الخميس، 3 سبتمبر 2026

واجب الأمة تجاه نبيها محمد (صلى الله عليه وسلم)

واجب الأمة تجاه نبيها محمد (صلى الله عليه وسلم)

د. عطية عدلان 

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول

أستاذ الفقه والسياسة الشرعية

في زحام الصدام بين الكفر والإسلام، تتطايَر في الفضاء إساءاتٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن لا خلاقَ لهم، وإنَّا لعلى يقينٍ جازم بأنَّ هؤلاء الأقزامَ لا يبلغ أحدهم أن يكون شعثًا في نعْل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأن هذه الإساءات لن تزيد اسمَه إلا سطوعًا، ولن تزيد دينه إلا عُلوًّا وظهورًا، ولكننا مع ذلك لا نَقبل ولا نُطيق أن يتطاول أحد على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ولن نسكت على ذلك التطاول الفجِّ، وإن ذهبَتْ في سبيل ذلك الأرواحُ، وسوف نتصدَّى لكل من تُسوِّل له نفسه أن ينال منا في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولن نجد على وجه الأرض مسلمًا يتقاعس عن هذا مهما كان الثمن.

    لكن الذي لا يَصِح أن ننساه أو نَغفُل عنه، هو واجباتنا تُجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومثلُ هذه الإساءات والاعتداءات تزيدنا تمسكًا بحب نبيِّنا، وتزيدنا مِن ثَمَّ حرصًا على أن نعرف هذه الواجبات، وأن نقوم بها خيرَ قيامٍ، فما هي هذه الواجبات؟

إن علينا تُجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجباتٍ كثيرةً، بيَّنها الله - عز وجل - في كتابه: 

أول هذه الواجبات أن نؤمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيمانًا يكون له أثرُه في القلب؛ بالحب والتوقير والتعظيم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد: 28).

    ولا بدّ أن يُحدِث هذا الإيمان في القلب أثرًا بالحب والتعظيم؛ يقول شيخ الإسلام: "الإيمان وإن كان أصله تصديقَ القلب، فذلك التصديق لا بد أن يُوجب حالاً في القلب وعملاً له، وهو تعظيم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإجلاله ومحبَّته، وذلك أمر لازم...، فإذا لم تحصل هذه الحالُ والعمل في القلب، لم ينفع ذلك التصديقُ ولم يُغن شيئًا؛ وإنما يمنع حصوله إذا عارَضه معارض من حسدِ الرسول، أو التكبُّر عليه، أو الإهمال له، وإعراض القلب عنه ونحو ذلك، ومتى حصل المعارض، كان وجود ذلك التصديق كعدمه".

ثاني هذه الواجبات: الطاعة والاتِّباع له، والتحاكُم إليه، والانقياد لحُكمه برضًا وتسليم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء: 64)، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء: 80)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).  

    ثالثها: أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحبَّ للمؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق؛ كما دلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ (التوبة: 24)، مع الأحاديث الصحيحة المشهورة؛ كما في الصحيح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر رضي الله عنه: (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك)، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يُؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجْمعين).

    رابعها: تعزيره وتوقيره، "والتعزير: اسم جامع لنَصره وتأييده، ومنْعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطُمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يُعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يُخرجه عن حدِّ الوقار"، والتوقير والتعظيم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان دأْبَ السلف حتى بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - قال مصعب بن عبدالله: "كان مالك إذا ذكر النبي يتغيَّر لونه وينحني، حتى صعُب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك، فقال: "لو رأيتُم ما رأيت، لَما أنكرتم عليّ ما ترون"، وقال مالك عن أيوب السختياني: "غير أنه كان إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى حتى أرحمه، فلما رأيتُ منه ما رأيت من إجلاله للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبت عنه "، وغير ذلك كثير.

     خامسها: عدم التقدُّم بالرأي المجرد على ما جاء به من كتابٍ وسُنة، وعدم رفْع الصوت عنده، وعدم دعائه وندائه بمثْل ما يدعو الناس بعضُهم بعضًا؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ (الحجرات: 1 – 2)،

     سادسها: ألا نُؤذيه بمثل ما يُعامل به بعضنا بعضًا، مما هو مباح بيننا؛ فإن الله تعالى "حرَّم على الأمة أن يُؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضًا؛ تمييزًا له؛ مثل: نكاح أزواجه من بعده، فقال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 53).

