الأحد، 12 يوليو 2026

النخب بين صناعة النهضة وصناعة الأزمات

 النخب بين صناعة النهضة وصناعة الأزمات

حين تكون القيادة الفكرية رافعة للحضارة أو معولاً لهدمها


كاتب وباحث في الدراسات الإسلامية - رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث

لا تنهض الأمم بالمصادفة، ولا تتعثر من فراغ. فالتاريخ الإنساني يكشف أن وراء كل مشروع حضاري ناجح نخباً واعية أدركت طبيعة المرحلة، وأحسنت قراءة الواقع، وامتلكت القدرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات، والطموحات إلى برامج، والإرادة إلى منجزات. 

كما يكشف في المقابل أن انهيار كثير من الدول لم يكن سببه ضعف الموارد أو قلة الإمكانات، بل عجز النخب التي تصدرت المشهد عن أداء رسالتها، أو انشغالها بمصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة. 

ومن هنا فإن دراسة النخب ليست ترفاً فكرياً، بل هي مدخل لفهم أسباب الاستقرار والاضطراب، وأسباب النهضة والتخلف، لأن النخبة تمثل العقل الذي يفكر، والضمير الذي يوجه، والجسر الذي يربط بين المجتمع والدولة.

والنخبة ليست طبقة اجتماعية مغلقة، ولا جماعة تحتكر المعرفة أو السلطة، وإنما هي كل من يمتلك القدرة على التأثير

في اتجاهات المجتمع وصناعة قراراته، سواء كان مفكراً، أو عالماً، أو سياسياً، أو اقتصادياً، أو إعلامياً، أو قائداً مجتمعياً. وقيمة النخبة لا تُقاس بموقعها الوظيفي، بل بقدرتها على إنتاج الوعي، وبناء الثقة، وترسيخ القيم، وتقديم الحلول، وصناعة المستقبل.

لقد أدرك القرآن الكريم أهمية القيادة المؤثرة، فربط بين صلاح القيادة وصلاح المجتمع، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. 

كما حذر من القيادات المضللة التي تقود الناس إلى الفساد والانحراف، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: 41]. 

وهكذا يقرر القرآن أن القيادة ليست شرفاً مجرداً، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية، وأن أثرها قد يمتد لأجيال، بناءً أو هدماً.

وقد أثبتت تجارب الأمم أن النهضة تبدأ عادة من نخبة تمتلك رؤية واضحة، وإرادة صادقة، وقدرة على تجاوز الخلافات الجزئية نحو مشروع وطني جامع. فالنخب الثقافية تصنع الوعي، وتحارب الجهل، وتعيد تشكيل منظومة القيم، وتدافع عن الهوية دون انغلاق، وتنفتح على العالم دون ذوبان. 

وهي التي تنتج المعرفة، وتؤسس لمجتمع يحترم العقل، ويقدر العلم، ويجعل الحوار بديلاً عن الصراع، والبرهان بديلاً عن التعصب.

أما النخب الاجتماعية، فهي التي تحافظ على تماسك المجتمع، وتنشر ثقافة التعاون والتكافل، وتخفف من حدة الانقسامات، وتسهم في معالجة المشكلات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية أو أمنية. 

إن المجتمع الذي يمتلك قيادات اجتماعية حكيمة يكون أكثر قدرة على احتواء الخلافات، وأقل عرضة للانقسام، لأن هذه النخب تؤدي دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وتعمل على تعزيز الثقة والتضامن.

وتأتي النخب السياسية في مقدمة القوى المؤثرة في استقرار الدول، لأنها تتولى إدارة الشأن العام، وصياغة السياسات، وتوزيع الموارد، وبناء المؤسسات. وعندما تتحلى هذه النخب بالكفاءة والنزاهة وبعد النظر، تتحول الدولة إلى بيئة جاذبة للاستثمار، ومحفزة للإبداع، وقادرة على تحقيق التنمية المستدامة. أما إذا غلبت المصالح الشخصية، وسيطرت عقلية الإقصاء، وضعفت الكفاءة، فإن الدولة تدخل في دوامة من الأزمات المتلاحقة، مهما امتلكت من ثروات وإمكانات.

إن النخبة الإيجابية ليست تلك التي تجيد الخطابة أو تكثر من التنظير، وإنما هي التي تمتلك مشروعاً للإصلاح، وتربط بين المبادئ والواقع، وبين القيم والإنجاز. وهي التي تقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتؤمن بأن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع البشري، وأن إدارة التنوع بالحوار والتوافق أكثر نفعاً من إدارته بالصراع والإقصاء.

وفي المقابل، تظهر في كثير من المجتمعات نخب سلبية تتحول إلى أحد أهم معوقات النهضة. وهي نخب قد تمتلك النفوذ أو المال أو المنابر الإعلامية، لكنها تفتقر إلى الرؤية والمسؤولية. فبدلاً من أن تكون جسراً بين الدولة والمجتمع، تصبح سبباً في تعميق الانقسامات، وتأجيج الخصومات، وإضعاف الثقة بالمؤسسات. وبدلاً من أن تنتج الأفكار، تستهلك الشعارات، وبدلاً من أن تقدم الحلول، تعيش على صناعة الأزمات.

ومن أخطر صور النخب السلبية النخبة الانتهازية التي تغير مواقفها بتغير موازين القوى، فلا تحكمها المبادئ، وإنما المصالح. فهي مع السلطة ما دامت تحقق لها المكاسب، ومع المعارضة إذا تغيرت الظروف، ولا تتردد في توظيف الدين أو

الوطنية أو الديمقراطية لتحقيق أهدافها الخاصة. وهذه النخب تسهم في إضعاف الوعي العام، لأنها تجعل القيم مجرد أدوات للاستهلاك السياسي، وتفقد المجتمع ثقته في الخطاب العام.

