الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

عدو الحضارة

عدو الحضارة

في اليونان القديمة، كان الإسبرطيون — الذين يتخذهم الصهيوني مرتكب الإبادة الجماعية المدعو نتنياهو نموذجاً حين يتباهى قائلاً: «سنجعل إسرائيل إسبرطة عظمى» — ما إن يدخلوا أراضي أثينا (أتيكا)، حتى يكون أول ما يفعلونه إحراق الحقول وأشجار الزيتون والكروم والبساتين في الأرياف. وفي تلك الأثناء، كان سكان الريف قد انسحبوا قبل وصول الإسبرطيين إلى أثينا، التي كانت تحيط بها أسوار تمتد حتى ميناء بيرايوس.

سمع معظمنا قصصاً عن أن الجنود العثمانيين كانوا، خلال الحملات العسكرية، يتركون أكياساً صغيرة من النقود مقابل عناقيد العنب التي يقطفونها من الكروم. هذا فارق حضاري. 
أما المؤرخ الروماني تاسيتوس فقال منتقداً الإمبراطورية الرومانية التي غزت إنجلترا: 
«يطلقون اسم الإمبراطورية على السرقة والمجازر والنهب؛ يصنعون صحراء ثم يسمون ذلك سلاماً».

ويحوّل الصهاينة، الذين لم ينالوا نصيباً من الحضارة، الأراضي الفلسطينية التي احتلوها إلى صحراء بالقنابل الأميركية، ثم يسمون ذلك «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». 
ولا يكتفي الصهاينة المولعون بالإسبرطيين بتحويل فلسطين، المعروفة منذ القدم ببساتين الزيتون، إلى صحراء، بل كانوا يجعلون الجهلة المتعلمين في العالم الغربي يبتلعون مقولة: 
«حققت إسرائيل معجزة خضراء في أرض صحراوية بلا شعب».

اعتاد الإسبرطيون أن يصطادوا، على فترات منتظمة، شباب الهيلوت الذين احتلوا أراضيهم وحولوهم إلى مزارعين عبيد، ثم يقتلوهم. 
وكان صيد أحد الهيلوت البالغين وقتله عملاً يستحق المكافأة. وشكّل إرهاب إسبرطة أداة قمع غير إنسانية ضد الهيلوت. 
وإسرائيل تعامل الفلسطينيين بالطريقة نفسها في الضفة الغربية وغزة، وتطلق على ذلك اسم «جزّ العشب».

كان الإسبرطيون يقتاتون حصراً على المحاصيل التي ينتجها الهيلوت. وبينما كان عدد الإسبرطيين، الذين عاشوا جنوداً طوال حياتهم تقريباً، يتناقص تدريجياً، واصل الهيلوت التكاثر رغم المجازر. 
وكان الهيلوت، الذين فاق عددهم الإسبرطيين بكثير، يثورون كلما سنحت لهم الفرصة. وقد أدت هذه الثورات، التي شكّلت كابوساً لإسبرطة، دوراً مهماً في انهيارها.

وعندما جاء اليوم الذي غزت فيه القوى المنافسة إسبرطة، لم يكن فيها عدد كافٍ من الجنود. وهكذا أخذت إسبرطة، أقوى دولة عسكرية برية في اليونان القديمة، تذوي تدريجياً. وبينما بقيت من أثينا القديمة آثار كثيرة يمكن زيارتها، لم يبقَ من إسبرطة القديمة شيء ذو قيمة يستحق المشاهدة. 
وانظروا ماذا يقول فيلسوف التاريخ الأميركي ويل ديورانت عن «إسبرطة»:

«ابتلعتها النزعة العسكرية، وحولت هذه المدينة التي كانت تحظى بكل ذلك التبجيل إلى مصدر رعب يكرهه جيرانها. دهشت جميع الأمم لسقوطها، لكن لم يحزن عليها أحد. واليوم، بين البقايا القليلة لتلك العاصمة القديمة، لا يكاد يوجد جذع تمثال أو عمود منهار يدل على أن اليونانيين عاشوا هنا يوماً».
يعلم الجميع ما فعله الصهاينة في غزة والضفة الغربية من أجل القضاء على البنية المادية والبيئية معاً. وهم لا يكتفون بقتل الفلسطينيين، بل يعذبون الحيوانات ويقتلونها أيضاً. 
أما وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، فهو مرتكب إبادة جماعية بلغ به الجنون حد إعلان ضرورة قتل ما بين 30 و40 فلسطينياً كل يوم.

