الأحد، 22 فبراير 2026

رمضان وهموم الأمّة

بسم الله الرحمن الرحيم

رمضان وهموم الأمّة

د. عطية عدلان 

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

تستقبل الأمّة شهر رمضان المعظم وهي مُثْقَلة بالهموم، مُثْخَنة بالجراح، مُحَمَّلة بالأعباء العِظام والتحديات الجِسام، وهي إذ تعاني هذه المعاناة تنظر أمامها وحولها فلا ترى إلا أبواباً موصدة؛ فأين السبيل؟ وكيف الخلاص؟ 

هذا موجز لما نتعرض له في هذا المقال.

    وعندما يكون الحديث عن هموم الأمّة؛ فإنّه لا ينحصر في عرب أو عجم، ولا ينحسر عن سَهْلٍ في أرض الإسلام أو أَكَم، ولا يخطئ أحداً من أهل القبلة إلا من أجرمَ أو ظَلَم، فكل من لم يتلبس من هذه الأمة بظلم أو إجرام أو موالاة للظالمين المجرمين؛ فهو داخل في الحديث عن هموم الأمة مشمول بالخطاب، وبما يرتب على هذا الخطاب من تبعات ومسئوليات، بل إنَّك لن تُتَّهَمَ بالغلو أو المزايدة - إلا مِنْ قِبَلِ الغلاة والمزايدين - إذا زعمت أنّ كافة الخلق الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام على وجهها الصحيح داخلون في هذا الهمّ؛ فَقُلْها إذاً ولا تَخْشَ؛ فإن زايد على الحقّ المزايدون - وإنّهم لجهال سمجون - فلا تزد على الصدع بهذه الآية: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 107).

    وعندما يكون الحديث عن رمضان فإنّ كافّة المسلمين يعلمون علم اليقين كم هو شهر عظيم في قدره وفضله، في قدره ومنزلته وشرفه، وفي فضله وخيره وآثاره، ولا يذهب عن حسّهم ووجدانهم أنّه الشهر الذي شرف بأن يكون هو الظرف الزمانيّ المشتمل على أعظم حدث في تاريخ هذه الإنسانية: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة 185)، كما لا يغيب عن مشاعرهم وضمائرهم وأشوقهم وأذواقهم أنّه الشهر الذي يذوق المؤمن فيه طعم العبادة ولذة الطاعة وحلاوة المناجاة، وأنّه من بين شهور السنة اصطفاه الله ليكون محلا لعبادة الصيام وشعيرة التهجد والقيام، لكن الذي ربما ينساه الكثيرون - بما قد يقلل من استفادتهم به - أنّ رمضان للمسلمين بمثابة (محطات التموين) للسائرين، يتزودون منها في طريقهم للآخرة، وفي طريقهم لبناء حضارتهم، وفي طريق نضالهم لخير الخليقة كافّة؛ حيث إنّهم كما أخبر الرحمن: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران 110).

    أمّا الجراح فليست بخافية؛ وكيف تخفى وهي تنزف دوماً فلا تَرْقَأ، وتُنْكَأُ أبداً فلا تشفى ولا تَبْرَأ، فَمَنْ للأسرى في سجون الطغاة، قد ضاقت عليهم على كثرتها وكثرة ما فيها من زنازين؛ لدوام الدخول فيها وانعدام الخروج منها، ومن للمُهَجَّرين من بيوتهم وحياتهم إلى العراء أو الشتات؛ لا لشيء إلا لإعادة تقسيم المقسم وتمزيق الممزق، ومن لأوطان تهدمت فلم يبق فيها حجر على حجر ولا أثرٌ موصولٌ بأثر، قد خربت عواصمها ونهبت خزائنها ويبست مرابعها وتلفت مهاجعها، ومن لدين قد تداعت عليه كلاب الأرض؛ تنهش وتمزق، ثم تصول وتجول بما في أفواهها وبين أضراسها من مزع.