وتبرز كذلك النخبة المؤدلجة التي ترى العالم من خلال فكرة واحدة، وترفض الاعتراف بالتعدد أو الاختلاف، فتقسم المجتمع إلى معسكرات متصارعة، وتتعامل مع المخالف بوصفه خصماً يجب إقصاؤه لا شريكاً في الوطن. ومثل هذه النخب تعجز عن إدارة الدولة الحديثة، لأن الدولة تقوم على التوافق، والمؤسسات، وسيادة القانون، بينما تقوم الأيديولوجيا المغلقة على الاحتكار والإقصاء.

ولا يقل خطورة عن ذلك النخبة الإعلامية التي تتخلى عن رسالتها المهنية، وتتحول إلى أداة للدعاية أو التحريض أو تضليل الرأي العام. فالإعلام حين يفقد استقلاله وأخلاقياته يصبح عاملاً في تفكيك المجتمع، ونشر الكراهية، وصناعة الاستقطاب، بدلاً من أن يكون وسيلة لبناء الوعي وترسيخ الحوار.

ومن مظاهر الأزمة في كثير من المجتمعات العربية أن بعض

النخب انشغلت بالصراع على السلطة أكثر من انشغالها ببناء الدولة، وبالمعارك الأيديولوجية أكثر من اهتمامها بالتنمية، وبالولاءات الخارجية أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية. ولهذا تراجعت المشاريع الحضارية، وتزايدت الانقسامات، وضعفت المؤسسات، وأصبحت الثروات عرضة للهدر، والطاقات البشرية للهجرة والإحباط.

إن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بوجود نخب منفصلة عن مجتمعاتها، أو أسيرة للماضي، أو مرتهنة للخارج. وإنما تحتاج إلى نخب تمتلك استقلالية القرار، وعمق المعرفة، ونزاهة السلوك، وقدرة على استيعاب التحولات العالمية دون التفريط في الثوابت. فالعالم اليوم لا يحترم إلا المجتمعات التي تبني المعرفة، وتطور مؤسساتها، وتستثمر في الإنسان، وتجعل الكفاءة معياراً للتقدم، لا الانتماءات الضيقة أو العلاقات الشخصية.

ومن هنا فإن مسؤولية النخب ليست مجرد إدارة الحاضر، بل صناعة المستقبل. فهي مطالبة بإعادة بناء منظومة القيم، وإحياء ثقافة العمل والإتقان، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وربط التعليم بالبحث العلمي، والاقتصاد

بالإنتاج، والسياسة بالمصلحة الوطنية. كما أنها مطالبة بإشاعة ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، ونبذ خطاب الكراهية، لأن المجتمعات المنقسمة لا تستطيع أن تبني مشروعاً حضارياً مستقراً.

لقد أثبتت التجارب العالمية، من شرق آسيا إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أن النهضة لم تبدأ بالثروات، وإنما بدأت بإصلاح الإنسان، وتأهيل النخب، وبناء المؤسسات، وإعلاء قيمة العلم والعمل والانضباط. وفي المقابل، فإن كثيراً من الدول الغنية بالموارد ظلت تعاني التخلف، لأن نخبها أخفقت في إدارة هذه الموارد، أو جعلتها وسيلة لتعزيز النفوذ الشخصي بدلاً من توظيفها في خدمة التنمية.

وفي المنظور الإسلامي، ترتبط قيمة النخبة بقدر ما تحققه من عدل وإصلاح، لا بما تمتلكه من نفوذ. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، ويقول النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالمسؤولية في الإسلام تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وأمانة قبل أن تكون امتيازاً، ولذلك كانت خيرية القيادات مرتبطة بخدمة الناس وتحقيق مصالحهم، لا بتعظيم ذواتهم أو إحكام سيطرتهم.

إن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية، وإنما بما تمتلكه من نخب صالحة قادرة على تحويل تلك الثروات إلى حضارة، والأزمات إلى فرص، والتحديات إلى مشاريع للنهوض. فحين ترتقي النخب يرتقي المجتمع، وحين تنحرف تنحرف البوصلة الوطنية، ويصبح مستقبل الأمة رهينة لصراعاتها وأخطائها.

ولذلك فإن مشروع النهضة العربية والإسلامية يبدأ بإصلاح النخبة قبل إصلاح الدولة، وبإحياء ثقافة المسؤولية قبل المطالبة بالحقوق، وببناء قيادة تجمع بين العلم والأخلاق والكفاءة، لأن التاريخ يؤكد أن الأمم لا يغيرها الخطاب وحده، وإنما يغيرها رجال ونساء يحملون رسالة، ويملكون رؤية، ويترجمونها إلى عمل ومؤسسات وإنجازات. وهذه هي النخب التي تصنع الحضارة، وتحفظ الاستقرار، وتؤسس لمستقبل يليق بالأوطان والأجيال القادمة.

حمد بن خليفة آل ثاني.. شيخ السياسة وصانع نهضة قطر

حمد بن خليفة آل ثاني.. شيخ السياسة وصانع نهضة قطر

نور الدين قدور رافع


الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله تعالى

  • شيخ السياسة.. في رثاء الأمير الوالد

ليس من السهولة الحديث عن شخصيات عظيمة غيرت حياة الكثيرين ممن اختبروا العيش، وساهمت برقيها وعفتها في صناعة لحظات متميزة يصعب نسيانها. سنحاول -في هذه الأسطر الموجزة- جمع الحروف واحدا تلو الآخر؛ لاقتفاء سيرة رجل من أهم السياسيين الذين أثروا في مسيرة الأمة، حيث عرف بمواقفه الحميدة ومواقفه المشرفة الداعمة للحقوق الإنسانية. سنروي لحظات متميزة من سيرة شخصية لقبت بالأمير الوالد، الذي ارتقى إلى بارئه بعدما أفنى عمره في دعم مسيرة بلده المتميزة، لعلنا نتبع أثره بالحسنى، ويكون مسك الختام.