    سابعها: ألا نُؤثِر أنفسنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألا نتخلَّف عن نُصرة دينه الذي بذَل عمره كلَّه من أجله؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ (التوبة: 120).

    ثامنها: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والتسليم عليه، وسؤال الوسيلة له؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 56)، وعن عبدالله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه سمِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا سمعتُم المؤذِّن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ؛ فإنه مَن صلَّى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منـزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلَّت له الشفاعة).

    تاسعها: التمسُّك بسُنته، وترْك الابتداع في دينه؛ ففي حديث العرباض، قال - صلى الله عليه وسلم : (فعليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثاتِ الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة)، عاشرها: الاستجابة له في العمل بشريعته وتطبيقها في مناحي الحياة. والله أعلم

فتوى الجهل في نازلة غـ.ـزة

 فتوى الجهل في نازلة غـ.ـزة

د. سعيد بن ناصر الغامدي

تلخيص المشكلة

خرج كلامٌ يشبه الفتوى من أحد الملتحين، ليس فيه

 علمٌ ولا ورع، وإنما فيه اجتراءٌ على دين الله في

 نازلة عظيمة، وتزويرٌ لجهد قومٍ رابطوا وصبروا.

مضمون القول

زعم الرجل أن العدو المحتل لم يقصف المرابطين في

 غزة بالطائرات لضيق المساحة، وأن ما نشره

 المرابطون عبارة عن ألعاب إلكترونية ودعايات

 إعلامية مخادعة.

وبهذا القول زيَّف جهد الذين أعدّوا ما استطاعوا من

 قوة، وواجهوا حصارًا خانقًا امتد أكثر من خمسة

 عشر عامًا، ثم زاد المفتري فوصفهم بالتزييف

 والكذب، واعترف بأنه يكرههم وسيبقى يحذر منهم.

ثمرة هذا القول

أثار ردودًا واسعة، وانقسم الناس في الجملة إلى

 قسمين:

معارضون له، وهم أكثر الأمة وسوادها.

ومؤيدون له، وهم قلة؛ أكثرهم جهلة أو مبتدعة

 يستعملون لحاهم لترويج أفيون طاعة الحكام بطريقة

 تفضي إلى «عبادة الحكام»، أو أتباع أجهزةٍ ينفعها

 انتشار مثل هذا الكلام.

ومن ثمراته أيضًا أنه كشف المسافة الهائلة بين فئتين

 في الأمة: فئة تتوق إلى العزة والنهضة والتمكين

 لدين الإسلام وأهله ونفض أسباب الوهن والذلة، وفئة

 يتدينون بالاصطفاف مع من يعوّق الأمة ويخذّلها،

 ويوالي عدوها، ويعبث بمجتمعاتها أخلاقًا وتعليمًا

 ودينًا.

من مفاصل هذه القضية

الاجتراء على الفتاوى والنوازل من قبل الجهلة.

وبرهان جهله من فم صاحب القول نفسه؛ فقد أنكر ما

 هو معلوم مشهور، مدوَّن ومصوَّر.

فهو بين احتمالين: إما جاهل، ولا تصح فتوى جاهل،

 وإما عالم بما حصل وقال عكسه؛ فيكون صاحب

 هوى ومستبطن بدعة حملته على هذا الكذب المبين.

 فقوله مردود.

جريمة الفتوى بلا علم

ويدخل فيها هذا المتحدث ومن يدافع عنه لعصبية أو

 بغضاء لمن يعاديهم من المسلمين، أو لأجرة دنيوية،

 مادية أو معنوية، ينالها بالدفاع عنه، وهذا عين ما

 نهى الله عنه في قوله: 

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

ولا خلاف بين العلماء قديمًا وحديثًا في حرمة استفتاء

 الجهلة وأصحاب الأهواء، حزبية كانت أو مذهبية أو

 سياسية أو أمنية.

ولا خلاف في أنه لا يُستفتى أهل الرأي المخالفون

 لسنة رسول الله ﷺ، وإن تظاهروا باتباعها أو

 اشتهروا بهيئات خارجية معينة.

ولست أعني هنا سوى الجهلة والمتعصبة، من

 المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان.

