الثلاثاء، 21 يوليو 2026

تآكل الحقيقة والتآكل الصامت للواقع المشترك

 تآكل الحقيقة والتآكل الصامت للواقع المشترك



د. عثمان غازي قندمير 

 ترجمة وتحرير ترك برس

لم يُنتج البشر في أي مرحلة من تاريخهم هذا القدر من المعلومات كما هو الحال اليوم. كما لم يمتلكوا في أي وقت هذا الكم من البيانات، والخبراء، والأبحاث، ووسائل الاتصال. ومع ذلك، فإن العصر الذي نعيش فيه يُعد من أكثر العصور التي تُثار فيها النقاشات حول الحقيقة.

قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، تناقضاً. فأين تكمن المشكلة؟

المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في أن الحقيقة تفقد تدريجياً ثقلها في الحياة الاجتماعية.

وخلال السنوات الأخيرة، كان أحد أكثر المفاهيم استخداماً لتفسير هذه الظاهرة هو مفهوم "ما بعد الحقيقة" (Post Truth).

وقد اختار قاموس أكسفورد هذا المصطلح كلمةً لعام 2016، ويُقصد به أن الناس، عند تشكيل مواقفهم السياسية والاجتماعية، يتأثرون بمشاعرهم ومعتقداتهم الشخصية أكثر من تأثرهم بالحقائق الموضوعية.

وبعبارة أخرى، فإن الحقائق لا تختفي تماماً، لكنها تفقد تأثيرها في قراراتنا.

وكان هذا التشخيص مهماً.

لكن، هل يكفي لتفسير التحول الذي نشهده؟

لا، لا يكفي. فهناك مفهوم جديد هو Truth Decay، ويمكن ترجمته إلى العربية بـ**"تآكل الحقيقة"**.

ويقدم هذا المفهوم إطاراً أوسع، لأنه لا يقتصر على كيفية اتخاذ الناس لقراراتهم، بل يركز على تآكل النظام العام الذي تُنتج فيه الحقيقة، وتُتداول، وتحظى بالقبول.

ويفسر هذا المسار من خلال أربعة اتجاهات رئيسية:

تراجع التوافق حول الحقائق.

تلاشي الحدود الفاصلة بين الوقائع والآراء.

ازدياد تأثير الآراء الشخصية مقارنة بالمعلومات الموثقة.

تراجع الثقة بالمؤسسات المنتجة للمعرفة.

جميعها تبدو مألوفة بالنسبة إليكم، أليس كذلك؟

فهذه الاتجاهات تغذي بعضها بعضاً، وفي النهاية تتآكل مشاعر الإحساس بالواقع المشترك.

فماذا يعني ذلك؟

لنتخيل محكمة. فقد يطوّر محاميان دفاعين مختلفين انطلاقاً من الأدلة نفسها. وقد يقترح طبيب علاجات مختلفة استناداً إلى نتائج التحاليل ذاتها. كما يمكن لخبيرين اقتصاديين أن يدافعا عن سياسات اقتصادية مختلفة بالاعتماد على بيانات النمو نفسها.

وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، لأن أرضية النقاش مشتركة. فالاختلاف لا يكون في الوقائع، بل في تفسيرها.

وهنا تحديداً يبدأ تآكل الحقيقة.

ففي كثير من النقاشات اليوم، لم يعد الناس يتحدثون عن الوقائع نفسها. ولم يعودوا يدافعون عن تفسيرات مختلفة للحدث نفسه، بل عن وقائع مختلفة له.

يقع زلزال.

فتبرز إحدى القنوات التلفزيونية جهود البحث والإنقاذ، بينما تركز قناة أخرى على غياب التنسيق.

ويعرض السياسيون الحدث نفسه من مواقعهم السياسية المختلفة، فيما يقدم الخبراء، عبر شاشات مختلفة، تحليلات تتناقض مع بعضها البعض.

الزلزال واحد، لكن الروايات المتداولة في الرأي العام تنفصل تدريجياً عن بعضها.

ويمكن ملاحظة مشهد مماثل في الأخبار الاقتصادية.

فمعدل التضخم رقم واحد، وبيانات البطالة إحصائية واحدة.

ومع ذلك، يمكن بناء روايات متناقضة تماماً انطلاقاً من البيانات نفسها.

ففريق يتحدث عن تعافٍ اقتصادي، بينما يتحدث فريق آخر عن انهيار اقتصادي.

وفي النهاية، لا يتذكر المواطن غالباً البيانات نفسها، بل الإطار الذي قُدمت فيه تلك البيانات.

ويصبح هذا المشهد أكثر وضوحاً في الأزمات الدولية.

فخلال الحروب، لا تتنافس الأطراف في الميدان العسكري فقط، بل تتنافس أيضاً في مجال المعلومات.

فقد تُعرض صور القصف نفسه على أنها دفاع مشروع من جانب، وجريمة حرب من جانب آخر.

وتتحول التصريحات والإحصاءات والصور إلى أدوات لإقناع الرأي العام، بدلاً من أن تكون وسائل لشرح الحقيقة.

وبالطبع، فإن الدعاية ليست أمراً جديداً.

كما أن الصحافة المثيرة ليست جديدة.

أما التلاعب السياسي، فهو قديم قدم التاريخ البشري.

