الثلاثاء، 14 يوليو 2026

أهلا بك في الجنة

أهلا بك في الجنة

عبدالرحمن الشمري


في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان.

رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية.

ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح.

وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء.

وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة.

أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول.

واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة.

وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً.

ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة.

كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية.

واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة.

رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء.

فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك.

وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له).

وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً.

أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.



قد تحدث آندي بورنهام بحق عن عار حزب العمال تجاه غزة. والآن يأتي الجزء الأصعب.

قد تحدث آندي بورنهام بحق عن عار حزب العمال تجاه غزة. والآن يأتي الجزء الأصعب.

ينبغي لرئيس الوزراء المستقبلي إعادة بناء حزب العمال بجوهر أخلاقي قوي. ويبدأ هذا بقضية فلسطين، وعدم تكرار أخطاء ستارمر الفادحة.


من السهل، بل من المغري، أن تكون ساخرًا بشأن آندي بورنهام .

وصفه بأنه سياسي آلي يفتقر إلى الجوهر الأخلاقي، وهو مادة مثالية لجماعات الضغط؛ السياسي الذي لا يعرف أحد أفكاره الداخلية حقًا: الرجل الذي تم نقله من ماكرفيلد إلى داونينج ستريت بأقل قدر من التدقيق والإجراءات القانونية الواجبة والنقاش.

رجل على بساط سحري.

كل حدسي يخبرني ألا أصدق كلام بورنهام دون تمحيص. لكن هذا ليس ما أنوي فعله.

سأصدق بورنهام عندما اعتذر عن سياسة حزب العمال تجاه غزة . هناك قائمة طويلة من التداعيات المترتبة على هذا الاعتذار، والتي سأتناولها بالتفصيل في بقية هذا المقال.

لكن في الوقت الحالي، سأفترض أن بيرنهام كان يتحدث بصدق، بدافع من ضميره، وأن هذه كانت أفضل بداية ممكنة لرئاسته للبطولة.

أولاً وقبل كل شيء، لم يكن مضطراً لإثارة قضية غزة. لم يكن هناك أي ضغط عليه للقيام بذلك من قبل حزب العمل البرلماني المؤيد لإسرائيل في غالبيته.

إن القضايا المباشرة التي سيتعين عليه مواجهتها كرئيس للوزراء هي قضايا داخلية: أزمة غلاء المعيشة ، واختياره للمستشار، والاقتصاد الراكد، وحجم الدين المحلي.

وثانياً، كان هناك حافز أقل بكثير لإثارة قضية غزة في الوقت الذي كان يتم فيه تتويجه كزعيم قادم لحزب العمال من قبل 322 نائباً من حزب العمال ، أي ما يقرب من 80 بالمائة من الحزب.

لماذا غزة

عند دخوله داونينج ستريت، كان أول عمل قام به رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هو إغلاق الباب أمام فلسطين .

وبصفته زعيماً للمعارضة، قال لمحطة LBC إن إسرائيل "لها الحق" في حجب الطاقة والكهرباء عن الجيب المحاصر، وهو تصريح حاول تبريره تحت الضغط ولكنه لم يؤد إلا إلى تفاقم الوضع.


كانت أولى كلمات بورنهام على أعتاب السلطة هي الاعتذار عن معظم ما لم يفعله ستارمر بشأن غزة، على الرغم من أنه أشاد بسلفه لدفعه نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية .

قال رئيس الوزراء المنتظر إن المملكة المتحدة كانت بطيئة للغاية في الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وأن إسرائيل لا تزال تنتهكه، وأن هناك تصاعداً في عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "يحاول بوضوح جعل حل الدولتين مستحيلاً".

وتعهد بالنظر في فرض المزيد من العقوبات على المستوطنين الإسرائيليين وحظر التجارة مع المستوطنات.

إذا كان لدى بيرنهام مزايا يجلبها معه إلى الوظيفة، وهي مزايا افتقر إليها ستارمر، فإن هذا الرجل القادم هو من وضع هذه المزايا في المقدمة والمركز.

يصف الأشخاص الذين يعرفون بورنهام في مانشستر بأنه يمتلك موهبة الاستماع إلى الناس وفهم المزاج العام .

أظهر كلا الصفتين خلال تفجير مانشستر أرينا ، الذي كان بمثابة بداية كارثية لفترة توليه منصب العمدة، ولحظة إبلاغه بأن مانشستر ستحصل على 22 مليون جنيه إسترليني فقط (حوالي 30 مليون دولار) لإجراء فحوصات وتتبع حالات كوفيد-19. وقد أكسبه رد فعله الحازم لقب " ملك الشمال".

عندما وصف بورنهام غزة بأنها "ندبة في ضميرنا الجماعي"، كان يستغل الرأي العام. فغزة لم تعد قضية هامشية لليسار، بل أصبحت قضية رئيسية تحظى بتأييد الحزبين.

وأخيرًا لدينا رئيس وزراء مُنتظر يُقرّ بذلك. وهذا في حد ذاته إنجازٌ عظيم.

لكن القول بأن غزة ندبة في ضميرنا الجماعي أسهل من البدء في معالجة الجرح.

الأفعال لا الأقوال

رفض بورنهام مرتين وصف ما يحدث في غزة بالإبادة الجماعية . في إحدى المرات، بذريعة أنه لا يستطيع "الحكم على فظاعة الأمور من موقعه كرئيس لبلدية مانشستر الكبرى".

أشعلت غزة أكبر حركة احتجاجية في الذاكرة الحديثة، متجاوزة بكثير احتجاجات الطلاب في عام 2010 أو حرب العراق في عام 2003. وقد حكم الناس الذين يعيشون في طول وعرض البلاد من ترورو إلى اسكتلندا على غزة على حقيقتها.


إن رفض الاعتراف بالإبادة الجماعية في غزة لا يقل سوءاً، إن لم يكن أسوأ، من رفض ستارمر الدعوة إلى وقف إطلاق النار في بداية هذه الحملة.

على ما يبدو، إذا كنت تعيش في مانشستر، فلا يمكنك فعل ذلك.

أما المرة الثانية فكانت عندما قدم اعتذاره الأسبوع الماضي. وقال بورنهام إن مثل هذه القضايا من اختصاص المحاكم الدولية، وليس السياسيين.

هذا أمرٌ سخيفٌ أيضاً.


لم تصدر أي محكمة أو قاضٍ بريطاني حكماً بشأن التعريف الجديد والمثير للجدل للغاية لمعاداة السامية من قبل التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة، لكن ذلك لم يمنع حزب العمال من تبنيه .

يتظاهر بورنهام بأن محكمة العدل الدولية ، وهي محكمة العالم، لا تزال في حيرة من أمرها بشأن الإبادة الجماعية في غزة.

لكن هذا - مرة أخرى - ليس كل الحقيقة. فقد وجّه هؤلاء القضاة تحذيراً شديد اللهجة لإسرائيل بضرورة وقف الحرب فوراً وإلا ستواجه خطر اتهامها بارتكاب إبادة جماعية.

كان ذلك قبل أكثر من عامين عندما دخلت القوات الإسرائيلية رفح.

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة منذ ذلك الحين. وتعرض الأطفال للاستهداف المتعمد من قبل القناصة. وتم إيقاف تشغيل حاضنات الأطفال حديثي الولادة. ويموت الفلسطينيون في غزة بسبب أمراض مثل الفشل الكلوي والسرطان نتيجة رفض إسرائيل السماح لهم بمغادرة القطاع المحاصر والوصول إلى المستشفى.

إن قطاع غزة بأكمله يعيش حالة إبادة جماعية مستمرة.

