الاثنين، 18 مايو 2026

وجهة وطن: الطالب المصري... ماذا لو حدث العكس؟

آخر كلام       

وجهة وطن: الطالب المصري... ماذا لو حدث العكس؟ 







تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي مع مقطع فيديو لطالب مصري اسمه مصطفى مهدي مبارك، حمل وشاحاً عليه علم بلاده مصر مع علم الكويت، التي درس فيها تعليمه العام، أثناء إلقائه كلمة خريجي جامعة كنتاكي في أميركا. 

ما فعله الطالب المصري مصطفى، وهو ليس مجبراً عليه، يعبر عن لمسة وفاء يحملها مع مئات الآلاف من الوافدين تجاه الكويت، لاسيما أولئك الذين استقروا بها لسنوات طويلة، وهو سلوك إنساني طبيعي لأي شخص يغترب عن وطنه الأصلي ليعيش فترة من طفولته الأولى في بلد غير بلده، أو استفاد من فرصه وخدماته. 

ولا حاجة لتفصيل طبيعة امتنان الإنسان تجاه الدولة التي قدمت له أو لبلده خدمات أو امتيازات استثنائية خلال فترة ما من عمره أو من تاريخ بلده، فهذه مسألة بديهية في الأوضاع الطبيعية التي لا يكون فيها السعار العنصري على أشده ومشاعر الوطنية الزائفة مرتفعة. 

أول سؤال دار في ذهني عند مشاهدة فيديو الطالب المصري مصطفى هو: ماذا لو حدث العكس؟ وحمل شخص كويتي علم مصر أو فلسطين أو أي دولة عربية أخرى عرفاناً بفضائل هذه الدول مثلاً في التعليم أو المسرح أو الرياضة أو الصحة أو الأنظمة الإدارية والقانونية على الكويت، خصوصاً في بدايات تأسيسها كدولة حديثة، وفي وقت لم تكن الكويت ثرية بالدرجة التي قد يقول بعض الموهومين إن الاستعانة بالخبرات العربية كانت أجراً مقابل عمل؟ 

لا أظن سيسلم هذا الكويتي، الذي رفع علماً آخر مع علم الكويت، امتناناً وعرفاناً بدور تاريخي لدول عربية ساهمت في نهضة الكويت ومعاونتها في فترة معينة، كما ساهمت الكويت في مساعدة ونهضة دول أخرى في فترات لاحقة من حملات التحريض وحفلات التخوين وسعار الاستنطاق من مجاميع المنبوذين الذين وجدوا في العنصرية ملاذاً لتغطية أمراضهم النفسية والاجتماعية. 

إن مسألة رفع علم دولة أخرى ليست مرتبطة بنقص الوطنية أو اختلال في الولاء، بل قد تأتي على سبيل الامتنان، كما فعل الطالب المصري مع الكويت، ونال كثيراً من إعجابنا، أو التضامن، كما فعل اللاعب الإسباني لامين يامال مع العلم الفلسطيني، وتبعه دعم حكومي إسباني له، وقد يأتي بصورة أبسط مع قرب مباريات كأس العالم، وتفاعل الجماهير مع أعلام الدول التي نشجعها... وبالتالي علينا ألا نفسر كل مسألة على أنها تتعلق بالوطنية والولاء، خصوصاً عندما يعجبنا الفعل من زاوية ونحرمه من زاوية أخرى.



فكرة الامبراطوريات انتهت وأن تتقاسم دولتان السيطرة على العالم باتت من الماضي.

 فكرة الامبراطوريات انتهت وأن تتقاسم دولتان السيطرة على العالم باتت من الماضي.

عامر عبد المنعم

الولايات المتحدة هي التي تحتاج إلى الصين، وعوامل التعاون بينهما أكبر من الصراع؛ فاللقاء بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ والبحث عن المصالح المشتركة والتجارة أبلغ رد على طبول الحرب التي يدقها سياسيون يفكرون بعقول عتيقة ولا يواكبون التطورات.
اليوم نشاهد ليس فقط تعدد الأقطاب، وإنما تحسن قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة، وتعدد الحركات الوطنية والقومية والدينية التي تصمد في الدفاع عن نفسها أمام الدول التوسعية، بسبب حيازة الأسلحة الجديدة الرخيصة من صواريخ وطائرات مسيرة، وعدم قدرة الأسلحة التقليدية من دبابات وطائرات مقاتلة على حسم الصراعات.
التعثر الروسي في أوكرانيا والعجز الأمريكي أمام إيران في هرمز، يؤكد أن القوى المتوسطة تستطيع وقف القوى الكبرى وإظهار ضعف قوتها، وهذا التغير الاستراتيجي ينهي الفكرة الاستعمارية، ويضع حدا لقدرة الدول الكبرى على احتلال أي دولة في أي مكان بالقوة المسلحة.
العالم تغير والشعوب تغيرت والنظريات تغيرت، وفي المستقبل القريب سنرى الأعاجيب التي لم نكن نتوقعها.
عامر عبد المنعم