فما الذي تغير إذن؟

الذي تغير هو أن هذه الأساليب أصبحت جزءاً من السير الطبيعي للحياة العامة.

وفوق ذلك، فإن وسائل التواصل الاجتماعي ليست وحدها المسؤولة عن هذا التحول.

فوسائل الإعلام التقليدية، بدافع السعي وراء نسب المشاهدة، تخلط أحياناً بين الرأي والخبر.

كما أن السياسيين قد يستخدمون البيانات بصورة انتقائية لتعزيز رواياتهم.

وقد يُجبر الخبراء، خلال البرامج التلفزيونية، على إطلاق أحكام قاطعة.

أما مراكز الفكر ومؤسسات البحث، فقد تقع أحياناً تحت تأثير التوجهات الأيديولوجية أو التوقعات المؤسسية.

وفي المقابل، يجد المواطن غالباً أن المعلومات التي تؤكد رؤيته للعالم أكثر إقناعاً.

إن تآكل الحقيقة ليس مشكلة أوجدتها مؤسسة واحدة أو تقنية واحدة، بل هو تحول بنيوي ناتج عن سلوكيات متشابهة تصدر عن أطراف متعددة.

وهناك تحول آخر لافت للنظر.

ففي السابق، كان هناك فرق واضح بين الخبر والمقال.

وكان القارئ يستطيع بسهولة التمييز بين النص الذي يقدم معلومات، والنص الذي يقدم رأياً.

أما اليوم، فقد أصبح هذا التمييز يتلاشى تدريجياً.

يُطلق أحد السياسيين ادعاءً.

وقبل التحقق منه، ينتقل إلى نشرات الأخبار.

ثم يُناقش لساعات في البرامج التلفزيونية المسائية.

وفي اليوم التالي، يصبح موضوعاً للتحليل في مقالات الرأي.

وبعد فترة، يتحول ما كان مجرد ادعاء في البداية إلى معلومة مؤكدة في أذهان كثير من الناس.

والمشكلة ليست في كون الادعاء صحيحاً أو خاطئاً.

بل في أن آلية التحقق فقدت وزنها في النقاش العام.

وهنا يظهر أيضاً الفرق الأساسي بين "ما بعد الحقيقة" و**"تآكل الحقيقة"**.

فمفهوم ما بعد الحقيقة (Post Truth) يفسر في المقام الأول نفسية الفرد، ويحاول فهم أسباب اتخاذ الناس قراراتهم بناءً على مشاعرهم.

أما تآكل الحقيقة، فيركز على المؤسسات.

فيدرس كيف تغيرت وسائل الإعلام.

ويتساءل إلى أي مدى يدعم النظام التعليمي التفكير النقدي.

ويبحث في كيفية إسهام الاستقطاب السياسي في تآكل الواقع المشترك.

كما يقيّم أسباب تراجع الثقة بالمؤسسات المنتجة للمعرفة.

وباختصار، فإن ما بعد الحقيقة يصف النتيجة، بينما تآكل الحقيقة يشرح المسار.

فإلى أي استنتاج يمكن أن نصل من ذلك؟

إن القضية التي نواجهها اليوم أعمق بكثير من مجرد تداول عدد من الأخبار الخاطئة.

فالمشكلة الحقيقية هي أن المجتمع يفقد تدريجياً نقاطه المرجعية المشتركة.

فالأنظمة الديمقراطية لا تتطلب من الناس أن يفكروا بالطريقة نفسها.

بل على العكس، فإن تنافس الأفكار المختلفة هو أساس الديمقراطية.

غير أن هذا التنافس لا يمكن أن يعمل بصورة سليمة إلا إذا استند إلى وقائع مشتركة متفق عليها.

وعندما يبدأ كل فرد بالعيش داخل واقع مختلف، تتحول النقاشات من البحث عن الحلول إلى إنكار واقع الطرف الآخر.

إن أكبر خطر اليوم ليس أن يصدق الناس الأكاذيب.

بل إن الخطر الأكبر هو أن يبدأوا بالاعتقاد بأن أي معلومة ليست جديرة بالثقة.

وفي بيئة تُنتج الشك بصورة مستمرة، يبدأ التعامل مع البحث العلمي ونظرية المؤامرة على أنهما في المستوى نفسه.

كما تصبح الحدود بين الخبر الموثق والادعاء غير الموثق باهتة.

إن الحقيقة نفسها لا تختفي.

لكن دورها الحاسم في الحياة العامة يتآكل.

وهذا هو بالضبط معنى تآكل الحقيقة.

فالمشكلة ليست في اختفاء الحقيقة، بل في التآكل الصامت للإحساس بالواقع المشترك الذي يتيح للمجتمع اتخاذ قراراته بصورة جماعية.

فالديمقراطية، وسيادة القانون، والنقاش العام، لا يمكن أن تقوم إلا على وقائع مشتركة.

وعندما تضعف هذه الأرضية المشتركة، لا يبقى لدينا أفكار مختلفة فحسب، بل وقائع مختلفة لا يلتقي بعضها ببعض.

إن القضية الأساسية اليوم ليست إنتاج حقائق جديدة، بل إعادة جعل الحقيقة المشتركة مرئية وجديرة بالثقة من جديد.

