الأربعاء، 3 يونيو 2026

لو نزلتْ علينا معشرَ اليهود!

نقطة نظام 
لو نزلتْ علينا معشرَ اليهود!


قال رجلٌ من اليهود لعمر بن الخطاب: يا أميرَ المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ لاتّخذنا ذلكَ اليوم عيداً!

فقال له عمر بن الخطاب: أيُّ آية؟

فقال:   

فقال عُمر: قد عرفنا ذلكَ اليوم، والمكان الذي نزلتْ فيه على النّبيِّ ﷺ، نزلتْ يوم الجمعة وهو قائِمٌ بعَرَفة!

الدَّرسُ الأوّل:

كان يوم عرفة يوماً مهيباً، النّبيُّ ﷺ على جبل النّور يتهيأ لأعظم خطبة في التاريخ، مئة وعشرون ألفاً من أصحابه ينتظرونه ليتحدّث ليأخذوا عنه، يا اللّه، كيف تتغير الدُّنيا بسرعة! قبل ثلاثة وعشرين سنة من هذه اللحظة، نزل النّبيُّ ﷺ من غار حراء يرتجف من هول الوحي، وبين أولى كلمات القرآن “اقرأ”، وبين أولى كلمات خطبة الوداع “أيّها النّاس”، كم تعبَ وذاق الأذى وكابد المشقة ليكون لنا اليوم دين، اتَّهموه بالكذب والسَّحر وقد سمُّوه من قبل صادقاً أميناً وهو كذلك، وضَعُوا على رأسه سلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة، وأسمعوه من الكلام ما يكره، حاصرُوه في شِعب أبي طالبٍ حتى مسَّه الجوع مسَّاً، رجمُوه في الطَّائف حتى سال الدَّمُ من قدميه الشَّريفتين، تآمروا على قتله وأرادو أن يفترَّقَ دمُه بين القبائل، استكثروا عليه حتى أن يكون له ثأر! أخرجوه من قريته التي يُحِبُّ، وقاتلوه في بدر وأُحد وشجُّوا الرأس الشريف وأسالوا دمه، وحاصرُوه في غزوة الأحزاب حتى بلغتْ قلوبُ أصحابه الحناجر، وردُّوه عن البيتِ الحرام وقد جاءَ معتمراً، ثمّ جاء نصر اللّه الفتح، فاللهُمَّ اجزِه عنَّا خير ما جزيتَ نبياً عن أُمَّته!

الدَّرسُ الثَّاني:

الرَّجل الذي بدأ بالأمر وحيداً صار اليوم أُمَّة، إنَّه محمّد ﷺ أعظم إنسان في تاريخ هذه البشرية، الأميُّ الذي علَّم المتعلمين والفلاسفة والخبراء والمثقفين، اليتيم الذي ربَّى آباء العالم وأمهاته، الفقير الذي أرسى الزّكاة، وحثَّ على الصَّدقة، ووزَّع المال توزيع من لا يخشى الفقر، الذي لم يدخل كُليّةً عسكريه ولكنّه حارب كما الأبطال الشُّرفاء، والذي لم يدخل كُليَّة السّياسة ولكنّه كان أرفع رجل دولةٍ في التّاريخ، الأبّ الحنون الذي كان يفيضُ حُبًّا، والزوج الخلوق الذي كان ينبضُ حناناً، الحليم الذي لم يكن يغضب لنفسه أبداً، المتواضع الذي صعد إلى السَّماء السَّابعة، ثمّ عاد إلى الأرض يحلبُ شاته، ويخصفُ نعله، ويأكل مع المساكين، الزَّاهد بالدُّنيا حتى كان الحصير يؤثر في جنبه، ويجلسُ بين أصحابه فلا يتميَّزُ عنهم بشيء، حتى أنّ الأعرابي كان يجيء إلى مجلسه فيسأل: أيّكم محمد؟! الصَّابر الذي فقد كلّ أولاده في حياته إلا فاطمة، الرَّاضي الذي فقد زوجته خديجة، وعمَّه أبا طالب، وحبيبه حمزة، الخلوقُ، الخلوقُ جداً الذي تقول عنه عائشة: كان خُلقُه القرآن!

الدَّرسُ الثَّالث:

كان دوماً يبدأ بنفسه، فإذا أمرَ أمراً كان أوّل من يأتمر به، وإذا نهى عن أمرٍ كان أوّل من ينتهي عنه، وعلى مدى ثلاثٍ وعشرين سنة لم يُخالف فعله قوله ولو مرَّةً! في غزوة بدر دفعَ أقاربه للمبارزة، لم يُخبئهم ويُحارب بأولاد النّاس! وفي غزوة مؤته رثى ابن عمه جعفر بن أبي طالب! وعندما وقف يوم عرفة ليُسنَّ القوانين بدأ بأهله، وضعَ الجاهلية كلّها تحت قدميه، كان أوّل رِبًا وضعه رِبا عمه العباس، وأوّل ثأر وضعه ابن عمه عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعندما أراد أسامة بن زيد أن يشفع للمخزومية في حدّ السَّرقة، وسأله ألا يقطع يدها، غضبَ من أسامة غضباً شديداً، وكان لا يغضب إلا للهِ، وقال له: أتشفعُ في حدٍّ من حدود اللّهِ يا أسامة؟ ثمّّ صعد المنبر وقال للناس: وأيمُ اللّه، لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها! وحاشا فاطمة، ولكنّه أراد أن يُخبرنا أنّه لا أحد فوق شرع الله! وأنّ النَّاس سواسية كأسنان المشط!

الدَّرسُ الرَّابع:

قال لأصحابه يومها بملءِ صوته: أيّها الناس إنَّ ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، كلّكم لآدم وآدمُ من تراب!

هذا هو الإسلام العظيم الذي لا يتفاضلُ فيه النَّاسُ إلا بالتقوى! 
أبو لهبٍ الهاشميُّ في النّار، وبلال الحبشيُّ في الجنّة، أبو جهل القرشيُّ في النّار، وسلمان الفارسيُّ في الجنّة، أميّة بن خلف العربيّ في النّار، وصهيبٌ الروميّ في الجنّة! 
لو كان النَّسبُ ينفع عند الله لانتفعَ أبو لهب! ولو كان الملك ينفع لانتفعَ النمرود وفرعون! ولو كان المال ينفع لانتفعَ قارون! 
ولكنّها التقوى لا غير، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم!

العلمانيون الجدد.. تنظيم عَبَدة العناوين!

