الجمعة، 29 مايو 2026

علمانيون.. والله أعلم!

علمانيون.. والله أعلم!

 

 لم يكن بيان تنحي مؤسس حركة علمانيون وإعلان تجميدها ووقف نشاطها الآثم مجرد خبر عابر يمر مرور الكرام، حتى لو تم الالتفاف حوله والتراجع عنه لاحقًا على غرار خطاب التنحي الشهير في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

دعك من أصحاب شعار: “أميتوا الباطل بالسكوت عنه”؛ فهذه سبيل العجزة والضعفاء وقليلي الحيلة ومنزوعي النخوة. ليس كل باطل يجب السكوت وغض الطرف عنه. هناك باطل تلزم مواجهته وكشفه وفضحه وكسر أنفه. 

عندما يستهدف هذا الباطل عقيدتك ودينك لا تكون الوسيلة المثلي لمواجهته السكوت والاستسلام. السكوت علامة الرضا في شؤون الخطبة والزواج والبيع والشراء، وليس في ثوابت الدين.

 ظلت الحركة على مدار خمسة عشر عامًا كاملة، وعبر أكثر من 800 فعالية -بحسب ما ورد في خطاب التنحي المزعوم- لا تكيد سوى للإسلام والمسلمين. 

بقي خطاب الحركة عدائيًا للدين الرسمي للدولة المصرية: شريعة ومنهاجًا وتاريخًا وميراثًا. كانت معركة الحركة ورموزها وضيوفها مع الإسلام، ولا شيء غيره. بدت الحركة الوجه الآخر للتطرف. إذا كان هناك مسلمون متطرفون، فإن هناك أيضًا علمانيين متطرفين. 

لماذا لا يُقبل التطرف في الدين، ويُقبل في العلمانية؟! هل التنوير أن تسبَّني، فإن رددتُ عليك إساءتك أكون متشددًا؟ إن هذا لشيء عُجاب!!

فضلاً عن أنه كان استعلائيًا متطرفًا عدوانيًا تافهًا متهافتًا ساقطًا متدنيًا، فإن خطاب الحركة ظل على مدى خمسة عشر عامًا خطابًا أحاديًا، لم يسمح بـ”رأي آخر” يواجهه ويُحاججه. الرأي الآخر المناوئ للحركة كان مرفوضًا ابتداءً وانتهاءً، وموصومًا بالتخلف والرجعية. 

لا تُجادل ولا تناقش يا أخ علي! لم يكن الغرض هو إعمال العقل، (Absolutely)، ولكن فرض أمر وقع ورأي واحد دون نقاش أو جدال.

 دأب صالون الحركة على استضافة واستقطاب كل من يُظهر كراهية للإسلام؛ لينفثوا سمومهم مطمئنين، وينشروا عبر الأذرع الإعلامية المتاحة سخافاتهم وسخائمهم آمنين. 

مَن أمن العقوبة أساء الأدب. ولأنهم أمِنوا العقوبة والحساب خمسة عشر عامًا، فإنهم لم يتوقفوا يومًا عن إساءة الأدب بكل وسيلة. هم مجرد علمانجية، مَثلهم كمَثل الكلبجية، يعملون بأجر عند أسيادهم، وإن تظاهروا بأنهم أصحاب مبدأ وقضية!

اتسم خطاب الحركة بحالة من الجهل المركب وادعاء الفهم واحتكار الحقيقة. أطروحاتها قديمة ومكررة، وسبق تفنيدها وتفكيكها. لم تتبنَ الحركة طرحًا مختلفًا ولا فكرة جديدة؛ إنما جاءت الأفكار والأطروحات إفرازًا عفنًا لكتابات مستشرقين غربيين كارهين للإسلام بالسليقة، سبق تدويرها، وثبت تهافتها وتهافت مَن يرددونها. بضاعة راكدة “روبابيكيا” غير صالحة للاستهلاك الفكري والعقلي. 

يقولون إن الكون خُلق من عدم، فلماذا لم يخلقوا مالاً من عدم؛ يدفعون به الإيجار المتأخر؟ّ

وتزامنًا مع خطاب التنحي المزعوم، وأظنه ثمثيليًا، بدأ صياح بعض الديكة والثعالب والضباع الذين يرون في اختفاء الحركة عن المشهد العام خسارة فادحة؛ مطالبين باكتتاب عام لدعم الحركة وتمويلها وإعادة الدماء إلى أوصالها المسدودة. 

