الاثنين، 13 يوليو 2026

الصّدِّيقَة بنت الصدِّيق: السيّدة عائشة (رضيَ اللهُ عنها)

الصّدِّيقَة بنت الصدِّيق: السيّدة عائشة (رضيَ اللهُ عنها)
13 يوليو 678م
 

(لا أعلم في أُمّةِ مُحمّدٍ ﷺ، بل في نساء العالمين، امرأةً أعلم من عائشة)

هكذا قال الإمام الذهبي في موسوعته: “سِيَر أعلام النبلاء”

وقال عنها الحاكم النيسابوري في كتابه المُستدرَك: (إنّ رُبع عِلم الشّريعة قد أتى من طريق عائشة)

ويقول عروة بن الزبير: (ما رأيتُ أعلم بفقهٍ ولا طبٍّ ولا شِعرٍ من عائشة)

إنها الصدّيقة بنت الصدّيق.. السيدة المفسّرة العالِمة المحدّثة الفقيهة التي قال عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.

(طعام الثريد بالعامية المصرية: الفَتّة باللحم، وكان هو الطعام الأفخم عند العرب منذ الجاهلية)

16 رمضان 58هـ/ 13 يوليو 678م؛ تُوفّيت السيدة عائشة، أم المؤمنين {رضى الله عنها} أقرب زوجات النّبي (صلى الله عليه وسلم) إلى قلبه.

– رَحَلَت عن الدنيا بعد انتقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى بـ 47 عاما، ودُفِنَت في البقيع، وكان عمرها آنذاك 67 عاما.

– تنتمي السيدة  عائشة (رضي الله عنها) إلى بني تيم، إحدى قبائل قريش

– هي عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة بن كعب، فيلتقي نسبها مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في مُرّة بن كعب،، وأبوها هو أبو بكر الصدّيق (رضي الله عنه) خليفة النبي، وصاحبه.

– أمها: أم رومان بنت عامر، من بني مالك بن كنانة، أسلمت وهاجرت.

وللسيدة عائشة من الإخوة: عبد الرحمن (أخ شقيق)، وعبد الله وأسماء (أمهما: قتيلة بنت عبد العُزّى العامرية)، ومحمد (أمه: أسماء بنت عميس)، وأم كلثوم (أمها: حبيبة بنت خارجة)

– هي ثالث زوجات النبي، وإحدى أمهات المؤمنين، والتي لم يتزوج امرأة بِكرًا غيرها، وبنت الخليفة الأول للنبي محمد: (أبو بكر الصدّيق) وقد تزوجها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، بعد غزوة بدر في شوال، سنة 2هـ.

– تُوصف أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها) بأنها أفقه نساء الأمة، وأعلمهن بالقرآن والحديث والفقه، روت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) عِلمًا كثيرًا، وقد بلغ مسندها: 2210 أحاديث، وكانت رضي الله عنها أفصح أهل زمانها وأحفظهم للحديث، وقد روى عنها الرواة من الرجال والنساء.

– إنّ فضائل السّيدة عائشة رضي الله عنها كثيرة، فقد شاركت في غزوة أُحُد في سقاية المجاهدين، وقد لازمت النّبي (صلى الله عليه وسلم)، وأخذت عنه العِلم الوفير، حتّى كان الصحابة يستفتونها في كثيرٍ من أمور الفقه والشّريعة، حتّى قال الحاكم في المستدرك: إنّ رُبع عِلم الشّريعة قد أتى من طريق عائشة.

– وقد بيّنَ النّبي الكريم فضل السّيدة عائشة على باقي النّساء كما يفضل الثّريد على باقي الطعام، وهي الزّوجة الوحيدة التي تزوّجها النّبي بكرًا وكانت تفتخر بذلك، وهي الوحيدة التي نزل الوحي على النّبي وهو على فراشها، ومات النبي (صلى الله عليه وسلم) في بيتها.

– رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في منامه جبريل، وقد جاء بالسيدة عائشة في ثوب من حرير، وقال له: «هَذِهِ امْرَأتك»، فردَّ النبي بقوله: «إنْ يَكُن هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمضِهِ»، وفي حديث آخر أن جبريل قال: «هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُنيَا وَالآخِرة.

ورؤيا الأنبياء حقّ، ورؤيا الأنبياء وَحيّ، وزواج عائشة (رضي الله عنها) كان بأمرٍ وترتيب من ربّ العالمين.