 العلمانيون الجدد.. تنظيم عَبَدة العناوين!

سليم عزوز


مشكلتي ليست مع العلمانية، ولكن مع العلمانيين الجدد، فهم ليسوا أكثر من جماعات وظيفية، تؤدي دورها في خدمة الاستبداد ومساندته في شتى الساحات، بما فيها أن يتحولوا إلى أدوات للفرقعة تستهدف سحب الرأي العام بعيدا عن أزماته الحقيقية!

ومن العبث أن كثيرين لديهم فائض طاقة، مع أنه يصب عليهم البلاء صبا، فينشغلون بهذا القول وذاك القائل، باعتبارها الحرب على الإسلام، والخوف من هزيمة الدين على أيدي هؤلاء، وهي حالة تبعث على الكدر؛ ذلك بأن أي نقاش حقيقي مع العلمانيين الجدد من شأنه أن ينتج الدليل الشارح للطبل الأجوف!

العلمانيون الجدد يتعاملون بأسلوب الصدمات الكهربائية، فيكفي أن يقول أحدهم قولا يستغربه البشر، فيكون هذا مدخلا للهجوم بدون نقاش، وهو ما يحقق لهم ما يصبون إليه، وللدقة كل ما يصبون إليه، فلفت الانتباه إليهم، والانشغال بهم، هو غاية المسعى في نجاح الدور الوظيفي للاستبداد. والنقاش من شأنه أن يعريهم، لأنهم يفتقدون الفكرة المتماسكة، ويواجهون مَن زادُهم من الدين هو العاطفة الدينية، فيتحركون لنصرة دينهم مدفوعين بالخوف، وكأنهم يتعاملون مع فكرة بشرية، وليس مع دين تكفل الله ببقائه، بحسبانه الدين الخاتم!

والصدمات الكهربائية لا تمثل فكرا يُستند إليه، ولا يتعامل بها إلا من يعاني الخواء الفكري، وأثرها يزول حتما بالنقاش الحقيقي للفكرة المعلنة. ولقد عشنا مع دعوة "قانون العبادة الموحد"، باعتبارها دعوة علمانية، وبدا الآخرون لا يريدون نقاشا، لأنهم ينطلقون من تصور بليد، يقوم على أن عدد المساجد ومساحتها أكبر عند مقارنتها بعدد السكان، في حين أن ديرا واحدا أكبر مساحة من مساجد القاهرة الكبرى جميعها.

عندما جاء موعد إقرار قانون العبادة، على أنقاض "الخط الهمايوني"، تكلمت الكنائس في قانون عبادة خاص بالمسيحيين، وسكت العلمانيون الجدد، فلم يطالبوا بقانون عبادة موحد لكل أبناء الوطن، لأنهم كانوا يمارسون النصب باسم الدولة المدنية


ومن عجب أن ينطلق بعض الحقوقيين، الذين جعلوا من الطائفية مدخلا لنشاطهم الممول من الخارج، من أن عدم وجود قانون عبادة موحد بين المسلمين والمسيحيين هو لون من ألوان الطائفية المقيتة، والأعجب هو صمت الكنيسة مع مثل هذه الدعوات، فلا تقول إنها لا تريد مثل هذا القانون!

وقد انبريتُ ودعمت فكرة قانون العبادة الموحد، لأن أحدا لا يقول إنه ليس لمصلحة الكنائس، وإذا استبعدنا ملف الأديرة من الموضوع، فإن معايير الدولة المدنية هي أن يسري قانون واحد على كل دور العبادة، فإما أن تكون تابعة جميعها لوزارة الأوقاف، تعين القساوسة كما تعين الأئمة، وإما أن تخلي سبيلها جميعا، فتكون تبعية المساجد، كما تبعية الكنائس، للمؤسسة الدينية، وهي الأزهر، في مقابل الكنيسة. ووزارة الأوقاف ليست هي المعادل الموضوعي في هذه المسألة.

ساعة الجد، وعندما جاء موعد إقرار قانون العبادة، على أنقاض "الخط الهمايوني"، تكلمت الكنائس في قانون عبادة خاص بالمسيحيين، وسكت العلمانيون الجدد، فلم يطالبوا بقانون عبادة موحد لكل أبناء الوطن، لأنهم كانوا يمارسون النصب باسم الدولة المدنية، ولأنهم يدركون أن الصدمات الكهربائية تأخذ البعض للدفاع عما يعتقدون أنها امتيازات لصالح المساجد، مع أنها غير حقيقية!

المعركة مع الأزهر:

وفي هذه الأيام ينشط هؤلاء النفر، الذين لا هم حركة ولا تيار، ونشاطهم هو من باب النضال المجاني، الذي لن يتسبب لهم في مشكلات مع أنظمة القمع، لأنه يخدم أهدافها، دون أن تكون ملزمة بمكافأة هؤلاء الخَدَم، وفي المقابل يضمن هؤلاء حضورا عاما، وشهرة يريدونها، دون أن يكلف أحدهم نفسه صياغة رأيه بشكل مناسب، أو قراءة كتاب واحد. والسلطة بحاجة إلى من يقوم بذلك، وهي تريد أن تمرر قانون الأحوال الشخصية وفق حسابات خارجية، دون المرور على الأزهر الشريف.

لقد جربت السلطة في السابق وسيلة التطاول على شيخ الأزهر، فيقوم مذيع هنا ومذيع هناك بإهانته، وعندما يصدر حكم قضائي بإدانة من أهان الرجل، متجاوزا حدود النقد المباح، تتدخل السلطة وتلغي الحكم! إلى أن حدث ذات مرة أن فعلها واحد من مقدمي برامج التوك شو، وإذا بتحرك الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، في معركة دفاع عن الشيخ، عندئذ أدركوا أن ممارسة أسلوب التطاول لن تمر بسلام، فتطوع العلمانيون الجدد للقيام بالمهمة، لكي يتم تمرير قانون الأحوال الشخصية وفق المقاييس الخارجية!

من قبل قالوا: لا بد من قانون موحد للأحوال الشخصية، ليضع البعض أيديهم على قلوبهم مخافة أن يحدث هذا، وهؤلاء الذين يسارعون في الخوف هم من يكونون سببا في نجاح مهمة المتعاملين بالصدمات الكهربائية، مع أن المنطق هنا هو أن يُطلب منهم موافقة الكنائس الثلاث على ذلك، ولن توافق عليه كنيسة واحدة، وفي مثل هذه الحالات يترك ممثلو الديانات الأخرى العلمانيين الجدد، دون وقفهم بإعلان أنهم لا يوافقون على أن يكون قانون الأحوال الشخصية موحدا، فهم بالكاد، وبعد سنوات طويلة، تمكنوا من إعداد قانون يحوز موافقة الكنائس، وكانت هذه الموافقة مشكلة عويصة تواجه البابا شنودة!

