الخميس، 23 أبريل 2026

تسليط الظالمين بعضهم على بعض: سُنة إلهية وعقوبة عادلة

 تسليط الظالمين بعضهم على بعض: سُنة إلهية وعقوبة عادلة

 . قـلـم الـتحـرير 

 لماذا ينقلب الظالمون على بعضهم رغم تحالفهم، وهل ما نراه اليوم من صراعات بينهم مجرد سياسة أم تجلٍّ لسُنّة ربانية قديمة؟ وكيف تحمل هذه الظاهرة رسائل عدل وإنذار لكل من يسلك طريق الظلم كما يناقش هذا المقال بطرح لافت ومثير للتأمل؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:
في ظل الأحداث الراهنة، والحرب القائمة؛ تحضر مقولة الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «إذا رأيت ظالمًا ينتقم من ظالم؛ فقف، وانظر فيه متعجبًا»؛ أي: متأملًا في دقة التدبير الإلهي، وكيف أن الله يجعل بعضهم لبعض عذابًا.
وقد توارد كثير من المفسرين على ذِكْر هذا الأثر عن الفضيل عند تفسير قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129].
وهذه الآية تشير إلى سُنّة من السنن الإلهية الثابتة، التي لا تتبدل ولا تتحوَّل؛ سُنة تسليط الظالمين بعضهم على بعض، وجعل بأسهم بينهم شديدًا.
إنها آية مُحكَمة تحمل قانونًا ربانيًّا، وإنذارًا للظلمة؛ أفرادًا ومجتمعات ودولًا، في كل زمان ومكان بأنّ عاقبة ظلمهم وخيمة، ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا قبلها.
قال مالك بن دينار: «قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا، وذلك في كتاب الله قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} [الأنعام: 129]».
قال الحافظ ابن كثير: «كذلك نفعل بالظالمين؛ نُسلِّط بعضهم على بعض، ونُهْلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض؛ جزاء على ظلمهم وبَغْيهم».
وإن التعليل لهذه السُّنة بقوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ بيان لعدالة هذه السُّنة، وأنها نتيجة حتمية لكَسْب أيديهم واختيارهم للظلم طريقًا. فعندما يعمّ الفساد والظلم في أُمَّة أو جماعة، ويتحوَّل الطغيان إلى نَهْج وممارسة سائدة؛ فإن السنن الإلهية تقتضي أن يُبتلَى الظالمون من جنس عملهم.
وجاء في السنة النبوية إشارة إلى هذا المعنى؛ فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : «وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا»؛ مما يدل على أن تسليط الظلمة عقوبة وابتلاء.
ولهذه السُّنّة حِكَم بالغة تظهر للمتأمل، منها:
1-صرف شرورهم عن المؤمنين: فمن رحمة الله بعباده الصالحين أن يَشْغل الظالمين بأنفسهم، فإذا انشغلوا بالتناحر والاقتتال فيما بينهم، انشغلوا عن إيذاء غيرهم، ولو مؤقتًا.
2-تعجيل العقوبة في الدنيا: قبل أن يَلْقى الظالم ربّه فيحاسبه على ظلمه للآخرين، يُذيقُه الله مرارة الظلم ممن هو على شاكلته، فيكون ذلك عبرة له ولغيره، وكسرًا لشوكة الكبرياء في نفسه. فكثيرًا ما نرى ظالمًا بالأمس قويًّا شامخًا، فإذا به اليوم ذليلًا تحت أقدام ظالم آخر أشد منه.
3-إنها رسالة واضحة أن الباطل ليس كيانًا مُوحَّدًا، بل هو متصدّع في ذاته، وأنّ أهله لا يلبثون أن يختلفوا؛ قال تعالى في وصف الظالمين يوم القيامة: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166]؛ وهذا التبرؤ والعداوة يبدأ في الدنيا حين يُسلَّط بعضهم على بعض.
4-إظهار عدالة الله في خَلقه؛ فالعقوبة من جنس العمل، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «وقد جعل الله -سبحانه- أعمال البَرّ والفاجر مُقتضِيات لآثارها في هذا العالم اقتضاءً لا بد منه؛ فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة، سببًا لمنع الغيث من السماء، والقحط والجدب.
وجعل ظلم المساكين، والبخس في المكاييل والموازين، وتعدّي القوي على الضعيف، سببًا لجَوْر الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استُرحِمُوا، ولا يعطفون إن استُعْطِفُوا، وهم في الحقيقة أعمال الرعايا، ظهرت في صور ولاتهم!!
فإن الله -سبحانه- بحِكْمته وعدله يُظْهِر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها، فتارةً بقحط وجدب، وتارةً بعدوّ، وتارة بولاة جائرين، وتارة بأمراض عامة، وتارة بهموم وآلام وغموم تحضرها نفوسهم لا ينفكُّون عنها، وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم، وتارةً بتسليط الشياطين عليهم تؤزّهم إلى أسباب العذاب أزًّا؛ لتَحِقّ عليهم الكلمة، وليصير كلّ منهم إلى ما خُلِقَ له.
والعاقل يُسَيِّر بصيرتَه بين أقطار العالم، فيشاهد وينظر مواقع عدل الله وحكمته، وحينئذ يتبيّن له أن الرسل وأتباعهم خاصة، على سبيل النجاة، وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون، والله بالغ أمره، لا مُعقِّب لحكمه، ولا رادّ لأمره، وبالله التوفيق» انتهى من زاد المعاد (4/333- 334).

