من يتأمل حال الكثير منا في هذا الزمان في تناوله لمنصات التواصل الاجتماعي يجد أنها لم تعد منصات للتواصل الفكري والمعلوماتي، ولا حتى مساحات عابرة لتبادل الصور والتعليقات والحكايا بين الناس، بل تحوّلت شيئًا فشيئًا إلى مسارح مفتوحة لصناعة الذات البشرية، حيث لا يقدّم البعض نفسه – خصوصاً المشاهير - كما هو على الحقيقة، بل كما يريد هو أن يُرى أمام الناس، ومع هذا السعي في هذا المسار، نجد أن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: ماذا سنشارك الآخرين؟
وفي هذا السياق، تكشف مراجعات علمية حديثة عن حقيقة مقلقة عن السوشيال ميديا التي لم تعد تنقل الواقع، بل تقوم بإعادة تركيبه وعرضه للآخرين، ولا تعرض الحياة كما هي، بل كما يُراد لها أن تبدو، صافية من الهموم، محسّنة للمظهر، ومختارة بعناية، ومليئة بالأضواء والأمجاد، بينما تُخفى الزوايا المعتمة خلف فلاتر الصمت والابتسامة المصطنعة المخادعة. وتشير بعض التقارير والدراسات التي استعرضتها واطلعت عليها أن كثيرًا من المستخدمين لأدوات السوشيال ميديا لا يتعاملون مع حساباتهم بوصفها مساحة للتعبير وعرض الأفكار، بل كـمشروع تسويقي للذات شديد الغلو، فالصورة، والزاوية، والكلمات، بل وحتى الصمت، كلها أدوات لإدارة الانطباع العام، فالإنسان في هذا العالم الافتراضي، إلا من رحم الله، لا يعرض ما يعيشه، بل ما يظن أنه سيُكسبه القبول، والإعجاب، والانتماء عند المتابعين.
ومع تكرار هذا السلوك، تتحوّل التفاعلات الرقمية، كعدد الإعجابات، وعدد المتابعين، ونمطية التعليقات، إلى مقياس للقيمة الذاتية، ويصبح الرضا الداخلي مشروطًا برأي الآخرين، ويغدو الشعور بالوجود مرهونًا بظهوره على الشاشة، ومن هنا لا يعود الشخص يعيش حياته بحقيقتها، بل ليؤدي دوراً آخر.
وحقيقة أمامنا تتجلى وهي أنه ما كان لهذا الوهم أن يتضخم لولا الأدوات التقنية التي جعلت التزييف وخداع الناس سهلًا وسريعًا، فالفلاتر مثلاً لا تغيّر الصور فقط، ولكنها تعيد تعريف الجمال وتزيد تعقيداته، وتزرع في الوعي معايير مستحيلة لذلك، ومع الذكاء الاصطناعي، لم يعد التزييف مقتصرًا على تحسين الواقع، بل وصل إلى خلق واقع بديل بالكامل بأفكار مدعاة مكذوبة وبعمق فكري مزعوم.
والأسوأ من ذلك السعي الحثيث للانتقاء المتعمّد، فصورة جميلة من بين مئات الصور غير الجميلة، ولحظة في ثوانٍ من بين أيام وساعات طوال، وابتسامة من بين تعب وإرهاق شديد، وهكذا.. نجد أنها تُبنى قصة حياة بعيدة عن الواقع، وتُقدَّم للمتابعين باعتبارها نموذج حياتنا المثالي الواقعي.
والمعضلة في ذلك التزييف أنه لا يبقى حبيس الشاشة، بل يتسرّب إلى الداخل، فالمقارنة المستمرة مع الصور المثالية تزرع شعورًا بالنقص لدى المتابعين الذين يجدون بوناً شاسعاً بين نعيم المشاهير وشقائهم، وتُنتج ضغطًا نفسيًا خفيًا، فيتساءل الفرد منهم: لماذا حياتي أقل بريقًا وأقل نعيماً؟ ولماذا لا أبدو كما يبدون؟ ومع الزمن، يتحول هذا السؤال إلى قلق دائم، وقد يقود إلى الاكتئاب أو فقدان الثقة بالنفس.
وحين يصبح القبول الرقمي لهذا الزيف شرطًا للشعور بالقيمة، يدخل الإنسان حينها في حلقة مفرغة، مزيد من التزييف، فمزيد من الترقّب، فمزيد من القلق.
أيها الأحباب، السوشيال ميديا ليست شرًا في ذاتها كأدوات، فهي كأداة للتبادل الفكري والمعلوماتي فيها خير كثير واختصار للوقت، لكنها تصبح خطرًا حين تتحوّل من نافذة على الحياة الحقيقية إلى مرآة مشوّهة لها، وحين نخلط بين ما نراه وما هو كائن، نفقد القدرة على التمييز بين الواقع والأداء، وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا: هل نحن نستخدم المنصات ونحقق الفائدة منها؟ أم هي التي تستخدمنا وتعيد تشكيلنا كما يريده الذين نتابعهم؟ وهل نحن في مناعة نفسية من ذلك أم في هشاشة مضطربة؟



.jpg)