وقد رأى رجلٌ ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي،

 فقال: ما يبكيك؟ فقال: «استُفتي من لا علم له، وظهر

 في الإسلام أمر عظيم». وقال: «ولبعض من يفتي

 هاهنا أحق بالسجن من السراق».

قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام

 من لا علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومدَّ باع

 التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة

 الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة.

وهو بين أهل العلم منكر أو غريب، ليس له في معرفة

 الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابًا

 بإحسان.

يَمُدُّونَ لِلْإِفْتَاءِ بَاعًا قَصِيرَةً  

                        

  وَأَكْثَرُهُمْ عِنْدَ الْفَتَاوَى يُكَذْلِكُ


قومٌ حرَّفوا دين العدل والحق والاستقامة، فجعلوه أداةً

 في جيب الحاكم؛ فوالوا على ذلك وعادوا، وتمددوا

 في البغي على نبلاء الأمة وفضلائها، وتجاوزوا،

 وزادوا فرح العدو الحربي في فلسطين بأقوالهم،

 فكتب في مدحهم.

وغضب أهل العلم والإيمان من أقوالهم وأفعالهم،

 فردوا عليهم، واحتضنتهم أنظمة الولاة الخونة، أعداء

 الله ورسوله وشريعته؛ فمكَّنت لهم، وآوتهم، وحمتهم،

 وأغدقت عليهم.

فخسف الله بهم في خوض الجهالة، فهم فيه يخوضون،


 وخُسف معهم بأقوام من المستضعفين في الفهم


 والعلم، لعلهم ينجون؛ لأنهم من المغلق عليهم، من


 المقلدة المحضة، الذين لا يجدون حيلةً ولا يهتدون 


سبيلًا.


المصدر

أسباب الغارة على الفاروق عمر بن الخطاب

أسباب الغارة على الفاروق عمر بن الخطاب

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

جنوب السودان دولة نفطية تستورد الأزمات

جنوب السودان دولة نفطية تستورد الأزمات

ليست الأزمة في جنوب السودان أن أسعار الوقود ترتفع، بل إن الارتفاع أصبح هو القاعدة، بينما الاستقرار هو الاستثناء.

والأسوأ من ذلك أن هذا يحدث في دولة يعيش اقتصادها على النفط. لا يعود الوقود مجرد سلعة، بل يتحول إلى معيار يقاس به نجاح الدولة أو فشلها.

فعندما تعجز دولة نفطية عن توفير الوقود لمواطنيها بسعر معقول، فإن الأزمة ليست في النفط، وإنما في الدولة التي تدير النفط.

تكشف أزمة الوقود حقيقة يصعب إنكارها جنوب السودان لا يعاني من شح الموارد، بل من شح الإدارة الرشيدة.

فالدولة التي تمتلك النفط، والأرض الزراعية، والمياه، والثروة الحيوانية، لا ينبغي أن تكون دولة تستورد الأزمات. غير أن ما حدث منذ الاستقلال هو أن الثروة تحولت إلى ريع سياسي، لا إلى مشروع اقتصادي، وأصبحت الإيرادات وسيلة لإدارة السلطة أكثر من كونها أداة لبناء الدولة.

إن الدولة الحديثة لا تقاس بحجم ما تملكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد. والنفط، في التجارب الناجحة، كان نقطة انطلاق نحو التصنيع والتعليم والبنية التحتية.

أما في التجارب الفاشلة، فقد تحول إلى وقود للفساد، وتضخم الجهاز الحكومي، وتآكل المؤسسات، وغياب المساءلة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أي النموذجين ينتمي جنوب السودان؟ 

إن الاقتصاد الذي يقوم على بيع النفط الخام واستيراد كل شيء آخر ليس اقتصادا منتجا، بل اقتصادا استهلاكيا هشا.

فالدولة تصدر المادة الخام، ثم تعود لتستورد مشتقاتها النفطية بأسعار أعلى، وتستورد الغذاء والدواء ومواد البناء، وحتى كثيرا من السلع البسيطة. وهذه ليست دورة اقتصادية، بل حلقة من التبعية تستنزف الموارد عاما بعد عام.

وتبرز معضلة الاحتكار.

ففي جوبا، كما في مدن أخرى، يحضر مستثمرون أجانب بقوة في قطاع الوقود، ومن بينهم عدد من المستثمرين الصوماليين الذين يديرون محطات وشركات تعمل في هذا المجال.

