الاثنين، 5 أكتوبر 2026

تعز بين الحصار والصمود

تعز بين الحصار والصمود
 . حسن الرشيدي

لماذا تصعّد جماعة الحوثي هجماتها على تعز، وما الذي يجعل المدينة عصية على السقوط رغم الحصار والقصف وتفاوت الإمكانات؟ وهل يستطيع صمود أبنائها إفشال مخطط إخضاعها وتغيير مسار المعركة خلال المرحلة المقبلة؟

منذ الأول من أكتوبر يوم الخميس الماضي، تواجه مدينة تعز اليمنية هجومًا شرسًا ومتواصلا من جانب قوات الحوثي، يستخدمون فيه الطائرات المسيرة والقصف المدفعي بغرض إسقاط المدينة وإخضاعها لحكم تلك الميليشيا، حيث يأتي الهجوم عليها من خلال ثلاثة محاور: الشرقي والغربي والجنوبي.

وفق بعض المراقبين، فقد بلغت الهجمات التي شنها الحوثي أكثر من خمسين هجوما في محاولة مستميتة في أيام قليلة، مما يعكس الرغبة الشديدة لدى الحوثي لاحتلال المدينة.

وحتى الآن، لا يوجد مؤشر واضح حول استسلام المدينة أو قرب اندحار مقاومتها.

وهنا تبرز عدة أسئلة:

ما هو السبب الذي يدفع الحوثي لتكثيف هجومه المركز على تلك المدينة؟

ما هي طبيعة الهجمات الحوثية وكيف واجهته المقاومة؟ وإلى أين تتجه هذه المعركة؟

تعز الموقع والأهمية


لكي ندرك دوافع الحوثي لهذا الهجوم الشرس على

 تعز لابد من دراسة الجغرافيا الاستراتيجية لتلك

 المدينة.

تكتسب مدينة تعز أهمية بالغة واستثنائية نظرًا لعدة

 عوامل جغرافية، وسكانية، وعسكرية:

* موقع استراتيجي في منتصف الصراع: تربط تعز

 جغرافياً بين مناطق الشمال الخاضعة للحوثيين وبين

 الجنوب الذي تسيطر عليه القوات الحكومية.

* القرب من الممرات المائية الحيوية: تمتد المحافظة

 غرباً نحو ساحل البحر الأحمر لتضم مناطق مثل

 المخا وذباب القريبة من باب المندب، أحد أهم

 الممرات البحرية في العالم بين آسيا وأوروبا.

* ثقل سكاني وإنساني: تُعد مدينة تعز واحدة من أكبر

 المراكز السكانية في اليمن، وتستضيف أعداداً كبيرة

 من النازحين.

* رمزية سياسية وعسكرية: تحولت المدينة منذ

 سنوات الحرب إلى رمز للمعسكر المناهض

 للحوثيين، وتعتبر السيطرة عليها أو الضغط عليها

 بمثابة ضغط على ميزان القوى في اليمن كله وعلى

 خطوط الإمداد والطرق الرئيسية.

فمحافظة تعز هي الوحيدة في اليمن التي تجمع أربعة

 أنواع جغرافيا في محافظة واحدة: فهناك الجبال

 الشاهقة، فجبال تعز تزيد من أهميتها الاستراتيجية

 من خلال إشرافها وتحكمها في الممرات المؤدية إلى

 لحج والضالع والساحل الغربي وميناء المخا؛ لذلك

 تمثل هذه الجبال مواقع حاسمة للمراقبة والدفاع

 والقصف، وتجعل السيطرة على تعز أكثر صعوبة

 وكلفة.

ولكن محافظة تعز لا تحتوي على جبال شاهقة فقط،

 بل هناك ساحل مفتوح، في المخا وذوباب وباب

 المندب، وهناك صحراء ووديان في مقبنة

 والوازعية، وأيضًا تحتوي على غابة كثيفة في

 الأغبرة وامتداد كهبوب الى باب المندب. هذا التنوع

 الجغرافي لا يوجد في أي محافظة يمنية.

الهجوم الحوثي

أولا، من حيث جبهات الهجوم أو محاوره


بدأ الهجوم بشن عمليات متزامنة ومكثفة عبر ثلاثة محاور رئيسية بهدف تشتيت دفاعات المدينة ومنع دعم الجبهات لبعضها البعض:

* المحور الغربي (محور الشريان الحيوي): الهدف الرئيس هنا هو قطع المنفذ الوحيد للإغاثة والإمداد عن المدينة وتطويقها بالكامل.

* المحور الشرقي (محور المركز والتحصينات): يُستخدم للضغط على وسط المدينة وإشغال القوات المدافعة عن دعم الجبهات الأخرى.

* المحور الجنوبي والجنوبي الغربي: يهدف للالتفاف على أحياء تعز من الخلف ومحاصرة القواعد المتقدمة.

ثانيا، حجم القوات وتقسيمها


تُقدَّر عناصر رأس الحربة والموجات الهجومية الأولى القوات الحوثية المشاركة في الاقتحام المباشر بـ 3,000 إلى 5,000 مقاتل، تدعمهم حشود وإسناد مدفعي ولوجستي يتجاوز ذلك بكثير من المواقع الخلفية.
وتعتمد تكتيكات الهجوم بشكل رئيسي على تكتيك الموجات القتالية المتتابعة:
 

 تُصنف المنظمات الدولية تعز كأكبر منطقة حضرية تخضع لحالة خنق وتطويق بري مستمر، مما يفرض كلفة إنسانية باهظة دون وجود تحرك عسكري دولي أو حكومي حاسم لفك الحصار الشامل. 


فهناك قوات الصف الأول: وتضم مجندين جُدداً وعناصر أقل خبرة، ويتم الدفع بهم في الموجات الأولى بهدف الاستطلاع، وكشف مواقع القناصة ودشم المقاومة، واستهلاك ذخيرة المدافعين، وتشكيل غطاء بشري يضغط على خطوط الدفاع.

ثم تجيء قوات النخبة (ويُطلق عليها كتائب التدخل السريع أو المغاوير)، وتضم عناصر مدربة تدريباً عالياً على حرب العصابات والتسلل الجبلي ومهارات الاقتحام المباشر، وتتلخص مهمتها في التحرك في الموجة الثانية أو الثالثة بعد إنهاك المدافعين، لاستغلال الثغرات التي أحدثها التمهيد الناري، وتنفيذ عمليات الالتفاف والسيطرة على التباب الحاكمة.

ثالثا، المعدات والأسلحة المستخدمة


اعتمد الهجوم الحوثي على المزيج بين الأسلحة الثقيلة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة: فقد تم الدفع بالطائرات المسيرة لغرضين: استطلاع وتحديد أهداف بدقة عالية، وكطائرات انتحارية (مذخّرة) لاستهداف غرف العمليات الميدانية، ومواقع القناصة، والتجمعات خلف خطوط التماس.