– وفي حادثة الإفك الشهيرة التي قام بها المنافقون، جاء الرد من السماء دفاعا وتبرئة للسيدة عائشة: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة النور:11]

قال عُروةُ بن الزبير، ابن أخت السيّدة عائشة: لم أعجب من براعة خالتي في الفِقه، والشِّعر، وتاريخ الناس، فهي زوجة النبي وابنة الصدّيق، ولكني أعجبُ مِن عِلمِها بالطِّب.

يقول معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه): واللهِ ما سمعتُ قَط أبلغ من عائشة.

قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: «مَا أُشكلَ عَلَيْنَا أَصْحَاب رَسُوْل الْلَّه (صلى الله عليه وسلم) حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ، إلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا».

وكانت من الفصاحة والبلاغة ما جعل الأحنف بن قيس يقول: (سَمِعْتُ خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، رضي الله عنهم، وَالْخُلَفَاءِ هَلُمَّ جَرًا إِلَى يَوْمِي هَذَا، فَمَا سَمِعْتُ الْكَلامَ مِنْ فَمِ مَخْلُوقٍ، أَفْخَمَ، وَلا أَحْسَنَ مِنْهُ مِنْ فِيِّ عَائِشَةَ رضي الله عنها).

– استنادًا إلى عُمر أختها أسماء التي كانت تكبرها ببضع عشرة سنين، وقد ماتت أسماء سنة 73هـ، عن عمر ناهز مائة سنة؛ يقول ابن حجر العسقلاني إن أبي نعيم الأصبهاني قال بأن أسماء بنت أبي بكر وُلِدَت قبل الهجرة بسبعٍ وعشرين سنة، والبِضع في اللغة بين الثلاثة والتسعة في التعداد، فيكون عُمر السيدة عائشة وقت زواجها بالنبي محمد بين العشرة والست عشرة سنة.. والأرجح (16 عاما)

رحمَ اللهُ الفقيهة العابدة الزاهدة أُمّ المؤمنين، السيدة عائشة، ورضي عنها

وقد يُصنع تاريخ عظيم من لحظتَيْن فقط

 وقد يُصنع  تاريخ عظيم من لحظتَيْن فقط



وائل قنديل


رأيت قطر المرّة الأولى في أثناء توقّفي بها عبوراً 24 ساعة، في طريق العودة من أقصى شرق آسيا. كانت تبدو مثل صبيّة بدوية، لا هي طفلة ولا هي فتاة كبيرة، تبتسم للعابرين بطيبة وعذوبة، فتظنّ أنّها منبهرة بالضيوف الغرباء، حتّى تكتشف فيما بعد أنّها تمتلك من التعليم، ومن القدرة على الإبداع والتفوّق، ما يجعلك تشعر بالخجل من خيلاء التنميط والحكم على الأماكن البشرية.

كان هذا في فترة ازدهار "الربيع العربي" بعد 2011، إذ بدت الدوحة صغيرةً وهادئةً لا تعرف الصخب، على الرغم من أنّها كانت قد استيقظت قبل بضعة أشهر فقط، وتحديداً في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2010، على نبأ عظيم، إذ اختيرت لتنظيم كأس العالم لكرة القدم في العام 2022، غير أنّها لم تكن قد تحوّلت إلى ورشة عمل هائلة بعد.

لو قارنت بين صورتي قطر في 2011 وفي 2022 لأدركت أنّك بصدد ما يشبه المعجزة الحضارية، وكأنّ لحظة إعلان الفوز بتنظيم المونديال لم تكن فقط انتصاراً رياضياً، بل أظنّها كانت لحظة اتخاذ قرار بتغيير وجه الحياة في هذه المساحة الصغيرة من الأرض لكي تنطلق نحو صناعة دولة كبيرة.

وتلك هي قيمة الراحل الكبير الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إذ اختار الذهاب إلى نهضة شاملة في جوانب الحياة كلّها من بوابة كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى في العالم، ليكون مشروع تنظيم المونديال الأوّل في تاريخ الوطن العربي بمثابة إشارة ميلاد ربيع قطري يحمل ثورةً عمرانيةً واجتماعيةً واقتصاديةً شاملةً. 
تلك كانت اللحظة العظيمة الثانية في صناعة تاريخ عظيم لرجل عظيم.
أمّا اللحظة العظيمة الأولى في تاريخ الرجل، فقد كانت قبل الثانية بـ14 عاماً، حين كان إطلاق قناة الجزيرة، في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1996، أشبه بثورة إعلامية وفكرية، أحدث دوائر هائلة من التغيير في الوعي العربي العام، وحفرت مجرى جديداً عالمياً لصناعة البثّ التلفزيوني في الوطن العربي، إذ صار المواطن العربي يمتلك للمرّة الأولى محطّةً إخباريةً موثوقةً تنافس وتتفوّق، منذ البدايات، في سباق التغطيات الذي كان حكراً على محطّات أوروبية موجّهة إلى العالم العربي.

