إضاءات سياسية ومنعرجات تاريخية
مضر أبو الهيجاءمن نافلة القول إن العالم اليوم يعيش حالة تحوّل تاريخي تتكرر تقريبًا كل مئة عام، وهي تحوّلات طبيعية تأتي في سياق سنني قائم على التدافع بين الحق والباطل.
وكما أن الباطل يشهد تراجعًا حقيقيًا نتيجة بنيته القائمة على معاداة الفطرة الكونية والبشرية التي خلقها الله، فإن الحق مؤهّل – دون غيره – لتولّي زمام المبادرة وريادة الحضارة البشرية، باعتباره منسجمًا مع الحق الإلهي ومتوافقًا مع الفطرة الكونية والإنسانية.
إن حجم الظلم العالمي بلغ مستوى غير مسبوق، إذ لم يترك جغرافيا ولا دولة ولا شعبًا ولا مجالًا إلا وامتد إليه، سواء في الإنسان أو البيئة أو العمران. ويزداد هذا الظلم تعقيدًا وعمقًا كلما ازداد تغوّلًا واستعلاءً دون رادع حقيقي، وهو ما يعكس واقع النظام الدولي المعاصر، حيث تهيمن الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قطبًا أحاديًا يدير العالم بقدر كبير من العبث والجهل والظلم والطغيان.
ولا شك أن محاولات الإصلاح والنهضة والتغيير في العالم الإسلامي لم تتوقف طوال القرن الماضي، وقد أحرزت إنجازات مهمة في مجالات متعددة، إلا أنها لم تحقق النجاح المنشود، ولم تبلغ الأهداف التي رُسمت لها، رغم عظم التضحيات وصدق النوايا وكثافة الجهود المبذولة.
ويمكن الوقوف عند ثلاثة نماذج بارزة من المشاريع الإسلامية التي بذلت جهودًا عظيمة وقدّمت تضحيات جليلة، لكنها لم تنجح – حتى الآن – في تحقيق الغايات المرجوة، وذلك بغضّ النظر عن جوانب الخير التي تحققت من خلالها:
أولًا:
نموذج جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث وصلت إلى السلطة عقب ثورة 2011، وتولّى مرشحها محمد مرسي رئاسة الجمهورية عام 2012. إلا أن هذه التجربة انتهت سريعًا بخروج الجماعة من الحكم، وتلا ذلك تراجع مشروعها السياسي والدعوي، وتفكك بنيتها التنظيمية، وانحسار تأثير الإسلام السياسي في مصر.
ثانيًا:
نموذج حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي انطلقت بهدف تحرير فلسطين وإقامة الدين، وقدّمت في هذا المسار تضحيات كبيرة من الشعب الفلسطيني ومن داعميه في العالمين العربي والإسلامي. ورغم هذه التضحيات والمعارك المتكررة، لم تتمكن الحركة من تحقيق اختراق استراتيجي حاسم في مواجهة إسرائيل، كما واجهت تحديات أثّرت على صورتها ومكانتها لدى بعض شرائح الأمة -بسبب حلفها مع مشروع ملالي إيران-، بما في ذلك اتهامات وتشويهات أضرّت برصيدها المعنوي وعموم القضية الفلسطينية، رغم كون حماس حركة سنية في المعتقد والانتماء والسلوك.
ثالثًا:
نموذج الثورة السورية، التي تُعد من أعظم الثورات في العصر الحديث من حيث حجم التضحيات واتساع المشاركة الشعبية.
وقد انطلقت لتحقيق هدفين رئيسيين: إزالة النظام القائم، وبناء دولة تقوم على العدل وتستعيد الهوية الإسلامية. ورغم ما تحقق من تحولات ميدانية وسياسية في بعض المراحل، فإن الثورة -باعتبار أهدافها الأولى- لم تنجح في تحقيق أهدافها المركزية، خاصة فيما يتعلق ببناء نظام مستقر يعكس المرجعية التي انطلقت منها. وهذا التقييم لا ينتقص من قيمة الثورة ولا من تضحيات شعبها، بل يسعى إلى توصيف موضوعي للنتائج بعيدًا عن المبالغات أو التصورات غير الواقعية.
