الخميس، 4 يونيو 2026

قراءة في كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة»

 

قراءة في كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة»


• اسم الكتاب: النكير على منكري النعمة؛ من الدين والخلافة والأمة.

• المؤلف: شيخ الإسلام: مصطفى صبري.

• تحقيق: د. مصطفى حلمي.

• سنة النشر: 2004م.

• دار النشر: دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان.

• عدد الصفحات: 222.

قراءة جمال خطاب


كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة» لآخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، العلامة المحقق مصطفى صبري (1373هـ/ 1953م)، وثيقة فكرية وتاريخية بالغة الأهمية، فالمصنف، رحمه الله، لم يكتب من برج

 عاجي، بل سطر كلمات كتابه هذا بدموعه بعد سقوط الخلافة

 العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك.


ويأتي هذا التلخيص الشامل ليعيد صياغة أطروحات

 الكتاب ومضامينه التي تقع في 222 صفحة من

 تحقيق د. مصطفى حلمي، مسلطًا الضوء على الأبعاد

 السياسية والعقدية والاجتماعية التي ناقشها المؤلف،

 مع توثيق المتن بالاقتباسات الحية التي تعكس حرقة

 الشيخ على أمته وبصيرته النافذة.

واقع مرير ونخب متخاذلة


يفتتح شيخ الإسلام كتابه بتحليل دقيق وبائس لواقع الأمة الإسلامية عقب زوال مرجعيتها السياسية والدينية، معبرًا عن أسفه الشديد من استسلام الجماهير

 والنخب الفكرية والدينية لهذا الواقع الجديد.

ويصف هذا التخاذل بقوله: «ثم إنِّي قبل الشُّروع في

 المقصود، أرى من الواجب أن أَذكر بالأسف كونَ 

أمر المسلمين منذ زمنٍ بعيد بِيَد غيرهم؛ فأكثَرُ من 

خمسة وتسعين في المائة منهم في حكم الأجانب، 

والباقي الأقلُّ من خمسة في المائة، وهو من تعدُّ 

أزِمَّتُهم بأيديهم تحت غلبة اللادينيِّين، ممن تَسمَّى 

بأسماء المسلمين».

وينتهي الشيخ في مقدمته الصارخة إلى خلاصة مؤلمة ما زالت تنطبق على واقع أمتنا حتى الآن: «لا يبلغ من الدِّين الإسلامي أعداؤه القديمة الظَّاهرةُ ما يبلغ منه أعداؤه السرِّية الجديدة، وأصدقاؤه الحمقاء، أو الجُبَناء».

نخب تستجير من الرمضاء بالنار


يفرد صبري في كتابه جزءًا واسعًا من رسالته لمناقشة ظاهرة الانخداع الجماعي التي صاحبت صعود حركة مصطفى كمال في بداياتها، ويحلل منهج صاحب «المنار» بإنصاف وموضوعية، فيقول: «وأمَّا كِتاب صاحب «المنار»، ففي غاية الإفادة والإجادة، كما يتوقَّع من مؤلِّفه الذي هو فارسٌ خطير في أمثال هذا الميدان.. لكن المهم المقدَّم على كلِّ شيء، وما يليق أن أقولَ في كتابه، وأَلْفِت الأنظارَ إليه، أنَّه لم يصرِّح بأصل الدَّاء حقَّ صراحته، وإنْ بالغ في تعريف الدَّواء، والدَّليل على ذلك استمدادُه في إحياء منصب الخلافة من الذين خرَّبوها، وسعَوْا في خرابها».

فرية فصل السلطة عن الخلافة


ببصيرة فكرية سابقة لعصره، استطاع الشيخ صبري أن يدرك أن الخطوة الكمالية الأولى المتمثلة في فصل السلطة الزمنية عن الخلافة الروحية ونزع الصلاحيات التنفيذية من الخليفة عبد المجيد، لم تكن مجرد إجراء إداري لإصلاح هيكل الدولة، بل كانت مقدمة تكتيكية خبيثة لاستئصال الدين من الحياة العامة وفصله عن السياسة.

ويحدد الشيخ المرامي الحقيقية للكماليين بقوله: «وليس مرمى الكماليِّين فيما فعَلوه سوى غَرضين، أحدهما: نَشْل (سرقة) السُّلطة من آل عثمان، ونَقْلها إلى مصطفى كمال.. والغرَض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التَّدريج، ورَمي لإخراج حكومتهم من أن تكون حكومةً إسلاميَّة».

ويشرح الشيخ الآلية الفلسفية والواقعية التي تحول بها فصل السلطة عن الخلافة إلى إخراج كلي للدين من الدولة، لأن النفوذ الفعلي يتبع القوة التنفيذية، فإذا جُردت الخلافةمنها صارت صفة هلامية بلا قيمة: «وإذا كانت الحكومة هي القوَّةَ العاملة، والخلافة عبارة عن اتِّصاف تلك الحكومة بصفة دينيَّة، فلا جرم صار إخراجُ الحكومة عن الخلافة إخراجًا لها عن الدين.. لأنَّهم نقلوا الحكومة النَّافذة إلى مجلسهم الذي سمَّوه مجلسًا وطنيًّا، واختاروها لأنفسهم، وتركوا الشَّريعة الإسلاميَّة مع الخلافة في الخليفة مجرَّدةً عن النُّفوذ».

الارتداد إلى اللادينية


لم يقف التحذير في الكتاب عند الحدود النظرية، بل وثق الشيخ الإجراءات التشريعية والاجتماعية المتسارعة التي اتخذتها الحكومة الكمالية لإعلان هويتها «اللادينية»، وهو ما جاهر به مندوبها رضا نور بك في مؤتمر لوزان، ومن أبرز تلك الشواهد والجرائم التي ساقها المؤلف في كتابه:

1- إلغاء المحاكم الشرعية:

وهو الإجراء الذي عدّه الشيخ ضربة قاضية لهوية 

الدولة الإسلامية ومستتبَعًا طبيعيًا لفصل السلطة: 

«فلا جرم التزموا إلغاء المحاكم الشرعية الممثِّلة

 لحاكمية الدِّين في المَمْلكة».

