الأحد، 15 مارس 2026

25 رمضان 658هـ: “عين جالوت”.. المعركة التي أنقذت العالم الإسلامي

25 رمضان 658هـ: “عين جالوت”.. المعركة   التي أنقذت العالم الإسلامي
قطز وبيبرس: عبقرية النصر ومأساة الخيانة
 


في مثل هذا اليوم من رمضان، لم تكن الأرض في عين جالوت مجرد سهلٍ من سهول فلسطين، بل كانت مفترق طريقٍ للتاريخ كلّه.

هناك توقّف الزحف الذي ظنّ العالم أنه لا يُهزم، وانكسرت أسطورة المغول التي أحرقت المدن وأسقطت العروش.

في تلك اللحظة الفاصلة ارتفعت صيحة قطز «واإسلاماه»، فدوّت في ساحة المعركة كما لو كانت صرخة أمةٍ بأكملها تستردّ روحها بعد انكسار بغداد.

ومن بين غبار السيوف وهدير الطبول خرجت معركةٌ لم تُنقذ الشام ومصر فحسب، بل أعادت رسم ميزان القوة في العالم الإسلامي، وأثبتت أن التاريخ لا تصنعه الجيوش الكثيرة، بل قوة الإيمان بالله الواحد الأحد، والإرادة التي تعرف متى تقف… ومتى تقاتل.

– “عين جالوت”

تقع بين مدينة بيسان شمالًا ومدينة نابلس جنوبًا في فلسطين،

وهي معركة تاريخيه عظمى، وقعت في 25 رمضان 658، الموافق 3 سبتمبر 1260م، بين المغول بقيادة (كتبغا) وجيش المسلمين بقيادة سلطان مصر، محمود بن ممدود بن خوارزم شاه (سيف الدين قطز)..

قطز
– قطز هو اسم أطلقه المغول عليه، حين قاومهم بشراسة خلال اختطافهم وبيعهم إياه وهو صغير، ومعنى قطز باللغة المغولية: (الكلب الشرس)

– “عين جالوت”..من أهم المعارك الفاصلة في تاريخ العالم الإسلامي.

انتصر فيها المسلمون انتصارا ساحقا على المغول، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُهزم فيها المغول في معركة حاسمة منذ عهد جنكيز خان.

– أدت المعركة لانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائيا، وإيقاف المدّ المغولي المكتسح الذي أسقط الخلافة العباسية (سنة 656هـ، 1258م) كما أدت المعركة لتعزيز موقع دولة المماليك في مصر، كأقوى دولة إسلامية في ذاك الوقت لمدة قرنين من الزمان، أي إلى أن قامت الدولة العثمانية.
المعركة:

– صلى جيش المسلمين صلاة الفجر يوم الجمعة 25 رمضان 658 هـ / 3 سبتمبر 1260، ورتبوا صفوفهم بعد الصلاة واستعدوا، وما إن أشرقت الشمس حتى أتى جيش المغول لسهل (عين جالوت) من الشمال، ولم يكن في السهل أحد من المسلمين، فقد كانوا يختبؤون خلف التلال، وكانت مقدمة الجيش بقيادة وزير الدفاع: “بيبرس” لا تخفي نفسها، وكان الهدف من هذه الخطة حتى يعتقد جواسيس المغول أن هذه المقدمة هي كل الجيش، وبدأت مقدمة الجيش في النزول من أحد التلال لسهل عين جالوت، وكان هذا النزول على عدة مراحل،

– كانت أول كتيبة نزلت لمواجهة المغول تلبس ملابس ذات لون أحمر وأبيض بقيادة القائد سنقر الرومي، ثم نزلت كتيبة أخرى تلبس الملابس الصفراء بقيادة القائد بلبان الرشيدي، ثم تتابع نزول الكتائب بألوانها المختلفة، وفي هذا الأثناء كان يقف بجانب قائد المغول (كتبغا) صارم الدين أيبك، وكلما نزلت كتيبة سأل كتبغا صارم الدين: يا صارم، رنك مَن هذا؟ (رنك كلمة فارسية تعني لون، وهو يقصد كتيبة مَن هذه) وكان صارم يقول: رنك فلان أحد أمراء المماليك، وبعد أن نزلت مقدمة جيش المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس بدأت فرقة عسكرية مملوكية في الظهور على أرض المعركة، وانطلقت بقوة تدق طبولها وتنفخ أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية، وكانت الجيوش المملوكية تتلقى أوامرها في أرض المعركة بهذه الطريقة التي لا يعرفها العدو، فكانت هناك ضربات معينة للميمنة، وضربات معينة للميسرة، وضربات معينة للقلب، وكانت هناك ضربات محددة للتقدم والتأخر، وضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك استطاع قطز أن يقود المعركة ببراعة، ووقف ركن الدين بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خاليًا من خلفه.

– نظر “كتبغا” إلى مقدمة جيش المسلمين فوجد القوة الظاهرة أمامه قوة قليلة جدًا، فأراد أن يحسم المعركة لصالحه بأسرع وقت، وقرر أن يدخل بكامل جيشه وقواته لقتال مقدمة الجيش (وهذا ما خطط له العبقري قطز)،

أعطى “كتبغا” إشارة البدء لقواته بالهجوم على المقدمة التي ظن أنها كل الجيش، فتقدمت أعداد هائلة من فرسان المغول باتجاه مقدمة الجيش المسلم..

وقفَ بيبرس هو وجنوده في أماكنهم حتى اقتربت منهم جموع المغول، عندها أعطى بيبرس لجنوده إشارة بدء القتال، فانطلقوا باتجاه جيش المغول، وارتفعت سحب الغبار من المعركة، وتعالت أصوات دقات الطبول، واحتدم القتال للحظات، وثبتت مقدمة الجيش في القتال، وكانت مكوّنة من خيرة فرسان المماليك..

قرر “كتبغا” استخدام كامل قواته لقتال مقدمة الجيش بعد أن رأى منهم الثبات في القتال، دون أن يترك أي قوات للاحتياط.

– استمر القتال سجالًا على الرغم من الفجوة العددية الكبيرة بين القوتين، ثم دقت الطبول دقات معينة وهي عبارة عن أوامر من “قطز” إلى “بيبرس” بسحب المغول إلى داخل سهل عين جالوت،

– بدأ بيبرس على الفَور في تنفيذ أوامر قطز، فأظهر للمغول الانهزام وتراجع بظهره وهو يقاتل، وكان التراجع الذي نفّذه بيبرس وجنوده تراجعًا سريعًا، وذلك حتى لا تهلك مقدمة الجيش، وعندما رأى كتبغا تراجع المسلمين؛ أمر جنده بتتبعهم والقضاء عليهم، وبدأ المغول في دخول سهل “عين جالوت” للضغط على الجنود الذين انسحبوا، حتى أصبح جيش المغول بأكمله داخل سهل عين جالوت، وانسحب بيبرس بجنوده إلى الناحية الجنوبية من السهل، وارتكب “كتبغا” قائد المغول خطأً تاريخيًّا جسيمًا بعدم تركه قوات احتياطية خارج السهل لتؤمّن طريق العودة في حال الخسارة، ولتمنع التفاف جيش المسلمين حول المغول.