أحد المتباكين على قرار التجميد يزعم أنه من مصلحة الدولة المصرية بقاءها والحفاظ عليها وديمومتها؛ فهل الدولة المصرية تحتاج إلى من يحتقر دينها ويزدريه؟! المطالبون بتمويل الحركة هم أنفسهم مَن يدعون إلى وقف بناء المساجد ويحرضون على تعطيل فريضة الحج وتوجيه أموالها -التي هي من جيوب الشعب- إلى مآرب ومقاصد أخري من صميم عمل الحكومة! منطق سقيم وفكر أحمق لم يسهم يومًا في نهضة ولا تنمية ولا طفرة حضارية حقيقية.. 

لا يزال في الحضيض متسع، وفي القاع فضاء رحب لكل هذه الفقاعات والتفاهات!

تنحت الحركة أو عادت مجددًا، فإن حالة الترحيب العام -التي صاحبت خطاب التنحي- يجب أن تكون رسالة إلى الدولة المصرية بأن تستفيق من غفوتها، وأن تتوقف عن تدليل مثل هذه التيارات واحتضانها واحتوائها؛ لأنها ليست أكثر من ورم شيطاني، يلزم استئصاله، وتطهير المشهد العام منه.. 

وإن لم تفعلوا فلا تنتظروا إلا جزاء أم عامر التي قال عنها القائل:

 ومَن يَصْنَع المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهلِهِ  

                 يُلاَقِ الَّذِي لاَقَى مُجِيرُ أُمِّ عَامِرِ  

أَدَامَ لَهَا حَتَّى اسْتَجَارَتْ بِقُرْبِهِ

                 طَعَامًا وَأَلْبَانَ اللِّقَاحِ الدَّرَائِرِ 

وَسَمَّنَهَا حَتَّى إِذَا مَا تَكَامَلَتْ

                  فَرَتْهُ بِأَنْيَابٍ لَهَا وَأَظَافِرِ 

فَقُلْ لِذَوِي المَعْرُوفِ هَذَا جَزَاءُ

             مَنْ بَدَا يَصْنَعُ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ شَاكِرِ.

أمريكا وسنينها

 أمريكا وسنينها

  

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، رئيس أكاديمية العلاقات الدولية

الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال 250 عامًا منذ استقلالها عام 1776 وحتى 2026، تعاقب على حكمها 45 رئيسًا، يختلفون فيما بينهم اختلافات جذرية، وفي العديد من المعايير المهنية والاجتماعية والمهارات والقدرات الشخصية

ووفق قياسات الرأي العام الداخلية

بعضهم قد يكون شديد الذكاء وبعضهم شديد الغباء

بعضهم فاشل وبعضهم ناجح

بعضهم يميل للانعزالية الداخلية وبعضهم يميل للتوسع

بعضهم يتاجر بشعارات وأدوات القوة الناعمة وبعضهم يفرط في استخدام القوة الصلبة.

الفكرة هنا:

أن الولايات المتحدة ليست إلهًا تجب عبادته، أو أن رؤسائها رسلًا مبعوثين أو ملائكة أطهارًا

ولكنها دولة مثل سائر الدول وحكامها بشر مثل سائر البشر

وبالتالي:

العمل تحت مظلة «أمريكا ربكم الأعلى» هو ذل وخنوع وانبطاح وتبعية غبية.

أميركا ليست قدرًا محتومًا، وستدور عليها السنن الكونية كما دارت على إمبراطوريات أطول منها عمرًا وأوسع منها امتدادًا

وهنا

يجب أن تكون نقطة التفكير الرئيسية، هي كيفية الخروج من أسر هذا الانبطاح وتلك التبعية لدى كثير من الحكومات العربية والإسلامية وغيرها في عالم الجنوب

وهذا يطلب التمييز الدقيق بين:

(1) توفر الرغبة في الخروج والتحرر

(2) توفر إمكانية الخروج والتحرر

(3) توفر القدرة على الخروج والتحرر

(4) توفر الإرادة على الخروج والتحرر

(5) العمل الواعي على الخروج والتحرر

المشروعات الكبرى تبدأ من أفكار كبرى

لمن يريد الحرية والكرامة

الحج.. حين تبحث الأمة عن نفسها

الحج.. حين تبحث الأمة عن نفسها

ا.د. جمال عبد الستار


يتجمع الملايين حول بيت الله الحرام، ليس ليُكرِّروا شعيرة، بل ليكتشفوا لماذا أصبحوا شظايا تحمل اسماً واحداً وقلوباً متفرقة.فحين ترتدي الأمَّة ثياب الإحرام، تخلع ألفَ لونٍ من ألوان الفرقة… فهل تعود بعد الحج موحَّدة الثوب والقلب؟