وبناءً على ما سبق، فإن استعراض هذه النماذج الثلاثة -التي تجمع بين سلامة المنطلق، وصدق الجهد، وعِظم التضحيات- يكشف عن فجوة بين الإمكانات والنتائج في ميزان المنطلقات والأهداف، ويطرح تساؤلًا جوهريًا يتمثل في: كيف يمكن للمسلمين استعادة دورهم الحضاري، والاستفادة من التحولات الدولية والإقليمية الراهنة بما يخدم مصالحهم ويحقق نهضتهم المنشودة؟
تركيا المنتمية: ركيزة الشأن السياسي الإسلامي
تمثّل تركيا في العقدين الأخيرين أحد أبرز النماذج التي يُشار إليها عند الحديث عن التحوّلات السياسية في العالم الإسلامي، حيث برزت بوصفها حالة فريدة تجمع بين الهوية الإسلامية والإدارة السياسية في عالم متلاطم الأمواج والاستهداف من قبل المشاريع المعادية. وقد تزامن صعودها مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، في تجربة أعادت تجسيد العلاقة بين الإسلام كهوية وانتماء والسياسة في سياق عملي شديد التعقيد.
لقد استطاعت تركيا، خلال هذه المرحلة، أن تحقق قدرًا ملحوظًا من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، إلى جانب تعزيز حضورها الإقليمي والدولي. كما قدّمت نموذجًا مغايرًا لبعض التجارب الإسلامية الأخرى، من حيث قدرتها على التكيّف مع تعقيدات ومخاطر النظام الدولي دون التفريط الكامل بمرجعيتها الثقافية وانتمائها الإسلامي، الأمر الذي يشهد عليه موقف أردوغان السياسي تجاه النظام المصري قبل وبعد الانقلاب كما يشهد عليه موقفه الابتدائي والنهائي تجاه الثورة السورية وكذلك موقفه العالي وإصراره الكبير على رفض وصف حركة حماس بالإرهاب واعتبارها حركة مقاومة مشروعة ضد الاحتلال.
من آفات الصراع بين المسلمين ومشروع ودين ولي الفقيه الإيراني.
من أخطرِ آفاتِ الصراعِ الذي رعاه -بدرجاتٍ مختلفة- الغربُ الصليبيُّ بين المسلمين ومشروعِ ولايةِ الفقيهِ الإيرانيِّ، هو تحويلُ النظرِ الإسلاميِّ من الإشكالِ الحقيقيِّ الذي تعاني منه شعوبُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ ودولُها، نحو الإشكالِ الموهومِ والدخيلِ عليها.
معضلةُ الأمةِ سياسيةٌ وليست مذهبية
إنَّ المعضلةَ الحقيقيةَ التي تعانيها الأمةُ منذ قرنٍ كاملٍ هي معضلةٌ وإشكاليةٌ سياسيةٌ بالدرجةِ الأولى، وليست مذهبيةً ولا دينيةً؛ إذ شهدتْ حواضرُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ صورةً فريدةً في تاريخِ البشريةِ من حيثُ التعايشُ مع المخالفين في المذهبِ والدين. ولا تزالُ بلادُ المغربِ العربيِّ، ومصرُ، والشامُ، والعراقُ، وتركيا، وفلسطين شاهدًا كبيرًا على أنَّ الإشكاليةَ المذهبيةَ والطائفيةَ مفتعلةٌ من قبلِ المشاريعِ المعاديةِ للنيلِ من الأمة.
ورغم أنَّ الغربَ الصليبيَّ قد حقق -من خلالِ مشروعِ ملالي إيران- ما لم يحققه من خلالِ المشروعِ الصهيونيِّ من حيثُ التدميرُ والتخريب، إلا أنَّ الأرضيةَ الأساسَ، والمشكلةَ الكبرى التي تعاني منها الأمةُ، تبقى سياسيةً بامتياز؛ الأمرُ الذي يُوجبُ على المسلمين بلورةَ تصورٍ ناضجٍ، ومقاربةٍ موفَّقةٍ في كيفيةِ التعاملِ مع التحدي المذهبيِّ الطائفيِّ المفتعل، بحيثُ يُعطى حجمَه المرحلي الدقيق، ولا يكونُ على حسابِ التعاملِ الناضجِ مع الإشكالِ السياسيِّ الحقيقي والذي يشكّل معضلة أمام انعتاق دول وشعوب المنطقة من الهيمنة الغربيّة الصليبية.