2- سن القوانين المناقضة للشريعة وإفساد الأخلاق:

يوثق الشيخ اتخاذ الكماليين إجراءات تمس صلب النظام الاجتماعي الإسلامي، كمنع تعدد الزوجات، وتغيير سن الزواج، وإلغاء الحواجز بين الجنسين في وسائل النقل والمحافل العامة، حيث يذكر متهكمًا على مبررات وزير الداخلية اللاديني: «إنَّ الحكومة لاحظَتْ في رفع الستائر فائدةً صحِّية».

3- إحياء العصبية الطورانية والرموز الوثنية:
حيث عمل النظام الجديد على استبدال رابطة عرقية ضيقة بالرابطة الإسلامية الجامعة، وإحياء شعارات وثنية قديمة مثل «الذئب الأبيض» ووضعه على طوابع البريد، ويعلق الشيخ على هذا السلوك الإحلالي بقوله: «إنَّما مَرْماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القُدَماء الذين قطعَ الإسلامُ انتسابَنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمَّة -بأيَّ صورة كانت- عن شعائرها الإسلاميَّة».

صناعة أبطال من ورق




تطرق الشيخ بنقد لاذع إلى الانتصارات العسكرية المزعومة التي اتخذها أتاتورك غطاءً تمريريًا لتنفيذ أجندته اللادينية، حيث صُور للعامة كبطل ومنقذ للإسلام (كحال صناعة الأبطال القوميين في التاريخ الحديث)، ويرى الشيخ أن هذا الفتح كان وبالًا على الدين؛ إذ منح العسكر الجرأة على افتراس مقدسات الأمة: ومن فرط ألمه على ضياع الدين مقابل هذا المجد الدنيوي الزائف.

ويطلق الشيخ صرخته المدوية التي تعكس عمق ولائه العقدي الذي يقدم فيه رابطة الدين على رابطة الدم والوطن: «لئن كانت أزميرُ شرَّ ذريعة وشرَّ قوة في أيدي الكماليِّين لِهَدم ما كان للدِّين من الحُكْم على الحكومة في تركيا، فلعنة الله على أزمير وعلى فَتْحها واستردادها».

يا حسرة على الخلافة التي فرطنا فيها!


يختتم صبري رسالته ببيان «نعمة الخلافة والأمة» التي تم التفريط فيها نتيجة الغفلة والجهل وسوء التقدير من المسلمين الذين ساروا خلف الطغاة والمفسدين، واصفًا انقيادهم الأعمى بقوله: «تراهم يومًا يلبسون الشَّرع الأنوَر بشرع الأنور، ويومًا يَخضعون لحكم مصطفى كمال، أكثر من خضوعهم لأحكام الربِّ المتعال».

ويضع الشيخ في الصفحات الأخيرة مقارنة إحصائية وحضارية مؤلمة بين ما كانت عليه الدولة العثمانية قبل تسلط الاتحاديين والكماليين وما آلت إليه بعدهم، مستنهضًا عقول القراء لإدراك حجم الخسارة: «فارْجِع البصَر إلى ما قبلها؛ كيف تجدها عند القياس بحالتها التي هي عليها اليوم من حيثُ فسحةُ المَمْلكة وضيقُها، وعَمارُها وخَرابُها.. ثم ارجِع البصر كرَّتين؛ حتَّى تهتدي إلى إدراك الفرق بين ما كانت عليه الدولة؛ أَعنِي: الدَّولة المعظَّمة الجامعة للسَّلطنة العثمانية والخلافة الكبرى الإسلاميَّة، مقترنة إحداهما بالأخرى.. وبين ما آلت إليه اليوم، وأعني به الدَّولة الصغيرة اللادينيَّة القوميَّة!».


لم يكن كتاب «النكير» مجرد سرد لتاريخ انقضى، بل هو صرخة ألم ونذير، وقراءة استشرافية دقيقة لآثار التغريب وفصل الدين عن واقع الحياة، تجعل منه مرجعًا دائم الخضرة لكل باحث عن أسباب النهوض والانتشال من وهدة السقوط.

الإرهاب المسكوت عنه!

 الإرهاب المسكوت عنه!مجازر الصليب


محمود حلمي القاعود



ثمةَ ظاهرةٌ لافتةٌ في الخطاب العلماني العربي المحارب للإسلام.. عندما يُذكر الدينُ والعنف، لا يتبادر إلى ذهن كثيرين منهم إلا الإسلام؛ كأنَّ التاريخَ البشريَّ كلَّه لم يشهد دماءً سُفكت باسم الصليب، ولا شعوبًا أُبيدت وهي تُشاهد فيالق صليبية تترية تحمل الإنجيل في يدٍ، والسيفَ في أخرى.
وهذه القراءة السريعة في التاريخ تؤكد على أن الإسلام يُجلُّ السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، ويؤمن برسالته ونبوته، ويجعل الإيمانَ به أصلًا من أصول العقيدة الإسلامية.. 
والمقصود هنا هو تفكيكُ الانتقائية التاريخية للعلمانيين العرب التي تُحمِّل الإسلام العظيم مسؤولية العنف الديني، بينما تتجاهل قرونًا طويلةً من الحروب والمجازر والاستعمار والإبادة التي رُفعت فيها الشعارات المسيحية، واستُخدمت فيها الكنيسةُ غطاءً للهيمنة السياسية والتوسع الإمبراطوري.
وإذا كان بعضُ العلمانيين العرب والإعلاميين يربطون أيَّ اضطرابٍ وقع في ظلِّ دولةٍ مسلمة بالإسلام نفسه، فمن الضروري أن نسأل أيضًا:
ماذا عن حرب تايبينج في الصين؟
وماذا عن محاكم التفتيش الإسبانية؟
وماذا عن مذابح القديس بارتليمي؟
وماذا عن حرب الثلاثين عامًا؟
وماذا عن الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني؟
وماذا عن إبادة السكان الأصليين في الأمريكتين باسم «التبشير»؟