إشاعة الانكسار النفسي؛ أسلوب جديد لـ«تصدير الثورة»

 إشاعة الانكسار النفسي؛ أسلوب جديد لـ«تصدير الثورة»


د. محمد عياش الكبيسي
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

حينما ترى (عربيًا) يشتم العرب، و(سنّيًا) يشتم السنّة، في معرض المقارنة بإيران التي يقوم مشروعها على ركيزتين؛ باطنية تهدم الدين، وشعوبية تحتقر العرب، فاعلم أن هذا التماهي لا يعبّر إلا عن خيانةٍ واختراقٍ كبير أو مرضٍ نفسي خطير، فكيف يستسيغ الإنسان الطبيعي وهو يرى ويسمع آلاف الأبواق المعادية التي تشتم دينه وأمته بكل تاريخها ورموزها، وتنتقص منه ومن أهله وبلاده، بل وتقوم بإهانة أهله وذبحهم وتشريدهم، ثم هو كالأهبل يوافقهم بما يقولون من حيث يدري أو لا يدري، ويزيد على ذلك بأن يصفّق لهم ويكيل المديح لهم؟ ويتفنّن في التعبير عن ذلك، بكل مهاراته الإعلامية والترويجية؟

لنضع النقاط على الحروف؛ ما المبرّر لكل هذا الانبهار بمن يستهدفك في دينك وأصلك وأرضك وعرضك، وما المبرّر لكل هذا الانكسار في ذاتك وفكرك ونفسيتك؟

أكلّ هذا من أجل لحظة لم تفهم ملابساتها، ولم تظهر نتائجها بعد؟ فحكمت من خلالها حكمًا نسفت به ثوابت الدين والتاريخ وروابط الأهل والأخوة على طول هذه الأرض وعرضها؟

لقد فتح السنّة بلاد الإسلام كلها ولم يشارك هؤلاء بشبر واحد منها، بل هم يشتمون جهارًا نهارًا كلّ الفاتحين من أبي بكر وعمر، إلى صلاح الدين وطارق بن زياد ومحمد الفاتح.

ولم يكتفوا بالشتم، بل وقفوا عمليًا مع هولاكو وهلّلوا له (الطوسي المرجع، وابن العلقمي الوزير) وصار التشفّي بذبح خلفاء بني العباس ثقافة ودينا (انظر كتاب روضات الجنات).

علي شريعتي وهو الفيلسوف الشيعي الكبير يوثّق التعاون بين الصفويين والصليبيين ضد المسلمين (انظر كتابه التشيع العلوي والتشيع الصفوي).

أما تعاونهم اليوم مع بوش في احتلال العراق، ومع بوتين في احتلال سوريا، فينبغي ألّا ينكره عاقل، وقد كان ضحية ذلك الملايين من المسلمين؛ شهداء ومهجّرين ومغيّبين؛ بمن فيهم آلاف الفلسطينيين.

فما الذي تغيّر من عقيدة القوم ومن ثقافتهم ليضحّوا كل هذه التضحية من أجل غزة؟ أليس هناك عاقل يفكر بعقله؟ 

أيمكن أن نفسّر كل هذا الذي يجري من مقتل سليماني إلى مقتل خامنئي، وهذه المدمرات وحاملات الطائرات التي تزدحم في الخليج التي تنذر بحرب كونية- لا سمح الله- أكلّ هذا بسبب غزة؟ أم هناك مشروع إمبراطوري طموح يعتمد على دعم صيني روسي، يحاول أن يخترق النظام الدولي الحالي، مما دعا لكلّ هذا الاستنفار، وهو يشبه في بعض جوانبه الطموح الذي حرّك صدام حسين لبناء دولة قوية وجيش لا مثيل له في المنطقة، مما استدعى النظام الدولي أن يحشد له كل تلك الحشود. فما أشبه اليوم بالبارحة.

نأتي الآن إلى حالة الانكسار النفسي التي يُراد لها أن تنتشر كالسم في جسد الأمة.

لن أستذكر معكم التاريخ البعيد، ولا حتى أبطال الجزائر الذين قدموا أنهارًا من الدماء في مواجهة الفرنسيين، وأبطال ليبيا الذين واجهوا الإيطاليين، وأبطال أفغانستان الذين واجهوا الروسيين.

تعالوا أحدّثكم عن مدينة صغيرة اسمها الفلوجة كيف خاضت حربين مفتوحتين مع الجيش الأميركي؛ حتى راح بوش يصلي ويبكي من أجل أن ينقذ الله جنوده المحاصرين.

أحدّثكم عن الشعب السوري (أسطورة العصر) بصمودهم وصبرهم وعظيم تضحياتهم.

