السبت، 6 يونيو 2026

أسُود كوبري قصر النيل.. كيف وُلدَت أسطورة الشوارب المفقودة؟

 أسُود كوبري قصر النيل.. كيف وُلدَت أسطورة الشوارب المفقودة؟

6 يونيو 1933م: الملك فؤاد يفتتح كوبري الخديوي إسماعيل (قصر النيل)





في قلب القاهرة، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع المشهد العمراني، يقف كوبري قصر النيل واحدًا من أشهر معالم العاصمة وأكثرها حضورًا في الوجدان المصري.

فعلى مدى أكثر من قرن ونصف القرن، لم يكن هذا الجسر مجرد وسيلة لعبور النيل، بل شاهدًا على تحولات سياسية وعمرانية كبرى، ومرآةً لتاريخ مدينة سعت إلى أن تجمع بين أصالتها الشرقية ومظاهر الحداثة الوافدة من أوروبا.

هويّة القاهرة

وقد ارتبط اسم الكوبري في أذهان المصريين بتماثيل الأسود الأربعة التي تحرس مداخله، حتى غدت جزءًا من هوية القاهرة البصرية، وموضوعًا لعشرات الروايات والحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال.

وبين الوقائع التاريخية الموثقة والأساطير التي نسجها الخيال الشعبي، تبرز قصة كوبري قصر النيل بوصفها نموذجًا لكيفية امتزاج التاريخ بالحكاية، والوثيقة بالذاكرة الجماعية.

– لم يكن كوبري قصر النيل الذي افتتحه الملك فؤاد، في سنة 1933م، هو أول كوبري مُشاةٍ على النيل، كما يتردد بين العامة، ولكن سبقه في نفس المكان كوبري الخديوي إسماعيل، سنة 1871م، ولم يكن كوبري قصر النيل سوى تجديد وتوسعة للكوبري القديم

التماثيل

– كان الخديوي إسماعيل مفتونا بالتقدم الغربي،  والتماثيل التي تملأ مدينة باريس، فقرر نقل الفكرة إلى القاهرة، وبدأ بالتماثيل التي تروي حكايات البطولة لأسرته،

المثّال “جاكمار”

– هو المثّال الذي صنع تمثال الكولونيل جوزيف سيف، الذي عهدَ إليه (محمد علي باشا) ببناء الجيش المصري الحديث، فاستوطن مصر التي أحبها، واعتنق الإسلام، فصار يُعرف بـ اسم (سليمان باشا الفرنساوي: جِد الملكة نازلي زوجة الملك فؤاد، وأُم الملك فاروق)

– أما تماثيل أسود قصر النيل، فقد صُـنعت في الأصل لكي تُوضع على بوابتَيْ حديقة حيوان الجيزة، لكن تلك التماثيل وصلت إلى القاهرة بعد خلع الخديوي إسماعيل، وتولّي ابنه الخديوى توفيق، الحُكم، وكانت تجري في ذلك الوقت عملية تجميل كوبري الخديوي إسماعيل (كما كان يُسمى آنذاك)، ورأى الخديوي توفيق، أن الكوبري يحتاج لمظهر يليق بهيبة اسم والده، فتم وضع أسدين على كل مدخل،

الأسطورة

– من القصص الشعبية التي تُروَى.. أنه في أثناء الاحتفال بتجميل الكوبري وإعادة افتتاحه بعد وضع الأسود، وقف المثّال العالمي “جاكمار” صانع أسود  كوبري قصر النيل، يتحدث عن التماثيل التي لم يُصنَع مثلها في العالم، ويتباهَى بروعتها وكمالها، وأنها على وشك أن تتحرّك، وفجأة.. قال له طفل مرافق لوالده ساخرا: (هو في أسد من غير شنب؟؟).. فشعر النحّات الفرنسي العالمي “جاكمار” أنه وقع في خطأ تاريخي لا يُغتفر، وأن ما حدث لا يليق بمكانته كفنان عالمي، وانصرف وترك الحفل، وانتحر بعدها من شدة خيبة أمله..

(الرواية كاذبة، وغير منطقية، رغم أنها جاءت في بعض المصادر البريطانية.. لأن التماثيل وُضعت على الكوبري في سنة 1881م.. والمثّال “جاكمار” مات في مدينة باريس، سنة 1896م.. يعني عاش 15 سنة بعد الاحتفال!!)

البداية:

– بدأ العمل في الكوبري، عام 1869م، في عهد الخديوي إسماعيل،،

– كانت تكلفة الكوبري النهائية في ذلك الوقت: 110 آلاف جنيه.

– انتهت الشركة الفرنسية من بنائه في منتصف عام 1871م.

– الطول (406 أمتار)

العرض (10,5 متر) منها (2,5 متر) للرصيفين الجانبيين، وطريق بعرض (8 أمتار)،

– كانت رسوم عبور الكوبري كالتالي:

1- رُبع قرش (مليمان ونصف) الرجال والنساء.

2- (إعفاء من الدفع) الأطفال والحيوانات.

3- قرشان..  للعربات المليئة بالبضائع.

4- قرش واحد..  للعربات الفارغة.

