الخميس، 17 سبتمبر 2026

دحلان ليس خياراً

 دحلان ليس خياراً





تبدو أكثر النظريات غرابةً بشأن مستقبل غزة وكيفية إدارتها وكأنها أُعيد تداولها هذه الأيام: «محمد دحلان، الذي كان في وقت من الأوقات أحد أقوى الفاعلين خلف الكواليس في فلسطين، سيعود من الإمارات العربية المتحدة، حيث يقيم في المنفى، فور وفاة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس البالغ من العمر 90 عاماً، ليستولي على الحكم.


وسيدير دحلان غزة إلى جانب الضفة الغربية». وتشير تفاصيل الخبر المتداول إلى أن دحلان على تواصل مع مراكز قوى مختلفة في أوروبا والولايات المتحدة، وأنها تدعم الخطة بحماسة.



محمد دحلان (65 عاماً) اسم يبرز فوراً أمام حتى أولئك الذين يمرون مروراً عابراً في أروقة السياسة الفلسطينية والشرق أوسطية. وُلد دحلان في مخيم خان يونس للاجئين جنوب غزة، وبعد أن سجنته إسرائيل عدة مرات في شبابه، بدأ صعوده في صفوف تنظيم فتح بقيادة ياسر عرفات.

وعُيّن رئيساً للأمن في غزة مباشرة بعد اتفاق أوسلو، وطوّر خلال تلك الفترة علاقات وثيقة مع الاستخبارات الإسرائيلية. ومع مرور الوقت، أسس دحلان نظاماً مافيوياً مروّعاً في غزة، وركّز، بالتنسيق مع إسرائيل وبأكثر من 20 ألف رجل تحت إمرته، على هدف سحق حماس.


وكانت الحرب الأهلية التي شهدتها غزة عامي 2006-2007 مؤامرة دبّرها دحلان وإسرائيل معاً لتصفية حماس، الفائزة بالانتخابات، فعلياً من الداخل. لكن حماس أثبتت أنها خصم صعب المراس، فتعرّض دحلان ورجاله لهزيمة قاسية وأُبعدوا من غزة إلى المنفى.



وبعد ذلك، بدأ محمد دحلان مواجهة فعلية مع إدارة محمود عباس. وكان دحلان، الذي سعى إلى إقامة دولته الموازية في الضفة الغربية، يستفيد من الدعم غير المحدود الذي وفرته له إسرائيل، فيما يرهب الشخصيات والمجموعات الفلسطينية المنافسة.

وفي النهاية، قرر محمود عباس التخلص من هذا الرجل الخطير. ففي عام 2011، أُبعد دحلان، وأُعِدّ بحقه ملف ضخم، وحوكم غيابياً بالإعدام. ومنذ ذلك الحين، يشغل دحلان منصب كبير مستشاري زعيم الإمارات الشيخ محمد بن زايد. ودحلان، الشخصية المحورية في التواصل بين إدارة الإمارات ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ينشط، بصورة لافتة، حتى في منطقة البلقان.


وهو يحمل الجنسية الصربية منذ عام 2014. ولا يُعرف كيف ولماذا حصل على هذه الجنسية، تماماً كما لا يُعرف كيف وصل إلى نفوذه في القصر الإماراتي.

إن التفكير في شخص يمتلك هذه الخلفية ضمن المرشحين للقيادة الفلسطينية أمر يتجاوز حدود العبث، سواء بسبب سجله الشخصي المظلم أو بفعل التوازنات داخل المنطقة.
 وعلى الأقل، فإن النقاط الخمس التالية واضحة جداً:

1-دحلان ليس خياراً، لأنه في جوهره رجل ظالم وقاسٍ. فإذا استولى على الحكم في فلسطين، فلن تقل الضغوط التي سيمارسها على السكان المدنيين عن ضغوط إسرائيل. وتجربة غزة السابقة خير مثال حي على ذلك.



2- دحلان ليس خياراً، لأن الساحة السياسية الفلسطينية تشهد مقاومة ومعارضة جادة له. وهناك عدد غير قليل ممن يعتقدون أن دحلان سمّم ياسر عرفات. حتى محمود عباس طرح هذا الادعاء بأعلى صوته.

3- دحلان ليس خياراً، لأن المقاومة المسلحة مشروعة في مواجهة احتلال غاشم، وهي الخيار الوحيد في مواضع كثيرة. فلا يمكن صد احتلال بالدبابات والمدافع بالسياسة وحدها. ومن يظن أن حماس يمكن القضاء عليها بيد دحلان، تضحك منه الغربان.

4-
دحلان ليس خياراً، لأن هناك أدلة ملموسة ومثبتة لا حصر لها على أنه يتحرك بالتنسيق المباشر مع إسرائيل. ولا يمكن تسليم فلسطين إلى مثل هذا الشخص. وإذا تحقق هذا السيناريو، فقد يحدث انفجار اجتماعي لا يمكن توقعه على الإطلاق.