وفي جنوب لبنان المحتل، تمحو إسرائيل قرى بأكملها من الوجود عبر قصفها، وتجبر السكان على النزوح نحو الشمال. وكأن ذلك لا يكفي، فهي تضرم النار في غابات البلوط والصنوبر، وتدمر بساتين الزيتون. ومن جهة أخرى، تستخدم قنابل فوسفورية تلوث التربة بالرصاص وغيره من المعادن الثقيلة، لكي تصبح غير قادرة على إنتاج المحاصيل. ويهدف التدمير المنهجي للبيئة الزراعية إلى منع المهجّرين قسراً من العودة إلى الأراضي التي عاشوا فيها مئات السنين. وتجعل إسرائيل جنوب لبنان وغيره من الأراضي التي تحتلها غير صالح للحياة، تحت غطاء إنشاء «منطقة عازلة» أو «منطقة أمنية».

كل ذلك موثق. فكل ما يمت إلى الحضارة بصلة يُمحى من الوجود، بمن فيه من البشر وسائر الكائنات الحية. أما الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى، فلا تفعل شيئاً لكبح إسرائيل سوى التذمر. بل على العكس، تستمر شحنات الأسلحة والقنابل والقطع إلى إسرائيل بطرق علنية وسرية. وفي دول غربية كثيرة، تُقمع حتى الاحتجاجات ضد إسرائيل أو يُعاقب المشاركون فيها، بعد وصمها بـ«معاداة اليهود».

وسيدخل التاريخَ، بوصفه رمزاً للإفلاس الأخلاقي للحضارة الغربية، ما ترتكبه إسرائيل، عدو الحضارة، من إبادة جماعية أمام أعين العالم بلا قيود أو عراقيل. وكما أشار ويل ديورانت، جلبت إسبرطة نهايتها بيدها. وهنا تنطبق تماماً العبارة: «قل لي بمن تقتدي، أقل لك كيف ستكون نهايتك».


فاضل السامرائي.. شيخ النحو الذي أعاد للعربية دهشتها

 فاضل السامرائي.. شيخ النحو الذي أعاد للعربية دهشتها



 بقلم مروان الجبوري
صحافي وكاتب عراقي




قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي ودخولها إلى حياتنا، كان ملايين العرب من المحيط إلى الخليج يتحلّقون حول التلفزيون مرة كل أسبوع لمشاهدة برنامج “لمسات بيانية” على قناة الشارقة الفضائية، حيث يطل عليهم عالم لغوي عراقي يدعى فاضل السامرائي.

كان نحيلًا خفيض الصوت، يرتدي نظارة ويتحدث بنبرة وقورة عن بلاغة العربية، ويفسر للمشاهدين آيات القرآن الكريم بطريقة مختلفة، تمتزج فيها أصالة المصدر بلغة العصر، كاشفًا عن مكامن الجمال والإعجاز في حروفه وكلماته.

ومع مرور الوقت، حاز الدكتور السامرائي شعبية واسعة في العالم العربي، وتحول إلى ظاهرة معرفية استثنائية جسّرت الفجوة بين الدرس النحوي الصارم والتذوق الجمالي الآسر، وقرّبت علوم اللغة والبلاغة والنحو إلى رجل الشارع الذي طالما نظر إليها كعلوم شائكة، مليئة بالتعقيد والتقعّر.

وعبر برنامجه الذي استمر سنوات، رسّخ السامرائي فكرة أن النحو أكثر من قواعد وجداول جافة تُحفظ لتُنسى؛ فهو عنده “كائن ينبض بالحياة”، ومرآة تتجلى فيها عظمة الإعجاز البياني للقرآن الكريم.