إن رفض الاعتراف بهذا الأمر سيئ، إن لم يكن أسوأ، من رفض ستارمر الدعوة إلى وقف إطلاق النار في بداية هذه الحملة، وهو ما انتقده بورنهام تحديداً.
الواجب القانوني للمملكة المتحدة

هذا ليس رأياً شخصياً. يقع على عاتق المملكة المتحدة واجب قانوني يتمثل في دعم نتائج محكمة العدل الدولية .

لقد تحدت إسرائيل محكمة العدل الدولية مراراً وتكراراً وأوضحت تماماً أنه بغض النظر عن نتيجة وقف إطلاق النار مع حماس، فإنها تعتزم تدبير تطهير عرقي واسع النطاق، أو كما يقول وزير دفاعها يسرائيل كاتس "الهجرة الطوعية".


لم يكن رد المملكة المتحدة في عهد ستارمر مجرد غض الطرف، بل كان تسليح إسرائيل لمواصلة حملتها الجوية.

في عهد ستارمر، أرسلت المملكة المتحدة أكثر من 500 رحلة استطلاع فوق غزة، وقامت بمشاركة معلوماتها الاستخباراتية مع إسرائيل.

كل إجراء اتخذته المملكة المتحدة كان انتهاكاً لالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والقانون الدولي العرفي، وذلك من خلال الحفاظ على سياسات وعلاقات تساهم في سلوك إسرائيل غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو تسهله، أو تفشل في منعه.

إن التزامات المملكة المتحدة بموجب القانون الدولي ليست أطباقاً انتقائية يمكن لرئيس الوزراء أن يختار منها ما يشاء.

إن استمرار التوسع الاستيطاني ، والضم ، والفصل العنصري، والاضطهاد ، والتهجير الجماعي، كلها عوامل تعرض المملكة المتحدة لادعاءات بالتواطؤ في أعمال غير مشروعة دولياً، والتي يمكن أن تتعرض هي الأخرى للمقاضاة بسببها.

إن معالجة هذا الأمر تتطلب مجموعة واسعة من الإجراءات التي لا يستعد لها لا بيرنهام ولا الصناعة ولا القوى العاملة فيها على الإطلاق.

على أقل تقدير، سيعني ذلك تعليق اتفاقية التجارة الحالية بين المملكة المتحدة وإسرائيل ؛ ومنع الشركات البريطانية من دعم المستوطنات غير القانونية بشكل مباشر أو غير مباشر؛ واتخاذ إجراءات إنفاذ القانون ضد أولئك الذين يفعلون ذلك؛ وضمان عدم قيام الجمعيات الخيرية المسجلة في المملكة المتحدة بجمع الأموال للمنظمات أو المشاريع التي ترسخ الاحتلال.


وهذا يعني أن المملكة المتحدة ستحظر بيع السلع المنتجة في المستوطنات في الضفة الغربية، وأن تمنع المواطنين البريطانيين من الخدمة في الجيش الإسرائيلي المحتل الذي ارتكب - ولا يزال يرتكب - جرائم إبادة جماعية في غزة وجرائم حرب في الضفة الغربية ولبنان .

سيعني ذلك إلغاء جميع تراخيص تصدير المعدات العسكرية إلى إسرائيل، وفي مقدمتها أجزاء من برنامج مقاتلات إف-35 . وتعليق جميع الروابط العسكرية بين البلدين والتعاون الاستخباراتي.

هذه القائمة بدأت للتو.

في اللحظة التي يشرع فيها بورنهام في هذا المسار، سيواجه عاصفة من المعارضة من النقابات - على الرغم من أن نقابة يونايت، وهي واحدة من أكبر النقابات في المملكة المتحدة، تدعم المقاطعة - وقوى العمل في شركة بي إيه إي سيستمز، ورؤساء الصناعة، والمجمع الصناعي العسكري، والمؤسسة الأمنية - وليس أقلها الولايات المتحدة نفسها.

لننظر فقط إلى ما حدث لروبن كوك، وزير خارجية توني بلير الذي استقال بسبب قرار غزو العراق عام 2003.

إن التزامات المملكة المتحدة بموجب القانون الدولي ليست أطباقاً من قائمة طعام انتقائية، يمكن لرئيس الوزراء أن يختار منها ما يشاء



كان كوك قد شرع في بناء سياسة خارجية أخلاقية. دافع كوك عن حق سكان تشاغوس في العودة إلى الجزر التي أصبحت قاعدة عسكرية أمريكية في دييغو غارسيا. أثار كوك غضب واشنطن، فقام وزراء الخارجية اللاحقون بتغيير مسارهم.

لا تقتصر عقود الدفاع على توفير أعمال التصنيع والتصميم والهندسة المتطورة للقوى العاملة في المملكة المتحدة فحسب.

إنها تُقيّد بريطانيا بمجموعة محددة مسبقاً من السياسات التي لا تستطيع أي حكومة التخلص منها بسهولة ودون تكلفة باهظة.

هذا هو الغرض منها بالكامل.

إن إخراج المملكة المتحدة من توريد قطع الغيار لبرنامج المقاتلات الإسرائيلية من طراز إف-35 سيعني تعريض عمل تجاري بقيمة 6.7 مليار دولار للخطر .

تُدرج حملة مكافحة تجارة الأسلحة ما يصل إلى 79 شركة في بريطانيا تغطي صادراتها رخصة تصدير عامة مفتوحة (OGEL) تسمح للشركات المسجلة للحصول على الرخصة بتصدير كميات غير محدودة من المعدات إلى البلدان المعنية، طالما أنها مخصصة للطائرة F-35، دون الحاجة إلى تراخيص فردية.

كان قرار وزير الخارجية السابق ديفيد لامي بتعليق عدد قليل من تراخيص التصدير مجرد ذر للرماد في العيون، إذ تجاهل جوهر تجارة الأسلحة التي أخفتها منظمة OGEL.
عار وطني

هل سيضع بورنهام حداً لهذا الخداع بتعليق جميع تراخيص تصدير الأسلحة إلى دولة تمارس التطهير العرقي علناً؟

بمجرد أن تبدأ هذه الرحلة، يصعب معرفة أين تتوقف.

وكأن إحداث تغيير في كل ما سبق لم يكن سيئاً بما فيه الكفاية، فهناك قضية أخرى أكثر إلحاحاً، أقرب إلى الوطن من فلسطين البعيدة.

ستدور أحداث هذه الدراما في قاعة محكمة قريبة منك كل شهر تقريبًا من الآن وحتى الانتخابات العامة المقبلة.

كشف موقع "ميدل إيست آي " أن عدد الأشخاص الذين تم اتهامهم بارتكاب جرائم إرهابية في الأسابيع التي تلت حظر منظمة "فلسطين أكشن" في بداية يوليو من العام الماضي يفوق عددهم خلال "الحرب على الإرهاب" بأكملها، والتي تعود إلى سبتمبر 2001 .

تم اعتقال آلاف الأشخاص بموجب قانون مكافحة الإرهاب منذ صدوره، وتم توجيه الاتهام إلى أكثر من 700 منهم .

أحدهم قاضٍ متقاعد من ترورو، كورنوال.

قالت ديبورا هينتون، البالغة من العمر 82 عامًا، وهي قاضية سابقة، عن الحكم بالسجن: "من الواضح أنني مستاءة للغاية، ومتوترة جدًا، لكن لم يكن بوسعي فعل أي شيء آخر سوى ما فعلت. لم يكن لدي خيار آخر. نحن نتجه نحو دولة استبدادية، وكما رأيت، كان من واجبي أن أتخذ موقفًا".

هينتون ليس وحيداً. 

النموذج النموذجي للإرهابي البريطاني هو امرأة يبلغ

 متوسط ​​عمرها 57 عامًا. وتشير الإحصاءات

الحكومية إلى أنه عندما يكون الجنس معروفًا، فإن

 الاعتقالات المرتبطة بحركة فلسطين كانت أكثر

 احتمالًا بمقدار 4.4 مرة أن تكون من الإناث،

 بمتوسط ​​عمر 57 عامًا مقارنة بـ 30 عامًا

 للاعتقالات غير المرتبطة بحركة فلسطين .


