الخميس، 13 أغسطس 2026

السفينة تغرق.. والجرذان تفر ترامب يواجه التآكل من الداخل قبل الخارج

السفينة تغرق.. والجرذان تفر 

ترامب يواجه التآكل من الداخل قبل الخارج 


مكاوي الملك




حين تتحول أزمات الحرب والاقتصاد والجيش والسياسة إلى أزمة واحدة.. 
يبدأ السؤال الحقيقي: 
هل ما زال البيت الأبيض قادراً على إدارة العاصفة؟
ما يحدث الآن يتجاوز مجرد تراجع عسكري أو أزمة سياسية عابرة…
نحن أمام تراكم ضغوط بدأ يضرب أكثر من ركيزة في الوقت نفسه: 
حرب طويلة، استنزاف عملياتي، ضغوط اقتصادية، توتر داخل المؤسسة العسكرية، إعادة تموضع سياسي، وأسئلة متزايدة حول قدرة إدارة ترامب على المحافظة على تماسك منظومتها الداخلية..
وفي لحظة كهذه، لا تعود المشكلة في صاروخ يصل إلى قاعدة، أو ناقلة تتعرض للهجوم، أو تصريح يخرج من البيت الأبيض.

المشكلة تصبح أكبر:
هل ما زالت القيادة قادرة على التحكم في كل هذه الأزمات في وقت واحد؟
وهنا تحديداً تبدأ قصة السفينة..
التفكيك: ماذا نرى فعلاً؟
الحقيقة الأكثر دلالة أن كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض وأحد أبرز الأصوات المدافعة عن ترامب، أعلنت مغادرتها منصبها في نهاية أغسطس، مع تأكيدها أن القرار مرتبط بعائلتها، بينما أعلن ترامب أنها ستواصل العمل مستشارة خارجية لحركته السياسية..
قد يكون السبب المعلن شخصياً وعائلياً، وهذا يجب احترامه!
لكن سياسياً، توقيت خروج أحد أبرز وجوه الإدارة يظل حدثاً مهماً، خصوصاً في لحظة تتراكم فيها الضغوط على البيت الأبيض…

ومن هنا تبدأ الصورة الأوسع:
كارولين ليفيت تغادر منصبها بعد أن كانت من أبرز الوجوه الإعلامية في إدارة ترامب، وهو خروج سيُقرأ سياسياً مهما كان سببه المعلن..