رابعا، الخطة العسكرية والتكتيكات الميدانية


تتلخص الخطة العسكرية الحوثية في هذا الهجوم

 المكثف عبر عدة تكتيكات:

* الصدمة والترويع الناري: البدء بتمهيد ناري مكثف

 وسريع باستخدام المدفعية والمسيّرات لإرباك خطوط

 الدفاع الأولى.

* التسلل الليلي: استغلال الطبيعة الجغرافية الوعرة

 والوديان للتسلل خلف مواقع المقاومة وتطويق التباب

 الحاكمة قبل العلن عن الهجوم الرئيسي.

* تكتيك الخنق والقطع: التركيز العسكري الأكبر لا

 يستهدف دخول أحياء تعز المكتظة فوراً (لأن تكلفة

 حرب المدن مرتفعة)، بل التركيز على إسقاط التلال

 التي تطل على طريق الضباب لقطع شريان الإمداد

 كلياً لإجبار المدينة على الاستسلام تحت وطأة

 الحصار الشامل.

القوات المدافعة عن تعز


يمكن تصنيف القوات المدافعة عن تعز إلى ثلاثة أنواع: المقاومة الشعبية، وقوات الجيش اليمني الأساسية، والفرق التي أنشأتها الحكومة الشرعية مؤخرا.

أولا، المقاومة الشعبية


تشير مراكز الأبحاث الغربية إلى المقاومة الشعبية في تعز بوصفها شبكات الدفاع المحلي والتجنيد الأهلي، حيث شكلت مع بدايات الاجتياح عام 2015 كتأسيس تلقائي مدني ومجتمعي لحماية المدينة.

لم يقتصر دور المقاومة الشعبية في تعز على الدعم الإسنادي، بل كانت وما زالت تشكل رأس الحربة والخط الدفاعي الأول الذي يتصدى للموجات الهجومية الحوثية في أشرس خطوط التماس، حيث يباشر أبناء تعز ومقاومتها القتال المباشر في الصفوف الأولى على المرتفعات والتباب الحاكمة، متسلحين بمعرفتهم الجغرافية لصد الاقتحامات، بينما تتولى ألوية محور تعز العسكري التابعة للجيش اليمني التغطية النارية والتنظيم التكتيكي لخطوط المعركة.

وتضم تلك المقاومة في صفوفها أبناء الأحياء من شباب الجامعات والقبائل المحيطة والمجتمع المحلي، إلى جانب مجندين وضباط انحازوا لمدينتهم.

ويبرز اسم الشيخ حمود سعيد المخلافي كشخصية قيادية مؤسسة للمجلس الأعلى للمقاومة الشعبية، حيث تُصنفه التقارير الدولية كعنصر حشد وتأثير اجتماعي وقبلي واسع النطاق يُمول ويُنظم خطوط الإسناد الأولى للقتال.

ثانيا، الهيكل العسكري الرسمي


​تُدار القوة الدفاعية التنظيمية من قبل الحكومة

 الشرعية في اليمن بواسطة المنطقة العسكرية

 الرابعة، بقيادة اللواء الركن خالد فاضل.

 وتوزع المهام العسكرية بناءً على خطوط التماس

 كالتالي:

​اللواء 22 ميكانيكي، يتولى حماية القطاع الشرقي

 وأحياء وسط المدينة، واللواء 17 مشاة، ينشط في

 تأمين المحور الغربي والشمالي الغربي، واللواء 35

 مدرع، يغطي القطاع الجنوبي والشرقي وفي مناطق

 الريف المفتوح، واللواء 145 مشاة وحدات الدفاع

 الجوي، تعمل كقوات إسناد سريع وتغطية نارية

 لتثبيت نقاط التماس المتقدمة.


ثالثا، القوات المساعدة والحديثة


على خلاف ما يُروَّج له إعلامياً، أثبتت واقعية الميدان غياب الدعم الفعلي من التشكيلات العسكرية الحديثة؛ فقوات العمالقة ذات الخلفية السلفية المدخلية تنحصر في مناطق الشريط الساحلي وتحكمها حسابات عقائدية وسياسية تمنعها من الانخراط في معارك تعز الداخلية. أما المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، فقد انحسر دورها كلياً وتضاعفت الشكوك حول فاعليتها عقب الانسحابات والتراجعات التي شهدتها مناطق الساحل والمخا، مما ترك الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بتعز في مواجهة منفردة ومستمرة ضد الآلة العسكرية الحوثية.

وفي إطار إعادة ترتيب أوراق الميدان، برز دور

 تشكيلات عسكرية وأمنية مستجدة؛ حيث تشكل قوات

 درع الوطن حائط صد استراتيجي في المحاور

 الجنوبية والشرائط الجبلية المتاخمة لتعز (في لحج

 والصبيحة) لضمان تأمين منافذ الإمداد ومنع أي

 تطويق خلفي للمدينة. وعلى خطوط التماس

 المباشرة، تلعب قوات الطوارئ والتدخل السريع دور

 القوة الضاربة لمواجهة تسللات الحوثي؛ إذ تُسند

 إليها مهام الاستجابة السريعة لاستعادة التباب

 الحاكمة، وحرب العصابات داخل الأحياء المفتوحة،

 وتطهير البؤر النارية لتثبيت نقاط الصمود الأولية،

 ولكن تلك القوتين لا يكاد يشعر يهما المدافعون عن تعز.

الشعور بالخذلان


يمكن تحليل حالة الاحتقان وشعور الخذلان لدى

 الشارع المدافع عن تعز عبر أربعة أسباب هيكلية:

١- فجوة التسليح النوعي


تشير التقارير إلى أن المقاومة والجيش يقاتلان بأسلحة تقليدية خفيفة ومتوسطة، في مواجهة هجمات حوثية مكثفة تستخدم الطائرات المسيرة الانتحارية والمدفعية الثقيلة وسلاح القنص الحراري.

٢- الحصار الإنساني والاقتصادي المستمر


تُصنف المنظمات الدولية تعز كأكبر منطقة حضرية تخضع لحالة خنق وتطويق بري مستمر، مما يفرض كلفة إنسانية باهظة دون وجود تحرك عسكري دولي أو حكومي حاسم لفك الحصار الشامل.

٣- تذبذب الدعم اللوجستي

يعاني المرابطون في الجبهات من عدم في وصول

 إمدادات الطعام والمواد الطبية والميزانيات التشغيلية

 اللازمة لإدارة المعارك طويلة المدى بشكل منتظم. 

٤- التجاذبات السياسية والحسابات الحزبية


يرى البعض أن الانقسامات الداخلية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بالإضافة إلى تحفظات إقليمية حول القيادات الشعبية في تعز، أدت إلى تهميش جبهة تعز وحرمانها من عملية تحرير شاملة ومكتملة الأركان.

