الجمعة، 10 يوليو 2026

من جيفرسون المعجب بالقرآن إلى ترمب.. كيف تغيرت نظرة أمريكا إلى الإسلام؟

من جيفرسون المعجب بالقرآن إلى ترمب.. كيف تغيرت نظرة أمريكا إلى الإسلام؟
أستاذ الشؤون الدولية والدراسات الإسلامية بجامعة جورجتاون.جون، وعمل مستشارا لوزارة الخارجية وإدارات أمريكية عديدة.

يجدر بنا، ونحن نحتفل بالذكرى الـ250 لتأسيس أمريكا، أن نتأمل في كيفية انطباق بعض مبادئ ديمقراطيتنا، كحرية الدين والحماية من التمييز، على تجارب المسلمين الأمريكيين في القرن الحادي والعشرين.

لقد شكل المسلمون حضورا أساسيا وجزءا لا يتجزأ من تاريخ أمريكا وتأسيسها وتطورها. بيد أن معظم الأمريكيين يجهلون حقيقة أن المسلمين كانوا متواجدين في الولايات المتحدة منذ ما قبل استقلال أمريكا عن بريطانيا، حتى إن العديد من الأفارقة المستعبدين الذين جُلبوا إلى أمريكا كانوا مسلمين.

ويقدر المؤرخون أن 15٪ إلى 30٪ من السكان المستعبدين الذين نُقلوا عبر المحيط الأطلسي نشؤوا في مناطق ذات أغلبية مسلمة في غرب إفريقيا، وكان العديد منهم متعلمين. وعلى عكس عامة السكان المستعبدين، أجاد عدد كبير من هؤلاء الأسرى القراءة والكتابة باللغة العربية.

وأُجبر المستعبدون الأفارقة من قبل مالكيهم المسيحيين على التخلي عن الإسلام. وسعى العديد منهم إلى ممارسة شعائر دينهم سرا من خلال اتباع الشريعة في مسائل الطعام والشراب: الامتناع عن لحم الخنزير والكحول، والاحتفال بالأعياد، والحفاظ على ملابسهم التقليدية كلما أمكن ذلك.

يدرك قلة من الأمريكيين أن توماس جيفرسون تأثر بالقرآن. وبدافع الفضول للاطلاع على الأنظمة القانونية للثقافات المختلفة، اشترى ترجمة إنجليزية أثناء دراسته للقانون في ويليامزبرغ، فيرجينيا. وأُعجب بما رآه كمفهوم للقرآن عن الحرية الدينية العالمية، مما عزز التزامه بالتعددية الدينية وتأكيده أن الحقوق المدنية الأساسية للأمريكيين يجب ألا تعتمد أبدا على مرجعياتهم الدينية.

جعلت وسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية- التي تركز على الأحداث المتفجرة والرئيسية، حيث "الدموية تتصدر العناوين"- من الإسلاموفوبيا ثابتا عالميا

جذور الإسلاموفوبيا الحديثة

إعلان

شملت المحفزات الرئيسية للنمو المتسارع للإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة وأوروبا هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، والهجمات في لندن ومدريد من قبل تنظيم القاعدة، والعمليات اللاحقة في أوروبا وعبر العالم، وصولا إلى بالي، إندونيسيا.

وساهم لاحقا الانتشار الناجح لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والهجرة الجماعية إلى الغرب، في تأجيج صعود اليمين المتطرف والقومية البيضاء، مما أثر على السياسة الأمريكية والأوروبية.

صُور الإسلام والمسلمون- لا المتطرفون والإرهابيون المسلمون وحدهم- وفي كثير من الحالات شُيطنوا، على أنهم "الآخر" الراديكالي في الإعلام والمجتمع الغربي.

أدت "الحرب العالمية على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة، بخطابها وسياساتها وأفعالها- بما في ذلك غزو واحتلال العراق وأفغانستان، وقانون باتريوت الأمريكي وخليج غوانتانامو– إلى عولمة الإسلاموفوبيا. ولم يكن ضحاياها- ولا يزالون- مجرد أقلية صغيرة من المتطرفين المسلمين أو الإرهابيين، بل شملت بشكل أوسع وأكثر أهمية، عقيدة وهوية الأغلبية الساحقة من المسلمين.

كما تزايدت الإسلاموفوبيا وتأثيرها بحلول عام 2015 بشكل مطرد، وبلغت التغطية الإعلامية أعلى مستوياتها. وأصبحت الهجمات الإرهابية المحلية والدولية (القاعدة- تنظيم الدولة)، ووسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية، والانتخابات والسياسة الرئاسية الأمريكية محفزات رئيسية في نمو الإسلاموفوبيا.

أصبح الخوف من الإسلام والمسلمين، لا المتطرفين المسلحين والإرهابيين فقط، أمرا طبيعيا في الثقافة الشعبية في أمريكا وأوروبا.