– في هذا الوقت نزل جيش المسلمين الرئيسي من خلف التلال إلى ساحة المعركة، وأسرعت فرقة قوية من المماليك لغلق المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، وبذلك أحاطت قوات جيش المسلمين بالمغول من كل جانب، وعندها أيقن القائد كتبغا المكيدة التي انطوت عليه من المسلمين، وبدأ صراعًا لا مجال فيه للهرب أو المناورة، وتقدَّمَ أمير من أمراء المماليك واسمه “جمال الدين آقوش الشمسي” واخترقَ صفوف المغول حتى وصل لكتبغا، وقتله.. فبدأ جيش المغول في الانهيار بعد مقتل قائدهم، وأصبحوا يقاتلون ليفتحوا لأنفسهم طريقًا في المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، ليتمكنوا من الهرب.. لكن صرخات قطز المتتالية: «واإسلاماه… واإسلاماه… واإسلاماه» زادت جيش المسلمين قوة، حتى أنهم استطاعوا إبادة جيش المغول بأكمله، ولم يبقَ على قيد الحياة من الجيش أحد.

المغول وليس التتار:

وقبل أن ترد وتقول لي إن المؤرّخ الكبير، أو الداعية العظيم، أو الكاتب الإسلامي فلان يقول: التتار غزوا العالم الإسلامي، ودمّروا بغداد، وعاثوا في الأرض فسادا، فسأقولها لك واضحة:

(كلهم استسهلوا وأخذوا بالشائع وظلموا التتار)

الذين عاثوا في الأرض فسادا، وهاجموا العالم الإسلامي، واحتلوا بغداد عاصمة الخلافة، هم المغول وليس التتار.
1- التتار


تعود أصول التَّتار القدماء لشعب القفجاق في تركيا، وكانت الغالبية منهم تعتنق الديانة البوذية، وبعد ذلك أصبحوا مسلمين على مذهب أهل السنة والجماعة، ويُذكر أن موطنهم الأصليّ قريبٌ من بحيرة بايكال.

وكان التتار شعبًا معاديًا للمغول منذ القدم، لذلك قام قائد المغول جنكيز خان بسبب خوفه منهم، وظنه بأنه لا يُؤتمن جانبهم؛ بإبادتهم، ولم يبق منهم سوى القليل من النساء والرجال والأطفال الذين نجوا بأنفسهم من تلك الإبادة.

2- المغول

قبائل صغيرة اجتمعوا عند نهر أونون، ويعود أصلهم لشمال شرق آسيا، وتم توحيد وإخضاع هذه القبائل المغولية بمن فيهم التتار في القرن الثالث عشر تحت حكم جنكيز خان، أمّا اليوم فأعدادهم أصبحت كبيرةً حتى وصلت لأكثر من خمسة عشر مليون نسمةٍ، والذين تقسموا بين منغوليا، والصين، وروسيا وأفغانستان، حيث يعيش معظم المغول اليوم في تلك البلدان.

وهناك بعض المؤرخين العرب قاموا بإطلاق تسمية التتار على المغول، ويعود ذلك لعدة أسباب:

1- انخراط واستيطان المغول في أرض الأتراك القفجاق والبيئة التترية.

2- التشابه الكبير بينهم وبين التتار في الشكل والخِلقة.

3- تشاركهم في نفس نمط الحياة والمعيشة والطقوس الدينية.
– جمهورية منغوليا (بلاد المغول):

دولة غير ساحلية في آسيا الوسطى. تحدّها روسيا شمالا، والصين جنوبا وشرقا وغربا…

العاصمة: أولان باتور

تبلغ مساحة منغوليا 1,564,116 كيلومتر مربع ( 603909 ميل مربع )، ومنغوليا هي إحدى الدول الأقل كثافة سكانية في العالم، حيث يبلغ عدد سكانها حوالي 2.9 مليون نسمة.

الديانة السائدة في منغوليا: البوذية التبتية، ومنغوليا هي أفقر دولة في العالم، وأكثر دول العالم تخلّفًا.. ومعظم سكانها بَدو رُحّل..

سبحان الله.. الدولة التي حَكَمَت العالم قرونا من الزمن، لا تجد قوت يومها الآن، وتتسوّل المعونات من روسيا والهند.
– دولة تتارستان (التتار):

إحدى الكيانات الفدرالية في روسيا، (دولة إسلامية مُحتلة، مثل الشيشان)، ولكنها من أغنى دول المنطقة، والأولى في إنتاج وتصنيع النفط في روسيا.. تقع على السفوح الغربية لجبال الأورال الفاصلة بين آسيا وأوروبا، على بُعد 800 كيلومتر، شرق موسكو، مساحتها 68000 كيلومتر مربع،

عاصمتها: قازان، وهي واحدة من أكبر المدن في روسيا وأكثرها ازدهارا.. فهي تلقب بالعاصمة الثالثة بعد موسكو وسان بطرسبرج.. ويقترب عدد سكانها من 7 ملايين نسمة من مختلف المجموعات العرقية،

– استطاع المغول في 1237م، السيطرة على دولة تتارستان، وجعلوها نقطة انطلاقهم لغزو بلدان العالم العربي، وكانوا يضعون رجال التتار دروعا بشرية في حروبهم، ولذا كان الخطأ التاريخي الظالم، والخلط بين المغول والتتار.. وفي سنة 1920م، ضمّت روسيا، تتارستان إليها، وما زالت دولة التتار المسلمة ضمن جمهوريات الاتحاد الروسي

حكاية عبقري الإسلام.. قطز:

– هو ابن أخت جلال الدين الخوارزمي، ملك الخوارزميين المشهور (دولة أوزبكستان الآن) وأبوه هو قائد جيوش المملكة الخوارزمية، الأمير ممدود الخوارزمي، ابن عم السلطان جلال الدين وزوج أخته، والذي شارك السلطان جلال الدين في حروبه ضد المغول حتى استشهد فيها وهو في الثلاثين من عمره، وترك ابنه محمود صغيرا، وتكفّل خاله السلطان جلال الدين بتربيته بعد وفاة أبيه..

– نجح السلطان جلال الدين الخوارزمي في هزيمة المغول، ولكنهم انتصروا عليه بعد ذلك، وفرَّ إلى الهند، وعند فراره إلى الهند أمسك المغول بأسرته فقتلوا بعضهم، واسترَقّوا بعضهم، وكان الصبي “محمود بن ممدود” أحد أولئك الذين استرقَّهم المغول، وأطلقوا عليه اسمًا مغوليًّا: قطز، وهي كلمة تعني: الكلب الشرس، ثم باعوه في أسواق الرقيق في دمشق، واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيّد إلى غيره، حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عز الدين أيبك ليصبح قائد جيشه.

– (أُوزبَكِسْتان) هي أعظم دولة إسلامية في التاريخ، وأكبر دولة سكانًا في وسط آسيا الآن، عاصمتها طشقند، ومن أهم مدنها سمرقند،

تضم أقاليمًا لها حُكم ذاتي، يبلغ عددها تسعة أقاليم.. منها أقاليم لها شهرة عريقة في تاريخ الإسلام: بخارى، وسمرقند، وطشقند، وخوارزم.

فقد قدَّمت هذه المناطق علماءً كبارا، ما زالوا بعلمهم وجهدهم يزيّنون التاريخ الإسلامي..