إليكم أبرز نماذج الإرهاب الصليبي المرتبط بالمسيحية تاريخيًّا:
- حرب تايبينج في الصين بين عامَي 1850 و1864م خلَّفت ما بين 20 و30 مليون قتيل.
- حرب الثلاثين عامًا في أوروبا بين عامَي 1618 و1648م أودت بحياة ما بين 8 و12 مليون إنسان.
- محاكم التفتيش الإسبانية بين عامَي 1478 و1834م شهدت مئات الآلاف من الإعدامات الموثقة، فضلًا عن التعذيب المنهجي واسع النطاق.
- مذبحة القديس بارتليمي عام 1572م أوقعت ما بين 5 آلاف و30 ألف قتيل.
- مجازر الكونغو البلجيكية بين عامَي 1885 و1908م أدت إلى مقتل ما بين 5 و10 ملايين أفريقي.
- غزو الأمريكتين بالصليب والسيف أدى إلى انهيار ديموغرافي هائل قُدِّر بما بين 50 و100 مليون من السكان الأصليين.
- حرب الثمانين عامًا بين إسبانيا وهولندا أوقعت نحو 600 ألف قتيل.

أولًا: مملكة السلام السماوي.. 
المجزرة المنسية في الصين
في عام 1837م، أُصيب شابٌّ صيني يُدعى هونج شيو تشوان بأزمةٍ نفسيةٍ حادة عقب فشله المتكرر في امتحانات الخدمة المدنية الإمبراطورية. وفي أثناء اضطرابه النفسي، اطَّلع على كتيباتٍ تبشيرية بروتستانتية، فخرج بادعاءٍ صادم: 
أنه الابنُ الثاني لله، والأخُ الأصغر للمسيح عيسى عليه السلام، وأنه مُرسلٌ لتطهير الصين من «الشياطين» والديانات التقليدية.
أسَّس هونج حركةً دينية عُرفت باسم «مملكة السلام السماوي العظمى»، وجعلها مشروعًا ثوريًّا دينيًّا لإسقاط سلالة تشينج الحاكمة. 
وقد مزجت الحركة بين العقائد المسيحية المحرَّفة، والأفكار الألفية الثورية، والنزعة العسكرية التوسعية.
ولم تكن الحركة مجرد تمرُّدٍ سياسي، بل حربًا دينية ذات طابعٍ عقائدي واضح؛ إذ دمَّرت المعابد الكونفوشية والبوذية والطاوية، واعتبرت نفسها جيشًا إلهيًّا مكلَّفًا بالتطهير.
وقد وصف المؤرخ ستيفن بلات هذه الحرب بأنها «أكثر الحروب الأهلية تدميرًا في التاريخ، وأكثر صراعات القرن التاسع عشر دمويةً».
وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن عدد الضحايا تراوح بين 20 و30 مليون إنسان، وكانت الغالبية الساحقة من الضحايا من المدنيين.
ويؤكد المؤرخون أن هونج استلهم تصوره العقدي من الكتيبات البروتستانتية، وأن المبشر الأمريكي إسحاق روبرتس أسهم في تعليمه الديني.
ونقول: إذا كان بعضُ العلمانيين يربطون أفعال جماعاتٍ متطرفة بالإسلام مباشرةً، فلماذا لا يُربط هذا التمرُّد المسيحي الدموي بالمسيحية وفق المنهج نفسه؟ ولماذا يُقال هنا إن «الدين استُغل سياسيًّا»، بينما يُرفض هذا التفسير حين يتعلق الأمر بالإسلام؟
إنَّ وحدةَ المعيار هي أساسُ النزاهة الفكرية، وإلا تحولت الدراسات التاريخية إلى أداةٍ دعائية غوغائية.

ثانيًا: محاكم التفتيش.. 
حين كان الحرقُ فريضة
في عام 1478م، أصدر البابا سيكستوس الرابع مرسومًا بإنشاء محاكم التفتيش الإسبانية بطلبٍ من الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا، وكان الهدفُ المعلن حماية «نقاء العقيدة المسيحية».
لكنَّ التطبيق الواقعي للمحاكم كشف أنها جهازُ إرهابٍ دينيٍّ وسياسيٍّ ضخم، استهدف اليهود والمسلمين الذين أُجبروا على التنصُّر، ثم أصبح يشكُّ في صدق إيمانهم.
وتولى قيادة المحاكم توماس دي توركيمادا، الذي صار اسمه رمزًا عالميًّا للتعذيب الديني المؤسسي.
وقد وثَّق المؤرخ هنري تشارلز لي أساليب التعذيب الرسمية، ومنها: تمزيق المفاصل على الرف الخشبي، والتعليق من الذراعين خلف الظهر، والإغراق القسري بالماء، والحرق العلني في ساحات المدن وبقر بطون الحوامل.
وأكد المؤرخ هنري كامين أن محاكم التفتيش الإسبانية كانت أكثر مؤسسات القمع الديني تنظيمًا ورعايةً من الدولة في أوروبا الكاثوليكية.

