الجمعة، 13 مارس 2026

لم يعد أمام الرئيس الأمريكي الكثير من الوقت

 لم يعد أمام الرئيس الأمريكي الكثير من الوقت

عامر عبد المنعم

لم يعد أمام الرئيس الأمريكي الكثير من الوقت لإعلان وقف الحرب، ولكنه يبحث عن تفاهم مع الإيرانيين لحفظ ماء الوجه وتحسين صورته التي اهتزت أمام الشعب الأمريكي، وفي المقابل يبدو أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يصر على استمرار القتال حتى يعلن ترامب الاستسلام ورفع الراية البيضاء ويحصل على اتفاق يمنع تكرار العدوان ويرفع العقوبات.
لقد استطاع الجيش الأمريكي وسلاح الجو الإسرائيلي تدمير الكثير من الأهداف داخل إيران، ومعظمها أهداف مدنية، وتم قصف جزء كبير من الأصول البحرية الإيرانية ومقدرات الدولة الظاهرة، لكن مازال السلاح الصاروخي الإيراني فعالا، ويطلق الحرس الثوري الهجمات بدون توقف، ومازالت البحرية الإيرانية قادرة على إغلاق مضيق هرمز.
منذ بداية الحرب نجح الإيرانيون في توجيه ضربات دقيقة لشبكة الرادارات الأمريكية المتطورة، والمحطات الأرضية التي تتعامل مع الأقمار الاصطناعية، مما تسبب في إضعاف القدرة الأمريكية على إدارة المعركة بنسبة كبيرة، وجعلوها في حالة عماء، ولم يستطع الأمريكيون التعويض بطائرات الاستطلاع الأمريكية MQ9 والإسرائيلية هرميس، حيث أسقط الإيرانيون الكثير منها بمنظومات دفاع جوي فعالة.
لقد خسر الأمريكيون 17 قاعدة ومنشأة عسكرية في دول الخليج –وفق الإعلام الأمريكي- وابتعدت المدمرات الأمريكية وحاملة الطائرات أبراهام لينكولن المتواجدة إلى مسافات بعيدة خشية الاستهداف المباشر، وتقتصر عمليات الجيش الأمريكي على سلاح الجو الذي لم يستطع القضاء على منصات الصواريخ المتحركة التي يبدو أنها تعمل بكل حرية ليلا ونهارا.
في كلمته الأولى بعد تنصيبه أكد المرشد الجديد خامنئي على الثأر واستمرار إغلاق مضيق هرمز، وألمح إلى استعداد الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، أي أنه يضغط على ترامب بكل قوة مستخدما سلاح النفط، وهو نقطة ضعف الرئيس الأمريكي الذي لا يتحمل نتائج استمرار الحرب لمدة طويلة على الأسواق وأسعار النفط والطاقة، لأمريكا وحلفائها.
بالنسبة لنتنياهو الذي يعيش أسوأ أيامه، بعد أن ظن أن الأرض ممهدة لإقامة إسرائيل الكبرى وإعادة رسم الخرائط وابتلاع الدول المحيطة، فقد وجد نفسه هو والإسرائيليون في مصيدة مرعبة يرون الموت كل ساعة، وتتساقط عليهم الصواريخ طوال اليوم، ولم تعد منظومات الدفاع الجوي تعمل بكفاءة أمام الصواريخ الانشطارية والفرط صوتية والصواريخ التي يزيد وزنها عن الطن والطنين.
بعد فشل خطط ترامب ونتنياهو في إشعال الحرب الأهلية داخل إيران وتراجع قدرة المعارضة على الحركة الان فكروا في استخدام الأكراد لكن هذه الورقة أيضا فشلت؛ لضرب قواعد الأكراد المعارضين في أربيل، ولرفض تركيا وتحذيرها من اللعب بهذه الورقة.
بقيت الورقة الأخيرة التي يفكرون فيها ويعملون على تنفيذها، وهي إشعال الحرب بين الشيعة والسنة، بتحريض دول الخليج لدخول الحرب بجانب الأمريكيين والإسرائيليين، لكن حتى الآن فشل التحريض لإشعال الفتيل، وقد عبر قادة ومفكرون خليجيون عن رفضهم لهذا السيناريو الذي يورطهم في حرب ليست حربهم (اقرأ تصريحات حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري الأسبق).
في حال استمرار الحرب هناك خطر من جهتين لإشعال هذه الحرب الطائفية؛ الجهة الأولى: هي العمليات العسكرية المدروسة التي يرتكبها الإسرائيليون ضد أهداف منتقاة للتحريض على الفتنة ولاتهام الإيرانيين بقصف الأهداف المدنية، في الخليج أو باتجاه تركيا وبشكل خاص الموانئ وخزانات النفط.
والجهة الثانية: هي أطراف إيرانية وعراقية تفكر بشكل طائفي تتعامل مع دول الخليج كلها على أنها عدو، وأنهم لن يخسروا في الحرب وحدهم، وأن التدمير سيطال الجميع، لكن من الجيد صدور التصريحات المتكررة من القادة الإيرانيين عن حرصهم على العلاقات مع دول الجوار، وآخرها كلمة المرشد مجتبى التي أشار فيها إلى أن إيران لا تسعى إلى فرض الهيمنة أو الاستعمار في المنطقة، وأنه "مستعد تماماً لإقامة علاقات قائمة على الاتحاد والتعاون الودي والصادق مع جميع جيرانه" وننتظر أن يتم هذا الأمر عمليا.
الخطة الأخيرة لنتنياهو هي إشعال الحروب الطائفية والعرقية بين دول المنطقة وتخريبها، لتفلت إسرائيل من التدمير، وليمهد الطريق لنجاته وتحقيق حلمه التوراتي، وإذا كان قد بدأ بالمحور الشيعي فقد أعلن أيضا رغبته في تدمير المحور السني بعد ذلك، وهذا يقتضي من الدول السنية أن لا تنتظر حتى يجرها الإسرائيليون لحروب حرام، وعلى قلب العالمين العربي والإسلامي (مصر وتركيا والسعودية وباكستان) أن يتحرك ككتلة وليس فرادى، وأن تمتلك هذه الدول زمام المبادرة لإطفاء النيران التي يشعلها نتنياهو، قبل أن تجد نفسها وقد دفعت دفعا في دائرة النار.
صفحة الكاتب عامر عبد المنعم

