الخميس، 29 أكتوبر 2026

عناقٌ على صفحات كتاب.. ابن القيم والهروي وحكاية السّلفيّة والتّصوّف

عناقٌ على صفحات كتاب.. ابن القيم والهروي وحكاية السّلفيّة والتّصوّف

محمد خير موسى

أن يجلس شاب سلفي اليوم إلى شاب صوفي ويفتحا بينهما منازل السائرين ومدارج السالكين"


كان في هراة -في القرن الخامس الهجري- شيخٌ يعرفه أهل المدينة ويعرفون شدته في الحق وجرأته على مخالفيه ومكانته التي جعلت مجالسه مقصداً للناس؛ رجل إذا خرج إلى مجلس التذكير لبس الثياب الفاخرة وركب الدواب الحسنة يريد أن يرى أهل السلطان والدنيا عزة العلم وأهله، فإذا انفض المجلس وعاد إلى بيته خلع تلك الثياب وارتدى مرقعته وجلس مع الصوفية في خانقاههم يأكل معهم ويؤنسهم ويعيش عيشتهم، وقد ترك خارج ذلك المكان مظاهر الوجاهة التي كان الناس يعرفونه بها.

وكان هذا الشيخ أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي المولود سنة 396هـ والمتوفى سنة 481هـ أحد كبار أئمة الحنابلة في خراسان ومن أشد العلماء انتصاراً لطريقة أهل الحديث في الاعتقاد، وله في منازعة المتكلمين مواقف جرّت عليه محناً وابتلاءات، ثم تجده في خانقاه الصوفية وبين المريدين وأصحاب السلوك شيخاً يتحدث عن أحوال القلوب ومنازل التوبة والإنابة والمحبة والإخلاص.

وقد حفظ لنا الذهبي هذه الصورة العجيبة في "سير أعلام النبلاء 18/514" نقلاً عن عبد الغافر الفارسي؛ فذكر ما كان يظهر به الهروي في مجالسه من الزينة والهيبة: "وَكَانَ إِذَا حَضَرَ الْمَجْلِسَ لَبِسَ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ وَرَكِبَ الدَّوَابَّ الثَّمِينَةَ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَفْعَلُ هَذَا إِعْزَازاً لِلدِّينِ وَرَغْماً لِأَعْدَائِهِ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى عِزِّي وَتَجَمُّلِي فَيَرْغَبُوا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ عَادَ إِلَى الْمُرَقَّعَةِ وَالْقُعُودِ مَعَ الصُّوفِيَّةِ فِي الْخَانَقَاهْ يَأْكُلُ مَعَهُمْ وَلَا يَتَمَيَّزُ بِحَالٍ".

وفي هذه الصورة من تاريخ الإسلام ما يستحق أن نقف عنده طويلاً وأن نعيد النظر في كثير مما استقر في الأذهان من أحكام عامة توارثناها عن السلفية والتصوف؛ فقد كان الرجل الذي يلبس المرقعة ويجلس مع الصوفية في خانقاههم (زواياهم) هو نفسه الذي وصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء 18/506" بقوله: "وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَثَرِيّاً قُحّاً".

في هذه الصورة من تاريخ الإسلام ما يستحق أن نقف عنده طويلاً وأن نعيد النظر في كثير مما استقر في الأذهان من أحكام عامة توارثناها عن السلفية والتصوف

وكان من أشد الناس في الرد على مخالفيه في مسائل الصفات والاعتقاد حتى امتُحن بسبب ذلك، ثم كانت له تلك العناية بأحوال النفس ومقامات السلوك وجمع إلى الاشتغال بالرواية والاعتقاد حياةً طويلةً في الوعظ وتربية المريدين.

ولقد اجتمعت في حياة الهروي أحوال قد يُستغرب اجتماعها بعض أبنائنا اليوم؛ لأنهم عرفوا تاريخ المدارس من معارك المنتسبين إليها، وغاب عن كثير منهم تاريخ الرجال الذين اشتملت حياتهم على علوم شتى ونشأت بينهم وبين أهل المناهج الأخرى صلات علمية وروحية عميقة بقي أثرها ممتداً بعد أن غاب أصحابها عن الدنيا.