الأندلس بين التعايش ومحرقة التفتيش

كانت الأندلس الإسلامية واحدةً من أعظم نماذج التعايش الحضاري في العصور الوسطى؛ إذ عاش المسلمون واليهود والمسيحيون في بيئةٍ علميةٍ وثقافيةٍ مزدهرة.
ويكفي أن اليهود الذين اضطهدتهم أوروبا المسيحية قرونًا وجدوا في الأندلس الإسلامية مظلة آمنة وحضنا دافئا، حتى وصف بعضُ المؤرخين تلك المرحلة بـ«العصر الذهبي لليهود».
لكن بعد سقوط غرناطة عام 1492م تبدلت الصورة جذريًّا.. صدر مرسوم الحمراء بطرد اليهود.. وفُرض التنصير القسري على المسلمين.. وبدأت محاكم التفتيش بملاحقة من يُصلِّي أو يصوم سرًّا.
وكانت التهمة أحيانًا هي الاغتسال، أو الامتناع عن أكل لحم الخنزير، أو التحدث بالعربية.
وقد وثَّق المؤرخ هنري تشارلز لي حرقَ مئات الأشخاص أحياءً بتهمة «الهرطقة».

طرد الموريسكيين.. التطهير الديني الكامل

بين عامَي 1609 و1614م جرى طردُ مئات الآلاف من الموريسكيين من إسبانيا، في واحدةٍ من أكبر عمليات التطهير السكاني في أوروبا الحديثة.
وقد مات الآلاف في أثناء التهجير، وصودرت أملاكهم، وفُصل الأطفال عن أسرهم لإعادة «تنشئتهم مسيحيًّا».
ويصف المؤرخ ل. ب. هارفي هذا الحدث بأنه أكبر عملية تهجير قسري شهدتها أوروبا في العصر الحديث المبكر.
وهذه الوقائع تُسقط الادعاء القائل إنَّ أوروبا الحديثة تأسست على «التسامح الديني» المزعوم؛ فالواقع أنَّ التسامح الأوروبي لم يبدأ إلا بعد قرونٍ من الدماء والحروب الطائفية.

ثالثًا: أوروبا تحترق بنار الصليب


في أغسطس 1572م تحولت باريس إلى ساحة قتل جماعي ضد البروتستانت الفرنسيين بعد قرارٍ ملكي مدعوم من البلاط الكاثوليكي.
امتدت المجازر من باريس إلى مدن فرنسا، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا.
وقد وصف المؤرخون مذبحة القديس بارتليمي بأنها واحدةٍ من أبشع حلقات العنف الديني في التاريخ الأوروبي.
ثم جاءت حرب الثلاثين عامًا، وهي من أكثر الحروب دمويةً في تاريخ أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، وكانت في جوهرها حربًا مذهبية بين الكاثوليك والبروتستانت.
دُمِّرت مدنٌ كاملة، وفقدت بعض المناطق الألمانية ثلث سكانها بسبب القتل والمجاعة والأوبئة.
كما شهدت حرب الثمانين عامًا بين إسبانيا الكاثوليكية والأقاليم الهولندية البروتستانتية مذابح جماعية واسعة، أبرزها «مذبحة أنتويرب»، حين قتل الجنود الإسبان آلاف المدنيين خلال أيام قليلة.
أما الصراع الإنجليزي الأيرلندي، فقد امتد قرونًا طويلة، وظلَّ البعدُ الديني عنصرًا رئيسًا في تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية، حتى أواخر القرن العشرين.
وهذا كله يثبت أنَّ العنف الطائفي ليس ظاهرةً «شرقية» مرتبطة بالإسلام العظيم، بل اخترعته أوروبا المسيحية نفسها بصورةٍ دامية.

رابعًا: الكونغو.. الصليب وقطع الأيدي

في عام 1885م حصل ملك بلجيكا الإرهابي ليوبولد الثاني على الكونغو ملكًا شخصيًّا له تحت شعار «تمدين أفريقيا» و«نشر المسيحية».. لكن الحقيقة كانت واحدةً من أبشع أنظمة الاستعباد الحديثة.
كانت القرى تُجبر على تسليم حصصٍ محددة من المطاط، ومن يعجز تُقطع يدُه أو يدُ أطفاله.. وقد وثقت الصورُ التاريخية أكوام الأيدي المبتورة، حتى تحولت القضية إلى فضيحة دولية.
ويؤكد المؤرخ آدم هوكشيلد أن ملايين الأفارقة قُتلوا أو شُوِّهوا أو استُعبدوا من أجل تعظيم أرباح المطاط والعاج.
وكانت بعثاتٌ تبشيرية حاضرةً في الكونغو، وبعضها أيَّد النظام أو صمت عن جرائمه.
والمفارقة الكبرى.. حين يقع عنفٌ في مجتمعٍ مسلم تُوجَّه التهمة فورًا إلى الدين، لكن حين يتعلق الأمر بالاستعمار الأوروبي المسيحي، يُفصل الدين عن الجريمة رغم وضوح الخطاب التبشيري المصاحب لها!

خامسًا: الأمريكتان.. إبادةٌ تحت راية الإنجيل

عندما غزا الإسبانُ العالم الجديد، حملوا معهم وثيقةً تُعرف باسم «الريكيريميينتو» 
(El Requerimiento)، تُقرأ على السكان الأصليين بلغةٍ لا يفهمونها، وتطالبهم بالخضوع للكنيسة والتاج الإسباني.. فإن رفضوا، أصبح قتلهم ومصادرة أراضيهم «مشروعًا» دينيًّا وقانونيًّا.
وقد وثَّق الراهب الكاثوليكي بارتولومي دي لاس كاساس مجازر مروعة، منها قتل الأطفال، والحرق الجماعي، وتمزيق الأجساد، وإطلاق الكلاب على المدنيين.
ويقدِّر المؤرخون أن عدد السكان الأصليين الذين هلكوا بين عامَي 1492 و1600م تراوح بين 50 و100 مليون إنسان، نتيجة الأوبئة والعنف والاستعباد والعمل القسري والتجويع.
ووصف المؤرخ ماسيمو ليفي باتشي هذه الكارثة بأنها «مأساة لا نظير لها في التاريخ الإنساني المدوَّن».
ولا يمكن اختزال هذه الكارثة في «الأوبئة» وحدها؛ إذ إنَّ العبودية والعمل القسري والإبادة الجماعية كانت عناصر أساسية في المأساة.