البحارة على USS Abraham Lincoln يواجهون أزمة نفسية خطيرة، مع تقارير عن محاولات انتحار ومحاولات قفز إلى البحر، بعد أكثر من 250 يوماً من الانتشار المتواصل تقريباً، وسط شكاوى من الإرهاق وظروف المعيشة وضعف التواصل مع العائلات..
الانتشار العسكري يتحول إلى اختبار للقدرة على التحمل، خصوصاً عندما تتحول المهمة المؤقتة إلى انتشار طويل تحت ضغط عملياتي مستمر…
القواعد والسفارات والتحركات الأمنية في المنطقة أصبحت جزءاً من إدارة المخاطر، في بيئة إقليمية شديدة الاشتعال..
الاقتصاد الأمريكي يتحمل كلفة متزايدة من الحرب والطاقة والإنفاق والدين، وهي ضغوط تحتاج إلى قراءة دقيقة بعيداً عن المبالغات الرقمية غير الموثقة..
الجبهة السياسية الداخلية تزداد اضطراباً، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وارتفاع حساسية الرأي العام تجاه أداء الإدارة والحرب والاقتصاد..
الدعوى القضائية المتعلقة بخدمة الوصول المدفوع إلى منشورات ترامب السياسية تفتح بدورها سؤالاً سياسياً وأخلاقياً حول العلاقة بين الرئاسة والإعلام التجاري، وهي دعوى تستهدف Trump Media وترامب ودانيال سكافينو وناتالي هارب..
ميتش ماكونيل غائب عن مجلس الشيوخ منذ يونيو بعد سقوطه ودخوله المستشفى ثم انتقاله إلى مركز تأهيل، وهو غياب سياسي لافت لشخصية جمهورية بارزة، لكن لا توجد أرضية موثوقة للقول إن الحزب يخفي حالته الصحية عمداً خوفاً من خسارة مقعده..
وهنا تصبح الصورة أهم من كل حادثة منفردة..
الإشارة الأكثر إيلاماً
ترامب يقول إن الولايات المتحدة تملك القدرة على التحكم في مضيق هرمز..!
لكن في الوقت نفسه، تواجه قواته حرب استنزاف طويلة، وضغوطاً على الانتشار، وأزمة معنويات داخل إحدى حاملات الطائرات، وتكاليف متصاعدة، وأسئلة سياسية وقضائية وإعلامية متراكمة..
وهذه هي المفارقة التي تستحق التوقف:
القوة العظمى قد تمتلك القدرة على الضرب، لكنها تحتاج شيئاً أصعب: القدرة على الاستمرار..
وهنا تنتقل المعركة من ساحة الصواريخ إلى ساحة التحمل..
الربط: أين نقطة التحول؟
في مقالاتي السابقة..تحدثت عن:
انهيار الهيبة، واستنزاف الذخائر، وحرب الزمن، وتآكل المظلة، وإعادة رسم قواعد هرمز..
اليوم تظهر طبقة جديدة من المشهد:
الأزمة الخارجية بدأت تضغط على الداخل..
التحول الجذري:
· من (إيران ستنهار) إلى سؤال: هل تستطيع واشنطن تحمل حرب طويلة؟؟
· من (الحلفاء يتبعوننا) إلى مرحلة يبدأ فيها كل حليف بإعادة حساب مستوى اعتماده على واشنطن..!
· من (النصر قريب) إلى سؤال اليوم التالي: كيف تنتهي الحرب وبأي كلفة؟؟؟
· من الولاء المطلق إلى اختبار ولاء النخبة السياسية والإدارية عندما ترتفع الكلفة..
وهنا لا تكمن الخطورة في استقالة شخص واحد..
الخطورة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المغادرة الفردية إلى إشارة على أن تكلفة البقاء داخل المنظومة أصبحت أعلى من فوائد البقاء فيها…
التفسير: لماذا يتسارع الضغط؟
لأن ترامب يواجه أربع حقائق استراتيجية صعبة:
1/ الولاء السياسي له حدود
خروج كارولين ليفيت لا يثبت وحده وجود (موجة هروب)
لكن خروج شخصية بهذا الوزن في توقيت حساس يذكّر بحقيقة سياسية قديمة:
الموظفون يستطيعون تحمل الأزمات عندما يعتقدون أن النهاية تحت السيطرة؛ وعندما يصبح المستقبل غامضاً، تبدأ إعادة التموضع..
ولهذا فإن السؤال ليس: من غادر؟
بل:من سيغادر بعده؟
2/ الجيش لا يمكنه إدارة حرب مفتوحة بلا نهاية
أزمة USS Abraham Lincoln ليست دليلاً على انهيار البحرية الأمريكية..
وهذا مهم…
لكنها جرس إنذار حقيقي بشأن تكلفة الانتشار الطويل على القوة البشرية…
أكثر من 250 يوماً في البحر، ضغوط عملياتية متواصلة، شكاوى أسرية، ومؤشرات على أزمة نفسية داخل الطاقم؛ كلها تقول إن الحرب الطويلة لها فاتورة لا تظهر في بيانات الصواريخ والطائرات فقط. ..
وهنا تظهر القاعدة:
السلاح يمكن إنتاجه وتعويضه؛ أما القوة البشرية المنهكة فلا يمكن إعادة إنتاجها بالسرعة نفسها…
3/ الاقتصاد لا يعيش بمعزل عن الحرب
كلما طالت المواجهة، تتحول الطاقة والشحن والتأمين والإنفاق العسكري والدين إلى أجزاء من المعركة نفسها..
وهذا لا يعني أن الاقتصاد الأمريكي (انهار)
لكنه يعني أن هامش المناورة الاقتصادية يصبح أحد المتغيرات التي تحدد المدة التي تستطيع واشنطن خلالها مواصلة الضغط..
وهنا تعود أهمية هرمز..
لأن المضيق ليس مجرد ممر بحري..إنه نقطة تلتقي فيها:
الطاقة + التأمين + الأسواق + التحالفات + السياسة الداخلية
5/ الناخب لا يصوّت على الخطاب وحده
إذا ارتفعت كلفة الحرب، وارتفعت كلفة المعيشة، واستمرت حالة الاستقطاب، فإن الناخب يبدأ في تقييم السؤال الأكثر قسوة:
ماذا حصلت عليه مقابل كل هذه الكلفة؟
وهنا تتحول الحرب من ملف خارجي إلى قضية انتخابية..
وإذا بدأ الناخب الجمهوري نفسه في إعادة تقييم القيادة، فإن الخطر على ترامب يصبح أكبر بكثير من معارضة الديمقراطيين..
لأن الرئيس يستطيع مواجهة خصومه…
لكن مواجهة التعب داخل قاعدته السياسية أصعب بكثير..
ما لا يُقال: الحقيقة الأعمق
المشهد الحالي لا يثبت أن (كل شيء انهار)
لكن الأخطر أنه يكشف شيئاً أكثر تعقيداً:
النظام أصبح يعمل تحت ضغط متزامن من عدة جبهات..
كارولين ليفيت تغادر منصبها ، حتى مع بقاء السبب المعلن عائلياً واستمرارها مستشارة خارجية!!
البحارة يعانون من أزمة نفسية حقيقية في انتشار استثنائي الطول..
الدعوى القضائية حول الوصول المدفوع إلى منشورات ترامب تفتح جبهة جديدة حول العلاقة بين السلطة والإعلام والمال..
وغياب ماكونيل الطويل يضيف إلى المشهد السياسي الأمريكي حالة أخرى من عدم اليقين، وإن كان مرتبطاً بتعافيه الصحي بعد سقوطه وليس دليلاً على مؤامرة لإخفاء وضعه..
وفي الخارج، تستمر الحرب في الضغط على:
القواعد، والأساطيل، والطاقة، والتحالفات، والأسواق..
وهنا تظهر الحقيقة الأعمق:المشكلة التي تواجه ترامب ليست أن خصماً واحداً أقوى منه؛ المشكلة أن عدة أزمات بدأت تعمل في الوقت نفسه..
وهذا النوع من الأزمات هو الأخطر على أي قيادة…
الاستنتاج: إلى أين يتجه المشهد؟
ترامب لا يواجه اليوم سؤالاً بسيطاً من نوع:
الحرب أم السلام؟
السؤال الحقيقي أصبح:
كيف يحافظ على تماسك الداخل بينما تستمر كلفة الخارج في الارتفاع؟
وهنا يمكن تصور ثلاثة مسارات:
1/ إعادة ضبط استراتيجية
خفض التصعيد، فتح قنوات تفاوض، إعادة توزيع القوات، وبيع أي تسوية للرأي العام باعتبارها انتصاراً سياسياً..
2/ استمرار الحرب مع إدارة الكلفة
وهذا يعني استمرار الضغط على إيران مع محاولة احتواء تداعيات الطاقة والأسواق والقواعد والقوة البشرية..
3/ توسع الأزمة
وهو السيناريو الأخطر:
تصعيد خارجي أكبر + أزمة اقتصادية + تآكل سياسي داخلي + ضغط على المؤسسة العسكرية..!
عندها تتحول الأزمة من أزمة حرب إلى أزمة حكم..
وهذه نقطة فاصلة…
الخلاصة القاتلة..ما نراه اليوم لا يكفي وحده للقول إن (أمريكا انهارت)وهذا تحديداً ما يجعل القراءة الاستراتيجية أكثر أهمية..
أمريكا ما زالت قوة عسكرية واقتصادية هائلة..
لكن القوة العظمى لا تُختبر فقط عندما تستطيع إطلاق النار..
تُختبر عندما تستطيع تحمل تكلفة إطلاق النار، والحفاظ على قواتها، وإقناع حلفائها، واحتواء اقتصادها، والحفاظ على تماسك جمهورها، ثم الخروج من الحرب دون أن تصبح الحرب هي التي تحدد مستقبلها…
وهنا تبدأ المعادلة الأكثر خطورة بالنسبة لترامب:
إذا أصبحت الحرب أطول من قدرة السياسة على تحملها، وإذا أصبح الاستنزاف أسرع من قدرة المؤسسة على تعويضه، وإذا بدأت الأزمات الخارجية تنتقل إلى الداخل، فإن المشكلة لم تعد في قوة الخصم وحدها..
المشكلة تصبح في قدرة القيادة على إبقاء السفينة متماسكة أثناء العاصفة..
كارولين ليفيت تغادر منصبها…البحارة يصرخون من الإرهاق…القوات تُستنزف في انتشار طويل…الاقتصاد يتحمل كلفة متزايدة…القضايا السياسية والقانونية تتكاثر…والحرب في الشرق الأوسط لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة..
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يستطيع ترامب مواصلة الحرب؟
بل:هل يستطيع ترامب إدارة اليوم التالي للحرب قبل أن تبدأ الحرب نفسها في إدارة مستقبله؟
لأن التاريخ لا يسقط القوى الكبرى دائماً بضربة واحدة..
أحياناً يبدأ السقوط عندما تصبح كل أزمة صغيرة قادرة على فتح أزمة أكبر منها..
وهنا تحديداً…لا تبدأ السفينة بالغرق عندما يدخلها الماء..
تبدأ بالغرق عندما تفقد القيادة القدرة على إيقافه
مكاوي الملك | Makkawi Elmalik