كمال العبودية.. أعظم ما يناله الإنسان

يجتمع المسلمون حول الكعبة في كلِّ عام، لا ليُكرِّروا طقسًا عابرًا، بل ليُجدِّدوا رحلة البحث عن ذواتهم؛ أفرادًا وأمَّة، أمَّا الفرد، فإنَّه يكتشف في مناسك الحج أنَّ أعظم ما يمكن أن يناله الإنسان أن يتحقَّق بكمال العبودية لربِّه؛ حيث يتجلَّى للعبد أنَّ كماله الحقيقي ليس في صورةٍ يحملها الناس عنه، ولا في لقبٍ يتزيَّن به، ولا في نسبٍ يعتزُّ به، ولا في ثيابٍ يفاخر بها؛ كما أنَّه ليس هذا الجسد الذي تتداوله الأسماء، بل تلك الروح التي تتأهَّب للعودة إلى بارئها، وتكدح في السير إلى لقائه: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ) (الانـشـقاق: ٦).

دوران الأرواح حول مركز العبودية الكبرى

ومن فتحت له أبواب البصيرة رأى أنَّ الحج ليس حركة أجساد حول بناءٍ من حجر، بل دوران أرواح حول مركز العبودية الكبرى؛ فالعبد يطوف حيث أراد سيِّده، ويسعى كما أُمِر، ويقف حيث أُوقِف، ويفيض حين يؤذن له، ويرمي حين يُطلب منه، ويتحرَّك في الصغيرة والكبيرة وفق مراد الله لا وفق منطقه القاصر، وهنا تتهاوى أوهام الفلسفات المتعالية أمام مقام التسليم؛ إذ لا شيء يسبق أمر الله، ولا معنى يعلو على حقيقة العبودية لربِّ العالمين.

الروح تتأهب للقاء الأكبر

ومن هنا يعود الحاجُّ إلى ربِّه في الدنيا قبل العودة الكبرى إليه في الآخرة؛ يعود وقد خفَّ حمل الذنوب عن روحه، ليواصل رحلته إلى الله بأمل المشتاقين إلى اللقاء الأكبر يوم يقف العباد بين يدي ربِّهم، فيُوقفهم على ما كسبوا، ويجازيهم بما كانوا يعملون.

الأمَّة تبحث عن ذاتها الضائعة

أمَّا الأمَّة، فإنَّها تأتي إلى البيت العتيق باحثةً عن ذاتها الضائعة بين ركام التمزقات، وعن ثوابتها التي بعثرتها عواصف الأزمنة، حتى غدت  في كثيرٍ من أحوالها لا تكاد تعرف وجهها الحقيقي إذا نظرت في مرآة التاريخ، ولو أنَّ الأمة نادت أبناءها من تحت أستار الكعبة، لتختار من ينتسب إليها حقًّا، فتمنحه رايتها، وتُسلِّمه أمانتها، لارتجَّ المكان بالصمت أكثر مما يرتجُّ بالاستجابة؛ إذ كلُّ واحدٍ منهم قد احتمى بلونه القديم الذي ظنَّ أنَّه خلعه ساعة لبس الإحرام، فإذا به ما يزال متدثِّرًا به في أعماقه أكثر من تدثُّره بنصاعة البياض الذي ارتداه.

شظايا تحمل اسم الإسلام ولا تحمل قلب الإسلام

هذا يرى أخاه منحرفًا في الاعتقاد، وذاك يخاصم أخاه في الفقه، وآخر يطعن في السلوك، ورابع يمزِّق الصفَّ بالسياسة، فهذا تابعٌ لسلطان، وذاك منازعٌ له، وهذا أسير أيديولوجيا دعوية، وآخر متحصِّن براية حزبية، حتى تكسَّرت الأمَّة إلى شظايا متقابلة، يحمل كلُّ شظيةٍ منها اسم الإسلام، ولكنَّها تعجز أن تحمل قلب الإسلام الكبير.