قد يكون لديك ملاحظات وانتقادات لأداء قناة الجزيرة، الآن وقبل الآن، غير أنّها، وللموضوعية والإنصاف، كانت ثورةً إعلاميةً هزّت مفهوم إعلام الدولة التقليدي في الدول العربية، ونسفت منطق الوصاية على وعي المتلقّي، والهيمنة عليه بإعلام التوجيه والإرشاد السائد في التلفزة الرسمية، وأوجدت ذائقةً جديدةً ومختلفةً لدي المشاهد، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في بنية الإعلام العربي، فاندفعت حكومات إلى محاولة استنساخ ومحاكاة تجربة الجزيرة، بيد أنّها لم تفلح في الاقتراب منها، لسبب بسيط للغاية هو أنّ هذه القنوات انطلقت بهدف استرجاع المشاهد العربي من البراح المعلوماتي الذي أتاحه له ربيع قناة الجزيرة، فيما كانت هي قد أخذت سبق الانطلاق بقصد تحرير هذه القارئ من زنزانة التلقين والإرشاد والتوجيه التقليدية.

لولا تلك اللحظة التاريخية الهائلة في العام الأول لتولّي الراحل الكبير الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، لما كانت اللحظة التاريخية الثانية بفوز الملفّ القطري المنافس في نهاية العام 2010 على تنظيم كأس العالم 2022 في قطر الجديدة التي تحدّت الجغرافيا والتاريخ، مستخدمةً رافعة المونديال لإنجاز نهضتها الشاملة.
كان مشروع قناة الجزيرة بداية ثورة على السائد والمتكلّس في التعليم والإعلام والثقافة، فيما كان تحدّي كأس العالم ثورةً أخرى على الرضوخ لمحدودية الجغرافيا، إذ تعاظمت قدرات الدولة من دون أن تخاصم ما سبق وتعتبره كأن لم يكن، فلم تبحث عن عاصمة جديدة تعلن من خلالها قطيعتها مع القديمة، بل جدّدت الدوحة شبابها العمراني والاقتصادي والاجتماعي من دون أن تغيّر مكانها.
ومع تحوّل حلم تنظيم المونديال إلى مشروع قومي يستهدف نهضةً حضاريةً شاملةً وشابّةً، كان قرار إسناد الأمر إلى قيادة جديدة شابّة تشبّعت بالحلم وعرفت مفاتيح تحقيقه، فكان قرار الرجل الحكيم بنقل السلطة إلى الجيل الشاب، جيل الحلم العفي، في خطوة استثنائية نادرة في تاريخ الدول غير الجمهورية.
ولذلك كلّه، وغيره كثير، يمكن القول إنّه لو لم ينجز فقيد قطر الكبير، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، سوى عالمية الإعلام العربي (الجزيرة) وتعريب كأس العالم (مونديال 2022)، لكفاه حتّى يدخل التاريخ ولا يخرج منه، واحداً من الزعماء الكبار في تاريخ الوطن العربي.