سلطة التشريع.. الأزهر أم البرلمان:

لقد أعدت الكنائس قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، ووضع العلمانيون الجدد أحذيتهم في أفواههم، فلا كلمة عن مدنية الدولة، ولا حديث عن أن هذا من ملامح الدولة الدينية كما يتخيلونها، ولم يقل أحد منهم إن سلطة التشريع في الدولة المدنية للبرلمان، وليس للبطريرك، لكن عندما فوجئنا بقانون للأحوال الشخصية للمسلمين تم سلقه بليل، نفروا خفافا وثقالا، يتحدثون عن أن الدولة المدنية الحديثة لا تبيح دورا لرجال الدين في أي شأن من شؤون الحكم، ومن بينها التشريع الذي هو سلطة البرلمان.

ونقف أمام جهَلة لا يميز أحدهم بين إعداد القانون وإقراره، فاندفعوا يقولون إن التشريع من سلطة مجلس النواب، في حين أن الحديث هنا عن مشروع قانون أعدته لجنة حكومية باطلة، انتهى دورها بموجب قرار تشكيلها، ولكنهم يمارسون التضليل.

العلمانيون الجدد يعبدون عناوين اسمها مؤسسات الدولة، مع افتقاد الشجاعة في أن القيمة ما دامت للمؤسسات، فلا بد من الوقوف ضد العبث بها وتفريغها من المضمون، والأصل أن البرلمان يعبر عن الشعب بانتخابات نزيهة، فهل ضُبط أحدهم متلبسا يوما بإدانة تزوير إرادة المواطنين، وتشكيل مجلس نواب سابق التجهيز؟! ألم يصلهم نبأ ذلك؟!

إن قانون الأحوال الشخصية، في جانب كبير منه، هو دين، والدين شأن للأزهر بنص الدستور، ولا أريد للحوار أن يكون قانونيا، فهم يجهلون القانون، كجهلهم بالعلمانية ونشأتها الأوروبية، التي جاءت للوقوف ضد تسلط الكنيسة وحمايتها للاستبداد، فكانت دعوة إلى الحرية، فأين هؤلاء من معارك الحرية، وهم لا يعرفون إلا موضوعا واحدا، وهو إبعاد الأزهر عن شؤون الدولة والحياة؟ ولا أقول إبعاد الإسلام، لأن الحاصل الآن ليس هو الفصل بين الدين والحكم، ولكن الإشكالية في أن النظام الحاكم هو من يريد احتكار الإسلام، باعتباره أعلم من الجميع به!

ولم تصادف الشجاعة يوما أحدا من هؤلاء، فيقول للحاكم وهو يسعى لاحتكار الفهم الديني: مكانك! وذلك عندما يتحدث حديثا أقرب إلى زمن الحكم بالحق الإلهي، وبما يتنافى مع قيم الدولة الحديثة، عندما يقول إن الله هو من سيحاسبه وليس أحدا غيره، ففي الدولة المدنية الحديثة الشعب هو من يحاسب الحاكم، ويختاره، ويعزله، فلماذا لا يمدون الحبل على استقامته؟!

بل لم ينطق أحدهم بكلمة دفاعا عن قيم العلمانية، في مواجهة ترامب، الذي أوشك أن يدعي أنه "المسيح الحي"، فهذه علمانية انتقائية، فضلا عن أنها ليست العلمانية كما جاءت في نشأتها الأوروبية!

أساس العلمانية الحديثة:

لقد انبعث أشقاها يفرقع "بمب" العيد، فوضع أساس العلمانية، وعلى طريقة الصدمة الكهربائية، فقال إنها حق كل إنسان في اعتناق أي دين، أو تغيير دينه، أو تركه، وممارسة الشعائر الدينية من عدمها حق، ما دام لا ينتهك حقوق الآخرين والقانون، والفصل بين السلطة الدينية والسياسية، وألا تحكم المؤسسة الدينية الدولة مباشرة، فشرعية الحكم تأتي من القانون والمواطن!

إنه يضع من ضمن مبادئ العلمانية أن المؤسسة الدينية لا تحكم الدولة، مع أنها لم تتصد للحكم، ويؤكد أن شرعية الحكم تأتي من القانون والمواطنين، دون أي حديث واضح عن أن سلطة وضع القوانين ينبغي أن تكون منتخبة انتخابا حرا من الشعب، فهل ضُبط أحدهم يوما يندد بتزوير الانتخابات؟!


إنه يدرك أن أحدا لن يناقشه مع الصدمة الأولى الخاصة بالحق في التحول الديني، لتحرك العاطفة الدينية وهي تستدعي حديث الردة، وهو موضوع شرحه يطول، وقد تداخل فيه السياسي والديني، مع أن الواجب أن نؤيد هذا الحق، وعندئذ سيتوقف العلمانيون الجدد تماما عن الكلام فيه؛ لأن آخرين سيرفضون ذلك، فمع كل حالة اعتناق للإسلام، يكون الإعلان أن من فعلت ذلك تم اختطافها!

ولا يتحدث العلمانيون الجدد عن إعادة من تعتنق الإسلام إلى الكنائس، ولم يدافع أحدهم عن حق وفاء قسطنطين مثلا في أن تعيش حياتها كما تريد، هل يجهلون فعلا أنه تم تسليمها للكنيسة بأوامر من زكريا عزمي، لتعيش في الدير، وكأن البطريرك هو رئيس دولة المسيحيين، وبينه وبين القاهرة اتفاقية تسليم مجرمين؟! لماذا لم يطالب أي منهم بلجنة تقصي حقائق للوقوف على الحقيقة، احتراما لقيم العلمانية، والحق في اعتناق أي دين، أو تغيير دينه، أو تركه؟!

ولماذا لا يعلنونها صريحة في مواجهة الموقف والرأي السياسي من المؤسسات الدينية الأخرى، ولا يشغلهم سوى الأزهر، لأنه ليس على "مزاج السلطة"؟!