    فَلْنَفْرَغْ للهموم وَلْنَفْزَعْ للتحديات؛ ولْنَرْفعْ من اللبنات الصغيرة قِمَمًا شامخة، ولْنُخرجْ من النواة اليابسة نخلا يافعا باسقا، فإنّنا قادرون إن شئنا على تفجير فلق الصبح من غسق الليل، بشرط أن ندرك ما معنا من إمكانيات إدراكا صحيحا كاملا، وندرك أيضاً كيف نوظفها التوظيف الصحيح، الذي يعظم من فوائدها ويضخم من نتائجها وعوائدها، مع تَوَفُّر الهمة وصدق العزيمة وإخلاص النية؛ والسنة الكونية الماضية لا تزال تهتف بالعاملين: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (التوبة 120).

    ولنبدأ من حيث وُضِعَتْ أقدامنا دون إرادة منَّا ولا تدبير، من حيث وجدْنا أنفسنا مع سائر خلق الله على رأس منعطف حاد في مسيرة الإنسانية، ها نحن جميعاً سكانَ الكوكب الأرضي وأبناء الحضارة المعاصرة، ها نحن على اختلاف الملل والنحل وتفرُّقِ الغايات والعلل نجتمع على حقيقة واحدة، حقيقة استقرت على أرض الواقع استقرار سفينة نوح على الجوديّ، ألا وهي "إفلاس الحداثة" وعجزها عن مواجهة الطبيعة، فلقد عَرفت الحضارة المعاصرة قدرها واعترفت بعجزها أمام تحدي القدرة الإلهية، وانهارت الهياكل الفكرية التي بنيت عليها النظم المعاصرة كافة، فما عاد أحد في أي شبر من الأرض يجرؤ على الجهر بموت الإله أو حتى بانعزاله وانشغاله بنفسه بعيدا عن الكون وساكنيه، وما عاد الإنسان سيدا على الطبيعة قادرا على خطم أنفها وحطم قواها، وكأنّ أبناء الغبراء يخشون وعيد السماء: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)) (غافر 83-85).

    ومهما تباينت الرؤى واختلفت التوقعات عن شكل النظام العالميّ القادم بعد انقضاء هذه الجائحة؛ فإنّ هناك شيئاً لا يُختلَف عليه ولا يُمارَى فيه، وهو أنّ فطرة الإنسانية قد تغيرت وأن قناعات الناس قد تبدلت، وما عاد من السهل إعادة العقول النافرة من المنظومة الفكرية المعاصرة إلى الحظائر التي أجبرت على العيش فيها بكافة أساليب الإجبار، العنيف منها واللطيف، لقد انتفض الإنسان داخل كل إنسان، وأفاق ابن آدم من سكرته وراح يتلمس سبيلا غير سبيل المجرمين، وسواء أدرك المتربصون به ذلك أو لم يدركوا فلا سبيل إلى السيطرة على الثورة إذا شبّ لهيبها من الأعماق.

    وإذا كنّا نحن المسلمين نؤمن بأنّ الإسلام دين الإنسانية فإنّ فرصتنا في الخلاص وتحقيق الخير لنا ولها مواتية ومهيأة، وإذا كانوا قد حبسونا في أزماتنا وأغلقوا دوننا ألف باب وأسدلوا بيننا وبين الناس ألف ستار وحجاب؛ فإنّ الله قد فتح لنا أوسع الأبواب، باباً لا يملك أحد غلقه بقرار ولا فرمان، إنّه باب الفطرة الْمُسْتَنْفَرَة والعقل الْمُهْتاج، إنّ كل مسلم - وليس الأمر حكرا على أحد - مطالبٌ اليوم بأن يقدم الإسلام للناس فكرا وسلوكا ومنهجا وأخلاقاً، وأن يجادل عنه باللتي هي أحسن، وأن يفعل ذلك وهو واثق بأنّ التحول الحضاريّ القادم سيكون المستقبل فيه للمعذبين اليوم في الأرض، وإِنْ بعد حين.