الشيخ الذي ورّثَ القلوب والأرواح كتاباً نفيساً

كان للهروي اشتغال طويل بعلوم الحديث والتفسير واللغة وكان له إلى جانب ذلك اهتمام خاص بما يسميه أهل التصوف مقامات السائرين إلى الله تعالى، وقد طلب إليه جماعة من أهل هراة أن يرتب لهم هذه المقامات ويبين درجاتها فخرج من هذه الرغبة كتاب صغير الحجم عظيم الأثر سماه "منازل السائرين إلى الحق المبين".

وجعل الشيخ كتابه مئة منزلة موزعة على عشرة أقسام تبدأ باليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة ثم تمضي بالقارئ في أبواب الخوف والرجاء والخشوع والزهد والورع، وتتناول أحوال المحبة والمعرفة والمراقبة وسائر ما اشتغل به علماء السلوك في تهذيب النفس وتقويم علاقتها بربها.

وكان الهروي يعرف ما للعبارات في هذا العلم من دقة وما قد يطرأ على وصف أحوال القلوب من التباس؛ لذلك افتتح كتابه بالعناية بأصول الطريق، فقال في "منازل السائرين" (ص6): "وَاعْلَم أَن الْعَامَّة من عُلَمَاء هَذِه الطَّائِفَة والمشيرين إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة اتَّفقُوا على أَن النهايات لَا تصح إِلَّا بتصحيح البدايات كَمَا أَن الْأَبْنِيَة لَا تقوم إِلَّا على الأساس". ثم جعل من تصحيح هذه البدايات إخلاص العمل لله تعالى ومتابعة السنة وتعظيم النهي ورعاية الحرمات وبذل النصيحة للخلق.

تأمل هذه الكلمات واقرأها في كتاب رجل درجنا على وصفه بالصوفي، ثم انظر إلى ما فيها من اجتماع التعبد والإخلاص ومتابعة السنة وحفظ حقوق الخلق؛ فقد كان صاحبها يريد أن يأخذ بالعبد في طريق طويل من تهذيب النفس وأن يعالج في قلبه ما يعرض له من غفلة ورياء وكبر وشهوة وفتور حتى تستقيم حياته على عبودية الله تعالى.

وبقي الكتاب بعد وفاة صاحبه تتناقله أيدي العلماء والقراء ويشتغل به أهل السلوك ويشرحه من جاء بعده، وقد اجتمع على قراءته من المدارس والمذاهب من رأى فيه علماً نافعاً ومن توقف عند بعض عباراته ومن ناقش ما اشتمل عليه من أحوال ومقامات، وكان لهذا الكتاب موعد آخر في دمشق بعد وفاة صاحبه بأكثر من قرنين.

لقاء دمشق بشيخ هراة

ولد ابن قيم الجوزية سنة 691هـ وقد مضى على وفاة الهروي مئتان وعشر سنوات، ونشأ في دمشق عالماً بالفقه والحديث والتفسير ثم لازم ابن تيمية ملازمة أثرت في تكوينه العلمي وعُرف بقوة الحجة وسعة الاطلاع وشدة العناية بأصول الاعتقاد.

وكان في هذا العالم جانب يستحق أن يعرفه الشباب الذين حصروا صورته في مناظراته وردوده على مخالفيه؛ فقد كان صاحب عبادة طويلة ومجاهدة للنفس وشغف بالمحبة والإنابة والذكر، حتى قال تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" في ترجمته إنه كان ذا تهجد وطول صلاة وتألّه ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والاستغفار والانكسار إلى الله تعالى.

وهذا القلب الذي جمع إلى قوة العلم شدة الاشتغال بالعبودية كان مهيأً لأن يجد في تراث أهل السلوك مادة غنية للنّظر والتأمل؛ وكان من الكتب التي استوقفته كتاب "منازل السائرين" لأبي إسماعيل الهروي.

