الأربعاء، 4 فبراير 2026

حين يصبح الوهم أسلوب حياة

حين يصبح الوهم أسلوب حياة

                    د. جاسم الجزاع*
 باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com


من يتأمل حال الكثير منا في هذا الزمان في تناوله لمنصات التواصل الاجتماعي يجد أنها لم تعد منصات للتواصل الفكري والمعلوماتي، ولا حتى مساحات عابرة لتبادل الصور والتعليقات والحكايا بين الناس، بل تحوّلت شيئًا فشيئًا إلى مسارح مفتوحة لصناعة الذات البشرية، حيث لا يقدّم البعض نفسه – خصوصاً المشاهير - كما هو على الحقيقة، بل كما يريد هو أن يُرى أمام الناس، ومع هذا السعي في هذا المسار، نجد أن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: ماذا سنشارك الآخرين؟ 
بل ما هي النسخة منّا التي نختار أن نعرضها لهم؟ أنا الحقيقي؟ أم أنا المزيف؟ 
وهل ما نراه يوميًا لدى بعض من نتابعهم حياة حقيقية… أم وهمًا وخداعاً مُتقن الإخراج؟


وفي هذا السياق، تكشف مراجعات علمية حديثة عن حقيقة مقلقة عن السوشيال ميديا التي لم تعد تنقل الواقع، بل تقوم بإعادة تركيبه وعرضه للآخرين، ولا تعرض الحياة كما هي، بل كما يُراد لها أن تبدو، صافية من الهموم، محسّنة للمظهر، ومختارة بعناية، ومليئة بالأضواء والأمجاد، بينما تُخفى الزوايا المعتمة خلف فلاتر الصمت والابتسامة المصطنعة المخادعة. وتشير بعض التقارير والدراسات التي استعرضتها واطلعت عليها أن كثيرًا من المستخدمين لأدوات السوشيال ميديا لا يتعاملون مع حساباتهم بوصفها مساحة للتعبير وعرض الأفكار، بل كـمشروع تسويقي للذات شديد الغلو، فالصورة، والزاوية، والكلمات، بل وحتى الصمت، كلها أدوات لإدارة الانطباع العام، فالإنسان في هذا العالم الافتراضي، إلا من رحم الله، لا يعرض ما يعيشه، بل ما يظن أنه سيُكسبه القبول، والإعجاب، والانتماء عند المتابعين.

ومع تكرار هذا السلوك، تتحوّل التفاعلات الرقمية، كعدد الإعجابات، وعدد المتابعين، ونمطية التعليقات، إلى مقياس للقيمة الذاتية، ويصبح الرضا الداخلي مشروطًا برأي الآخرين، ويغدو الشعور بالوجود مرهونًا بظهوره على الشاشة، ومن هنا لا يعود الشخص يعيش حياته بحقيقتها، بل ليؤدي دوراً آخر.

وحقيقة أمامنا تتجلى وهي أنه ما كان لهذا الوهم أن يتضخم لولا الأدوات التقنية التي جعلت التزييف وخداع الناس سهلًا وسريعًا، فالفلاتر مثلاً لا تغيّر الصور فقط، ولكنها تعيد تعريف الجمال وتزيد تعقيداته، وتزرع في الوعي معايير مستحيلة لذلك،
ومع الذكاء الاصطناعي، لم يعد التزييف مقتصرًا على تحسين الواقع، بل وصل إلى خلق واقع بديل بالكامل بأفكار مدعاة مكذوبة وبعمق فكري مزعوم.

والأسوأ من ذلك السعي الحثيث للانتقاء المتعمّد، فصورة جميلة من بين مئات الصور غير الجميلة، ولحظة في ثوانٍ من بين أيام وساعات طوال، وابتسامة من بين تعب وإرهاق شديد، وهكذا.. نجد أنها تُبنى قصة حياة بعيدة عن الواقع، وتُقدَّم للمتابعين باعتبارها نموذج حياتنا المثالي الواقعي.

والمعضلة في ذلك التزييف أنه لا يبقى حبيس الشاشة، بل يتسرّب إلى الداخل، فالمقارنة المستمرة مع الصور المثالية تزرع شعورًا بالنقص لدى المتابعين الذين يجدون بوناً شاسعاً بين نعيم المشاهير وشقائهم، وتُنتج ضغطًا نفسيًا خفيًا،
فيتساءل الفرد منهم: لماذا حياتي أقل بريقًا وأقل نعيماً؟ ولماذا لا أبدو كما يبدون؟ ومع الزمن، يتحول هذا السؤال إلى قلق دائم، وقد يقود إلى الاكتئاب أو فقدان الثقة بالنفس.

وحين يصبح القبول الرقمي لهذا الزيف شرطًا للشعور بالقيمة، يدخل الإنسان حينها في حلقة مفرغة، مزيد من التزييف، فمزيد من الترقّب، فمزيد من القلق.

أيها الأحباب، السوشيال ميديا ليست شرًا في ذاتها كأدوات، فهي كأداة للتبادل الفكري والمعلوماتي فيها خير كثير واختصار للوقت، لكنها تصبح خطرًا حين تتحوّل من نافذة على الحياة الحقيقية إلى مرآة مشوّهة لها، وحين نخلط بين ما نراه وما هو كائن، نفقد القدرة على التمييز بين الواقع والأداء، وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا: هل نحن نستخدم المنصات ونحقق الفائدة منها؟ أم هي التي تستخدمنا وتعيد تشكيلنا كما يريده الذين نتابعهم؟ وهل نحن في مناعة نفسية من ذلك أم في هشاشة مضطربة؟

قهوة العصر.. رائحة الغياب الذي يسكنه الجمال

قهوة العصر.. رائحة الغياب الذي يسكنه الجمال
نور الدين قدور رافع

ها أنا أجلس بعد العصر، أحتسي فنجانا من القهوة يؤنسني، أقلب صفحات كتاب سئم الانتظار، وحيدا، وبين يدي لحظة ترتسم فيها ذكريات العائلة، حين كانت تجتمع كلها حول الخوان. 

