الجمعة، 23 أكتوبر 2026

هل تنوع الشواهي يفيد المقاهي؟

 هل تنوع الشواهي يفيد المقاهي؟


أحمد عبد الرحمن العرفج

شاع بين البشر وهمٌ قديم يرفع من شأن التطابق ويرى في النمطية أماناً، كأنما الوجود لا يستقيم إلا بصهر العقول في قالب واحد. 

غير أن الحقيقة العارية تخبرنا بأن سنة الكون الراسخة هي الاختلاف لا الاتفاق، فهو الناموس الذي يحمي العالم من رطوبة الركود والتعفن البطيء، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}.

من هنا نلمح هندسة الكون؛ فهناك أصولٌ محسومة تضيق دائرتها لا خلاف فيها كاحترام النظام والآداب العامة، وهناك - في الجانب الآخر- فروعٌ تتسع فيها الخيارات حتى اللانهائية، وهذا العمق صاغه الإمام ابن قدامة حين قال : "اتفاق العلماء حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة".!

هذا التوسع في قاعدة الاختلاف يتجلى في أدق تفاصيل معاشنا وأبسطها؛ خذ مثلاً رشفة الشاي في مجلس واحد، إذ تتفرع الخيارات وتتشعب الأذواق في الكأس ذاتها؛ فهذا يطلبه أخضر بنعناع وسكر، وذاك أخضر بلا نعناع وبمحليات، وثالث يرتشفه أحمر بالحبق، ورابع يفضله خالياً من السكر تماماً؛ لتجد في الجلسة الواحدة عشرات الطلبات لكوب واحد، فإذ "لولا اختلاف الأذواق لبارت الأسواق".

وقد التقط هذا المعنى الفيلسوف نيتشه بنصه : "يجب أن نكون أحراراً في اختلافاتنا، فالنمطية هي موت الروح"، ثم وسّع المعنى الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز بقوله الشهير : "الاختلاف هو الجوهر الأصيل والوجود الحقيقي، أما الهوية المتطابقة فليست سوى وهم باهت".

إن الفروق بين البشر هي شعلة سنة التدافع الكونية التي تحرك عجلة الحضارة وتدفع الإنسانية للأمام، شريطة ألا يتحول هذا التمايز إلى شقاق أو خلاف يمزق القلوب.

حسناً ماذا بقي؟!

بقي القول : إن الشجاعة تكمن في قبول محيط التباين الصاخب دون التخلي عن رصانة الأصول، وأن نردد دائماً ونقول : اختلاف العلماء رحمة، واختلاف الشواهي يرفع من مبيعات المقاهي.


الاختلاف
النمطية
التنوع
ابن قدامة
نيتشه
جيل ديلوز
سنة الكون
اختلاف العلماء رحمة
التباين بين البشر
قبول الآخر

الأمواج الحوثية.. من الداخل إلى العالم

الأمواج الحوثية.. من الداخل إلى العالم

د.مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


أنهى الحوثي هدنة استمرّت لسنوات وأشعل حرباً شاملة هجينة الطابع. بدأها بالحديث عن الحصار، وهدّد بضرب المطارات والموانئ. 

السؤال الأوّل الذي طرحناه على أنفسنا كان: ما هي الموانئ التي يقصدها؟ سرعان ما انهالت صواريخه على ميناء المخا لتجعل منه أثراً بعد عين.

استغل سنوات الهدنة في الإعداد للحرب القادمة. دخل، منذ العام 2004، في عشرات الهدن، ولم تكن الهدنة بالنسبة له سوى استراحة محارب.

بينما انشغلت الحكومة خلال سنوات الهدنة بمحاولة تعزيز مؤسسات الدولة وتثبيت الركائز الهشّة للاقتصاد، كان الحوثي يبني في السرّ هجومه الكبير لبسط نفوذه على كلّ البلاد. 

تقول تقديرات العسكريين في الجيش اليمني إنّ الموجة الأولى من الهجوم، التي استهدفت محافظة تعز، حشد لها حوالي 85 ألف مقاتل. 

تعز هي الباب الذهبي لعدن، رأى الحوثي الطريق إلى عدن أقرب من أيّ وقت مضى، وتوقّع حياداً سعودياً. لم يتردّد في إطلاق أخطر صواريخه على مدن سعودية في محاولة لدفعها لمغادرة المشهد اليمني، وإفساح الطريق أمامه لينفرد بالداخل المُفكّك والتائه. 

لم تكن الهدنة بالنسبة للحوثي سوى استراحة محارب

السعودية لم تقف على الحياد، فهي لا تملك ذلك الترف. في المواجهة مع إسرائيل قدّم الحوثي نفسه بحسبانه المحارب المجنون، ذلك الذي لا يمكن التنبّؤ بردّة فعله. كذلك فعل في صدامه البحري مع أميركا. في خطاباته هدّد السعودية، كما إسرائيل، باللاشيء اليمني. يردّد قائلاً "ليس لدينا ما نخسره"، وهي جملة تعني في أبسط ترجماتها: بلادي مسحوقة، ليس هناك من شيء صالح للكسر. سأضربكم، يقول، ولن يكون بمقدوركم إيذائي.

الفقر، الانسحاق، والمأساة، هذا هو الوقود الحيوي للحوثي، وهو المادة السوداء التي يخوّف بها العالم.

وجد حكام اليمن، من السلالة، وقوداً جيّداً في الفقر. كانوا يستخدمون الفقراء آلة حربية لإخضاع من يحاول العصيان أو حتى يبقى على الحياد، كما لاحظت شيلاغ واير في كتابها "السياسة والقانون في جبال اليمن، 2007". على المنوال ذاته، عملوا على نشر الجوع في المدن والنجوع وجنوا بسبب ذلك أمواجاً كبيرة من المقاتلين. يصير القتال مهنة، والقتل نشاطاً بيروقراطياً، فما من طريقة لكسب العيش في اليمن سوى الذهاب إلى القتال. ردّد محمد الحوثي، رئيس اللجنة الثورية، هذه الجملة مراراً: "من أراد الراتب فليذهب إلى الجبهة". الحرب، في الرؤية الحوثية، هي المصنع، وهي مؤسّسة التوظيف الوحيدة. 