الأحد، 12 يوليو 2026

هرمز يتكلم…

  هرمز يتكلم…

مكاوي الملك

هرمز يتكلم… وواشنطن تتردد: لحظة انتقال القوة خارج مركزها التقليدي
‏المشهد لم يعد يحتمل التجميل… هناك فجوة واضحة بين ما يُقال… وما يحدث فعلياً على الأرض
‏واشنطن تعلن: "الممر مفتوح"
‏لكن السوق يرد: (الحركة متوقفة)
‏وهنا تبدأ القصة الحقيقية…
🎯 أول الانكشاف: الرواية تسقط أمام السلوك
‏الأرقام التي تُروّج لا تصمد أمام حركة السفن
‏قبل التصعيد… مئات الناقلات يومياً
‏الآن… بالكاد تُرى حركة تُذكر
‏في عالم الطاقة… الحقيقة لا تُقاس بالتصريحات
‏بل بالمسارات التي تختارها السفن حين تخاف
‏ التحول الأخطر: من السيطرة إلى الإذن
‏الممر لم يعد (مفتوحا) كما يُقال
‏بل أصبح (ممروراً بشروط)
‏إيران لم تغلق هرمز بشكل تقليدي
‏هي فعلت ما هو أخطر:فرضت معادلة أن العبور يحتاج موافقة ضمنية
‏وهنا يتغير كل شيء..من يحدد من يمر… يملك النفوذ الحقيقي
‏ الضربات… ليست الهدف
‏القصف الأمريكي واسع… وعنيف… ومتكرر
‏لكن نتائجه تكتيكية
‏في المقابل…الرد الإيراني يستهدف (السلوك) لا (الموقع)
‏استهداف سفن… قواعد… مسارات…يعني إعادة تشكيل قواعد اللعبة… لا مجرد الرد
‏ التناقض القاتل في القرار الأمريكي
‏اتفاق يمنح طهران دورا..ثم ضربات تحاول كسر هذا الدور
‏هذا ليس ضغطا..هذا ارتباك استراتيجي يُدار بالنار
‏والنتيجة؟
‏خصم يعرف ما يريد..وقوة تتصرف دون مسار ثابت
‏ الخليج يدخل المعادلة رغماً عنه
‏القواعد تُستهدف..البنية التحتية تحت الضغط
‏والرسالة واضحة:أي منصة تُستخدم..تصبح جزءاً من المواجهة
‏المعادلة اتسعت… ولم تعد قابلة للعزل
العقدة التي لا تُقال
‏واشنطن لا تواجه إيران فقط..تواجه الوقت… السوق… والانتخابات
‏كل قرار عسكري… له ثمن داخلي مباشر
‏وهنا تتآكل القدرة على التصعيد الطويل
اللحظة الفاصلة
‏ما يحدث ليس فوضى..بل انتقال صامت لمركز التأثير
‏القوة لم تعد في إطلاق الضربة..بل في إجبار الآخرين على تغيير سلوكهم دون إعلان
الخلاصة
‏هرمز اليوم لا يُغلق بالسفن..يُغلق بالخوف
‏ومن يصنع الخوف..هو من يكتب القواعد
السؤال الذي يكشف كل شيء:
‏هل تستطيع واشنطن استعادة السيطرة على (السلوك)أم أننا دخلنا مرحلة تُدار فيها القوة من خارج مركزها التقليدي؟






النخب بين صناعة النهضة وصناعة الأزمات

 النخب بين صناعة النهضة وصناعة الأزمات

حين تكون القيادة الفكرية رافعة للحضارة أو معولاً لهدمها


كاتب وباحث في الدراسات الإسلامية - رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث

لا تنهض الأمم بالمصادفة، ولا تتعثر من فراغ. فالتاريخ الإنساني يكشف أن وراء كل مشروع حضاري ناجح نخباً واعية أدركت طبيعة المرحلة، وأحسنت قراءة الواقع، وامتلكت القدرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والطموحات إلى برامج، والإرادة إلى منجزات. 

كما يكشف في المقابل أن انهيار كثير من الدول لم يكن سببه ضعف الموارد أو قلة الإمكانات، بل عجز النخب التي تصدرت المشهد عن أداء رسالتها، أو انشغالها بمصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة. 

ومن هنا فإن دراسة النخب ليست ترفاً فكرياً، بل هي مدخل لفهم أسباب الاستقرار والاضطراب، وأسباب النهضة والتخلف، لأن النخبة تمثل العقل الذي يفكر، والضمير الذي يوجه، والجسر الذي يربط بين المجتمع والدولة.

والنخبة ليست طبقة اجتماعية مغلقة، ولا جماعة تحتكر المعرفة أو السلطة، وإنما هي كل من يمتلك القدرة على التأثير

في اتجاهات المجتمع وصناعة قراراته، سواء كان مفكراً، أو عالماً، أو سياسياً، أو اقتصادياً، أو إعلامياً، أو قائداً مجتمعياً. وقيمة النخبة لا تُقاس بموقعها الوظيفي، بل بقدرتها على إنتاج الوعي، وبناء الثقة، وترسيخ القيم، وتقديم الحلول، وصناعة المستقبل.