ينظر هو الآخر إلى وجوه اعتلا بعضها الزمان بالشيب والوهن، وأخرى تستقبل الحياة شغفا وفرحا.

إنني أسمع صوت الماضي، وحنين أهل القبور إلى ساعة العصر، حين ترفع الأعمال، وتقترن بصالح النيات؛ إذ لا يسعني إلا الجلوس لأرتشف لحظات منسية، لصحبة غادرت المكان، لكن أرواحها تعمر الأشياء بأنفاسها الطيبة وسيرتها العطرة. 

لا القهوة تريد انقضاء ساعتها، ولا الخوان يسأم حديث المتحلقين به.

ولعلي أدعوكم إلى احتساء فنجان دافئ من القهوة، وأنتم تقرؤون كلمات تعانق الحياة القديمة، وتستذكرون لحظات كنا فيها صغارا، نرقب إبريق القهوة وخبز الجدة المحشو بالتمر والمطهو على الطين، علنا نزيح عنا تعب السعي المستمر؛ فهي رشفة من العمر تبوح بمشاعر الفقد والحنين إلى هدوء النفس، حين تكون ذواتنا تكاشف طبيعتها. فهل حقا تشهد قهوة العصر، وهي أحلى من الروحة على مصر، على افتقادنا طرائق العيش البسيطة وأثر الأشياء العريقة؟

لست خالدا، لكنني أنصت أكثر مما أتكلم، وأتأمل عالما مؤنسا يتلاشى ببطء، يرفض أن يبقى على حقيقته: نقيا، عذبا، وساذجا ببراءة الطفولة وإيمان الجدة

خوان البيت

بعيدا عن ضوضاء الحياة، أتوسط مكانا يتوافد إليه الضيوف كثيرا، وتداعبه أشعة الشمس في منافذ الشتاء والصيف بخيوطها. أنتظر اللحظة التي تقرر فيها الأم استدعاء الأواني التي توارت عن الأنظار في خزانة المطبخ القديمة، لتصطف على خوان مصنوع من خشب أبيض مصفر، يعطر المكان بنكهات الطعام ويكتسب ألوانا بتعاقب الليل والنهار. يتكئ على أربعة أرجل، أحدها أهلكته دابة الأرض، ويرفض الأخ الأكبر أن يطيع أمه لتبديل دعامة له أو إصلاح قوامه المهترئ، إذ سجنته مشاغل الحياة المتسارعة عن واجباته تجاه العائلة.

تضعني ربة المنزل في أوقات تحددها اللحظات الحاسمة، تلك التي تعتني بالقريب حين يراوده الحرمان، أو تدق الأبواب بظلال ضيف عزيز على البيت. فأنا لا أفرق بين من عايشته وهو يلتقط أنفاس الطفولة، يملأ الغياب صخبا، ويلاعبني بالقفز والصراخ، ومن يزورنا ليتلحف كرم العائلة. أتحسس الثواني التي أمسكت فيها فنجانا مشقوقا، وما لبث أن فاضت منه القهوة، حين تبادلت الحديث مع شقيقتك الصغرى عن أحوال المدرسة، وأقرانك في الخارج وهم يتنمرون عليك.

كنت أفرح كثيرا بدفء ألفتك، حينما كنت تتوارى خلفي مع أختك المشاغبة، وأنتما تسمعان مناداة الوالدة لأحدكما لفتح باب المنزل. كنتما تعصيانها بصمت وسخرية، لكن سرعان ما تطيعانها حين تفوح رائحة زكية، تستدعيني لأتوسط مجلس عائلتك، وأتلذذ بحنين يوقظه المصباح، وهو يراقص دخان القهوة المتصاعد نحوه، مع قصص الجدة المتناثرة في أرجاء البيت.

لست خالدا، لكنني أنصت أكثر مما أتكلم، وأتأمل عالما مؤنسا يتلاشى ببطء، يرفض أن يبقى على حقيقته: نقيا، عذبا، وساذجا ببراءة الطفولة وإيمان الجدة. وها أنا أفتقد صورة العائلة مجتمعة حولي، حين كانوا يعانقونني مرات عديدة، ويتبادلون الحديث عن مرض الجدة، وقسوة عمل الأب، ورحيل الأخ الأكبر. لأتركها معلقة على جدران المنزل، حيث لا تعرفها شمس الصباح، وتغيب عنها الذكريات، لأجد نفسي في حياة أخرى، لا يحتفى بالقهوة عند كل عصر.

أتذكر عبارات القلق من بين تلك الشفاه، تتنافس على حطب الدنيا. يومها امتلأت قهوة باردة، فجعل سيدة المنزل تضعني بقوة لتكسر عروتي، مما تركني أنزف عند ساعة العصر. لكنني ما زلت أتمسك بهويتي وتاريخي وروعة لقائي

فنجان ينزف قهوة

كثيرة هي الأشياء التي يفرح بها الناس، تلك التي تستجلب لهم السعادة إن سكنوا إلى ذكرياتها، أو رهنوا أنفسهم هدية للمحب. وما أنا إلا قليل مما يرغب البشر في اقتنائه؛ إذ أغازل شفاهًا وألسنة تتقاطر عشقا، وأخرى تتلو حنينا لمن ارتحلوا من غير أن يستأذنوا. فبالأمس كانوا حول الخوان، يسكبون لبعضهم بعضا قهوة دافئة، تعبر بهم نحو ماض غير آسف.