الفقر، الانسحاق، والمأساة، هذا هو الوقود الحيوي للحوثي، وهو المادة السوداء التي يخوّف بها العالم

يتساءل الناس عن سرّ الحشود التي يرسلها الحوثي إلى الجبهات. أولئك المقاتلون، إن أحببنا وصفهم كذلك، هم عمّال، عملهم الأساسي الحرب، ومهارتهم إطلاق النار. التحقوا بخطوط النار، بل وأطلقوا النار، ليحصلوا على رغيف العيش. تقول العرب "قتيل الماء لا قتيل الظمأ"، وتعني بذلك أنّ الموت في سبيل الحصول على الماء خيرٌ من الموت انتظاراً. 

يجلس الحوثي على بحيرة بشرية ليس لعمقها قرار. ما من تقديرات واضحة عن حجم القدرة البشرية التي جنّدها في الأعوام الأخيرة، غير أنّ السلوك الانتحاري لقواته يقول الكثير. يتحدّث الناس في اليمن عن سياسة الأنساق، أي الأمواج البشرية على الطريقة الخمينية. يفني الحوثي موجات بشرية بلا حساب لصالح كسب جزء من الأرض. العسكريون في مأرب يتحدّثون عن اضطرابات نفسية في صفوف المقاتلين على خطّ النار. السبب يعود لانخراطهم في عمليات قتل كثيفة للأنساق الحوثية التي تعشو بلا هدى. أخبرني مصدر عليم بأنّ الجنرالات أعدوا خطّة مواجهة تقتضي تبديل الأنساق الدفاعية خلال فترات قصيرة كي لا تنفرد مجموعات بعينها في التصدي للموجات البشرية. يهدف التكتيك لحماية السلامة النفسية للمقاتلين الحكوميين. 

الكلفة البشرية عالية، والحوثي مثل الخميني، كلاهما لا يحصيان القتلى

في العام الرابع للحرب العراقية – الإيرانية (1984) أنتج جهاز التعبئة العراقي الفيلم الشهير "الحدود الملتهبة". قرّب الفيلم مسألة الأمواج البشرية الإيرانية على نحو يصعب نسيانه. كان حجم الشعب الإيراني آنذاك يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف الشعب العراقي، وهي نسبة تشابه إلى حدّ كبير الفارق الديمغرافي بين مناطق الحوثيين والمناطق التي تحكمها الشرعية. لتعويض العجز في الآلة الحديثة، وفي الغطاء الجوي، اعتمد الخميني على القدرة الديمغرافية من خلال الزج بموجات الباسيج إلى خطوط النار، ومن خلفها الحرس الثوري. 

الباسيج، أو قوات التعبئة العامة، تشابه إلى حدِّ بعيد موجات الحوثيين التي تتسلّق الجبال والشعاب وتلتف على خطوط المقاومة والجيش اليمني. قبل سقوط المخا ارتفعت أصوات كثيرة تُطالب بسحب الجثث من المنحدرات والشعاب، غير أنّ تلك المذابح انتهت بسقوط الساحل الغربي في قبضة الحوثيين. استنزف الحوثي، بأمواجه البشرية، الذخيرة والمجهود، كما اكتشف مصادر ونوع النيران. نجح في اختراق خطوط الدفاع بأجساد جلبتها وسائل التعبئة الشعبية. كانت الكلفة البشرية عالية، والحوثي مثل الخميني، كلاهما لا يحصيان القتلى.

وصل الفقر إلى عظام الناس في شمال اليمن، تضطر الأسرة لإرسال العديد من أبنائها إلى هيئات الحوثي ومؤسّساته الثقافية والعسكرية للتخلّص من الأعباء. تمرّ أوقات طويلة قبل أن تسمع الأسر شيئاً عن ذويها، وغالباً ما تأتيهم أنباء "الاستشهاد" مشفوعة بالطبول والأناشيد والصور. 

ثمّة تخوّف من أن تنجح تقنيات التعبئة الحوثية في ريف تعز. إن حدث فسيعوّض الحوثي عن خساراته البشرية الأخيرة، وسيجد وقوداً لمعاركه القادمة في اتجاه عدن. فعل النازيون الشيء نفسه، كانوا يقتحمون المنطقة ثم يأخذون شعبها جنوداً يفتحون بهم البلاد التالية. في نهاية المطاف، فالمعضلة الحوثية غاية في التعقيد، وهي برغم كلّ ذلك لا تزال في مطلعها. طبيعة المشكلة، تاريخها، والعناصر المؤسّسة لها، كلّ ذلك يقول إنّها ستصير قريباً إلى مشكلة عابرة للحدود.




الخميس، 22 أكتوبر 2026

الغربةُ في الوطن.. وجعُ مَن بَقي ولَم يَرحلْ

 الغربةُ في الوطن.. وجعُ مَن بَقي ولَم يَرحلْ

أ.د. وصفي عاشور أبو زيد

اعتاد الناس أن يطلقوا الغربة على مفارقة الأوطان، وأن يسموا غريبًا مَن حمل بعضَ متاعه وكثيرًا من ذكرياته، وترك وراءه البيتَ الذي أَلِفَهُ، والطرقاتِ التي حَفظت خُطاه، والوجوهَ التي نشأ بينها، ثم مضى إلى أرض أخرى مهاجرًا أو مهجَّرًا، مختارًا أو مضطرًا، ولهذه الغربة وجعُها الذي لا يُخطئه القلب؛ فالوطن ليس رقعة من الأرض فحسب، وإنما هو قطعة من تكوين الإنسان: فيه طفولته، وذاكرته، وأهله، ولهجته، ومقابر أحبابه، وفي زواياه أشياءُ صغيرةٌ لا يعرف المرءُ مقدارَ تعلقِه بها حتى يُفارقَها.


