الجمعة، 20 فبراير 2026

نظرات في الهدي النبوي في رمضان

 نظرات في الهدي النبوي في رمضان

 . قـلـم الـتحـرير   



كيف يكشف التأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان عن منهج متكامل يجمع بين تعظيم الشهر، وإتقان العبادة،  وتزكية النفس، ورعاية الأسرة، وبناء المجتمع، بما يحوّل الصيام من عادة موسمية إلى مشروع إصلاح شامل يعيد تشكيل الفرد والأمة؟


الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:


بلَّغ النبي صلى الله عليه وسلم  أُمّته البلاغ المبين، وأدَّى الأمانة على أكمل وجه، وكان أعلم الناس بالله، وأتقاهم له، وأكثرهم له خشية، وأحسنهم سيرة، وأكملهم عبادة وأزكاهم خُلُقًا، فاجتمع له كمال العِلْم، وحُسْن البيان، وتمام العمل، وصدق العبودية.


وقد أمر الله تعالى عباده بطاعته، وحثَّهم على التأسي به، واتباع سُنته، والسير على نَهْجه، والحذر من مخالفة أمره؛ إذ هو الأُسوة العليا، والأنموذج المُحتَذى، والدليل العملي على واقعية هذا الدين وقابليته للممارسة والتطبيق، من غير ما عَنَت ولا حرج ولا مشقة.


ولما كان رمضان شهرًا مباركًا، اختصه الله تعالى بأن جعله مجمع أصول العبادات؛ وموسم صقل النفوس وتهذيبها وتقوية بواعثها، وميدانًا عظيمًا للمسابقة في الخيرات؛ من صلاة وصيام وقيام، وتلاوة القرآن وتدبره، وكثرة ذِكْر ودعاء، وتوبة وإنابة، وصدقة وبذل، واعتكاف واعتمار، وتطهير النفس من أدران الغفلة، وتنقية السرائر من شوائب الهوى والشهوة. ثم زاده تشريفًا بتفضيل لياليه، ومضاعفة الأجور فيه، وتعظيم شأنه بليلة القدر، التي هي ذُروة سنامه وأشرف لياليه.


ولما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  قائد هذه الأمة ومُقدَّمها، وأمثل الناس وأكمل الناس علمًا وعملًا، وصدقًا وإقبالًا، جاء هديه في رمضان أتمَّ الهدي وأقومه، وأحسنه وأعدله، وأعظمه نفعًا وإصلاحًا، وأبينه دلالة على تحقيق مقاصد هذا الشهر الكريم.


ومن هنا تبرز الحاجة إلى التأمل في هديه صلى الله عليه وسلم  الرمضاني، والوقوف على معالمه الكبرى، واستحضار خصائصه الجامعة؛ رجاءَ الاقتداء الصادق، وتحقيق العبودية لله على بصيرة، والسير على منهاجه القويم؛ إذ هو سُلَّم الوصول، وبوابة العلو، وطريق النجاة، وذلك من خلال إبراز جملة من المعالم التي شكَّلت أبرز ملامح هديه صلى الله عليه وسلم  في هذا الشهر الكريم.


أولًا: تعظيم رمضان وتفخيم العمل فيه

كان تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم  لشهر رمضان تعظيمًا واعيًا مقصودًا، نابعًا من معرفة عميقة بمكانته، وفِقْه عميق بمقاصده وغاياته، يسبق دخوله ويصاحبه، ويثمر تعظيم العمل فيه.


فكان صلى الله عليه وسلم  يتهيَّأ له بالعمل قبل حلوله، فيكثر الصيام في شعبان حتى كأنه يصومه كله إلا قليلًا، توطئةً للنفس، وتدريبًا لها على الصبر، وشحذًا للإرادة، واستعدادًا عمليًّا قبل حلول الفرض.


ثم يستقبله بالتبشير، وإظهار الفرح بقدومه، وبيان خصائصه العظمى، وما أعدَّ الله فيه من أبواب الرحمة والمغفرة ومضاعفة الأجور، حتى يغدو الشهر في وَعْي الأُمَّة موسمهم العظيم الذي لا يُفرَّط فيه، ولا يُستَهان بلحظاته؛ يقول صلى الله عليه وسلم : «أتاكم رمضان، شهر مبارك، فرَض الله -عز وجل- عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِم خيرها فقد حُرِم»[1].


 ويتجلَّى هذا التعظيم، في بيان علوّ منزلة العمل فيه، وسعة رحمة الله، وقُرْب توبته من عباده، حتى إن مَن لم يُغفَر له في رمضان فقد تعرَّض لحرمانٍ عظيم، وفاته الخير الفائق الكثير؛ يقول صلى الله عليه وسلم : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه»[2]، وفي رواية: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه»[3]. 

وقال صلى الله عليه وسلم : «أتاني جبريل، فقال: يا محمد، مَن أدرك رمضان فلم يُغْفَر له، فأبعده الله، قلت: آمين»[4]، وما هذا الدعاء إلا لعِظَم تفريط ذلك العبد المُعْرِض المتهاون مع تكاثُر دواعي الخير، وضَعْف دواعي الشر، وسهولة أسباب القبول.


ألا وإن من أعظم ما يُفَخّم به المسلم رمضان: أن يفرح بقدومه فرحَ تعظيم لا عادة، وأن يستقبله بتوبة نصوح من أدرانه، وتجديد عهد مع الله، ويتفقه بمقاصده وأحكامه، ويستحضر النية الصالحة في سائر خواطره وحركاته، ويُخطّط لاستثمار لحظاته في طاعة الله تعالى، ويرتب أولوياته فيه ويتقلل مما لا يَعنيه، ويختار صُحبة صالحة تُعينه على الطاعة وتُذكّره بالله تعالى.


ثانيًا: الاجتهاد في أداء الطاعات وتكميلها

فقد كان نهارُه صلى الله عليه وسلم في رمضان صيامًا متقنًا، ودعاءً حاضرًا، وبذلًا، وتعليمًا، ونصحًا، وإرشادًا، وكان ليلُه قيامًا وخشوعًا، ومدارسةً للقرآن، ومناجاةً لرب العالمين وتوددًا إليه، فإذا دخلت العشر الأواخر زاد اجتهاده اعتكافًا، وخلوةً، وتذللًا بين يدي الرحمن.


ولم يكن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان اجتهادَ كمٍّ مجرد، ولا عادة موسمية تُؤدَّى بلا روح، بل كان اجتهادًا ممتلئًا بإخلاص وتعظيم ومَحبة وتقًى وصِدْق مناجاة وعِظَم رجاء وخشوع وبكاء وإنابة وكمال مراقبة وحضور قلب وعناية عالية بالآداب والسنن، من تأخير سحور وتعجيل فطر ولو على شربة ماء، وسواك، ودعاء عنده وفرح بامتثال أمر الله وتوفيقه لإتمام الصوم.


 وكان الصيام عنده صلى الله عليه وسلم تخلية للنفس من سلطان الشهوة والهوى، وتحلية لها بالصبر وقوة الإرادة وكمال الاستسلام لله تعالى.


وبلغ من صفاء حاله صلى الله عليه وسلم  مع ربه تعالى أن كان يُواصل الصيام أحيانًا، لا تشديدًا على النفس، بل لانشغال القلب بمناجاة ربه الكريم الأعلى.


 وكان القرآن قلب هذا الاجتهاد وروحه؛ إذ كان جبريل يُدارسه القرآن في رمضان، فيتجدد العهد بالوحي، ويغدو الشهر شهر القرآن حقًّا، تلاوةً وتدبُّرًا وقيامًا وعملًا.


 وكان قيامه صلى الله عليه وسلم  في الليل طويلًا، مُكمّل الأوصاف، عظيم الخشوع، يعتني فيه بتكميل الهيئة، وإطالة القراءة والركوع والسجود، وحضور القلب، من دون زيادة في عدد الركعات عن قيام ليالي سائر العام.


وامتد اجتهاده صلى الله عليه وسلم  إلى البذل والعطاء؛ فمع أنه كان أجود الناس على الدوام؛ إذ «ما سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  شيئًا قط، فقال: لا»[5]، إلا أنه كان أجود ما يكون في شهر رمضان، فكان جُوده فيه أوسع وأكثر.


 وإلى الاعتكاف الذي يجمع شعث القلب، ويُصفِّي السريرة، ويُفرّغ العبد لربه، متدبرًا لكتابه، متفكرًا في دلائل عظمته، وجميل صفاته وكريم فِعَاله، ووسيع رحمته وشديد عقابه، مكثرًا من سؤاله وتطلب إحسانه.


ومع ذلك كله فقد كان صلى الله عليه وسلم  يصون صيامه عما يجرحه، فيؤكد على الناس أن الصيام جُنَّة، لا تليق بها خروقات اللغو والرفث، ولا مقارفة العصيان وسوء الخُلق.


ومع كل ذلك، فقد كان أكثر اجتهاده صلى الله عليه وسلم  في العشر الأواخر، تقول عائشة -رضي الله عنها-: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره»[6]، وتقول -رضي الله عنها-: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر»[7]. ويُستفاد من قولها: «إذا دخل أحيا الليل»: أنه صلى الله عليه وسلم  كان يخلط الليالي العشرين الأولى من الشهر بعبادة ونوم، فإذا دخلت العشر لم يضجع جنبه، وصارت الليالي كلها عبادةً وخضوعًا.


ثالثًا: الخلطة النافعة والبُعْد عن الرهبنة:

على عظيم اجتهاده صلى الله عليه وسلم  وزهده، وكبير طمعه فيما عند الله، إلا أنه صلى الله عليه وسلم  كان أبعد الناس عن الرهبنة والانعزال، فكان يُفطر ويتسحر مع أهله وأصحابه، وكان صلى الله عليه وسلم  في رمضان يقوم بالإمامة والخطابة والتعليم والفتيا والتوجيه والوعظ، ويستقبل الوفود، ويُصحّح المفاهيم، ويُقوِّم التعبُّد والسلوك، ويضبط إيقاع المجتمع.


بل وحتى في اعتكافه كان حاضرًا في قلب المجتمع، يعيش في مسجده وبين يدي أصحابه، ويجعل من نفسه قدوة للناس في الترفق والتيسير والرحمة والمسابقة في الخيرات، ويعتني بحُسْن مظهره ونظافة جسده.


وكان يرعى صلى الله عليه وسلم  أهله، ويتفقد نساءه، ويقوم بحقوقهن، ويجبر بخاطرهن، ويُقبِّلهن وهو صائم، ويدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم، ويَزُرْنَه حتى وهو مُعتكِف فيتحدّث معهن.