قرأ ابن القيم الكتاب وتأمل ترتيبه ووقف عند منازله واحدة بعد أخرى، ثم أخذ يشرح عباراته ويستخرج معانيها ويستدرك على ما يراه محتاجاً إلى استدراك ويفتح من الكلام الموجز أبواباً طويلة من البحث في القرآن والحديث والعقيدة وأعمال القلوب. وكانت ثمرة هذه الصحبة العلمية كتابه العظيم "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين".

ومن الطريف أن كتاب الهروي -الذي جمع منازل السلوك في صفحات قليلة- اتسع على يدي ابن القيم حتى أصبح مؤلفاً ضخماً يجلس فيه القارئ إلى حديث طويل عن المحبة والتوبة والخوف والرجاء والصبر والرضا والتوكل واليقين، وتتعاقب فيه أقوال المفسرين والمحدثين والفقهاء وأهل السلوك، فيرى كيف يستطيع عالم واسع الثقافة أن يأخذ عبارة قصيرة ثم يمضي بها لينثرها ويبذرها في آفاق العلم والتأمل.

ولقد اختار ابن القيم أن يجعل قوله تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أصلاً تنتظم حوله مباحث كتابه؛ فكل منزلة من منازل السلوك تتصل عنده بحقيقة العبودية والاستعانة بالله تعالى وكل مقام يعرضه على ما فهمه من نصوص الوحي وأقوال السلف.

وكان الهروي حاضراً معه طوال هذا الطريق؛ تارةً يشرح عبارته ويزيدها بياناً، وتارةً يوردها ثم يستدرك عليها، وتارةً يعتذر له ويجتهد في حمل كلامه على وجه حسن وقد يشتد الاعتراض إذا رأى في القول خطأ يتصل بأصل من أصول الاعتقاد. وتبقى في هذا كله مودة صريحة تشعر بها كلما رأيته يذكر شيخه ويعظّم مكانته ثم يمضي في مناقشته بثقة العالم الذي يحمل أمانة القول بالحق.

شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا

وقف ابن القيم عند كلام للهروي في منزلة الرجاء، وكان الشيخ قد جعل الرجاء من أضعف منازل المريدين ورأى فيه تعلقاً بحظ النفس قد يعارض كمال الاستسلام لله تعالى؛ فوجد ابن القيم في العبارة ما يستوجب البحث والاعتراض وأراد أن يبين منزلة الرجاء في القرآن والسنة وصلتها بمحبة الله تعالى والخوف منه، وكانت العبارة التي افتتح بها نقده من أنفس ما تركه العلماء في أدب الاختلاف. قال في "مدارج السالكين 2/38": "شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا. وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ. وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ".

وأحسب أن في هذه الكلمة من جمال النفس ما يعسر أن تجده في كثير من منازعاتنا المعاصرة؛ فقد أثبت ابن القيم لشيخه مكانته في قلبه ثم مضى إلى نقد قوله وقد بقي للحبّ موضعه في القلب وللدليل سلطانه على الفكرة، وأحسن الظن بالرجل الذي انتفع به واجتهد في معرفة ما أراده من عبارته ثم بين وجه اعتراضه.

وكان لهذا الإنصاف أثره في بقية الكتاب؛ ففي مناقشته لبعض كلام الهروي في منزلة التوبة اشتد نقده للعبارة ثم عاد يخشى أن يستقر في نفس القارئ بسبب ذلك شيء من إساءة الظن بالشيخ، فقال في "مدارج السالكين 1/216": "وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ، فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْب، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا ـ إِلَّا أَقَلَّهُمْ ـ عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ".

ويا لها من كلمة يحتاج بعض الشباب إلى أن يقرأها ويتأملها، وقد ألف أن يسمع اسم العالم مقروناً بما يؤخذ عليه حتى تكاد عثراته تحجب سائر عمره وعلمه وآثاره!