انهيار المظلة

 عاجل

انهيار المظلة

مكاوي الملك


أمريكا تُستنزف.. إيران تضغط.. والصين تبدأ بملء الفراغ
حين تتحول القوة العسكرية من مصدر للردع إلى معركة على المخزون والزمن والتحالفات… تبدأ ملامح النظام الجديد بالظهور…
ما يحدث اليوم يتجاوز كل ما سبقه من مؤشرات التصعيد..
المشهد لم يعد مجرد حرب بين أمريكا وإيران، ولا مجرد صراع على مضيق هرمز..
نحن أمام اختبار أوسع للقوة الأمريكية نفسها:
هل تستطيع واشنطن الحفاظ على التفوق العسكري، وحماية قواتها، وتأمين حلفائها، وضمان تدفق الطاقة، وإدارة عدة جبهات في الوقت نفسه؟
هنا تبدأ الصورة الأكثر خطورة…
أمريكا لا تزال تملك أقوى قوة عسكرية في العالم..
لكن الحرب بدأت تكشف شيئاً مختلفاً:
القوة الهائلة يمكن أن تتحول إلى عبء عندما يصبح استهلاكها أسرع من قدرة النظام على تعويضها
التفكيك | ماذا نرى فعلاً؟
الحقيقة الصارخة أن الحرب بدأت تضغط على عناصر القوة الأمريكية واحداً بعد الآخر..
الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي هبط إلى نحو 298.7 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1983، بعد سحب ملايين البراميل خلال الأزمة. وفي الوقت نفسه ارتفع برنت إلى قرابة 88 دولاراً مع تصاعد الشكوك حول استقرار الملاحة في هرمز..
وفي الجانب العسكري، ظهرت مؤشرات أكثر حساسية…
تقارير وتحليلات أمريكية أشارت إلى استهلاك ضخم من صواريخ الدفاع الجوي، مع تقديرات بأن مخزون THAAD انخفض بنحو 80% تقريباً، فيما استُهلكت نسبة كبيرة من صواريخ Patriot أيضاً. كما تحدثت تقديرات CSIS عن استنزاف كبير في مخزونات الصواريخ بعيدة المدى..
وهنا يجب الانتباه:
القضية ليست أن أمريكا فقدت قدرتها العسكرية..
القضية أن الحرب كشفت تكلفة المحافظة على هذه القدرة عندما تصبح المواجهة طويلة ومكلفة..
فالصاروخ الاعتراضي الذي يُطلق خلال ثوانٍ قد تبلغ كلفته ملايين الدولارات، بينما يستطيع الخصم إنتاج وسائل هجومية أرخص بكثير..
وهذه هي معادلة الاستنزاف التي بدأت تظهر بوضوح…
أزمة أخرى أخطر من الأرقام | المعنويات
خلال الساعات الأخيرة ظهرت تقارير مقلقة عن حاملة الطائرات الأمريكية USS Abraham Lincoln، التي أمضت أكثر من 250 يوماً في البحر ضمن انتشار استثنائي..
تقارير نقلت عن عائلات أفراد الطاقم ووسائل إعلام عسكرية وقوع محاولات انتحار ومحاولات قفز إلى البحر، وسط شكاوى من طول الانتشار، ضعف الخدمات، قلة الإجازات، والإرهاق النفسي..
هذه النقطة لا تعني أن الجيش الأمريكي انهار..
لكنها تكشف شيئاً مهماً:
الحرب الطويلة بدأت تنتقل من مخازن السلاح إلى الإنسان الذي يحمل السلاح..
وهذه أخطر مراحل الاستنزاف..
لأن الصاروخ يمكن إنتاجه من جديد..
أما الإنسان المنهك، فاستعادته تحتاج وقتاً وثقة وقيادة..
الربط | أين نقطة التحول؟
في مقالاتي السابقة ، كنت أرسم صورة لصراع محسوب:
الضربة، ثم الردع، ثم هرمز، ثم الطاقة، ثم حرب الزمن..
اليوم بدأت هذه الخيوط تلتقي في صورة واحدة..
التحول الجذري:
· من التركيز على السيطرة العسكرية إلى إدارة تكلفة السيطرة
· من الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية إلى بناء بدائل إقليمية
· من تحالفات تتحرك خلف واشنطن إلى دول تعيد بناء حساباتها الأمنية بنفسها
· ومن النظام المالي المتمحور حول الدولار إلى توسع تدريجي في الأدوات والمؤسسات البديلة.
والأهم: من احتكار القوة إلى توزيع القدرة على التأثير...
اتفاق مكة | الرسالة الأهم من الخليج
في 7 أغسطس، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك في مكة، يقوم على مبدأ أن الاعتداء المسلح على أي طرف يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع..
وهذا تطور استراتيجي مهم للغاية…
ليس لأنه (ناتو إسلامي) مكتمل المؤسسات، فهذا توصيف مبالغ فيه في هذه المرحلة..
لكن لأنه يمثل انتقالاً واضحاً نحو تنويع مصادر الأمن الإقليمي..
السعودية تملك الوزن المالي والطاقة…
تركيا تملك قوة عسكرية وصناعية كبيرة، وهي عضو في الناتو..
باكستان دولة نووية ذات قدرات عسكرية كبيرة…
أما مصر ، فقد أصبحت جزءاً من مسار التنسيق السياسي والأمني الرباعي مع السعودية وتركيا وباكستان، وهو مسار يتطور بالتوازي مع الاتفاق الثلاثي..
وهنا تظهر الرسالة:
دول المنطقة بدأت تفكر في الأمن باعتباره مسؤولية متعددة الأطراف، لا خدمة تأتي من عاصمة واحدة
وهذا تحول أهم من اسم الاتفاق نفسه..
الصين | الفراغ الذي لا يُملأ بالدبابات
الصين تفهم شيئاً لا يحتاج إلى ضجيج:
الفراغ الاستراتيجي لا يحتاج دائماً إلى جيش يدخل إليه..
يكفي أن تدخل التجارة..والطاقة…والاستثمار…والتكنولوجيا…والممرات البحرية…والوساطة…والبنية التحتية…
والدليل اللافت أن الصين دخلت في اتصالات مباشرة مع الحوثيين لضمان مرور سفنها في جنوب البحر الأحمر دون استهداف، وفق مصادر نقلتها رويترز..
الصين هنا لا تدخل الحرب عسكرياً..
إنها تفعل شيئاً أكثر براغماتية:
تحمي مصالحها وتبني نفوذها في الفراغ الذي تخلقه الحرب..
وهذه هي الطريقة الصينية في التمدد:
أقل ضجيجاً من واشنطن…وأطول نفساً…
إيران | الحرب تنتقل من الصاروخ إلى النظام المالي
وهنا يظهر تطور بالغ الأهمية خلال الساعات الأخيرة..
إيران أعلنت أنها تستعد للانضمام إلى بنك التنمية الجديد التابع لبريكس، مع تأكيد رغبتها في توسيع التعامل بالعملات الوطنية والتعاون النقدي مع أعضاء المجموعة..
إيران عضو في بريكس منذ 2024، لكن الانضمام إلى مؤسسة مالية تابعة للمجموعة يضيف طبقة جديدة إلى استراتيجيتها في مواجهة العقوبات والنظام المالي الغربي..
وهنا يجب فهم الصورة جيداً:
بريكس لا تعني سقوط الدولار غداً..
لكنها تعني أن دولاً تخضع لضغوط أمريكية بدأت تبحث عن قنوات مالية إضافية تقلل اعتمادها على النظام الغربي
وهذا بالضبط ما يجعل المسألة استراتيجية..
الحرب لم تعد فقط:صاروخاً مقابل صاروخ…بل أصبحت:
سلاحاً + طاقة + تجارة + بنوك + عملات + تحالفات
لماذا أصبحت الذخائر أهم من حاملات الطائرات؟
لأن الحرب الحديثة لا تقيس القوة بعدد المنصات فقط..
تقيسها بقدرة الدولة على: الإطلاق .. الاعتراض .. التعويض … إعادة الإنتاج .. الاستمرار..
وهنا تواجه واشنطن اختباراً حقيقياً..
إذا استُهلكت الدفاعات بسرعة، يجب تعويضها..
إذا استُهلكت الصواريخ الهجومية، يجب إعادة إنتاجها..
إذا طال انتشار حاملات الطائرات، يرتفع الضغط على الطواقم..
إذا استمر اضطراب الطاقة، ترتفع الكلفة الاقتصادية..
وإذا طال الصراع، يبدأ الحلفاء بإعادة تقييم خياراتهم…
هذه هي معادلة الزمن…
ما لا يُقال | الحقيقة الأعمق
أخطر ما يحدث الآن أن الحرب بدأت تغيّر سلوك الدول…السعودية تعيد بناء خياراتها الأمنية…تركيا توسع هامشها الاستراتيجي…باكستان تدخل بصورة أعمق في هندسة أمن الخليج…مصر تشارك في مسار التنسيق الإقليمي
الصين تتعامل مباشرة مع أطراف النزاع لحماية مصالحها التجارية…
إيران تبحث عن مسارات مالية خارج النظام الغربي…
وهذه كلها ليست أحداثاً منفصلة..
إنها أجزاء من اتجاه واحد:
الدول بدأت تستعد لعالم لا تستطيع فيه قوة واحدة ضمان كل شيء للجميع
وماذا عن إسرائيل؟
هنا تظهر معادلة أكثر حساسية…
إسرائيل كانت تعتمد تاريخياً على مزيج من تفوقها العسكري والمظلة الأمريكية وشبكة من الترتيبات الإقليمية..
لكن إذا استمرت دول المنطقة في بناء ترتيبات أمنية مستقلة، وإذا حافظت إيران على قدرتها على الضغط، وإذا توسعت الصين وروسيا في المجال الاقتصادي والاستراتيجي…
فإن البيئة المحيطة بإسرائيل تصبح أكثر تعقيداً.
وهذا لا يعني أن إسرائيل أصبحت معزولة عسكرياً..ولا يعني أن أمريكا تخلت عنها…لكن يعني شيئاً أكثر دقة:
الهامش الاستراتيجي الذي كانت تتحرك داخله لم يعد ثابتاً كما كان..
💥 الاستنتاج | أين تتجه المنطقة؟
نحن أمام خمسة تحولات متزامنة:
1/ المظلة الأمريكية تتعرض لاختبار حقيقي
ليس لأنها اختفت، وإنما لأن الحلفاء بدأوا يبحثون عن طبقات حماية إضافية..
2/ إيران تحولت إلى عامل يصعب تجاهله
حتى خصومها باتوا يحسبون تكلفة تجاهل قدرتها على الرد والتأثير…
3/ الصين تستثمر في الفراغ
عبر الاقتصاد والطاقة والتجارة والوساطة، دون الحاجة إلى دخول الحرب مباشرة..
4/ التحالفات الإقليمية تتغير
واتفاق مكة مثال واضح على اتجاه نحو بناء قدرات أمنية متعددة الأطراف..
5/ النظام المالي العالمي يدخل مرحلة تنافس أعمق
انضمام إيران المتوقع إلى بنك بريكس لا يسقط الدولار، لكنه يعزز مسار البحث عن بدائل وممرات مالية خارج النظام الغربي..
الخلاصة الحاسمة ..ما نراه اليوم ليس مجرد هروب من طائرة، ولا مجرد صاروخ أُطلق من إيران، ولا مجرد ناقلة غيرت مسارها..
إنه اختبار لنموذج القوة الأمريكي نفسه..
أمريكا ما زالت قوة عظمى…
وما زالت تملك قدرات عسكرية واقتصادية وتحالفات ضخمة…
لكن الحرب كشفت حدوداً جديدة:
الذخائر لها سقف…الاحتياطيات لها سقف…قدرة الجندي على التحمل لها سقف..قدرة الحليف على الانتظار لها سقف…والاقتصاد العالمي له سقف..
وفي المقابل، إيران لا تحتاج إلى إسقاط أمريكا عسكرياً حتى تحقق مكاسب استراتيجية
يكفي أن تجعل تكلفة الحفاظ على الوضع القديم أعلى من تكلفة تغييره…
والصين لا تحتاج إلى احتلال الفراغ…
يكفي أن تكون حاضرة عندما يبدأ الآخرون بالبحث عن بديل..
أما دول المنطقة، فقد بدأت تفهم الدرس الأكبر:
من يعتمد على مظلة واحدة، يصبح مستقبل أمنه مرتبطاً بقدرة تلك المظلة على الاستمرار…
ولهذا فإن المعركة الحقيقية الآن لا تدور فقط فوق هرمز…
ولا فوق القواعد…ولا في سماء إيران..
المعركة الحقيقية تدور حول سؤال أكبر بكثير:
من سيضع قواعد النظام الإقليمي عندما تنتهي الحرب؟
إذا خرجت أمريكا من هذه الحرب وهي قادرة على إعادة بناء الردع والمخزونات والتحالفات، فستستعيد جزءاً كبيراً من موقعها..
وإذا خرجت المنطقة وقد بنت ترتيبات أمنية ومالية واقتصادية جديدة، فسيكون من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء..
وهنا تحديداً قد تكون المفاجأة:
الحرب قد تنتهي قبل أن ينتهي أثرها..
لأن الصواريخ تتوقف يوماً…لكن التحالفات التي وُلدت تحت النار قد تبقى لعقود…
✍️ مكاوي الملك | Makkawi Elmalik

