الأحد، 5 يوليو 2026

وصار "المختارون" منبوذين

 وصار "المختارون" منبوذين

جعفر عباس

يسعد المسلم لكونه من "خير أمة أُخْرِجت للناس"، ولكنه يدرك أن هذا الانتماء، ليس وقفا على جنس او عرق، بل ينضوي تحته المسلم العربي والإندونيسي والصيني والروسي، و، و، و،.........، بينما يرى اليهودي أن الرب اصطفاه ومعه 15.8 يهوديا، وبخاصة 45% المقيمين في إسرائيل، دون غيرهم من بني البشر، باعتبارهم شعب الله المختار، ليرثوا الأرض وما عليها، حسب وعد توراتي، ليذهب عدة مليارات من بني البشر الى جحيمي الدنيا والآخرة.

ويرى رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، بنيامين نتنياهو، أنه آخر أنبياء اليهود، الذي سيحقق نبوءة النبي أشعياء، كما قال في تشرين اول/ أكتوبر من عام 2023 لتبرير مجازر غزة: " نحن أبناء النور بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام .... لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، سنكون سببا في تكريم شعبكم، سنقاتل معا وسنحقق النصر". وذلك في إشارة لما ورد في سِفر أشعياء: فكما أذل الله في الزمن الغابر أرض زبولون ونفتالي، فإنه في الزمن الأخير يكرم طريق البحر وعبر الأردن، جليل الأمم. الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما، والمقيمون في أرض ظلال الموت أضاء عليهم نور"، وهكذا فإن نتنياهو يرى أن إسرائيل هي "أهل النور" الذين يجب أن ينتصروا على "أهل الظلام" أي الفلسطينيين، ومن والاهم، وما يليهم من بلدان.

تؤكد نتائج استطلاعات رأي أجرتها وكالات أنباء ووسائل إعلامية أمريكية مرموقة، أن ابتزاز إسرائيل للرأي العام الأمريكي المعادي لها بمعاداة السامية لم يعد مجديا، حيث لم يعد الناخب الأمريكي معنيا إلا بأمور معيشته وأحوال بلاده الداخلية، ولم يعد يشتري مقولة أن أمن بلاده يتطلب كفالة إسرائيل، بل إن مناصرة الحق الفلسطيني في دولة ذات سيادة بات يحظى بمساندة أكبر من خط موالاة إسرائيل

ولكن ومع استعار حرب إسرائيل على غزة، حيث تجاوز عدد الشهداء 73 ألفا، وما جرى بموازاة ذلك، من إرخاء العنان لغيلان المستوطنين ليشبعوا أهل الضفة الغربية قتلا وتنكيلا وتشريدا، ثم افتضاح أمر تدرب الجنود الإسرائيليين على التصويب على صبية فلسطينيين، تتراوح أعمارهم بين 11 و14 سنة، تفجرت براكين الغضب في كل القارات، وانقلب السحر على الساحر، وما كان هذا الانقلاب سيقلق مضجع نتنياهو وبطانته الفاشية، لولا أنه كان بقيادة الاتحاد الأوروبي، وبعض الدول الغربية "منفردة"، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وكندا وبلجيكا وهولندا وجمهورية التشيك وبولندا وايرلندا واسبانيا، وطالت العقوبات تحديدا وزير الأمن الإسرائيلي بن غفير (ممنوع من دخول فرنسا وبولندا). ووزير المالية بزاليل سموتريش، الذي صدر أمر من محكمة الجنايات الدولية باعتقاله. وفي المهرجان السنوي للأغنية الأوربي في أيار/ مايو المنصرم، قاطعت المهرجان إسبانيا وايرلندا وهولندا وسلوفينيا احتجاجا على مشاركة مطربين إسرائيليين فيه، بل إن الحكومة الأمريكية، وهي تاريخيا الراعي الرسمي لكل عدوان إسرائيلي على أهل الداخل او الجوار، فرضت على عهد الرئيس السابق بايدن، عقوبات على شرائح واسعة من المستوطنين اليهود.