سبب التسمية:

سُمّيَ الجسر بكوبري قصر النيل، بسبب وجود (قصر النيل) الذي أسسه محمد علي باشا، على النيل من جهة ميدان التحرير، وكانت تقيم به “زينب” ابنة محمد علي.. ولما تولّى سعيد باشا الحُكم، قام بهدم القصر وتحويله لثكنات للجيش، استولى عليها الإنجليز بعد ذلك، وبعد خروج الإنجليز من مصر، تم هدمها، وأصبحت : مبنى “جامعة الدول العربية” (السابق)

– بعد 59 سنة من إنشاء الكوبري، تم إنشاء كوبري جديد، مكان الكوبري القديم، في عهد الملك فؤاد، وبدأ العمل في 4 فبراير عام 1932م،

يبلغ طول الكوبري (382 مترا) – والعرض (20 مترا) بتكلفة بلغت 291,955 جنيها، وقام الملك فؤاد الأول بافتتاحه في 6 يونيو عام 1933م.

الذاكرة الشعبية

ورغم مرور عشرات السنين على إنشاء الكوبري وتجديده، ما زال قصر النيل يحتفظ بمكانته بوصفه أحد أبرز الشواهد العمرانية في تاريخ القاهرة الحديثة.

فالجسر الذي عبرته مواكب الحكام، وسارت فوقه أجيال متعاقبة من المصريين، لم يفقد بريقه أو حضوره في الحياة اليومية للعاصمة.

وتكشف قصته أن كثيرًا مما يستقر في الذاكرة الشعبية لا يكون دائمًا مطابقًا للحقائق التاريخية، وهو ما يجعل العودة إلى الوثائق والمصادر ضرورة لفهم الماضي كما جرى بالفعل لا كما روته الأساطير.

وبين حجارة الجسر وتماثيل الأسود الراسخة على ضفتي النيل، تبقى صفحات من تاريخ مصر الحديث حاضرةً أمام العابرين كل يوم، شاهدةً على زمنٍ صنع ملامح القاهرة التي نعرفها اليوم.

الأَخَوان (غير المسلمَيْن)

الأَخَوان (غير المسلمَيْن)

 


جعفر عباس 

 

عندما صدر كتاب "الأَخَوان" عام 2013، قالت عنه كاثرين فاينر، رئيسة تحرير جريدة الغارديان اللندنية: "من اراد منكم أن يعرف ما الذي يجعل معظم دول العالم تكره أمريكا؛ فإنه لا يحتاج إلى أكثر من هذا الكتاب"


ابتكر إعلاميون عرب كلمة الجملوكية، للسخرية من الأنظمة العربية "الجمهورية" ظاهريا، وملكية وراثية ممارسةً: حافظ الأسد في سوريا، ومنه إلى ولده بشار (بعد وفاة ولي العهد الأول باسل في حادث سيارة)، حسني مبارك في مصر، إلى ولده جمال، معمر القذافي في ليبيا، إلى ولده سيف الإسلام، علي صالح في اليمن، إلى أخيه أحمد، أما لبنان فهو الساحة الأبرز للديمقراطية الحزبية الوراثية: كميل شمعون (حزب الوطنيين الأحرار) يسلم الراية إلى داني شمعون، وبيار الجميل (الكتائب) يسلم الراية لابنه بشير، ومنه إلى أمين، وكمال جنبلاط (الاشتراكي التقدمي) ومنه إلى ابنه وليد، وفي السودان تنتقل زعامة حزب الأمة من عبد الرحمن المهدي، إلى ولده الصديق، فحفيده الصادق، وهلمجرا.

شخصان ترعرعا في بيت وبيئة كان أقطابها يرون أنفسهم فوق الآخرين، فهما وإدراكا وحسا وطنيا وقربا من الرب، كان من البدهي أن يرثا عنهم ليس فقط المناصب، بل أيضا النظرة المانوية للكون: إما أبيض وإما أسود، إما خير مطلق او شر مطلق، إما معنا وإما علينا، فكان الحصاد المر لأهل عشرات البلدان التي عانت ولا تزال تعاني من ويلات التدخل الأمريكي.

ثم ألقِ نظرة عابرة على الولايات المتحدة، التي نصبت نفسها وصيّة على الديمقراطية والسلام العالمي، والحكم المدني: الرئيس جون كيندي، نصب أخاه روبرت وليا للعهد، وأسند إليه منصب المدعي العام (وزير العدل) ليتدرب على شؤون الحكم، توطئة لشغل كرسي الرئاسة، بينما أعد أخوه إدوارد نفسه للدور بأن دخل مجلس الشيوخ (اغتال الفلسطيني سرحان بشارة روبرت كينيدي في 5 حزيران/ يونيو 1968). أما الرئيس جورج هيربرت بوش، فقد ورث كرسيه ولده جورج دبليو بوش، بينما لم يجد الرئيس بيل كلينتون وليا جاهزا للعهد، فدفع زوجته هيلاري لتخوض الانتخابات الرئاسية، وربما كان ذلك عرفانا بعدم "خلعها" له، بعد انكشاف ممارساته الخليعة مع مونيكا لوينسكي، التي كانت متدربة عنده في البيت الأبيض.

وارتكب الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (1953 ـ 1961)، جريمة في حق البشرية، بأن أسند منصب وزير الخارجية لجون فوستر دلاس، ومنصب مدير جهاز المخابرات المركزية لشقيقه الين، وهكذا أصبح أمر سياسة أمريكا الخارجية العلنية والسرية "شأنا عائليا"، فكان ان ولغ الأمريكان في الدماء في كل القارات، من خلال الانقلابات العسكرية والاغتيالات، وتسبب الشقيقان في أوضاع مضطربة ما زال العالم يعاني من عواقبها، فقد لعبا دورا مركزيا في حرب فيتنام، وقلب أنظمة الحكم في غواتيمالا وإيران والكنغو اندونيسيا وجمهورية الدومينكان وتشيلي والبرازيل.