كان منهم: الإمام البخاري، والخوارزمي، والبيروني، والنسائي، والزمخشري، والترمذي، وغيرهم العديد من أعلام الفِكر الإسلإمي

– كان قطز تلميذا لشيخ الإسلام “العز بن عبد السلام”، سُنيًّا عادلا متديّنا زاهدا، يحفظ القرآن الكريم، لا علاقة له بسلوك المماليك وتصرفاتهم، فهو ابن الملوك الذي نشأ في القصور،

– وصفه الإمام الذهبي، في سِيَر أعلام النبلاء، حيث قال: “كان فارسًا شجاعًا، سائسًا، ديِّنًا، محببًا إلى الرعية”

– قال عنه الإمام ابن كثير، في البداية والنهاية: “كان شجاعًا بطلًا، كثيرَ الخير، ناصحًا للإسلام وأهلِه، وكان الناس يحبونه، ويدعون له كثيرًا”

– استطاع القائد العبقري قطز إبادة جيش المغول بأكمله في عين جالوت، ولم يبقَ على قيد الحياة من الجيش أحد.

– جيش قطز بمعركة عين جالوت، كان يتألف من المماليك الذين يمثلون القوام الرئيسي للجيش، أي ما يعادل 70%.. ثم فصائل المتطوعين المجاهدين من المصريين والعرب والأتراك، وجميع الجنسيات الموجودة في ذلك الوقت، وكان عدد المصريين تقريبًا 40 ألفًا تجمّعوا من جميع نواحى مصر، واختلف المؤرخون في عدد جيش قطز، لكنهم أجمعوا أنه كان مقاربا لتعداد جيش المغول الذي زاد عن 200.000 جنديا، والله أعلم.

(جيش المغول كان به عرب من آسيا ومنطقة الشام، كما ذكرَ المؤرخون)
بركة خان:

– يتناسى المؤرّخون العرب اسم القائد المغولي المسلم (بركة خان) حفيد ملوك المغول، وابن عم هولاكو، في أسباب انتصارات عين جالوت، فقد أسلم بركة خان، وحَسُن إسلامه، وأقسم أن يجعل راية الإسلام هي العليا على وجه الأرض، وأن يدمّر مُلك آبائه وأجداده المغول حُـبا في الله ورسوله.

استطاع بركة خان أن يشتت دولة المغول، ويأخذ نصف جيش الإمبراطورية المغولية، ويحارب أقاربه، ويرفع راية الإسلام، ولولا جهود بركة خان والحروب الداخلية التي نجح في افتعالها داخل الأراضي المغولية، وإرساله لأسرار وخبايا المغول وجيوشهم لقطز، ما سقطت إمبراطورية المغول.
الخيانة:

– تمكن سيف الدين قطز (تلميذ الشيخ العز بن عبدالسلام)، من إلحاق أول هزيمة بجيش المغول، والقضاء عليهم تماما، ولكن وزير الدفاع “بيبرس” قتل السلطان “قطز”،

– مات القائد المسلم “قطز” بسبب خيانة وزير دفاعه “بيبرس” الذي كان يطمع في عرش مصر، رغم صداقتهما، وقَسَمِ الولاء والطاعة الذي أداه بيبرس لقائده قطز، أمام شيخ الإسلام “العز بن عبد السلام” وكل أمراء المماليك وعلماء مصر.. ولكنها الخيانة التي كانت وما زالت سبب كل مصائبنا

– قطز لم يبقَ في كرسي الحكم إلا 11 شهرًا و17 يومًا فقط! لم يُكمل السنة!

سنة واحدة فقط، استطاع أن يغيّرَ فيها خريطة العالم الإسلامي، بل خريطة العالم كله.

مات قطز – كما يقول الدكتور راغب السرجاني – بعد انتصار عين جالوت ب50 يومًا فقط، وإن كانت فترة حكمه صغيرة، إلا أنه كان من أعظم رجال الأرض.

– إن قيمة الرجال وعظمتهم لا تقاس بطول العمر، ولا بكثرة المال، ولا بأبّهة السلطان.. إنما تقاس بالأعمال الخالدة التي تغيّر مِن وجه التاريخ، ومِن جغرافية العالم، وهى في ذات الوقت تثقل في ميزان الله عز وجل.

أنين الحجر قبل البشر، رسالة المسجد الأقصى إلى أمة الإسلام

أنين الحجر قبل البشر، رسالة المسجد الأقصى إلى أمة الإسلام

د. وصفي اشور أبو زيد

مع دخول شهر رمضان المبارك 1447هـ أقدم الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق المسجد الأقصى في وجوه المصلين، ومنع إقامة صلاة التراويح، وكذلك صلاة الجمعة وهذه نادرا ما حدثت في تاريخ الأقصى، وفي هذا المقال يتحدث المسجد الأقصى الشريف عن نفسه بنفسه موجهًا رسالته للأمة الإسلامية.
أنا الأقصى… فهل تسمعون صوتي؟

أنا المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث المسجدين، وثاني مسجد وُضع في الأرض لعبادة رب العالمين .. أنا الذي بارك الله حولي، وجعلني مهوى أفئدة المؤمنين، ومسرى نبيكم صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج .. أنا الذي قال الله في شأني: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. [الإسراء: 1].

كنتُ عبر القرون بيتًا لله تُرفع فيه الأصوات بالتكبير، وتتعالى فيه التلاوات، وتخفق في ساحاته قلوب العابدين والراكعين والساجدين .. كان الليل عندي صلاة، والفجر تلاوة، والضحى حلق علم، والعصر دعاء، والمغرب تسبيح، والعشاء خشوعًا وسكينة، لكنني اليوم… أقف حزينًا .. أقف أسيرًا .. وأبثُّ إليكم شكواي.
رمضان الذي أُغلق فيه بابي

حلَّ رمضانُ، شهر القرآن، شهر القيام، شهر التراويح التي طالما اهتزت لها جدراني وتضوعت بها أرجائي، لكن هذا العام جاء رمضان غريبًا عليّ.

لم تمتلئ ساحاتي بالمصلين .. لم تعلو في أركاني أصوات التراويح .. لم تمتد الصفوف من قبة الصخرة إلى المصلى القبلي كما كانت تمتد كالأمواج البيضاء.

لقد أغلقوا أبوابي .. منعوا المؤمنين من الصلاة .. حاصروني بالحواجز والجنود .. وصار الذين جاؤوا من بعيد يصلّون حولي لا فيَّ… كأنهم يطوفون بأسيرٍ لا يستطيعون فك قيوده!

أيُّ حزنٍ هذا الذي يسكن حجري؟ وأيُّ وجعٍ هذا الذي يسكن ساحاتي؟ لقد كنتُ عبر القرون قلبَ الأمة النابض… فكيف صرتُ اليوم أسيرًا في قلبها؟
أتعلمون من أنا؟

أنا المسجد الذي صلى فيه الأنبياء .. أنا الموضع الذي أمَّ فيه محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – جميع الأنبياء ليلة الإسراء .. أنا المسجد الذي قال عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى“. [رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397)].

أنا القبلة الأولى التي تَوَجَّه إليها المسلمون في صلاتهم سنين طويلة .. أنا الأرضُ التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “ائْتُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلُّوا فِيهِ“. (رواه أحمد، وحسنه جماعة من أهل العلم). أنا تاريخكم… وأنا جزء من عقيدتكم… وأنا آية من آيات ربكم، فكيف صرتُ غريبًا بينكم؟
قرون من الأسر

لست أسيرًا منذ اليوم فقط.