إن المتأمّل في واقع العالم اليوم يرى مصداق هذه الآية في أحداث لا تُحصَى؛ حيث نرى تحالفات الظلم الدولية والإقليمية تبدأ متآزرةً، ثم سرعان ما تنقلب إلى صراعات دموية وتنافُس محموم يأكل بعضها بعضًا. نرى الطغاة والمستبدين يجمعهم الظلم والطغيان، ثم تثور بينهم الخلافات على المصالح والنفوذ، فيُهلك بعضهم بعضًا بيده. بل إنّ التاريخ حافل بشواهد على أن الإمبراطوريات الظالمة لا تُدمّرها الجيوش الخارجية بقَدْر ما تُهدَم من الداخل بتنازع قادتها وخيانة حاشيتها.
إن سُنّة الله في تسليط الظالمين بعضهم على بعض هي سُنّة عدل ورحمة في آنٍ واحد؛ هي عدل لأنها جزاء وفاق لما كسبته أيديهم، وهي رحمة لأنها تُريح المستضعفين من شرورهم ولو مؤقتًا، وتكون درسًا بليغًا لكل مَن تُسوّل له نفسه الظلم أن عاقبته وخيمة.
والواجب على المؤمن أن يَعتبر بهذه السُّنة فلا يظنّن أن تمادي الظالم في طغيانه علامةُ قوة دائمة، بل هو إمهالٌ من الله حتى يُبتَلى بظالم مثله أو أشد منه. وليعلم المؤمن أن النجاة الحقيقية هي في التمسك بدين الله والاعتصام بالوحيين، والفرار من الفتن والظلم، فإنه إن وقع الظلم فلن ينجو منه إلا مَن عصمه الله.
وإنه لا تدوم للظلم دولة؛ {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31]، والله ينتقم من الظالم بظالمٍ مثله، ثم ينتقم من الظالمين أجمعين، وتكون العاقبة للمتقين؛ {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].
 

الأربعاء، 22 أبريل 2026

جزيرة "إسمَنتين"!

 جزيرة "إسمَنتين"!


يوسف الدموكي

أرض معزولة شرق القاهرة، تُحيطها الأسوار من جميع الجهات، ممنوعٌ الوصول إليها إلّا للمنتمين إليها، ومحجوبٌ رؤيتها على المحرومين منها. جنةٌ فانتازية كتلك التي تراها على سطح المكتب كلما فتحت حاسوبك المُغبَّر بركام الجو وتراكم المهام. هي جزيرةٌ مُسيّجة بما هو أكثر عزلاً لها عن الماء، حيث الحجارة المُتعالية، والأبراج المراقِبة، وعلى حدودها الفاصلة سورٌ له باب، يخالونه "آخرة العز" بباطنه الرحمة وظاهره من قبَله العذاب، إذ لا فرصة لالتقاء العالَمين ولو صدفة، ولا يمكن للحرافيش التعرقل ولو في أحذية البشوات، الشعرة الوحيدة التي يُسمح (بحكم الحتمية) بالتقاطع فيها هي "نقطة السكيوريتي" حيث ذلك الحارس الغارق في عرَقه، وهؤلاء الغرقى بالجرعات الزائدة من عطورهم الغربية، تحت لوحة مدخل "مدينتي"، وعمودها الفقري الجديد "ذا سباين"، الذي أشبه ما يكون بسكين تشق خاصرة البلاد.

بسبعة وعشرين مليار دولار، أو كما يحبّ رئيس الوزراء "تمصيرها" 1400 مليار جنيه، في وطنٍ يتنشّق على الـ1400 جنيه، تفتتح الحكومة برفقة المُدان سابقاً في قضية قتل سوزان تميم والمُعفى عنه رئاسيًّا، هشام طلعت مصطفى، مدينته الجديدة داخل "مدينتَي" الجديدة، إذ تتكاثر الوحدات "المُمليَنة" على مدّ البصر، نتيجة تكاثر غير شرعي بين الحجر والخرسانة، ليُنجبا جزراً إسمنتية جديدة، معزولة عن السكان الأصليين، تُدار فيها شبكات "القبح" لا "القباحة" وثمّة فرق دلاليّ في اللهجة المصرية بينهما، لكن النتيجة مُتقاربة: خطيئة استرخاص الإنسان.

على سلمٍ تحت جناح الطريق، خلال رحلتي اليومية إلى جامعة القاهرة قبل أكثر من عقد، كانت سيدةٌ تسكن بَسطة السُلّم، ربما تعود نهاية اليوم إلى غرفة متواضعة تعيل فيها أبناءها، حيث كان أكبر همومها غياب الغسالة والبوتاجاز والثلاجة (لا أعلم ما الذي لديها بعد ذلك من أجهزة). 

أتذكّرها لا أعلم لماذا، لكنها أوّل ما ورد لخاطري حين تذكرت مخزوننا الاستراتيجي من الإسمنت، الذي يبني مدن أشباح، بينما البشر لا يجدون ما يسكنونه.

 يبنون في كلّ بحرٍ "جزيرة إسمنتينٍ" جديدة، فوق لحوم الأطفال، وعيون الجوعى، وشقاء فتيات البلاد وفتيتها

تلك السيدة، التي لم يكن لها مسكنٌ في الحياة سوى حافةٍ قاصيةٍ من قلبي ودعواتي، لا أعلم عنها الآن أيّ شيء. وربّما لم تجد ما يسترها إلى آخر عمرها أو في أحسن الأحوال عساها دُفنت في مقابر الصدقة، أو لعلها حيّةً في هامش غير مرئي كمئة مليون إنسان، لكنني متأكّد عن ظهر قلب أنّ ثمّة من سيسكن بسطة السلّم نفسه بعدها، وربما سلّمات أكثر في ذلك الدرَج، ومثلهم آلاف آخرون على جميع هوامش المحروسة؛ لأنهم "فائضون" عن الحاجة، وإن كان وجودهم ضرورةً نفسيةً حتى يشعر المُترَفون بفرق الطبقات، وإلّا لشعروا بأنهم (لا سمح الله) في أوروبا، والأكثرية سواسية.