انتبه، إنه يضع من ضمن مبادئ العلمانية أن المؤسسة الدينية لا تحكم الدولة، مع أنها لم تتصد للحكم، ويؤكد أن شرعية الحكم تأتي من القانون والمواطنين، دون أي حديث واضح عن أن سلطة وضع القوانين ينبغي أن تكون منتخبة انتخابا حرا من الشعب، فهل ضُبط أحدهم يوما يندد بتزوير الانتخابات؟! كما أن الحديث عن أن المواطنين ينبغي أن يكونوا المصدر الثاني للشرعية -بعد القانون- يلزمه الدعوة إلى انتخابات حقيقية، يختار الشعب حاكمه عبرها!

إن جوهر العلمانية هو رفض الاستبداد، وقد ثارت على استبداد الكنيسة، ونسق الحكم بالحق الإلهي التي أوجدها حكم رجال الدين، لكنهم لا يجرؤون على أن تكون الكنيسة جزءا من جملة سلبية!

ولم نشاهد حكم الكنيسة، كما أننا لا نعيش في دولة يحكمها الأزهر، لكن المنطقة موبوءة بالاستبداد العسكري، حتى أصبحت الانقلابات العسكرية في القارة السمراء من المعلوم منها بالضرورة، والعسكر فيها هم حلفاء فرنسا، بلد النور ورعاياها، ولم تمنع العلمانية المتشددة فرنسا من الوقوف وراء هذه الانقلابات، ومن استمرار الحكم العضوض، ولا نجد مدعيا للعلمانية من هؤلاء النفر يدين هذا اللون من الاستبداد لإثبات انتماء أصيل لقيم العلمانية! وهو النصب الذي يمارسه من ليسوا على شيء، في معارك النضال المجاني، وهم يرفعون لافتات لا يمكن أن تصمد أمام أي مناقشة حقيقية!

إنهم تنظيم عَبَدة العناوين!

x.com/selimazouz1

اليوم نرمي الدفاتر وغدا نفقد الإنسان

 اليوم نرمي الدفاتر وغدا نفقد الإنسان


  • ماذا تكشف ظاهرة رمي الكراريس عن أزمة التعليم؟

عند انقضاء الموسم الدراسي، تبرز بعض السلوكيات السلبية لدى المتعلمين، كرمي دفاترهم في الشارع، وتحطيم نوافذ المدارس، في صورة لا تمثل الأهداف السامية التي يسعى إليها النظام التعليمي، ولا تعد تعبيرا إيجابيا عن ملمح التخرج الذي تتبناه الجماعة التربوية للطلبة. فقد أصبح "رمي الكراريس" في الشارع ظاهرة اجتاحت مختلف الأطوار التعليمية، بعدما كان الاحتفاء بنيل الشهادات العليا يتمثل في إلقاء "قبعة التخرج" في السماء إيذانا ببدء مرحلة حياتية جديدة نحو عالم الشغل.

ومن الضروري النظر إلى تلك التصرفات الدخيلة على المجتمع، والتي تشكل "خطرا مستداما" على استقرار البنى التعليمية والهوية الاجتماعية، إذ تعبر عن صورة مخيفة للعنف الرمزي تجاه ما يفترض أنه اللبنة الأولى لمستقبل الأجيال، والطريق الأنسب لمحو التبعية والخنوع. فلا شيء يحمل معنى للنظام التعليمي أكثر من "حقيبة المتعلم" التي تجعل منه ذاتا باحثة عن صور النجاح.

قد نتفق على أن ثمة "عقبة تربوية" تواجهنا جميعا، مفادها اللامسؤولية الجماعية في تحقيق الارتباط الروحي والمعرفي بين التلميذ والمناهج والمجتمع، غير أن علينا أن ننظر بعمق إلى الأسباب التي أوصلتنا إلى مثل هذه التصرفات: فهل تقف الجماعة التربوية أمام تحديات ثقافة عابرة تستحوذ على كل شيء؟ أم إن بنية النظام التعليمي تحتاج إلى أطر أكثر إبداعا ومرونة؟

المتعلم يقف أمام اختبار مكتسباته عند ملمح التخرج، الذي يفترض أن يعزز قيمه وتنوعه وابتكاره، بل إن تحصيله الدراسي السنوي قد لا يتجاوز دفتي الكراس

ما الذي لا نتعلمه؟

تدور إشكالية التصرفات السلبية للمتمدرسين حول علاقتها بنظام ثلاثي معقد، يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه من أكثر الأنظمة حساسية وإفراطا في البحث عن المعنى. إذ تقوم عناصره الثلاثة: المناهج، والمدارس، والجماعة التربوية، على رسم صورة حضارية للدولة، وتشكيل حصن هوياتي في مواجهة الثقافات الأخرى.

ويقوم هذا الارتباط بالضرورة على قواعد أخلاقية غايتها المتعلم. ويمكن القول إن التلميذ هو الحلقة الأساسية في العملية التعليمية التربوية، لإنشاء جيل يتمتع برؤيته الخاصة ويبتكر أدواته الجمالية والإبداعية، من أجل أن تقف الدول والمجتمعات أمام اختبار أخلاقي يتعلق بالمسؤولية السياسية والاجتماعية، لخلق فضاءات تكوينية تسمح بإنتاج ذوات تتمتع بالكفاءة النفسية والجمالية، وتتصالح مع مناهجها التعليمية، بدل أن تنظر إلى المدرسة باعتبارها مجرد "لمجة وسبورة". فالمدارس تمثل اتفاقية حضارية بين المجتمع والدولة، بنودها منظومة تعليمية داعمة للهوية، وليست سجنا ناعما.

يتهافت البعض على القول بضرورة تطوير النظام التعليمي، لكننا نتغافل عن البحث في سؤالين أساسيين: ماذا يتعلم المتعلم؟ وما الذي يمكن أن يجعله إنسانا فاعلا اليوم قبل الغد؟

بعد ذلك يمكننا أن نتفق على أن المعارف والمناهج هي التي ترسم هويتنا وتحفظ مجتمعنا وتنمي فينا روح الوطنية. لكن ماذا عن اللوحة التي تتوارى خلفها أحلام الأطفال، حيث المستقبل ترسمه براعم ناعمة وابتسامات حقيقية، حين يسأل المعلم تلميذه عن حلمه، فيجيب قائلا: "أريد أن أكون معلما".

إن النظام التعليمي ضروري لتحصيل المعارف واكتساب المهارات، غير أن الأهم هو تنشئة جيل يؤمن بأن محفظته ودفتر معارفه، اللذين يخط فيهما كل يوم، ليسا إلا طريقا أوليا نحو معرفة ذاته وبناء دولته، لا التزاما اجتماعيا يسلبه حريته وكرامته. فهو يرى أن "الجميع استقال" من أداء مسؤولياته التاريخية إلا هو، وأن الجميع يناصبه النصائح ويراقب أفعاله، متوقعا له أن يكون في عداد الفاشلين.