5-
دحلان ليس خياراً، لأن التوتر القائم بين الإمارات العربية المتحدة والسعودية لا يسمح بذلك. لو أمكننا العودة إلى بضع سنوات مضت، لربما. فالرياض تنظر إلى دحلان بوصفه فاعلاً بلا مبادئ ولا خطوط حمراء، يعمل في الوقت نفسه لحساب دول عدة.


ورغم كل ذلك، فإن هدف الذين يحاولون تقديم شخصية محمد دحلان إلى الواجهة واضح: 
السعي إلى إغلاق الجرح العميق المفتوح في فلسطين بسياسة فاسدة ومنحرفة، عبر إسقاط خيار النضال المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي تماماً من جدول الأعمال. ومن الواضح تماماً أنهم لا يرون أن فلسطين تستحق أكثر من دكتاتورية بعثية على طراز سوريا أو العراق القديمين. وسنرى هل سيحاولون حقاً جعل هذا المسار، الذي لن يتحقق أبداً، واقعاً. وعندها، سيكون ما سنراه أيضاً، بلا أدنى شك، الهزيمة التي سيتعرضون لها.

محمد دحلان  فلسطين  غزة  حركة فتح  حماس

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

ماذا فعلت الحروبُ بأخلاقنا؟

 ماذا فعلت الحروبُ بأخلاقنا؟

محمد خير موسى


"كلّ مقهورٍ سوف يقهر من هم دونَه لا محالة حين تتاح له الفرصة.. وكلّ إنسانٍ مهدورٍ سيهدرُ ما عداه من ناس ومؤسسات وموارد" (مصطفى حجازي، الإنسان المهدور.. دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، ص: 39).

هذه الكلمات تحمل في جوفها شيئاً من سر الحروب الطويلة؛ فالقهر يبدأ واقعة تقع على الإنسان ثم يمضي الزمن فيتسلّل من الواقعة إلى النفس ومن النفس إلى طرائق النظر والتصرف، ليجد المقهور نفسه بعد تبدل المواقع ممسكاً بالأداة ذاتها التي جُرح بها ومستعيداً صورة القوّة التي أبغضها يوم كانت مسلّطة عليه، وممارساً على من دونه شيئاً مما ثار في صدره على من كان فوقه.

وسؤال: ماذا فعلت الحرب بأخلاقنا؟ يتوجه إلى أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف.

هنا تظهر المعادن

للمحنة سلطانٌ يكشف ما سترته أيام السّعة؛ فالكرم الذي كان فضلةَ مال يصير رغيفاً يقسمه صاحبه مع جائع، والشّجاعة التي كانت حديثاً في المجالس تصير خطوة نحو جريح تحت النار، والوفاءُ يصير ستراً لمطارد مع معرفة ثمن الستر، والأمانة تصيرُ مال غائب يقدر صاحبه على أخذه ثم يصونه.

أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف


وقد حفلت حروبنا بمشاهد من هذا المعدن الإنساني الرفيع، ورأينا أناساً حفظوا آدميتهم في مواضع كانت كل الظروف تدفعهم إلى التخلي عنها، وهؤلاء جزء أصيل من تاريخ الحروب ومن الظلم أن تحفظ الذاكرة أسماء القتلة وتدع الذين وقفوا في وجه القسوة بأخلاقهم يضيعون في زحام الدم.

غير أن الحرب تفعل في النفس فوق ما تكشفه منها؛ فالفعل المتكرر يدخل العادة، والعادة تستقر في الخلق، وقد قال الراغب الأصفهاني في "الذريعة إلى مكارم الشريعة" (ص: 101)، في باب ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها: "كلّ متعاطٍ لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى به بالازدياد منه، إنْ خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ".

والذي عاش أعواماً يتوقع الخيانة قد تستقر الريبة في مزاجه، والذي طال اضطراره إلى إخفاء خبره طلباً للسلامة قد تسهل عليه المواربة بعد زوال الخطر، والذي رأى القوّة الباطشة تحسم الخصومات مرة إثر مرة قد تتسلل إلى وعيه منزلة للقوة تتجاوز قدرها؛ فيصبح شديد الإعجاب بمن يبطش وشديد الاستخفاف بمن يرفق ثمّ يسمي هذا خبرة اكتسبها من الحياة.

وقد التقط ابن خلدون هذا التحول بكلمات قليلة نفاذة، فقال في "المقدمة" (1/743) في وصف أثر العسف: "وعلّمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخُلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه".

وقوله "عادة وخُلقاً" يفتح أصل المسألة؛ فالذي وُلد تدبيراً للخوف استقر طريقةً للحياة، وما بدأ في ساعة استثناء انتقل مع صاحبه إلى ساعات الأمن فصارت الحرب تكشف خلقاً موجوداً وتنشئ إلى جواره خلقاً آخر، وتترك في النفس آثاراً يحتاج صاحبها إلى معرفتها حتى يملك أمرها.