كلمة صغيرة الهباء المنثور

كلمة صغيرة
الهباء المنثور

قـلـم الـتحـرير 
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا مُحمَّد وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وبعدُ:

يمرّ العالَم حاليًّا في فترة اضطراب شاملة، جعلت حتى الإنجليز يتصرّفون بعصبية وردّات فِعْل غير متوقَّعة؛ فالمَلِك يُجرّد شقيقه «أندرو» من ألقابه المَلَكية، ويطرده من قصره المَلَكي؛ في خطوة استباقية لتقليل تداعيات الفشل في منع نشر وثائق «إبستين»؛ التي تكشف عن عمل مُنظَّم استمر لعقودٍ، الهدف منه السيطرة الشاملة على أصحاب السلطة والنفوذ، والتأثير في أمريكا بصفة خاصة، وفي المناطق الحيوية حول العالم بصفة عامة.

وإذا كانت بصمة اليهود بارزة؛ فإن دور الموساد، وعلاقة إسرائيل بالمشروع، يصعب إخفاؤه وطَمْسه؛ فالكلّ يُتابع الصراع المحتدِم بين أصحاب المشروع الساعين لتقليل آثاره بتقريب القرابين، وبين مَن يريد اجتثاث الجميع، فلا فرق بين كلينتون وترامب؛ مما يعني انهيار وتلاشي طبقة كاملة من النُّخَب التي تم تجنيدها والسيطرة عليها حول العالَم، وهو تدبير رباني ذَكَره الله -سبحانه وتعالى- في قوله: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنثُورًا} [الفرقان: 23].

نعم، إن عصر سيطرة الحركة الصهيونية قد قارب على النهاية والأفول.

دروس بخارى والأندلس: هل تبتلع "إسرائيل الكبرى" ما تبقى من وعي الأمة؟

دروس بخارى والأندلس: هل تبتلع "إسرائيل الكبرى" ما تبقى من وعي الأمة؟
باحث في العلاقات الدولية

ليس التاريخ مجرد حكايات تروى لحرق الوقت، بل هو مختبر للسنن الإلهية والاجتماعية التي لا تحابي أحدا. وما نعيشه اليوم من تشرذم أمام غطرسة المشروع الصهيوني-الأمريكي ليس إلا استنساخا مشوها لمآس كبرى ظنت الأمة أنها دفنتها في طيات الكتب، لكنها تنبعث اليوم في أبشع صورها.

ظن أولئك "المتعاونون" أنهم يحمون دماءهم بتقديم خدماتهم للمحتل، لكن النهاية كانت "درس التاريخ الأبدي". فبمجرد أن سقطت القلعة وقتل جميع من فيها، التفت جنكيز خان إلى هؤلاء المستسلمين، فاستباح أموالهم

"بخارى".. المثال الشاهد

من "بخارى"، تلك الحاضرة التي كانت منارة للعلم حين حاصرها الطاغية المغولي "جنكيز خان" في عام 617 هـ، يوثق لنا الإمام ابن الأثير في سفره الخالد "الكامل في التاريخ" (أحداث سنة 617 هـ) مشهدا تنخلع له القلوب.

حين أدرك أهل بخارى أن لا قبل لهم بجيوش التتار، انقسموا إلى فئتين: فئة آثرت المقاومة والاعتصام بالقلعة، وفئة استسلمت وطلبت "الأمان". وهنا تجلى دهاء المحتل وخسة الانهزام؛ إذ لم يكتف جنكيز خان باستسلامهم، بل جعلهم "أدوات" لمحو إخوانهم.

يروي ابن الأثير بمرارة كيف سخر المغول المستسلمين لهم لردم الخندق المحيط بالقلعة التي يتحصن فيها المسلمون الرافضون للذل. ولكي يكتمل المشهد المأساوي، أمر المغول هؤلاء المستسلمين بهدم المساجد، وحمل منابرها، بل وإلقاء المصاحف في الخندق لتمهيد الطريق لخيول التتار.

لقد ظن أولئك "المتعاونون" أنهم يحمون دماءهم بتقديم خدماتهم للمحتل، لكن النهاية كانت "درس التاريخ الأبدي". فبمجرد أن سقطت القلعة وقتل جميع من فيها، التفت جنكيز خان إلى هؤلاء المستسلمين، فاستباح أموالهم، وسبى نساءهم، وأحرق المدينة حتى سويت بالتراب، محققا في ذلك قول من قال: "لو كان فيكم خير ما خنتم إخوانكم". لقد كانوا بالنسبة له مجرد "قناطر" عبر فوقها، ثم حطمها تحت سنابك خيله.