أحدثكم عن أهل غزة، أنسيتم أنهم (عرب) و (سنّة)؟ فهل رأيتم صبرًا كصبرهم وجَلَدًا كجَلَدِهم؟

 أبعد كل هذا يأتي من يدّعي أنه عربي   وسني ليسخر من العرب ومن السنة،   وليطلب منا أن نتعلم الجَلَد ورفعة الراس من إيران ومليشياتها؟!

ويزيد على هذا ليطعن في ديننا ويروّج للمشروع الباطني الفاسد بزعم أنهم هم الذين عناهم الله بقوله {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} ثم كرّر هذه الزندقة معممٌ أزهري، وهذه دعوة صريحة لنتنازل عن عقيدتنا وديننا لصالح الثورة التي يسعى أصحابها لتصديرها إلينا.

ووالله ثم والله ثم والله، لو أن أية قوة في العالم عرضت علينا تحرير العراق كله، وتحرير فلسطين كلها، مقابل أن نتنازل عن حبنا لأبي بكر وعمر لرفضنا، ناهيك عن أصول العقيدة كالتوحيد وختم النبوة وحفظ القرآن.

إننا أيها الناس خيرٌ لنا أن نلقى الله مشرّدين ومضطهدين على أن نحرّف دين الله ونكذب على رسول الله ﷺ.

لقد قتل كثير من الأنبياء أو هجّروا من ديارهم ولم يقيموا (دولة)، ويا لبئس الطريق الذي يتّخذه البعض من أجل قيام (دولة الإسلام) بزعمهم، إن كان هذا الطريق يشوّه الإسلام نفسه، ويهدمه من أساسه.

لقد عرض المشركون على رسول الله ﷺ أن يتوّجوه ملكًا على مكة مقابل أن يتنازل عن رسالته، أو بعض رسالته، فآثر أن يترك الكعبة ومكة كلها ويهاجر، ولم يساوم على دينه ولو بكلمة واحدة.

اللهم يا ربنا إننا نعيش في فتنة عمياء فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين. ثبّتنا على الحق الذي يرضيك حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا يا الله.

[رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِنْ لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ}

الصليبيةن الجدد (11)

 الصليبيةن الجدد (11)

فاتن فاروق عبدالمنعم 

كاتبة روائية،وعضو بالمجلس الرقابي الأعلى للاتحاد العالمي للمثقفين العرب

موطن الداء:

تصف كارين حالة التداعي التي كان عليها المسلمين وقت الاجتياح الصليبي وإقامة دويلات صليبية محاطة بالقلاع والسلاح لتضمن الأمن والسلامة من محيطها الإسلامي المعادي، ورصدت غياب الخطاب الحماسي الديني الداعي للجهاد حتى المؤرخ العربي ابن الأثير وصف الاحتلال الصليبي برصانة وهدوء دون أن يشوب حديثه أي دعوة للجهاد ضد الصليبيين.

(والحقيقة أنني أتعجب منها لأن ابن الأثير مؤرخ يقتفي الحدث معتمدا على مخطوطات ووثائق، أما الدعوة للجهاد فلها موضع آخر غير مدونات مؤرخ معني بالرصد الكامل)
وتستمر في وصفها لوضع المسلمين لتضع أيدينا على موضع الداء وهو حالة الفرقة والتناحر بين حكام المسلمين آنذاك ومنها خلق حالة من التداعي المستمر دون توقف بسبب أنه في حالة موت الحاكم تذهب إنجازاته أدراج الرياح ومن يأتي بعده عليه أن يبدأ من الصفر وهذا الوضع مستمر حتى الآن مع الفارق، ففي زمن الحروب الصليبية كان العرب والمسلمون كانوا أقوى شوكة بكثير من أحفادهم اليوم،

وكما قالت كارين:
"لو قيض لهم أن يجمعوا كلمتهم ويرصوا صفوفهم لكانوا سحقوا بالتأكيد الدويلات الصليبية المعزولة والضعيفة العدد والعدة"

وكما قال بن الأثير 

"اختلف سلاطين المسلمين فتمكن الفرنج من البلاد"

ثم تعقب كارين بتوصيف الحالة الآنية التي عليها حكام المسلمين فتقول:
"وتلعب التفرقة العربية دورا مماثلا في وقتنا الحاضر، إذ تعود على العرب بالضرر، وعلى إسرائيل بالفائدة"

خطاب أجوف لاسترضاء الجماهير:

مازالت كارين ترصد بدقة الحالة التي كان عليها المسلمون ومازالوا فتقول:

"لم ير المسلمون في المنطقة نهاية لتلك الانتصارات الفرنجية، ومع ذلك بدوا عاجزين عن مضافرة قواهم ورص صفوفهم للحؤول دونها، وفي عام 1111 قاد قاضي حلب تظاهرة أخرى إلى بغداد لحمل الخليفة على إرسال نجدة ما، وقد تصرف المتظاهرون هذه المرة بعنف أشد، فأمر الخليفة أمير الموصل بالتوجه على رأس جيش إلى مقاتلة الفرنجة، لكن يبدو أن الأمراء المسلمين الحاليين كانوا يرون في ذلك الجيش مصدر تهديد لهم شأن الفرنجة سواء بسواء، فكان أن اغتيل الأمير في المسجد الكبير بدمشق عشية هجومه المزمع على المسيحيين، وأبرم الأتابك (القادة العسكريين) طغتكين في واقع الأمر معاهدة صلح مع بالدوين ملك أورشاليم، لقد فقد الأمراء المسلمون أي شعور (بدار إسلام موحدة) وكانوا مستعدين لإلقاء الخطب الحربية الطنانة ضد الفرنجة لاسترضاء جماهيرهم، إنما لم تكن لديهم أدنى نية لتعزيز قوة حاكم مسلم من بينهم من خلال الدخول في تحالف معه، وكنتيجة لهذا الشقاق المزمن، استطاع الفرنجة أن يحكموا سيطرتهم على الخط الساحلي لفلسطين ولبنان بأكمله"

نقطة تحول فاصلة:


من النقيض إلى النقيض، بمعنى أن الصليبين حلوا على العالم الإسلامي وهو في حالة من الضعف غير المسبوق، فقد كان منقسما على نفسه وبالطبع في حالة من التداعي والهوان، فالدولة العبيدية كانت في مصر والعباسية في العراق وتناطحها الدولة البويهية، والسلاجقة في الشام، وهذه الأخيرة كانت بمثابة بارقة أمل وطاقة نور تشع لتضيء النفق المظلم، فالسلاجقة كونوا جيوبا جهادية أوجعوا الصليبيين وعبدوا الطريق للنصر النهائي على يد صلاح الدين.

ومن السلاجقة كان عماد الدين زنكي الذي عينه سلطان الروم في آسيا الصغرى قائدا عسكريا على الموصل وحلب، في ذلك الوقت نتيجة لحالة الانهيار التي تعانيها البلاد فإن الفوضى كانت سائدة بتبعاتها فآثر عماد الدين فرض النظام وإخضاع السكان له بالقوة الباطشة ورغم ذذلك كان محبوبا منهم نظرا لأنه لم يطالبهم بشيء لا يستطيع هو فعله أو تنفيذه، فكانا رصينا مهيبا لم يسكن قصرا بل ظل في خيمته على حصيرة مدة ثمانية عشرة عاما، على العكس من الأمراء السابقين عليه الذين كانوا يعيثون الفساد والسلب ونهب ثروات السكان وكانت جيوشهم لا تستمر أكثر من عام ثم ينفض جمعهم بعد حصد الغنائم لانتفاء هدفا أعلى يتوحد عليه الجموع، وقد توج عماد الدين مجمل إجراءاته الإصلاحية بإنشاء جهاز استخباراتي قوي (مكمن القوة الحقيقية) فكان على دراية بما يحدث في القدس وانطاكية ودمشق وبغداد.

عماد الدين زنكي نشر الأمن والسلام حتى في البيداء وقد وصف ابن الأثير قيادته بالقول "لطف الله بالمسلمين" وقد عمل على تحرير وإخضاع الإمارات الصليبية، فبدأ بالرها وحقق انتصارا لم يحققه أي قائد مسلم منذ زمن فالتف حوله الجموع خاصة النازحون من فلسطين وارتأوا فيه بداية تحرير أرضهم، بل إن الخليفة العباسي اعتبره طوق نجاة به غسل سمعته لدى عوام الناس فخلع عليه ألقاب عماد الدين، وركن الإسلام، وانتشر بين العوام بأن تحرير فلسطين بدأ بظهور عماد الدين زنكي ولكنه اغتيل على يد أحد خصيانه من أصول فرنجية، وبموته أحيا فريضة الجهاد في نفوس العوام الذين عقدوا العزم على السير على نفس الدرب.

ولنا هنا وقفة:

النصر دائما حليف الكتلة التي يعلوها مخلصون، أخطر شيء علينا في كل زمان ومكان هو الانقسام لأنه يولد الفوضى والرقة في الدين وضياع البلاد والعباد، ودائما العدو كالميكروب لا يخترق الجسد إلا من أضعف الأماكن.

أقول ما ذكرته مرارا وتكرارا، فلسطين هي المقياس الوحيد لحال المسلمين، الصليبيون لم يحلوا بخيلهم ورجلهم فيها إلا والمسلمون يعانون التداعي والفوضى العارمة ومن ثم الدولة المخلقة على عينهم الآن في فلسطين.