إنني فنجان تغنى بي الشعراء في قصائدهم، وامتدحني مقام العشاق عند قارئة الفنجان، وما أنا إلا آنية من طين نفخت فيه روح آدم، كي أقاسمها لحظة السعادة، فأرتشف عند كل قبلة سيرة العائلة والبيت، كي يطوف بهما الزمان في أزقة المكان، حيث تداعبني أنفاس من يعشق القهوة عند كل عصر.

في البيت، حيث الأواني من كل أصناف الحداثة، وأخرى تتوارى مخافة أن تزيدها مخالطة الضيوف انكسارا، تختارني صاحبة البيت كي تجلسني إلى الخوان، فتحتسي فنجانا ينزف ببطء شديد سيرة قهوة توارثت شغف الارتماء، واستلهمت من تعاقب الأجيال متى يكون الانتظار مؤلما، حين تذكرنا الحياة البسيطة بمن نكون؛ نحن الذين نلامس البشر في لحظات أليمة، تستنجد بذكرياتها.

حين تزاحمني الأقداح الفاخرة، على اختلاف ألوانها ومعادن صنعها، تتصارع مع بعضها لتنال الحظوة على الخوان، لكن سرعان ما تجتبيني أنامل ناعمة من بين تلك الآنية الفخمة، كي تسقيني عبق الماضي، وتعطرني بقهوة العصر الرائعة؛ تلك اللمسات تمسكت بإنسانيتها في زمن تذروه الخيبات والآهات، ليترك الناس لمصائرهم الموحشة.

أتذكر عبارات القلق من بين تلك الشفاه، تتنافس على حطب الدنيا. يومها امتلأت قهوة باردة، فجعل سيدة المنزل تضعني بقوة لتكسر عروتي، مما تركني أنزف عند ساعة العصر. لكنني ما زلت أتمسك بهويتي وتاريخي وروعة لقائي.

ما إن تصب القهوة من فيه نحو الفنجان، حتى تضع الحياة بعضا من أوزارها، إيذانا بأن نحمل مرة أخرى نحو زوايا البيت الهادئة؛ فقهوة العصر تتلاشى معها الحياة السريعة

إبريق العصر

ها نحن الثلاثة، صديقاي عند ساعة العصر، الخوان وفنجان قديم، يذكرانني بأساطير الإنسان التي لا تنتهي، وتنافسه الموغل في القطيعة والحرب، مع أن عالمي هو ذات العالم الذي يكتنز الجمال والفن والمحبة له، لكنه يختار أن ينصاع إلى تقلب الزمان الموحش وغربة المكان.

حين تضعني سيدة البيت على نار هادئة، تريد أن تغلي الماء لتنثر في جعبتي قهوة ناعمة تطبخ على مهل، حيث تجوب رائحتها المكان قبل أن تفيض من على جانبي، لتحملني نحو الخوان وأقداح تعرف أصحابها. وما إن أوضع على مائدة العصر، إذا بظلال العائلة تحشر بين جنبات ألسنة تتبادل حديث المساء، وابتسامات تنسيها تعب السعي بالدعاء.

ما إن تصب القهوة من فيه نحو الفنجان، حتى تضع الحياة بعضا من أوزارها، إيذانا بأن نحمل مرة أخرى نحو زوايا البيت الهادئة؛ فقهوة العصر تتلاشى معها الحياة السريعة، باستعادة إيقاعها الطبيعي، بعيدا عن سطوة الأشياء التي تخلو من روح الإنسان.

نحن لغة التواصل البشري، وصورة العالم المكتنز بالرغبة والإثارة والخوف. وقهوة العصر، على طيبها، تكابد للحفاظ على توازن البيوت التي فقدت شغفها الداخلي، وتلاشت ألوانها الباهية نحو السواد. فليست القهوة إبريقا يخرج فوه بخارا، أو فنجانا فقد عروته لجبروت الإنسان، أو خوانا تهشمت حوافه بالنكران؛ إنها ساعة من الحقيقة، ولحظة فارقة في بيت العائلة، حين نعود غير مكرهين نحو الماضي، ولا فاقدين، بل مشتاقين.

«الاندماج القسري» يجتاح أوروبا ويحاصر المسلمين

آخر كلام 
 «الاندماج القسري» يجتاح أوروبا ويحاصر المسلمين 



د. محمد المقاطع 

منذ عشر سنوات تحوّل المزاج العام في أوروبا وبوتيرة متزايدة نحو التضييق على الحريات والقيم الدينية الإسلامية، في مجتمعات غربية تدعي الليبرالية والعلمانية، فليس بعيداً عن ذاكرتنا قرار فرنسا بمنع الطالبات من حضور المدارس بالحجاب! 
كما ليس بعيداً عن أذهاننا قرار أوروبا بالتحفظ عن دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي خشية أن يكون أغلبية أعضاء البرلمان الأوروبي من المسلمين، ولا يمكن أن نغفل عن حملة العديد من الدول الأوروبية لمنع ارتداء النقاب في الشوارع والطرقات، لكونه تعبيراً عن قيم إسلامية غير متوافقة مع قيم المجتمعات الغربية حسب وصفها!
 
