الخميس، 13 أغسطس 2026

انهيار المظلة

 عاجل

انهيار المظلة

مكاوي الملك


أمريكا تُستنزف.. إيران تضغط.. والصين تبدأ بملء الفراغ
حين تتحول القوة العسكرية من مصدر للردع إلى معركة على المخزون والزمن والتحالفات… تبدأ ملامح النظام الجديد بالظهور…
ما يحدث اليوم يتجاوز كل ما سبقه من مؤشرات التصعيد..
المشهد لم يعد مجرد حرب بين أمريكا وإيران، ولا مجرد صراع على مضيق هرمز..
نحن أمام اختبار أوسع للقوة الأمريكية نفسها:
هل تستطيع واشنطن الحفاظ على التفوق العسكري، وحماية قواتها، وتأمين حلفائها، وضمان تدفق الطاقة، وإدارة عدة جبهات في الوقت نفسه؟
هنا تبدأ الصورة الأكثر خطورة…
أمريكا لا تزال تملك أقوى قوة عسكرية في العالم..
لكن الحرب بدأت تكشف شيئاً مختلفاً:
القوة الهائلة يمكن أن تتحول إلى عبء عندما يصبح استهلاكها أسرع من قدرة النظام على تعويضها
التفكيك | ماذا نرى فعلاً؟
الحقيقة الصارخة أن الحرب بدأت تضغط على عناصر القوة الأمريكية واحداً بعد الآخر..
الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي هبط إلى نحو 298.7 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1983، بعد سحب ملايين البراميل خلال الأزمة. وفي الوقت نفسه ارتفع برنت إلى قرابة 88 دولاراً مع تصاعد الشكوك حول استقرار الملاحة في هرمز..
وفي الجانب العسكري، ظهرت مؤشرات أكثر حساسية…
تقارير وتحليلات أمريكية أشارت إلى استهلاك ضخم من صواريخ الدفاع الجوي، مع تقديرات بأن مخزون THAAD انخفض بنحو 80% تقريباً، فيما استُهلكت نسبة كبيرة من صواريخ Patriot أيضاً. كما تحدثت تقديرات CSIS عن استنزاف كبير في مخزونات الصواريخ بعيدة المدى..
وهنا يجب الانتباه:
القضية ليست أن أمريكا فقدت قدرتها العسكرية..
القضية أن الحرب كشفت تكلفة المحافظة على هذه القدرة عندما تصبح المواجهة طويلة ومكلفة..
فالصاروخ الاعتراضي الذي يُطلق خلال ثوانٍ قد تبلغ كلفته ملايين الدولارات، بينما يستطيع الخصم إنتاج وسائل هجومية أرخص بكثير..
وهذه هي معادلة الاستنزاف التي بدأت تظهر بوضوح…
أزمة أخرى أخطر من الأرقام | المعنويات
خلال الساعات الأخيرة ظهرت تقارير مقلقة عن حاملة الطائرات الأمريكية USS Abraham Lincoln، التي أمضت أكثر من 250 يوماً في البحر ضمن انتشار استثنائي..
تقارير نقلت عن عائلات أفراد الطاقم ووسائل إعلام عسكرية وقوع محاولات انتحار ومحاولات قفز إلى البحر، وسط شكاوى من طول الانتشار، ضعف الخدمات، قلة الإجازات، والإرهاق النفسي..
هذه النقطة لا تعني أن الجيش الأمريكي انهار..
لكنها تكشف شيئاً مهماً:
الحرب الطويلة بدأت تنتقل من مخازن السلاح إلى الإنسان الذي يحمل السلاح..
وهذه أخطر مراحل الاستنزاف..
لأن الصاروخ يمكن إنتاجه من جديد..
أما الإنسان المنهك، فاستعادته تحتاج وقتاً وثقة وقيادة..
الربط | أين نقطة التحول؟
في مقالاتي السابقة ، كنت أرسم صورة لصراع محسوب:
الضربة، ثم الردع، ثم هرمز، ثم الطاقة، ثم حرب الزمن..
اليوم بدأت هذه الخيوط تلتقي في صورة واحدة..
التحول الجذري:
· من التركيز على السيطرة العسكرية إلى إدارة تكلفة السيطرة
· من الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية إلى بناء بدائل إقليمية
· من تحالفات تتحرك خلف واشنطن إلى دول تعيد بناء حساباتها الأمنية بنفسها
· ومن النظام المالي المتمحور حول الدولار إلى توسع تدريجي في الأدوات والمؤسسات البديلة.
والأهم: من احتكار القوة إلى توزيع القدرة على التأثير...
اتفاق مكة | الرسالة الأهم من الخليج
في 7 أغسطس، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك في مكة، يقوم على مبدأ أن الاعتداء المسلح على أي طرف يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع..
وهذا تطور استراتيجي مهم للغاية…
ليس لأنه (ناتو إسلامي) مكتمل المؤسسات، فهذا توصيف مبالغ فيه في هذه المرحلة..
لكن لأنه يمثل انتقالاً واضحاً نحو تنويع مصادر الأمن الإقليمي..
السعودية تملك الوزن المالي والطاقة…
تركيا تملك قوة عسكرية وصناعية كبيرة، وهي عضو في الناتو..
باكستان دولة نووية ذات قدرات عسكرية كبيرة…
أما مصر ، فقد أصبحت جزءاً من مسار التنسيق السياسي والأمني الرباعي مع السعودية وتركيا وباكستان، وهو مسار يتطور بالتوازي مع الاتفاق الثلاثي..
وهنا تظهر الرسالة:
دول المنطقة بدأت تفكر في الأمن باعتباره مسؤولية متعددة الأطراف، لا خدمة تأتي من عاصمة واحدة
وهذا تحول أهم من اسم الاتفاق نفسه..
الصين | الفراغ الذي لا يُملأ بالدبابات
الصين تفهم شيئاً لا يحتاج إلى ضجيج:
الفراغ الاستراتيجي لا يحتاج دائماً إلى جيش يدخل إليه..
يكفي أن تدخل التجارة..والطاقة…والاستثمار…والتكنولوجيا…والممرات البحرية…والوساطة…والبنية التحتية…
والدليل اللافت أن الصين دخلت في اتصالات مباشرة مع الحوثيين لضمان مرور سفنها في جنوب البحر الأحمر دون استهداف، وفق مصادر نقلتها رويترز..
الصين هنا لا تدخل الحرب عسكرياً..
إنها تفعل شيئاً أكثر براغماتية:
تحمي مصالحها وتبني نفوذها في الفراغ الذي تخلقه الحرب..
وهذه هي الطريقة الصينية في التمدد:
أقل ضجيجاً من واشنطن…وأطول نفساً…
إيران | الحرب تنتقل من الصاروخ إلى النظام المالي
وهنا يظهر تطور بالغ الأهمية خلال الساعات الأخيرة..
إيران أعلنت أنها تستعد للانضمام إلى بنك التنمية الجديد التابع لبريكس، مع تأكيد رغبتها في توسيع التعامل بالعملات الوطنية والتعاون النقدي مع أعضاء المجموعة..
إيران عضو في بريكس منذ 2024، لكن الانضمام إلى مؤسسة مالية تابعة للمجموعة يضيف طبقة جديدة إلى استراتيجيتها في مواجهة العقوبات والنظام المالي الغربي..
وهنا يجب فهم الصورة جيداً:
بريكس لا تعني سقوط الدولار غداً..
لكنها تعني أن دولاً تخضع لضغوط أمريكية بدأت تبحث عن قنوات مالية إضافية تقلل اعتمادها على النظام الغربي
وهذا بالضبط ما يجعل المسألة استراتيجية..
الحرب لم تعد فقط:صاروخاً مقابل صاروخ…بل أصبحت:
سلاحاً + طاقة + تجارة + بنوك + عملات + تحالفات
لماذا أصبحت الذخائر أهم من حاملات الطائرات؟
لأن الحرب الحديثة لا تقيس القوة بعدد المنصات فقط..
تقيسها بقدرة الدولة على: الإطلاق .. الاعتراض .. التعويض … إعادة الإنتاج .. الاستمرار..
وهنا تواجه واشنطن اختباراً حقيقياً..
إذا استُهلكت الدفاعات بسرعة، يجب تعويضها..
إذا استُهلكت الصواريخ الهجومية، يجب إعادة إنتاجها..
إذا طال انتشار حاملات الطائرات، يرتفع الضغط على الطواقم..
إذا استمر اضطراب الطاقة، ترتفع الكلفة الاقتصادية..
وإذا طال الصراع، يبدأ الحلفاء بإعادة تقييم خياراتهم…
هذه هي معادلة الزمن…
ما لا يُقال | الحقيقة الأعمق
أخطر ما يحدث الآن أن الحرب بدأت تغيّر سلوك الدول…السعودية تعيد بناء خياراتها الأمنية…تركيا توسع هامشها الاستراتيجي…باكستان تدخل بصورة أعمق في هندسة أمن الخليج…مصر تشارك في مسار التنسيق الإقليمي
الصين تتعامل مباشرة مع أطراف النزاع لحماية مصالحها التجارية…
إيران تبحث عن مسارات مالية خارج النظام الغربي…
وهذه كلها ليست أحداثاً منفصلة..
إنها أجزاء من اتجاه واحد:
الدول بدأت تستعد لعالم لا تستطيع فيه قوة واحدة ضمان كل شيء للجميع
وماذا عن إسرائيل؟
هنا تظهر معادلة أكثر حساسية…
إسرائيل كانت تعتمد تاريخياً على مزيج من تفوقها العسكري والمظلة الأمريكية وشبكة من الترتيبات الإقليمية..
لكن إذا استمرت دول المنطقة في بناء ترتيبات أمنية مستقلة، وإذا حافظت إيران على قدرتها على الضغط، وإذا توسعت الصين وروسيا في المجال الاقتصادي والاستراتيجي…
فإن البيئة المحيطة بإسرائيل تصبح أكثر تعقيداً.
وهذا لا يعني أن إسرائيل أصبحت معزولة عسكرياً..ولا يعني أن أمريكا تخلت عنها…لكن يعني شيئاً أكثر دقة:
الهامش الاستراتيجي الذي كانت تتحرك داخله لم يعد ثابتاً كما كان..
💥 الاستنتاج | أين تتجه المنطقة؟
نحن أمام خمسة تحولات متزامنة:
1/ المظلة الأمريكية تتعرض لاختبار حقيقي
ليس لأنها اختفت، وإنما لأن الحلفاء بدأوا يبحثون عن طبقات حماية إضافية..
2/ إيران تحولت إلى عامل يصعب تجاهله
حتى خصومها باتوا يحسبون تكلفة تجاهل قدرتها على الرد والتأثير…
3/ الصين تستثمر في الفراغ
عبر الاقتصاد والطاقة والتجارة والوساطة، دون الحاجة إلى دخول الحرب مباشرة..
4/ التحالفات الإقليمية تتغير
واتفاق مكة مثال واضح على اتجاه نحو بناء قدرات أمنية متعددة الأطراف..
5/ النظام المالي العالمي يدخل مرحلة تنافس أعمق
انضمام إيران المتوقع إلى بنك بريكس لا يسقط الدولار، لكنه يعزز مسار البحث عن بدائل وممرات مالية خارج النظام الغربي..
الخلاصة الحاسمة ..ما نراه اليوم ليس مجرد هروب من طائرة، ولا مجرد صاروخ أُطلق من إيران، ولا مجرد ناقلة غيرت مسارها..
إنه اختبار لنموذج القوة الأمريكي نفسه..
أمريكا ما زالت قوة عظمى…
وما زالت تملك قدرات عسكرية واقتصادية وتحالفات ضخمة…
لكن الحرب كشفت حدوداً جديدة:
الذخائر لها سقف…الاحتياطيات لها سقف…قدرة الجندي على التحمل لها سقف..قدرة الحليف على الانتظار لها سقف…والاقتصاد العالمي له سقف..
وفي المقابل، إيران لا تحتاج إلى إسقاط أمريكا عسكرياً حتى تحقق مكاسب استراتيجية
يكفي أن تجعل تكلفة الحفاظ على الوضع القديم أعلى من تكلفة تغييره…
والصين لا تحتاج إلى احتلال الفراغ…
يكفي أن تكون حاضرة عندما يبدأ الآخرون بالبحث عن بديل..
أما دول المنطقة، فقد بدأت تفهم الدرس الأكبر:
من يعتمد على مظلة واحدة، يصبح مستقبل أمنه مرتبطاً بقدرة تلك المظلة على الاستمرار…
ولهذا فإن المعركة الحقيقية الآن لا تدور فقط فوق هرمز…
ولا فوق القواعد…ولا في سماء إيران..
المعركة الحقيقية تدور حول سؤال أكبر بكثير:
من سيضع قواعد النظام الإقليمي عندما تنتهي الحرب؟
إذا خرجت أمريكا من هذه الحرب وهي قادرة على إعادة بناء الردع والمخزونات والتحالفات، فستستعيد جزءاً كبيراً من موقعها..
وإذا خرجت المنطقة وقد بنت ترتيبات أمنية ومالية واقتصادية جديدة، فسيكون من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء..
وهنا تحديداً قد تكون المفاجأة:
الحرب قد تنتهي قبل أن ينتهي أثرها..
لأن الصواريخ تتوقف يوماً…لكن التحالفات التي وُلدت تحت النار قد تبقى لعقود…
✍️ مكاوي الملك | Makkawi Elmalik