ما الذي تعلمناه من القهر؟

أشد آثار القهر خفاءً أن يحتفظ المقهور بصورة القاهر في داخله؛ فالطفل الذي عرف الإهانة قد يكبر وهو يرى الهيبة في إخافة من تحته، والموظف الذي عاش أعواماً تحت مدير متسلط قد يعيد الصورة ذاتها إذا صار صاحب سلطة، والجماعة التي ذاقت العقاب بذنب أفراد منها قد تستسهل يوم قدرتها أن تحمل أفراد جماعة أخرى أوزار جماعتهم.

وهذه هزيمة أخلاقية عميقة؛ لأن الجلاد يغيب ويبقى منطقه يعمل في ضحيته، وتتحول المقاومة التي قامت رفضاً للقهر إلى إعادة إنتاج له بأسماء أخرى.

ويصبح الامتحان أشد في ساعة الغضب، وقد وضع القرآن العدل في هذا الموضع بعينه فقال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة: 8).

فالشنآن قائم والعدل قائم معه، ووزن الأخلاق يظهر في الموضع الذي تمتلك النفس فيه ألف حجة لتمنح هواها اسم الحق. ولقد قال ابن حزم في "الأخلاق والسير" (ص: 165): "من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسفه".

وهذه الكلمة ثقيلة على أبناء الحروب؛ فكلّ جماعةٍ تحمل قبورها وذاكرتها وأسماء من فقدتهم، وكلّ جرح يستطيع أن يتحول إلى منظار يرى صاحبه العالم من خلاله حتى يغدو الألم حجة ويصبح الغضب قاضياً ويمسي الانتماء ميزاناً للبراءة والإدانة.

اختلال أسماء الأشياء

تدخل الحرب إلى الأخلاق من باب اللغة أيضاً؛ إذ يحتاج الإنسان إلى أسماء تريح ضميره مما يفعل، فتأخذ القسوة اسم الحزم، ويأخذ سوء الظن اسم الفطنة، ويأخذ التشفّي اسم الوفاء للضحايا، وتأخذ المحاباة اسم نصرة الجماعة، ويأخذ الكذب اسم خدمة القضية، ويصير البطش دليلاً على قوة الشخصية. وهنا تبلغ الإصابة موضعاً خطيراً؛ فالمرء يستطيع أن يقاوم ظلماً يسميه ظلماً أما الفعل الذي منحه اسماً كريماً فيصبح جزءاً من صورته عن فضيلته.

ومن هذه الأبواب قول ابن حزم في "الأخلاق والسِير"، (ص: 31): "لم أرَ لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله، والثانية استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس". فالجملة التي تقول: "فعلوا بنا" تستطيع أن تصير مستنداً طويل العمر؛ فعلوا بنا فنفعل بهم، وأهدروا حرمتنا فتهدر حرمة من ينتسب إليهم، وظلموا رجالنا فنحمّل أبناءهم شيئاً من تبعة رجالهم. وعند هذه النقطة يكون المعتدي قد علّم ضحيته منطقه، وصار جرمه مصدراً لقواعد السلوك عند من قاومه.

وحق المظلوم محفوظ في إنصافه ومحاسبة من اعتدى عليه ورد الحقوق إلى أصحابها، ثم يبقى فعله هو معروضاً على الميزان نفسه؛ فعدالة القضية تمنح أصحابها مسؤولية في صيانة عدلها، وكل قضية تستبيح الأخلاق في سبيل نصرتها تبدأ في خسارة شيء من روحها.

ما يبقى من الحرب بعد الحرب

قد تصمت البنادق وتبقى الحرب مستمرة في طريقة إدارة المكتب وفي تربية الطفل وفي خطاب السياسي وفي لغة الجماعة مع مخالفيها؛ فمديرٌ يرى السؤال تمرداً وأبٌ يرى الهيبة خوفاً ومعلمٌ يفسر ضبط الصف بالقهر، وسياسيٌ يحتاج خصماً دائماً حتى يحتفظ بتماسك أتباعه، وشابٌ خبر سنوات الارتياب حتى صار حسن الظن عنده سذاجة.

بناء ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ للحياة


وهذه البقايا أشدّ خطراً لأنها تدخل الحياة الجديدة بثياب الخبرة؛ فيحسب النّاس بعض ما اكتسبوه في زمن الخوف حكمةً صالحة لكل زمن، مع أن مجتمع العمران يحتاج قانوناً وثقةً ومساءلةً وقدرةً على الاختلاف، ويحتاج صاحب السلطة إلى أن يعرف أن قوته تظهر في ضبط نفسه بقدر ما تظهر في إنفاذ قراره.

ولهذا فإن بناء ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ للحياة.