عندما صدر كتاب "الأَخَوان" عام 2013، قالت عنه كاثرين فاينر، رئيسة تحرير جريدة الغارديان اللندنية: "من اراد منكم أن يعرف ما الذي يجعل معظم دول العالم تكره أمريكا؛ فإنه لا يحتاج إلى أكثر من هذا الكتاب". ومن يقرأ الكتاب يعرف كيف غرس جون، والين دلاس الفيروس الأمريكي غير الحميد في أوصال النظام العالمي، فهما من صاغا ما يعرف بمبدأ أيزنهاور، الذي يقضي بأن تملأ الولايات المتحدة الفراغ الذي نجم عن جلاء بريطانيا وفرنسا عن مستعمراتهما، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبالتدخل العسكري المكشوف والمستتر في أي بلد تُشْتَم فيه رائحة النفوذ السوفييتي، وعلى مستوى الشرق الأوسط، فالأَخَوان دلاس، هما مهندسا التدخل العسكري في لبنان عام 1958 مناصرة لحكومة كميل شمعون، ولمنع لبنان من اللحاق بسوريا، التي توحدت مع مصر الناصرية، فكان ميلاد الجمهورية العربية المتحدة. وعندما أبلغ المكتب الشرق أوسطي للمخابرات الأمريكية، مدير الوكالة الين دلاس بأن مظلة الوحدة العربية التي يرفعها الرئيس المصري جمال عبد الناصر تتسع، كان تعقيب الين: لو تمادى ناصر في سياسته هذه، فإنني لن أتردد في تمزيقه إلى نصفين.

ارتكب الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (1953 ـ 1961)، جريمة في حق البشرية، بأن أسند منصب وزير الخارجية لجون فوستر دلاس، ومنصب مدير جهاز المخابرات المركزية لشقيقه الين، وهكذا أصبح أمر سياسة أمريكا الخارجية العلنية والسرية "شأنا عائليا"،

والأخوان دلاس مثالان كلاسيكيان لتوريث المناصب العليا في الولايات المتحدة، فقد نشآ في بيت كان الكبار فيه أعضاء نشطين في الكنيسة المشيخية، ويعتبرون أنفسهم أعلى شأنا من أتباع الكنائس والملل الأخرى، وكان المثل الأعلى للشقيقين جدهما جون واتسن فوستر (1836 ـ 1917)، الذي تمدد بأعماله التجارية إلى يسمى بالغرب الأمريكي، ونصب نفسه مسؤولا عن تمدين السكان المحليين (الهنود الحمر) الذين كان يصفهم بـ "البرابرة"، وصار من ذوي الشأن السياسي، وفاز بمنصب وزير الخارجية في عام 1890، وكان أحد مهندسي اول انقلاب عسكري "خارجي" نفذته الولايات المتحدة (في هاييتي). وكان هناك روبرت لانسنغ، خال الشقيقين، الذي شغل منصب وزير الخارجية خلال الحرب العالمية الأولى.

وشخصان ترعرعا في بيت وبيئة كان أقطابها يرون أنفسهم فوق الآخرين، فهما وإدراكا وحسا وطنيا وقربا من الرب، كان من البدهي أن يرثا عنهم ليس فقط المناصب، بل أيضا النظرة المانوية للكون: إما أبيض وإما أسود، إما خير مطلق او شر مطلق، إما معنا وإما علينا، فكان الحصاد المر لأهل عشرات البلدان التي عانت ولا تزال تعاني من ويلات التدخل الأمريكي.

تحت أعين روسيا واليونان.. حين أطلق العثمانيون أول طوربيد تحت الماء في التاريخ

تحت أعين روسيا واليونان.. 

حين أطلق العثمانيون أول طوربيد تحت الماء في التاريخ

الغواصة البخارية من طراز نوردنفلت "عبد الحميد" التابعة للأسطول العثماني عام 1886 (المصدر: لاست ستاند أون زومبي آيلاند)

محمد شعبان أيوب

مع صعود السلطان عبد الحميد الثاني إلى عرش السلطنة العثمانية عام 1876، كانت الدولة تعاني من مشكلات داخلية وخارجية كثيرة، كان أخطرها زجها في حرب خطيرة ضد الروس أدت إلى خسارة فادحة بلغت حد اقتراب القوات الروسية من العاصمة إسطنبول، وتهجير مئات الآلاف من مسلمي البلقان، وخزينة فارغة، ودولة مضطرة إلى تحمل كل هذه التكاليف العسكرية والمالية، بل وتعويض الروس عن هذه الحرب.

وكان الأخطر من ذلك زيادة النفوذ الروسي في البلقان، وصعود القوميات في بلغاريا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك، وحصول بعضها على الاستقلال، ثم زيادة مساحة الجغرافيا اليونانية على حساب العثمانيين. لقد وصلت الخسائر حد تهديد مستقبل الدولة العثمانية وبقائها، مع صعود ما سُمي في الأدبيات الأوروبية وقتها بـ"المسألة الشرقية"، وهي استعداد الدول الأوروبية لتقسيم الدولة العثمانية والحصول على أقطارها.

وأمام هذا المصير المؤلم، أدرك السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا مفر من المواجهة، وبعد أن استحكمت قوته على الداخل العثماني، وتمكن من القضاء على القوى التي تنازعه في الداخل، كما نازعت عمه عبد العزيز من قبل، وخلعت أخاه مراد الخامس، وكان لها رأي ماض في زمن والده عبد المجيد، عمل بكل قوة على زيادة قوة الجيش العثماني أمام التهديدات المتلاحقة، وأخطرها اليونان المدعومة من الغرب الأوروبي ومن الروس.

"أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار"

وقد أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار، وبلغ مضيق جبل طارق، وسيطر على البحار المتوسط والأسود والأحمر والخليج العربي وأجزاء من المحيط الهندي، وأنه في ظل التطور التكنولوجي السريع في عصره، والتنافس الحضاري والعسكري بين القوى الأوروبية كان لا بد من تحديث الجيش عامة، والأسطول خاصة، ولهذا السبب بدأت الأنظار في عصره تتجه نحو سلاح جديد سيغير المعادلة في البحار والمحيطات فيما بعد، ألا وهو سلاح الغواصات.

نشأة الغواصات

رغم غياب تاريخ محدد لبداية اختراع الغواصة، فإن العديد من الأدلة التاريخية تشير إلى أن التصورات الجادة لتصميمها تعود إلى القرن الخامس عشر، حيث قدم عدد من الباحثين والمهندسين، مثل كونراد كيسر (1465)، وليوناردو دا فينشي (1500)، وويليام بورن (1578)، وكورنيليوس فان دريبل (1603)، وروبرت فولتون (1797)، إضافة إلى المهندس العثماني إبراهيم أفندي (1719)، نماذج مبكرة لغواصات، انطلقت أساسا من دافع علمي يتمثل في استكشاف البيئة البحرية العميقة، ورغم ذلك بقيت هذه المحاولات ضمن الإطار التجريبي، ولم تشهد تطورا نوعيا ملموسا إلا مع اقتراب القرن التاسع عشر.

على أن التحول الحاسم في تاريخ الغواصات ارتبط بسياق عسكري، وتحديدا خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حين سجل أول استخدام ناجح لها في القتال، فقد تمكنت غواصة سي إس إس هانلي التابعة للكونفدرالية الجنوبية الأمريكية، من إغراق السفينة يو إس إس هاوساتونيك عام 1864، في عملية استهدفت كسر الحصار البحري الذي فرضته قوات الشمال على ميناء تشارلستون، وتعد هذه الحادثة نقطة الانطلاق الفعلية لتحويل الغواصة من أداة تجريبية إلى سلاح حربي، وذلك كما يرصد أنتوني بريستون في كتابه "الغواصات: تاريخ وتطور السفن القتالية تحت الماء".

"خلال الحرب الأهلية الأمريكية، سُجل أول استخدام ناجح للغواصات في القتال"

وقد فرضت ظروف الحصار البحري القاسي على الولايات الأمريكية الجنوبية البحث عن وسائل غير تقليدية لمواجهة التفوق البحري للشمال، خاصة في ظل تعطل التجارة وانقطاع الإمدادات الخارجية، ومن ثم برزت الغواصات كخيار إستراتيجي يتيح توجيه ضربات تحت سطح الماء ضد سفن الحصار، ومنذ ذلك الحين، أخذت الغواصات تكتسب دورا متزايد الأهمية بين المتنافسين في العالم، لتتحول تدريجيا إلى عنصر ردع فعال، ووسيلة تعزز القدرات العسكرية وتغير موازين القوى البحرية.

وقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر طفرة نوعية في تقنيات الملاحة البحرية، مدفوعة بتطور المحركات البخارية وزيادة التدريع، ما أسهم في نقل مركز القوة العالمية تدريجيا من البر إلى البحر، وأصبحت هيمنة الدول الكبرى تقاس بقدرات أساطيلها البحرية وترساناتها، في ظل تصاعد أهمية البحار كمساحة للصراع والنفوذ، وسرعان ما تحولت الغواصات من أداة تجريبية إلى عنصر ذي قيمة عسكرية، خاصة مع التطورات التقنية التي أدخلها مهندسون مثل الأمريكي سيمون لايك والأيرلندي جون فيليب هولاند، الذي يعرف اليوم بوصفه الأب الروحي للغواصات الحديثة.


وفي هذا السياق التاريخي بدأت الدولة العثمانية في عصر عبد الحميد الثاني الانتباه إلى أهمية هذا السلاح، وقدرته الفذة في إغراق الأساطيل والسفن المعادية، وترجع البدايات الأولى لاهتمام الدولة العثمانية بتقنيات الغوص البحري إلى مرحلة مبكرة نسبيا من تاريخها، إذ تسجل المصادر إشارات إلى تجربة لافتة تعود إلى عام 1720، وردت في كتاب سُرنامه لسيد وهبي حسين.


"مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح تحرك من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان"


ونرى في روايته أن مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح عُرض خلال احتفالات ختان أبناء السلطان أحمد الثالث، حيث تحرك القارب من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان، ثم تضفي الرواية طابعا استعراضيا على الحدث بذكر خروج أشخاص من داخل القارب حاملين أطعمة، في مشهد يوحي بقدرة المركب على العمل تحت الماء، وتعد هذه الواقعة أول تجربة غوص ناجحة معروفة في التاريخ العثماني، بل ظلت أيضا تجربة فريدة لم يتكرر نجاحها لاحقا.

التنافس اليوناني العثماني

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، عاد الاهتمام العثماني بالغواصات في إطار عسكري أكثر وضوحا، إذ اقتنت البحرية العثمانية هذا النوع من الأسلحة لأول مرة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فتعاقدت مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين، وذلك إثر تطورات تقنية شهدتها أوروبا في هذا الميدان.