ومن جهته أفاد معهد أبحاث الدين العام بأنه "لم يُنظر إلى أي مجموعة دينية أو اجتماعية أو عرقية وإثنية على أنها تواجه تمييزا في الولايات المتحدة أكبر من المسلمين".

يشيطن النشطاء السياسيون والأحزاب اليمينية المتطرفة، ووسائل الإعلام المطبوعة والاجتماعية، والقادة الدينيون القوميون المسيحيون، المسلمين دون عقاب باتهامات لن يُرمى بها أبدا اليهود والمسيحيون الأمريكيون في وسائل البث الرئيسية، وكذلك الإعلام المطبوع.

جعلت وسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية- التي تركز على الأحداث المتفجرة والرئيسية، حيث "الدموية تتصدر العناوين"- من الإسلاموفوبيا ثابتا عالميا. كان ثلثا جميع الأخبار المتعلقة بالمسلمين عالميا بحلول عام 2016، انتقادية أو موجهة.

وبلغت السلبية الإعلامية أعلى مستوى لها على الإطلاق من التغطية. وكان أكثر من 80٪ من التغطية الإعلامية التلفزيونية للإسلام سلبية. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، كانت 9 مقالات من أصل 10، سلبية. ومالت حتى التغطية للمسلمين العاديين (أكثر من 50٪ من التقارير) إلى السلبية.

صور القادة السياسيون، والمسؤولون المنتخبون، والقوميون المسيحيون، والصهاينة اليهود المتشددون، الإسلام والمسلمين على أنهم عنيفون بطبيعتهم، مستخدمين الأفعال التي ارتكبتها أقلية صغيرة من المتطرفين كدليل

النمو المتسارع للإسلاموفوبيا

ألفتُ في تسعينيات القرن العشرين كتاب "الخطر الإسلامي: خرافة أم حقيقة؟"، استجابة لحرب الخليج الأولى، وهزيمة الاتحاد السوفياتي على يد المجاهدين في أفغانستان، وسقوط الاتحاد السوفياتي، ومخاوفي من أن يُنظر إلى الإسلام باعتباره التهديد العالمي التالي.

إعلان

اكتسب في الوقت نفسه، تقريبا، باحثان ومستشاران حكوميان أمريكيان بارزان ومؤثران- وهما برنارد لويس من جامعة برينستون في كتابه "جذور الغضب الإسلامي" (1990)، وصامويل هنتنغتون من جامعة هارفارد- اهتماما عالميا بالتحذير من صراع الحضارات، وهو صراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية: بين الإسلام وقيمنا الغربية الحديثة العلمانية والديمقراطية.

عزز برنارد لويس رؤية الصراع الوشيك بين الإسلام والغرب باعتباره مجرد مرحلة أخرى في نمط تاريخي من المواجهة، قائلا: "لقد استمر الصراع بين الإسلام والغرب الآن أربعة عشر قرنا. وتألف من سلسلة طويلة من الهجمات والهجمات المضادة، والجهاد والحروب الصليبية، والفتوحات وعمليات الاسترداد. واليوم، يستولي استياء شديد وعنيف من الغرب مرة أخرى على جزء كبير من العالم الإسلامي".

هكذا، جرى تصوير الإسلام والمسلمين باعتبارهم المحركين والفاعلين الأساسيين للعنف والحروب طوال 14 قرنا. وكلما نشب صراع تم تحميل المسلمين مسؤولية اشتعال الهجمات والجهاد والفتوحات، بينما وُصِف الغرب- على النقيض من ذلك- بأنه في موقع دفاعي يكتفي بالرد عبر الهجمات المضادة، والحملات الصليبية.

انتشر كتاب صامويل هنتنغتون- الأكثر مبيعا (1996)، "صراع الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي"- بشكل واسع وكان له تأثير سياسي وفكري على مستوى العالم. وانتقل من مقولة "للإسلام حدود دموية" إلى "للإسلام حدود دموية وأحشاء دموية"؟

صور القادة السياسيون، والمسؤولون المنتخبون، والقوميون المسيحيون، والصهاينة اليهود المتشددون، الإسلام والمسلمين على أنهم عنيفون بطبيعتهم، مستخدمين الأفعال التي ارتكبتها أقلية صغيرة من المتطرفين كدليل.

وجد استطلاع المسلمين الأمريكيين لعام 2025 لمعهد السياسة الاجتماعية والتفاهم، أنه في عام 2025، كان المسلمون هم المجموعة الدينية الأكثر احتمالية للإبلاغ عن تعرضهم للتمييز الديني في العام السابق (63٪)، أكثر من اليهود (50٪)، والكاثوليك (25٪)، والبروتستانت (27٪)، والإنجيليين البيض (26٪)، وغير المنتمين (22٪).