استرداد الميزان والمعيار

ويبقى بعد انقضاء الحرب سؤال لا مهرب منه: ماذا أبقت فيَّ أنا؟ أيّة قسوة ألفتُها حتى حسبتها قوة؟ وأيّة ريبة سميّتها فطنة؟ وأيّة عصبية لبست عندي ثوب الوفاء؟ وأيُّ ظلم رقَّ حكمي عليه لأن فاعله من جماعتي؟

تُعاد البيوت وتُفتح الطرق وتعود المؤسسات إلى عملها، أما ما استقر في النفس زمن القهر فهو الأبطأ زوالاً؛ ولهذا يكون استرداد البلاد ناقصاً حتى نسترد معها الميزان والمعيار؛ وهو أن يبقى الظلم ظلماً أيّاً كانت اليد التي جاءت به، ويبقى العدل عدلاً أيّاً كان المستفيد منه، ويبقى البريء بريئاً مهما حمل من اسم يوقظ فينا الغضب، وأن نحاسب صاحبنا بالميزان الذي نحاسب به خصمنا؛ فالحق الذي يتغير بتغير الأسماء يصير هوىً والعدل الذي يدور مع الجماعة وجوداً وعدماً يصير عصبية.

وتنتهي الحرب في موضعها الأعمق يوم تفقد سلطانها على الضمير؛ يوم نحمل جراحنا من غير أن نجعلها شريعة لجرح غيرنا، ونستردّ حقوقنا من غير أن نستعير من ظالمنا منطقه، ويبقى فينا من القوة ما يكفي لنقول للظلم: هذا ظلمٌ ولو صدر عمن نحبّه، ونقول للعدل: هذا عدلٌ ولو جرى لمن نخاصمه ونشنّئه.

خلاصات عقدية حول الطغيان الحوثي

خلاصات عقدية حول الطغيان الحوثي
 

الفرقان في سورة «الفرقان»..

 الفرقان في سورة «الفرقان».. 

د.عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

لم يكن أكبر ضرر تعرض له الحقُّ في يوم من الأيام متمثلاً في الحرب الصريحة التي يعلنها الباطل عليه، صحيح أنّ الحرب التي يعلنها الباطل على الحقّ ضرر كبير، لكنّ الضرر الأكبر يتمثل في التلبيس؛ لأنّ التلبيس يعطي الباطل فرصةً للبقاء، ويكسبه قدرةً على المناورة والمداورة والروغان، ويحرزه بعيدًا عن مرمى سهام الحقّ، ويؤجل، بل ربما يعطل الحسم الذي سيكون لصالح الحقّ حتمًا.


لذلك، كان لا بدّ من بلوغِ البيان حدَّ الفرقان، الذي يفرق بين الحقّ والباطل؛ وهكذا القرآن: 

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ {3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) (آل عمران).


وسورة «الفرقان» مكّية باتفاق، ولعلّ نزولها كان في المرحلة المكِّية المتوسطة، التي احتدم فيها الجدل بين الحقّ والباطل، ففي تلك المرحلة في سياق معركة العقيدة المشتعلة في مكة نزلت سور عديدة، كالأنعام والرعد والفرقان وغيرها من السور، تميزت بخوضها معركةَ العقيدة بكلّ تجلّياتها وصورها، بالردّ المفحم على الشبهات، والمقارنة الجادة الصارمة بين التوحيد والشرك، وبيان ما عليه أهل الشرك من تناقض في التصورات والأوضاع، فكانت هذه السور فرقانًا فرّق الله به بين الحقّ والباطل.

لكن يبقى أنّ سورة «الفرقان» كانت متميزة من بين كلّ هذه السور بأنّ الفرقان هو موضوعها الرئيس، وبأنّ مهمتها متركزةٌ على بيان أنّ القرآن فرقانٌ؛ ولذلك سميت السورة بهذا الاسم الباهر الساطع «الفرقان»، وذُكِرَ القرآنُ بهذا الوصف في أولها.

ومن تأمّل السورة وجدها فرقانًا حقيقيًّا، فرّق بين الحقّ والباطل، وفرّق بين أهل الحقّ وأهل الباطل، واستمرّ على هذا الطريق ليثمر في النهاية صورة تُعدّ معيارًا وميزانًا تعاير بمقياسها وتوزن بميزانها كلّ المجتمعات؛ فبقدر ما يقترب منها مجتمع من المجتمعات أو جيل من الأجيال يكون منحازّ للحقّ مجانبًا للباطل، وبقدر ما يبتعد عنها مجتمع من المجتمعات أو جيل من الأجيال يكون منحازًا للباطل مجانبًا للحقّ، هذه الصورة هي صورة «عباد الرحمن» التي ختمت بها سورة «الفرقان».


ومن هنا نستطيع أن نقول: إنّ الموضوع الرئيس لسورة «الفرقان»، الذي تدور في فلكه كلّ الموضوعات في السورة وتتحقق به وحدتها الموضوعية هو «القرآن فرقانٌ فرّق الله به بين الحقّ والباطل وبين أهل الحقّ وأهل الباطل»، فُرْقانٌ بقوة الحجة وسطوع البرهان، فرقان بما فيه من بيان وتبيان، فرقان بعقيدته الصحيحة السليمة وشريعته السمحة القويمة، ومنهاجه الواضح البيّن.