حين ترمى الدفاتر

يفترض أن يعد تكسير نوافذ المدارس، ورمي الدفاتر وتمزيقها في الشارع، تصرفا غير لائق تجاه منظومة متكاملة ومتوازنة. فالمتعلم يقف أمام اختبار مكتسباته عند ملمح التخرج، الذي يفترض أن يعزز قيمه وتنوعه وابتكاره، بل إن تحصيله الدراسي السنوي قد لا يتجاوز دفتي الكراس.

ويتشكل هذا "العنف المعرفي" ضد النظام التعليمي، الذي يتخذ صورة الدفتر والمدرسة، في ظل تأخر المناهج عن استيعاب الطاقات المتجددة للطلبة، وكثافة الحشو بدل التنوع، وارتهانها لامتحانات مصيرية تجعل ملمح التخرج المعرفي معلقا بمدى استجابة المتمدرس للنقطة. وهذا التصور للمعرفة هو ما ينفخ الذات المهووسة بالتحطيم والرفض السلبي.

حين يلقي التلميذ دفاتره في الشارع ويمزقها، فهو يعبر ضمنيا عن حالته الاجتماعية والنفسية المتأزمة، لا خلال موسم دراسي فحسب، بل طوال سنوات التمدرس التي يبدو أنها تسرق أحلامه وتحشره في زوايا العلامة الكاملة، لا الابتكار والتنوع. الأمر الذي يجعله إنسانا بلا معنى، هدفه تبرير الإخفاقات المتكررة لمنظومات تعليمية كان من الواجب عصرنتها وتقليل كثافتها، للحفاظ على نقاوة الذات المتعلمة، قبل أن نصطدم في المستقبل بعنف يفوق تحطيم نوافذ المدارس.

تدق أجراس الخطر إزاء مجتمع يظن نفسه متحررا ومواكبا للحضارة ومتناغما مع العصرنة، لكنه في الحقيقة يدخل نفقا معتما، غارقا في أوهام مستوردة

استقالة جماعية

لا يمكننا لوم النظام التعليمي فحسب، فثمة ما يمكن تسميته "استقالة جماعية" انساق إليها طوعا أولئك القائمون على ما يفترض أنهم صناع الهويات والحصن المتين للمستقبل. فإذا نظرنا إلى العائلة والمجتمع، نجد أن كثيرا منهم لا يبرح هوس حصول أبنائهم على أعلى النقاط. كما أن الإفراط في تحميل المناهج وتجريبها دون تقديم نقد حقيقي لها أسهم في حشو عقول المتلقين، بدل أنسنة النظام التعليمي، ما نجم عنه رضوخ شبه كلي للجماعة التربوية وتخليها عن مقاربة المعارف مع واقعها المعاش.

هي استقالة جماعية بكل ما تحمله العبارة من معنى، لا على الجانب التعليمي فحسب، بل امتدت لتطال احترام المدرسة والمعلم والمنظومة والمناهج. فالمجتمع أصبح ينساق نحو وهم الدروس الخصوصية والترندات والتباهي بمكاسب طفولية، في وقت يحتاج فيه المتمدرسون إلى احترام اختياراتهم وأحلامهم.

فلا قيمة للدفتر والمدرسة والسبورة ما لم ندرك أن الخلاص يبدأ أولا من فهم الطفل، ذاك المشروع الأساسي للنظام التعليمي والدولة برمتها.

وحري بنا ألا نتغاضى عن المعضلة التي تجتاحنا مع كل نهاية فصل دراسي. فربما تتمثل ظاهريا في بعثرة الدفاتر وتحطيم نوافذ المدارس، لكنها أعمق بكثير. إذ تدق أجراس الخطر إزاء مجتمع يظن نفسه متحررا ومواكبا للحضارة ومتناغما مع العصرنة، لكنه في الحقيقة يدخل نفقا معتما، غارقا في أوهام مستوردة.

فما نشهده من تصرفات سلبية يرسم صورة موت الإنسان، حيث لا معنى للأشياء ولا قيمة للحضارة، واغتراب موحش يقتات على الطفولة.

ويجدر بالذكر أن دولا عدة عالجت ظاهرة رمي الكراريس بجمعها وإعادة تدويرها ضمن حلقة اقتصادية واعدة، غير أن المسألة لا تقتصر على حلول استعجالية لسلوكيات تنخر بنية المجتمع والنظم التعليمية. فتمزيق الكراريس ليس إلا نتيجة حتمية لتراكمات سياسية واجتماعية.

وما لم نتدارك الأمر بوضع خطط حقيقية لمعالجة هذه الاختلالات، فإننا سنخسر أجيالا متعاقبة أنهكتها الأزمات والجوائح، وأصبحت، مع كل نهاية موسم دراسي، ترمي بذاتها في الشارع، سائلة: "هل من منقذ؟"

«وكذلكَ يجتبيك ربُّك»

 خواطر صعلوك

«وكذلكَ يجتبيك ربُّك»


عزيزي القارئ، أسال الله لك العافية...

لقد أفسدت ثقافتنا الاستهلاكية المعاصرة فهمنا لأعمق المصطلحات الروحية والقرآنية... نحن اليوم مبرمجون على أن «الاصطفاء» يُترجم فوراً إلى حياة مخملية خالية من المنغصات؛ سيارة فارهة، رصيد بنكي متضخم، وتصفيق مستمر من الجمهور... اعتقادنا الساذج أن الخالق سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً، فُرِشتْ له الأرض بالورود!

لكن، لو وضعنا هذا الفهم السطحي جانباً، وتأملنا أروع القصص القرآني في سورة يوسف، وتحديداً عند تلك اللحظة المفصلية التي يقص فيها يوسف رؤياه على أبيه يعقوب، سنُصاب بصدمة وعي حقيقية.

يقول يعقوب لابنه، مبشراً ومؤكداً:

﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.

«الاجتباء» يا سادة يعني الاصطفاء والاختيار والانتقاء بعناية فائقة... وليس بناءً على فهمنا القاصر به... ماذا حدث في اليوم التالي؟ بدأت أسوأ سلسلة من الكوارث يمكن أن يتعرّض لها إنسان!

خيانة من أقرب الناس (إخوته)، إلقاء في بئر مظلمة وموحشة، ثم الاختطاف والبيع في سوق النخاسة بثمن بخس، ثم العبودية في قصر غريب، لتنتهي هذه الرحلة المأسوية بالسجن لسنوات طوال!

هل «الاجتباء»؟ يعني أن يمر صاحبه بطريق مليء بالابتلاءات؟

لكي نجيب عن هذا السؤال علينا أن نغوص في تجلي المعنى الفلسفي لحقيقة الاجتباء... فالقدر لا يختارك لكي يدلك، بل يختارك لكي «يصنعك» ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾.

الابتلاء ليس عقاباً للمجتبى، بل هو «منهج تدريبي» مكثف وقاسٍ لكسر كل ما هو زائف فيه.

عزيزي القارئ... في البئر، تعلّم يوسف أن لا سندَ له إلا الله بعد أن خذلته رابطة الدم... وفي قصر العزيز، واجه فتنة الشهوة والمال ليتعلم متانة العفة وصرامة المبدأ... أما في السجن المظلم، فخضع لاختبار الصبر المطلق وفهم معادن الرجال. لذلك لم يكن الابتلاء هنا نقيضاً للاجتباء، بل كان «الوجه الآخر» له.

كل مصيبة تكون بمثابة ضربة مِطرقة تنحت تمثال الروح، ليكون الإنسان جاهزاً لحمل الأمانة. ونحن نتحدث هنا بعيداً عن مقامات الأنبياء، هذا القانون الإلهي يسري على البشر العاديين أمثالنا وبأشكال متعددة، فاجتباء العزلة، حين تفقد فجأة دائرة أصدقائك، وتجد نفسك وحيداً، وتظن أنك منبوذ.

في الحقيقة، الله سبحانه وتعالى يجتبيك لتفرغ قلبك من ضجيج البشر المرجفين، ويهيئك لاستقبال وعي جديد لا ينمو إلا في الهدوء... كذلك اجتباء الفقد والخسارة، فعندما تُسلب منك وظيفة مرموقة، أو مشروع تجاري بنيت عليه أحلامك، أو تُغلق في وجهك أبواب الرزق السهلة.

هذا ليس سخطاً، بل هو دفع قسري لك لاكتشاف مساحات عبقرية في ذاتك لم تكن لتكتشفها لو بقيت قابعاً في منطقة «الراحة الخادعة».

الاجتباء في حياتنا هو أن تنتزع من سطوع «المألوف والتفاهة»، إلى ظلام «الابتلاء»، لكي تعيد اكتشاف نورك الداخلي.

عزيزي القارئ، لعلك تسأل الآن... متى ينتهي هذا التدريب الشاق؟

ينتهي عندما تنضج الروح تماماً، وتصبح عصيّة على الكسر أو الغرور.

حينها فقط، وبعد سنوات من الإبتلاء والوصول إلى حالة الاستيئاس تتشابك خيوط القدر العبقرية.

تتغيّر الأحوال... يخرج يوسف من السجن، لا ليطالب بتعويض مالي عن سنوات الحبس، ولا لينتقم من إخوته، بل ليقف أمام الملك ويقول بثقة الذي صقلته التجارب ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.

هذا هو «التمكين»... التمكين ليس أن يأتيك النجاح على طبق من ذهب وأنت فارغ وهش، فلو حدث ذلك لأفسدت وتجبرت... التمكين الحقيقي هو أن تقف على قمة النجاح، وتنظر إلى خزائن الأرض تحت قدميك، وتتذكّر برودة البئر، وذل العبودية وظلمة السجن، وخيانة الأقربين، فتعلم يقيناً أنك لم تصل بذكائك ولا بشطارتك، بل بعناية من اجتباك ورعاك وجعلك ترى البراهين... وابتلاك ليصنعك.

يا عزيزي، إذا رأيت الأبواب تُغلق في وجهك، والضربات تتوالى على رأسك وأنت تسعى في طريق الحق والخير، فلا تجزع، ولا تظن أن الله قد نسيك... ربما تكون الآن في قاع «البئر» معنوياً، لكن تذكر دائماً... أن البئر كانت أولى خطوات الاجتباء نحو عرش مصر.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

مغيث وبريرة

 مغيث وبريرة

 د. محمد علي يوسف 

يمشي في طرقات المدينة ودموعه الساخنة تخضب لحيته..

 يطوي الأزقة بخطىً تائهة وعبراته المنهمرة تغسل وجهه الشاحب.

مشهدٌ بالغ القسوة؛ لو طالعته مرسوماً في لوحة كلاسيكية، أو قرأته بين دفتي مأساة روائية، لتصدع قلبك رثاءً لهذا البطل المنكسر حتى المشهد الأخير.

 رجلٌ يبكي عشقه على ملأ من الناس، تسبقه لوعته وهو يقتفي أثر امرأة كانت يوماً سكنه، هائماً لا يعبأ بفضول المارة، ولا يكترث لكبرياء الرجال الخشن الذي يتهشم صاغراً تحت مطارق الفقد.

اسمه «مغيث»..

دمعاته المنهمرة وخطواته المتعثرة كانت بسبب امرأة!

 اسمها «بريرة».

كانت بريرة زوجة مغيث أَمَةً أعتقتها السيدة عائشة رضي الله عنها، بينما ظل الزوج على حال عبوديته..

 وحين نالت حريتها وصارت ولايتها لنفسها منحها الشرع حق الخيار:

 إما البقاء مع زوج لم يزل عبداً، أو فسخ عقد النكاح وتأسيس حياة جديدة.

وقد اختارت الحرية الكاملة.

اختارت أن تنزع هذا الرجل من نسيج حياتها لسبب آخر ليس بقاءه في العبودية

 هي لم تكن تطيقه.

لم يكن مغيث رجلاً سيئاً، ولم نقرأ في كتب السير وتراجم الرجال أنه كان يضربها، أو يهينها، أو يسيء عشرتها.

الأمر كان فقط حباً من طرف واحد..

رجل يفيض قلبه بحب امرأة، بينما قلبها أقفر تماماً من ناحيته..

صار نحوه أشبه بصحراء قاحلة، لا تقطعها قوافل الود أبداً، ولا تسقيها حتى أمطار الشفقة.

لكن.. هل أذنب مغيث؟!

هل ارتكب جرماً شرعياً بانسياقه خلف عاطفته الجياشة التي أسقطت كبرياءه في طرقات المدينة؟

قد يثب إلى ذهنك هذا التساؤل الملح: أليس هذا التعلق الشديد والبكاء العلني خلف امرأة = مذلة وهوانا؟

 أليس في هذا خروج عن مقتضيات الرجولة الصارمة التي نألفها؟

ربما تكون الإجابة بـ«بلى» عند تمام القدرة واستقامة الإرادة

لكن الحق أن الشريعة لا تؤاخذ الإنسان على ما لا يتحكم فيه بشرط ألا يمتد إلى ما يتحكم فيه.

ومغيث لم يعتدِ..

لم يظلم بريرة ولم يجبرها..

ولم يتجاوز حد الشرع أو يمارس عليها أي إكراها غاشما لإجبارها على العودة.

هنا أجاب العلماء أنه لا حرج على مسلم في هوى امرأة مسلمة وحبه لها مادام لم يترجم ذلك لمحرم

“عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّاۤ أَن تَقُولُوا۟ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا”

لذلك لم يرد أي دليل صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على مغيث مشاعره..

ولو أن ثمة إثم فلم يكن ليؤخر البيان عن وقت الحاجة..

ولذلك ذهبوا إلى أنه لا إثم على المرء حتى إذا إن ظهر وجده، طالما أنه لم يأتِ مُحرَّماً ولم يغشَ مأثماً.

لكن لا يؤاخذ الإنسان على ألمه وعاطفته، ولا يعاقب على نبض قلبه..

وحتى إن كان هذا الصنيع يُعد “خلاف الأولى” ويخدش كمال المروءة، فإن ترك “الأولى” لا يعني الوقوع في “المعصية”.

 والنبي ﷺ لا ينكر إلا ما كان حراماً بيناً، أو مكروهاً ظاهراً، أو مؤدياً لفساد.

 أما ما يُعد مجرد ضعف بشري وقلب مكسور، فهو مستحق للرحمة لا للإنكار؛

إذاً فالرجل غير ملوم شرعاً أو طبعاً على فرط هواه، ما دام قلبه يغلي بالحب وجوارحه ملتزمة بأدب الشرع.

والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والحب القهري قدرٌ ينزل بالمرء وليس دوما لا ذنبا يُقترف مع سبق الإصرار والترصد.

والدليل العملي هنا..

فمغيث كان يمضي في طرقات المدينة لوعة وحزناً، وكأنه فقد السيطرة على ما كان ينبغي أن يخفي ما يجد في نفسه من فرط الهوى وشدة الحب وما تحركه لواعج الفراق… فقط إن استطاع.

لكن يبدو أنه لم يستطع!

 القلب قد كُسر ففاضت العين

هذا ما حدث

وحين كان يمضي في أزقة المدينة يبكي، رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير إلى جوار عمه.

وفي مشهد إنساني بديع، التفت النبي إلى عمه العباس قائلاً بتعجب الخبير بتركيب النفس البشرية المعقد وأسرارها الغامضة

“يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً؟”

لقد التقط النبي صلى الله عليه وسلم هذه المفارقة الموجعة، ووضع يده على الجرح النازف.

حبٌ يبلغ حد التذلل وانهمار الدمع، وبغضٌ يبلغ حد النفور التام والإعراض المطلق..

 كان ذلك “بعد” ما بانت منه وانفصلت عنه.

ولو كان هذا التتبع قبل اختيارها لنفسها وفسخها للعقد كما حاول البعض حمل الأمر بتكلف؛ فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقول لها لاحقاً: “لو راجعتِه”؛

 لأنه لا يُقال لامرأة في بيت رجل وتحت عصمته: “لو راجعتِه”، وإنما تُطلب المراجعة ممن فارقت زوجها فعلاً..

لكن هذا المشهد تتجلى فيه أدق مواطن الفقه النبوي في مراعاة الطبائع البشرية، والتفريق الواعي بين صرامة الحكم الشرعي وسيولة المشاعر الإنسانية.

النبي لم يرَ في بكاء مغيث نقصاً في دينه أو هدماً لرجولته.

إن دموع مغيث كانت ببساطة عرضا لبشريته ولم تكن خطيئة تستوجب التقريع.

لذا لم يُنكر عليه النبي ﷺ ولم يوبخه.

لقد رأى أمامه مأساة إنسانية رقيقة لرجل مكلوم، فاختار طريقا آخر..

طريق الشفاعة والإصلاح..

لقد تحركت رحمة النبي، وقرر أن يتدخل.

الرسول الأكرم، قائد الأمة، وقاضيها، وقبل كل ذلك نبيها وأسوتها؛ يتقدم بنفسه لحل أزمة بين عبد وأَمَة من فقراء الخلق.

ها هو يقف أمام بريرة ويقول لها بكلمات تقطر رقة وشفقة:

“لو راجعتِهِ فإنَّهُ أبو ولدِكِ»

هنا تتجلى أعظم لحظات الوعي الإنساني، وأرقى مشاهد احترام الحدود الشخصية..

امرأة بسيطة، كانت قبل أيام فقط تُباع وتُشترى في الأسواق، تقف أمام سيد الخلق ثم تجيب شفاعته بسؤال يحمل من الذكاء الفقهي والتأدب مع الصلابة النفسية، والفهم الدقيق للمقامات، ما يعجز عنه كثير من الناس اليوم..

“يا رسول الله.. أتأمرني؟”

هي هنا تفصل بدقة بين مقام النبوة الذي يوجب السمع والطاعة التامة بلا نقاش، وبين مقام الشفاعة البشرية الذي يقبل الاعتذار.

 لو كان أمراً من السماء، فالظن بها أن تضغط على قلبها، وتبتلع نفورها، وتطيع راضية مرضية.

لكن النبي يدرك تماماً أن شأن القلوب لا يدار بالأوامر الصارمة، وأن المشاعر لا تُستزرع بالتوجيهات المنفصلة عن الواقع.

لذلك أجابها برحمة تتسع لضعف البشر وتقلبات أرواحهم:

“إنما أنا شافع”.

هنا جاء ردها القاطع كحد السيف:

“لا حاجة لي فيه”.

… انتهى الموقف.

الأمر محسوم إذاً!

لم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتغير ملامحه الشريفة.

لم يقل لها النبي: “كيف تردين شفاعتي؟”.

لم يقل لها: “اتقي الله في الرجل الذي يذوب عليك حزناً، فدموعه ستكون لعنة تلاحقك في الدنيا والآخرة”.

فقط تركها تمضي في طريقها بسلام، وترك مغيثاً لاختباره مع العشق.

فالقلب، تلك المضغة الصغيرة المخبأة خلف القفص الصدري، هو قلعة سيادية بامتياز؛ لا يُقتحم بالشفقة، ولا يخضع لقوانين التعاطف المجاني.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسى قاعدة أن القلوب بيد الرحمن يقلبها كيف شاء

إن بغض شخص لآخر لمجرد كراهة القرب منه لأي سبب ولو كان عدم تآلف أرواح وافتقاد ارتياح غير مبرر = هو أمر جائز ولا إثم فيه، طالما أنه لم يتحول إلى بغي وعدوان.

“الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”

هكذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة الأرواح

وهكذا كان يقضي على أساسها

ألم يأتِهِ من قبل خبر امرأة ثابت بن قيس بن شماس؟

ذلك الصحابي الجليل صاحب الدين والفضل والمكانة العالية… جاءت زوجته إلى النبي تطلب الفراق لا لشيء يعيبه في دينه أو خلقه، ولكن لدمامة أو قبح لم تستطع معه صبراً، حتى افتدت منه بحديقتها!

أجاز لها الشرع الافتراق، ولم يَرَ أنها أتت مأثماً، ولا ارتكبت معصية، بل عذرها وجعل لها مخرجاً من المقام معه، وسبيلاً إلى البعد عنه.

 لم يذمها النبي على بغضها له لأسباب شكلية هي مما جبله الله عليه..

فإذا كان البغض والنفور لأمور خَلقية قهرية يُعذر صاحبه، فالذي يُبغض على قبيح الأحوال، أو ثقل الظل، أو انعدام “الكيمياء” بين الأرواح، هو أولى بالعذر وأبعد عن الذم.

حين أتأمل هذا المشهد النبوي العظيم، أقف مشدوهاً أمام أمرين:

“واقعية” هذا الدين، ودقة شريعته في التعامل مع أعقد مساحات النفس البشرية.

نحن أمام شريعة لا تطالب أتباعها بالتحليق في مثاليات ملائكية مجردة، ولا تفرض عليهم مشاعر معلبة.

القلب في ميزان الإسلام له سيادته، والنفور البشري حقيقة معترف بها، لا تُقمعَ، ولا تُعالج بادعاءات التحمل الخارقة.

ولقد تجلت رحمة النبيهنا في أبهى صورها؛ لأنها وسعت الطرفين معاً.

 وسعت دموع مغيث فلم يزجره، ولم يسفه لوعته، ولم يعنفه على ضعف قلبه أمام سطوة العشق.

ووسعت في الوقت ذاته رفض بريرة ونفورها، فلم يُنكر عليها حقها في الافتراق، ولم يمارس عليها أي ضغط لتبقي على زواج فقد روحه.

هذا الموقف الاستثنائي يضع أيدينا على حقيقة مهمة للغاية

 الرجولة في ميزان الإسلام لا تعني التصحر العاطفي وانعدام المشاعر، ولم تكن يوماً رديفاً للقسوة.

لقد بكى النبي ﷺ نفسه عند فقد أحبابه، وقالها صراحة: “إن العين تدمع والقلب يحزن”.

وحين سُئل عن أحب الناس إليه؟

أجاب ببساطة ووضوح: عَائِشَةُ.

من دون حرج ولا تكلف باح بما يشعر وقال: عَائِشَةُ!

 بدون أن يُكنّي أو يورّي، نطق باسمها وكرَّمها وقال: عَائِشَةُ!

كانت هذه إجابته الصادعة على سؤال سيدنا عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه.

لم يستنكف، أو يتحرج، أو يخجل من ذلك الجواب الجامع المباشر:

 زوجتي هي أحب الناس إلي، وأبوها هو أحب الرجال إلى قلبي.

هل انتقص ذلك من قدره أو عاب وقاره أو قلل قيمته؟!

حاشا وكلا..

النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر قط طبيعته البشرية، ولا استعلى على فطرته التي فطره الله عليها

وما كانت هذه بالمرة الأولى ولا الأخيرة التي تحمل إعلاناً لمشاعره تجاه زوجته؛ فهو القائل: “فضلُ عائشةَ على النِّساءِ، كفضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ”.

ولم يقف هذا الإعلان النبوي عن الحب عند ذلك، بل فاض ليصل إلى ابنته، السيدة الكاملة فاطمة رضي الله عنها، حين قال لها بوضوح الأب والمربي: «أتحبينني؟ فأحبي هذه».

ولم تكن مشاعره كلمات مجردة، بل واقعاً يمشي على الأرض؛ ألا تراه يوقف جيشاً وركباً كاملاً في قلب الصحراء لسبب يبدو في حسابات غلاظ القلوب هيناً..

لقد أضاعت زوجته عقداً!

وفي حجة الوداع، حين غلبها البكاء لأن عذرها سيحرمها من العمرة، سارع لجبر خاطرها المنكسر، وأمر أخاها بمرافقتها إلى “التنعيم” لتأتي بالعمرة..

 موقف لخصه صاحبه سيدنا جابر بن عبد الله واضعاً قاعدة السواء النفسي قائلاً: «وكان رسول الله رجلاً سهلاً، إذا هويت شيئاً تابعها عليه».

ويكأن اللين مع الزوجة والنزول على رغبتها المباحة هو من مناطات المدح ومقاييس الرجولة السوية، عكس ما يتوهمه من يربطون الهيبة بافتعال الجفاء والغلظة!

ولما أزف الرحيل، وفي اللحظات الفاصلة بين الدنيا والآخرة، اختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مسنداً رأسه بين حاقنتها وذاقنتها.

 أسلم القائد والنبي روحه على كتف امرأته، في رسالة صامتة تخبر الأجيال أن الحنان قوة، وأن لين الرجل في بيته هو التتويج الأكمل لمروءته.

لقد علمنا سيد الخلق أن الدين جاء ليرتب حياة الناس وفق الفطرة السوية، لا ليصنع قوالب خشبية تُحشر فيها الأرواح قهراً.

علمنا أن الحب لا يُستجدى بالشفقة، وأن التكليف الشرعي يقف أمام الاستطاعة مقدراً إرادة الإنسان في اختيار من يسكن إليه ومن ينفر منه.

مضت بريرة في طريقها وبقي الدرس معلقاً كقنديل مضيء في سماء الإنسانية.

الدين الذي شرع النكاح ميثاقاً غليظاً، هو ذاته الذي احترم إغلاق القلوب لأبوابها حين تجدب المشاعر وتتناكر الأرواح.