سامراء.. النبع الأول



في سامراء شمالي بغداد، وُلد فاضل صالح مهدي البدري عام 1933، في مدينة عريقة ظلت عاصمة للدولة العباسية لنحو ستة عقود، وما زالت تحتفظ بجانب كبير من آثار بني العباس وقصورهم ومبانيهم في العراق.

وبعد أفول تلك الحقبة الإمبراطورية، فقدت المدينة كثيرًا من أهميتها السياسية وتراجع عدد سكانها، فيما ظلت مجالس العلم قائمة، وحلقاته في المساجد والمدارس الدينية عامرة بالشعر والحديث والتفسير والأدب، وهي البيئة التي أسهمت في تشكيل الملامح الأولى لشخصية السامرائي.

وكانت الكتاتيب والمساجد في سامراء الحواضن الأولى لموهبته، واتسم منذ صباه بالهدوء والإنصات العميق، كما يصفه من عرفوه، وهي سمة رافقته طوال مسيرته، وجعلت منه مستمعًا جيدًا للغة قبل أن يكون متحدثًا بها.

انتقل السامرائي بعد ذلك إلى بغداد، لتبدأ رحلته الأكاديمية المنظمة، فالتحق بدار المعلمين العالية، التي أصبحت لاحقًا كلية التربية في جامعة بغداد، وكانت آنذاك تضم نخبة من علماء العراق وأدبائه، وتخرج فيها عام 1953 حاملًا درجة البكالوريوس في اللغة العربية.




واصل دراسته العليا في جامعة بغداد، فنال درجة الماجستير في اللغة العربية عام 1961، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث حصل على الدكتوراه في النحو العربي من جامعة عين شمس عام 1968.

وخلال هذه المحطات، تتلمذ السامرائي على أيدي جيل من كبار علماء العراق ومصر، فجمع بين صرامة المنهج البغدادي في التحقيق والتدقيق، ورحابة المدرسة المصرية في التحليل والبيان.

عاد بعدها إلى بغداد أستاذًا في جامعتها، وتنقل بين عدد من كلياتها، ثم درّس في جامعات عربية، بينها جامعات في الكويت والإمارات، وأسهم في تخريج أجيال من الباحثين. كما كان عضوًا في المجمع العلمي العراقي، قبل أن يُحال إلى التقاعد من العمل الجامعي عام 1998، بعد مسيرة قاربت أربعة عقود في التدريس، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى من عطائه الأكاديمي في جامعات دولة الإمارات.

النحو دليلا إلى الجمال



لفهم إرث الدكتور فاضل السامرائي، ينبغي الوقوف أولًا عند فلسفته في التعامل مع النحو العربي، فقد شاع لعقود بين الطلبة والمثقفين النظر إلى النحو كعلم جاف، مثقل بالخلافات الإعرابية المعقدة بين البصريين والكوفيين، تنحصر غايته في سلامة النطق وتجنب اللحن.

قدّم السامرائي رؤية تجعل النحو طريقًا إلى المعنى، وربطه بالبلاغة ربطًا وثيقًا، مقتفيًا أثر الإمام عبد القاهر الجرجاني في نظرية “النظم” الشهيرة، التي تنظر إلى قيمة اللفظ من خلال موقعه وعلاقته بما حوله.

وفي رؤيته، يحمل التقديم والتأخير في الجملة دلالات مقصودة، كما يكشف اختيار حرف دون آخر عن فروق دقيقة في المعنى. وينطبق الأمر نفسه على الذكر والحذف والتعريف والتنكير، التي تعامل معها كأدوات بيانية تكشف دقائق التعبير القرآني وتفاوت الدلالات بين تراكيبه.



من لقاءات الدكتور السامرائي على قناة الشارقة في برنامج لمسات بيانية




هذا المنهج جعل دروس السامرائي ومؤلفاته أكثر قربًا من القارئ والمستمع، إذ قدّم الظواهر النحوية من زاوية جمالية تجمع بين الإقناع العقلي والتذوق اللغوي.