 وبهذا نرى أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم  التعبدي لم يكن يطغى على واجبات العِشْرة وأمانة المسؤولية، وكيف لا يكون كذلك وهو صلى الله عليه وسلم  القائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»[8]، وهو المُقِرّ لسلمان على مقولته: «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلّ ذي حق حقه»،  فقال صلى الله عليه وسلم : «صدق سلمان»[9].


وكان صلى الله عليه وسلم  يُخالط الناس مخالطة رحمة وإصلاح وتواضع، ويُدير شؤونهم ويقضي حوائجهم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم  رؤوفًا يحب الرفق، وكان خُلقه القرآن، وقد جاء في ثنايا آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].


ولم يكن صلى الله عليه وسلم  يَحْصُر رمضان في كونه خاصًّا به، بل جعله شهر الجميع، وشهر المشاركة في الخير، ومدرسة تزكية، وتهذيب للكلّ، وشهر سفر وجهاد حين تقتضي ذلك المصلحة، ليؤكد أن العبادة الحقَّة لا تُعطِّل حركة الأمة، بل تُزكِّيها وتقويها.


رابعًا: تهذيب الأسرة والعناية بضعفاء المجتمع


كان من هديه صلى الله عليه وسلم  في رمضان أن يُعْنَى بأُسْرته تهذيبًا ورعاية، فيُعلِّمها ويحثُّها على الإقبال والعمل بحدود الطاقة، فيُوقِظ أهله للقيام، ويُوصيهم بالذِّكر وخير الدعاء وقراءة القرآن وتعليم مَن تجهل مِن نساء المسلمين، ويأذن لنسائه بالاعتكاف، مع نهيهن عن الغلو والتنطع، حتى تبقى العبادة باعثة على الاستمرار لا سببًا للملل والانقطاع.


 وفي المجتمع كان رمضان فرصة عظمى لإحياء روح التكافل، وتفقُّد الفقراء والمحتاجين، ومواساتهم، وتفطير الصائمين؛ ليشعر الجميع أنهم شركاء في بركة الشهر، وأن التقوى التي ينشئها الصيام لا تكتمل إلا بالرحمة والإحسان وبذل المعروف وتفقُّد ضعفاء الناس.


خامسًا: الحفاوة بالقرآن وبليلة القدر

احتلّ القرآن قلب الحياة الرمضانية النبوية، فهو شهر نزوله، وشهر مدارسته وسماعه وتدبُّره، وشهر الإقبال عليه تلاوةً وقيامًا وعملًا.


وكان طول القيام بالقرآن سمة بارزة في لياليه، ولا سيما في العشر الأواخر منه؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم  يتحرى ليلة القدر، طلبًا لمغفرة الذنوب وتجديد الإيمان، وتعليمًا للأُمَّة أن إدراك هذه الليلة لا يكون بالدعاوى، بل بالاجتهاد الصادق والعمل المتواصل؛ يقول أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أُتِيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه»[10].


ومن تأمل في هديه صلى الله عليه وسلم  الرمضاني، وجد منه صلى الله عليه وسلم  حفاوة وحرصًا على إدراك ليلة القدر وإحيائها، وما ذاك إلا لشرفها وعلوّ كعبها بين سائر الليالي، فهي ليلة سلام وبركة وتنزُّل ملائكة الخير والرحمة، وهي مبتدأ نزول القرآن، وخير مِن ألف شهر، يُفْرَق فيها كل أمر حكيم، ويُغْفَر لمن قامها إيمانًا واحتسابًا ما تقدّم من ذنبه.


وختامًا: فمن نظر في هذا الهدي النبوي الثري المبارك، وقارنه بكثيرٍ من الممارسات الرمضانية المعاصرة؛ ظهر له التفاوت الواضح بين المطلوب الشرعي والواقع العملي؛ إذ اختُزِلَ الصيام عند طوائف واسعة بالإمساك عن الطعام والشراب، مع ضَعْف الخشوع وقلة التعبُّد وتدنّي أثر الطاعة في السلوك والأخلاق، وهو ما حذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم  بقوله: «مَن لم يَدَع قول الزور، والعمل به، والجهل؛ فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه»[11]. ويقول صلى الله عليه وسلم : «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، وكم مِن قائم ليس له من قيامه إلا السهر»[12].


 وغلب اليوم الاهتمام بالمظاهر والشكليات على حساب المعاني والمقاصد، فضاعت أزمنة الشهر في التسوق والترفيه والسهر، وانفصل رمضان عند بعض الناس عن هموم الإصلاح الفردي والاجتماعي، مع أن الهدي النبوي جَعْله موسمًا لتزكية القلوب، وشحذ الإرادات، وبناء الإنسان والأسرة والمجتمع.


وكثير من الخلل في أوساطنا ناشئ عن الغفلة عن الدار الآخرة، والاستغراق في متطلبات الحياة، وسوء ترتيب الأولويات.


ولن يستعيد رمضان أثره الحقيقي في حياتنا إلا بالعودة إلى جوهر الهدي النبوي: تعظيم الشهر، وتحقيق التقوى، وإصلاح الباطن، وإتقان العمل والاجتهاد فيه، وربط العبادة بالأخلاق والعمل، حتى يكون رمضان مدرسة للتربية ومحطة تحوُّل صادقة، لا عادة موسمية تنقضي بلا ثمرة.


اللهم بارك لنا في شهر رمضان، ووفِّقنا فيه لحُسْن الصيام والقيام وكثرة العمل، وعمارة القلوب باليقين والإخلاص والتقوى والخشوع، وتذكُّر الدار الآخرة، واجعلنا من المقبولين المرحومين، ولا


تجعلنا من الغافلين المحرومين، إنك جواد كريم. والله الهادي.


[1] سنن النسائي، رقم: 2106، وهو حديث صحيح.

[2] صحيح البخاري، رقم: 2014.

[3]  صحيح البخاري، رقم: 37.

[4]  صحيح ابن حبان، رقم: 409، وهو حديث صحيح لغيره.

[5]  صحيح مسلم، رقم: 37.

[6]  صحيح مسلم، رقم: 1175.

[7]  صحيح مسلم، رقم: 6158.

[8]  صحيح البخاري، رقم: 6139.

[9]  جامع الترمذي، رقم: 3895، وهو حديث صحيح.

[10]  صحيح مسلم، رقم: 1167.

[11]  صحيح البخاري، رقم: 5710.

[12] صحيح البخاري، رقم: 5710.

فوق السلطة..481 ظهور 3 "إبستينات"

 فوق السلطة..481 ظهور 3 "إبستينات" 


فوق السلطة.. ماذا لو كان جيفري إبستين مسلما أو عربيا؟

يعاني العالم من ازدواجية مفرطة في المعايير الإعلامية في التعامل مع الجرائم الكبرى، بعد تسريب وزارة العدل الأمريكية بعض وثائق قضية جيفري إبستين الملياردير الأمريكي المدان بارتكاب جرائم جنسية.

وسلط برنامج "فوق السلطة" -في حلقته بتاريخ (2026/2/20)- الضوء على ظهور 3 "إبستينات" جدد بين فرنسا والبرازيل، وشبكات استغلال الأطفال المرتبطة بهم، فضلا عن استعراض الطرق الوحشية التي استخدموها للابتزاز الجنسي والتحكم بالضحايا عبر القارات.

بدوره، طرح الشاعر وصانع المحتوى البريطاني ستيفان موليغان سؤالا عنوانه "ماذا لو كان إبستين مسلما أو عربيا" و"هل كان سيُحمّل الدين الإسلامي مسؤولية أفعال فردية إذا كان الجاني مسلما؟"، مؤكدا أن ازدواجية المعايير والنفاق واضحان إلى درجة أن البعض لا يراها.

وأشار موليغان إلى أن الإعلام العالمي كان سيتحول إلى محكمة تفتيش مفتوحة لتجريم الإسلام والمسلمين، وأن الدين كله كان سيصبح محور الانتقاد، في حين كان الجاني الفردي فقط من يستحق الإدانة.

وتكشف هذه المقاربة عن ازدواجية المعايير في تغطية الفضائح الجنسية الكبرى، وتوضح كيف يمكن للهوية الدينية أو العرقية أن تؤثر على التعاطي الإعلامي والمجتمعي مع الجرائم نفسها.

ووفق الحلقة، فإن بعض هذه الجرائم كانت، رغم وحشيتها، وسيلة لابتزاز سياسي ومخابراتي، حيث يُجبر المغتصبون على ارتكاب انتهاكات أكبر، في حين تُسجل كاميرات خفية هذه الجرائم في أجواء من السرية المطلقة.

الجزائر وفرنسا

وفي ملف آخر، باشرت الجزائر عمليات تطهير أولى لمواقع التجارب النووية الفرنسية في صحرائها، بعد 66 عاما من التلوث الإشعاعي الذي خلفته فرنسا خلال الاحتلال.

وتساءل مقدم البرنامج نزيه الأحدب "هل سيتمكن الجزائريون من إصلاح ما أفسدته فرنسا في تربتهم وأجوائهم؟ ولماذا لم تقدم فرنسا أي مساعدة لتنظيف آثار إرهاب الدولة الذي مارسته خلال الاحتلال؟".

وأشار تقرير للتلفزيون الجزائري إلى أن أول عملية تطهير جزئي شملت مواقع تفجيرات "بيريل" في منطقة تاوريرت تان أفلا-إن إكر بولاية تمنراست (أقصى الجنوب).

تلك التفجيرات، التي أطلقت سحابا أسود فوق سماء رقان في 13 فبراير/شباط 1960، تظل شاهدا على أحد أبشع الجرائم الاستعمارية، وحولت صحراء الجزائر إلى حقل تجارب إشعاعي، وجعلت الإنسان الجزائري ضحية لصمت دولي طويل.

وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الجزائر الذاتية لمواجهة آثار التلوث النووي، وتؤكد استمرار الأضرار الإشعاعية التي خلفتها التجارب الفرنسية، والتي تلاحق البلاد حتى اليوم، وتفرض تحديات بيئية وصحية كبيرة على السكان والمنطقة.

وتناولت الحلقة مواضيع أخرى، وهذه أبرزها:

  • الناتو يضع حدا لبوتين بمهمة "آركتيك سنتري".
  • مرتزقة أفارقة بينهم عرب يُقتلون مع الروس في أوكرانيا.
  • الاستخبارات الأمريكية تطلب عملاء صينيين بفيلم ترويجي.
  • من ترمب إلى هرتسوغ: استحِ على نفسك واعفُ عن نتنياهو.
  • ممثل لبناني يبرئ نتنياهو من الإرهاب ويبرر قتل الأطفال.
  • منجمة جديدة تقيل عون وتنعى فيروز والوسوف، وتطلق هيفاء ونانسي.