ومع أن هذه غربةٌ بالأجساد، تفصل الإنسانَ فيها المسافاتُ عن أرضه ودياره، فإن القرآن الكريم كشف عن مبلغ مشقتها على النفس، حتى قرن الخروج من الأوطان بإزهاق الأرواح في سياق بيان شدة التكليف وثقله، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66]. 

وليس اقتران الخروج من الديار بقتل النفس في هذا السياق أمرًا عاديًّا؛ فهو يكشف عن عمق الصلة التي تنشأ بين الإنسان ووطنه، حتى يغدو اقتلاعه منه لونًا من اقتلاع جزء من حياته وذاكرته ووجوده؛ ولهذا كانت الهجرة القسرية والمنفى والتهجير من أشد ما يبتلى به الإنسان؛ إذ لا يترك وراءه مكانًا فحسب، وإنما يترك عالمًا كاملًا كان جزءًا من تعريفه لنفسه.


غير أن ثمة غربةً أخرى لا تحتاج إلى سفر، ولا تَعْبرُ حدودًا، ولا يحمل صاحبُها جوازًا أو حقيبة؛ غربةً يكون فيها الإنسانُ داخلَ وطنه، وبين أهله، وفي مدينته، الأجساد فيها مقيمة، والبيوت قائمة، والطرقات هي الطرقات، والوجوه هي الوجوه، وربما في البيت الذي وُلد فيه، ومع ذلك يشعر الإنسان أنه غريب؛ لا لأن المسافة فصلته عن وطنه، بل لأن مسافةً أخرى نشأت بينه وبين الواقع الذي يعيش فيه.


إنها غربة لا تقاس بالكيلومترات، وإنما تقاس بالمسافة بين ضمير الإنسان وما يراد منه أن يرضى به، وبين قيمه وما أصبح الناس يستسيغونه، وبين إيمانه وما يفرضه عليه زمانٌ اضطربت فيه الموازين، وقد يهاجر الإنسان عن وطنه فيعرف سبب غربته، أما أن يبقى فيه ثم لا يجد متسعًا لكلمته، ولا أمنًا لموقفه، ولا سعة لقيمه ومبادئه، فذلك لونٌ آخر من ألوان الغربة؛ لأن غربة المكان تُفسَّر بالمسافة، أما غربة الروح وهي في مكانها فأشدُّ استعصاءً على التفسير وأعمقُ نفاذًا إلى النفس.


حين يصبح "المعروف" غريبًا

وليست كلُّ غربة يصنعها سلطان؛ فقد يكون الإنسان آمنًا من بطش السياسة، ثم يجد نفسه في غربة أهدأ صوتًا وأشد التصاقًا بحياته اليومية: غربة الدين والقيم؛ حيث تتغير المجتمعات شيئًا فشيئًا، وتتبدل حساسيتها تجاه الأشياء، حتى يصبح مألوفًا بعضُ ما كان مستنكرًا، وبعض ما كان حرامًا مجرد «اختيار»، بينما يصبح الورعُ تشددًا، والحياء ضعفًا، والعفة تعقيدًا، والثبات على المبدأ عجزًا عن مسايرة الحياة، وليس أشد على المؤمن من أن يرى ميزان الأشياء نفسَه يتغير، فلا يعود الخلافُ حول القدرة على فعل الصواب، بل حول كون الصواب صوابًا أصلًا.


عندئذٍ يبدأ الإنسان يشعر بأن اللغة التي يفهم بها الحياة لم تعد مفهومة لمن حوله، يقول: "لا أستطيع أن أفعل هذا لأنه حرام"، فيستغربون أن يكون للحلال والحرام هذا الحضورُ في قراراته، فيترك مالًا مشبوهًا وهو محتاج إليه، فيسأله بعضهم لماذا يعقد حياته، ويرفض واسطة تمنحه ما ليس له، أو كذبًا ينجيه، أو علاقة لا تحل له، أو صفقة يخون فيها أمانته، فيقال له: "الناس كلهم يفعلون ذلك"، وربما كان أشد ما يؤلمه أن يتحول السؤال من: "أيُرضي اللهَ هذا أم يُسخطه؟" إلى سؤال ساخر أو مشفق: "وهل ما زال أحد يعيش بهذه الطريقة؟". 

عندها لا يكون المؤمن غريبًا لأنه   يعيش بعيدًا عن قومه، وإنما لأنه  يحمل ميزانًا لم يعد مألوفًا بينهم.  


وهنا تكتسب كلمة النبي صلى الله عليه وسلم عمقًا إنسانيًّا عجيبًا: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» (رواه مسلم في صحيحه، 145)؛ فالغربة التي يتحدث عنها الحديث ليست بالضرورة غربةَ أرضٍ وديار، وإنما قد تكون غربةَ الحق حين يقل أنصارُه، وغربةَ الاستقامة حين يكثر الخارجون عنها، وغربة الميزان حين تتغيرُ الموازينُ، وليس في الحديث دعوةٌ إلى البحث عن الغربة أو استحسان مخالفة الناس لذاتها؛ فليس كلُّ غريبٍ على حق، ولا كلُّ مخالفٍ للجمهور مستقيمًا، وإنما شرف الغربة في الحق الذي اغترب الإنسان من أجله.


ولعل من أبلغ الصور النبوية في وصف هذا الشعور حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (رواه الترمذي (2260)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه)، 

وما أبلغ صورة الجمر؛ لأن القابض عليه لا يجهل أنه يحرقه، ولا تنعدم فيه غريزة الإفلات منه، وإنما يبقى قابضًا لأن هناك شيئًا عنده أغلى من راحة يده، وكذلك قد يعرف المؤمن أن التنازل سيخفف عنه كثيرًا من المشقة، وأن مسايرة التيار ستجعله أقل تعبًا وأكثر قبولًا، لكنه يرى أن ثمة أشياء إذا أفلتها مرةً ربما لم يستطعْ أن يستردَّها، وأنَّ ألمَ الثبات - على شدته - أهونُ من ألمِ أن يستيقظَ يومًا فلا يعرف الإنسانُ نفسه التي كان يعرفها.