أتقن السياسة؛ ليرسم صورة شيخ يعتمد الوساطة منهجا لحل أعقد الأزمات، فكان يسمع من القيادات وشعوبها، ويأخذ عنهم، ويشاورهم في المعروف، حتى ألفوا صوته الحكيم ورأيه الداعم للحرية والعدالة الإنسانية

شيخ السياسة

مثل دور الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- في أهم القضايا التي واجهت الأمة الإسلامية والعربية، نوعا من الحضور السياسي اللافت والمؤثر في عدة مسارات، كان من شأنها أن تغير خارطة الجغرافيا السياسية. وقد ارتبطت سياسات بلاده، في نظر كثيرين، بدعم عدد من القضايا العربية والإسلامية، والسعي إلى إيصالها عبر المنابر السياسية والأممية.

ولم يتخلف يوما عن تذكيرنا بضرورة الإصلاح الداخلي للدول، وهي المسيرة التي بدأت في دولة قطر على يديه، للخروج من واقع شهد صعوبة الحياة. فكان -بشخصيته المتفردة وآرائه الحكيمة- يسعى إلى فتح مسارات آمنة، وحلول مستدامة للمآسي التي عاشتها الملايين.

بل إن وقوفه المتواصل مع الشعوب التي انتفضت زمن الربيع العربي، ومع القضية الفلسطينية، كان مفتاحا لمعرفة شخصية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بعيدا عن السياسة، وقريبا جدا من إنسان يأمل أن تكون أوطاننا مزدهرة.

مثل دور الأمير الوالد الشيخ حمد، على المستوى الاجتماعي، تحديا في مسارات الحلم العربي الذي افتقد، في فترة من الفترات، نماذج إصلاحية سياسية غير تلك التي روجت لها القنوات بثيابها الفاخرة. وكان الأمير حمد مختلفا عن تلك النماذج التي تكشفت خيباتها في امتحانات التغيير ونصرة المرابطين.

إعلان

ومع أن العمل الأساسي الذي شغل شيخ السياسة -كما أحب أن أسميه- كان مشروعه الإصلاحي التنموي، ليس على مستوى دولة قطر فحسب، بل امتد ليطال منظومات عربية وإسلامية أراد لها أن تحقق قدرا أكبر من الاستقلال في قرارها السياسي، فإنه أتقن السياسة؛ ليرسم صورة شيخ يعتمد الوساطة منهجا لحل أعقد الأزمات، فكان يسمع من القيادات وشعوبها، ويأخذ عنهم، ويشاورهم في المعروف، حتى ألفوا صوته الحكيم ورأيه الداعم للحرية والعدالة الإنسانية.

ساهم بشكل كبير في نشر الوعي بالمشاريع الإصلاحية والخيرية، وفتح المجال لحرية الإعلام والصحافة، ودعم مشاريع مناهضة الفساد، ورسم مستقبلا لأمة اختارت أن تكون الحرية والعدالة عنوانها

ربما يمكننا اعتبار مرحلة التجديد والتنمية التي قادها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- نقطة فاصلة ومهمة في مسار الإصلاح والتنمية، بل نقطة "مركزية مغايرة" في تاريخ الشخصيات السياسية المعاصرة للأمة. وقد تجلت واقعيتها وفعاليتها وهي تحفر في وجداننا ومستقبلنا، وكان انتشارها بين مختلف الأوساط والطبقات ذا أثر بالغ في صياغة هوية الأمير الوالد، المتعددة الجوانب.

قدم مشروعه بوصفه مشروعا إصلاحيا وتنمويا، بعيدا عن المصالح الضيقة أو السعي إلى فرض إملاءات اقتصادية، بل كان خياله السياسي وطموحه الثقافي مرهونين بمشروعه الإصلاحي التنموي، لا بالرغبات القطرية الضيقة، لترى ظلاله الخيرة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

ولأن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يدرك جيدا الرهانات التي يقتضيها العمل السياسي، وتكلفته الباهظة إنسانيا ونفسيا، فقد جاد بنفسه وماله من أجل رفاهية شعبه وأمته، وتحلل من كل ما يشوبه من سوء ظن واتهام وفرية، ونأى بمشروعه الوطني التنموي بعيدا عن كل تقدير سلطوي أو احتكار ذاتي، ليكون مشروعا مستداما في عطائه.

وقد ساهم بشكل كبير في نشر الوعي بالمشاريع الإصلاحية والخيرية، وفتح المجال لحرية الإعلام والصحافة، ودعم مشاريع مناهضة الفساد، ورسم مستقبلا لأمة اختارت أن تكون الحرية والعدالة عنوانها. كما كسر حصار غزة حين زارها عام 2012، معلنا مشاريع إسكانية وتنموية للقطاع. وقد صدق من قال فيه: لقد أتعبت السياسيين من بعدك، أيها الأمير الوالد.