كان المهندس البريطاني جورج ويليام غاريت قد طور غواصة تعمل بالبخار عُرفت باسم ريزورغام، غير أنها غرقت أثناء عرض تجريبي، ولكن بعد هذه التجربة تعاون غاريت مع رجل الصناعة السويدي ثورستن فيلهلم نوردنفلت، الذي بادر إلى تصنيع سلسلة غواصات تحمل اسمه ابتداء من عام 1885 في ستوكهولم، حيث أُنتجت أربع غواصات من هذه الفئة.

"تعاقدت البحرية العثمانية مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين"

يرى إفرين ميرجان في دراسته "الغواصات الأولى في البحرية العثمانية" أن غواصات نوردنفلت عكست مرحلة انتقالية في مسار تطور الغواصات وقتئذ، إذ اعتمدت على أنظمة الدفع البخاري، وعلى الرغم من قدرتها على توليد طاقة كبيرة، فإن تطبيق هذه التقنية داخل بيئة مغلقة كالغواصة أفرز تحديات عملية، كان أبرزها ضيق الحيز الداخلي وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات مرهقة للطاقم، مما قيد مدة الإبحار.

كما أن ضعف كفاءة المحركات البخارية أثناء الغوص حد من نطاق العمليات الممكنة، وجعل الأدوار التكتيكية للغواصات محدودة، كما أسهمت الغلايات الثقيلة وخزانات المياه الساخنة في إحداث اختلال في توازن الغواصة تحت الماء، الأمر الذي كان يعرضها لمخاطر الميل غير المستقر، ويؤكد الطبيعة التجريبية لهذه المرحلة من تطور السلاح البحري.

في النهاية، لم تحقق التجارب العملية للغواصة النتائج المرجوة، إذ كشفت عن عيوب تقنية بارزة مثل اختلال التوازن أثناء الغوص، وانبعاث أول أكسيد الكربون، وارتفاع الحرارة داخلها، ما أثر سلبا على كفاءتها، وقد أكد تقرير الموظف العثماني المختص خليل أفندي، المرفوع في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1885 إلى السلطان عبد الحميد الثاني هذه العيوب، مشيرا إلى بطء السرعة وعدم الاستقرار تحت الماء، ومستخلصا ضرورة إدخال تعديلات جوهرية.

وبناء على ذلك التقرير الفني اتسم الموقف العثماني بالحذر في بادئ الأمر وعدم التسرع، في حين أقدمت اليونان على شراء الغواصة عام 1886 بدعم من الوسيط باسيل زخاروف. غير أن التجارب اليونانية أثبتت استمرار المشكلات التقنية، ما قصر استخدامها على مهام دفاعية محدودة، في وقت أثار فيه هذا السلاح نقاشا داخل الأوساط البريطانية حول جدواه كبديل أقل كلفة من التحصينات الساحلية التقليدية.

يرصد إردنيج سنجار في دراسته "تاريخ صناعة الغواصات التركية" أن التجارب التي أجرتها اليونان عام 1886 على الغواصة -التي اشترتها حينئذ مقابل 9 آلاف جنيهٍ إسترليني- قبالة سواحلها كانت محدودة الكفاءة، إذ اتضح صعوبة التحكم فيها وعدم قدرتها على البقاء تحت الماء لأكثر من 5 دقائق، ما جعلها أداة غير مجدية في نظر اليونانيين، فتراجع الاهتمام بها حتى عام 1911، ولكن بسبب غياب معلومات دقيقة حول هذه التجارب، انتشرت في الأوساط العثمانية شائعات ذات طابع تصعيدي عن نوايا يونانية لاستهداف السواحل وخطوط النقل وصولا إلى إسطنبول، وهو ما أسهم في دفع الدولة العثمانية إلى طلب غواصتين أكثر تطورا من شركة نوردنفلت.

"اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية"

لقد اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية، مثل الدردنيل والبوسفور، وتأمين موانئ رئيسية مثل إسطنبول وسالونيك وإزمير وطرابزون وبيروت، وضمان استمرار التجارة، وقد تعزز هذا التوجه بعد الهزيمة الثقيلة في الحرب الروسية العثمانية (1877–1878)، التي كشفت ضعف الأسطول العثماني خاصة في البحر الأسود، مقابل فاعلية زوارق الطوربيد الروسية.

كما استغلت اليونان هذا الضعف عبر دعم تمردات جزيرة كريت ضد الدولة العثمانية، ومضايقة السفن العثمانية، ومحاولات التوسع في مناطق إبيروس وجنوب مقدونيا عام 1885، ما دفع الدولة العثمانية إلى تطوير قدراتها البحرية، والبحث عن وسائل قتالية حديثة، مثل الغواصات القادرة على إطلاق الطوربيدات والعمل في الخفاء.

قصة الغواصات: عبد الحميد وعبد المجيد

استغلت شركة نوردنفلت ووكيلها باسيل زخاروف حالة التوتر السياسي بين الدولة العثمانية واليونان وحولتها إلى فرصة تجارية، فشجّعا الطرفين على اقتناء غواصات كانت لا تزال في مرحلة التطوير، وبعد انتشار خبر امتلاك اليونان غواصة، سارعت الدولة العثمانية إلى طلب غواصتين بسعر أعلى من اليونانيين بلغ 11 ألف جنيه إسترليني لكل واحدة، ووقعت عقد الشراء عام 1886.

وبموجب أمر صادر من السلطان عبد الحميد الثاني تقرر تمويل الصفقة من الخزينة السلطانية الخاصة، على أن تُنجز الغواصتان خلال شهرين ونصف، ثم تُنقلان مفككتين إلى إسطنبول ليعاد تركيبهما في ترسانة طاشكزاق بالقرن الذهبي، وقد صُنعت الغواصتان المعروفتان وقتها باسم "نوردنفلت–2" و"نوردنفلت–3″، في أحواض ديس فين-تشيرستي بإنجلترا، وجاءتا أكبر حجما وأكثر تطورا من النموذج الأول الذي امتلكته اليونان.