لقد عرف ابن القيم مواضع اختلافه مع الهروي معرفة دقيقة وكتب فيها صفحات طويلة، وبقيت له القدرة على أن يراه عالماً عظيماً أفاد منه، وأن يجد في كلامه ما يستحق العناية وأن يدعو له بالمغفرة والرحمة. والعالم الذي أحبّ شيخه كل هذا الحبّ كان شديداً في نقد بعض أقواله؛ ففي هذا الاجتماع من قوة الاعتقاد بالفكرة ورقّة الوفاء للشخص ما يجعل الحكاية جديرة بأن تُروى في مجالس السلفيين والصوفية جميعاً.

صحبة لم يجمعها مجلس

ولعل أجمل ما كتبه ابن القيم عن الهروي جاء في ختام بحث طويل تناول فيه بعض معاني الرجاء وبعد أن أبدى ما عنده من استدراكات عاد إلى ذكر الشيخ الذي أخذ عنه هذا الباب، فكتب في "مدارج السالكين 2/39" داعياً للهروي: "وَاللَّهُ يَشْكُرُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ سَعْيَهُ وَيُعْلِي دَرَجَتَهُ وَيَجْزِيهِ أَفْضَلَ جَزَائِهِ وَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي مَحَلِّ كَرَامَتِهِ، فَلَوْ وَجَدَ مُرِيدُهُ سِعَةً وَفُسْحَةً فِي تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَاعْتِرَاضِ كَلَامِهِ لَمَا فَعَلَ، كَيْفَ وَقَدْ نَفَعَهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ؟ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَجْلِسَ التِّلْمِيذِ مِنْ أُسْتَاذِهِ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ فَتْحُهُ يَقَظَةً وَمَنَاماً؟".

لقد قام الكتاب مقام المجلس واستقرت الألفة بين عالمين جمعتهما مسائل العلم وأعمال القلوب، وكان أحدهما قد رحل عن الدنيا قبل أن يرى الآخر نور الحياة؛ فقرأ المتأخر كلام المتقدم وعرف طريقته وانتفع بتجاربه حتى صار يذكره بلسان التلميذ الذي جلس إلى أستاذه وسمع منه وحفظ له فضل التعليم.

وكانت هذه الصحبة من العمق حتى دعا ابن القيم لشيخه بذلك الدعاء الرقيق وأقرّ بما انتفع به من كلامه، وأبدى من الألم في الاعتراض عليه ما يكشف مكانته في نفسه.

ومن أحبّ ما في تاريخ العلماء تلك الصّلات التي قامت على الكتب، فوجد عالم في كلام عالم سبقه ما يغنيه ويرشده ثم أحبّ صاحبه محبةَ من عرفه وعاشره وحفظ له مكانته بعد أن ظهر له موضع خطئه.

ولقد بقي ابن القيم إلى آخر الطريق صاحب نظر مستقل؛ يحاكم ما يقرأ ويعترض حيث يرى الاعتراض واجباً، وقد اتسعت نفسه وسمَا قلبه للاعتراف بفضل الرجل الذي يناقشه والإقرار بأن له عليه حقاً من العلم والمعرفة.

ما أجمل أن يتعلم شبابنا من هذين الشيخين كيف تكون محبة العلماء وكيف يحفظ كل صاحب علم لأخيه حرمته وكيف يتسع القلب للوفاء بالفضل مع الأمانة في البحث حتى يصير اختلافهم سبيلاً إلى معرفة أعمق، وتبقى بينهم من المودة أسباب تحفظها الأيام وتزداد رسوخاً بما يجتمعون عليه من عبادة الله تعالى وخدمة دينه والرحمة بعباده

وهكذا اجتمع في "مدارج السالكين" تراث شيخ صوفيّ أثريّ من هراة، وعلم رجل من كبار أئمة المدرسة الأثريّة في دمشق، واجتمع معهما من تراث السّلوك الإسلامي ما غدا مادة لتربية أجيال من المسلمين.

إلى شباب السلفية والتصوف

وأحسب أن في هذه الحكاية ما يستحق أن نعيد قراءته اليوم وقد اتسعت في بعض مجالسنا المسافة النفسية بين السلفيين والصوفية، حتى أصبح المرء يسمع عن علماء المدرسة الأخرى ما يحمله على النفور منهم ثم تمضي به الأيام وقد ظن أن تاريخ الإسلام كله كان على هذه الصورة من التباعد.