ويجب أن نقلق بشأن حملة بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها الدول الإسكندنافية، التي قامت بنزع أطفال من أسرهم العربية والمسلمة، تحت مبرر إجبارهم على «التربية القسرية» على القيم الدينية الإسلامية، رغم أنها قيم إنسانية فطرية، مثل عدم وجود غير الجنسين الذكور أو الأناث، وضرورة وجود نمط التوجيه والرعاية العائلية للأبناء، والتي فسرتها تلك الدول بـ«التربية القسرية». 
وها نحن اليوم نقف أمام مرحلة جديدة لنزعة المحاصرة للمسلمين، ومحاولات سلطوية بفرض قيم وأخلاق محددة على المسلمين! 
فقد أعلنت أيبا بوش، نائبة رئيس الوزراء السويدي، أنه ومن اليوم 
«لن نسمح في مجتمعنا لأي قيم غير قيمنا أو لا تتماشى مع هويتنا للاستمرار في بلادنا»، 
فهي هنا لا تتكلم عن نظام عام وهوية ثقافية على من يعيش في السويد احترامها والالتزام بها، بل الأمر أخذ مساراً متطرفاً وخطيراً، وهو الاندماج القسري والذوبان ضمن المنظومة الثقافية والقيمية والتقاليد السويدية، ومنع تلك المرتبطة بخصوصية المهاجرين ودينهم! 
 وأعلنت أنه لا صوت يعلو فوق صوت القيم المحلية السويدية، وهو ما يجب أن يفهمه ويلتزم به من يعيش في السويد، وعليهم التخلي عن قيمهم وثقافتهم وطقوسهم الدينية الخاصة حتى يتم القبول بهم في السويد. نمط متطرف لليمين المسيحي أو العنصري الأوروبي المستجد، والذي يجب نقاشه والحديث عنه. 
تقول أيبا: «السويد ليست جمعية خيرية لتغيير هويتها، نحن من نضع القواعد، وعلى الجميع التنفيذ فوراً». 
هكذا يترجم الشارع السياسي السويدي كلمات أيبا بوش النارية. بل وصل الأمر بالأوروبيين إلى ما هو أبعد وأخطر من ذلك، وهو فرضهم قسراً على دولنا وشعوبنا العربية والإسلامية تبني قيمهم وممارستها في مجتمعاتنا حتى لا نوضع ولا ندرج في قائمة المسميات المتطرفة واللإنسانية من وجهة نظرهم المعلولة والمتأثرة بالتحريض من الصهيونية العالمية والمسيحية الأنجيلية اليمينية! وتلك رعونة ثقافية وضحالة إنسانية وإرهاب ديني وتعصب ممجوج! 
فقد رسموا لنا إسلاماً جديداً يقومون هم بتفصيله وإعادة صياغته لمجتمعاتنا، وتدخلوا في هويتنا الثقافية وقيمها الأخلاقية والمجتمعية المرتبطة بها ارتباطاً عضوياً، بل بلغ الأمر أن يفرضوا تدخلاً مباشراً في مناهجنا التعليمية وقيمنا الاجتماعية والثقافية، لتتماشى مع ما يرغبون في أن يرونا عليه أو فيه، بما في ذلك القرآن واستبعاد بعض آياته! 
وهو باختصار مسخ لوجودنا الثقافي وهويتنا الدينية والمجتمعية، مما يستوجب توقفاً إلزامياً عاجلاً ومنظماً من الدول العربية والإسلامية، لمواجهة حملة تستهدف مجتمعاتنا ودولنا ووجودنا. ليس فقط «الاندماج القسري» الذي أعلنته صراحة أيبا بوش، المسؤولة السويدية، بل الحقيقة هي «التغيير القسري لهويتنا وديننا»، ونعلم أن الغرب يكيل بمكيالين، ويرانا بشراً نختلف عن بشرهم. إنها العنصرية البغيضة بكل قباحتها.

كيف بدأ الساموراي بسحب الأكسجين من اقتصاد العالم؟

 كيف بدأ الساموراي بسحب الأكسجين من اقتصاد العالم؟

سيلين ساري

"اليابان بكل هدوء تزلزل الاقتصاد العالمي"


العالم لا ينهار بالانفجارات فقط.. أحيانا يختنق بهدوء. وهذا ما يحدث اليوم في الاقتصاد العالمي، حيث بدأت الأزمات من مكان غير متوقع، وكانت طوكيو مركز الزلزال المالي.. وليس واشنطن.

ولكي نفهم الأمر بشكل أوضح، لا بد أن نعرف قليلا عن اليابانيين، وما أفضل من قصص التراث لتعرفنا على طبيعة الشعوب

في التراث الياباني قصة شهيرة تُعرف بـ "الـ47 رونين". سبعة وأربعون ساموراي فقدوا سيدهم بعد أن أُهين وقُتل ظلما، فمُنعوا بالقانون من الانتقام، وراقبتهم الدولة، وظنّ الناس أنهم استسلموا.  لكنهم لم يفعلوا؛ صمتوا، وتظاهروا  بالضعف، وانشغلوا بالحياة البسيطة لمدة أربعين عاما تقريبا وهم ينتظرون اللحظة المناسبة، حتى جاءت ليلة هادئة، بلا ضجيج، نفّذوا فيها انتقامهم بدقة ثم سلّموا أنفسهم. كان انتقاما بلا فوضى، وقوة بلا استعراض. هكذا يفكّر اليابانيون، وهكذا ربما يتحرك الاقتصاد الياباني اليوم.

اليابان بعد الهزيمة.. دولة تحت الوصاية

تحولت اليابان إلى ماكينة تمويل ضخمة تمد العالم بالمال الرخيص بلا ضجيج، ولا شروط. حتى أنه وبحسب تقديرات المؤسسات المالية العالمية، وصل حجم عمليات "الكاري تريد" المعتمدة على الين الياباني في بعض السنوات إلى ما يزيد على تريليوني دولار


عام 1945 لم تكن اليابان دولة بالمعنى الحقيقي، بل كانت بلدا محترقا بعد قنبلتين نوويتين سقطتا، وشعبا مكسورا، وإمبراطورية مذلولة تحت احتلال أمريكي مباشر.