‌(تَبارَكَ ‌الَّذِي ‌نَزَّلَ ‌الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان: 1)، هكذا جاءت البداية قويّة ومدوية ومُطْلِقَةً جملةً من الحقائق ذات الوزن الثقيل، 

أولاها: أنّ هذا القرآن فرقانٌ، ويلزم من كونه فرقانًا أن يبلغ في البيان والتبيان وقوة البرهان مبلغًا يُمَكِّنه من التفريق بحسم وعزم بين الحقّ والباطل.


ثانيتها: أنّ هذا القرآن الذي أنزله الله فرقانًا ليس لأمّة بعينها دون باقي الأمم، بمعنى أنّه رسالة عالمية نزلت لتكون للعالمين أجمعين.


ثالثتها: أنّ أشرف ما يوصف به إنسان هو العبودية للرحمن، فهذا السياق سياق رسالة، تضمن الإنزال والإنذار والفرقان؛ ومع ذلك لم يقل: «نَزَّل الفرقان على رسوله»، وإنّما قال: (عَلى عَبْدِهِ)؛ لأنّ أشرف ما يوصف به الإنسان هو عبوديته للرحمن.


رابعتها: تلك البركة التي تحلّ بالإنسانية، بما أنزل الله من الفرقان، وبما يحمله هذا الفرقان من هدايات يتحقق بها الإنذار النافع، هذه البركة السابغة تحملها أول كلمة في السورة «تبارك»، التي تعني: تَكَاثَرَ خيرُه وتَعَاظَمَ عطاؤُه، وامتدّ واتسع فضله.


وبعد هذا المطلع القويّ المدوي تبدأ سورة «الفرقان» في ممارسة عملها في التفريق الحاسم بين الحقّ والباطل، فتَعْرِضُ صورتين متقابلتين بينها بُعْدٌ لا نهائيّ، الصورة الأولى للحق والثانية للباطل، الأولى تعكس القدرة الإلهية المطلقة والثانية تعكس العجز المطلق للآلهة المزعومة:

 (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً {2}‏ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً) (الفرقان).


وفي السورة جولات للرد على الأباطيل والشبهات، أبرزها هذه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً {32}‏ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (الفرقان)، ومن المعلوم بالضرورة أنّ القرآن لم ينزل جملة واحدة، وإنّما نزل مفرقًا ومنجمًا على مدى 23 سنة، فلماذا حدث هذا؟ ولماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة؟ وقد اتخذوا من هذا السؤال سبيلًا إلى الطعن في الرسالة؛ إذْ -في زعمهم- لو كان الرسول صادقًا في دعواه بأنّ هذا القرآن من عند الله العليّ القدير لنزل جملة واحدة، ولما نزل مفرقًا هكذا، فنزوله مفرقًا ينقص مصداقيّته.

والحكمة من نزول القرآن مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا جاءت هنا بهذا الإيجاز المعجز: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً {32}‏ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)، فالرسول ومن معه من المؤمنين يحتاجون في كل موقف إلى تثبيت، فلو نزل القرآن جملة واحدة لم يتحقق به التثبيت إلا مرة واحدة، والدعوة في أول أمرها وهي تشقّ عباب الجاهلية تتعرض لأهوال جسام وغربة بين الأنام؛ فحاجتها لتكرار التثبيت لدى كلّ موقف أشدّ، وهذا معنى قوله تعالى (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ)، هذه هي الحكمة الأولى.


أمّا الحكمة الثانية فهي متمثلة في أنّ تربية المؤمنين تحتاج إلى تؤدة وأناة وتدرج، فلا بد أن يتدرج نزول الوحي وأن يتّئد، كما قال تعالى في الإسراء: (وَقُرْآناً ‌فَرَقْناهُ ‌لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (الإسراء: 106)، وهنا في الفرقان قال سبحانه: (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً).


أمّا الحكمة الثالثة فجاءت متمثلة في قول الله سبحانه: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)؛ أي أنّ من أسباب نزول القرآن مفرقًا مواجهة الشبهات التي يثيرها الجاهليون أولًا بأول، فكلما جاءوا بمثل من الشبهات والترهات جاءهم الوحي بالجواب الحقّ.


وإنّ من البيان والتبيان والفرقان أن يساق البرهان على ربوبية الرحمن: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً {45} ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً {46} وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً {47} وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً {48} لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً) (الفرقان)، (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً {53} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (الفرقان).


وتستمرّ السورة بتقنيات عديدة في عملية الفرقان، إلى أن تُختم بهذه اللوحة المشرفة، صورة كلية لعباد الرحمن تشتمل على الخطوط العريضة لمنهجهم في الحياة، فهذه أسس النظام الأخلاقيّ لهم: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، (الفرقان: 63) 

وهذه ذروة النظام الشعائريّ: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً {64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً {65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) (الفرقان).


وهذا صمام أمان النظام الاقتصاديّ لديهم: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) (الفرقان: 67)، وهنا أهم مقومات الحفاظ على المجتمع: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) (الفرقان: 68)، (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) (الفرقان: 72).