    وها نحن على مشارف رمضان، وعلى مقربة من الخير العميم رميةً بحجر، فهل نستطيع أن نقلب النقمة إلى نعمة؟ هل نستطيع أن نحول سلبية غلق المساجد إلى إيجابية واقعية وليست خيالية؟ وأن نستلهمَ من سلوكنا هذا درسا كبيراً في صناعة التحول الحضاريّ، وأن نكتسب بهذا السلوك منهجاً وثّاباً قادرا على صناعة الفجر عبر تحويل النِّقَم إلى مِنَنٍ ونعم؟ لا ريب أنّنا سوف نحرم هذا العام من خير كثير، فلا تهجد ولا قنوت ولا اعتكاف ولا دعوات، إنّنا لم نألف هذه العزلة ولم نتعود هذه الفرقة، إنّها بالفعل نقمة بل وكارثة لا يدرك وقعها إلى من ذاق في سابق أيامه حلاوة العبادة في رمضام!!

     لكنّنا في غمرة العمل وسكرة العبادة كنّا نرى خرقا لا نملك له رتقاً، والآن قد آن الأوان لإعادة البناء من جديد، إنّ مُكْثَنا في البيوت - وإن كان صعبا على الكثيرين منّا - هو - وَرَبِّ الناس - خيرٌ ونفعٌ ومصلحة؛ إذْ لَطَالَمَا رأينا في أولادنا وأهلينا الحاجة إلينا؛ دون أن يكون عندنا سعة في الوقت والجهد لتلبية حاجاتهم، وهذه الحاجات ليست من نوع الحاجات التي يمكن أن توكل إلى غير الأبوين أو يفوض غيرهما بعبئها ومسئوليتها، وإنّنا والله لفي حاجة إلى إعادة بناء الأسر من جديد، وإنّها بلا ريب فرصة عظيمة؛ فلنتهجد مع الأهل والأولاد والأسرة والعائلة، ولنجتهد في غرس معاني التقوى والخشية والإنابة والخشوع والإخبات في الجيل القادم، ولتكن دارُ كل واحد منّا دارَ الأرقم لأهله وعائلته.

    لا أقول إنّ إعادة بناء الأسر انطلاقا من القيام والتهجد في البيوت هي الحل لما نحن فيه من أزمات، ولا يقول بذلك أحد، وهي وإن كانت جزءا من الحل فليس المقصود بها الأثر المجاور فقط، وإنّما المقصود الأثر الأكثر تعديا وسرياناً، وهو الأثر النفسي والمنهجيّ، الذي نوجزه في هذا السؤال: كيف نُحِيل النقم إلى نعم؟ وكيف نفجر الصبح من غسق الليل؟ وكيف نُخْرِج من النواة اليابسة نخلة باسقة؟ ونَبْني بضم حصاة إلى حصاة درجة في سُلّم الصعود؟

    إنّ رمضان شهر لا يُوقِف أثرَه ولا يُعِيق مدَّه شيء، إلا عند من لا يتهيأ له، إنّه حالة كونية قبل أن يكون حالة شرعية؛ ألا ترى أنّ الله تعالى جعل فيه ليلة أفضل وأخير من ألف شهر؟! ألا ترى أنّ الملائكة تتنزل فيها بالتدبير من لدن اللطيف الخبير؟! ألم تعلم أنّ الشياطين في رمضان تصفد؟ وسواء كان ذلك حقيقة أو مجازاً، وأيّا كان المعنى الذي يحلو لك أن تحمل عليه خبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّ الذي لا خلاف عليه هو أنّ رمضان له خصوصية روحانية، يزيد من روعتها تفتح أبواب الجنان وانزواء شؤم النيران.

    فلننطلق - إذاً - ولنتخذ من رمضان زاداً لنا على الطريق، ولنحرص على الفرصة السانحة، فرصة الدعاء واللجأ إلى رب الأرض والسماء؛ فإنّ آيات الصيام عرجت على الدعاء وقطعت السياق للإشعار بإهميته: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة 186)، ولنتعلم من رسول الله ومن أدعية القرآن كيف تدخل على الله وكيف نحسن التضرع إليه والتوكل عليه.

    إنّ معنا ما لو تعلم قيمته الأمم لجالدتنا عليه بما تملك من سلاح، إنّنا أصحاب منهج ربانيّ تنتظره البشرية كلها على لهفة وشوق، وإنّ هذا المنهج لهو الموافق للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلنكن أهلا لحمله علما وعملا وسلوكا وخلقا، وإذا كانت المساجد قد غُلِّقت مؤقتاً فلتكن بيوتنا: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس 87).

