الخميس، 11 يونيو 2026

واقعنا بين دعاة السوء ومهمة الداعية الرباني

واقعنا بين دعاة السوء ومهمة الداعية الرباني
كاتب وباحث في الشئون الإسلامية


روى البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهُم إليها قَذفوهُ فيها، قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ صِفهم لَنا، قالَ: هم قومٌ من جِلدتنا يتَكَلَّمونَ بألسنتِنا، قلتُ: فما تأمرُني إن أدركَني ذلِكَ؟ قالَ: فالزَم جماعةَ المسلِمينَ، وإمامَهُم، فإن لم يَكُن لَهُم جماعةٌ، ولا إمامٌ؟ فاعتزِلْ تلكَ الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تعضَّ بأصلِ شجرةٍ، حتَّى يُدْرِكَكَ الموتُ، وأنتَ كذلِكَ). صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

دعاةٌ على أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهُم إليها قَذفوهُ فيها يقولون بـ:

– قبول البدع الإضافية

– تبرير محدثات الأمور والبدعة الحسنة كما يفهمون

– جواز بناء المساجد على القبور وجواز الاستغاثة بالمقبور

– جواز التعبد بالمذهب الشيعي

– يمدحون التغريب والليبرالية بحجة الحداثة والمعاصرة

– يقولون بجواز تهنئة الكفار بأعيادهم الشركية

– بأهمية فكرة التقارب بين السنة والشيعة

– بجواز البيعة السرية والولاءات الحزبية المحدثة

– بجواز حلق اللحية ومشابهة غير المسلمين.

– بالدفاع عن الطرق الصوفية القبورية المنحرفة

– بجواز القسم بغير الله عزوجل مثل الرسول أو الكعبة

ـ بجواز اتباع اليهود والنصارى في أعيادهم ولو دخلوا جحر ضب

– بجواز مشاركة المسلمين في بناء معابد اليهود والنصارى

– بجواز الاختلاط بين الرجال والنساء في الافراح

ـ بجواز بدع القبور والأضرحة والليالي الختامية والموالد

– بشرعنة فوائد البنوك الربوية وشهادات الاستثمار

– شرعنة تبرج النساء بمزاعم الوسطية والاعتدال وما هو تمييع الثوابت العقدية

-القول بالطعن في السنة المحمدية الصحيحة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

– لمز سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

– الطعن في ال البيت الكرام وفقا لضلال النواصب

– اعلان الحرب إلى اللغة العربية ونشر العامية لهدم لغة العرب وعاء النص الشرعي.

– الطعن في الخلافة الإسلامية الراشدة وتشويه التاريخ الاسلامي

– القول بإنكار علو الله فوق عرشه

– إنكار رؤية الله في الآخرة

– شرعنة الاحتكام للقوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية

– تضييع معالم الولاء والبراء

– هدم الفوارق العقدية بين أهل السنة والجماعة والفرق الضالة خاصة الشيعة تحت مزاعم الشيعة والسنة جناحي الأمة وهذا كلام ضلال مبين

– اعلام الغارة على البخاري ومسلم وعموم علماء السنة المحمدية الصحيحة

– تبرير مناهج التمييع العقدي باسم الوسطية والاعتدال.

– تشويه القدوة عن طريق ترميز علماء السوء والضلالة.

– الدفاع عن البدع في المساجد بحجة موافقة العوام.

– تبرير الاوراد البدعية والعهود الضالة التي يقول بها أهل البدع للتلاعب بعقول الجماهير باسم الطرق الصوفية والجماعات القبورية الضالة.

الى الداعية الرباني:

علموا الناس كيف يعيشون بالإسلام الذي كان زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم حينها سوف يموتون على ما عاشوا عليه.

علموا الناس كيف يعيشون مع التوحيد الخالص لله رب العالمين في ظل دعوات الجاهلية البالية والمعاصرة ذات الآليات المتعددة الماكرة والتي منها جاهلية الحكم بغير ما أنزل الله والتحاكم إلى أهواء اليهود والنصارى والمناهج العلمانية الغربية والليبرالية الفاشية.

