الجمعة، 8 مايو 2026

تركيا المسلمة.. عنوان المنعرج السياسي الإسلامي إضاءات سياسية ومنعرجات تاريخية

 تركيا المسلمة.. عنوان المنعرج السياسي الإسلامي
إضاءات سياسية ومنعرجات تاريخية

  مضر أبو الهيجاء

من نافلة القول إن العالم اليوم يعيش حالة تحوّل تاريخي تتكرر تقريبًا كل مئة عام، وهي تحوّلات طبيعية تأتي في سياق سنني قائم على التدافع بين الحق والباطل.

وكما أن الباطل يشهد تراجعًا حقيقيًا نتيجة بنيته القائمة على معاداة الفطرة الكونية والبشرية التي خلقها الله، فإن الحق مؤهّل – دون غيره – لتولّي زمام المبادرة وريادة الحضارة البشرية، باعتباره منسجمًا مع الحق الإلهي ومتوافقًا مع الفطرة الكونية والإنسانية.

إن حجم الظلم العالمي بلغ مستوى غير مسبوق، إذ لم يترك جغرافيا ولا دولة ولا شعبًا ولا مجالًا إلا وامتد إليه، سواء في الإنسان أو البيئة أو العمران. ويزداد هذا الظلم تعقيدًا وعمقًا كلما ازداد تغوّلًا واستعلاءً دون رادع حقيقي، وهو ما يعكس واقع النظام الدولي المعاصر، حيث تهيمن الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قطبًا أحاديًا يدير العالم بقدر كبير من العبث والجهل والظلم والطغيان.

ولا شك أن محاولات الإصلاح والنهضة والتغيير في العالم الإسلامي لم تتوقف طوال القرن الماضي، وقد أحرزت إنجازات مهمة في مجالات متعددة، إلا أنها لم تحقق النجاح المنشود، ولم تبلغ الأهداف التي رُسمت لها، رغم عظم التضحيات وصدق النوايا وكثافة الجهود المبذولة.

ويمكن الوقوف عند ثلاثة نماذج بارزة من المشاريع الإسلامية التي بذلت جهودًا عظيمة وقدّمت تضحيات جليلة، لكنها لم تنجح – حتى الآن – في تحقيق الغايات المرجوة، وذلك بغضّ النظر عن جوانب الخير التي تحققت من خلالها:

أولًا:

نموذج جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث وصلت إلى السلطة عقب ثورة 2011، وتولّى مرشحها محمد مرسي رئاسة الجمهورية عام 2012. إلا أن هذه التجربة انتهت سريعًا بخروج الجماعة من الحكم، وتلا ذلك تراجع مشروعها السياسي والدعوي، وتفكك بنيتها التنظيمية، وانحسار تأثير الإسلام السياسي في مصر.

ثانيًا:

نموذج حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي انطلقت بهدف تحرير فلسطين وإقامة الدين، وقدّمت في هذا المسار تضحيات كبيرة من الشعب الفلسطيني ومن داعميه في العالمين العربي والإسلامي. ورغم هذه التضحيات والمعارك المتكررة، لم تتمكن الحركة من تحقيق اختراق استراتيجي حاسم في مواجهة إسرائيل، كما واجهت تحديات أثّرت على صورتها ومكانتها لدى بعض شرائح الأمة -بسبب حلفها مع مشروع ملالي إيران-، بما في ذلك اتهامات وتشويهات أضرّت برصيدها المعنوي وعموم القضية الفلسطينية، رغم كون حماس حركة سنية في المعتقد والانتماء والسلوك.

ثالثًا:

نموذج الثورة السورية، التي تُعد من أعظم الثورات في العصر الحديث من حيث حجم التضحيات واتساع المشاركة الشعبية. 

وقد انطلقت لتحقيق هدفين رئيسيين: إزالة النظام القائم، وبناء دولة تقوم على العدل وتستعيد الهوية الإسلامية. ورغم ما تحقق من تحولات ميدانية وسياسية في بعض المراحل، فإن الثورة -باعتبار أهدافها الأولى- لم تنجح في تحقيق أهدافها المركزية، خاصة فيما يتعلق ببناء نظام مستقر يعكس المرجعية التي انطلقت منها. وهذا التقييم لا ينتقص من قيمة الثورة ولا من تضحيات شعبها، بل يسعى إلى توصيف موضوعي للنتائج بعيدًا عن المبالغات أو التصورات غير الواقعية.

وبناءً على ما سبق، فإن استعراض هذه النماذج الثلاثة -التي تجمع بين سلامة المنطلق، وصدق الجهد، وعِظم التضحيات- يكشف عن فجوة بين الإمكانات والنتائج في ميزان المنطلقات والأهداف، ويطرح تساؤلًا جوهريًا يتمثل في: كيف يمكن للمسلمين استعادة دورهم الحضاري، والاستفادة من التحولات الدولية والإقليمية الراهنة بما يخدم مصالحهم ويحقق نهضتهم المنشودة؟

تركيا المنتمية: ركيزة الشأن السياسي الإسلامي

تمثّل تركيا في العقدين الأخيرين أحد أبرز النماذج التي يُشار إليها عند الحديث عن التحوّلات السياسية في العالم الإسلامي، حيث برزت بوصفها حالة فريدة تجمع بين الهوية الإسلامية والإدارة السياسية في عالم متلاطم الأمواج والاستهداف من قبل المشاريع المعادية. وقد تزامن صعودها مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، في تجربة أعادت تجسيد العلاقة بين الإسلام كهوية وانتماء والسياسة في سياق عملي شديد التعقيد.