المصدر

 - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس


الإعلام الدولي وصناعة الصورة الذهنية وتشكيل الوعي الجمعي

الإعلام الدولي وصناعة الصورة الذهنية وتشكيل الوعي الجمعي
كيف أصبحت الرواية الإعلامية إحدى أدوات القوة الناعمة؟
 



لم يعد الإعلام الدولي مجرد وسيط ينقل الوقائع إلى الجمهور، بل أصبح أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الصورة الذهنية للدول والشعوب.

ففي عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتنافس الدول على كسب العقول قبل كسب الأسواق، وعلى ترسيخ روايتها في الفضاء العالمي بقدر تنافسها في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية.

ومن هنا، باتت المصداقية وجودة المحتوى والقدرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة ركائز أساسية لتعزيز المكانة الدولية وبناء قوة ناعمة مستدامة.

الصورة الذهنية.. رصيد إستراتيجي في العلاقات الدولية

شهدت العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في وظيفة الإعلام، إذ تجاوز دوره التقليدي في نقل الأخبار إلى التأثير المباشر في تشكيل الرأي العام العالمي، واستقطاب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، ودعم المواقف السياسية أو إضعافها.

وأصبحت الصورة الذهنية للدول أحد أهم الأصول الإستراتيجية التي تسهم في تعزيز حضورها على الساحة الدولية.

ومع التطور المتسارع لوسائل الاتصال الرقمية، لم تعد المنافسة بين الدول مقتصرة على الاقتصاد أو النفوذ السياسي، بل امتدت إلى التنافس على صناعة الرواية الإعلامية الأكثر تأثيرًا وإقناعًا، وهو ما يدفع العديد من الدول إلى الاستثمار في الإعلام الدولي، والدبلوماسية العامة، والإنتاج الثقافي، والمحتوى الرقمي متعدد اللغات.

الذكاء الاصطناعي يغيّر المشهد الإعلامي

أدخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في صناعة الأخبار والمحتوى الإعلامي، بعدما أصبحت تُستخدم في جمع البيانات، وتحليلها، وترجمة المحتوى، وإنتاج النصوص والصور والفيديوهات، الأمر الذي فتح آفاقًا واسعة أمام المؤسسات الإعلامية، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات تتعلق بالمصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، وانتشار المعلومات المضللة.

وخلال عام 2026م، واصلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تنفيذ برامجها الهادفة إلى تعزيز حرية الإعلام، وحماية الصحفيين، ومكافحة المعلومات المضللة، مؤكدة أن الإعلام المهني القائم على التحقق من المعلومات يمثل أحد أعمدة التنمية المستدامة والمجتمعات الواعية.

كما ناقشت الأمم المتحدة في اجتماعاتها المتخصصة التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإخباري ومستقبل العمل الصحفي.

القوة الحضارية قبل القوة الإعلامية
يكشف التاريخ أن الصورة الحضارية للعالم الإسلامي لم تُبنَ بالقوة العسكرية وحدها، بل أسهم في تشكيلها العلماء، والرحالة، والتجار، والمترجمون، الذين نقلوا إلى الشعوب الأخرى صورة عن ازدهار المعرفة في بغداد، والقاهرة، ودمشق، وقرطبة، وسمرقند.

وقد لعبت مؤلفات الرحالة المسلمين، وفي مقدمتهم ابن بطوطة، دورًا مهمًا في التعريف بالحياة العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، كما أسهمت كتابات عدد من الرحالة الأوروبيين في نقل صورة عن تلك الحضارة إلى مجتمعاتهم، بما رسّخ حضورها في الوعي العالمي آنذاك.

ويرى المؤرخ الأمريكي مارشال هودجسون أن انتشار التأثير الحضاري الإسلامي تحقق عبر التجارة والتعليم والثقافة بقدر ما تحقق عبر النفوذ السياسي، وهو ما جعل القوة الثقافية أحد أهم عناصر الحضور الإسلامي في التاريخ.

الإعلام الدولي بوابة القوة الناعمة
في العصر الحديث، أصبحت المؤسسات الإعلامية العالمية إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للدول، إذ تعتمد القوى الكبرى على شبكات إعلامية دولية، ومنصات رقمية، وأفلام وثائقية، وإنتاج ثقافي متنوع، لإيصال رؤيتها إلى الجمهور العالمي، وتعزيز صورتها في الخارج.

ويؤكد الباحث الأمريكي جوزيف ناي، صاحب مفهوم “القوة الناعمة”، أن التأثير الحقيقي لا يتحقق بالدعاية، وإنما بالمصداقية، لأن الجمهور أصبح يمتلك وسائل متعددة للتحقق من المعلومات ومقارنة الروايات المختلفة، وهو ما يجعل الثقة وجودة المحتوى العنصرين الأكثر تأثيرًا في بناء السمعة الدولية.

فرص أمام الإعلام العربي والإسلامي

تمتلك الدول العربية والإسلامية فرصًا واسعة لتعزيز حضورها الإعلامي عالميًا، من خلال توسيع إنتاج المحتوى بلغات دولية، ودعم الصحافة العلمية والثقافية، وإطلاق منصات رقمية متخصصة، والاستثمار في الأفلام الوثائقية والبرامج المعرفية التي تعكس تاريخ المنطقة وإنجازاتها العلمية والإنسانية.