منذ تلك اللحظة أصبحت اليابان مرغمة "حليفا" لأمريكا، لكنها في الحقيقة كانت تابعا.  قالت لها واشنطن: "ازدهري لكن لا تستقلي، اغتني لكن لا تتمردي، أنتِ مصنعنا وبنكنا في آسيا". وافقت اليابان، وسكتت.. لكن الساموراي بطبيعته لا ينسى.

كيف أصبحت اليابان "بنك العالم"؟

منذ التسعينيات دخلت اليابان في ركود طويل، فخفضت الفائدة إلى الصفر تقريبا، حتى أصبح الاقتراض منها شبه مجاني. عندها بدأ المستثمر الأمريكي يقترض من طوكيو ليستثمر في نيويورك، والمضارب يقترض من طوكيو ليلعب في البورصات العالمية.

تحولت اليابان إلى ماكينة تمويل ضخمة تمد العالم بالمال الرخيص بلا ضجيج، ولا شروط. حتى أنه وبحسب تقديرات المؤسسات المالية العالمية، وصل حجم عمليات "الكاري تريد" المعتمدة على الين الياباني في بعض السنوات إلى ما يزيد على تريليوني دولار، حيث كانت أموال تُقترض بفائدة شبه صفرية من اليابان، ثم تُضخ في أسواق الأسهم والعقارات والعملات حول العالم، ما جعل استقرار كثير من الأسواق مرتبطا مباشرة باستمرار تدفق هذا المال الرخيص.

حين صار المال أكسجين واليابان هي الرئة..

مع الوقت، وبالتدريج ودون أن يشعر أحد، لم يعد هذا المال مجرد أداة، بل صار "أكسجين" ماليا أدمنت عليه الأسواق العالمية، وبُنيت عليه البورصات، واستند إليه الدولار نفسه.  وهنا تظهر الحقيقة الكبرى: اليابان كانت تمد العالم بالأكسجين المالي لثلاثة عقود، ولكن الآن قررت أن الوقت قد حان للفطام من هذا الأكسجين.

الفطام الإجباري.. هل هو صفعة أم محاولة نجاة؟

في الظاهر، قد تبدو قرارات طوكيو الأخيرة برفع الفائدة كأنها صفعة يابانية مؤدبة على وجه النظام المالي العالمي، لكن في العمق، كانت اليابان تمارس حقها في البقاء. فبعد عقود من الركود، طرق التضخم أبواب اليابانيين بشراسة، وأصبح الين الضعيف يحرق جيوب المواطنين.

لم يكن أمام اليابان خيار؛ لقد قررت ممارسة "فطام إجباري" للعالم عن أموالها الرخيصة. لم يكن قرارا عدائيا بقدر ما كان اعترافا بأن أجهزة التنفس الاصطناعي التي قدمتها اليابان للعالم لم تعد مستدامة.

عندما يختنق النظام المالي يتألم الكبار، لكن الصغار ينهارون. الدول النامية التي تعيش على الديون بالدولار والمال الساخن، وعملات ضعيفة، تكون أول من يسقط


اليابان لا تسحب الأكسجين لتخنق الآخرين، بل لتعيد ملء رئتيها هي، حتى لو كان ذلك يعني أن يواجه "المدمنون" على قروضها لحظات من الاختناق المالي الحاد.

هل هذا انتقام مؤجل؟! هل تنتقم اليابان بعد عقود لهيروشيما ولهزيمتها؟ الإجابة الصادقة: لا، فالأمر لا يتعلق بالعاطفة، بل بالوعي.

لقد فهمت اليابان أن العالم يتحول من نظام أمريكي أحادي إلى نظام متعدد الأقطاب، ظهرت به الصين وروسيا والهند، وكل طرف يحصن نفسه، وعلمت أن الاستمرار في الخطة الاقتصادية القديمة صار خطرا على وجودها، فقالت اليابان بهدوء: "فلنحمِ أنفسنا"، حتى لو اهتزّ العالم.. فليكن.

لكن لماذا سيدفع الضعفاء الثمن؟ عندما يختنق النظام المالي يتألم الكبار، لكن الصغار ينهارون. الدول النامية التي تعيش على الديون بالدولار والمال الساخن، وعملات ضعيفة، تكون أول من يسقط.

مصر، تركيا، ودول أفريقيا، كلها تجد نفسها اليوم تدفع ثمن لعبة لم تكن طرفا في صنعها، لكنها طرف أصيل في تحمل نتائجها.

في النهاية، اليابان بكل هدوء تزلزل الاقتصاد العالمي دون أن تطلق رصاصة، أو تُسقط قنبلة. كل ما فعلته أنها غيّرت اتجاه الريح، وسحبت الأكسجين من رئة العالم، وتركته يتعلم التنفس وحده. هكذا فعل الساموراي دون أي استعراض أو صخب.

لا يمكن أن يقول أحد إن اليابان تنتقم، بل هي ببساطة تنسحب في اللحظة التي ينهار فيها "النظام القديم" من الداخل، وتترك التاريخ يشرح الباقي.

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

الكرامة الضائعة على معبر رفح

 الكرامة الضائعة على معبر رفح

وائل قنديل

   "خرجت للعلاج بجسدي المريض، وعدت وأنا أشعر بأنّ كرامتي تُركت              هناك على الطريق".       