لم يسع إلى إسكات أي صوت ناقد أو استرضائه، بل شغلته طموحاته المذهلة والمتفردة، التي فاقت جميع التصورات، عن الدخول في جدالات عقيمة، مع احتفاظه بقدرته على حسم النزاعات بمرونة وسهولة

التحدي.. والأثر

ما من عمل سياسي أو تنموي إلا وله تحديات كبيرة، ولم يكن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني استثناء من حركة التاريخ في مواجهة العقبات التي اعترضت مشاريعه وأفكاره الإصلاحية، لكنه تفوق بحنكته وهدوئه على تلك العقبات التي كانت تتجدد مع امتحانات التاريخ وإرادة الناس في التغيير.

ولم يستسلم للضغوط في ترك مشروعه الوطني ورؤيته لمستقبل البلاد، حين تعرض لحملات التشويه والإنكار من بعض الأصوات الإعلامية، عقب وقوفه مع انتفاضات الربيع العربي. وكانت تلك الحملات التحريضية ضد شخصه وبلده تهدف إلى استرضاء سادتها الذين أمعنوا في القتل والتهجير والتنكيل بشعوبهم.

إعلان

لكنه ترك خلفه تلك الأصوات المعارضة، والسهام البالية ترتد على أصحابها، ووقف بثبات في وجه الادعاءات، لتكشف مواقفه المشرفة من قضايا الأمة حقيقة شخصية الشيخ حمد.

لقد كان لتجاوز الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تلك الضغوط والحملات البائسة أثر عظيم في إكساب مشروعه صورته الحقيقية، وإظهار جديته في تقبل أي نقد يوجه إلى سياساته الداخلية والخارجية. ثم أعلن تنازله عن العرش لابنه تميم عام 2013، مستكملا مسيرة التجديد والإصلاح بنفس شبابي، وصوت إصلاحي، وحضور أبوي ناصح.

يفنى الجسد في بركات تراب الأرض الطيبة، ويبقى أثر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خالدا في ذاكرة الوطن، ووجدان الأمة، وذكرى الدار

فلم يسع إلى إسكات أي صوت ناقد أو استرضائه، بل شغلته طموحاته المذهلة والمتفردة، التي فاقت جميع التصورات، عن الدخول في جدالات عقيمة، مع احتفاظه بقدرته على حسم النزاعات بمرونة وسهولة، بعيدا عن التشنجات والانحيازات والتلفيق الممنهج. وفي زمن التخندق المميت والارتماء في أحضان المستحيل، بقي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يشق طريق الإصلاح والعمل التنموي مع ابنه الأمير تميم، كما بدأه أول مرة، منفتحا على كل الاحتمالات التي من شأنها أن تعيق أفكاره.

لم يحارب الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أولئك الذين وقفوا ضد أفكاره وتآمروا على مشروع وطنه، بل سعى إلى إبعاد دولة قطر عن كل التزام من شأنه أن يورثها خطايا بحق الإنسانية. وكانت لأخلاقه السامية ومواقفه الحكيمة قدرة على إطفاء نار الحروب.

ويشاء القدر أن يتوارى حضور الأمير الوالد جسدا، لكن روحه وصورته بقيتا -ولا تزالان- حضارة في نفوس القطريين وشعوبنا العربية. صورة اختلف الكثيرون في توصيفها، لكنها ستبقى شاهدة على مواقفه التاريخية والإنسانية، التي لا تنتهي بغيابه، ولا برحيله، ولا حتى بتعليق صورته على جدران التعزية، بل ستظل خالدة في وجدان وتاريخ دولة قطر.

ومثلما تكون البدايات على قدر أصحابها، تأتي النهايات بكراماتها، كأن القدر يرسم ملامح الخلود لأولئك الذين عاشوا في صمت من أجل الأمة. لكن الله شاء أن يكتب لهم القبول والرضا في قلوب الذين عرفوهم والذين لم يعرفوهم. ويفنى الجسد في بركات تراب الأرض الطيبة، ويبقى أثر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خالدا في ذاكرة الوطن، ووجدان الأمة، وذكرى الدار.

السبت، 11 يوليو 2026

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين إلى أقدام اللاعبين!

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين 

إلى أقدام اللاعبين!


إن الشيطان لا يطلب من الناس أن يعبدوا الأصنام 

الحجرية كما كان يفعل الأولون، بل يصنع لكل عصر 

أصنامه التي تناسبه، فقد يكون الصنم فكرة، أو شهوة، 

أو شهرة، أو مالاً، أو سلطة، أو صورة، أو لعبة، وكل 

شيء تجاوز قدره حتى استولى على القلب، وصرفه 

عن رسالته، فقد أخذ من معنى الصنم بقدر ما استولى 

على ذلك القلب.

ومن ذلك ما نراه اليوم مما يمكن تسميته بـ«البيضة 

الشيطانية»؛ تلك الكرة الجلدية التي ألقى بها الشيطان 

أول الأمر مستصغرة، فالتقفها أتباعه ونفخوا فيها من 

عصبية نفوسهم وأهوائهم، حتى تضخمت وصارت 

صنماً دولياً يُعبد في محاريب العصر الحديث.

وإنَّ هذا الطوفانَ الإعلامي العولمي الذي ينفخ في جِلْدٍ 

ميت فيستعبد به عقول الملايين لهو التجسيد الحيّ 

والتحذير النبوي الصادق من شؤم «الرجل يكذب 

الكذبة فتبلغ الآفاق»، وهل ثمة كذبة بلغت الآفاق 

واستعبدت النفوس كأن تتوهم أمة مستخلفة أن مجدها 

يُصنع بأقدام اللاعبين لا بعقول المصلحين؟


كرة القدم.. من الهزل إلى العصبية!