لقد استطاعت تركيا، خلال هذه المرحلة، أن تحقق قدرًا ملحوظًا من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، إلى جانب تعزيز حضورها الإقليمي والدولي. كما قدّمت نموذجًا مغايرًا لبعض التجارب الإسلامية الأخرى، من حيث قدرتها على التكيّف مع تعقيدات ومخاطر النظام الدولي دون التفريط الكامل بمرجعيتها الثقافية وانتمائها الإسلامي، الأمر الذي يشهد عليه موقف أردوغان السياسي تجاه النظام المصري قبل وبعد الانقلاب كما يشهد عليه موقفه الابتدائي والنهائي تجاه الثورة السورية وكذلك موقفه العالي وإصراره الكبير على رفض وصف حركة حماس بالإرهاب واعتبارها حركة مقاومة مشروعة ضد الاحتلال.

من آفات الصراع بين المسلمين ومشروع ودين ولي الفقيه الإيراني.

من أخطرِ آفاتِ الصراعِ الذي رعاه -بدرجاتٍ مختلفة- الغربُ الصليبيُّ بين المسلمين ومشروعِ ولايةِ الفقيهِ الإيرانيِّ، هو تحويلُ النظرِ الإسلاميِّ من الإشكالِ الحقيقيِّ الذي تعاني منه شعوبُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ ودولُها، نحو الإشكالِ الموهومِ والدخيلِ عليها.

معضلةُ الأمةِ سياسيةٌ وليست مذهبية

إنَّ المعضلةَ الحقيقيةَ التي تعانيها الأمةُ منذ قرنٍ كاملٍ هي معضلةٌ وإشكاليةٌ سياسيةٌ بالدرجةِ الأولى، وليست مذهبيةً ولا دينيةً؛ إذ شهدتْ حواضرُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ صورةً فريدةً في تاريخِ البشريةِ من حيثُ التعايشُ مع المخالفين في المذهبِ والدين. ولا تزالُ بلادُ المغربِ العربيِّ، ومصرُ، والشامُ، والعراقُ، وتركيا، وفلسطين شاهدًا كبيرًا على أنَّ الإشكاليةَ المذهبيةَ والطائفيةَ مفتعلةٌ من قبلِ المشاريعِ المعاديةِ للنيلِ من الأمة.

ورغم أنَّ الغربَ الصليبيَّ قد حقق -من خلالِ مشروعِ ملالي إيران- ما لم يحققه من خلالِ المشروعِ الصهيونيِّ من حيثُ التدميرُ والتخريب، إلا أنَّ الأرضيةَ الأساسَ، والمشكلةَ الكبرى التي تعاني منها الأمةُ، تبقى سياسيةً بامتياز؛ الأمرُ الذي يُوجبُ على المسلمين بلورةَ تصورٍ ناضجٍ، ومقاربةٍ موفَّقةٍ في كيفيةِ التعاملِ مع التحدي المذهبيِّ الطائفيِّ المفتعل، بحيثُ يُعطى حجمَه المرحلي الدقيق، ولا يكونُ على حسابِ التعاملِ الناضجِ مع الإشكالِ السياسيِّ الحقيقي والذي يشكّل معضلة أمام انعتاق دول وشعوب المنطقة من الهيمنة الغربيّة الصليبية.

أرضُ الشامِ على حافةِ الانهيار

تقفُ أرضُ الشامِ، والتجربةُ الإسلاميةُ الواعدةُ فيها، على المحكِّ وأمام اختبارٍ حقيقيٍّ يكشفُ حجمَ النضجِ فيها؛ لا سيما وأنَّ المسُتخرِب الأمريكيَّ يسعى —ليلَ نهار— بخطواتٍ حثيثةٍ إلى إعادةِ هندستها كما هندسَ “سورية الأولى”، وإذا كان مهندسها الأول كيسنجر فإن مهندس سورية الثانية هو توم براك.

ومن هنا، فإنَّ تعاظمَ الاحترابِ الطائفيِّ والمذهبيِّ في سورية يُعدُّ مفتعلًا عبر إرادةٍ وتخطيطٍ غربيٍّ، واستدراجًا لعمومِ الشرائحِ السورية، التي لم تستفد -على ما يبدو- من تجاربِ إدارةِ الصراعاتِ في المنطقة خلال العقودِ الأخيرة.

تهافتُ بعضِ القادة والنخب من الإسلاميين

من المؤلمِ أنَّ بعضَ الإسلاميين من الدعاةِ والعوام قد سقطوا في إختبار الدور الإيراني مرتين؛ الأمرُ الذي يشيرُ إلى أنَّ كثيرًا من المواقفِ تُقادُ إليها النخب عبر استدراجٍ مدروسٍ. فقد حرص الغربُ على استيعابِ المنظومةِ الإيرانيةِ للمقاومةِ الفلسطينية، بهدفِ إضعافِها وصناعةِ فجوةٍ بينها وبين محيطها العربيِّ والإسلامي، وهو ما تحقق بدرجاتٍ متفاوتة!