للخصوم والحلفاء.. ماذا تخبئ أمريكا للعالم بعد عامين؟ عودة الجدل القديم حول السياسة الخارجية الأمريكية

للخصوم والحلفاء.. ماذا تخبئ أمريكا للعالم بعد عامين؟

عودة الجدل القديم حول السياسة الخارجية الأمريكية
مقال رأي بقلم
د. دونالد جنسن


دبلوماسي أمريكي سابق، وأستاذ مشارك في جامعة جونز هوبكنز. وكان عضوا في أول فريق أمريكي كُلِّف بتفتيش الصواريخ السوفياتية.

تعامل الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن مع الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها دفاعا عن أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي، وبما يتجاوز أوكرانيا، دفاعا عن النظام الدولي الذي تحدته موسكو.

أما دونالد ترمب فقد تعامل معها باعتبارها حربا دموية ومكلفة يجب إنهاؤها عبر المفاوضات، على أن تتحمل أوروبا نصيبا أكبر من العبء، وأن تقيم المشاركة الأمريكية بشكل مباشر أكثر وفقا للمصالح الأمريكية.

ومع ذلك، لا يفسر أي من هذين النهجين بشكل كامل الموقف الحالي للسياسة الخارجية الأمريكية، فقد اختبرت الحرب مع إيران الرغبة في تجنب التورط العسكري المطول.

وقد غيرت واشنطن مسارها أكثر من مرة فيما يتعلق بالدعم العسكري لأوكرانيا، ووراء كلا النهجين يقف التحدي الإستراتيجي الذي كان من المفترض أن يستحوذ على اهتمام الولايات المتحدة: الصين.

