الأحد، 14 يونيو 2026

الزّرع والحصاد

خلجات

الزّرع والحصاد




جُبل الإنسانُ على أفعال ومهام، بعضها يومي وبعضها دوري، ومع انتشار الترف، وربما الثورة الصناعية، أصبح الكسل أمراً حتمياً عليه؛ فلم يعد يزرع ليحصد ويشتري ويبيع، ولا يصطاد ليأكل، بل صار كل شيء يُجلب إليه، ويُخزَّن مبرداً في ثلاجة بيته.

وتطور الأمر إلى أنه لم يعد يجتهد حتى فكرياً، فصار يومه مثل أمسه، وأمسه قد يكون أفضل من غده؛ لأنه على الأقل مرَّ بسلام. ما أدى إلى أنه أضاع قيمته الإنسانية في الحياة، وهي البذل والجهد المعنوي، فصار يريد الحياة السريعة، والجهد الأقل، والتشجيع الأكبر، وأصبح هشاً لا يحتمل النقد. وهذا أمر يُعذر عليه؛ لأن المجتمع أصلاً يظن الوقاحة صراحةً ونقداً، فصار الإنسان مع البلادة هشاً مهشّماً، مشوه الإنسانية والقيمة البشرية، وحقاً أقول: كلنا ذلك الرجل.

فصار أحدنا، ليخرج من هذه الزنزانة الفكرية، يضع لكل مهمة هدفاً يجنيه من فعله ومهامه التي يؤديها لتكون له حافزاً، فإن لم يجد الثمرة من فعله عاد أدراجه إلى سجن كسله، متدثراً برداء الخيبة، فازداد انكساراً وهشاشة على ما كان يعانيه من قبل. وكلنا مررنا بهذه المرحلة باختلاف المهام والأهداف وتطلعاتنا لثمار غرسنا.

فتجد الإنسان، قبل أن يرسم الخطط، يتخيل الهدف والنتيجة، متناسياً أن أفضل نتيجة قد يجنيها هي التعود على الاستمرار واكتساب القيمة، وأن يكون يداً فاعلة في المجتمع.

فطر الله الإنسان على التقصير والذنب واعوجاج الطباع، فإذا أدرك أن حياته متخبطة، وعانى ما يعاني من هم وكدر، وأراد أن يؤدي دوراً إنسانياً في الحياة، راح يضع لنفسه الأهداف والإستراتيجيات، متطلعاً إلى الثمار كدافع له على الإنجاز ومحفز له على الوصول.

ولكنني أتساءل، وقد وقعت شخصياً في فخ هذا الفعل دون أن أعرف الجواب: هل الثمرة في جني الثمرة أم في إحياء الأرض؟

لا أعرف إن كان قد أُجيب عن هذا السؤال فلسفياً أم لا، لكني أعتقد أن الإنسان إذا جاهد على الاستمرار في الفعل، فهو في حد ذاته ثمرة كبيرة جداً. فكم من الثمار لا يدركها الإنسان في الوقت القريب، وإنما يجنيها على الأثر البعيد، وقد لا يرى ثمار غرسه الذي غرسه، وفعله الذي داوم عليه، ولو نوى بذلك الاستمرار والصبر على الفعل تعبداً وامتثالاً لله لكان خيراً له على صبره وانتظاره وأجراً له بكل ما فعل

وانتظر.

أعني بذلك أن الإنسان، بدلاً من أن يضع لنفسه هدفاً يراه رأي العين، من الأفضل أن يعلّم نفسه أن الهدف قد يكون الاستمرار على الفعل والاعتياد عليه، ثم إجادته.

أما الثمرة من الفعل والاستمرار، فقد لا تكون إلا أن يكتسب الإنسان قيمةً إنسانية ومعنوية. وأما جني الثمر فأقولها صريحة: هو من عند الله، والصبر عليه عبادة محضة.

ولو أوهم الإنسان نفسه بوجوب جني الثمر، لعلَّق كل تأخير إما عليه إن كان يظن بنفسه الفشل، أو بالمجتمع وما حوله إن كان يريد شمّاعة تحمل عنه فشله، ليعود إلى خيبته مرة أخرى.

جاء في الحديث: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، وهو دليل على العمل، وليس دليلاً على الثمرة.

فالثمرة، كما قلت، هي اقتناع الإنسان داخلياً بوجوب الاستمرار في العمل، لا انتظاره لثمرة ما عمل.

أعتقد أن الإنسان، لكثرة ما رأى من وراء الشاشات من نتائج وتظاهر بالانجاز، ظن أنها تأتي بقليل من الحدس أو من بديهة، طالما أنه نوى العمل فالنتيجة أن يجني ثمر نيته ويراها رأي العين. وذلك أمر يحتاج إلى تكسير لصنم الاقتناع والتصديق، وإعادة بناء الإنسانية بالدرجة الأولى، عن طريق التعامل مع معطيات الحياة وإعادة التفكير فيها إن استطاع التفكير أصلاً كما ينبغي لبشرٍ عاقلٍ أن يفكر.

وإن كنت أظن أن مجرد التفكير سيبحث لنفسه عن مكافأة يكافئ بها نفسه، أو ثمرة يجنيها ليشجع نفسه على إنسانية لا تحتاج إلى تشجيع ولا إلى ثمرة.

أردوغان يهدد بقوة.. هل حان الصدام المؤجل مع إسرائيل؟

 أردوغان يهدد بقوة.. هل حان الصدام المؤجل مع إسرائيل؟

كاتب وصحفي تركي.

على مدى 106 أعوام من تاريخ الجمهورية التركية، لم يسبق لأي رئيس أن عبر عن رؤية الدولة للأمن بهذه الكلمات. 

ففي 10 يونيو/حزيران الجاري، ألقى الرئيس أردوغان خطابا خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، أحدث صدى واسعا في العالم بأسره، قال فيه:

"إن سوريا ولبنان دولتان تقعان ضمن جغرافيا المحبة والأخوة التي تنتمي إليها تركيا، فدمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لإسطنبول. وأمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل يبدأ من حلب ومن دمشق، كما يبدأ من بيروت. ولن نسمح بفرض أي أمر واقع في بلدان أشقائنا، ولن نتغاضى عن أي اعتداء يستهدف إخواننا. والآن يخرج هؤلاء وأتباعهم المأجورون ليطلقوا تهديدات مزعومة ضد تركيا هنا وهناك.