ولكن أكثر ما يوجع نتنياهو ورهطه، هو أن فض الشراكة مع إسرائيل أصبح مطلبا رائجا في صفوف قياديين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي الأمريكيين، الذين يتقاسمان السلطة منذ 250 سنة، وعلى المستوى الجماهيري، تؤكد استطلاعات الرأي خلال العامين الأخيرين، أن غالبية الأمريكان باتوا يرون إسرائيل دولة باغية عدوانية، ولن يغفروا لها استدراج رئيسهم الغر الغرير دونالد ترامب، الى حرب بلا طائل مع ايران، انتهت حتى الآن بهزيمة أدبية للولايات المتحدة، لأنها لم تحقق أيا من غاياتها المعلنة لشن تلك الحرب، ويشير استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث Pew Research Center في أذار/ مارس المنصرم الى ان 60% من الأمريكان "سيئو الظن" بإسرائيل (مقابل 42% في عام 2022). وما يجعل قادة إسرائيل يحسون بأن مستقبل علاقاتهم مع واشنطن لن يكون مبشرا، هو أن 75% من الأمريكان ما بين سن 18 الى 49 (جيل قادة المستقبل)، يرون ان إسرائيل شر مستطير، وأن علاقة بلادهم بها ينبغي ان تقتصر على المجال الدبلوماسي، كما هو الحال مع بقية دول العالم.

وفي استطلاع دولي أجراه مركز بيو العام الماضي، اتضح أن أكثر من 75% من سكان السويد وأستراليا واليونان وتركيا واليابان وهولندا، يرون أن إسرائيل دولة مارقة كما كوريا الشمالية، لكونها لا تحترم القوانين الدولية والإنسانية، ويدرس الاتحاد الأوربي حاليا بضغوط من بعض أعضائه، مقاطعة الواردات الإسرائيلية، بحسبان أن مصدرها المستوطنون اليهود الذين أعادوا- من الناحية الفعلية- احتلال الضفة الغربية، ومعلوم ان أوروبا هي أكبر سوق للسلع الإسرائيلية، كما ان أوروبا تمول المؤسسات الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية، وبانغلاق هذا السوق ولو جزئيا، ستتعرض إسرائيل لضوائق اقتصادية وأمنية على المدى الوسيط.

وتؤكد نتائج استطلاعات رأي أجرتها وكالات أنباء ووسائل إعلامية أمريكية مرموقة، أن ابتزاز إسرائيل للرأي العام الأمريكي المعادي لها بمعاداة السامية لم يعد مجديا، حيث لم يعد الناخب الأمريكي معنيا إلا بأمور معيشته وأحوال بلاده الداخلية، ولم يعد يشتري مقولة أن أمن بلاده يتطلب كفالة إسرائيل، بل إن مناصرة الحق الفلسطيني في دولة ذات سيادة بات يحظى بمساندة أكبر من خط موالاة إسرائيل، وليس من دليل على ذلك أقوى من فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، والتي يناهز عدد اليهود فيها عددهم في إسرائيل، وظل ممداني يجاهر قبل وبعد فوزه بالمنصب، بأن إسرائيل كيان استعماري استيطاني، ينبغي تحجيمه، كي تقوم الدولة الفلسطينية في أراضي ما قبل حرب حزيران/ يونيو 1967.

تفجير دمشق بين المطالب السياسية وحضور تركيا إضاءات منهجية سياسية إصلاحية

تفجير دمشق بين المطالب السياسية وحضور تركيا
إضاءات منهجية سياسية إصلاحية
مضر أبو الهيجاء

إن تعافي دمشق والقاهرة يشير إلى حقيقة تاريخية ثابتة، وهي استرداد القدس وعودة المسجد الأقصى للمسلمين. الأمر الذي يجعل تصور البعض حول تعاون القوى الدولية أو الإقليمية -بالوكالة أو بالأصالة- مع حواضر المسلمين -وعلى رأسها دمشق- من أجل تحقيق ازدهارها، وقوتها، وتعافيها، وهمًا كبيرًا، بل خبلًا لا يليق بالعقلاء وقراء التاريخ.

وبغض النظر عمّن يقف خلف التفجير الإرهابي البشع الذي وقع في دمشق، وقتل وجرح أناسها الطاهرين، وبغض النظر عمّن نفذه، سواء أكانت إسرائيل التي يقض مضجعها التواجد التركي المتعاظم على أرض الشام المسلمة، أم كانت المخابرات الأمريكية ردًّا على رفض الحكومة السورية الخضوع لإرادة ترامب في إقحام الجيش السوري في جنوب لبنان نيابة عن الصهاينة في مقارعة حزب إيران المجرم، أم كانت الأيادي الإيرانية وذراعها اللبناني ردًّا على الحضور المهيب لوزير الخارجية السوري الشيباني في طرابلس الشام، فإن المؤكد أن هذا الحادث الإجرامي البشع يأتي في سياق ضغوط ومطالب سياسية تُدفع إليها دمشق دفعًا، من خلال الترغيب تارة، والإكراه تارة، والترهيب تارة أخرى.

