"الذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين"
في كتابه "الإسلام المفترى عليه" يقول الشّيخ محمّد الغزالي رحمه الله تعالى:
"إنّ كلّ دعوة تحبّب الفقر إلى النّاس أو تُرَضِّيهم بالدّون أو تقنعهم بالهوان في الحياة أو تصبّرهم على قبول البخس والرّضا بالدنيّة؛ فهي دعوةٌ فاجرة يراد بها التّمكين للظّلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فردٍ أو أفراد وهي قبل ذلك كذب على الإسلام وافتراء على الله. وأيّ تجاهلٍ لأحوال الأمم المحرومة من العدالة الاجتماعيّة، أو تهوينٌ لآثار الضّيم النّازل بها، أو تسكينٌ للثّوائر المهتاجة فيها؛ فهو دليلٌ على أحد أمرين: خبالٌ في العقل، أو نفاقٌ في القلب؛ وكلا الأمرين له منزلته الحقيرة من دين الله تعالى، ومن دنيا النّاس فلا يُلتَفَت إليه".
إنّ هذه الكلمات البديعة تضع قاعدة حاكمة، وهي أنّ الزهد مقامٌ تربويّ جليل حين يقيم الإنسان على القناعة والإتقان والحرية من عبودية المتاع، ويُثمر في صاحبه شجاعة في طلب الحق وصلابة في مواجهة الفساد ونزاهة في الكسب وحسّا بالمسؤولية تجاه المظلومين، أمّا تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان.
وكذلك تجد بعض الدّعاة يستشهد بقصة مروية عن عمر رضي الله عنه وهي: "جاء الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: غلا اللّحم فسعّره لنا؛ فقال: أرخصوه أنتم فقالوا: نحن نشتكي غلاء السّعر واللّحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم؟ فقال: اتركوه لهم".
وهذه القصّة مكذوبةٌ على أمير المؤمنين عمر، فلم يرد في أيّ كتابٍ من كتب التّاريخ أنّها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وقد ورد قريب منها في تاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنّهاية لابن كثير منسوبا إلى إبراهيم بن أدهم إذ قيل له: إن اللّحم قد غلا فقال: أرخصوه؛ أي لا تشتروه.
ومن يعرف سياسة عمر رضي الله عنه يعلم جيّدا أنّه حين ترتفع الأسعار الفاحشة فإنّه لا يمكن أن يترك الحبل على غاربه لجشع الجشعين دون من محاسبة من يكون سببا في كارثة اقتصاديّةٍ، وكذلك حين تكون الجائحة الاقتصاديّة كبيرة فإنّ أمير المؤمنين عمر يكون أوّل من يجوع وآخر من يشبع، ويعاني وهو في سدّة الحكم قبل أن يعاني أشدّ النّاس فقرا في رعيته. فلا تكذبوا على عمر رضي الله عنه كي تبرّروا هذا الخراب الذي يفتك بهذا الشّعب المسكين؛ فقد أخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن سعد في الطبقات الكبرى والبيهقي في السنن عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "أصاب النّاس سنة غلا فيها السّمن وكان عمر يأكل الزّيت فيقرقر بطنه فيقول: قرقر ما شئت فوالله لا تأكل السّمن حتى يأكله الناس".
وهذا الأثر يقدّم مفتاحا في فقه الحكم قبل أن يقدّم لنا حكاية زهد، إذ يضع العدالة في مركز السياسة، ويجعل "المعاش" عنوان أمانةٍ لا تفصيلا إداريا عابرا؛ فالحاكم هنا يجعل نفسه أولَ من يلتزم بضبط الاستهلاك وآخرَ من يمدّ يده إلى الرفاه، فتتحوّل القدوة من شعارٍ يقال إلى ميزانٍ يضبط سلوك السلطة. وفي هذا المعنى تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها.
وبعض الدّعاة يستشهد بما يروى عن أحد السّلف حين شكا له الناس غلاء الأسعار فقال: أرخصوها بالاستغفار، وهذا الأثر لو صحّ فهو يعني مطالبة النّاس بالتوبة ومن شروط التّوبة الإقلاع عن الذّنب، والذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين، وهذا الاستغفار يقتضي ضمنا توجيه المسؤوليّة إلى المتسبّب في كلّ هذا، لا ترديد عبارة "أستغفر الله العظيم" باللّسان من دون فقه مضامينها التي تقتضي التوبة إلى الله تعالى من ذنب تحكيم المجرمين برقاب العباد ومصائرهم.
فكلّ داعيةٍ أو واعظٍ يرفع عقيرته في الحديث عن استفحال الأسعار وفحش الغلاء وآثار التضخم وتهاوي العملة، مقتصرا على مطالبة النّاس بالصّبر والاحتمال ومحببا الزهد إلى نفوسهم ومطالبا إياهم بالتقشف، مغفلا الحديث عن أسباب هذه الانتكاسات وصامتا عن تحميل الطّبقة السياسيّة الفاسدة التي تتقلّب في الترف مسؤولية احتراق النّاس بنيران الغلاء؛ فهو يكذب على الله تعالى ويفتري على دين الإسلام وهو جنديّ من جنود الباطل والاستبداد درى أو لم يدرِ؛ فلا تصدّقّوه ولا تقيموا لكلامه وزنا ولا قيمة.
x.com/muhammadkhm