لقد مضت عقود طويلة وأنا تحت الاحتلال .. كل يوم تُنتهك حرمتي .. كل يوم يُدنَّس ترابي .. كل يوم يُضيَّق على المصلين في ساحاتي، وأنا أراقبكم…

أرى الملايين منكم في مشارق الأرض ومغاربها .. أرى الجموع التي تملأ الملاعب والشوارع والأسواق .. لكنني قلما أرى أمة تهبّ لأسيرها الأكبر .. لقد كنتُ عبر التاريخ عنوان كرامتكم.

حين ضعتُ بكى العلماء، وحين استعدتموني ارتفعت رايات العزة .. حين فتحني عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخلني متواضعًا، يمشي في طرقاتي خاشعًا، ويقول: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله“.

وحين حُرِّرتُ على يد صلاح الدين الأيوبي، سالت دموع الفرح في أركاني، وعاد الأذان يصدح في سمائي بعد سنين من الصمت، لكنني اليوم أنتظر صلاح الدين جديدًا.
أيها المسلمون… لماذا طال صمتي؟

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. أخاطبكم اليوم لا بالحجر بل بالقلب .. لقد طال أسري .. وطال صبر حجري .. وطال انتظاري.

كم مرةً ناديتكم؟ كم مرةً صرخت في ضمائركم؟ كم مرةً ارتفعت من ساحاتي أصوات المرابطين والمرابطات وهم يستغيثون بكم؟ لكن أصواتهم ضاعت في ضجيج الدنيا.


يا أمة الإسلام .. أيعقل أن يُحاصر ثالث مساجدكم، فلا تهتز قلوبكم؟ أيعقل أن يُمنع المصلون من التراويح في شهر رمضان، فلا يغلي في عروقكم الدم؟ إنني لا أعاتبكم لأجل نفسي فقط…
بل أعاتبكم لأجل دينكم.


أنا مرآة حالكم


اعلموا أن أسري ليس حادثة سياسية فقط .. إنه مرآة حالكم .. حين كانت قلوبكم عامرة بالإيمان كنتُ حرًّا، وحين كانت صفوفكم موحَّدة كنتُ مهابًا، لكن حين تفرقت قلوبكم…
وتنازعتم، وانشغلتم بدنياكم .. سقطت هيبتكم، وصرتُ أنا أول الضحايا.



قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. لقد ذهبت ريحكم، فجاءت أضعف عصابة عرفها التاريخ لتتسلط عليّ.
من سلَّمني؟

لم يأخذني أعداؤكم بقوتهم فقط، بل أخذوني بضعفكم .. لم ينتصروا بشجاعتهم فقط، بل انتصروا بفرقتكم .. إن التاريخ يعلم – وأنتم تعلمون – أن الأمة التي فتحت نصف العالم لا يعجزها تحرير مسجد، لكن المشكلة ليست في القدرة .. المشكلة في الإرادة.

رمضان بلا تراويح في الأقصى

تخيلوا معي هذا المشهد: رمضان يأتي، والأقصى خالٍ، لا صفوف تمتد في الساحات، لا بكاء في السحر، لا دعاء في القنوت.

بدل ذلك، جنودٌ مدججون بالسلاح، حواجز حديدية، ووجوه غريبة تجوس خلال الديار، وأنا أنظر إلى السماء وأسأل: أين أمة محمد؟

رسالة إلى قلوبكم

أيها المسلمون .. لا تظنوا أنني أطلب المستحيل .. أنا لا أطلب إلا ما يليق بأمة القرآن، أطلب أن تستيقظ قلوبكم، أن تعود إليكم روح العزة.

أن تتذكروا أنكم أمة قال الله عنها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[آل عمران: 110]. أمةٌ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أمةٌ لا تقبل أن يُدنَّس مسجدها.
فكُّ أسري يبدأ من هنا

اعلموا أن الطريق إليَّ لا يبدأ بالسلاح فقط، بل يبدأ بالقلوب، يبدأ بالإيمان، يبدأ بوحدة الأمة.

يبدأ بأن تعودوا إلى ربكم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. فانصروا دين الله ينصركم الله.
أمل لا يموت

رغم حزني، ورغم ألمي، فإنني لا أفقد الأمل، لقد رأيت عبر التاريخ أممًا تنهض بعد سقوط، ورأيت قلوبًا تستيقظ بعد غفلة، وأنا أعلم أن في أمة محمد رجالًا ونساءً لا يزالون يحملون في صدورهم نار الغيرة عليّ.

أعلم أن يوم حريتي سيأتي، وسيعود الأذان يملأ سمائي، وسيعود المصلون يملؤون ساحاتي، وسيعود رمضان إليّ كما كان .. ليالي قيام، ودموع دعاء، وصفوف سجود.
كلمتي الأخيرة

يا أمة الإسلام! أنا الأقصى، أنا أمانة في أعناقكم، أنا جزء من عقيدتكم، فلا تتركوني وحيدًا .. لا تجعلوا حجري يبكي، ولا تجعلوا تاريخكم يكتب أن المسجد الأقصى استغاث بأمته فلم تجبه.

تذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ“. (رواه الطبراني، وحسنه بعض أهل العلم).

فهل تهتمون؟ هل تستيقظون؟ هل ترفعون رؤوسكم؟ أنا الأقصى .. وما زلت أنتظر .. أنتظر أمةً تعرف قدر نفسها، وأمةً تعرف قدر مسجدها، وأمةً تعرف أن تحرير الأقصى ليس حلمًا، بل وعدٌ من الله .. وعدًا لا يتخلف.

السبت، 14 مارس 2026

لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

 

لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
    إحسان الفقيه
               

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام إلى صفوفهم في حربهم مع التغلبيين فيما عُرف بحرب البسوس، فصارت مثلًا سائرا بين العرب لمن ينأى عن إقحام نفسه في نزاع لا مصلحة له في خوضه.

وما لدول الخليج من ناقة ولا جمل في الصراع الدائر بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، وليس لها مصلحة في التخندق مع أحد الطرفين ضد الآخر، ومع ذلك تصطلي أرضها بالصواريخ الإيرانية التي تستهدفها بدعوى ضرب الأهداف الأمريكية في دول الخليج.

قبل اندلاع الحرب اتجهت دول الخليج لإعادة صياغة العلاقات مع إيران بشكل إيجابي، وإقامة علاقات هادئة مبنية على تبادل المصالح وحسن الجوار، لكن ما إن تفجر الصراع حتى بادرت إيران إلى توجيه صواريخها صوب دول الخليج التي لم تنطلق طائرة واحدة من القواعد الأمريكية الموجودة على أرضها.

وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني أعرب عن اعتذاره لدول الخليج، إلا أن الهجمات الصاروخية لا تزال تُشن إلى زمن كتابة هذه السطور.

الاستهداف الإيراني لدول الخليج على خلفية الحرب غير مبرر، فهي ليست وحدها من تضم أراضيها قواعد أمريكية، فوفقا لتقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو/تموز 2024، فإن الجيش الأمريكي يستخدم ما يزيد على 128 منشأة عسكرية في 51 دولة، وكثير منها يقع في المدى الصاروخي الإيراني، فلماذا تصر إيران على استهداف دول الخليج بشكل أساسي؟

الذي يظهر أن إيران تسعى إلى تحقيق أكثر من هدف باستهدافها دول الخليج:

الأول: هو إحداث اضطراب في أسواق الطاقة العالمية والتي تمثل دول الخليج أحد أهم روافد الطاقة التي تصل لمختلف دول العالم، وذلك بهدف دفع دول العالم للضغط على أمريكا وإسرائيل في إيقاف الحرب.