"جنايات أبو ظبي في حق الأمة".. شموس الحق لا يحجبها غربال

 "جنايات أبو ظبي في حق الأمة".. شموس الحق لا يحجبها غربال

أحمد بن عثمان التويجري

 مفكر وأديب وشاعر وأكاديمي ومحامٍ سعودي بارز

منذ بدأ الخلاف السعودي الإماراتي في جنوب اليمن، بعد أن تكشفت سياسات أبو ظبي التي تعمل ضد مصالح السعودية، والآلة الإعلامية لأبو ظبي تسعى جاهدة بصفاقة وحماقة لترقيع ما لا يمكن ترقيعه، وحجب الحقائق الناصعة بغرابيل، وهيهات هيهات، فالادعاءات الفارغة، والمزاعم التي لا تسندها الأدلة لا قيمة لها عند أهل العقول، مهما تعالت أصوات مردديها وكثرت جعجعتهم.


شموس الحق هي التي تميّز الخبيث من الطيب، والخيانة من الأمانة، والكذب من الحقيقة، الحقيقة التي عندما أشرقت شموسها عرّت المؤامرات والمتآمرين، وكشفت حجم جناياتهم على أمتهم،  وبيّنت بجلاء لا لبس فيه أنهم معاول هدم وتخريب في كل وطن من أوطان الأمة تسللوا إليه، وأنهم تحالفوا مع أعداء الأمة لتحقيق مخططاتهم في تقسيم الدول العربية وبخاصة الدول الكبرى إلي دويلات عرقية وطائفية ودينية.

في مقال له بعنوان  "استراتيجيةٌ لإسرائيل في ثمانينيات القرن العشرين" نشره في مجلة "كيفونيم" الإسرائيلية بتاريخ فبراير 1982 أورد الصحفي الإسرائيلي عوديد ينون Oded Yinon (الذي كان مسؤولاً كبيراً في وزارة الخارجية الإسرائيلية وعمل مستشارا للهالك شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، كما عمل مدة طويلة في صحيفة جيروسالم بوست الإسرائيلية)  أورد خطة لاستراتيجيات إسرائيل في الثمانينات من القرن الميلادي المنصرم خلاصتها أن الدول العربية مهيأة للتفكك أو التفكيك على أسس عرقية وطائفية ودينية، وأن إسرائيل يجب أن تسعى لتحقيق ذلك ضماناً لأمنها على المدى المتوسط والبعيد.

في كتابهما الصادر عام 2017  بعنوان "مسار جديد للسلام العالمي: من الإمبراطورية الأمريكية إلى أول دولة عالمية"، قام برايان بولكينغهورن  ((Brian Polkinghor  أستاذ تحليل النزاعات وحل المنازعات) وتيد بيكر Ted Becker بدراسة خطة عوديد ينون كجزء من استراتيجيات جيوسياسية أوسع، وذكر أن الأفكار التي وردت في مقال عوديد ينون عام 1982 قد تم تبنيها وتطويرها في وثيقة السياسة العامة لعام 1996 بعنوان "قطيعة تامة: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة" (التي كلف بإعدادها استراتيجيون سياسيون إسرائيليون)، والتي أثرت لاحقًا على السياسة الخارجية الأمريكية، أن تسلسل أحداث الشرق الأوسط (الاحتلالات الإقليمية، والحروب، والتدخلات الإقليمية) يمكن تفسيرها في ضوء ما ورد في مقال عوديد ينون.

وقد أعاد موقع مركز دراسات العولمة (غلوبال ريسيرش) نشر الوثيقة مترجمة إلى الإنجليزية بتاريخ ٧ نوفمبر 2015، وذكر ميشيل شوسودوفسكي Michel Chossudoski أستاذ الاقتصاد في جامعة أوتاوا ورئيس ومنشئ مركز أبحاث العولمة:  أن الوثيقة تمثل حجر الزاوية في السياسات الإسرائيلية الحديثة، وأنها تعكس توجهات المؤسستين العسكرية والأمنية في إسرائيل.

وهذا ما أكده المؤرخ والمفكر الإسرائيلي آفي شلايم Avi Shlaim الذي قال: "إن استراتيجية (خطة) عوديد ينون مطابقة لتوجهات اليمين المتطرف في إسرائيل". كما أكد هذه الرؤية اللغوي والمفكر اليهودي الشهير ناعوم تشومسكي الذي قال عنها: "إنها تعبير عن المشاعر القومية المتطرفة واليمينية المتطرفة في إسرائيل". وفي كتابه الصادر عام 1983م بعنوان "المثلث المصير" The Fateful Triangle، وضع تشومسكي الخطة ضمن السياق الأوسع للتاريخ الإسرائيلي ، وقال: إنها امتداد منطقي ، وإن كان متطرفًا ، للاتجاهات "السائدة نحو التوسع وتقسيم الدول المحيطة بإسرائيل".

المراقب لما قامت وتقوم به قيادة أبو ظبي في كثير من البلدان العربية خلال السنوات الماضية لا يساوره أدنى شك في أن ما قامت وتقوم به هذه القيادة المشؤومة لا يختلف عما  اقترحه Oded Yinon من تقسيم وتفتيت الدول العربية إلى كيانات صغيرة وضعيفة، وإلا فما هدف وما فائدة أبو ظبي من دعم المتمرد على السلطة الشرعية في ليبيا خليفة حفتر ومدّه ببلايين الدولارات والعتاد العسكري؟، وما فائدتها من جلب شذاذ الآفاق من مرتزقة العالم لمساندته في خروجه على الحكومة الشرعية؟، وما الهدف والفائدة من دعم بل وإدارة قوات الدعم السريع الانفصالية في السودان التي أدانتها منظمات الأمم المتحدة وجميع المنظمات الحقوقية الدولية، تلك القوات الهمجية التي مارست وتمارس القتل والاغتصاب والتطهير العرقي وترتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ؟.

وما الهدف والفائدة من دعم الفئات الانفصالية في شمال الصومال (صومالي لاند) التي فتحت أذرعها للكيان المحتل ومكنته من غرس خنجر في خاصرة الدول العربية؟، وما الهدف والفائدة من تدخلاتها في تونس؟ وما الهدف والفائدة من إثارة الفتنة وتأجيجها بين العرب والبربر في الجزائر؟ وما فائدتها من دعم الانفصاليين في جنوب اليمن وجلب المرتزقة من أمريكا وفرنسا وروسيا لاغتيال القيادات العلمية والفكرية والسياسية والعسكرية هناك ؟ وما فائدتها من تحريض سفهاء بعض قيادات الأقليات العرقية والدينية في سوريا للخروج على الحكومة الشرعية التي سُفكت دماء ملايين السوريين في سبيل إقامتها؟، وقبل ذلك وبعده ما هدف وفائدة التآمر والعمل في الخفاء لتعطيل وإعاقة مساعي المملكة العربية السعودية الحميدة لتوحيد اليمن وإعادة الأمن والاستقرار والعيش الكريم لشعبه الشقيق؟

في أواخر عام 2020 وبالتحديد بتاريخ الأول ديسمبر، اتهمت الولايات المتحدة الإمارات بتمويل مرتزقة روس في ليبيا، متهمين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وخرق حظر دولي على الأسلحة. وقالت وزارة الدفاع الأمريكية: إن الإمارات العربية المتحدة قدمت "دعماً جوياً ولوجستياً" لمجموعة فاغنر، وهي شركة مقاولات عسكرية روسية، وقوات أخرى موالية للقائد العسكري في شرق ليبيا خليفة حفتر. وأضاف تقرير لمكافحة الإرهاب صادر عن القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم): "إن وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية توصلت إلى أن الإمارات العربية المتحدة تقدم تمويلاً لعمليات المجموعة".

وفي تقرير للأمم المتحدة أصدرته عام 2020 ونشرته ميدل إيست مونيتر ورد "أن مجموعة عسكرية خاصة مرتبطة بالإمارات أرسلت مجموعة من المرتزقة الغربيين لدعم قوات خليفة حفتر في ليبيا، إلى جانب مقاتلين أجانب آخرين مثل مجموعة فاغنر". وقد أكدت تقارير متعددة وموثوقة من مصادر ذات سمعة معتبرة، بما في ذلك تحقيقات الأمم المتحدة ووسائل إعلام كبرى أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد تدخلت في النزاع الليبي لدعم المنشق خليفة حفتر.

وأشار فريق خبراء تابع للأمم المتحدة بوضوح لا لبس فيه إلى أن الإمارات "قدمت دعماً مادياً وعسكرياً مباشراً للقوات التي يقودها حفتر وذلك في انتهاك صارخ لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، وشمل ذلك شحنات أسلحة، وطائرات، ومركبات، ودعماً جوياً". ونصت هذه التقارير صراحةً على أنه "تم تزويد قوات حفتر بطائرات، وطائرات مسيّرة، ومركبات مدرعة، ومعدات عسكرية أخرى، مع تطويرٍ للبنية التحتية كإنشاء القواعد العسكرية". ووفقاً لرسائل صادرة عن الأمم المتحدة ومراسلات فريق الخبراء، فإن شركات مرتبطة بالإمارات قامت بشراء مروحيات وقوارب وتم إرسالها إلى قوات حفتر عبر وسطاء لدعم الهجمات على أهداف ليبية.

وفي السابع والعشرين من شهر يناير 2020 نشر موقع قناة الإذاعة والتلفزة التركي TRT تقريراً بعنوان: "خديعة وإجبار.. هكذا حوّلت الإمارات عمالاً سودانيين لمرتزقة في ليبيا واليمن"، وأوردت ما نصه: "فجّرت فضيحة استغلال دولة الإمارات لعمال سودانيين وخداعهم باستقدامهم للعمل بشركات أمنية، ومن ثم إجبارهم على التدريب في معسكرات خاصة لإرسالهم للقتال في اليمن وليبيا، غضبَ السودانيين واحتجاجهم أمام السفارة الإماراتية في الخرطوم".

وفي السودان كانت التدخلات الإماراتية كالشمس في رابعة النهار، وحسب ما نقلته وكالة الأنباء السودانية فقد قدم السودان عبر البعثة الدائمة لدى الأمم المتحدة شكوى مدعومة بالأدلة إلى مجلس الأمن بشأن التدخل المباشر للإمارات في الحرب الدائرة في البلاد، بما في ذلك تورطها في تجنيد المرتزقة الكولومبيين والدفع بهم للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع. وقال السفير الحارث إدريس، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، في رسالة إلى السيد كيم سانغجين، رئيس مجلس الأمن: "إن هذا التدخل السافر، الذي أطال أمد الحرب ودمر البنية التحتية الحيوية وألحق معاناة لا توصف بالمدنيين، يشكل انتهاكاً جسيماً لسيادة السودان وللقانون الدولي الإنساني وللقانون الدولي لحقوق الإنسان، فضلاً عن انتهاكه للقرارات الملزمة الصادرة عن مجلس الأمن، وهي القرار 1591 (2005) والقرار 2736 (2024). كما يمثل تهديدًا مباشرًا للسلام والأمن الإقليميين.