علموا الناس كيف يستسلمون للسنة المحمدية الصحيحة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فلا يبقى من أهوائهم شيء لا يخضع لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

علموا الناس كيف يعيشون مع موروث الأمة العقدي والفكري والأخلاقي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي بشمولية تامة فلا يسقطون في تيه الأحادية أو الطائفية الفكرية أو الحزبية المحدثة التي ساهمت في تدمير بنيان الأمة العربية والإسلامية لمجرد قبول هوس العجب وتيع الأنا.

علموا الناس كيف يقاومون طغيان الصهيونية ومكر الصليبية العالمية وضلال العلمانية الطاغوتية المحادة لدين رب العالمين سبحانه.

بدعة الحكم على المعتقدات من خلال الأحداث

بدعة الحكم على المعتقدات من خلال الأحداث
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

العقيدة الصحيحة: إيمان يستند إلى برهان قاطع، ومعايير الحكم على صحة المعتقدات إنما هي هذه البراهين الإيمانية والعلمية ذاتها، وليس شيئا آخر.

فالتوحيد عقيدة صحيحة مهما كان حال الموحّدين أنفسهم من ضعف أو قوّة، أو تقدم أو تخلف، كما أن الشرك عقيدة باطلة حتى لو وصل المشركون إلى المريخ، وحتى لو قاتلوا الملحدين أو من كانوا شرا منهم.

اليوم -مع الأسف-يجري التسويق والتزويق لعقائد فاسدة تخالف محكمات القرآن، وأصول التوحيد، ومبادئ الفطرة والمنطق، تحت مظلة المناوشات الدائرة بين معسكرين توافقا زمنا طويلا على ذبحنا ثم اختلفا مؤخرا على النفوذ وبعض الغنائم.

وهنا نسأل أصحاب هذا المنهج المعوج؛

إذا كان معيار العقيدة الصحيحة الحرب مع الكيان الغاصب، فإن السادات أول من أذلّ هذا الكيان في ساحة النزال بعبور خط بارليف، ذلك العبور الذي كان أشبه بالمعجزة، وفي المفاوضات باسترجاع سيناء التي مساحتها أكبر من ضعف مساحة فلسطين.

ثم جاء صدام حسين وهو أول من أطلق الصواريخ على الكيان، وخاض حربين شاملتين مع الأمريكيين وحلفائهم.

بينما كان موقف (إيران الشاه) مع الكيان والأمريكان ضد مصر.

وكان موقف (إيران الخميني) مع الكيان والأمريكان ضد العراق.

إن الأحداث تتقلب، والمواقف تتغير، والتحالفات تتبدل، والأمم سواء كانت مؤمنة أو مشركة تمر بأحوال مختلفة من التقدم والتخلف والتماسك والتشرذم.

والثابت الذي ينبغي أن نتمسك به وندور معه حيث دار إنما هو إيماننا الراسخ بالله تعالى، وبكتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام،

فالثبات الثبات أيها المسلمون.

(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) 

سورة إبراهيم:27.

مقالات الكاتب د. محمد عياش الكبيسي

سورة «الطلاق».. وإحسان إنهاء الحياة الزوجية

 سورة «الطلاق».. وإحسان إنهاء الحياة الزوجية

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي


ما أيسر الإحسانَ في الابتداء! وما أعسره في التخارج والإنهاء! جميعنا في الابتداء نتسامح ونتصافح ونجتهد في إبداء روح التعاون والإيثار، وقليل منّا من يصنع بعض ذلك أو أقلّه في الانتهاء، هكذا تمضي الأمور في حياة الناس، وكلما ابتعد الناس عن المنهج الربّانيّ ازداد ما بين الابتداء والانتهاء من مسافات التناقض ومساحات التنافر، هكذا الناس في الأعم الأغلب، في تجاراتهم واستثماراتهم وعهودهم وعقودهم، بل وفي أنكحتهم، وهذا هو الأخطر، وهذا هو الأجدر بالتناول والأجدى بالمعالجة؛ لأنّنا إن أحسنّا إنهاء الحياة الأسرية في حال قرّرنا الإنهاء، فسوف نحسن في كل أنواع الإنهاء، والإحسان مطلوب في جميع الإنهاءات التي نمارسها ولا ننفك عنها؛ ولم لا؟ أليس الإحسان قيمة إسلامية لا تتقلب بتقلب الأحوال؟ أليس الله قد كتب الإحسان على كلّ شيء حتى القتلة التي نُنْهِي بها حياة المؤذيات التي تقتل في الحلّ والحرم، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