وتشهد سيرة الهروي نفسه بأن التاريخ عرف اجتماع الاعتقاد الأثري والتصوف السلوكي في شخصية واحدة، وتشهد علاقة ابن القيم بكتابه بأن العالم يستطيع أن يجد عند من يخالفه علماً عظيماً وأن ينتفع به ويشرحه ويناقشه وتبقى للمودة منزلتها في نفسه.

وقد كان الهروي شديداً في بعض منازعاته مع المتكلمين وكان ابن القيم شديداً في نقد بعض عبارات الصوفية؛ والإنصاف في قراءة تجربتهما يقتضي المحافظة على هذه الحقائق ومعرفة ما اختلفا فيه كما نعرف ما جمعهما، فإن المحبة التي تنشأ على معرفة صحيحة بتاريخ الرجال أبقى أثراً وأعظم نفعاً.

وأرجو أن يجلس شاب سلفي اليوم إلى شاب صوفي ويفتحا بينهما "منازل السائرين" و"مدارج السالكين" ويقرآ كيف بدأ الهروي حديثه عن تصحيح البدايات بالإخلاص ومتابعة السنة، وكيف شرح ابن القيم أحوال القلب ثم يستمع كل واحد منهما إلى صاحبه ويعرف ما عنده من علم وما يشغله من أمر نفسه وعبادته.

وربما خرج الشابّ السّلفي من تلك الصّحبة وقد وجد في تراث أهل السّلوك علماً يعينه على تزكية قلبه، وخرج الشاب الصوفي وقد عرف في ابن القيم عالماً أحب شيوخ السلوك وانتفع بهم وأنصفهم في مواضع الاختلاف ثم مضيا إلى شأنهما وقد صار لكل واحد منهما في قلب الآخر موضع صانته المعرفة والمودة.

ولعل هذه هي الهدية التي تركها لنا الشيخان عبر القرون؛ كتاب صغير خرج من هراة ثم اتسع في دمشق حتى أصبح مدرسة في العلم والسلوك، وظلّت بين صفحاته شهادة على أن الاختلاف العلمي قد يجتمع مع محبة صادقة وأن نقد العالم يستطيع أن يصدر عن قلب يعرف فضله ويشتاق إلى لقائه.

لقد رحل الهروي ثم رحل ابن القيم وأصبح ما بينهما تراثاً محفوظاً في الكتب؛ وفي كل مرة يفتح فيها قارئ "مدارج السالكين" تعود تلك الصحبة القديمة إلى الحياة ويستأنف الشيخ الدمشقي حديثه مع شيخ هراة، وقد بقيت عبارته الحبيبة تحمل إلى الأجيال شيئاً من أدب العلماء وصفاء قلوبهم: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"

وما أجمل أن يتعلم شبابنا من هذين الشيخين كيف تكون محبة العلماء وكيف يحفظ كل صاحب علم لأخيه حرمته وكيف يتسع القلب للوفاء بالفضل مع الأمانة في البحث حتى يصير اختلافهم سبيلاً إلى معرفة أعمق، وتبقى بينهم من المودة أسباب تحفظها الأيام وتزداد رسوخاً بما يجتمعون عليه من عبادة الله تعالى وخدمة دينه والرحمة بعباده.

ولعل أعذب ما في هذه الحكاية أن الشيخين اللّذين فرقت بين مولديهما القرون قد اجتمعا على صفحات كتاب، وأن أبناءنا الذين يعيشون في بلد واحد وزمن واحد يستطيعون أن يجدوا في صحبتهما القديمة طريقاً إلى صحبة جديدة تتآلف فيها القلوب ويزدهر فيها العلم، ويجد كل واحد في أخيه من الخير ما يدعوه إلى محبته والدعاء له.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

لماذا تختار النسويات دور التحفيظ لبث سمومهن؟

لماذا تختار النسويات دور التحفيظ لبث سمومهن؟


د.حامد الإدريسي Dr Hamed Alidrissi


دكتوراه في الأدب دكتوراه في الفقه أستاذ جامعي، مستشار أسري
هدفي: صناعة فكر لا صناعة محتوى...
مشروعي: إعادة المجتمع للفطرة وفق نظرية الخليفة وسكنه...

