الجمعة، 17 أبريل 2026

فوق السلطة 488 الخطوط الحمراء

فوق السلطة 488 الخطوط الحمراء


فوق السلطة: واشنطن تفعّل الخطة "ب" واتفاقات دولية تُكتب بدماء اللبنانيين
سلطت حلقة برنامج “فوق السلطة” (2026/4/17) الضوء على مشهد دولي متفجر تصدّرته مفاوضات إسلام آباد الفاشلة بين واشنطن وطهران، والتحركات العسكرية الأمريكية المتسارعة، وصولا إلى تطورات الجبهة اللبنانية.

وانتهى "الماراثون التفاوضي" في العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى طريق مسدود، حيث أعلن جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي -قبل أسبوع- فشل المحادثات بعد 21 ساعة من النقاش الشاق.

وكانت واشنطن قد دخلت المفاوضات بمطالب حازمة تشمل "تفكيكا كاملا للبنية النووية الإيرانية وشبكة أذرعها الإقليمية"، في وقت ردت فيه طهران بخطوط حمراء تمثلت في الإفراج عن أرصدتها المجمدة وانتزاع ضمانات قانونية تمنع أي تراجع أمريكي مستقبلي.

وبمنطق "كل شيء أو لا شيء"، تعمّق الجدار العازل بين الطرفين، وفق مقدم البرنامج نزيه الأحدب، ليعود الوفدان إلى نقطة الصفر.

وفجر 8 أبريل/نيسان الجاري، أعلنت واشنطن وطهران هدنة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، تمهيدا لمفاوضات أوسع لإنهاء الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.

وتزامنا مع التفاوض، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن استغلاله ساعات الحوار لتعزيز الجاهزية العسكرية وتزويد المدمرات الأمريكية بأحدث الذخائر في محيط الشرق الأوسط، مؤكدا الاعتماد على "الخطة ب".

وفي مفارقة وصفها البرنامج بـ"الكوميدية السوداء"، تناولت الحلقة تقارير حول فقدان إيران خرائط الألغام البحرية التي زرعتها في مضيق هرمز، مما حوّل المضيق إلى ممر مأزوم تتبادل فيه واشنطن وطهران الاتهامات حول "السيطرة والحرب النفسية".
          مضيق هرمز الشريان الحيوي لحركة التجارة                     

دماء فوق طاولة المفاوضات

وفي ظل المأساة اللبنانية، برز تحول في موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تراجع عن فكرة رفض التفاوض المباشر مع بيروت، معلنا استعداده لبدء مفاوضات بأسرع وقت ممكن في واشنطن.

لكن هذا الانفتاح الدبلوماسي جاء محاطا بشروط صارمة، حيث يرهن نتنياهو التهدئة بنزع سلاح حزب الله بالكامل وفرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية، وهو ما يرفضه الحزب وقوى سياسية لبنانية أخرى أصرت على أن "لا تفاوض تحت النار" وأن الأولوية للوقف الفوري للعدوان.

ويجد لبنان نفسه في قلب مفارقة مؤلمة، حسب الأحدب، حيث تُكتب مسودات الاتفاقات الدولية بدماء أبنائه في الميدان، ويتحول شعبه إلى رهينة لشروط قاسية ومفاوضات قد تتعثر.

وعند منتصف ليلة الـ17 من أبريل/نيسان الجاري، دخلت هدنة مؤقتة بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام حيز التنفيذ، وفق ما أعلنه الرئيس الأمريكي، وسط مظاهر ابتهاج شعبي حذر، بعد موجة من التصعيد الدامي.
نتنياهو وميلانيا.. ملاحقات قضائية وشخصية

وتوقفت الحلقة عند لعنة الفساد التي تلاحق نتنياهو في ملفات "الرشوة وخيانة الأمانة"، والتي استأنف القضاء النظر فيها، في مفارقة تجمع بين ممارسة القوة في الخارج والمساءلة عن الفساد في الداخل.

كذلك اهتمت بالظهور النادر للسيدة الأولى الأمريكية ميلانيا ترمب لنفي صلتها بـجيفري إبستين رجل الأعمال الراحل المدان بجرائم جنسية والمتهم بالاتجار بالقاصرات، في محاولة لإغلاق ملف شائك يرفض الغياب عن دائرة الجدل السياسي الأمريكي.

وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع، وهذه أبرزها:ترمب يشحن أسلحته في أثناء المفاوضات.
روسيا تبيع غازها بخصم 40%.
تفجير في بغداد يستهدف دبلوماسيين أمريكيين والمتهم خلية تابعة لإيران.

من المنتصر؟؟ حين تُدار الحروب من طاولة التفاوض

 من المنتصر؟؟ حين تُدار الحروب من طاولة التفاوض

✍️ مكّاوي الملك 

‏لا يُقاس الحسم اليوم بمن يربح الضربة الأولى بل بمن يفرض شروط البقاء في المشهد..

ما يجري بين إيران وواشنطن وإسرائيل ليس انتصاراً تقليدياً بل إعادة توزيع للضغط..

‏إيران لم تُكسر لكنها تُفاوض تحت اقتصاد خانق وتُحوّل أوراقها (هرمز واليورانيوم) إلى أدوات تفاوض لا أدوات حرب..

وواشنطن لم تحسم لكنها تدير الأزمة بشراء الوقت وتثبيت التهدئة المؤقتة

‏النتيجة: لا غالب مطلق ولا مغلوب نهائي بل توازن هش يُدار بالرسائل لا بالحسم..

كل طرف خرج وهو يملك جزءاً من القوة… ويفتقد القدرة على إنهاء اللعبة

‏وهنا السؤال الحقيقي: من يثبت شروط ما بعد الحرب… لا من يعلن نهايتها

✍️ مكّاوي الملك | Makkawi Elmalik

إيران.. صمود أم تراجع؟

إيران.. صمود أم تراجع؟
 . إدارة النظام 

في خضم التصعيد والتصريحات المتناقضة، تتكشف لعبة معقدة من المناورة السياسية بين واشنطن وطهران، حيث تختلط القوة بالبراغماتية، ويصبح السؤال الحقيقي: من يناور لكسب الوقت، ومن يسعى فعلاً لإنهاء الحرب دون خسارة الهيبة؟

  حسن الرشيدي     

بعد قبول الأطراف بالهدنة المؤقتة، واستئناف المفاوضات بين أمريكا وإيران، يكثر الحديث، ويزداد الغموض المتعلق بمن بادر بطلب وقف الحرب.