لا حاجة لأن تتفوّهوا بذلك، فنحن نعرف نياتكم وأهدافكم جيدا، وندرك تماما ما الذي تسعون إليه. كما أننا على وعي كامل بالغاية النهائية لهذيان أرض الميعاد. وبإذن الله، لن نسمح بذلك أبدا… أقولها بوضوح، لا ينبغي لأحد أن ينجر وراء المغامرة، ولا أن يصطف خلف شبكة القتل الصهيونية. وإذا جرى المساس بحقوق تركيا أو القبارصة الأتراك في شرق البحر المتوسط، فليعلم الجميع أن ردنا سيكون واضحا وحازما للغاية".

لقد كان تأثير هذا التصريح كبيرا إلى درجة أن نتنياهو اضطر، بعد ساعة أو ساعتين فقط من الخطاب، إلى توجيه رد حاد جدا لأردوغان عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي اليوم نفسه، عندما سئل الرئيس الأمريكي عن التصريح قال ترمب: "لم أكن على علم بذلك"، مشيرا بعدها إلى متانة علاقته بأردوغان ومتجنبا الإجابة عن السؤال.

في الواقع، لم يكن تصريح أردوغان مجرد تعبير بلاغي، فقد كانت تركيا تعطي إشارات منذ فترة بأنها غيرت مفهومها للتهديدات، ونموذجها الأمني.

وعلى غرار تصريحات أردوغان، كان هناك أيضا تصريحان آخران مهمان لم يحظيا بالاهتمام:

إعلان

في 9 يونيو/حزيران، قبل يوم واحد من خطاب أردوغان، أدلى رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الشريك السياسي لحزب العدالة والتنمية، وأحد الفاعلين المؤثرين في رسم التوازنات السياسية في تركيا، بتصريحات مهمة في البرلمان حول الموضوع نفسه، قال فيها:

"إن هذه القضية تمثل معادلة أمنية واسعة تمتد من مضيق هرمز إلى شرق البحر المتوسط، ومن لبنان إلى سوريا، ومن شمال العراق إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى قبرص. كما تمتد من طرق التجارة البحرية إلى حقول النفط والغاز الطبيعي، ومن أحواض الأمن المائي إلى مسارات نقل الطاقة، ولا تتردد في تأجيج الحساسيات التاريخية والثقافية والعرقية والمذهبية في المنطقة… إن قراءة هذه المعادلة من خلال التحركات العسكرية الراهنة وعناوين الأزمات الحالية فقط ستبقى قراءة ناقصة… فليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها منطقتنا لحسابات ترسم على الطاولات، وخرائط تخط بالمسطرة، وأوضاع تفرض من الخارج، ونوايا إمبريالية.

بالأمس أريدَ قطع شرايين جغرافيتنا باتفاقية سايكس بيكو. وبالأمس زرعت بذرة سامة في قلب فلسطين بوعد بلفور، وفصل كفن للأمة التركية بمعاهدة "سيفر"، وكذلك وضعت الحسابات بشأن العديد من أجزاء الوطن، من الموصل إلى كركوك، ومن حلب إلى القدس، ومن قبرص إلى تراقيا الغربية. لكن أصحاب هذه الحسابات نسوا أمرا واحدا: الأمة التركية ليست أمة يمكن محاصرتها في الزاوية، وليست أمة يمكن محوها من مسرح التاريخ حتى لو اصطف العالم بأسره في مواجهتها…".

وعقب تصريحات بهتشلي، وبينما كانت أصداء كلمات أردوغان لا تزال تردد، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع، الأميرال زكي أكتورك، خلال مؤتمر صحفي عقده على متن سفينة حربية:

"نحن نتابع من كثب الاستفزازات الرامية إلى زعزعة الاستقرار، ورفع مستوى التوتر في شرق البحر المتوسط. إن الاتفاق المبرم بين إدارة جنوب قبرص الرومية وفرنسا، التي لا تتمتع بصفة الدولة الضامنة في قبرص، والذي يهدف إلى تغيير التوازنات الحساسة في الجزيرة من جانب واحد، ويتجاهل إرادة القبارصة الأتراك وحقوقهم السيادية المتساوية، يتعارض مع اتفاقيات قبرص لعام 1960 ومع القانون الدولي… وبصفتنا دولة ضامنة، سنواصل اليوم كما فعلنا بالأمس حماية حقوق ومصالح جمهورية شمال قبرص التركية وضمان أمنها. وتمتلك القوات المسلحة التركية القدرة والإرادة اللازمتين لتوجيه أشد رد على أي مواقف عدائية تهدد أمن القبارصة الأتراك".

وعلى الرغم من حدة الانتقادات الموجهة إلى فرنسا، فإن الاتفاقات التي أبرمها الجانب الرومي واليونان وفرنسا لا تبدو بالعمق الكافي لإحداث تغيير في توازنات شرق المتوسط، إذ لم تعد القدرات العسكرية والاقتصادية لفرنسا بالحجم الذي يمكنها من تغيير موازين المنطقة، ولا يتجاوز الأمر استعراضات ماكرون المعتادة. غير أن الاتفاقات والتعاون الذي تقيمه إسرائيل مع الجانب الرومي واليونان تمثل مصدر تهديد بالنسبة إلى تركيا.

تركيا غيرت مفهومها للأمن
تشكلت السياسة الخارجية التركية لسنوات طويلة حول مقولة أتاتورك: "صلح في الوطن، صلح في العالم". ولهذا السبب تجنبت تركيا التدخل في التطورات التي كانت تشهدها المناطق المحيطة بها، بما في ذلك دول الجوار. غير أن الظروف المتغيرة أظهرت أن تركيا دفعت أثمانا باهظة وشهدت أزمات كبيرة نتيجة الأحداث التي وقعت في محيطها الحيوي. ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، بدأت تركيا تتابع من كثب التطورات في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، وأصبحت أكثر انخراطا فيها، قبل أن يمتد هذا التوجه، في السياسة الخارجية والأمنية، إلى أفريقيا.

إعلان

وخلال السنوات الخمس الأخيرة، عززت أنقرة حضورها وتأثيرها في التوازنات وتطبيق السياسات الفعالة في المناطق التي ترتبط بها تاريخيا وجغرافيا ودينيا وثقافيا، مدفوعة بتغير نظرتها إلى الأمن والتهديدات. ومن خلال تحركاتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في سوريا والعراق، نجحت في القضاء على الإرهاب داخل أراضيها.