   فَلْنَسْتَبْشِر وَلْنَنْشُر البشرى في حواضرنا وبوادينا؛ وَلْنُيَسِّرْ على الناس أمر دينهم وأمر دنياهم، كما قال رسول الله: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا).    

ماذا تريد أمريكا من سوريا؟

 ماذا تريد أمريكا من سوريا؟

 . حسن الرشيدي



ما هو موقع سوريا من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؟ ولماذا تطلق واشنطن يد إسرائيل في الجنوب السوري؟ وما الدور الذي تريده الولايات المتحدة بالتحديد من سوريا حتى تقبل بها جزءا من المنظومة الإقليمية

"نحن نحب المسار الحالي، ويجب أن نحافظ 

عليه."

هذا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو منذ عدة أيام وتحديدا في 15 فبراير خلال زيارته لبراتيسلافا في سلوفاكيا، عقب اجتماعه التاريخي الذي عقده في ميونخ مع كل من وزير الخارجية السوري وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ووصف روبيو الاجتماع الثلاثي بالتاريخي، وأكد أن اجتماعه المشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وقائد قسد مظلوم عبدي في ميونخ كان خطوة غير مسبوقة.

وأسهب روبيو في شرح فلسفة الإدارة الحالية (إدارة ترامب) في التعامل مع سوريا بعد سقوط النظام السابق، مشيرا إلى أن واشنطن كان أمامها خياران:

الخيار الأول: ترك البلاد تتفكك إلى 18 قطعة، مما يؤدي لحرب أهلية طويلة، وهجرة جماعية، وتحول سوريا لملعب للإرهاب وإعادة نفوذ إيران.

الخيار الثاني: محاولة العمل مع السلطات الانتقالية والرئيس أحمد الشرع وفريقه.

وأكد روبيو: لقد اخترنا الخيار الثاني لأنه الخيار المنطقي الوحيد.

وكشف وزير الخارجية الأمريكي عن أنالرئيس ترامب تواصل شخصيا مرتين مع الرئيس السوري أحمد الشرع لطلب وقف القتال، وذلك لتسهيل نقل آلاف معتقلي تنظيم داعش إلى العراق، ومنح وقت إضافي لإتمام عملية دمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة السورية.

وأعرب روبيو عن رضاه عن المسار العام للأحداث في سوريا رغم التحديات، لكنه شدد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقات.

وأكد أن الاتفاق مع الأكراد ليس النهاية، بل يجب الوصول لاتفاقات مشابهة مع الدروز والبدويين والعلويين لضمان تمثيل كافة مكونات المجتمع السوري وتأمين حقوقهم.

وقد أوردت تلك التصريحات بطولها، لأنها كانت تعبيرًا عن المواقف الأمريكية الأخيرة، والمنقولة عن أعلى قيادة سياسية في امريكا بعد الرئيس الأمريكي، والذي أوضح فيها جانبا من التعامل والاهتمام الأمريكي بسوريا بعد بشار.

وبناءً على تلك التصريحات وتحركات إدارة ترامب، يمكننا تحليل السياسة الأمريكية تجاه سوريا الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

الواقعية في علم السياسة

في وجهة نظرنا يعد الاقتراب الواقعي في العلاقات الدولية، يمثل العدسة الأكثر دقة لفهم عقلية ترامب-روبيو.

هذا الاقتراب يركز على المصالح الصلبة، ويبتعد عن المثالية أو نشر الديمقراطية، وغيرها من الشعارات التي طالما تغنى بها الديمقراطيون أو بعض القيادات في الحزب الجمهوري.

ولكن ما هو الاقتراب الواقعي؟

هو مدرسة فكرية، تفترض أن النظام الدولي فوضوي، ولا توجد سلطة عليا تحمي الدول، لذا فإن المحرك الوحيد لسلوك الدولة هو المصلحة الوطنية والبحث عن القوة والأمن.

ويقوم هذا الاقتراب على فلسفة فهم العالم كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون.

 

أمريكا لا تريد ديمقراطية مثالية في سوريا، بل تريد دولة وظيفية مستقرة تحمي حدود الكيان، وتمنع تمدد النفوذ الإيراني، وتكفي واشنطن شر التدخل العسكري المباشر ضد داعش.