مدينة أخرى، "ذا سباين" أو "ذا هارت" أو "ذا أي ابن كلب" لا فرق، المهم أنّ في قدرة البلاد دوماً أن تسعَ مدينةً أخرى، تستيقظ وتكاد تتقيّأ كلّ تلك الحجارة، فيكتمون فمها، يناولونها كوباً من الماء، حتى يلين الإسمنت ويصبح "مونةً"، ويترجونها "واحدة أخرى فقط؟"، فتسعل دماً، بينما يصبون فوقها مدينتهم الفاضلة الجديدة، للأعيان وأصحاب الأطيان، ليس من الأغنياء العاديين، الذين رُزقوا عن فضل الله وجهد وتعب، بل عن الذين نشؤوا نخبةً على جماجم العامة، وقمماً وهمية على أنقاض القاع الحقيقي أكثر من اللازم، يبنون في كلّ بحرٍ من العرق "جزيرة إسمنتينٍ" جديدة، فوق لحوم الأطفال، وعيون الجوعى، وشقاء فتيات البلاد وفتيتها.

والعزاء... أنّ لكل "إسمنتين" نهاية، وليس في القبح جميل سوى آخرته القريبة.

في أنطاليا سألت فيدان عن المُنقذ وغزة

في أنطاليا سألت فيدان عن المُنقذ وغزة
كاتب وصحفي تركي.

في أجمل المدن التركية، وعلى مدار ثلاثة أيام أقيم منتدى أنطاليا الخامس للدبلوماسية، بين 17 و19 من الشهر الجاري، حيث شارك فيه 23 رئيس دولة وحكومة، و50 وزيرا، و6 آلاف و400 من النخبة الدبلوماسية والمسؤولين الحكوميين والمفكرين والصحفيين والمراقبين. وناقش المشاركون الموضوع الرئيسي للمنتدى، وهو "مواجهة عدم اليقين أثناء تشكيل الغد".

شاركتُ في ذلك المنتدى، وتركز اهتمامي على أمرين:
1. الاجتماع الثالث للتحالف الرباعي بمشاركة تركيا، وباكستان، والمملكة العربية السعودية، ومصر.
2. اجتماع آخر كان سيجمع مجددا عددا من الدول الأعضاء في مجلس السلام بغزة.
وكلا الاجتماعين كانا سيعقدان على مستوى وزراء الخارجية.

اهتمام كبير بهيكل التحالف الجديد
أجريتُ لقاءات مع مصادر دبلوماسية للحصول على معلومات خاصة فيما يتعلق بالاجتماع الرباعي. كانوا يدركون جيدا الاهتمام الذي يبديه الرأي العام والدول الأخرى، بهذا الاجتماع الذي سينعقد للمرة الثالثة، ولذلك كانوا يبذلون جهدا خاصا لضمان انعقاده ونجاحه.

وفي هذا السياق من المهم أن أوضح أن التحليلات التي كتبتُها حول موضوع التحالف الرباعي للجزيرة حظيت باهتمام كبير، وأصبح الموضوع أحد أبرز بنود أجندة وسائل الإعلام في تركيا.

ويرجع ذلك إلى أن الصحفيين والمثقفين والقراء أصبحوا يؤمنون الآن بضرورة اتحاد الدول المسلمة وبناء مستقبلها بنفسها. والجميع يعتقد أن هذا التحالف سيشكل نواة أساسية، وأن العديد من الدول ستنضم إليه لاحقا بعدما تم وضع أساساته.

لقد أدركنا جميعا أنه لا يمكن منع العدوان والتوسع الإسرائيلي بأي وسيلة أخرى تقليدية، والرأي العام ينتظر اتخاذ خطوات جادة، وتفعيل غايات هذه الاجتماعات بشكل أكبر وأسرع، خاصة فيما يخص إنشاء حلف دفاعي.

وفي المقابل، تبذل إسرائيل كل ما في وسعها لخنق هيكل هذا الحلف قبل ولادته، فبينما تمارس ضغوطا على الدول عبر الولايات المتحدة، تشن تل أبيب حملة تشويه عبر وسائل الإعلام، محاولة إدانة هذا التحالف بمسميات مثل "الهلال السني" أو "التحالف الإسلامي المتطرف".

سؤالان وجهتهما لهاكان فيدان

خلال الاجتماع الذي عقده وزراء خارجية الدول الأربع، لم يُسمح بحضور أي مسؤولين حكوميين آخرين، إذ اقتصر الاجتماع على حضور الوزراء فقط. ولهذا السبب كان علي أن أسأل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي استضافت بلاده الاجتماع، عن هذا الموضوع بنفسي.

عقد فيدان مؤتمرا صحفيا في اليوم الأخير من المنتدى حضره جميع الصحفيين، وكان مئات الصحفيين القادمين من عشرات الدول يتابعون هذا المؤتمر، ويتحضرون لطرح الأسئلة. كما كانت عشرات القنوات التلفزيونية المحلية والأجنبية تنقل المؤتمر الصحفي للوزير على الهواء مباشرة.

وعقب انتهاء فيدان من كلمته، أفاد باستعداده للإجابة عن الأسئلة، فرفع عشرات الصحفيين أيديهم. أعطى فيدان حق السؤال الأول لي، وبصفتي ممثلا للجزيرة، فقد طرحت سؤالين حول الاجتماعين اللذين كنت مهتما بهما، وفيما يلي نص السؤال الأول:

"سيادة الوزير، لقد عقدتم أيضا اجتماعات منفصلة تتعلق بالأزمات الإقليمية خلال الاجتماعات هنا (بمنتدى أنطاليا). أحد هذه الاجتماعات هو الاجتماع الثالث بين (وزراء خارجية) تركيا، وباكستان، ومصر، والسعودية. وقد عقد الأول في الرياض، والثاني في إسلام آباد، والآن في تركيا.

هل يهدف هذا الاجتماع إلى تحقيق تقدم نحو حلف دفاعي؟
أطرح هذا السؤال لأن بعض السياسيين ووسائل الإعلام في الصحافة الإسرائيلية يطلقون مسميات على هذه الاجتماعات، مثل "التحالف الإسلامي المتطرف"، أو "التحالف السني المتطرف"، كيف تعرّفون أنتم تحالف الدول الأربع ضمن هذا المسار من الاجتماعات؟".