وهذه النواة الأولى للرشد المنهجي المعرفي الأبيستمولوجي: (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) (الفرقان: 73)، وهذه في النهاية منهجية بناء الأمل: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) (الفرقان: 74)، هؤلاء هم عباد الرحمن، صفاتهم معيارٌ للحقّ، وفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل، أمّا الذين أقصاهم الفرقان فلا قيمة لهم: (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) (الفرقان: 77).




لماذا نثق بالذكاء الاصطناعي حين يخالفنا؟

لماذا نثق بالذكاء الاصطناعي حين يخالفنا؟

د. جاسم الجزاع



لا أحد ينكر مدى الحاجة التي أصبحت تراود الجميع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وأحيانًا بل غالباً لا نسأل الذكاء الاصطناعي كالجات جي بي تي وغيره بحثًا عن الإجابة، بل لكي نختبره، فنسأله سؤالًا نعرف مسبقًا ما الذي نريد سماعه، فإذا وافقنا ابتسمنا قليلًا ثم يساورنا الشك: لعله يجاملني؟ ولعله صاغ الإجابة على هواي ومرادي؟، فنغيّر السؤال، ونعيد صياغته، وربما نقول له: لا أريدك أن توافقني، بل خالفني، فإذا خالفنا شعرنا فجأة أن الإجابة أصبحت أكثر موضوعية!، لكن لماذا؟ وهل مجرد مخالفة الرأي تجعل الإجابة أكثر صحة؟ والغريب أن هذه المسألة لم تعد مجرد انطباع شخصي فقد تناولتها دراسات حديثة حول علاقتنا بالذكاء الاصطناعي، ووجدت في بعضها أن الإنسان قد ينظر إلى الرأي المخالف الصادر عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أقل تحيزًا من الرأي الآخر وكأننا بدأنا نمنح الآلة شيئًا من الحياد الذي لم نعد نمنحه لبعضنا البعض.


والمشكلة أننا ما زلنا نسيء فهم وظيفة الذكاء الاصطناعي ودوره أنه ليس شيخًا نسأله عن الفتوى، ولا طبيبًا نستفتيه لأجسادنا، ولا قاضيًا نستقضيه خصوماتنا، ولا مفكرًا يمتلك سر الحقيقة، بل هو أداة هائلة لجمع المعرفة وترتيبها وتحليلها ومقارنتها وصياغتها، وقيمته الكبرى ليست دائمًا في أن يقول لك: هذا هو الجواب الألمعي، وإنما في أن يريك كم جوابًا يمكن أن يوجد للسؤال الواحد يفتح كل جواب منها أفقاً جديداً، وهنا تكمن ثورته الحقيقية، فلقد نقل الإنسان من مشكلة ندرة المعلومات إلى مشكلة أخطر بكثير. ماذا نفعل أمام زخم المعلومات المتضادة؟ ولهذا قد يكون أخطر استخدام للذكاء الاصطناعي أن ندخله ونحن نبحث فقط عمّن يؤكد أفكارنا القديمة.


لذلك أرى أن طريقة سؤالنا له قد تكون أهم من الإجابة نفسها، فلا تسأله فقط: هل رأيي صحيح؟ بل قل له: ما أقوى الحجج التي تنقض رأيي وتضاده؟، ثم اسأله: ما الأدلة التي تؤيد الرأي الآخر؟ وما المصادر؟ وما الذي لا نعرفه بعد؟ وما درجة ثقتك بهذه النتيجة؟، بل أحياناً يمكن أن تطلب منه أن يتقمص دورين متناقضين، دور يدافع عن الفكرة أولًا، ثم دور ثان يهدمها ثانيًا، وبعدها يقارن بين الحجتين، وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من "أداة وآلة تصنيع للإجابات" إلى شريك فعلي لك في التفكير، وكلما كان السؤال أكثر دقة، والسياق أوضح، وطلب المصادر أكثر صرامة، أصبحت النتيجة أنفع وأفضل، مع بقاء ضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية في المسائل الحساسة والمتخصصة.

وربما المفارقة الكبرى هنا ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الإنسان الذي يجلس أمامه، فالانسان مجبول على الارتياح لمن يوافقه الرأي ويتجنب بطريقة ما من يخالفه في آراءه، لكننا أمام الآلة نرى أن الفرد منا يطلب العكس: "خالفني حتى أثق بك"، وهذه فرصة فكرية نادرة برأيي، لأن قيمة الذكاء الاصطناعي لن تكون في أن يفكر بدلًا منا، بل في أن يجبرنا على التفكير بطريقة أفضل، فلا تصدق إجابة ما لأنها وافقتك، ولا تصدقها لأنها خالفتك أيضاً، بل صدّق الدليل الذي استطاع أن يثبت حجته.


يد الغدر الحوثي الإيراني تمتد لمكة المكرمة

آخر كلام       

يد الغدر الحوثي الإيراني تمتد لمكة المكرمة



د. محمد المقاطع 

أي خساسة يمكن أن يصل إليها غدر الحوثيين الذراع اليمنية لإيران الغدر والفرس، فقد امتد اعتداؤهم هذه المرة ليضرب بصواريخ الغدر الإيرانية مكة المكرمة، البلد الآمن كما وصفه رب العزة تبارك وتعالى قبلة المسلمين، وهي محاولة خسيسة ودنيئة لترويع وتخويف زوار بيت الله الحرام، في أشرف بقعة مقدسة. 

«وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ». 

إن هذا العدوان الحوثي، الذي يتواصل منذ أسابيع في مواجهة الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، يكشف حقيقة الحقد والغدر الفارسي الدفين، والذي بات ظاهراً للعيان وهو ليس عدواناً عادياً ولا خلافاً سياسياً ولا تكتيكاً عسكرياً، بل عدوان حاقد لئيم دفين في مواجهة الحق ومحاولة تصفيته من الوجود، وما المملكة العربية السعودية إلا رمز الدولة الإسلامية الشامخة المتسامحة دينياً مع كل المذاهب، والحاضنة الحقيقية للإسلام ليكون ملاذ المسلمين والمستضعفين. 

وأما مكة التي هي مقر بيت الله العتيق (الكعبة المشرفة) وقبلة الإسلام والمسلمين والتي شرع إليها حج الناس في محكم القرآن الكريم بنصوص محكمة قطعية صريحة، 

«وَأَتِمُّوا ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ»، 

فقد دأبت إيران في موقف مخزٍ آخر على أن إحدى غاياتها هي احتلال السعودية، وعلى وجه التحديد مكة، ليقوموا ربما بتدميرها في محاولة منهم للقضاء على الحق، وإيجاد أماكن مقدسة أخرى للحج توازي مكة ولتكون بديلاً عنها، فتباً لإيران وتباً للحوثي ذراعها، الذي بات بتره أمراً حتمياً وأولوية لوقف الاعتداءات الآثمة المتكررة، ومحاولة إحداث نزيف في دماء المسلمين واستنزاف مقدرات الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها الدول الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. 

إن الاعتداء على مكة بهذه الوقاحة والخساسة يستدعي أن يكون هناك موقف عربي وإسلامي موحد وصارم في مواجهة العدوان الحوثي أداةً، والإيراني حقيقة وتسليحاً وقيادة وتخطيطاً وتحريضاً. 

لقد بلغ السيل الزبى وطفا العدوان برأسه وشره وأذرعه إلى السطح فلم تتوقف إيران الفارسية عن تحريض أذرعها في العراق على الاعتداء على دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، ولم تتردد إيران أن تقوم هي بنفسها بالغدر والعدوان على دول الخليج بل وعلى دول عربية أخرى وإسلامية لأجل مشروعها التوسعي، وها هي اليوم من خلال ذراعها الحوثي توسّع العدوان بل تمد يدها الآثمة إلى مكة، في محاولة يائسة بائسة خسيسة لتوسيع الحرب وزعزعة الاستقرار وإشعال المنطقة... 

وهيهات لهم ذلك فإن الله سبحانه وتعالى سيرد عدوانهم وسيخزيهم وسنقلب عدوانهم عليهم وترتد أسهمهم في نحورهم بإذن الله. 

اللهم احفظ مكة والمملكة العربية السعودية ودول الخليج وكل ديار المسلمين. 

«وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ». 

ا

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

أيهما أشدُّ حرمةً عند الله: المسجد الأقصى أم دماء اليمنيين؟ سؤال شرعي وموقف أخلاقي

أيهما أشدُّ حرمةً عند الله: المسجد الأقصى أم دماء اليمنيين؟
سؤال شرعي وموقف أخلاقي
 

بعد تفكيك العراق العظيم، وحرق الديار الشامية، ودفن كرام أهلها أحياءً على يد المشروع الإيراني الذي يقوده الملالي بشكل مباشر وعبر ميليشياتهم..

وبعد محارق الطوفان التي سحقت غزة وأبادت أهلها، وأضعفت عموم الحالة الفلسطينية، وأفقدتها قواها الكامنة، نتيجة زجّ الملالي بغزة في معركة دولية محسومة، لتكون طُعمًا في معارك النفوذ الإيراني، لا معركة وجود مع الكيان الإسرائيلي ذراع أمريكا والغرب..

لم يعد الجواب عن سؤال المقال ضرورةً شرعيةً أو سياسية، إذ إن توضيح الواضحات من المعضلات.

تفكيك أساطير منظومة ونظام ولي الفقيه.

كنت قد بدأت مسيرة تفكيك الأساطير الإيرانية المؤسسة لمفاهيم «محور المقاومة والممانعة» الخبيثة منذ عقدين، وتحديدًا فور سقوط بغداد الموجع والأليم.

 ذلك السقوط الذي أنجزت فيه إيران فتح الطريق للأمريكيين لسحق أرفع قامة حضارية، وصمام أمان المنطقة العربية وهي العراق، حتى حوّلته إلى مزابل للإبل ترعى فيها ميليشيات إيران الطائفية.