الأندلس.. فرقة واختلاف وفناء جماعي

وإذا ما انتقلنا من الشرق إلى الغرب، نجد جرحا أندلسيا لا يزال ينزف دروسا. ففي عصر "ملوك الطوائف"، تفتتت الأمة إلى دويلات هزيلة، ووصل الهوان ببعض الحكام المسلمين إلى أن يستعينوا بـ"ألفونسو السادس" و"فرديناند" ضد جيرانهم من بني جلدتهم ومذهبهم.

وكانوا يدفعون "الجزية" لملك قشتالة ليمدهم بالسلاح لضرب "الأخ" المنافس. كان "ألفونسو" يبتسم وهو يقبض الذهب، مدركا أن قوة المسلمين تتبدد في صراعاتهم البينية.

وبنفس الاستراتيجية المغولية استعملهم لإضعاف بعضهم ببعض، حتى تساقطت حواضر الإسلام واحدة تلو الأخرى. وكانت القاعدة السياسية حينها: "من استقوى بالعدو على أخيه فقد حجز لنفسه مقعدا في طابور الذبح القادم".

يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه

المخطط الصهيوني: "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات

اليوم، وفي عام 2026، لم يعد العدو يختبئ خلف الكلمات الدبلوماسية. إن تصريحات السفير الأمريكي ونتنياهو تتحدث بوضوح فج عن "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من النيل إلى الفرات، وعن "مهمة روحية" وتوراتية لإعادة صياغة المنطقة.

إنهم لا يريدون أرضا فحسب، بل يريدون إخضاع الإنسان العربي والمسلم وتفتيت كيانه. فالمخطط المعلن يستهدف الجميع: السني في القاهرة، والشيعي في بيروت، والمقاوم في غزة، والخليجي في الرياض.

وبينما يتحدث قادة الكيان عن "معركة دينية وجودية"، نجد من بين أبناء الأمة من لا يزال يغرق في أوحال الخلاف المذهبي، ظانا أن هلاك الطرف الآخر (الشيعي مثلا) هو نصر له، متناسيا أن النار التي تحرق دار جاره هي ذاتها النار التي أوقدها الصهاينة لتحرق المنطقة بأكملها.

فقه "دفع الصائل" وتأجيل الخصومات

أمام هذا "العدو الصائل"، والحرب الضروس التي تطحن المنطقة طحنا لإخضاعها، يقدم الفقه الإسلامي حكما قاطعا لا لبس فيه. إذ يقول الإمام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى": "العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه".

وهذه الأولوية لا تتغير بوجود خلاف مذهبي أو مظالم سياسية سابقة، كما أنها لا تعني زوال الخلاف، لكنها تبرز أهمية الوقت في ترتيب الأولويات.

القاعدة الفقهية التي تقول بـ"درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى" تفرض على الأمة اليوم تجميد كل الصراعات الداخلية فورا، وتجاوز الخلافات بين مكونات الجسد الواحد؛ لأن المفسدة الكبرى هي تمكين الصهاينة من احتلال بلاد المسلمين وإبادة شعوبهم، والمفسدة الصغرى هي تأجيل تصفية الحسابات مع "المخالف في المذهب أو المخالف السياسي".

من الناحية الشرعية، الوقوف مع أي فصيل مسلم (سنيا كان أم شيعيا) يواجه الإبادة الصهيونية هو "فرض عين" على الأمة بقدر الاستطاعة. فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. فكيف إذا كان الخذلان يعني تسليمه لعدو لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة؟

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والعدو الذي يتحدث بلغة النبوءات لا يفرق بين مآذن السنة وحسينيات الشيعة؛ فبالنسبة له الجميع "أغيار" يجب استعبادهم أو إبادتهم

هل من استفاقة قبل المقصلة؟!

التاريخ يصرخ في وجوهنا: "إن المحتل لن يترك السني لأنه كره الشيعي، ولن يرحم المطبع لأنه سكت عن ذبح المقاوم".

إننا نعيش لحظة "ردم الخندق" في بخارى؛ فإما أن نكون يدا واحدة تمنع خيول المحتل من العبور لذبحنا جميعا، وإما أن نكون تلك الأدوات الذليلة التي ردمت خندقها بيديها، ثم قتلت على أعتابه.

إن "إسرائيل الكبرى" لا تبنى فقط بقوة السلاح الصهيوني، بل تبنى بالفرقة السياسية فيما بيننا، وبالفرقة المذهبية التي نمارسها.

إن لم توحدنا عقيدة التوحيد ووحدة القبلة، فلتوحدنا وحدة الألم ووحدة المصير، ووحدة أننا أصحاب هذه الأرض والمكون الأصيل للشرق.

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والعدو الذي يتحدث بلغة النبوءات لا يفرق بين مآذن السنة وحسينيات الشيعة؛ فبالنسبة له الجميع "أغيار" يجب استعبادهم أو إبادتهم.

أفيقوا قبل أن نصبح مجرد سطر في كتاب مؤرخ قادم، يقول فيه: "كان لهم أعداء يعلنون بكل وقاحة عن نيتهم لذبحهم، فانشغلوا بذبح بعضهم لبعض حتى أتتهم المقصلة جميعا".