واهمٌ من ظن أن دمشق وعموم أرض الشام ستشهد أمنًا واستقرارًا في الحقبة الحالية، لا سيما والكيان الإسرائيلي قد زُرع بأيادٍ غربية على أرض فلسطين المباركة، لا لأجل الزيت والزيتون، ولا حتى المسجد الأقصى، بل للحيلولة دون نهضة الأمة من خلال أهم حواضرها المؤثرة عبر التاريخ: دمشق، والقاهرة، وبغداد.

ولذلك فإن هذا الواقع يحتاج من الصادقين، والجادين، والمضحين الرساليين، أن يعدوا العدة للتحدي والتصدي للمشاريع المعادية خلال حقبة ساخنة وفارقة، ستشهد منعرجات كبيرة ستكون -بإذن الله- في صالح الأمة إن كانت على مستوى الإعداد اللائق. وهذا الإعداد لا ينحصر في الجانب العسكري، بل يشمل جميع أشكال الإعداد: السياسي، والعلمي، والمجتمعي، وتأهيل الإنسان، فهو الرصيد الحقيقي الذي ينبغي أن يُبنى عليه ويُعتنى به.

ومن نكد الزمان اليوم، وفي ظل تصاعد الاحتراب الدولي، والتنافس الإقليمي، واستباحة قتل الشعوب برعاية الغرب الديمقراطي، الذي مكّن بشار الأسد من نحر رقاب السوريين، وأيد انقلاب السيسي على الرئيس الشرعي المنتخب، وفي ظل الفوضى التي رعتها وكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية الأمريكية، وعموم الغرب الفاعل في تدمير المنطقة، يبرز دورٌ مشبوه تقوم به بعض النخب العربية السياسية حين تعمل على تجميل صورة ترامب والسياسات الأمريكية، وإقناع الناس بأن أمريكا بدأت تتراجع عن إسرائيل، ويمكن أن تتحالف مع العرب وتستغني عنها. وهذا، لعمري، من أسوأ أشكال الاستمناء السياسي القبيح، الذي يعمي الأبصار، ويغلق العقول، ويمنع الإعداد الصحيح.

الحضور العربي والدور التركي هم السور الواقي وأهل سورية هم صمام الأمان في الشام

لن تنجو سورية وحدها، ولو اجتمع جميع أهلها على كلمة واحدة. ورغم أن أهل الشام هم أساس النصر والتمكين، إلا أنهم لن يفلحوا منفردين في مواجهة مشاريع متعددة معادية تدرك خطورة المنعطف الذي يمكن أن تحدثه دمشق، والقاهرة، وبغداد في واقع الأمة من جديد.

ولذلك، فإن بناء الدولة والإنسان في الشام يجب أن يترافق مع حضور عربي فاعل، ودور تركي مركزي وأصيل، يسهم في هندسة المواقف السياسية، ولا سيما الخارجية، ويكون ركيزة في المعادلة الأمنية والعسكرية.

وخلاف ذلك، فإن سورية اليوم من أكثر الساحات عرضة للعبث والتفكيك، وهي غير قادرة على حماية نفسها من التهديدات المحيطة بها. فهل يتواضع السوريون سياسياً، ويتساموا عن عقدة الجاهلية الوطنية والقطرية، ويدركوا أنهم جزء من أمة عظيمة، لم يكن ليحيا طرف منها بمعزل عن بقية الأمة؟

تمكين الشام مدخل انعتاق الأمة واسترداد الأقصى

إن العمل العربي والإسلامي على أرض الشام، الهادف إلى تمكينها، وإعزاز أهلها، وتمتين دولتها، وتقويم سياساتها، ووقاية مكوناتها من العبث الخارجي، هو دليل الوعي والانتماء. فالشام اليوم من أكثر الساحات رخاوة، نتيجة التدمير الممنهج الذي قادته القوى الغربية، برعاية فرنسية وأمريكية، منذ سقوط الخلافة وحتى اليوم، وذلك بقصد الحيلولة دون نهوض المسلمين.