غربة الموقف وضريبة الضمير

وهناك غربة أشد من غربة السلوك الشخصي؛ غربة الإنسان الذي يعرف الطريق الذي يضمن له الراحة، لكنه لا يستطيع أن يسلكه؛ لأن ثمنَه ضميرُه، يستطيع أن يصمت عن ظلم فينجو، وأن يجامل فاسدًا فينتفع، وأن يمدح ما لا يؤمن به فتنفتح له الأبواب، وأن يُغمض عينيه عما يجري حوله فيعيش حياة أكثر هدوءًا؛ لكنه يجد في داخله شيئًا يأبى عليه ذلك، وهنا يدفع الإنسانُ ما يمكن أن نسميه «ضريبة الضمير»: قد تُضَيّق عليه فرصة، أو يتأخر عن موضعٍ يستحقه، أو يخسر منفعةً، أو يبتعد عنه مَن كان قريبًا منه، لا لأنه ارتكب جريمة، وإنما لأنه رفض أن يجعل الصواب والخطأ تابعين لمصلحته.


والقرآنُ لا يَعِدُ المؤمن بأن الاستقامةَ طريقٌ مفروش بالقبول والراحة والريحان، وإنما يكلفه بالثبات ولو ثقلت الطريق: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112]، والتعبير القرآني دقيق: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ لا كما رغبتَ، ولا كما يرضى الناس، ولا كما تقتضي السلامة، ولا كما تتبدل الظروف والمصالح، ومن هنا تنشأ غربةُ صاحبِ المبدأ؛ لأنه لا يستطيع أن يُعيد تشكيل مبادئه كلَّ صباح وفق اتجاه الريح، وربما لم يطلب منه المحيطون به أن يترك الحق صراحة، وإنما طلبوا منه شيئًا يبدو أصغر:أن يكون أقل صدقًا، وأقل وضوحًا، وأقل حساسية تجاه الظلم، وأن يتعلم كيف يرى ويسكت، ويعرف ويتجاهل، وما أشد غربة الإنسان حين لا يطالبه الناس بأن يكون فاسدًا، وإنما يطالبونه فقط ألا يكون مستقيمًا إلى هذا الحد.


من مقاصد الثبات على المبدأ

وليس الثبات على المبدأ تشبثًا أجوف بالمواقف، ولا بطولة نفسية يقصد بها الإنسان أن يثبت لنفسه وللناس أنه لا يتراجع؛ وإنما وراءه مقاصدُ كبرى تُفسر: لماذا يتحمل المؤمن كُلفة الغربة وضريبة الضمير.


فأول مقاصده حفظ الدين والضمير من التآكل التدريجي؛ لأن التنازل الكبير لا يبدأ غالبًا كبيرًا، وإنما يبدأ بخطوة صغيرة يهونها الإنسان على نفسه، ثم بأخرى، حتى يألف القلب ما كان ينكره، ويسكت عما كان يغضب له، وربما انتهى به الأمر إلى الدفاع عما كان يرفضه؛ ولهذا جاء الأمر القرآني جامعًا حاسمًا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13]. 

فالثبات يحفظ للإنسان وحدةَ شخصيتِه وسلامةَ نفسيتِه؛ فلا يعيش بوجه يؤمن به في داخله ووجه آخر يقدمه للناس طلبًا للسلامة أو المنفعة.


ومن مقاصده كذلك حراسة ميزان الحق في المجتمع؛ فالمجتمعات لا يفسدها وجود الباطل وحده، وإنما يشتد فسادُها حين يفقد الحقُّ مَن يشهدُ له، ويصبح المنكر مألوفًا لأن الذين يعرفون إنكاره آثروا الصمت، ومن هنا كانت شهادةُ الحق وظيفةً أخلاقية تتجاوز صاحبَها إلى المجتمع كله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. 

فالثابت على المبدأ لا يحفظ نفسَه فحسب، بل يحفظ في الوعي العام إمكان الاعتراض على الباطل؛ ويمنع الإجماعَ الزائف الذي يصنعه الخوف أو المصلحة من أن يبدو كأنه إجماع أخلاقي حقيقي.


وللثبات مقصد آخر لا يقل خطرًا: حفظ الأمل وإبقاء القدوة للأجيال، فقد يعجز صاحب المبدأ عن تغيير الواقع في لحظته، لكنه يثبت أن الانحناء لم يكن قدرًا، وأن الصمت لم يكن الخيار الوحيد، وأن الإنسان كان يستطيع أن يخسر شيئًا من مصالحه ليحفظ شيئًا أعظم من نفسه؛ ولهذا أثنى القرآن على الذين ثبتوا ولم تبدلهم الشدائد فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. 

ورب موقف لم يغير عصره، لكنه غيّر أجيالًا جاءت بعده؛ لأن صاحبه أبقى شاهدًا في التاريخ على أن للحق رجالًا لا تحدد قيمتهم بما ربحوه منه، وإنما بما حفظوه له.

وهكذا لا تكون «ضريبة الضمير» خسارة خالصة كما تبدو في ظاهرها؛ فقد يخسر الإنسان بها منصبًا أو مالًا أو قبولًا أو راحة، لكنه يحفظ أشياء لا تعوضها المناصب والأموال: يحفظ دينه، ويحفظ احترامه لنفسه، ويحفظ للحق شاهدًا في مجتمعه، ويحفظ لمن يأتي بعده دليلًا على أن الثبات كان ممكنًا، وربما كانت بعض الخسائر في ميزان المصالح أرباحًا عظيمة في ميزان المبادئ.