كما يبرز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحوث بوصفه أحد المسارات المهمة لإنتاج محتوى يعتمد على البيانات والدراسات الموثقة، ويخاطب الجمهور العالمي بلغة علمية رصينة، بعيدًا عن الخطاب الدعائي أو الانفعالي.

وفي السياق نفسه، تزداد الحاجة إلى تطوير برامج تدريب الصحفيين في مجالات التحقق الرقمي، وصحافة البيانات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والتغطيات الدولية، إلى جانب إنشاء شبكات تعاون عربية وإسلامية لإنتاج التقارير والتحقيقات المشتركة، بما يعزز الحضور الإعلامي في القضايا الدولية.

مواجهة التضليل بالمهنية لا بالرقابة

تشدد اليونسكو على أن مكافحة المعلومات المضللة لا تتحقق بفرض القيود على تدفق المعلومات، وإنما عبر نشر ثقافة التربية الإعلامية، وتعزيز مهارات التحقق، ودعم المؤسسات الإعلامية المستقلة والمهنية، بما يسهم في رفع جودة النقاش العام وتعزيز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.

ويزداد هذا التوجه أهمية في ظل البيئة الرقمية الحالية، التي تسمح بانتشار الأخبار الزائفة بسرعة غير مسبوقة، وتفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير آليات أكثر كفاءة للتحقق والتدقيق قبل النشر.

تحديات المستقبل
رغم ما تتيحه الثورة الرقمية من فرص كبيرة، فإن الإعلام الدولي يواجه تحديات متزايدة، من أبرزها المنافسة الحادة بين المنصات، والانتشار السريع للمعلومات المضللة، وتراجع العائدات التقليدية للمؤسسات الإعلامية، والحاجة إلى ابتكار نماذج اقتصادية مستدامة، فضلًا عن التسارع المستمر في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويرى الباحث البريطاني نيك نيومان، من معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، أن مستقبل الإعلام يتجه نحو المحتوى المتخصص عالي الجودة، مع تنامي الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها، مع بقاء التحرير البشري والتحقق المهني عنصرين لا يمكن الاستغناء عنهما.

ويتوقع خبراء الإعلام أن تصبح القوة الإعلامية خلال السنوات المقبلة معيارًا رئيسيًا لمكانة الدول، ليس بعدد المنصات التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على إنتاج محتوى موثوق ومتعدد اللغات، يشارك بفاعلية في النقاشات الدولية حول القضايا السياسية والعلمية والثقافية.
القوة الناعمة
إن تحسين الصورة الذهنية للعالم العربي والإسلامي ليس مشروعًا إعلاميًا عابرًا، بل مسار حضاري طويل يقوم على المعرفة، والمهنية، والشفافية، والقدرة على مخاطبة العالم بلغته ومنطقه.

فحين يتحول الإعلام إلى منصة لإبراز الإنجازات العلمية والثقافية والإنسانية، ويستند إلى الحقائق بدل الشعارات، يصبح أحد أهم أدوات بناء القوة الناعمة وترسيخ الحضور الدولي، ويغدو الاستثمار في الإعلام استثمارًا في مستقبل الأمم ومكانتها بين الشعوب.



"خون‌خواهی": الثأر لدم المقتول في الخطاب الإيراني

"خون‌خواهی": الثأر لدم المقتول في الخطاب الإيراني


لا يمكن قراءة مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء في تشييع آية الله علي خامنئي وفي الخطاب الإيراني ضمن لغة التهديد السياسي أو العسكري المباشر فقط؛ فذلك كله يستند إلى مخزون أسطوري وديني عميق يمنح الانتقام معنى يتجاوز الردَّ الآني. وفي هذا المخزون، يصبح الدم ذاكرة والذاكرة تكليفًا والتكليف قابلًا للانتقال بين الأجيال إلى أن يتحقق القصاص




فاطمة الصمادي

باحثة وأستاذة جامعية أردنية مختصة في الشأن الإيراني، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة علامة طباطبائي في إيران. لها عدد من الكتب والأبحاث المتعلقة بالشأن الإيراني. تعمل حاليا باحثا أول في مركز الجزيرة للدراسات وتشرف على الدراسات المتعلقة بإيران وتركيا ووسط آسيا.

الرايات الحمراء المطالِبة بالثأر كانت الأكثر حضورًا في تشييع آية الله علي خامنئي (الصورة خاصة بالباحثة)


يعد مفهوم الثأر (خون‌خواهی(1)) من أكثر المفاهيم رسوخًا في الذاكرة الثقافية الإيرانية؛ إذ تتجاوز دلالاته معنى الانتقام الفردي لتؤسس لرؤية أخلاقية وسياسية تربط بين الدم والشرعية والعدالة. فمنذ الملاحم الإيرانية القديمة، مرورًا بالتراث الشيعي، وصولًا إلى الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية، ظل الثأر يُقدَّم بوصفه استجابة لاستعادة النظام الأخلاقي الذي اختلَّ بفعل قتل شخصية تتمتع بشرعية دينية أو أخلاقية. وقد برز هذا المفهوم بوضوح في الخطاب الإيراني عقب اغتيال آية الله السيد علي خامنئي، في فبراير/شباط 2026؛ حيث أعيد توظيف مفردات "خون‌ خواهی" و"الانتقام" بوصفها جزءًا من خطاب رسمي يؤكد أن الثأر ليس مجرد ردِّ فعل على حدث آني، وإنما مسؤولية تاريخية ودينية تتجاوز الأفراد إلى الأمة والدولة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الورقة الجذور التاريخية والثقافية لمفهوم "خون‌خواهی"، وتطوره من الموروث الإيراني القديم إلى الفكر الشيعي، ثم توظيفه في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية المعاصرة بوصفه أحد مرتكزات الشرعية والتعبئة السياسية.