فالبيانات الرسمية الإيرانية الصادرة عن مستويات عديدة في السلطة الإيرانية، وتم نشرها سواء في التلفزيون الرسمي، أو وكالة الأنباء الايرانية (إرنا)، والتصريحات على وسائل التواصل، كانت كلها تحمل اللهجة العنترية، والتي كانت ترفض وقف القتال وتصر على الاستمرار فيه، وتؤكد دائمًا أن إيران مستعدة لكل الاحتمالات، وأن الرد سيكون مؤلمًا إذا استمر التصعيد، مع رفض صريح لأي استراحة مؤقتة من الحرب.

هذا الخطاب المتشدد استمر حتى ساعات قبل إعلان ترامب للهدنة مباشرة (في السابع من أبريل)، حين ظهر في الإعلام أن إيران قد رفضت آخر مقترح أمريكي وأصرت على نهاية دائمة للحرب.

ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها ترامب لاستسلام إيران أو إعادتها إلى العصر الحجري وفق تعبيره، تم الإعلان فجأة من قبل الوسيط الباكستاني، أن الولايات المتحدة وإيران قد وافقتا على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، أي هدنة، يجري في أثنائها مفاوضات مباشرة بين الطرفين في إسلام آباد تبدأ يوم السبت.

ولكن على الجانب الآخر تصر التصريحات الأمريكية، على أن إيران هي التي طلبت المفاوضات.

ففي بيان البيت الأبيض الرسمي الذي صدر مع بدء سريان وقف إطلاق النار يوم الأربعاء 8 أبريل، والذي يحمل العنوان المحدد "السلام من خلال القوة: عملية الغضب الملحمي تسحق التهديد الإيراني"

وقد وردت فيه العبارة التالية: 
"لقد ركعت إيران وطلبت وقف إطلاق النار"، مع الإشارة إلى موافقتهم الفورية على إعادة فتح مضيق هرمز.

وعلى الرغم من أن هذا الكلام لم يصدر عن ترامب فقط بصفة شخصية، بل صدر في صيغة بيان رسمي من البيت الأبيض وهي مؤسسة الرئاسة الأمريكية، إلا أنه في عهد ترامب، كثيرا ما يتم الدمج بين البيانات الرسمية واللغة الانتخابية.

بينما قال ترامب نفسه في حديثه لشبكة إن بي سي نيوز، وكرر هذا الكلام في سياق متكرر خلال الأسابيع الماضية: 
"قادة إيران يتحدثون بشكل مختلف كثيراً عندما تكون في اجتماع معهم مقارنة بما يقولونه للصحافة. إنهم أكثر معقولية."

وأمس قال ترامب لنيويورك بوست: 
"نتعامل مع أشخاص لا نعرف إن كانوا يقولون الحقيقة أم لا، يقولون أمامنا إنهم سيتخلصون من الأسلحة النووية، ثم يقولون للصحافة إنهم سيخصبون اليورانيوم."

ويستمر ترامب في حديثه فيقول: 
إن هناك محادثات جارية خلف الكواليس مع مسؤولين إيرانيين "محترمين" أو "الأشخاص المناسبين"، على حد تعبيره.

قد يقول قائل: 
لقد اعتدنا على بيانات ترامب الكاذبة والتي يرغي فيها ويزبد ويبالغ ويستعرض ويضخم الأمور والأحداث، فلماذا نصدقه الآن؟

ولكن الإيرانيين أيضا، وبعد قبولهم بالهدنة، وهم يهددون بمقاطعة المفاوضات ما لم يتوقف العدوان على لبنان، لكنهم يرسلون وفدًا، ثم يواصلون التهديد، ثم يتفاوضون.

وهنا يحتار المرء ويتساءل، أي الفريقين أكثر رغبة في إنهاء الحرب والبدء بالتفاوض؟

ولكن ما أهمية هذا التساؤل طالما أن الفريقين في طريقهما لـ"إسلام أباد" لبدء المباحثات؟ ما تأثير الإجابة على هذا التساؤل على مسار الهدنة بين الطرفين؟

إن تحديد الطرف الذي بادر بطلب التفاوض في العلاقات المعقدة، مثل تلك التي تجمع بين الولايات المتحدة وإيران، ليس مجرد تساؤل إعلامي عابر، بل هو جوهر ما يُعرف في نظريات العلاقات الدولية بالمساومة السيادية.

​تنبع أهمية تفكيك هذا الغموض والاضطراب من عدة اعتبارات استراتيجية وسياسية تحدد مسار أي اتفاق محتمل وشكله:

​الاعتبار الأول، هو كشف ميزان القوى وتحديد نقطة الضعف.

فالطرف الذي يطلب التفاوض غالباً ما يُفصح، بطريقة غير مباشرة، عن حاجته الماسة أو استنفاد خياراته البديلة.

​إذا كانت إيران هي المبادرة، فهذا يرسل إشارة واضحة بأن الضغوط الاقتصادية، أو التوترات الداخلية، أو الإنهاك الاستراتيجي في الإقليم قد بلغت حداً يهدد استقرار النظام، مما يقلص من أوراقها التفاوضية.

أما ​إذا كانت أمريكا هي المبادرة، فهذا قد يعكس رغبة إدارة ترامب في تجنب تصعيد عسكري غير محسوب، أو سعيها لتحقيق نصر دبلوماسي سريع يخدم أجندات انتخابية أو داخلية، أو رغبتها في التفرغ لمسارح عمليات أخرى (مثل بحر الصين الجنوبي أو أوكرانيا)، مما يمنح إيران مساحة لفرض شروط أعلى.

الاعتبار الثاني، هندسة التنازلات المسبقة وتحديد سقف المباحثات.

​في أدبيات التفاوض، يُتوقع من الطرف المُبادر بالتفاوض أن يقدم التنازل الأول أو ما يُعرف بعربون النوايا الحسنة، لمجرد إقناع الطرف الآخر بالجلوس إلى الطاولة. فمعرفة من أراد التفاوض حقاً تساعد في تفسير التنازلات التكتيكية التي قد تسبق أي إعلان رسمي، وتحدد مسبقاً الإطار الذي ستدور فيه المحادثات: هل هي محادثات استسلام وتنازل، أم محادثات ندية وتقاسم مصالح؟

الاعتبار الثالث، التوظيف الداخلي.

فهناك ارتباط وثيق بين السياسة الخارجية والجمهور المحلي.

وكل من الدولتين يواجهان جمهوراً داخلياً معبأً ضد الآخر.