أقسى الغربات ما كان بين الأقربين

ومع ذلك قد يحتمل الإنسان غربةَ الموقف أمام المجتمع، ثم ينكسر شيءٌ في داخله حين تصل الغربة إلى دائرته الصغيرة؛ إلى زملائه وجيرانه وأصدقائه وأرحامه؛ ففي مكان العمل قد يشعر أنه مطالب كل يوم بتفسير نفسه: لماذا لا يفعل ما يفعل الآخرون؟ ولماذا يتوقف عند أمور يمرون بها عابرين؟ ولماذا يحمل للدين والمبدأ هذا الحضور في اختياراته؟ وفي المجالس قد يجد نفسه بين صمت يؤلمه أو كلام يُكلفه؛ إن سكت شعر أنه يخذل ما يؤمن به، وإن تكلم بدا لبعض من حوله ثقيلًا يُفسد عليهم انسجامَ المجلس، ومع الأيام يتسرب إلى النفس شعورٌ مُرهِق بأنها مُطالبةٌ دائمًا بأن تدافع عن بدهياتها، وأن تشرح للناس لماذا تريد فقط أن تعيش وفق ما تؤمن به.

لكنَّ الجُرحَ يصبحُ أعمق حين تأتي الوحشةُ من الأقربين؛ فالإنسان لا ينتظر من البعيد كثيرًا، لكنه يعود إلى أهله وأرحامه وأصدقائه يلتمس عندهم شيئًا من السكينة؛ فإذا وجد منهم استنكارًا لما يؤمن به، أو سخرية من ورعه، أو ضيقًا بمواقفه، أو نصائح متكررة بأن «يُريح نفسه» ويتنازل قليلًا، فلن يُغير الكون، ولن تنصلح الأمور على يديه أو بمواقفه، شعر بغربة مضاعفة؛ ليس لأنهم خالفوه، فالاختلاف سنة الحياة، ولكن لأن اليد التي كان يرجو أن تربت على كتفه أصبحت هي التي تزيد حِملَه ثقلًا، وللغربة بين الأقربين مرارةٌ خاصة؛ لأنها لا تحرم الإنسان من الاتفاق فحسب، وإنما تحرمه أحيانًا من المكان الذي كان يرجو أن يعود إليه بعد تعب الطريق ليستريح.


وقد قص القرآن علينا قصة فتية عاشوا شيئًا من هذه الغربة حين أصبح إيمانُهم غريبًا في مجتمعهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ۝ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: 13-14]، ويلفت النظر قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ فكأن مواجهة الغربة قبل أن تحتاج إلى قوة الجسد تحتاج إلى قلب مربوط بالله؛ لأن أشد ما يهدد الغريب ليس أن يخالفه الناسُ، وإنما أن يتسرب اضطرابُهم إلى داخله فيبدأ يشكُّ في الحق لمجرد أنه بقي وحيدًا عليه.


حين تُصبحُ غربةُ الخارج أهون

ومع تراكم هذه الغربات قد يقع في النفس تحولٌ بالغ الدلالة: يبدأ الإنسان الذي لم يغادر وطنه يتمنى الرحيلَ عنه؛ لا لأنه كره ترابَه، ولا لأنه محا ذكرياتِ طفولته، ولا لأن أرضًا أخرى ستصبح فجأةً وطنَه الأول، وإنما لأنه أُنهك من غربة لا يستطيع تفسيرها، وربما قال في سره: إن غربة الخارج أهون؛ فهناك سأكون غريبًا لأنني مُهاجر، وذلك مفهوم، أما هنا فأنا غريب بين أهلي، هناك سأحن إلى شوارع بلدي لأن بيني وبينها آلاف الأميال، أما هنا فأمشي في الشارع نفسه ولا أشعر أنه يتسع لروحي، هناك سأدفع ضريبة أنني أجنبي، أما هنا فأدفع ثمن الغربة وأنا ابن الأرض.


ومن هنا يمكن أن نفهم -لا أن نُسوّغ كل نتائجه- كيف يَضْعفُ عند بعض المظلومين شعورُ الانتماء إلى الوطن؛ فالانتماء ليس نشيدًا يردَّد، ولا شعارًا يُعلق على الجدران؛ إنه علاقة وجدانية وأخلاقية تغذيها الكرامة والعدل والأمان والشعور بأن للإنسان مكانًا مصونًا في بلده، فإذا ظل المواطن أعوامًا يتلقى الخوف بدل الأمان، والإقصاء بدل المشاركة، والإهانة بدل الكرامة، فإن هذه العلاقة تُصاب بالجراح، ومع ذلك يبقى من الضروري ألا يمنح الإنسان ظالمه انتصارًا أخيرًا بأن يترك له الوطن نفسَه إلا إذا كان هناك تهديدٌ على نفسِه؛ فالسلطات تتغير، والأزمنة تتداول، أما الوطنُ فهو الأهل واللغة والتاريخ والذاكرة والأجيال الآتية، وهو أوسع بكثير ممّن ضيّقوه على أبنائه في مرحلة من مراحله.

أخطر الغربة ما دخل القلب

على أن أخطر ما في الغربة داخل الوطن ليس ما تفعله السلطة أو البيئة أو المجتمع بالإنسان، وإنما ما يمكن أن تفعله سنواتُ الغربة بقلبه هو؛ فطول الظلم قد يُولّد المرارة، وطولُ سوء الفهم قد يصنع الانغلاق، وطولُ مقاومة التيار قد يستنزف الرحمة، حتى يُصبح الإنسانُ ساخطًا على كل شيء، شاكًّا في كل أحد، سريعَ الخصومة، قليلَ الرجاء، يرى المجتمعَ كتلةً واحدة من الفساد، وينظر إلى نفسه ومن يُشبهه كأنهم وحدهم أصحاب الطُّهر والنجاة، وعندئذ تكون الغربةُ قد حققتْ أخطرَ انتصاراتها: لم تعد ظرفًا مؤلمًا يحيط بالإنسان، وإنما أصبحت سجنًا بناه داخل قلبه وحمل جدرانه معه أينما ذهب.