وبالنظر إلى العوامل التي تتنبأ بالإسلاموفوبيا، وُجد أن التصويت للرئيس ترمب (بالنسبة لعامة الناس والمسلمين) والآراء السياسية المحافظة (للعامة) كانت من بين أقوى العوامل المرتبطة بدرجات أعلى من الإسلاموفوبيا.

كما يواجه المسلمون التمييز الديني في البيئات الهيكلية والاجتماعية على حد سواء. وكان الرجال المسلمون عرضة للإبلاغ عن مواجهة التمييز الديني في العام الماضي، مثل النساء المسلمات: (63٪ للنساء و64٪ للرجال).

أبلغت نسبة 47% من العائلات المسلمة التي لديها أطفال في سن المدرسة عن وجود طفل تعرض للتنمر على أساس ديني، مقارنة بـ23٪ بين عامة الناس.

ورغم كل التحديات المستمرة للإسلاموفوبيا، برز المسلمون في أمريكا، كطبقة مهنية مسلمة ناجحة للغاية من الأطباء والمحامين والأساتذة والمعلمين ورواد الأعمال والرياضيين وقادة منظمات حقوق الإنسان، فضلا عن آلاف المسلمين الذين يخدمون في القوات المسلحة الأمريكية.

بالإضافة إلى خمسة أعضاء في الكونغرس والعديد من رؤساء البلديات، انتُخب 42 مسلما أمريكيا لمناصب عامة أخرى في تسع ولايات أمريكية. وتشير الانتخابات التمهيدية الحالية إلى زيادة كبيرة في عدد المسلمين المرشحين للمناصب الانتخابية الوطنية.

انتُخب زهران ممداني هذا العام بأغلبية ساحقة رئيسا لبلدية نيويورك، أكبر مدينة في الولايات المتحدة، متحديا المؤسسة السياسية في المدينة والعديد من حملات الإسلاموفوبيا. وكما أعلن: "أنا شاب، وأنا مسلم… والأكثر إدانة من ذلك كله، أرفض الاعتذار عن… هذا".

بلغت السلبية الإعلامية أعلى مستوى لها على الإطلاق من التغطية. وكان أكثر من 80٪ من التغطية الإعلامية التلفزيونية للإسلام سلبية. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، كانت 9 مقالات من أصل 10، سلبية

وأصبح المسلمون الأمريكيون مساهمين رئيسيين في الحياة الخيرية للأمة. ووفقا للباحثين في مبادرة العمل الخيري الإسلامي بجامعة إنديانا، تبرع المسلمون الأمريكيون بحوالي 4.3 مليارات دولار أمريكي للجمعيات الخيرية في عام 2020، على الرغم من أنهم يشكلون ما يقرب من 1٪ من السكان. ويبلغ متوسط ذلك حوالي 3200 دولار لكل متبرع، مقارنة بـ1900 دولار من جيرانهم غير المسلمين.

إعلان

كما تبقى حوالي 85٪ من هذه المساهمات داخل الولايات المتحدة، ويتدفق الجزء الأكبر منها ليس إلى المساجد أو المؤسسات الإسلامية، ولكن إلى أهداف علمانية على نطاق واسع: التخفيف من الفقر المحلي، والاستجابة للوباء أثناء "كوفيد-19″، والدفاع عن الحقوق المدنية.

يميز التوجه الخارجي نفسه بيانات الزكاة؛ فمن بين حوالي 1.8 مليار دولار من الصدقات الإلزامية التي دفعها المسلمون الأمريكيون في عام 2021، مرت الحصة الكبرى عبر المؤسسات الخيرية غير الربحية بدلا من الأقارب أو دور العبادة.

ليس المسلمون الأمريكيون وحدهم من يعانون من الإسلاموفوبيا. فنحن نعيش في عالم أصبحت فيه عولمة الإسلاموفوبيا من أمريكا إلى أوروبا (المملكة المتحدة، فرنسا، النمسا، بلجيكا…) وإلى آسيا (الصين، ميانمار، الهند، كشمير…) وأفريقيا حقيقة واقعة. وأدت الحاجة إلى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب ويمكن الوصول إليها في عصر الإنترنت إلى إنشاء "مبادرة الجسر: حماية التعددية- إنهاء الإسلاموفوبيا" داخل جامعة جورج تاون.

وهنا بدأ عمل مبادرة الجسر بالتركيز على الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، ثم توسع ليغطي عولمة الإسلاموفوبيا ليس فقط في الولايات المتحدة بل أيضا في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. وتقدم مبادرة الجسر تحليلا وتعليقا على نظريات المؤامرة المعادية للمسلمين التي تروج لها شخصيات في صناعة الإسلاموفوبيا، وتنتج موارد حول السياسات الحكومية التمييزية التي تنتهك الحقوق المدنية وحقوق الإنسان.