كشف العراق وأفغانستان عن حدود القوة الأمريكية، وهزت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 الثقة في الافتراضات الاقتصادية لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وأعاد صعود الصين المنافسة بين القوى العظمى، وأثبتت روسيا أن التكامل الاقتصادي لم يلغ الجغرافيا السياسية

ماذا حدث؟

الجواب يتجاوز بايدن وترمب، ويتجاوز أوكرانيا، فالسياسة الخارجية الأمريكية تتصارع مجددا مع سؤال قديم: أي نوع من القوى تريد الولايات المتحدة أن تكون؟ من كييف وطهران إلى القدس والرياض، تترقب الحكومات الإجابة.

قدم الرئيسان ردودا مختلفة، لكنّ كليهما يمثل تقاليد معروفة في السياسة الخارجية الأمريكية، وهما، على اختلافهما، تعبيران عن "الاستثنائية الأمريكية".

التقليد الدولي سبق إدارة بايدن بفترة طويلة، وقد أثر على الإدارات الجمهورية والديمقراطية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى العقود التي أعقبت الحرب الباردة.

لم يُنظر إلى التحالفات والمؤسسات الدولية كمجرد قيود على القوة الأمريكية فحسب، بل كوسائل لمضاعفتها؛ كان الأمن الأمريكي مرتبطا بنظام دولي تحكمه القواعد والمؤسسات، تُحفظ فيه السيادة، ويُقاوم فيه العدوان، وتُشجع فيه الدول الديمقراطية على التعاون.

كانت الولايات المتحدة تقف في قلب ذلك النظام، حيث كانت تعمل من خلال التحالفات والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى، لكنها احتفظت بالقدرة على التصرف عندما ثبت أن تلك المؤسسات غير كافية.

كان هناك أيضا ادعاء أخلاقي، فقد أضفى الموقف الاستثنائي لأمريكا مسؤوليات خاصة، وكان الدعاة إلى النزعة الدولية في واشنطن يعتقدون أن الأمن والنفوذ الأمريكيين يخدمهما على أفضل وجه، نظام دولي يدافع عن الديمقراطية والحرية الفردية وحقوق الإنسان الأساسية، مع حماية الدول ذات السيادة من العدوان.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، دخلت الولايات المتحدة ما أصبح يُعرف بـ"لحظة القطب الواحد"، وبدا أن التوجه الدولي قد فاز بشكل حاسم في الجدل.

فقد نجا حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتوسع، وتسارعت العولمة، وانتشرت الديمقراطية، وبدت الهيمنة الأمريكية ساحقة.

وأكثر من ذلك، كان يُفترض على نطاق واسع أن الانتقال الديمقراطي هو الاتجاه الطبيعي للتطور السياسي، وكثيرا ما بدا السؤال أقل ارتباطا بما إذا كانت الدول ستتجه نحو الديمقراطية واقتصاد السوق، وأكثر ارتباطا بمدى السرعة التي ستصل بها إلى ذلك.

بدت النزعات الأمريكية المتنافسة التشكيك في التورط في الشؤون الخارجية، والإصرار على السيادة، والمطالبة بتقاسم الأعباء مع الحلفاء، وتفضيل تعريف أضيق للمصلحة الوطنية، وكأنها قد دُفعت إلى الهامش.

وقد أخطأت واشنطن في تفسير انتصار أحد تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية على أنه اختفاء للتقليد الآخر.

فهو لم يختف.

في بداية ولاية الإدارة الحالية، تعاملت واشنطن مع كييف كشريك تابع ذي نفوذ تفاوضي محدود، وهو المنطق الكامن وراء تأكيد ترمب أن أوكرانيا لا تمتلك سوى "أوراق قليلة"، لكن أداء أوكرانيا في زمن الحرب غيّر الحسابات

كشف العراق وأفغانستان عن حدود القوة الأمريكية، وهزت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 الثقة في الافتراضات الاقتصادية لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وأعاد صعود الصين المنافسة بين القوى العظمى، وأثبتت روسيا أن التكامل الاقتصادي لم يلغ الجغرافيا السياسية.

لكن شيئا ما تغير أيضا داخل الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى: فقد أصبحت أقل ثقة في القيم والمؤسسات التي كانت تحث الآخرين في السابق بثقة على تبنيها.

لذلك، لم تكن أزمة نظام ما بعد الحرب الباردة مجرد أزمة للقوة الأمريكية فحسب، بل كانت أيضا أزمة ثقة.

لم يخلق دونالد ترمب رد الفعل هذا، بل أعطاه قوة سياسية وشكلا مميزا، ومن الأفضل فهم سياسة ترمب الخارجية على أنها مجموعة من الدوافع أكثر من كونها عقيدة راسخة.

غالبا ما تعزز القومية، والمساومة المعاملاتية، والدبلوماسية التجارية، والتشكك في الالتزامات المفتوحة، وتحديد الأولويات الإستراتيجية، والاستعداد لاستخدام القوة القسرية بعضها بعضا، لكن ليس دائما.

وعندما تتعارض هذه العناصر، قد ينتج عن ذلك تحولات مفاجئة في السياسة والرسائل.

لا ينبغي الخلط بين النهج المعاملاتي والانعزالية، يمكن لإدارة ترمب أن تسعى إلى ضبط النفس في مسرح معين، بينما تستخدم القوة أو الضغط الاقتصادي في مسرح آخر.

يمكن للرسوم الجمركية أن تكون وسيلة للعقاب، ويخلق الوصول إلى الأسواق نفوذا، ويمكن أن تكون اتفاقيات الاستثمار والأعمال بمثابة مكافأة على التعاون.

كما يمكن للضغط العسكري أن يعزز الموقف التفاوضي، ويمكن أن تصبح عدم القدرة على التنبؤ بحد ذاتها أداة للمساومة.