الثاني: محاولة إجبار دول الخليج على التخندق مع إيران في الصراع الدائم على طريقة «من لم يكن معنا فهو ضدنا» والتي أرساها جورج بوش الابن قبيل غزو العراق.

ثالثا: ضرب اقتصاد دول الخليج والتي تربطها علاقات إيجابية بالولايات المتحدة.

على الجانب المقابل، تسعى إسرائيل وأمريكا إلى دفع دول الخليج لتكون طرفا مباشرًا في الصراع، حتى تتحمل هذه الدول كلفة الحرب مع إيران، وتصبح حربًا إقليمية واسعة تتورط فيها دول الخليج.

يراد لدول الخليج الانخراط في حرب ضد إيران تضعف موارد البلدين، وتنشّط في الوقت ذاته سوق السلاح الغربي والذي حتما سيدفع دول الخليج إلى طرق أبوابه لتغطية متطلبات الحرب، والأهم من ذلك هدم الأسس التي شكلت النهضة الخليجية، وهي الاندماج في الاقتصاد العالمي والاستقرار الاقتصادي، ما جعلها مراكز عالمية للتجارة والمال والاستثمار.

دول الخليج حتى هذه اللحظة تدير الأزمة باقتدار، وتلتزم ضبط النفس والدفاع عن أراضيها ضد الصواريخ الإيرانية وهو حقها المشروع قطعًا، وتعزيز السبل الدبلوماسية لإنهاء الحرب، فهي تعلم يقينا أنه يراد لها الانخراط في الحرب لتكون إحدى أدوات تغيير خارطة الشرق الأوسط التي يعمل عليها نتنياهو وحلفاؤه، والتي تكون فيها الهيمنة المطلقة في المنطقة لدولة الاحتلال، تمهيدًا لترجمة حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والذي لم يعد حديثًا مقصورًا على التجمعات الدينية، بل صار الساسة يصرحون به على الرغم من أنه بمثابة إعلان حرب على الدول العربية.

ضبط النفس ليس ضعفًا، بل هو فهم لقواعد اللعبة، وصبر إستراتيجي يحفظ لدول الخليج قدرتها على التأثير في بيئتها الإقليمية، وتجنُّب الانصياع لما تفرضه أطراف أخرى من مسار الصراع.

المخاوف تزداد حول احتمال طول أمد الحرب، والذي حتما سيزيد من الضغوط على دول الخليج التي تلتزم ضبط النفس، فلا يُدرى إلى أي مدى ستصمد هذه السياسة، فنرجو ألا تصل الأمور إلى ما وصل إليه الحارث بن عباد، والذي أنشد بعد قتل التغلبيين ولده رغم اعتزال الحرب:

قَد تَجَنَّبتُ وائِلاً كَي يُفيقوا

فَأَبَت تَغلِبٌ عَلَيَّ اِعتِزالي

مقالات ذات صلة

إذا سقطت «خارك»: كيف قد ترد إيران؟!

إذا سقطت «خارك»: كيف قد ترد إيران؟!

د. خليل العناني
كاتب وباحث مصري في العلوم السياسية


– استهداف ترامب لجزيرة «خارك» الإيرانية الاستراتيجية – حيث يتم تخزين وتصدير نحو 90٪ من النفط الإيراني – يمثل تحولًا استراتيجيًا مهمًا في ديناميات الحرب، وقد يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيدية شديدة الخطورة.

– فالضربات التي نُفذت اليوم تبدو أنها استهدفت القواعد والمعسكرات الإيرانية التي تحمي الجزيرة، وهو ما قد يُفهم على أنه تمهيد لعملية إنزال برمائي محتملة للسيطرة على الجزيرة أو تحييدها.

– وتزداد هذه الفرضية قوة في ضوء التقارير التي تحدثت عن تحركات محتملة لقوات المهام الخاصة الأمريكية، ومنها عناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً (82nd Airborne Division)، وهي قوة تدخل سريع تضم لواء قتالياً قوامه ما بين 4000 و5000 جندي، وقادرة على الانتشار خلال نحو 18 ساعة لتنفيذ مهام متنوعة، مثل السيطرة على المطارات والمنشآت الحيوية، وتأمين المواقع الاستراتيجية، ودعم عمليات الإجلاء أو التدخل الطارئ.

– وفي الوقت الذي واصل فيه جنود من الفرقة تدريباتهم في ولاية لويزيانا خلال الأيام الماضية، جرى تغيير مفاجئ في خطط التدريب الخاصة بطاقم القيادة، حيث طُلب منهم البقاء في كارولاينا الشمالية بدلاً من التوجه إلى قاعدة فورت بولك في لويزيانا، ما عزز التوقعات بإمكانية استدعاء قوة “الاستجابة الفورية” التابعة للفرقة.

– كما قد تتلقى هذه القوة دعماً بحرياً من مجموعة طرابلس البرمائية الجاهزة (Tripoli Amphibious Ready Group – ARG) التابعة للبحرية الأمريكية، وهي قوة عملياتية مصممة لتنفيذ عمليات الإنزال البرمائي والجوي السريع. وتشير التقارير إلى أن هذه المجموعة تحركت بالفعل قبل أيام من موقع تمركزها في المحيط الهادئ باتجاه المنطقة، ما قد يعزز الفرضية القائلة بأن واشنطن تدرس خيار السيطرة على جزيرة خارك بهدف خنق صادرات النفط الإيرانية وإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية.

📍لكن السؤال الأهم هنا:

هل ستقبل إيران بهذا السيناريو؟

الأرجح أن طهران لن تقبل بذلك بسهولة، وقد تلجأ إلى خيارات تصعيدية تدميرية قد تشمل، على سبيل المثال:

♦ استهداف كامل لمنشآت النفط في الخليج، خصوصاً في السعودية والإمارات، لإحداث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة.

♦ تعطيل الملاحة في مضيق هرمز عبر زرع الألغام البحرية أو استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد السفن.

♦ شن حرب بحرية ضد ناقلات النفط في الخليج لرفع تكلفة التأمين والشحن العالمي وإرباك تجارة الطاقة.

♦ استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، خصوصاً في العراق وقطر والبحرين والإمارات بشكل أكبر من قب.

♦ فتح جبهات متعددة عبر الحلفاء الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والفصائل العراقية.

♦ تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على السفن التجارية.

♦ استهداف منشآت وحقول الغاز والطاقة لدى إسرائيل وقطاع الطاقة في شرق المتوسط.

♦ تنفيذ هجمات سيبرانية واسعة ضد شركات الطاقة والبنوك والبنية التحتية في الولايات المتحدة وحلفائها.

♦ استهداف السفن الحربية الأمريكية أو حاملات الطائرات في الخليج ضمن حرب بحرية مباشرة.

♦ تسريع البرنامج النووي وتقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لرفع مستوى الردع الاستراتيجي.