كانت فضيحة "العمل الفلسطيني" من صنع حزب العمال، ويتعين على حزب العمال الآن إيقافها.


مع تطور أحداث هذه الدراما في قاعة المحكمة، أصبحت الأحكام أكثر صرامة.

في آخر احتجاج خارج مقر شرطة سكوتلاند يارد الجديدة، تم اعتقال 14 ناشطًا بموجب المادة 12 من قانون مكافحة الإرهاب، والتي تجرم دعوة الدعم لمنظمة محظورة وتصل عقوبتها القصوى إلى 14 عامًا في السجن.

لقد أصبح هذا عاراً وطنياً.

فضيحة "العمل الفلسطيني" من صنع حزب العمال، وعليه الآن أن يضع حداً لها. يجب إلغاء تجريمها وإلغاء جميع الأحكام الصادرة بشأنها.

وإلا فإن برنهام سيشهد وجود أشخاص في المحكمة كل يوم من الآن وحتى الانتخابات القادمة - أطباء ومعلمين وقضاة متقاعدين - يُحاكمون بتهمة الإرهاب لمجرد أنهم تصرفوا وفقاً لضمائرهم.

يجب اتخاذ قرار بشأن هذا الأمر. وبسرعة.

على حد علمنا، يخطط بورنهام للإبقاء على شبانة محمود، التي جعلت حظر حركة العمل الفلسطيني محور فترة توليها منصب وزيرة الداخلية .

لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى اكتسبت معارضة تصريحات بورنهام بشأن غزة زخماً.

أعرب مجلس نواب اليهود البريطانيين ومجلس القيادة اليهودية عن "قلق بالغ" لفريق بورنهام بشأن تصريحاته. وانتقدوه لعدم ذكره "استمرار عمليات حماس" في غزة - رغم التزامها بوقف إطلاق النار - أو عملياتها في الضفة الغربية.

قال المعلق الفرنسي برنارد هنري ليفي : "لم تُذكر كلمة واحدة عن مسؤولية حماس عن احتجاز شعبها كرهائن وتحويلهم إلى دروع بشرية. هذا يُسمى عمى - أو أسوأ من ذلك، جبن. عار عليك يا رئيس الوزراء."

أكدت كل من منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة المرصد الأوروبي المتوسطي لحقوق الإنسان أنهما لم تجدا أي دليل على أن حماس استخدمت المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية في غزة خلال الأعمال العدائية التي أعقبت 7 أكتوبر.

وعلى النقيض من ذلك، أدلى جنود إسرائيليون أنفسهم بشهادتهم لصحيفة هآرتس وقناة آي تي ​​في نيوز بأن الجيش الإسرائيلي استخدم المدنيين الفلسطينيين بشكل منهجي كدروع بشرية في غزة خلال الأعمال العدائية التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر.

أعاد جاك رانكين، النائب المحافظ عن وندسور، نشر بيان اللجنة اليهودية/مجلس الإدارة بشأن قضية X، قائلاً : "هذا صحيح تماماً. لقد غذى الهوس الخبيث بإسرائيل معاداة السامية في بلادنا. يجب على جميع البريطانيين العقلاء الوقوف إلى جانب جيراننا اليهود المضطهدين. بدلاً من إعطاء الأولوية للمحاولات السياسية الانتهازية لاسترضاء الناخبين الطائفيين والإسلاميين واليساريين المتطرفين، ينبغي على آندي بورنهام التركيز على خدمة مصلحة البلاد بأكملها."

نشر أندرو فوكس، الباحث في جمعية هنري جاكسون، قائلاً : "إذن، مع قيام إيفيت كوبر وهاميش فالكونر وأندي بورنهام بتكرار أكاذيب صريحة أمس حول إسرائيل، بما في ذلك ما يتعلق بكمية المساعدات التي تدخل غزة والطبيب العقيد في حماس، يمكننا أن نستنتج استنتاجاً واحداً بأمان: لقد عاد عهد كوربين لحزب العمال القديم المعادي للسامية."

جيريمي كوربين آخر؟

يمكن للمرء أن يرى إلى أين يتجه كل هذا: بورنهام هو جيريمي كوربين في نسخة جديدة ويستحق نفس المعاملة.

لستُ متأكدًا من أن تكرار الحملة ضد كوربين سينجح مرة أخرى. لقد بنى بورنهام علاقة جيدة مع الجالية اليهودية في مانشستر عندما كان رئيسًا للبلدية.

لقد ازدادت حدة الرأي العام في بريطانيا . يستطيع أي شخص يستخدم هاتفاً محمولاً أن يرى بنفسه ما يحدث في غزة والأراضي المحتلة.

إن معاناة المدنيين في غزة هائلة ومستمرة لدرجة أنها تتحدى حتى قدرة إسرائيل على التستر عليها، ناهيك عن وصف تغطيتها بأنها "فرية دموية" ضد اليهود.

لكن دعونا نتجاهل جميع مفاهيم الصواب والخطأ. ولننظر إلى هذه القضية من منظور سياسي انتخابي عملي بحت.


لقد أجرينا الآن انتخابات فرعية في مانشستر الكبرى. كانت الأولى انتخابات كان من المفترض أن يفوز فيها حزب العمال بسهولة، لكنه لم يفز لأن بيرنهام مُنع من الترشح من قبل اللجنة التنفيذية الوطنية التي يسيطر عليها ستارمر.

وعلى عكس ماكرفيلد، كان مرشح الإصلاح في الانتخابات الفرعية في غورتون ودينتون قوياً، وانهارت أصوات حزب العمال لصالح هانا سبنسر في أول فوز لحزب الخضر في الانتخابات الفرعية في وستمنستر.

إن بيرنهام لا يرتكب نفس الخطأ الذي أدى إلى فشل رئاسة جو بايدن، وحملة كامالا هاريس الانتخابية، وفترة حكم ستارمر التي استمرت عامين.

استمر ستارمر في منصبه لفترة أطول من رأس الخس. لقد كانت أطول من فترة ولاية ليز تراس التي دامت 45 يوماً ، لكن سقوطه كان مفاجئاً بنفس القدر - فقد غادر كل من ستارمر وتراس منصبهما في حيرة من أمرهما، مصدومين من رد فعل حزب شعر كل منهما أنه يدعمهما.

ظن ستارمر أنه يستطيع فرض شروطه على الناخبين البريطانيين الذين لم يتقبلوا ذلك. وكان كل نائب من حزب العمال يعلم أن التصويت في انتخابات المجالس المحلية الأخيرة كان بمثابة تصويت ضد ستارمر شخصياً .

حتى عندما كان أعضاء المجلس المحلي جيدين، تم التصويت ضدهم بسبب ستارمر. لقد أصبح خاسراً للأصوات بشكل كبير.

لن يكرر بيرنهام هذه الأخطاء.

الرسالة الموجهة إلى زعيم حزب العمال المستقبلي واضحة: لا تعتبر الناخبين أمراً مفروغاً منه، سواء كانوا مسلمين أو تقدميين أو من اليمين أو اليسار.

وإلا فإنهم سينسحبون من حزب العمال إلى الأبد، مما سيؤدي إلى حقبة جديدة من السياسة البريطانية يهيمن عليها اليمين المتطرف.

السبيل الوحيد لمنع حدوث ذلك هو إعادة بناء حزب العمال بجوهر أخلاقي قوي. ويبدأ هذا بقضية فلسطين، وعندها سينهار سد الدعم غير المشروط لإسرائيل.

حظيت السجادة السحرية بالعديد من الظهورات المشرفة في الأدب. لكنها انتهت كإحدى الألعاب في مدينة ملاهي ديزني.