"اشترى العثمانيون غواصتين من شركة نوردنفلت بسعر 11 ألف جنيه إسترليني للواحدة، وتم توقيع عقد الشراء عام 1886"

بلغ طول كل غواصة 31 مترا، وعرضها 3.6 أمتار، ووزنها نحو 160 طنا، وزُوّدتا بمحرك ثنائي الأسطوانات بقوة 250 حصانا، وقد تفوقتا في السرعة على النموذج السابق، سواء على السطح أو تحت الماء، واعتمدتا أثناء الغوص على ضغط البخار المتبقي في الغلاية بعد إغلاق المدخنة، وتألف طاقمهما من 5 أفراد.

كما كانتا من أوائل الغواصات القادرة على إطلاق الطوربيدات، رغم أن مدى حركتهما تحت الماء لم يتجاوز 12 ميلا، ما جعل استخدامهما أقرب إلى الهجوم السطحي، وقد بدأ تجميع الغواصتين في ترسانة طاشكزاق بعد تأخير 10 أيام بإشراف المهندس البريطاني ويليام غاريت، الذي كان يتنقل بين جزيرة سالاميس اليونانية وإسطنبول لمتابعة التجارب، في ظل سباق تقني متصاعد بين العثمانيين واليونانيين لامتلاك هذا السلاح الجديد، استغلته الشركة المصنعة بصورة لافتة، كما يقول إفرين ميرجان.

ورغم ذلك، واجهت عملية التجميع عقبات عديدة، إذ وصلت الأجزاء ناقصة وظهرت مشكلات تقنية متكررة، إلى جانب تأخر دفع أجور العمال بسبب الأزمة المالية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية، كما أشارت مراسلات رسمية إلى أن غياب المهندس غاريت لفترات طويلة كان من أبرز أسباب التعطيل، نظرا لاعتماد عمليات التركيب والتجارب عليه.

"في عام 1887، سجلت حادثة تجسس على الغواصات وانتهى الأمر بإعدام الجاسوس"

ورغم ذلك استمرت الجهود بوتيرة مكثفة، حيث أشار وزير البحرية حسن باشا في تقريره المؤرخ في 31 يوليو/تموز 1886 إلى أن العمل كان يجري ليلا ونهارا لتعجيل إنجاز المشروع، رغم ضيق أماكن العمل، ويبدو بحسب ميرجان أن هذه الغواصات أثارت اهتمام دول أخرى، حيث سُجّلت حادثة تجسس عام 1887 حين التقطت صور سرية لها (شهد التصوير الفوتوغرافي بدايات انتعاشه في تلك الفترة) وانتهى الأمر بإعدام الجاسوس.

وفي نهاية المطاف اكتمل تركيب الغواصة الأولى التي تقرر تسميتها عبد الحميد في 6 سبتمبر/أيلول 1886 وأُعدّت للتجارب، بينما تأخر إنزال الغواصة الثانية عبد المجيد حتى 4 أغسطس/آب 1887 بسبب النواقص الفنية وتأخر استكمال العمل.

وبالفعل أُجريت التجارب الأولية للغواصتين عبد الحميد وعبد المجيد في منطقة القرن الذهبي بإسطنبول قبالة سراي بورنو ثم أمام أسكدار، بمشاركة 4 ضباط عثمانيين عُيّنوا للحد من الاعتماد التقني على الطاقم البريطاني والمهندس ويليام غاريت. وقد أُسندت قيادة عبد الحميد إلى الضابط العثماني النقيب خليل دولي أوغلو، وكان صاحب خبرة في زوارق الطوربيد، حيث نفذ مع غاريت غطسات ملاحية بين منطقتي قصر عينالي قافاق والديوان خانة.

ولكن من اللافت أن هذه التجارب رصدت اختلالات خطيرة، أبرزها الميول الحادة أثناء الغوص، وعدم بلغ السرعة التي وعدوا بها تحت الماء (5-7 أميال)، إذ لم تتجاوز السرعة الفعلية 3 أميال، فضلا عن عدم القدرة على مجابهة تيارات مضيق البوسفور، كما تبين أن الإبحار الكامل تحت الماء غير آمن، وأن أفضلية الاستخدام تقتصر على وضع يكون فيه برج المراقبة ظاهرا فوق سطح الماء.

"رغم ضعف الأداء تحت الماء، خلصت اللجنة الفنية إلى إمكانية استخدام الغواصتين بفعالية نسبية في الهجوم عندما يكون برج المراقبة فوق السطح"

وبناء على هذه النتائج صدر قرار بإجراء تجارب أوسع في منطقة إزميت لتقييم الإمكانات العملياتية، حيث أُجريت لأول مرة تدريبات إطلاق طوربيد على هدف سطحي خلال إبحار مشترك للغواصتين، ورغم ضعف الأداء تحت الماء، خلصت اللجنة الفنية إلى إمكانية استخدام الغواصتين بفعالية نسبية في الهجوم عندما يكون برج المراقبة فوق السطح.

وأكد التقرير المرفوع من وزير البحرية حسن باشا إلى الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) أن الغواصتين ملائمتان للإبحار السطحي، وأن صعوبة رصدهما مقارنة بزوارق الطوربيد تمنحهما قيمة دفاعية في حماية الموانئ والسواحل، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أن الإبحار الأفقي تحت الماء غير آمن ولا يطابق شروط العقد، ما يستلزم استكمال النواقص التقنية.