ونجح برنامجه “لمسات بيانية” في إحداث ما يمكن تسميته بـ”مصالحة جماهيرية” بين العربي ولغته الفصحى، فتحول النحو من علم ارتبط في الأذهان بالتعقيد إلى حديث مشوق ينتظره الجمهور بشغف، إذ كان السامرائي يبسط أعقد المسائل البيانية بأسلوب سلس يحفظ للعلم رصانته، ويجعلها مفهومة للمتخصص والعامي على السواء.

السامرائي بين البصريين والكوفيين


في العراق، حيث نشأت مدارس النحو الكبرى في البصرة والكوفة ثم بغداد، استند السامرائي إلى أصول النحو وقواعد القياس والتعليل التي عُرفت بها المدرسة البصرية، ومنح القاعدة المنضبطة وزنًا مهمًا في تفسير الظواهر اللغوية.

وفي مسائل الخلاف، كان يأخذ أحيانًا بآراء الكوفيين حين يجد فيها سعةً في الدلالة أو قدرةً أكبر على استيعاب الشواهد الشعرية التي ضيّق البصريون دائرة الاحتجاج بها، مستفيدًا من مرونة المدرسة الكوفية واتساع مادتها المروية.

ومن هنا، يمكن تصنيف منهجه ضمن الاتجاه “الانتخابي” أو “الاختياري”، الذي ينتقي من المدارس النحوية ما يراه أقرب إلى الدلالة والشاهد، وهو ما يجعله قريبًا في منهجه من “المدرسة البغدادية”، التي ازدهرت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وقامت على الإفادة من المدرستين البصرية والكوفية مع مساحة للاجتهاد المستقل.


وزير التعليم يكرم أستاذ الدراسات اللغوية والقرآنية الدكتور فاضل صالح السامرائي – 5 نيسان/ أبريل 2023 – موقع الوزارة


وقد قامت هذه المدرسة على الانتخاب والمزج بين مناهج النحاة، فأخذ علماؤها، مثل ابن كيسان وابن جني وأبي القاسم الزجاجي وأبي البركات الأنباري وسعيد بن الدهان، من أصول المدرسة البصرية القائمة على القياس والتعليل، واستفادوا من سعة الرواية والمرونة لدى الكوفيين، وأضافوا إلى ذلك اجتهاداتهم وآراءهم الخاصة.

وتميز هذا الاتجاه بعنايته بالتعليل والفلسفة اللغوية، وبرز ذلك بوضوح عند ابن جني في كتابه “الخصائص”، حيث يتجاوز البحث حدود الإعراب إلى أسرار الدلالة وحكمة الاستعمال اللغوي، وهي مساحة تلتقي مع جانب أساسي من مشروع السامرائي، الذي يبحث في العلة الكامنة وراء اختيار اللفظ والتقديم والتأخير، ويجعل النحو مدخلًا إلى تذوق البيان وفهم المعنى.

ومن هذه الزاوية، يبدو منهج السامرائي قريبًا من روح المدرسة البغدادية، بما تقوم عليه من انتقاء واجتهاد وعناية بالدلالة، أكثر من ارتباطه الحرفي بمذهب نحوي واحد.

منهجه التفسيري والسهل الممتنع


يتجاوز مشروع الدكتور فاضل السامرائي الشرح اللغوي إلى سبر دقائق النظم القرآني، حيث ينظر إلى اللفظة باعتبارها “لبنة في جدار” يتحدد معناها ووظيفتها من خلال موضعها وعلاقتها بما يحيط بها، ويعتمد في ذلك على منهج استقرائي يقوم على الموازنة بين المواضع القرآنية المختلفة، وتتبع الكلمة والصيغة للكشف عن الفروق الدقيقة بين تعبيرات تبدو متقاربة في ظاهرها.

وبهذه الطريقة، جمع السامرائي بين دقة الدرس النحوي القديم والذائقة الأدبية الحديثة، ومنح القاعدة النحوية بعدًا دلاليًا يتجاوز حدود الإعراب، فأصبحت الحركة والصيغة وترتيب الكلمات مفاتيح لفهم الفروق البيانية داخل النص القرآني.