لا يرغب بورنهام في أن يحدث الشيء نفسه خلال فترة ولايته.

هو سياسي أفضل من ذلك.


حِوارٌ زوجيّ: صوتانِ وقلبٌ واحد!

  نقطة نظام

في بيت النبي

حِوارٌ زوجيّ: صوتانِ وقلبٌ واحد!

أدهم شرقاوي


في بيت النبي


الحوارُ الهادئُ الدافئُ بين الزَّوجين هو الأساسُ الخفيُّ الذي يقومُ عليه البيتُ، فإن استقامَ، استقامَ كلُّ ما فوقه، وإن تَصدَّعَ تهاوى ولو كَثُرَ الحُبُّ.

هو أن يتكلَّمَ كلٌّ منهما وهو مُطمئنٌّ أنَّ صوته لن يُدان، وأنَّ شُعورَه لن يُسخَرَ منه، وأنَّ ضعفَه لن يُستَغلَّ.

أن يكونَ الحديثُ مساحةَ أمانٍ لا ساحةَ انتصارٍ، وجسرَ قُربٍ لا حلبةَ صراعٍ.

لا يرفعُ أحدُهما نبرته ليُسمِعَ، ولا يُخفِضُها الآخرُ خوفًا، بل يلتقيان في منتصفِ الطريق: صِدقٌ بلا قسوةٍ، ووضوحٌ بلا تجريحٍ.

الحوارُ الدافئُ لا يبدأُ من اللِّسان، بل من القلب؛ من رغبةٍ صادقةٍ في الفهمِ لا في الغَلَبةِ، وفي الاحتواءِ لا في التَّصحيحِ المستمرِّ. هو أن تُقالَ الجملةُ مع مُراعاةِ التَّوقيت، وأن يُختارَ اللَّفظُ كما تُختارُ الهدايا: بعنايةٍ تُشبِهُ الحُبَّ. فكم من حقٍّ فُقِدَ لأنَّه قيل بحدَّةٍ، وكم من خطأٍ زال لأنَّه طُرِحَ بلُطفٍ.

وأهميَّتُه في أنَّه يُطفِئُ الحرائقَ قبل أن تشتعلَ، ويُداوي الجِراحَ قبل أن تتقيَّحَ. 

هو الذي يمنعُ تراكمَ الصَّغائرِ حتّى لا تتحوَّلَ إلى جدارٍ صامتٍ بين روحين كانتا يومًا أقربَ من الكلامِ. به تُحلُّ الخلافاتُ، وتُفهَمُ الاختلافاتُ، ويشعرُ كلُّ طرفٍ أنَّه شريكٌ لا خصمٌ، ورفيقٌ لا عبءٌ.

البيوتُ لا تُهدَمُ غالبًا بسببِ مشكلةٍ كبيرةٍ، بل بسببِ حواراتٍ صغيرةٍ أُهمِلَت، وكلماتٍ كان يمكنُ أن تُقالَ بلُطفٍ فقيلت ببرودٍ، أو لم تُقَلْ أصلًا. 

لذلك، فالحوارُ الهادئُ الدافئُ ليس مجرَّدَ وسيلةِ تواصُلٍ، بل هو فعلُ حُبٍّ يوميٌّ، وصيانةٌ مُستمرَّةٌ للعِشرةِ، ودليلُ نُضجٍ يُدرِكُ أنَّ بقاءَ القلوبِ أقسى من كسبِ المعاركِ.

وحين يُحسِنُ الزَّوجان هذا الفنَّ، يُصبِحُ البيتُ مكانًا يُستراحُ فيه من ضجيجِ العالمِ، وتغدو الكلمةُ الطيِّبةُ صدقةً، والحديثُ الصادقُ عبادةً، ويكبرُ الحُبُّ لا لأنَّه بلا خلافٍ، بل لأنَّه يعرفُ كيف يتجاوزُ الخلافَ دون أن يكسِرَ أحدًا!

روى مسلمٌ في صحيحه من حديثِ عائشة، قالتْ:

فقدتُ رسولَ اللهِ ﷺ وكانَ معي على فراشي، فوجدتُه ساجدًا راصًّا عَقِبَيْهِ، مُستقبِلًا بأطرافِ أصابعِه القِبلةَ.

فسمعتُه يقولُ: أعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبعَفْوِكَ من عُقوبتِكَ، وبِكَ مِنكَ، لا أُحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنَيْتَ على نفسِكَ!

فلمَّا انصرفَ قالَ: يا عائشةُ، أَخَذَكِ شيطانُكِ؟

أي هل أصابتكِ الغيرة فَظَنَنْتِ أنِّي قد ذهبتُ إلى بعض نسائي!

فقلتُ: أما لكَ شيطانٌ؟

قالَ: ما من آدميٍّ إلَّا له شيطانٌ!

فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، وأنتَ؟

قالَ: وأنا، ولكنِّي دعوتُ اللهَ فأعانني عليهِ فأسلَمَ!


العبادةُ صِدقٌ لا استعراضَ، فليس كلُّ ما عُبِدَ به الله يُقصَدُ أن يُرى، ولا كلُّ ما قيلَ في الطاعةِ يُرادُ له أن يُسمَع. إنَّ أجملَ ما في هذا الموقف أنَّه كان بين عبدٍ وربِّه، بلا جمهورٍ ولا تصفيق، عبادةٌ نقيّةٌ خرجت من قلبٍ يعرفُ أنَّ الله يرى قبل أن يرى الناس. 

هكذا تُحفَظُ الأعمال، في الخفاء، حيثُ يكون الإخلاصُ أصدق، وحيثُ لا يُخالطُ الطاعةَ شيءٌ من حظوظِ النفس.

أدبُ الدُّعاءِ أرفعُ من كثرتِه، فليست العبرةُ بطولِ الكلام، بل بصدقِ المقام. 

كلماتٌ قليلةٌ خرجت من قلبٍ حاضرٍ، فرفعت صاحبَها أعلى مقاماتِ العبوديّة. الدعاءُ ليس صراخَ حاجة، بل خضوعُ معرفة، أن تقفَ بين يدي الله وأنت تعلمُ أنَّ ملجأك إليه، وأنَّ نجاتك في رحمته، وأنَّ الرِّضا منه أوسعُ من كلِّ مطلوب.

الاعترافُ بالعجزِ قمّةُ القوّة، فحين يقول العبد: لا أُحصي ثناءً عليك، يكون قد بلغَ ذروةَ الصِّدق مع الله. مَن عرفَ قدرَ ربِّه صغرَ في عينِ نفسه، ومَن صغرَ بين يدي الله رُفِعَ عنده. 

ليست القوّةُ في ادِّعاءِ الكمال، بل في الصراحة مع النفس، وفي الانكسار الذي يفتح أبواب القبول.


الغيرةُ شعورٌ إنسانيٌّ لا يُدانُ ولا يُكسَر، بل يُفهَمُ ويُحتوى. ما أروعَ أن تُقابَل المشاعرُ بالرفق، لا بالتجريح، وبالفهم لا بالاتهام. القلوبُ حين تُفهَم تهدأ، وحين تُهان تثور. إنَّ احتواءَ المشاعر ليس ضعفًا، بل حكمةٌ تحفظ الودّ، وتصون العِشرة، وتُبقي البيوت عامرةً بالسَّكينة.

الزَّواج في جوهره حوارٌ قبل أن يكونَ عِشرة، وكلمةٌ صادقةٌ قبل أن يكونَ صبرًا طويلًا. 

بيتٌ لا يُدارُ بالكلام الهادئ، تُثقِلُه الظنونُ ويُرهقُه الصمت. أمّا حين يُقال الحديث في وقته، وبنبرةٍ دافئة، فإنَّ كثيرًا من الخلافات تموت قبل أن تولد، وتبقى القلوب قريبةً ولو اختلفت الآراء!