دماء الصالحين

يرتبط مفهوم الثأر في الثقافة الإيرانية، سواء في جذوره القديمة أو في امتداده الشيعي، بفكرة الانتقام لدماء الشخصيات الصالحة والمظلومة، وهو ما يكشف عن استمرارية رمزية بين المخيال التاريخي لإيران القديمة والفلسفة التاريخية الشيعية(2). فالانتقام في هذا السياق لا يُقدَّم بوصفه ردَّ فعل شخصيًّا أو انفعالًا عابرًا بل بوصفه فعلًا أخلاقيًّا يعيد التوازن الذي اختلَّ بفعل الظلم والقتل.

وتظهر هذه الرؤية في واحد من أقدم النصوص الملحمية الإيرانية، "يادگار زريران"(3) (ذكرى زرير)؛ حيث يدخل بَستور، ابن القائد الإيراني زرير، ميدان الحرب للأخذ بثأر أبيه. ولا تتوقف دلالة القصة عند العلاقة بين الابن والأب؛ إذ يتحول دم زرير إلى قضية تتجاوز القرابة الشخصية، ويصبح الثأر جزءًا من الدفاع عن الجماعة وإيران والنظام القيمي الذي يمثلانه. وبذلك تضع الملحمة الانتقام في إطار تاريخي وأخلاقي: فالدم المسفوك يخلق تكليفًا لا ينتهي بمرور الزمن بل يبقى قائمًا إلى أن يُستعاد الحق ويُعاقَب القاتل(4).

1
تعد قصة "زريران" من أقدم النصوص الملحمية الإيرانية (المصدر: دائرة المعارف الإسلامية الكبرى)

ويتكرر هذا البناء بصورة أكثر وضوحًا في الـ"شاهنامة"؛ حيث تنطلق الحروب والقصص البطولية من الثأر لدم إيرج، وتبلغ ذروتها بالثأر لدم "سياوش"(5)، لتنتهي بمعاقبة أفراسياب والتورانيين وبدء مرحلة جديدة في التاريخ الإيراني. ويُلاحَظ أن هذا الثأر لا يُطلب لكل ملك أو أمير بل يقتصر على من تمنحهم الرواية شرعية أخلاقية؛ فلا يُثأر لجمشيد أو نوذر بعد فقدانهما "الفَرَّ الإلهي(6)/النعمة الإلهية" نتيجة الأنانية أو الظلم والجور.

2
في شاهنامة الفردوسي تنطلق الحروب ثأرًا لدماء الصالحين (المصدر: fitzmuseum)

لذلك تحرص الـ"شاهنامة" على بناء الصورة الأخلاقية لإيرج وسياوش قبل طرح مسألة الثأر لهما. فإيرج يُقدَّم شخصيةً معتدلةً، عاقلة ومحبة للسلام، فيما يظهر سياوش أميرًا طاهرًا قاوم الإغراء وأثبت براءته بعبوره النار(7). ومن ثم لا يكون مقتلهما مجرد موت لشخصيتين أسطوريتين بل انتهاكًا للنظام الأخلاقي نفسه، ويغدو الانتقام محاولة لإصلاح هذا الانتهاك وإعادة "داد"(8)، أي العدل والنظام، إلى العالم.

ومن هذه الزاوية، لا تنتهي قصة الانتقام بمقتل الخصم وحده؛ ففي المخيال الملحمي الإيراني يمثِّل القصاص نقطة عبور من زمن الفوضى إلى زمن جديد؛ فالثأر لسياوش، بعد الحروب الطويلة التي يخوضها الإيرانيون بقيادة رستم، ينتهي بالاقتصاص من أفراسياب على يد كيخسرو، ابن سياوش. وهنا يتحول الابن أو الوارث إلى حامل لمهمة تاريخية مؤجلة، ويصبح الزمن نفسه جزءًا من بنية الثأر: قد يتأخر القصاص، لكنه لا يسقط.

ويجد هذا التصور امتدادًا قويًّا في الفلسفة التاريخية الشيعية. ففي زيارة عاشوراء يُوصف الإمام الحسين بأنه "ثار الله"(9)، بما يمنح دمه موقعًا يتجاوز الثأر الشخصي والعائلي. ويتجلَّى المفهوم أيضًا في التطلع إلى الأخذ بثأره مع الإمام المهدي لتصبح المطالبة بالدم قضية ممتدة في الزمن، تنتقل من جيل إلى آخر، وترتبط بفكرة العدالة المؤجلة التي ستتحقق في نهاية المطاف.