للخصوم والحلفاء.. ماذا تخبئ أمريكا للعالم بعد عامين؟ عودة الجدل القديم حول السياسة الخارجية الأمريكية

للخصوم والحلفاء.. ماذا تخبئ أمريكا للعالم بعد عامين؟

عودة الجدل القديم حول السياسة الخارجية الأمريكية
مقال رأي بقلم
د. دونالد جنسن


دبلوماسي أمريكي سابق، وأستاذ مشارك في جامعة جونز هوبكنز. وكان عضوا في أول فريق أمريكي كُلِّف بتفتيش الصواريخ السوفياتية.

تعامل الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن مع الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها دفاعا عن أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي، وبما يتجاوز أوكرانيا، دفاعا عن النظام الدولي الذي تحدته موسكو.

أما دونالد ترمب فقد تعامل معها باعتبارها حربا دموية ومكلفة يجب إنهاؤها عبر المفاوضات، على أن تتحمل أوروبا نصيبا أكبر من العبء، وأن تقيم المشاركة الأمريكية بشكل مباشر أكثر وفقا للمصالح الأمريكية.

ومع ذلك، لا يفسر أي من هذين النهجين بشكل كامل الموقف الحالي للسياسة الخارجية الأمريكية، فقد اختبرت الحرب مع إيران الرغبة في تجنب التورط العسكري المطول.

وقد غيرت واشنطن مسارها أكثر من مرة فيما يتعلق بالدعم العسكري لأوكرانيا، ووراء كلا النهجين يقف التحدي الإستراتيجي الذي كان من المفترض أن يستحوذ على اهتمام الولايات المتحدة: الصين.

كشف العراق وأفغانستان عن حدود القوة الأمريكية، وهزت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 الثقة في الافتراضات الاقتصادية لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وأعاد صعود الصين المنافسة بين القوى العظمى، وأثبتت روسيا أن التكامل الاقتصادي لم يلغ الجغرافيا السياسية

ماذا حدث؟

الجواب يتجاوز بايدن وترمب، ويتجاوز أوكرانيا، فالسياسة الخارجية الأمريكية تتصارع مجددا مع سؤال قديم: أي نوع من القوى تريد الولايات المتحدة أن تكون؟ من كييف وطهران إلى القدس والرياض، تترقب الحكومات الإجابة.

قدم الرئيسان ردودا مختلفة، لكنّ كليهما يمثل تقاليد معروفة في السياسة الخارجية الأمريكية، وهما، على اختلافهما، تعبيران عن "الاستثنائية الأمريكية".

التقليد الدولي سبق إدارة بايدن بفترة طويلة، وقد أثر على الإدارات الجمهورية والديمقراطية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى العقود التي أعقبت الحرب الباردة.

لم يُنظر إلى التحالفات والمؤسسات الدولية كمجرد قيود على القوة الأمريكية فحسب، بل كوسائل لمضاعفتها؛ كان الأمن الأمريكي مرتبطا بنظام دولي تحكمه القواعد والمؤسسات، تُحفظ فيه السيادة، ويُقاوم فيه العدوان، وتُشجع فيه الدول الديمقراطية على التعاون.

كانت الولايات المتحدة تقف في قلب ذلك النظام، حيث كانت تعمل من خلال التحالفات والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى، لكنها احتفظت بالقدرة على التصرف عندما ثبت أن تلك المؤسسات غير كافية.

كان هناك أيضا ادعاء أخلاقي، فقد أضفى الموقف الاستثنائي لأمريكا مسؤوليات خاصة، وكان الدعاة إلى النزعة الدولية في واشنطن يعتقدون أن الأمن والنفوذ الأمريكيين يخدمهما على أفضل وجه، نظام دولي يدافع عن الديمقراطية والحرية الفردية وحقوق الإنسان الأساسية، مع حماية الدول ذات السيادة من العدوان.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، دخلت الولايات المتحدة ما أصبح يُعرف بـ"لحظة القطب الواحد"، وبدا أن التوجه الدولي قد فاز بشكل حاسم في الجدل.

فقد نجا حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتوسع، وتسارعت العولمة، وانتشرت الديمقراطية، وبدت الهيمنة الأمريكية ساحقة.

وأكثر من ذلك، كان يُفترض على نطاق واسع أن الانتقال الديمقراطي هو الاتجاه الطبيعي للتطور السياسي، وكثيرا ما بدا السؤال أقل ارتباطا بما إذا كانت الدول ستتجه نحو الديمقراطية واقتصاد السوق، وأكثر ارتباطا بمدى السرعة التي ستصل بها إلى ذلك.

بدت النزعات الأمريكية المتنافسة التشكيك في التورط في الشؤون الخارجية، والإصرار على السيادة، والمطالبة بتقاسم الأعباء مع الحلفاء، وتفضيل تعريف أضيق للمصلحة الوطنية، وكأنها قد دُفعت إلى الهامش.

وقد أخطأت واشنطن في تفسير انتصار أحد تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية على أنه اختفاء للتقليد الآخر.

فهو لم يختف.

في بداية ولاية الإدارة الحالية، تعاملت واشنطن مع كييف كشريك تابع ذي نفوذ تفاوضي محدود، وهو المنطق الكامن وراء تأكيد ترمب أن أوكرانيا لا تمتلك سوى "أوراق قليلة"، لكن أداء أوكرانيا في زمن الحرب غيّر الحسابات

كشف العراق وأفغانستان عن حدود القوة الأمريكية، وهزت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 الثقة في الافتراضات الاقتصادية لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وأعاد صعود الصين المنافسة بين القوى العظمى، وأثبتت روسيا أن التكامل الاقتصادي لم يلغ الجغرافيا السياسية.