الخميس، 12 مارس 2026

"إبراهيم عيسى يتحدّث العربية"

 "إبراهيم عيسى يتحدّث العربية"

وائل قنديل

عنوان أعلاه ليس خبراً، هذا "براند" جديد يسطو على حقوق الملكية الفكرية لنواعق الدعاية الإسرائيلية الذين يقفون على زجاج نوافذ التواصل الاجتماعي، يبثّون نصّاً واحداً مسموماً بشأن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، والحريق الناتج عنه، والذي امتدّت ألسنته إلى دول الخليج.

مفهوم أن يكون لدى بعضهم موقف ضدّ إيران من منطلقات طائفية أو غلٍّ تاريخي، فهذا الصنف موجود ومتوفّر بكثرة هذه الأيّام، ومن الجائز أن تتخذ موقفاً مُشابهاً انطلاقاً من دوافع شوفينية أو عرقية، لكن أن تتخذ مثل هذه المواقف من منطلقات صهيونية صريحة فهذا هو العجيب والغريب، خصوصاً عندما يأتي من شخص ألّف كتباً في حتمية الدفاع عن حركة حماس وجماعات المقاومة العربية، وتكسّب كثيراً من بيع صور الشهيد حسن نصر الله في إشارات المرور وفوق الأرصفة.

لا يكاد يمرّ نهار، بل ساعة من نهار، إلا ويعلن دونالد ترامب أنّه يحارب إيران لأنّها قوّية، وأنّ الهدف من  تدميرها عسكريّاً أن تبقى ضعيفة، مثل دجاجةٍ كسيحةٍ في مزرعة الشرق الأوسط، تنتج بيضاً يكفي لاستهلاك تل أبيب وواشنطن، وكذلك يفعل نتنياهو وكلّ ألوان النخب السياسية وأشكالها في الكيان الصهيوني، كلّهم يعلنون أنهم سوف يحرقون إيران، ومن بعدها أيّ قوّة عسكرية في الشرق الأوسط. 

وهنا يتطابق كلام رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، مع كلام رئيس المعارضة، نفتالي بينت، إذ ثمّة إجماع صهيوني على ضرورة تدمير أيّ قوّة إقليمية سنية بعد الانتهاء من تدمير المحور الشيعي المُقاوم.

 التحذير من تبعات انكسار قوّة إيران على بقية دول الشرق الأوسط كلّه، وبالأخص تركيا ومصر والسعودية، ليس تهويماتٍ أو شطحات تحليلية، فالخطاب الأميركي الصهيوني واضح حدّ الكفاية في هذه المسألة، حيث كان الهدف الرئيس في بنك الأهداف الصهيونية الأميركية بعد إبادة غزّة هو القضاء على أيّ احتمال لبقاء قوّة عربية أو إقليمية تكون مزعجةً أو مُهدّدةً لقوّة الاحتلال، في غزّة ولبنان والعراق، للوصول مباشرة إلى الثمرة الكبرى: نزع سلاح إيران المزعج للكيان الصهيوني. 

غير أنّ لابراهيم عيسى رأي آخر، بعدما ارتدى شخصية توفيق عكاشة، وصار قطعة معتبرة من أسلحة الدعاية الصهيونية. 

فيما يعلن الصهاينة أنّهم يريدون فرض السيادة على الشرق الأوسط كلّه، جغرافيّاً وعسكريّاً، وأنّ إخراج إيران من التاريخ يمثل الخطوة الأولى على هذا الطريق. 

يردّ إبراهيم عيسى بأنّ هذه أوهام تنم عن جهل القوميين والإسلاميين والناصريين وأيّ طيفٍ يحذّر من خطر التهديد الصهيوني، والذين يمنحهم جميعاً وصفاً منحوتاً من قاموس البروباغندا الصهيونية، ويسميهم "أرامل إيران وأيتام خامنئي" الذين يردّدون هذه الخزعبلات، ولا يفهمون أنّ مصر أقوى الجيوش وأشجع الشجعان. 

وسوف نصدّقه في ذلك، لكن الحاصل الآن، بحسب منطق الحلف الأميركي الصهيوني، أنّ القوّة باتت هي الدافع الأوّل لهذا الحلف لاستهداف دول الإقليم، فهم لا يهاجمون الضعفاء المُستكينين الذين يقبلون البقاء تحت رحمة دونالد ترامب ووصايته، ويشاركون إسرائيل التجارة ويعلنون الولاء له مديراً للمنطقة وصانعاً للسلام فيها، ويقفون له في خشوع ثم يتمايلون على إيقاعات أغنية "God bless the USA".

أخيراً، الرجاء من إبراهيم عيسى في طوره العكاشي أن يُجيب عن سؤال طرحه إبراهيم عيسى في طوره الحنجوري عام 2003 في مقال له: 

"ما هذا النصب السياسي الذي يُعلِن بكل فخر هذا الفُجْر من التواطؤ المتحالف مع "إسرائيل"؟!؛ فَهْمُنا أن الحكومات العربية تابعة ذليلة لـ"إسرائيل"، وفهمنا أنها عاجزة ومخصية عن أي فعل حقيقي دفاعًا عن نفسها وشرفها، لكن أن تصل الخساسة وقلة الأصل حدَّ أن نضع مسؤولية المذابح الصهيونية والنازية على عاتق الضحايا والشهداء.. 

هل نساوي بين من يطلق مدفعًا وصاروخًا على من يحتله ويغتصب أرضه ويجوِّعه ويحاصره ويقتله ويذبح أطفاله.. هل نساويه بجرائم العدوان ومجازر المحتلين"؟

ردّ على إبراهيم يا إبراهيم، بالعربي أرجوك.