مستقبل تعز

تبدو معركة تعز متجهة إلى جولة طويلة من

 الاستنزاف، لا إلى حسم سريع. فالحوثيون يملكون

 القدرة على فتح جبهات متعددة واستخدام القصف

 والطائرات المسيّرة للضغط على المدينة وطرقها،

 لكن السيطرة على مركز حضري محاط بالمرتفعات

 ومسنود بمقاومة محلية تظل عملية عالية الكلفة. لذلك

 يرجح أن يتوقف المسار المقبل على قدرة القوات

 المدافعة على الحفاظ على طرق الإمداد، وعلى مدى

 حصولها على دعم عسكري وسياسي منتظم. 


وحتى الآن، يظل صمود تعز قائمًا، لكن استمراره يرتبط بتحويل هذا الصمود من موقف دفاعي طويل إلى استراتيجية قادرة على منع الحصار واستعادة
المبادرة.


أهل تعز صمدوا سنينا تحت الحصار والنار، والحوثي

 حاول أن يكسر المدينة فما انكسرت.

تعز دفعت الثمن غاليا، وأهلها ما زالوا يرفضون


 يسلّمون مدينتهم رغم الخذلان والتآمر.




متى بدأ مشاهير التحامق ..!؟

متى بدأ مشاهير التحامق ..!؟

#ناصية

حين تصفّحت بعض كتب التراث - وبالذات كتابي "عقلاء المجانين" للنيسابوري، و"أخبار الحمقى والمغفّلين" لابن الجوزي - وجدت أنّ البعض يهرب من العقل والحكمة ويتجه إلى الحماقة والحمق ويمتهن

"التحامق".. لذلك اخترعت اسم #مشاهير_التحامق !

و تحت هذا الوسم "الهاشتاق" سأكتب بعض القصص عن "مشاهير التحامق" التي وردت في كتب التراث، وكيف أنّ بعض مشاهير "مواقع التواصل" يسيرون على نفس منهج مشاهير التحامق في كتب 📕 التراث!

يُقال أنّ "النعمان بن المنذر" كان يستخدم المضحكين، وعلى رأسهم "سعد القرقرة" لإضحاكه؛ وقد عُدّ في المستأكلين -طالبي الأكل- والمتطفّلين؛ أي من أهل "السلتحة"..

وقد استعان السادة والأشراف بالمضحكين أيضاً ليقصوا لهم القَصَص المضحك..

أما "القرقرة" فهي الضحك العميق؛ وقد لُقّب بها سعد "صانع الهزل" للنعمان بن المنذر ملك الحيرة.

والتحامق مهنة امتهنها البعض وهي مهنة قديمة ولها أسباب كثيرة سأذكرها في نواصٍ قادمة.

وهي مهنة اختيارية، وفي ذلك يقول الأحنف العكبري:

إذا كان الزمان زمان حمقى..

فإن العقل حرمان وشوم

فكن حمقا من الحمقى فإنّي..

أرى الدنيا بساحتهم تدوم!

وفي العصر العباسي أصبحت "مهنة التحامق" مهنة منظّمة ولها نقابة تُسمى "إمارة تنظيم الحمقى"، لأنّ التحامق يحتاج إلى تنظيم فهو يجلب لصاحبه

"الخيرات" مثل البغال والعبيد!

وقد وثّق سيرة هذا التنظيم الشاعر أبو العِجْل، الذي كان أمير تنظيم الحمقى حيث يقول:

أيَا عاذلي في الحمقِ دعني من العَذْلِ..

فإني رخيُّ البالِ من كثرةِ الشُّغلِ

فأصبحتُ في الحمقى أميراً مُؤمَّراً..

وما أحدٌ في الناس يمكنُه عزلِي

أما الشاعر الوطواط يقول مبيّناً سلبيات العقل ومادحاً فوائد الحمق:

لقد تعاقَلْتُ دهراً لا أرى فرَجا..

ومُذْ تحامَقتُ صارَ الناسُ يُدْنُونِي

#قاله_العرفج


أحمد العرفج
مشاهير التحامق
كتب التراث
عقلاء المجانين
أخبار الحمقى والمغفلين
العصر العباسي
سعد القرقرة

الطُّهْرُ: توجيه الرَّغبة لا قَتْلَها!

نقطة نظام

 الطُّهْرُ: توجيه الرَّغبة لا قَتْلَها!

في بيت النبي








الإسلامُ لا يتجاهلُ الغريزةَ، ولا يُجمِّلُها بالكتمانِ، بل يضعُ لها طريقًا نظيفًا تعبرُ منه دون أن تُلوِّثَ القلبَ.

وهذا الحديثُ ليس حديثًا عن الجسدِ بقدرِ ما هو حديثٌ عن النفسِ. 

إنَّه يضعُ يدَه على منطقةٍ صادقةٍ في طبيعةِ الإنسانِ: منطقةِ الميلِ، والرغبةِ، والضَّعفِ الذي خُلِق فينا ليمتحنَ وعينا لا ليُدينَ إنسانيّتَنا.

هنا نرى النبوّةَ في أرقى صورِ الواقعيّةِ: اعترافٌ بطبيعةِ البشرِ، ثم توجيهٌ رحيمٌ يحفظُ التوازنَ. ليس المطلوبُ أن نكونَ ملائكةً، بل أن نكونَ بشرًا مُهذَّبينَ.

فالفضيلةُ ليست قتلَ الرغبةِ، بل قيادتَها؛ وليست إنكارَ الميلِ، بل تهذيبَه.

وهذا الحديثُ يُعلِّمُنا أنَّ الطهارةَ لا تعني إنكارَ الجسدِ، بل أن يعيشَ الجسدُ في ضوءِ القلبِ، وتحت سقفِ الحلالِ، دون صراعٍ ولا قمعٍ، بل بفهمٍ وسكينةٍ.

روى مسلمٌ في صحيحهِ من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه:

أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى امرأةً، فأتَى امرأتَه زينبَ وهي تَمعَسُ منيئةً لها، أي تدبغُ جِلْداً.

فقضى حاجتَه، ثم خرجَ إلى أصحابِه!

فقال: إنَّ المرأةَ تُقبِلُ في صورةِ شيطانٍ، وتُدبِرُ في صورةِ شيطانٍ، فإذا أبصرَ أحدُكم امرأةً فليأتِ أهلَه؛ فإنَّ ذلكَ يردُّ ما في نفسِه!

الإسلامُ دينُ واقعيّةٍ لا دين إنكار.

والحديثُ لا يتجاهلُ طبيعةَ الميلِ في الإنسان، بل يعترفُ بها بوضوحٍ ثم يدلُّ على طريقِ التعاملِ معها.

والغريزةُ ليست خطيئةً، إنَّما الامتحانُ في إدارتِها. وهذا الدِّينُ لا يطلبُ منك أن تُطفئَ النارَ، بل أن تضعَها في موضعِها الصحيحِ حتى تُنيرَ ولا تُحرِق.