ومن الصعب، بل يكاد يكون مستحيلاً، أن تقوم للمسلمين قائمة دون أن تتعافى حواضرهم الكبرى، وفي مقدمتها مصر خزان الأمة، وأرض الشام المباركة. وهو ما يعني أن عودة الأقصى إلى حضن المسلمين لن تتحقق، مهما عظمت تضحيات أهل فلسطين وثباتهم، إلا بتعافي الأمة، واستعادة محيط فلسطين القريب لعافيته وقوته.

استرداد الأقصى ثمرة الاستقامة ونتيجة التمكين

إن الأقصى وفلسطين مرآة لواقع الأمة، وعودتهما إلى حضن المسلمين ثمرة لتعافيها وتحقيق التمكين.

فمتى نراجع نظريات الجهاد والإصلاح والتغيير، لتقود إلى تمكين تكون غايته أن تكون كلمة الله هي العليا وقد فُتِحت لنا دمشق المسلمين اليوم؟

 مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام 3/7/2026


السبت، 4 يوليو 2026

انظروا إلى هذا المرتكب للإبادة الجماعية...

 انظروا إلى هذا المرتكب للإبادة الجماعية...

ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قررت الحكومة الإسرائيلية، بمبادرة من وزير الخارجية جدعون ساعر، الاعتراف بأحداث عام 1915 على أنها "إبادة جماعية للأرمن". أما مبرر القرار، فهو أشبه ما يكون بنكتة في عرض كوميدي: "المسؤولية التاريخية والأخلاقية".

إسرائيل والأخلاق، والصهيونية والمسؤولية الأخلاقية، ونتنياهو، ومشاعر إنسانية تجاه أناس غير يهود فقدوا حياتهم قبل 111 عامًا بطريقة أو بأخرى.

ماذا يمكن أن نقول؟ في الحقيقة، فإن استخدام سفاح غزة، ومرتكب إبادة جماعية واضحة لا تزال مستمرة حتى اليوم، لهذا الملف بهذه الطريقة، يمكن اعتباره دعمًا كبيرًا لتركيا. 

فإسرائيل، بوصفها دولة ترتكب الإبادة الجماعية، لا تستحق بطبيعة الحال أي شكر أو تقدير، لا في هذا الموضوع ولا في أي موضوع آخر. لكن هذا الموقف العبثي الذي اتخذته في هذه القضية يشبه اعترافًا يكشف كيف استُخدمت مسألة "الإبادة الجماعية للأرمن" حتى الآن أداةً للاستغلال السياسي الدولي. وحتى إن لم يكن ذلك عن قصد أو عن إرادة، فقد قدمت دعمًا كبيرًا لتركيا. ولو كانت هناك محكمة تقبل بها تركيا للنظر في تهمة الإبادة الجماعية، فإن مجرد كون الشاهد ضد تركيا هو إسرائيل سيكون كافيًا لصالح تركيا.

واليوم، فإن إسرائيل هي المسؤولة عن واحدة من أكبر المجازر الجماعية التي تُبث على الهواء مباشرة في تاريخ البشرية.

وأمام أنظار العالم أجمع، ترتكب إسرائيل كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، فظائع يُقتل فيها الأطفال، وتُقصف المستشفيات، ويُستهدف الأطباء، ويُباد المعلمون والصحفيون وعمال الإغاثة والنساء وكبار السن بصورة منهجية.

وما ترتكبه اليوم لا يُعرف من خلال أرشيفات ستُفتح بعد مئة عام، ولا يُستخلص من تفسيرات المؤرخين المثيرة للجدل، ولا يقوم على افتراضات، بل يُسجل مباشرة، ويُصور، ويُوثق، ويدخل في تقارير المنظمات الدولية، ويتحول إلى ملفات قضائية.

وفي الوقت الذي يحدث فيه كل ذلك، فإن إقدام حكومة نتنياهو على استخدام ورقة "الإبادة الجماعية للأرمن" ضد تركيا لا يُكوّن رأيًا ضد تركيا، بل يشبه رهينة يتمسك بها القاتل كورقته الأخيرة للهرب. وهذه الرهينة، أي مزاعم الإبادة الجماعية للأرمن، ينبغي إنقاذها من أيدي قتلة مثل إسرائيل.