كما يستخدم سياسات مثل الصفقات المقايضة، وتوازن القوى، والاعتراف بالأمر الواقع.

ويتعامل أصحاب الواقعية السياسية مع الدول المختلفة بمنطق لا يهم من يحكم، أو ما هي خلفيته الأيديولوجية، المهم هو: هل يستطيع تأمين مصالحنا ومنع خصومنا من التمدد؟

الواقعية في سياسة ترامب تجاه سوريا

إذا حاولنا تطبيق اقتراب الواقعية السياسية على استراتيجية ترامب تجاه سوريا منذ سقوط الأسد وحتى الآن، سنجد أن إدارة ترامب لم تعد تنظر لسوريا كملف حقوق إنسان، أو تغيير نظام، بل من خلال عدة مبادئ:

1. مبدأ الاستقرار مقابل الشرعية

فقد تخلت أمريكا عن قانون قيصر، والعقوبات، ولكن بشكل مؤقت ومرن، مقابل التزامات أمنية من أحمد الشرع. الواقعية هنا تقول: سوف نمنحك الاعتراف وعدم وضع فيتو على مشاريع الاستثمار لإعادة الإعمار، مقابل أن تنهي نفوذ إيران، وتضمن أمن الكيان الصهيوني.

مع العلم أن الولايات المتحدة، وخصوصا في عقيدة ماركو روبيو وإدارة ترامب، لا تسعى لتدمير الدولة الإيرانية ككيان لأن ذلك سيوجد فراغا هائلا وفوضى لا يمكن التنبؤ بها في الخليج وآسيا الوسطى، بل تسعى لتحجيم إيران، وإبقائها دولة داخل حدودها.

فإدارة ترامب تسعىمن خلال علاقاتها بالنظام السوري إلى قطع الأذرع، وليس ضرب الرأس في طهران، وتجفيف الممر البري (طهران-بغداد-دمشق-بيروت).

فالتحجيم هنا يعني إنهاء الدور الوظيفي لسوريا كقاعدة إمداد لحزب الله وكساحة نفوذ للحرس الثوري.

2. تتمثل الواقعية السياسية لدى الإدارة الأمريكية أيضًا، في توازن القوى الداخلي، ومحاولة دمج قسد في النظام السوري الجديد.

وقد استعرضنا تصريح روبيو عن تاريخية اجتماع ميونخ، والذي يعكس رغبة أمريكا في ايجاد توازن داخلي.

فإدارة ترامب، لا تريد للأكراد أن يكونوا دولة مستقلة تجنبًا لصدام مع تركيا، أما كلامها على أن الحكومة السورية عليها الوصول لاتفاقات مع الأكراد، الدروز، البدو، والعلويين، فهذا مرجعه إلى ضغوط من أعضاء الكونجرس والذين يبتزهم اللوبي الصهيوني.

 ولذلك فإن امريكا تريد عنوانًا واحدًا في دمشق تتعامل معه وهو الشرع، لكنها تريده عنوانًا يرأس شراكة ولا ينفرد بالحكم، ويضمن إيجاد ثقل موازن، يحرص على بقاء النفوذ الأمريكي داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

3. أما المبدأ الثالث للواقعية الأمريكية في سوريا، فتتمثل في ملء الفراغ لمنع الخصوم من التمدد

فالتركيز الأمريكي وفق هذا المبدأ ينصب على الجغرافيا السورية ومنع تحولها إلى منطقة رمادية، فالواقعية ترى أن الطبيعة تمقت الفراغ؛ فإذا انهارت مؤسسات الدولة أو تفتتت سوريا (كما حذر روبيو من الـ 18 قطعة)، فإن إيران وأذرعها ستملأ هذا الفراغ فورا وبشكل تلقائي، أو التدخل الروسي كما حدث بعد 2011.

فالهدف هنا بناء دولة سورية قوية وموحدة مؤسساتيًا وعسكريًا، لتكون هي السد الذي يمنع التمدد الإيراني الطبيعي. أمريكا هنا لا تقايض، بل تستثمر في استقرار الدولة لمنع الخصوم من إيجاد موطئ قدم.