ويقوم جانب مهم من منهجه على ما يسميه “اللمسة البيانية”، أي البحث في سبب اختيار لفظ دون آخر، أو تقديم كلمة وتأخير أخرى، أو اختلاف صيغة التعبير بين موضع وآخر، ومن خلال هذه الموازنات، يكشف عن دقة البناء القرآني وترابط عناصره، ويرى أن لكل اختيار لغوي أثره الخاص في المعنى.

ويمتاز أسلوبه بالسهولة والتحليل الهادئ، إذ يقود القارئ عبر مقارنات دقيقة بين الآيات المتشابهة في سور مختلفة، مستندًا إلى شواهد من لغة العرب وإلى حس لغوي مرهف، ليكشف الفروق التي قد تمر على القارئ لأول وهلة، ويقدم القرآن باعتباره بناءً لغويًا محكمًا تتآزر ألفاظه وتراكيبه في صناعة المعنى.

الثروة المكتوبة وأبرز المؤلفات


أثرى الدكتور السامرائي المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في النحو والدراسات القرآنية، وتميزت كتبه بالعمق والدقة والاستقصاء، ومن أبرزها كتاب “معاني النحو” في أربعة أجزاء، وهو من أوسع مؤلفاته وأشهرها، إذ يعيد قراءة أبواب النحو ومسائله من زاوية تربط القاعدة بالمعنى والدلالة.




وفي كتابه “التعبير القرآني”، يتتبع السامرائي دقة اختيار المفردات والتراكيب في القرآن الكريم، ويبحث في أسباب اختلاف الصيغ بين موضع وآخر، مثل الإفراد والجمع، واختيار لفظ دون مرادفه، وما يحمله كل اختيار من فروق دلالية وبيانية.

أما كتابه “الجملة العربية والمعنى”، فيتناول بنية الجملة العربية والعلاقات التي تربط عناصرها، ويبحث في كيفية تشكل المعنى من خلال ترتيب الكلمات ووظائفها وتفاعل مكوناتها النحوية.

وفي مؤلفه “لمسات بيانية في نصوص من التنزيل”، يقدم تطبيقات على منهجه في الموازنة بين الآيات والتراكيب، ويكشف من خلالها الفروق الدقيقة في التعبير القرآني.

تراث إنساني وأخلاقي

ارتبط النتاج العلمي للسامرائي بشخصية هادئة عُرفت بالتواضع والابتعاد عن أضواء الشهرة، ويصفه من عرفوه عن قرب أستاذًا رفيقًا بطلابه، قليل الانشغال بالخصومات والمناكفات، كرّس جانبًا كبيرًا من حياته للدرس والبحث والتعليم.

وأسهم هذا الوقار، مقرونًا بطريقة عرضه السهلة والعميقة، في منحه حضورًا واسعًا لدى الجمهور، فتحول من أستاذ جامعي متخصص إلى اسم ثقافي معروف في العالم العربي، وواحد من أبرز الوجوه العراقية التي ارتبطت في الذاكرة المعاصرة باللغة العربية والبيان القرآني.

وعلى امتداد مسيرته، ظل فاضل السامرائي وفيًا للفكرة التي قامت عليها تجربته، أن النحو مفتاح للمعنى، وأن دقائق العربية تحمل وراءها طبقات من الدلالة والجمال. ومن قاعات الجامعات إلى شاشة “لمسات بيانية”، قرّب هذا العالم العراقي علوم اللغة من جمهور واسع، وترك وراءه كتبًا ودروسًا ستظل شاهدة على مشروع جعل من السؤال عن الحرف والكلمة والحركة طريقًا إلى اكتشاف جمال العربية.


الأديب العربي ، المفكرون الإسلاميون ،

المفكرون العرب




كتاب أسئلة بيانية في القرآن الكريم



وقفات مع آيات (37).. سكرة الموت

 وقفات مع آيات (37).. سكرة الموت

د. مالك الأحمد 

قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.

نعلم أننا سنموت، لكننا نعيش كثيرًا من أيامنا كأن هذه الحقيقة تخص غيرنا. نرتب أعمالنا، ونؤجل واجباتنا، ونطمئن إلى فسحة نرجوها في العمر، حتى يأتي الموت فيقطع التأجيل، ويضع الإنسان أمام ما شغلته الحياة عنه.