وفي الحقيقة، ألم يكن هذا هو الوضع الأخلاقي لمزاعم الإبادة الجماعية للأرمن طوال سنوات؟ فجميع الدول التي اعترفت بهذه المزاعم في برلماناتها كانت تحمل في حقائبها الاستعمارية الحديثة عددًا لا يحصى من الجرائم ضد الإنسانية. والغريب أن الدول التي كانت ولا تزال تتحمل المسؤولية الرئيسية عن غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي، وعن بقاء الديكتاتوريات الدموية، جعلت من حادثة مضى عليها أكثر من قرن بابًا لتطهير نفسها من جميع خطاياها. 

ولم يكن لدى أي منها ذرة تعاطف أو اهتمام بآلام حدثت قبل مئة عام. بل إن أحدًا لم يكن يعرف على وجه الحقيقة ما الذي جرى آنذاك. لكنهم كانوا يجدون لأنفسهم شعورًا متوهمًا بالتفوق في سرديات تاريخية متخيلة.

إن خطابًا سياسيًا يتجاهل الجرائم التي تُرتكب اليوم أمام أعين العالم، ثم يوزع الدروس الأخلاقية استنادًا إلى أحداث وقعت قبل مئة وأحد عشر عامًا، وقد رحل جميع أطرافها إلى التاريخ، ولم يبق لها شهود، وما زالت النقاشات مستمرة حول ظروف تلك المرحلة، وتبقى مفتوحة لتفسيرات جديدة كلما ظهرت وثائق جديدة، هو خطاب يستهلك في النهاية ثقة الناس بجميع شعارات حقوق الإنسان.

وفي الحقيقة، فإن لهذه التحركات، فضلًا عن كل شيء آخر، جانبًا يمثل إساءة منفصلة إلى الضمير الإنساني المشترك. لأن الذين يلتزمون الصمت أمام جريمة تُرتكب اليوم، ثم يحاولون إعطاء البشرية دروسًا باسم أحداث وقعت قبل 111 عامًا، لا يعززون الشعور بالعدالة، بل يعتدون عليه بصورة أكبر.

واللافت في الأمر أن إسرائيل، التي احتكرت طوال سنوات مفهوم الإبادة الجماعية وقصرته على الهولوكوست الذي تعرض له اليهود، لم تكن مستعدة أصلًا للاعتراف بتعبير "الإبادة الجماعية للأرمن". فلم تأخذ إسرائيل يومًا في الاعتبار مزاعم الإبادة الجماعية، لا للأرمن ولا لأي شعب آخر. لأنها كانت ترى أن هذا الحدث لا يمكن أن يكون قد وقع إلا لأبناء شعبها.

وبعبارة أدق، فإن إسرائيل فضلت الحفاظ على احتكارها حتى للمكاسب السياسية الهائلة التي أنتجتها من مزاعم الإبادة الجماعية. وبهذه الطريقة، كانت تُظهر نفسها وكأنها تقف إلى جانب تركيا في مواجهة جماعات الضغط الأرمنية في الولايات المتحدة، وكانت في المقابل تُحمّل تركيا باستمرار دينًا معنويًا. وهكذا أظهرت أداءً مثيرًا للدهشة في الاستفادة من خطاب الإبادة الجماعية من جميع جوانبه.

كما شعرت تركيا طوال سنوات بأنها مدينة لإسرائيل بسبب هذا الموقف الاحتيالي المخادع. ومع ذلك، كنا نقول دائمًا آنذاك إن الشيء الوحيد الذي ينبغي على تركيا فعله أمام هذه الديون المصطنعة الناتجة عن مثل هذه الأساليب الاحتيالية هو ألا تنخدع بهذه اللعبة، وألا تعترف أصلًا بهذا الدين. نعم، ينبغي كشف هذه الممارسات المخادعة، وفضح النفاق الكامن وراء ما يسمى بالحساسية تجاه الإبادة الجماعية. كما ينبغي باستمرار مواجهتهم بنفاقهم المتمثل في استخراج ديون من قضية أصبحت جزءًا من التاريخ، بينما يلتزمون الصمت تجاه الإبادات الجماعية التي تقع اليوم.

وفي الوقت نفسه، فإن تحويل ما حدث للأرمن إلى دين يُطالب به في الحاضر لا يحل مشكلات الأتراك والأرمن. فما زال الشعبان مضطرين إلى العيش معًا، وإن بقائهما أسيرين للماضي يشكل أكبر عقبة أمام بناء المستقبل معًا.