ففي الولايات المتحدة، تبني الإدارة الأمريكية صورتها الإعلامية، بأن أمريكا هي الطرف الذي خضعت له إيران، وهذا ضروري لتسويق أي اتفاق محتمل وتجنب اتهامات الضعف.

أما ​في إيران، فالنظام يحتاج بشدة إلى تسويق التفاوض على أنه انتصار لسرديته بأنه صمد في وجه الهجمة الأمريكية الصهيونية، وأن الولايات المتحدة هي من جاءت صاغرة.

لذلك، يُصنع هذا الغموض والاضطراب أحياناً بشكل متعمد من كلا الطرفين كستار دخان لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام المحلي.

​أما الاعتبار الأخير، فيتعلق بالإشارات الاستراتيجية للحلفاء والخصوم.

فمعرفة المُبادر تبعث برسائل حاسمة للأطراف الإقليمية الفاعلة:

بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، إذا ظهرت أمريكا بمظهر المتهافت على التفاوض، فقد يثير ذلك ذعر حلفائها من إمكانية التخلي عنهم أو عقد صفقات على حساب أمنهم.

أما ​حلفاء إيران، إذا ظهرت إيران كمبادرة للتفاوض تحت الضغط، فقد يُضعف ذلك تماسك حلفائها ويضرب معنويات أذرعها الإقليمية.

​الاضطراب الحالي هو في الغالب تكتيك مدروس؛ فكل طرف يسعى لجني ثمار التفاوض دون دفع الضريبة السياسية للظهور بمظهر الطرف المحتاج.

ولكن هناك عدة دلالات توحي بأن ما يقوله الأمريكان بالنسبة لإيران، ليس صحيحًا استسلامًا، ولكنه أقرب إلى صيغة تنازل من الجانب الإيراني، وذلك بدلالتين:

الدلالة الأولى: مقال لجواد ظريف وزير الخارجية الإيراني السابق، نشره في دورية فورين أفير الأمريكية، وهي دورية تحظى باحترام ليس في الأوساط السياسية الأمريكية بحسب، ولكن في دوائر السياسة العالمية.

والمثير أن هذا المقال تم نشره قبل الإعلان عن الهدنة بعدة أيام، والأكثر إثارة هو عنوان المقال: “كيف ينبغي لإيران أن تنهي الحرب؟ صفقة يمكن لطهران قبولها".

في هذا المقال يحذر ظريف من الانجرار وراء الرغبات العاطفية للانتقام واستمرار القتال الذي لن يجلب سوى دمار البنية التحتية، ودعا إلى توظيف المكاسب الميدانية (على حد زعمه) لإعلان النصر وتحويله إلى تسوية سياسية دائمة عبر طاولة المفاوضات.

​و​طرح ظريف في مقاله ما أسماه "صفقة لا يمكن لواشنطن رفضها"، وتضمنت خطوات عملية لتبديد المخاوف الدولية، أبرزها، الموافقة على وضع قيود صارمة للبرنامج النووي، وخضوع المنشآت النووية لرقابة دولية دائمة.

كما دعا إلى ​حرية الملاحة في مضيق هرمز بشكل كامل.

ووفق مقال ظريف تضمنت ​المطالب الإيرانية، ​رفع العقوبات، وتوقيع معاهدة عدم اعتداء متبادلة وملزمة مع أمريكا، ومساهمتها في تمويل تكاليف إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب.

و​أكد ظريف في ختام رؤيته أن هذا الاتفاق سيمثل مكسباً استراتيجياً كبيراً؛ مشدداً على قاعدة تاريخية كما يدعي، مفادها أن "التاريخ غالباً ما يُخلّد أولئك الذين يصنعون السلام".

لقد كان هذا المقال بمنزلة بالون اختبار سياسي، ووثيقة استراتيجية بالغة الأهمية، عكست رغبة واضحة من دوائر صنع القرار الإيراني لتهيئة المسرحين الداخلي والدولي لتقبل فكرة الهدنة، وهو ما مهد الطريق فعلياً للتطورات التي أعقبت نشره.

أما الدلالة الثانية على الرغبة الإيرانية في المفاوضات، هي البراجماتية الإيرانية التاريخية.

فإيران لديها تاريخ طويل فيما اشتهر بثقافة تجرع السم، كما وصف الخميني قبول وقف إطلاق النار مع العراق في 1988.

هذه الثقافة تهدف إلى الحفاظ على النظام، فالأولوية القصوى لنظام الملالي هي استمرار الدولة التي أقاموها عام 1979.

وعندما أصبح التهديد الأمريكي يمس العمق الاستراتيجي، والبنية التحتية الحيوية بشكل غير مسبوق في مارس 2026، تحركت البراجماتية الإيرانية لتقديم تنازلات مؤلمة، مثل فتح مضيق هرمز مقابل وقف تدمير الآلة العسكرية.

وهكذا استعملت إيران ما أطلق عليه في بعض أدبيات علم السياسة بالانحناء للعاصفة، فالتنازل الإيراني الحالي يُقرأ كخطوة تكتيكية لامتصاص حملة ترامب العسكرية، والحصول في مقابل تنازلاتها على مكاسب إقليمية تحت المظلة الأمريكية الصهيونية.

الإنسانية والزمن المر

 الإنسانية والزمن المر

محمد صالح البدراني

ماذا يفعل الأب؟

ماذا يفعل الأب وهو يرى عيني ابنته تغرقان بدمع ينهمر؛ وهي خائفة على ابنها (حفيده)؟ هنا يتوقف القلم مستطلعا ألم الأب والابنة والسبط، هو إحساس الأجيال، عندها يعجز الوصف لتسونامي الألم في صدره.

فماذا يفعل اليوم وهو يرى ابنا مقهورا قهر الرجال؛ أيبكي؟ وهل حرر البكاء أرضا أو سدد دَينا؟ إننا نشاهد كل يوم بناتنا وأبنائنا في هذه الحالة، ونرى ذل الظالم أمام ظالم أظلم منه أيضا، لكن هذا يزيد من نزيف القهر المؤبد الذي نعيش فيه؛ وما فارقنا يوما بسبب نزوة غريب أو قريب ونحن نقلب بل نقرأ صفحات الزمن المر كلمة فكلمة بل حرفا فحرفا، إنه ألم يتجسد فيرتعش له كيان الإنسان، ليس خوفا أو خشية وإنما هو حس حقيقي بدموع لا تتوقف، ترجو الأمل وبِقَهْرِ مَقْهُوُرٍ يكابر ويوقف نزف جرحه براحة يده ويتمتم ناعيا موت الإنسانية وسقوط الآدمية بفشل الإنسان، ثم يأتيك تافه من الشرق أو الغرب متصورا أن ما يراه من رقاعة هي وصف لكل الشعوب، ويريد جهله وسفاهته أن تعتبره معلما وكأن الناس يجب أن يتماهوا مع تفكيره وإلا سينزل عليهم صواعق السماء وحمم براكين الأرض.