لماذا تختار النسويات دور التحفيظ لبث سمومهن؟

 كثيرًا ما طرحت على نفسي هذا التساؤل، خصوصًا 

أن هذا الأمر مما ثبت عندي بالظن الغالب الذي لولا 

التقوى لجزمت به. 


فبحثت عن ذلك، فوجدته عادة عند المنافقين في

 جميع العصور: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ

 يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4].

فحسن الكلام، وحسن السمت والهندام، صفة متوارثة

 بين المنافقين، وأماكنهم هي تجمعات الصالحين،

 وأول مشروع في الإسلام بعد المسجد النبوي: مسجد

 الضرار. 

فهل تجد النسوية مكانًا لبث سمومها أفضل

 من بيئة التجمعات الدعوية ودور التحفيظ؟ وهل تجد

 أسهل من بناتنا العفيفات اللواتي مدح الله غفلتهن

 فقال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: 23].

 وهل أسهل عليها من أن تستر وجهها بالنقاب، وتتزيا

 بزي الصالحات، وتتعلم شيئًا من قواعد التجويد؟ 

بل لا تستغرب أن تجدها هي الشيخة نفسها... 

وعجبي ممن يزعم اتباع السلف، وينسى أن السلف ما

 أقاموا للنساء دورًا يجتمعن فيها لتلقي العلوم

 الشرعية، ولا عصوا الله بمخالفة قرار زوجاتهن

 وبناتهن في بيوتهن، ولا كانوا يعقدون المجالس

 تخرج لها المخدرات والفتيات بحجة حفظ القرآن.

 بل كل ذلك من البدع المعاصرة التي خالفنا فيها نهج

 السلف، ودفعنا الثمن غاليًا؛ فالبدعة ما لم يكن عليه

 أمرهم، ويشهد الله ما كان أمرهم ولا أمر السلف على

 ذلك. 

فإياك وإياي وهذه التجمعات، ففي كثير منها فرّخت

 النسوية وباضت، ومن كثير منها عادت النساء إلى

 أزواجهن بغير الوجه الذي خرجن به. 

واحذر، فإن من خالف حرفًا من الشريعة فتح على 

بابه جُمَلًا من الشرور:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ 

أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: 63]. 


فقد والله أصابتنا...


#الأسرة

د.حامد الإدريسي Dr Hamed Alidrissi


دكتوراه في الأدب دكتوراه في الفقه أستاذ جامعي، مستشار أسري
هدفي: صناعة فكر لا صناعة محتوى...
مشروعي: إعادة المجتمع للفطرة وفق نظرية الخليفة وسكنه...



المصدر







الشيخ سعيد النورسي والإيمان

الشيخ سعيد النورسي والإيمان

من العلماء والمصلحين والمجددين من يبقى مشروعه فكرة في رأسه، لا تجد طريقها إلى التطبيق في حياته، بل ينمو مشروعه ويتكامل بعد وفاته، ومنهم من يمد الله تعالى في أجله، فينجز مشروعه ويراه في حياته.

ومن النوع الثاني العالم المجدد سعيد النورسي، الذي ظهر في تركيا، وطال به العمر حتى تجاوز (80) عاماً، عاصر فيه عدة خلفاء عثمانيين، كان له ولرسائل النور التي ألفها دور كبير في الوقوف أمام المد العلماني، الذي أراد أن يمسح الإسلام من الحياة، وينزع الإيمان من القلوب.

فمن هو بديع الزمان النورسي؟ وما الدور الذي قام به في تركيا والعالم؟ ما علاقته بما نشهده اليوم في هذا البلد المسلم العظيم من تطورات على مستويات متعددة تلفت النظر وتثير التساؤل؟

مولد ونشأة سعيد النورسي

ولد سعيد النورسي في قرية (نورس) الواقعة شرقي الأناضول، في تركيا عام (١٨٧٧م) من أبوين صالحين، إذ ينتهي نسبه لأبيه إلى الحسن بن علي عليهما السلام، وينتهي نسبه لأمه إلى الحسين بن علي عليهما السلام، فهو حسني حسيني.