سادسًا: لماذا بقي الإسلام واندحرت المسيحية الاستعمارية؟

دخل الإسلام إلى غرب أفريقيا عبر التجارة والاندماج الثقافي والدعوة السلمية، بينما ارتبط دخول المسيحية الحديثة بالاستعمار العسكري الأوروبي.
وفي الصين بقيت مجتمعاتٌ مسلمة قوية حتى اليوم، بينما أدت حرب تايبينج إلى موجة رفضٍ شعبي واسعة للمسيحية.
وفي اليابان ظلَّ الوجود الإسلامي محدودًا بلا صدامات كبرى، بينما أدت التمردات المسيحية إلى حظر المسيحية قرابة مئتي عام.
ويلاحظ المؤرخ البريطاني Arnold J. Toynbee أنَّ الأديان التي دخلت المجتمعات عبر التبادل التجاري والثقافي كانت أقدر على البقاء من تلك التي ارتبطت بالهيمنة العسكرية والاستعمارية.
ولقد انتشر الإسلام في مناطقٍ واسعةٍ من آسيا وأفريقيا دون جيوشٍ إسلامية أصلًا، كما في إندونيسيا وماليزيا وشرق أفريقيا، عبر التجار والدعاة والطرق الصوفية.
بينما ارتبط انتشار المسيحية الحديثة في كثيرٍ من مناطق العالم بالمشروع الاستعماري الأوروبي، حتى إنَّ شعوبًا عديدة ربطت بين «التبشير» و«الاحتلال».

العلمانيون العرب وقراءة التاريخ بعينٍ واحدة:

إنَّ من أعظم من فضحوا هذه الجرائم الصليبية كانوا مسيحيين، مثل بارتولومي دي لاس كاساس، وروجر كيسمنت، وإدموند دي موريل.
وقد آثرتُ أن أستشهد بمؤرخين مسيحيين حتى تنتفي شبهة الانحياز التي يروجها العلمانيون العرب.
وإنْ كان وجودُ جماعاتٍ متطرفةٍ في التاريخ الإسلامي يُستخدم للطعن في الإسلام كله، فمن الإنصاف أن يقرأ العلمانيون العرب أيضًا صفحاتُ أوروبا المسيحية والاستعمار المسيحي بالمنهج نفسه.
أما إذا قالوا إنَّ هذه الجرائم تمثل توظيفًا سياسيًّا للدين، لا جوهرَ المسيحية نفسها، فإنَّ العدالة الفكرية تقتضي تطبيق المبدأ ذاته على الإسلام.
إنَّ المشكلة الحقيقية هي في عمالة الطابور الخامس الذي يهاجم الإسلام بالليل والنهار ويصطنع العمى عندما يتعلق الأمر بالإرهاب العابر للقارات الذي يقتل ملايين البشر حول العالم.

المراجع مع الاقتباسات الموثَّقة:

Stephen R. Platt
Autumn in the Heavenly Kingdom: China, the West, and the Epic Story of the Taiping Civil War

Vintage Books, 2012.
"The Taiping Rebellion was the most destructive civil war in history, and the deadliest conflict of the nineteenth century anywhere in the world."

الترجمة:
«كانت ثورة تايبينج أكثر الحروب الأهلية تدميرًا في التاريخ، وأكثر صراعات القرن التاسع عشر دمويةً في أي مكانٍ في العالم».

Henry Kamen
The Spanish Inquisition: A Historical Revision
Yale University Press, 1998.
"The Inquisition was not a unique Spanish institution. Similar inquisitorial processes existed throughout Catholic Europe, but nowhere did they take on the systematic, state-sponsored character they did in Spain."

الترجمة:
«لم تكن محاكم التفتيش مؤسسةً إسبانيةً فريدة؛ فقد وُجدت إجراءات مشابهة في أنحاء أوروبا الكاثوليكية، لكنّها لم تبلغ في أي مكانٍ ذلك الطابع المنهجي المدعوم من الدولة كما حدث في إسبانيا».

Henry Charles Lea
A History of the Inquisition of Spain
Macmillan, 1906–1907.
"In the Crown of Aragon alone, between 1484 and 1530, some 250 heretics were burned at the stake."

الترجمة:
«في تاج أراجون وحده، وبين عامَي 1484 و1530م، أُحرق نحو 250 شخصًا بتهمة الهرطقة».
L. P. Harvey
Muslims in Spain, 1500 to 1614
University of Chicago Press, 2005.
"The expulsion of the Moriscos was, in terms of the proportion of the population expelled, the largest forced migration in early modern European history."
الترجمة:
«كان طرد الموريسكيين، من حيث نسبة السكان المُهجَّرين، أكبر عملية تهجير قسري في تاريخ أوروبا الحديث المبكر».

N. M. Sutherland
The Massacre of St. Bartholomew and the European Conflict, 1559–1572

Macmillan, 1973.
"St. Bartholomew's Day massacre remains one of the most notorious episodes of religious violence in European history."

الترجمة:
«تظلُّ مذبحة القديس بارتليمي واحدةً من أشهر وقائع العنف الديني في التاريخ الأوروبي».
Peter H. Wilson
Europe's Tragedy: A New History of the Thirty Years War
Allen Lane, 2009.
"The Thirty Years' War was the most destructive conflict in European history before the twentieth century."