وهذه الواقعيّةُ هي سرُّ بقاءِ التشريعِ صالحًا لكلِّ زمانٍ؛ لأنَّه يُخاطبُ الإنسانَ كما هو، لا كما نتمنّى أن يكون. فحين يُنكرُ الإنسانُ طبيعتَه ينكسر، وحين يفهمُها ويقودُها ينجو. 

الشريعةُ لا تُحاربُ الفطرةَ، بل تُعلِّمُها كيف تمشي مستقيمةً دون أن تتشوَّه.

العلاجُ النبويُّ سريعٌ ونظيفٌ.

لم يُعقِّد النبيُّ ﷺ المسألةَ، ولم يفتحْ بابَ الوساوسِ، بل أعطى حلًّا مباشرًا يحفظُ القلبَ من التعلّقِ المحرَّم.

فالفضيلةُ ليست صراعًا طويلًا مع الخيالِ، بل خطوةٌ عمليّةٌ تُعيدُ النفسَ إلى توازنِها قبل أن تنجرف.

فكثيرٌ من الانكساراتِ الأخلاقيّةِ تبدأُ بفكرةٍ تُتركُ بلا علاجٍ.

والنبيُّ ﷺ يُعلِّمُنا أن نُغلِقَ البابَ في أوّلِه؛ لأنَّ القلبَ إذا تُرِكَ يتغذّى على الصورةِ والخيالِ طال مرضُه.

الوقايةُ أسهلُ من العلاجِ، والحسمُ المبكّرُ رحمةٌ بالنفسِ.

الزواجُ حصنٌ نفسيٌّ قبل أن يكونَ حِصناً جسديًّا.

فالعلاقةُ الزوجيّةُ في الإسلامِ ليست ترفًا، بل حمايةٌ للقلبِ من التشوّشِ، وحفظٌ للنظرِ من التيهِ. وحين يعودُ الإنسانُ إلى الحلالِ تهدأُ الفوضى داخلَه، لأنَّ الفطرةَ ترتاحُ حين تسيرُ في طريقِها المشروعِ.

ولهذا جعل الإسلامُ الزواجَ عبادةً؛ لأنَّه يُنقذُ الإنسانَ من صراعٍ داخليٍّ طويلٍ. والاستقرارُ العاطفيُّ ليس كماليّةً، بل ضرورةٌ روحيّةٌ؛ فالقلبُ إذا استراح صفا العقلُ، وهدأت الجوارحُ.

الطهارةُ ليست قمعًا بل توجيهٌ.

هذا الحديثُ يُعلِّمُنا أنَّ العفّةَ لا تعني قتلَ الرغبةِ، بل قيادتَها بوعيٍ. فالإنسانُ الطاهرُ ليس مَن لا يشعرُ، بل مَن يعرفُ كيف يُديرُ ما يشعرُ به. والفضيلةُ نضجٌ لا برودٌ؛ توازنٌ لا إنكارٌ.

والتوازنُ هو أجملُ ما في التربيةِ النبويّةِ: لا إفراطَ يُطفئُ الإنسانَ، ولا تفريطَ يُضيّعه. والطهارةُ الحقيقيّةُ أن تعيشَ إنسانيّتَك كاملةً، لكن تحت ضوءٍ يُرشدُك!

كويت العروبة: صلبة ضد التطبيع

آخر كلام 
كويت العروبة: صلبة ضد التطبيع 
د. محمد المقاطع
  
سطَّرت وتُسطِّر الكويت دائماً وأبداً مواقف مميَّزة تتسم بعروبةٍ شامخة، حظيت بتقدير وإجلال ودعم من الدول العربية وشعوبها، فهي تعبير صادق عن معانٍ ومواقف قومية راسخة، تُعبِّر عن أصالة وحكمة قيادة الكويت وشعبها. 
فلم تتأخر الكويت، لا في الماضي، ولا في الحاضر، عن نُصرة وتبني كل المواقف القومية الشجاعة، انحيازاً إلى حسٍّ قومي عميق ناصَرَ وسانَدَ كل دولة عربية ضد أي محاولات أو مخططات تستهدف دولاً عربية وكيانها العربي المستقل. 
وقد سطَّر الكويتيون، نظاماً وشعباً، مواقف بطولية عديدة في هذا المضمار، ومن أمثلة ذلك: 
الوقوف الصارم مع الثورة الجزائرية في تحرُّرها من الاستعمار الفرنسي، وفي موقفها المميَّز من قضية الجُزر الإماراتية التي تحتلها إيران، وفي موقفها المُساند للعراق ضد إيران في الحرب التي كانت بينهما حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وكذلك في مواقفها العديدة والمتتالية من الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول الخليج والأردن، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وأخيراً في موضوع سد النهضة، دعماً لمصر وإفشالاً لأي مُخطَّط ضدها، وغيرها من المواقف القومية الحاسمة، دعماً لكل الدول العربية وقضاياها في جميع المحافل، وعلى أعلى المستويات. 
وكانت القضية الفلسطينية - تحرير فلسطين من براثن الكيان الصهيوني المُحتل، ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني وقياداته وصموده- تأتي على قمة الأولويات بالنسبة للكويت، قيادةً، وشعباً، فالكويت كانت محضن نشأة منظمة فتح، ثم منظمة التحرير الفلسطينية، كما اتخذت قيادات فلسطينية عديدة من الكويت ودعمها ملاذاً قومياً مباشراً لصمود ومقاومة الشعب الفلسطيني. 
وقد كرَّست الكويت ذلك نهجاً استراتيجياً في سياساتها وتحرُّكاتها، وفي التحرُّك السياسي والدبلوماسي، بل والدعم اللوجستي والمالي للفلسطينيين، بكل مكوناتهم، حرصاً على غاية عروبية غالية، هي تحرير فلسطين ودعم مقاومة شعبها وصموده في مراحله كافة، وآخرها الحرب الصهيونية الغاشمة على غزة، بمجازرها وإبادتها البشعة واللاإنسانية، فضلاً عن الضفة الغربية، وتعزيز حماية القدس، والذود عنها وعن بيت المقدس، وهو ما سطَّر ملاحم كويتية قومية رائعة وشجاعة. 
وقد جعلت الكويت من هذا النهج القومي الداعم والحاضن للقضية الفلسطينية مسلكاً راسخاً لها، وقد تزامن مع كل ذلك مسارٌ مميَّز ضد التطبيع ومحاولاته مع الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، فهي فضلاً عن رفضها التطبيع مع هذا الكيان، بل ولكل محاولات التطبيع وأُطروحاته، لا تزال تلتزم، وبشكلٍ صارم، بتطبيق قانون مقاطعة الكيان الصهيوني، ولا يزال مرسوم الحرب مع الكيان الصهيوني لعام 1967 قائماً، وهو الذي ينعت الكيانات المحتلة لفلسطين بالعصابات الصهيونية. 
وها هي نشرات الأخبار التلفزيونية الكويتية ومنصاتها الرسمية وبيانات وزارة الخارجية تُطلق على الاحتلال الصهيوني لفلسطين «الكيان الصهيوني». 
وكل ذلك تجسيد لموقف ونهج راسخ للكويت في موقفها القومي من الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين وعصاباته الصهيونية. وهو نهج محل فخر واعتزاز كل كويتي. 
فبارك الله للكويت رسوخ نهجها القومي الصارم في قضية فلسطين، قيادةً، وشعباً، وحفظ الله الكويت وقيادتها وشعبها من كل مكروه.