لكن شيئا ما تغير أيضا داخل الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى: فقد أصبحت أقل ثقة في القيم والمؤسسات التي كانت تحث الآخرين في السابق بثقة على تبنيها.

لذلك، لم تكن أزمة نظام ما بعد الحرب الباردة مجرد أزمة للقوة الأمريكية فحسب، بل كانت أيضا أزمة ثقة.

لم يخلق دونالد ترمب رد الفعل هذا، بل أعطاه قوة سياسية وشكلا مميزا، ومن الأفضل فهم سياسة ترمب الخارجية على أنها مجموعة من الدوافع أكثر من كونها عقيدة راسخة.

غالبا ما تعزز القومية، والمساومة المعاملاتية، والدبلوماسية التجارية، والتشكك في الالتزامات المفتوحة، وتحديد الأولويات الإستراتيجية، والاستعداد لاستخدام القوة القسرية بعضها بعضا، لكن ليس دائما.

وعندما تتعارض هذه العناصر، قد ينتج عن ذلك تحولات مفاجئة في السياسة والرسائل.

لا ينبغي الخلط بين النهج المعاملاتي والانعزالية، يمكن لإدارة ترمب أن تسعى إلى ضبط النفس في مسرح معين، بينما تستخدم القوة أو الضغط الاقتصادي في مسرح آخر.

يمكن للرسوم الجمركية أن تكون وسيلة للعقاب، ويخلق الوصول إلى الأسواق نفوذا، ويمكن أن تكون اتفاقيات الاستثمار والأعمال بمثابة مكافأة على التعاون.

كما يمكن للضغط العسكري أن يعزز الموقف التفاوضي، ويمكن أن تصبح عدم القدرة على التنبؤ بحد ذاتها أداة للمساومة.

هذه دبلوماسية قسرية بقدر ما هي دبلوماسية تجارية، والهدف ليس الانسحاب من الشؤون الدولية، بل استخدام القوة الأمريكية لتحقيق عوائد ملموسة أكثر.

في بداية ولاية الإدارة الحالية، تعاملت واشنطن مع كييف كشريك تابع ذي نفوذ تفاوضي محدود، وهو المنطق الكامن وراء تأكيد ترمب أن أوكرانيا لا تمتلك سوى "أوراق قليلة".

لكن أداء أوكرانيا في زمن الحرب غيّر الحسابات، فهي تمتلك الآن أحد أكثر الجيوش خبرة في أوروبا، وصناعة دفاعية آخذة في التوسع، وخبرة ملحوظة في حرب الطائرات المسيّرة.

أصبحت التعريفات الجمركية أدوات للمساومة، وأصبح الوصول إلى الأسواق وسيلة ضغط، وأصبحت اتفاقيات الاستثمار إنجازات دبلوماسية،

ويمكن أن تصبح الصفقات التجارية بحد ذاتها مقياسا للنجاح الدبلوماسي، فالتجارة ليست مجرد هدف للسياسة الخارجية، بل أصبحت أداة منها

البلد الذي كان يُنظر إليه في السابق بشكل أساسي على أنه مستهلك للمساعدات الأمنية الغربية، يبدو الآن بشكل متزايد كمنتج للقدرات العسكرية والتكنولوجيا والقيمة الإستراتيجية.

وهذا يمنح أوكرانيا أوراقا أكثر مما كانت تشير إليه الصيغة الأصلية، وقد عدلت واشنطن موقفها وفقا لذلك.

ويكشف الجدل الدائر حول تزويد أوكرانيا بأنظمة "باتريوت" المتطورة للدفاع الجوي عن توتر آخر.

فقد أرسلت واشنطن إشارات متباينة بشأن الدعم العسكري المستقبلي، حتى في الوقت الذي تواصل فيه استكشاف ترتيبات من شأنها أن تمنح أوكرانيا دورا في إنتاج صواريخ "باتريوت" المعترضة.

وفي الوقت نفسه، فرضت الحرب مع إيران مطالب ثقيلة على مخزونات الصواريخ الأمريكية المحدودة، وقد وجد النهج الذي يهدف إلى تحديد أولويات أوضح أن الأحداث تخلق التزامات جديدة ومتنافسة.

ولا تزال سياسة روسيا غير مستقرة، فموسكو تمثل في آن واحد خصما يجب الضغط عليه، وشريكا تفاوضيا تسعى واشنطن للتوصل إلى اتفاق معه، ومشكلة أمنية تريد الإدارة أن يتحمل الأوروبيون عبئها بشكل أكبر، وشريكا تجاريا محتملا، وتحديا يستنزف موارد قد تفضل واشنطن تركيزها على الصين.

وهذه الأهداف ليست متعارضة بالضرورة، لكن الإدارة لم تتمكن بعد من التوفيق بينها في إطار سياسة متسقة.

كما أن الرسائل المبعوثة مهمة أيضا، فقد يوفر عدم القدرة على التنبؤ نفوذا تفاوضيا من خلال ترك الخصم في حالة من عدم اليقين بشأن الخطوة التالية لواشنطن.

لكن الحلفاء يتلقون نفس الإشارات، فالغموض الذي يعقّد حسابات الخصم يمكن أن يعقّد أيضا تخطيط الحليف.

للجانب الاقتصادي من هذا النهج جذور عميقة، فخلال الحرب الباردة، قيدت واشنطن وحلفاؤها نقل التكنولوجيا الإستراتيجية إلى الكتلة السوفياتية، واستخدموا التجارة والتمويل والوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة كأدوات للاحتواء.

بعد الحرب الباردة، عززت العولمة الثقة في أن التكامل التجاري يمكن أن يعزز النظام الدولي الليبرالي.

وقد تضاءلت تلك الثقة، حيث كانت إدارة بايدن تستخدم بالفعل ضوابط التصدير، والسياسة الصناعية، وقيود الاستثمار، ومبادرات سلاسل التوريد بشكل إستراتيجي، لا سيما ضد الصين.

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا، فرضت واشنطن وحلفاؤها عقوبات شاملة تهدف إلى تقييد وصول موسكو إلى التمويل والتكنولوجيا وزيادة تكاليف الحرب.

قد تسمح سياسة خارجية أمريكية أكثر انتقائية لواشنطن بتوجيه موارد أكبر لمواجهة الصين، لكن الحلفاء سيتابعون أيضا كيف تتعامل الولايات المتحدة مع التزاماتها في أماكن أخرى

وقد فرضت هذه العقوبات تكاليف حقيقية وأجبرت روسيا على التكيف، لكنها كشفت أيضا عن الثغرات في نظام اقتصادي عالمي لم يعد بإمكان واشنطن السيطرة عليه بالكامل.