الخوف أم الخشية؟

من يبني أمة فإنه يرى تمكين الأمة ونهضتها هو الغاية التي لم تتحقق، وعليه فهنالك المزيد من التغيير والإصلاح مطلوب. هنا تنشأ بلاد الخوف، فأنت لا تعرف كيف يفكر من يرى الصواب في وجوده وتمكينه وما خلا ذلك مرار وقهر


هل يخاف الإنسان؟ هل تخاف الأُسر؟ هل تخاف الأوطان والأمم؟ أم أنها تخشى؟ وماذا تخشى؟

عندما يفقد الإنسان، الأُسرة، الأمة.. تعريف أي شيء، وتبقى الانطباعات عنوان المعرفة؛ يحل وهْم الخوف المحبط للاستمرار. في الزمن المر؛ لا شيء معرّف، والخوف جزء من نظمه وقوانينه، لأن القوانين نصوص تفسرها المصلحة، والمصلحة في الزمن المر هي مصلحة من يجعل الزمن مرا، ولكي يتغير زمنك لا بد أن تغير المكان كمنطق تحليل لازمة النفس، لكن هل يوجد في الأرض اليوم مكان يمر عليك الزمن فيه جميلا؟

الحقيقة أن المكان والزمان موطنهما منظومة عقل الإنسان، فالزمن الحلو هو في ذات المكان من الأرض التي يمر بها الزمن المر، لكن برأس إنسان مختلف، إحساسه وتعريفه للمفاهيم وللمعاني، فما يراه إنسان أو قائد أن الأمة ينقصها، يراه الآخر أنه وضع مثالي، كل الفرق هو فهم الواقع بأساليب مختلفة، ومع المثال يجاب السؤال كما يقال: الإنسان الحامل لفكرة فئوية، هو عنوان من عناوين التخلف أصلا، هو يرى الكمال في تمكين فئته، والأدق تمكينه هو باسم فئته، وهذا غاية الطلب، أما من يبني أمة فإنه يرى تمكين الأمة ونهضتها هو الغاية التي لم تتحقق، وعليه فهنالك المزيد من التغيير والإصلاح مطلوب. هنا تنشأ بلاد الخوف، فأنت لا تعرف كيف يفكر من يرى الصواب في وجوده وتمكينه وما خلا ذلك مرار وقهر. هؤلاء الناس خطرون وهم متمكنون، وكذلك خطرون وهم غير متمكنون ويسعون للتمكين، لأنهم سيكونون العدو المحبط للتطور والنجاح، فهم طاقات سلبية عدمية، أحاديون يجتمعون بغاية حصولهم على ما يريدون لكنهم منفصلون عمليا عن الجميع.

فالخوف هو عندما تتولى هذه الفئة الأمور والقرار، والخشية منها عندما تكون خارج السلطة والقرار لأن الناس يعلمون ما ستفعل هذه الفئة إن تمكنت.

هنا يحس الإنسان بألم الأجيال، هي المستقبل لأناس يعيشون في المكان الذي يراه الظالم حلوا زمانه، وهم الذين يقهرهم هذا الطغيان الرقيع فيكون الخوف على المستقبل ومنه قلم الإحساس العلقم.

هل هو وهْم أم حلم؟

إعاقة الفكر في زمننا أبرزت لنا تلك النفوس التي اشتطت بجهلها لتجعله مرّا، وباسمه أفرزت كل أمراض النفوس وحب السلطة والتمزيق


تكاد أحلام الأمم أن تكون وهْما في بلدان لا يُضمن مستقبل فيها، والناس ما بين خوف وخشية، فمنهم من يعرف ما يخشاه ومنهم ما يتحسس ويجهل ما يخافه، لكن النتيجة أن الجاهل المتسلط لا قيمة عنده لعلم أو قلم أو مستقبل بغير فهمه لمعنى التمكين، فترى الطاقات ليست آمنة أو هاربة بحثا عن الأمان، وهي حتما لن تجد تمام الأمان وإنما تغير ما كانت تخشاه إلى مخاوف تقنع نفسها بأنها بعيدة بالأمل أو تتعايش مع تلك المخاوف لأنها لا تهدد حق الحياة ربما، لكن تهدد معناها رغم أن فيها ما يوحي بأنها تعتني بالكرامة الإنسانية كما هو حال "المهجر".

ولعل هذا ترجمة لما فُقد في مجتمعنا من معاني التكافل التي كانت فيه ولا تأتي مُرضية إلا بالفهم لمعنى مفهوم الإسلام؛ ليس لإشباع غريزة أو عصبية لمسلمين، أو لعنصرية أو جمود، وإنما حضارة فكرية تجمع الكل بنظام عصرهم مهما تعدد أديانهم ومشاربهم. وكما الأب ينظر إلى نقص أولاده لسده وإلى مرضهم لعلاجه، ينظر المتمكن إلى الأمة بتنوعها. وهذا ليس وهْما إنما حصل بظرف أقل إمكانية للتنظيم، غير إن إعاقة الفكر في زمننا أبرزت لنا تلك النفوس التي اشتطت بجهلها لتجعله مرّا، وباسمه أفرزت كل أمراض النفوس وحب السلطة والتمزيق، فعندما يلبس إبليس ثياب الملاك ولكن لا يترك مذراته كما يصورونها، عندها سنجد النفوس تباع بالغرائز ما بين جهالة وجهل ونفاق.

الحق أقول لكم أن من عرف الله لا يمكن أن يكون متجبرا ظالما ثم يزعم أنه سيفارق إبليس ويذهب إلى الجنة، وإن مواجهة صفحات الزمن المر لا يُهرب من فصولها بالنفاق

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

 شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

بقلم: د. علي محمد الصلابي

إنَّ الأصل في الإنسان التوحيد وهو أول ديانة عرفتها البشرية، ثم بدأ الإنسان بالانحراف فتدرج أمره حتى وقع في الشرك، وذلك هو الحق الذي لا ريب فيه، ثم إنَّ هذا القول الموافق للقرآن والسنة والفطرة والعقل الصريح الموافق للنقل الصحيح قد اهتدى إليه بعض علماء الآثار والباحثون في الأديان، من الغربيين وغيرهم نذكر هنا نماذج من أقوالهم:

1. يقول الباحث (أدميسون هيوبيل) المختص في دراسة الملل البدائية: لقد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدس، أو في الله العظيم، ولقد أخطأ (تايلور) حيث جعل التفكير الديني الموحِّد نتيجة للتقدم الحضاري، والسمو المعرفي، وجعل ذلك نتيجة لتطور بدأ من عبادة الأرواح والأشباح، ثم التعدد، ثم أخيراً العثور على فكرة التوحيد (زكريا، ص 1/199).