يلخّص فلسطيني عائد إلى غزّة مأساة معبر رفح بمنتهى الوضوح والدقة: 

هذا المعبر المصري الفلسطيني تحوّل، بموافقة عربية إسلامية، إلى مركز تعذيب إسرائيلي، بعد إعادة فتحه، المزعومة، بشروط وضعها بنيامين نتنياهو.

أرقام اليوم الأوّل لفتح المعبر، دخولاً وخروجاً! تقول إنّ 12 مريضاً وجريحاً، جميعهم من الأطفال والنساء، وصلوا إلى قطاع غزّة الليلة قبل الماضية، في حين رفض الاحتلال دخول 38 مسافراً آخرين وأعادهم إلى الصالة المصرية، في حين قالت وزارة الداخلية في غزّة إنّ ثمانية فلسطينيين من المرضى ومرافقيهم غادروا قطاع غزّة، أول أمس الاثنين.

يروي العائدون إلى غزّة أهوالاً من الجحيم الذي استقبلتهم به سلطات الاحتلال الصهيوني، صاحبة الأمر والنهي والمنع والسماح، والمُهيمنة بشكل كامل على كلّ كبيرة وصغيرة في معبر رفح، الذي احتلته إسرائيل قبل نحو عشرين شهراً، وصار بالفعل معبراً إسرائيلياً تُرتكب فيه فظائع مهينة مثل تلك التي تحدث في المناطق التي يداهمها ويسيطر عليها الاحتلال في قطاع غزّة ومدن الضفة الغربية، وعلى الرغم من ذلك يصرّ  الوسطاء والضامنون على أنّنا بصدد إنجاز تاريخي لمصلحة الشعب الفلسطيني المحاصر.

السيادة على معبر رفح انتقلت عملياً من مصر والحكومة الفلسطينية إلى حكومة نتنياهو ومليشيات العملاء التي تمارس كلّ أشكال الامتهان والتنكيل بحقّ نساء غزة العائدات إلى قطعة غزّة صحبة أطفالهن، فيما يتقلّص الدور المصري، صاحب السيادة الأصلي، إلى تقديم المساعدة الأمنية للجانب الصهيوني، من خلال فرز أسماء العائدين ورفعها إلى جهاز الشاباك الإسرائيلي للبتّ في دخول أو رفض دخول من يشاء.

تلك الشروط التي وضعها بنيامين نتنياهو من أجل بدء التشغيل التجريبي للمعبر تمثّل إهانة لكلّ الأطراف، وعلى الرغم من ذلك تتفنّن الأوساط السياسية والإعلامية الصهيونية في تصدير صورة زائفة عن أنّ فتح المعبر هو منتهى التنازلات التي تمسّ بالسيادة الإسرائيلية، لأنّه لم يتم تدمير المقاومة الفلسطينية بعد.

إجمالاً، يمكن القول إنّ النافذة الوحيدة التي يطلّ منها فلسطينيو قطاع غزّة إلى الخارج صارت خاضعة للهيمنة الإسرائيلية التي باتت تنظر إلى غزّة باعتبارها منطقة نفوذ للاحتلال بعد سلخها عن الإطار العام للقضية الفلسطينية، ويتجسّد ذلك في رفض بنيامين نتنياهو رفع أيّة أعلام أو شعارات تقول إنّ غزة جزء من مشروع الدولة الفلسطينية، التي ترفضها إسرائيل، حيث شنّ هجوماً على اللجنة الوطنية لإدارة غزّة بسبب قرارها تحديث شعارها ليُطابق شعار السلطة الفلسطينية، والتي هي، شئت أم أبيت، رمز المشروع الوطني الفلسطيني أمام العالم، بصرف النظر عن أنّ أداءها السياسي والأمني الذي يجعلها جزءاً من المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

في هذه الأثناء، يواصل الاحتلال تكريس مليشياته العميلة في غزّة بديلاً أمنياً لسلطة محمود عباس، ويمنحها أدواراً رئيسة في تصفية المقاومة والتنكيل بالبيئة الشعبية الحاضنة لها، وهو ما يعني إجرائياً توسيع وتعزيز السيادة الإسرائيلية على القطاع، من معبره إلى عمقه، في الوقت الذي لا يملك فيه الوسطاء والضامنون العرب والمسلمون غير مناشدة "الرئيس القدوة" دونالد ترامب وإدارته الضغط على نتنياهو للتوقّف عن انتهاك ما تمّ الاتفاق عليه، على الرغم من أنّهم جميعاً يعلمون أنّ المبدأ الحاكم للاستراتيجية الإسرائيلية هو أنّ الاتفاقات تُبرم لكي تنتهكها إسرائيل.

الحاصل فعلياً الآن أنّ ما توصف بالمرحلة الثانية من اتفاق غزّة حصرت المسألة الفلسطينية في جوانب إنسانية تتعلّق بدخول وخروج جرحى العدوان، وإدخال المساعدات، بعيداً عن أصل الموضوع وجوهر الصراع: 

إنهاء الاحتلال وليس تلطيف ممارسات الاحتلال، في ظلّ صمت عربي مُشين، تقطعه تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، يبدو فيها عربياً أكثر من الأمين العام للجامعة العربية وإسلامياً أكثر من رئيس منظّمة التعاون الإسلامي، فيعلن أنّ 

"الاحتلال يجب أن ينتهي وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة      للتصرّف يجب أن تتحقّق، وأنّ غزّة جزء من الدولة الفلسطينية ويجب أن تبقى كذلك".                            

قالها غوتيريس حين صمت العرب.

القاديانية الخليجية ‏بين العقائد السنية.. ‏والأنظمة العلمانية (١٨ - ٢٠)

 القاديانية الخليجية ‏بين العقائد السنية.. ‏والأنظمة العلمانية (١٨-٢٠)

 أ.د. حاكم المطيري 

الأمين العام لمؤتمر الأمة ورئيس حزب الأمة في الكويت أستاذ الحديث والتفسير - جامعة الكويت

‏انتهت "القاديانية الخليجية" باسم السنة والسلفية، إلى ما انتهت إليه قبلها "القاديانية المصرية" باسم التجديد والوسطية! 

وأصبحت الأنظمة العلمانية الإباحية لدى الفريقين ذات مشروعية سياسية دينية! 

يجب السمع والطاعة للسلطة فيها، ويحرم الخروج عليها، إذ لم يعد تحكيم الإسلام واتخاذه مرجعية تشريعية شرطا لشرعية الدولة لدى الفريقين!


‏وقد تصدى شيوخ كلا المدرستين لما دعا إليه سيد قطب في كتابه "معالم على الطريق"، وفي تفسيره "في ظلال القرآن" من تقرير توحيد الحاكمية لله في التشريع، ووصفه الأنظمة التي لا تحكم بالإسلام بالجاهلية، كما وصفها القرآن  ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، فكانت "القاديانية المصرية" أسبق في الرد عليه منذ سنة ١٩٦٧م، ورميه بالتطرف، والخروج عن الاعتدال والوسطية، وانتهى الحال بمن تصدوا له إلى الاعتراف بشرعية الواقع السياسي، والمصالحة معه، وتحريم الخروج عليه، ورفض تغييره بالقوة أو الثورة!


‏وكان ثمن ذلك فتح الأبواب للقاديانية ولشيوخها منذ سنة ١٩٧٠م عبر وسائل إعلام الدول العربية الوظيفية، وإذاعاتها، وتلفزيوناتها، وأخيرا قنواتها الفضائية، واستقبالهم في صالات التشريف في المطارات كالملوك والرؤساء، ومن خلال توليهم الإشراف على هيئات الدعوة والفتوى، فقد ضمهم النظام العربي إلى صفه في معركته ضد التطرف والغلو الذي تمثل في كتاب "معالم على الطريق"!


‏وجاءت "القاديانية الخليجية" بعد سنة ١٩٩٠م، لتجعل معركتها الرئيسة مع سيد قطب ودعوته إلى توحيد الله في حكمه، بدلا من الجاهلية والعلمانية التي فرضتها الحملة الصليبية!


‏وتحت ذريعة التصدي لظاهرة الغلو والتكفير أبطلت القاديانية - بشقيها المصري والخليجي - مفهوم الدولة النبوية الإسلامية، ولم يعد الحكم بما أنزل الله شرطا لوصف الدول والأنظمة بالإسلامية! فقررت - من حيث تشعر أو لا تشعر - مشروعية الدولة العلمانية، إذ لا تتنافى مع وصف الدولة بالإسلام! 

فمهما عطلت الدولة من أحكام الإسلام وغيرت وبدلت، فإنها تظل دولة إسلامية، ما دام رئيسها لا يصرح باستحلال هذا التعطيل!


‏وإنما اشترطت "القاديانية المصرية" الديمقراطية لهذه الأنظمة العلمانية بدعوى أنه لا يوجد أصلا نظام سياسي إسلامي، وإنما مبادئ عامة في العدل والشورى تتوافق مع النظم الديمقراطية الأوربية التي تراها أقرب لروح الإسلام من غيرها! 

كما لا ترى مشكلة في دول سايكس بيكو الوطنية والقومية فهي عندها لا تتعارض مع مفهوم الدولة النبوية الإسلامية!

‏بينما ترى "القاديانية الخليجية" شرعية كل دولة وسلطة سواء كانت ملكية، أو دكتاتورية عسكرية، فالسلطة في حد ذاتها موجبة للسمع والطاعة بقطع النظر عن طبيعة النظام السياسي والتشريعي الذي تحكم به! إلا الديمقراطية التي تراها تتنافي مع أصل السمع والطاعة!

‏فاتفق الفريقان على إقرار العلمانية واقعيا وسياسيا، في الوقت الذي يرفع الفريق الأول شعار (التوحيد على كلمة التوحيد)! ويرفع الفريق الثاني (الإسلام هو الحل)!

‏واستبدل الفريقان "مشروع العلمانية" كما دعا إليه علي عبدالرازق، ومشروع الوطنية كما دعا إليها لطفي السيد، بدعوة الشيخين ابن عبد الوهاب وحسن البنا!


‏وقد رأت الحملة الصليبية بأن الحركات الإسلامية والجماعات السلفية باعترافها بشرعية الواقع السياسي الذي فرضته والتطبيع معه، ونبذها لفكرة "الخلافة الإسلامية"، و "الأمة الواحدة" و"حاكمية الشريعة"، و "الجهاد"، قد بلغت درجة من النضج والوعي يرشحها لتكون جزءا من نظامها الوظيفي الذي تحكم به دولها، وشريكا له في السلطة والثروة، ففتح الباب على مصراعيه لها في كل بلد يخضع للنفوذ الأمريكي الأوربي من أندونيسيا شرقا إلى موريتانيا غربا لتشارك في البرلمانات، وتتولى الحكومات، وانتهى بها الأمر إلى القتال مع الحملة الصليبية لكل من يجاهدها، وإلى التطبيع مع المحتل الصهيوني!

‏وقد أدى هذا الفصام بين الشعارات السنية، والاعتراف بالعلمانية إلى غياب (العقيدة السياسية) عند القاديانية العربية بفرعيها غيابا تاما، حتى لم يعد هناك أثر للعقيدة الإسلامية على الممارسة السياسية لكلا الفريقين!

‏لقد أصبحت العقيدة الإسلامية لدى القاديانية كالعقيدة النصرانية تنحصر في الإيمان بالغيب فقط، وأداء العبادات، ولا أثر لها على الواقع السياسي!

‏وقد اشتغل كلا الفريقين بتأويل قطعيات الكتاب والسنة لتتوافق مع رؤى القاديانية التي انشغلت بصد فتنة التكفير والغلو، عن الجاهلية المعاصرة وانسلاخها من الإسلام، وعن الحملة الصليبية التي تحتل أرضها وتفرض كفرها وتقاتل دون طاغوتها! 

وصدر خلال نصف قرن فقط من الفتاوى المؤولة ما فاق تأويل أهل الكتاب من اليهود والنصارى مدة ألفي عام!

‏وصار غاية الدعوة أن يعيش المسلمون في العالم الإسلامي في ظل دولة الحبشة وعدل النجاشي، لا دولة المدينة وخلافة النبي القرشي ﷺ!

المصدر أ.د. حاكم المطيري
























عقيدتنا في الصراع العالمي

عقيدتنا في الصراع العالمي

  
كاتب وباحث في الشئون الإسلامية

أطول الحروب على ممر التاريخ هي الحرب على فهم المفردات اللغوية باعتبارها الوعاء المعبر عن الألوهية والربوبية والرسالة والاصطفاء والمهمة الحصرية بكل رسول أو نبي أو اتباع له في محيط الرسالة أو المحيط العالمي كما جاء في الرسالة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.

إن مواطن تنزيل المفردات على الأعيان على ممر التاريخ وما نتج عنها من الانتقال الى مفردة الولاء وما فيه من تعاون ونصرة أو العداء وما فيه من خصومة ونزاع أو تعايش وفقا لمحددات الإدراك لحقيقة الدين كمفردة جامعة فيصل بين الحق كغاية أو الباطل كقاعدة بناء الخصومة الدينية وفقا لمفردات العقيدة التي نزلت من السماء ومفردات الفهم الذي تربت عليه العقول على الأرض.

الذين ينشدون السلام في الواقع العالمي قبل تحرير مفردات التوحيد الذي هو مراد الله من الخلق كافة إنما ينشدون وهما لم ولن يصلوا إليه مهما امتلكت أبواق التدليس منصات إعلامية فإن قدر التدافع بين الحق الشامل والباطل الجامع قائم فإن لم يرفع المسلمون له راية كانت السنن الربانية الحاكمة دافعة للجميع نحو متوالية الانقسام والتدافع الداخلي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا باصطفاف الجماهير إلى فسطاطين أحدهما ايمان لا شك فيه واخر جاهلية لا حق فيها.

إن غربان البيت الأبيض ووكلاء الجاهلية الصينية والأوروبية والروسية والإيرانية ما هم إلا ادوات في جاهلية إبليس التي وضع عرشها على الماء في صبيحة كل يوم من أجل غاية محددة وهي الحرب العالمية على اربعه اهداف حصرية الاسلام والسنة والصحابة والأمة وجعلوا لكل مفردة منها جيوش من الخصوم خارج الأمة أو من داخلها عن طريق عملاء الطابور الخامس المدمر للعقل والفطرة.

الساعون نحو السلام العالمي واهمون ويزداد وهمهم حسب طبيعة تغيير معالم الحق في نفوسهم لذا وجب على نخب الحركة الإسلامية وعموم الأمة العربية والإسلامية أن تعيد ترتيب أولويات العمل في الواقع بعيدا عن المعارك الاستهلاكية مع النظم القائمة فإن المحافظة على المكتسبات ولو قليلة درب من دروب الإصلاح التي تنشده الأمة من قرون لأن محاولة جعل المعركة صفرية مع من نختلف معهم خلاف تنوع لن تكون إلا إعادة إنتاج من نختلف معهم خلاف تضاد نقطة ومن اول السطر.

إن محاولة التفريق بين الجاهلية الأمريكية والجاهلية الإيرانية الوثنية درب من دروب حروب المكر على تغيير معالم الحق والإسلام لأن الكيان الإيراني ليس مجرد كيان بدعي مخالف للإسلام بل هو كيان شيطاني يجمع كل صور الكفر والإلحاد والضلال الذي جاء به ابن سبأ اليهودي وإسماعيل الصفوي الرافضي والخميني المجوسي والخامنئي شيطان قم المدنسة وما نتج عنهم من عصابات إرهابية قتلت ملايين المسلمين في العراق والشام ولبنان واليمن وكل بلاد المسلمين.

لسنا مضطرين أن نختار أو نسقط بين سكاكين حروب الطغاة والبغاة المجرمين.

غاية أهل الإسلام صيانة الإسلام والسنة والصحابة رضوان الله عليهم والأمة بجغرافياتها الشاملة من عصابات التفكيك لخدمة بني صهيون او الرافضة اليهود في أصل ملتهم وفروع جاهليتهم..

إن حراسة دول العالم العربي والإسلامي السنية وفي القلب منها مصر والشام والعراق السني المختل وبلاد الحرمين واليمن وتركيا والباكستان وعموم الأقطار من فاشية التدمير الصهيوني والصليبي والايراني الرافضي أمر لا خيار فيه عند عاقل أو مدرك لحقيقة الصراع ودوافعه المدمرة لابتلاع فلسطين المقدسة والتي تعتبر بوصلة الولاء والبراء للأمة العربية والإسلامية.