يذكر الباحث التركي أمر الله نتكو، في دراسته "الأتراك أول من استخدموا الغواصة"، أن إسطنبول شهدت ذروة هذه التجارب في صيف 1888، حين أطلقت الغواصة عبد الحميد قبالة قصر دولما بهجة، طوربيدا على سفينة قديمة فأغرقتها على الفور، وذلك في أول حادثة مسجلة عالميا لإغراق هدف سطحي بواسطة غواصة وسط متابعة جماهيرية ودبلوماسية واسعة.

وفي خضم ذلك وجّه المهندس غاريت رسالة مؤرخة في 28 فبراير/شباط 1888 إلى حسن باشا، أقر فيها بأن وسطاء الصفقة وبعض غير المختصين بالغوا في عرض قدرات الغواصات أمام السلطان بما خلق آمالا غير واقعية، مؤكدا استعداده لاستكمال النواقص، وعلى الرغم من هذه التحفظات صدر في 22 مارس/آذار 1888 قرار رسمي بقبول الغواصتين في الخدمة، ومُنح غاريت رتبة فخرية، غير أن هذا الإنجاز لم يُترجم إلى استخدام فعلي، حيث سُحبت الغواصتان مباشرة إلى أحواض منطقة القرن الذهبي وفُرضت قيود صارمة على تشغيلهما.

"لم تُوظف الغواصتان في أي عملية عسكرية فعلية رغم دخولهما الخدمة رسميا"

واستنادا إلى العديد من دراسات تاريخ البحرية العثمانية في تلك الفترة، فقد تبين أنه على الرغم من أن الغواصتين عبد الحميد وعبد المجيد قد انضمتا رسميا إلى الأسطول العثماني، وسجّلتا إنجازاً تاريخياً عالمياً بوصفهما أولى الغواصات التي أطلقت طوربيدا من تحت الماء، فإنهما لم توظفا في أي عملية عسكرية فعلية قط في أعقاب تجارب إزميت عام 1888، إذ كشفت تلك التجارب عن قصور تقني جوهري يتمثل في عدم الاستقرار الهيكلي أثناء الغطس وانعدام القدرة على المناورة تحت الماء، فضلا عن عجز المحرك البخاري عن توفير دفع فعال في بيئة الغوص.

وقد آثرت البحرية العثمانية إبقاءهما مسجلتين في قوائم الأسطول النشط لاعتبارات عسكرية ودبلوماسية، وربما كسلاح ردع لتخويف اليونان، في حين ظلتا راسيتين دون استخدام حقيقي قرابة 26 عاما متصلة، حتى صدر قرار تخريدهما وتكهينهما في عام 1914 حين وُجدتا في حالة بالغة التلف، ورغم ذلك يحسب للسلطان عبد الحميد محاولته الجادة إنقاذ الدولة العثمانية، وتطوير جيشها وبحريتها في وقت كان العالم يموج بتغيرات عميقة وخطيرة أدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى، وذلك بعد خلع عبد الحميد بـ 5 سنوات فقط.

الجمعة، 5 يونيو 2026

بين الوهم والواقع: الإنسان حين يضلّ صورته

 بين الوهم والواقع: الإنسان حين يضلّ صورته


محمد صالح البدراني

"المشكلة تبدأ عندما يفقد الرمز وظيفته التأويلية ويتحول إلى بديل كامل عن الواقع، فيصبح الإنسان أسير الصورة التي اخترعها بنفسه"


الوهم والهُوية:

ليست المأساة الكبرى في حياة الإنسان أنه يخطئ، بل أن يتحول خطؤه إلى هوية كاملة يدافع عنها بوصفها حقيقة مطلقة، فالوهم لا يبدأ عادة من الكذب الصريح، وإنما من الرغبة العميقة في رؤية العالم كما نشتهي لا كما هو، ومن هنا تنشأ أغلب الانكسارات الفكرية والحضارية؛ حين تتقدم الرغبة على الفهم، ويتحول الخيال من قوة للإبداع إلى وسيلة للهروب من الواقع.

الإنسان كائن رمزي بطبيعته، لا يعيش داخل المادة وحدها، بل داخل الصور والمعاني التي يصنعها عن نفسه وعن العالم، لذلك لم تكن الأساطير القديمة مجرد حكايات للتسلية، بل كانت محاولات لفهم الوجود وتحمّل قسوته، غير أن المشكلة تبدأ عندما يفقد الرمز وظيفته التأويلية ويتحول إلى بديل كامل عن الواقع، فيصبح الإنسان أسير الصورة التي اخترعها بنفسه.

في لحظات كثيرة من التاريخ، تصرفت الأمم كما لو أنها شخصيات روائية مأخوذة بأوهام البطولة. توهمت أنها تحمل رسالة مطلقة، وأن العالم خُلق كي يعترف بتفوقها، وأن كل اختلاف يمثل تهديدا ينبغي إخضاعه أو محوه، وما إن تستقر هذه الفكرة في الوعي الجمعي حتى يبدأ الانفصال التدريجي عن الواقع؛ إذ تتحول الوقائع المعقدة إلى سرديات مبسطة، ويتراجع الفهم أمام الحماسة، ويصبح الشعار أهم من الحقيقة.