ثمَّ إنَّ تحوُّلَ قطاعاتٍ واسعةٍ من الإسلاميين اليوم إلى حال احترابٍ واستعدادٍ لمواجهةِ إيران، يجري -في بعضِ صوره- ضمن سياقِ استدراجٍ معاكسٍ، يسعى إلى تكريسِ صراعٍ طائفيٍّ ومذهبيٍّ داخل الدولِ العربية، بدءًا بسورية بوصفها بيئةً خصبةً وهشّة!

وفي كلا الحالتين، يظهرُ الموقفُ الإسلاميُّ هشًّا ومضطربًا، حتى وإن بدا في ظاهره صوابًا؛ وذلك لكونه غافلًا عن طبيعةِ المخططاتِ الكبرى، وغير مدركٍ لمصالحِ الشعوبِ والدول، ومغيّبًا عن استحقاقاتِ التحدي السياسيِّ الحقيقي.

تركيا ركيزةٌ إقليميةٌ فاعلة

من نافلةِ القولِ الإشارةُ إلى أنَّ المشروعَ الإسرائيليَّ -بوصفه ذراعًا متقدمًا للسياسةِ الأمريكية- يمتلكُ قدرةً عاليةً على التأثيرِ في البيئةِ السورية، لا سيما بعد ما شهدته البلادُ من تدمير خلال العقودِ الماضية.

ومن هنا، فإنَّ النقاشَ حول موقعِ تركيا ودورها الإقليمي يبرزُ بوصفه أحدَ عناصرِ التفكيرِ الاستراتيجيِّ لدى الناضجين في المنطقة، خاصة في ظلِّ القربِ الجغرافيِّ والتداخلِ التاريخيِّ والسياسيِّ. غير أنَّ أيَّ مقاربةٍ في هذا السياق تستدعي قراءةً متأنيةً للمصالحِ المتبادلة، والتفكير بالاندماجِ أو التوأمة، بما يحققُ مصلحةَ الشعوبِ ويحفظُ أرضها وقرارها.

تحولاتُ النظامِ الدولي وفرصُ الفاعلين

لا يخفى على المتابعِ للمشهدِ الدوليِّ أنَّ حالةَ إعادةِ التشكلِ في النظامِ العالميِّ تتسارع، وأنَّ هدوءَ المواجهاتِ المباشرةِ لا يعني بالضرورةِ تراجعَ حدةِ التنافسِ بين القوى الكبرى. وفي ظلِّ صعودِ قوى دوليةٍ جديدةٍ، وتراجعِ نمطِ الأحاديةِ القطبية، تبرزُ إمكاناتٌ وفرصٌ لإعادةِ تموضعِ العرب والمسلمين ولكن بشروط.

في هذا السياق، فإنَّ بناءَ موقعٍ فاعلٍ للعالمِ العربي والإسلاميِّ يتطلبُ قدرًا عاليًا من النضجِ السياسيِّ، وتجاوزَ أنماطِ الاستقطابِ الحادِّ، والعملَ على صياغةِ رؤيةٍ استراتيجيةٍ مستقلةٍ تستندُ إلى المصالحِ المشتركة، وتوازنُ بين التحدياتِ والفرص، وهنا تبرز #تركيا #الشوكة.

الخلاصة:

يمكنُ القولُ إنَّ جوهرَ الإشكالِ الذي تعانيه المنطقةُ -بدولِها العربيةِ والإسلامية- هو إشكالٌ سياسيٌّ في المقامِ الأول، وأنَّ تضخيمَ البعدِ الطائفيِّ والمذهبيِّ يُسهمُ في تشتيتِ الجهدِ واستنزاف الطاقات، وإضعافِ القدرةِ على معالجةِ التحدياتِ الحقيقية؛ وهو مسارٌ تُديره قوى دوليةٌ بقدرٍ عالٍ من الاحتراف، عبر توجيهِ التفاعلاتِ في اتجاهاتٍ متناقضةٍ، تُفضي -في محصلتها- إلى خدمةِ أهدافٍ مرحليةٍ للخصوم.

ومن ثمَّ، فإنَّ أيَّ مشروعٍ إصلاحيٍّ أو نهضويٍّ لا بدَّ أن ينطلقَ من قراءةٍ دقيقةٍ لطبيعةِ الصراع، وللأطرافِ الفاعلةِ فيه، وأدواتِه، ومآلاتِه، بما يضمنُ توجيهَ الطاقاتِ نحو ما يخدمُ استقرارَ الشعوبِ وتحقيقَ تطلعاتِها، ويحولُ دون استنزافِها في مساراتٍ لا تُسهمُ في بناءِ دولنا ولا في تعزيزِ قدراتِها ولا النهوض بأحوال شعوب أمتنا.