2. ويقول الباحث (أندريلانج) من علماء القرن الماضي: إنَّ الناس في استراليا وأفريقيا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الله العظيم على أساس من الاعتقاد المسيحي، وقد أكد هذا الرأي العالم الاسترالي (وليم سميث) حيث ذكر في كتابه (أسس فكرة التوحيد) مجموعة من البراهين والأدلة جمعها من عدة مناطق واتجاهات تؤكد أنَّ أول عبادة مارسها الإنسان كانت تجاه الله الواحد العظيم (زكريا، 1/199).

3. يقول الدكتور (حاج أورانج كاي) من علماء الملايو في إندونيسيا: عندنا في بلاد "أرحبيل" الملايو دليل أكيد على أنَّ أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد، وذلك قبل أن يدخل الإسلام إلى هذه الديار، وقبل أن تدخل النصرانية، وفي عقيدة جزيرة "كلمنتان" بإندونيسيا لوثة من الهندوسية، ورائحة من الإسلام، مع أنَّ التوحيد كعبادة لأهل هذه الديار كان هو الأصل قبل وصول الهندوسية أو الإسلام إليها، وإذا رجعنا إلى اللغة الدارجة لأهل هذه الديار قبل استخدام اللغة السنسكريتية أو قبل الهجرة الهندوسية أو دخول الإسلام تأكدنا من التصوُّر الاعتقادي لأجدادنا- حسب النطق والتعبيرات الموروثة- هو: أنَّ الله في عقيدتهم واحد لا شريك له (زكريا، 1/200) (ابن دانو، ص 28-30).

إنَّ هؤلاء العلماء وغيرهم من أمثال: لانج، وفريزر شميدث، وبتاتزولي، وفوكارت، قد توصلوا من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أنَّ الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم: (نظرية فطرية التوحيد وأصالته(، وقد انتصر لهذه النظرية، فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أنَّ هناك أمم عريقة لم تكن تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا عليه أنَّ عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأنَّ التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد (زكريا، 1/196).

إنَّ الأصل في الإنسان التوحيد، وهذا يدحض افتراءات القائلين، بأن التديُّن من صنع الإنسان، وأول العبادة عند الإنسان كانت الآلهة المتعددة، ثم ترقَّت إلى عبادة إلهين، كإله النور وإله الظلام، وإله الخير وإله الشر، ثم ترقى إلى عبادة إله واحد (أبو فارس، ص 28).

وإنَّ التوحيد هو الأصل ومغروس في الفِطَر، وأيقنت به العقول الرشيدة، وأثبتته التجارب التاريخية الصادقة التي كان زعماؤها سادة البشر من الأنبياء والمرسلين، فالإنسانية -إذن- بدأت بالتوحيد ثم انتهت شيئاً فشيئاً إلى الشرك والتعدُّد، وهذه هي الحقيقة العلمية المؤيدة بالدليل العقلي والنقل والمنطقي والبحث العلمي، وهذه الحقائق الدامغة تقلب نظرية (أوغاسط كونت) رأساً على عقب فقد كان (أوغاسط كونت) يرى أن الإنسانية بدأت بالتعدد والشرك ثم التوحيد خاتمة المطاف فيها، وهذه النظرية لم تقف أمام الأبحاث الحديثة، بحيث انهارت كما انهار غيرها من نظريات هذا المفكر الذي كان يحتلُّ يوماً مكان الصدارة بين المفكرين، والذي أصبحت آراؤه تدرَّس الآن على أنها أثر تاريخيٌّ فحسب.

ومهما يكن من شيء، فإنه حينما انحرفتِ الإنسانية في عقيدتها شاءت رحمة الله أن يرسل نوحاً عليه السلام؛ مبشراً بالحق فيما مجال العقيدة، وبالخير في مجال الأخلاق، وبالعدالة في مجال التشريع (محمود، ص 64).

المصادر والمراجع:

1. زكريا، أبو بكر محمد. الشرك في القديم والحديث.

2. بن دانو، د. حاج أورانج كاى رحمات. التفكير الديني في العالم قبل الإسلام، ترجمة: د. عبد الرؤوف شلبي، دار الثقافة، الدوحة. قطر، 1983م.

3. أبو فارس، محمد عبد القادر. مع الأنبياء في الدعوة إلى الله، دار المأمون للنشر والتوزيع، عمان. الأردن، 2013.

4. محمود، عبد الحليم. قصص الأنبياء في رحاب الكون مع الأنبياء والرسل.

5. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله. دار ابن كثير.


النصيرية.. ديانة الشيطان!

 النصيرية.. ديانة الشيطان!