الإنسان الذي يطارد أوهامه طويلا ينتهي غالبا إلى الاصطدام بالعالم كما هو، لا كما تخيله. والمفارقة أن أكثر الناس تعلقا بالأوهام هم أولئك الذين يرفضون الاعتراف بها؛ لأن الاعتراف يعني انهيار الصورة المثالية التي بنوا ذواتهم عليها


لكن الواقع لا يهزم بالكلمات، ولا يتغير بالرغبات وحدها، إنه أكثر صلابة من الصور التي نصنعها عنه، ولهذا فإن الإنسان الذي يطارد أوهامه طويلا ينتهي غالبا إلى الاصطدام بالعالم كما هو، لا كما تخيله. والمفارقة أن أكثر الناس تعلقا بالأوهام هم أولئك الذين يرفضون الاعتراف بها؛ لأن الاعتراف يعني انهيار الصورة المثالية التي بنوا ذواتهم عليها.

الوهم والإنسان المعاصر

ومن هنا يمكن فهم جانب عميق من المأزق الإنساني المعاصر، فالعصر الحديث، رغم تقدمه الهائل، لم يحرر الإنسان من الوهم، بل منحه أدوات أكثر تعقيدا لصناعته، لم تعد الأوهام تُنسج في الحكايات فقط، بل في الإعلام، والسياسة، والفضاء الرقمي، وحتى في الطريقة التي يعرض بها الإنسان ذاته أمام الآخرين، لقد أصبح من الممكن صناعة نسخة محسنة من الذات، أكثر بريقا وأقل حقيقة.

ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في الخيال نفسه؛ فالخيال أحد أعظم قوى الإنسان الخلّاقة، الحضارات الكبرى بدأت دائما بحلم، والعلم نفسه كان في بداياته ضربا من التخيّل الجريء، لكن الفرق كبير بين الخيال الذي يدفع الإنسان إلى بناء الواقع، والوهم الذي يدفعه إلى الهروب منه، الأول يوسّع حدود الممكن، أما الثاني فيعطل القدرة على رؤية الممكن أصلا.

إن أخطر أنواع الوهم هو ذلك الذي يمنح الإنسان شعورا زائفا بالاكتفاء، حين يقتنع الفرد أو المجتمع بأنه يملك الحقيقة النهائية، يتوقف عن التعلم، وعندما يتوقف عن التعلم يبدأ التآكل الداخلي، حتى لو بدا ظاهريا قويا ومتماسكا، فالحياة لا تعاقب الجهل بقدر ما تعاقب الغرور المعرفي؛ لأن الجاهل قد يتعلم، أما المتوهم أنه يعلم كل شيء فقد أغلق باب المراجعة على نفسه.

الوهم والفهم

ولعل هذا ما يفسر كيف يمكن لأمم تمتلك القوة والثروة والمعرفة أن تسقط في أخطاء بدائية، فالخلل لا يكون دائما في الإمكانات، بل في طريقة إدراك الذات. أحيانا تصبح الصورة التي يرسمها الإنسان عن نفسه أكثر أهمية لديه من الحقيقة نفسها، فيعيش مدافعا عن صورته لا عن وجوده الحقيقي.

الإنسان المعاصر في حاجة ماسّة إلى نوع جديد من الاتزان؛ اتزان يسمح له بالاستفادة من الخيال دون السقوط في الوهم، وباستخدام التكنولوجيا دون التحول إلى عبد للخوارزميات، وبامتلاك الطموح دون الوقوع في جنون العظمة


وفي المقابل، لا يقل خطرا ذلك النوع من البشر الذين يهربون من مسؤولية حريتهم بالاحتماء بالأقوياء أو بالجموع أو بالأفكار الجاهزة، فالإنسان الخائف من اتخاذ موقف مستقل يميل دائما إلى استعارة وعيه من الآخرين، إنه يفضل الطمأنينة النفسية التي يمنحها الانتماء الأعمى على القلق الصعب الذي يرافق التفكير الحر.

غير أن الوجود الإنساني لا ينضج إلا بالمواجهة، مواجهة النفس أولا، ثم مواجهة الواقع دون أقنعة، فالحكمة لا تولد من الانتصارات السهلة، بل من القدرة على مراجعة الذات دون انهيار، والوعي الحقيقي ليس أن يمتلك الإنسان أجوبة جاهزة، بل أن يحتفظ بالشجاعة الكافية لطرح الأسئلة المؤلمة.

الوهم والاتزان

لهذا يبدو الإنسان المعاصر في حاجة ماسّة إلى نوع جديد من الاتزان؛ اتزان يسمح له بالاستفادة من الخيال دون السقوط في الوهم، وباستخدام التكنولوجيا دون التحول إلى عبد للخوارزميات، وبامتلاك الطموح دون الوقوع في جنون العظمة. إن النجاة الفكرية اليوم لا تتحقق بالانسحاب من العالم، بل بالقدرة على العيش داخله بوعي نقدي متيقظ.

فالواقع ليس شيئا ثابتا تماما، كما أنه ليس مادة طيّعة بالكامل لإرادتنا، إنه علاقة معقدة بين ما هو موجود وما نضيفه نحن إليه من معنى، ولذلك فإن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملكه من أدوات، بل بقدرته على التمييز بين الحقيقة والصورة، بين الرؤية والبريق، بين الحلم الذي يبني والحلم الذي يلتهم صاحبه.

ربما لا تكمن الحكمة في القضاء على الأوهام نهائيا، فهذا مستحيل تقريبا، بل في ألا نسمح لها بأن تعيش بدلا منا، فالإنسان الذي يفقد صلته بالواقع يتحول تدريجيا إلى سجين لخياله، أما الذي يوازن بين الحلم والبصيرة، بين الطموح والنقد، فإنه يملك فرصة حقيقية لبناء حياة أكثر صدقا وعمقا واتزانا.