الخلاصة:

إذا تحولت جزيرة خارك إلى هدف مباشر في الحرب، فقد تتحول المواجهة سريعاً من حرب محدودة إلى حرب إقليمية واسعة تستهدف الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية، وهو ما قد يهز العالم بأكمله.

صواريخ إيران على جيرانها تركت جروحا لن تندمل

صواريخ إيران على جيرانها تركت جروحا لن تندمل

كاتب وصحفي تركي

الحروب هي أوقات عصيبة. في مثل هذه الظروف، يصبح اتخاذ القرارات الصائبة والقيام بالاختيارات الصحيحة أمرا صعبا. وأعلم أن هذا الأمر يكون أكثر تعقيدا تحت وطأة الموت والدمار والمعاناة.

تمر إيران اليوم بمرحلة ستحدد مستقبلها، وتتخذ قراراتها في وقت تتعرض فيه لهجمات أمريكية إسرائيلية، وفي ظل مقتل عدد من قياداتها الدينية والسياسية. في هذا السياق، يفضل أن تفكر بهدوء وأن تصغي إلى أصوات مختلفة.

استهداف الجيران سيضر بإيران على المدى الطويل

كما هو الحال في العالم العربي، تُعد الهجمات الإيرانية القضية الأولى التي تشغل الرأي العام في تركيا أيضا. بينما تم التنديد بالهجوم الذي شنته إسرائيل- التي دمرت غزة وأحرقت لبنان، وهاجمت سوريا، وقطر- على إيران بالاشتراك مع الولايات المتحدة، فإن إطلاق وابل من الصواريخ على جميع دول المنطقة نقل النقاش فجأة إلى مربع آخر.

بذلت تركيا، وقطر، وعُمان جهودا كبيرة لمنع اندلاع الحرب، وكانت السعودية تضغط على الولايات المتحدة لعدم تنفيذ الهجوم، لكن إطلاق إيران صواريخها على هذه الدول خلق تناقضات كبيرة.

عقب سقوط صاروخين في المجال الجوي للبلاد، بدأ الرأي العام في تركيا يتذكر ما قامت به إيران في سوريا، وأنشطتها الاستخباراتية داخل تركيا، ووجه انتقادات شديدة لإيران.

ربما أرادت إيران عبر إطلاق الصواريخ على دول الخليج وتهديد إمدادات النفط والطاقة أن تفرض ضغطا على الولايات المتحدة في المدى القصير، غير أنها ستتضرر من هذا القرار على المدى الطويل. لن ينسى الرأي العام في الدول الإسلامية، وكذلك صانعو السياسات وقادة الرأي، هذه الردود الانتقامية الإيرانية.

من المرجح أن تجعل دولا كثيرة في المنطقة تعيد بناء إستراتيجيتها الأمنية بعد هذا الاستهداف الخطير.


غضب تركي

رغم أن الرئيس التركي ووزيري الخارجية والدفاع أكدوا أن هذه الحرب اندلعت بتحريض إسرائيلي ولا تستند إلى أساس قانوني، فإن إطلاق الصواريخ الإيرانية أثار غضبا شديدا في تركيا.

كان ينبغي لإيران، وهي في حالة عزلة، أن تسعى إلى كسب المزيد من التأييد، لكنها عمقت عزلتها عبر استهداف جيرانها مثل أذربيجان، وتركيا، والعراق.

أبدى الرئيس التركي ووزيرا الخارجية والدفاع ورؤساء أجهزة الاستخبارات، في اجتماعات مغلقة، ردود فعل غاضبة تجاه إيران. وقد أكدوا أن الهجمات الانتقامية التي استهدفت دول الجوار، وفي مقدمتها أذربيجان، من شأنها أن تقلب موازين القوى في المنطقة، وطالبوا بوقفها.

غير أن إيران لم تعترف بإطلاق الصواريخ التي استهدفت تركيا وأذربيجان، لكنها أطلقت صاروخا آخر تجاه تركيا.

عقب هذه الهجمات، أجرت الأجهزة الأمنية التركية مشاورات مع حلف شمال الأطلسي، وتم نشر المزيد من أنظمة الدفاع الجوي التابعة للحلف، إلى جانب تعزيز منظومات الدفاع الجوي المحلية.

ورغم وجود دعوات للقيام برد محدود في حال وقوع هجمات إيرانية جديدة، فإن الرأي الغالب داخل مؤسسات الدولة يميل في هذه المرحلة إلى الرد عبر المسار الدبلوماسي. ومع توقع حصول المزيد من الاستفزازات، فإن الموقف الذي ستتخذه تركيا يعتمد إلى حد كبير على سلوك إيران في المرحلة المقبلة.

كيف تخطط إيران لمستقبلها مع دول المنطقة؟

صحيح أن إيران تتعرض لأشد الهجمات في تاريخها، في ظل إدانات عالمية واسعة لهذا الهجوم غير القانوني، وهي ترد باستخدام كل الوسائل المتاحة رغبة في البقاء، لكن عليها أن تُفكر في العواقب.

بعد انتهاء هذه الحرب سيكون على إيران أن تتعايش مع جيرانها الذين تشترك معهم في أطول الحدود، أي تركيا، والعراق، وأذربيجان.

كما ستواصل تقاسم المياه والمجال الجوي مع دول الخليج، وسوف تحتاج إلى القيام بمبادلات تجارية مع هذه الدول.

كيف يمكن لإيران أن تبني علاقة ثقة مع الدول التي أطلقت عليها صواريخها؟ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل بالترويج لفكرة أن إيران "قد تضربكم في أي لحظة"، لتدفع دول المنطقة إلى مزيد من التسلح، ومنح المزيد من القواعد العسكرية.

سوف تنتهي هذه الحرب، وتنسحب الولايات المتحدة، وتستمر دول هذه المنطقة في العيش جنبا إلى جنب. لا ينبغي لإيران، التي تعتقد أنها حققت مكسبا على المدى القصير، أن تُعرض علاقاتها مع دول المنطقة للخطر على المدى البعيد.

ينبغي لها من الآن فصاعدا أن تتوقف عن شن هجمات انتقامية جديدة ضد أراضي الدول الأخرى.

وقت المحاسبة
نحن نعيش جميعا تبعات فوضى النظام العالمي، وأخشى أن يشهد العالم أياما أسوأ. فقد بدأ صدى ذلك التداعي في العديد من دول المنطقة بالتنبيه إلى تلك المخاطر المحدقة ووجوب الاستعداد لها، وحتى في تركيا، يؤكد الخبراء العسكريون والسياسيون أننا بحاجة إلى محاسبة أنفسنا.

ما لم نتمكن من إنتاج أنظمة دفاع وقوة جوية بشكل مستقل، فلن نكون في مأمن. عدوانية إسرائيل تجعل هذا الأمر ضروريا.

وللأسف، بدأنا الآن ندرك أن إيران قد تطلق هي الأخرى صواريخها باتجاهنا.

كشفت هذه الحرب مرة أخرى أنه من الضروري أن تنشئ دول المنطقة بنية أمنية مشتركة. يجب أن ننجز ذلك بحكمة وحزم وكفاءة.
من دون ذلك سيكون من الصعب جدا أن نصمد.