عماد الدين زنكي كان سكيرا عربيدا يكاد لا يستفيق من السكر ولكنه في لحظة فارقة إرتأى فيها لابد أن يكون رجلا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ 11 الرعد

فبدأ بنفسه كي يشق طريقه المختار ويبلغ النصر، ومثله فعل صلاح الدين الذي بدأ بإصلاح نفسه ثم عوام المسلمين فأحدث نهضة دينية لتصحيح عقيدتهم بعد أن حادوا عن جادة الصواب في زمن الدولة العبيدية كي يبلغ تحرير فلسطين، فبوصلة الأمن لديك هي مدى إلتزامك الديني، فالإفراط والتفريط سيضرنا على مستوى الفرد والمجتمع اتقاء لفتنة لا تصيبن الذين ظلموا منا خاصة، كل ما تأمله بشكل شخصي أو جماعي هو نصر، تحقيق ما تتمنى هو نصر، فكيف نبلغ النصر ونحن والغون في المعاصي؟، نبارز بها الله آناء الليل وأطراف النهار؟ متى نستفيق؟

عدونا مراقب لنا عن كثب ويعلم جيدا من يمثل خطورة عليه، ومن لا يمثل له شيئا على الإطلاق، السراق واللصوص والمرتشون والمخدرون والساقطون بين أفخاذ الساقطات، سيلعقون أحذية العدو كي يحصلوا على الفتات وسيمنيهم كي يتمكن منا ثم يتركهم في العراء يموتون ببطيء دون ماء أو غذاء أو دواء وسيضن عليهم برصاصة رحمة.

أقول مجددا إلزم ثغرك واشتغل على نفسك إيمانيا كي تقوى نفسك وتسطيع مواجهة الردى، فالهدنة المزعزمة التي يدعيها بلطجي الكباريه ترامب هي غشاوة يلقيها على العيون كي يعيد ترتيب أوراقه بعد أن أحرزت إيران عليه نصرا موجعا لذا آثر الوحش الجريح التريث حفظا لماء الوجه واستعادة شكيمته، فلا تستبعد أي إجراء مفاجيء، أما الدولة المخلقة في فلسطين فلم تجد بدا من قتل الأسرى كي يحافظوا على هيبتهم بينما هذا الفعل هو الإفلاس المحقق وقلة الحيلة، وغلت أيدي اثنين مليار مسلم عن مد يد العون لهم.

وللحديث بقية إن شاء الله



الصليبيون الجدد (10)