لقد وُجدت هذه اللعبة لتكون مجرد تسلية تزجي بها 

النفوس كَلَالها في أوقات الفراغ، ولكن السحر 

الشيطاني، حين يمتزج بغفلة الجماهير، يحيل اللعب 

عبادة، والتسلية منهج حياة، وهكذا تأسست لهذا الوثن 

الكروي منظمات دولية، وصار لها كهنة وسدنة

 يحمون فكرتها، ويشرعون قوانينها، ويصنعون من 

طقوسها ديناً عالمياً بديلاً، فتحول العالم إلى سوق 

عولمية كبرى، وشُيدت الأندية والأكاديميات، وانتقل 

الأمر من هزل الملاعب إلى جد العصبية والتنازع.

بل وصل الانحراف بالوعي إلى حد جعل الولاء 

والبراء، والحب والبغض، يعقدان على ألوان القمصان وشعارات النوادي! إنها غربة العقل حين يذهل عن حقائق الوجود ويلتمس العزة في جلود منفوخة بالهواء.
ويا ليت الأمر وقف عند حدود اللهو، بل إن الأعجب والأشد نكراً أن هذه اللعبة استحوذت على مفاهيم الأمة وخطفت مصطلحاتها الشريفة، لقد انحرف مفهوم «المدافعة» -الذي هو سُنّة الله في دفع الفساد وإقامة الحق- ليصبح محصوراً في حراسة الشباك نظيفة، وانكمش مفهوم «النصر» من إعلاء كلمة الله ونصرة المظلوم وبناء الحضارة، ليتلخص في إحراز الأهداف وهز شباك الخصوم بقذائف كروية! واأسفاه على أمة أورثها وَهْمُ الملاعب عِزاً زائفاً، بينما مقدساتها وقيمها ترزح تحت وطأة الهزائم الحقيقية.

الرياضة.. وهزيمة المبادئ!
إن أمة الإسلام، حاملة الرسالة الخاتمة ووارثة النبوة، جديرة اليوم بوقفة مراجعة صادقة وهزّة وعي عنيفة، لقد أصبحنا نرى من العجائب ما يندى له جبين الغيرة؛ علماء يرفعون الأكف بالدعاء لفوز فريق، ولاعبون يسجدون شكراً لإصابة شباك خصم، وجماهير تحشد الطاقات وتحترق حماساً، وتبذل الأموال والأوقات، في الوقت الذي تخبو فيه حرارة القضايا الكبرى للأمة، وتفتر الهمم عن حمل رسالة الحق، وتضعف الغيرة على الدين والأوطان!

وليس العيب قط في رياضة تُمارَس لتربية الأبدان، ولا في ترويح مستساغ تطلبه النفوس، وإنما العيب، كل العيب، في اختلال الموازين وانحدار الاهتمامات من معالي الأمور إلى سفاسفها، حتى تغدو الهزيمة الكروية أشد وقعاً على النفوس من هزيمة المبادئ والضمائر!

فاحذروا بيضات الشيطان قبل أن تفقس؛ فإنها لا تخرج أول الأمر إلا لعبة، ثم لا تلبث أن تصبح قضية، ثم عقيدة، ثم هوية، ثم سجناً واسعاً لا يشعر المسجون أنه فيه، ومن يومها لا يعود الشيطان بحاجة إلى أن يقود الناس بالسلاسل، لأنهم يحملون قيودهم في قلوبهم، ويحسبونها زينة، وهي في الحقيقة أغلال.


وهذه المنظومة العبثية ليست أولى بيضات الشيطان في تاريخنا المعاصر؛ فكم من أفكار برّاقة ظنها الناس شيئاً عظيماً، ثم ما لبثت الأيام أن كشفت عن وجهها الكالح بعد أن أفسدت العقائد والعلاقات، لقد عاشت البشرية دهراً تحت ظل «بيضة الشيوعية» حتى انبرى من يلفق لها ثوباً من الشريعة، ثم تلتها «الرأسمالية» و«الاشتراكية»، حتى وصلنا إلى البيضة الكبرى؛ «الديمقراطية الغربية» وحقوق الإنسان!
تلك الأكاذيب الميتة التي صاغتها المنظومة الدولية المستبدة لتكون أصناماً من عجوة تأكلها الأنظمة الطاغية كلما جاعت إلى السيطرة، وما نراه اليوم من اغتيال لإرادات الشعوب، وقتل وتجويع للأطفال، وهتك للأعراض على مرأى ومسمع من العالم، لهو الدليل القاطع على أن تلك الشعارات ما هي إلا شروط يفرضها المستكبر لشرعنة بغيه، وإشاعة الفواحش، وإفساد الفطرة الإنسانية وتلويثها.

الاستقلالية الإسلامية

إن العلاج الناجع لهذه التبعية المقيتة لا يكون بالانخراط في هذه المنظومات الفاسدة أو العكوف في محاريبها، بل في عودة الأمة إلى شريعة ربها لتسترد هويتها المفقودة، وتصطبغ بصبغة الله التي لا تبلى، لن يكون الفوز يوماً في نيل كأس، ولن يكون النصر في اعتلاء منصة تتويج كروية، بل النصر الحقيقي في أن تقوم الأمة بدورها الاستخلافي، وتغرس قيم الإسلام في كل نادٍ ومحفل، وتحمل أمانة البلاغ للعالمين؛ لتكسر راية الشيطان وتدحر زيف شياطين الإنس والجن.

يا أحبتي، إنه نداء حار يخرج من سويداء القلب إلى

 كل ذي عقل مؤمن وهمة عالية: انحازوا إلى دينكم،

 واعتزوا بهويتكم، وتعالوا نقدّم للبشرية الحائرة

 نموذجاً حضارياً ينقذها من ظلمات المادية والعبث،

 ويعيد للإنسان تكريمه الإلهي الذي ضيعه لصوص 

العقول.