ظهرت عليه علامات الفطنة والذكاء منذ طفولته، فقد حفظ (90) كتاباً عن ظهر قلب، فضلاً عن حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر، فبهر العلماء بقوة ذاكرته، وبداهته، وذكائه، ودقة ملاحظته، وقدرته على الاستيعاب والحفظ، مما دفع بأحد العلماء إلى إطلاق لقب (بديع الزمان) عليه.

نقطة التحول في حياة النورسي

خلال مطالعته لأحد الكتب، قرأ أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون)، وقف في مجلس العموم البريطاني، وهو يحمل القرآن الكريم بيده، ويهزه في وجوه النواب، ويقول لهم بأعلى صوته: (ما دام هذا الكتاب موجوداً، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان، لذا لا بد لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به).

فقرر سعيد النورسي تغيير الأمة من خلال القرآن وقال: “لأبرهنن للعالم أجمع، بأن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها“.

مدرسة الزهراء وإصلاح التعليم

كان هدفه إيقاد شعلة الإيمان في قلب أفراد الأمة، وقد نظر إلى واقع التعليم في تركيا، فرآه مقسوماً إلى قسمين: التعليم الديني متمثلاً في المدارس التقليدية، والتعليم الحديث متمثلاً بالمدارس الحديثة، فنظر إلى العلاقة بين العلوم الدينية والحديثة، فلخصها بقوله:

(ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة، بامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبإفرادهما تنشأ الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك).

فعمد إلى إصلاح مشروع التعليم (منهجية أسلمة العلوم)، فسافر إلى اسطنبول، وقدم مشروعه للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، لكن الحكومة لم تتبنى هذا المشروع، فقام هو بنفسه بوضع حجر الأساس لمشروعه في عهد السلطان محمد رشاد، لكن إسقاط الخلافة العثمانية حال دون إتمام مشروعه.

الخطبة الشامية

في سنة ١٩١١م سافر إلى دمشق، وألقى في المسجد الأموي خطبة حضرها (10) آلاف من علماء الشام، عرفت باسم الخطبة الشامية، وقد وصف فيها أمراض الأمة الإسلامية، ووسائل علاجها.

فحصر أمراض الأمة في ستة أمور:

  1. اليأس
  2. موت الصدق
  3. محبة العداوة
  4. الجهل بالرابطة النورانية بين المسلمين
  5. الاستبداد السياسي
  6. الأنانية الشخصية

أما طرق علاجها فلخصه في ستة أشياء:

  1. التمسك بالقرآن الكريم
  2. إحياء الإيمان في القلوب
  3. التسلح بالأمل والتخلص من اليأس
  4. التمسك بالصدق
  5. التحابب فيما بين المسلمين
  6. اتخاذ الشورى منهجاً في الحكم لإلغاء الاستبداد

جهاد النورسي

لما اندلعت الحرب العالمية الأولى، هب الشيخ سعيد في وجه الطامعين الروس، وقاد بنفسه مجموعة من المتطوعين، فلم يكن عالم دين نظري فقط، بل كان عالماً عاملاً بأحكام الدين.

وهو في ساحات القتال، أملى على أحد طلابه كتابه ( تفسير إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز)، وقد فسّر فيه سورة الفاتحة مع (33) آية من سورة البقرة.

جرح في إحدى المعارك، وتم أسره ونُفي إلى منطقة سيبيريا الباردة، وبقي فيها قرابة السنتين، ثم أطلق سراحه فعاد إلى تركيا فكرمته الحكومة التركية، وعينته عضواً في (دار الحكمة الإسلامية)، وهي أعلى هيئة دينية في تركيا.

الصحوة الإيمانية لدى النورسي

نذر النورسي نفسه لخدمة القرآن الكريم، ومحاولة اكتشاف الإيمان كأساس للنهضة وأساس كل خير.