وأضاف أن الحكومة السودانية جمعت أدلة واسعة تُظهر أن مئات المرتزقة الكولومبيين، معظمهم من الجنود والضباط المتقاعدين من الجيش الكولومبي، قد جرى تجنيدهم عبر شركات أمنية خاصة مقرها الإمارات، منها: مجموعة الخدمات الأمنية العالمية (GSSG) برئاسة المواطن الإماراتي محمد حمدان الزعابي ومقرها أبوظبي، ووكالة الخدمات الدولية (A4SI) التي شارك في تأسيسها العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو كويخانو ويعمل من مدينة العين بالإمارات حيث جرى التعاقد مع هؤلاء المرتزقة تحت ذريعة تقديم "خدمات أمن وحماية"، بينما في الواقع تم نقلهم إلى السودان للقتال مباشرة إلى جانب مليشيا الدعم السريع، ويعملون تحت ما يُسمى بـ "تشكيل ذئاب الصحراء"،  وإنهم تم نقلهم جوا من الإمارات إلى بوصاصو (الصومال) ثم إلى بنغازي (ليبيا) تحت إشراف ضباط موالين للجنرال خليفة حفتر، ومن هناك جرى نقلهم عبر الصحراء مروراً بتشاد إلى السودان".

وفي تقرير آخر، ادعى دبلوماسيون سودانيون "أن شركة مقرها دبي تعاونت مع شركة كولومبية لتجنيد ونشر مقاتلين، ورد أن بعضهم أُسر أو اعترف بالقتال في صفوف قوات الدعم السريع. ونشرت مجموعة "ذا سنتري" البحثية تحقيقات تزعم تورط رجل أعمال مرتبط بدولة الإمارات العربية المتحدة وشركات أمنية مقرها الإمارات في تجنيد وتمويل وتزويد قوات الدعم السريع بمرتزقة كولومبيين. وشمل ذلك ربط سجلات الشركات بأفراد ذوي صلات بالحكومة. ووصفت بعض التقارير كيف تم جلب المجندين من كولومبيا عبر وسطاء، وانتهى بهم المطاف، كما يُزعم، بالقتال في صفوف قوات الدعم السريع، بل وحتى تدريب أطفال مقاتلين".

وذكر تقرير مفصل لشبكة سكاي نيوز البريطانية "أن من المعروف أن قوات الدعم السريع (RSF) السودانية، وهي ميليشيات قبلية تحولت إلى قوات شبه عسكرية في السودان، توثق جرائم حربها بنفسها. حيث انتشرت على الإنترنت مقاطع فيديو تُظهر مقاتليها وهم يشنقون النساء، ويعتدون على فرق الإنقاذ، ويهللون فوق جثث القتلى، وذلك منذ بدء حرب قوات الدعم السريع مع الجيش السوداني في أبريل/نيسان "2023.

وفي مقابلة حصرية مع قناة سكاي نيوز، أكد ضابط استخبارات في قوات الدعم السريع صحة الادعاءات الواسعة النطاق بأن الإمارات العربية المتحدة هي الداعم الرئيس لهذه القوات في حرب تسببت في أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأجبرت 13 مليون شخصا على النزوح من ديارهم" (انتهى الاقتباس من تقرير سكاي نيوز).

وفي اليمن إلى جانب ما هو معلوم للقاصي والداني من أن أبو ظبي انشقت عن التحالف الدولي في دعمها للانفصاليين الجنوبين ودعمهم مالياً وعسكرياً واستخباراتيا، فقد أصدرت منظمات حقوقية دولية مثل Euro-Med Monitor، و SAM تقارير تشير إلى أن الإمارات استخدمت مرتزقة من الولايات المتحدة وفرنسا لتنفيذ عمليات اغتيال سياسية تستهدف شخصيات يمنية مدنية في سياقات لا تتعلق مباشرة بمكافحة الإرهاب، معتبرة ذلك انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. كما أصدرت منظمات حقوقية أخرى تقارير تتهم جماعاتٍ مسلحةً مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا بتنفيذ سلسلة اغتيالات في عدن ضد خصوم سياسيين وقادة أمنيين موالين للحكومة المعترف بها دوليًا، مع دعوات لفتح تحقيقات دولية في هذه المزاعم.

وفي السادس عشر من أكتوبر 2018 أوردت صحيفة هآرتس الإسرائيلية  "أن محمد دحلان، الرئيس الأمني السابق للسلطة الفلسطينية الذي يعيش في المنفى في الإمارات العربية المتحدة، توسط في صفقة لشركة أسسها متعاقد أمني مجري إسرائيلي لاستخدام مرتزقة أمريكيين لتنفيذ عمليات قتل مستهدفة في اليمن، نيابة عن الدولة المضيفة لدحلان (التي هي إمارة أبو ظبي)". وقد أظهرت تحقيقات عدة، من بينها تحقيق شبكة بي بي سي البريطانية  بالتعاون مع منظمة Reprieve الحقوقية، أن ما يقارب 160 عملية اغتيال نُفِّذت في جنوب اليمن، وأن كل الضحايا ليس لديهم روابط بتنظيمات إرهابية كما أُعلِن في بعض الروايات الرسمية. وقد شملت الاغتيالات سياسيين بارزين، وعلماء دين، وناشطين حقوقيين، وشخصيات بارزة في المجتمع اليمني.

ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر سمحان الراوي وهو قيادي في "المقاومة الجنوبية" وخطيب مسجد ابن القيم الذي اغتيل في عدن، والشيخ علي عثمان الجيلاني الذي اغتيل أثناء خروجه من مسجده بعد أداء صلاة الفجر في منطقة كريتر بعدن، و شيخ "دار الحديث" عبد الرحمن بن مرعي العدني الذي كان من أبرز دعاة التيار السلفي في اليمن، ومروان أبو شوقي وهو عقيد في الجيش وقائم بأعمال مدير المرور في عدن، ومزهر العدني وهو قيادي في المقاومة الشعبية وأحد دعاة جمعية الحكمة اليمانية الخيرية، وعبد الرحمن الزهري إمام وخطيب مسجد الرحمن، وفائز الضبياني القيادي في المقاومة الشعبية. وعابد مجمل خطيب جامع الفاروق، وياسين العدني خطيب جامع الشيخ زايد، وفهد اليونسي خطيب جامع الصحابة وأحد مؤسسي جمعية الحكمة اليمانية والأمين العام المساعد لرابطة دعاة عدن، وهادي نجيب مدير سجن المنصورة وأحد أبرز قيادات المقاومة الجنوبية، وعادل الشهري خطيب مسجد سعد بن أبي وقاص.

وقد كان من ضمن المرتزقة الذين اعتمدت عليهم أبو ظبي في تنفيذ الاغتيالات والتدريب على الاغتيالات حسب تقارير الأمم المتحدة وتقارير منظمات حقوق الإنسان، أبراهام جولان Abraham Golan مؤسس شركة Spear Operations Group، وهي شركة أمنية خاصة أُشير إلى أنها كانت تنفّذ عمليات الاغتيال وتقوم بتدريب مرتزقة للقيام بها لصالح الإمارات. وأشارت التقارير إلى أن أبراهام جولان كان يقود فريقًا يضم عناصر من القوات الخاصة الأمريكية والفرنسية سابقًا. ومنهم آزاك جلمور  Isaac Gilmore وهو عضو سابق في قوات البحرية الأمريكية الخاصة، ثم أصبح رئيس العمليات في شركة Spear، وقد تحدث في التحقيقات عن تلقي قوائم أهداف من الإمارات لتنفيذها في اليمن. ومنهم ديل كومستك Dale Comstock الذي اعترف بأن قوائم الأهداف كانت تصله من الجهة التي وكّلت الشركة بالعمل وهي إنارة أبو ظبي.

بل لقد تجاوز الأمر حدود كل عقل ومنطق، فقد جندت أبو ظبي، التي طالما رددت أنها تقاتل تنظيم القاعدة في اليمن، أعضاء سابقين في تنظيم القاعدة ضمن وحدات محلية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي ودرّبتهم للمشاركة في عمليات الاغتيال المشار إليها.

وفي حوار مع موقع "عربي21"، قال الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي: "النظام الإماراتي تسبب بمشاكل كبيرة في كل مكان من منطقتنا العربية … ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد هو مخلب القط الإسرائيلي … وهو أداة وظيفية بيد الصهيونية … عندما كنت رئيسا لتونس فعلوا كل ما في وسعهم لإفشالي، وجندوا إعلامهم الفاسد ضدي في عمل مفضوح …لقد كنت واعيا بدورهم منذ البداية، ولذلك خاطبت الإدارة الأمريكية بأن يمسكوا زبائنهم عندهم … الإمارات دولة وكيلة للصهيونية مهمتها ضرب الأمة العربية في قلبها". وفي لقاء تلفزيوني مع قناة الشرق، وصف محمد بن زايد بأنه الشيطان، واتهم أبوظبي "بالتحالف مع الكيان الصهيوني من أجل تفكيك المنطقة العربية، وتدمير مقوماتها، وإذلال شعوبها، ودعا كل القوى التي لديها الشهامة والعروبة والإسلام إلى ضرورة الوقوف بحزم في وجه هذا الدور والتصدي له دون تردد".

وفي حوار صحافي بثه التلفزيون الرسمي قال الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، "إن علاقات الجزائر مع دول المنطقة العربية جيدة، بخلاف دولة، بل أسميها دويلة (في إشارة إلى الإمارات)،  لقد أرادوا أن يتدخلوا في الانتخابات الرئاسية الأولى، ثم الثانية". وفي الخامس من مايو عام 2025 شنّ التلفزيون الجزائري هجوماً عنيفاً على الإمارات، واتهمها بالتحريض على إحياء نعرات هوياتية وعرقية بين الجزائريين. كما اتهمت وسائل إعلامية جزائرية الإمارات بممارسة دور المحرّض للحكومات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو على مواجهة الجزائر، ووضع البلاد في كماشة بعيداً عن محيطها الاستراتيجي. ومن حين إلى آخر، يتهم الإعلام الجزائري الإمارات بضرب استقرار الجزائر عبر إغراقها بالمخدّرات بواسطة شبكات تملكها في بلدان الجوار.
هذه هي الحقائق التي لا يمكن أن يحجبها غربال المدافعين عن جرائم أبو ظبي

وفي ديسمبر 2024، أي في اللحظات التي كان فيها الشعب السوري يبتهج ويحتفل بانتصار الثورة السورية المجيدة وانهيار نظام الطاغية بشار الأسد مزهق أرواح مئات الألوف من السوريين، استضافت محمد بن زايد موفق طريف، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل الذي صار من أكبر المحرضين لطائفة الدروز السورية على الانفصال بعد نجاح الثورة. ثم بعد أقل من ثلاثة أشهر استضافه مرة أخري، بل لم يكتف بذلك وإنما استضاف الزعيم الدرزي السوري حكمت الهجري العميل المناوئ للثورة السورية، الذي تربطه علاقات حميمة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو!!!. فما علاقة محمد بن زايد بدروز إسرائيل ودروز سوريا ؟، وبأي حق يورط الإمارات العربية المتحدة في التدخل في الشأن السوري وإعطاء الاعتبار لانفصاليين مناوئين للثورة السورية المجيدة؟ إنه التخريب بكل ما تعنيه الكلمة، وإنه الانخراط المفضوح في تحقيق مخططات وأطماع الأعداء في تفتيت العالم العربي.