وسكرة الموت شدته التي تغشى الإنسان عند مفارقة الحياة. وقد قال النبي ﷺ في مرض وفاته: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات».

وقد عانى منها رسول الله ﷺ، وهو أكرم الخلق على الله. ومن شدة هذه الحال أن القرآن ضرب بها المثل في تصوير فزع المنافقين عند الخطر، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.

 فالآية تصف خوفهم في الحرب بصورة محسوسة تشبه اضطراب من تغشاه شدة الموت.

ثم يقف بنا القرآن عند فراش المحتضر، وبين أهله الذين ينظرون إليه:

﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ۝ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ۝ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾.

ما أشد وقع قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾.

يكون أحب الناس إلينا قريبًا منا، نراه ونلمسه، ونتمنى أن نبذل له كل ما نستطيع. نأخذ بأسباب العلاج ونرجو نفعها، لكننا لا نملك أن نرد الروح إذا جاء الأجل.

وأستحضر هنا لحظة وفاة الوالد، رحمه الله. فقد ألمّت به وعكة صحية شديدة، أُدخل على أثرها العناية المركزة، وكان في غيبوبة، وكنت أنا وأخي نتناوب البقاء عنده.

وفي مساء أحد الأيام، كنت جالسًا ملاصقًا لسريره، وكان الجزء العلوي من جسده مكشوفًا، وقد وُصل بأجهزة المراقبة.

وفجأة رأيت بقعًا داكنة جدًّا تنتشر على جسده، فاضطربت وناديت الممرضة، فأسرعت تستدعي الطبيب.

لم تمض إلا لحظات حتى أحاط عدد من الأطباء بالسرير، وأسدلوا الستائر، وطلبوا مني الابتعاد. ثم سمعت صوت جهاز الإنعاش، وعلمت أنهم يحاولون إنعاش قلبه بالصدمات الكهربائية.

تكررت المحاولات، وأنا في حيرة وذهول. وبعد دقائق خرجوا تباعًا، وأقبل عليّ الطبيب يعزيني قائلًا: “والدك انتقل إلى رحمة الله”.

سارعت إليه، وكشفت عن جسده، فإذا البقع التي رأيتها قد اختفت. وقد خطر لي أن ما شاهدته ربما كان متصلًا بنزع الروح، لكنني لا أعلم تفسيره، ولا أجزم بصلته بذلك.

وبقي في نفسي عجز الإنسان في تلك اللحظة: كنت إلى جواره، قريبًا منه، ولم أملك أن أبقيه معي. رحم الله والدي، وأحسن إليه.

وقد يبقى المحتضر واعيًا، مشغولًا بمصير أهله من بعده. وحين حضر يعقوبَ عليه السلام الموتُ، سأل بنيه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾. كان همه إيمانهم بعد غيابه؛ وهي وقفة تدعونا إلى التفكير فيما نتركه في أهلنا، إلى جانب ما نتركه لهم.

وقد يكون حضور الموت ساعة ندم على عمر مضى في التفريط:

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.

يتمنى الرجوع ليعمل ما كان يستطيع عمله، فيأتيه الجواب: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.

وتبقى التوبة مقبولةً ممن استوفى شروطها قبل الغرغرة ومعاينة الموت؛ قال النبي ﷺ: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر».

ومن شواهد فوات أوانها إقرار فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾،

فجاءه الرد: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فلا نؤجل الرجوع إلى الله حتى نطلب فرصة كانت بين أيدينا.

ونحن نقرأ هذه الآيات، نوقن بالموت، لكننا لا نعلم متى يحين أجلنا، ولا أين تكون نهايتنا.

فليجعلنا هذا اليقين أحرص على ما بقي من الحياة: نرد حقًا، ونصل رحمًا، ونعتذر عن إساءة، ونبادر بتوبة.

نعمل ونرجو رحمة الله، ونسأله حسن الخاتمة، ونذكر أحبتنا الذين سبقونا بالدعاء.