هذه دبلوماسية قسرية بقدر ما هي دبلوماسية تجارية، والهدف ليس الانسحاب من الشؤون الدولية، بل استخدام القوة الأمريكية لتحقيق عوائد ملموسة أكثر.

في بداية ولاية الإدارة الحالية، تعاملت واشنطن مع كييف كشريك تابع ذي نفوذ تفاوضي محدود، وهو المنطق الكامن وراء تأكيد ترمب أن أوكرانيا لا تمتلك سوى "أوراق قليلة".

لكن أداء أوكرانيا في زمن الحرب غيّر الحسابات، فهي تمتلك الآن أحد أكثر الجيوش خبرة في أوروبا، وصناعة دفاعية آخذة في التوسع، وخبرة ملحوظة في حرب الطائرات المسيّرة.

أصبحت التعريفات الجمركية أدوات للمساومة، وأصبح الوصول إلى الأسواق وسيلة ضغط، وأصبحت اتفاقيات الاستثمار إنجازات دبلوماسية،

ويمكن أن تصبح الصفقات التجارية بحد ذاتها مقياسا للنجاح الدبلوماسي، فالتجارة ليست مجرد هدف للسياسة الخارجية، بل أصبحت أداة منها

البلد الذي كان يُنظر إليه في السابق بشكل أساسي على أنه مستهلك للمساعدات الأمنية الغربية، يبدو الآن بشكل متزايد كمنتج للقدرات العسكرية والتكنولوجيا والقيمة الإستراتيجية.

وهذا يمنح أوكرانيا أوراقا أكثر مما كانت تشير إليه الصيغة الأصلية، وقد عدلت واشنطن موقفها وفقا لذلك.

ويكشف الجدل الدائر حول تزويد أوكرانيا بأنظمة "باتريوت" المتطورة للدفاع الجوي عن توتر آخر.

فقد أرسلت واشنطن إشارات متباينة بشأن الدعم العسكري المستقبلي، حتى في الوقت الذي تواصل فيه استكشاف ترتيبات من شأنها أن تمنح أوكرانيا دورا في إنتاج صواريخ "باتريوت" المعترضة.

وفي الوقت نفسه، فرضت الحرب مع إيران مطالب ثقيلة على مخزونات الصواريخ الأمريكية المحدودة، وقد وجد النهج الذي يهدف إلى تحديد أولويات أوضح أن الأحداث تخلق التزامات جديدة ومتنافسة.

ولا تزال سياسة روسيا غير مستقرة، فموسكو تمثل في آن واحد خصما يجب الضغط عليه، وشريكا تفاوضيا تسعى واشنطن للتوصل إلى اتفاق معه، ومشكلة أمنية تريد الإدارة أن يتحمل الأوروبيون عبئها بشكل أكبر، وشريكا تجاريا محتملا، وتحديا يستنزف موارد قد تفضل واشنطن تركيزها على الصين.

وهذه الأهداف ليست متعارضة بالضرورة، لكن الإدارة لم تتمكن بعد من التوفيق بينها في إطار سياسة متسقة.

كما أن الرسائل المبعوثة مهمة أيضا، فقد يوفر عدم القدرة على التنبؤ نفوذا تفاوضيا من خلال ترك الخصم في حالة من عدم اليقين بشأن الخطوة التالية لواشنطن.

لكن الحلفاء يتلقون نفس الإشارات، فالغموض الذي يعقّد حسابات الخصم يمكن أن يعقّد أيضا تخطيط الحليف.

للجانب الاقتصادي من هذا النهج جذور عميقة، فخلال الحرب الباردة، قيدت واشنطن وحلفاؤها نقل التكنولوجيا الإستراتيجية إلى الكتلة السوفياتية، واستخدموا التجارة والتمويل والوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة كأدوات للاحتواء.

بعد الحرب الباردة، عززت العولمة الثقة في أن التكامل التجاري يمكن أن يعزز النظام الدولي الليبرالي.

وقد تضاءلت تلك الثقة، حيث كانت إدارة بايدن تستخدم بالفعل ضوابط التصدير، والسياسة الصناعية، وقيود الاستثمار، ومبادرات سلاسل التوريد بشكل إستراتيجي، لا سيما ضد الصين.

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا، فرضت واشنطن وحلفاؤها عقوبات شاملة تهدف إلى تقييد وصول موسكو إلى التمويل والتكنولوجيا وزيادة تكاليف الحرب.

قد تسمح سياسة خارجية أمريكية أكثر انتقائية لواشنطن بتوجيه موارد أكبر لمواجهة الصين، لكن الحلفاء سيتابعون أيضا كيف تتعامل الولايات المتحدة مع التزاماتها في أماكن أخرى

وقد فرضت هذه العقوبات تكاليف حقيقية وأجبرت روسيا على التكيف، لكنها كشفت أيضا عن الثغرات في نظام اقتصادي عالمي لم يعد بإمكان واشنطن السيطرة عليه بالكامل.

فقد أعادت روسيا توجيه تجارتها، ووجدت سبلا للتحايل على بعض القيود، وعمقت علاقاتها الاقتصادية مع الصين واقتصادات غير غربية أخرى.

وقد ثبت أن الإكراه الاقتصادي كان ذا تأثير دون أن يكون حاسما.

ما يميز النهج الحالي ليس ابتكار "فن الحكم الاقتصادي"، بل الأهمية المتزايدة للدبلوماسية التجارية في إطاره.

فقد أصبحت التعريفات الجمركية أدوات للمساومة، وأصبح الوصول إلى الأسواق وسيلة ضغط، وأصبحت اتفاقيات الاستثمار إنجازات دبلوماسية.

ويمكن أن تصبح الصفقات التجارية بحد ذاتها مقياسا للنجاح الدبلوماسي، فالتجارة ليست مجرد هدف للسياسة الخارجية، بل أصبحت أداة منها.