وليس هذا هو المراد من غربة المؤمن؛ فليس المطلوب منه أن يذوب في الباطل حتى يأنس بالناس، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكره الناس حتى يحافظ على الحق، وليس عليه أن يبيع دينه ليشتري القبول، ولا أن يفقد رحمته بالخلق ليحفظ استقامته، إنما الامتحان الحقيقي أشق وأجمل: أن يبقى ثابتًا دون أن يقسو، قويًّا دون أن يكره، مختلفًا دون أن يتكبر، مقاومًا للباطل دون أن يتحول إلى عدو للحياة، وأن يحتفظ بقلبٍ يرجو للناس الهدايةَ والإصلاحَ وهو يتألم مما يصدرُ عنهم.

فالغريب المؤمن ليس مشروعَ عزلة عن المجتمع، ولا شاهدًا متشفيًا في سقوط الناس؛ وإنما إنسانٌ يحاول أن يحفظ نفسه من الفساد من غير أن يفقد رحمتَه بمن حوله، وأن يتمسّك بالحق من غير أن يتحول الحقُّ في يده إلى أداة استعلاء على الخلق.

الغربة التي تحتاج إلى فقه

وهنا يبلغ السؤال منتهاه: كيف يستطيع من ضاقت به أرضه وهو فيها أن يجد في قلبه سعةً لا يملك مستبدٌّ أن يصادرَها؟ 

وكيف يحافظ على دينه حين يشعر أنه يَقبض على الجمر، دون أن تحرق الجمرةُ قلبَه بالمرارة؟ وكيف يصبر على غربة الطريق دون أن يتحول صبرُه إلى سلبية، أو غربتُه إلى اعتزال، أو ثباتُه إلى جمود؟ وكيف يصنع من هذه الوحشة معنًى إيمانيًّا يمده بالقوة بدل أن يستنزفه، ويزيدُه تعلقًا بالله بدل أن يملأه غضبًا على خلق الله؟


إن هذه الغربة ليست قضية سياسية وحدها، ولا اجتماعية وحدها، ولا نفسية وحدها؛ إنها في النهاية قضية إيمانية وأخلاقية تتصل بمعنى الثبات، والصبر، والكرامة، والانتماء، والرحمة، والقدرة على أن يعيش الإنسانُ في واقع لا يُشبهُه دون أن يفقدَ نفسَه.


ولعل من هنا نفهم لماذا لم تكن خاتمة الحديث النبوي عن الغربة نواحًا على الغرباء، ولا رثاءً لحالهم، وإنما جاءت كلمة قصيرة مدهشة، تحمل في طياتها التعزية والتكريم والبشارة: "فطوبى للغرباء".


فالغربة التي وصفنا وجعها ليست نهاية الطريق، وإنما بدايتُه، وبعد تشخيص الألم يبقى السؤالُ الأهم: كيف يتحولُ هذا الألمُ إلى معنى، وهذه الوحشةُ إلى معية، وهذا الثباتُ المكلِّف إلى رباط، وهذا القلبُ المجروح إلى قلب لا يزال قادرًا على الإيمان والإصلاح والأمل؟


ذلك هو فقه الغربة الذي يحتاجه مَن بقي في وطنه ثم وجد نفسه غريبًا فيه؛ وهو ما نتناوله في مقال تالٍ بعنوان: "فطوبى للغرباء.. كيف تتحول الغربة إلى رباط؟"، نبحث فيه عن زاد الغريب في طريقه، وعن المعية والصبر والصحبة والمرابطة والأمل، وكيف يحفظ المؤمنُ قلبه من أن تهزمَه الغربةُ أو تُفسدَه مرارتُها.





من هو المثقف؟

  من هو المثقف؟

زكريا نمر

كاتب وباحث سوداني


بعض المثقفين لا يدافعون عن الحقيقة، بل يدافعون عن القبيلة والمسؤول الفاسد والجهة التي ينتظرون منها مصلحة. 

وحين تتعارض مصالحهم مع مصلحة المجتمع، لا يترددون في التضحية بالحقيقة، حتى لو كان الثمن مزيدا من الفقر والجهل والانقسام. 

هؤلاء لا يستخدمون المعرفة لفهم الواقع وتغييره، بل يوظفونها لتبرير أخطائه وحماية المسؤولين عن فشله.

المثقف الذي لا يستطيع انتزاع نفسه من الانتهازية، ولا يملك الشجاعة لمواجهة جماعته عندما تخطئ، لا يؤدي دورا حقيقيا في المجتمع.

 فالشهادة الأكاديمية لا تمنح صاحبها وعيا نقديا تلقائيا، والقدرة على الحديث في المنابر وكتابة المنشورات لا تجعل الإنسان مثقفا بالضرورة.

قيمة المثقف في قدرته على التفكير المستقل، وكشف الفساد، ومساءلة السلطة، ومواجهة الأفكار التي تدفع المجتمع نحو الصراع والتخلف، حتى عندما تصدر هذه الأفكار عن أشخاص ينتمي إليهم.

في الواقع السياسي والاجتماعي، نجد من يقدم نفسه باعتباره مثقفا، لكنه يقف في صف المسؤول الفاسد لمجرد أنه ينتمي إلى قبيلته، ويدافع عن أبناء السلطة مهما كانت أخطاؤهم، ويبحث عن المبررات لكل فشل يصدر عن جماعتهم. لا يناقش الوقائع ولا يسأل عن الأموال العامة التي أهدرت، ولا عن المؤسسات التي تعطلت، ولا عن المدارس التي تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم الحديث.

كل ما يهمه هو حماية الأشخاص الذين يرى أن الدفاع عنهم واجب قبلي أو سياسي.