فيدان: إسرائيل أنشأت تحالفا عسكريا ضد الدول المسلمة

أجاب فيدان هذا عن السؤال بالتالي: "لقد عقدنا الاجتماع الرباعي الثالث الذي يضم باكستان، وتركيا، والسعودية، ومصر كما ذكرت، وتشاركنا ذلك مع الرأي العام.

منذ البداية كان هدفنا أن تواصل هذه الدول الأربع مسيرتها عبر أجندة جادة وواقعية وقابلة للتطبيق من خلال تناول جميع القضايا التي تتطلب تبنيا إقليميا دون استثناء.

لدى قادتنا إرادة في هذا الشأن. ونحن أيضا، كوزراء خارجية، نعمل على تحويل هذه الإرادة إلى واقع قابل للتطبيق عمليا في مجالات متعددة، مثل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والصحة، والدفاع، ونقوم بتنفيذ ذلك على أرض الواقع.

اعتقادنا هو التالي: هذه الدول الأربع تمثل في الواقع ثقلا كبيرا، وهناك منطقة كاملة تحيط بها. لدينا قناعة راسخة وتقييم عقلاني مفاده أن المنطقة لم تتمكن من تفعيل إمكاناتها الذاتية؛ بسبب عدم استغلال فرص التعاون بينها التي كان ينبغي إتاحتها. وانطلاقا من هذا التقييم، نجتمع جميعا من أجل تنفيذ خطوات ملموسة فعليا.

هناك أزمات سياسية وصراعات خطيرة، كما تعلمون. ماذا يمكن فعله لتهدئة هذه الصراعات؟ نحن لسنا مثل إسرائيل.

فإسرائيل، كما تعلمون، اجتمعت مع قبرص (اليونان) و"إدارة جنوب قبرص الرومية"، وأقامت تحالفا عسكريا ضد الدول المسلمة في المنطقة. نحن لا نقوم بما يقومون به، فنحن نبحث عن كيفية تهدئة الصراعات في منطقتنا، وتحقيق التقدم الاقتصادي، وترسيخ الاستقرار. هذا هو ما نسعى إليه.

لقد تبين لنا التالي: إذا استمرت هذه المنطقة في انتظار المساعدة من الخارج أو انتظار منقذ، فستظل تواجه هذه المشكلات إلى الأبد. لذلك فإن الجهات الفاعلة العاقلة تبني مستقبلها من خلال استخلاص الدروس من الماضي بحكمة".

بطبيعة الحال، انتشر هذا التصريح المهم لفيدان على الفور في وسائل الإعلام العالمية.

وهنا يمكنني قول التالي: إن تشكيل هذا التحالف الرباعي ونموه بشكل أكبر في المستقبل يمثلان فكرة يتبناها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ سنوات طويلة. ولهذا فإن تركيا تولي اهتماما كبير لهذا الأمر، وتبذل جهدا مكثفا لتنفيذه.

وأرى أن الدول الأخرى ازدادت أيضا رغبتها بعد الاجتماع الثاني في الرياض. لذلك فأنا متفائل جدا بشأن تقدم المشروع وتوسعه وتحوله إلى تحالف ملموس.

غزة لم تغب عن جدول الأعمال
كان سؤالي الثاني لفيدان حول الاجتماع الثاني الذي تابعته كالتالي:
"سعادة الوزير، سؤالي الثاني هو: عقدتم اجتماعا بشأن غزة كامتداد لخطة السلام الأمريكية. لكن في غزة هناك حالة من الجمود نتيجة عدم دخول المساعدات الإنسانية والعديد من القضايا الأخرى. في ظل حالة عدم اليقين هذه التي تمثل شعار منتداكم، كيف ستتقدمون في ملف غزة؟ وما هي إستراتيجيتكم في هذا الشأن؟

وكان رد الوزير كالتالي:
"لقد عقدنا الاجتماع الخاص بغزة. هناك عملية تنفيذ لخطة السلام في غزة. وكما هو معلوم، فقد اجتمعت مجموعة الثماني، التي كانت سببا في إطلاق هذه الخطة، في نيويورك في سبتمبر/أيلول من العام الماضي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى جانب قادتنا.
ومن خلال الآراء والإرادة التي نتجت عن ذلك، بدأ تفعيل آليات مثل خطة السلام في غزة، ومجلس السلام.

وقد اجتمعنا مجددا الآن مع الدول التي شكّلت الروح التأسيسية لهذه العملية وناقشنا بشكل مفصل جدا إلى أين وصلت جهودنا وأعمالنا الرامية إلى وقف الإبادة في غزة وعكس مسارها، وما الذي وصلت إليه القرارات المتخذة والرؤية المطروحة والهياكل المؤسسية التي تم إنشاؤها خلال المرحلة الماضية".

لا شك أن هذه الإجابات التي قدمها فيدان، ترسم طريقا لكيفية مواجهة المشاكل التي تلقي بظلال قاتمة على المنطقة، ومحاولة تفكيكها في ظل عالم أضحى يتكتل لمواجهة العواصف التي ستجرف، لا ريب، المتشرذمين والضعفاء.


كاتب وصحفي تركي.

هل وجود الأعداء نعمة ؟

هل وجود الأعداء نعمة ؟

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

يعتقد الكثيرون منا أن وجود عدو في حياتنا هو مجرد بلاء أو حظ سيئ يجب الخلاص منه فوراً، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فوُجود الأعداء في حياة الإنسان هو جزء من طبيعة الدنيا وتدافعها، وللفلسفة وجهة نظر قد تبدو غريبة، فهي ترى أن الأعداء "مفيدون" في كثير من الأحيان، لأن العدو هو أكثر شخص ينبهك إلى عيوبك ونقاط ضعفك التي قد يتغاضى عنها أصدقاؤك مجاملةً لك، وهو الشخص الذي يراقبك بدقة، وبدلاً من أن يكون عائقاً، يمكن أن يتحول إلى "وقود" يحفزك لتطوير ذاتك وتحسين مهاراتك لتثبت لنفسك وللعالم أنك الأفضل، فالعدو يجعلك دائماً في حالة يقظة وانضباط، ويمنعك من الركون إلى الكسل، وبهذا المعنى، يصبح الخصم أو العدو شريكاً غير مباشر في نجاحك وبناء قوتك.