الأحد، 17 مايو 2026

كنوزك العشر .. في أيام العشر

 كنوزك العشر .. في أيام العشر

وهي مأخوذه من نصوص الوحي كتابًا وسنة، ليست عطايا ولا هدايا من أحد ولا مِنَّة ..
●● أولها..
..أن تعظيمك لهذه العشر.. هو تعظيم لمن عظمها وأعطاها هذا القدر فأقسم بها في سورة الفجر، فقال سبحانه : {وَٱلۡفَجۡرِ (1) وَلَيَالٍ عَشۡرٖ (2) وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ (3) }
_ وفيما صح من الحديث في تفسير المقسم به في الآيات : ( إنَّ الْعَشْرَ عَشْرُ الأضْحَى، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ) أخرجه أحمد مرفوعا [ ١٤١٠٢]
●● ثانيها :
أن تعظيمك للعشر برهان منك على تقواك لمن عظمها فقال سبحانه : { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج/ ٣٢].. واستشعر وأنت تعظم تلك الأيام أن ربك قد أخذ عليك في أعظمها ميثاق العبودية وأنت في ظهر أبيك آدم في عالم الذَرِّ، كما قال سبحانه: {وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } [ الأعراف/١٧٣ ].
وقد جاء عن ابن عباس مرفوعا : ( إن اللهَ تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم بنُعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبُلًا، فقال: { ألَستُ بربكم؟ قالوا بلى}. رواه أحمد وغيره (صحيح الجامع/١٧٠٢).
●● ثالثها :
أن استحضارك لجلال العشر ينبغي أن يذكرك بالبعث والحشر، لاقتران أجَلِّ أيامها في القرآن بيوم القيامة، وذلك في قسم الجليل سبحانه حين قال: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } [البروج ١_٣ ].
وقد صح أن ( اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة) [صحيح الجامع/٨٢٠٠].
●● رابعها :
أن إكثارك من الذكر والشكر والدعاء في أيام العشر ولياليها في السر والعلانية؛ يجعلك في مصاف المخبتين الذين دعاهم الله فلبوه، وأمرهم فأطاعوه، حيث قال الله سبحانه : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) } [ من سورة الحج]
وقال عز وجل : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج/ ٢٨]
قال ابن عباس : ( الأيام المعدودات ) أيام التشريق ، و ( الأيام المعلومات ) أيام العشر . ولذلك كان ابن عمر وأبوهريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما . [رواه البخاري]
●● خامسها :
أن عدم تضييعيك لأزمانها أوتفريطك في العمل الصالح بأيامها.. يجعل هذه الايام خير عمرك وأعظمها أجرًا،فقد قال عليه الصلاة والسلام، (أفضلُ أيامِ الدنيا أيامُ العشْرِ) [ صحيح الجامع/ ١١٣٣]
وقال أيضًا : ( مَا مِنْ أَيَّامٍ، الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تعالى، مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ فِي هَذِهِ الأيام الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) [رواه البخاري/ ٩٦٩]
●● سادسها :
أن تعميرك لأوقاتها بالتنويع في أذكارها.. يجعلك من المفردين المكثرين، المطيعين لسيد الأولين والآخرين- صلى الله عليه وسلم - حيث قال :
(..فأكثرو فيهن من التسبيح والتهليل والتكبير) رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر.
وقال صلى الله عليه وسلم ( سبَق المُفرِّدونَ.. سبَق المُفرِّدونَ ) قالوا: يا رسولَ اللهِ ما المُفرِّدونَ ؟
قال:( الذَّاكرونَ اللهَ كثيرًا والذَّاكراتُ )
[ أخرجه مسلم ٢٦٧٦]
●● سابعها :
إنك إن كنت ممن حُرموا من الإحرام بالحج والعمرة هذا العام؛ فأمامك أمور تعبدية مما يتعبد بها المُحرِمون؛ وذلك في بدنك وأعضائك، فأنت إذا عزمت على أن تكون من المضحين؛ فإنك مأمور بأن تتشبه بالمحرمين : ( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أُهِلَّ هلال ذِي الْحِجَّةِ، فلا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّيَ ). [ رواه مسلم ]
●● ثامنها :
أن صيامك التسع من أيام العشر _ إن استطعت _ هو من خير أعمالك الصالحات ورأس مالك في العشر المعلومات، فقد صح عَنْ أمِّ المؤمنين حَفْصَةَ رضي الله تعالى عنها أنها قَالَتْ: (أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِيَامَ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرَ، وثلاثة أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْــرٍ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ.) رواه النسائي وأبو داود بسند حسن، وصححه الألباني.[٢٤١٦] .
ويوم عرفة أكثر أيام العشر تأكيدا في استحباب الصيام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : (صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ).أخرجه مسلم [١١٦٢]
و يعظم أجرك في الصيام إذا قرنته بالقرآن وأكثرت من الذكر والدعاء والتهليل والتحميد، ففي الحديث: ( أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ) . [رواه مالك والحاكم بسند حسن].
●● تاسعها:
أن إحياءك ليوم عرفة يهبك حياة أخرى، عندما تجتهد في الضراعة والجؤار، راجيًا أن تُعتق رقبتُك من النار فتنجو من غضب الجبار ، سواء أكنت في ذلك اليوم حاجا أو لم تكن من الحجيج ، فقد قال الحبيب_صلى الله عليه وسلم _ عن أعظم أيام العشر : ( مَا مِنْ يَوْمٍ، أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الملائكة فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاء) . رواه مسلم [ ٧٠٩٤ ].
ولا تنس وأنت تريد لنفسك النجاة في دعائك.. أن تكثر منه لأقربائك وخُلَصائك، وبخاصة والديك وأهل بيتك وأرحامك ومن له فضل عليك من الأحياء والميتين، وكذا جميع المسلمين وبخاصة المستضعفين المظلومين، فقد صح في الحديث أنه : ( إذا دَعا الرَّجُلُ لِأخيه بظَهرِ الغَيبِ قالتِ المَلائِكةُ: آمينَ، ولكَ بمِثلٍ). رواه أبو داود بإسناد صحيح[١٥٣٤]
●● عاشرها :
أنك مأمور بأن تتخذ يوم عرفة وما بعده أيام عيد ، فهنيئا لمن عز بالإيمان، واعتز بالانتساب لأمة الإسلام، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإسلام ) . أخرجه أحمد وابو داود والترمذي بسند حسن صَحِيحٌ. [٧٧٣].
ومن مظاهر تعظيمك للعاشر من العشر؛ أن تضم إلى الفرح بالعيد ذبح الأضحية في الضحى بعد الصلاة إن كنت من أهل السَعة، فقد قال النبي عليه الصلاةوالسلام : ( ما عَمِل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليُؤتىٰ يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا بها نفسًا).
أخرجه الترمذي بإسناد صحيح [١٤٩٣]
●● ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا في هذه العشر من عبادك العتقاء المقبولين..

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾

 

خواطر صعلوك

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾

 

دعنا نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، وننزع عن الأحداث التاريخية غلافها، لنقرأها بعين الإنسان، بضعفه، وبقلقه، وبأوجاعه... دعنا نذهب إلى مكة، تلك المدينة التي كانت تمثل المكان الأبرز في الجزيرة العربية، حيث تتجمع النخب، وتُحاك المؤامرات، وتنتشر الإشاعات أسرع من النار في الهشيم.