تناديهم الأمَّة من قبلتكم الواحدة

فتناديهم الأمَّة -وهي تستند إلى الكعبة كما تستند الروح إلى قلبها- أن تعالوا إلى قبلتكم الواحدة، فما أصدقها قبلة، وإلى أخوَّتكم الإيمانية، فما أوثقها رابطة، وإلى حمل الأمانة الكبرى، فما أثقلها وأشرفها، تناديهم أن يدفنوا خصومات الأزمنة السحيقة، وأن يخرجوا من سجون الحزبيات الضيقة، ومن كهوف العصبيات المقيتة، ومن المذهبيات التي تحوَّلت من وسائل للفهم إلى معاول للهدم والتمزيق.

العدو لا يريد الأرض وحدها بل الأمانة

فالعدوُّ الذي يُحدِّق بالأمَّة ليلَ نهار لا يريد أرضها وحدها، ولا ثرواتها وحدها، بل يريد الأمانة المستقرة في قلبها؛ يريد أن ينتزع منها سرَّ شرفها الذي شرَّفها الله به، وأن يطفئ المعنى الذي جعلها خير أمة أخرجت للناس.

أبرهة الجديد يريد هدم الكعبة في القلوب

إنَّ أبرهة الجديد، بكلِّ ما يملك من أفيال القوة والإعلام والهيمنة، لا يسعى في الحقيقة إلى هدم الكعبة بناءً وحجارةً وأستارًا، فذلك أهون أهدافه، وإنَّما يسعى إلى هدمها في قلوب المسلمين؛ وأن تهوي الكعبة من مقام العقيدة الجامعة، وأن تسقط من كونها القبلة الواحدة.

فإذا سقطت الكعبة من القلوب، بقيت قائمةً في الأرض لا تحرس أمَّة، ولا تجمع شتاتًا، ولا تبعث في الأرواح معنى الاستخلاف والعبودية والشهادة على الناس.

الذنب الأعظم: ذنب التفرُّق

إنَّ الذنبَ الأعظم الذي ينبغي للأمَّة أن تستغفر منه في حجِّها، وأن تعود وقد اغتسلت من أدرانه، ذنبَ التفرُّق الذي مزَّق وحدتها، وأوهن عزيمتها، وبدَّد ريحها، وشوَّه فطرتها، وكبَّل انطلاقتها، حتى غدت أمَّةً تملك أسباب النهوض كلَّها، ثم تعيش أسيرة الوهن في زمنٍ تساقطت فيه المعالم، وظمئت فيه الأرواح إلى معنى الهداية والثبات.

“أقيموا الدين ولا تتفرقوا”

إنَّه ذنب التفريط في عهد الاستخلاف: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: ١٣).

وهو ذنبٌ لا تمحوه مظاهر الطواف وحدها، ولا تُذهبه دموع المشاعر العابرة، ولا تغسله طقوسٌ شكلية تُؤدَّى بالأجساد بينما القلوب ما تزال معلَّقةً بأوثان الفرقة والهوى والعصبية.

لا يُغفر حتى تراجع الأمَّة نفسها

إنَّ هذا الذنب لا يُغفر حتى تراجع الأمَّة نفسها وحتى تُجدِّد عهدها مع الله عهدًا وثيقًا أن تعيش بالإسلام وللإسلام، وأن تحمل الرسالة لا بوصفها شعارًا يُرفع، وإنما قدر يُعاش، وأمانة تُؤدَّى، ودم يجري في العروق.

فكيف تكون الأمة قد وعت درس الحج؟

فإذا لم تُثمر التلبية استجابةً حقيقية لنداء الله بحمل الرسالة، وإقامة الشهادة على الناس: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران: ١٠٤)، فكيف تكون الأمة قد وعت درس الحج حقيقة؟!

الرمي.. ساعد يقذف الباطل بحجج القرآن

وإذا لم يُنشئ الرمي في الأمَّة ساعدًا يقذف الباطل بحجج القرآن، ويرجم الظلم بقيم الإسلام، ويُعدُّ من كلِّ ما يملك عدَّةً لدفع عدوان المعتدين عن الإنسان الذي جعله الله أعظم حرمةً من الكعبة، وعن مقدسات المسلمين فكيف يكون الحج ميلاداً حقيقياً؟!