ومع مرور الزمن وتطور الحياة، تغير شكل "العدو" تماماً، ففي العصور القديمة كان العدو واضحاً، وهو الشخص الذي يحمل سلاحاً ليهجم على أرضك أو قبيلتك، وكانت المعارك تنتهي بانتصار أحد الطرفين جسدياً، أما اليوم، فقد أصبح للأعداء أشكال خفية، ناعمة، وأكثر تعقيداً، فقد يكون عدوك زميلاً يحاربك بـ "الكلمات" أو الدسائس في أروقة العمل، أو منافساً يحاول تشويه سمعتك عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو حتى تياراً فكرياً يحاول زعزعة مبادئك وقيمك، وهذا التغير جعل العداوات أقل عنفاً في المظهر، لكنها أكثر استنزافاً للأعصاب والروح، مما يتطلب منا وعياً أكبر لمعرفة من هو الخصم الحقيقي، وكيف نتعامل مع أنماط العداوة الجديدة التي لا تستهدف الأجساد بقدر ما تستهدف عقولنا واستقرارنا النفسي.


فلذلك فإن واجبنا الحقيقي تجاه هؤلاء الخصوم، هو التفكير في "الاحتواء" قبل الصدام المباشر، فالحكمة لا تكمن في كثرة المعارك وكسبها، بل في القدرة على إبطال مفعول العداوة بذكاء وهدوء، والصدام المباشر يستنزف طاقتك ووقتك وصحتك، بينما الاحتواء يعني فهم دوافع الشخص الآخر ومحاولة استيعابه أو تحييده وتجنب شره دون الدخول في صراع يستهلكك، فيجب أن يظل الصدام هو الخيار الأخير والاضطراري فقط، حين يكون هناك تهديد حقيقي لا يمكن دفعه إلا بالمواجهة، وتذكر دائماً أن أرقى أنواع الانتصار هو أن تنجح وتتجاوز خصومك بوعيك وأخلاقك، فليس من العقل أن تضيع عمرك في ملاحقة كل حجر رُمي عليك، بل الحكمة في أن تواصل طريقك تاركاً ضجيج الأعداء خلف ظهرك، فالحياة أقصر من أن نقضيها في حلبات المصارعة، ولطالما آمن العرب قديماً أن الأعداء هم "مِحكُّ الرجال"، فبهم يظهر الصبر ويُصقل المجد، كما قال الشاعر: "جَزى اللهُ الشَدائِدَ كُلَّ خَيرٍ.. عَرَفتُ بِها عَدُوّي مِن صَديقي"، لذلك كانوا يرون في الخصومة فرصةً لكشف العيوب التي يسترها المقربون مجاملةً، مؤكدين بلسان حالهم أن "عدوٌ عاقل خيرٌ من صديق جاهل".

هل انتهت فترة الهيمنة الجديدة؟ وكيف نستعد للمرحلة؟

 هل انتهت فترة الهيمنة الجديدة؟ 

وكيف نستعد للمرحلة؟ 




العالم يعاد تشكيله، والقوى الكبرى تتطور من الداخل... حيث أننا مجرد مراقبين وأتباع لجوه جديدة، أم يمكن أن نكون شركاء في الميزات القادمة؟ في هذه الحلقة من نوع بودكاست نغوص مع الدكتور عطية عادلان في تفكيك المشهد العالمي الراهن، ولنكشف قضية أفول الغرب بعيدًا عن الأوهام، ولماذا تشارك المراجعات نسخة لمكانها دون تقديم مشروع حضاري حقيقي… محاور الحلقة:
هل انتهى العصر الأمريكي؟ 
ما علاقة الانهيار القيمي بهذا الأفول؟
ما التوافق بين الرأسمالية والديمقراطية؟
لماذا تسعى إيران إلى تغيير حقيقي؟
كيف نقرأ بداية الغرب دون أن نخدع نجمة؟
هل الأمة الإسلامية اليوم جاهزة لوراثة تلك اللحظة؟

الخاتمة تتجاوز عددات والأحلام، وتضعنا أمام الحقيقة والسؤال الأصعب:
 
إذا كان الغرب إلى أفول، فأين مشروعنا نحن؟ 


الثلاثاء، 21 أبريل 2026

الديانة الإسماعيلية.. أمُّ الخبائث!

الديانة الإسماعيلية.. أمُّ الخبائث!