بقلم محمود القاعود

النصيرية - ويُسمون أنفسهم اليوم «العلويين» - فرقةٌ باطنية غنوصية نشأت في القرن الثالث الهجري على يد محمد بن نصير النميري، الذي ادّعى أنه باب الإمام الحسن العسكري، وأن له تعاليم سرية تُخالف ظاهر الإسلام مخالفةً جذرية.
انتشرت النصيرية في جبال الساحل السوري وبعض مناطق تركيا والعراق، وعددهم اليوم يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين نسمة، معظمهم في سوريا حيث كانوا يُمسكون بزمام السلطة السياسية والعسكرية حتى اندحارهم في 8 ديسمبر 2024م.
والسؤال الذي يطرحه كل باحث منصف:
هل هؤلاء مسلمون كما يدّعون، أم أنهم شيء آخر يحارب الله ورسوله؟
أولًا: أصل العقيدة ومنبعها.. الغنوصية اليونانية بلباس إسلامي
حتى نفهم النصيرية لا بد من فهم منابعها الحقيقية. فعقيدتهم مزيجٌ من:
- الغنوصية اليونانية في التمييز بين عالم النور وعالم الظلمة
- الأفلاطونية المحدثة في نظرية الفيض والعقل الكلي
- الفارسية المانوية في ثنائية الخير والشر
- المسيحية الباطنية في تأليه شخص بعينه
- الإسماعيلية في تأليه الأئمة
ثم دُهن كل هذا الخليط بطلاء إسلامي من الألفاظ القرآنية والأسماء النبوية، ليبدو من بعيد مألوفًا.. لكن الأسماء لا تُغيّر الحقائق.
ثانيًا: ثالوث النصيرية المقدس.. تأليه علي رضي الله عنه
وهنا نبلغ لبّ العقيدة النصيرية وأخطر ما فيها.. يؤمن النصيريون بثالوث مقدس يتكون من:
- علي بن أبي طالب هو «المعنى» وهو الإله المتجسد
- سيدنا محمد ﷺ هو «الاسم» أي الحجاب الذي يستر عليًا
- سلمان الفارسي هو «الباب» أو الوسيط
وهذا الثالوث مأخوذ بنيويًا من الثالوث المسيحي (الأب والابن والروح القدس) لكن بشخصيات مختلفة.
وفي كتابهم «كتاب المجموع» المنسوب إلى ابن نصير وردت عبارات صريحة في تأليه سيدنا علي، منها:
«أشهد أن لا إله إلا علي بن أبي طالب، المعبود المسجود»
وهذا كفرٌ بواح بإجماع الأمة، بل هو كفرٌ بعلي نفسه رضي الله عنه الذي قاتل الغلاة في حياته وأحرق منهم من ادّعى ألوهيته بالنار.. فالنصيريون يُؤلّهون رجلًا كان يُعاقب من يُؤلّهه!
ثالثًا: كتب النصيرية
كتاب «الهفت والأظلة»
وهو من أقدم المصادر النصيرية، ويتضمن:
- عقيدة التناسخ والحلول صراحةً
- وصف الأنوار الإلهية المتجسدة في علي
- تفسيرًا باطنيًا للقرآن الكريم يُلغي معانيه الظاهرة
الرسالة الراشدية:
وهي وثيقة نصيرية داخلية تُبيّن التراتبية الكهنوتية وتُقرر أن العامة لا يحق لهم معرفة حقيقة الدين.
فتوى النصيريين أنفسهم لصلاح الدين!
والمضحك أن النصيريين حين أرادوا الاندماج السياسي في الدولة الإسلامية، استصدروا فتوى من علمائهم عام 1936م تؤكد «إسلامهم» — وهي الوثيقة التي لا تزال تُستخدم سياسياً حتى اليوم، بينما عقائدهم الحقيقية تقول عكس ذلك تمامًا.
رابعًا: أركان الإسلام الخمسة في العقيدة النصيرية
- الشهادتان: لا إله إلا الله محمد رسول الله شهادة النصيرية: علي هو المعنى، محمد هو الاسم
- الصلاة: خمس مرات يومياً بأركان معلومة
- عند النصيرية مُلغاة؛ الصلاة عندهم ذكر اسم علي!
- الصيام: رمضان فريضة قرآنية قطعية
- لا يصوم النصيريون رمضان المعظم
- الزكاة: فريضة مالية بنصاب محدد
عند النصيرية غائبة من منظومتهم الدينية
-الحج: إلى مكة المكرمة
النصيريون لا يحجون؛ وأوّله بعضهم بزيارة قبر علي!
خامسًا: العقائد النصيرية الكبرى الخارجة عن الإسلام
1- تناسخ الأرواح
يؤمن النصيريون بأن أرواح المؤمنين منهم تنتقل بعد الموت إلى أجساد أنقى، حتى تبلغ النجوم وهم يُسمون أنفسهم أحيانًا «أهل النجوم».. أما أرواح الكفار عندهم فتنتقل إلى أجساد الحيوانات.
وهذا يُناقض القرآن الكريم صراحةً: «ومِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» [المؤمنون: 100]
2- الحلول والاتحاد
يعتقد النصيريون أن الإله يحلّ في الأجساد البشرية، وأن عليًا هو أعلى درجات هذا الحلول.. والحلول عقيدة وثنية فلسفية نقضها علماء الإسلام قاطبةً، وهو ما يُسميه المتكلمون «الاتحادية» التي كفّر كل العلماء أصحابها.
3- إلغاء الجنة والنار الحقيقيتين
الجنة عند النصيريين هي عودة الروح إلى عالم النور. والنار هي التجسد في الحيوانات. ولا وجود عندهم لليوم الآخر بمعناه الإسلامي القرآني من بعث ونشور وحساب وميزان وصراط.