كهنة النهايات.. الحاخام بن أرتسي بماذا تنبأ للسنوار وما حقيقته؟

 كهنة النهايات.. الحاخام بن أرتسي بماذا تنبأ للسنوار وما حقيقته؟

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

إذا كان هناك ظواهر تكثفت في السنوات الأخيرة في العالم، فإن ظاهرة النبوءات والهوس بنهاية العالم وتوقعات الأحداث بناء على النصوص الدينية قد يكون من أكثر هذه الظواهر إثارة لاستغراب العقلاء في عالمنا اليوم.

فعلى الرغم من الادعاءات الكثيرة بدخول العالم في عصر التنوير والتحرر من سلطة النصوص كما يحلو لكثير من المنظرين الغربيين الادعاء اليوم، فإن انتشار لوثات مدعي العلم الأخروي ومدعي النبوءات أصبح ظاهرة لافتة فعلا، ولعل هذا الأمر يرجع إلى التسارع غير المسبوق في الأحداث في منطقتنا بشكل خاص وفي العالم بشكل عام.

لسنا نتكلم هنا عن منجمي الأبراج والنجوم الذين يحلو لبعض وسائل الإعلام عرض هرطقاتهم علينا نهاية كل عام، وغالبا ما تصبح مادة للتندر خلال العام عندما تحدث عكس تلك التوقعات، لكن الموضوع يتعلق باستخدام نصوص الكتب المقدسة في محاولة استقراء المستقبل والحديث عن نبوءات آخر الزمان بل وتحديد مواعيدها في بعض الأحيان.

بمجرد الحديث عن هذا الأمر قد يخطر في أذهان بعض القراء ارتباط هذا الأمر بالعالم الإسلامي بالذات، خاصة مع اشتهار أسماء معينة في عالمنا الإسلامي اليوم ارتبطت بفكرة النبوءات ومحاولة استقراء النص القرآني الكريم وتنزيله على المستقبل بما لا يتسع المجال هنا لشرحه أو الرد عليه.

لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن إسرائيل من أكثر المناطق التي تنتشر فيها جماعات دينية تحاول استقراء المستقبل من خلال النصوص التوراتية، والفارق بين هذه الحالة من ناحية، والحالات التي ذكرناها في العالم الإسلامي من ناحية أخرى، هو أن الحالة في إسرائيل تعتبر لدى رجال الدين حالة دينية معترفا بها رسميا ضمن ما يعرف في الديانة اليهودية بعلم "القبالاه"، وهو فن صوفي شديد التعقيد يتناول طرقا وأساليب خاصة لقراءة النص الديني واستشفاف "الإشارات الخفية" فيه.

هذا الفن الذي يعتبر من أشد الدراسات الدينية تعقيدا في المدارس الدينية التوراتية، عموما، يفتح المجال للبعض لاستشفاف رؤى دينية مستقبلية، وقد يثير بعضها الجدل أحيانا.

مع بداية أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل تنبّؤات كان هذا الحاخام قد نشرها مسبقا، وادعت أن بعضها تحقق بالفعل

في هذا السياق يتردد في الإعلام الإسرائيلي الحاخام المثير للجدل نير بن أرتسي. وهو زعيم جماعة أصبحت تعتبر أن النبوءات المستقبلية التي تكاد تكون يومية لدى بن أرتسي، هي ما يميزها عن بقية الجماعات الدينية الحريدية في إسرائيل.

بن أرتسي البالغ من العمر 69 عاما هو حاخام حريدي متطرف ولد وما زال يسكن في مستوطنة "تالاميم" الواقعة بين "سديروت" و"كريات جات" في جنوب إسرائيل، وهي مستوطنة قريبة من حدود قطاع غزة.

ويرجع أصل هذا الحاخام إلى جزيرة "جربة" التونسية، حيث هاجر والداه إلى إسرائيل من تونس، وغيّر والده اسم العائلة بعد الهجرة من "بوخريص" إلى "بن أرتسي" ومعناه "ابن وطني".

بن أرتسي لم يكن معروفا بالتعمق العلمي في دراسات التوراة، وإنما عرفه الناس في تسعينيات القرن الماضي بادعاءاته معرفة المستقبل من خلال علم "القبالاه"، وبادعائه امتلاك قدرات روحانية خارقة!.. ويحرص الرجل عند بث رسائله على قنواته المختلفة على الحديث بأسلوب بليغ مع عيون مغلقة وكأنه يتلقى وحيا إلهيا.

ولذلك فإن بن أرتسي اكتسب أتباعا من المستوطنين المعجبين به وبأطروحاته الغريبة. بل إنه نجح في الحصول على دعم حاخامات كبار مثل "شموئيل إلياهو" حاخام صفد، و"يوسف ياشار" حاخام عكا، وهما من المعجبين بأطروحاته ويرون فيه رجلا تقيا صاحب رؤى دينية خلاصية روحانية، وذلك على الرغم من تورطه في محاكم عديدة وقضايا فساد مالي كبيرة في مؤسساته التي جمع من خلالها مئات الملايين من الشواكل، كجمعية "تائير نيري" التي يتبع لها عدد من المؤسسات الدينية والاجتماعية وغيرها.

هذا الحاخام اعتاد منذ تسعينيات القرن الماضي الخروج على أتباعه بنبوءات مختلفة تتعلق أغلبها بقرب نزول المسيح المخلص، وتهيئة الظروف لظهوره، وهو بذلك يعطي الكثير من الأمل لأتباعه بقرب إعلان النصر النهائي للشعب اليهودي على أعدائه- على حد تعبيره- وازدياد الإشارات الإلهية في هذه المرحلة.

مع بداية أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل تنبّؤات كان هذا الحاخام قد نشرها مسبقا، وادعت أن بعضها تحقق بالفعل، مثل "نبوءته" في شهر فبراير/شباط عام 2024 بتمكن إسرائيل من قتل رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار، قبل أن يعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تمكنه بالفعل من قتل السنوار في غزة بعد ثمانية شهور.

وكذلك تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية بكثرة "نبوءة" هذا الحاخام التي نشرها عام 2017 وادعى فيها أن إسرائيل ستقضي على القدرات النووية الإيرانية دون أن يتأثر سلاح الطيران الإسرائيلي بالهجوم، لتعلن إسرائيل مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية بالفعل خلال حرب الاثني عشر يوما الأولى عام 2025.

من الواضح أن لجوء الإعلام الإسرائيلي إلى تناول مثل هذه النبوءات المدعاة لهذا الحاخام المثير للجدل كانت جزءا من الحرب النفسية لتثبيت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإلا فإن النظر بعمق إلى المشهد يكشف أن كلام بن أرتسي لم يكن له علاقة لا بنصوص دينية

من الواضح أن لجوء الإعلام الإسرائيلي إلى تناول مثل هذه النبوءات المدعاة لهذا الحاخام المثير للجدل كانت جزءا من الحرب النفسية لتثبيت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإلا فإن النظر بعمق إلى المشهد يكشف أن كلام بن أرتسي لم يكن له علاقة لا بنصوص دينية ولا علم "القبالاه" ولا غير ذلك، وإنما يمكن اعتباره "أمنيات" أكثر من كونه "نبوءات".

فالحاخام بن أرتسي- على سبيل المثال- كان قد ادعى في "نبوءته" بخصوص السنوار أن وفاته ستكون بالضبط بنفس طريقة موت شخصية "هامان" التي ذكرها سفر "إستر" في التوراة. حيث تذكر التوراة أن "هامان" صُلب على يد الملك الفارسي بشكل فاضح لخيانته وغدره.