ومن هنا، يمكن فهم الرمزية التاريخية للرايات الحمراء وشعار "يا لثارات الحسين". فالراية الحمراء تشير إلى دمٍ لم يُغلق ملفُّه بعد، وإلى ثأر لا يزال قائمًا، ولذلك ارتبطت بعدد من الانتفاضات والحركات التي شهدها تاريخ إيران والعراق بعد واقعة عاشوراء. وفي هذا السياق، لا تؤدي الراية وظيفة تذكارية فحسب بل تعلن استمرار التكليف التاريخي بالمطالبة بالدم.

3
"يا لثارات الحسين" الراية الحمراء تشير إلى دم لم يُغلق ملفه بعد (الصورة خاصة بالباحثة)

ولا يقتصر أثر هذه البنية على المجال الديني أو الأدبي بل أصبحت تمثل أحد الأطر المرجعية التي يستند إليها الخطاب السياسي في الجمهورية الإسلامية. فاستدعاء مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء لا يهدف فقط إلى استنهاض المشاعر أو التعبئة السياسية، وإنما إلى إضفاء معنى تاريخي وأخلاقي على الصراع الراهن، من خلال ربطه بسلسلة متصلة تبدأ بالملاحم الإيرانية، وتمر بكربلاء، وتنتهي بالأحداث المعاصرة. وبهذا الربط، لا يُنظر إلى الصراع الحالي بوصفه نزاعًا سياسيًّا منفصلًا، بل بوصفه حلقة جديدة في مسار تاريخي طويل يتجدد فيه الصراع بين العدل والظلم، ويصبح كل شهيد امتدادًا رمزيًّا لمن سبقه.

لقد أعادت الرسالة التي أصدرها آية الله مجتبى خامنئي، بمناسبة تشييع ودفن والده، آية الله علي خامنئي، تسليط الضوء على مركزية مفهوم "خون‌خواهی" (الثأر) في الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية. فقد قدَّمت الثأر بوصفه امتدادًا لثأر الإمام الحسين وربطت بين دماء القادة المعاصرين ودماء شهداء كربلاء، وأكدت أن "الانتقام" ليس ردًّا انفعاليًّا على عملية اغتيال بل "مطلب الأمة" و"تكليفًا إلهيًّا" سيتحقق بغضِّ النظر عن وجود الأشخاص في مواقع السلطة. ويكشف هذا الخطاب عن حضور بنية فكرية عميقة تمتد جذورها إلى الثقافة الإيرانية القديمة والموروث الشيعي؛ حيث يتحول الدم إلى مصدر للشرعية، والثأر إلى التزام أخلاقي وديني وتاريخي ينتقل عبر الأجيال حتى يتحقق القصاص.

4
لافتة ضخمة رُفعت في تشييع آية الله علي خامنئي تطالب بالقصاص من قاتليه (الصورة خاصة بالباحثة)

وتنسجم هذه المقاربة مع البنية الفكرية التي تقوم عليها الثقافة الإيرانية والشيعية؛ حيث لا يُنظر إلى الدم بوصفه حادثة تنتهي بوقوعها، وإنما بوصفه منشئًا لتكليف تاريخي ينتقل بين الأجيال حتى يستوفي القصاص. فكما انتقل الثأر في "يادگار زريران(10)" والـ"شاهنامة" إلى الوَرَثَة، وكما أصبح الأخذ بثأر الإمام الحسين مشروعًا مؤجلًا في الوعي الشيعي، تُقدِّم رسالة مجتبى خامنئي دماء والده وسائر القتلى بوصفها دماءً تؤسس لمسؤولية جماعية مستمرة، وهو ما يفسر استمرار حضور مفردات "الدم" و"الثأر" و"القصاص" في الخطاب الرسمي الإيراني بوصفها أدوات لإنتاج الشرعية وتعبئة المجتمع، لا مجرد تعبيرات انفعالية مرتبطة بحدث آني.

ونجد في رسائل وبيانات مجتبى خامنئي جميعها خيطًا ناظمًا؛ حيث إن مفهوم الثأر والمطالبة بدماء الشهداء يمثل محورًا ثابتًا ومتكررًا في تلك الرسائل، ويمثل أحد المرتكزات الرئيسة في الخطاب السياسي والديني خلال هذه الحرب.

ويتجلَّى هذا بوضوح في الخطاب الذي قدَّمه رئيس منظمة الدعاية الإسلامية، محمد قمي، خلال ندوة "لاهوت الانتقام". فبدل الاكتفاء بتفسير الرايات الحمراء التي رُفعت في تشييع آية الله علي خامنئي بوصفها رمزًا للعزاء أو الحداد، أعاد تعريفها بوصفها إعلانًا عن استمرار "خون‌خواهی"، أي المطالبة بالثأر لدم الشهيد، واعتبر أن هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد من التأصيل العقدي والفقهي حتى يتحول إلى وعي اجتماعي راسخ. ومن هنا دعا إلى تدوين الأسس المعرفية لـ"لاهوت الانتقام" في مؤلفات علمية، بما يكشف عن محاولة واعية لتحويل مفهوم متجذر في الذاكرة الدينية والثقافية إلى نظرية سياسية قابلة للتدريس والتداول داخل المؤسسات الدينية والثقافية.