4- شرب الخمر في الشعائر الدينية
ومن أغرب ما في الديانة النصيرية أن الخمر يدخل في بعض طقوسهم الدينية الباطنية، وقد وثّق ذلك المستشرق رينيه دوسو في كتابه «تاريخ النصيرية وديانتهم»، مشيرًا إلى أن الخمر يُمثّل عندهم رمز النور الإلهي المتجسد.
وهو ما يُفسّر ظاهرة أن مناطق النصيريين في سوريا كانت تاريخيًا الأكثر انتاجً للخمر والشامبانيا في البلاد الإسلامية.
5- الأعياد الدينية المختلطة
يحتفل النصيريون بـ:
- عيد الميلاد المسيحي (25 ديسمبر)
- عيد الغطاس (عيد مسيحي)
- النيروز (العيد الفارسي)
- عيد الغدير بصيغة غالية متطرفة
لكنهم لا يحتفلون بعيدَي الإسلام الفطر والأضحى بالصورة الإسلامية المعهودة.
وقد لاحظ ابن بطوطة في رحلته حين مرّ بمناطقهم عجبه من هذا الخليط، وذكر أنهم لا يُشبهون المسلمين في عباداتهم.
سادسًا: موقف علماء الإسلام الكبار
قال ابن تيمية رحمه الله في «مجموع الفتاوى»: «هؤلاء القوم المسمّون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل أكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين»
وهذا الحكم من ابن تيمية لم يصدر اعتباطًا، بل جاء بعد دراسة مستفيضة لعقائدهم ومقارنتها بالإسلام.
الإمام المازري، إمام المالكية في عصره وصف الفِرق الباطنية عموماً بأنها «زنادقة تستتر بالإسلام».
الإمام الغزالي في كتابه «فضائح الباطنية» وهو الكتاب الأول الذي فكّك منهجياً العقيدة الباطنية الشيطانية أثبت أن الغاية النهائية للحركات الباطنية هي إبطال الشريعة الإسلامية بالتأويل.
سابعاً: النصيرية والسياسة.. توظيف الدين لخدمة السلطة
لا يمكن فهم النصيرية الحديثة بمعزل عن بُعدها السياسي. فقد استعملت النحلة النصيرية الانتماءَ العقدي أداةً للتماسك وحماية السلطة، وهو ما يُفسّر جملةً من الظواهر:
أولًا: استصدار فتوى من الشيخ موسى الصدر (الشيعي اللبناني) عام 1974م تعترف بالنصيريين «مسلمين شيعة».. وهي فتوى سياسية بامتياز ولدت في سياق تحالفات المنطقة.. ولا قيمة لها من الناحية العقدية.
ثانيًا: إعلانهم اسم «العلويين» بدلاً من «النصيريين» في القرن العشرين لاكتساب شرعية إسلامية أوسع.
ثالثًا: توظيف خطاب «الأقلية المظلومة» لحجب النقد العقدي خلف درع الهوية الطائفية.
ثامنًا: أسئلة للنصيرية
1- إذا كان علي إلهاً، فلماذا استُشهد؟
الإله الحقيقي لا يُقتل ولا يُغلب.. وعلي رضي الله عنه مات مضروبًا بسيف المجرم ابن ملجم. فهل يموت الإله؟!
2- إذا كان الحلول حقًا.. فلماذا تعددت التجليات وتناقضت؟
ادُّعى حلولُ الإله في أشخاص كثيرين عبر التاريخ النصيري، فأيهم الحق وأيهم الباطل.. ومن يفصل بينهم؟
3- إذا كانت الصلاة باطلة ظاهرًا، فلماذا تُظهرون الإسلام للعامة؟
التقية التي يمارسها النصيريون أمام المسلمين بإظهار الصلاة والصيام أحيانًا.. تعني أنهم يعلمون أن ما يؤمنون به لا يُقبل من المسلمين، ففيم الادعاء؟
4- إذا كانت الجنة والنار رمزين، فما معنى التكليف والمسؤولية؟
إن الأخلاق بلا جزاء حقيقي هي أخلاق بلا ضمانة. وقد أثمرت هذه العقيدة تاريخًا حافلاً بالخروج عن الأخلاق العامة.
تاسعًا: ما فعله النصيريون القرامطة بالإسلام وأهله
- تعاون النصيريون مع الصليبيين في العديد من مراحل الحروب الصليبية ضد المسلمين..
وقد وثّق ذلك المؤرخون.
- إخبار الفرنجة بمواضع المسلمين وعوراتهم في بعض الروايات التاريخية.
- رفض الجهاد الإسلامي في مواجهة الغزاة بدعوى أن الجهاد الحقيقي باطني.
- في العصر الحديث: قام النظام النصيري القرمطي الشيطاني في سوريا بزعامة حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد بإبادة المسلمين في سوريا بالبراميل المتفجرة وخراطيم النابلم وسحق أجسادهم بالمكبس في سجون صيدنايا والمخابرات الجوية وعدرا.
إن النصيرية هي ديانة الشيطان بلا شك.. تقوم على عبادة البشر، وإلغاء أركان الإسلام، وإحلال التناسخ محل يوم القيامة، ومزج الوثنية اليونانية بالغنوصية الفارسية تحت قناع إسلامي.. ولذلك لا يملك عالم مسلم أن يصفها بالإسلام.
والقاعدة الذهبية في هذا الباب ما قاله الله تبارك وتعالى: «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» [البقرة: 111]
فليأتِ من يدّعي إسلام النصيرية ببرهانه، والحكم للنصوص والحقائق.