تطويـل الطـريق

تطويـل الطـريق

  إبراهيم السكران


كم من فكرٍ أُغرق في الجدل، وضاع فيه الصادقون بين صخب المصطلحات وغبار المفاهيم؟ ولكن.. أليس في القرآن ما يكفي لنسف كل باطلٍ دون صخبٍ أو ضجيج؟

في خضم سيل النقاشات الفكرية، يتوه كثيرون عن المنبع الأصيل للحق، ويتعاملون مع الوحي وكأنه أحد الخطابات الفكرية التي تُفند وتُحلل. فهل مواجهة أعظم الانحرافات الفكرية تحتاج إلى مجلدات تنظيرية؟، أم  إلى قلبٍ صادق؟

هل نحتاج إلى مجلدات فكرية.. أم إلى ختمة تدبر واحدة؟

حين أسمع بعض المفكرين الإسلاميين يتكلمون عن ضرورة مقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ فلا أخفي أنني أحترم تماماً حرصهم على سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر.. لكنني أرتاب كثيراً في نجاعة هذا الأسلوب الذي يريدون.

عندي وجهة نظر لكني لا أبوح بها كثيراً؛ لأني أرى بعض المفكرين الإسلاميين يتصور أنها نوع من التثبيط والتخذيل، فلذلك ألوذ بالصمت.

وجهة نظري هذه بكل اختصار هي أن أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير بكثير مما نتصور؛ فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم ـ الباحث عن الحق ـ كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول “ختمة تدبر“..

آياتٌ تهدم صروح الانحرافات الفكرية

بالله عليكم لو قرأ الشاب المسلم ـ الباحث عن الحق ـ آيات القرآن في حقارة الكافر، وآيات القرآن في وسيلية الدنيا ومركزية الآخرة، وآيات القرآن في التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين، وآيات القرآن في إقصاء أي فكرة مخالفة للوحي، وآيات القرآن في وجوب الوصاية على المجتمع عبر شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآيات القرآن في تقييد الحريات الشخصية بالإنكار والاحتساب، وآيات القرآن في أزلية الصراع بين الحق والباطل، وآيات القرآن في وجوب هيمنة الشريعة على كل المجتمعات، وآيات القرآن في نفي النسبية وإثبات اليقين، وآيات القرآن في مسخ أقوام قردة خاسئين لما تسلطوا على ألفاظ النصوص بالتأويل لتوافق رغباتهم وأهوائهم، وآيات القرآن في ارتباط الكوارث الكونية بالمعاصي والذنوب، وآيات القرآن في ترتيب جدول أولويات النهضة بين التوحيد والإيمان والفرائض والفضيلة وإعداد القوة المدنية..الخ الخ

فبالله عليكم قولوا لي ماذا سيتبقى ـ بعد ذلك ـ من أطلال الانحرافات الفكرية المعاصرة..؟!

خطاب الله أم الخطاب الفكري؟

حين يقرأ الشاب المسلم ـ الباحث عن الحق ـ مثل هذه الآيات فإنه ليس أمام “خطاب فكري” يستطيع التخلص منه عبر مخرج “الاختلاف في وجهة النظر”.. بل هو أمام “خطاب الله” مباشرة؛ فإما الانصياع وإما النفاق الفكري. ولا تسويات أو حلول وسط أمام أوامر ملك الملوك سبحانه وتعالى.

لنجتهد فقط في تحريض وتأليب العقل المسلم المعاصر على الإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، في تجرد معرفي صادق للبحث عن الحقيقة.. وصدقوني سنتفاجأ كثيراً بالنتائج.

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كل المطولات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي.

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأساً على عقب.

هذا القرآن حين يقرر المسلم أن يقرأه بـ “تجرد” فإنه لا يمكن أن يخرج منه بمثل ما دخل عليه.. هذا القرآن يقلب شخصيتك ومعاييرك وموازينك وحميتك وغيرتك وصيغة علاقتك بالعالم والعلوم والمعارف والتاريخ..

وخصوصاً.. إذا وضع القارئ بين عينيه أن هذا القرآن ليس مجرد “معلومات” يتعامل معها ببرود فكري؛ بل هو “رسالة” تحمل قضية ودويّا.

انفعالات خير البرية

وإن من أكثر الأمور لفتاً للانتباه في هذا القرآن العظيم.. هي ما حكاه الله عن انفعال الأنبياء بكلام الله انفعالا وجدانيا وعاطفيا عميقاً..

خذ مثلاً لما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]

يا الله.. هذه الآية تصور “جنس الأنبياء” لا بعضهم؛ فانظر بالله عليك كيف يبلغ اتصالهم بـ “كلام الله” مبلغ الخرور إلى الأرض ودموعهم تذرف بكاءً وتأثراً.. أي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟!

ويصف تعالى مشهداً آخر يأسر خيال القارئ، حين يصور أهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٣].

ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعالى: ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣].

على أية حال.. لو أفلحنا في إقناع الشاب المسلم بالإقبال على القرآن بالتدبر الصادق المتجرد للبحث عن الحق؛ فاعتبروا أن “الدور المعرفي” تقريباً انتهى، وبقيت مرحلة الإيمان؛ فمن كان معه إيمان وخوف من الله فسيحمله على الانقياد والانصياع لله سبحانه، ومن أرخى لهواه العنان فسيتخبط في شُعب النفاق الفكري؛ حيث سيبدأ في أن يعلن على الملأ ـ كما يعلن غيره ـ أنه “يحترم ضوابط الشريعة” لكنه في دخيلة نفسه يدرك أن كل ما يقوله مخالف للقرآن..!