فقد أعادت روسيا توجيه تجارتها، ووجدت سبلا للتحايل على بعض القيود، وعمقت علاقاتها الاقتصادية مع الصين واقتصادات غير غربية أخرى.

وقد ثبت أن الإكراه الاقتصادي كان ذا تأثير دون أن يكون حاسما.

ما يميز النهج الحالي ليس ابتكار "فن الحكم الاقتصادي"، بل الأهمية المتزايدة للدبلوماسية التجارية في إطاره.

فقد أصبحت التعريفات الجمركية أدوات للمساومة، وأصبح الوصول إلى الأسواق وسيلة ضغط، وأصبحت اتفاقيات الاستثمار إنجازات دبلوماسية.

ويمكن أن تصبح الصفقات التجارية بحد ذاتها مقياسا للنجاح الدبلوماسي، فالتجارة ليست مجرد هدف للسياسة الخارجية، بل أصبحت أداة منها.

بالنسبة للحكومات في الشرق الأوسط، فإن هذه الفروق ليست مجرد أمور أكاديمية، فهي لا تنظر إلى السياسة الخارجية الأمريكية باعتبارها نقاشا حول المبادئ بقدر ما تنظر إليها من خلال تصرفات واشنطن، متى تستخدم الولايات المتحدة القوة؟ متى تتفاوض؟ متى تفرض تعريفات جمركية أو عقوبات؟ متى تعرض الاستثمار أو التعاون الأمني؟ ومتى تتغير المواقف التي تبدو حازمة؟

تظهر إيران سبب فشل التصنيفات البسيطة، فقد انخرطت إدارة متشككة في الالتزامات العسكرية المطولة -مع ذلك- انخراطا عميقا في صراع مكلف هناك.

القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتفاوض ليست بدائل في هذا النهج، بل يمكن استخدامها معا كأدوات للضغط، والسؤال الأصعب هو كيف ومتى ينتج عن هذا الضغط نتيجة سياسية.

وراء هذه الأزمات تقف الصين.

لسنوات، جادلت واشنطن بأن صعود الصين يتطلب من الولايات المتحدة تركيز المزيد من الموارد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وقد صمدت هذه الأولوية رغم تغييرات الإدارات، ومع ذلك، تظهر أوكرانيا وإيران مدى صعوبة تحديد الأولويات في الممارسة العملية.

فمخزونات الأسلحة محدودة، وكذلك الاهتمام الدبلوماسي ورأس المال السياسي، والأحداث لا تحترم التسلسل الهرمي للمصالح الذي تفضله واشنطن.

بالنسبة لتايوان وحلفاء الولايات المتحدة في آسيا، فإن الآثار المترتبة على ذلك ذات وجهين.

فقد تسمح سياسة خارجية أمريكية أكثر انتقائية لواشنطن بتوجيه موارد أكبر لمواجهة الصين، لكن الحلفاء سيتابعون أيضا كيف تتعامل الولايات المتحدة مع التزاماتها في أماكن أخرى: إلى أي مدى تطالب بتقاسم الأعباء، ومدى ثبات وعودها عندما ترتفع التكاليف، ومدى ارتباط الأمن بالمفاوضات التجارية.

على مدى عقود بعد الحرب الباردة، تصرفت واشنطن كما لو أن الجدل الأمريكي القديم حول دور البلاد في العالم قد حسم أخيرا، لكنه لم يحسم. فالبندول لم يتوقف أبدا، بل اعتقدت واشنطن فقط أنه توقف

تواجه أوروبا بالفعل هذه التساؤلات، وقد وصف مقال نشر مؤخرا في مجلة إيكونوميست القارة بأنها "قوة عظمى في مجال أنماط الحياة" مزدهرة وجذابة ومؤثرة، لكنها تجد أن التحول إلى قوة جيوسياسية أصعب بكثير.

وقد أصبح هذا الوصف قديما بالفعل، فغزو روسيا، وعدم اليقين بشأن واشنطن، والمطالبات بمشاركة أكبر في الأعباء، تدفع الحكومات الأوروبية نحو بناء قدرات عسكرية تم إهمالها لعقود.

تتزايد أهمية بولندا، ويتوسع الإنتاج الدفاعي، وقد تخرج أوكرانيا من الحرب كمنتج للأمن الأوروبي بدلا من مجرد مستهلك له.

لن تصبح أوروبا فجأة قوة إستراتيجية موحدة، ومن المرجح أن يكون انتعاشها متفاوتا، لكن واشنطن تواجه مفارقة: بعد عقود من المطالبة بأن تبذل أوروبا المزيد من الجهد، قد تكتشف أن أوروبا القادرة على بذل المزيد ستطالب أيضا بصوت أكبر في تقرير ما ينبغي فعله.

فقد تتبين أن بعض ملامح النهج الحالي مؤقتة أو ذات طابع شخصي للغاية، بينما ستبقى ملامح أخرى قائمة بعد انتهاء ولاية هذه الإدارة الرئاسية.

وقد أصبح الأمن الاقتصادي والأمن القومي متشابكين مرة أخرى، وعادت التكنولوجيا والقدرات الصناعية إلى صميم المنافسة الجيوسياسية.

ويتحمل الحلفاء مسؤولية أكبر، وربما استقلالية أكبر، ولم يختف تشكك الولايات المتحدة تجاه الالتزامات المفتوحة الأجل.

وهذا يجعل عام 2028 أكثر أهمية من مجرد انتقال رئاسي روتيني، ولن يقتصر السؤال على ما إذا كان ميزان السياسة الخارجية الأمريكية سيتأرجح مرة أخرى فحسب، بل سيكون حول ما إذا كان بالإمكان إعادة بناء الإجماع الدولي في ظل ظروف تختلف تماما عن تلك التي كانت تدعمه في السابق.

قد تعيد إدارة مستقبلية قدرا أكبر من القدرة على التنبؤ، وتركز مجددا على التحالفات والمؤسسات، مع الاحتفاظ بمطالب أكثر صرامة فيما يتعلق بتقاسم الأعباء، والضوابط التكنولوجية، والقومية الاقتصادية، والنفوذ التجاري. وقد ترفض الخطاب المعتمد على المقايضات مع الاحتفاظ ببعض أدواته.