وفي هذا السياق، أرى أن موقف رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان كان أكثر الردود عقلانية ورقيًا. فعند قراءة تصريحاته بعناية، يتبين أن أرمينيا أيضًا بدأت تدريجيًا تدرك هذا الاستغلال.

فبدلًا من تقديم قرار إسرائيل بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا، فضل اتخاذ موقف متحفظ من تحويل القضية الأرمنية إلى أداة في الصراعات الجيوسياسية. وكان موقفه تعبيرًا عن إدراك أن القضية الأرمنية استُخدمت طوال المئة عام الماضية، في معظم الأحيان، من قبل أطراف أخرى أكثر مما استُخدمت من قبل الأرمن أنفسهم.

فتارة كانت في حسابات روسيا، وتارة في حسابات فرنسا، وتارة في حسابات الولايات المتحدة، واليوم في حسابات إسرائيل. وهذا هو الأمر الذي أدركه باشينيان أيضًا؛ وهو تحويل معاناة الشعب الأرمني إلى وسيلة تستخدمها دول أخرى لتصفية حساباتها مع تركيا.

ولا يمكن نقل هذه القضية إلى أرضية ذات معنى إلا إذا نوقشت بين الأتراك والأرمن أنفسهم. وفي الواقع، فإن بعض التصريحات الصادرة من يريفان خلال السنوات الأخيرة تُظهر أن إرادة بناء المستقبل أصبحت أقوى من العيش أسيرًا للتاريخ. 

فليس لدى أي من هذه الدول ذرة تعاطف أو رحمة أو قرب من الشعب الأرمني. ويكفي أن فرنسا أثبتت ذلك عندما دفعت بالأرمن إلى الخطوط الأمامية خلال الحرب العالمية الثانية للعمل في إزالة الألغام. أما الآخرين، فلا داعي حتى للتطرق إليهم.

ومن هذا المنطلق، فإن إسرائيل، بفضل تسببها في صدور هذا الموقف من باشينيان، قد خدمت، من حيث لا تدري ولا تريد، في إظهار الحقيقة إلى العلن.

وبالطبع، لسنا بصدد تقديم الشكر لها.

حدث في مثل هذا اليوم 4 يوليو: معركة “حطّين” واسترداد القدس حتى لا ننسى:

 حدث في مثل هذا اليوم 4 يوليو: معركة “حطّين” واسترداد القدس

حتى لا ننسى:

  يسري الخطيب  

أرض حطين

– في صفحات التاريخ أيامٌ تمر، وأيامٌ تغيّر مجرى 

التاريخ كله. ويظل الرابع من يوليو شاهدًا على لحظةٍ

 انكسرت فيها أسطورةٌ عسكريةٌ ظنّ أصحابها أنها لا

 تُقهَر، وارتفع فيها نجمُ قائدٍ لم يصنع مجده بالنَّسب،

 ولا بالثروة، وإنما بالإيمان، ووحدة الصف، وحسن

 القيادة، حتى غدت حطّين عنوانًا لانتصارٍ تجاوز

 حدود المعركة، وصار رمزًا لقدرة الأمة على

 النهوض كلما اجتمعت كلمتها، ورسالةً خالدةً تؤكد أن

 الأمم لا تكتب تاريخها بالشعارات، وإنما تكتبه

 بالعقيدة، والإعداد، والتضحية، والرجال الذين

 يتركون في الزمن أثرًا لا تمحوه القرون.

– حطّين.. معركة تاريخية فاصلة بين الصليبيين،

 والمسلمين بقيادة بطل الإسلام المجاهد صلاح الدين

 الأيوبي،

– بدأت (معركة حطين) في يوم 3 يوليو 1187م،

 وانتهت بالنصر الساحق للمسلمين في 25 ربيع

 الثاني 583 هـ.. الموافق 4 يوليو 1187م

وحطين هي قرية فلسطينية صغيرة، تبعد 8 كيلو متر

 شمال غرب مدينة طبريا..

