الخميس، 18 يونيو 2026

الأوروبيون آكلو لحوم البشر

 الأوروبيون آكلو لحوم البشر

 . إعداد مجلة البيان 


الأوروبيون آكلو لحوم البشر، في الأكيد من يقرأ هذه العبارة سيجد مجالا رحبا لتصديقها، وفي الأغلب سيكون المعنى المجازي للعبارة هو الأقرب، فسينصرف عقله مباشرة إلى الاحتلال وفظائعه والاستيلاء على خيرات البلاد وقتل الشعوب أصحاب الأرض أو سجنهم وتعذبيهم.


"آكلو لحوم البشر" لقد تم صنع تصور ذهني جمعي 

لدى العالم أجمع أن تلك الصفة المرذولة لا تنسحب إلا 

على الشعوب والقبائل الإفريقية حصريا لأنهم أمم 

متخلفة بحسب الزعم الغربي، أما الأوربيون فهم أهل 

الحضارة والتقدم والرقي  فلن تصدر عنهم أمثال هذه 

الشنائع.

على كل حال سيعرض هذا المقال لجملة من الأحداث 

التاريخية في أوروبا وربما تختلف الصورة بعدها.

فقد أورد الصحفيان الفرنسيان ضمن تقرير منشور في

 صحيفة "لي بوين" تحت عنوان "12 ديسمبر

 1098.. يوم التهم الصليبيون لحوم سكان معرة

 النعمان".[1]

في هذا التقرير يؤكد الصحفيان أن غذاء أفراد جيش

 الصليبيين في حملته للاستيلاء على القدس لم يكن

 سوى لحوم المسلمين من سكان المدن التي يتم

 الاستيلاء عليها، وركز التقرير على المجزرة التي

 راح ضحيتها 20 ألفا من سكان مدينة معرة النعمان

 يوم دخول الصليبيين إليها في 12 ديسمبر/كانون

 الأول 1098 ميلادي.

وينقل التقرير عن أحد المشاركين في تلك الحملة أنهم

 قاموا "بغلي المسلمين في القدور، وحوّلوا لحوم

 الأطفال إلى أسياخ لالتهامها مشوية"، ويصف آخر ما

 حدث بقوله "كنا نقطع قطعة أو قطعتين من جثة أحد

 المسلمين، ومنا من لا ينتظر حتى يحمصها بل يبادر

 إلى نهشها بأسنانه الوحشية".

ونوغل في التاريخ أكثر لنرى هل كانت ظاهرة أكل

 لحوم البشر طارئة حياة الأوروبيين أم متجذرة في

 تاريخهم.

 

 عاشت أوروبا خلال القرون الماضية على وقع حالة هستيرية، حيث اتجه كثيرون لحضور تنفيذ عمليات الإعدام قبل أن يبدأوا بتقديم مبالغ مالية طائلة للحصول على أجزاء من الجثث

حتى نهاية القرن الثامن عشر، لم يكن من غير

 المألوف بالنسبة للأوروبيين أن يبحثوا عن لحم

 الإنسان الميت للاستهلاك الدوائي.

خلال القرن السابع عشر، أقبل الأوروبيون بشكل

 مكثف على استهلاك اللحم البشري، إيمانا منهم بقدرته

 على علاج مختلف الأمراض.

وامتدت هذه الممارسة لتشمل جميع شرائح المجتمع،

 حيث لم يتردد رجال الكنيسة، وأفراد العائلات الملكية

 في دفع مبالغ طائلة للحصول على أجزاء من أجساد

 الموتى.

وعلى الرغم من سهولة الحصول على أجزاء من

 الجثث حديثة الوفاة قبل دفنها، إلا أن الأوروبيين

 اتجهوا غالبا نحو إنفاق مبالغ مالية طائلة للتزود

 بالمومياوات، والتي لم يتردد الأطباء في طحنها

 وسحقها وتحويلها لفتات قبل تقديمها للمرضى على

 أنها دواء فعّال قادر على وقف أي نزيف داخلي،

 بحسب اعتقادهم.

ولعلاج الصداع وآلام الرأس، عمد الأوروبيون إلى

 سحق جمجمة رأس المومياء وجعلها بودرة قبل

 خلطها مع بعض المشروبات الأخرى. وابتكر ملك

 إنجلترا تشارلز الثاني (Charles II) وصفته الطبية

 الخاصة، والتي تكونت أساسا من مسحوق جماجم

 رؤوس الموتى المخلوطة بالكحول.

ولم يقتصر استخدام الأوروبيين للحم البشر عند هذا

 الحد، حيث اتجه الأطباء حينها لتقديم وصفات غنية

 بهذه المكونات من أجل علاج عدد من الإصابات

 الخارجية.

ولعل علاج الجروح المفتوحة، وتسهيل عملية التئامها،

 هو ما دعا الأطباء الأوروبيين إلى غمس قطع القماش

 في الشحوم البشرية قبل لفها حول مكان الإصابة، كما

 قدّم العلاج نفسه لمواجهة الالتهابات الخارجية، وإنهاء معاناة مرضى النقرس.

 إضافة إلى كل ذلك، مثّل الدم البشري عنصرا قادرا

 على علاج جميع الأمراض بالنسبة للأطباء

 الأوروبيين الذين لم يترددوا في وصفه لأغلب مرضاهم.

وبالتزامن مع انتشار هذه الممارسات الطبية الغريبة،

 فقد عاشت أوروبا خلال القرون الماضية على وقع

 حالة هستيرية، حيث اتجه كثيرون لحضور تنفيذ

 عمليات الإعدام قبل أن يبدأوا بتقديم مبالغ مالية طائلة

 للحصول على أجزاء من الجثث.

كما تزايدت عمليات نبش القبور ونهب محتوياتها بشكل ملحوظ، حيث عمد سارقو القبور إلى استخراج الجثث حديثة الدفن لانتزاع أعضائها وبيعها.

وأقدم الفقراء بكثافة على بيع كميات من دمهم للأطباء مقابل حصولهم على مبالغ مالية ضئيلة.

وسجلت عادة تناول أجزاء من جثث الموتى انتشارها

 بسبب معتقد خاطئ آمن الكثيرون به، حين ظن

 الجميع أن تناول اللحم البشري كاف لمنحهم حيوية

 ونشاط صاحب الجثة، ولهذا السبب بلغت أسعار جثث الشباب أرقاما قياسية.

وتواصلت عملية استعمال بقايا الجثث البشرية كأدوية

لعلاج المرضى طيلة القرن التاسع عشر، حيث لم

 يتردد الأطباء في اعتمادها لعلاج عدد من الأمراض كالصرع.

كشفت دراسة جديدة حقيقة "صادمة"، حول ممارسة

 طقوس أكل لحوم البشر لدى الشعوب الأوروبية، قبل

 آلاف السنين، على عكس ما كان شائعا، أن هذه

 الممارسات تكثر في إفريقيا وأميركا الجنوبية فقط.

كما أظهرت دراسات تاريخية أن أكل لحوم البشر كان

 ممارسة جنائزية روتينية في أوروبا منذ حوالي 15

 ألف عام، حيث كان الناس يأكلون موتاهم ليس بسبب

 الضرورة بل كجزء من ثقافتهم.

وبينما عثر الباحثون سابقا على عظام وجماجم بشرية

 تم تعديلها إلى أكواب في كهف غوف في إنجلترا،

 تشير دراسة نشرت في مجلة Quaternary

Science Review إلى أن هذا لم يكن حادثا منعزلا.[2]

وركزت أبحاثهم على الفترة المجدلية في أواخر

 العصر الحجري القديم.

قام الخبراء في متحف التاريخ الوطني بلندن بمراجعة

 الأدبيات لتحديد 59 موقعا مجدلينيا يحتوي على بقايا

 بشرية. وكان معظمها في فرنسا، مع وجود مواقع

 أيضا في ألمانيا وإسبانيا وروسيا وبريطانيا وبلجيكا

 وبولندا وجمهورية التشيك والبرتغال.

وأظهر 15 دليلا على بقايا بشرية عليها علامات

 مضغ، وعظام جمجمة عليها علامات قطع، وعظام

 مكسورة عمدا بنمط مرتبط باستخراج نخاع العظم

 للحصول على العناصر الغذائية، مما يشير إلى

 ممارسة أكل لحوم البشر.

وكانت هناك أيا أدلة تشير إلى أنه في بعض الحالات

 تم خلط الرفات البشرية مع بقايا الحيوانات.

وقال الباحثون إن التلاعب الشعائري بالرفات البشرية

 وتكرار ذلك في مواقع عبر شمال وغرب أوروبا

 يشير إلى أن أكل لحوم البشر كان ممارسة دفن.

والخشية هنا أن يكتشف الأوروبيون تاريخهم

 ويحاولون إعادة تلك الشعائر المقززة فيصبح الرجل

 وقد أكل لحم أخيه وربما أبيه، ثم يشرعون في فرضها

 على شعوب العالم بدعوى الحرية والحضارة، ولا

 عجب في ذلك فمن كان يظن أن يأتي على البشرية

 يوم ينكح الرجل الرجل وتنكح المرأة المرأة ويتحول

 الذكر إلى أنثى والأنثى إلى رجل وتسمى هذه الدناءة

 حرية وحضارة، ويصبح رافضو هذا الشذوذ والتردي

 البشري متخلفين.


 

[1] يوم التهم الصليبيون لحوم سكان معرة النعمان، موقع الجزيرة نت.

[2] تفاصيل صادمة.. دراسة تكشف عادات أكل لحوم البشر في أوروبا، موقع سكاي نيوز.

 

هل يستطيع ترامب مقاومة إسرائيل؟.. هل يوجد عقل أمريكي خارج إسرائيل؟..

هل يستطيع ترامب مقاومة إسرائيل؟.. 
هل يوجد عقل أمريكي خارج إسرائيل؟.. 
هل تتجه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إلى الانفصال؟.. 
"أصحاب الجغرافيا" بدأوا بالتحرك.. إسرائيل مجرد تفصيل سيتم تجاوزه.. لدينا حسابات أكبر بكثير!.. وتحالف الدول الضعيفة ليس سوى تفصيل ثانوي


إبراهيم قراغول

التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران يبدو أنه أزعج إسرائيل بشكل كبير، وإذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي فإن قلق إسرائيل سيتحول إلى خوف حقيقي يبدو أن التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران قد أثار انزعاجًا شديدًا لدى إسرائيل. وإذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي، فإن قلق إسرائيل سيتضاعف وقد يتحول إلى حالة من الخوف.

إذا لم يكن الأمر مجرد «مسرحية متفق عليها»، وإذا لم تكن ردود الفعل القادمة من الأوساط الإسرائيلية مجرد جزء من سيناريو مُعد مسبقًا، فإن ذلك يكشف أن الولايات المتحدة تمضي في هذا الاتفاق «رغمًا عن إسرائيل». وهذا يعزز التوقعات العالمية بأن هناك شيئًا ما يتم التشكيك فيه داخل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.

لن ننسى هذا حتى بعد ألف عام!


لنقلها بوضوح: إسرائيل لا تمتلك قوة حقيقية مستقلة، قوتها هي الولايات المتحدة. خلال الثلاثين عامًا الماضية، منذ حرب العراق، كل الحروب التي اندلعت كانت بقوة أمريكا ولكن لصالح إسرائيل.

ومن أجل حماية مجموعة صغيرة، تم تدمير مساحات واسعة، وتفكيك دول، وتحويل مدن إلى أنقاض، وقتل ملايين البشر.

إن الثمن الذي دفعته الولايات المتحدة وأوروبا في هذه المنطقة من أجل إسرائيل لن يُنسى حتى بعد ألف عام. لم تبقَ دولة لم تتضرر، ولا شعب لم يتألم.

وخلال آخر مئتي عام، شهدت منطقتنا كارثتين كبيرتين: الأولى هي الدمار الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، والثانية بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي عندما أُعيد إطلاق مشروع تدمير جديد لصالح إسرائيل.

لذلك فإن «ثمن إسرائيل» بالنسبة لنا كان بحجم حرب عالمية.

غضبنا كبير وذاكرتنا حية، وكل جريمة لها حساب

امتد الدمار الذي ارتبط بإسرائيل ليشمل كامل الشرق الأوسط (غرب آسيا)، وشرق وشمال إفريقيا، وأجزاء واسعة من جنوب آسيا، وكل منطقة البحر الأحمر والخليج العربي، وشرق البحر المتوسط وبحر إيجة.

هذه الشعوب وهذه الدول لن تقبل بعد الآن بدفع هذا الثمن، لكنها ستقوم حتمًا بمحاسبة من تسبب به.

هذه المنطقة هي مركز الحضارة الإنسانية. وكما أن تسامحها واسع، فإن غضبها شديد وذاكرتها لا تموت.

كل مدينة لها ذاكرة، وكل دمار له ثمن، وكل جريمة سيكون لها حساب.

هل يحدث شرخ في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؟ لا تتسرعوا

إذا كانت المعلومات صحيحة — مع ضرورة التعامل معها بحذر — فإن إدارة ترامب توصلت إلى اتفاق مع إيران دون علم إسرائيل.

تصريحات نتنياهو بأن «هذا اتفاقكم»، واعتراض اليمين الإسرائيلي المتطرف بأن «إسرائيل دولة مستقلة ولا يحق لأحد إلزامها بالاتفاق»، وغضب بعض الدوائر المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، كلها تشير إلى احتمال وجود تباين بين واشنطن وتل أبيب حول ملف إيران.


كما أن هناك تقارير تفيد بأن إسرائيل طلبت تفاصيل الاتفاق من الإدارة الأمريكية لكن تم رفض ذلك.

وفي الداخل الأمريكي، بدأ نقاش جديد: هل يجب أن تكون مصالح أمريكا فوق مصالح إسرائيل؟

إسرائيل الدولة الأكثر كراهية في العالم

هل يمكن أن يحدث تحول في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؟ وهل يستطيع ترامب مقاومة الضغط الإسرائيلي؟ وهل تستطيع واشنطن تقليص النفوذ الإسرائيلي الذي يقيّدها؟

كل هذه أسئلة صعبة ولا يمكن الجزم بإجابات قاطعة لها.

لكن إن كان داخل الولايات المتحدة عقل سياسي مستقل قادر على رؤية التحولات العالمية، فعليه أن يدرك أن استمرار دعم إسرائيل بهذه الطريقة يستنزف قوة أمريكا.

كما يجب ملاحظة أن الولايات المتحدة بدأت تفقد رصيدها حتى داخل أوروبا.

اليوم إسرائيل تُعد من أكثر الدول المكروهة في العالم، وإذا استمرت أمريكا في تبني هذا الموقف، فإن هذا الكره سينعكس عليها أيضًا وبشكل متزايد عالميًا.

الاتفاق يميل لصالح إيران... وهذا ما يزعج إسرائيل

لا نعلم مدى صحة ما يُقال عن أن ترامب يطالب إسرائيل بالانسحاب من لبنان، ولا نعلم أيضًا إلى أي حد ستلتزم إسرائيل بذلك. لكن بعض الأصوات في اليمين الإسرائيلي المتطرف تؤكد أن ترامب يوجّه انتقادات متكررة لنتنياهو.

هذا “الضغط” يثير تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن بدأت بالفعل تبحث عن خيارات في المنطقة لا تأخذ بالضرورة المصالح الإسرائيلية في الحسبان.

وبحسب التسريبات المتداولة، فإن بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني تميل لصالح إيران إذا كانت صحيحة، وهو ما يفسر غضب إسرائيل الشديد.

فالولايات المتحدة، وفق هذه الروايات، لم تعد راغبة في الدخول في حروب جديدة لصالح إسرائيل، بل تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة مع إيران وفتح صفحة جديدة معها، حتى لو أدى ذلك إلى تقويض المبررات التي تعتمد عليها إسرائيل في سياساتها الأمنية والعسكرية.

تحالف الدول الضعيفة: مشروع بلا مستقبل

هناك محاولات لتشكيل توازنات إقليمية جديدة، تقودها إسرائيل عبر شبكة من الدول الضعيفة أو المحدودة التأثير: أرض الصومال في البحر الأحمر، الإمارات في الخليج، الإدارة القبرصية اليونانية في شرق المتوسط، واليونان في بحر إيجة.

لكن هذه التركيبة، بحسب هذا الطرح، لا يمكن أن تنتج مشروع قوة حقيقي أو بنية جيوسياسية مستقرة.

إسرائيل تحاول أن تبدو قوة إقليمية من خلال هذه التحالفات، بينما تعتمد في الواقع على القوة العسكرية الأمريكية لفرض حضورها في المنطقة.

لكن هذه المنظومة، كما يراها الكاتب، لن تصمد إذا تراجع الدعم الأمريكي، إذ ستنهار سريعًا.

صعود “أصحاب الجغرافيا” وتحوّل مراكز القوة

في المقابل، يظهر مشروع آخر تقوده تركيا، يمتد من شرق إفريقيا إلى حدود الهند، ويقوم على إعادة إحياء دور القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة.

هذا المشروع يستند إلى إرث تاريخي وحضاري، ويسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة في القرن الحادي والعشرين.

وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى، تعود “القوى الجغرافية الأصلية” إلى الواجهة، في وقت تتراجع فيه أوروبا تدريجيًا.

وبعض الدول الأوروبية بدأت تدرك هذا التحول، رغم استمرارها في دعم إسرائيل تحت الضغط الأمريكي، لكنها باتت تشعر أن النظام العالمي القديم لم يعد قائمًا.

هل تدرك واشنطن التحول القادم؟


السؤال المطروح: هل ستدرك الولايات المتحدة هذا التحول العالمي في الوقت المناسب؟

أم أنها ستستمر في استنزاف قوتها في دعم إسرائيل؟

فالعالم، بحسب هذا الطرح، يتغير بسرعة، ومراكز القوة الاقتصادية والعسكرية تتحول نحو الشرق والجنوب العالمي.

إسرائيل تستنزف قوة الولايات المتحدة

هل ستواصل واشنطن إنفاق قوتها العسكرية والسياسية لحماية إسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى عزلتها عالميًا؟

وهل تدرك أن سياسات اليمين الإسرائيلي تجعلها في مواجهة مع معظم شعوب العالم؟

إن دعم سياسات يُنظر إليها على أنها عدوانية أو متطرفة يؤدي في النهاية إلى استنزاف الدول الداعمة لها أيضًا.

وفي نهاية المطاف، ستفرض الشعوب مسارًا مختلفًا عن مسار النخب السياسية الحالية.

لم تعد هناك حاجة إلى “الحامية الإسرائيلية” الغربيةالفجوة التي كانت تفصل القوى الغربية عن بقية العالم في مجالات رأس المال والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية والموارد البشرية بدأت تتقلص بشكل واضح.

كما أن جزءًا كبيرًا من موارد العالم بات اليوم في يد “القوى الصاعدة”.

والتاريخ يثبت مرارًا أن فرض السيطرة على العالم بالقوة العسكرية وحدها أمر غير قابل للاستمرار.

كانت إسرائيل تمثل في القرن العشرين “حامية” للغرب أولًا ثم للولايات المتحدة، أي بمثابة قاعدة متقدمة ضمن منظومة النفوذ الغربي.

لكن هذا النموذج لم يعد مناسبًا لواقع القرن الحادي والعشرين، ولم تعد الظروف التي نشأ فيها موجودة أصلًا.

وبالتالي، لم يعد هناك مبرر لاستمرار دور “الحامية الإسرائيلية” في النظام العالمي الجديد.

أكبر خدعة: “نقاتل من أجل الغرب”

رغم أن بعض الخطابات المتطرفة تحاول تقديم إسرائيل على أنها تقاتل “نيابة عن الغرب”، فإن هذا الطرح لم يعد يجد قبولًا واسعًا في العالم.

وحتى لو استمر البعض في ترديده، فإن الشعوب تسير في اتجاه مختلف تمامًا.

وفي حال قررت النخب الغربية تصديق هذا الخطاب بالكامل، فإن ذلك يعني، بحسب هذا الطرح، تسليم القرار السياسي لمنظومة تُوصف بأنها متطرفة.

لكن مسار التاريخ، وفق الرؤية الواردة في النص، لن يتوقف عند هذا الحد، لأن الشعوب ستفرض في النهاية اتجاهًا مختلفًا.

لماذا تستهدف إسرائيل تركيا؟

يشير النص إلى أن إسرائيل باتت توجه انتقادات وضغوطًا مباشرة نحو تركيا في الفترة الأخيرة.

وذلك من خلال محاولة تصوير تركيا على أنها تسعى لإحياء نفوذ الدولة العثمانية، بهدف تخويف الدول العربية ودفعها إلى الاصطفاف ضدها.

كما يُذكر أنها تحاول دفع الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه قوتها العسكرية نحو تركيا، إضافة إلى بناء تحالفات مع اليونان والإدارة القبرصية اليونانية.

لكن هذه التحركات، وفق النص، لن تحقق نتائج حقيقية، لأن التوازنات الإقليمية تتغير بسرعة.

الجغرافيا كسلاح في الصراع

يؤكد النص أن “الجغرافيا أصبحت سلاحًا” في هذا العصر، وأن القوى الإقليمية تدرك ذلك جيدًا.

كما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستُستخدم مجددًا في صراعات جديدة، خصوصًا ضد تركيا، بعد استخدامها في ملفات أخرى مثل إيران.

ويشير إلى أن أي انخراط أمريكي مباشر في هذا السياق قد يؤدي إلى كلفة استراتيجية كبيرة على واشنطن في غرب آسيا.

هل تقع الولايات المتحدة في الفخ؟

يرى النص أن الولايات المتحدة ستدرك في النهاية خطورة الانجرار وراء هذا المسار، ولن تسمح لنفسها بأن تتحول إلى أداة تُدار في صراعات إقليمية معقدة.

كما يشير إلى أن إيران تمكنت من إظهار قدرتها على استهداف القواعد الأمريكية، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا في المنطقة.

إسرائيل كعنصر ثانوي في المعادلة

في نهاية هذا السياق، يطرح النص فكرة أن إسرائيل ليست سوى عنصر صغير في عملية إعادة تشكيل كبرى للنظام العالمي.

ويصفها بأنها تفصيل يمكن تجاوزه في مسار التحولات الجيوسياسية الأوسع.

إسرائيل تستنزف عمر الولايات المتحدة وتسمم نفوذها

هل ستستمر الولايات المتحدة في هذه المغامرة، فتستهلك قوتها من أجل حماية إسرائيل، وتقبل في المقابل بالعزلة التدريجية عن العالم؟

وهل ستدرك أن استمرار هذا المسار يضعف موقعها الدولي ويقلّص من تأثيرها العالمي؟

يرى النص أن ما يحدث هو عملية استنزاف طويلة للولايات المتحدة، وأن إسرائيل تتحول تدريجيًا إلى عبء سياسي واستراتيجي عليها.

وفي النهاية، بحسب هذا الطرح، فإن الشعوب والدول ستعيد تشكيل مواقفها بعيدًا عن هذا المسار.

نظام عالمي جديد يتشكل خارج الحسابات القديمة

العالم يتغير بسرعة، وموازين القوة الاقتصادية والعسكرية لم تعد كما كانت.

القوى الجديدة الصاعدة تتحرك في مساحات كانت خاضعة سابقًا للنفوذ الغربي التقليدي.

وبحسب هذا التصور، فإن النظام الدولي القديم الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد صالحًا للاستمرار.

وهناك إعادة تشكيل جذرية لمراكز القوة والنفوذ في العالم.

تركيا ومهندسو الجغرافيا الجديدة

تركيا، ومعها عدد من القوى الإقليمية، تتحرك ضمن مشروع واسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة والعالم.

هذا المشروع لا يقتصر على مواجهة طرف معين، بل هو جزء من تحولات عالمية كبرى.

وتسعى دول عدة للاستفادة من هذا التحول أو التموضع داخله.

نهاية مرحلة “الهيمنة الموجهة”

لم تعد هناك إمكانية لفرض نموذج “العالم القابل للإدارة” كما كان في السابق.

فالدول لم تعد تقبل بالوصاية السياسية أو العسكرية كما في القرن الماضي.

ومع هذا التحول، تتغير قواعد اللعبة الدولية بالكامل.

الخلاصة: إسرائيل في سياق أكبر من حجمها

في نهاية النص، يتم التأكيد على أن كل ما يجري ليس موجّهًا ضد إسرائيل تحديدًا، بل هو جزء من تحول عالمي أوسع في موازين القوة.

إسرائيل، وفق هذا المنظور، ليست سوى عنصر صغير داخل عملية إعادة تشكيل كبرى للنظام الدولي.

ومع استمرار هذا التحول، سيعاد توزيع النفوذ العالمي، وستظهر قوى جديدة، بينما تتراجع أخرى.

فوز المهاجرين.. من الأولين والآخرين

فوز المهاجرين.. من الأولين والآخرين

د.عبدالعزيز كامل
لكي نكون مع ركاب المهاجرين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .. لابد أن نسأل أولا : مَن المُهاجر..؟!
يجيب عن ذلك سيد المهاجرين _ صلوات الله وسلامه عليه _ فيقول :
( المُهاجٍر من هَجَرَ ما نهى اللهُ عنه)..[متفق عليه].
وهذا الحديث معناه: أن الهجرة المطلوبة من كل مسلم هي ترك السوء وهجر المعاصي ومفارقة أرضها وأهلها، مع كف الأذى وحفظ الحقوق لأهلها، كما دل على ذلك أول الحديث: ( المسلم من سَلٍمً المسلمون من لسانه ويده)..
●.. ولهذا فإن المهاجر حقًا، هو المسلم حقًا، حيث تظهر في نفسه وذاته آثار الإسلام وشرائعه وشعائره وهديه وسمته، وتظهر تلك الآثار في تعامله مع غيره من خلال كف لسانه ويده عن المسلمين، ولا يصل إليهم منه إلا النفع والخير والمعروف .
●.. أما أن نرى الشخص محافظاً في الظاهر على الصلوات في وقتها، ومؤديا للزكاة في فروضها، ومسارعا للعمرة والحج في مواسمها، ثم هو بعد ذلك لا يحكم لسانه ولا يملك زمامه، فينفلت بالقول والفعل في أذى الناس ممزقًا لحومهم وخائضًا في أعراضهم، ومانعًا حقوقهم .. فهذا ليس على سبيل نجاة، ولا هو من خواص عباد الله، لأن الله تعالى قال { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًاوإثما مببنا}[ الأحزاب / ٥٨ ]
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ) صحيح الترمذي/ ١٩٧٧
●.. ومع هجر السوء وأهله وأرضه.. على المهاجر إلى الله أن يشغل نفسه بعبادة الله، وبخاصة في مثل زماننا هذا؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:
( العبادة في الهرج _ أي وقت الفتن _ كَهِجْرَةٍ إلي ) رواه مسلم.
والعبادة كما قال ابن تيمية هي: ( اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة).
●.. فالهجرة إذن تطلق على معنيين: الأول هجرة المكان ، والثاني: هجرة الحال..
والهجرة المكانية هي الانتقال من دار الكفر التي يغلب الشرك والإلحاد على أهلها وعلى أحكامها وعلى حكامها، ولا يستطيع الإنسان فيها أن يقيم شعائر دينه، ولا يأمن على نفسه وعرضه، فينتقل لذلك من هذه الدار إلى دار أخرى لا يكون فيها مغلوبا على أمره .
وقد تكون الهجرة المكانية إلى أرض نصرة للدين، ولو خرج إليها من أرض عزة وتمكين ..
●..والهجرة المكانية وان كان أعظم أجرها قد سبق للمهاجرين الأولين من أهلها..إلا أن ثوابها لاينقطع عمن صار مضطرًا لها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها..)
وقال أيضا: ( لاتنقطع الهجرة ماقُوتِل العدو ).. يعني ماظل الجهاد ماضيًا..وهو ماض الى يوم القيامة ، كما صح بذاك الحديث
●.. وخير المهاجرين في آخر الزمان هم الذين يختارون أرض هجرة إبراهيم عليه السلام، كما قال سبد المرسلين: ( ستكونُ هجرةٌ بعدَ هجرةٍ، فخِيَارُ فخِيَارُ أهلِ الأرضِ أَلْزَمُهُم مُهَاجَرَ إبراهيمَ،) [السلسلة الصحيحة / ٣٢٠٣]
نسأل الله تعالى أن يبارك للمسلمين في عامهم الهجري الجديد، وأن يردهم إليه ويعيد لهم مجدهم التليد ..
اللهم آمين

المصدر

صفحة الدكتورد.عبدالعزيز كامل  على منصة ميتا.

الأربعاء، 17 يونيو 2026

الإنسانُ الحديثُ.. ذلكَ المُكِبُّ على وجهِه

الإنسانُ الحديثُ.. ذلكَ المُكِبُّ على وجهِه

محمد خير موسى

"تنساب حوله الشّاشات كأنها جدارٌ شفّاف يطوّق إدراكه ويعيد ترتيب انتباهه ثم يبقى في عمقه محتاجا إلى جهةٍ واحدة تردّ عليه نفسه"



"يَنقلب الإنسانُ في مجتمع الإنجاز إلى عاملٍ يستغلُّ نفسَه داخل مشروعه الخاص فيجتمع فيه المستغِلُّ والمستغَلُّ، ويجتمع فيه السيِّدُ والعبدُ، ويتحوّل صراعُ الطبقات إلى صراعٍ داخليٍّ مع النفس" 

(بيونغ تشول هان، مجتمع الاحتراق النفسي؛ ص45).

متدفّقا بالحركة ومتخما بالأدوات ومسكونا بالقلق والسرعة وتوتّرِ العجلة؛ يخرج الإنسان الحديث إلى يومه؛ فتتزاحم في يده وتزدحم في رأسه مفاتيحُ وأصواتُ العالم كلّه، وتنساب حوله الشّاشات كأنها جدارٌ شفّاف يطوّق إدراكه ويعيد ترتيب انتباهه ثم يبقى في عمقه محتاجا إلى جهةٍ واحدة تردّ عليه نفسه وتجمع شتاته وتعيده إلى معنى وجوده، فيطول ركضه بحثا عن راحةٍ تغدو كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء فتفرّ منه كلما اقترب. ويتكاثر جمعه للأخبار وغوصه في المنشورات والتغريدات المتدفقة رجاء أن يعثر على حقيقةٍ واحدة تمسك قلبه من التبدّد، وتتوالى مشاهدُه طلبا لامتلاءٍ داخليّ يتسع فراغه طردا مع اتساع صخب الخارج، فتنبثق أمام البصيرة صورةٌ قرآنية تتجاوز البيان إلى الصّدمة وترسم هيئة الإنسان حين تغيب جهة السماء عن قلبه، ويصير السؤال موازنة بين إنسانين وطريقين ومصيرين‎.‎

"أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الملك: 22). 

المُكِبُّ على وجهه في هذه الآية صورةُ إنسانٍ انقطعت عنه جهةُ العلوّ فهبطت رؤيته إلى الأرض وحدها، فصار يلتقط من تراب اليوميات فتاتَ المعنى كما يلتقط الجائع فتاتَ الخبز، واندفع في التفاصيل انحدارا متصلا حتى تبهت الغاية الكبرى، 

يهيمن منطقُ السوق فيتسلّل إلى تعريف الإنسان لذاته، فيحسب نفسَه مشروعا يُقاس كلَّ يومٍ بالأرقام والانطباعات، ويعيش تحت ميزان المقارنة والتصنيف فيجمع في صدره صورةَ السيّد حين يأمر نفسَه بالإنجاز، وصورةَ العبد حين يلهث وراء الرضا والتقدير

واستحالت نفسه إلى ساحة مطالب متتابعة تُضرِم القلق ثم تُورِث العطش، واستحال عقله آلة ماهرة في الحساب والتدبير والسرعة تُحسن إدارة المشهد الخارجيّ في حياته غير أنّها عاجزةٌ عن صياغة داخله وأعماقه على بصيرةٍ وسكينةٍ وتمييز.

وتظهر هذه الهيئة بوضوحٍ في زمن الحداثة؛ إذ يهيمن منطقُ السوق فيتسلّل إلى تعريف الإنسان لذاته، فيحسب نفسَه مشروعا يُقاس كلَّ يومٍ بالأرقام والانطباعات، ويعيش تحت ميزان المقارنة والتصنيف فيجمع في صدره صورةَ السيّد حين يأمر نفسَه بالإنجاز، وصورةَ العبد حين يلهث وراء الرضا والتقدير، ثم تمتدّ الفكرة إلى عالم الصور؛ فتغدو الشاشة ميدان اللقاء وتغدو اللقطة بطاقةَ تعريفٍ بالمكانة ويصير المشهد مادةَ الحكم والتقييم، فتدار العلاقات بما يُعرَض ويُنشر أكثر مما تُدار بما يحقّق المعنى، ويتحوّل الوعي ومنهجيّة التفكير وبناء الأفكار شيئا فشيئا من وزن الحقائق إلى وزن الإشارات وعدّاد الإعجابات، حتى يُعاد تعريف الواقع وتُعاد صياغة الإحساس بحسب ما يُرى ويعرَض؛ أكثر من مقدار ما يكون محلا للإدراك والفهم.

ويتعمّق الانكباب حين يصير الزمن غنيمة تُختصر في ظاهر اليوم، ثم تُبدَّد في باطنه فيُؤخَذ الإنسان بفتنة السرعة كأنها خلاصه، ثم يقف أمام الساعات التي ربحها عاجزا عن تحويلها إلى حياةٍ ذات معنى. 

وقد عبّر إريك فروم في "فنّ الحبّ" (ص110) عن هذه المفارقة بقوله: 

"إن الإنسان الحديث يحسب أنه يربح الوقت بالسرعة ثم يصرف الوقت الذي ربحه في قتله".

وتزداد الصورة وضوحا حين يُختزل النجاح في معيارٍ واحد يتجسّد في مطاردة الكمّ والظهور والسبق، ويصوغ منطقُ السوق الرغبات ويعيد تعريف الاحتياج الإنساني ويبيع صورة السعادة على هيئة تجارب ومظاهر، فينشأ كائنٌ تفيض يداه بالأشياء ويضيق صدره عن السكينة وتزدحم حوله الأصوات وقلبه خالٍ من كلمةٍ جامعة، ثم يستيقظ ضمير الشريعة في وسط هذا الضجيج بحديثٍ نبويٍّ موجز يجعل الفراغ نعمة ذات حساب، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاريّ في صحيحه: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ".

ويضع ابن القيم الميزان في موضعه حين يقول في "الفوائد" (ص59): 
"إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها"، فتغدو العبودية في حقيقتها استردادا للوقت من قاتله واستردادا للقلب من تشتته واستردادا للإنسان من انكبابه على وجهه.


وتجيء الحكمةُ الأولى من حِكَمِ ابن عطاء الله السكندريّ لتأكيد هذا المشهد كأنها ميزانٌ يُوزن به قلبُ الإنسان الحديث في لحظةٍ واحدة، إذ يقول: 

"من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرّجاء عند وجود الزلل"، فإذا جعل القلبُ عملَه عمادَ وجوده صار رجاؤه تابعا لسلامة الأداء فيبدأ القصور من أعماق الإنسان ابتداء ثمّ يظهر في العمل، لأن القلب حين يربط قيمته بسلامة الأداء وحدها يجعل مصيره معلقا على ميزانٍ سريع التقلب، 

تبدأ النّجاة حين يعيد الإنسان ترتيب ما في داخله، فيقدّم العبودية على التملّك ويجعل الغاية فوق التفاصيل الاستعراضيّة، ويجعل الوجهة أعلى وأهمّ من صخب اللحظة العابرة في الطريق، فتتحول الاستقامة إلى عادةٍ يوميةٍ متصلة، ويصير السير على الصراط المستقيم أثرا ممتدا لاتصال القلب بالله

فيصير كلّ تعثرٍ عنده كأنّه سقوط وكلّ نقصٍ كأنّه هدمٌ لمعناه. وتبدأ النّجاة حين يعيد الإنسان ترتيب ما في داخله، فيقدّم العبودية على التملّك ويجعل الغاية فوق التفاصيل الاستعراضيّة، ويجعل الوجهة أعلى وأهمّ من صخب اللحظة العابرة في الطريق، فتتحول الاستقامة إلى عادةٍ يوميةٍ متصلة، ويصير السير على الصراط المستقيم أثرا ممتدا لاتصال القلب بالله تعالى وليس مجرد حركةٍ تنفيذيّة سلوكيّة على الطريق.

ويظهر هذا المخرج يوم يستعيد الإنسان نفسَه من بين الأصوات المتراكمة، فيقيم في قلبه سكينة تردّ إليه الفهم بعد أن بعثرته العجلة، ويأخذ خلوة قصيرة يراجع فيها حسابه ويعيد ترتيب أولوياته ويقيم عبادته بحضورٍ يلين به قلبه، ويجعل القراءة غذاء للعقل يعيد إليه نظامه بعد فوضى المؤثرات، ويختار صحبة صالحة تشدّ عضده عند المنعطفات، ويثبت له مقصدٌ واضح يلمّ شعث يومه ويجمع مبعثره، فيخرج إلى العالم وقد استقام باطنه فاستقامت خطواته فيمشي على الأرض وقلبه مرفوع إلى جهة السماء.

وتجيء خاتمة الآية ميزانا مفتوحا لكل إنسان في كل زمان: 

"أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الملك: 22)؛ فالمشي المكبّ يورث ضيق المعنى وتيه الوجهة واحتراق الداخل، ولكنّ المشي السويّ يورث سكينة القلب ووضوح الطريق ورشد العمل، وحين يختار الإنسان الاستواء في الباطن قبل الاستواء في الظاهر ويردّ أدوات الحداثة إلى موضعها ويجعلها خادمة لمعنى أعلى، ويعيد تعريف النجاح بما يليق بكرامة الإنسان وحقيقة العبودية وأفق الآخرة، يصير في الدنيا عاملا بالحق ثابتا على المقصد عارفا بربه مستقيما في مشيته، فلا يبرحُ حتى يبلغ.

x.com/muhammadkhm




الاتفاق الأمريكي الإيراني... معركة الروايات

الاتفاق الأمريكي الإيراني... معركة الروايات

 . حسن الرشيدي

أوقف الاتفاق الأمريكي الإيراني المواجهة، لكنه في المقابل فتح حرباً أخرى: حرب الروايات والتفسيرات. فبينما يعلن طرف انتصاره، ويقدم الاتفاق بوصفه مكسباً تاريخياً، يبقى السؤال: على ماذا اتفقت واشنطن وطهران؟ وما الذي ما زال عالقاً خلف أبواب التفاوض المغلقة؟


أخيرًا بعد الكثير من الشد والجذب، وصل الطرفان إلى

 اتفاق، وإلى صيغة معينة، أطلق عليها مذكرة التفاهم،

 أدت إلى الإعلان عن انتهاء الحرب بين كل من

 أمريكا وإيران.

ولكن قبل أن نشرع في تحليل هذا الاتفاق وتداعياته

 على المنطقة، علينا أن نعرف أولا ماهية بنود هذا

 الاتفاق؟

فحتى نهاية يوم الاثنين ١٥ يونيو، فإن النص الرسمي

 للاتفاق، والوثيقة القانونية بتفاصيلها الدقيقة، لا تزال

 طي الكتمان ولم تُطرح للإعلام، وأكدت ذلك شبكة

CNN في تغطيتها، حيث ذكرت أنه لم تُنشر تفاصيل

 الاتفاق على الفور، على الرغم من أنه تم التوقيع

 عليها إلكترونياً يوم الاثنين 15 يونيو من قِبل الرئيس

 الأمريكي دونالد ترامب ورئيس البرلمان الإيراني

 محمد باقر قاليباف بوساطة باكستانية.

وربما يتم نشرها رسميا، عقب أن يتم التوقيع الرسمي

 عليها يوم الجمعة المقبل في مدينة جنيف السويسرية.


وفي غياب النص الرسمي للوثيقة، تخوض الأطراف

 معركة سرديات لفرض تفسيرها الخاص للاتفاق، بناءً

 على التصريحات الرسمية والتسريبات الإعلامية

 الصادرة في الساعات الماضية، حيث جرى سجال

 إعلامي أشبه بمعارك كلامية تحزب لها جماهير كل

 طرف.

ولكن الأمانة العلمية تقتضي فرز بنود المذكرة بدقة إلى

 مساحتين: ما تم التوافق عليه بصمت أو علناً، وما

 تفجر حوله الخلاف والتكذيب.


أولاً: البنود المتوافق عليها (لم تشهد اعتراضاً علنياً)

هذه هي الخطوط العريضة التي أكدتها أمريكا وإيران،

 وباركتها أطراف دولية مثل الأمم المتحدة، ولم تخرج

 أي تصريحات تنفيها:


١- الوقف الشامل والدائم لإطلاق النار: إنهاء العمليات

 العسكرية المباشرة على كافة الجبهات. وقد تم تأكيد

 شمول الساحة اللبنانية في هذا البند، وهو ما تُرجم

 عملياً بإعلان مسؤولين في حزب الله إيقاف العمليات.


٢- فك الحصار البحري: التزام الولايات المتحدة برفع

 الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.


٣- فتح الممرات المائية: التزام إيران المبدئي بفتح

 مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية وتدفق

 الطاقة.

٤- الإطار الزمني للمفاوضات: تحديد فترة 60 يوماً

 للتفاوض حول التفاصيل المعقدة وعلى رأسها الملف

 النووي للوصول إلى تسوية نهائية دائمة.


ثانياً: البنود الخلافية (التي جرى تكذيبها أو تباينت التفسيرات حولها بشدة)


هنا تكمن التفخيخات الحقيقية للاتفاق، حيث يتحدث كل طرف لجمهوره الداخلي بتفسيرات تتناقض تماماً مع الطرف الآخر:

1. إدارة مضيق هرمز ورسوم العبور:

الرواية الإيرانية: صرح وزير الخارجية الإيراني

 عباس عراقجي أن المضيق يخضع للسيادة الإيرانية-

العمانية، وأن إيران ستدير حركة المرور وتفرض

 رسوم خدمات (وهو التفاف على مصطلح الضرائب

 أو الرسوم الإجبارية). كما أشار إلى مسارات آمنة

 للسفن المدنية بقواعد تختلف عن غيرها.


الرفض الأمريكي: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد

 ترامب صراحة أن الاتفاق ينص على فتح المضيق

 بدون أي رسوم واستخدم المصطلح الانجليزي

 (Toll-free)، بينما أكد مسؤولون أمريكيون لوسائل

 الإعلام أن ترك إدارة المضيق لإيران أمر مرفوض

 تماماً، ويضر بالمصالح الأمريكية.

2. مصير اليورانيوم عالي التخصيب والبرنامج النووي:


تتلخص الرواية الأمريكية، في تصريحات ترامب،

والتي ذكر فيها أن الاتفاق يمنع إيران من التخصيب،

 بل ويسمح للولايات المتحدة بالدخول ومصادرة

اليورانيوم عالي التخصيب الموجود لدى إيران لخلطه

 أو تدميره.

وهنا جاء الاعتراض الإيراني، ومضمونه هو رفض

 إيران المساس الفوري ببرنامجها وتعتبر أن المرحلة

 الأولى من الاتفاق مخصصة لإنهاء الحرب والمكاسب

 الاقتصادية فقط، بينما يُرحّل الملف النووي للمرحلة

 الثانية (مفاوضات الـ 60 يوماً)، في محاولة لتقليل

ورقة الضغط الأمريكية قبل تقديم أي تنازل نووي.


3. الإفراج عن الأموال المجمدة:

هناك تسريب إيراني، نشرته وكالة مهر الإيرانية

 المقربة من الدولة في مسودة مزعومة من 14 بنداً،

 تدعي أن الاتفاق يشمل الإفراج عن 24 مليار دولار

 من الأصول الإيرانية المجمدة خلال فترة الـ 60

 يوماً، وتعهداً أمريكياً بعدم التدخل في شؤون إيران

 الداخلية.

بينما على الطرف الآخر، هناك تجاهل بل يصل إلى

 التكذيب الأمريكي، لم يؤكد أي مسؤول أمريكي هذا

 البند نهائياً. ويُنظر إلى هذا التسريب الإيراني على أنه

 محاولة لفرض أمر واقع إعلامي؛ حيث إن الإفراج

 عن مبلغ ضخم كهذا قبل حل معضلة اليورانيوم سيفقد

 واشنطن أهم أوراق ضغطها.


ثالثاً: جبهات الاعتراض والرفض الصريح

لم يمر الاتفاق بسلاسة داخل أروقة الحلفاء أو الداخل،

وقد برزت معارضات واضحة:

هذه الاعتراضات على تلك الاتفاقية، تبين لنا ما خفي

من بنود هذا الاتفاق، لذلك سنحاول استعراض تلك

 المعارضة داخل كل طرف من الأطراف الرئيسة

 الثلاثة لعلنا نفهم الى حد ما تم الاتفاق عليه.

أولاً المعارضة داخل إيران

تتزعم جبهة بايداري في إيران حملة الرفض لتلك

 الاتفاقية، وبايداري تعني بالفارسية الصمود أو

 الاستقرار، واسمها الرسمي: جبهة الصمود للثورة

 الإسلامية، وهي واحدة من أكثر الكتل السياسية

 والأيديولوجية تشدداً وراديكالية داخل المعسكر المحافظ في إيران.

وتأسست تلك الجبهة رسمياً في عام 2011، وتُعتبر المظلة التي يتجمع تحتها الجناح الأكثر يمينية في السياسة الإيرانية.

والآن تقود تلك الجبهة حملة رفض قاطعة لأي تفاوض مع الولايات المتحدة، وقد نُظمت احتجاجات صغيرة في عدة مدن. هذا الضغط الداخلي أجبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على الخروج بتصريحات تبريرية تؤكد أن التفاوض لا يعني التخلي عن مبادئ الجمهورية.

وقد سبق وأن خاضت هذه الجبهة المعارضة الشرسة للاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) الذي أُبرم عام 2015 في عهد الرئيس حسن روحاني، واعتبروه تنازلاً مهيناً. لذلك، من الطبيعي أن يكونوا رأس الحربة في معارضة مذكرة التفاهم الحالية التي تم توقيعها مع إدارة ترامب.

ومن أبرز الشخصيات والرموز لجبهة المعارضة تلك، سعيد جليلي، ورغم أنه قد لا يطرح نفسه دائماً كعضو تنظيمي رسمي فيها، إلا أن المرشح الرئاسي والمفاوض النووي السابق سعيد جليلي يُعتبر الممثل الأبرز لخطهم الأيديولوجي في الانتخابات.

وهناك أيضا صادق محصولي، ويشغل الأمين العام الحالي للجبهة، وهو وزير داخلية سابق وملياردير يُعد الممول الرئيسي للتيار.

ومن بين أشهر رموزهم مرتضى آقا طهراني، وهو رجل دين بارز وزعيم الكتلة البرلمانية للجبهة.

وتمتلك بايداري نفوذاً واسعاً في البرلمان الإيراني، ومؤسسات الحرس الثوري.

ويستخدمون منابرهم البرلمانية والإعلامية للضغط على الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، متهمين إياهم بتقديم تنازلات تمس الكرامة الوطنية والبرنامج النووي من أجل سراب اقتصادي.

ويشكلون حاليا التهديد الداخلي الأكبر لإفشال فترة الـ 60 يوماً التفاوضية، حيث يسعون لفرض خطوط حمراء تشريعية تمنع الحكومة من تقديم أي تنازلات حقيقية للأمريكيين.

ثانيا المعارضة داخل الكيان الصهيوني

شهدت الساحة السياسية الصهيونية بمختلف أطيافها حالة من الغليان والصدمة عقب الإعلان عن بعض تفاصيل مذكرة التفاهم. المفارقة هنا أن هناك إجماعاً نادراً بين الحكومة والمعارضة على رفض الاتفاق واعتباره كارثة استراتيجية وطوق نجاة قُدم للنظام الإيراني.

فحكومة الكيان تحاول موازنة غضبها من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع ضرورة الحفاظ على حرية العمل العسكري.

فبنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء)، يحاول السير على حبل مشدود؛ لتجنب الصدام المباشر والشخصي مع ترامب، لكنه رفض الاتفاق عملياً. وصرح نتنياهو بوضوح: "هذا قرار ترامب وهو من يقوده، وقد أبديت رأيي في محادثاتنا.. ولكن لدينا مصالحنا". وقد أبلغ ترامب صراحة بأن الكيان غير ملزم بالبند الخاص بلبنان، ولن يقبل بالانسحاب من الأراضي التي توغل فيها.

أمايسرائيل كاتس، وزير الدفاع، فقد جاء رده ميدانياً وصارماً، حيث أعلن أن اتفاق أمريكا وإيران لن يوقف عمليات الجيش الصهيوني، وأن الجيش سيبقى في المناطق العازلة التي أقامها في لبنان وسوريا وغزة إلى أجل غير مسمى، رافضاً أي تراجع استجابة للضغوط الأمريكية.

أماإيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي)، فقد كان هجومه مباشراً على الإدارة الأمريكية، حيث نشر على منصة إكس أن "اتفاق ترامب لا يلزمنا بشيء، وأن اسرائيل (الكيان) ليست جمهورية موز أو دولة تابعة للولايات المتحدة، وطالب بمواصلة تفكيك قدرات حزب الله مهما كان الثمن.

والملفت للنظر في هذا المشهد هو حالة الشعور بالخيانة في الأوساط اليمينية الصهيونية تجاه ترامب. وقد تجلى ذلك في خروج إعلاميين مقربين جداً من نتنياهو (مثل ينون ماجال في القناة 14) بهجوم غير مسبوق وبألفاظ نابية ضد ترامب ونائبه جي دي فانس ومبعوثيه، واصفين إياهم بأنهم تخلوا عن الكيان من أجل إبرام صفقة نفطية وملاحية.

ثالثا، المعارضة في أمريكا

تُمثل المعارضة داخل الولايات المتحدة وتحديداً من داخل الحزب الجمهوري والتيار اليميني، إحدى أكثر زوايا هذا الاتفاق تعقيداً ومفارقة. فنحن أمام مشهد سياسي استثنائي: الرئيس الجمهوري دونالد ترامب هو من هندس ووافق على هذه المذكرة، ومع ذلك، فإن أشرس الانتقادات تأتي من داخل خندقه السياسي، مما يخلق شرخاً واضحاً بين براغماتية الرئاسة ، وأيديولوجية اليمين المحافظ.

تتوزع المعارضة داخل المعسكر اليميني الأمريكي تجاه المذكرة على ثلاثة تيارات رئيسية، يجمع بينها عدم الثقة في إيران، لكنها تختلف في مبررات رفضها لاتفاق ترامب:

في طليعة المعارضين يبرز صقور الكونجرس، وعلى رأسهم شخصيات مثل السيناتور توم كوتون وليندسي غراهام. حيث يرون أن التراجع عن الخيار العسكري ورفع الحصار البحري يمثلان انهياراً لمنظومة الردع الأمريكية. بالنسبة لهم، لا جدوى من اتفاق إطاري مؤقت، ويطالبون بألا يكون هناك أي حديث عن تهدئة أو رفع عقوبات قبل تفكيك كامل وشامل، وغير قابل للرجوع  للبرنامج الصاروخي والنووي الإيراني، معتبرين أن أي تساهل هو رسالة ضعف تضر بهيبة واشنطن العالمية.

أما الإنجيليون المحافظون، الذين يمثلون الركيزة العقائدية والأخلاقية للقاعدة الانتخابية الجمهورية، فيتخذون موقفاً ينبع من أساس ديني سياسي يعتبر أمن الكيان خطاً أحمر لا يقبل المساومة. هؤلاء يرون في بند وقف العمليات العسكرية خذلاناً لا يغتفر للحليف الصهيوني، معتبرين أن أي اتفاق يمنع الكيان من استكمال عملياته لتدمير البنية التحتية لحزب الله هو إجهاض لمصلحة استراتيجية وأخلاقية عليا، وهو ما يجعلهم في حالة صدام مباشر مع التوجه البراغماتي الذي يقوده ترامب حالياً.

في حين يأتي تيار ماجا (امريكا أولا) الراديكالي، وهو الأكثر التصاقاً بترامب تاريخياً، ليقدم نوعاً مختلفاً من المعارضة يمتزج فيها الولاء بالشك. فهؤلاء يرفضون أي التزامات قد تُبقي الولايات المتحدة متورطة في حماية ممرات مائية بضمانات هشة أو اتفاقات دبلوماسية تقليدية. هم يميلون أكثر إلى شعارات الضغط الأقصى فقط، ويرون أن الانخراط في عملية تفاوضية مع النظام الإيراني بغض النظر عن تفاصيلها يتناقض مع الوعود الانتخابية التي قامت عليها حركتهم، معبرين عن مخاوفهم من أن تؤدي هذه المذكرة إلى إطالة أمد التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط بدلاً من إنهائه.

هذا التنوع في المعارضة يضع إدارة ترامب في مأزق سياسي خانق؛ فبينما تحاول الإدارة تسويق الاتفاق باعتباره إنجازاً براغماتياً، يخدم مصالح أمريكا الاقتصادية ويخفض أسعار النفط، يجد الحلفاء في الكونغرس أنفسهم أمام مذكرة تفتح جبهات نقد داخلية قد تعرقل تحويل هذا الإطار المبدئي إلى اتفاق نهائي ومستقر.

الخلاصة

يمكن ما أعلن عنه من مذكرة التفاهم بأنها هدنة هشّة محفوفة بتناقضات حادة، حيث يرفض الصقور في كل من أمريكا والكيان تقديم مكاسب اقتصادية لإيران قبل تفكيك قدراتها، بينما يراها المتشددون في إيران تراجعاً ثورياً.

هذا الإجماع العابر للحدود على رفض النهج البراغماتي يضع الاتفاق أمام اختبار صعب؛ إذ تُنذر ضغوط المعارضين وحملات التخوين المتبادلة بإجهاض فترة الـ 60 يوماً التفاوضية، محولةً المذكرة من مسار للتهدئة إلى فتيل لأزمات سياسية داخلية عميقة في العواصم الثلاث.