تخيل معي هذا المشهد النفسي البالغ التعقيد... رجل يصعد إلى غار حراء، ويتنزل عليه الوحي بأعظم رسالة في تاريخ البشرية... يواجه قومه، يتحمل الأذى، يقف وحيداً ضد تيار من الجاهلية الصلبة، متكئاً على حبل متين يربطه بالله... ثم، وفي لحظة مباغتة... ينقطع هذا الحبل. يصمت الوحي... يتوقف جبريل عن النزول... ويتوقف كل شيء.

تمر الأيام ثقيلة، بطيئة، والرسول ﷺ ينتظر... يمر أسبوع، أسبوعان، شهر... ستة أشهر... ولا شيء.

هنا، لم يرحم «إعلام مكة» هذا الموقف... في مجتمع يعشق الاصطياد في الماء العكر، انطلقت الماكينة الإعلامية لقريش بأقصى طاقتها... 

لم تكن هناك منصات تواصل اجتماعي، لكن كانت هناك «أندية قريش» و«دار الندوة»، وكانت هناك مجالس النميمة التي تتزعمها شخصيات مثل «أم جميل» (زوجة أبي لهب).

بدأت الألسنة تلوك الإشاعات بشماتة مقيتة.

تخيل عزيزي القارئ! حجم الضغط النفسي المرعب... إنها ليست طعنة من عدو في ساحة معركة، بل هي حرب استنزاف نفسية تستهدف الروح... والنبي ﷺ، قبل أن يكون نبياً، هو بشر... لحم ودم ومشاعر، لذلك فقد انتابه القلق والخوف، ليس خوفاً من شماتة قريش التافهة، بل رعباً من فكرة واحدة كادت تعتصر قلبه وهي هل فعلتُ شيئاً أَغضبَ الله؟ هل قصرتُ في تبليغ الأمانة؟ 

ولو كان محمد ﷺ مدعياً -كما زعموا- لكان الحل في غاية السهولة؛ كان بإمكانه أن يخرج عليهم في اليوم التالي ويتلو عليهم آيات من تأليفه ليُسكت ألسنتهم... لكنه ليس مزوراً أو مدلساً، فلم يفعل.

صمتَ بأمانة، وتألم بصدق، وانتظر بصبر الموقن الذي يتقلب على جمر القلق، تاركاً إياهم يهرفون بما لا يعرفون.

ثم... وفي ذروة هذا الاختناق النفسي، وحين بلغت الشماتة منتهاها، انشقت السماء مرة أخرى... لكن هذه المرة، لم ينزل الوحي بصيغة الأوامر الصارمة، ولا بآيات التهديد والوعيد لتدمير قريش... بل نزل الوحي ليمارس أعظم «احتواء نفسي» في تاريخ النصوص البشرية المقدسة.

نزل الوحي ليقسم بالضحى (لحظة إشراق النور ودفئه)، وبالليل إذا سجى (لحظة السكون والهدوء)، ليقول للقلب المنهك: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.

يا محمد، ربك لم يتركك، ولم يهجرك، ولم يبغضك.

ثم تنتقل الآيات من الطمأنينة الحالية، إلى البشارة المستقبلية ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾. 

وتُذكره بعناية الله القديمة به، حين كان يتيماً فآواه، وضالاً فهدى، وعائلاً فأغنى. 

وكأن الله يقول له: من اعتنى بك وأنت طفل يتيم في شعاب مكة قبل أن تعرف النبوة، هل يتركك وأنت رسوله وحبيبه الذي يحمل نوره للعالمين؟

إن استحضار هذا المشهد التاريخي ليس مجرد سرد لقصة من الماضي، بل هو دواء لكل إنسان يشعر في لحظة من لحظات حياته أن أبواب السماء قد أُغلقت في وجهه، أو أن الله قد تخلى عنه في زحمة الابتلاءات وشماتة الأعداء وتخلي الأقربين.

علَّمَنا صمت الوحي أن الله قد يؤخر الفرج، ليس تخلّياً، بل حكمةً، ليميز الخبيث من الطيب، وليُخرس ألسنة المرجفين في النهاية برد لا يترك للشك مجالاً.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

رحم المعاناة

 خلجات

رحم المعاناة


جرى على ألسنةِ كثيرٍ من الناس، لا سيما من وجد لنفسه مجالاً يظهر فيه ـ أو يتظاهر به ـ بين الناس، أن إبداعه وما وصل إليه إنما هو نتاج معاناةٍ وُلِدَ من رحمها، وتأثر بها، فأنتجت تلك المعاناةُ ذلك المبدع الذي قدّم نفسه على أنه صاحب إبداع. 

والحقيقة أننا جميعاً ذلك الرجل، وإن اختلفت الظروف والمسببات والأرحام ومجالات التباهي، دون يقين إن كان الداعم حقيقةً أم وهماً.