المقابلة حوار خاص مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود

برنامج المقابلة  تقديم: علي الظفيري
حوار خاص مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود
يكشف للجزيرة أهداف إسرائيل في بربرة وتداعيات تصعيد الحوثيين



كشف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود عن تداعيات اقتصادية حادة تتكبدها بلاده جراء تصعيد جماعة أنصار الله (الحوثيين) واستهداف حركة الملاحة البحرية في مضيق باب المندب.


وأوضح شيخ محمود -في حديثه لبرنامج "المقابلة" الذي يقدمه علي الظفيري- أن تعطل الملاحة أدى إلى نقص الوقود، وارتفاع تكاليف الشحن والنقل، وتراجع عائدات الموانئ والصادرات والواردات، وفي مقدمتها الماشية والمنتجات الزراعية الصومالية الموجهة إلى السوق السعودية.

ولفت إلى أن الحوثيين يتصرفون بعدائية وخارج إطار القانون الدولي ويعملون على زعزعة استقرار المنطقة، مشيرا إلى أن الصومال يعاني التبعات الاقتصادية المباشرة لهذه الأزمة رغم عدم قدرته على المشاركة العسكرية الخارجية لانشغاله بملفاته الداخلية.

وأكد الرئيس الصومالي أن مقديشو تتمسك بحماية سيادتها ومصالحها الوطنية، رافضا محاولات نقل صراعات الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي، ومعربا عن عزم بلاده على مواجهة التحديات المحدقة بسواحلها وسلامة ووحدة أراضيها عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية الدولية.



الاختراق الإسرائيلي في "أرض الصومال"

وأعلن الرئيس الصومالي رفضه القاطع لاعتراف إسرائيل الأحادي بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي، واصفا التحرك الإسرائيلي بـ"المسعى المزعزع للاستقرار".

وأكد شيخ محمود أن الهدف الحقيقي لإسرائيل لا يتصل بتهديدات صومالية، بل بالاقتراب المباشر من دول الخليج وإيران وتسهيل عملياتها ضمن "أجندتها الكبرى"، مشيرا إلى أن المواجهة الأخيرة مع إيران أظهرت صعوبة وتكلفة تنفيذ غارات جوية بعيدة المدى انطلاقا من الداخل الإسرائيلي.

وأوضح الرئيس الصومالي أن الاتفاق المبرم مع الإقليم الانفصالي يتضمن إقامة قاعدة بحرية إسرائيلية في مدينة بربرة الساحلية ومينائها الإستراتيجي الواقع على خليج عدن، مؤكدا بدء العمل التمهيدي وتقييم الموقع، إلى جانب محاولة استغلال مطار بربرة الكبير الذي بنته مقديشو واستخدمه السوفيات والأمريكيون سابقا، ليكون مجمعا عملياتيا يستفيد منه سلاح الجو والبحرية الإسرائيلية.

ولم ينجح الإقليم الانفصالي -الذي يتمتع بموقع جيوإستراتيجي فريد ويكتنز الثروات والمعادن- في تحقيق أي اعتراف دولي به، حتى كسرت إسرائيل ذلك أواخر العام الماضي، لتصبح الوحيدة التي منحت الإقليم اعترافا دبلوماسيا منذ إعلانه الانفصال من جانب واحد عن الصومال في عام 1991.
خريطة الصومال و"أرض الصومال" (الجزيرة)

ولفت شيخ محمود إلى أن تل أبيب تمنح أولويتها الراهنة للجانب البحري والعسكري والأمني لتثبيت تموضعها، بعد أن كانت هناك فكرة ومخططات سابقة لنقل ما بين مليونين و3 ملايين فلسطيني إلى الإقليم.

وشدد الرئيس الصومالي على أن مقديشو لن تقبل بهذا الوجود الإسرائيلي تحت أي ظرف، مؤكدا أن السكان المحليين في "أرض الصومال" يرفضون المخططات الإسرائيلية برمتها، وأن إسرائيل ستضطر إلى الانسحاب في نهاية المطاف.

ويقع إقليم أرض الصومال في الطرف الشمالي الغربي من الصومال، وتبلغ مساحته 175 ألف كيلومتر مربع، ويوصف بأنه بوابة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية، المؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس، مما يجعله مطلا على أحد أكثر طرق التجارة ازدحاما في العالم.

ويضم الإقليم ميناء بربرة، الذي يوصف بأنه رئة أرض الصومال الاقتصادية، وهو أكبر موانئ خليج عدن وأهم موانئ الاستيراد بالنسبة لإثيوبيا.







أزمة العلاقات الصومالية الإماراتية

وبشأن العلاقات مع دولة الإمارات، وصف شيخ محمود المسار بـ"القصة المحزنة"، مشيرا في هذا السياق إلى إلغاء جميع الاتفاقيات الأمنية والدفاعية المبرمة مع أبو ظبي. وعزا هذا القرار إلى انحياز الإمارات لإقليم "أرض الصومال" وتشجيعها مساعي الانفصال وتعميق الهوة الداخلية بدلا من دعم الدولة الفدرالية المتحدة.

ولفت إلى أنه زار الإمارات أكثر من 7 مرات في ولايته الأولى لبناء علاقات متينة، وسعى مرارا لمعالجة الخلافات، مشيرا إلى الإبقاء على السفارات والعلاقات الدبلوماسية الأساسية مع مواصلة المحاولات لإصلاح العلاقات على أساس احترام سيادة الدولة.
إدارة التوازن الإقليمي

وفي ملف التوازنات الإقليمية، أكد شيخ محمود أن بلاده تدير علاقاتها وفق سياسة خارجية مستقلة تخدم مصلحتها الوطنية. وأوضح أنه رغم التاريخ الطويل من الصراع مع إثيوبيا الممتد 700 عام، فإن العلاقات الراهنة جيدة ومستقرة، مبيّنا أن مقديشو لا تمانع منح أديس أبابا منافذ تجارية عبر ميناء أو أكثر لاستخدامات الاستيراد والتصدير وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار دون المساس بالسيادة.