الأحلام الصهيو ـ أمريكية الزلوطية

 الأحلام الصهيو ـ أمريكية الزلوطية

جعفر عباس

ستنتهي هذه الحرب يوما ما، ليس بالبعيد جدا، دون أن ينجح التحالف الصهيو ـ أمريكي في تغيير النظام الحاكم في ايران، أو احتلال شبر من أراضي إيران

زلوط هو أحد الديوك المشهورة في الثقافة الشعبية السُّودانية، وكان هزيل البنية، وكلما حاول مغازلة دجاجة حسناء، هجمت عليه الديوك القوية ونتفت ريشه، فصار "مزلوطا" أي قليل الريش، وذات مساء نام زلوط على حبل مشدود، فوق سرير كانت تنام فيه صاحبته أم الحسن، ورأى في المنام أنه صار وسيماً، وتزوج بدجاجة جميلة، تمشي الهوينى أمامه هي وصغارها، ثم رأى في ذات الحلم نسراً كبيراً، يهم باختطاف كتكوت، فما كان منه إلا أن قفز عليه مدافعا عن مملكته، فوقع من الحبل على رأس أم الحسن، التي استيقظت فزعة، وضربته ونتفت ما تبقى له من ريش، فصار زلوط مثلا لمن يحول رغباته إلى أحلام غير قابلة للتحقيق.

يقف نفر ليس بالقليل من المسلمين والعرب، موقف المتعاطف مع ايران، وهي تواجه اعتداء غاشما من التحالف الصهيو ـ أمريكي، وهناك أيضا شرائح من العرب والمسلمين يطربها دوي الانفجارات هنا وهناك في إيران، ولكن وبصفة عامة، يمكن القول إن معظم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يجدون صعوبة في التعاطف مع أي من أطراف الحرب الثلاثة، ورغم أن هناك شبه إجماع بين شعوب العالم، على أن رئيس حكومة إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو، سفاح يقود دولة بنت سفاح، وأن شريكه في الحرب الحالية على إيران، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثور يعاني من عمى الألوان السياسي، وينطح الأقارب والأباعد، مهشما الخزف في كل القارات، وأن هذا الثنائي بسجلهما الإجرامي، هما من أشعلا النيران المدمرة حاليا في الشرق الأوسط، بذرائع كاذبة، إلا أن إيران وبرغم أنها الضحية والمجني عليها، ذات سجل حافل بصنع العداوات، وقد نشرت لي "عربي21" في 19/11/2023، مقالا بعنوان "ملالي إيران وصناعة الأعداء حد الإتقان".

إن معظم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يجدون صعوبة في التعاطف مع أي من أطراف الحرب الثلاثة، ورغم أن هناك شبه إجماع بين شعوب العالم، على أن رئيس حكومة إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو، سفاح يقود دولة بنت سفاح، وأن شريكه في الحرب الحالية على إيران، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثور يعاني من عمى الألوان السياسي، وينطح الأقارب والأباعد، مهشما الخزف في كل القارات، وأن هذا الثنائي بسجلهما الإجرامي، هما من أشعلا النيران المدمرة حاليا في الشرق الأوسط، بذرائع كاذبة، إلا أن إيران وبرغم أنها الضحية والمجني عليها، ذات سجل حافل بصنع العداوات

قلت في ذلك المقال فيما قلت: "ولأن الكلام ببلاش، فقد ظل ملالي إيران يقولون ما لا يفعلون، وما لا قدرة لهم على تنزيله إلى أرض الواقع، ويوزعون التهديدات بسخاء في كل الاتجاهات، حتى لم يعد لبلادهم حبيب في المجتمع الدولي، فلأن ثورة عام 1979 الإيرانية بهرت العالم ونالت الاستحسان والإعجاب الجماهيري في الدول المسلمة، وأرعبت العديد من الطواويس في الشرق الأوسط، فقد حسب الملالي أن الثورة بصيغتها الإيرانية سلعة قابلة للترويج والتصدير والنجاح، فتصبح طهران مركز الكون، وأم قرى العالم الإسلامي، فيحج إليها المسلمون أفواجا ضاربين أكباد البوينغ والإيرباص". وبعد أن خلخلوا الأوضاع عبر جماعات تولوا كفالتها في لبنان واليمن والعراق وسوريا، ها هم اليوم وفي سياق الحرب الحالية يرتكبون خطأ استراتيجيا بقصف دول الخليج العربية على الشط الغربي من الخليج.

وبعيدا عن الاعتبارات السياسية والدينية فإن الموقف الأخلاقي السليم من العدوان الصهيو ـ أمريكي الحالي على إيران، هو مناصرة المظلوم الذي هو إيران، ولو باللسان، مقرونا بإدراك أن الجناة (أمريكا وإسرائيل) لا يكنون كثير وُد لعموم دول المنطقة، وبأن الحرب على إيران تحولت إلى حرب إقليمية تنذر بخطر ساحق وماحق على الشرق الأوسط برمته، فالعصابة الحاكمة في إسرائيل ترى أنها مكلفة بتحقيق الوعد الإلهي، الذي يجعل دولتهم تمتد إلى ما وراء دجلة والفرات، بينما طاف مبشرون من غلاة المسيحيين على وحدات الجيش الأمريكي قائلين إن الحرب على إيران وعد من السماء، في سياق أرماغيدون، التي هي المعركة النهائية والحاسمة بين قوى الخير والشر في نهاية الزمان، والتي ستمهد للعودة الثانية للمسيح.

كان الهدف المعلن لحرب التحالف الصهيو ـ أمريكي على إيران في حزيران/ يونيو من العام الماضي، هو تدمير المنشآت النووية الإيرانية، ثم أعلن ترامب ان تلك المهمة تمت بنجاح تام، أما في الحرب التي بدأت في 28 شباط /فبراير المنصرم، فقد رفع الحليفان سقف مطالبهما، وقالا إن الحرب ستستمر حتى الاستسلام الإيراني غير المشروط، وإسقاط الحكم القائم في طهران، وفتح شهيتهما أن الموجة الهجومية الأولى صرعت مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، ومعه العشرات من رجال الصفين الأول والثاني في النظام الإيراني، وكما قرر تنصيب نفسه رئيسا لفنزويلا بعد أن اختطف رئيسها، فقد أعلن ترامب أنه من سيختار المرشد الجديد في إيران، وأنه قد يرسل قوات مشاة ومدرعات إلى إيران لإسقاط النظام، وذلك بعد أن أدرك ان التعويل على أكراد إيران المعسكرين في شمال العراق للقيام بتلك المهمة، سينتهي بفضيحة عسكرية.

رغم أن شرائح كبيرة من الشعب الإيراني ترفض حكم الملالي، إلا أن الشعوب تقف متحدة وراء السلطة الحاكمة أمام العدو الخارجي، وإيران ليست دولة رسمت حدودها قوى استعمارية كما هو حال الكثير من دول العالم، ولم تخضع قط لاستعمار مباشر، بل هي امتداد لإمبراطورية ضخمة، ولها تاريخ يمتد الى خمسة آلاف سنة، وشعب يتكئ على مثل هذا الإرث، لا يمكن أن ينحني أمام عدو قام سلفا بتحطيم كافة المرافق المدنية والخدمية ويطمح في ثروته النفطية، استنادا الى حسابات غبية بأن ايران وفنزويلا سيان.