بقلم محمود حلمي القاعود 


إذا أردتَ أن تفهم الديانة الدرزية.. فابحث عن الإسماعيلية.. وإذا أردتَ أن تفهم الديانة النصيرية.. فارجع إلى الإسماعيلية.
وإذا أردتَ أن تفهم القرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود وذبحوا الحجاج في مكة المكرمة، فأصلهم الإسماعيلية..
وإذا أردتَ أن تفهم حركة الحشاشين التي اغتالت العلماء والخلفاء والملوك.. فهي فرع من الإسماعيلية.
الإسماعيلية هي أم الخبائث وهي المصنع الذي أنتج أخطر الحركات الهدامة في تاريخ الأمة الإسلامية، والرحم التي خرجت منها أشد الضربات الموجهة إلى الإسلام من الداخل.
فمن هم؟ وماذا يعتقدون؟ وكيف تحوّل انشقاق سياسي على الإمامة إلى منظومة عقدية تهدم الإسلام من أساسه؟
أولًا: النشأة.. انشقاق سياسي تحوّل إلى كفر بالله
بعد وفاة الإمام الشيعي السادس «جعفر الصادق» عام 765م، وقع خلاف على من يخلفه:
- قال أكثر الشيعة بإمامة «موسى الكاظم» نجله الأصغر
- وقال فريق بإمامة «إسماعيل» نجله الأكبر الذي مات في حياة أبيه
فتمسّك هذا الفريق بإسماعيل وقالوا إن الإمامة لا تنتقل بعد أن تُعيَّن.. وأن إسماعيل لم يمت حقيقةً بل غاب أو أن الإمامة انتقلت إلى ابنه «محمد بن إسماعيل».
هذا هو الجذر السياسي.. لكن ما حدث بعده هو التحوّل الخطير.. فدخلت على هذا الجذر الشيعي عناصر غنوصية يونانية وفارسية ومانوية وهرمسية.. فتشكّلت منظومة عقدية لا علاقة لها بالإسلام إلا في القشرة اللفظية.
في القرن الثالث الهجري.. بنى الإسماعيليون شبكة دعوية سرية هائلة تُسمى «الدعوة»، يقودها دعاة مدرَّبون على فنون الإقناع التدريجي، يبدأون بالمريد من حيث هو، ثم يسلخونه تدريجيًا من الإسلام إلى الباطنية خطوة بخطوة.. وقد وصف الإمام الغزالي رضي الله عنه هذا المنهج بدقة شديدة في كتابه «فضائح الباطنية».
ثانيًا: المنهج الباطني.. السلاح الأخطر
الظاهر والباطن.. يقوم المنهج الإسماعيلي على ثنائية جوهرية:
- الظاهر: القرآن الكريم والشريعة كما يعرفها عموم المسلمين
- الباطن: المعنى الحقيقي الخفي الذي لا يعرفه إلا المُبتدأون في الدعوة
وبموجب هذا المنهج يصبح كل نص قرآني رمزًا لشيء آخر:
- الصلاة تعنى ولاء الإمام
- الصيام يعني صون السر عن الأغيار
- الحج يعني زيارة الإمام
- الزكاة تعني تعليم الدعوة
- القيامة هي ظهور الإمام
وهكذا تسقط الشريعة كلها بجرة قلم تأويلية باطنية.. وتتحول العبادات الجسدية إلى مجرد رموز لا أعمال.
الإمام المعصوم - الرب الحي:
في قلب العقيدة الإسماعيلية يجلس «الإمام الحي» الذي تنتهي إليه كل السلطة الدينية والمعرفية.. وهذا الإمام عندهم:
- معصوم من الخطأ عصمة مطلقة
- مصدر التأويل الحق الذي لا يُعترض عليه
- الواسطة الوحيدة بين الله والخلق
- ومن بعض فِرقهم: تجلٍّ للعقل الكلي الإلهي
وهذا التأليه الضمني للإمام هو ما يصل في فروعهم (كالدروز والنصيرية) إلى تأليه صريح.

ثالثًا: الفلسفة الإسماعيلية.. الإسلام المقلوب
نظرية الفيض والعقول:
استعار الإسماعيليون من «أفلوطين» (مؤسس الأفلاطونية المحدثة) نظريته في الفيض:
- الله.. العقل الأول.. النفس الكلية.. العالم المادي
ثم أدخلوا عليها الإمام في هذه السلسلة باعتباره حلقة وصل ضرورية لا يُعرف الله إلا بها.
وقد نقد ابن تيمية هذه النظرية نقدًا مستفيضًا موضحًا أنها «فلسفة يونانية محضة» لا علاقة لها بالإسلام.
السبعة المقدسة:
يقوم البناء الإسماعيلي على تقديس الرقم سبعة:
- سبعة أنبياء ناطقون: آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، محمد بن إسماعيل
- سبعة أئمة لكل نبي
- سبعة أبواب ودرجات في الدعوة
- سبع سماوات لها معانٍ باطنية
وهذا البناء العددي مصدره التصوف الفيثاغوري اليوناني والكابالا اليهودية.. وليس القرآن الكريم.
إلغاء الحلال والحرام:
وصلت الإسماعيلية في فروع متعدِّدة إلى إلغاء مفهوم الحلال والحرام كليًا، بحجة أن من بلغ مرتبة المعرفة الباطنية ارتفعت عنه التكاليف.. وقد سُمّي أصحاب هذا المذهب «الإباحية»، وهم من أباحوا المحرمات وألغوا الواجبات.