لكن هذا لم يكن له أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمشهد "عصا السنوار" الشهير الذي نشره جيش الاحتلال، بسوء تقدير منه، حيث انقلبت الصورة تماما على الجيش الإسرائيلي من خلال مشهد صمود السنوار الأيقوني ورميه العصا على طائرة الدرون في لحظاته الأخيرة.

أما ما ادعاه هذا الحاخام حول حرب إيران وما سماه "القضاء على المنشآت النووية الإيرانية"، فإنه لم يتحقق لا في الحرب الأولى ولا في الثانية، ولا دليل على ذلك أقوى من متابعة تصريحات ترمب المتضاربة حول هذا الموضوع بالذات.

بالمقابل، فإن أتباع هذا الشخص يغضون الطرف عن كثير من نبوءاته التي لم تتحقق، مثل نبوءته التي نشرها في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2021 وادعى فيها وفاة بعض قادة دول في المنطقة، ونحن الآن بالطبع في عام 2026، ومرت خمس سنوات على ذلك الزعم الذي كان يفترض أن يحدث- حسب ادعاء بن أرتسي- قبل نهاية 2021.

اليوم، يظهر علينا بن أرتسي نفسه بنبوءة جديدة يدعي فيها أن نتنياهو سيفوز بثمانين مقعدا في الانتخابات القادمة، وأن المعبد المزعوم سيبنى قريبا مكان المسجد الأقصى، داعيا يهود العالم للتجمع في إسرائيل استعدادا لهذا الحدث الكبير، وهنا تكمن خطورة هذه النبوءة المزعومة.

المفارقة لا تتعلق بـ"بن أرتسي" بشخصه، وإنما تتعلق بالمبدأ الذي يسير عليه عدد من حاخامات المستوطنين من أمثال يهودا غليك، وديفيد وولفسون وغيرهما، والذي يتلخص بضرورة زراعة الثقة العمياء في نفوس أتباعهم تجاه ضرورة تحقيق النبوءات التوراتية والتلمودية في زماننا الحاضر، ومراهنتهم على أن الإيمان المطلق لأتباعهم بهذه النبوءات قد يكون سببا كافيا لتحقيقها بالقوة.

هذه هي قوة النبوءة؛ فبغض النظر عن صحتها أو خطئها لدى هذا الحاخام أو غيره، فإن من طبيعة الأتباع والشعوب أن تتعلق بها وترى حتمية تحقيقها، وهذا هو مفتاح العمل على تجسيدها في الواقع. وذلك لأن العقل الجمعي المشبع بالقناعة بالنبوءة يفسر أي تطور ذي علاقة بالحدث الذي ينتظره على أنه بداية الحدث المنتظر.

وبالتالي فإن من الطبيعي أن يرغب كل مؤمن من هؤلاء أن يكون واحدا من صناع النبوءة، فيسارع للانضمام لأي حدث بفاعلية، وبذلك يمكن أن تتحول النبوءة من مجرد قول إلى حراك متكامل يريد أن يجعلها حقيقة واقعة، وهنا تكمن القوة الحقيقية لفكرة النبوءة، بل وخطورتها أحيانا.

هذا الحاخام اعتاد منذ تسعينيات القرن الماضي الخروج على أتباعه بنبوءات مختلفة تتعلق أغلبها بقرب نزول المسيح المخلص، وتهيئة الظروف لظهوره، وهو بذلك يعطي الكثير من الأمل لأتباعه بقرب إعلان النصر النهائي للشعب اليهودي على أعدائه

هذه هي النقطة التي يراهن عليها حاخامات تيار الصهيونية الدينية الذين يشبعون أبناءهم بمثل هذه النبوءات ويرجون أن يكون لذلك دور في تحقيقها ولو بالقوة.

قد يرى البعض أن وجود النبوءة أو طرحها من أحد قد يكون له أثر عكسي على الناس يجعلهم ينتظرون تحققها بسلبية، مما يحد من أي حراك جمعي. لكن الواقع أن هذه الفكرة السلبية تنطبق فقط على الحالة التي لا تتمتع النبوءة بتأييد وإيمان قوة سياسية لديها أدوات تنفيذية.

أما في حال وجود قيادة سياسية لديها مشروع وبرنامج وأجهزة وأدوات تنفيذية، وفي نفس الوقت تؤمن بنبوءة غيبية معينة، فإن من الطبيعي أن تتحول "النبوءة" إلى "برنامج عمل" يهدف إلى تحقيقها بالأدوات المتاحة بالفعل لدى القيادة، وهذا هو الحال في إسرائيل اليوم، وخاصة في أروقة حكومة تيار الصهيونية الدينية الخلاصي المؤمن بنبوءات قرب نزول المسيح المخلص وزمن المعجزات وما شابه ذلك من ميثولوجيا.



في هذه الحالة، يتحول شخص مهووس بادعاءات الوحي والإلهام الإلهي ومعرفة المستقبل، مثل نير بن أرتسي، إلى صانع قرار حقيقي من وراء الكواليس، تسير وراء هلوساته دولة كاملة تهرول بسرعة يوما بعد يوم باتجاه المزيد من التحول إلى الثيوقراطية الدينية، وإن كان ثمن ذلك التحول حربا ودما ودمارا للعالم بأسره!

الاثنين، 13 يوليو 2026

رحلة عن قرب في شخصية الأمير الوالد من ساندهيرست إلى الناصرية و الوهابية

 رحلة عن قرب في شخصية الأمير الوالد من ساندهيرست إلى الناصرية و الوهابية


الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني


تزاحم المشيعون في أكبر حشد شهدته
الدوحة لوداع باني قطر وصانع نهضتها، ولم يلتفتوا إلى حرارة الجو ولا إلى بُعد الشقة مشياً، في صلاة الجنازة على الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب.

للزمان والمكان معنى. في مثل هذه الأيام قبل 13 عاماً ترجّل عن صهوة السلطة، وفي سابقة تاريخية تخلى عن العرش وسلّم الراية لفارس شاب. هنا يودّع الناس حمد الإنسان لا صاحب السلطان، وفي هذا المسجد تجسّد اعتزازه بهويته وكبرياؤه؛ فارساً من بني تميم، فخوراً بعروبته وإسلامه. بُني المسجد في ذروة تداعيات 11 سبتمبر، يوم صارت «الوهابية» تهمة، وسط سعار الإسلاموفوبيا. وبشجاعة تحدّى السائد وتحدث بفخر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بوصفه مجدداً وابن قبيلته. وهذا مفتاح شخصيته: الشجاعة.

الشيخ تميم يحمل إرثا بارّا به وفيا له


في الحرب على قطر، يرفض الصهاينة، المهوسون باليهودية هويةً قومية، الاعتراف بأن قطر بلد له هوية عربية إسلامية تحدد موقفه من القضية الفلسطينية، وليس لقيطاً، فنسجوا أسطورة الإخوان المسلمين. وفي ليلة رحيله، يا لها من مصادفة، بثت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية فيلماً لمدة ساعة عن حرمه سمو الشيخة موزا، بوصفها زعيمة الإخوان المسلمين! والواقع أن الأمير الوالد، بالإضافة إلى اعتزازه بهويته، شخصية تقدمية من الناحية الاجتماعية، بصورة لا تُرضي الإسلاميين من إخوان وسلفيين وغيرهم. وتجلّى ذلك في موقفه من المرأة: زوجه وبناته والمرأة القطرية عموماً.

وتلمس تقدميته وانفتاحه لا في قضية المرأة وتمكينها فقط، بل في الإعلام والتعليم. في الجزيرة، كان أول رئيس تحرير سامي حداد، رحمه الله، وهو مسيحي ليبرالي، وكثيراً ما أغضبت المساحة الليبرالية في الجزيرة الإسلاميين. وفي التعليم، كان استقدامه للمدارس البريطانية والأميركية والفرنسية والكندية والفنلندية، وجامعات المدينة التعليمية، جورج تاون ونورث وسترن وكارنيجي ميلون وكورنيل، واقعاً يناقض أسطورة «الأخونة» ويؤكد التقدمية.