لقد أدرك القرآن الكريم أهمية القيادة المؤثرة، فربط بين صلاح القيادة وصلاح المجتمع، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. 

كما حذر من القيادات المضللة التي تقود الناس إلى الفساد والانحراف، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: 41]. 

وهكذا يقرر القرآن أن القيادة ليست شرفاً مجرداً، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية، وأن أثرها قد يمتد لأجيال، بناءً أو هدماً.

وقد أثبتت تجارب الأمم أن النهضة تبدأ عادة من نخبة تمتلك رؤية واضحة، وإرادة صادقة، وقدرة على تجاوز الخلافات الجزئية نحو مشروع وطني جامع. فالنخب الثقافية تصنع الوعي، وتحارب الجهل، وتعيد تشكيل منظومة القيم، وتدافع عن الهوية دون انغلاق، وتنفتح على العالم دون ذوبان. 

وهي التي تنتج المعرفة، وتؤسس لمجتمع يحترم العقل، ويقدر العلم، ويجعل الحوار بديلاً عن الصراع، والبرهان بديلاً عن التعصب.

أما النخب الاجتماعية، فهي التي تحافظ على تماسك المجتمع، وتنشر ثقافة التعاون والتكافل، وتخفف من حدة الانقسامات، وتسهم في معالجة المشكلات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية أو أمنية. 

إن المجتمع الذي يمتلك قيادات اجتماعية حكيمة يكون أكثر قدرة على احتواء الخلافات، وأقل عرضة للانقسام، لأن هذه النخب تؤدي دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وتعمل على تعزيز الثقة والتضامن.

وتأتي النخب السياسية في مقدمة القوى المؤثرة في استقرار الدول، لأنها تتولى إدارة الشأن العام، وصياغة السياسات، وتوزيع الموارد، وبناء المؤسسات. وعندما تتحلى هذه النخب بالكفاءة والنزاهة وبعد النظر، تتحول الدولة إلى بيئة جاذبة للاستثمار، ومحفزة للإبداع، وقادرة على تحقيق التنمية المستدامة. أما إذا غلبت المصالح الشخصية، وسيطرت عقلية الإقصاء، وضعفت الكفاءة، فإن الدولة تدخل في دوامة من الأزمات المتلاحقة، مهما امتلكت من ثروات وإمكانات.

إن النخبة الإيجابية ليست تلك التي تجيد الخطابة أو تكثر من التنظير، وإنما هي التي تمتلك مشروعاً للإصلاح، وتربط بين المبادئ والواقع، وبين القيم والإنجاز. وهي التي تقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتؤمن بأن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع البشري، وأن إدارة التنوع بالحوار والتوافق أكثر نفعاً من إدارته بالصراع والإقصاء.

وفي المقابل، تظهر في كثير من المجتمعات نخب سلبية تتحول إلى أحد أهم معوقات النهضة. وهي نخب قد تمتلك النفوذ أو المال أو المنابر الإعلامية، لكنها تفتقر إلى الرؤية والمسؤولية. فبدلاً من أن تكون جسراً بين الدولة والمجتمع، تصبح سبباً في تعميق الانقسامات، وتأجيج الخصومات، وإضعاف الثقة بالمؤسسات. وبدلاً من أن تنتج الأفكار، تستهلك الشعارات، وبدلاً من أن تقدم الحلول، تعيش على صناعة الأزمات.

ومن أخطر صور النخب السلبية النخبة الانتهازية التي تغير مواقفها بتغير موازين القوى، فلا تحكمها المبادئ، وإنما المصالح. فهي مع السلطة ما دامت تحقق لها المكاسب، ومع المعارضة إذا تغيرت الظروف، ولا تتردد في توظيف الدين أو

الوطنية أو الديمقراطية لتحقيق أهدافها الخاصة. وهذه النخب تسهم في إضعاف الوعي العام، لأنها تجعل القيم مجرد أدوات للاستهلاك السياسي، وتفقد المجتمع ثقته في الخطاب العام.

وتبرز كذلك النخبة المؤدلجة التي ترى العالم من خلال فكرة واحدة، وترفض الاعتراف بالتعدد أو الاختلاف، فتقسم المجتمع إلى معسكرات متصارعة، وتتعامل مع المخالف بوصفه خصماً يجب إقصاؤه لا شريكاً في الوطن. ومثل هذه النخب تعجز عن إدارة الدولة الحديثة، لأن الدولة تقوم على التوافق، والمؤسسات، وسيادة القانون، بينما تقوم الأيديولوجيا المغلقة على الاحتكار والإقصاء.