هذه هي الحقائق التي لا يمكن أن يحجبها غربال المدافعين عن جرائم أبو ظبي من أمثال ضاحي خلفان وعبدالخالق عبدالله وأمجد طه، مهما تمادوا في ادعاءاتهم وجعجعتهم، ومهما حاولوا التلفيق والتزوير، وصدق الله العظيم القائل: "كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال".

أخيراً، غني عن القول: إن شعب الإمارات الكريم بريء من كل هذا الإجرام براءة الذئب من دم يوسف، وإن الحكماء من قادة الإمارات وسياسييها الشرفاء ليسوا راضين عن تصرفات محمد بن زايد وسياساته الكارثية ، وإن الأحرار والشرفاء من مفكري ومثقفي الإمارات كارهون ورافضون لهذه السياسات المدمرة، وإن الشعب الإماراتي النبيل بمجمله يرفض التطبيع مع إسرائيل، وغير قابل على الإطلاق بأن تكون الإمارات "حصان طرواده" لتحقيق أطماع مجرمي الصهاينة التوسعية والتخريبية في الوطن العربي ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

لماذا أرفض أن أرتدي «عباءة» ليست لي؟!

 خواطر صعلوك

لماذا أرفض أن أرتدي «عباءة» ليست لي؟!


يا سادة يا كرام... في الآونة الأخيرة، تكاثرت عليّ الرسائل كما تتكاثر الفطريات بعد المطر، وكأن هناك «مؤامرة كونية» اتفق فيها الأصدقاء والقراء الأعزاء على حصاري في زاوية واحدة.

فحوى الرسائل كلها تدور حول سؤال واحد بصيغ مختلفة: «يا بوعلي، قلمك سيال، وخيالك خصب... متى نرى روايتك الأولى؟».

والبعض يذهب أبعد من ذلك في «التوريط» العاطفي، ويقول: «حرام عليك... لازم تكتب رواية تخلد اسمك في تاريخ الأدب!».

أشكركم... أشكركم من كل قلبي على حسن الظن الذي لا أستحقه، ولكن دعونا نضع النقاط على الحروف، ونشرب كوب الشاي بالنعناع لنهدئ الأعصاب، وأصارحكم بالحقيقة العارية التي قد تخذل «الروائي» الذي تتخيلونه في رؤوسكم.

أنا يا سادة... لا أكتب الروايات.

ليس تواضعاً –معاذ الله– ولا تكبراً، ولكن لأنني ببساطة لا أملك الـ«نَفَس» الطويل كالذي يملكه الـ (...) المحترفون (بالمعنى الفني للكلمة). الروائي يحتاج أن يخلق عوالم من العدم، ويحرك شخوصاً وهمية، ويحبك دراما متخيلة... أما أنا، فكاتب «مشاغب» يقتات على الواقع، يرى المفارقة في «دشة» الموظف، والحكمة في عين «كلب ضال»، والفلسفة في «وجبة طائرة».

ولستُ أيضاً شاعراً... فليس لي شيطان في «وادي عبقر»، ولا أملك تلك القدرة على ليّ عنق اللغة لتناسب الوزن والقافية... أنا أحب الكلام «المراح» الذي يمشي على الأرض، لا الذي يطير بأجنحة المجازات الغامضة.

وقد يقول قائل: «طيب... اكتب سيرتك الذاتية أو يومياتك أو اجمع مقالاتك !».

فأرد عليه ضاحكاً...«ومن أنا حتى أكتب سيرة؟». لست تشرشل ولا غاندي... ولا حتى «مؤثر» مشهور لن يهتم أحد بمعرفة ماذا أكلت في الفطور أو كيف تهاوشت مع الجيران. أدب الاعترافات يحتاج فضائح أو بطولات، وأنا رجل بسيط يحب الستر.

ولا تنتظروا مني قصصاً قصيرة، فتلك صنعة لها «صنايعية» يجيدون نحت اللحظة، وأنا رجل ثرثار يحب الاستطراد والهذرة وتجمع الأصدقاء حول كوب من «الكرك» وسرد حكاياتنا مثل الحرافيش والصعاليك.

وبالتأكيد... وبالتأكيد... لستُ من كتاب «أدب المعجبين» الذين يعيشون على فتات عوالم الآخرين، ولست كاتباً للسيناريو أفصّل المشاهد على مقاس المخرجين والمنتجين وشباك التذاكر.

أما الطامة الكبرى، فهي حين يظن البعض أنني «صانع محتوى» أو كاتب دعاية للسوشيال ميديا!

أعوذ بالله... أنا لا أكتب لأبيع لكم «شامبو» ولا لأقنعكم بكود خصم... أنا لا أكتب لأجمع «اللايكات» ولا لأركب «الترند».

إذاً،... من أنا؟ وماذا أفعل؟

أنا يا عزيزي القارئ... أكتب فقط.

هكذا... فعل مجرد من التصنيف.

أنا أكتب لأن الكتابة هي طريقتي الوحيدة في التنفس وسط هذا «الخنق» اليومي.

أكتب لأشتبك مع اللحظة، لأشاكس الفكرة، لأوثق الدهشة، لأصرخ بصمت، لأضحك بمرارة، ولأقول: «أنا كنت هنا».

كتابتي هي فضفضة منظمة، هي محاولة لفهم العالم أو السخرية منه قبل أن يبتلعنا.. هي مقال، خاطرة، تعليق، شذرة... سمها ما شئت، لكن لا تحبسني في قفص «الروائي» أو «الشاعر».

أنا كاتب حر... قلمي لا يعترف بالجنس الأدبي، بل يعترف بصدق اللحظة.

أنا لستُ صانع حكايات... أنا صائد ملاحظات.

فأرجوكم، لا تنتظروا مني «الرواية العظيمة»... بل انتظروا مني «الحقيقة الصغيرة» التي قد تجدونها في سطر عابر، أو في مقال ساخر، أو في دمعة مخفية بين الحروف... والنتيجة مادة أدبية لا تُعرف هويتها... وهذا أفضل.

أنا أكتب فقط... وهذا يكفيني، وأتمنى أن يكفيكم.

وكل حرف لا يُكتب بصدق... أبتر... وكل قلم لا يُراد به وجه الله والحقيقة... يضمحل.

الخميس، 19 فبراير 2026

نثق بالله: جمهورية ترامب المسيحية تواصل مسيرة الحروب الصليبية

نثق بالله: جمهورية ترامب المسيحية تواصل مسيرة الحروب الصليبية

 أستاذ السياسة العربية المعاصرة والتاريخ الفكري في جامعة كولومبيا بنيويورك. 

في إفطار الصلاة الوطني، أكد الرئيس الأمريكي مجدداً على الهوية المسيحية لأمريكا، مما يوسع نطاق عقيدة الدولة الراسخة التي تربط الدين بالهيمنة الأمريكية العالمية.


أثناء حضورهما إفطار الصلاة الوطني في 5 فبراير، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيجسيث مجدداً التزامهما بالحفاظ على أمريكا كـ "أمة مسيحية".

أعلن ترامب : "سنعيد تكريس أمريكا كأمة واحدة تحت راية الله"، مؤكداً أن حقوق الأمريكيين هي هبة من الله. وقال: "لقد مُنحنا حقوقنا المقدسة في الحياة والحرية، ليس من قِبل الحكومة، بل من الله القدير نفسه".

في الواقع، وباعتباره أمة من المؤمنين المسيحيين، فقد أبدى ترامب دهشته من الأمريكيين الذين يصوتون للحزب الديمقراطي، متسائلاً عن إيمانهم: "لا أعرف كيف يمكن لشخص مؤمن أن يصوت للديمقراطيين. أنا حقاً لا أعرف".

إذا كان الشيوعيون أعداءً للمسيحية الأمريكية و"الديمقراطية" خلال الحرب الباردة، فإن الديمقراطيين والليبراليين اليوم - الذين كانوا في السابق من أشد المدافعين عن تشويه صورة الشيوعيين - هم الأعداء.

وكان هيغسيث أكثر صراحة في تعليقاته ، التي بدأها بقراءة من إنجيل مرقس. وكرر ادعاء ترامب بأن مصدر الحقوق الممنوحة للمواطنين الأمريكيين هو "إله محب رحيم، وليس الحكومة".


خلافاً لما يزعمه الليبراليون الأمريكيون البيض، فإن ترامب وهيغسيث في الواقع يلتزمان بالتزام مسيحي أمريكي عريق لم يتجاهله أي رئيس أمريكي من قبل.


لطالما قورن إله المسيحية "اللطيف" في الغرب المسيحي بإله اليهود والمسلمين الذي يُوصف بأنه "غاضب" و"عنيف".

وبصورةٍ أوضح، أعلن هيغسيث أن "أمريكا تأسست كأمة مسيحية، وستبقى كذلك في جوهرها إن استطعنا الحفاظ عليها. وبصفتنا مسؤولين حكوميين، يقع على عاتقنا واجبٌ مقدسٌ بعد مرور 250 عامًا لتمجيده"، مشيرًا إلى الأعلى، على الأرجح إلى حيث يسكن الإله المسيحي.

وبما أن المسيحية هي المصير الجيني والبيولوجي لأمريكا، فقد أطلع هيغسيث الحضور على جهوده المسيحية الأخيرة، بما في ذلك "خدمة صلاة شهرية في البنتاغون". وقد أدان

العديد من المشرعين الديمقراطيين هذا الحدث ووصفوه بأنه "في الأساس خدمة كنسية بموافقة الكونغرس الأمريكي"، بحجة أن "مؤسسينا كانوا سيشعرون بالرعب"، متهمين الإدارة باستغلال الدين لأغراض حزبية. كما نددت جماعات المناصرة الليبرالية بتصريحات ترامب " القومي المسيحي " واصفةً إياها بتسييس " شائن " للدين واعتداء على التقاليد الدستورية الأمريكية لفصل الدين عن الدولة. ومع ذلك، وخلافًا لما يزعمه الليبراليون الأمريكيون البيض، فإن ترامب وهيغسيث في الواقع يلتزمان بالتزام مسيحي أمريكي عريق لم يتخلَّ عنه أي رئيس أمريكي قط.