الترجمة:
«كانت حرب الثلاثين عامًا أكثر الصراعات تدميرًا في التاريخ الأوروبي قبل القرن العشرين».

Adam Hochschild
King Leopold's Ghost: A Story of Greed, Terror, and Heroism in Colonial Africa
Houghton Mifflin, 1998.
"Leopold's agents killed, mutilated and enslaved the people of the Congo to maximize rubber production."

الترجمة:
«قام عملاء ليوبولد بقتل وتشويه واستعباد شعب الكونغو من أجل تعظيم إنتاج المطاط».
Bartolomé de Las Casas
A Short Account of the Destruction of the Indies
Penguin Classics, 1992.
"The Spaniards with their horses, their spears and lances, began to commit murders and strange cruelties."

الترجمة:
«بدأ الإسبان بخيولهم ورماحهم وحرابهم يرتكبون مذابح وأعمالًا وحشية غريبة».
"They tore children from their mothers' breasts, grabbing them by the legs and smashing their heads against the rocks."

الترجمة:
«كانوا ينتزعون الأطفال من أحضان أمهاتهم، ويمسكونهم من أرجلهم ثم يهشمون رؤوسهم على الصخور».

Massimo Livi-Bacci
Conquest: The Destruction of the American Indios
Polity Press, 2008.
"By 1600, native populations in many areas had declined by 90 percent... a catastrophe without parallel in recorded human history."

الترجمة:
«بحلول عام 1600م، كانت أعداد السكان الأصليين قد انخفضت في كثيرٍ من المناطق بنسبة 90%.. في كارثةٍ لا مثيل لها في التاريخ الإنساني المدوَّن».
Roger Casement
The Casement Report (Report on the Congo)
British Parliamentary Papers, 1904.
"The native population has been ruthlessly reduced under the system of forced labor."

الترجمة:
«لقد جرى تقليص السكان الأصليين بوحشية تحت نظام العمل القسري».
Brian Stanley
The Bible and the Flag: Protestant Missions and British Imperialism
Apollos, 1990.

"Missionary expansion often moved alongside imperial expansion."
الترجمة:
«كثيرًا ما كان التوسع التبشيري يسير جنبًا إلى جنب مع التوسع الإمبراطوري.»
Arnold J.
Toynbee
A Study of History
Oxford University Press, 1934–1961.
"Civilizations are not murdered. They take their own lives."

الترجمة:
«الحضارات لا تُقتل؛ بل تنتحر بنفسها». 

الأربعاء، 3 يونيو 2026

سوريا بعد لبنان!

سوريا بعد لبنان!

عامر عبد المنعم
·
سوريا بعد لبنان!
أنقذ الرئيس الأمريكي ترامب الإسرائيليين من قصف إيراني مدمر إذا أقدم نتنياهو على تنفيذ تهديده بضرب بيروت.
لم يعد خافيا أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في استئناف القتال ضد طهران؛ فلا أهداف جديدة يمكن تدميرها لتغيير الميزان العسكري بما يجبر النظام الإيراني على الاستسلام والرضوخ لشروط ترامب ونتنياهو، ولم ينجح الحصار البحري في منع السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.
استمرار الوضع الحالي "اللاسلم واللاحرب" في صالح الإيرانيين، ولهذا يطلق الرئيس الأمريكي يوميا التصريحات الوردية عن الاقتراب من الاتفاق، لتهدئة الأسواق وكبح أسعار النفط والغاز، وتكشف المسودات التي تتناقلها وسائل الإعلام تأجيل النقاط الخلافية وفي مقدمتها البرنامج النووي إلى وقت آخر، مع الإبقاء على التهديد الأمريكي العلني بمنع الإيرانيين من الاحتفاظ بمنشآتهم النووية.
الحقيقة الواضحة، هي أن الحرب مع إيران لن تتوقف حتى يضمن الإسرائيليون تفكيك البرنامج النووي، وهذا لم يعد ممكنا بالعمل العسكري، لذا سيعملون على إسقاط النظام الحالي بالحصار والضغط الاقتصادي، أو التحريض على الانقسام الداخلي واستمالة طبقة من السياسيين، والمراهنة على الخلافات التي تتولد من استمرار التطويق الضغط السياسي والاقتصادي.
لحين حدوث الانشقاقات "المتخيلة" - أو المستهدفة- وفتح قنوات تعاون مع عناصر في رأس السلطة، فإن الإسرائيليين بموافقة ترامب يعملون على التوغل في لبنان وسوريا، للسيطرة على الطوق الشمالي الوارد في خريطة الحركة الصهيونية المقدمة لمؤتمر الصلح بباريس عام 1919، وهي نواة مكبرة لـ "إسرائيل الكبرى" بمعناها التوراتي والصهيوني.
لقد قطع الاحتلال الإسرائيلي شوطا كبيرا في جنوب لبنان وجزئيا في جنوب سوريا، ففي لبنان يستخدم ذات الأسلوب "الإبادي" - ويمكن القول الحضارى- بمسح العمران وتدمير القرى والمدن لتهجير السكان، وتخطي نهر الليطاني ومواصلة التدمير والتغول شمالا.
ولأن المقاومة اللبنانية التي تمتلك المسيرات الفعالة والصواريخ توقع الكثير من الخسائر اليومية التي يصعب تحملها؛ فالاحتلال غير قادر على مواصلة التوسع وتنفيذ حلم تغيير الخريطة بالقوة؛ لهذا كان التفكير الجنوني في التخطيط لضرب جنوب العاصمة اللبنانية والقفز إلى الأمام، لكن التهديد الذي أصدره الحرس الثوري بضرب الداخل الإسرائيلي والتلويح بإغلاق هرمز وباب المندب دفع ترامب للتدخل والتراجع، وهذا في حد ذاته يوضح حدود القوة الإسرائيلية والأمريكية المتآكلة، وأن تحولات عسكرية جديدة لا يمكن تجاهلها تعيد رسم الواقع الميداني.
الخطر الآن متعلق بسوريا رغم كل ما يصدر من تصريحات ودية من الرئيس الأمريكي عن المصالح الأمريكية، فهي جبهة شبه مجمدة في الوقت الحالي، ويوم تتوقف الحرب في لبنان أو تهدأ؛ فالساحة المتوقعة هي الجنوب السوري الغربي، والمقدمات تشير إلى النهايات، فالإصرار الإسرائيلي على عدم الاكتفاء بالجولان ثم احتلال جبل الشيخ والتوغل في القنيطرة وحتى غرب درعا يؤكد أن المعركة القادمة بعد لبنان، هي إخضاع دمشق. والأغلب أن يجرى تثبيت الاحتلال مع مواصلة الألاعيب الدبلوماسية والدعائية، مع العمل على منع تركيا من التقدم بوجودها العسكرى إلى وسط سوريا.
إذا كسب ترامب معركة التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر ستتواصل الحروب الإسرائيلية، حتى لو غادر نتنياهو وجاءت حكومة جديدة، فكل الأحزاب الإسرائيلية تتشابه في أفكارها وبرامجها، وهي نسخة لا تختلف كثيرا عن بن غفير وسموترتش، أما إن حدث تغيير في واشنطن فربما تتغيير الصورة بعض الشيء لالتقاط الأنفاس.
عامر عبد المنعم