ولا يقل خطورة عن ذلك النخبة الإعلامية التي تتخلى عن رسالتها المهنية، وتتحول إلى أداة للدعاية أو التحريض أو تضليل الرأي العام. فالإعلام حين يفقد استقلاله وأخلاقياته يصبح عاملاً في تفكيك المجتمع، ونشر الكراهية، وصناعة الاستقطاب، بدلاً من أن يكون وسيلة لبناء الوعي وترسيخ الحوار.

ومن مظاهر الأزمة في كثير من المجتمعات العربية أن بعض

النخب انشغلت بالصراع على السلطة أكثر من انشغالها ببناء الدولة، وبالمعارك الأيديولوجية أكثر من اهتمامها بالتنمية، وبالولاءات الخارجية أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية. ولهذا تراجعت المشاريع الحضارية، وتزايدت الانقسامات، وضعفت المؤسسات، وأصبحت الثروات عرضة للهدر، والطاقات البشرية للهجرة والإحباط.

إن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بوجود نخب منفصلة عن مجتمعاتها، أو أسيرة للماضي، أو مرتهنة للخارج. وإنما تحتاج إلى نخب تمتلك استقلالية القرار، وعمق المعرفة، ونزاهة السلوك، وقدرة على استيعاب التحولات العالمية دون التفريط في الثوابت. فالعالم اليوم لا يحترم إلا المجتمعات التي تبني المعرفة، وتطور مؤسساتها، وتستثمر في الإنسان، وتجعل الكفاءة معياراً للتقدم، لا الانتماءات الضيقة أو العلاقات الشخصية.

ومن هنا فإن مسؤولية النخب ليست مجرد إدارة الحاضر، بل صناعة المستقبل. فهي مطالبة بإعادة بناء منظومة القيم، وإحياء ثقافة العمل والإتقان، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وربط التعليم بالبحث العلمي، والاقتصاد

بالإنتاج، والسياسة بالمصلحة الوطنية. كما أنها مطالبة بإشاعة ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، ونبذ خطاب الكراهية، لأن المجتمعات المنقسمة لا تستطيع أن تبني مشروعاً حضارياً مستقراً.

لقد أثبتت التجارب العالمية، من شرق آسيا إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أن النهضة لم تبدأ بالثروات، وإنما بدأت بإصلاح الإنسان، وتأهيل النخب، وبناء المؤسسات، وإعلاء قيمة العلم والعمل والانضباط. وفي المقابل، فإن كثيراً من الدول الغنية بالموارد ظلت تعاني التخلف، لأن نخبها أخفقت في إدارة هذه الموارد، أو جعلتها وسيلة لتعزيز النفوذ الشخصي بدلاً من توظيفها في خدمة التنمية.

وفي المنظور الإسلامي، ترتبط قيمة النخبة بقدر ما تحققه من عدل وإصلاح، لا بما تمتلكه من نفوذ. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، ويقول النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالمسؤولية في الإسلام تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وأمانة قبل أن تكون امتيازاً، ولذلك كانت خيرية القيادات مرتبطة بخدمة الناس وتحقيق مصالحهم، لا بتعظيم ذواتهم أو إحكام سيطرتهم.

إن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية، وإنما بما تمتلكه من نخب صالحة قادرة على تحويل تلك الثروات إلى حضارة، والأزمات إلى فرص، والتحديات إلى مشاريع للنهوض. فحين ترتقي النخب يرتقي المجتمع، وحين تنحرف تنحرف البوصلة الوطنية، ويصبح مستقبل الأمة رهينة لصراعاتها وأخطائها.

ولذلك فإن مشروع النهضة العربية والإسلامية يبدأ بإصلاح النخبة قبل إصلاح الدولة، وبإحياء ثقافة المسؤولية قبل المطالبة بالحقوق، وببناء قيادة تجمع بين العلم والأخلاق والكفاءة، لأن التاريخ يؤكد أن الأمم لا يغيرها الخطاب وحده، وإنما يغيرها رجال ونساء يحملون رسالة، ويملكون رؤية، ويترجمونها إلى عمل ومؤسسات وإنجازات. وهذه هي النخب التي تصنع الحضارة، وتحفظ الاستقرار، وتؤسس لمستقبل يليق بالأوطان والأجيال القادمة.