إن الأمة التي نزل في حقها قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110) لا يليق بها أبداً أن

 تختزل مجدها في أهداف تُسجل، بل مجدها في هداية

 البشر ونشر العدل وصناعة الحياة،

فمن يوقظ القوم من غفلتهم قبل فوات الأوان؟


سوريا وتشكيل الشرق الاوسط

سوريا وتشكيل الشرق الاوسط 

 حسن الرشيدي 




هل تصبح نقطة الارتكاز التي يُعاد من خلالها رسم  خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط؟ ولماذا يعود دونالد ترامب إلى الرهان على دمشق في هذه   المرحلة أكثر من أي وقت مضى؟ وما حدود قدرة  أحمد الشرع على المناورة بين الضغوط الأمريكية   والإسرائيلية                                          


"لقد أصبحت سوريا مستقرة للغاية. ففي فترة قصيرة جداً، شهدت استقراراً كبيراً...

ونحن فخورون بذلك، لأن سوريا جزء مهم من الشرق الأوسط....
لقد كانت سوريا تتمتع بإحدى أعرق الحضارات، وكان فيها أساتذة جامعات ومحامون وأطباء، وكانت من أكثر الدول ثراءً من الناحية الثقافية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل على مستوى العالم.... شكراً جزيلاً، سيادة الرئيس"

هكذا ختم الرئيس الأمريكي ترامب كلمته أثناء لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرا في أنقرة، شاكرا إياه.

فمنذ دخوله دمشق في ديسمبر ٢٠٢٤، يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع استعادة الدور الطبيعي الذي يمكن أن تقوم به الدولة السورية في المنطقة.

وقد تنبهت الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب إلى أهمية ذلك الدور، فعملت على تحقيق مصالحها وإعادة تشكيل الشرق الأوسط انطلاقا من توطيد علاقتها بالنظام السوري الجديد.

وقد استخدم المبعوث الأمريكي توم باراك مصطلح تشكيل الشرق الأوسط ودور سوريا فيه، في أعقاب اللقاء الذي تم في أنقرة، وجمع بين وفد قيادات الكونجرس والرئيس الشرع، حيث كتب باراك في حسابه على اكس بالحرف الواحد في نهاية تغريدته:

"تحمل هذه اللحظة ثقلاً تاريخياً، إذ تُبرز الدور المحوري لسوريا في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط".

فباراك يتحدث عن تشكيل مستقبل الشرق الأوسط، والدور السوري في هذا التشكيل.

والسؤال المهم في هذا السياق، ما هو الشرق الأوسط الذي ترغب الولايات المتحدة في تشكيله؟

وما أهمية سوريا؟ والدور الذي تطمح أمريكا في سوريا أن تلعبه؟


والى أي مدى يمكن أن يذهب الشرع في هذا الدور تجاوبا مع الطموحات الأمريكية؟

ملامح الشرق الأوسط الذي ترغب واشنطن في تشكيله

هناك ثوابت ثلاثة تحرك العقل الاستراتيجي الأمريكي وهي: النفط والكيان الصهيوني ومكافحة الإرهاب.

وما يتغير بالنسبة للولايات المتحدة هو فقط الهندسة السياسية، والوسائل التي تتبعها كل إدارة لحماية هذه الغايات الثلاث بأقل خسائر مادية وبشرية ممكنة.

​١-النفط

فالغاية الأمريكية هنا لم تعد الحصول على النفط لسد الحاجة المحلية؛ فالولايات المتحدة تحولت بفعل ثورة النفط الصخري إلى أكبر منتج ومصدر للنفط والغاز في العالم.

لذا الغاية الحقيقية هي التحكم في سلاسل التوريد وحرية الملاحة وضمان استقرار الأسعار في السوق العالمي.

وأيضا​فالسيطرة على تدفق النفط تمنح أمريكا قدرة غير مباشرة على خنق أو إنعاش الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية. فالهدف هو النفوذ والتحكم، وليس الاستهلاك.

​2. أمن الكيان الصهيوني

​تلتزم أمريكا عقائديًا وسياسياً بضمان ما يسمى بالتفوق العسكري النوعي للدولة الصهيونية في المنطقة كغاية ثابتة لا تتغير بتغير الإدارات.

​وهناك نية للانتقال بالكيان الصهيوني من مرحلة الدولة المحاطة بالخصوم والتي تحتاج إلى حماية عسكرية أمريكية مباشرة، إلى مرحلة العنصر العضوي المدمج إقليمياً، عبر اتفاقيات التطبيع والتحالفات الأمنية والاقتصادية.

كما ان تحويل الكيان إلى ركيزة أمنية وتكنولوجية أساسية تدير المصالح الغربية في المنطقة كشريك محلي قوي، يسمح لأمريكا بتقليص وجودها العسكري المباشر دون الإخلال بميزان القوى لصالح خصومها.

​3. مكافحة الإرهاب

​بدأت هذه الغاية كأولوية قصوى بعد أحداث 11 سبتمبر، وتطورت عبر عقود من الحروب المفتوحة.

​الغاية الحقيقية الحالية، هي تحييد أي تهديد قبل أن يمتلك القدرة على ضرب العمق الأمريكي أو مصالح الحلفاء الحيوية.

​حيث يتم تحويل ملاحقة التنظيمات العابرة للحدود إلى ملف استخباراتي تكتيكي (ضربات دقيقة ومسيّرات) بدلاً من حملات عسكرية كبرى، مع تدوير الكلفة الأمنية على الأنظمة المحلية.