لذلك، قد لا ينتمي الإجماع القادم حول السياسة الخارجية الأمريكية بالكامل إلى أي من هذين التقليدين.

ولن يكون ذلك استعادة، بل سيكون تكيفا آخر.

على مدى عقود بعد الحرب الباردة، تصرفت واشنطن كما لو أن الجدل الأمريكي القديم حول دور البلاد في العالم قد حسم أخيرا، لكنه لم يحسم.

فالبندول لم يتوقف أبدا، بل اعتقدت واشنطن فقط أنه توقف.

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

الشام الواعدة أمام اختبار اجتياز نهر طالوت إضاءات منهجية سننية في مسار التغيير

الشام الواعدة أمام اختبار اجتياز نهر طالوت
إضاءات منهجية سننية في مسار التغيير
 


تكرم الله بفضله ولطفه على أهل الشام بنعمة التحرير العظيمة، بعد أن بذل علماؤها الأبرار ومجاهدوها الأحرار وشعبها الكريم جهودا وجهادا وتضحيات جليلة لم يشهد القرن مثيلها من حيث النوع إلا في فلسطين ومن حيث الكمّ إلا بما يوازي تضحيات مجموع الأمة وشعوبها في القرن الأخير.

وبعد أن قطع مسلمو الشام ثلث الطريق وذاقوا حلاوة النصر -بمعنى التحرير لا التمكين-، فإن أمامهم تحديات حقيقية من نوع مختلف سيفرضها كاهن الغرب الصهيوصليبي -الذي هندس سورية الأولى ويسعى لهندسة الثانية ليمنع أهلها من سورية الجديدة- ستحتل الثلث الثاني من الطريق، ليبقى الثلث الأخير والذي يتشكل مضمونه من خطوات تمكين الدين، لتكون كلمة الله هي العليا بعد أن يعلو سلطان الشريعة وتصطبغ شعب الحياة بأحكام رسالة الإسلام ويكون أهلها بها راضين وبالعروة الوثقى مستمسكين.

سنن الله لن تجامل السوريين وإن كانوا مجاهدين

ما من شك بأن أهل الشام الكرام وعلماءها الأبرار ومجاهديها الأحرار وحكامها المؤقتون والدائمون، وأعضاء مجلسها ومن فيها من أهل الحل والعقد المنتخبون سيخضعون جميعا لسنن الله التي لا مبدل لها، وسيمرّون بصورة الابتلاء والاختبار الكبير الذي خضع له المجاهدون المؤمنون المتقون وهم في طريق الجهاد والتضحية والبذل لقتال الطاغوت جالوت خلف طالوت عليه السلام، فهي مرحلة يخضع لها المؤمنون في كل مكان وزمان، وهي من سنن الله التي لا مبدل لها وكما خضع لها أتباع طالوت من المجاهدين المضحين خلف طالوت والذين كانوا في طريق الجهاد ماضين، سيخضع لها أهل الشام الكرام بعد أن منَّ الله عليهم بنعمة التحرير، ليختبرهم إن كانوا لها مستحقين، فتفارقهم وترحل عنهم -لا قدر الله- أو تثمر فيهم بإذن الله.

 لقد بدأت معركة عموم أمة العرب والمسلمين وخصوص السوريين الكبرى الصعبة والمعقدة على أرض الملاحم في الشام المبارك، والتي لا يقوى عليها إلا من هدى الله عقله وثبت قلبه فاستمسك بالعروة الوثقى وآمن حقا بأن النصر من عند الله وأن الأسباب في الكون جميعها بين يدي الله يحركها كيفما يشاء.

الاستقامة والثبات الوعي والوحدة سر النصر

إن من أكبر مداخل شياطين الإنس من المنافقين والأعداء في اضلالهم وفتنتهم للمؤمنين هو:

1/ خلخلة الإيمان عبر تضخيم الأسباب الأرضية على حساب الحقائق الغيبية ومفردات الإيمان.

2/ تسويغ تجاوز أحكام شريعة الإسلام من خلال طروحات ضلالية ليس لها تأصيل وليس فيها وجاهة شرعية.

3/ زعزعة اليقين عبر إشاعة أنواع وألوان الخوف بين المؤمنين، وهو تماما ما يفعله شياطين الجن، يقول سبحانه ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة:268

بيان الحق وتوصيف الباطل أمارة الهدى أو الزيغ

إن من شروط الاستقامة والثبات في مسار التمكين هو بيان الحق والابتعاد عن إضعاف صورته وحقائقه وأحكامه، لاسيما وأصل الهدف من الخليقة هو عبادة الله، وأصل الهدف من بعثة الرسل والأنبياء هو بيان الحق للناس في ظل شيوع فلسفات الكفر وفي ظل هيمنة مشاريع الباطل وسيادة الطواغيت في الأرض.

وإذا كان بيان الحق شرط الاستقامة الأول فإن الثبات لا يكتمل إلا بتحقق الشرط الثاني وهو توصيف الباطل على حقيقته دون التجميل والمخادعة الذي وقع فيه بنو إسرائيل فاستحقوا اللعنة من الله فأضلهم وأعمى أبصارهم حتى دخلوا في التيه والشقاء.

إن إثبات الألوهية لله وحده لا يكتمل دون شرط نفيه عمن سواه، ولذلك فقد ابتدأت الشهادتين بكلمة لا إله قبل أن تثبت الوحدانية بكلمة إلا الله، الأمر الذي يجعل من كمال وسوية واستقامة التجربة الإسلامية الواعدة في الشام توصيف المشاريع المعادية والحكم على الفلسفات والمقولات الكفرية بالتوازي مع وجوب بيان الحق والإشارة للصواب الذي يرضي الله سبحانه وتعالى والذي يحقق مصالح الناس بعمارة الأرض كما أوجبه الله على المؤمنين.

المشاريع الثلاثة في مواجهة النهضة الإسلامية في الشام

ثلاثة مشاريع متوحشة تتسابق في منع النهضة الإسلامية الواعدة في الشام المباركة، وهو سر التلاقي والتعاون والتخادم فيما بينها حيث تدرك جميعها بأن نهضة الشام -بعد انعتاقها من الهيمنة الغربية وامتلاكها الإرادة السياسية المستقلة- لن تصطبغ جميع مناحيها إلا بحقيقة هوية أهلها الذين يرومون إقامة العدل في الأرض بعد عودة دين الله ممكَّنا كما كان.