وفي المقابل، أشاد بالشراكة الدفاعية والتاريخية مع مصر التي انضمت قواتها أخيرا إلى بعثة الاتحاد الأفريقي، مؤكدا أن مقديشو تنأى بنفسها عن الخلافات المباشرة بين القاهرة وأديس أبابا.
تحالفات إستراتيجية

وأشاد الرئيس الصومالي بالشراكة الإستراتيجية مع تركيا، مستذكرا زيارة رجب طيب أردوغان عام 2011 (عندما كان رئيسا للوزراء حينئذ) برفقة أسرته وحكومته في أوج المجاعة والحظر غير المعلن، مما أعاد اهتمام العالم بالصومال.

وتطرق إلى الاستثمارات التركية في الموانئ والمطارات والنفط والغاز وإنشاء أول قاعدة لإطلاق الأقمار الصناعية (منفذ فضائي) في أفريقيا، نافيا الشائعات بشأن وجود قاعدة عسكرية قتالية لتركيا، ومؤكدا أنها مركز لتدريب القوات.

وعلى الجانب الاقتصادي، أثنى شيخ محمود على الشراكة مع السعودية بصفتها السوق الأساسية لتصدير الماشية والمنتجات الزراعية الصومالية، لافتا إلى استفادة بلاده من الاتفاق الثلاثي المبرم بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد "اتفاقية مكة"، وسعي مقديشو لإنشاء منصات مشتركة مع هذه الدول لدعم الصومال.








ملفات داخلية

وعلى الصعيد الداخلي، أوضح شيخ محمود أن الصومال يتولى اليوم بنفسه قيادة إستراتيجية الحرب ضد حركة الشباب عبر فتح جبهات جديدة أضعفت الحركة وحصرتها في الأرياف، نافيا إدارتها "دولة موازية"، ومؤكدا أنها تعتمد الجباية القائمة على الخوف دون تقديم خدمات.

وفي الملف السياسي، أعلن الرئيس الصومالي إتمام مراجعة الدستور المؤقت بعد 12 عاما، وتثبيت فترة الرئاسة بـ5 سنوات، والانتقال إلى الاقتراع المباشر (شخص واحد، صوت واحد) لأول مرة منذ 57 عاما (عام 1969).

واستحضر أيضا إقرار قوانين الانتخابات والأحزاب وتأسيس 7 كيانات ولائية فدرالية تغطي البلاد، مع تأكيد كفالة حرية الرأي الآخر وظهور المعارضة عبر وسائل الإعلام وخلو البلاد تماما من المعتقلين السياسيين.

الأحد، 4 أكتوبر 2026

اللغط حول البيعة .. وخداع المصطلحات

اللغط حول البيعة .. وخداع المصطلحات

د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي,


الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

منذ أيام وأنا أتابع ما يثار على مواقع التواصل الاجتماعي حول (البيعة)، وما جرى من جدل حول قضية البيعة التي تقع في إطار الجماعات العاملة للإسلام، ومدى معارضتها ومناقضتها للبيعة السياسية لمن له شرعية سياسية، وقد ثار هذا اللغط كلُّه في أعقاب إعلان جماعة الإخوان المسلمين في سوريا استعادة وضعها التنظيمي على أرض سوريا، فإذا برجال يثيرون قضية البيعة التي تُعَدُّ ركنًا من أركان التنظيم؛ بدعوى أنّ الحكومة السورية حكومة لها شرعية، وأنّ تكوين تنظيم يعتمد البيعة للمرشد أو لزعيم التنظيم يُعَدُّ صورة من صور الخروج على الحاكم الشرعيّ والحكومة الشرعية، وهذا محرم، ومن ثمّ فواجب على جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات على أرض سوريا أن تبادر إلى حلّ نفسها؛ لأنّ مبرر وجودها لم يعد موجودًا، فإذا كان وجودها مبرّرًا في ظلّ أنظمة لا شرعية لها فإنّه لا مبرر له مع حكومة شرعية.

شرعية النظام السوري الحالي

فأمّا أنّ النظام السوري الحاليّ له شرعية فَنَعَمْ، وشرعيتُه القائمة استمدّها من رضى الأمة السورية به - وإن ضمنًا - لكونه حرّرها من نظام الأسد المحارب لله ورسوله والقاتل لشعبه؛ فمن الشرعية الثورية ومن رضى الأمة السورية استمدّ هذا النظام شرعيته، ولكنّها شرعية انتقالية، لا يدري الناس بعدها ما الذي سيجري على أرض سوريا، ثم إنّ بقاء هذه الشرعية مرهون بقيادة النظام للأمة السورية بكتاب الله، وبعدم ظهور الكفر البواح في البلاد بسبب هذا الحكم، مع مراعاة التفريق بين حال الاختيار وحال الاضطرار لدى الحكم على هذا النظام وإلزامه بالأحكام، ومن هنا فإنّ النظام الحاكم في سوريا إلى الآن له شرعية، ويجب أن تُحترم هذه الشرعية، فيجب له السمع والطاعة في المعروف، ويجب الكفّ عن الخروج وترك الفتن، والصبر على ما يقع من بعض المسئولين من الأذى، وعدم اتخاذ ذلك ذريعةً للخروج وإثارة الفتن وزعزعة الأمن، عن ابن عباسٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً »([1])، والجماعة هنا هي الجماعة السياسية، التي تشمل الأمة والدولة والحاكم الشرعيّ، وعن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً »([2])، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ»([3])، وغيرها من الأحاديث التي استهدفت انتظام الأمر، ولا ننس أنّ هناك في المقابل - وعلى التوازي مع هذه النصوص - نصوصٌ أخرى كثيرة تأمر الحكومة بالعدل وأداء الأمانات، وتأمر المحكومين - ولاسيما العلماء - بالحسبة والنصح للحكام، وتأمر الجميع بإمضاء الشورى.

هل تتعارض شرعية النظام مع قيام جماعات منظمة؟

أمّا أنّ شرعية النظام الحاكم تتعارض مع قيام جماعات لها نظام يشتمل على بيعة داخلية؛ فهذه فيها تفصيل، ولا يصحّ أن يقودنا خداع المصطلحات إلى تعميم غير قويم، فإمّا أن تكون الجماعة مشتملة في نظام تكوينها على بيعة سياسية، وعقد على السمع والطاعة لأمير سياسيّ، وعندئذ يكون حكمها البطلان وعدم الشرعية ووجوب الحلّ الفوريّ، فإن رفضت الجماعة وأصرت على موقفها وجب على الأمة الوقوف مع الحكومة الشرعية ضدّها؛ لإزالة الخروج على الدولة وإنْ بالقوة، وإمّا أن تكون الجماعة ليست مشتملة في نظامها على بيعة سياسية لأمير مطاع، ولا يأتي قيامها في سياق الخروج على الحاكم أو منازعته السلطان، فلا مسوغ لسحب ذلك الحكم عليها؛ إذْ إنّ مسوغات الحكم هنا غير متوافرة والواقع الذي تتنزّل عليه لا وجود له، وكونها تشتمل في نظام تكوينها وعملها على بيعة تأتي على نحو ما لا علاقة له بالبيعة السياسية؛ لا يصنفها ضمن جماعات الخروج على الحاكم، ولا يعطيها وصف المنازعة السياسية للدولة والنظام.