كما أظهرت، عبر الاتفاق المبرم مع ليبيا، أنها لاعب مؤثر في شرق البحر المتوسط. وأسهم تدخلها غير المباشر في حرب ناغورني قره باغ في تغيير مسار الحرب وموازين المنطقة، فيما واصلت اتخاذ خطوات فاعلة في البلقان وأفريقيا ضمن حدود إمكاناتها.

وتعكس هذه التحركات مجتمعة تحولا جوهريا في نموذج تركيا للأمن والتعاون. غير أن التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة جعلت من بناء منظومة أمنية جديدة ضرورة ملحة لتركيا.

إسرائيل بات ينظر إليها بوصفها تهديدا
عندما تحولت المنطقة إلى بحر من النيران نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي لا يعرف حدا، بدأ الجميع في تركيا يتحدثون عن أن إسرائيل ستهاجم تركيا يوما ما. وباتت تهيمن على الجميع قناعة مفادها أنه إذا كانت إسرائيل تهاجم دولة سلمية ومحايدة مثل قطر، فإنها يمكن أن تستهدف أي طرف.

بيد أن بواعث هذا الاعتقاد لم تكن نابعة من مجرد حدس؛ إذ إن احتلال إسرائيل للأراضي السورية وقصفها للبلاد، والاحتلال الفعلي للبنان، وأخيرا الاتفاقات التي أبرمتها مع اليونان والإدارة الرومية في جنوب قبرص، نظر إليها بوصفها تحركات لمحاصرة تركيا بحرا وبرا.

وعلى امتداد التاريخ، ارتبطت دمشق وبيروت والقدس ببعضها البعض. وينظر إلى احتلال لبنان على أنه يعني أيضا دخول دمشق دائرة الخطر. كما باتت تركيا تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءا من نطاق أمنها الداخلي. ولذلك فإن تعمق حالة عدم الاستقرار في لبنان، واتساع نطاق الاحتلال الإسرائيلي يعدان وضعا خطيرا سيؤثر بشكل مباشر على سوريا ومن ثم تركيا.

ولهذا السبب، تبذل تركيا جهودا مكثفة لوقف التمدد الإسرائيلي عند هذا الحد، حيث تسعى لمنع التوسع الإسرائيلي عبر تفعيل القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، والهيمنة الميدانية عبر دول المنطقة. وقد ترد تركيا قريبا على إسرائيل واليونان والجانب الرومي وفرنسا من خلال اتخاذ قرار يغير وضع المياه الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط.

الحدود الأمنية لتركيا تغيرت
بناء على كل ما تقدم، يمكننا القول إن مفهوم الأمن وحدود التهديدات بالنسبة لتركيا قد تغيرا بالفعل. فالجبهة اللبنانية في الشرق الأوسط، وجزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط، وليبيا في منطقة المغرب العربي، وتلال قره باغ في القوقاز، والبوسنة وكوسوفو في البلقان، ومياه البحر الأسود في الشمال، وسواحل الصومال في أفريقيا باتت تشكل حدود مفهوم التهديدات.

ولذلك فإن أي تحرك في هذه المناطق من شأنه تغيير موازين القوى أو التأثير على التوازنات ستتعامل معه تركيا بوصفه خطوة تهدد أمنها ومصالحها، وتبدو أنقرة عازمة على استخدام أقصى حدود قوتها للرد على ذلك.

وهناك دول تقرأ هذه السياسات على أنها محاولات "توسع وتعزيز للنفوذ"، وتأتي إسرائيل على رأس هذه الدول؛ إذ بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية في الأيام القليلة الماضية بث تقارير تظهر تركيا على أنها "عدو محتمل". وفي أوروبا، تتبنى دول مثل فرنسا، والنمسا، واليونان، والجانب الرومي رؤى مشابهة. وفي المقابل، هناك دول أوروبية مثل إسبانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، وكرواتيا، وأيرلندا، تعمل على تعزيز علاقاتها مع تركيا، ولا تتحرك وفق الخطوط الحمراء القديمة.

وفي المرحلة القادمة، ينبغي متابعة مسار التوتر التركي الإسرائيلي من كثب؛ إذ إن صراع القوى هذا لن ينتهي عند هذا الحد.

السبت، 13 يونيو 2026

وجهة وطن: حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج

آخر كلام       

وجهة وطن: حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج 

محمد البغلي 

صراصير الهند أو حزب شعب الصراصير هي حركة سياسية احتجاجية ساخرة انفجرت في الهند خلال الأسابيع القليلة الماضية، وجذبت عشرات الملايين من الأجيال الشابة على منصات التواصل الاجتماعي. 

ما القصة؟  

حركة الصراصير جاءت بعد تصريحات غاضبة لرئيس المحكمة العليا الهندية «سوريا كانت»، الذي وصف الشباب العاطلين عن العمل بالصراصير القذرة الذين يهاجمون المسؤولين، ومكانهم الطبيعي في أنفاق المجاري لا المهن المحترمة. 

هنا كانت ردة الفعل غير متوقعة، إذ أسس شاب هندي اسمه أبهيجيت ديبكه منتصف مايو الماضي موقعاً على الإنترنت باسم «صراصير جاناتا» كمسمى ساخر من الحزب الهندي الحاكم «بهاراتيا جاناتا»، ليتحول الموقع إلى منصة احتجاج جماهيري ضمت، خلال أيام قليلة، ما يتجاوز 20 مليون متابع معظمهم من الأجيال الشابة (خاصة Gen Z) على «الإنستغرام» و«التيك توك» وغيرهما من المنصات. 

لم تكتفِ حركة الصراصير الساخرة برد الإهانة التي أطلقها المسؤول الهندي، بل فتحت المجال لمناقشة قضايا متنوعة تبدأ بمشكلات القبول في الكليات الجامعية والبطالة وصولاً إلى الفساد، وحتى التركّز غير العادل للثروات في الهند. 

