الاثنين، 12 أكتوبر 2026

من العصبية إلى الغلبة: ابن خلدون وأزمة استقرار الدولة

من العصبية إلى الغلبة: ابن خلدون وأزمة استقرار الدولة
 

درسٌ في العَقيدة!

 نقطة نظام

 درسٌ في العَقيدة!

في بيت النبي





أدهم شرقاوي


في بيت النبي

ما كلُّ خيرٍ يُرى عندَ النّاسِ خيرًا يُثمِرُ عندَ اللهِ، ولا كلُّ يدٍ تُعطي تُنقِذُ صاحبَها إنْ كان القلبُ مقطوعَ الصِّلةِ بأصلِ النَّجاةِ.

في هذا الدَّرسِ النبويِّ الحاسمِ تتبدّى حقيقةٌ دقيقةٌ:

أنَّ الأعمالَ، مهما سمتْ في ميزانِ البشرِ، تظلُّ معلَّقةً بميزانٍ أعمقَ منها، ميزانِ الإيمانِ والاعترافِ والافتقارِ.

فالرحمةُ بالخلقِ بابٌ عظيمٌ، لكنَّه لا يُغني عن التوجّهِ إلى الخالقِ، والبرُّ جميلٌ، لكنَّه لا يقومُ مقامَ التوحيدِ، وما لم يفتحِ الإنسانُ في قلبِه بابَ «يا ربِّ»، بقيتْ أفعالُه كزهرةٍ بلا جذرٍ، أو كجسدٍ بلا روحٍ.

ومن هنا يأتي السُّؤالُ الذي لا يُجابُ عليه بالعاطفةِ، بل بالحقيقةِ: ماذا تصنعُ الفضائلُ إذا غابَ عنها طلبُ المغفرةِ وصدقُ الرُّجوعِ؟!

قالتْ عائشةُ رضي الله عنها يومًا للنَّبيِّ ﷺ: يا رسولَ اللهِ، عبدُ اللهِ بنُ جُدعانَ كان في الجاهليّةِ يصلُ الرَّحمَ، ويُطعمُ المسكينَ، فهل ذاك نافِعُه؟ فقالَ لها: لا ينفعُه، إنَّه لم يقُلْ يومًا: ربِّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدِّينِ!

خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : ابن حبان | المصدر : صحيح ابن حبان | الصفحة أو الرقم : 330

ممّا ابتُليَ به المسلمونَ هذه الأيّامِ أنّه إذا ماتَ الكافرُ وكان مُخترِعًا شهيرًا، أو مُحسنًا معروفًا، أو طبيبًا رحيمًا، قالوا: الدِّينُ للهِ، واللهُ أعلمُ بما في قلبِه، وإن لم يكن مثلُه من أهلِ الجنّةِ فمن عساه يكون! وربّما قالوا جملتَهم المعهودةَ: له ما له، وعليه ما عليه!

وإذا ماتَ العالِمُ والفقيهُ من المسلمينَ قالوا: أليسَ هذا الذي أفتى يومًا بكذا وكذا؟!

يبحثونَ للكافرِ عن أحسنِ عملٍ عملَه في الدُّنيا، وللمسلمِ عن أقبحِ عملٍ عملَه!


بدايةً علينا أن نتأدّبَ مع اللهِ، فلا نقطعَ لأحدٍ بجنّةٍ أو نارٍ، فأمرُ الناسِ جميعًا إلى اللهِ؛ إن شاءَ أدخلَهم الجنّةَ، رحمةً منه، وإن شاءَ أدخلَهم النّارَ، عدلًا منه.

ولكن من الفهمِ السَّقيمِ أن نخلطَ بين الأعمالِ الحسنةِ التي يقومُ بها الإنسانُ، وبين عقيدتِه ودينِه الفاسدَينِ!

صحيحٌ أن غيرَ المسلمينَ ليسوا سواءً، تمامًا كما أنَّ المسلمينَ ليسوا سواءً، ولكن أن نعتقدَ أنَّ النَّجاةَ من النّارِ تكونُ بدواءٍ يختَرعُه طبيبٌ، أو بدارِ أيتامٍ يفتحُها ثريٌّ، فنتركَ الدِّينَ جانبًا على اعتبارِ أنَّ الدِّينَ المعاملةُ، فهذا تسخيفٌ وتسطيحٌ لقضيّةِ التوحيدِ التي لأجلِها خلقَ اللهُ الخلقَ، وأرسلَ الرُّسلَ، وأنزلَ الكُتُبَ، وكانتِ الجنّةُ والنّارُ.

نعم، نعترفُ بفضلِ الكافرِ إن كان له فضلٌ، ونُشيدُ بعملِه الإنسانيِّ، فهذا من العدلِ الذي أُمرنا به، أمّا أن نجعلَ هذا ثمنًا لدخولِه الجنّةَ، فهذا من فسادِ الاعتقادِ؛ فالجنّةُ لا يُقطعُ بها للطائعِ من المسلمينَ، فكيف يُقطعُ بها للمُحسنِ من الكافرينَ؟!

إنَّ الخيرَ الذي يقومُ به غيرُ المسلمِ هو من الفطرةِ التي فطرَ اللهُ تعالى عليها النّاسَ، وإنَّ اللهَ أعدلُ من أن يعلمَ أنَّ في قلبِ عبدٍ من عبادِه خيرًا، ويتركَه يموتُ على غيرِ الإسلامِ!

يُعيدُ لنا هذا الحوار بين النَّبيِّ ﷺ ترتيبَ الميزانِ، فلا يطغى العملُ على الإيمانِ، ولا تُختزلُ النَّجاةُ في صورةِ فعلٍ جميلٍ بلا أصلٍ صحيحٍ. فالعدلُ أن نُنصِفَ الناسَ في أفعالِهم، لكنَّ الحقَّ أن نُنزِلَ الأمورَ منازلَها، فلا نُسوّي بين فطرةٍ تُحسِن، وعقيدةٍ تُنقِذ.

إنَّ الجنّةَ ليست جائزةَ أخلاقٍ مجرّدةٍ، بل ثمرةُ توحيدٍ صادقٍ، ورحمةُ اللهِ أوسعُ من أحكامِنا، وأعلمُ بقلوبِ عباده من ظنونِنا. ومن أدبِ الإيمانِ أن نقفَ عند هذا الحدّ: نعدلُ في الحكم، ونخشعُ في القلوب، ونتركُ المصائرَ لمن بيدِه وحده مفاتيحُ الجنّةِ والنّارِ!

كيف فتحت جامعة كولومبيا نعش الأخلاق؟

 كيف فتحت جامعة كولومبيا نعش الأخلاق؟




حمد حسن التميمي


يقول رجل في السبعين إن الناس لم يعودوا كما كانوا. ويكرر رجل في الأربعين الشكوى نفسها، بينما يكتب شاب على هاتفه أن الصدق اختفى، وأن العلاقات فقدت معناها، وأن العالم أصبح أكثر قسوة. ثلاثة أعمار مختلفة، وشهادة وفاة واحدة للأخلاق.

لكن أحداً لا يطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: 

إذا كانت الأخلاق تموت مع كل جيل، فمن أين جاءت الفضائل التي يحن إليها الجيل السابق؟ 

ومن الذي عاش أصلاً في ذلك الزمن الذي لم يكن الناس فيه يشتكون من فساد الناس؟

بدلاً من تكرار الشكوى، قرر الباحث آدم ماستروياني من جامعة كولومبيا أن يختبرها. وبمشاركة عالم النفس دانيال غيلبرت من جامعة هارفارد، عاد الباحثان إلى عقود من الاستطلاعات، وأضافا إليها دراسات جديدة، حتى شملت البيانات التي فحصاها نحو اثني عشر مليوناً ونصف المليون شخص. 

وفي عام 2023، نشرت مجلة نيتشر دراستهما تحت عنوان: 

وهم التدهور الأخلاقي. كان السؤال بسيطاً، لكن الاتهام الذي يحمله ليس كذلك: 

هل أصبح البشر أقل صدقاً ورحمة وأمانة، أم أننا نحاكم الحاضر بذاكرة لا تنصفه؟

وأظهرت النتائج أن الاعتقاد بتدهور الأخلاق ظهر في ستين دولةً على الأقل، بينما بيّنت الاستطلاعات الأميركية أنه ظل يتكرر طوال سبعين عاماً. 

الأجيال التي نصفها اليوم بأنها عاشت الزمن الجميل كانت تشكو بدورها من ضياع الأخلاق، والأجيال التي سبقتها فعلت الشيء نفسه، أما حين فحص الباحثان تقييمات الناس لأخلاق معاصريهم عبر الزمن، فلم يجدا تراجعاً مستمراً يوازي تلك الشكاوى المتوارثة، كان الإيمان بانحدار الأخلاق أكثر ثباتاً من الأدلة التي يُفترض أنها تثبته.

وبهذا الحساب، تكون الأخلاق قد ماتت عشرات المرات، لكنها تعود دائماً كي يمنح كل جيل نفسه شرف حضور جنازتها.

والأغرب أن الاعتقاد بالتدهور ضعف عندما سُئل المشاركون عن أخلاق أناس عاشوا قبل ولادتهم.

 وكأن الأخلاق لا تبدأ رحلتها نحو الهاوية إلا بعد أن يصل كل واحد منا إلى العالم، ثم تزداد سوءاً كلما تقدم هو في العمر! 

فكيف تخدعنا ذاكرتنا إلى هذه الدرجة، ونحن نظن أننا نصف واقعاً عشناه بأنفسنا؟

اقترح الباحثان تفسيراً يقوم على انحيازين نفسيين. الأول أننا نتلقى عن الغرباء والمجتمع أخباراً سيئة أكثر مما نسمعه عن أعمال الخير اليومية؛ فالخيانة تصبح خبراً، أما الأمانة فتمر غالباً من دون إعلان. والثاني أن قسوة بعض الذكريات السلبية تخف مع الزمن أسرع من أثر الذكريات الإيجابية. وهكذا نقارن حاضراً نرى عيوبه كل يوم، بماض خففت الذاكرة كثيراً من قسوته.

ولنتأمل عبارة تتردد في مجالسنا الخليجية: 

«أول الناس غير». 

يقولها كبير السن وهو يستعيد الجيرة القديمة، ويقولها الأب عندما يتحدث عن احترام الأبناء، ثم يرددها الشاب نفسه وهو يقارن طفولته بحياة الأطفال اليوم. قد يكون الماضي قد حمل قيماً تستحق الاعتزاز، لكن هل كان الناس أفضل حقاً، أم أن الذكريات أصبحت أجمل بعدما ابتعد أصحابها عن زمنها؟

المشكلة تبدأ عندما نحول تجربة فردية إلى حكم على جيل كامل. يكفي أن ينتشر مقطع لشاب يسيء إلى رجل مسن، حتى تنهال التعليقات معلنة انهيار التربية ونهاية الأخلاق، بينما يساعد آلاف الشباب آباءهم وأمهاتهم وجيرانهم من دون أن تصورهم كاميرا. 

لا يبرر الخير المنتشر إساءة واحدة، لكن الإساءة الواحدة لا تمنحنا حق إصدار شهادة وفاة بحق جيل كامل.

وقد يظن بعضنا أن هذه الشكوى وُلدت مع الهواتف والمنصات، لكنها أقدم من ذلك بكثير. قبل أكثر من ألفي عام، كان المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس يشكو انهيار الأخلاق في عصره. 

تخيلوا: شكوى نكررها اليوم كانت حاضرة في زمن الإمبراطورية الرومانية. 

فهل تنحدر البشرية أخلاقياً منذ ألفي عام، ومع ذلك يصر كل جيل على أنه آخر من شهد الفضيلة؟

لا تثبت الدراسة أن الأخلاق لا تتراجع أبداً، ولا أن جميع المجتمعات تسير نحو الأفضل. 

الحروب والفقر والتحولات الاجتماعية قد تغير سلوك الناس فعلاً. 

كما أن تقييمات المشاركين ليست جهازاً يقيس الأخلاق بدقة مطلقة. 

لكن الدراسة تضع أمامنا فارقاً لا يجوز تجاهله بين رصد مشكلةٍ حقيقية بأدلتها، وبين اتهام الإنسان نفسه بأنه يزداد فساداً مع مرور الزمن، لمجرد أن حاضرنا مكشوف أمامنا، بينما يقف الماضي بعيداً تحت إضاءة الحنين.

وحين نقتنع بأن الأمانة اختفت، تصبح الأمانة استثناء يثير دهشتنا، وحين نعلن أن الرحمة ماتت، نتعامل مع كل رحمة نراها كأنها حادثة نادرة. 

نحن لا نصف المجتمع فقط، بل نحدد مسبقاً ما نتوقعه منه، وقد نظلم جيلاً كاملاً قبل أن نمنحه فرصة لإثبات العكس.

فتحت الدراسة ملفاً عمره قرون، ووجدت أن إعلان وفاة الأخلاق يتكرر، بينما يواصل البشر حياتهم بمزيجهم القديم من الخير والشر. 

وربما حان الوقت لأن نتوقف عن سؤال: أين ذهبت أخلاق الناس؟ ونسأل بدلاً منه: لماذا يعتقد كل جيل أنه آخر من عرفها؟

فقد لا تكون الأخلاق هي التي تموت مع كل جيل، بل ثقتنا بأن الجيل الذي يأتي بعدنا قادر على حملها، أما النعش الذي نسير خلفه منذ زمن طويل، فربما لم نتأكد يوماً من وجود جثمان داخله.