والأسرة بناية رفيعة العماد، شريفة المهاد؛ ومن ثمّ فإنّ إنهاءها يجب أن تُسَدَّ جميع الطرق المؤدية إليه، إلا (خَوْخَة) صغيرة لا تفتح إلا للضرورة، والضرورة هي صعوبة استمرار الحياة الزوجية إلا بمفاسد أربى من مصلحة قيامها، هذه (الخوخة) الصغيرة هي الطلاق؛ لذلك - ولقداسة عقد النكاح الذي سماه الله ميثاقًا غليظًا - تولى القرآن بنفسه ترتيب ذلك بما يخرج مشهد الإنهاء على قاعدة الإحسان، فالإحسان في إنهاء الحياة الزوجية وإغلاق مؤسسة الأسرة هو الموضوع الرئيس لسورة الطلاق، فسورة الطلاق تتحدث عن جملة من التشريعات والتوجيهات التي تُرْسِي قيمة الإحسان في خضم الإجراءات التي تنهي الأسرة.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ‌إِذا ‌طَلَّقْتُمُ ‌النِّساءَ ‌فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) (الطلاق: 1)، 

يا أيها النبيُّ -والخطاب لك ولمن وراءك إلى يوم الدين- إذا طلقتم النساء؛ فعليكم بالإحسان في فراقهنّ، وإياكم والإساءة إليهن؛ فهنّ تحت سلطانكم وولايتكم، فإذا لم تتقوا الله فسوف يقع منكم الطغيان لما لكم من الولاية والسلطان، ولكي تحسنوا الطلاق والفراق يجب عليكم الالتزام بجملة من الأحكام، أولها: ألّا تطلقوهنّ طلاق في حيض أو في طهر وقع فيه جماع، وأن تطلقوهنّ وهنّ مستقبلات عدتهنّ؛ لحِكَمٍ تتعلق كلّها بكرامة المرأة وحقوقها، والتي منها أن يكون طلاقها حدثًا له قداسة، وفيه إكرام وتقدير لها وللأسرة، فلا يكون مجرد ردّ فعل غاضب ممن في يده سلطة إنهاء الحياة الزوجية.

هذا أولًا، أمّا الحكم الثاني فهو حرمة إخراج المطلقة من بيت الزوجية في أثناء العدّة، فلا يجوز لزوجها ولا سيما إذا كانت رجعية أن يخرجها من بيت الزوجية، وهناك تفاصيل مختلف فيها لا تضرّ بالأصل (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ)، هذا الحُكم العام فيه -إلى جانب الحِكَم الجزئية التي تحدث عنها الفقهاء- أنّ الإسلام عندما جعل القوامة للرجال حرص في المقابل على أن تبقى كرامة المرأة محفوظة، فالزوجة إذا كانت بكلمة تخرج من فم زوجها ستجد نفسها في الشارع فسوف تشعر دومًا بالضياع والانقطاع، فلابدّ أن يكون إنهاء الحياة الزوجية يحدث ضمن إجراءات تراكمية تضمن للمرأة حقوقها وكرامتها.

وقد أحيط هذا الحكم من بين يديه ومن خلفه بمواعظ بالغة التأثير: (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ)، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، أمّا الاستثناء المبيح لإخراجهنّ في ظروف استثنائية: (إِلَاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)، فقد جاء مجملًا مبهمًا؛ ليوسع على المجتهدين في تقدير الفاحشة المبيّنة التي تبيّن أنّ الزوجة لا تستحقّ البقاء في بيت الزوجية، وأمّا قوله تعالى: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً)، فهو تعقيل للتصرف ومنع للارتجال والتعسف؛ فلعلّ المرء يتعجل تحت وطأة الغضب ويتذرع للتحايل على الشرع فيخرج مطلّقته من بيته، وهو لا يدري أنّ بقاءها خير من إخراجها، وأنّه يومًا سيضطرّ لإرجاعها.