لم يحد تراجع رئيس المحكمة العليا عن تصريحاته بأنها كانت عن مزوّري الشهادات الجامعية لا العاطلين عن العمل، من انتشار الحركة بين الشباب في أكبر مدن الهند، ليتحول الاحتجاج الإلكتروني إلى الميدان وتحديداً في العاصمة، حيث المطار والبرلمان والمراكز المالية والسياسية، من خلال وقفات احتجاجية ارتدى فيها المتظاهرون ثياباً تنكرية على هيئة صراصير! 

ربما يكون حزب الصراصير الهندي مجرد ردة فعل ساخرة تنتهي خلال أيام، وربما أيضاً يمثل انطلاقة لحركة احتجاجية أو حراك يمثل حالة تحول في واحدة من أكبر دول العالم سكاناً... 

والعبرة هنا في كيفية قراءة الفعل وردة الفعل عند التعامل مع الأجيال الشابة التي تمتلك قدرات غير تقليدية ومحترفة في تحويل الإهانة إلى سلوك ساخر وصولاً إلى الاحتجاج وربما التغيير، مما يستدعي دائماً استقطابها واحتواءها وفهم متطلباتها واحتياجاتها لا استفزازها. 




جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

محمد صالح البدراني

التبعية تبعيات:

ليست التبعية السياسية مجرد علاقة قوة بين غالب ومغلوب، بل حالة نفسية وفلسفية أعمق بكثير، إنها خوف مزمن من الحرية، فالحرية ليست شعارا سهلا كما تُقدَّم في الخطب، بل عبء ثقيل؛ لأنها تعني تحمل نتائج القرار، والوقوف عاريا أمام احتمالات الخطأ والفشل.

إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.

فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحوا العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين أعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وآشور، والحقيقة أنه بيع الوهم وشراؤه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد ولم يبق منها إلا ما نرى.

فأين الأمة اليوم وهذا وضعها؛ لا مشروع ولا رؤية ولا إعمار وإنما فساد وقتل وسجون وتبعية ودمار؟ هي اليوم في أفضل الأحوال لوحة يُرسم عليها أو فرشاة يخط بها مشاريع الآخرين.

أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي


وعندما تفضّل بعض المجتمعات والدول، في لحظات القلق التاريخي، الاحتماء بظل قوة أكبر، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها ومصالحها البعيدة، فهي تقر بالاستعباد الذي تراه رأي العين وتتحمل نزوات السيد الحامي المهينة، إنها صفقة غير معلنة: نتنازل عن جزء من إرادتنا (والإرادة لا تتجزأ) مقابل وعد بالأمان، لكن المشكلة أن الأمان المستعار يشبه المال المستدان بالربا؛ يمنح راحة مؤقتة، ثم يطالب بثمن مضاعف، وقد لا يمنح فعلا، وتصبح البلاد حديقة خلفية لمغامر يحتمى به.

التابع لا يولد تابعا بالضرورة، بل يتحول إلى ذلك تدريجيا حين يعتاد النظر إلى الخارج باعتباره مصدر الخلاص أوان التهديد من الداخل، عندها يفقد ثقته بذاته، ثم يفقد ثقته بمجتمعه، ثم يبدأ أخيرا بتبرير عجزه بوصفه "واقعية سياسية". وهكذا تتحول التبعية من وضع مؤقت إلى عقلية كاملة.

تداعيات التبعية:

أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية، فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائما في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل، وتتحول إلى مجرد متفرج على التاريخ، وعلى مصيرها هي هنا يبدأ الانهيار الحقيقي؛ عندما يصبح الانتظار لما سيحل بها وكأنه قدرا مقدورا بديلا عن الفعل.

ولعل أكثر ما يكشف هشاشة التبعية أن القوة التي يُعوَّل عليها كثيرا ما تتصرف وفق مصالحها الخاصة لا وفق مصالح أتباعها، فالدول لا تمتلك صداقات أبدية، بل حسابات متغيرة، وعندما تتغير الكلفة أو الأولويات، يكتشف التابع أنه كان مجرد أداة ضمن لعبة أكبر منه.

معضلة البيئة الداخلية:

غير أن المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في الداخل أيضا، فالتبعية تحتاج دائما إلى بيئة مناسبة كي تستمر؛ انقسامات داخلية، خوف متبادل، فساد، ضعف ثقة، وهروب من المسؤولية. المجتمعات المفككة تصبح أكثر قابلية للارتهان، لأن الإنسان الخائف يبحث دائما عن قوة تحميه حتى لو كانت سببا في خوفه.

المجتمع الذي يريد استعادة نفسه يحتاج إلى شجاعة التفكير المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج عقلا نقديا لا عقلا خائفا، وإلى ثقافة ترى في العمل والمعرفة مصدر السيادة الحقيقي، لا في الخطابات العالية أو الولاءات المؤقتة


ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى إحدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارا، بل مزيدا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاري واسع، ولا تطور مدني وإنما عودة إلى ما قبل المدنيات بثياب وأزياء ووظائف عصرية.

ما يحصل؟

النتيجة النهائية لهذا المسار هي مجتمعات تعيش حالة إنهاك دائم: موارد كثيرة، وطاقة بشرية ضخمة، لكن دون مشروع واضح، يصبح الشباب ممزقين بين الغضب والهجرة، بين الرغبة في التغيير وفقدان الإيمان بإمكانه، ويظهر شعور خفي بأن التاريخ يتحرك في مكان آخر، وأن دورهم يقتصر على التلقي لا المشاركة. والتفاهة في المعاني وكل حديث عن التطور والتقدم والفكر محض وهْم، فهذه أمم ميتة، وفي التاريخ لا تُحترم الأمم التي تتهرب من مسؤوليتها، المدنيات لا تُمنح كمكافأة، بل تُبنى عبر القدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون؛ لأننا سنواجه الواقع حتما كما هو، أو بمزايدات الكلام كما نفعل دوما في صفحات التواصل التي منح التطور يمينها لنا لنصدق الوهم، بيد أن المواجهة تبدأ أولا بتحرير الوعي من عقدة الضحية وأوهام كوهم المخلّص الخارجي.

إن المجتمع الذي يريد استعادة نفسه يحتاج إلى شجاعة التفكير المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج عقلا نقديا لا عقلا خائفا، وإلى ثقافة ترى في العمل والمعرفة مصدر السيادة الحقيقي، لا في الخطابات العالية أو الولاءات المؤقتة.

الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي.