ولذلك نجد أن المسارات والاستراتيجيات التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية ليست سوى الترجمة العملية لتحقيق هذه الأهداف الكبرى الثلاثة:

أولاً: هدف النفط

الاستراتيجيات الموظفة لخدمة هذا الهدف: تتمثل في تأمين الممرات البحرية وحرية الملاحة، وتحشد أمريكا التحالفات البحرية وتركز ضرباتها الردعية لحماية مضيق هرمز وباب المندب، لضمان عدم تعرض أسواق الطاقة لأي صدمات ترفع معدلات التضخم العالمي أو تهدد الاقتصاد الأمريكي وحلفاءه.

ومنها أيضًا، بناء الكتل الاقتصادية وتوسيع مظلة التكامل، من خلال دعم ممرات اقتصادية جديدة (مثل ممرات الربط اللوجستي بين الخليج وأوروبا). فالولايات المتحدة تهدف إلى إبقاء شرايين الطاقة والتجارة تحت المظلة الاستراتيجية الغربية، وقطع الطريق على الطموحات الصينية للسيطرة على هذه التدفقات عبر مبادرة الحزام والطريق.

ثانياً: هدف الكيان الصهيوني

فالاستراتيجيات الأمريكية الموظفة لخدمة هذا الهدف، تتمحور حول تفكيك الجغرافيا السياسية للمحاور المناهضة لتصب مباشرة في مصلحة الكيان الصهيوني.

فالتوجه الأمريكي لقطع خطوط الإمداد الإيرانية عبر استغلال التحولات في سوريا (في ظل إدارة الرئيس الشرع) يهدف بالأساس إلى عزل الساحة اللبنانية، وتجفيف منابع الدعم اللوجستي للفصائل المسلحة، مما يحيد أكبر التهديدات الوجودية المحيطة بالكيان.

كما تحاول أمريكا تأسيس نظام إقليمي يتم فيه استبدال حالة العداء التاريخية بشبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية البراغماتية، بهدف دمج الكيان الصهيوني عضوياً في نسيج المنطقة، ليتحول من عبء أمني يتطلب حماية أمريكية دائمة، إلى شريك إقليمي فاعل في إدارة الاستقرار.

ثالثاً: هدف مكافحة الإرهاب

فالاستراتيجيات الموظفة لخدمة هذا الهدف حاليًا في عهد ترامب تريد خصخصة الأمن الإقليمي وتقاسم الأعباء.

لم تعد أمريكا ترغب في إرسال جيوشها لمحاربة التنظيمات المتطرفة (في المفهوم الأمريكي) أو إسقاط الأنظمة. فالاستراتيجية هنا هي نقل هذه المهمة للقوى والأنظمة المحلية. من خلال المقايضات (مثل وعود رفع العقوبات أو تقديم دعم سياسي)،

وهنا باتت أمريكا مستعدة للتعاون الأمني والاستخباراتي الدقيق مع أي نظام - مهما كانت طبيعته - طالما أنه قادر على تحييد التهديدات العابرة للحدود قبل أن تصل إلى المصالح الأمريكية أو الغربية.

بهذا التكييف، نرى أن كل تكتيك دبلوماسي أو تحرك عسكري أو اقتصادي أمريكي في الشرق الأوسط، يصب في النهاية في قمع الإرهاب، أو حماية تدفقات الطاقة، أو تأمين التفوق والمكانة للكيان الصهيوني، بأقل تكلفة ممكنة للولايات المتحدة.

ولكن كيف تنظر إدارة ترامب لموقع النظام السوري في هذه المسارات الاستراتيجية

سوريا في الاستراتيجية الأمريكية

الرئيس ترامب لا يرى الدول عبر أبعاد تاريخية أو عاطفية، بل يراها ككيانات جغرافية وظيفية يجب أن تدفع ثمن استقرارها عبر تقديم خدمات استراتيجية متبادلة.

تحديداً، يقع النظام السوري الجديد في قلب العقل الاستراتيجي لإدارة ترامب كأداة حاسمة لتحقيق الأهداف الثلاثة وفق الرؤية التالية:

1. ففي ملف الكيان الصهيوني

ترى إدارة ترامب أن التحول الجذري في دمشق وإنهاء التحالف السوري الإيراني هو الفرصة الأثمن لتأمين الكيان الصهيوني على المدى الطويل، وتتمحور النظرة الأمريكية هنا حول نقطتين:

خنق الوكلاء جغرافياً، ومحاولة حث حكومة الشرع باعتبارها صمام الإغلاق الذي يمكنه قطع الشريان البري الممتد من طهران إلى بيروت نهائياً. فإذا منعت سوريا تدفق السلاح والتمويل عبر أراضيها، فإنها ستقوم بالعبء الأكبر في تحييد خطر حزب الله على حدود الصهاينة الشمالية دون أن تضطر أمريكا أو الكيان الصهيوني لخوض حروب استنزاف مفتوحة.

كما تتوقع إدارة ترامب من النظام الجديد أن يكون سلطة مركزية قوية قادرة على ضبط جبهة الجولان، ومنع أي فصائل غير نظامية من استخدام الأراضي السورية كمنصة استهداف، مقابل منح سوريا الاعتراف السياسي والشرعية الدولية.

2. في ملف الإرهاب

حيث تعتمد عقيدة ترامب وفق مبدأ أمريكا أولاً، والتي تعني تقليص وجود القوات الأمريكية شرق الفرات وإنهاء كلفة الحماية المباشرة. وهنا يأتي موقع النظام السوري كبديل أمني على الأرض مؤهل لتولي ملف مكافحة بقايا تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى.