ولا تزال مبادرة الجسر اليوم تمثل مصدرا رائدا للمعلومات حول ظاهرة الإسلاموفوبيا لكل من الصحفيين، والمعلمين، وعامة الناس. وقد استشهدت كبريات المطبوعات، من قبيل "نيويورك تايمز"، و"نيويوركر"، و"ميدل إيست آي"، و"ذا نيشن"، بالتحليلات التي تقدمها المبادرة.

وبفضل حضورنا الفاعل والجذاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، يواصل ملايين الأفراد في شتى أنحاء العالم متابعة أعمالنا والاهتمام بها.

علمني الهدهد.. 9 دروس مستفادة من طائر سليمان

 علمني الهدهد.. 

9 دروس مستفادة من طائر سليمان

 بقلم :د. لحرش عبد السلام

قصة الهدهد مع سليمان فيها دروس جليلة في مجال الدعوة إلى سبيل الله، تُظهر لنا كيفية توظيف الموارد المتاحة لنشر رسالة الإسلام. هذه الدروس تجسد نموذجًا رائعًا في إظهار العزة والكرامة أمام غير المؤمنين، حيث تؤكد على أهمية التمسك بالمبادئ دون تقديم تنازلات أو تساهلات، بل إن هذا النهج يشدد على ضرورة الإصرار على الحق والثبات عليه بكل قوة وعزم. هذا الموقف الراسخ والثابت هو ما يثير إعجاب الطرف الآخر بالحق الذي نحمله، مما قد يؤدي في النهاية إلى استسلامه لهذا الحق واعتناقه كما وقع مع مَلِكة سبأ.

وقصة الهدهد مع سليمان عليه السلام في هذا المقطع القرآني من سورة النمل: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)}، علمتني الدروس الآتية:

كن مسارعًا ومُستبقًا إلى الخيرات

لقد شاهد الهدهد إبان طيرانه، قومًا يعبدون الشمس، شاهد هذا المنكر العظيم، فماذا فعل يا ترى؟ إنه لم يقف موقفًا سلبيًّا، وإنما ذهب، وتحرك وتقَصَّى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)}، وألقى بالنبأ إلى سليمان عليه السلام، باذلًا بذلك كل وسعه في تغيير المنكر، وضاربًا بذلك أروع المثل في الإيجابية العملية.

«إن هذه الإيجابية التي تميز بها الهدهد السليماني هي ما نفتقده اليوم في كثير من شباب الصحوة اليوم، فهم -إلا من رحم الله- لا يكادون يبادرون إلى عمل، أو يسارعون إلى بذل، ولا يتحرك أحدهم إلا حين يكلف بعينه وشخصه، ومع ذلك فهو يتثاقل في التنفيذ، ويبطئ في الأداء».1

ودعا الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين إلى المسارعة إلى الخيرات فقال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]. كما حثهم على المسابقة في ذلك فقال الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة البقرة: 148]. قال الشيخ السعدي: «والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها، يتضمن فعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات، فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل، من صلاة، وصيام، وزكوات وحج، عمرة، وجهاد، ونفع متعد وقاصر».2

وكان صلى الله عليه وسلم يحث أمته على المبادرة إلى فعل الخيرات، فقال عليه الصلاة والسلام: ((بادروا بالأعمال، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)) [صحيح مسلم: 118]. قال الإمام النووي في شرح الحديث: «مَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلَامِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لَا الْمُقْمِرِ».3

لا تحتقر نفسك

فالهدهد لم يقل ماذا عساي أن أصنع، وسليمان يحكم الأرض، وتخدمه الجن، وهذا الخبر لن يكون مهمًا عنده، خاصة مني وأنا الطير الصغير الضعيف؟! بل تقدم بين يدي سليمان، لِيُقدم ذلك الخبر المهم، مُلفتًا جميع أنظار المملكة.

إن هذه الإيجابية التي تميز بها الهدهد السليماني هي ما نفتقده اليوم في كثير من الأشخاص، لا يكادون يبادرون إلى عمل، أو يسارعون إلى بَذْل، ولا يتحرك أحدهم إلّا حين يُكلَف بعينه، وشخصه، ومع ذلك فهو يتثاقل في التنفيذ، ويبطئ في الأداء!

وهؤلاء الصنف من الناس غالبًا ما يطول انتظارهم، وتَقِلُّ فعاليتهم، وتضعف إنتاجيتهم. 

التضحية من أجل الهدف

فقد قطع الهدهد مسافة اثني عشر ألف كيلو ذاهبًا وآيبًا، بين أرض الشام وسبأ، وقيل إن تلك المسافة كان يقطعها الهدهد في ثلاثة أيام ذاهبًا، ومثلها آيبًا، مُتَحَمِّلًا قرص الشمس، ومقاساة الأنواء، متغلبًا على الجوع والعطش، فيا لله أي تضحية قام بها الهدهد لإنقاذ أمة بأكملها!!4

مهارات الخطاب

لقد كان في خطاب الهدهد لسليمان العديد من المهارات والإبداعات التي يحسن بالإنسان المسلم أن يتعلمها، وهو يخاطب الآخرين.