الأساطيرُ لا تنقذ الشعوبَ، بل البشر الواقعيون الذين يزرعون الأرض، ويبنون المؤسسات، ويتحملون مسؤولية أخطائهم، أما انتظار المنقذ، فليس سوى السير الحثيث في طريق السقوط.



لا تذهب إلى واشنطن منفردا.. فالذئب ينتظرك هناك! رسالة مفتوحة للأخ أحمد الشرع

 لا تذهب إلى واشنطن منفردا.. فالذئب ينتظرك هناك!

رسالة مفتوحة للأخ أحمد الشرع


مضر أبو الهيجاء

يقول المثل الشعبي: من لا كبيرَ له لا تدبيرَ له، ومن لم يجد كبيرًا فليتخذ له كبيرًا. وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يُؤاخذ الناس على عجزهم، فإنه يُحاسبهم على تقصيرهم.

أخي أحمد الشرع:

إن دعوةَ ترامب لحضورك إلى واشنطن ليست بريئة ولا نزيهة، وهي تأتي في سياق الفشل والاضطراب اللذين تشهدهما الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، الأمر الذي يشي بحاجته الملحة إلى تحقيق مكاسب سريعة مع طرف أضعف من إيران التي عاندته وفاجأته.

علاوةً على ذلك، فإن ترامب يسعى إلى إنقاذ نفسه وإدارته من الإخفاق، وذلك بدفع الكتلة العربية، بدءًا من سوريا، إلى خوض حروبٍ بالوكالة عن أمريكا تحت عناوين مرحلية وشعارات استهلاكية تسعى لإهراق دماء من تبقى من مجاهدي الشام في معارك طائفية محسومة النتائج ومضبوطة المسافات، الأمر الذي يدعوني لتكرار التنبيه من الوقوع في الفخ اللبناني العراقي حيث ستكون المهلكة واسعة على خشبة المسرح الإيراني اللعين.

الخِيَارَاتُ السياسيَّة الثَّلَاثَةُ لِلتَّعَامُلِ مَعَ لِقَاءِ الذِّئْبِ.

لا شكَّ بأن ترامب هو ذئبٌ شرس، وأن حال من يذهب إليه منفردًا سيكون كحالِ الغنمِ القاصية، ولذلك فإن أولَ الخياراتِ أمام تلك الدعوةِ القهرية هو الاعتذارُ والتعذُّر السياسي بشكل دبلوماسي، حتى لو احتاج ذلك إلى صناعة وقائع موضوعية.

وأما ثاني الخياراتِ الاضطرارية فهو الطلبُ والرجاءُ من أردوغان، بحضوره السياسيِّ الوازنِ والثقيل، مرافقةَ هذا اللقاء في واشنطن، لاسيما أنه صاحبُ خبرةٍ ودهاءٍ سياسي وصاحب لحمٍ مرُّ يصعُب أكلُه.

وأما ثالثُ الخيارات، في حالةِ الإكراهِ الملجئِ للذهاب إلى هذا اللقاءِ السيئ، فهو استحضارُ سيناريو ياسر عرفات في كامب ديفيد، حينما استفرد به كلينتون وايهود باراك، وفُرض عليه التوقيعُ على التنازل عن القدس، فأصرَّ على أخذِ موافقةِ الرؤساءِ العربِ الأساسيين الذين حدَّدهم وسمَّاهم جميعًا، وهو ما أدى إلى فشلِ وإفشالِ تلك الخطوة، والتي دفع ثمنها حياته ولكنه رحل في موعد موته دون أن يبيعَ القدس أو يسجِّل تنازلا عنها.

سُلْطَةُ دِمَشْقَ منذُ عَامِ 2024 هِيَ سُلْطَةُ يَاسِرِ عَرَفَاتَ فِي عَامِ 1994.

إنَّ سورية الحرة اليوم تعيش في ظلِّ سلطةٍ تسعى إلى بناء دولة لم تُبنَ بعدُ، وهي أقرب ما تكون -من حيث الظروف السياسية- إلى سلطة ياسر عرفات في عام 1994، بل إن سلطة ياسر عرفات التي نشأت برعاية دولية، كانت آنذاك أقوى بما حازته من إجماع دولي وتراجع وخفوت التهديدات وتعامل سياسي مرن من قبل رئيس وزراء العدوّ رابين، والمقصود أن حالة الضعف في الحالتين والسلطتين متقاربة، وهو ما يستوجب عدمَ توقيعِ أيِّ اتفاقياتٍ مصيرية، لأنها ستكون هشة، وتميلُ إلى خدمةِ الخصوم أكثرَ مما تخدمُ قضاياَنا وشعوبَنا، وهو ما حصل في المسار الفلسطيني برمّته.

صناعةُ أدواتِ الكتلةِ الحرجةِ في سورية الحرة ضرورةٌ مُلحّةٌ.

في ظل هشاشة وضعف الدولة القائم وغياب مؤسساتها القوية، وفي ظل تحكم المنظومة الدولية الظالمة بمفاصل الدولة وشراييينها بهدف تعويق تشكلها، فإن أدوات الكتلة الحرجة التي يجب صناعتها ترتكز على الشعب، سواء من خلال تشكيل مؤسساته المجتمعية المتنوعة، أو عبر وجود مجلس شعب حقيقي يعبر عن الناس وخياراتهم، إضافة إلى تفعيل دور النخب السورية بصورة نافذة في التفكير وصناعة القرار.

سوريةُ الحُرَّةُ بَيْنَ التَّحَدِّي وَالِاسْتِجَابَةِ.

أمام التحديات الكبرى الدولية والإقليمية التي تتعرض لها أرض الشام المباركة وسورية الحرة، وأمام ما تعرض له شعبها المكلوم من اضطهادٍ دام ستة عقود برعايةٍ أمريكية مكَّنت اليدَ الطائفيةَ المجرمة والعائلةَ الأسديةَ القاتلة، فإن سورية لن تقوى على مواجهة كل تلك التحديات منفردة، لاسيما في إطار المفهوم القطري العليل، الذي كان ركيزةً للعجز والفشل عن تحقيق أي نهضةٍ عربية أو إسلامية خلال قرنٍ منصرم، الأمر الذي يدعوها إلى البحث عن مقارباتٍ أوسع، وتحالفاتٍ أعمق، ورؤى أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.