وتأتي شهرتها التاريخية من الانتصار العظيم،

 والحرب التي دارت على أرضها، ولذا تم تدميرها

 تماما بعد استيلاء اليهود على فلسطين، وتحديدا في

 16 يوليو 1948م، وطردَ اليهود سكان القرية

 ومنعوهم من العودة، ليتخلصوا من (عُقدة حطين)

 واسم صلاح الدين، وأقامت إسرائيل على أراضي

 حطين مستعمرة أربيل سنة 1949م، وبعد ذلك بعام،

 مستعمرة كفار زيتيم.

– كان العمود الفقري لجيش صلاح الدين الأيوبي:

 (الأكراد – التُّرك – العرب) فقد كان يضم أعدادًا

 كبيرة من شباب المسلمين المتطوعين المدربين، من:

 مصر، والعراق، والشام، وفلسطين، ودول المغرب

 العربي، والجزيرة العربية.

– انتصر المسلمون على الصليبيين في “حطين”

 انتصارا عظيما، فقد سحقوهم وأسروا فرسانهم،

 وقضوا عليهم تماما.. وكانت تلك نهاية الصليبيين

 وأطماعهم في المنطقة، وتحرير القدس وجميع

 الأراضي التي احتلها الصليبيون، وكان اسم صلاح

 الدين وما زال يصيبهم بالرعب، ويمثّل (عُقدة)

 للغرب، وللعلمانيين، والشيعة المتصوّفين في مصر

 (الشيصوفية)، والمنافقين، في بلاد الإسلام.

– عندما دخلت القوات الفرنسية دمشق، عام 1920م،

 عقب معركة (ميسلون) توجّه الجنرال الفرنسي

 “هنري جوزيف أوجين غورو” (جورو) إلى قبر

 صلاح الدين وقال مخاطبًا إياه: “ها قد عُدنا يا صلاح

 الدين!”

– ظلت المطالب السياسية الغربية من الخمسينيات

 للآن، تطالب حُكام العرب بحذف اسم صلاح الدين

 من المناهج المدرسية، تدريجيا.. ونجحوا في ذلك..

– لم يكن صلاح الدين (رحمه الله) من الأصل العربي

 الذي يتغنّى به كثيرون، ويتفاخرون به، بل كان

 مزيجا: (أعجمي/كردي)..

قال ابن الأثير في كتاب الكامل: إن جذور عائلة

 صلاح الدين تعود لمنطقة (دوين) في دولة

 أذربيجان، ويتفق معه في هذا المؤرّخ “ابن خلكان”

– تُوُفيَ صلاح الدين عن عُمرٍ يناهز (57 عاما)، ولم

 يترك خلفه درهما، ولا دينارا، بل تركَ في نفوس

 الدنيا “اسمًا” سيظل في ثغر الزمان مضيئًا عظيمًا،

 حتى يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها..


يسري الخطيب

انفصال لم يُسمع له دويّ!


انفصال لم يُسمع له دويّ!
حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


منذ أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في السودان عن حكومتهم الموازية، واختيار مدينة نيالا عاصمة إدراية، بدا أن عواقب تلك المغامرة لن تكون حميدة.

 لم يقتصر إعلان تحالف المليشيا على حكومة منفى أو سلطة رمزية تنازع السلطة العسكرية المتحصّنة وقتها في مدينة بورتسودان شرعيّتها. 

تدرج "مشروع" الحكم لإعلان مؤسّسات دولة موازية. 

ثم أقام امتحانات لطلاب الشهادة الثانوية ادّعى إنه قادر على توفير جامعاتٍ لهم في الأراضي الواقعة تحت سيطرته. 

وأعلنت الحكومة الموازية نيتها مراجعة المناهج التعليمية، كما أعلنت عن إجراءات مصرفية. 

ما يبدو إجراءات إدارية مضحكة ومعزولة هو محاولة لبناء شرعية يومية، تجعل السلطة الموازية جزءاً من تفاصيل حياة المواطنين، لا قوة عسكرية تسيطر على الأرض.

جاء موقف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) وجامعة الدول العربية كما هو متوقع، برفض إجراءات السلطة الموازية، والتنديد المستمر بأي إجراء يهدد وحدة السودان. 

فتكرّر التحذير من المساس بهذه الوحدة في كل التصريحات، حتى في مؤتمر برلين (إبريل/ نيسان 2026) الذي أكد أهمية قيام عملية سياسية أعلن المؤتمر أن أي تسوية سياسية يجب أن تنتهي إلى دولة موحّدة. لكن الواقع العملي ربما يجبر العالم على إجراءات حذرة على الأرض.