فنلحظ أولًا إيجازه للخطاب مع سليمان، فقد جمع في أسطر معدودة، قصته الطويلة مع هذه المَلكة التي تعبد وقومها الشمس. والإيجاز مظهر للبلاغة؛ «قَالَ رَجُلٌ لِلشَّافِعِيِّ: “يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا الْبَلَاغَةُ؟” قَالَ: “الْبَلَاغَةُ أَنْ تَبْلُغَ إِلَى دَقِيقِ الْمَعَانِي، بِجَلِيلِ الْقَوْلِ”».5

وقد أدرك الهدهد أنه يخاطب ملكًا، وأن الملوك أوقاتهم حافلة بالمسؤوليات. فهم لا يملكون الوقت للاستماع إلى التفاصيل الدقيقة. لذا؛ ركز الهدهد على جوهر الأمور، فقدّم رسالته بإيجاز وبلاغة، مختصرًا الكلام في أهم نقاطه.

لذلك عند مخاطبة الناس ينبغي إيصال ما تريد بخطابٍ يراعي أحوال المخاطبين، وعدم التقعر في الحديث، وقول ما لا يفيد، فقد ذكر الهدهد القصة كلها بإيجازٍ في كلماتٍ معدودة.

استفتح الهدهد خطابه لسليمان بشيء عجيب، إذ قال له: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}، «إنه يعرف حزم الملك وشدته؛ فهو يبدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن إصغاء الملك له: أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبإ بنبأ يقين.. فأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ}؟!»6

{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}: «في هذه المكافحة التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتى ما لا يصل إليه أقواهم؛ لتتحاقر إلى العلماء علومهم، ويردوا العلم في كل شيء إلى الله».7

قال ابن قيم الجوزية: «خاطبه خطابًا هَيَّجه به على الإصغاء إليه، والقبول منه، فقال أحطت بما لم تُحط به، وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة، بحيث أحطت به، وهو خبر عظيم، له شأن، فلذلك قال {وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِ بِنَبَإ يَقِينٍ}، والنبأ هو الخبر الذي له شأن، والنفوس متطلعة إلى معرفته، ثم وصفه بأنه نبأ يقين، لا شك فيه، ولا ريب، فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ، استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر، وأوجبت له التشوف التام إلى سماعه، ومعرفته، وهذا نوع من براعة الاستهلال، وخطاب التهييج، ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد، فقال {إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ}، ثم أخبر عن شأن تلك المَلكة، وأنها من أجَلِّ الملوك، بحيث أوتيت من كل شيء، يصلح أن تؤتاه الملوك، ثم زاد في تعظيم شأنها، بذكر عرشها التي تجلس عليه، وأنه عرش عظيم، ثم أخبره بما يدعوهم إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال {وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}».8

قال الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير: «وَفِيهِ اسْتِدْعَاءٌ لِإِقْبَالِهِ عَلَى مَا سَيُلْقَى إِلَيْهِ بِشَرَاشِرِهِ لِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الْمَطْلَعِ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ أَحْوَالِ الْمَمَالِكِ وَالْأُمَمِ مِنْ أَهَمِّ مَا يُعْنَى بِهِ مُلُوكُ الصَّلَاحِ، لِيَكُونُوا عَلَى اسْتِعْدَادٍ بِمَا يُفَاجِئُهُمْ مِنْ تِلْقَائِهَا، وَلِتَكُونَ مِنْ دَوَاعِي الِازْدِيَادِ مِنَ الْعَمَلِ النَّافِعِ لِلْمَمْلَكَةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِالنَّافِعِ مِنْ أَحْوَالِ غَيْرِهَا، وَالِانْقِبَاضِ عَمَّا فِي أَحْوَالِ الْمَمْلَكَةِ مِنَ الْخَلَلِ بِمُشَاهَدَةِ آثَارِ مِثْلِهِ فِي غَيْرِهَا».9 

لذا على الإنسان أن يتحلى بالفطنة في خطابه، خاصة عند مخاطبة ذوي المكانة الرفيعة. فليصُغْ كلامه بحكمة، مستهدفًا شد انتباه مستمعه. بهذا الأسلوب الذكي، يزيد من فرص إيصال رسالته بنجاح وتأثير.

تحدث عن قضيتك بكل ثقة وشجاعة

تأمل في الهدهد، ذلك الطائر الصغير الذي وقف أمام سليمان عليه السلام -النبي والملك العظيم- بكل ثبات وجرأة. رغم تأخره وتهديده بالعقوبة، لم يفقد رباطة جأشه ولم يتردد في كلامه. بل قدم رسالته بوضوح وثقة.