إن الاستجابة اللازمة أمام كل تلك التحديات يجب أن تتجسد في مسارٍ خارجي يذهب نحو التكامل مع الكتلة العربية والتحالف مع الشوكة التركية، ومسارٍ داخلي يعزز الوحدة الوطنية، ويوسع مناخات الحرية لتشكيل مؤسساتٍ ونقاباتٍ وهيئاتٍ مجتمعيةٍ قويةٍ ومتماسكةٍ ومؤثرة.

كما يتطلب تجاوز العضل القائم أمام قيام مجلس شعبٍ حقيقي، فاعلٍ معبرٍ وقوي، وفتح القنوات وصناعة الأرضية التي تجمع النخب السورية المنتمية في فضاءاتٍ مؤطرةٍ تجمع الخير وتزيد الرشد.

وفي الختام، أعيد النصح منبِّهًا إلى خطورة زيارة واشنطن في هذا الوضع الدولي والإقليمي المضطرب، وأحذر من الذهاب منفردًا، مؤكدًا أن هذا اللقاء لن يكون لقاءَ عطرٍ وروائحَ جميلة، بل سيكون نفثًا لسمومٍ مؤذيةٍ.

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 12/6/2026

في ذِكرى دنشواي: حين حاكم المصريون المصريين لصالح الاحتلال البريطاني 13 يونيو 1906م:

 في ذِكرى دنشواي: حين حاكم المصريون المصريين لصالح الاحتلال البريطاني

13 يونيو 1906م



يسري الخطيب


– لا يوجد أحدٌ هنا، لا يعرف قصة دنشواي وأحداثها 

الدامية، التي قُـدِّمت لنا من خلال المناهج المدرسية، 

والمسلسلات الإذاعية، والدراما التليفزيونية، لكن تلك 

الوسائل لم تقل لنا شيئا عن الوجه الآخر للقضية: 

قصة الخيانة


– تبدأ حكاية حادثة دنشواي: عندما كان بعض 

الضباط البريطانيين – كعادتهم – في مصر، يتجولون

 في قرى الريف لـ اصطياد اليمام (القُـمري)،


وفي مثل هذا اليوم: الأربعاء، 13 يونيو 1906م،

 كانت مجموعة منهم يصطادون في “منوف” عاصمة
 
المنوفيه سابقا، واتجهوا إلى قرية “دنشواي” وهي
 
بلدة بمركز الشهداء (محافظة المنوفية)، ومشهورة 

بكثرة الطيور، وأثناء الصيد اشتعلت النار في جُـرن 

تبن لأحد الفلاحين، بسبب البارود المشتعل، فلما رأى 

الفلاحون هذا المنظر هاجوا، وهجموا على الضباط 

الإنجليز، فضرب واحدٌ من الضباط (خرطوشة) من 

بندقيته فأصابت سيدة من القرية فوقعت علي الأرض 

قتيلة، فهجم رجال القرية على الإنجليز بالشوم 

وأدوات الزراعة، وجاء خفر القرية (مصريون من 

أبناء القرية) يدافعون عن الإنجليز، ويضربون أهل 

بلدهم، وعندما رأى الضابط الإنجليزي شيخ الخفر 

يحمل سلاحًا، ظن أنه سيقتله، فأطلق عليه رصاصة 

من بندقيته، ومات شيخ الخفر الخائن في الحال.


– ظلَّ ضباط الإنجليز يلهثون بعيدا عن القرية، تحت 

الشمس الملتهبة، فوقع أحدهم من قوة ضربة الشمس 

ومات.


– حاصر البريطانيون القرية بمساعدة خفراء المركز 

من المصريين، وبدأت حملات التنكيل والاعتقالات 

والتعذيب للرجال والسيدات في قرية دنشواي، حتى 

يوم المحكمة في 24 يونيو..

– الخيانة


تشكّلت محاكمة خاصة، في يوم 23 يونيو 1906م، 

وانعقدت في اليوم التالي: 24 يونيو، بـ شبين الكوم، 

برئاسة الخائن بطرس غالي (مصري) – الخائن 

فتحي زغلول (شقيق سعد زغلول) – وكيل النيابة 

الخائن “إبراهيم الهلباوي” (مصري).. ومعهم ممثل 

الجيش البريطاني والقاضي العسكري البريطاني 

(ضيوف شرف)..


وظلت المحكمة تسخر من شهادات الشهود 

المصريين، وتقاطعهم، ورغم أن تقرير الطب 

الشرعي في مصر الذي يرأسه إنجليزي، قال إن 

الضابط الإنجليزي مات بسبب ضربة شمس، لم تلتفت

 المحكمة المصرية لذلك، وحكمت بإعدام أربعة من

 أهالي دنشواي:


حسن محفوظ، يوسف سليم، السيد عيسى سالم، 

محمد درويش زهران، والحُكم على (12 فلاح)

 بالأشغال الشاقة لمدد مختلفة، وبجلد كل واحد فيهم 

50 جلدة.


– في تمام الساعة الثانية، بعد ظهر الخميس، 28 

يونيو 1906م، تم تنفيذ الأحكام في قرية دنشواي، 

أمام أعين الفلاحين، وأهل الضحايا والأطفال، وبإدارة 
ومباركة المصريين التابعين للإنجليز!


– يقول الخائن المصري، وكيل النيابة “إبراهيم 

الهلباوي” ضمن مذكرة إثبات التهمة على المصريين: 

(هؤلاء السفلة، وأدنياء النفوس من أهالي دنشواي، 

قابلوا الأخلاق الكريمة للضباط الإنجليز بالعِصي 

والنبابيت، وأساؤوا ظن المحتلين بالمصريين بعد أن 

مضى على الإنجليز بيننا 25 عاما، ونحن معهم في 

إخلاص واستقامة)!!


– في عام 1906م، كتب الكاتب الإنجليزى الكبير 

جورج برنارد شو:


«إذا كانت الإمبراطورية البريطانية تريد أن تحكم

 العالم كما فعلت في دنشواي.. فلن يكون على وجه

 الأرض واجب سياسي مقدس وأكثر إلحاحا من

 تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة

 بها».


– لم ينس المصريون للخونة ما فعلوه، فاغتالوا

 “بطرس غالي” في 21 فبراير 1910م، والطريف

 أن محامي (إبراهيم الورداني) قاتل بطرس غالي،

 كان “إبراهيم الهلباوي”!!