هذا النوع من المثقفين لا يكتفي بالصمت عن الفساد، بل يمنحه غطاء اجتماعيا، ويحول النقاش من محاسبة المسؤول إلى الدفاع عن هويته.

فإذا انتقد أحدهم مسؤولا فاسدا، سارع إلى اتهامه باستهداف القبيلة، وإذا طالب بمحاسبة أحد أبناء السلطة، جرى تصويره عدوا للجماعة.

وبهذه الطريقة تصبح القبيلة وسيلة لإسكات النقد، ويصبح الفساد قضية انتماء بدلا من أن يكون قضية قانون ومسؤولية عامة.

ما الذي يجعل شخصا متعلما يدافع عن مسؤول يعرف أنه فاسد، ثم يطالب الناس باحترام موقفه باعتباره موقفا فكريا؟

هل فقد القدرة على التمييز بين المصلحة العامة ومصلحة جماعته، أم أنه يعرف الحقيقة لكنه يفضل تجاهلها حتى لا يخسر موقعه أو علاقاته؟

في الحالتين، لا يمكن إعفاءه من المسؤولية؛ لأن الجهل بشيء يختلف عن معرفة الخطأ ثم الدفاع عنه.

المشكلة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتبرير الفساد، بل يسهمون في إدخال المجتمعات في صراعات داخلية عبر خطابات الكراهية والتحريض والتخوين.

بدلا من البحث عن أسباب الأزمات، يوجهون غضب الناس نحو قبائل أخرى أو جماعات سياسية منافسة، ويقدمون الخلافات باعتبارها معارك بين جماعات متناحرة، لا صراعا حول السلطة والموارد والحقوق والمسؤولية.

وهكذا ينشغل المواطن بالعداء لجاره، بينما يواصل أصحاب النفوذ إدارة مصالحهم بعيدا عن المساءلة.

إن الخطاب الذي يحرض الناس على بعضهم لا يصبح وطنيا لمجرد أن صاحبه يتحدث باسم قبيلته، ولا يصبح سياسيا واعيا لمجرد أنه يعرف كيف يهاجم خصومه.

عندما يستخدم المتعلم معرفته لإنتاج الكراهية، فهو لا يساهم في حل الأزمة، بل يزيدها تعقيدا. والمجتمع الذي يتحول فيه المثقف إلى محرض، ويصبح فيه المتعلم مدافعا عن التعصب، لن تنقذه زيادة عدد الشهادات؛ لأن المشكلة لم تعد في نقص التعليم وحده، بل في غياب المسؤولية الأخلاقية والفكرية.

أما المثقف الذي يراقب السلطة والمعارضة والقيادات القبلية، فلا يجوز أن يختار لهم معايير مختلفة للمحاسبة.

ليس من المقبول أن يرفع صوته ضد الفساد عندما يصدر عن خصمه، ثم يخفضه عندما يرتكبه شخص من جماعته.

وليس من المنطقي أن يطالب بالعدالة عندما يكون المتضرر من قبيلته، ثم يتجاهل حقوق الآخرين عندما يكون الظلم واقعا عليهم. هذه ليست مواقف نقدية، بل انتقائية تحكمها المصالح والانتماءات.

والسؤال الذي يستحق النقاش هو: كم من هؤلاء قدم مبادرة حقيقية لإصلاح السياسة، أو تطوير التعليم، أو نشر ثقافة المواطنة، أو الحد من خطاب الكراهية؟ كم واحدا منهم انشغل بتقديم أفكار قابلة للتطبيق لتحسين المدارس، وتأهيل المعلمين، وتشجيع البحث العلمي، وتوسيع فرص الشباب، وبناء مؤسسات تحترم القانون؟ وكم واحدا اكتفى بكتابة منشورات التأييد والهجوم، ثم اعتبر نفسه صاحب مشروع فكري؟

ليس المطلوب من المثقف أن يحل جميع مشكلات المجتمع بمفرده، لكن المطلوب ألا يجعل قلمه أداة لتعطيل الحلول. يستطيع أن يكتب دراسة، أو يفتح نقاشا عاما، أو ينظم مبادرة للتوعية، أو يقدم تصورا لإصلاح قطاع التعليم، أو يواجه خطاب الكراهية بالحجة والمعرفة.

وقد لا تنجح كل مبادرة، لكن غياب المحاولة مع الاستمرار في توزيع الاتهامات يكشف أن بعض المتحدثين باسم التغيير لا يريدون تحمل مسؤولية عملية تجاه المجتمع.

إن إصلاح السياسة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بمراجعة الثقافة التي تسمح للمسؤول الفاسد بالاختباء خلف القبيلة، وللقيادة الفاشلة بالاستمرار في الحكم دون محاسبة، ولأبناء الطبقات النافذة بالحصول على الامتيازات بينما يدفع بقية المواطنين ثمن سوء الإدارة.

والمثقف الذي لا يناقش هذه القضايا، ولا يطالب بقواعد عادلة لتوزيع الفرص والموارد، ولا يرفض تحويل مؤسسات الدولة إلى ممتلكات خاصة، يترك المجال مفتوحا أمام استمرار الأزمة.

ولا ينفصل التعليم الحديث عن هذه المعركة.

فالمجتمع يحتاج إلى تعليم ينمي القدرة على التفكير والتحليل والبحث، لا إلى تعليم يكتفي بتخريج أشخاص يحملون الشهادات ويكررون ما يسمعونه.

يحتاج الطلاب إلى تعلم احترام الاختلاف، وفهم حقوق الإنسان، والتمييز بين النقد والإهانة، وبين الانتماء القبلي والمواطنة.

كما يحتاج المعلمون والمؤسسات التعليمية إلى بيئة تساعدهم على أداء دورهم، بعيدا عن التوظيف السياسي والتمييز والمحسوبية.

لكن من الصعب المطالبة بتعليم ينتج عقولا مستقلة بينما يدافع بعض المتعلمين عن الولاء الأعمى، ويهاجمون كل من يخالفهم، ويبررون تجاوزات المسؤولين باسم الانتماء.