فما هي المشاريع الثلاثة التي تهدد التجربة الإسلامية في الشام؟

1/ المشروع الأمريكي الصهيوني.

2/ المشروع العلماني السنّي.

3/ المشروع الطائفي العرقي.

إن أكبر أشكال التهديد التي تواجه تمكين الإسلام في الشام هو المشروع الأمريكي الصهيوني ثم المشروع العلماني السني ثم مشروع ملالي إيران الطائفي والعرقي.

مسيرة التحرير والتغيير والتمكين في الشام

من نعم الله العظيمة أن شفى صدور قوم مؤمنين في عموم أهل الشام الكرام بعد أن هدم الثوار المنظومة الأسدية الأمنية عبر أنهار من الدماء الزكية، ودك حصونها المجاهدون وكسروا رأس الطاغوت، وهو الجانب الابتدائي الحقيقي الذي تحقق في معادلة التحرير، غير أن معادلة التحرير لن تكتمل حتى تنعتق سوريا سياسيا من الهيمنة الغربية التي ترأسها وتديرها أمريكا الصهيونية، الأمر الذي يعني أن مسيرة الدعوة والبناء والجهاد قائمة ودائمة، حتى لو أخذت أشكالا جديدة ومغايرة لا سيما بعد أن استرد المسلمون في الشام دولتهم المختطفة، والتي لم تخرج من أيديهم عبر تاريخ الإسلام الممتد إلا بفعل المشروع الغربي الصهيوني الذي وضعها ردحا من الزمن في أيدي أوليائه الطائفيين والعصبة الأسدية المجرمة، والتي أفل حاضرها وانتهى مستقبلها بفضل من الله.

المشروعان الأمريكي والعلماني بين ضرورة التوصيف وحتمية التعامل!

لم يعد الحديث بمستواه العالي وكمِّه الكبير حول المشروع الإيراني الطائفي بنفس مستوى الضرورة الملحة السابقة لاسيما وقد انكشف عواره بفضل دماء المجاهدين في العراق ثم في الشام، كما سقطت أسطورة العلاقة بين النظام الإيراني وفلسطين بشكل فاضح وكبير بعد معركة 7 أكتوبر وسقوط إيران الأخلاقي المكشوف في غزة بعد الطوفان.

إن الذي يحدد مستوى وشكل وضرورة الحديث عن المشاريع هو حجم المخاطر التي تهدد الأمة وثقافتها وشعوبها وحاضرها ومستقبلها.

وإن الخطر الذي يهدد مسار النهضة الإسلامية في الشام ويمنع عودتها للريادة هو المشروع الأمريكي الصهيوني الذي استخدم ولا يزال المشروع الإيراني الطائفي في التدمير.

 كما أن ما يمنع وسيمنع ويعوِّق تمكين الإسلام في أرض الشام هو المشروع العلماني والذي يمكن وصفه مجازا بالمشروع العلماني السنّي نتيجة التوصيف غير الموضوعي ولا العلمي السائد في سورية الجديدة والذي يصف أهلها بالأمويين! الأمر الذي يشكل هوية عصبوية مغشوشة وزائفة يستوي فيها المجاهدون السنة مع المهرجين والرقاصين السنة أيضا، حيث تجمعهم عناوين ضبابية خالية من المضمون الذي يعبر عن الهوية الحقيقية القائمة على التوحيد والتي تعتبر مرجعيتها الأساسية أحكام الدين.

وجوب توصيف المشاريع ومسؤولية التفريق بين التعامل والتعاون مع الأعداء.

بلا شك إن الحالة الإسلامية في سورية شائكة ومعقدة حيث يتداخل الصالح بالطالح في إطار الدولة الوطنية كما تتداخل المصالح العربية والإسلامية بالتوجهات الإقليمية والدولية في ظل فوارق مهولة في موازين القوة المادية الاقتصادية العسكرية والسياسية لصالح المشاريع المعادية والمؤثرة في المنطقة، الأمر الذي يجعل التداخل مع تلك المشاريع حتمي تلجئ إليه ظروف الواقع الموضوعي.

وفي ظل هذا التشابك بين المفردات المتناقضة كيف يمكن الاستقامة على الصراط المستقيم لاستكمال البناء التراكمي في الاتجاه الذي يحقق معنى التمكين ويسترد كرامة الأمة؟

لا شك بأن حجم الأصول المبثوثة في فقه السياسة الشرعية كفيلة بتقويم المسار وضبط مصالحه المرسلة والتمييز بين المصالح الراجحة والمرجوحة والمتوهمة، وهي ماده تشكل مرجعية لا يحيط بها إلا العلماء ولا يلتزم بها ويبحث عنها إلا من يروم وجه الله وتحقيق معنى العبودية لله في شؤون الحياة، وعدم حصرها في الطقوس الشكلية التعبدية، وهو جوهر المشروع الإسلامي في الأرض.

لقد تحدث القرآن بوضوح عن الخمر والميسر وأشار إلى منافعهما غير أنه قرر حكما مفصليا في أن شرورهما أكثر من منافعهما الأمر الذي استوجب تحريمهما رغم إثبات منافعهما المشهودة.

منهج التدرج القرآني

كما تدرج القرآن في تحريم الخمر ليصل الى تحقيق الحكم المطلوب واقعا عمليا ولكنه في كل مراحل التدرج لم يغير وصفه الذي يطابق جوهره، ومن هنا فإن توصيف المشاريع المعادية التي يضطر البعض للتعامل معها بحكم الواقع الموضوعي يجب أن يكون واضحا جليا ليس فيه تلبيس على المؤمنين ولا غش لهم، لا سيما وأصل رسالة الأنبياء هي تبيين الحق للناس وليس خداعهم وتزييف الحقائق أمامهم.

التعاون والتعامل

إن التعامل مع المشاريع المؤثرة في المنطقة غير التعاون معها، فالتعامل الذي يلجئنا إليه واقع الحال ورعاية مصالح العباد في المعاش لا يعني أبدا التعاون معها بالشكل الذي يطعن ويفسد المعاد.

فإذا كان الواقع يقر بضرورة التعامل مع المشروع الأمريكي المهيمن في المنطقة وذراعه التنفيذي الحقير المسمى الكيان الإسرائيلي والمشروع الإيراني المتخادم معهما والنظام العربي الرسمي المستخذي لأمريكا فإن الضرورة تقدر بقدرها في السياق الذي يحقق مصالح الناس ويرفع عنهم الحرج دون أن يطعن في ثوابت دينهم وهويتهم الثقافية ودون أن يمس كراماتهم، وهي العناصر التي دفعت الشعوب للثورة والجهاد والتضحية.