وفي ظلِّ تصاعدِ التنافسِ الدوليِّ، يُتوقَّعُ أن يشهدَ العالمُ مزيدًا من إعادةِ التشكلِ في موازينِ القوى، بما يفضي إلى بروزِ أقطابٍ ومحاورَ جديدة، وتراجعِ أنماطِ الأحاديةِ في إدارةِ النظامِ الدولي. وهو ما يفتحُ المجالَ أمام الفاعلين في العالمين العربيِّ والإسلاميِّ للاستفادةِ من المساحاتِ التي يُنتجها هذا التحول، إذا ما أُحسنَ توظيفُها ضمن رؤيةٍ استراتيجيةٍ ناضجة.

وفي ظلِّ ما تعانيهُ كثيرٌ من الدولِ العربيةِ من تآكلٍ في البنيةِ السياسيةِ ووجود فجوات حقيقية بين الشعوب والحكام، تبرزُ الحاجةُ إلى دراسةِ إمكاناتِ بناءِ تكتلاتٍ إقليميةٍ فاعلة، تنطلق من وحدة الهوية الثقافية وتستندُ إلى المصالحِ المشتركة، وتُعزِّزُ القدرةَ على مواجهةِ التحديات. وفي هذا السياق، يُطرحُ الدورُ التركيُّ بوصفه أحدَ العناصرِ الممكنةِ في معادلةِ التوازنِ الإقليمي، نظرًا لما تمتلكهُ تركيا الجديدة والمنتمية من مقوماتٍ وخبرة سياسيةٍ واقتصاديةٍ ونجاحات عسكريةٍ، إضافةً إلى امتداداتٍ تاريخيةٍ وثقافيةٍ مع محيطها، وقد أكَّدَتِ القيادةُ التركيةُ -في ظلِّ أردوغان- انتماءَها وانحيازَها لخصوصِ شعوبِ المنطقةِ العربيةِ والكرديةِ، وعمومِ الشعوبِ الإسلاميةِ.

تركيا: موقعٌ مؤهل في معادلاتِ التوازن

تشيرُ التجربةُ التركيةُ في بعدها السياسيِّ إلى تحولاتٍ لافتةٍ خلال العقودِ الأخيرة، سواء على مستوى بناءِ المؤسسات، أو تطويرِ القدرات، أو توسيعِ الحضورِ الإقليمي. غير أنَّ تقييمَ هذا الدورِ يقتضي مقاربةً واقعيةً، تأخذُ في الاعتبارِ طبيعةَ المصالحِ والإشكالاتِ والتحدياتِ الداخليةِ التركيةِ، بالشكلِ الذي يُراعي الحفاظَ على فاعليتِها وحيويتِها.

سورية بين تحدي الهيمنة الإسرائيلية والتحولات الإقليمية

قَدَرُ الحالةِ السوريةِ الراهنةِ أنْ تحيا في ظلِّ تحدّي الهيمنةِ الإسرائيليةِ عليها، لاسيما بعد أن استكملَ الغربُ إضعافَها عبرَ ذراعِه الأسديِّ الطائفيِّ، وهو ما يدعوها إلى التواضعِ أمام الضرورةِ الوجوديةِ لتركيا بالنسبةِ لها.

 إنّ مسار إعادةِ البناءِ والاستقرار السياسيِّ السوري مرهون بجملةٍ من العواملِ الداخليةِ والخارجية، وفي مقدمتها طبيعةُ التوازناتِ الدوليةِ والإقليمية. ومن هنا، فإنَّ أيَّ اصطفافٍ أو تموضعٍ إقليميٍّ ينبغي أن يُقرأ ضمن سياقٍ أوسع، يوازنُ بين متطلباتِ الاستقرارِ الداخليِّ، وضروراتِ الانفتاحِ المدروسِ على الشراكاتِ الإقليمية، وأهمها وما يشكل أساسا في بناء سورية ومواجهة التحديات التي تتعرض لها هو تركيا، التي تشكل الرئة والمناعة والحماية بالنسبة لسورية.

فلسطين وتصحيحُ قبلةِ التحالفات!

دخلتْ فلسطينُ في صحراءِ التيهِ منذُ تحالفتْ مع مشاريعِ الأعداءِ، فهل تُعيدُ النظرَ بعدَ كلِّ الخساراتِ، وتعي أنَّ مستقبلَ القضيةِ الفلسطينيةِ بينَ تركيا المنتميةِ والكتلةِ العربيةِ، فتقومُ بالتّصحيحِ الواجِب؟

الموقفُ العربيُّ ومؤشرُ الوعي السياسي

يبقى الموقفُ العربيُّ من قضايا التموضعِ السياسيِّ والاقتصاديِّ والعسكريِّ أحدَ المؤشراتِ المهمةِ على مستوى الوعيِ الاستراتيجي. فإدراكُ طبيعةِ التحولاتِ الجارية، وحسنُ تقديرِ المصالح، وبناءُ خياراتٍ قائمةٍ على التوازن بين الاستقلالِ النسبيِّ والتكاملِ الإقليمي، تمثلُ عناصرَ أساسيةً في أيِّ مشروعٍ يسعى إلى استعادةِ الاستقرارِ وتحقيقِ التنمية.