4. تهدف الواقعية الأمريكية أيضًا، إلى جعل الحكم السوري الجديد يتولى زمام ما تسميه مكافحة الإرهاب ومحاربة داعش، وبذلك يتم تحويل عبء الأمن من الميزانية الأمريكية إلى الحكومة السورية الجديدة.

الخلاصة: أمريكا لا تريد ديمقراطية مثالية في سوريا، بل تريد دولة وظيفية مستقرة تحمي حدود الكيان، وتمنع تمدد النفوذ الإيراني، وتكفي واشنطن شر التدخل العسكري المباشر ضد داعش.

الجرح الغائر

يبدو أن هناك جرحًا غائرًا في الواقعية الأمريكية تجاه سوريا.

فتصرفات الكيان الصهيوني تجاه الحكم السوري الجديد تنسف هذه الواقعية الأمريكية المعلنة، والتي تريد تقوية النظام الجديد وتمكينه وإعطائه الفرصة لممارسة سلطاته، فجيش الكيان الصهيوني يتوغل يوميًا في سوريا.

وقام بقصف دمشق، واحتل أجزاء جديدة من الجنوب السوري، وساند تمرد الدروز، ومنع الحكومة السورية من بسط نفوذها في السويداء، ولم تتوقف السياسة العدوانية لدولة الكيان الصهيوني تجاه الحكم الجديد في سوريا، حتى بعد تحسن العلاقات بين ترامب والشرع.

وتفسير ذلك: إما ترامب لا يستطيع إجبار نتانياهو على وقف تربصه بسوريا، أو أنه يؤيد الاعتداءات الإسرائيلية لغرض ما.

وبما أن ترامب استطاع إرغام نتانياهو على إيقاف حرب غزة، فترامب لا تنقصه القدرة على الضغط على الكيان.

يبقى أن هناك غرضًا أمريكيًا في إبقاء الضغط الصهيوني على النظام السوري.

والإجابة تكمن في الواقعية النفعية.

ترامب ليس عاجزًا، لكنه لا يرى مصلحة أمريكية في حماية سيادة سوريا حاليًا. بالنسبة له، كلما توغل جيش الاحتلال الصهيوني، زادت حاجة الشرع للوساطة الأمريكية، مما يرفع من قيمة الصفقة التي تريدها واشنطن، وإرغام حكومة دمشق على الدخول في اتفاقات إبراهيم، أو اتفاق أمني شامل يشبه اتفاق 1974 ولكن بشروط 2026.

والرسالة الأمريكية في تأييدها للأعمال العدائية الصهيونية، ليست موجهة فقط للحكم الجديد فقط، بل إلى أكبر داعميه وهي تركيا.

فالموقف الأمريكي ليس موجها ضد تركيا بالمعنى العدائي، بل هو موجه لضبط إيقاعها:

فمغزى الرسالة إلى تركيا: لا تحاولوا الانفراد برسم خارطة سوريا؛ فالكيان الصهيوني وبدعم صامت منا سيبقى اليد الطولى التي تمنع أي تغيير استراتيجي لا نرضى عنه.

 

هل نستطيع أن نرى أنفسنا في مرآة رمضان؟

هل نستطيع أن نرى أنفسنا في مرآة رمضان؟

"يا أيها الذين آمنوا فُرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم"

ياسين اكتاي

في كل رمضان تنزل هذه الآية من جديد على حياتنا. لا بوصفها حكمًا فحسب، بل تذكيرًا. ولا باعتبارها نداءً إلى عبادة فقط، بل دعوةً إلى الانتماء. تمتد من خلال الزمن كخيطٍ غير مرئي يربطنا بالماضي، وبالذين سبقونا؛ بالمؤمنين الذين صاموا في الصحارى، وفي المدن، وفي قرى الجبال، وفي أفنية القصور. ومع قدوم رمضان يخرج الإنسان من تقويمه الخاص ويدخل زمنًا آخر. الساعات هي هي، لكن الزمن يغدو زمنًا مختلفًا. نعيش في المدينة نفسها، غير أننا نتنفس مناخًا آخر.