رابعًا: فروع الإسماعيلية.. شجرة السموم
1- النصيرية نشأت عام 883م من رحم الإسماعيلية، وهي من أخطر الفرق الباطنية في العالم وحاربت الإسلام في كل العصور.
2- الفاطميون.. حكم الباطنية
أسّس الإسماعيليون «الدولة الفاطمية» (909-1171م) في شمال أفريقيا ثم مصر، وكانت أول دولة في التاريخ الإسلامي تقوم على العقيدة الباطنية. وكان الخلفاء الفاطميون يُظهرون الإسلام للعامة بينما يمارسون الدعوة الباطنية في السر.
ومن أبشع ما اقترفته هذه الدولة:
- «الحاكم بأمر الله» ادّعى الألوهية وأسّس الديانة الدرزية
- اضطهاد المسلمين
- نشر الدعوة الباطنية في أرجاء العالم الإسلامي
وقد أنهى صلاح الدين الأيوبي رحمه الله هذه الدولة عام 1171م وأعاد مصر إلى الإسلام.
3- القرامطة.. الوجه الأكثر إجرامًا
القرامطة فرقة إسماعيلية انفصلت وتبنّت العنف وسيلة وحيدة.. وأعمالهم في التاريخ لا تُصدَّق:
- عام 930م: هجموا على مكة المكرمة أيام الحج وذبحوا الحجاج في المسجد الحرام وفي الكعبة ذاتها، وملأوا بئر زمزم بجثث القتلى، وانتزعوا «الحجر الأسود» وحملوه إلى البحرين حيث بقي عندهم اثنتين وعشرين سنة.
- قال ابن كثير واصفًا ما اقترفه القرامطة الأشرار: «قتلوا في المسجد الحرام خلقاً كثيرًا لا يُحصون»
- يُقدَّر عدد من قتلوا من الحجاج في تلك المذبحة بأكثر من ثلاثين ألف حاج.
فأي إسلام هذا الذي يستبيح دماء الحجاج ويسرق الحجر الأسود؟
4- الحشاشون (النزارية)
انشق «حسن الصباح» عن الإسماعيلية الفاطمية وأسس دولة الحشاشين من قلعة «آلموت» في جبال إيران عام 1090م. وابتكر منهجًا إجراميًا لا نظير له في التاريخ:
- تجنيد الشباب وتخديرهم بالحشيش (ومنه جاء الاسم)
- إيهامهم بأنهم في «الجنة» خلال حالة الإدمان
- إرسالهم لاغتيال الملوك والوزراء والعلماء
ضحاياهم الموثقون:
- الوزير «نظام الملك» الطوسي (مؤسس المدرسة النظامية) اغتيل عام 1092م
- محاولة اغتيال «صلاح الدين الأيوبي» مرتين
- اغتيال عشرات الأمراء والعلماء والقضاة
واستمرت دولتهم حتى أبادها «هولاكو» عام 1256م
5- البهرة
فرقة إسماعيلية معاصرة منتشرة في الهند وباكستان وشرق أفريقيا.. وإمامها يُسمى «الداعي المطلق» وهو يُقدَّس تقديسًا يبلغ حدّ العبادة.. وكل شيء في حياة البهرة مرهون بموافقته من الزواج إلى الطلاق إلى الميراث إلى السفر.
6- الآغاخانية (النزارية المعاصرة)
وهي الفرقة الأوسع انتشاراً اليوم.. يقودها «الآغاخان الخامس» (رحيم الحسيني) المقيم في أوروبا والمصنّف من أثرى أثرياء العالم. وهو إمام معصوم مؤلَّه عند أتباعه، رغم أنه يعيش حياة غربية تامة لا علاقة لها بالإسلام.
خامسًا: أركان الإسلام والإسماعيلية
الشهاداتان: عند الإسماعيلية الله مجهول لا يُعرف إلا بالإمام ومحمد بن إسماعيل ناسخ لشريعة محمد ﷺ!
الصلاة: عند الإسماعيلية رمز الولاء للإمام!
الصيام: عند الإسماعيلية صون السر الباطني! الحج: عند الإسماعيلية هو زيارة الإمام!
يوم القيامة عند الإسماعيلية رمز للظهور والغيبة وعودة الإمام!
سادسًا: موقف الإسلام من الإسماعيلية
حجة الإسلام الإمام الغزالي رضي الله عنه خصّص كتابًا كاملًا هو «فضائح الباطنية» لنقض الإسماعيلية الشيطانية، وفيه يقول:
«غرضهم الأول إفساد الشرائع، وإذا أُفسدت الشرائع فلا دين، وإذا لم يكن دين فلا بعث ولا حساب، فيكون الإنسان كالبهيمة» وأوضح أن منهجهم في التأويل «تلاعب مقصود» لا اجتهاد علمي، وأن غايتهم تحرير أتباعهم من التكاليف الشرعية تحت ستار المعرفة الباطنية.
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال في «الفتاوى الكبرى»: «الباطنية القرامطة والإسماعيلية شر من الخوارج والمعتزلة والجهمية، بل هم من أعظم طوائف الكفر وأشدهم ضررًا على الإسلام»
الإمام ابن حزم رحمه الله في «الفصل في الملل والنحل» فكّك المنهج الإسماعيلي وأثبت أنه يتناقض مع بديهيات العقل قبل النص، لأن القول بأن لكل ظاهر باطناً يخالفه يُفضي إلى «إلغاء اللغة والتواصل الإنساني كله».

سابعًا: الإسماعيلية اليوم
للإسماعيلية اليوم نفوذ كبير
أولًا - مؤسسة الآغاخان للتنمية:
تمتلك الآغاخانية شبكة ضخمة من المستشفيات والجامعات والمدارس في العالم الإسلامي.. وهي أدوات دعوة ناعمة تستقطب العقول وتبني الولاء للإمام تحت شعار «التنمية».
ثانيًا- إعادة تعريف الإسلام:
يُقدِّم الآغاخان الخامس الإسماعيلية للغرب باعتبارها «الإسلام التنويري المتسامح» في مقابل «الإسلام المتشدد» - وهو توظيف سياسي يضع الباطنية حليفًا للغرب في مواجهة الإسلام الحق.
ثالثًا - التمويل الأكاديمي:
يموّل الآغاخان كراسي دراسية في أعرق الجامعات الغربية (هارفارد، أكسفورد، كيمبريدچ) لنشر الرؤية الإسماعيلية للإسلام باعتبارها «الإسلام الحقيقي».
ثامنًا: أسئلة للإسماعيلية:
1- إذا كان للقرآن الكريم باطن يُخالف ظاهره، والله عز وجل أنزل كتابه بلسان عربي مبين ليُفهَم.. وبما أن معناه الحقيقي عكس ما يُفهَم، فقد أراد الله - وحاشاه - إيقاع الناس في الضلال - وهذا محال في حق الحكيم العليم الخبير.
2- إذا كان الإمام بزعمكم مصدر الحق الوحيد فما قيمة القرآن الكريم عندكم؟!
الإسماعيلية عمليًا تضع الإمام فوق القرآن الكريم، لأنه وحده يملك تأويله.. وهذا يعني أن الوحي تابع للإمام وليس العكس.
3- إذا كانت التكاليف الشرعية للعوام فقط.. فلماذا لم يُخبرنا سيدنا النبي ﷺ بذلك؟
رسول الله ﷺ أمر الناس جميعًا بالصلاة والصيام والحج والزكاة، ولم يقل أبدًا إن هذه أعمال ظاهرية للعوام. فمن أين جاء هذا التقسيم المزعوم؟!
إنَّ الإسماعيلية منظومة شيطانية تُلغي الصلاة وتُسقط الصيام وتُحرّم الحج على أتباعها وتُلغي الجنة والنار الحقيقيتين وتُؤلّه الإمام البشري وتستبيح دم من يخرج عنها - وهذه المنظومة هي محض حرب على الله ورسوله.
وصدق الله العظيم القائل:
«وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»
[آل عمران: 85]