وعليه، فإنَّ السؤالَ لم يعدْ متعلِّقًا فقط بتشخيصِ الواقع، بل بمدى قدرةِ الفاعلين -كحركاتٍ سياسيةٍ ونُخَبٍ فكريةٍ- في العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ على بناءِ رؤىً عمليةٍ تُحسنُ استثمارَ الفرص، وتُقلِّلُ من كلفةِ التحديات، ضمن توازنٍ دقيقٍ بين الثوابتِ والمصالحِ، وبين الطموحِ والواقع، مع تجاوزِ النزعاتِ القُطْريةِ الضيّقةِ، والانتباهِ إلى مخاطرِ الانزلاقِ في فخِّ الاحترابِ المذهبيِّ والطائفيِّ بما يُفضي إلى استنزافِ الطاقاتِ وتشتيتِ الجهود.



فوق السلطة 491 – هل توافق على المقترح الجديد؟

فوق السلطة 491 – هل توافق على المقترح الجديد؟




فوق السلطة: العالم في "قبضة بنما" و"أحلام" هاكابي وطموح التنين
حشدت واشنطن تكتلا من 5 دول من أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (بوليفيا وكوستاريكا وغيانا وباراغواي وترينداد وتوباغو)، يستهدف تحجيم نفوذ الصين المتنامي على قناة بنما، أحد أبرز ممرات التجارة العالمية.

وجاء هذا التحرك في سياق مراقبة واشنطن الحثيثة للعلاقات الصينية الإيرانية التي تعدّها تهديدا إستراتيجيا مباشرا، لا سيما في ظل الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية منذ أشهر.

وفي المقابل، ردّت بكين بخطة اقتصادية موازية، إذ أعلنت إعفاء واردات 53 دولة أفريقية من الجمارك، في خطوة تستهدف ترسيخ مكانتها شريكا اقتصاديا أول لأفريقيا للعام الـ16 على التوالي.

وتشير هذه التحركات المتوازية إلى أن المنافسة بين القوتين تشتعل على جبهتين في آنٍ واحد: جبهة الأمريكيتين حيث تصطف واشنطن، وجبهة أفريقيا حيث تتمدد بكين.

ووفقا لحلقة (2026/5/8) ) من برنامج "فوق السلطة"، فإن هذا التنافس المحتدم لا يمنع انعقاد لقاء مرتقب يجمع رئيسَي البلدين في مايو/أيار الجاري، في مشهد يجسّد تناقضا صارخا بين لغة التكتلات المتضادة ولغة الدبلوماسية المحتاطة.

ويرتبط البلدان بهدنة تجارية هشة، تتخللها خلافات متصاعدة على الهيمنة في سوق الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة.

ويمتد أثر هذا التنافس إلى ملفات أبعد، إذ تراكمت خسائر الاقتصاد الإيراني جراء الحصار البحري الأمريكي لتبلغ ما بين 300 و500 مليون دولار يوميا.

لكن هذا الحصار يثبت محدوديته في آنٍ واحد، فقد لجأت إيران إلى مسارات برية بديلة عبر تركيا وآسيا الوسطى للتحايل على الضغط الأمريكي، وهي مسارات تستفيد بصورة غير مباشرة من الشبكات الاقتصادية التي رسّختها بكين في المنطقة على مدار سنوات.

خلاف إسرائيلي أوكراني
وعلى جبهة أخرى تعكس اتساع التشابكات الدولية، توسّع الخلاف الدبلوماسي بين كييف وتل أبيب حول سفينة حبوب وصلت إلى ميناء حيفا محملةً بما تقول أوكرانيا إنه حبوب مسروقة من مناطق تحت سيطرة موسكو.

وأشارت تقارير إلى أن هذه الشحنة ليست الأولى، إذ سبقتها 4 شحنات مماثلة، فيما لجأت كييف إلى توبيخ السفير الإسرائيلي احتجاجا، وألمح وزير الخارجية الأوكراني إلى أن العلاقات بين البلدين قد تتأثر بشكل ملموس.

وفي سياق يُعمّق التساؤلات حول التوجهات الأمريكية في المنطقة، أثار السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابي جدلا دبلوماسيا واسعا بحديثه عمّا وصفه بحق إسرائيل في الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، مستندا إلى مبررات دينية في إشارة إلى مفهوم "إسرائيل الكبرى".

وفتح هذا التصريح باب تساؤلات جدية حول مدى انسجامه مع المواقف الرسمية لإدارةالرئيس دونالد ترمب، التي تدير في الوقت ذاته مفاوضات حساسة على أكثر من جبهة إقليمية، بما فيها جبهة الضغط على الصين وشركائها الاستراتيجيين.

كما تناولت الحلقة عددا من المواضيع وهذه أبرزها:إخطار ترمب الكونغرس بانتهاء الحرب على إيران.
تناقضات بيت هيغسيث في شهادته.
زيارة الملك تشارلز لأمريكا وهدية جرس الغواصة ورسائلها الرمزية.
غزة ومبادرة الـ15 نقطة وصفقة الصواريخ الأمريكية لإسرائيل.
رفض الرجوب مصافحة ممثل إسرائيل في مؤتمر الفيفا.
دعوة سفارة واشنطن في بيروت للقاء جوزيف عون وبنيامين نتنياهو.
تدهور صحة راشد الغنوشي ومطالبات الإفراج عنه.