    وتقسيم المعاصرين للبيعة إلى بيعة حكم وبيعة منهج لا أثر له في ترتيب هذه الأحكام؛ لأنّ العبرة بالصورة الواقعية لا بالاسم الذي أطلق على صورة من الصور، فالصورة الواقعية هي أنّ البيعة - أيّ بيعة - عقد من العقود، والأصل في العقود والشروط الإباحة والصحة([4])، ويأتي البطلان والفساد بسبب ما طرأ على العقد من مبطلات ومفسدات، "وهذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافى"([5])، وأوضح الأدلة على هذه القاعدة أن الله تعالى أمر في آيات كثيرة بالوفاء بالعقود والعهود، وهى تشمل بمعناها اللغوى الذي نزل به القرآن كل عقد أو شرط أو التزام، من هذه الآيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة 1)، (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء 34)، (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) (الرعد 20)، وهذه الأوامر عامة تشمل كل عقد وعهد والتزام، ولا يخرج منها إلا ما دل الدليل على تحريمه وإبطاله وعدم وجوب الوفاء به.

    فالبيعة السياسية عقد من العقود، يقول القلقشنديّ واصفًا صورة البيعة: «الْبيعَة وهى أَن يجْتَمع أهل ألحل وَالْعقد ... ويعقدون الأمامة ‌لمن ‌يستجمع ‌شرائطها»([6])، ويقول الخازن في تفسيره: «‌وأصل ‌البيعة: ‌العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له»([7])، والبيعة التي يعقدها قومٌ لواحد منهم في إطار دعوة أو عبادة أو ما عمل خيري عقد من العقود، إن سلم من المفسدات فهو صحيح يجب الوفاء به، غير أنّ وجوب الوفاء به يكون ديانة لا حكمًا وقضاءً، بينما البيعة السياسية وعقود المعاملات المالية والأنكحة وما شابه ذلك فإنّه يلزم الوفاء بها ديانة - بين العبد وبين الله - وحكمًا.

    ولا مناقضة بين هذه البيعة وبين البيعة السياسية إلّا إذا اشتملت على بند فيه منازعة للسلطان وخروج على الحاكم وما شابه ذلك مما نهت عنه الشريعة، والذي أحدث اللبس هو تسمية هذا بيعة وهذا بيعة، وهي تسمية لا تضرّ بالأصل ولا تؤثر في الحكم، إنما يؤثر في الحكم التكييف الذي يمتهد به السبيل لتنزيل الحكم الشرعيّ، فتكييف البيعتين هو أنّهما من العقود، والأصل في العقود والشروط الإباحة والصحة، فإن طرأ على الأصل ما ينقله إلى الوجوب كعقد البيعة السياسية وجب، وصار الذي يبيت ليلتين وليس في عنقه بيعة يبيت ووصم الجاهلية يحوم حول فراشه، وإن طرأ على العقد ما ينقله إلى الحرمة والبطلان كبيعة فيها منازعة للحاكم الذي له شرعية سياسية فإنّه يحرم ويبطل، وما لم يطرأ عليه شيء من المفسدات فليس ثم ما يحمل على الانتقال عن الأصل.

    فلو أنّ جماعة من الجماعات قامت - مثلا - على الدعوة والتربية والتمكين للإسلام، أو على عمل خيري عام، وتعاقدت على ذلك، وأعطت بيعة على الطاعة لمتبوع فيها، دون أن يكون في ذلك منازعة للسلطان الشرعيّ القائم، ولا دعوة للخروج عليه، ولا تخطيط أو ترتيب لإزالته؛ فلا مسوغ للقول ببطلان هذا الفعل أو حرمته أو وجوب إنهائه، إذْ إنّه ليس سوى عقد من العقود، والأصل فيها الإباحة والصحة؛ حسب نظرية العقد في الشريعة الإسلامية، وهذا الأصل يكفينا في هذا المقام، ولسنا - بعد تقرر هذا الأصل بالاستقراء - بحاجة إلى أدلة جزئية.

    ومع ذلك فإنّ السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين شهدت ألوانًا من التعاقد والتعاهد على أمور لا علاقة لها بالعقد السياسي الذي تقوم به الدولة، وأقرب مثال على ذلك بيعة الرضوان، قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ ‌يُبايِعُونَكَ ‌تَحْتَ ‌الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح: 18)، ولم تكن بيعة سياسية على إقامة الدولة، وإنّما كانت بيعة على القتال وعدم الفرار، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا ‌رَافِعٌ ‌غُصْنًا ‌مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: «لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ»([8])، والأمثلة كثيرة، لكنّ المشكلة كما أسلفنا هي الدوران مع المصطلحات التي لا علاقة لها بتنزيل الحكم، فيجب العودة للأصل إذا كنّا ننشد رشدًا في هذه القضية، والأصل هو أنّ العقود والشروط ليست توقيفية، وإنّما هي على أصل الإباحة والصحة حتى يقوم الدليل الذي يقوى على الانتقال عن هذا الأصل.

    قد يقال - وللقول وجاهة - إنّ جماعةً كجماعة الإخوان المسلمين قامت من حيث الأصل على استعادة الخلافة الإسلامية، ولم يحدث في أدبيّاتها بعد تحرير سوريا تطوير يدلّ على تخليها في سوريا عن هذا الأصل القديم، فلنقل ذلك، ولنفترض أنّها بالفعل تستهدف استعادة الخلافة؛ فما علاقة ذلك بمنازعة الحكم الشرعيّ القائم؟ إنّ السعي لاستعادة الخلافة وتحكيم الشريعة والتمكين للإسلام واجب لم يسقط بمجرد نجاح الثورة السورية في الوصول للحكم والإطاحة بنظام الأسد وإقامة حكم له شرعية سياسية، إنّه واجب على الدولة السورية، وواجب على الجماعات العاملة للإسلام، وواجب على المجتمع المسلم في سوريا وفي غيرها من بلدان العالم الإسلاميّ، وهذا الواجب لا يتحقق - فقط - بالمسار السياسي الذي تسلكه الدولة، إنّما تحققه يكون قبل ذلك ببناء المجتمعات وتمتينها واستعادة الأمة لوعيها ورشدها، وهذا - لعمر الحقّ - لا تنهض به الحكومة السورية الحالية ولو أمدتها من بعدها سبع حكومات مثلها، فما لم تعلن العصيان أو تسلك إليه السبل الخفية أو المعلنة فلا مسوغ شرعًا للقول بوجوب الإنهاء والحلّ.