الطواف.. أمَّة تدور حول الحق

وإذا لم يُنتج الطواف أمَّةً يدور قلبها حول الحق كما يدور الجسد حول الكعبة، فلا تنفكُّ عن الدين، ولا تبرح ساحة الشريعة، ولا ترضى بغير الله حكمًا، ولا بغير الإسلام سبيلًا، فكيف تتطلع إلى أن تعود من ذنوبها كما ولدتها أمهاتها؟!

السعي.. حركة دائبة لاسترداد الكرامة

كيف تكون الأمة قد تعلمت درس السعي إذا بقيت ساكنةً تحت ركام عجزها، لا تتحرَّك لتحرير مقدساتها، ولا تنهض لتطهير أرضها من أدران الاحتلال والضلال، وما لم يغرس السعي في قلب المسلم حركة دائبة، وأخذًا بالأسباب، وعزمًا على إعمار الأرض بنور الله، وتعبيدها لربِّ العالمين، وما لم تسعَ إلى استرداد كرامتها التي أقامها الله بها أمةً شاهدةً على الناس؟

الحج.. بيعة جديدة مع الله

إنَّ الحجَّ بيعةٌ جديدة مع الله، فهل تفي الأمَّة بعهدها مع ربِّها؟ وهل استلمت الحجر -تقبيلًا، أو استلامًا، أو إشارةً- إلا لتبرَّ بعده بقسمها القديم، وتعود من رحلتها أكثر صدقًا في حمل راية الدين، وأشدَّ وفاءً لأمانة الاستخلاف؟

فهل من حادٍ صادق؟

فهل من حادٍ صادقٍ يحدو بهذه الأمَّة إلى ربِّها، حتى تفيءَ من شتاتها إلى وحدتها، ومن غفلتها إلى يقظتها، ومن ضعفها إلى سرِّ قوتها، فيفيض الله عليها من أنوار الهداية، ومدد التوفيق، وفتوحات البصيرة، ما يعيد إليها وجهها الذي أراده الله؛ أمَّةً شاهدةً، هاديةً، حاملةً لنور السماء إلى الأرض؟

المصدر

الدكتور جمال عبد الستار 

الخميس، 28 مايو 2026

أمريكا لم تعد قوة عظمى

 أمريكا لم تعد قوة عظمى

د. خليل العناني 


في عقد التسعينات، كانت أكثر شخصيتين تأثيرا في الساحة الفكرية والسياسية الأمريكية هما فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنغتون، وكلاهما من أبرز أساتذة العلوم السياسية في الولايات المتحدة الاول في جامعة ستانفورد والثاني في جامعة هارفارد.

 فرانسيس فوكوياما.

فوكوياما أمريكي من أصل ياباني، وُلد في شيكاغو عام 1952، لعائلة هاجرت من اليابان إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين. وصل جده الساحل الغربي الاميركي فاراً من الحرب الروسية اليابانية وتم اعتقاله أثناء الحرب العالمية الثانية مع آلاف اليابانيين الذي كان يُشك في ولاءهم.

والده، يوشيو فوكوياما، كان عالم اجتماع وأستاذا للدراسات الدينية، وقد تلقى في بداياته تدريبا ليصبح رجل دين قبل أن يتجه إلى العمل الأكاديمي. نشأ فوكوياما في بيئة تجمع بين الانضباط الأكاديمي الصارم والهوية المهاجرة، وهو ما ترك اثرا واضحا على تكوينه الفكري. لكنه أيضا كان أمريكي العقل والفكر ولم يتعلم اليابانية في صغره.

في عام 1992، نشر فوكوياما — الشاب وقتها — كتابه الشهير “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، الذي أحدث فرقعة إعلامية وفكرية ضخمة بسبب عنوانه الجريء وأطروحته الأكثر جرأة: 

أن النموذج الأمريكي، سياسيا وايديولوجيا واقتصاديا، انتصر نهائياً على بقية النماذج، وأن الديمقراطية الليبرالية مع اقتصاد السوق هي المحطة الأخيرة للتطور السياسي للبشرية.

أطروحة فوكوياما انتشرت كالنار في الهشيم، وتحول الكتاب إلى أحد أهم كتب تلك المرحلة وتصدر قائمة الكثر الكتب مبيعا في تلك الفترة، بوصفه التعبير الأكثر ثقة وتعبيرا عن لحظة الغرور الأمريكي بعد نهاية الحرب الباردة.

ببساطة، كان فوكوياما يقول إن المعركة الكبرى بين الأيديولوجيات قد حُسمت: الفاشية سقطت، الشيوعية انهارت، ولم يبقَ سوى الليبرالية الغربية بوصفها النموذج النهائي. 