أرضُ الشامِ على حافةِ الانهيار
تقفُ أرضُ الشامِ، والتجربةُ الإسلاميةُ الواعدةُ فيها، على المحكِّ وأمام اختبارٍ حقيقيٍّ يكشفُ حجمَ النضجِ فيها؛ لا سيما وأنَّ المسُتخرِب الأمريكيَّ يسعى —ليلَ نهار— بخطواتٍ حثيثةٍ إلى إعادةِ هندستها كما هندسَ “سورية الأولى”، وإذا كان مهندسها الأول كيسنجر فإن مهندس سورية الثانية هو توم براك.
ومن هنا، فإنَّ تعاظمَ الاحترابِ الطائفيِّ والمذهبيِّ في سورية يُعدُّ مفتعلًا عبر إرادةٍ وتخطيطٍ غربيٍّ، واستدراجًا لعمومِ الشرائحِ السورية، التي لم تستفد -على ما يبدو- من تجاربِ إدارةِ الصراعاتِ في المنطقة خلال العقودِ الأخيرة.
تهافتُ بعضِ القادة والنخب من الإسلاميين
من المؤلمِ أنَّ بعضَ الإسلاميين من الدعاةِ والعوام قد سقطوا في إختبار الدور الإيراني مرتين؛ الأمرُ الذي يشيرُ إلى أنَّ كثيرًا من المواقفِ تُقادُ إليها النخب عبر استدراجٍ مدروسٍ. فقد حرص الغربُ على استيعابِ المنظومةِ الإيرانيةِ للمقاومةِ الفلسطينية، بهدفِ إضعافِها وصناعةِ فجوةٍ بينها وبين محيطها العربيِّ والإسلامي، وهو ما تحقق بدرجاتٍ متفاوتة!
ثمَّ إنَّ تحوُّلَ قطاعاتٍ واسعةٍ من الإسلاميين اليوم إلى حال احترابٍ واستعدادٍ لمواجهةِ إيران، يجري -في بعضِ صوره- ضمن سياقِ استدراجٍ معاكسٍ، يسعى إلى تكريسِ صراعٍ طائفيٍّ ومذهبيٍّ داخل الدولِ العربية، بدءًا بسورية بوصفها بيئةً خصبةً وهشّة!
وفي كلا الحالتين، يظهرُ الموقفُ الإسلاميُّ هشًّا ومضطربًا، حتى وإن بدا في ظاهره صوابًا؛ وذلك لكونه غافلًا عن طبيعةِ المخططاتِ الكبرى، وغير مدركٍ لمصالحِ الشعوبِ والدول، ومغيّبًا عن استحقاقاتِ التحدي السياسيِّ الحقيقي.
تركيا ركيزةٌ إقليميةٌ فاعلة
من نافلةِ القولِ الإشارةُ إلى أنَّ المشروعَ الإسرائيليَّ -بوصفه ذراعًا متقدمًا للسياسةِ الأمريكية- يمتلكُ قدرةً عاليةً على التأثيرِ في البيئةِ السورية، لا سيما بعد ما شهدته البلادُ من تدمير خلال العقودِ الماضية.
ومن هنا، فإنَّ النقاشَ حول موقعِ تركيا ودورها الإقليمي يبرزُ بوصفه أحدَ عناصرِ التفكيرِ الاستراتيجيِّ لدى الناضجين في المنطقة، خاصة في ظلِّ القربِ الجغرافيِّ والتداخلِ التاريخيِّ والسياسيِّ. غير أنَّ أيَّ مقاربةٍ في هذا السياق تستدعي قراءةً متأنيةً للمصالحِ المتبادلة، والتفكير بالاندماجِ أو التوأمة، بما يحققُ مصلحةَ الشعوبِ ويحفظُ أرضها وقرارها.