استثناء لغير الأسوياء

بقي الاستثناء الوحيد هاهنا.. وهو أنني أقول أن من كانت نفسيته المعرفية سوية.. أعني أنها تنظر في “جوهر البرهان” وليس في “شكليات الخطاب” فلن يحتاج إلا لقراءة القرآن بتجرد. أما من كان يعاني من عاهات في شخصيته الفكرية؛ بحيث أنه يقدم وهج الديكور اللغوي على جوهر البرهان؛ فهذا النوع المريض من الناس قد يحتاج فعلاً بعض الكتابات الفكرية التي تخدعه ببعض الطلاء التسويقي، كما قال الامام ابن تيمية في حادثة مشابهة في كتابه “الرد على المنطقيين”:

“وبعض الناس يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لم تفرح نفسه به..

فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم، أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات”. (١)

العودة إلى المصدر الأول للتكوين

ختاماً .. أعطوني ختمة واحدة بتجرد؛ أعطيكم مسلماً سُنياً سلفياً حنيفاً. ودعوا عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة. إنه شبيه بتوحيد مصدر التلقي كما فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه فترة التكوين الأولى في مكة.

الهوامش:
  1. الرد على المنطقين ١/ ٢٥٥.
المصدر:
 اقرأ أيضا: 
تأمل .. كيف انبهروا بالقرآن !
القرآن .. والثبات
الاستشفـاء بالقرآن .. لأمراض الفرد والأمة

سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة

 سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة



علي محمَّد محمد الصلَّابي

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته..

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة، إذ جمع بين اللين في الخطاب، والوضوح في الحجة، والتذكير بفناء الدنيا وبقاء الآخرة، مع بيان عدل الله في الجزاء، والموازنة بين طريق النجاة وطريق الهلاك. ففي هذه الآيات من الدلالات البلاغية والتربوية والإيمانية العميقة، ما يجعلها نموذجًا خالدًا في الثبات والبيان والدعوة إلى الله.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ۝٣٨ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ۝٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٤٠ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ۝٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۝٤٤﴾ [غافر: ٣٨-٤4[.

هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى، حينما رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات. في المرة الأولى، دعاهم في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى على سبيل الإجمال، وفي المرتين الأخيرتين على سبيل التفضيل، فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته  إياهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم إلى عبادة الأصنام طريق النار، ثم أخبر سبحانه عن وقايته  وعصمته من السوء الذي دبّروه له، وإغراق آل فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة (الزحيلي، 24/128).

1 ـ  قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨ [.

فقد سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

وفرق كبير بين قول فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، وبين قول الرجل المؤمن لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، والرجل صادق في قوله لقومه: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، بينما كان فرعون كاذباً في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (الخالدي، 2/503).

لقد افتتح الرجل المؤمن دعوته لقومه يلفت نظرهم إلى حقيقة تتعلق به شخصياً وهي أنه على حق، ويقف مع الحق، ويدعو للحق، وبالتالي فالانقياد له يعني المضي قدماً إلى طريق مستقيم، بعيداً عن مواطن  الزلل والسقوط، وسعى  الرجل المؤمن بهذا التركيز الشديد على قناعته الشخصية إلى استرعاء انتباههم؛ لعله يأتيهم بما تتوق إليه نفوسهم، كيف لا وكل منهم يرغب في اتباع الحق، ويتجنب قدر المستطاع طريق الغي والضلال، وفي الوقت الذي لاحظ  فيه بوادر إقبال عليه؛ وإصغاء إلى ما عنده؛ أكمل حديثه (أحمد، ص 119)، وشرع في بيان دينه إلى قومه، فبعد الإجمال انتقل إلى التفصيل في:  ذم الدنيا وتصغير حالها، تعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، الموازنة بين دعوة موسى عليه السلام ودعوة فرعون (أحمد، ص 243) ، وإليك تفصيل المجمل:

2 ـ  قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩[.
وكلما بدأ بقوله: يا قوم! بدأ معنىً جديداً، وله عنده أهمية، لأنه يلفت نظر قومه إليه، ويقترب منهم ليقتربوا من النصح الذي يسديه لهم، ولاحظ جملة: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، وكيف بدأت بكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ التي تدل على أن ما دخلت عليه مما لا يجهله جاهل، ولا ينكره منكر، كأن هذا معنى شائع في الناس، المؤمن والكافر، لأن الكل يرى الكل وهو يموت، ويترك ما يترك من ثراء ونعمة، ولم يعد يتمتع بها، ثم إن اسم الإشارة هنا مهم جداً، لأنه يحدد ما يريد أن يحكم عليه بأنه متاع، ويميّزه أكمل تمييز، لأن الحكم عليها بأنها متاع يوجب أن تكون حاضرة حضوراً كأن العين تراها، لقوة تشبث الناس بها، مع العلم بأنها متاع، وهذا البناء يخالف بناء الجملة الثانية التي ليست معلومة علم الجملة الأولى، وهي:

ـ ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: ليس كل أحد يعلم ذلك، بل إن هذا مما نجد أكثر الناس لا يؤمنون به، وإن آمن به المصريون زمن الفراعنة، وأعدوا قبورهم إعداداً خاصاً لحياتهم الثانية، والمهم أن الرجل المؤمن أكّدها بأن ثم بالضمير ﴿هِيَ﴾، ثم جعلها داراً، أي موضع إقامة دائمة، ما دمت حيّاً، كدارك في الدنيا، وأنت هناك لا تموت، فهي دار الأبد، ثم أضافها إلى القرار والمستقر الذي لا يتبدل، ولا يتغير، وهذا تدقيق عجيب (أبو موسى، ص 497).