حين أخبر الهدهد سليمان عليه السلام بخبر بِلقيس وقومها وكفرهم بالله، لم يقل لسليمان: اذهب فأمرهم بالتوحيد والسجود لله، وإنما قال: {أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ}، قال ابن كثير في تفسيره للآية: «وَهَذَا مُنَاسِبٌ مِنْ كَلَامِ الْهُدْهُدِ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، مِنْ أَنَّهُ يَرَى الْمَاءَ يَجْرِي فِي تُخُومِ الْأَرْضِ وَدَوَاخِلِهَا».10

قال الزمخشري صاحب الكشاف في نفس الآية: «هو كلام الهدهد. وقيل: كلام رب العزة. وفي إخراج الخبء: أمارة على أنه من كلام الهدهد، لهندسته، ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جَلَّت قدرته، ولطف علمه، ولا يكاد تخفى على ذي الفراسة النظّار بنور الله مخائل كل مختص بصناعة أو فنّ من العلم في رُوائه».11

كما نهج الهدهد أسلوبًا لبقًا في عرض أفكاره. فبدلاً من إملاء الحلول، اكتفى باقتراحها والإشارة إليها برفق.

فالهدهد هنا ألمح بالحل، ولم يأمر به، اقترح ولم يفرض، عرض ولم يُصرّح بالتكليف. وبمثل هذا الأسلوب، يمكن أن نكسب الناس.

لذا، من الحكمة عند إرشاد الآخرين ونصحهم أن نتجنب الأسلوب الآمر المباشر. بدلاً من ذلك، يُستحسن اللجوء إلى طرح الأفكار بصيغة العرض اللطيف والاقتراح المرن.

إنكار المنكر

إنكار المنكر من الهدهد

الهدهد وملكة بِلقيس: «كَانَ اسْمُهَا بِلْقِيسَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، مِنْ نَسْلِ يَعْرِبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَكَانَ أَبُوهَا مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، قَدْ وُلِدَ لَهُ أَرْبَعُونَ مَلِكًا هُوَ آخِرُهُمْ، وَكَانَ يَمْلِكُ أَرْضَ الْيَمَنِ كُلَّهَا، وَكَانَ يَقُولُ لِمُلُوكِ الْأَطْرَافِ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ كُفُؤًا لِي، وَأَبَى أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِمْ، فَزَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنَ الْجِنِّ يُقَالُ لَهَا رَيْحَانَةُ بِنْتُ السَّكَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِيسَ».12

لكنّ كثيرًا من العلماء كذّبوا هذه القصة، وهذا الخبر، قال الإمام القرطبي: «وَيُرْوَى أَنَّ أَحَدَ أَبَوَيْهَا كَانَ مِنَ الْجِنِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا أَمْرٌ تُنْكِرُهُ الْمُلْحِدَةُ، وَيَقُولُونَ: الْجِنُّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَلِدُونَ، كَذَبُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ، ذَلِكَ صَحِيحٌ وَنِكَاحُهُمْ جَائِزٌ عَقْلًا فَإِنْ صَحَّ نَقْلًا فَبِهَا وَنِعْمَتْ».13 كما أن الحديث الذي يُروى في هذا الشأن ((أحدُ أبوَيْ بِلقيسُ كان جنِّيًّا)) حديث ضعيف.14

والهدهد قد ساءه ما رأى من عبادة بِلقيس وقومها للشمس، فَتَمَعَّر وجهه لذلك وحمي أنفه، ومازال بهم وبسليمان عليه السلام حتى دخلوا جميعًا في الإسلام وزال هذا المنكر.

فهل نجد في واقعنا صدىً لهذه الخصلة؟

إن إنكار المنكر -وللأسف- صار لا يشكل جزءًا من هَمِّنا، ولا من تربيتنا. والمؤمن ينبغي أن يكون صالحًا في نفسه، ومُصلحًا لغيره. 

التركيز على الأصول وأهمها التوحيد

التوحيد هو جوهر رسالة جميع الأنبياء، فقد جاءت الكتب السماوية لترسيخه، وكُلف البشر بتطبيقه في حياتهم. ولا يمكن تحقيق القوة أو العزة أو النجاة إلا من خلال الإيمان بوحدانية الله.