رمضان ليس مجرد شهرٍ من بين الشهور؛ إنه هوية، ورابطة، وقرابة.

الحياة تفرقنا. مهننا، ألقابنا، مواقعنا الطبقية، استقطاباتنا الأيديولوجية، أصولنا العرقية والثقافية نعيش كلٌّ منا في كونه الصغير، وسط ضجيج أجندته الخاصة. بيننا جدران غير مرئية. قد نسكن الشارع ذاته، أو المبنى نفسه، بل حتى البيت نفسه، ونظلّ غرباء بعضنا عن بعض. نعيش في البلد نفسه، لكننا نتنفس أجواءً متباينة، ونبقى متباعدين بُعد العوالم.

حين يأتي رمضان، تترقق هذه الجدران على الأقل في مستوى الوعي. يجوع الغني كما يجوع الفقير. يصمت المدير كما يصمت العامل. ينتظر ابن المدينة موعد الإفطار كما ينتظره ابن القرية. المرأة والرجل، الشاب والشيخ جميعنا نترقّب اللحظة ذاتها. نصغي إلى الأذان نفسه، نشرب الماء نفسه، ونتقاسم التمرة نفسها.

إنها تجربة مساواة فريدة. ليست مساواة سياسية، ولا قانونية؛ بل مساواة في العبودية، في الوجود، في التجلي أمام حقيقة الانتماء إلى الله، وفي التعرض لذلك التجلي على قدم المساواة.

الصوم أهدأ معركة يخوضها الإنسان مع جسده، لكنها أعمقها. الجوع والعطش أوامر بيولوجية. الجسد يقول: «كُل»، «اشرب»، «افعل ما تشاء». والصوم يقول: «قف». والقدرة على استشعار «قف» وممارسته بإرادة واعية هي الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان. إنها القدرة على مقاومة الأمر البيولوجي الصادر من الداخل ومن هنا تبدأ الإرادة.

اليوم يقوم كل شيء على السرعة واللذة. استهلك، أسرع، لحق، لا تفوّت، جرب، تذوق، أنفق لغة الإعلانات، ولغة السوق، ولغة الشاشات تردد الرسالة نفسها: «اشتهِ وامتلك فورًا». أما رمضان فيضع في يد الإنسان مكبحًا: «لا تملك، اصبر». يقول: «فكر قبل أن تأكل». «اصمت واستمع إلى ما يُقال». وهذا هو جوهر تمرين الإرادة.

وبالطبع، هناك أيضًا حقيقة تحول رمضان إلى موسم استهلاك، وتحويل الإفطار إلى صناعة مستقلة للمتعة والإنفاق، ولا نتجاهل ذلك. غير أن ثمة من يحاول الالتفاف على الصوم بتحويله إلى مناسبة استهلاكية. وكأن الامتناع عن الصيام يقتضي الامتناع عن الإفطار أيضًا! ومع ذلك، فإن هذا الحضور، ولو جاء في صورة استهلاك، يرسخ مناخ رمضان في المجال العام، ويجعل أثره محسوسًا حتى لدى من لا يلتفت إليه.


رمضان ليس عبادة فردية فحسب، بل هو مقاومة اجتماعية أيضًا.

على امتداد العصر الحديث، ولا سيما في بعض البلدان، بُذلت جهود كبيرة لإزاحة الحياة الدينية من المجال العام، وحصر الدين في الفضاء الخاص، واختزال العبادة في الضمير الفردي. غير أن رمضان لا يختبئ. يظهر في الشارع، ويُحس به في السوق، ويُتداول في الحي. ازدحام الأفران قبيل الإفطار، حلقات تلاوة القرآن في المساجد، طرود المساعدات، دعوات الإفطار رمضان يقول: «أنا هنا».

وليس من قبيل المصادفة أن أشد سياسات العلمنة في الحقبة الجمهورية لم تستطع أن تمس رمضان مسًا كاملًا. قد يتغير الحرف، ويتبدل الزي، ويتحول نظام التعليم؛ لكن قرار ملايين الناس، شهرًا كاملًا، أن يقاوموا قوتهم البيولوجية، وأن يقفوا في وجه أوامرها (بالصوم)، ليس أمرًا يسهل محوه. لأن رمضان ليس طقسًا فحسب، بل ذاكرة. وعيٌ يُنقل من جيل إلى جيل.