بالنسبة للحكومات في الشرق الأوسط، فإن هذه الفروق ليست مجرد أمور أكاديمية، فهي لا تنظر إلى السياسة الخارجية الأمريكية باعتبارها نقاشا حول المبادئ بقدر ما تنظر إليها من خلال تصرفات واشنطن، متى تستخدم الولايات المتحدة القوة؟ متى تتفاوض؟ متى تفرض تعريفات جمركية أو عقوبات؟ متى تعرض الاستثمار أو التعاون الأمني؟ ومتى تتغير المواقف التي تبدو حازمة؟

تظهر إيران سبب فشل التصنيفات البسيطة، فقد انخرطت إدارة متشككة في الالتزامات العسكرية المطولة -مع ذلك- انخراطا عميقا في صراع مكلف هناك.

القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتفاوض ليست بدائل في هذا النهج، بل يمكن استخدامها معا كأدوات للضغط، والسؤال الأصعب هو كيف ومتى ينتج عن هذا الضغط نتيجة سياسية.

وراء هذه الأزمات تقف الصين.

لسنوات، جادلت واشنطن بأن صعود الصين يتطلب من الولايات المتحدة تركيز المزيد من الموارد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وقد صمدت هذه الأولوية رغم تغييرات الإدارات، ومع ذلك، تظهر أوكرانيا وإيران مدى صعوبة تحديد الأولويات في الممارسة العملية.

فمخزونات الأسلحة محدودة، وكذلك الاهتمام الدبلوماسي ورأس المال السياسي، والأحداث لا تحترم التسلسل الهرمي للمصالح الذي تفضله واشنطن.

بالنسبة لتايوان وحلفاء الولايات المتحدة في آسيا، فإن الآثار المترتبة على ذلك ذات وجهين.

فقد تسمح سياسة خارجية أمريكية أكثر انتقائية لواشنطن بتوجيه موارد أكبر لمواجهة الصين، لكن الحلفاء سيتابعون أيضا كيف تتعامل الولايات المتحدة مع التزاماتها في أماكن أخرى: إلى أي مدى تطالب بتقاسم الأعباء، ومدى ثبات وعودها عندما ترتفع التكاليف، ومدى ارتباط الأمن بالمفاوضات التجارية.

على مدى عقود بعد الحرب الباردة، تصرفت واشنطن كما لو أن الجدل الأمريكي القديم حول دور البلاد في العالم قد حسم أخيرا، لكنه لم يحسم. فالبندول لم يتوقف أبدا، بل اعتقدت واشنطن فقط أنه توقف

تواجه أوروبا بالفعل هذه التساؤلات، وقد وصف مقال نشر مؤخرا في مجلة إيكونوميست القارة بأنها "قوة عظمى في مجال أنماط الحياة" مزدهرة وجذابة ومؤثرة، لكنها تجد أن التحول إلى قوة جيوسياسية أصعب بكثير.

وقد أصبح هذا الوصف قديما بالفعل، فغزو روسيا، وعدم اليقين بشأن واشنطن، والمطالبات بمشاركة أكبر في الأعباء، تدفع الحكومات الأوروبية نحو بناء قدرات عسكرية تم إهمالها لعقود.

تتزايد أهمية بولندا، ويتوسع الإنتاج الدفاعي، وقد تخرج أوكرانيا من الحرب كمنتج للأمن الأوروبي بدلا من مجرد مستهلك له.

لن تصبح أوروبا فجأة قوة إستراتيجية موحدة، ومن المرجح أن يكون انتعاشها متفاوتا، لكن واشنطن تواجه مفارقة: بعد عقود من المطالبة بأن تبذل أوروبا المزيد من الجهد، قد تكتشف أن أوروبا القادرة على بذل المزيد ستطالب أيضا بصوت أكبر في تقرير ما ينبغي فعله.

فقد تتبين أن بعض ملامح النهج الحالي مؤقتة أو ذات طابع شخصي للغاية، بينما ستبقى ملامح أخرى قائمة بعد انتهاء ولاية هذه الإدارة الرئاسية.

وقد أصبح الأمن الاقتصادي والأمن القومي متشابكين مرة أخرى، وعادت التكنولوجيا والقدرات الصناعية إلى صميم المنافسة الجيوسياسية.

ويتحمل الحلفاء مسؤولية أكبر، وربما استقلالية أكبر، ولم يختف تشكك الولايات المتحدة تجاه الالتزامات المفتوحة الأجل.

وهذا يجعل عام 2028 أكثر أهمية من مجرد انتقال رئاسي روتيني، ولن يقتصر السؤال على ما إذا كان ميزان السياسة الخارجية الأمريكية سيتأرجح مرة أخرى فحسب، بل سيكون حول ما إذا كان بالإمكان إعادة بناء الإجماع الدولي في ظل ظروف تختلف تماما عن تلك التي كانت تدعمه في السابق.

قد تعيد إدارة مستقبلية قدرا أكبر من القدرة على التنبؤ، وتركز مجددا على التحالفات والمؤسسات، مع الاحتفاظ بمطالب أكثر صرامة فيما يتعلق بتقاسم الأعباء، والضوابط التكنولوجية، والقومية الاقتصادية، والنفوذ التجاري. وقد ترفض الخطاب المعتمد على المقايضات مع الاحتفاظ ببعض أدواته.

لذلك، قد لا ينتمي الإجماع القادم حول السياسة الخارجية الأمريكية بالكامل إلى أي من هذين التقليدين.

ولن يكون ذلك استعادة، بل سيكون تكيفا آخر.

على مدى عقود بعد الحرب الباردة، تصرفت واشنطن كما لو أن الجدل الأمريكي القديم حول دور البلاد في العالم قد حسم أخيرا، لكنه لم يحسم.

فالبندول لم يتوقف أبدا، بل اعتقدت واشنطن فقط أنه توقف.