أعمدة الاستشفاء.. الوصفة القرآنية لاستعادة المناعة

أعمدة الاستشفاء.. الوصفة القرآنية لاستعادة المناعة



إن أزمة الأمة الحقيقية لا تتوقف عند حدود الأعراض الخارجية؛ كالفساد، أو الظلم، أو الجوار غير المتواد، أو الرحم المقطوعة، أو تاجر يروج لبضاعة فاسدة، فكل هذه ليست سوى أعراضٍ لمرض أعمق وهو «غلبة الهوى»، هذا المرض يضرب في عمق أبنية الجماعة، بدءاً من الأسرة والحي، وصولاً إلى المؤسسات الخدمية والسيادية، فيعطلها جميعاً عن أداء وظيفتها الاستخلافية.

إن سيطرة هذا الهوى تُدخل الأمة في حالة تشبه «العوز المناعي الحضاري المكتسب»، ومن أبرز مظاهر هذا الهوى غفلة القلب والعقل؛ وكما يُقال «حُبّكَ الشّيءَ يُعْمي ويُصِمّ»، هذا الانقياد للأهواء -سواء كان حباً مفرطاً لشيء أو بغضاً أعمى له- يُنتج عمىً إستراتيجياً يُفقد المجتمع قدرته على إدراك الخلل الحقيقي وتمييز العدو الأصلي.

وهكذا يندفع الإنسان، مدفوعاً بغضبٍ انفعالي، أو رغبةٍ في الانتقام، أو لهاثاً خلف مصلحة فردية، أو حزبية، أو فئوية، أو قبلية، تأتي على حساب الحق والإنصاف، ليُضحي بمصالح عليا غفل عن قيمتها، هكذا تُهدر الأخوة، ويُباع تماسك الصف من أجل مكاسب موهومة أو نزوات عابرة.

وفي مواجهة هذا الانحراف، يضع القرآن الكريم سداً منيعاً أمام كل أشكال الانحياز، ليؤسس للعدل المطلق المتجرد من أي انتماء، حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: 135)، بل إن القرآن يُنبه إلى نوع خفي ودقيق من الهوى؛ وهو هوى يتغلف بالرحمة، حيث قد يميل الإنسان عن الحق بدافع الشفقة الكاذبة أو الخوف، فيحسم القرآن ذلك بقوله في تتمة الآية: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا) (النساء: 135)، فلا يجوز محاباة الغني لغناه أو طمعاً فيه، كما لا يجوز خرق ميزان العدل والتجاوز عن الحق تعاطفاً مع الفقير لفقره؛ فالقاعدة الإسلامية الصارمة هي: طَبِّق العدل أولاً، ثم ساعد الفقير والمحتاج من أبواب الزكاة والصدقة والتكافل.

ولأن الهوى مرض متمدد يحتاج إلى مقاومة مستمرة، فقد تعمقت الأزمة وتضاعف خطرها بتغييب النخب الفاعلة وتعطيل فريضة التدافع، فهؤلاء هم بمثابة الكريات البيضاء في جسد الأمة، الذين أُوكل إليهم مهمة تصحيح الوعي، وتنبيه الغافل، وحراسة الميزان من الميل، فإذا تم تغييبهم وتكميم أدوارهم، استفحل الهوى، وطفا الزبد على السطح، وتُركت الساحة للفساد ليعبث بغير رقيب، لينطبق على الباطل حينها قول الشاعر:

خَلا لَكِ الجَوُّ فَبِيضي وَاصْفِري   

                    وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي

ورغم قسوة هذا التشخيص، يظل الأمل في الشفاء قائماً بقوة؛ إذ يكمن المفتاح في الوصفة القرآنية التي تقدم لنا مفاتيح الحل والتمكين الحضاري حين نقرأ القرآن ككتاب هداية ومنهج حياة، لا لمجرد التبرك بتلاوته -على ما فيها من أجر وبركة- إدراكاً بأن بركة العمل به وتطبيقه أنفع وأكمل، لتتحول توجيهاته إلى إجراءات تمكينية فاعلة.

إن استعادة مناعتنا الحضارية ليست حلماً طوباوياً، بل هي عملية منهجية جادة تبدأ من إصلاح الداخل، وصولاً إلى استحقاق الوعد الرباني العظيم: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) (النور: 55)، ليكون هذا الاستخلاف ثمرة طبيعية لمسيرة الاستشفاء والعمل.