أمّا الحكم الثالث فهو حرمة تعليق المرأة وإمساكها على وجه الضرار، ووجوب الإحسان في اتخاذ القرار؛ بأن يتبع الزوج أحد طريقين: إمّا الإمساك بمعروف أو الفراق بإحسان، مع الانتباه إلى أهمية الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) (الطلاق).

فإذا بلغت المرأة الأجل وشارفت عدّتها على الانتهاء؛ فعندئذ يكون للزوج -ما دامت الطلقة رجعية- الحقُّ في واحد من خيارين لا بغي فيهما ولا مجاوزة للحدود الدنيا من الإحسان، الأول: إمساك بمعروف، بأن يراجعها ناويًا المعاشرة بالمعروف، الثاني: فراق بإحسان بأن يتركها حتى تنقضي عدتها وتبين منه، ويحسن إليها بإعطائها حقوقها الشرعية وزيادة، أمّا الأمر بالإشهاد فأميل إلى أنّه للتوجيه والإرشاد.

لكنّ اللافت للنظر جدًّا هذه الجملة المتصلة من المواعظ البالغة التأثير: 
(ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)، ذلكم المأمور به من الإحسان في إنهاء النكاح وإغلاق مؤسسة الأسرة أمر كبير وخطير، لا يوعظ به ولا ينتفع بالموعظة فيه إلّا من كان يؤمن إيمانًا حقيقيًّا بالله واليوم الآخر، فيدفعه إيمانه بربّ عظيم له صفات الكمال ونعوت الجلال، وإيمانه بيوم عظيم تشيب من هوله الولدان، إلى أن يلتزم ذاتيًّا بما أوجب الله عليه من الأحكام المحققة للإحسان في إنهاء الزواج.


وقد يُقعد المرء المؤمن الصالح عن بلوغ رتبة الإحسان في إنهاء الزواج انغلاق الآفاق وانسداد الأبواب وضيق المعايش، أو الخوف من النتائج المترتبة على إحسانه وتضحيته وإيثاره؛ فعندئذٍ ينبغي استحضار المعاني الكبار، واستدعاء القواعد الإيمانية السننية المستقرة: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، كما ينبغي التفويض لله والاستسلام لقدره؛ لأنّ الله قاضٍ أمره في موعده على أيّ حال كان العبد (إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً).

رابع الأحكام المنظمة لعملية الإحسان في إنهاء الحياة الزوجية هو احترام أحكام عِدَد النساء التي شرعت للحفاظ على حقوق من متعلقات الزوجية، فإذا كانت سورة البقرة وغيرها قد بيّنت أغلب العِدَد، فهاكم البقيّة التي يجب أن تعلموها: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً {4} ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) (الطلاق).

لكنّ اللافت للنظر -أيضًا- ذلك التكرار للحثّ على التقوى ببيان آثارها وبركاتها في الآخرة والأولى، فأمّا في الدنيا فإنّ الله سوف ييسر له ما تعسّر من أموره المادية وغيرها بسبب التزامه بالاستحقاقات التي تحقق الإحسان: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)، وأمّا الأخروية فهي تكفير السيئات وتكثير الحسنات: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)، وقد سبق: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)؛ فإذا كان الحضّ على التقوى قد تكرّر مقرونًا بألوان من المغريات فهذا يعني أنّ الله تعالى يريد أن يدفع عباده بدوافع داخلية ذاتية للالتزام بهذه الجملة من الأحكام، التي تحقق الإحسان في إنهاء الحياة الزوجية.

أمّا باقي الأحكام المحققة لمستوى الإحسان في إنهاء الزواج وغلق مؤسسة الأسرة فهي مرصوفة هنا بهندسة بالغة الروعة والإحكام: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى {6} لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (الطلاق).