وقد عَلِم الهدهد هذا؛ فأول ما أنكر عليهم هو إشراكهم بالله تعالى: {أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)}، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «قِيلَ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْهُدْهُدِ إِلَى قَوْلِهِ (الْعَظِيمِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَيُعْتَرَضُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْنَى شَرْعٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ لَمَّا أَخْبَرَهُ الْهُدْهُدُ عَنِ الْقَوْمِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ [قَوْلِ] اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَهُوَ الثَّابِتُ مَعَ التَّأَمُّلِ».15

الإحاطة في نقل الخبر

انظر إلى قول الهدهد: {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِ}، قال الشوكاني: “«عَلِمْتُ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْإِحَاطَةُ: الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ».16

ويقول الطاهر ابن عاشور: «وَالْإِحَاطَةُ: الِاشْتِمَالُ عَلَى الشَّيْءِ وَجَعْلُهُ فِي حَوْزَةِ الْمُحِيطِ. وَهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِاسْتِيعَابِ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومَاتِ».17

لم يكتفِ الهدهد بمعلومات سطحية عن بِلقيس وقومها، بل سعى للإحاطة الشاملة بأخبارهم. هذا النهج يعكس دقةً ملحوظةً وضبطًا في جمع المعلومات.

والإحاطة هي العلم بالشيء من جميع جهاته: في بحثك أو دراستك، أو تخصصك، أو في مسألة رغبت في البحث عنها، اسْبُر أغوارها، وأحِطْ بتفاصيلها، ما لم تفعل ذلك فلن تستفيد، ولن تُفيدَ، فالهدهد أحاط بتفاصيل الملكة ومملكتها، وعملها وديانتها، وديانة قومها، وعرشها، وأرضها.. إلخ.18

فلنحرص دائمًا على الإحاطة الكاملة بالموضوع قبل إبداء الرأي أو اتخاذ القرار، متّبعين في ذلك نهج الهدهد في دقته وشموليته.

سلطان العلم

{فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِ} «أيْ: أنْتَ مِنِ اتِّساعِ عِلْمِكَ وامْتِدادِ مُلْكِكَ. والإحاطَةُ: العِلْمُ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وفي هَذِهِ المُكافَحَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أضْعَفَ الخَلْقِ قَدْ يُؤْتى ما لا يَصِلُ إلَيْهِ أقْواهم لِتَتَحاقَرَ إلى العُلَماءِ عُلُومُهم ويَرُدُّوا العِلْمَ في كُلِّ شَيْءٍ إلى اللَّهِ»19، قال ابن القيم: «وَهَذَا الْخطاب إِنَّمَا جرّأه عَلَيْهِ الْعلم، وَإِلَّا فالهدهد مَعَ ضعفه لَا يتَمَكَّن من خطابه لِسُلَيْمَان مَعَ قوته، بِمثل هَذَا الْخطاب، لَوْلَا سُلْطَان الْعلم. وَمن هَذَا الْحِكَايَة الْمَشْهُورَة أن بعض أهل الْعلم سُئِلَ عَن مسألة، فَقَالَ: لَا أعلمها، فَقَالَ أحْدُ تلامذته أنا أعْلَم هَذِه الْمَسْأَلَة، فَغَضب الأستاذ، وهَمَّ بِهِ، فَقَالَ لَهُ أيها الأستاذ، لست أعْلَم من سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَلَو بلغت فِي الْعلم مَا بلغت، وَلست أنا أجهل من الهدهد، وَقد قَالَ لِسُلَيْمَان أحطت بِمَا لم تحط بِهِ فَلم يعتب عَلَيْهِ، وَلم يُعَنِّفْه».20

وهناك دروس وعبر أخرى يمكن أن تُستفاد من التفكر في قصة الهدهد، ونكتفي بهذا القدر خوفًا من الإطالة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من ورثة العلم، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا، إنه هو السميع العليم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش

  1. عادل باناعمة، في صحبة الهدهد، http://saaid.org/aldawah/157.htm. ↩︎
  2. عبد الرحمن السعدي،  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى 1420هـ -2000م، ص 72. ↩︎
  3. النووي شرف الدين، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392هـ، ج3/133. ↩︎
  4. عامر الخميسي، شكرا أيها الهدهد،  https://tinyurl.com/276wxmsd. ↩︎
  5. الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، لفقيه والمتفقه، دار ابن الجوزي – السعودية ج2/66. ↩︎
  6. سيد قطب، في ظلال القرآن، ج5/2638. ↩︎
  7. تفسير البقاعي= نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج14/150. ↩︎
  8. ابن قيم الجوزية، كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل دار المعرفة، بيروت، لبنان: 1398هـ/، 1978م، ص 71. ↩︎
  9. التحرير والتنوير، ج19/249. ↩︎
  10. تفسير ابن كثير، ج6/169. ↩︎
  11. الزمخشري محمود بن عمر بن أحمد،  الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج3/362. ↩︎
  12. انظر معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي، ج3/499. ↩︎
  13. القرطبي أبو عبد الله، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ هـ – 1964م، ج13/182. ↩︎
  14. ذكره الألباني في السلسة الضعيفة، وقال: وهذا إسناد ضعيف؛ سعيد بن بشير؛ مختلف فيه، ج12/608، رقم الحديث 5778. وأخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال، ج4/416. وقال ابن كثير: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، البداية والنهاية، ج2/21. ↩︎
  15. القرطبي أبو عبد الله، جامع لأحكام القرآن، ج13/187. ↩︎
  16. الشوكاني محمد بن علي، فتح القدير، ج4/153. ↩︎
  17. التحرير والتنوير، ج19/250. ↩︎
  18. عامر الخميسي، شكرًا أيها الهدهد، https://tinyurl.com/276wxmsd. ↩︎
  19. البقاعي برهان الدين، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج14/150. ↩︎
  20. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ج1/173. ↩︎