الوصفة العلاجية الكبرى.. شروط الاستخلاف

لقد ربط القرآن الكريم الوعد بالتمكين والتحول من الخوف إلى الأمن مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: 55)، بتحقق شروط واضحة، هذا الربط يؤكد أن السيادة الحضارية لا تُمنح اعتباطاً، بل تُكتسب عبر أربعة أعمدة للاستشفاء تضمن استعادة قوة التمييز:

العمود الأول: الإيمان بوعد الاستخلاف (ثقة الانطلاق):

الأساس في هذا العمود هو إعادة بناء بصيرة الفؤاد، والإيمان هنا يتجاوز مجرد المعرفة النظرية بوجود الله ووحدانيته، ليصل إلى اليقين التام بأن التدبير كله بأمره سبحانه.

1- حتمية العواقب: لا بقاء للبعيد عن ربه؛ فقاطع الرحم يُقطع، والظالم يُعاقب وتُهدم أركانه ولو لم يبد لنا ذلك فوراً، والتاجر الفاسد يفقد الثقة حتماً وينبذه المجتمع.

2- الانطلاق بثقة: عندما يلتزم الفرد بأوامر ربه في علاقاته، وتجارته، ومهنته، فإنه ينطلق في الحياة بثقة مطلقة وحسن ظن بالله تعالى، موقناً بأن العاقبة للمتقين وأن الانهزام النفسي لا مكان له.

العمود الثاني: العمل الصالح.. سر التمكين وعمارة الأرض:

الإيمان وحده -دون فاعلية- لا يكفي، بل يجب ترجمته إلى عمل صالح مؤسسي، هذا العمل هو السر الحقيقي وراء التمكين، فسُنن الله تقضي بأن الوراثة لمن صلح عمله.

1- الصلاح في ميادين الحياة: يتجلى العمل الصالح في إتقان تربية الأولاد، والصدق في التجارة، والأمانة والإخلاص في التعامل مع المراجعين وخدمة الناس.

2- مفهوم الاستخلاف: الاستخلاف يعني عمارة الأرض بحسب مراد الله ومنهجه، وهذا التطبيق العملي هو ما يجلب الوفرة في المال، والاستقرار في الأمن، ويضمن استدامة التمكين وقوته.

العمود الثالث: التوحيد الصافي (الأنظمة والحوكمة):

(يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور: 55)؛ هذا العمود هو جوهر المناعة السيادية، الأمة السليمة هي التي تصفي مرجعيتها من كل شرك، ودوام الاستخلاف يتطلب مأسسة هذا التوحيد لحماية المجتمع.

1- الأنظمة التربوية: تبرز هنا الأهمية القصوى لبناء أنظمة تربوية صلبة تحفظ أخلاق الجيل، وتغرس فيهم قيم التوحيد، وتحميهم من التبعية المعرفية.

2- الأنظمة الرقابية (الحوكمة الصحية): لضمان بقاء الاستخلاف، لا بد من إيجاد أنظمة رقابية صارمة تضمن الحوكمة الصحية، وتُحاصر الفساد، وتمنع نمو الجراثيم الانتهازية في جسد الأمة.

العمود الرابع: إقامة الدين وحراسة المكتسبات (الجدار الدفاعي):

(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ) (النور: 55)؛ التمكين الحقيقي يمثل غاية الاستشفاء، ويأتي عبر إرساء الدين كواقع اجتماعي حاكم وموجّه.

1- المساءلة المجتمعية: تفعيل فريضة التدافع والرقابة (وهو ما يُعيد الاعتبار للنخب أو الخلايا التائية القائدة (CD4) التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة، التي يسعى الفيروس لاختراقها وتزوير وعيها عبر آلية النسخ العكس)، بحيث يُرسي المجتمع ميزان العدل، ويدرك الفاسد أن قوة القانون والقيم الصارمة تقف له بالمرصاد كرادعٍ حازم لا يُبقي مجالاً للتجاوز.

2- استئناف الفاعلية (صناعة البدائل): لا يكفي تشخيص الخلل أو التذمر منه، بل يجب الانتقال الدائم من حالة الاستسلام والرضا بدور المتلقي السلبي أو البقاء في خانة ردود الفعل، إلى مربع التدافع الإيجابي المبادِر، ويتجلى ذلك عملياً في ميدانين حاسمين:

الأول: ميدان المعرفة: عبر التحول من مجرد الاستهلاك إلى الإنتاج المعرفي، وتوطين التكنولوجيا، وتحصين العقل الجمعي من الاختراق والغزو الثقافي.

الثاني: ميدان التحالفات السياسية: عبر بناء شراكات إستراتيجية واعية تقوي شوكة الأمة، وتضمن استقلال قرارها، وتمنع فرض إرادة الآخرين أو التدخل في شؤونها السيادية.

إن هذا البناء الذاتي، والتحرر المعرفي والاقتصادي والسياسي، هو الجدار الدفاعي الفعلي الذي يضمن عدم تآكل مكتسبات الأمة من الداخل، ويحفظ لها مكانتها الفاعلة.

والاقتصاد المستقل عبر السعي الجاد لبناء اكتفاء ذاتي، ودعم الإنتاج المحلي، وتحرير الأمة من قيود التبعية الاقتصادية وابتزاز الاحتياجات الأساسية.

إن مفتاح التحول الحضاري يكمن في القانون الإلهي: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، فالأمة السليمة لا تنتظر العلاج من خارجها، بل تبني يقينها، وتُصلح عملها، وتُحكم أنظمتها التربوية والرقابية لتكون أهلاً لوعد الله بالاستخلاف والتمكين.