أما “الرجل الأخير”، فكان ذلك الإنسان المطمئن، المستهلك، الباحث عن الرفاه والأمان، لا البطولة ولا المعارك الكبرى.

وما هي سنوات قليلة حتى وقعت أحداث سبتمبر 2001 وتلتها حروب أمريكا الكارثية في أفغانستان والعراق، ثم الأزمة المالية العالمية، ثم صعود الصين، وعودة روسيا، وانكشاف هشاشة الديمقراطية الأمريكية نفسها من الداخل.

————-

قبل أيام نشر فوكوياما -السبعيني- مقطعا مصوراً من حديقة منزله لأقل من 8 دقائق حول دلالات زيارة ترامب للصين جاء فيه:

(أمريكا لم تعد قوة عظمى. وما حدث في بكين لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل مشهد إهانة مدروس لرئيس الولايات المتحدة. لم يستقبله شي جين بينغ في المطار. جلس في القمة بطريقة جعلته يبدو أصغر وأضعف بصرياً. عاد بلا إنجازات حقيقية، فقط وعود اقتصادية ضبابية، بينما كان يوزّع المديح والتملق على مضيفه كما لو كان يسعى إلى نيل رضاه.

الإهانة لم تكن بروتوكولية فقط، بل سياسية ورمزية؛ رئيس القوة الأعظم ظهر كمن يطلب المساعدة لا كمن يفرض الشروط، وكمن يبحث عن مخرج من أزماته لا كمن يقود النظام الدولي.

ذهب ترامب إلى الصين وهو يبحث عن مخرج من الفخ الإيراني الذي صنعه بنفسه؛ حرب استنزفت الهيبة الأمريكية، وهددت شريان الطاقة العالمي، وكشفت حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها.

شي جين بينغ فهم ذلك جيداً. رئيس أمريكي يحتاج إلى مساعدة لاحتواء أزمة هرمز ليس في موقع القوة، بل في موقع الطالب.

المفارقة أن ترامب الذي قدّم نفسه دائماً كرجل قوة و«فن الصفقة»، وجد نفسه يتفاوض من موقع الضعف، بينما تمسك إيران بأوراق ضغطها، وتراقب الصين مشهد التراجع الأمريكي بهدوء.)

ما أعظم نعمة البصر!

ما أعظم نعمة البصر!


د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الأمة الإسلامية وصناعة الوعي والهمة.


أن يفتح الإنسان عينيه كل صباح، فتنساب إليه الدنيا بألوانها، وتفاصيلها، وظلالها، ووجوه من حوله، وامتداد السماء، وخضرة الأرض، ودقائق الأشياء التي لا يكاد يشعر بعظمتها إلا إذا فقدها أو رأى من حُرمها.

مجرد صورةٍ تقع على العين، تبدأ خلفها رحلة مدهشة لا تكاد تُصدَّق؛ فالضوء يدخل عبر القرنية ثم العدسة، ليُرسَم المشهد مقلوبًا على شبكية العين التي تضم ملايين الخلايا الحساسة للضوء، من العُصيّ والمخاريط، فتتحول الأشعة في لحظات خاطفة إلى إشارات كهربائية دقيقة، تُنقل عبر العصب البصري إلى الدماغ بسرعة هائلة، وهناك تُفكَّك الألوان، وتُعرَف الوجوه، وتُقدَّر المسافات، وتُبنى الصورة كاملة في جزء من الثانية، بصورة متواصلة لا تنقطع ما دمتَ تنظر!

كل هذا الإعجاز يقع في كل لحظة ونحن نمشي ونتأمل ونقرأ، دون أن نشعر بكمّ النعم التي تعمل لأجلنا في صمت.

فأيُّ فضلٍ تنعم به أيها الإنسان بأن ترى؟ وأيُّ مِنّةٍ هذه وأنت تنعم بفتح هذا الباب إلى العالم في حركتك وسكونك بدون تكلفة منك؟

ولهذا ذكّر الله عباده بهذه النعمة العظيمة فقال: 

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.

فحقٌّ على المؤمن أن يستقبل كل يوم بحمد الله جل جلاله على نعمةٍ لو سُلِبت منه، لدفع فيها الأثمان الباهظة لتُسترجع!

الحمد لله كثيرًا جدًا لا ينقطع على نعمة البصر!