الدين المدني


لطالما كان التزام ترامب بالمسيحية - وقيمها - في أمريكا سمةً بارزةً في استمالته للناخبين المتدينين منذ حملته الرئاسية الأولى.

وهو يعوّل على هذا الالتزام كضمانةٍ لدخوله الجنة المسيحية بعد وفاته. قال في إفطار الصلاة: "مع أنني فعلت ذلك وأشياء أخرى كثيرة... لن أتأهل، لن أدخل الجنة... أعتقد حقًا أنني أستحق دخولها. أعني، لست مرشحًا مثاليًا، لكنني قدمت الكثير من الخير لأناس مثاليين... كما تعلمون، لقد قدمت للدين أكثر مما قدمه أي رئيس آخر."

وتماشياً مع هذا الموقف، وعلى نهج جميع الرؤساء المسيحيين في أمريكا (وجميع الرؤساء الأمريكيين كانوا مسيحيين)، أكد قائلاً: "نحن نعيش شعار أمتنا: نثق بالله".

وفي اليوم التالي، نشر البيت الأبيض على موقع X : "أمريكا هي، وستظل دائماً، أمة واحدة تحت الله".

لطالما شكلت هذه الشعارات حجر الزاوية لما يُزعم أنه دين مدني "علماني" في أمريكا لأكثر من قرن. وبإصراره على اعتبار معناها المسيحي هو الأهم، يتبع ترامب تقليدًا رئاسيًا عريقًا.

تم اقتراح شعار "نثق بالله" في بداية الحرب الأهلية الأمريكية ليُنقش على العملات الأمريكية في عهد الرئيس أبراهام لينكولن. كان ذلك في وقتٍ عانى فيه الاتحاد، في بداية الحرب، من هزائم عديدة في ساحات المعارك.


أُقرّ هذا الإجراء أخيرًا عام ١٨٦٤ كسلاح أيديولوجي ضد الكونفدرالية الجنوبية، التي كانت تعتقد بدورها أن الله المسيحي يقف إلى جانبها. وقد حظي الإجراء الذي طرحه وزير الخزانة في عهد لينكولن، والذي يقضي بوضع صورة الله على العملة الوطنية، بتأييد بالإجماع في الكونغرس والمجتمع المدني آنذاك. ولا يزال

لينكولن، الذي أيّد الفصل العنصري وكان يأمل في ترحيل جميع الأمريكيين السود إلى أفريقيا أو أي أرض أخرى، يحظى بمكانة خاصة لدى الليبراليين الأمريكيين لدوره في إنهاء العبودية، لا العنصرية.
«تحت رعاية الله»

بعد الحرب العالمية الثانية، وكجزء من الدعاية الأمريكية خلال الحرب الباردة ضد الشيوعية العلمانية، والتي حظيت بدعم المحافظين والليبراليين على حد سواء، تجددت مكانة الولايات المتحدة كجمهورية مسيحية. شنّ

الرئيس دوايت د. أيزنهاور حربًا دينية ضد السوفييت، الذين وُصفوا باستمرار بأنهم "شيوعيون ملحدون".

وبعد أن تعمّد أيزنهاور بروتستانتيًا أثناء توليه منصبه عام 1953، عيّن القس الإنجيلي المتعصب بيلي غراهام مستشارًا روحيًا للبيت الأبيض.


في الواقع، كان أيزنهاور هو من أسس إفطار الصلاة الوطني، وهو ابتكار أشاد به ترامب في فعالية هذا العام واصفًا إياه بأنه "تقليد أمريكي جميل". كما كان أيزنهاور يفتتح اجتماعات حكومته بلحظة من الصلاة الصامتة. وكجزء من حملته ضد الشيوعية، دافع أيزنهاور عن قرار مشترك، أقره الكونغرس بالإجماع عام 1954، بإضافة عبارة "تحت رعاية الله" إلى قسم الولاء

في العام التالي، سنّ الكونغرس قانونًا وقّعه أيزنهاور، يُلزم بوضع عبارة "نثق بالله" ليس فقط على العملات المعدنية الأمريكية، كما كان الحال منذ الحرب الأهلية، بل أيضًا على العملات الورقية . وفي عام 1956، أقرّ الكونغرس، بدعم ساحق من الحزبين، هذه العبارة شعارًا وطنيًا للولايات المتحدة وسط توترات الحرب الباردة، ليحلّ محلّ عبارة "E pluribus unum" (من بين الكثيرين، واحد)، التي كانت مستخدمة منذ عام 1776.

في ذروة رعب وهستيريا المكارثية، عندما استهدفت عملية التطهير الكبرى الأمريكيين في المؤسسات الحكومية والخاصة بسبب مزاعم تعاطفهم "الشيوعي"، كان دعم الكونجرس لهذا الإجراء بالإجماع.

حتى الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، خوفاً من المناخ السياسي، عارض ذلك بشكل خافت ولم يجرؤ على تقديم أي طعن دستوري. في عام 2011، وبعد عقدين من انتهاء الحرب الباردة، أقر الكونجرس بأغلبية ساحقة قرارًا مشتركًا ، "يؤكد من جديد شعار 'نثق بالله' كشعار رسمي للولايات المتحدة ويدعم ويشجع العرض العلني للشعار الوطني في جميع المباني العامة والمدارس العامة والمؤسسات الحكومية الأخرى".

الدين كسلاح



لقد كانت إدارة أيزنهاور هي التي وظفت الدين وابتكرت الجهاد الإسلامي المناهض للشيوعية كسلاح ضد الشيوعية السوفيتية واشتراكية العالم الثالث، وتم التعاقد مع المملكة العربية السعودية للقيام بهذا الدور بعد ذلك بوقت قصير.

في كلتا الحالتين، هلل الديمقراطيون والجمهوريون، والليبراليون والمحافظون، لهذه السياسات.

نتيجة لتأسيس أيزنهاور للمسيحية البروتستانتية، ارتفعت نسبة الأمريكيين المتدينين من 49 بالمائة في عام 1940 إلى 69 بالمائة في عام 1960.

لكن ترامب لن يتخلف عن أيزنهاور. فقد صرّح في خطابه : "في عام 2025، بيعت نسخ من الكتاب المقدس في الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى خلال المئة عام الماضية".


أثار تأكيد ترامب الأخير على الهوية المسيحية لأمريكا انتقادات من عدد من المنظمات الدينية والعلمانية.


وأضاف: "تشهد بعض الكنائس زيادة بنسبة 30%، أو 50%، أو حتى 70% في عدد المهتدين. وكذلك في عدد الأشخاص الذين يرتادون الكنيسة أسبوعيًا. ولدعم هذا التجديد الروحي المبهج هذا الصباح، يسرني أن أعلن أنه في 17 مايو 2026، سندعو الأمريكيين من جميع أنحاء البلاد للتجمع في ساحة ناشونال مول للصلاة والشكر... سنفعل شيئًا وصفه الجميع بأنه صعب."

أثار تأكيد ترامب الأخير على الهوية المسيحية لأمريكا انتقادات من عدد من المنظمات الدينية والعلمانية . وفي مايو من العام الماضي، أنشأ ترامب " لجنة الحرية الدينية " التابعة لوزارة العدل لتقديم المشورة للبيت الأبيض.

رفع ائتلاف من الجماعات الدينية، والذي يضم التحالف بين الأديان، ومسلمون من أجل القيم التقدمية، وصندوق الدفاع القانوني والتعليمي للسيخ الأمريكيين، وهندوس من أجل حقوق الإنسان، دعوى مدنية ضد إدارة ترامب بشأن اللجنة.

ويزعمون أنها تروج بشكل غير دستوري للقومية المسيحية المحافظة - خاصة وأن "أعضائها، الذين يتألفون بشكل حصري تقريبًا من مسيحيين مع حاخام يهودي أرثوذكسي واحد، يمثلون المنظور الضيق القائل بأن أمريكا تأسست كأمة "يهودية مسيحية" ويجب أن تسترشد بالمبادئ الكتابية ... على حد تعبير الرئيس ترامب نفسه، فإن اللجنة جزء من جهود إدارته "لحماية المبادئ اليهودية المسيحية لتأسيسنا"".

كما نشر التحالف بين الأديان تقريراً الشهر الماضي يفصّل هجمات إدارة ترامب على المجتمعات الدينية غير الإنجيلية، بما في ذلك المسيحيين من مختلف الطوائف واليهود والمسلمين وأماكن عبادتهم.

هذا على الرغم من تأكيد نائب الرئيس جيه دي فانس في ديسمبر الماضي أن التسامح الديني ليس مفهوماً علمانياً بل مفهوم "مسيحي".
"جمرات صغيرة"

عندما استقطب ترامب الناخبين المسيحيين البروتستانت الإنجيليين المتدينين خلال حملته الانتخابية عام 2024 ، محذراً من أن "لليهود دوراً كبيراً في الخسارة" إن لم يفز، تعرض لانتقادات من جماعات يهودية وكاثوليكية .

ومع ذلك، فإن التزام ترامب بالمسيحية الإنجيلية والصهيونية المسيحية ليس بالضرورة أكثر وضوحاً من التزام إدارة بايدن.


بينما يتباهى هيغسيث أكثر بمسيحيته - حيث يضع شعارات الصليبيين من العصور الوسطى كوشوم على جسده ويصف ترامب بأنه " رئيس الصليبيين " - فإن هذه ليست سوى تعبيرات صارخة عن نفس الروح التي حركت بايدن الصهيوني المسيحي، من بين آخرين.

من المفارقات أن تدعم جماعات يهودية أمريكية هيغسيث، بالنظر إلى نزعته القومية المسيحية البيضاء. ففي نهاية المطاف، في طريقهم إلى فلسطين في أواخر القرن الحادي عشر، جلب الصليبيون المسيحيون الأوروبيون، وهم أول الصهاينة المسيحيين ، الموت إلى المجتمعات المسلمة واليهودية والمسيحية الأرثوذكسية على حد سواء، تاركين وراءهم إرثًا من الدماء والدمار.

ومع ذلك ، عندما تم تعيين هيغسيث وزيراً للحرب، عارضت المنظمات الإسلامية الأمريكية الكبرى ترشيحه كما كان متوقعاً، بينما احتفت به الجماعات والشركات اليهودية المؤيدة لإسرائيل ، بما في ذلك غرفة التجارة اليهودية الأرثوذكسية، لدعمه لإسرائيل .

كما أن الجمهورية المسيحية الأمريكية توجه السياسة الخارجية لترامب.