رسالة إلى أحد السكان الأصليين!

خواطر صعلوك

رسالة إلى أحد السكان الأصليين!

                             محمد ناصر العطوان 

صديقي علي... أسعد الله أيامك...هذه رسالة مسجلة... اسمعها كلما أردت أن تتذكر مَنْ أنت؟

تشعر أنك قديم ولا تنتمي لهذا العالم بسبب أحلامك البسيطة، وطموحاتك التي لا تُشكّل هماً لك بقدر ما تُشكّل دعاءً وهمساً بالرضا. وتحمد الله أنك لست من الذين يطاردون رغبات طفولية في الشهرة والاستهلاك، والذين أصبحوا نجوماً في السماء لأنهم نزلوا تحت المطر في الشارع من أجل إحصاء قطرات المطر حتى يموت المتفرجون من الضحك.

تنظر إلى غاية الأشياء وأصلها بالنسبة لك، وليس في رسائلها للآخرين، فلا تبحث عن «الماركة» بقدر ما تبحث عن الراحة في الاستخدام، ولا تبحث عن السيارة التي تنقلك طبقة اجتماعية للأعلى بل التي تساعدك على التنقل بين بيتك ومحيطك دون أن تضطر لبيع كليتك لتسديد أقساطها.

وكونك يا صديقي لا تقف في الطوابير المزدحمة في التنزيلات الكبرى على ما هو جديد، سواء أكان حذاءً أو هاتفاً أو حتى علبة هواء فارغة تُباع على أنها من هواء باريس، فهذا لا يعني أنك فاقد للإحساس بالزمان ومتطلباته أو المكان واحتياجاته، بقدر ما أنك تعلم جيداً أننا في بداية الطريق الطويل، وأن اللعبة ستصبح أكثر إرهاقاً مما قد يتصوّر المرء مع كل جديد يُشكّل احتياجاتنا.

أنت يا علي، بمقاييس هذا العصر «الأغبر»، مواطن «منتهي الصلاحية»، أو دعنا نقول أنك «كابوس» لخبراء التسويق والرأسمالية المتوحشة. هم يريدون كائناً يلهث، وأنت تمشي الهوينة... هم يريدون كائناً يشعر بالنقص لو لم يقتنِ «آيفون» بكاميرا تصور مسام الوجه، وأنت مازلت تظن –يا لسذاجتك الجميلة– أن الهاتف صُنع لكي نسمع صوت مَنْ نحب، لا لكي نصور طبق «الزبيدي» وننشره ليرى العالم مدى سعادتنا الكاذبة.

أعرف أنك تشعر بالغربة حين تجلس وسط «القوم» وتسمعهم يتحدثون عن «الإنفلونسر» الفلاني الذي اشترى جزيرة، وعن «الفاشينيستا» التي تطلقت لايف على التيك توك. تنظر إليهم وتشفق عليهم، وهم ينظرون إليك ويشفقون عليك... هم يرونك «دقة قديمة» تعيش خارج الزمن، وأنت تراهم «تروساً» في مفرمة تهرس أعصابهم وجيوبهم وأرواحهم، فقط لكي يظلوا في السباق. سباق لا خط نهاية له، يركضون فيه كالهامستر داخل العجلة، يتوهمون الحركة وهم في أماكنهم يراوحون.

يا صديقي، الحداثة ما بعد الحداثة وما بعد الإنسان وكل المابعديات التي يبيعونها لنا ليست تطوراً، هي «فخ»... فخ ينصبونه لك لكي تكره حياتك العادية، وتكره أثاث بيتك المريح لأنه لم يعد «موضة»، وتكره وجهك في المرآة لأنه لا يشبه وجوه «الفلاتر»، وتكره زوجتك لأنها غير منحوتة في عيادات التجميل... أنت الناجي الوحيد يا علي، لأنك قرّرت أن «الستر» أهم من «الشهرة»، وأن «البال المرتاح» أغلى من «البراند»، وأن تجلس تشرب الشاي في شرفتك بملابس البيت المريحة، أفضل ألف مرة من أن تجلس في «كافيه» فاخر، تشفط بطنك وتعدل غترتك وعقالك لكي تلتقط صورة تقول فيها للناس: «أنا سعيد... صدقوني أرجوكم!».

فيا عزيزي علي، لا تحزن لأنك «قديم»... فالذهب قديم، والآثار قديمة، والقيم قديمة. أما «الجديد» الذي يتفاخرون به، فهو غالباً «بلاستيك»؛ يلمع تحت الإضاءة، لكنه يسيح مع أول اختبار حرارة حقيقي. ابقَ كما أنت، «نشازاً» في سيمفونية التفاهة، وعاقلاً في زمن الجنون الاستهلاكي.

ودعهم يركضون خلف «الترند»، بينما نحن –أنا وأنت– نجلس هنا، نراقب المطر، ونحمد الله على نعمة العقل... ونعمة «القدم».