دخل في مرحلة القلق الروحي، مما دفعه للتفكير العميق بالحياة، والموت، وبكل آيات القرآن، وأخذ يخلو إلى نفسه، ثم اطلع على كتابين أولهما للشيخ الجيلاني، والآخر للسرهندي، فاحتار أيهما يتبع في أفكاره،

إلى أن قرأ جملة للسرهندي (وحّد القبلة)، فنظر فوجد أن القرآن الكريم هو قبلة المسلمين أجمعين، وهذا ما كان يعمل عليه سابقاً فأيقن أن فهم القرآن الكريم هو أساس الصحوة.

النورسي والعلمانية

في سنة (1922م) دُعي إلى أنقرة، لإلقاء خطبة أمام مجلس النواب، فتحدث عن الإيمان والجهاد وأهميتهما في الحياة ومسيرة الدولة العثمانية، طبعاً لم تعجب الخطبة العلمانيين، وجرى حوار بين النورسي وأحد العلمانيين، وعرض عليه منصباً في الدولة ليكسبه إلى صفه، فرفض الشيخ، فلجؤوا إلى تهديده إما التعاون وإما النفي، فرجع إلى موطنه شرق تركيا واعتزل الناس.

في تلك الأثناء، اندلعت ثورة شرقي البلاد لكن النورسي رفض دعمها معتبراً أنها حرب بين المسلمين، ورغم ذلك اعتقلته السلطات، واتهمته بالضلوع في الثورة، فحكم عليه بالسجن، ونقل إلى وسط الأناضول عام (1925)، وبقي يُنقل من منفىً إلى منفى، ومن سجنٍ إلى سجن حتى عام (1950).

عرض عليه خلال هذه الفترة مغادرة تركيا حتى ينتهي من معاناته، لكنه قال: (والله لو كنت في مكة لرجعت إلى تركيا لأنها هي ميداني).

وقد أيقن أن مقاومة العلمانية لا تكون بالعمل السياسي بل بالتمسك بالقرآن وحقائقه.

رسائل النور

هي رسائل في تفسير القرآن الكريم، كلها تدعو إلى إحياء الإيمان الحقيقي في القلوب، الذي هو سبب إصلاح أحوال الأمة مصداقاً لحديث رسول الله:

(ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، عدد هذه الرسائل (130) رسالة، تشكِّل تسعة مجلدات، وتحوي أكثر من (5000) صحيفة، ترجمت إلى (60) لغة، وهي منتشرة من خلال طلاب النور في كل بلاد العالم.

أما وقت كتابتها فامتد من عام (1927) حتى عام (1950)، وقد كتبها خلال منفاه، الذي شاركه فيه كثير من طلاب النور، كان يكتب لهم هذه الرسائل، فأحيا الإيمان في قلوبهم، وجعلهم يضحون بكل شيء لأجل دينهم، فهم آمنوا أن لا نهضة للأمة إلا بالإيمان.

وصل تعداد طلاب النور إلى الملايين، وقد شاركوا بانتخابات سنة (1950)، وكان لهم دور بارز في إبعاد حزب الشعب الجمهوري العلماني عن السلطة، وانتخاب الحزب الديمقراطي الذي كان أخف وطأة من الحزب الجمهوري.

منطلقات دعوته الإصلاحية

  • إحياء الإيمان الحقيقي في قلوب الكثير من الشعب التركي.
  • السياسة لخدمة الدين، وليس الدين ليسخر لمصلحة البعض (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة).
  • مقاومة العلمانية لا تكون بالعمل السياسي، بل بالتمسك بالقرآن وحقائقه.
  • نشر هذا المنهج في كل العالم عن طريق طلاب النور الذين يعدوا بالملايين.
  • بيان مفصل لمنهج العمل الإيماني الإيجابي البناء.
  • تحديد الهدف، وتحديد الجمهور المستهدف، وتحديد الطريق الذي ينبغي السير عليه.

من إنجازات دعوته الإصلاحية

  • إعادة الأذان باللغة العربية.
  • إبعاد حزب الشعب الجمهوري عن السلطة عام (1950).

رحم الله الشيخ سعيد النورسي بديع الزمان وأعلى في قدره.