وجهان لآلة تدمير واحدة: والمخطط أميركي

  آخر كلام       

وجهان لآلة تدمير واحدة: والمخطط أميركي 

د. محمد المقاطع 

علينا العودة بالزمن 53 عاماً أي إلى 1973 لنستوعب ما يتم اليوم من دمار وجهود حثيثة لتقسيم المنطقة وإعادة رسم خريطتها. 

فمنذ عام 1973 وبعد قرار عربي بحظر النفط عن أميركا والدول الأوروبية وأي دولة تدعم الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، وإثر الفاعلية التي أثبتها ذلك القرار الاستراتيجي بنجاح استخدام النفط أداة ضغط للحفاظ على المصالح العربية، ومعاقبة الدول المساندة والداعمة للكيان الصهيوني. 

وضع الأميركيون - بمشورة من كيسنجر - استراتيجية السيطرة على منابع النفط عالمياً، خصوصاً النفط العربي، ومنذ ذلك التاريخ تسارعت الخطى الأميركية وتكثفت خططها وإجراءاتها للسيطرة على النفط العربي، بتبني مسارين أساسيين: استراتيجية النشر السريع لقواتها Fast deployment of military forces. وضع آليات مباشرة للضغط على الدول العربية بكل الجوانب سياسية واقتصادية وعسكرية، برفقة الشراكة مع الإدارة المباشرة للثروة النفطية. 

كان الكيان الصهيوني دائماً محوراً أساسياً في تحقيق هذه الاستراتيجية وهو الذراع التي تستخدمها أميركا للضغط على الدول العربية وابتزازها، لتبقى في حالة احتياج دائم لدعم أميركا لها سياسياً وعسكرياً وخصوصاً تسليحياً. 

والمحور الآخر في هذا السياق إيران، وقد بدأ ذلك منذ ترتيبات إقامة نظام جديد في طهران عام 1978 برعاية ودعم أميركي ــ أوروبي مشترك، وقد توسّع وتبلور هذا المسار عام 1984، وهو العام الذي تحوّل فيه الدعم الأميركي ــ الأوروبي لإيران بدلاً من العراق في الحرب الدائرة بينهما وقتذاك. 

واستخدمت إيران أداة ضغط وابتزاز أميركية لإجبار الدول العربية لتظل فى حالة احتياج دائم للدعم الأميركي. 

وقد تحقق ذلك لأميركا في المحورين المذكورين بنسبة تتجاوز الـ 85 في المئة. 

وقد تقاطعت مصالح كل من أميركا مع الكيان الصهيوني وإيران خصوصاً سعي الأخيرين للهيمنة وتوسيع نفوذهما على حساب الدول العربية، وقد عشنا ذلك التقاطع بالمصالح، بل والتواطؤ وتبادل الأدوار الذي كان يقوم به الطرفان الأخيران. 

فتُرِك الكيان الصهيوني يعيث فساداً وتوسعاً وتدميراً في فلسطين والتنكر لاتفاق أوسلو بدعم ومباركة أميركية، وبدأ يوسّع نفوذه في لبنان وسورية والأردن، ويتجاوز كل اتفاقاته مع هذه الدول بما فيها مصر، حتى بلغ ذلك مرحلة نقل السفارة الأميركية للقدس، وبدأ مخطط «صفقة القرن» و»الشرق الأوسط الجديد» بوقاحته العلنية وتنفيذ خطوات «لإقامة دولته الكبرى». 

ورافق ذلك ضغوط غير مسبوقة لتطبيع العلاقات قسراً مع الكيان الصهيوني. 

وتزامناً مع ذلك سُلِّم العراق لإيران بعد أن سيطرت عليه أميركا عسكرياً وحاربت جنباً إلى جنب مع إيران المكوّن السني في العراق تحت حجج واهية «محاربة الإرهاب والتطرف السني» بمسميات مختلفة، وصولاً إلى تمكين إيران من السيطرة المباشرة على العراق، وقد تم. 

وفي معيته مكّنت إيران من الهيمنة على لبنان من خلال «حزب الله»، ولحقتها بعد ذلك سورية واليمن وصارت جميعها تحت النفوذ الإيراني بترتيب ومباركة أميركية. 

وقد أضحى كل من الكيان الصهيوني وإيران آلة التدمير والهيمنة والإبادة الجماعية والتطهير العرقي في الدول العربية، مدفوعين بدعم أميركي ونوازع خبيثة للتوسع، وهو ما يحقق لأميركا مرادها بإبقاء المنطقة ودولها وثرواتها رهينة لها والهيمنة على مصادر النفط. 

وما الحرب الأخيرة على إيران إلا نتيجة رغبة أميركية في السيطرة المباشرة على كل منابع النفط بالمنطقة ودولها، وتحقيق مصالح الكيان الصهيوني التوسعية المعلنة بالمنطقة وتكريس تفوقه، بعدما انتهى دور إيران ومرحلتها. 

ومَن تكبّد ودفع الثمن لكل تلك الترتيبات هم العرب، ودول الخليج المستقرة، والتي تشكل انزعاجاً لا يخفى للصهاينة. 

لذا ينبغي أن يكون لنا دور ومشاركة لضمان أمن المنطقة واستقرارها حمايةً لوجودنا ودولنا، فلا نترك ولا نسمح أن يُرسَم مستقبل المنطقة دون وجودنا طرفاً فاعلاً فيه.