وهذه الوقائع وغيرها تجدها في متاحف قطر، وهي من مآثر الشيخة موزا أيضاً: متحف الفن الإسلامي بجوار حركة فنية ثقافية تستوعب أكثر الفنانين والمصممين والمعماريين حداثة. فضلاً عن كأس العالم وما يجسده من انفتاح على ثقافات العالم وشعوبه. ذلك وغيره ينسف أكاذيب الإعلام الصهيوني.

والشجاعة لا تجدها في السياسة والمواقف الفكرية فقط، فقد كان اقتصادياً شجاعاً مخاطراً. قبل ثلاثين عاماً لم تكن قطر التي نعرفها اليوم. كانت إمارة نفطية صغيرة على هامش الخليج، احتياطيها النفطي لا يتجاوز أربعة مليارات ونيّف من البراميل، أي كسراً ضئيلاً مما تملكه السعودية أو العراق أو الكويت، وإنتاجها يدور حول أربعمئة ألف برميل يومياً، وموازنتها في العام الذي تسلّم فيه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم كانت تُقرّ بعجز مقداره نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار من الريالات.

لم تكن قطر ثرية ولا فقيرة، لكن شجاعة القائد جعلته يخاطر بذكاء في الرهان على الغاز، وهو ما جعل قطر تتمتع بأعلى دخل للفرد عالمياً. ولم يكتفِ بالثراء، بل سخّر المال لبناء الإنسان القطري هويةً وصحةً وتعليماً: أفضل نظام صحي، وأرقى الجامعات القطرية والعالمية، وخدمة قضايا الأمة، فتضاعف حجم قطر الاستراتيجي بحجم اهتماماتها وتطلعاتها.

كتبت عنه في جريدة «الحياة» اللندنية بعد تنازله عن الحكم مقالاً بعنوان: «صديق أعداء أميركا»، مع أنه صاغ أفضل علاقة تحالفية مع الولايات المتحدة. والحديث عن شخصيته ليس سهلاً، فهي شخصية غنية متعددة الأبعاد، يصعب اختزالها في موقف أو مرحلة. ولفهمها بعيداً عن الإشادة أو التشويه نعود إلى البدايات.

سؤال ساندهيرست
في ساندهيرست، وفي أول تدريب، كان المدرب يسأل كل ضابط مرشح عن بلده، وحين أجاب: «قطر»، سأله: «وأين تقع قطر؟». يقول الشيخ حمد، رحمه الله، لمحدثه إنه فكّر يومها بأنه يريد أن يعرف العالم كله أين تقع قطر، حتى قال، على سبيل المبالغة والسخرية، إنه فكّر في خطف الطائرات حتى يعرف الناس أين تقع بلاده.

وهذه الحادثة الصغيرة ليست طرفة عابرة، بل هي مفتاح المشروع كله. فقد أدرك منذ شبابه أن صغر المساحة وقلة السكان ليسا قدراً، وأن الدولة الصغيرة تستطيع أن تضاعف وزنها إذا امتلكت الرؤية والإرادة والتطلع الكبير. ومن ذلك أنه بنى أكبر أساطيل الطيران وأفخمها، لا أن يخطف طائرات.

وفي ساندهيرست، الكلية العسكرية البريطانية الصارمة، لم يتخلَّ عن أحلام الشباب. كان ناصرياً معادياً للاستعمار، وممن يشهدون له بذلك زميله في الكلية اللواء المتقاعد عبد السلام الحسنات، وهو عسكري من محافظتي ، قال لي إنه استقبل المعزّين في الكلية العسكرية بوفاة جمال عبد الناصر. في عاصمة الاستعمار يفتح بيت عزاء لألدّ أعداء الاستعمار. تلك البدايات صقلت مقاتلا، شجاعا، في أعرق الكليات العسكرية، مستندا إلى إرث من الفروسية. وظل في السياسة يجيد القتال بشجاعة.

أن تبيع ما لا أحد يريد شراءه


كان حقل الشمال قد اكتُشف عام 1971، وهو أكبر حقل للغاز غير المصاحب في العالم. ومع ذلك ظل قرابة عشرين عاماً أقرب إلى الأصل النائم منه إلى الثروة. والسبب أن الغاز في ذلك الزمن لم يكن سلعة عالمية كالنفط، بل منتجاً محلياً ثقيل الحركة: تبيعه لجارك عبر أنبوب أو لا تبيعه أصلاً.

وهنا تصطدم قطر بجغرافيتها من جديد. فالأنبوب يحتاج إلى ممر برّي وإلى سوق قريبة كبيرة، وقطر لا تملك الاثنين. والطريق الوحيد المتبقي كان الأصعب والأكثر كلفة: الغاز الطبيعي المسال. ومعنى ذلك أن تبني، من الصفر، سلسلة صناعية متكاملة كل حلقة فيها بلا قيمة من دون الحلقات الأخرى: منصات إنتاج بحرية على بعد ثمانين كيلومتراً من الساحل، وأنابيب تنقل الغاز إلى البر، ومدينة صناعية كاملة في رأس لفان، وقطارات إسالة تبرّد الغاز ليصبح قابلاً للنقل بحراً، وأسطولاً من الناقلات المبرّدة المصممة خصيصاً لهذه المهمة، ومحطات إعادة تغويز في موانئ المشترين على الجانب الآخر من العالم. ولا تعمل هذه السلسلة إلا كاملة، ولا تدرّ دولاراً واحداً قبل أن تكتمل بأسرها.

ولا يصح إغفال قاعدة العديد، فشركات الطاقة الأميركية لا تأمن على استثماراتها في بلد بين إيران والسعودية من دون شراكة عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية.

وبلغة الاستثمار، هذا يعني إنفاق عشرات المليارات قبل أي إيراد، وربط مصير الدولة بأصل واحد لعقود. وقد قُدّرت كلفة مشروع «قطر غاز 1» وحده بنحو 2.3 مليار دولار للمصنع، وقرابة خمسة مليارات مع البنية التحتية المرافقة، فيما كانت تقديرات منتصف التسعينات تضع كلفة مشاريع الغاز الثلاثة مجتمعة عند نحو خمسة عشر مليار دولار، في بلد لا يتجاوز عدد مواطنيه بضع مئات من الآلاف وموازنته تسجّل عجزاً. ولم يكن أمام الدولة إلا أن تقترض بكثافة من البنوك العالمية ووكالات ائتمان التصدير، وأن تدخل في شراكة مع كبريات شركات الطاقة.وُضع حجر الأساس عام 1994، وأُنتجت أول شحنة غاز مسال في نوفمبر 1996، وغادرت أول ناقلة ميناء رأس لفان في ديسمبر من العام نفسه لتصل إلى اليابان مطلع 1997.

وأذكر أن عبد الكريم الكباريتي، وهو سياسي استراتيجي واقتصادي خبير، تولى رئاسة الوزراء في الأردن عام 1996 ثم صار رئيساً لمجلس إدارة البنك الأردني الكويتي، قال لي عام 2000 مستغرباً هذا الرهان: «صدام يبيع النفط لنا بسعر تفضيلي بثمانية دولارات، ويهرّبه إلى دبي بستة دولارات، فبكم سيبيعون الغاز؟». ولم يكن الكباريتي وحده. كان هذا هو الحكم السائد في أوساط المال والسياسة على السواء: مغامرة دولة صغيرة تستدين فوق طاقتها لتبيع منتجاً منخفض القيمة في سوق لم تُخلق بعد.