ويذهب قمي إلى أبعد من ذلك حين ينقل "خون‌خواهی" من مستوى الرمز إلى مستوى التكليف. فالانتقام، في تصوره، ليس استجابة انفعالية ولا قرارًا سياسيًّا يخضع للموازنة بين المصالح، وإنما "مأمورية إلهية" و"حكم شرعي" لا يجوز تعطيله أو تأجيله. كما لا يظل مسؤولية الأفراد وحدهم بل يتحول إلى التزام يقع على عاتق الدولة نفسها، لأن إرادة الشعب، عندما تنسجم مع الإرادة الإلهية، تصبح ملزمة لمؤسسات النظام. وبهذا تنتقل فكرة الثأر من المجال الرمزي إلى المجال المؤسسي؛ حيث تُعاد صياغتها بوصفها جزءًا من وظائف الدولة وأحد عناصر شرعيتها.

ويمكن تحديد عشرة مفاهيم يركز عليها الخطاب الحالي في الجمهورية الإسلامية فيما يتعلق بـ"الثأر":

1 - الرايات الحمراء رمزًا للثأر: الرايات الحمراء التي رُفعت في تشييع "القائد الشهيد" نجحت في إيصال مفهوم "خون‌خواهی" (المطالبة بالثأر للدم)، حتى إن وسائل إعلام دولية تساءلت عن دلالتها؛ مما يجعل هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد من التأصيل المعرفي والفقهي.

2 - بناء نظرية معرفية للانتقام: الدعوة إلى قيام علماء الحوزة بتطوير مفهوم الثأر.

3 - الانتقام تكليف شرعي وسياسي: استنادًا إلى رسائل القيادة العليا في إيران؛ حيث تعهَّد مجتبى خامنئي فيها بالأخذ بثأر الشهداء، ليؤكد أن الانتقام ليس خيارًا سياسيًّا بل واجبًا ملزمًا لا يترك مجالًا للتراجع أو التهرب.

4 - الانتقام أوسع من القصاص الفردي: مفهوم الانتقام يشمل القصاص من الآمرين والمنفذين، لكنه يمتد أيضًا إلى أهداف إستراتيجية، مثل "إخراج الولايات المتحدة من المنطقة وإنهاء الكيان الإسرائيلي"، من دون أن يُغني ذلك عن معاقبة المسؤولين المباشرين عن الاغتيالات.

5 - إرادة الشعب تُلزم الدولة: ظهور مطلب الثأر في الرايات والقصائد والمراثي والشعارات الشعبية يعني أن هذه الإرادة أصبحت إرادة عامة، وتتحول إلى تكليف على مؤسسات الدولة لا مجرد واجب فردي على المؤمنين.

6 - الانتقام حكم غير قابل للتعطيل: تنفيذ الانتقام ليس خاضعًا للمصلحة السياسية أو الحسابات الظرفية بل هو حكم يجب تنفيذه ولا يجوز تعطيله تحت أية ذريعة.

7 - وجود "بنك أهداف" واسع: وجود قائمة كاملة بالمسؤولين عن الجرائم، وذلك يدل على انتقال الملف إلى مرحلة عملية، وأن الأهداف لا تقتصر على قَتَلَة "القائد الشهيد" بل تشمل جميع المسؤولين عن اغتيال القادة والعلماء والمدنيين الإيرانيين.

8 - سَلْب الأمن من الخصوم: وهو ما نجده في عبارة وردت في رسالة لمجتبى خامنئي "عليهم أن يدفنوا حلم الموت الهادئ"، وتعني ضرورة حرمان الخصوم من الشعور بالأمن والاستقرار، وعدم السماح لهم بالعيش في طمأنينة.

9 - رفض تأجيل الانتقام: وقريبًا الواردة في الرسالة لا تعني الإرجاء إلى أجل غير محدد، وأن الانتقام واجب عاجل لا يقتصر على الحكومات بل يشمل جميع المؤمنين بل وكل الأحرار في العالم الذين يرفضون الظلم.

10 - الانتقام بوصفه "مهمة إلهية": اعتبار الانتقام سُنَّة إلهية وجهادًا مشروعًا، وأن من يُقتل في هذا الطريق يُعد شهيدًا، مستندًا إلى الرؤية القرآنية التي تجعل القصاص وسيلة لحفظ الحياة وإقامة العدل.


6
من الشعارات التي رُفعت في طهران وتؤكد على الانتقام (الصورة خاصة بالباحثة)

ويتم اليوم إعادة إنتاج البنية الثقافية القديمة في سياق سياسي معاصر. فإذا كان دم زرير في "يادگار زريران" ودم سياوش في الـ"شاهنامة" قد أنشآ التزامًا تاريخيًّا انتقل إلى الأبناء والأحفاد حتى تحقق القصاص، وإذا كان دم الإمام الحسين قد تحول في الفكر الشيعي إلى قضية مفتوحة تنتظر اكتمالها مع ظهور الإمام المهدي، فإن الخطاب الرسمي يعيد اليوم إدراج دماء القادة والعلماء والجنود والمدنيين الإيرانيين ضمن السلسلة الرمزية ذاتها. وبذلك تُمنح الأحداث الراهنة معنى يتجاوز سياقها الزمني، فلا تُقدَّم بوصفها خسائر حرب وإنما بوصفها لحظات مؤسسة لتكليف تاريخي جديد.