واليوم، وبعد مضي ثلاثة وعشرين عامًا، ولا سيما بعد مسالخ الطوفان، وبعد أن أقامت ثورة الشام المباركة الحجة والبرهان على وحشية النظام الإيراني وعدائه لله ولرسوله، ولأمهات المؤمنين، وللصحابة، ولعموم المسلمين؛ فإنني لا أجد أن ما كان ضرورةً بالأمس من توضيح الحقائق للناس لا يزال قائمًا اليوم، فقد قامت الحجة وظهر عوار عبيد الأرض وأعاد التائهون من عباد الله تصحيح تصوراتهم وأقلعوا عن جاهليتهم.

إن الموقف تجاه دماء اليمنيين، وأمنهم، وبلادهم التي اغتصبها الحوثي، لا ينبغي أن يكون خاضعًا للانتقائية السياسية أو للمزايدات الجهادية، ولا أن يُقاس بميزان المصالح الإيرانية وشعارات «المقاومة والممانعة» الكاذبة والمخادعة.

فدماء المسلمين ليست أوراقًا في صراع النفوذ، وأمن الشعوب ليس مادةً للمساومة، وحرمة الدماء لا تتجزأ بحسب الجغرافيا أو المذهب أو المصلحة القطرية.

دماء المسلمين متقدمة على حرمة الحرمين والأقصى المبارك.

من فظائع السقوط القيمي والأخلاقي قبل أن يكون ضلالا شرعيا أو انحرافا سياسيا أن تصبح قدسية الأرض أعلى من قدسية بني آدم وعموم الإنسان الذي كرمه الله، فهل نؤمن فعلًا بحرمة دم المسلم، أم أننا لا نتذكر هذه الحرمة إلا حين تخدم شعاراتنا ومواقفنا السياسية؟

إن المسجد الأقصى مقدس، والدفاع عنه واجبٌ، وهو موطن المعراج ومحلُّ إمامة النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الأنبياء والمرسلين، وجميع أحواله ومناحيه وقضاياه مرتبطة بالتوحيد عنوان الأخلاق والقيم، فكيف يتصور البعض أن تحرير المسجد الأقصى المبارك يمكن أن يرتبط بمعادلات سياسية تدوس بأقدامها جميع القيم وتمرّ بمسار مآلاته هدم وقتل وانتهاك دماء المسلمين، عداك أن يكونوا اليمنيين خير وأكرم وأطيب وأنبل البشر تجاه فلسطين؟!

الجمع بين الله واللات وبين الفضيلة والرذيلة!

إذا كانت البركة في أرض الشام مرتبطة بشكل رئيسي بالمسجد الأقصى عنوان معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنوان اكتمال دين التوحيد، فكيف يستسيغ البعض طرح مقاربة سياسية تقضي بالتحالف مع قاتل ومحتل لبلاد العرب والمسلمين، لأجل تحرير أرض فلسطين من المحتلين الغاصبين؟!

وإذا كانت عظمة أهل الشام بفلسطين هو بمقارعتهم الاحتلال والمشروع الصهيوني الذي حط رحاله على أرضهم مستهدفا مصر والعراق والشام وعموم بلاد العرب والمسلمين، فكيف يستقيم طلب نصرة شعوب العرب والمسلمين في الوقت الذي يتحالف البعض مع نظام ومنظومة ومشروع يحتل أرض من يطلبون منهم النصرة والتأييد؟!

إن حجم الضلال السياسي والسقوط الأخلاقي الذي وقعت فيه بعض الحركات والجماعات الفلسطينية المقاومة والمجاهدة على مستوى عموم التيار الوطني وخصوص التيار الإسلامي في معادلة النظام الإيراني والمنظومة الملالية أدى لإضلال الأمة وزيغها، كما شرخها ولا يزال يشرخ عامليها وشعوبها كلما توسعت رقعته وامتدت ظلاله.

أما الخطير في مسألة الحلف مع الملالي فهو تشريع منهج سياسي على قواعد تنقض غزل أصول السياسة الشرعية وتشرع دينا وفقها وأصولا حديثة مفارقة لكل إجماع أهل السنة، وذلك لأن مشرعي هذا المذهب الضال من الإسلاميين والمجاهدين، وبذلك فإن معالم مدرسة سياسية جديدة باتت تهدد سوية المسار الإسلامي السياسي في المشرق والمغرب، وإن أكبر تهديد منهجي سياسي وأخلاقي قد تنتقل عدواه من قيادات فلسطين هو تهديد حقيقي يمس المسار الإسلامي في سورية، وطالما يمكن العبث بالدين وصياغة دين جديد في السياسة، فليس أمهر من السياسيين الذين يبحثون عن المصالح غير عابئين بأحكام ولا مقاصد الشريعة، فهل سيضطلع علماء الشريعة بدورهم في تقويم المسار الإسلامي في أرض الشام بسورية الجديدة، بعد أن صمتوا عن الانحراف والضلال في مسار التجربة الإسلامية الشامية في أرض فلسطين؟

مضر أبو الهيجاء، جنين، فلسطين 14/9/2026