وجوب السكنى للمعتدة، على تفصيل عند الفقهاء، وبعض الخلاف في غير المعتدة من طلاق رجعيّ، وتحريمٌ لإضرار الزوجة ومضاجرتها بغرض أن تفتدي نفسها بحقوقها أو ببعضها، ونفقة للمعتدة، على خلاف يسير في غير الرجعية والحامل، وأجرة للمطلقة إن أرضعت، فإن وقع تنازع في التفاصيل ردّهم الشرع إلى العرف بعد التشاور: (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)، والميزان الدقيق الذي يجعل العرف لا يميل ولا يشتطّ هو: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ)، لأنّ الأصل العام القديم هو: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ مَا آتَاهَا)، فاجتهدوا في إقامة العدل والحق قدر استطاعتكم، وأبشروا فإنّ الله يعدكم باليسر: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً).

فلا يسوغ في إنهاء الحياة الزوجية ظلم ولا عُتُوٌّ، وكذلك لا يسوغ في أنهاء أي عقد من العقود أو في غلق إي مؤسسة من المؤسسات، لا يسوغ العتُوُّ، فالعتوّ مرتعه وخيم، وكم من قرية عتت عن أمر بها وعمّا جاءها به المرسلون؛ فعوقبت وأُخذت بعتُوِّها؛ فلتكن لكم في هؤلاء عبرة وعظة: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً {8} فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً {9} أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً {10} رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) (الطلاق).

وإنّ أخشى ما يخشاه المخلصون من أبناء هذه الأمة على أمتهم أن يمارس المسلمون العُتُوَّ والتجاوز لحدود الله، سواء في إنهاء الزواج أو في غير ذلك من الإنهاءات، التي غالبًا ما يجري فيها الخلاف ويقع في العدوان؛ فإنّ الأمة الإسلامية إن عتت عن أمر ربها في هذه الأمور وغيرها استحقّت عقوبة -وإن لم تكن عامّة طامّة- كعقوبة تلك الأمم، وإنّنا لنخشى أن تكون صور العذاب والخسران والوبال التي تقع بالمسلمين اليوم جرّاء العتو والتجاوز لحدود الله، ولا سيما في العقود التي تقوم بها علاقات جليلة ومؤسسات مقدسة، وبالأخص في إجراءات إنهاء (الميثاق الغليظ)، فهلّا اتقينا الله إن كنّا من أولى الألباب الذين تحرزهم ألبابهم من الوقوع في مساخط الله؟ فإنّنا والله لمحظوظون بهذا الذكر الذي أنزله الله إلينا: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً {10} رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً).

وتختم السورة بآية تبرز عظمة الناموس الكونيّ؛ لعلّ أهل الإيمان ينضبطون بنواميس الشرع؛ فالتزموا بقواعد الشريعة المنظمة للإنهاء ليحسن كما حسن الابتداء.

حرب لمدة ٢٤ ساعة!... الفوز للجميع

 حرب لمدة ٢٤ ساعة!... الفوز للجميع

 . حسن الرشيدي


كيف يمكن لحربٍ خاطفة استمرت 24 ساعة فقط أن تمنح جميع أطرافها شعوراً بالنصر؟ ولماذا سارع المتحاربون إلى إطفاء النيران سريعا بعد إشعالها؟ لقد كشفت هذه الجولة وجهاً مختلفاً للصراع يتجاوز ساحات القتال إلى معادلات البقاء والسلطة.



عودة الحرب بين إسرائيل وإيران لمدة 24 ساعة، ثم توقفها، يطرح العديد من الأسئلة، خاصة أمام من يريدون فهم المواجهة الممتدة بين إيران وكل من أمريكا والكيان الصهيوني، والتي بدأت منذ أكثر من ثلاثة أشهر بين قصف متبادل وهدنة وإغلاق لمضيق هرمز.

ولعل السؤالين المطروحين في هذاالسياق هما:

لماذا بدت تلك المواجهة وكأنها خارج سياق التهدئة

 والتفاوض بين أطراف الصراع الحالي؟

وما هو موقف ترامب الحقيقي من التصعيد؟

لكي نستطيع الإجابة على هذين السؤالين، لابد في

 البداية من تتبع ما حدث في هذا المواجهة الأخيرة

 بدقة.