وترى الإدارة الأمريكية في العقوبات وقائمة الدول الراعية للإرهاب أوراق ضغط تفاوضية، وليست مواقف أبدية. لذلك، هي تنظر للنظام السوري كطرف يمكن تحفيزه؛ فكلما أظهر الشرع حزماً أكبر في تفكيك الخلايا الإرهابية (من وجهة النظر الأمريكية) وضبط الأمن الداخلي، كلما تحركت واشنطن لتخفيف القيود الاقتصادية والسماح ببدء تدفق أموال إعادة الإعمار.

3. في ملف النفط

على الرغم من أن سوريا ليست دولة نفطية كبرى بالمقاييس الخليجية، إلا أن إدارة ترامب تنظر لأهمية سوريا من زاوية ما بات يعرف بالجغرافيا السياسية للممرات.

لأن استقرار سوريا يعني استقرار الجوار الجغرافي لأكبر حقول النفط وممرات التدفّق في العالم (الخليج والعراق). وترامب يرى أن أي فوضى مستدامة في سوريا ستهدد أمن الأنابيب ومشاريع الربط اللوجستي المستقبلية في شرق المتوسط.

بالمحصلة، لا تنظر إدارة ترامب إلى النظام السوري الجديد كحليف أيديولوجي، بل كشريك أمني ضروري وجاد، يمتلك موقعاً جغرافياً لا يمكن تجاوزه إذا أرادت واشنطن صياغة شرق أوسط مستقر بكلفة أمريكية تقترب من الصفر.

ولكن إلى أي مدى تكون سوريا قادرة على تلبية هذه التوقعات الأمريكية العالية، دون أن تفرط في سيادتها، أو ايديولوجياتها أو تثير حفيظة القوى الإقليمية الأخرى؟

الشرع والتعامل مع المنظور الأمريكي

تعتبر مبادئ السياسة الشرعية، وفقه الموازنات، مفاهيم تمنح صانع القرار في النموذج الإسلامي، مساحة هائلة من المناورة التكتيكية، والمرونة، لحماية الدولة، وتحقيق الغايات الاستراتيجية الكبرى.

ففي ملف تحجيم النفوذ الإيراني، حيث المطلب الأمريكي الأبرز، فإن تفكيك الجغرافيا السياسية لإيران وعزل حزب الله لا يشكل عبئاً سياسياً أو تنازلاً منهجيا بالنسبة للشرع، بل يتطابق تماماً مع أهدافه الكبرى وعقيدته السياسية.

فرؤية القيادة السورية الجديدة تعتبر إيران خصماً استراتيجياً، ومشروعها في المنطقة يتصادم جذرياً مع رؤية النظام الحالية.

وبالتالي فإن تقديم الشرع لترامب خدمة إغلاق الممر البري، وتجفيف منابع الدعم الإيراني، ليس ارتهاناً للرغبة الأمريكية، بل كضرورة أمنية سورية لتوطيد أركان حكمه ومنع أي اختراق أمني لأراضيه. هذا التعاطي يحقق له مكسباً مزدوجا: التخلص من النفوذ الإيراني، والتوافق الأمريكي الذي يُترجم إلى دعم اقتصادي وشرعية سياسية.

أما في ملف الكيان الصهيوني والجولان، هنا يكمن الاختبار الحقيقي للمرونة.
كيف يتعاطى قائد بخلفية الشرع مع المطالب الأمريكية بضمان أمن الكيان الصهيوني الإقليمي؟

لكن المنهجية التي ينطلق منها الشرع تسمح بعقد الهدن والاتفاقيات الأمنية طويلة الأمد في حالات الاستضعاف وبناء الشوكة، استناداً إلى مبدأ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ولذلك لن يذهب الشرع باتجاه تطبيع سياسي أو سلام دافئ على غرار ما تطلبه أمريكا من دول أخرى، لأنه يعلم أن شرعيته الداخلية جزء منها مبني على رمزيته. لكنه سيتعاطى بمرونة مطلقة مع الترتيبات الأمنية. بحيث يضمن تجميد جبهة الجولان بالكامل، وسيمارس احتكاراً صارماً للسلاح يمنع أي فصيل من استخدام الأراضي السورية لتهديد الكيان.

بالنسبة لترامب، هذه النتيجة العملية (أمن الحدود) هي كل ما يهم، وبالنسبة للشرع، هذا يجنب دولته الهشة حرباً مدمرة تطيح بمشروعه.

أما في ملف مكافحة الإرهاب واحتكار العنف، فالاستراتيجية الأمريكية القائمة على خصخصة الأمن الإقليمي تجد صدى إيجابياً جداً لدى الشرع.

فهدف الشرع الأكبر حالياً هو ترسيخ سلطة الدولة المركزية، بالقضاء على التنظيمات العابرة للحدود (مثل خلايا تنظيم الدولة أو الميليشيات المنفلتة)، فهو في حقيقته هدف سوري داخلي قبل أن يكون مطلباً أمريكياً.

والشرع حريص لتقديم أوراق اعتماده كشريك موثوق قادر على ضبط الجغرافيا السورية، مما يسحب من واشنطن أي مبرر لإبقاء قواتها، أو الإبقاء على سيف العقوبات مسلطاً على الاقتصاد السوري.

الخلاصة

يدرك أحمد الشرع أن منطلقاته الفكرية هي بوصلة تحدد الاتجاه العام.

لذلك سيبيع للأمريكيين ما هو في الأساس مصلحة سورية (طرد النفوذ الإيراني، ضبط الحدود، القضاء على الفوضى الأمنية)، ليشتري في المقابل الوقت، والاعتراف، وإخضاع جميع الأراضي السورية للحكومة المركزية، وتوفير الأموال اللازمة لتحقيق هدفه الحالي: بناء دولة سورية قوية ومستقلة ومركزية.