باسم الإله المسيحي، إله أمريكا، يدّعي ترامب أنه قصف نيجيريا في ديسمبر الماضي "كهدية عيد الميلاد". وباسمه يتباهى بأنه جلب "السلام إلى الشرق الأوسط، بالمناسبة، لأول مرة منذ 3000 عام. لدينا سلام. إنها جمر صغيرة، لكنها لا تُذكر".

إن أكثر من 600 فلسطيني قتلتهم إسرائيل منذ إعلان ما يُسمى بوقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي هم "جمر صغيرة"، مجرد قربان، مثل النيجيريين الذين قُتلوا في قصف ترامب، يُقدّم على مذبح إله أمريكا المسيحي.




إن خطة ترامب لاستعمار غزة تُذكّر بالبعثات الأمريكية الفاشلة في القرن التاسع عشر
جوزيف مسعداقرأ المزيد »




السودان ليس شركة خاسرة يا سيد بولس

السودان ليس شركة خاسرة يا سيد بولس
المدير التنفيذي لمركز فكرة للدراسات والتطوير.

على مدى ثلاثة أعوام، منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، عجزت المنظومة الدولية عن مخاطبة الأزمة السودانية بشكل فعال، لتظل مبادرات الحل أسيرة العجز والفشل. واليوم، يلوح على السودان في أزمته، شبح سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) التي تم تأسيسها في العراق بعد الغزو الأمريكي في 2003 بقيادة بول بريمر.

حينها، افترضت واشنطن أن الدولة العراقية يمكن تفكيكها وإعادة تجميعها عبر مراسيم إدارية وقرارات تكنوقراطية تحمل الصبغة الدولية، وتتجاوز الديناميكيات السياسية المحلية والظروف الداخلية للدولة العراقية.

والنتيجة كما هو معلوم كانت كارثية: ولادة دولة هشة، وتفشي المليشيات، وانهيار كامل لمفهوم السيادة وصولا إلى إطلاق وحش "تنظيم الدولة" في المنطقة والعالم.
وبالرغم من الفشل الكارثي لهذه التجربة على كافة النواحي، فإن ما يحاوله مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية في السودان اليوم، هو النسخة المحدثة من "منظومة بريمر"، ولكن بصبغة استثمارية أكثر فجاجة.

إذ ظهر للعلن اقتراح توسيع مهام "مجلس السلام"- وهو الآلية التي صممت أصلا كأداة استثنائية للتعامل مع كارثة غزة- ليشمل السودان.

في 4 فبراير/شباط 2026، أدلى بولس، بتصريحات نقلتها وكالة الأناضول، مفادها أن إدارة ترامب أعدت خطة سلام شاملة للسودان. إذا تم قبولها من الرباعية، فستقدم لاحقا إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ثم تحال إلى "مجلس السلام" لاعتمادها وتنفيذها.
هذا البيان ليس تفصيلا عابرا، بل يشكل الإعلان الصريح الأول عن نية وضع السودان ضمن نطاق عمل "مجلس السلام" في إطار خطة جديدة من 17 بندا وضعتها الولايات المتحدة وعرضتها في اجتماع المجموعة الرباعية في واشنطن في 4 فبراير/شباط الماضي، ولا يزال مضروبا عليها سياج من السرية المشددة. بيدَ أن ما يتبدى منها يكشف عن جهد مدبر مسبق للسيطرة الشاملة على السودان عبر آليات استعمارية جديدة متعددة الأطراف تقوض سيادته واستقلاله.
وتتضمن الخطة ذات الـ 17 بندا- بالإضافة إلى اللغة التجميلية المعتادة عن تسهيل المعونات الإنسانية، والتمهيد لإنشاء حكم مدني ديمقراطي في السودان- تكوين صندوق إعادة إعمار، تديره وتشرف عليه الدول الداعمة، وتحدد هي أولوياته ومهامه، وليس الشعب السوداني، مع تعهد مبدئي من الحكومة الأمريكية بدعمه بمبلغ 1.5 مليار دولار.

هذه ليست آلية لحل نزاع سياسي، كما أنها بالتأكيد ليست مساعدة تنموية، بل هي نقل قرارات الدولة إلى إدارة خارجية واستعمار مكشوف الحال، وهو عين ما حذر منه كوامي نكروما في نقده للاستعمار الجديد، حيث تعاد صياغة الهيمنة تحت أشكال حديثة أكثر خداعا.

فبطبيعة الحال، إن هؤلاء الشركاء في الإدارة الخارجية سيقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح السودانيين، مما يفتح الباب لاستغلال الموارد الطبيعية والموقع الجيوسياسي والفرص الاقتصادية تحت غطاء الإعمار.

في السودان- وهو بلد نال استقلاله عبر نضال مدني مجيد قبل أكثر من سبعين عاما- لا يمكن لأي مبادرة سلام جادة تجاهل واقع أساسي: الذاكرة الشعبية. فوجود دول متهمة بدعم مليشيا قوات الدعم السريع، كجزء من إدارة هيئة مكلفة ظاهريا بالإشراف على السلام وإعادة الإعمار، سيواجه رفضا شعبيا واسعا.

هذا الرفض لا ينبع من أيديولوجيا، بل من تجربة معاشة مليئة بالدماء والدمار. في هذه النقطة، تتوقف القضية عن كونها تمثيلا إقليميا أو جغرافيا. حتى لو تغيرت الدول المعنية، فإن فكرة الوصاية نفسها تبقى غير مقبولة. المشكلة ليست فيمن يحكم، بل في المبدأ بأن السيادة السودانية يمكن أن تدار من الخارج.

كما أن هذا المقترح محاط بمعضلتين هيكليتين:

  • افتراض الشرعية: حيث يعامل بولس "مجلس السلام" كجهاز يمتلك الشرعية الجوهرية لإدارة دولة ذات سيادة، دون أي نقاش عام حول أسسه القانونية، رغم أن القرار (2803) كان مقصورا أصلا على غزة.
  • التناقض الداخلي: هذا الاقتراح يفتقر إلى إجماع حتى داخل الرباعية نفسها: (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات). بل إنه يتعارض مباشرة مع الاقتراح السعودي-الأمريكي الذي قدم قبل أسابيع، والذي ركز على وقف إطلاق النار، وسحب المليشيات من المناطق المدنية، ومنح دور واضح للأمم المتحدة في المراقبة، وهو مسار قبلته الحكومة السودانية مبدئيا، كما أنه وضع الأمم المتحدة كمنظومة دولية شاملة ومتعددة الأطراف في صدارة المشهد.

عند بولس، تتحول الأزمات إلى فرص صفقات، والمعاناة الإنسانية إلى متغير يدار تحت شعار "دع السوق يعمل". هذا المنطق يختصر أزمة السودان الوجودية في أسئلة اقتصادية مختزلة

غير أن مقترح بولس الجديد في هذه المرحلة يعني عمليا تفكيك ذلك الالتزام، وإعادة خلط الأوراق، وإرسال رسالة مفادها أن موافقة السودانيين ليست ضرورية إذا وُجد نموذج يعتبر أكثر ملاءمة من وجهة نظر الأطراف الدولية النافذة.

وهذا تحديدا ما أثارته السعودية ومصر بوضوح خلال اجتماع الرباعية الأخير في واشنطن، حيث شددتا على افتقار المبادرة إلى الإجماع المطلوب.

وعند النظر لعمق هذه الأفكار التي تطرح على الطاولة سنجدها ترى الحرب في السودان باعتبارها خللا فنيا أو نزاعا بين شركتين متنافستين يتم التحكيم بينهما عبر مجلس فني، وليس صراعا سياسيا على طبيعة الدولة نفسها، يتضمن قضايا معقدة مثل إصلاح المنظومة الأمنية والانتقال السياسي وسيادة حكم القانون ومبادئ احتكار العنف الشرعي. أي نهج يتجاهل هذا الجوهر محكوم عليه بالفشل.

فالمقترح المطروح يحول مأساة متداخلة تتطلب عدالة ومساءلة ومصالحة وطنية إلى مشكلة إدارية تحل بأدوات بيروقراطية. هنا تكمن الخطورة: فالعجز الدولي يصبح بوابة لتطبيع حلول سطحية تشرعن المليشيات، وتخدم مصالح خارجية، محولة القضايا الوطنية إلى مجرد ملفات تدار من قبل جهات خارجية تعمل بدون سياق وطني أو أساس شعبي.

هذا ليس سلاما، بل هندسة وصاية جديدة تحت قناع تقني. ومع توسع نطاق المجلس، يبرز سؤال جوهري: هل هذا إصلاح للنظام الدولي، أم إعادة هندسته لأجل مصالح اقتصادية وسياسية محددة، مستغلة أزمات مثل السودان لترسيخ نموذج يتجاوز الشرعية الدولية التقليدية؟

كما أن نشأة مفهوم هذا المجلس نفسها غير مفصولة عن أزمة الأمم المتحدة، التي تعاني من شلل سياسي، وابتزاز منظم من جميع الأطراف داخل مجلس الأمن، وتآكل مستمر للفاعلية. غير أن معالجة هذا الضعف لا يمكن أن تتم بتجاوز الأمم المتحدة، بل بإصلاحها.

ما يحدث مع "مجلس السلام" هو العكس تماما. عمليا، يحول هذا النهج مركز الثقل الدولي من مؤسسة متعددة الأطراف- قاصرة ومعطلة كما هي الآن، لكنها تضمن المساواة الرسمية بين الدول- إلى هيئة صغيرة غير منتخبة، وغير خاضعة للرقابة الدولية، ومتاحة عبر رسوم عضوية يسيطر عليها الرئيس الأمريكي.

ولا يمكن فهم هذا الاقتراح دون النظر إلى تاريخ وشخصية مسعد بولس نفسه الذي لا يأتي من خلفية دبلوماسية أو أكاديمية في حل النزاعات؛ بل من عالم التجارة النقية.

حتى وقت قريب، كانت خبرته الرئيسية في تجارة السيارات المستعملة والشاحنات الثقيلة في نيجيريا، حيث يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة "SCOA Nigeria PLC"، وهي شركة تجميع شاحنات وآلات ثقيلة حققت ربحا أقل من 66 ألف دولار في العام الماضي.

عند بولس، تتحول الأزمات إلى فرص صفقات، والمعاناة الإنسانية إلى متغير يدار تحت شعار "دع السوق يعمل". هذا المنطق يختصر أزمة السودان الوجودية في أسئلة اقتصادية مختزلة: كيف ندير الأزمة بأقل تكلفة وأقصى ربح اقتصادي؟ هذا النهج يفرغ السياسة من بعدها الأخلاقي، ويعامل السيادة كبند قابل للتفاوض.

هذا هو الاستعمار الجديد المتعدد الأطراف. فلا تكون قوة استعمارية واحدة هي مسؤولة؛ بل ائتلاف من المصالح المالية الدولية عبر مجالس وصناديق وآليات إدارة. السيادة لا تلغى رسميا، بل تفرغ من محتواها.