نواة الكتلة الحرجة.. هم العلماء

لا شك بأن حجم الضغوط التي تتعرض لها سورية اليوم ليست بأقل من الضغوط التي تعرضت لها فلسطين ومصر وتركيا، وإذا كان الفشل من نصيب مصر والإخفاق من نصيب فلسطين والاضطراب والضعف من نصيب تركيا فإن مجموع هذا محتمل في سورية اذا لم تبنى أسوار عديدة تحصن تجربة النهضة ومحاولة الانتعتاق في سورية الجديدة.

إن آفاق وقدرات الحكومة السورية الحالية محدودة ومقيدة بشكل مشهود موضوعي ومعقول، وذلك نتيجة توازنات مقروءة، الأمر الذي يشير إلى حقيقة مقلقة وهي إمكانية الانتكاسة -لا سمح الله- في تجربة إسلامية عظيمة قدمت تضحيات جليلة، وهو ما يدعو للاستعجال في بناء الكتلة الحرجة التي تحمل المشروع وتحميه.

والسؤال حول الكتلة الحرجة يذهب بالجادين للبحث عن نواتها ومحل اشعاعها وهم العلماء الربانيون والنخب المنتمية.

العلماء بين الاستقلالية والفاعلية

إن المقصود الأساس بالكتلة الحرجة هي الكتلة المجتمعية التي لا تقوى على مواجهتها المشاريع المعادية، بخلاف الحكومات التي يمكن إزالتها أو استبدالها أو استهدافها، كما قوة الجيوش التي يمكن تفكيكها أو سحقها في سياق موازين القوة المتباينة لصالح العدو، والذي أثبت قدرته على إفشال وهدم مشاريع عربية وإسلامية من خلال القوة المفرطة وفائض القوة الذي يمتلكه وهو ما حصل في فلسطين المباركة.

إن من دلائل الوعي والجدية والمسؤولية البحث عن بناء عناصر ومكونات قادرة على مواجهة المشاريع المعادية التي لن تتوقف ولن تكلّ ولن تملّ عن محاولة تفكيك البنى العربية والإسلامية وإفشال مشاريع النهضة الواعدة وتمزيق هوية الأمة وثقافتها الواحدة.

الشرائح المجتمعية هي المادة الخام للكتلة الحرجة

وإذا كانت الشرائح المجتمعية هي المادة الخام التي تتكون منها الكتلة الحرجة القادرة على حمل المشروع النهضوي وحمايته فإن العلماء الربانيين والنخب المنتمية هم نواة هذا المكون وروّاده وموجهوه، ومن هنا فإن نواة الكتلة الحرجة هم العلماء.

استقلالية العلماء دليل السوية وسرُّ الفاعلية

مهما قدمت الحكومات لشعوبها من خدمات فإنها ستظل في موقع الاتهام والمساءلة، لا سيما وأن دورها الأساس هو خدمة الشعب، الأمر الذي يصنع فجوة طبيعية بينهما، وبقدر ما تجسر الهوة بين الشعوب والحكومات بقدر ما تتحقق القوة والمنعة للدولة، وعلى العكس تماما فبقدر ما تتوسع الفجوة بين الشعوب والحكومات بقدر ما يحلُّ الضعف في الدولة وترتهن الحكومات للخارج بعد أن ينفذ الخصوم من تلك الفجوة.

إن دور العلماء أساسي في جسر الهوة بين الشعوب والحكومات السوية، الأمر الذي يحفظ الدولة ويعزز بقاءها من خلال وقوف الجميع خلفها، وهو أمر يشير إلى طبيعة العلاقة النزيهة التي تقوم بين الشرائح المجتمعية وبين النخب المنتمية والعلماء الربانيين، ومن هنا فإن شرط استقلالية العلماء عن الحكومات ومؤسساتهم الرسمية لازم لتحقيق الفاعلية العملية في قيادة وتحشيد الجماهير في الاتجاه الصواب.

كما أن قوامة العلماء وما ينتج عنهم من مواقف ومقاربات تزداد نزاهتها وسويتها من خلال امتلاكهم للإرادة الحرة في التفكير والتقرير، وهو ما لا يتحقق بالمطلق عندما يرتبط معاش العلماء وحياتهم ومصالحهم بالحكومات المرحلية.

إن تشكيل الإطار العلمائي النخبوي الواسع والجامع الذي يتصف بالاستقامة والفهم والموقف الشجاع لازم لصناعة صمام أمان في قيادة الشعوب ومنعها من الافتتان والغوغائية، كما أنه لازم لتعزيز الهوية الجامعة بعيدا عن قرارات الحكومات المتقلبة والمتحولة بحكم الضغوطات.

تكامل الأدوار بين العلماء والحكام سرُّ النجاح في الاختبار

إن التجربة الإسلامية الواعدة في أرض الشام المباركة اليوم تقف أمام نهر طالوت وأمام اختبار الاجتياز الصعب، وهو اجتياز ونجاح لن يتحقق إلا بتكامل بين دور العلماء الربانيين ودور الحكام المنتمين.

وإذا كان دور الحكام هو مقارعة السياسات والتعامل مع الخصوم والمشاريع المعادية بشكل يحتمه واقع الحال، فإن دور العلماء هو البيان والتوضيح للحق والباطل والتمييز بين خير الخيرين وأقل الشرين في معادلات صعبة ومعقده لا يمكن تجاوزها والقفز عنها بعد تولي الثوار لمهام السلطان.

وبقدر ما يجب على العلماء من بذل جهد في تعزيز الدولة ومؤسساتها والحفاظ عليها وتنميه قدراتها، بقدر ما يجب على الحكام أن يحرصوا على استقلالية العلماء ووضع الامكانيات والوسائل التي تعينهم على ذلك لتكون مقارباتهم نزيهة في التفكير وسوية في التقرير تبحث عن تحقيق مصالح الناس وتبتعد وتحذر من كل السياسات والمقاربات التي تتصادم مع أحكام الشريعة.

وأمام المنعرجات الخطيرة والتحديات القادمة فإنه تتحقق قوة ومنعة للحكومات إلا من خلال تحشيد العلماء للشرائح المجتمعية التي تتشكل وتتأطر في سياق ذاتي تراكمي سوي المنطلقات والأهداف.

مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام المباركة 8/8/20026