تحولاتُ النظامِ الدولي وفرصُ الفاعلين
لا يخفى على المتابعِ للمشهدِ الدوليِّ أنَّ حالةَ إعادةِ التشكلِ في النظامِ العالميِّ تتسارع، وأنَّ هدوءَ المواجهاتِ المباشرةِ لا يعني بالضرورةِ تراجعَ حدةِ التنافسِ بين القوى الكبرى. وفي ظلِّ صعودِ قوى دوليةٍ جديدةٍ، وتراجعِ نمطِ الأحاديةِ القطبية، تبرزُ إمكاناتٌ وفرصٌ لإعادةِ تموضعِ العرب والمسلمين ولكن بشروط.
في هذا السياق، فإنَّ بناءَ موقعٍ فاعلٍ للعالمِ العربي والإسلاميِّ يتطلبُ قدرًا عاليًا من النضجِ السياسيِّ، وتجاوزَ أنماطِ الاستقطابِ الحادِّ، والعملَ على صياغةِ رؤيةٍ استراتيجيةٍ مستقلةٍ تستندُ إلى المصالحِ المشتركة، وتوازنُ بين التحدياتِ والفرص، وهنا تبرز #تركيا #الشوكة.
الخلاصة:
يمكنُ القولُ إنَّ جوهرَ الإشكالِ الذي تعانيه المنطقةُ -بدولِها العربيةِ والإسلامية- هو إشكالٌ سياسيٌّ في المقامِ الأول، وأنَّ تضخيمَ البعدِ الطائفيِّ والمذهبيِّ يُسهمُ في تشتيتِ الجهدِ واستنزاف الطاقات، وإضعافِ القدرةِ على معالجةِ التحدياتِ الحقيقية؛ وهو مسارٌ تُديره قوى دوليةٌ بقدرٍ عالٍ من الاحتراف، عبر توجيهِ التفاعلاتِ في اتجاهاتٍ متناقضةٍ، تُفضي -في محصلتها- إلى خدمةِ أهدافٍ مرحليةٍ للخصوم.
ومن ثمَّ، فإنَّ أيَّ مشروعٍ إصلاحيٍّ أو نهضويٍّ لا بدَّ أن ينطلقَ من قراءةٍ دقيقةٍ لطبيعةِ الصراع، وللأطرافِ الفاعلةِ فيه، وأدواتِه، ومآلاتِه، بما يضمنُ توجيهَ الطاقاتِ نحو ما يخدمُ استقرارَ الشعوبِ وتحقيقَ تطلعاتِها، ويحولُ دون استنزافِها في مساراتٍ لا تُسهمُ في بناءِ دولنا ولا في تعزيزِ قدراتِها ولا النهوض بأحوال شعوب أمتنا.
وفي ظلِّ تصاعدِ التنافسِ الدوليِّ، يُتوقَّعُ أن يشهدَ العالمُ مزيدًا من إعادةِ التشكلِ في موازينِ القوى، بما يفضي إلى بروزِ أقطابٍ ومحاورَ جديدة، وتراجعِ أنماطِ الأحاديةِ في إدارةِ النظامِ الدولي. وهو ما يفتحُ المجالَ أمام الفاعلين في العالمين العربيِّ والإسلاميِّ للاستفادةِ من المساحاتِ التي يُنتجها هذا التحول، إذا ما أُحسنَ توظيفُها ضمن رؤيةٍ استراتيجيةٍ ناضجة.
وفي ظلِّ ما تعانيهُ كثيرٌ من الدولِ العربيةِ من تآكلٍ في البنيةِ السياسيةِ ووجود فجوات حقيقية بين الشعوب والحكام، تبرزُ الحاجةُ إلى دراسةِ إمكاناتِ بناءِ تكتلاتٍ إقليميةٍ فاعلة، تنطلق من وحدة الهوية الثقافية وتستندُ إلى المصالحِ المشتركة، وتُعزِّزُ القدرةَ على مواجهةِ التحديات. وفي هذا السياق، يُطرحُ الدورُ التركيُّ بوصفه أحدَ العناصرِ الممكنةِ في معادلةِ التوازنِ الإقليمي، نظرًا لما تمتلكهُ تركيا الجديدة والمنتمية من مقوماتٍ وخبرة سياسيةٍ واقتصاديةٍ ونجاحات عسكريةٍ، إضافةً إلى امتداداتٍ تاريخيةٍ وثقافيةٍ مع محيطها، وقد أكَّدَتِ القيادةُ التركيةُ -في ظلِّ أردوغان- انتماءَها وانحيازَها لخصوصِ شعوبِ المنطقةِ العربيةِ والكرديةِ، وعمومِ الشعوبِ الإسلاميةِ.