ودُمتم... أصليين... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

ما بعد الوظيفة.. هل نفقد هويتنا بعد التقاعد؟

ما بعد الوظيفة.. هل نفقد هويتنا بعد التقاعد؟
الكاتب: يظهر التطور الحضاري أن الوظائف البشرية تغيرت وفقا "للمعايير الاقتصادية" أكثر منها نتيجة للضرورات الإنسانية
  • ما بعد الوظيفة: قل لي من أنت، لا ماذا تعمل

تبدو الوظائف البشرية المستحدثة، القائمة على استمرارية النفعية، كالمستشارين وصناعة المحتوى الرقمي واقتصاد المنصات، عنوانا لمصائر مربكة لأولئك الذين يخافون من التقاعد، حين يحالون إليه وهم في سن يرون أنها ما زالت تشع خبرة وعطاء نحو أولئك الذين يرغبون في خوض الطريق ذاته.

فعقود متلاحقة منحت الوظائف الإنسان هوية، وصورة متناقضة للحضارة، وعالما مختلفا عما يمكن أن يكونه الإنسان. إنها، بالضرورة، مزاحم شرس للحياة الاجتماعية والنفسية المتعلقة بالذات، حيث نتخلى عن كل شيء في سبيل أن تتحقق المساعي الاقتصادية والأمن المستقبلي المتوهم.

إن ما "بين الإنساني والوظائفي" شيء في غاية الرقة والحساسية. أقصد أن ثمة خيطا رفيعا يمنح بعضنا حياة مستدامة مفعمة بالابتكار والاختيار والجمال، بينما يرى آخرون مرحلة التقاعد من الوظيفة مسافة قصيرة نحو الفناء، أو بالأحرى عقابا للذين بذلوا حياتهم في سبيل تحقيق "هوية مؤسساتية" غاب فيها التواصل الإنساني والتاريخي.

ومن أجل ذلك، يقارب هذا المقال معنى أن يكون الإنسان من دون وظيفة، في لحظة عمرية تعيد استكشاف ذواتنا التي أنهكها الالتزام بالنظام المؤسساتي.

ولفعل ذلك، نقترب أكثر من الوظيفة، بوصفها ابتكارا لا تعريفا مهنيا يختزل جوهر التدافع الإنساني، إلى جانب النظر في تنامي ظواهر استهلاكية جعلت من المستقبل هاجسا حتميا، من دون النظر إلى واقع يمكن تفعيله بشكل أكثر جمالية وفنية.

فهل ننجح في فتح مسارات إبداعية نحو ذواتنا حين تحين ساعة تقاعدها؟ أم إننا سننتظر حفنة التراب تلقى على أولئك الذين فقدوا وظائفهم، ظنا أن تجاربهم المهنية عنوان لكل شيء، إلا لذواتهم المفقودة؟

إن مفهومنا للعمل المؤسساتي تجاوز الاحتكام إلى الابتكار والإتقان والتنوع، ليصير هو الآخر وسيطا بين الإنساني والوظيفي في شكله العدواني والمخيف، الباعث على فشل حضاري وتاريخي

بين الإنساني والوظائفي

من المجحف أن ترتبط الوظائف البشرية بالجانب الاقتصادي فحسب، فثمة رهانات محفزة تجعل منها ذات بعد اجتماعي ونفسي وأخلاقي، حتى إن بعضها يمنح الإنسان حضورا مستداما في أماكن قاسية.

وبالنظر إلى معنى أن تكون الوظيفة موضوعا متعلقا بالطبيعة البشرية، فإن ميزاتها الأساسية ليست بالضرورة أن تفي بغرضها الاقتصادي، بل إن أفضلها يعد أثرا فنيا في الحضارة التي تمنح العالم ابتكارا جماليا، يجعل منها معنى يمتد نحو مستقبل لا تخشاه الذات، بقدر ما تتصالح مع واقعه لتعزز حضورها فيه.

حين تأتي الوظيفة، تتدرج معها مخاوف الفقد والصراع على المناصب العليا، وهذا من آثار التطور الذي طرأ على الوظيفة ذاتها ومعناها، إذ كانت قديما تشكل "هوية إنسانية طبيعية" وساحة صراع وهيمنة، من شأنها أن ترسم مستقبلا ناضجا غير معقد، مفعما أحيانا كثيرة بالتناقضات، كما أنها لم تكن لتفتح أبواب المنافسة إلا ضمن جوانب فنية وجمالية، أكثر من كونها بحثا عن اعتراف اجتماعي.

ويظهر التطور الحضاري أن الوظائف البشرية تغيرت وفقا "للمعايير الاقتصادية" أكثر منها نتيجة للضرورات الإنسانية، حيث عملت آلة التصنيع على إعادة إنتاج بنية مؤسساتية ذات "منطق إقطاعي" يعيث في الحقوق الأساسية للعمال والمزارعين والحرفيين والأطباء والأساتذة وغيرهم ظلما وقهرا، مقدما شيئا يسيرا مما تذروه الشركات العابرة للقارات.

حتى إن مفهومنا للعمل المؤسساتي تجاوز الاحتكام إلى الابتكار والإتقان والتنوع، ليصير هو الآخر وسيطا بين الإنساني والوظيفي في شكله العدواني والمخيف، الباعث على فشل حضاري وتاريخي.