تقف السياسة الدولية عند مفترق قول ما ينبغي قوله، برفض السلطة الموازية في نيالا، لكنها تضطر للتعامل معها سلطة أمر واقع لإيصال الغذاء والدواء إلى ملايين السودانيين. 

لا تنتظر الإغاثة انتهاء الحرب. وتجد المنظّمات الدولية نفسها مجبرةً، منذ بداية الحرب، على التفاوض والتنسيق مع من يسيطر على الأرض. الأمر الذي جلب عليها سخط السلطتين واتهامات التعاون مع العدو، لكن ما تفرضه الوقائع على الأرض يجبر السياسة الدولية على خياراتٍ لا تتسق مع ما تعلنه الدبلوماسية. وكما لا تنتظر الإغاثة، لا تنتظر المصالح. وما يمكن أن تغري به سلطة نيالا لا يختلف كثيراً عما يمكن أن تعد به سلطة الخرطوم. والجشع التجاري يغلب عقوبات المجتمع الدولي على الاستثمار في مناطق النزاع.

لم تعد الحرب السودانية تدور حول عمليات قتالية بين جيش نظامي ومليشيا، لكنها تجاوزت تنازع السلطة إلى اقتسامها. 

فبعدما فشلت "الدعم السريع" في الاحتفاظ بالعاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة الزراعية، وتعاملت معهما بمنطق الغنيمة ووليمة السلب المفتوحة، قنعت المليشيا عن الغنيمة بالاقتسام. وتراهن على تسرّب سلطتها الموازية إلى الحياة اليومية، فلا تصبح إجراءات مؤقتة أو معزولة، إنما واقع سلطوي يدير الحياة وينتج مؤسّسات موازية، بل ربما يدافع عن المواطنين من غارات السلطة العسكرية، فيكتسب شرعية الحامي، إضافة إلى شرعية سلطة الحياة اليومية. ينتج هذا واقعاً سيبدو التراجع عنه أكثر كلفة من الاستمرار فيه.

وكما يقدّم التاريخ نماذج لانتهاء سلطات موازية وتلاشيها بانتهاء الحرب، يقدّم نماذج لتحول تلك السلطات إلى دول مستقلة. 

وإن كان الشعب السوداني قد كرّر رفضه أن تكون هناك "مليشيا تحكم دولة"، لكن التاريخ قدّم نماذج لانتصار مليشيات بعد حرب استنزاف وإقامتها سلطة مركزية أو موازية تحوّلها من مليشيا شبه نظامية إلى جيش نظامي بين عشية وضحاها. 

وتنبت الرتب العسكرية الرسمية على أكتاف رجال لم يدرسوا في كليات عسكرية، لكنهم تركوا أدواتهم المدنية وحملوا السلاح. 

والأخير نموذج يغرق فيه السودان اليوم حيث تتقاسمه (مع وجود الجيش النظامي) تحالفات واسعة من المليشيات في الخرطوم ونيالا، بالتوازي مع كارتيلات الفساد التي تعتمد على العلاقات بحملة السلاح. 

كلما طال أمد الحرب ترسّخت مصالح هذه المجموعات، كما تترسّخ حقيقة المؤسّسات الموازية التي تبدو هشة اليوم، لكنها بالتأكيد أقل هشاشةً عما كانت عليه يوم أعلنت منذ شهور وأسابيع. مع مرور الوقت، الذي يبدو أن الحرب تمتلك منه الكثير، يصبح تفكيك الواقع الذي ينتجه هذا الوضع المتشابك أصعب وأكثر كلفة.

تلك هل المعضلة التي يدركها المجتمع الدولي، لكنه لا يجد لها حلاً فيما يبدو. فهو يكرّر الدعوة إلى وحدة السودان على مجموعات لا تبدو حريصة على هذا، وفي واقع لا يمكن أن ينتج إلا انفصالاً جديداً بعد انفصال جنوب السودان في 2011.

تقول الروائية بثينة العيسى في روايتها "ارتطام لم يُسمع له دويّ" (ومنه جاء عنوان هذه المقالة): "من العبث أن تلوذ بالعتمة من العتمة".. 

وما يبدو أن ما يواجه السودانيين هو عبث الفرار من الاقتتال الأهلي إلى انفصال السودان. وهو انفصال يمشي بهدوء من دون أن يصدر الضجّة التي أحدثها انفصال 2011.