وهذه الظاهرة لا ينبغي أن تقرأ من زاوية الجنسية، لأن الاقتصاد لا يبنى على التمييز، بل على المنافسة وسيادة القانون.

لكن من المشروع أن يُطرح سؤال جوهري لماذا أصبح المستثمر الأجنبي أكثر قدرة على دخول القطاعات الاستراتيجية من المستثمر الوطني؟

ولماذا لم تنجح الدولة في بناء بيئة تضمن تكافؤ الفرص وتمنع تركز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات؟

إن نجاح المستثمر ليس مشكلة، أما فشل الدولة في تنظيم السوق فهو المشكلة الحقيقية.

فالاحتكار لا ينشأ من فراغ، بل ينمو عندما تغيب المؤسسات الرقابية، وتضعف قوانين المنافسة، وتختلط السلطة بالمصالح الاقتصادية.

وعندها يصبح المستهلك الحلقة الأضعف، ويدفع المواطن ثمن سوق لا تحكمها المنافسة بقدر ما تحكمها موازين النفوذ.

ولا يمكن فصل ذلك عن الانهيار المستمر في قيمة الجنيه الجنوب سوداني. فالعملة الوطنية ليست مجرد وسيلة للتبادل، بل مرآة لصحة الاقتصاد.

وكل اقتصاد يعتمد على الواردات أكثر من الإنتاج، وعلى الريع أكثر من الاستثمار، سيكون عرضة لتدهور عملته وارتفاع معدلات التضخم. لذلك فإن أزمة الوقود ليست سوى أحد أعراض مرض اقتصادي أعمق.

ثم يبرز السؤال الذي يتهرب منه الخطاب الرسمي منذ سنوات

أين ذهبت عائدات النفط؟ ولماذا لم تبن مصافٍ حديثة؟

ولماذا لم يُستثمر في الطاقة، أو الزراعة، أو الصناعة، أو البنية التحتية بما يخفف من هشاشة الاقتصاد؟ 

إن غياب الإجابات المقنعة لا يزيد إلا من اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

وما في الأزمة أنها لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة عدالة.

فكل زيادة في أسعار الوقود تعني ارتفاعا في تكاليف النقل والغذاء والدواء والتعليم، بينما تتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر.

وتبقى الفئات الأكثر ثراءً وقدرة على الوصول إلى الموارد أقل تأثرا.

وهكذا تتحول الثروة الوطنية، التي كان يفترض أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة، إلى عامل يعمق التفاوت الاجتماعي.

لقد أثبت التاريخ أن الموارد الطبيعية لا تبني الدول، بل قد تدمرها إذا غابت المؤسسات.

فالدولة التي تعجز عن حماية المنافسة، ومكافحة الاحتكار، وإدارة المال العام بشفافية، تتحول تدريجيا إلى دولة ريعية، يصبح فيها الاقتصاد تابعا للسياسة، والسياسة تابعة للمصالح الضيقة.

إن جنوب السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى تغيير في فلسفة إدارة الدولة.

يحتاج إلى مؤسسات مستقلة لا تخضع للنفوذ، وإلى قوانين تطبق على الجميع، وإلى اقتصاد يقوم على الإنتاج لا على الريع، وعلى المنافسة لا على الاحتكار، وعلى الكفاءة لا على الامتيازات.

إن الأزمة ليست أزمة وقود، بل أزمة نموذج حكم.

وما لم يُعاد تعريف وظيفة الدولة باعتبارها حارسًا للمصلحة العامة، لا وسيطًا بين مراكز النفوذ، فإن النفط سيظل يخرج من باطن الأرض، بينما يزداد الفقر فوقها. وستبقى الدولة غنية بالموارد، وفقيرة في التنمية، قوية في جباية الإيرادات، وضعيفة في حماية المواطن.

إن الأمم لا تسقط عندما تنضب ثرواتها، وإنما عندما تعجز عن إدارة تلك الثروات بعقل الدولة.

وهذه هي المعضلة الكبرى التي يواجهها جنوب السودان اليوم: ليس نقص النفط، بل غياب الدولة التي تعرف كيف تجعل من النفط مشروعًا لبناء الوطن، لا وقودًا لاستدامة الأزمات.