ماذا حدث؟

فقد بدأت تلك المواجهة بإعلان الكيان الصهيوني نيته في قصف ضاحية بيروت الجنوبية، إثر استمرار حزب الله قصفه لشمال فلسطين، حينها أعلنت إيران أنها سترد بقصف الكيان إذا أقدم على تلك الفعلة.

وتدخل الرئيس الأمريكي ترامب وقال إنه أرغم رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتانياهو على وقف الانتقام من بيروت مقابل توقف الحزب عن قصف شمال فلسطين.

ولكن خروج نعيم قاسم زعيم حزب الله، وإعلانه عدم التزامه بوقف قصف شمال فلسطين، دفع الكيان الصهيوني إلى قصف الضاحية الجنوبية لبيروت رغم تحذيرات أمريكا.

وردت إيران بإطلاق صواريخ على الكيان، تم

 إسقاطها، وبعضها أسقط فوق سوريا.

وبعدها رد جيش الكيان الصهيوني بشن هجوم

 بالصواريخ على20 موقعًا وسط وغرب إيران.

وتدخل الحوثي بمعادلة التصعيد المتبادل، بإطلاق

 صاروخين من اليمن نحو الكيان.

ثم أعادت إيران الكرة، بإطلاق دفعة جديدة من

 الصواريخ باتجاه الكيان (تم إسقاطها كلها).

ورد الكيان مرة أخرى بشن هجوم آخر على إيران

 استهدف أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية وفي النهاية،

 أعلن ترامب، أن على الكيان وإيران وقف إطلاق

 النار فورًا.

واستمر ترامب قائلاً، بينما الحصار على إيران سيظل

 قائمًا وبكامل قوته وفعاليته حتى يتم التوصل إلى

 اتفاق نهائي.

وردت إيران وأعلنت وقف عملياتها، في حين، قال

الكيان أنه سيوقف غاراته على إيران بطلب من

 الرئيس ترامب، بينما سيواصل عملياته في جنوب

لبنان، وتعهد بضرب ضاحية بيروت الجنوبية إذا

 استهدف حزب الله شمال فلسطين المحتلة.

كل ذلك مع مواصلة حزب الله استهدافه القوات

 الصهيونية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية.

وصرح نتنياهو: بأن مهمتنا لم تنته بعد مع حزب الله،

وأتعهد بأنه لن تكون لإيران أسلحة نووية، فالنظام

 الإيراني تراجع عن مهاجمتنا بعد ردنا عليه...على

 حد قوله.

وهنا نأتي إلى السؤال الأهم، كيف نفهم ما حدث من

 ضربات متبادلة، ثم التوقف عنها؟

لكي نستطيع إدراك أبعاد تلك الجولة وخلفياتها، يمكننا

 استخدام أحد الاقترابات المستخدمة في تحليل السياسة

 الخارجية، وهو اقتراب (اللعبة ذات المستويين)

 للمفكر السياسي روبرت بوتنام.

يفترض هذا الاقتراب أن صانع القرار في السياسة

 الخارجية لا يتحرك في فراغ دولي فقط، بل هو

 لاعب يجلس على طاولتي شطرنج في وقت واحد:

الطاولة الدولية (المستوى الأول): حيث يتفاوض أو

 يتصارع مع القوى الخارجية.

الطاولة الداخلية (المستوى الثاني): حيث يواجه

 ضغوط الرأي العام، مراكز القوى، النخب الحاكمة،

 والوضع الاقتصادي داخل دولته.

المعادلة الأساسية هنا هي: أي حركة يقوم بها القائد

 على الطاولة الدولية يجب أن تخدم (أو على الأقل لا

 تؤذي) موقفه على الطاولة الداخلية، والعكس صحيح.

ويستخدم هذا الاقتراب أدوات تحليلية محددة:

١-مساحة التوافق أو الفوز

وهي مجموعة الخيارات السياسية المتاحة لصانع

 القرار والتي تحظى بقبول القوى الداخلية، وفي نفس

 الوقت يمكن فرضها أو قبولها دولياً. كلما ضاقت هذه

 المساحة، ركّز القائد على المناورات القصيرة

 والخاطفة.

٢-الإشارات الاستراتيجية الرمزية

وهي أدوات غير لفظية (مثل قصف محدد المدة،

 إغلاق مؤقت لممر مائي)، فمثل هذه الاشارات لا

 تهدف إلى تدمير الخصم مادياً، بل تهدف إلى إرسال

 رسالة مشفرة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك وتثبيت

 خطوط حمراء جديدة دون الدخول في حرب شاملة.

٣-الإدراك وسوء الإدراك

وهي أداة تدرس كيف يرى القادة نوايا الطرف الآخر بناءً على الصورة الذهنية المسبقة وليس الحقائق الصلبة. هنا نركز على شخصية القائد وسيكولوجية صنع القرار.

٤-تكلفة التراجع وتكلفة الاستمرار

وهي حسابات الأرباح والخسائر السياسية (وليس العسكرية فقط) لصانع القرار أمام جمهوره الداخلي في حال قرر المضي قدماً أو الانسحاب.

بناءً على هذا الاقتراب، لا نعود ننظر إلى إيران أو أمريكا أو الكيان الصهيوني ككتل صماء تحركها القوة العسكرية الفظة، بل كأنظمة معقدة، تحركها حسابات البقاء السياسي الداخلي والتوازنات الإقليمية.

وبناء على هذا الاقتراب يمكن تفسير مواقف

 الأطراف الثلاثة على النحو التالي:

الموقف الإيراني

ويمكن تلخيصه بمحاولة الموازنة بين الردع الدولي والاستقرار الداخلي.

حيث تنطلق الحسابات الإيرانية من ضرورة التوفيق بين صورتها كقوة إقليمية قادرة على تحدي الخصوم، وبين كلفة الصراع التي قد تهدد تماسكها الداخلي.

ففي الساحة الدولية (المستوى الأول): وبعد ثلاثة أشهر من القصف المتبادل والضغط الممتد الذي شمل إغلاق مضيق هرمز، رأت طهران أن استعراض القوة لمدة 24 ساعة يمثل إشارة استراتيجية رمزية كافية. فالهدف لم يكن إبادة الخصم عسكرياً، بل إثبات القدرة على إلحاق ضرر فادح بأسواق الطاقة العالمية وبالعمق الصهيوني، إذا ما استمر الخنق الاقتصادي عليها.

والاستمرار في الحرب بعد هذه المدة كان سيعني الخروج من مساحة الفوز الدولية (وهو في نظرها الصمود)، لأنه سيتجاوز قواعد الاشتباك ويستدعي رداً أمريكياً عسكرياً واسعاً ومباشراً لا ترغب فيه طهران.

أما على الطاولة الداخلية (المستوى الثاني): يواجه صانع القرار الإيراني وضعاً اقتصادياً واجتماعياً حرجاً يتسم بالهشاشة، وتحت وطأة العقوبات المستمرة.

فالتيار المحافظ والنخبة الحاكمة بحاجة ماسة إلى صورة حزم وقوة لرفع معنويات الجبهة الداخلية وتأكيد شرعية النظام، وهو ما وفرته الـ 24 ساعة من المواجهة النارية.

لكن في المقابل، فإن الدخول في حرب شاملة ومفتوحة قد يؤدي إلى تدمير البنية التحتية واهتزاز الوضع المعيشي للمواطنين، مما يرفع من تكلفة الاستمرار ويخلق بيئة خصبة للاضطرابات الداخلية التي قد تهدد بقاء النظام نفسه. لذلك، كان الانسحاب السريع خطوة عقلانية لإغلاق نافذة الخطر بمجرد تحقيق الهدف الرمزي.

موقف ترامب

وهو يتراوح بين الردع الحذر، وتجنب الانفجار الاقتصادي.

فترامب يتحرك تحت وطأة ضغوط داخلية صارمة تحكم كل تحركاته الخارجية، مما يجعل مواقفه المعلنة تختلف عن حساباته الحقيقية وراء الكواليس.