– عاش “إبراهيم الهلباوي” 30 سنة بعد دنشواي

 ذليلًا مكروها، فاعتزل الناس، ومات مكتئبا في بيته.


– (من روائع بسطاء المصريين الشرفاء المخلصين،

 أنهم ظلوا يرجمون “إبراهيم الهلباوي” بالطوب

 والحجارة؛ كلما رأوه في الشارع، وينعتوه بالخائن،

 كما أنهم ظلوا يقذفون الطوب على بيته طيلة حياته،

 حتى مات كمدا، ولم يقبلوا ندمه، ورفضوا توبته التي

 أعلنها قبل موته بسنوات طويلة…)


– ونقلا عن مذكرات إبراهيم الهلباوي التي أصدرتها

 الهيئة العامة المصرية للكتاب، عام 1995م، وقف

 الهلباوي في المحكمة يقول نصا: 

(المصريون كلهم كرهوا محاكمة دنشواي، واحتقروا

 كل من شارك فيها ودافع عن المحتلين الإنجليز.. 

ولستُ هنا في مقام التوجّع ولا الدفاع عن نفسي.. ومع

 ذلك أستطيع أن أؤكد أن الشعب المصري يحتقر كل

 من يدافع عن المحتلين، أو يأخذ صفه، أو يبرر

 جرائمهم.. وأؤكد أيضا أن مواطنينا لم يـقـدّروا

 الظروف التي دفعتني أنا وغيري إلى ذلك.. لهذا

 جِئتُ للدفاع عن “إبراهيم الورداني” الذي قتل

 القاضي “بطرس غالي” الذي حكمَ على أهالي

 دنشواي بالإعدام.. جِئتُ نادمًا أستغفر مواطنينا عمّا

 وقعتُ فيه من أخطاء شنيعة.. اللهم إني أستغفرك

 وأستغفر مواطنينا!!).


– أما الشقي “فتحي زغلول” فهو بحق الشيطان

 الأكبر، فقد كان اسمه قبل سيطرة بريطانيا على

 مصر: فتح الله صبري (اسم مركّب) وشارك في

 الثورة العرابية، وكان من خطباء هذه الثورة، وعندما

 احتل الإنجليز مصر، قام بتغيير اسمه، وتعامل مع

 الأمر الواقع، وسياسة إمامة المتغلّب، وهاجر

 للخارج، ودرسَ القانون، وعاد بوجهٍ آخر، وأصبح

 صديقا لـ “اللورد كرومر”.. وكانت لا تربطه أي

 علاقة بأخيه “سعد زغلول”، وكان لا يحبه، وقد كتب

 “سعد زغلول” في مذكراته عن شقيقه “فتحي

 زغلول” والعداء الدائم بينهما.


– تُوفيَ في 27 مارس 1914م، عن 51 سنة،

 مكروهـًا مذمومًا، بعد أن عاش حياته بعد دنشواي في

 حماية الإنجليز، وعبدًا لهم.


مذبحة دنشواي



مأزق إيران في الخليج: عندما لا تجد العدو فتضرب جيرانها

مأزق إيران في الخليج: عندما لا تجد العدو فتضرب جيرانها

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


- يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب التي بدأت بهجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، فإن إسرائيل تواصل هجماتها وتفرض ذلك باعتباره حقاً طبيعياً. وفي المقابل، بينما تفاخر ترامب بأنه نجح في فرض وقف إطلاق النار، فإنه اعتبر استمرار الهجمات الإسرائيلية جزءاً من طبيعة الأمور، وبذلك قام بتطبيع هذا “الحق” وفق رؤيته.

لكن عندما أسقطت إيران مروحية أمريكية، اعتبر ترامب ذلك خارج “طبيعة الأمور”، وبدأ هجوماً واسعاً على إيران بذريعة “حق الرد”. وهكذا تبيّن مجدداً مدى الإفراط في القوة، وغياب القواعد، وعدم موثوقية الولايات المتحدة وإسرائيل.

هذا هو وضعهم، وقد فهمناه. لكن 

ماذا عن حقيقة أن إيران، في كل مرة تتعرض فيها لهجوم أمريكي أو إسرائيلي، يكون رد فعلها الأول استهداف إحدى دول الخليج؟

فقد استهدفت إيران، عقب الهجوم الإسرائيلي الأخير، مطار الكويت. ولم يكن هناك لا طائرات أمريكية ولا قوات أمريكية هناك.

فما الذي كانت إيران تتوقعه أو تحسبه من ضرب الكويت؟ 

هل تتوقع أن تمارس الكويت أو غيرها من دول الخليج ضغطاً على الولايات المتحدة لإيقاف الهجمات على إيران؟ 

وهل تملك الكويت أو غيرها من دول الخليج مثل هذا التأثير على الولايات المتحدة وإسرائيل؟

بل إن الأهداف في البداية لم تكن كما أُعلن عنها قواعد أمريكية. ولو كان الهدف فعلاً القواعد الأمريكية، فهناك أسطول أمريكي ظاهر كأهداف مباشرة. لكن معظم الهجمات لم تعد تُشن من القواعد في دول الخليج بل من مواقع أخرى، أو بشكل مباشر ضد إسرائيل نفسها.

في البداية كان من المفهوم أن تستهدف إيران القواعد الأمريكية في دول الخليج، لكن يبدو تدريجياً أن هذه القواعد تحولت إلى ذريعة لضرب هذه الدول نفسها. فإيران لا تضرب القواعد الأمريكية في الخليج، بل تضرب دول الخليج نفسها.

إن الحروب لا تُقيّم فقط بمنطقها العسكري، بل بنتائجها السياسية أيضاً. فاستهداف هدف ما لا يعني دائماً تحييده استراتيجياً. ومن أهم الحقائق التي أظهرتها الحرب الأخيرة أن استهداف إيران لدول الخليج لم يحقق لإسرائيل ضرراً يُذكر، كما لم يحقق لإيران مكاسب دائمة.

بل على العكس، فإن هذه الاستراتيجية قد تصب في مصلحة إسرائيل على المدى الطويل.

ذلك أن النقطة الأساسية التي يتم تجاهلها هي التالية: 

قطر والكويت وعُمان، وحتى السعودية في السنوات الأخيرة، ليست أطرافاً تقف إلى جانب إسرائيل في الصراع بينها وبين إيران. 