وقد أثبتت السنوات عكس ذلك تماماً. فمع مطلع الألفية، ومع ثورة «القطارات العملاقة» التي ضاعفت حجم وحدات الإسالة وخفضت كلفة الوحدة المنتجة، ومع أسطول الناقلات العملاقة الذي جعل النقل أرخص من نقل أي منافس، صارت قطر المنتج الأدنى كلفة في العالم. ووصلت طاقتها إلى نحو سبعة وسبعين مليون طن سنوياً، وتحولت من دولة تقترض إلى دولة تُقرض، فأسست صندوقها السيادي عام 2005، وبلغت عام 2007 أعلى دخل للفرد في العالم.

الجزيرة
في نوفمبر 1996، أي في الشهر ذاته الذي أُنتجت فيه أول شحنة غاز مسال، بدأت قناة «الجزيرة» البث. وهذا التزامن ليس مصادفة. رجلٌ وضع في العام نفسه رهانين متوازيين على المشكلة الواحدة:
الغاز يمنح الدولة الصغيرة وزناً مادياً، والإعلام يمنحها وزناً معنوياً، والاثنان معاً تعويض عن الجغرافيا.

شكّلت «الجزيرة» قوة ناعمة، لا لقطر وحدها بل للعرب جميعاً، ولأول مرة صار للعرب روايتهم في العالم.
وفوق «الجزيرة» والإعلام، دخل ميدان الرياضة قوةً ناعمة من أبوابه الواسعة، وفازت قطر بتنظيم كأس العالم، في بطولة غير مسبوقة أعجزت من جاء بعدها.

التوازنات
لم يكن يؤمن بأن الدول أسيرة الجغرافيا أو التحالفات الجامدة. وكان يرى أن تأسيس مجلس التعاون الخليجي في سياق الحرب العراقية الإيرانية لا يعني أن تكون قطر في حالة عداء دائم مع إيران، رغم خلافاتها معها، ولا في عداء مع العراق بعد احتلاله الكويت. لذلك كان، وهو ولي عهد، أرفع مسؤول خليجي يزور طهران عام 1993، وكان وزير خارجيته حمد بن جاسم أرفع مسؤول خليجي يزور العراق ويكسر الحصار. بنى سياسة توازن دقيقة: يصطدم مع الدول في ملفات، ويتوافق معها في أخرى، وفقاً لمصلحة قطر لا لمنطق المحاور. وهو توازن له ما يبرره في الجغرافيا قبل السياسة. ولهذا وصفه حزب الله خلال حرب تموز بـ«أمير المقاومة»، قبل أن ينقلب عليه ويشن عليه حملات قاسية بعد انحيازه إلى الثورة السورية.

ولا أزعم أنني عرفته عن قرب، فقد التقيته مرات معدودة بحكم عملي. أتذكر اللقاء الأول عام 2005 عند افتتاح المبنى الجديد لقناة «الجزيرة»، وكانت العلاقات الرسمية بين الأردن وقطر في أسوأ مراحلها بعد إغلاق مكتب «الجزيرة» في عمّان. يومها قال لي: «أنت قادر على إدارة التوازنات»، ثم ضحك ضحكته المعروفة. وعلى المستوى الإنساني، كان من الصعب ألا يلمس من يلتقيه دفأه وعاطفته، وهي سمة عرفها القطريون وكل من تعامل معه، فكان أقرب إلى الوالد منه إلى الحاكم
في قناة الجزيرة وضحكة عن إدراة التوازنات.

المبدأ وحدود القدرة
كان سياسياً قلبه في المكان الصحيح، يدرك حدود الإمكانات وقدرات الدولة. ولعل القضية الفلسطينية كانت أوضح تجليات هذه الشخصية. أعطى عملية السلام فرصة، وعندما صافح شمعون بيريز وعاتبه الشيخ يوسف القرضاوي، ردّ ساخراً: «لقد غسلت يدي بعد مصافحته»، فأجابه القرضاوي: «بل سبع مرات، إحداهنّ بالتراب».

وخلال حرب غزة عام 2008، حاول عقد قمة عربية رغم الجهود التي بُذلت لإفشالها، وأغلق مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في الدوحة. وكانت زيارته إلى قطاع غزة المحاصر، وهو أمير لقطر، خطوة سياسية شجاعة. وانفعاله بالقضية الفلسطينية حقيقي، حتى إنه لم يتمالك نفسه من البكاء حين شاهد فيلماً يوثّق مجزرة جنين في أول مهرجان للأفلام الوثائقية في «الجزيرة».

ومع الربيع العربي انحاز إلى الشعوب، وضحّى بعلاقات استراتيجية كانت من أهم ركائز السياسة القطرية. فقد كانت علاقته بمعمر القذافي وبشار الأسد علاقة وثيقة، لكنه حين رأى القذافي يذبح شعبه، وبشار الأسد يفعل الأمر نفسه، انحاز إلى الشعوب، ولم يجعل المصالح السياسية مقدَّمة على المبادئ، مع أنه بذل معهما جهوداً لم تنجح للإصلاح بدلاً من قمع الثورات.

وكان يؤمن بأن الدول تكبر بمواقفها كما تكبر بمواردها. لذلك تحلّى بشجاعة استثنائية في القضايا الكبرى: في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وسوريا، وغيرها. وكانت لديه الجرأة على اتخاذ القرار وتحمّل كلفته، وهي الشجاعة التي صنعت المكانة التي تحتلها قطر اليوم.

وإذا كانت النفوس كباراً، تعبت في مرادها الأجسام. آن للفارس أن يترجل. في مقبرة لوسيل، دُفن باني قطر الحديثة إلى جوار مؤسس قطر الشيخ جاسم، وفياً لإرثه الذي رأى بلاده «كعبة المضيوم».

شِيَمُ الأُلى أنا منهمُ … والأصلُ تتبعُه الفروعُ 

(المعتمد بن عباد)

لا تحزن عليه قطر وحدها، فالحزن بحجم الأمة المضيومة التي نذر نفسه لها. والعزاء بما تركه من إرث ومحبة. أوسع بكثير من جغرافيا قطر.

الشروق الجزائرية

ماذا قدم الفراعنة للمصريين؟

 ماذا قدم الفراعنة للمصريين؟

محمد شعبان أيوب 

ما نعرفه من سور القرآن الكريم، وخاصة القصص ويوسف وطه وغيرها، أن فرعون كان يستعبد المصريين، ويجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم، وأن فرعون أو ملك مصر زمن يوسف لم يكن يؤمن بالله، وأن هذه الطائفة المترفة المنعمة كانت في واد والشعب في واد آخر، رغم ما حباهم الله به من نعمة الأمن والنيل والزراعة والخيرات، حتى إن امرأة العزيز راودت يوسف عن نفسه، لأنه شغفها حبا، بل أعلنت على الملأ أنها ستعاقبه بالسجن أو بغيره إن لم يفعل ما تأمره به.


وإن آثارهم لشاهدة على ظلم القوي منهم للضعيف، والغني منهم للفقير، حتى إنك ترى اكتشافات المقابر الملكية وعلية القوم ولا نكاد نجد إلا في النادر مقابر عامة المصريين، وهذه الأهرامات التي بنوها مع عظمتها وضخامتها وأعجوبتها سخروا لها آلاف الناس جبرا وقسرا ليدفن فيها الفرعون وفقط، فلم تكن ذات عائد أو طائل، ومن العجيب أن صيامنا ليوم عاشوراء كل عام يكون بسبب نجاة موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه.

ومن ثم، فهناك فارق كبير بين الاعتبار من سيرة قوم ظلموا أنفسهم، وبين الاحتفاء بهم، واتخاذهم مثالا يرفع من قيمة الظلم والكفر والغدر وقتل النساء والأطفال والاستعلاء على الخلق، والاستهانة بمقام النبوة والتوحيد.

والحمد لله على نعمة الوحي الذي يحدد قيمنا وبوصلتنا، ويرشدنا إلى أقوم السبل