فعلى الساحة الداخلية (المستوى الثاني)، وهو المحرك الأساسي والأقوى لترامب؛ فقد صعد إلى السلطة بناءً على وعود واضحة لجمهوره ومموليه برفع شعار أمريكا أولاً، وإنهاء التورط في الحروب اللانهائية، والتركيز على نمو الاقتصاد الأمريكي. وبالتالي فإن حدوث حرب إقليمية واسعة ومستمرة في الشرق الأوسط يعني بقاء مضيق هرمز مغلقاً، وهو ما يترجم فوراً إلى قفزة جنونية وغير منضبطة في أسعار النفط والتضخم العالمي، مما يشكل كابوساً سياسياً يقوض شعبيته ويهدد استقراره السياسي داخلياً.

وعلى الساحة الدولية (المستوى الأول): يحتاج ترامب إلى الحفاظ على هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى، وتأمين حرية الملاحة الدولية، وحماية حليفه الاستراتيجي في المنطقة.

ولعل هذا التناقض بين مستويي اللعبة، يدفع ترامب إلى سلوك استراتيجية الردع بدون تورط. 

فهو يرحب بضربة خاطفة ومكثفة تكسر الاندفاعة الإيرانية وتجبرها على فتح المضيق، ولكنه في ذات الوقت يضع خطوطاً حمراء صارمة لمنع تحول هذا التصعيد إلى حرب برية شاملة أو صراع مفتوح يضطر الجيش الأمريكي للانخراط فيه، وهو ما يفسر ضغطه لإيقاف الحرب فور انتهاء الـ 24 ساعة.

موقف الكيان الصهيوني

وهو بين معضلة ترميم الردع وحدود الاعتماد الخارجي، حيث يمثل الكيان الصهيوني طرفاً أصيلاً يعيش أزمة توازن حادة بين رغبته في حسم المواجهة لصالحه، وبين استنزاف جبهته الداخلية واعتماده العضوي على الحليف الأمريكي.

فعلى الساحة الداخلية (المستوى الثاني): تعيش النخبة الحاكمة في الكيان تحت ضغط هائل من جبهة داخلية مستنزفة اجتماعياً واقتصادياً بعد أشهر من المواجهات واضطراب الملاحة في هرمز وتصاعد أزمة المستوطنين والنازحين.

فهناك انقسام عميق: جزء من الجمهور واليمين المتطرف يطالب بضربة قاضية تنهي التهديد الإيراني لترميم صورة الردع المتآكلة، بينما تدرك القيادة العسكرية والأمنية أن العمق الصهيوني لا يمتلك القدرة على تحمل حرب استنزاف شاملة ومباشرة مع إيران تُشل فيها الحياة تماماً. من هنا، كانت الـ 24 ساعة بمثابة متنفس لتقديم صورة نصر استعراضية تداوي جراح الداخل دون دفع الثمن الباهظ لحرب طويلة.

على الطاولة الدولية (المستوى الأول): يهدف الكيان إلى تفكيك نفوذ إيران الإقليمي، وإنهاء معادلة إغلاق المضيق. لكن تحقيق هذا الهدف يصطدم بمحدد خارجي حاسم، وهو عدم قدرته على خوض حرب إقليمية شاملة بمعزل عن الدعم الأمريكي العسكري والدبلوماسي واللوجستي الكامل.

وحين وضعت أمريكا (مدفوعة بحسابات ترامب الداخلية) فيتو واضحاً ضد أي تصعيد يجر المنطقة لحرب شاملة، وجد الكيان نفسه مجبراً على كبح جماح عمليته العسكرية؛ فالخروج عن مظلة الحليف الأمريكي في هذا التوقيت يُعد خياراً شديد الخطورة على طاولته الدولية.

خلاصة المشهد

وفقاً للرؤية السابقة، فإن حرب الـ 24 ساعة لم تكن حدثاً عشوائياً، بل كانت نقطة التقاء اضطرارية، تقاطعت عندها مساحات الحركة المتاحة للاعبين الثلاثة؛ حيث حقق كل طرف بجرعة التصعيد الخاطفة هذه مكسباً رمزياً يرضي به حساباته على طاولته الداخلية، وتراجع الجميع فوراً قبل أن تفرض حسابات الطاولة الدولية كلفة تدميرية تفجر جبهاتهم الداخلية.