فمع أن هذه الدول لم تقدم الدعم المطلوب لغزة خلال حرب غزة، إلا أنها عبّرت بوضوح عن انتقاداتها لإسرائيل، وراعت حساسيات الرأي العام العربي تجاه القضية الفلسطينية، وسعت دبلوماسياً لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.

الكويت لا تزال حتى اليوم لا تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

قطر كانت في قلب الوساطة بين حماس والغرب في ملف غزة، وظلت من أبرز المنتقدين لإسرائيل.

عُمان تقوم منذ سنوات بدور الوسيط بين إيران والغرب.

أما السعودية فقد اتخذت خطوات مهمة نحو تطبيع العلاقات مع إيران في السنوات الأخيرة.

في ضوء ذلك، يطرح السؤال نفسه: 

من الذي تعاقبه إيران فعلياً؟ إسرائيل أم جيرانها الذين يحاولون البقاء على الحياد أو حتى يتخذون مواقف نقدية من إسرائيل؟

الإجابة على هذا السؤال تكمن في النتائج السياسية للحرب. 

فالهجمات الإيرانية على الخليج لم تُضعف آلية صنع القرار الإسرائيلي، ولم تُنهِ تفوقه الجوي، ولم توقف عملياته العسكرية، ولم تُضيّق هامش حركته الدولية.

في المقابل، زادت من الشعور بالتهديد تجاه إيران في عواصم الخليج. أي أن النتيجة لم تكن إضعاف العدو، بل إبعاد الجيران. وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية.

فإيران، وهي تقاتل إسرائيل، تخاطر عملياً بإنتاج النتيجة التي تسعى إسرائيل إليها منذ سنوات. إذ إن أحد الأهداف الأساسية لاستراتيجية إسرائيل الإقليمية طويلة المدى هو بناء تصور أمني مشترك مع دول الخليج العربية. وبعبارة أخرى، تحاول إسرائيل منذ فترة طويلة إيصال رسالة مفادها: 

«أنا لست مشكلتكم، بل إيران هي التهديد الحقيقي».

هذه السردية لم تجد قبولاً واسعاً لسنوات طويلة بسبب القضية الفلسطينية وسياسات الاحتلال الإسرائيلية. لكن الهجمات الإيرانية على دول الخليج تمنح هذه السردية، من دون قصد، مادة جديدة. فكل صاروخ يسقط على قطر أو الكويت أو البحرين يعزز فكرة «التهديد المشترك» التي تحاول إسرائيل ترسيخها منذ سنوات.

والأهم من ذلك أن هذا الوضع يدفع دول الخليج نحو مزيد من البحث عن الأمن. وبما أن البنية الأمنية في المنطقة لا تزال تعتمد إلى حد كبير على الحماية الأمريكية، فإن النتيجة الطبيعية لهذا البحث هي الاقتراب أكثر من واشنطن، وبالتالي من التعاون الأمني مع إسرائيل بشكل غير مباشر.

ولهذا فإن أكبر مأزق في استراتيجية إيران تجاه الخليج ليس عسكرياً بل سياسياً. إذ إن طهران ما زالت تقرأ المنطقة ضمن ثنائية مبسطة: «المحور الأمريكي» مقابل «محور المقاومة». ووفق هذا التصور، تُعتبر كل دولة تحتوي على قواعد أمريكية في معسكر العدو بغض النظر عن نواياها.

لكن الواقع في الشرق الأوسط أكثر تعقيداً بكثير. فليس قطر هي إسرائيل، ولا الكويت هي حكومة نتنياهو، ولا عُمان هي شريك استراتيجي لتل أبيب. أما الإمارات العربية المتحدة فلا حاجة للحديث عنها، فهي حالة خاصة.

هذه الدول تتحرك وفق حسابات أمنية واقتصادية واجتماعية خاصة بها. ولذلك فإن استهداف القواعد الأمريكية على أراضيها لا يعني إلحاق ضرر بإسرائيل، كما لا يحقق نتائج استراتيجية حقيقية ضد الولايات المتحدة نفسها. بل على العكس، غالباً ما تنتج هذه الهجمات النتائج التي تسعى إسرائيل إليها.

ربما يكمن وراء إصرار إيران على هذه الاستراتيجية منطق نفسي أو أيديولوجي أكثر منه عسكرياً. فعندما تعجز عن ضرب واشنطن أو تل أبيب مباشرة، تعتقد أنها تحقق توازناً عبر استهداف الشبكة العسكرية الأمريكية في المنطقة.

لكن الفارق الكبير بين الإشباع الرمزي والنجاح الاستراتيجي يؤدي إلى تعميق خسائر إيران وخسائر الشعوب الإسلامية في المنطقة.

فالنجاح الاستراتيجي يُقاس بتقليص أصدقاء العدو وعزله. لكن ما يظهر من الحرب الأخيرة هو العكس تماماً. فبعض خطوات إيران لم تعزل إسرائيل، بل دفعت دول الخليج إلى الابتعاد أكثر عنها.

وفوق ذلك، هناك تكلفة أخرى. فعملية التطبيع التي شهدتها السنوات الأخيرة مع دول الخليج، وخاصة السعودية، كانت ربما أحد أهم المكاسب الدبلوماسية لإيران. وقد وفرت هذه العملية فرصة لتخفيف التوترات وبناء توازن إقليمي جديد.

اليوم، كل خطوة تعيد رفع مستوى المخاوف الأمنية لدى دول الخليج تُضعف هذا الأساس الدبلوماسي الذي بنته إيران نفسها.

إن استهداف قطر أو الكويت أو البحرين بدلاً من مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرة قد يكون أسهل تكتيكياً، لكنه لا يؤذي واشنطن ولا تل أبيب، بل على العكس يرضيهما، بينما يدفع الثمن الحقيقي المسلمون أنفسهم.

وهكذا، فإن إيران عبر استهدافها للجيران بدلاً من العدو المباشر، تخدم عملياً البنية التي تحاول التيارات الصهيونية بناؤها منذ سنوات في المنطقة.

وهذا هو التناقض الأكبر في الاستراتيجية الإيرانية تجاه الخليج:

أنها، وهي تحاول معاقبة إسرائيل، تخاطر في الواقع بإنتاج ما تحتاجه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر.