الثلاثاء، 3 مارس 2026

الموقف العربي والإسلامي بين غزة وطهران! إضاءات سياسية أخلاقية

الموقف العربي والإسلامي بين غزة وطهران!

إضاءات سياسية أخلاقية

مضر أبو الهيجاء

‏إن التيه العربي والتشرذم الإسلامي اليوم سببه ضعف العلماء وغياب مفهوم مركزية الأمة والدين، وعدم قيام مشروع عربي إسلامي مستقل في إرادته السياسية مصطبغ بالرسالة الإسلامية ومنحاز لشعوب الأمة.

اضطراب العقل النخبوي العربي والإسلامي!

كيف كان يرى بعض قادة حركات التغيير الإسلامي وبعض الشخصيات العلمائية الإسلامية الحكمة الربانية السننية في قصف غزة وصبر الناس، مروجين أنه سبب في دخول الناس أفواجا في دين الله، رافضين كل دعوات المشفقين والمطالبين بإيقاف معركة غزة حرصا على الشعب الفلسطيني وحفظا للمجاهدين في ظل فوارق مهولة في موازين القوة وفي ظل نتائج مقروءة ومآلات راجحة، ثم يتضامن هؤلاء اليوم مع إيران الملالي -كليا- داعين لإيقاف الحرب الظالمة على نظام الملالي، غير مطالبين الملالي باستكمال طريق الجهاد حتى تحرير الأقصى، رغم امتلاك الحرس الثوري الإيراني لمنظومة سلاح متقدم وعون استراتيجي من الصين مؤثر وكبير؟

وكيف غابت عن القادة والسادة السنن الربانية في انتقام الله من المجرمين، والله يقول: إنا من المجرمين منتقمون. السجدة:22

أليس من سنن الله أن يتصارع الظلمة ويقتتلون حتى يفيء الأمر إلى حال وخلخلة تمكن المسلمين المستضعفين من الصعود؟

المسلمون ضد كل أنواع الظلم والقتل والاحتلال.

بلا شك أننا كمسلمين ضد القتل والظلم والاعتداء الذي تقوم به أمريكا وإسرائيل تماما كما قام به نظام ملالي إيران في عموم المنطقة العربية ولا يزال، وإذا كانت أمريكا تقتل وإسرائيل تحرق بالمسلمين، فإن أول ما ستفعله إيران لو خرجت قوية من الحرب، هو إستكمال اغتصاب نساء المسلمين والبدء بأعيان العلماء الذين كانوا عنها مدافعين بغفلة وغباء وضحالة فهم واستخذاء!

إننا كعرب ومسلمين لا قدرة لنا ولا ناقة لنا ولا جمل في قرار السلم أو الحرب الدائرة بين الوحوش المتنافسين -حلفاء الأمس- فأمريكا تقاتل الزحف الصيني في إيران وتحاول أن تمد في عمرها سنين، وإسرائيل منفذ حقير للسياسات الأمريكية وعليها يعتاش، وأما نظام الولي الفقيه فهو صاحب رؤية ومشروع يستهدف تبديل دين المسلمين، وإكراههم على عبادة الطاغوت واستبدال تناولهم للوحي قرآنا وسنة بخرافات وهرطقات من دين جاهلي وفلسفات مجوسية شيعية، كما ويستهدف شعوب العرب والمسلمين بالاستعباد والإهانة والسرقة والرق والإذلال، وسورية بالأمس والعراق حتى اليوم خير الشاهدين.

المشروع الإيراني مواز للمشروع الصهيوني.

إن مشروع ملالي إيران لا يقل خطرا عن المشروع الصهيوني الصليبي، فجميعها مشاريع تستهدف النيل من الأمة والدين، وقد ترجمت هذا أمريكا وإيران وإسرائيل ورأت الشعوب عذاباته ولا تزال تعيش واقعه وآثاره، فكيف تعمى الأبصار وتزل الأقدام وتتوه العقول وتختفي الهداية والرشد إلى هذه الدرجة المفزعة التي تعيشها النخب العربية والإسلامية؟

اندحار المشروع الإيراني سيضع الأمة أمام استحقاقات التدافع مع الصهاينة والأمريكان!

إن إيران اليوم -بأشكال حربها- تثبت للعالم أجمع أنها استخدمت لحوم ودماء الفلسطينيين في معارك نفوذها مع إسرائيل والساعي للتوسع في المنطقة على حساب شعوبها المسلمة، فمعركة إيران ليس لها علاقة بالله ولا بالأمة والدين ولا فلسطين، وهي تملك من القوة والشراسة ما كان يمكنها من إنقاذ غزة، ولكنها استخدمتها واستهلكتها في ظل امتطائها لحركة حماس المجاهدة -غير السوية سياسيا ولا الراشدة-، كما منعت ذراعها اللعين حزب اللات من الدخول في معركة غزة -بعد أن صاغ مع قادة غزة اتفاقاً وقطع لهم عهدا، وهو سر خروج الشيخ العاروري من لبنان ثم قتله-!

إن تفكيك المشروع الإيراني منحة عظيمة للمسلمين وسبب في استواء الطريق نحو تحرير فلسطين واسترداد أقصى الموحدين، لاسيما وأن مشروع الملالي اختطف فلسطين ووضعها في دائرة استخداماته التكتيكية، كما أن الحلف الآثم والمدان بين القادة الفلسطينيين والقتلة الإيرانيين سبب في تشكيل وتوسيع الفجوة بين الشعوب العربية -لاسيما التي تكتوي بنار الملالي واحتلال إيران لها- وبين الواجب نحو فلسطين وقبلة المسلمين الأولى.

واجب الوقت قيام مشروع وحلف عربي إسلامي.

لا ينبغي للمسلمين الذين أعزهم الله بهذا الدين العظيم ورسالة السماء الصافية، أن يكونوا إما مناذرة وإما غساسنة، فهم من أتباع ملة إبراهيم الذين تميزهم عقيدة التوحيد ويضبط مواقفهم ويرسم سياساتهم أحكام شرعية ودين لا يتجاوز حقائق الواقع الموضوعي، بل يحرص في كل أحواله على حفظ الدين ورعاية مصالح المسلمين.

وجاء دور تركيا المسلمة!

إن تركيا الحالية تخوض معركتها الداخلية مع العلمانيين الشرسين نحو أسلمة الأنظمة فيها والقوانين، وهو أمر يشير لتوجه حقيقي لدى حكامها القائمين بالسعي نحو استرداد الهوية الإسلامية. فهل تدرك القيادة التركية أن سعيها لإقامة حلف عربي إسلامي سيحميها داخليا ويدفع الأذى عن العرب والمسلمين؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 2/3/2026

رمضان يُخبرنا أننا نستطيع!

 نقطة نظام

رمضان يُخبرنا أننا نستطيع!


أدهم شرقاوي


أجملُ ما في رمضان أنَّه يكشفُ لنا عن مكامن القوَّة فينا، ويُخبرنا بأننا نستطيع!

1. رمضان يُخبرنا أنَّ قراءة جزءٍ من القرآن في كُلِّ يومٍ ليس مهمَّةً شاقةً، ولكنَّ الدُّنيا تأخذنا من أنفسنا!

2. رمضانُ يُخبرنا أنَّ صيامَ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ ليس ضرباً من المستحيل، ولكننا كُنَّا طوال العام مشغولين بالذي خلقَه اللهُ تعالى لنا عن الذي خَلَقَنا له!

3. رمضانُ يُخبرنا أنَّ في الليلِ متَّسعاً لركعتين من القيام، وأنَّ العِبادات ليست شاقةً إلى هذا الحدِّ، ولكنَّ قلوبنا خَرِبَة!

4. رمضانُ يُخبرنا أنَّنا نستطيعُ أن نتركَ الأشياءَ لله، وأنَّ في تركِها ابتغاءَ رضوانه سبحانه لذَّة تفوق لذَّة التَّمسُكِ بها، وأننا لم نكن عاجزين عن التَّرْكِ، وإنما كُنّا جُبناء!

5. رمضانُ يُخبرنا أنَّ للصَّدقَةِ متَّسعاً على مدارِ العامِ، وأنَّ المرءَ بإمكانهِ أن يشعرَ بالفقراءِ بقلبه، ولا يحتاجُ إلى خواءِ معدته ليذكِّره بهم!

6. رمضانُ يُخبرنا أنَّ صلاةَ الفجرِ ليست بهذه الصُّعوبة التي أقنعنا بها الشيطانُ، واستسلمتْ له أنفُسنا، وأنَّها حقًّا كما يُنادي فينا المُؤذِّنُ: خيرٌ من النوم!

7. رمضانُ يُخبرنا أنَّ الخُطى إلى المساجد حُلوة، وأن المسيرَ إليها عذبٌ، وأنه لا سعادة إلا مع الله!

8. رمضانُ يُخبرنا أنَّ المنزلَ هو أدفأُ مكانٍ في الدُّنيا، وأنَّ اجتماعَ العائلة شيءٌ يردُّ الرُّوح!

9. رمضانُ يُخبرنا أنَّ إهداءَ طبق طعامٍ إلى الجيران فيه أُلفة، واستقبال طبقٍ منهم شيءٌ يُشبه رسالة الحُب!

10. رمضانُ يُخبرنا أنَّ البيوتَ قائمةٌ على صبرِ النِّساءِ، وأننا نحن معاشرَ الرِّجال حين لا نطيقُ أنفسنا في الساعة الأخيرة من الصيَّامِ، يكُنَّ هُنَّ في مطابخِهِنَّ يُجاهِدْنَ، وأنهُنَّ وعن جدارةٍ يستحققنَ على الجبين قُبلة!

حرب اليهود والذين أشركوا

 حرب اليهود والذين أشركوا






علي فريد الهاشمي                                        الكاتب؛ إعادة نشر مرة أخرى..

"ومع كل هذه التفاصيل التي يسر الله شرحها وتوضيحها في هذا المقال وأمثالِه على مدار السنوات الماضية؛ إلا أننا لا ننسى قول الله تعالى:" فإنك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين" 
***
العقلُ نعمة، واستخدامُه زينة..
واللهُ يُحبُّ أن يَرى أثرَ نعمتِه على عبده..
فإن عَطَّلتَ عقلك أوشكت أن تكون ممن "حَرَّمَ زينةَ الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق".. وذاك- لَعَمرُ الله- جُرمٌ في حق الله وجريمةٌ في حق نفسك..
***
أنشأ النظامُ العالميُّ كيانَ اليهود رسمياً سنة 1948م في فلسطين..
وأنشأ النظامُ العالميٌّ كيان الشيعة (الذين أشركوا) رسمياً سنة 1979م في إيران.. أو على الأصح.. في (نوفل لوشاتو) بفرنسا أولاً، ثم ثَبَّتَوه في إيران لاحقاً حين أعادوا دجال العصر الخميني إلى طهران على متن طائرة فرنسية، ومصحوباً بضباط مخابراتٍ فرنسيين..

كلا الكيانين (اليهود والذين أشركوا) جسمٌ غريبٌ عن المنطقة العربية دِيناً ولغةً.. يمنعُ الكيانُ اليهودي اتصالَ عرب المشرق برياً بإخوانهم عرب المغرب، كما يمنع الكيانُ الشيعيُّ اتصال عرب الجزيرة والعراق والشام برياً بإخوانهم المسلمين في شرق آسيا..
الإسلاميون الذين طمس الله وجوههم وردهم على أدبارهم يريدون إقناعك أنَّ خسارة كيان (الذين أشركوا) للحرب أمام كيان اليهود؛ هي خسارة للإسلام والمسلمين..
حسناً.. لا بأس.. ما كُل مَن وُهِب نعمة العقل يُحسن التزين بها.. ولكن..
لا أحد يستطيع ذِكر اسمِ حربٍ حقيقيةٍ واحدةٍ خاضها الكيانان (اليهود والذين أشركوا) منذ نشأتهما ضد أحدٍ غير العرب والمسلمين..
كما لا أحد يستطيع أيضاً ذكر اسم حربٍ حقيقية واحدة خاضها الكيانان ضد بعضهما قبل هذه الحرب؛ على الرغم من العداء الظاهري والجعجعات الإعلامية على مدار أكثر من أربعين سنة.. بل الثابت تاريخياً تعاون الكيانين اقتصادياً وتسليحياً في حرب الذين أشركوا ضد العرب والمسلمين.. وما فضيحة إيران جيت عنا ببعيد!!
إذن.. لا حرب حقيقية خاضها الكيانان منذ نشأتهما وحتى الآن ضد أحدٍ غير العرب والمسلمين..
ولا حرب حقيقية خاضها الكيانان ضد بعضهما البعض منذ نشأتهما وحتى الجمعة الماضية..
فإذا كان ذلك كذلك فأيُّ مصلحةٍ للإسلام والمسلمين في بقاء أو انتصار كيان لم يحارب أحداً غير العرب والمسلمين؟!
حسناً مرةً أخرى ولا بأس.. أَلغِ عقلكَ وحرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وافترض- جدلاً- أنَّ هزيمة كيان الشيعةِ (الذين أشركوا) أمام كيان اليهود هي خسارة للإسلام والمسلمين..
الآن.. ما الذي يمكن أن يحدث للإسلام والمسلمين إن انتصر كيانُ الشيعةِ (الذين أشركوا) على كيان اليهود؟!
هذا هو السؤال الذي يَلُفُّ الذين طمس الله وجوههم وردهم على أدبارهم ويدورون حوله..
لا جواب لهذا السؤال عندهم لأن الجواب يُسقط فرضيتهم الحمقاء مِن أساسها..
ولأنهم كأحبار يهود؛ جعلوا الكتاب قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً؛ فسأتطوع أنا لأخبرك ما الذي يمكن أن يحدث للمسلمين إن انتصر كيان الذين أشركوا على كيان اليهود..
خُذْ نَفسَاً عميقاً وعُد لليوم الأول من فبراير سنة 1979م وافتح التلفاز- إنْ كنتَ تملك آنذاك تلفازاً- وشاهد مئات الآلاف من الإيرانيين الذين احتشدوا لاستقبال الخميني الخارج- كالمهدي المزعوم- من سردابه في (نوفل لوشاتو) بفرنسا، والقادم إلى طهران على متن طائرة فرنسية، وبحماية ضباط مخابرات فرنسيين..
طالع الصحف والمجلات.. ارصد فرحة الشعوب العربية والإسلامية.. اقرأ مقالات الإسلاميين الممجدة للمهدي المنتظر القادم من فرنسا.. استمع إلى خطب المنابر في الدول العربية وهي تدعو: اللهم انصر الخميني ومَن والاه.. لقد انتصرت الثورة وقامت للإسلام والمسلمين دولة..
الآن.. هَبْ أنَّ رجلاً تزين بما وهبه الله مِن عقل، ووقف في الناس ليخبرهم بما سيفعله هذا الخميني في المسلمين في السنوات العشر التالية، أو ما سيفعله نظامُه في المسلمين في الأربعين سنة التالية.. ما الذي كان يمكن أن يحدث له؟!
قلةٌ قليلة من العقلاء العقائديين فعلوا ذلك، وقالوه، وحذروا من الوقوع في فخ اعتقاد انتصار كيان (الذين أشركوا) انتصاراً للإسلام والمسلمين.. وكان على رأس هؤلاء الشيخ (محمد سرور زين العابدين) بكتابه (وجاء دور المجوس)، ثم تنبه- بُعيْدَ ذلك- إلى حقيقة الأمر رأسٌ من رؤوس الإخوان المسلمين في سوريا؛ (الإخوان المسلمون الذين يرفعون الآن راية الوهم ويدعون الناس لها).. كان هذا الرجل هو الشيخ الجليل (سعيد حوى)..
ذهب سعيد حوى ضمن وفدٍ من الإسلاميين إلى إيران لتهنئة الخميني بنجاح الثورة.. كانت الوفود تترى إلى طهران.. عربيةً وإسلاميةً وغربيةً.. كانت سنةً من سنوات العز الشيعي ربما لا يعادلها في التاريخ إلا سنة دخول البويهي الشيعي سلطاناً إلى بغداد، أو سنة دخول المعز الفاطمي خليفةً مزعوماً إلى القاهرة.. لم يُعامل الوفد معاملة طيبة.. تم تأجيل الخميني للمقابلة عدة مرات بدعوى ضيق الوقت وكثرة الوفود.. وحين قابلهم قابلهم دقائق معدودة وببرود شديد، وحرص على وجود مترجمٍ على الرغم من إتقانه العربية.. وفي المقابلة طلبوا منه التدخل عند حافظ أسد ليوقف اضطهاده للإسلام والمسلمين في سوريا؛ ظناً منهم- كما يظن الحمقى الآن- أنَّ انتصار كيان (الذين أشركوا) ممثلاً في الخميني الولي الفقيه هو انتصار للإسلام والمسلمين.. وعدهم بذلك ورحلوا..
لم يرتح الشيخ سعيد حوى للمقابلة.. وبعد تفاصيل كثيرة لا سياق لذكرها هنا؛ عاد ليكتب بعد ذلك كتيباً صغيراً يُحذِّرُ فيه الإخوانَ المسلمين خاصةً والمسلمينَ عامةً من الخميني وعقيدته الضالة، وأسماه: (الخمينية شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف).. وأرسل أو سافر لمصر- لا أتذكر الآن- ليحذر إخوان مصر من الكوارث القادمة.. وعلى عادة الإخوان في كل مكان وزمان؛ لم يستمعوا لنصحه بدعوى الواقعية السياسة على الرغم من كونه كان رأساً فيهم..
هل تريد أن تعرف كيف كان انتصار الشيعة (الذين أشركوا) انتصاراً للإسلام والمسلمين؟!
خُذْ أولاً:
كانت أول مصلحة تحققت للمسلمين في سوريا وللإخوان خاصةً من انتصار كيان الشيعة (الذين أشركوا)؛ أنهم رأوا- حين بدأ حافظ ورفعت أسد مجزرتهما ضد مدينة حماة في أوائل الثمانينات- رأوا مبعوثَ الخميني جزارَ الثورة الإيرانية (آية الله صادق خلخالي) يحتضن حافظ أسد، ويُصَرِّحُ من قلب دمشق بوقوف جمهورية الولي الفقيه مع النظام السوري ضد (إخوان الشياطين).. إي والله هكذا سماهم مبعوثُ الخميني الذي وعدهم من سنتين فقط بالتوسط عند حافظ أسد لرفع الاضطهاد عنهم.. ثم انطلقت صحف الخميني ومنابر مساجده في طهران بعد ذلك في تكرار هذا الوصف وإلصاقه بالإخوان المسلمين.. كان هذا موقف الذين أشركوا من الإخوان والنظام السوري إبان مجزرة حماة في الثمانينات على الرغم من مواعيد (عرقوب الخميني) لهم بالنصرة أو التوسط.. فهل تغير شيء في موقفهم بعد أكثر من ثلاثين سنة إبان الثورة السورية الآن؟! وهل تحققت للإخوان المسلمين خاصة وللمسلمين عامة مصلحةٌ واحدة على مدار ثلاثين سنة من انتصار كيان (الذين أشركوا)؟! أم شارك هذا الكيان في قتل وتعذيب وتهجير وسحل المسلمين في سوريا بأبشع طرق القتل وأدواته؟!
خُذْ ثانياً:
سيبدأ الخميني بالتمهيد لتنفيذ أكبر هدف له في حياته، وأعظم هَمٍّ له كان يعتمل في صدره، وهو (احتلال العراق).. كل الذين عرفوا الخميني وصاحبوه كانوا يعرفون أنه لا يكره بلداً مثل العراق ولا شعباً مثل العراقيين.. وستندهش حين تعرف مبلغ إحسان العراقيين له- حكومة وشعباً- حين كان لاجئاً عندهم أكثر من عشر سنوات.. وهذه هي طبيعة (الذين أشركوا) عموماً وطبيعة الخميني خصوصاً؛ لا يَعضون إلا اليد التي امتدت إليهم بالإحسان..
سيبدأ الخميني في استفزار العراق والتعدي على حدوده مراتٍ ومرات ليجره إلى الحرب.. كان صدام خارجاً للتو من حملة تصفية كبيرة لمنافسيه في حزب البعث بغرض السيطرة على السلطة، ولم يكن من مصلحته فتح جبهة حرب خارجية مع ثورة وليدة.. بيد أنَّ كل الأدبيات الإسلامية التي تربينا عليها كانت تتهم صدام بإشعال الحرب بسبب بغضه للإسلام والمسلمين.. لم يشيروا مرة واحدة إلى حجم الاستفزازات والتعديات الخمينية على حدود العراق.. وكان الذي أشار إلى ذلك وركز عليه ثلةٌ كبيرة من أصدقاء الخميني نفسه أمثال (الموسوي صاحب كتاب (الثورة البائسة)، و(طالب الرفاعي) في أماليه التي جمعها العراقي الشيعي (رشيد خيون).. ولأن صدام لا يُعبثُ معه اشتعلت الحرب التي استمرت ثمان سنوات وأكلت الأخضر واليابس مصلحةً للمسلمين!! وعبثاً حاول صدام إنهاءها- من منطلق القوة- بإرسال وفود العلماء إلى الخميني وهو يرفض.. وحين اضطر أخيراً إلى إيقافها سمى ذلك تجرعاً للسم.. ثم هلك بعدها بقليل بعد أن كتب في سجله الأسود أن الرجل الذي رُوِّج له أنه المقاوم الأكبر للشيطان الأكبر أمريكا وإسرائيل تعاون مع الشيطان وأعطاه نفط إيران- في إيران جيت- مقابل السلاح الإسرائيلي ليقاتل به العرب والمسلمين.. وما أجملها مصلحة للإسلام والمسلمين!!
خُذ ثالثاً:
سيرتكب صدام حسين حماقته في غزو الكويت في أوائل التسعينات ليستغل الشيعة (الذين أشركوا) تلك الحماقة، ويضعوا أيديهم في أيدي أمريكا والتحالف الدولي لمساعدتها في إسقاط نظام صدام ثم استلام العراق بعد ذلك ليعيدوه إلى عهدٍ هو أسوأ من عهود البويهيين والقرامطة والفاطميين والمغول مجتمعين، ويعيثون فيه فساداً دينياً وأخلاقياً واقتصادياً وسياسياً منذ أكثر من عشرين سنة وحتى الآن..
ولا يمكن لإسلامي مهما بلغت درجة حماقته أن يملك الجرأة لمقارنة وضع العراق أيام صدام حسين بوضعه الآن تحت حكم (الذين أشركوا) وميليشياتهم..
ولكنه سيتفذلك ويتحامق ويقول: إنه من الطبيعي أو الفطري أن تستغل إيران الوضع وتحارب عدوها التقليدي العراق الذي هزمها وأذلها في الحرب.. وهذا رأي له بعض الوجاهة..
وسأتمسك به وأسأله: فعلام إذن تريد من المسلمين مناصرة إيران الآن والتغاضي عن جرائمها في العراق والشام واليمن وفي كل بلد مسلم دخلته.. وهي عدوتنا التقليدية التي هزمت العرب والمسلمين وأذلتهم بمساعدة أمريكا وروسيا.. بل وإسرائيل؟!
خُذْ رابعاً:
إذا كان من الطبيعي والفطري أن يتحالف الشيعة (الذين أشركوا) مع الشيطان الأكبر أمريكا في إسقاط نظام صدام والسيطرة على العراق بسبب هزيمتهم على يد العراق في الحرب.. فما هو الطبيعي والفطري في تحالف الشيعة (الذين أشركوا) مع الشيطان الأكبر أمريكا في إسقاط نظام طالبان الأولى في أفغانستان؟!
ما هي مصلحة المسلمين في التعاون مع الشيطان الأكبر لإسقاط دولة إسلامية وليدة كان يمكن أن تحقق للمسلمين شيئاً من نصر، أو مساحة للحركة، أو أملاً للمستضعفين المطاردين..
ماذا فعلت طالبان الأولى للشيعة (الذين أشركوا) حتى يتحالفوا مع الشيطان الأكبر لإسقاطها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟! ولماذا يخاف الشيعة (الذين أشركوا) من نشوء دولة للإسلام والمسلمين على حدودهم وهم يناصرون الإسلام والمسلمين؟!
لاحقاً.. وبمساعدة الشيعة (الذين أشركوا) أُسقطت طالبان الأولى، وقُصفت كابل وقندهار، وغالب المدن الأفغانية ودُكَّت تورا بورا، وقُتل آلاف المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً، وتمت خيانة المجاهدين العرب، وسُلِّمَ المئات منهم إلى أمريكا لترحلهم إلى جوانتانمو.. وكان ذلك على يد خونة الأفغان (وعلى رأسهم الشيعة الهزارة)..
فهل كان ذلك مصلحةً للإسلام والمسلمين؟!
خُذْ خامساً:
في 2006م أشعل الهالك حسن حريقَ تموز في لبنان باختطافه بعض جنودٍ إسرائيليين ليفاوض بهم في فكاك أسراه.. ردت إسرائيل كعادتها بالقصف والتدمير والقتل والتخريب؛ تماماً كما تفعل في غزة الآن..
وقفت الشعوب العربية والمسلمة جمعاء خلف الهالك حسن في مغامرته الحمقاء التي صَرَّحَ- بعد ذلك- بندمه عليها.. أعلن مهدي عاكف مرشد الإخوان المسلمين آنذاك استعداده لإرسال عشرة آلاف مقاتل من الإخوان المسلمين لمناصرة حزب الشيطان اللبناني.. كانت صور حسن تملأ شوارع القاهرة ودمشق وبغداد وغالب العواصم العربية.. وكان العقلاء يحذرون من كارثة العلو الإعلامي للشيعة (الذين أشركوا)..
لم يستمع أحدٌ كالعادة، واتُهم المُحَذِّرُون بالغباء والحمق والوهابية والعقائدية والأصولية.. إلى آخر تلك الاتهامات التي يُتَّهمُ بها العقلاء الآن..
لقد أقنعوا الناس أنَّ مصلحة الإسلام والمسلمين آنذاك تكمن في الوقوف خلف حسن نصر الله ليوصلهم إلى طريق القدس..
وحين وقفوا خلفه منتظرين ردَّ الجميل على طريق القدس.. لم يطل انتظارهم كثيراً.. فقد سمعوه- بعد سبع سنوات كاملة من الوقوف خلفه على طريق القدس- سمعوه وهو يقول: طريق القدس يمر بالقلمون، والزبداني، وحمص، ودرعا، وحلب، والسويداء، والحسكة.. وقبل أن يستيقظوا من ذهولهم انسابت ميليشيات حسن إلى مدن وقرى سوريا ليمارسوا فيها الطبيعة الفطرية لأي شيعي على وجه الأرض؛ فيذبحون الأطفال، ويغتصبون النساء، ويقتلون الشيوخ، وينهبون البيوت، ويهدمون المساجد، ويدنسون القبور، ويتفننون في طرائق القتل التي لم تخطر في بال هولاكو أو جنكيز خان..
وكل ذلك كان رداً لجميل وقوف المسلمين خلفه، وحفظاً لمصلحة الإسلام والمسلمين!!
قبل ذلك بقليل تَقمَّص (قاسم سليماني) دورَ (بان كي مون) وشعر بالقلق لأنَّ الثورة السورية في سنواتها الأولى صارت قاب قوسين أو أدنى من دخول دمشق وإسقاط الحكم النصيري ممثلاً في بشار الأسد.. ولأن هذا ضد مصلحة الإسلام والمسلمين المزعومة؛ لم يكتفِ (سليماني) بالشعور بالقلق فقط؛ بل طار مصحوباً بالسلامة والعافية إلى موسكو ليقضي ساعتين مع الصليبي الروسي (بوتين) ليقنعه بالتدخل المباشر في سوريا لقتل المسلمين.. أقصد (لحفظ مصلحة المسلمين).. وسيعود مصحوباً بالسلامة والعافية أيضاً وعلى الطائرة الروسية ذاتها التي ستدك له مدينة حلب وتحيلها قاعاً صفصفاً ليدخلها هو وقواته فاتحاً منتصراً محققاً مصلحة الإسلام والمسلمين تحت حراب الروس الصليبيين.. لاحقاً- وبعد أن تمزقه القنابل الأمريكية رغبةً في قرص أذن كيان (الذين أشركوا) في إيران- سيحصل بطلُ الإسلام والمسلمين هذا على لقب (شهيد القدس) ثلاث مرات.. تماماً مثل: (تحيا مصر) ثلاث مرات!!
****
أنا تعبت.. تستطيع أنت الآن أن تتزين بنعمة الله وتستخدم عقلك وتضيف: سادساً، وسابعاً، وعاشراً، وألفاً.. وتأكد أنك لن تضيف رقماً في مخازي الشيعة (الذين أشركوا) وخطرهم على الإسلام والمسلمين؛ إلا ويناديك الرقمُ الذي بعده في دورة لا نهائية من الخزي والحقد والكراهية والتحالف مع الكفار.. بالإضافة إلى الشرك العقدي ذاته..
فأيُّ مصلحة للإسلام والمسلمين تُرجى من انتصار كيانٍ كهذا؟!
وأي خسارة للإسلام والمسلمين تُخشى من انكسار كيانٍ كهذا؟!
هل هناك إسلام شيعي آخر غير تحريف القرآن، والإمامة الوثنية، والعصمة الشركية، والصحابة الذين ارتدوا وكفروا، ورجعة المهدي الذي سيُخرج جثمان أبي بكر وعمر ويحرقهما، وجثمان عائشة ويرجمها حد الزنا؟!
هل هناك إسلام شيعي غير هذا وأنا لا أعرف؟!
هذا وأنا ذكرتُ لك شيئاً من تاريخهم الحديث الذي شاهدتَه بعينيك وسمعتَه بأذنيك ووعيته بقلبك.
ولو عدتُ بك إلى تاريخهم القديم لطال بنا الأمر مجلداتٍ ذواتِ عدد، وَلَهَالَكَ حجمُ جرائمهم وكفرهم وحقدهم..
وَلَلَعَنْتَ الإسلاميين الذين يكذبون على (ابن تيمية) الآن، ويقتطعون كلامه من سياقه، وينزلونه على واقع غير واقعه، ثم يخبئون كلامه الآخر الذي يُسقط أكاذيبهم عليك ويُظهر خِداعهم لك..
وأسوأ الخداع خداع الإسلاميين؛ لأنه يتكئ على نصوصٍ مقدسة وآثار مقدرة، تُنزَّلُ على غير واقعها، وتُرَحَّلُ إلى غير سياقها..
فهو انتهاكٌ للمقدس ابتداءً بتحريف أصله الثابت، وإسقاطٌ للمقدس في قلبك انتهاءً بإظهاره مناقضاً لواقعك المُعَاش.. وأي جريمة في حق الله- بعد الشركِ- أعظم من هذا؟!
***
سَيلتقطُكَ الآن خبثاءُ الثنائيات وحقراءُ الاصطفافات، ويقولون لك: هذه صهينة وعمالة للكيان اليهودي الذي إن انتصر تغول.. وأنا أقول لك ابتداءً: ضع هذا الكلام تحت حذائك فهو خُبثٌ تعودنا عليه، وشنشةٌ نعرفها من أخزم المتأيرن.. فاصبر واستمع إليَّ..
لقد تربينا جميعاً على أهمية ما يُسمى بالقضية الفلسطينية، وجعلها قضية العرب الأولى، وحُبِّ مَن يناصرها، وكره من يخذلها.. ثم- ويا للأسف- تحولت هذه القضية عندنا إلى مَعقدٍ للولاء والبراء؛ فأيُّ أحدٍ ناصر القضية ودافع عنها صادقاً أو كاذباً؛ فهو منا وعلينا حتى لو كان نصرانياً أو يهودياً أو شيعياً من (الذين أشركوا).. (هناك يهودٌ في أمريكا وأوروبا يناصرون القضية الفلسطينية وحماس ويُعرفون باسم ناطوري كارتا)..
ومن أجل ما تربينا عليه من مركزية القضية الفلسطينية؛ استخدم حكام العرب جميعاً تلك القضية ورقةَ توتٍ تستر عوراتهم وتخفي تخاذلهم وتُجَمِّلُ عمالتهم أحياناً.. وحصلوا بمناصرتها المدَّعَاة على المجد الإعلامي والسمعة الحسنة، ثم انكشف عوارهم مع تتابع الزمن وبقاء فلسطين بين براثن الكيان اليهودي..
الأرض ليست الأصل يا ابن أخي.. الأصل المنهج والعقيدة التي تحكم الأرض.. تؤخذ الأرض منا في المساء ونسترجعها في الصباح.. حتى لو كان بين المساء والصباح عشر سنوات أو عشرين أو مائة سنة.. أعاد خالد بن الوليد رضي الله عنه الجزيةَ لبعض نصارى الشام أو العراق- نسيت الآن- حين جاءه أمر أبي بكر رضي الله عنه بالتوجه إلى اليرموك.. ترك لهم الأرض التي أخذها بالدماء والأشلاء، وذهب إلى اليرموك فدعس على رأس الروم هناك.. ثم عاد للنصارى الذين أعاد لهم الجزية فاستردها مع الأرض..
الأرض لله يورثها من شاء من عباده.. وإذا جعلت عقيدتك الأرض فيا لحسرتنا وحسرتك حين تكتشف الآن أن كل المساحة التي فتحها الأمويون العظماء والعثمانيون الأشداء ليس في أيدينا منها كثير شيء.. بل تم احتلال القلب أيضاً باحتلال حكام القلب!!
صحيح أن الإنسان يحب أرضه ووطنه حباً فطرياً.. ولكن الحب شيء والتقديس شيء آخر.. وقد أخذتُ أنا زمناً طويلاً لأخرج من وطنية مقيتة وقومية عفنة وأومن أنَّ (الوطن الجنة، والغربة النار).. رغم حبي لوطني وفخري بقوميتي بعد فخري بديني!!
أنا وأنت وكلنا ضعفاء أمام من يرفع راية القدس ويجعجع بتحرير فلسطين؛ خاصةً إذا طال عليه الأمد فلم يُختبر اختباراً حقيقياً..
لم يكن القوميون العرب على منهج يرضاه الله ورسوله.. جعجعوا برمي إسرائيل في البحر ثم هلكوا وأهلكونا..
أفهانت عليك نفسك حتى تجرب الشيعة (الذين أشركوا) فتصدق جعجعتهم بتحرير فلسطين في الوقت الذي يذبحون فيه أخاك لأن جنازير دباباتهم لن تصل إلى القدس إلا على جمجمة أخيك؟!
أما آن لك أن تتزين بنعمة العقل التي أنعم الله عليك؟!!
يتفق الإسلاميون جميعاً- حتى أولئك الذين طمس الله وجوههم وردهم على أدبارهم- على أن إيران عدوٌ مضافٌ إلى عداوة إسرائيل.. يختلفون فقط في ترتيب مربعات العداء.. دعك من اختلافهم وابنِ على ما اتفقوا عليه: إيران عدو وإسرائيل عدو..
افترض الآن أننا في الطريق إلى عدونا الأصلي إسرائيل.. مَن هو الذي يقف عقبةً بيننا وبينه؟!
ستجيبني منتفضاً: حكامنا العرب طبعاً.. وسأقول لك: عظيم.. هذا صحيح تماماً.. إذن حكامنا العرب هم العدو الأول الذي يحول بيننا نحن الشعوب العربية المسلمة وبين تحرير فلسطين..
الآن.. مَن هو العدو الثاني الذي شعر بالقلق بعد انتصار الثورة المصرية في بداياتها، ثم شعر بالقلق أكثر بعد انتصار الثورة السورية في بداياتها أيضاً، وطار إلى روسيا واستدعى الصليبي بوتين؛ ليحول بين الشعب السوري- وهو أقرب شعب مسلم لفلسطين- وبين التحرر من براثن حاكمه (العدو الأول)؟!
ستحك رأسك قائلاً: إيران.. ممثلة في قاسم سليماني.. وسأقول لك أيضاً: نعم عظيم.. ولكني سأضيف: قصدك الشيعة (الذين أشركوا)..
الآن.. عدونا الأول حكامنا، يليهم الشيعة (الذين أشركوا).. كلاهما يقف عقبةً بيننا وبين الوصول إلى عدونا الثالث لتحرير فلسطين من بين براثنه..
فكر جيداً.. إن جاء عدونا الثالث إسرائيل فحارب عدونا الثاني (الذين أشركوا) وأسقطه أو أضعفه أو قصقص أجنحته.. ألن يكون ذلك مصلحة للمسلمين السائرين إلى القدس؟!..
لقد خفف عنا عدونا الثالث هَمَّ عدونا الثاني الذي استخدمه مِن قبل لقتلنا.. لم يبق لنا الآن إلا عدونا الأول (حكامنا).. وحرب عدو واحد في طريقنا إلى العدو الأصلي أخف وأهون من حرب عدويين.. خاصةً إذا كان العدو الثاني (الذين أشركوا) عدواً عقدياً حاقداً يقول له دينُه إنَّ قَتَلَ المسلم وذبح أطفاله ونهب ماله وهتك عرضه من أعظم القُربات إلى الله ومن أكبر أسباب دخول الجنة.. وهو ما لا يراه عدونا الأول (حكامنا)؛ فهم في النهاية منا وإن ارتدوا، وجنودُهم منا وإن خافوا وجبنوا، ويوشك إن وقعت الواقعة وطمَّت الطامة أن ينحاز كثيرٌ منهم إلى أهليهم الذين هم نحن!!
فأين هي الخسارة التي سيخسرها المسلمون إن انكسر الشيعة (الذين أشركوا) أو زال نظامهم المشرك المجرم؟!
إنَّ العقلَ الذي هو نعمةُ الله وزينةُ الإنسان لَيَقول: انكسارُ الشيعة (الذين أشركوا) سَيُنقص أعداءنا واحداً.. وانتصارهم أو بقاؤهم سيبقى أعداءنا ثلاثة!!
فأيُّ الطريقين أهدى سبيلاً وأقوم قيلا؟!
***
أتعرف يا ابن أخي.. إنَّ أكثر ما يُحزنني في هذه الحرب الدائرة بين اليهود (والذين أشركوا) الآن هو أنَّ إسقاط نظام (الذين أشركوا) ليس هدفاً حقيقياً من أهداف اليهود..
قد يَجِدُّ هذا الهدف أو يظهر على السطح في مرحلةٍ تالية؛ إذ الحرب والسياسة لا ثوابت لها أو فيها.. بيد أنه- حتى الآن على الأقل- ليس هدفاً حقيقياً أو محورياً أو مركزياً من أهداف اليهود والنصارى المتحكمين في النظام العالمي..
هذا محزن.. نعم.. محزنٌ بشدة.. لكن الدنيا مراحل.. وإضعاف الشيعة (الذين أشركوا)، وقصقصةُ أجنحتهم، وإشغالهم بأنفسهم، وحصرهم داخل دوائرهم المتفق عليها، حتى لو جاء ذلك على يد عدونا الثالث؛ أفضل للإسلام والمسلمين- في هذه المرحلة- مما كان عليه الأمر قبل عشر سنوات أو عشرين سنة..
يعلم الجميع- عدا أولئك الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أدبارهم من الإسلاميين- أنَّ الهدف الأساس لليهود والنصارى في حربهم الساخنة والباردة مع الشيعة (الذين أشركوا) هو منعهم من امتلاك السلاح النووي وتحجيم صناعاتهم الصاروخية ومُسَيَّرَاتِهم الآلية.. عدا ذلك فإنَّ بقاء الشيعة (الذين أشركوا) من أعظم مصالح اليهود والنصارى في العالم العربي خاصةً والإسلامي عامةً.. وما ذاك إلا لأنَّ الشيعة (الذين أشركوا) كانوا هم الهراوة الغليظة أو الخنجر المسموم في يد اليهود والنصارى ضد الإسلام والمسلمين..
ولأنَّ اليهود والنصارى هم صانعوا هذه الهراوة وذلك الخنجر؛ فهم يحرصون- حتى الآن على الأقل- على رفع الهراوة لا تحطيمها، وعلى غَمْدِ الخنجر لا كسره، فإنهم إن أسقطوا نظام الشيعة (الذين أشركوا) خسروا الهراوة وكسروا الخنجر، وإنْ خسروا الهراوة وكسروا الخنجر فمن هو المجرم العَقَدِي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع ويدفعه ذلك كله لأن يقتل لهم- بأريحيةٍ بالغة- أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، ويُهَجِّرَ لهم أكثر من عشرين مليوناً في العراق والشام واليمن، ويهدم لهم مدن المسلمين وقُراهم، ويذبح لهم مستقبل المسلمين وشرفهم بذبح أطفالهم، واغتصاب نسائهم؟!
ثم هو يفعل ذلك كله- ويا للذهول- وسط تهليل وتصفيق كثيرٍ من الإسلاميين الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أدبارهم؛ فرأوه قلعة للإسلام والمسلمين، وسيداً للمقاومة، وفيلقاً على طريق القدس!!
مَن هو المجرم العَقَدِي الذي يمتلك القوةَ والعقيدة والمشروع فيتحالف معهم لإسقاط (كابل) و (بغداد)، والسيطرة على (دمشق) و (صنعاء)، وإقناع الصليبي الروسي بوتين بالتدخل المباشر لقتل المسلمين في الشام.. ثم الحصول بعد كل تلك الجرائم على لقب (شهيد القدس) ثلاث مرات؟!
مَن هو المجرم العَقَدي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع ليجعل لهم قوته وعقيدته سداً من نار بينهم وبين المجاهدين الذين أذاقوهم الويلات، أو بينهم وبين الشعوب العربية المتعطشة للتحرر والحرية؟! ثم يُظهرُه الإسلاميون الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أعقابهم في صورة البطل المناضل ضد الشيطان الأكبر أو ضد الاستكبار العالمي!!
مَن هو المجرم العقدي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع فيضرب لهم أسسَ الإسلام (قرآناً وسنةً وصحابةً)، ويُعيدَ لهم عوامَ العرب والمسلمين إلى وثنيةٍ أشد مِن الوثنية الأولى؛ ليستبدلوا بـ(اللات والعُزَّى وهُبل) (علياً والحسن والحسين) رضي الله عنهم، ويَفتِنَ لهم حمقى الإسلاميين فَيُكَبِّلَهُم عن الفهم الحقيقي لطبيعة المشروعين العدوين، ويُعيقَهم عن العمل الحقيقي لمجاهدة المشروعين العدوين؟!
***
كل هذا وغيره كثيرٌ وكثير سيخسره اليهود والنصارى إنْ أسقطوا نظام الشيعة (الذين أشركوا)..
وما لم تتغير الأحداث إلى شيء آخر يعلمه الله ونجهله؛ فسيظل هدف اليهود والنصارى الدائم هو إبقاء الشيعة (الذين أشركوا) عاجزين أمامهم قادرين علينا.. تماماً كحارسٍ مُقْعَدٍ أمام مزرعتهم وفي يده بندقية!!
لا تنسَ أنهم تركوا البقايا العاجزة لحزب الهالك حسن في الجنوب اللبناني؛ ليظل موجوداً وفاعلاً في (حدود الجنوب اللبناني) شمال الليطاني فقط.. كما تركوا البقايا المهلهلة لمليشيات الحشد الشيعي في العراق لتعيث فساداً في العراق فقط..
كما تركوا الحوثي- حتى الآن- ضمن النطاقات التي يريدون لبُعده المكاني عنهم، ولعلمهم أنَّ فعالية صواريخه التي باعتها له إيران ليست خطراً من الدرجة الأولى أو الثانية، وأنهم قادرون على تحييده تماماً حين يأتي وقتُه..
وحدها غزة لم يتركوا فيها حجراً على حجر.. وذلك لسببين اثنين؛ الأول: معرفتهم بالأصل (السُنَّي) لأهلها وحكامها، وإن انحرف عنه حكامُها والتحقوا بمحور الشيعة (الذين أشركوا)، والثاني: لقربها من كيانهم المحتل أو وقوعها أصلاً ضمن كيانهم المحتل.. وهذا ما لا يُسمح ببقائه واستمراره، وإنْ طاولوه مُدةً من الزمن تحت أعينهم وبين أنيابهم..
لا يُسمح للمسلم السُّني- ولا مسلمَ غير السُّني- بامتلاك قطعة أرض والبقاء فيها جيلاً كاملاً- (بين عشر سنوات إلى عشرين سنة).. حدث هذا في العراق والشام، كما حدث في أفغانستان أيام طالبان الأولى، كما سيحدث في كل مكان حتى يأتي الله- قريباً إن شاء الله- بقوم يملكون أداةَ تهديدٍ حقيقية، ويملكون القدرةَ على استخدامها والمطاولة بها.. صحيح أنَّ المتأسلمين ووعاظ السلاطين سيسمونهم حينئذٍ خوارج وبغاة وكلاب نارٍ طوبى لمن قتلهم وقتلوه.. ولكن أغلب ظني أنَّ الأوضاع حينئذٍ ستكون قد تجاوزت أوباش المتأسلمين ووعاظ السلاطين بمراحل..
***
إن هذه الحرب الدائرة الآن حربٌ حقيقية بين اليهود (والذين أشركوا)، وهي تختلف عن المناوشات الكرتونية السابقة التي كان يَحفظُ بها (الذين أشركوا) ماءَ وجوههم ضمن طُرفةِ (الصبر الاستراتيجي)..
وليس لهذه الحرب مِن هدف- حتى الآن- سوى منع الذين أشركوا من امتلاك السلاح النووي وتحجيم صناعة صواريخهم ومسيراتهم..
وما دخلها (الذين أشركوا) من أجل القدس أو غزة، أو وهم المقاومة أو أكذوبة الدفاع عن الإسلام والمسلمين- كما يحلو لكثيرٍ من الإسلاميين خداعك بذلك- بل دخلوها مُجبرين بعدما وصل السكين إلى العظم، واستُهدف مشروعهم النووي، ووقعت عاصمتهم تحت القصف اليهودي المنظم والمستمر حتى الآن.. تماماً كما فعلوا هُم مِن قبل وتعاونوا مع اليهود والصليبيين في قصف كابل، وبغداد، ودمشق، وصنعاء..
ولأنَّ ما يحدث حقيقي هذه المرة؛ فأغلب ظني- ولا بأس أن أكون مخطئاً- أنه ليس أمام (الذين أشركوا) سوى طريقين أحلاهما مٌر: العودة للمفاوضات، وتفكيك المشروع النووي- أو التغاضي عن ضربه-، وخسارة المليارات التي دُفعت فيه، والسنوات والدماء التي بُذلت من أجله مقابل بقاء نظامهم.. أو إسقاط نظامهم بالكلية بعد تدخل أمريكا، أو إنشاء تحالفٍ دولي لإسقاطه؛ كالتحالف الذي أنشأه اليهود والنصارى لإسقاط نظام طالبان الأولى في كابل، أو نظام صدام حسين في بغداد، أو نظام الدولة الإسلامية في الموصل.. وكل هذه التحالفات الثلاثة كان (الذين أشركوا) في إيران فاعلاً محورياً فيه!!
****
هل بقي شيء؟!
آه.. علو اليهود وتغولهم..
يا ابن أخي.. دَعَكَ من هذا السَّفَه.. هل نظام (الذين أشركوا) وهو بهذا الخواء والاختراق الذي وصل حد تصنيع الموساد طائراتٍ مسيرة في قلب أرضه لاستخدامها في قصفه، واصطياد قادته وعلمائه واحداً تلو الآخر على مدار سنوات، وقتل الصف الأول من قادته العسكريين في ليلةٍ واحدة وهم نيام في أحضان زوجاتهم، و(بَيْجَرَةِ) ميليشاتهم المجرمة في لبنان، وقتل ضيوفهم في عاصمتهم.. هل هذا النظام هو الذي سيمنع تغول اليهود وعلوهم؟!
ثم ما قصة التغول هذه؟!
قيلت قبل نكسة عبد الناصر.. وقبل قادسية صدام.. وقبل السادس من أكتوبر وما تلاه من كامب ديفيد.. وقبل الحادي عشر من سبتمبر.. وقبل الانتفاضة الأولى والثانية.. وعلا اليهود وتغولوا- وهم متغولون أصلاً منذ إنشاء كيانهم-؛ فماذا حدث؟!
مَنَّ الله على الأمة بمجاهدي أفغانستان، وفلسطين، والعراق، والشام، واليمن، وجمعت جبالُ تلك البلاد وكهوفُها وصحراؤها ووديانُها خيرة شباب العرب والمسلمين بين جنباتها بعدما تخلوا عن دعة العيش تلبية لنداء الله، ثم تخالفوا واختلفوا وتقاتلوا، ثم عادوا، وسيعودون ضمن الأخطاء البشرية التي لا يخلو منها بشر.. ثم دخلت الأمة كلها في سياق التدافع الرباني والصراع البشري؛ فانفجرت الثورات في العالم العربي بسبب (صفعة شُرَطِيَّة وعود كبريت)، ودخلت الشعوب أيضا في سياق التدافع والصراع، واقتربت شيئاً فشيئاً من أكناف بيت المقدس، وسقطت حكومات وأنظمة، وعادت حكومات وأنظمة، وانتكست ثورات، وتعطلت ثورات، واختطفت ثورات..
اليهود متغولون منذ أُنشئ كيانُهم، وسيتغولون أكثر وأكثر في وجود نظام (الذين أشركوا) وفي عَدَمِه.. هذا وعد الله لهم ولنا؛ ليرى الله مِنَّا ما قَدَّره عليهم وعلينا.. لا تنهضُ الأمم إلا بعد مِحنٍ وشدائد، ولا تسود إلا ببذل الجهد والجهاد.. تغولٌ يُدخلكَ طريق النصر بالمآسي خيرٌ مِن توازن يُبقيك خاملاً تحت هزيمة..
إنْ كان المستقبل يُخيفك؛ فهل الحاضرُ يُرضيك؟! أتظن أنك قادمٌ إلى الدنيا في رحلة؟!
لكلِّ جيلٍ بلاؤه يا ابن أخي.. ولن يترك اللهُ الناس للناس.. والدنيا لم تُبن على الراحة والكسل.. ومِن كلِّ شيءٍ يخاف الخامل.. وتغول العدو- أياً كان- دافعٌ للعملِ لإسقاطِ تغوله.. والعدو هَشٌ في أصله، ولكن المدافعين أكثر هشاشة لتخليهم عن أعظم سلاح يملكونه (سلاحِ العقيدة)؛ فإن عادوا إليه عاد إليهم النصرُ بأسبابه.. وإن ظلوا بعيدين عنه فستتغول عليهم حتى أنفسهم التي بين أجنابهم.. وشتان بين "الذين قال لهم الناسُ إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، وبين الذين "يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"..
فاحذر أن يخدعك المتأسلمون المتأيرنون عن عقلك؛ فيزينون لك الباطل، ويُقَبِّحُون لك الحق، ويُخَدِّرونك بالأباطيل حتى تجد شِرْكَ الشيعيِّ في قلبك، وسِكِّينَه في رقبتك، وخنجره بين ضلوعك..
وقد نصحتُ لك حين سألتني.. فإن اقتنعتَ فبها ونعمت، وإن لم تقتنع فحسبي أن بينت لك..
وأنا والله على بينةٍ من ربي في هذا الأمر منذ أكثر مِن عشرين سنة.. ولو حدث المحالُ ورأيتَ أهلَ الأرض كُلَّهُم في كفة واحدة مع الشيعةِ (الذين أشركوا)، ورأيتَ رجلاً واحداً في الكفة الأخرى؛ فاعلم أنه أنا.
شَهِدَ على ذلك لَحْمُ (عليٍّ بنِ فريدٍ الهاشميِّ) وَدَمُه.

أجواء الحروب وتدابير علام الغيوب دعوات الصالحين، ومصارع المجرمين [٢]

 أجواء الحروب وتدابير علام الغيوب  دعوات الصالحين، ومصارع المجرمين [٢]     

د.عبدالعزيز كامل

على مدار أكثر من مئة عام وأصحاب المشروعات العدائية يتناوبون على التنكيل والفتك بالأمة الإسلامية ..! ولكن من كان يظن أو يتخيل أن يأتي يوم تضرب فيه كل مشروعات الطغيان بعضها ببعض في وقت واحد.. فيكسر بعضها عظام بعض، و يسقط بعضها هيبة بعض، بل ويقتل بعضها أكابر المجرمين عند آخرين ..؟! ●● ومع أن هذا الثأر الإلهي ينبغي أن يثلج قلوب المسلمين الداعين ربهم ليل نهار بأن يهلك الله المعتدين ويسلط الظالمين على الظالمين؛ فإن العجيب أن نجد الخلاف والتنازع والتباغض يتجدد عندما يجادل كثيرون عن المنافقين الذين يختانون أنفسهم من المنسوبين للشيعة أو السنة، متناسين أن الصُلحاء والأصفياء والخٌلصاء طالما كانوا يجأرون في قنوت الصلوات ومجالس الخلوات قائلين : ( اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدميره في تدبيره، وأهلكه كما أهلكت عادًا وثمود.).. فما أن يستحيب القريب المجيب ..حتى نرى من البعض هذا الأمر المريب..! ●● يتناسى هؤلاء وعد الرب العظيم الحكيم الحليم بإجابة دعاء المظلومين مهما تفاقمت المحن وتطاول الزمن، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام؛ يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ) والحديث رواه الطبراني وابن خزيمة وصححه الالباني في صحيح الجامع(١١٧). ● ● فلنراقب ما يجري حولنا اليوم وماقد يحصل غدًا؛ فإنه سيحكي تسلسل تلبية الوعود من الرب المعبود في إجابة دعاء المقهورين وإنصاف المظلومين .. فاللهم أنج المستضعفين من المؤمنين في المشارق والمغارب يارب العالمين، وكن لهم خير معين في هذا الشهر الكريم

الاثنين، 2 مارس 2026

الصليبيون الجدد (9)

 الصليبيون الجدد (9)

 فاتن فاروق عبد المنعم 

كاتبة روائية،وعضو بالمجلس الرقابي الأعلى للاتحاد العالمي للمثقفين العرب


المصريون في عيون الصليبين:

عام 1099 وبعد ثلاث سنوات من الزحف والعراقيل وصل الصليبيون الرملة عاصمة فلسطين الإسلامية كما سمتها كارين ورأوا القدس بأسوارها وتداعت مشاعرهم الدينية تجاه الأرض المقدسة وفي ذلك تقول:

“كانت المدينة المهيبة الرابضة على التلال بأسوارها المنيعة تهيمن عليها صورة الجامعين الكبيرين المسجد الأقصى وجامع عمر بن الخطاب، ولابد أن عظمة وجلالة هذين الصرحين الذين هما أكثر مهابة بكثير من أي شيء آخر في العالم المسيحي آنذاك، شكلا على ما بدا لهم إهانة للرب والدين الحق، ويمكن أن يكونوا قد شعروا بما يشبه الرهبة التي انتابت أليعازر بن يهودا بعد ثمانمائة عام حين شاهد العرب مرتحاين كأنهم في بيوتهم تماما على أرض آبائه وأجداده، لقد قيل للصليبين أن المسلمين يحتلون المدينة المقدسة، وهاهم يستطيعون رؤية ذلك بأم أعينهم، فبوسعهم سماع أصوات المآذن تتردد عبر الروابي والأودية المجاورة، وبدت لهم كما أنها إهانة متعمدة وتهديد عميق لمشروعهم كله الذين راهنوا عليه بأرواحهم ذاتها، إن هؤلاء المسلمين بديانتهم الغامضة والزائفة إنما يلوثون التراب المقدس، لقد كانوا من مصر وقد نظر إليهم الصليبيون على نحو يختلف كثيرا عن نظرتهم للأتراك في آسيا الصغرى، ليس لأسباب عرقية، بل لأنهم في أورشاليم، ولذلك لابد أن يكونوا أعداء الرب”

ثم نفذوا مذبحة هائلة وأصبح قتل المسلمين عندهم قربى للمسيح وتمجيده وكانوا يلقونهم من فوق الأبراج وعذبوا أياما وحرقوا بالنار وامتلأت الشوارع بأكوام الرؤوس والأقدام والأيدي، أما من نقلت عنه كارين تلك الرواية فقد سمى المسجد الأقصى بهيكل سليمان حيث قال:

“أخشى إن أنا أخبرتكم بالحقيقة أن لا تصدقوها، حسبي أن أقول لكم على الأقل أنه في هيكل سليمان ورواقه غاص الرجال حتى الركب وأعنة الخيل في الدماء، وقد كان حكما إلهيا عادلا ورائعا أن يمتلئ هذا المكان بدماء الملحدين، وهو الذي عانى كثيرا من تجديفاتهم وتدليساتهم”

ماذا لو قارنا بين سلوك الصليبين وبين سلوك عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي (البدو الأجلاف الهمج البربر) مع نفس الصليبيين بل واليهود أنفسهم، فلن يسعنا إلا الاعتراف بما هو معلوم بالضرورة في علم النفس وهو “الإسقاط” هذه هي صفاتهم ويسقطوها علينا.

في عام 1097 عندما شرع الصليبيون لإقامة مملكة إنطاكية بانتزاعها من الأتراك والعرب وأحدثوا الأهوال منها عصابة طافور وهو جندي كان من القادة وفقد حصانه وتبعا لذلك جرد من رتبه العسكرية، فقام بتكوين عصابة من الفقراء القادمين من أوروبا حتى إذا أحرزوا نصرا في بقعة ما قاموا بعمليات سلب ونهب وقتل وتعذيب ليكللوا نصرهم بسمعة سبقتهم إلى كل الممالك والإمارات الإسلامية عن قوتهم وجسارتهم حتى إذا واصلوا الزحف والتقدم قام الأمراء وولاة الأمر بفتح المسالك لهم قبل العوام لتزويدهم بما يحتاجون إليه من المؤون والذخائر والأغذية.

واليوم الذين يديرون دفة الحرب العالمية الثالثة (ضد الملحدين) هم أحفاد هؤلاء الأبرار!!!!! آنفي الذكر.

استقيموا يرحمكم الله:

عندما جاءت جحافل التتار إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية كان الخليفة وبطانته غارقين في الملذات والمعاصي، فأتى الله لهم بالتتار كي يتوبوا وينوبوا ويعودا إليه، كان الجندي التتري يوقف المسلم بالشارع ويقول له انتظرني هنا حتى أأتي بالسيف كي أقتلك، وكان ينتظره.

وهن الإيمان يصيب النفس بانتكاس الفطرة فلا تتأثر بالمنكرات والولوغ في المعاصي، ولم تظهر فرقة من المؤمنين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وانصرف العوام عن علماء الدين وانتهكت الحرمات وارتكبت الرذائل والكبائر وانحنت الهامات لكل مومس فاضلة، جاء العدو ماكثا في البلاد يحكم ويصير الأمور ويسومنا سوء العذاب، فمن لم يفعله جهد العلماء فليفعله جهد البلاء ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ضعف النفوس من ضعف الإيمان، من لا يصمد أمام الفتن والاغراءات ولذة المعصية لن يصمد أمام العدو، والعدو على الأبواب، من يظن أن الغاية إيران فقط فهو واهم، ومن العجيب أن الانقسام مازال يمارس بين المثقفين رغم الخطر الداهم، فماذا عن حال عوام الناس؟!

طبول الحرب تقرع:

عندما كان أبنائي بالمرحلة الابتدائية كان مقرر عليهم نص في كتاب القراءة لو منح الغباء قلما ليكتبه ما كان تناوله بهذه السذاجة والجمود المفرط، فحوى النص أن النار اشتعلت في بيت رجل مسيحي فقام جاره المسلم بالإسراع في إطفاء النار، لا أعرف كاتبه كيف طوعت له نفسه هذا التناول العبيط، ولو كان بين المسلم وجاره المسيحي ما صنع الحداد قطعا سيشارك في الإطفاء، إنها نار إن لم يتم تداركها ستمتد وتحرق المسلم والمسيحي.

وبالمثال يتضح المقال، الوضع الآن يفوق كل الخلافات حتى ولو كانت خلافات أسرية، بالفعل النار التي يشعلونها على مهل ستحرق الكل، وهو ما يجعلنا نقول كل الدعم لإيران.

امتداد لطوفان الأقصى:

مازالنا في بلادنا العربية لا نعرف دلالة ما يحدث وعلاقته ب 7/10/2023

هو وثيق الصلة ولا ينفصل عنه، سبق تناولي هنا على مهل طبيعة النظام العالمي الآني، ولا مانع من التذكير، الصليبيون القدامى أدركوا أن بقاء الخلافة الإسلامية (الكتلة) ليس إلا تهديد مباشر لوجودهم ولكي ينتفي التهديد عنهم كان ولا بد من القضاء عليها، فاستغرق الأمر مدة أربعمائة عام على مهل، أما المائة الأخيرة منها فكان عمل اليهود في فلسطين على مهل أيضا بينما الخطط مدبجة دون أصوات زاعقة بل بدربة وحنكة في غفلة المشرزمين الوالغين في الإغارة على بعضهم البعض يسيطر عليهم الطمع والجشع الدنيوي دون النظر إلى المآلات الماحقة حتى سقط الصرح، وعلى الفور قام البديل (النظام العالمي الجديد) نظام رأسمالي ربوي شيطاني يزيد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا ومناهض لصيرورة الإسلام الحريص على تداول الثروات ونمائها ليعم خيرها على عموم الناس بدءا من قانون المواريث انتهاء بأروقة الدولة، ذلك العقبة الكئود الوحيدة لديباجة الشيطان الذي توعدنا منذ خلق آدم.

والنظام يلزمه فكر يكون دعامته الصلبة التي تحافظ على ديمومته، فظهر ما يسمى بالعلمانية والليربالية والشيوعية والرأسمالية وكلها إبداع يهودي صهيوني بحت (باعترافهم) مستقاة من تلمودهم، لينفرط عقد الكتلة إلى دولا قومية.

واليوم هم يعلمون أن نظامهم العالمي قد ترهل وأن الدول القومية آلية إلى السقوط حتما لا محالة بعد اكتشاف زيف وبهتان ما هم فيه منذ مائة عام، ولن أبالغ إذا قلت أن طوفان الأقصى كان كاشفا للكل وهو مزيد من التعرية الإلهية للحقيقة التي كان يصدح بها قلة، واليوم هي ماثلة على الأشهاد، ونصرهم الله نصرا عزيزا وإن ضبب عليكم الصورة إعلام الرايات الحمر فما صنع إلا لتضليلكم وتزييف الوعي الجمعي (كما قال وزير هتلر)

نعم المقاومة في غزة أوغرت صدورهم لأنها إسلامية وهم لديهم حساسية مفرطة تجاه كل عمل يصطبغ بالإسلام لأنه الماحق لنظام الشيطان الذي أراد أن يثبت ذاته مرة أخرى فقام بالإعلان عن نفسه مجددا (يقلب الترابيزة) وأظهر جزيرة إبيستن وروادها، جنته التي يمنحها لكل من يعمل خلافا للتعاليم الإلهية، لسان حاله يقول أنا هنا فلا دول ولا قوانين ولا مواثيق ولا حقوق طفل ولا حقوق مرأة ولا إنسانية ولا رحمة، هذه مملكتي وأنا ربكم الأعلى، كلها فقاعات صابون سرعان ما فضضها لتتجلى الحقيقة للكل.

عود على بدء:

العالم الإسلامي، كله، مسرح العمليات لرواد جزيرة إبيستن، حواري الشيطان وعباده، لابد من القضاء على الإسلام نفسه، الحرب الدائرة بأسباب ظاهرة لمزيد من التضليل لمن أصيب قلبه بالران والقفل والطبع.

لذا لا نملك إلا القول لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح أولها، كل النظريات الفكرية التي نشروها بيننا ليقطعوننا قطع متشظية ونصبح أقطابا متوازية تضعف بعضها البعض وهو ما حدث ونكفيهم عناء الإجهاز علينا إلا ونحن شراذم متشظية نتبادل السباب والاتهامات كي يأتي العدو ويحصدنا بضربة صاروخ، بعد أن ضاعت هيبتنا في قلوبهم لما هان علينا ديننا ونقضنا الإسلام عروة عروة ورفعنا قدر كل زنديق فاسق وكل من يبارز الله بالمعاصي على تنوعها فالنتيجة الحتمية إيغار العدو.

إلزم ثغرك، وعض على صحيح الدين بالنواجز، القادم الآن ومازلنا ننكره هو زمن الملاحم، فلننقي أنفسنا ونعود إلى الهدي الظاهر والباطن، ونمتنع عن ذنوب الخلوات لأنها الماحقة، هذه الحروب لتخييرك بين الكفر والإيمان، الآن سقطت كل الانقسامات والاختلافات فلم يعد سوى إما كفر وإما إيمان.

وللحديث بقية إن شاء الله