كيف يمكن لشخص أن يدعو إلى نهضة المجتمع، ثم يرفض محاسبة أحد أبناء جماعته؟ وكيف يطالب بالعدالة، ثم يقبل أن تكون الفرص والوظائف والامتيازات مرتبطة بالقرب من السلطة؟

إن التناقض بين الخطاب والممارسة هو ما يجعل كثيرا من الدعوات إلى الإصلاح بلا قيمة عملية.

المثقف ليس مطالبا بالتخلي عن قبيلته أو إنكار جذوره الاجتماعية، لكنه مطالب بفهم الفرق بين الانتماء والتعصب.

يستطيع أن يحب جماعته دون أن يبرر أخطاءها، وأن يدافع عن حقوق أبنائها دون أن ينكر حقوق الآخرين، وأن ينتقد خصومها دون أن يختلق ضدهم الاتهامات.

أما تحويل الانتماء إلى مبرر للفساد والتمييز والكراهية، فهو إضرار بالمجتمع وبالجماعة نفسها؛ لأن القبيلة التي تحمي الفاسد تضعف فرص أبنائها في العيش داخل دولة عادلة.

ولا أرى أن المشهد الثقافي والسياسي يعكس حضورا كافيا للمثقف المستقل الذي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

هناك من يمتلكون المعرفة والخبرة، لكن بعضهم يختار الصمت عندما تكون المحاسبة مكلفة، أو يغير خطابه بحسب موقعه من السلطة، أو يجعل من خصومه هدفا دائما بينما يتجنب أخطاء حلفائه.

وعندما يصبح النقد انتقائيا، يفقد المجتمع وسيلة مهمة لكشف الخلل وتصحيح المسار.

المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون معارضا دائما، كما لا يحتاج إلى أن يكون مؤيدا دائما. عليه أن يفحص المواقف والقرارات والنتائج، وأن يحدد موقفه بناء على الوقائع لا على هوية صاحب القرار.

فقد تتخذ السلطة قرارا صحيحا يستحق الدعم، وقد تقدم المعارضة موقفا خاطئا يستحق النقد. الاستقلال الفكري يعني القدرة على قول ذلك دون الخضوع لضغط الجماعة أو إغراء المنصب أو الخوف من خسارة العلاقات.

كما أن مسؤولية المثقف لا تتوقف عند نقد المسؤولين، بل تشمل نقد المجتمع نفسه عندما يقبل الظلم أو يبرر العنف أو يشارك في نشر الكراهية.

فليس كل ما يصدر عن المجتمع صحيحا، وليس كل ما تتفق عليه الجماعة عادلا. أحيانا يحتاج المجتمع إلى من يواجهه بحقيقة لا يرغب في سماعها، ويذكره بأن حقوق الإنسان لا تتغير بتغير القبيلة، وأن دماء المواطنين لا تختلف قيمتها بحسب انتماءاتهم.

إن النهضة الإنسانية تبدأ عندما يصبح الإنسان قيمة في ذاته، لا مجرد رقم داخل قبيلة أو أداة في يد حزب أو وسيلة للوصول إلى السلطة.

ولا يمكن بناء مجتمع يحترم الإنسان إذا كان المثقف نفسه يبرر إهانته أو يحرض عليه أو يصمت عندما تنتهك حقوقه.

الدفاع عن الإنسان لا يحتاج إلى شروط قبلية أو سياسية، والعدالة التي تستثني أبناء الجماعة لا تستحق أن تسمى عدالة.

أزمة المثقف ليست في أنه لا يتحدث، بل في أنه قد يتحدث كثيرا دون أن يقدم معرفة أو نقدا أو مبادرة.

وقد يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بالتحليلات، لكنه يتجنب سؤالا بسيطا: ماذا فعلت لتغيير الواقع الذي تنتقده؟ لا أقصد أن الكتابة وحدها عاجزة عن التغيير، بل إن الكتابة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى تكرار للمواقف نفسها، دون بحث أو مراجعة أو محاولة لتقديم بدائل.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الأشخاص الذين يبررون أخطاء جماعتهم، أو يلمعون المسؤولين، أو يحولون الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية.

نحن بحاجة إلى مثقفين يواجهون الفساد مهما كان مصدره، ويرفضون التحريض مهما كان صاحبه، ويقدمون أفكارا ومبادرات في السياسة والتعليم وبناء السلام، ويعاملون الإنسان على أساس حقوقه لا على أساس قربه من السلطة أو انتمائه القبلي.

السؤال الذي أطرحه ليس كم لدينا من حملة الشهادات، ولا كم شخصا يكتب عن الوعي والتغيير، بل كم واحدا يستطيع أن ينتقد قبيلته عندما تخطئ، ويحاسب المسؤول الذي يدعمه، ويرفض الدفاع عن الفساد حتى لو كان المستفيد منه أقرب الناس إليه؟

وكم واحدا مستعدا لأن يقدم للمجتمع فكرة أو مبادرة أو عملا يساهم في تحسين حياة الناس بدلا من دفعهم إلى مزيد من الصراع؟

إذا كان المثقف لا يستطيع مخالفة جماعته عندما تخطئ، ولا مساءلة السلطة عندما تفسد، ولا تقديم بديل عندما ينتقد، فما الذي يميزه عن أي تابع آخر؟

وما الفائدة التي يجنيها المجتمع من معرفة تتحول إلى وسيلة لحماية المصالح وتبرير الفشل؟

المشكلة ليست في قلة المتعلمين، بل في أن بعضهم لم يجعل من المعرفة مسؤولية تجاه المجتمع.

وحين يتحول القلم إلى مدافع عن الفساد، ويصبح المتعلم أداة في صراع القبائل والسلطة، يفقد المثقف دوره، ويصبح جزءا من الأزمة التي يدعي أنه يريد إصلاحها.