إن الحياة بيومياتها، وظروفها وتقلباتها، تقذف بالإنسان من صلب الركود إلى رحم المعاناة، ليستقر في قرارٍ مكينٍ إلى قدرٍ معلوم. 

وبعد أن يمكث فيه مدةً يظن معها أن هذا موضعه ومقامه، تضيق عليه الظروف، فينقلب حاله؛ فيدفع بنفسه خارج تلك المعاناة، أو تدفعه هي دفعاً، ليجد نفسه في حياةٍ جديدة. 

وأول ما يعتريه حينئذٍ هو البكاء، وهو الأمر الذي فُطر عليه ألماً ووَحشةً من واقعٍ لا يدرك أبعاده، ولا يفقه مما يراه ويسمعه إلا حاجته إلى الطمأنينة والاحتواء.

ومع ذلك، يبتسم المحيطون به ممن سبقوه إلى هذه المرحلة، لإدراكهم أنها ليست نهايةً بل بدايةٌ جديدة. وبعد أيام تبدأ ملامحه في التشكل، وربما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة، علامةً على التأقلم والراحة بعد المعاناة.

وهكذا هو الإنسان بعد خروجه من رحم الشدة التي مر بها. 

غير أنني تساءلت في نفسي: 

بما أن الإنسان منطقياً لا يولد للحياة إلا مرةً واحدة، فهل يكون إبداعه كذلك ذا ولادةٍ واحدة؟ أم أن لكل إبداعٍ ولادة، ولكل مجالٍ مخاضه الخاص؟

قد يكون الدخول في المعاناة أمراً لا يد للإنسان فيه، أما الخروج منها فإما أن يكون قراراً منه، وإما أن تخرجه الظروف دون اختيارٍ منه، كأن يأتيه الفرَج من العالم الخارجي. فالجنين قد يدفع بنفسه خارج الرحم، وقد يبلغ أجله فيه فيلفظه الرحم بانتهاء وقته، ليواجه الحياة وتتشكّل ملامح شخصيته وإبداعه بحسب مقدار تجربته، وما اكتسبه من فهمٍ وصبر، وما استقر في نفسه من ميول وما استثمر من مواهب.

وهكذا تكون المعاناة، بما تحمله من ألمٍ وضيق، رحماً يلد المبدعين كما يلد المدّعين.

وما إن يستقر الإنسان في مرحلةٍ من حياته، أو يبلغ طوراً من أطوار إبداعه، حتى يظن أنه قد استقر، وأن فكره قد نضج، وربما ظن أن عطاءه قد نضب. 

غير أن التجارب والأقدار والاختيارات تعاود قذفه إلى رحمٍ آخر، يخرج منه ـ بعد ضيقٍ وألم ـ أكثر نضجاً، وأوسع عقلاً، وأرسخ حكمةً مما كان ، ليزداد عطاءً وعمق فكر.

ومن معاناةٍ إلى أخرى، ومن رحمٍ إلى رحم، يتنقل الإنسان في مسيرته الحياتية. وقد يجتمع عليه ـ مجازاً ـ رحمان في آنٍ واحد، أحدهما على صعيدٍ شخصي، والآخر على صعيدٍ فكري أو عملي، فتَلدُه الحياة بجلَدٍ وقوةٍ وعمق.

وهذه كلها تهيئاتٌ كتبها سبحانه وتعالى لعبدٍ أنعم عليه بالبصيرة، بعد ابتلاءٍ وصبرٍ ومصابرةٍ وحمدٍ ومرابطة؛ ليتهيأ لحمل ما أراد الخالق له أن يحمله من أعباء أهل الفضل والخير، والسير على مسلكهم، والاقتداء بخطاهم. 

فيجري الله على يديه نفعاً، أو علماً، أو حسن تعامل، أو صبراً، أو إضافةً نافعةً للبشر، لا للتباهي والتشدق وادعاء المعاناة، وإن كانت معاناة كل إنسان على قدر أقداره وظروفه.

وأكاد أعتقد أن الإنسان ما إن يخرج من رحمٍ حتى يدخل في آخر، وما إن ينجو من معاناةٍ حتى يُقاد إلى أخرى، فيزداد مع كل تجربة عمقاً وإبداعاً، ويتأمل مراد الله منه، والحكمة المرجوة، والدرس المستفاد من تلك المعاناة ومن رحمها.

فما الحياة إلا رحلة تأملٍ دائم، وبحثٍ متواصل عن مرادات الله منا. ولعل حياة الركود والركون، ودوام النعم والتنعم، والبعد عن المعاناة، تكون في حقيقتها عين المعاناة؛ إذ قد تغرّ الإنسان بضبابيتها، وتخدعه بزخرفها وتدليسها.

فالحياة ليست صادقةً دائماً في هدوئها، ولعل أصدق ما فيها هو المعاناة.