    ثمّ إنّ مصلحة سوريا - التي هي فوق مصلحة الحاكم وفوق مصالح الجماعات - أن تبقى هذه الجماعات - على اختلافها وتنوعها - تعمل في المجتمع، وتكون ظهيرًا للدولة، بشرط عدم منازعتها، مع قيامها بالنصح والحسبة السياسية، وقد يكون لها دور سياسيٌّ داعم للمشروع الإسلامي في سوريا، يتمثّل في تكوين أحزاب سياسية إسلامية - بشرط أن يقوم بينها تحالف - تقوم هذه الأحزاب الإسلامية المتحالفة بمساندة الحكم الشرعيّ الحالي إذا استقام، وتقويمه إذا اعوجّ، والحلول محلّه إذا جارت عليه الظروف السياسية - لا قدر الله - فأزالته قوى علمانية أو طائفية أو دولية، وذلك كلّه قد يقع في هذا الظرف الاستثنائيّ، الذي يجعل الدولة والأمة السورية في حال اضطرار لا حال اختيار، وفي حال الاضطرار يجوز - من باب اختيار أهون الشرين وارتكاب أخف الضررين - إقامة نظام يعتمد التعددية السياسية سبيلًا لإقامة حياة فيها قدر من العدالة والحريات وتوفر المناخ للعمل الجاد الذي تبلغ به الأمة ما تريد من التمكين.

    إنّ المشكلة لا تكمن في تكوين جماعات، ولا في تعدد هذه الجماعات، ولا في اختلافها في فروع العقيدة أو فروع الشريعة أو في خطط التغيير والتطوير، فإنّ العمل الجماعيّ ضرورة  والتعددية واقع مفروض لا يمكن دفعه، وقد يكون مثريًا إذا أحسنّا إدارته، إنّما المشكلة تكمن في أمرين، الأول: ضعف الفقه السياسيّ الذي ينشئ رشدًا سياسيًّا وسدادًا في الرأي، الثاني: التعصب والتحزب، ذلك الذي يزداد سوءًا إذا انضاف إليه عنصرية في معاملة الآخرين وتقييمهم، وشعور بالتميز فوق المجتمع يجعل الدعوة بينها وبين الناس حاجز مجهول، وقلة إنصاف تدعمها خصال رديئة كالسخرية واللمز والغيبة وسوء الظنّ.

    ولن تكون المشكلة في قابل الأيام متمثلة في تعدد الإمارات الإسلامية؛ إذْ إنّه بالإمكان تحقيق وحدة إسلامية عبر تحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية ومصيرية، تُغني لمدد طويلة عن الاضطرار لاعتساف الطريق وحرق المراحل لإقامة دولة واحدة، قد لا تقوم إلا على بحور من الدماء، إنّما تكمن المشكلة - أيضًا - في الأمرين ذاتهما، الأول: ضعف وهشاشة الفقه السياسيّ؛ بما قد يسول لإمارة من هذه الإمارات أو بعضها - أو كلها رُبَّما - لارتكاب خطأ فادح يتمثل في سعيها بالقوة لضمّ الإمارات الأخرى بزعم أنّها الإمارة الأمّ أو الأسبق أو الأولى بالبيعة العامّة أو بأي مسوغ، ومع افتراضنا وقوع ذلك قَدَرًا واحتمالية تحقق الوحدة به، فإنّ الأمر القدريّ ليس كالأمر الشرعيّ، فلا يصح من البداية سلوك هذا السبيل، أمّا السبيل المشروع فله تفاصيله التي يوضحها فقه السياسة الشرعية، الأمر الثاني: هو التعصب للإمارة والنظر إليها على أنّها الخلافة، وهذا يرجع للأمر الأول، ويترتب عليه النظر إلى الآخرين على أنّهم خوارج.

    وأخيرًا أضرب أمثلة لمكونات يمكن أن تنشأ عبر تنظيم داخليّ يشتمل في نظامه على بيعة لا تتعارض مع احترام البيعة السياسية، وتكون في الوقت ذاته ظهيرًا يحقق للأنظمة السياسية قدرة على مناورة النظام الدوليّ والقوى الكبرى التي تتحكم فيه، فمثلّا إذا قام في بلاد المسلمين تنظيم يتعاهد فيه أفراده ويتعاقدون ويعطون البيعة على أمر واحد لا يحيدون عنه ولا يزيدون عليه، وهو أن يقموا - كلّ في بلده - بتصفية السياح الصهاينة رجالًا كانوا أو نساء، دون الأطفال بالطبع، وبشرط أن يكونوا صهاينة مقيمين في الأرض المحتلة؛ لأنّهم عندئذ سيكونون محاربين لا عهد لهم ولا ذمة، فإذا قام العلماء بدعم مشروع كهذا؛ فإنّه سوف ينجح في الضغط على الكيان الصهيونيّ، وتسهيل التفاوض معه لتخفيف الضغط عن غزة وعن الضفة وعن سوريا، بل وفي التقليل من لهجة العداء لكثير من الدول المحترمة كتركيا وغيرها، وسيمهد مستقبلًا بعون الله لتحرير فلسطين وإنهاء الكيان الصهيونيّ، وتبقى الأنظمة - كالنظام السوري - في سعة.

    وماذا لو تعاقد وتعاهد وأعطى البيعة اقتصاديون مسلمون، على أن يقيموا مشاريع اقتصادية على قيم إسلامية مناهضة للنظام الرأسمالي المجرم؟ وتعاقد وتعاهد وأعطى البيعة معلمون وتربويون على إنشاء نظم تعليمية مبتكرة تخرج بالجيل من هذه النظم العقيمة إلى نظم تبني وتؤسس بصورة تجمع بين إسلامية القيم والمبادئ وعصرانية العلوم والتكنلوجيا، والأمثلة أكثر من أن تحصر حقيقة، المهم هو أنّنا بحاجة إلى توسيع دائرة العمل الجماعي المنظم، وتحريره من القيود التي تملى عليه من جهات عديدة منها الداعم والكفيل، وبحاجة كذلك إلى دعم العلماء لها بالترشيد والتسديد؛ حتى تكون رصيدًا حقيقيًّا للأمة، والله المستعان.


([1]) رواه البخاري ك الأحكام باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية برقم "6639" (ج11 ص5353).

([2]) رواه مسلم ك الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عندظهور الفتن.. برقم "3447" ( ج 5 - ص 2423 ).

([3]) رواه مسلم ك الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عندظهور الفتن.. برقم "3442" ( ج 5 - ص 2420 )

([4]) ر: القواعد النورانية لابن تيمية ص 188 ط دار المعرفة - مجموع فتاوى ابن تيمية 29/132.

([5]) القواعد النورانية لابن تيمية ص 192 مرجع سابق

([6]) «مآثر الإنافة في معالم الخلافة» (١/ 39)

([7]) «تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل» (٤/ 156)

([8]) «صحيح مسلم» (٣/ 1485) برقم (1858)