تركيا: موقعٌ مؤهل في معادلاتِ التوازن
تشيرُ التجربةُ التركيةُ في بعدها السياسيِّ إلى تحولاتٍ لافتةٍ خلال العقودِ الأخيرة، سواء على مستوى بناءِ المؤسسات، أو تطويرِ القدرات، أو توسيعِ الحضورِ الإقليمي. غير أنَّ تقييمَ هذا الدورِ يقتضي مقاربةً واقعيةً، تأخذُ في الاعتبارِ طبيعةَ المصالحِ والإشكالاتِ والتحدياتِ الداخليةِ التركيةِ، بالشكلِ الذي يُراعي الحفاظَ على فاعليتِها وحيويتِها.
سورية بين تحدي الهيمنة الإسرائيلية والتحولات الإقليمية
قَدَرُ الحالةِ السوريةِ الراهنةِ أنْ تحيا في ظلِّ تحدّي الهيمنةِ الإسرائيليةِ عليها، لاسيما بعد أن استكملَ الغربُ إضعافَها عبرَ ذراعِه الأسديِّ الطائفيِّ، وهو ما يدعوها إلى التواضعِ أمام الضرورةِ الوجوديةِ لتركيا بالنسبةِ لها.
إنّ مسار إعادةِ البناءِ والاستقرار السياسيِّ السوري مرهون بجملةٍ من العواملِ الداخليةِ والخارجية، وفي مقدمتها طبيعةُ التوازناتِ الدوليةِ والإقليمية. ومن هنا، فإنَّ أيَّ اصطفافٍ أو تموضعٍ إقليميٍّ ينبغي أن يُقرأ ضمن سياقٍ أوسع، يوازنُ بين متطلباتِ الاستقرارِ الداخليِّ، وضروراتِ الانفتاحِ المدروسِ على الشراكاتِ الإقليمية، وأهمها وما يشكل أساسا في بناء سورية ومواجهة التحديات التي تتعرض لها هو تركيا، التي تشكل الرئة والمناعة والحماية بالنسبة لسورية.
فلسطين وتصحيحُ قبلةِ التحالفات!
دخلتْ فلسطينُ في صحراءِ التيهِ منذُ تحالفتْ مع مشاريعِ الأعداءِ، فهل تُعيدُ النظرَ بعدَ كلِّ الخساراتِ، وتعي أنَّ مستقبلَ القضيةِ الفلسطينيةِ بينَ تركيا المنتميةِ والكتلةِ العربيةِ، فتقومُ بالتّصحيحِ الواجِب؟
الموقفُ العربيُّ ومؤشرُ الوعي السياسي
يبقى الموقفُ العربيُّ من قضايا التموضعِ السياسيِّ والاقتصاديِّ والعسكريِّ أحدَ المؤشراتِ المهمةِ على مستوى الوعيِ الاستراتيجي. فإدراكُ طبيعةِ التحولاتِ الجارية، وحسنُ تقديرِ المصالح، وبناءُ خياراتٍ قائمةٍ على التوازن بين الاستقلالِ النسبيِّ والتكاملِ الإقليمي، تمثلُ عناصرَ أساسيةً في أيِّ مشروعٍ يسعى إلى استعادةِ الاستقرارِ وتحقيقِ التنمية.
وعليه، فإنَّ السؤالَ لم يعدْ متعلِّقًا فقط بتشخيصِ الواقع، بل بمدى قدرةِ الفاعلين -كحركاتٍ سياسيةٍ ونُخَبٍ فكريةٍ- في العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ على بناءِ رؤىً عمليةٍ تُحسنُ استثمارَ الفرص، وتُقلِّلُ من كلفةِ التحديات، ضمن توازنٍ دقيقٍ بين الثوابتِ والمصالحِ، وبين الطموحِ والواقع، مع تجاوزِ النزعاتِ القُطْريةِ الضيّقةِ، والانتباهِ إلى مخاطرِ الانزلاقِ في فخِّ الاحترابِ المذهبيِّ والطائفيِّ بما يُفضي إلى استنزافِ الطاقاتِ وتشتيتِ الجهود.