ولا نستطيع القول إننا درسنا بما يكفي هذه الشيفرات الثقافية والاجتماعية لرمضان. فكتب علم الاجتماع غالبًا ما تسرد مسار العلمنة، وتعدّد آثار الحداثة في الدين. لكن حين ننظر في مرآة رمضان، تتبدل الصورة.

فالتدين لا يُقاس بإحصاءات مواقف سياسية. الصوم، والصدقة، وموائد الإفطار، وحلقات التلاوة… كلها مؤشرات على نمط عيش.


رمضان مناخٌ كامل. وكلمة فيه قد تتحول إلى حدث. وكونه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن يعمق هذا المناخ أكثر. فالقرآن في رمضان لا يُقرأ فقط؛ بل يُستعاد سماعه. تُركن نقاشات السياق التاريخي جانبًا، وتخاطب الآية إنسان اليوم مباشرة. تتكلم «هنا والآن».


هذا الشهر فرصة لقراءة أنفسنا أيضًا

غير أن مرآة رمضان لا تعكس دائمًا صورًا مريحة. القلب الذي تُهذّبه المجاعة ينبغي أن يمتلئ رحمة. واللسان الذي يقول: «لماذا نساعد غيرنا ولدينا فقراؤنا؟» يُسيء إلى روح الصوم. والمواقف التي لا تُنفق، بل تمنع غيرها من الإنفاق، تناقض نداء الرحمة في رمضان.


وثمة مسألة الحنين إلى الماضي. سؤال «أين رمضانات زمان؟» يُطرح كل عام من جديد. لعل كل جيل يشتاق إلى رمضان طفولته. لكن تجميل الماضي مع تجاهل الحاضر نوع من قلة الشكر. فلكل عصر إمكاناته وجمالياته. معارض الكتب في ساحات المساجد اليوم، حملات المساعدة التي ينظّمها الشباب عبر وسائل التواصل، موائد الإفطار التي تُبثّ في اللحظة نفسها من أنحاء العالم… هذه أيضًا رمضانات هذا العصر.


رمضان ليس تطهيرًا فرديًا فحسب، بل وعيًا بالأمة


ما يجري في غزة، وفي القدس، وفي سائر الجغرافيات المظلومة يُستشعر في رمضان بعمق أكبر. فالتجربة الرمزية للجوع تُوقظ وعينا بالجوع الحقيقي. قد تكون موائد إفطارنا عامرة؛ لكن إن كان هناك من يفطر تحت القصف، فإن مرآة رمضان تقلقنا.


إنه شهر المواجهة، لا مع النفس وحدها، بل مع مسار العالم أيضًا


يذكّرنا رمضان بالوحدة، لكنه يكشف أيضًا غيابها. نقول إن المؤمنين إخوة، لكننا كثيرًا ما نقصّر في مقتضى هذه الأخوّة. ولعل نداء رمضان الأصيل يكمن هنا: كما نجلس إلى المائدة نفسها، ينبغي أن نكون قادرين على تقاسم المصير نفسه.


مع قدوم رمضان يبطؤ العالم قليلًا. تنفتح فجوة وسط زحمة الأيام. وفي تلك الفجوة يسمع الإنسان صوته، نبض قلبه، أنين ضميره، ارتعاش دعائه…

فلنستقبل رمضان لا كشهر في التقويم فحسب، بل كمرآة. مرآة ننظر فيها إلى أنفسنا، وإلى مجتمعنا، وإلى تاريخنا، وإلى مستقبلنا. ونحن نجوع، فلنفتح قلوبنا. ونحن نصمت، فلنطهّر كلماتنا. ونحن نوسع موائد إفطارنا، فلنوسع رحمتنا.


فرمضان يأتي ويمضي. لكن ما يبقى منه، رهن بإرادتنا.


ليكن رمضان باعثَ يقظةٍ فينا، وليكن الصوم عونًا لنا على تهذيب أنفسنا، حتى نقترب أكثر من حقيقتنا ومن ربّنا.