الخميس، 9 يوليو 2026

نهاية الهيمنة الأمريكية تلوح في الأفق… فمن يعيد رسم خريطة العالم؟

 نهاية الهيمنة الأمريكية تلوح في الأفق… فمن يعيد رسم خريطة العالم؟

حين ينكسر السقف… من يقود العالم فعليا؟؟




مكاوي الملك

لم تعد الأزمة في ضربة هنا أو تهديد هناك.التحول الحقيقي بدأ عندما فقدت القرارات مركزها..وبدأت الأطراف الأخرى تكتب القواعد على الأرض
المشهد يبدو متفرّقاً… لكنه في العمق متماسك بشكل خطير
🚨 أول الخيط: تحالف يتكلم بلغة مختلفة
في قمة الناتو… الكلمات كانت دبلوماسية
لكن القرارات كانت حاسمة:
عقود تسليح تتحول بعيداً عن واشنطن
تحالفات فرعية تتشكل داخل التحالف نفسه
وإجماع غير معلن: الثقة لم تعد كما كانت
هنا لا أحد يواجه…
لكن الجميع يعيد التموضع
🚨 الخيط الثاني: حرب بلا نهاية واضحة
اتفاق يُعلن… ثم ينهار خلال أسابيع
ضربات متبادلة… دون حسم
تكلفة ترتفع… وقرارات مؤجلة
السؤال لم يعد: من ينتصر؟
السؤال: من يتحمّل الاستنزاف أكثر؟
وهنا تظهر المفارقة:
كل الخيارات أمام واشنطن مكلفة..وكل تأخير يمنح طهران مساحة أوسع للضغط
🚨 الخيط الثالث: هرمز… مركز اللعبة
إغلاق فعلي للممر..استهداف مدروس للسفن..إعادة تعريف (المرور الآمن)
لم تعد المسألة سيطرة عسكرية .بل سيطرة على سلوك السوق نفسه
السفن غيّرت مسارها..وهذا أهم من أي بيان سياسي
🚨 الخيط الرابع: الخليج بين مسارين
دول تختار التهدئة… فتُستثنى من النار
ودول خارج التفاهم… تتحول إلى نقاط ضغط
المشهد هنا ليس عشوائياً
بل إدارة دقيقة لرسائل القوة والتفاوض في آن واحد
🚨 العقدة الحقيقية: الداخل الأمريكي
انتخابات تقترب..حلفاء قلقون..تكلفة الحرب تتضخم
كل قرار خارجي… أصبح رهينة حساب داخلي!
وهنا أخطر ما في الصورة:عندما تصبح القوة مقيدة بالسياسة..يفقد الردع جزءاً من وزنه
🚨 اللحظة الفاصلة
إذا استمر هذا المسار:
تصعيد محدود… دون حسم
ضغط اقتصادي… دون كسر
تحالفات تتحرك… دون إعلان
فنحن أمام نموذج جديد بالكامل:عالم يُدار بدون قائد واضح
⛔️ الخلاصة
ما يحدث ليس فوضى..بل إعادة توزيع صامتة للقوة
واشنطن لم تخرج من المشهد…لكنها لم تعد تتحكم بإيقاعه وحدها.. العالم لا يعاقب أمريكا…العالم يتحوّط منها
وهذا أخطر بكثير!! لأن فقدان الثقة لا يأتي بانفجار..يأتي بتراكم قرارات صغيرة..حتى تكتشف أنك لم تعد في مركز الطاولة!
وهرمز… والناتو… والخليج…ليست ملفات منفصلة
بل نقاط في خريطة واحدة يُعاد رسمها الآن..
⛔️اللحظة الأخطر:حين تبدأ الدول الحليفة بالتخطيط لسيناريو (ما بعدك)وأنت ما زلت تعتقد أنك تقود المشهد!
🎯 السؤال الذي يفرض نفسه..
هل ما نراه مرحلة مؤقتة من الارتباك..أم بداية زمن تُدار فيه الأزمات بلا مركز قيادة… حيث من يفرض الواقع أولاً… يكتب النهاية؟؟
✍️ مكاوي الملك | Makkawi Elmalik