قال نتنياهو إنه ظل يحلم طوال 40 سنة باليوم الذي يتم فيه تدمير إيران، أي أن ذلك الحلم كان في زمان لم تكن فيه إيران قادرة حتى تشطير نواة التمر، ثم كان من حسن حظه أن وصل ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن، وتحالف معه لتحقيق ذلك الحلم، متجاهلا نصائح هيئة أركان قواته المسلحة، وقد اتفق عدد من المحللين العسكريين والسياسيين ذوي الوزن والدراية، على أن نتنياهو جر ترامب من أُذنه إلى الحرب الأخيرة بابتزازه بملفات ابستين، القواد الذي كان متخصصا في غواية أهل الحكم والمال لإقامة علاقات فراش مع فتيات قاصرات.

ومن المعلوم لدى الكافة أن غزوات ونزوات ترامب في أوكار ابستين للرذيلة، مذكورة بالتفصيل بالكلمة والصور الحية في تلك الملفات، ومعلوم أيضا أن ابستين ظل يحتفظ بكل كبيرة وصغيرة عن ممارسات عملائه الكبار والصغار في سجلات الكترونية ضخمة، وأنه كان يبيع قسما من أسرار تلك الممارسات لجهاز الموساد الإسرائيلي، فكان أن نجح نتنياهو في لي ذراع ترامب: إما أن تشاركنا في الحرب على ايران، أو لن أضمن سكوت الموساد على ما يخصك من ملفات ابستين. وقد أثبتت الوقائع خلال الشهور القليلة الماضية ان ترامب سيظل يخوض المغامرة تلو الأخرى للتعتيم على ملفات ابستين، وقد أعلن سلفا أن الحرب التالية ستكون على كوبا.

على كل حال ستنتهي هذه الحرب يوما ما، ليس بالبعيد جدا، دون أن ينجح التحالف الصهيو ـ أمريكي في تغيير النظام الحاكم في ايران، أو احتلال شبر من أراضي إيران. فرغم أن شرائح كبيرة من الشعب الإيراني ترفض حكم الملالي، إلا أن الشعوب تقف متحدة وراء السلطة الحاكمة أمام العدو الخارجي، وإيران ليست دولة رسمت حدودها قوى استعمارية كما هو حال الكثير من دول العالم، ولم تخضع قط لاستعمار مباشر، بل هي امتداد لإمبراطورية ضخمة، ولها تاريخ يمتد الى خمسة آلاف سنة، وشعب يتكئ على مثل هذا الإرث، لا يمكن أن ينحني أمام عدو قام سلفا بتحطيم كافة المرافق المدنية والخدمية ويطمح في ثروته النفطية، استنادا الى حسابات غبية بأن ايران وفنزويلا سيان.

وهكذا فمن المؤكد أن حلم نتنياهو وترامب بتقرير مصير إيران سيصبح نموذجا كلاسيكيا لأحلام زلوط.

مصر.. وإعادة التدوير

 مصر.. وإعادة التدوير

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما فيموكلية الإعلام بجامعة مرمرة,

في العصور المُظلمة من حياة الشعوب، حين يتولى أمورها من تلفظه حلوق أهلها، وتتقيّؤه رمالها وبحارها، يشي كلّ شيء في المكان بأنّ ثمّة غريباً يعبث هنا. فالدخيل يبين من أثر وجوده، لا يفهم المكان، فيحوّله إلى مسخ، ولا ينتمي إليه فيعامله بجهالة. كلّ شيء من تحت يديه يدعو إلى النفور؛ فالعاصمة لا تليق أن تكون عاصمةً لهذا المكان، عساها تكون ملائمة جدّاً، ولكن ربّما في جزيرة أخرى، في قارة نائية، أو في مسلسل فانتازي، أو في رواية رديئة متردية على أسفل الأرصفة وأزفت نواصي الطرق، والعمران لا يشبه السكان، لأنه انعكاس لرؤية طالبٍ متبلّد كان يحلم بدخول هندسة العمارة، وفشل في ذلك، فآلت به الأمور إلى سجن كلّ المهندسين، والانفراد بالقلم، والمسطرة، وبرنامج "الأوتوكاد".

مع الوقت، تترسّخ بصمة القبح أكثر. ومع تلاشي آخر ما تبقى للناس من جمال، يودّعون بكلّ أسى ما كانوا يعرفونه في بلادهم، الشجر والحجر والبشر. وها هي القباحات الجديدة تعود، شوارع بلا شجر، ونيل بلا كورنيش، وميادين بلا فراغات، كتل أسمنتية تعبّئ الفضاء العام، وسجون بيضاء تتوسّط الصحراوات المتباعدة، كأنّك غططت في أقذر كابوس رأيته في حياتك، لسببين: تارةً لأنّ كلّ تفاصيله مزعجة وصاعقة، والسبب الثاني أنّه لم يكن كابوساً، وإنما واقعاً متلبساً بهيئة حلم مزعج. أبقيت عينيك مفتوحتين ثلاث عشرة سنة ولم ينقضِ الكابوس ولم تعد للنوم من جديد. 

في لحظةٍ ما، يكون القبح قد وصل إلى أعمق قيعانه، وحينها تحدث نقطة ارتداد إلى الأعلى قليلًا، فالذي قطع الأشجار سيزرع غيرها في مكان آخر، وحين أغلق الكورنيش فعساه يفتتح حديقة عامة "صورية"، والذي غلّق المساحات ربما كان يفكّر بمساحة أكبر، لكن أحيانًا تتعطّل المعادلة، بفعل فاعل، وتكون الخيارات أضيق من منخاريه، إثر إدمانه القبح لدرجة إعادة تدويره، فلا يكتفي ذلك العياث في الأرض فسادًا بأن يقطع الشجر العتيق، بل سيضع مكانه شجرًا بلاستيكيًّا، ولن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين، ولا يكتفي بأن يهدم الآثار العتيقة، والمقابر التاريخية، بل سيريد أن يقتلع الترام من قضبانه ويبيعه خردة، بصدأ 150 عاماً تكوّن بفعل الزمان والإنسان عليه.

لن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين

ثم إنه لن يكتفي بالاختيار 1 و2 و3 و9، ولن يكتفي بالممرّ وكلّ حماقات محاربة "الأشرار"، بل سيدعو إلى "رأس الأفعى"، وما قبلها وبعدها، حيث لا يجب أن ينسى الناس قبح الزمن الذي يعيشون فيه، نحو مزيد من الإفلاس الأخلاقي والقيمي والدرامي والفني والإنساني والاقتصادي والسياسي، قبحٌ من فوقه قبحٌ، في المشاهد، والأفكار، والنقلات، والحبكة، كأنّ أحدهم قرّر أنه يجيد فعل كلّ شيء، فيلسوف الحكمة، وشاهين السينما، وعكاشة الدراما، كأنّما يكتب كلّ شيء، ويجيد كلّ فن، ويهب نفسه أهلاً لكلّ عيب، حيث "إن خرج العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب".

مصر، التي أبدعها الله آية في الجمال، وجمالًا لكلّ آية، أينما وجّهت عينك لا تأتي إلا بخير، بضحكة، بدفء، بيُسر، بجلال، لم تعد تجد في آفاقها إلا ياسر جلال، ورامز جلال، وبرنامج المقالب الأسوأ في حياتنا جميعاً، المستمر منذ 13 سنة، ولم يستأذن أحداً قبل أن يقول "ذِيع"، ومنذ ذلك الوقت ونحن نصرخ، افتح بنموت، وهو يضحك، ويتقافز في وجوهنا، كرامز، أخيه.