قراءة اونلاين

الخميس، 16 أبريل 2026

الدين الدرزي.. قناعٌ إسلامي لعقيدة باطنية!

الدين الدرزي.. قناعٌ إسلامي لعقيدة باطنية!

بقلم محمود القاعود




في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي و في أواخر عهد الخليفة الفاطمي «الحاكم بأمر الله» الذي ادّعى الألوهية صراحةً دون خجل أو حياء، انبثقت حركةٌ غنوصية باطنية من رحم الإسماعيلية الشيطانية.. وكان من أبرز مؤسسيها «حمزة بن علي الزوزني» و«محمد بن إسماعيل الدرزي» -الذي نُسبت إليه الديانة الدرزية- وهو شخصية يتبرأ منها الدروز أنفسهم اليوم لأنه كشف السر المزعوم قبل أوانه.
انتشرت هذه الدعوة في جبال الشام - لبنان وسوريا وفلسطين - وظلت طيّ الكتمان قرونًا بفضل مبدأ «التقية» الذي رفعوه إلى مصاف العقيدة.
والسؤال الجوهري الذي يسأله بعض الذين لا اطلاع لهم على هذه العقيدة المارقة: هل الدرزية تنتمي للإسلام؟ أم هي دين يحارب الإسلام لكنه استعار الإسلام قناعاً؟
أولاً: الكتاب المقدس للدروز «رسائل الحكمة»
عند الدروز كتاب سري يُسمى «رسائل الحكمة» أو «كتاب الحكمة»، وهو مجموعة رسائل كتبها المدعو حمزة بن علي وأصحابه.. وقد ظل هذا الكتاب سرًا محرّمًا على من يسمونهم غير «العقّال» (المُبتدَئين) لقرون.. حتى طُبع ونُشر حديثا.
وما في هذا الكتاب يكفي وحده حجةً لإثبات حقيقة ديانتهم الباطنية المعادية لله ورسوله:
1- تأليه الحاكم بأمر الله صراحةً:
تقول رسالة حمزة: «الحاكم بأمر الله هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، ليس كمثله شيء»
وهذا كفرٌ صريح بإجماع الأمة.. فالحاكم كان خليفةً بشريًا ارتكب من الجرائم ما ملأ به كتب التاريخ من قتلٍ وتنكيلٍ ثم اختفى في ظروف غامضة عام 411هـ ويؤمن الدروز حتى يومنا هذا بأنه لم يمت بل سيعود!
2- إلغاء التكاليف الشرعية بدعوى «الباطن»
تقول الرسائل الشيطانية: «إن الصلاة الحقيقية هي معرفة الإمام، وإن الصيام الحقيقي هو صون السر عن الأغيار»!
فأسقطوا الصلاة والصيام والحج والزكاة بتحويلها إلى رموز باطنية لا علاقة لها بالعمل الجسدي.. وهو هدم للإسلام يُطابق دعوى الإباحيين الباطنيين الذين أسقطوا الأحكام الشرعية بزعم الوصول إلى «الحقيقة».
ثانيًا: أركان الإسلام الخمسة وموقف الدين الدرزي منها
- الشهادتان: ركن الدخول في الإسلام الشهادة عند الدروز شهادة للحاكم بالألوهية والعياذ بالله
-الصلاة: فريضة خمس مرات يوميًا في الإسلام عند الدروز مُلغاة ومُؤوَّلة باطنياً بـ«معرفة الإمام»
- الصيام: فريضة رمضان
لا يصوم عموم الدروز شهر رمضان المعظم؛ فالصيام عندهم «صون السر»!
- الزكاة: فريضة مالية معلومة النصاب
الزكاة عند الدروز ساقطة ولا وجود لها في منظومتهم الشركية.
- الحج: فريضة على كل مسلم مستطيع
لا يحج الدروز إلى مكة؛ وقد أوّل حمزة فريضة الحج بأنها: «زيارة الإمام»!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما النصيرية والقرامطة الباطنية فهم أكفر من اليهود والنصارى... وهم مع ذلك يتسترون بالإسلام ويدّعون أنهم أهله»
وإن كان ابن تيمية تكلم عن الباطنيين عمومًا، فإن حكمه يشمل الديانة الدرزية التي تشترك مع النصيرية في أصل البنية الغنوصية الباطنية.
ثالثًا: عقائد الدرزية الخارجة عن الإسلام
1- التقمّص (تناسخ الأرواح)
يؤمن الدروز بأن الروح تنتقل بعد الموت من جسد إلى جسد، وأن كل إنسان يُعاد في تجسّد جديد.. وهذا ناقضٌ صريح لعقيدة البعث والجزاء في الإسلام:
يقول الله تعالى: «وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» [المؤمنون: 100] فالإسلام يُقرر أن الروح بعد الموت في البرزخ حتى يوم القيامة.. لا تنتقل من جسد إلى جسد. والتقمص عقيدة هندوسية-يونانية أدخلتها الفلسفة الأفلاطونية إلى الغنوصية، ومنها إلى الحركات الباطنية التي تدعي الانتساب للإسلام.
2- التنزيه المزعوم
يصف الدروز إلهَهم بالتنزيه المطلق الذي يصل إلى درجة نفي كل صفة عنه، حتى إنهم لا يصفونه بالعلم ولا القدرة ولا الإرادة، لأن في كل وصف «تحديدًا» له وهو اعتقاد فلسفي مصدره أفلوطين وفلاسفة الإسكندرية وليس القرآن الكريم ولا السنة النبوية.
3- الحدود الخمسة.. البنية الهرمية الغنوصية
يقوم البناء الروحي الدرزي على ما يُسمى «الحدود الخمسة»
- العقل الكلي (ويتجسد في حمزة بن علي)
- النفس الكلية (ويتجسد في إسماعيل التميمي)
- الكلمة (ويتجسد في محمد الكلمة)
- السابق (ويتجسد في سلامة المشرقي)
- التالي (ويتجسد في بهاء الدين المقتنى)
وهذه البنية الهرمية لا علاقة لها بالإسلام على الإطلاق، بل هي مسروقة من الأفلاطونية المحدثة والهرمسية الكهنوتية.
4- إلغاء الجنة والنار بمعناهما الإسلامي
يرى الدروز أن الجنة والنار ليستا مكانين حقيقيين، بل هما حالتان نفسيتان تعيشهما الروح في تجسداتها المتعاقبة. وهذا تعارض مباشر مع مئات الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الصريحة في وصف الجنة والنار.
5- السرية التامة كعقيدة
يُفرّق الدروز بين طبقتين:
- العقّال: المُبتدَئون الذين يعرفون السر وعليهم لباس موحّد
- الجهّال: عامة الدروز الذين يُمنعون من الاطلاع على حقيقة الدين
وهذا الكهنوت الديني السري لا نظير له في الإسلام الذي يقوم على العلانية والبيان:
يقول الله عز وجل: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ» [المائدة: 67]
فالإسلام العظيم دينٌ يدعو إلى نشر الحق علانية.. بينما تقوم الدرزية على أن الكتمان والأسرار فريضة مقدسة.
رابعًا: أسئلة للدروز:
1- إذا كانوا مسلمين فلماذا لا تُفتح كتبهم للمسلمين؟
الإسلام دينٌ مفتوح وكتابه بين أيدي الجميع. فما الذي يخشاه دينٌ يدّعي الإسلام من الانكشاف لأهل الإسلام؟!
2- إذا كان الحاكم بأمر الله إلهًا، فلماذا لجأ إلى المؤامرة والقتل وسفك الدماء؟ وفي المصادر أنه كان طاغيةً قتل أخته وأصحابه وأهدر الدماء فأيّ إله هذا؟ وهل للإله زوجةٌ وصاحبةٌ وأختٌ وأمٌ؟!
3- إذا كانت الصلاة «معرفة باطنية».. فلماذا نزلت آيات الصلاة بصيغة الفعل الجسدي الواضح؟
يقول الله تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ» [البقرة: 43]
«أقيموا»فعل أمر جسدي عملي لا يحتمل التأويل الباطني.
4- إذا كانت الأرواح تتقمص، فلماذا الجزاء في الآخرة؟ وما معنى البعث؟
العقيدتان متناقضتان تناقضًا تامًا لا يمكن الجمع بينهما.
خامسًا: حكم الانتساب إلى الإسلام مع مخالفة أصوله:
القضية ليست قضية تكفير لكن القضية هي الحكم على المنظومة العقدية الباطنية ذاتها:
منظومة عقدية تُلغي أركان الإسلام الخمسة.. وتُؤلّه الحاكم البشري.. وتُقرّر تناسخ الأرواح.. وتُنكر الجنة والنار بمعناهما القرآني.. وتُحرّم الانتساب إلى أمة الإسلام عبر الزواج المختلط والتداخل الاجتماعي.. هذه المنظومة ليست إسلامًا بأي معيار عقدي أو فقهي.

وقد قال رسولناﷺ: «من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» فكيف بمن يُصدّق بألوهية إنسان؟!

وتبقى كلمة.. رسالتي إلى الدروز الباحثين عن الحق:
أقول للدرزي الذي وُلد في هذه البيئة الإجرامية ولم يختر عقيدتها: إن الله تعالى لا يُحاسب أحدًا على ما لم يعلم.. ولكنه يُحاسب على التقصير في طلب الحق حين تكون الطريق إليه مفتوحة.. وكتاب الله القرآن الكريم مفتوح للجميع.. فيه الحق بيّن:«فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ» [يونس: 32]