) p. ٢١٠.

[٣] فرناندو بروديل: تاريخ وقواعد الحضارات، ، ترجمة وتعليق سفير. د. حسين شريف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٩م. ص٢٥.

[٤] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن وآخرون، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٨٠م. ص١٧٠ وما بعدها.

[٥] نيقولا فاتان: صعود العثمانيين، ضمن “تاريخ الدولة العثمانية” بإشراف: روبير مانتران، ترجمة بشير السباعي، دار الفكر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٩٩٣م. ١/١٢٤.

[٦] برنارد لويس: اسطنبول.. وحضارة الخلافة الإسلامية، ترجمة وتعليق: سيد رضوان علي، الدار السعودية، جدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م. ص١٣٥.

[٧] كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: أمين نبيه فارس ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، ١٩٦٨م. ص٤٣١.

[٨] نيقولا فاتان: صعود العثمانيين ١/١٢٤.

[٩] برنارد لويس: اسطنبول.. وحضارة الخلافة الإسلامية ص١٣٦، ١٣٧.

المصدر

نشر في: تركيا بوست، محمد إلهامي.