أ ـ قال ابن كثير: ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخر، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه السلام فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، أي: قليلة زائلة فانية عن قريب، تذهب وتزول وتضمحل، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها،  ولا انتقال منها، ولا مصير إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم (ابن كثير، 7/134).

ب ـ قال السعدي: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يُتمتع بها، ويُتنعم قليلاً، ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعكم عما خلقتم له، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملاً يسعدكم فيها (السعدي، 4/1550).

3 ـ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠[.

أ ـ راجع النفي والاستثناء ودلالته القاطعة على أنه من عمل سيئة لا يزيد عقابه، ولا ينقص عن عمل السيئة، ووصف العقاب  بأنه مثلها، يعني مماثلاً ومساوياً لها، ولا يجوز أن يزيد حبّة خردل عن هذا المثل، والمحظور أن تزيد في عقاب المذنب؛ وليس من المحظور أن تنقص، لأن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة، وتأمل كيف يرسم لنا ربنا طريق الحياة الأفضل، ثم إن العقوبة تكون على من عمل هو سيئة، وليس على من عمل غيره، فلا يعاقب من كان عضواً في جماعة، ولو كان عضواً في عصابة، وإنما على القضاء أن يحدد ما عمله، ولا يعاقب إلا على عمله؛ لأن الله قال لنا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨[.

ـ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩[.

ـ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨[.

فالمسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب  الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة، وبعد هذا التحديد القاطع في كلام هذا المؤمن الذي يصدق قومه النصح قابل هذا بقوله:

ب ـ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: راجع وتأمل لتقف على شرف الكلام، واعلم أن من وقوفك على شرفه؛ أن تدرك خفايا معانيه:

الأول ـ واو العطف التي تعطف عملاً صالحاً على عمل سيء، وتجمع لك صورتين متقابلتين من أعمال البشر على هذه الأرض، هناك قال: "من عمل سيئة" بالتنكير، أي سيئة، قلّت أو كثُرت، وهنا قال من عمل صالحاً، أي صالحاً قلّ أو كثُر، وضع بإزاء هذا التنكير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۝٨﴾ ]الزلزلة: ٧-٨[، وإنما قدم المؤمن عمل السيئة لأنه رأى قومه مغموسين في السيئة، فأراد أن يخلعهم منها، وقدّم ربنا مثقال ذرة خيراً لأن الخير يقدم لشرفه، ثم قال من ذكر أو أنثى إشارة بالمساواة في الثواب والعقاب بين الذكر الأنثى، ودفع الجميع لعمل الصالحات.

وسكت عن النساء في عمل السيئة إكراماً لهن، لأن السيئة من النساء أسوأ، والكذب منهن أخطر، ثم ذكر الأصل الذي لا يعتد بالعمل الصالح إلا به؛ وهو الإيمان (أبو موسى، ص 499).

ـ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: جملة حالية اسمية وبالواو، وكل ذلك يدل على أنه ـ وهو يزاول العمل الصالح ـ زاوله وهو في حال الإيمان، والتقرب إلى الله، وتخيل معي أن كل الشعب يزاول الأعمال التي تصلح بها البلاد، وهو يتقرب إلى الله بهذه المزاولة، وحينئذ تكون قوة هذه الجماعة في الحق، وليست في الباطل، ولن تكون طامعة في خيرات الشعوب، ولن  تحوك المؤامرات والصراعات، وإنما تكون سالمة مسالمة، صالحة مصلحة، فيزداد بها الثراء والخير والبر والمرحمة بين العباد؛ المسلم وغير المسلم، هؤلاء الذين يزاولون العمل الصالح بهذه الروح التي تستحضر الذي بيده الأمر، جوابهم وجزاؤهم أنهم يدخلون الجنة، وهذه هي غاية الغايات، هي دار القرار (أبو موسى، ص 499).

المسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة،

ت ـ ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: وبُني يرزقون للمجهول، وأشار إلى أن الخير والرزق والعطاء يأتيهم من هنا ومن هنا، ثم ناهيك عن عطاء بغير حساب، من أكرم، من أعطى، جل وتقدس، وراجع دلالة اسم الإشارة الذي للبعيد:

ـ في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ودلالته على بعد محلهم، وبعد رتبتهم، ثم تقديم المسند إليه على  الخبر الفعلي، ودلالة ذلك على التوكيد ثم مجيء المضارع الذي يستحضر الصورة من الغيب البعيد.
- في قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾: وكأنك تراهم في عزّهم وعليائهم وكرامتهم وهم يدخلون، ثم مجيء المضارع مرة ثانية:

ث ـ  قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾: وهو رأس الجملة الحالية، وكيف كان الدخول مقترناً بحال الرزق بغير حساب، والأصل أن يكون الرزق بعد الدخول، وإنما هي المبادرة بتكريم الواحد الأحد لكرام عباده الذين فعلوا الصالحات، وهم مؤمنون، وراجع مرة ثانية كلمة "من الصالحات"، واحذر أن تخصّها بالصلاة والزكاة والذكر، لأن الله أطلقها  وهي كل ما تصلح به حياة الناس؛ سواء في مصانعهم أو مدارسهم أو إعداد قوتهم، أو ما يحتاجون إليه من أي علم في الطب أو الهندسة أو الرياضة، أو ما شئت، لأن القاعدة الفقهية هي أن كل علم تحتاجه الأمة فهو من علوم الإسلام، وأن الطبيب الذي له فقه في طبّه أفضل من الفقيه الذي ليس له فقه في فقهه (أبو موسى، ص 500).