ومن هذا المنظور، يغدو "خون‌خواهی" أكثر من مجرد دعوة إلى الانتقام؛ إذ يتحول إلى إطار تفسيري شامل يعيد تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين الدين والدولة، وبين الذاكرة والسياسة. فالدم يصبح ذاكرة جماعية، والذاكرة تتحول إلى التزام شرعي، والالتزام يُترجم إلى سياسات وخطابات وممارسات تعبئة. وبهذه الآلية، يُعاد إنتاج الشرعية السياسية من خلال دمج الواقعة المعاصرة في سردية تاريخية ممتدة، بحيث يبدو الصراع الراهن استمرارًا لمعركة لم تنقطع، لا مجرد مواجهة فرضتها ظروف سياسية آنية.

تكشف المقارنة بين "يادگار زريران" والـ"شاهنامة" والمخيال الشيعي عن بنية ثقافية متكررة: شخصية صالحة أو مظلومة تُقتل، ودمها يتحول إلى دين تاريخي؛ ثم يظهر وريث أو جماعة تحمل مهمة الثأر، ويأتي القصاص بوصفه استعادة للعدل وبداية لمرحلة جديدة. ومن مفهوم "داد" في الثقافة الإيرانية القديمة إلى مبدأ العدل في الفكر الشيعي، يبدو الانتقام لدماء الصالحين في هذا المخيال تجليًا دنيويًّا للعدالة، ووسيلة لإعادة بناء النظام الأخلاقي بعد انتهاكه.

وعليه، فإن استدعاء مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" ورفع الرايات الحمراء في الخطاب الإيراني لا يمكن قراءته فقط ضمن لغة التهديد السياسي أو العسكري المباشر؛ فهو يستند إلى مخزون أسطوري وديني عميق يمنح الانتقام معنى يتجاوز الردَّ الآني. في هذا المخزون، يصبح الدم ذاكرة والذاكرة تكليفًا والتكليف قابلًا للانتقال بين الأجيال إلى أن يتحقق القصاص.

مراجع

1 - خون‌خواهی هو مفهوم فارسي يعني "المطالبة بدم المقتول والثأر له"، ويشير إلى واجب أخلاقي وديني يهدف إلى استيفاء القصاص وإعادة العدالة، وقد تطور في الخطاب الإيراني من كونه قيمة ثقافية إلى مفهوم سياسي.

2 - احسان آریادوست، مسلم میرزاوند، بررسی نقش ایرانیان در خون خواهی (بحث دور الإيرانيين في المطالبة بدم المقتول)، شهرية صف، (آبان 1394)، ص60.

3 - "يادگار زریران" هو أقدم نصٍّ ملحمي فارسي باقٍ باللغة الفهلوية، (الفارسية الوسطى)، ويُرجَّح تأليفه في العصر الساساني اعتمادًا على تقاليد أقدم تعود إلى العصرين الأشكاني والأخميني، يروي مقتل البطل الإيراني زرير وثأر ابنه بستور له، ويُعد من أهم المصادر التي أرست مفهوم خون‌خواهی (الثأر) بوصفه واجبًا أخلاقيًّا ودينيًّا في الثقافة الإيرانية القديمة.

4- ژاله  اموزگار، یادگار زریران، (تهران: انتشارات معين)، 2013، صص 40-44.

5 - فردوسی "شاهنامه" داستان سیاوش/ قصة سياوش" القسم 14، موقع گنجور، (تاريخ الدخول: 19 يوليو/تموز 2026)، https://ganjoor.net/ferdousi/shahname/siavosh/sh14

6 - يستند هذا التصور إلى مفهوم محوري في الفكر الإيراني القديم هو "الفَرّ الإلهي" (فرّه ایزدی)، الذي يشير إلى النعمة أو الهالة الإلهية التي تمنحها السماء للملك أو البطل الشرعي، فتمنحه أهلية الحكم والقيادة والانتصار. ولا يُنظر إلى هذا "الفَرّ" بوصفه قوة خارقة فحسب بل بوصفه مصدر الشرعية السياسية والأخلاقية.

-7 Mohammad Jafar Amir Mahallati."Ethics of War and Peace in the Shahnameh of Ferdowsi."
Iranian Studies 48, no. 6 (2015): 905–931

8- "داد" هو مفهوم إيراني قديم يعني العدل والحق والنظام الأخلاقي، ويُعد في الفكر الإيراني أساس شرعية الحكم وغاية الثأر المشروع؛ إذ يهدف القصاص إلى إعادة "العدل" بعد أن اختل بفعل الظلم أو القتل. ومن هنا جاء اسم المحكمة باللغة الفارسية "دادگاه".

9- مفهوم‌شناسی «ثارالله» در زیارت عاشورا، (مفهوم «ثار الله» في زيارة عاشوراء.)وكالة مهر، 12 تير 1404 ش، (تاريخ الدخول: 19 يوليو/تموز 2026)، mehrnews.com/x38rhZ

10 - حمیدرضا پاشازانوس، «ایادگار زریران»، یادگاری حماسی از نبرد یزدگرد دوم(439-457 م.) با خیونی ها، «يادگار زريران»؛ أثرٌ ملحمي يخلّد معركة يزدجرد الثاني (439–457م) ضد الخيونيين، فصليةپژوهش علوم تاریخی، جامعة طهران الدورة 14، العدد 2 ،شهریور 1401ش، صص 7-12.

المصدر