إن النظر إلى الوظائف بوصفها "سلسلة إنتاج اقتصادي" توزع فيها المداخيل بحسب ساعات العمل، دون التفكير في أنها مصنع هويات وقيم منافسة، مسألة تختزل حقيقة "المستقبل الإنساني" المرهون بمدى استجابة الوظائف للاعتراف بالحق في الحياة.

لذلك يخشى كثيرون المستقبل وهم ينظرون إلى غيرهم وقد أحيلوا إلى التقاعد؛ مستقبل تنمو فيه الوظائف في سياق اقتصادي متوحش، بينما تتلاشى فيه الأدوار الإنسانية والاجتماعية والتعبيرية للبشر.

وما نشاهده اليوم من تمدد الآلة والروبوتات في حلقة الإنتاج يعد تحديا للحضارة الإنسانية التي تكافح للانعتاق من قيم إمبراطورية معولمة ترى في الوظائف "حقل تجارب" لإعادة صياغة العبودية الطوعية.

إن الخوف الذي يجتاحنا حين ندرك أننا سنترك مناصبنا مرتبط بكون الوظيفة هي التي تعرف الإنسان، بدل أن نمنحها معنى خاصا لكل ذات مبدعة، متفننة، تترك أثرا جميلا

البحث عن اعتراف اجتماعي

بالعودة إلى الواقع، سنرى أن كثيرين ممن أحيلوا إلى التقاعد وجدوا عالما منسيا، مكتظا بالذكريات، ومنهمكا في الطلب، ومرتميا نحو الذات، في لحظة خيل لهم فيها أن الآخرين قد تخلصوا منهم، بينما هم في الحقيقة يعيدون تعريف وظائفهم بإعطاء مساحة أكبر للجانب المغيب طيلة عقود من البذل والعطاء والتميز.

وندرك أن الإنسان، في زمن أصبحت فيه الوظيفة تمنحه هوية ومعنى وحضورا، لا يجد من السهل طي صفحة مثقلة باعتراف اجتماعي عنوانه الوظيفة، حيث يقوم التواصل والتبادل على سؤال: ماذا تعمل؟ بدلا من: من أنت؟

فلا حاجة للسؤال عن ذواتنا وأسمائنا وهوياتنا، بقدر ما تمنح الوظيفة اعترافا يبدو حضاريا حين نلبس هوية الطبيب والمهندس والعسكري والسياسي.

سرعان ما تتلاشى تلك الأوهام الاجتماعية والنفسية بمجرد أن نجلس في المقهى أو نتجول في الأسواق، مع أنها فضاءات حيوية مليئة بالحضور، فلا شيء يمنحنا اعترافا في هذه الأماكن المكتظة بالمحالين إلى التقاعد إلا حضورا قائما على الابتكار والفن.

إن الخوف الذي يجتاحنا حين ندرك أننا سنترك مناصبنا مرتبط بكون الوظيفة هي التي تعرف الإنسان، بدل أن نمنحها معنى خاصا لكل ذات مبدعة، متفننة، تترك أثرا جميلا.

لذلك، حين نرى الحرفيين مثلا، نشاهد صورا مختلفة تماما عن ذاك الذي عاش حياته يطوي صفحات الإدارة ويكتب التقارير، متناسيا أن ما بين يديه لن يجده مستقبلا، حتى لو استُدعي ليكمل مسيرته المهنية مستشارا أو محللا إستراتيجيا في الإعلام، إذ سيتوقف حضوره على قدر استغلال المؤسسة له.

وبدل أن يكتشف نفسه جماليا، بأن ينظر إلى ما كان يزاحم تاريخه ويربك ذاكرته، يختار المضي قدما نحو فنائه.

ليس التقاعد نعشا للإنسانية، ولا نهاية لما يسمى الاعتراف الاجتماعي، بل هو مرحلة حقيقية لمعنى أن نكون أنا وأنت إنسانا، حين يفقد الجميع اعترافهم الوظيفي

ما بعد الوظيفة عالم مفعم بالإنساني، لا خيبات تحاكم الذات على تخليها عما رغبت فيه عقودا خلت. إنه مسار جديد نحو الذات، لاستكشاف عوالم تتداخل بالسعي تارة وبالشوق تارة أخرى؛ عوالم تمتحن الأشياء لا الإنسان، وتستذكر صورا لا تاريخا طوته عناوين كبرى، وحضورا اجتماعيا تتعزز فيه الخصوصية الذاتية بعيدا عن أحكام معلقة بحبل النجاة الذي تنسجه الوظيفة.

فما نعيشه اليوم يصرخ بأعلى صوته نعيا لموت الإنسان.

ليس التقاعد نعشا للإنسانية، ولا نهاية لما يسمى الاعتراف الاجتماعي، بل هو مرحلة حقيقية لمعنى أن نكون أنا وأنت إنسانا، حين يفقد الجميع اعترافهم الوظيفي.

وهو ليس عجزا عن المنافسة، ولا قصورا عن العطاء، بل استراحة محارب للاهتمام بذاته، من دون أنانية أو إفراط في حضوره الاجتماعي. فأي اتجاه سنختار؟