قال السعدي -رحمه الله:  ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾: من شرك أو فسوق أو عصيان، ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: أي لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه بقدر إساءته، وما تستحقه، لأن جزاء السيئة السوء،  ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يعطون أجرهم بلا حد، ولا عدّ، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم (السعدي، 4/1550).

4 ـ قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢﴾ [غافر: ٤١-٤٢[.

يقارن الرجل المؤمن بين الدعوتين بنفس اللهجة المحببة:

أ ـ ﴿وَيَا قَوْمِ﴾: ويبين لهما أنهما دعوتان اثنتان، لا ثالث لهما، فإما دعوة إلى الإيمان والخير، وهي دعوته الموجهة لهم، وإما دعوة إلى الكفر والشر، وهي دعوة فرعون الموجهة لهم.

ب ـ ﴿مَا لِي﴾: يستفهم عن شيء من نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي إلى ما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيراً إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (الشعراوي، 21/1386).

ت ـ ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾: ويقارن بين حبه لهم؛ وحبه لنجاتهم وحبّه لأن يعيشوا في جنة؛ وهم يدعونه إلى النار، ثم استأنف بيان هذه الجملة الموجزة العالية، وابتدأ هذا البيان بكلمة ﴿تَدْعُونَنِي﴾ التي حملت المقارنة المحزنة والمؤسفة بينه وبين قومه.

ث ـ ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وراجع أنه قال أولاً: أدعوكم إلى النجاة، وتدعونني إلى النار، فقدم دعوته لهم إلى النجاة "الجنة"، وأخّر دعوتهم له إلى النار، وفي الجملة الثانية عكس، وكأنه لما قال الجملة الأولى علا وغلا، وفي قلبه الإحساس بإساءة قومه له، فقدّم دعوته له إلى النار، وأنهم دعوه ليكفر بالله، ولم يُدْع المؤمن الصادق دعوة أسوأ من هذه الدعوة، لأن إيمانه بالله ليس هو نفسه، وقلبه وعقله، ولحمه، ودمه، وإنما هو فوق ذلك كله: أن يكون الله ورسوله أحب إليك من نفسك.

ـ ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: كان يمكن أن يكتفي بهاتين الجملتين أكفر وأشرك، وكلمة ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ كلمة مفهومة؛ لأنه ليس هناك مؤمن بالله وله علم بشريك، لأنه لا شريك له، ونفي العلم بالشريك نفي لوجوده، قلت كان يمكن أن يكتفي ببعض ذلك، لأن بعضه دال على بعضه، ولكن الرجل الصادق كأنه يُفرغ من قومه الذين يجبهم مرارة حارقة في قلبه، ثم استأنف استئنافاً آخر وأعاد كلمة:

ـ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وجعل دعوته هي فاصلة الآية ليبقى رنينها في القلوب، وقد ابتدأ الجملة بقوله: ﴿وَأَنَا﴾، وكأنه يقول وأنا الذي تدعونه ليكفر بالله ويشرك به ما ليس له به علم، ويدعوكم إلى العزيز الغفار، وأحب اقتران الاسمين الجليلين في الفاصلة، لأن لها دلالة جليلة، فالعزيز الغالب الذي لا يُغلب، والذي يستحيل أن يكون له شريك، والغالب المستعلي على من يكفر به؛ فضلاً عن استعلائه على من يكون داعياً للكفر؛ فضلاً  عمن يدعو إلى الكفر من يدعوه إلى الإيمان (أبو موسى، ص 505).

تجد كلمة العزيز يستخرج منها موقعها هنا إشارات ودلالات لا تشبع منها قلوب أهل الإيمان والبيان، ثم تجد الغفار يفتح الأبواب على مصارعها لمن يريد أن يتوب ويؤوب إلى الغفار، بصيغة المبالغة والتعريف بالألف واللام (أبو موسى، ص 505)، لقد رغبهم مؤمن آل فرعون في الإيمان بالله عزّ وجل، وبين لهم بأنه عزيز غفار، يقبل توبتهم إليه وإقبالهم عليه (الخالدي، 2/506).

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره، دعاهم ليغفر لهم، وهو القادر على أن يغفر لهم، وقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن في دنيا ولا في آخرة، وأن المردّ لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار (سيد قطب، 5/3083).

المصادر والمراجع:

(1)  الزحيلي، وهبي. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج.
(2)  الخالدي، صلاح. القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث.
(3)  أحمد، شفيع الماحي. مؤمن آل فرعون؛ حفيد المرأة الكاملة وابن الرجل الصالح، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1420ه - 1999م.
(4)  أبو موسى، محمد محمد. من حديث يوسف وموسى في الذكر الحكيم.
(5)  ابن كثير. تفسير ابن كثير.
(6)  السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
(7)  الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي.
(8)  سيد قطب. في ظلال القرآن.