في هذا النموذج، لا تحتاج القوى الكبرى إلى احتلال بلد، بل يمكنها السيطرة عليه بالتحكم عن بعد، مستفيدة من أزماته الداخلية وأزمة المنظومة الدولية، ولن تعدم في ذلك مجموعات من المتعاونين الداخليين الذين سيرفعون المصاحف على أسنة الرماح لتبرير أي شيء.

السلام ليس مجلسا أو صندوقا أو آلية تنفيذ. السلام عمل وطني سيادي، يبدأ بتعريف الجريمة، ويمر عبر بوابة المساءلة، ويتوج بعقد اجتماعي جديد.

كل شيء آخر، مهما كان مغلفا بأناقة أو ممولا جيدا، ليس سوى إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات حديثة، مما يهدد بتحويل السودان إلى نموذج لاستعمار اقتصادي جديد.

وما يطرحه بولس في ميونخ ونيويورك، هو محاولة لتحويل السودان إلى منطقة خضراء كبيرة، معزولة عن واقعها الشعبي، وتدار بواسطة تكنوقراط أجانب ووكلاء محليين.

وكما علمنا درس العراق القاسي، فإن هذه الهياكل الفوقية، مهما بدت براقة أو مدعومة ماليا، سرعان ما تتحطم على صخرة الواقع المحلي، مخلفة وراءها دولا فاشلة ومجتمعات ممزقة.

إن الطريق إلى الخرطوم لا يمر عبر دافوس، بل عبر استعادة السياسة بمعناها الوطني، ورفض أي وصاية تحاول تحويل الوطن إلى شركة.




معركة رمضان بين الأمة المسلمة والسلطة العلمانية

معركة رمضان بين الأمة المسلمة والسلطة 


العلمانية

م. محمد إلهامي



 شهر رمضان: ساحة الصراع الأبدي بين النظامين..هذا شهر رمضان.. مثال على قضية واقعية عظيمة تمثل مساحة للمعركة الإسلامية العلمانية.

التناقض الجذري: لماذا لا يمكن التوفيق بين الإسلام والعلمانية؟

ليس التناقض بين الإسلام والعلمانية يسيرا ولا هو مما يمكن تجاوزه، ذلك أن نظام الإسلام متناقض في كل باب مع نظام العلمانية، ولربما استطاع العلماني أن يزوِّر معنى العلمانية فيسوق لها باعتبارها “حيادا ووقوفا على مسافة واحدة بين الأديان”، مثلما يحاول “مسلم متعلمن” أن يُزَوِّر معنى الإسلام فيدعي أنه لا يتناقض مع الحداثة ومتطلبات الدولة الحديثة! إلا أن محاولات التزوير هذه لن تصمد إلا قليلا، إذ قضايا الواقع ستحمل كلا منهما على رأي فيه تنازل عن الإسلام أو تنازل عن العلمانية!

(١) معركة الفتوى والنظام

أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى ترفض اعتبار المجاهرة بالإفطار في رمضان حرية شخصية بل تجعل ذلك من الاعتداء على قدسية الدين، وهو مما يستوجب المحاسبة والمعاقبة.

فجرت الفتوى جدلا كبيرا، إذ اعتبرها البعض –لا سيما من غير المسلمين ومن العلمانيين- دعوة للتحريض على المُفطرين في نهار رمضان، وكان أهم ما وُجِّه للفتوى من انتقادات أنها مصادرة على الحرية الشخصية، إذ الدين علاقة بين الإنسان وربه ليس للسلطة أن تتدخل فيها، ومن ثم فمن حق كل فرد أن يفطر أو يجاهر بالإفطار، وأنه إذا لم يفعل فإنما يكون هذا من باب الذوق والمجاملة للصائمين لا أكثر.

هكذا إذن اصطدم نظام الإسلام بنظام العلمانية، وليس ثمة حل لفض هذا الاشتباك إلا بالميل نحو أحد الأمرين: إما أن نحذف من الإسلام أي إدانة أو عقوبة للمجاهرة بالإفطار، وإما أن تتخلى السلطة “العلمانية” عن حيادها بين الأديان لتقترب من الإسلام وتعاقب من ينتهك حرماته، وإن كان ذلك بتصرف –هو في الثقافة العلمانية- شديد الخصوصية ويمثل التزاما تعبديا كاختيار الصوم أو الإفطار في رمضان!

السلطة في مأزق: استحالة الحل الوسط بين نص ثابت ودولة متغيرة

تبدو الأزمة أمام السلطة معقدة، بل هي على الحقيقة مستحيلة، ذلك أن الإسلام محفوظ في نص معصوم خالد، محفوظ في الصدور والسطور، لا يمكن لأحد تغييره أو تبديله أو تحريفه، ثم إن العلماء الموكلين بفهم النص وتفسيره ليسوا تنظيما هرميا ولا هم مندرجون في مراتب كهنوتية، بل هم تيار واسع ممتد، ولذلك لا يملك أحدهم –على غرار المسيحية- أن يحرم ما كان بالأمس حلالا أو يحرم ما كان بالأمس حراما، ولا قيمة لشيخ الأزهر ولا لمفتي الجمهورية ولا لأي رتبة علمية في نظام إداري، إن هذا لا يعطيهم حصانة من الانحراف ولا هو يسمح لهم بالإتيان بشيء جديد فيه مخالفة للنصوص الثابتة من القرآن والسنة وإجماع جماهير العلماء عبر خمسة عشر قرنا!

كذلك فإن الإسلام قد أقام دولة استمرت لأكثر من ألف سنة، ونموذجها المثالي استمر لأربعين سنة (العهد النبوي في المدينة + الخلافة الراشدة)، مما يعني أن مسألة سياسة الدولة وعلاقتها تجاه الأحكام الدينية مسطورة ومكتوبة ومبحوثة فقيها في مئات الآلاف من الكتب، فهي ليست نازلة جديدة تحتاج فتوى جديدة يمكن الدخول منها إلى تغيير علاقة السلطة بالدين أو إعادة تعريف لمساحة ونفوذ كل منهما!

إن معركة الفتوى والنظام تمثل مشهدا ملفتا للنظر، فبقدر ما تبدو السلطة العلمانية متغولة بالإمكانيات قاهرة بالقوة، بقدر ما تبدو بائسة قليلة الحيلة أمام إدخال العلمانية إلى صميم حياة الناس، وهي إذا عجزت عن هذا فإنها في الوقت نفسه مهددة بأن يتمدد أثر الإسلام العميق في حياة الناس إلى مساحتها التي اغتصبتها بالقوة والقهر.

لذلك لن تجد أبدا في بلادنا علاقة سوية ومفهومة بين مؤسسة الفتوى والنظام، بل هي كما يصف الله تعالى المنافقين {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: ١٤٣]

(٢) معركة إنتاج الثقافة

للسلطة منذ القدم أثرها الواضح في إنتاج الثقافة وترويج الأفكار، حتى قيل “الناس على دين ملوكهم”، وقيل “إذا تغير السلطان تغير الزمان”، وقيل “التاريخ يكتبه المنتصرون”… إلى آخره!

أما في العصور الحديثة فقد اختلف الأمر كثيرا، لقد أصبحت السلطة وحشا أسطوريا رهيبا بما وفرته له التطورات التقنية الحديثة من وسائل، فصارت السلطة تمتلك وسائل إنتاج الثقافة والأفكار وتسيطر عليها، وذلك منذ ظهرت المطبعة، ثم الإذاعة والتليفزيون. لقد تحكمت الدولة المركزية في سائر الأنشطة التي تجري فيها، بدءا من الإعلام والتعليم وحتى التصاريح بالخطابة أو بإلقاء الدروس في المساجد!

وهكذا لم يقتصر الأمر على ما أتيح للسلطة من وسائل ترويج ضخمة لأفكارها وثقافتها، بل لم يعد بالإمكان تقديم أفكار أصلا إلا بإذن من السلطة!

عصر ما قبل الدولة المركزية: رمضان… صناعة الأمة وتقاليدها الحية

يعدُّ رمضان مثالا على هذه الحالة أيضا، حالة التنازع بين الأمة المسلمة والسلطة العلمانية في بلادنا، ففيما قبل عصر الدولة المركزية كانت ملامح رمضان ترسمها الأمة أساسا، ثم صارت ملامح رمضان ترسمها السلطة!

قبل عصر الدولة المركزية كانت الأمة تحيي رمضان بالعديد من التقاليد الخاصة التي تكثر فيها خطب العلماء ودروسهم وقراءة القرآن في المساجد أو الساحات أو فعاليات الإفطار الجماعي وتقديم العون للمحتاجين وتوزيع الأموال والصدقات وإدخال السرور على الأطفال، فإذا حلَّ الليل تحولت بيوت العائلات الكبيرة إلى مجالس يُقرأ فيها القرآن وتُنْشد فيها المدائح النبوية، وكان الأغنياء يوقفون من أراضيهم وأملاكهم على هذه المجالس كي تستمر بعد وفاتهم، ولذا استمرت المجالس بما يُنفق عليها من ريع هذه الأوقاف إلى وقت قريب!

عصر السلطة العلمانية: عندما حوّل التلفاز الشهر الفضيل إلى موسم استهلاكي

ما إن دخلت الإذاعة والتلفاز إلى البيوت حتى انتزعت السلطة مساحة رمضان من الأمة، وصارت صناعة رمضان بيد السلطة التي صنعت تقاليد جديدة: الفوازير وألف ليلة وليلة والمسلسلات الدرامية والمسابقات الرمضانية وأنماط من البرامج المثيرة: الكاميرا الخفية وبرامج الاعترافات وبرامج الربح السهل للأموال… إلخ!

وبهذا صار رمضان في وجدان الأجداد وأجدادهم غير رمضان في وجدان هذا الجيل تماما، بل صار مناقضا له.. فهذا رمضان كل شعائره اقتراب من الله، وهذا رمضان كل شعائره ابتعاد عن الله واقتراب من التغريب والانحلال!

الاستنتاج: لماذا لا يمكن للسلطة العلمانية أن تكون محايدة حقاً؟

وهكذا يثبت رمضان –كمثال- أن العلمانية لا يمكن لها على الحقيقة أن تكون مجرد “حياد بين الأديان أو وقوف على مسافة واحدة منها”، بل هي فكرة وثقافة ورؤية وتصور كوني، وهي تعمل على إنتاج ونشر وترويج هذه الثقافة من خلال وسائل الإعلام ونظام التعليم وسائر منافذ التأثير في المجال العام.

ليست السلطة العلمانية محايدة إذن، ولا يمكنها أن تكون.. إنما هي صاحبة موقف لأنها صاحبة رؤية وتوجه، وهذا التوجه إما أن يكون إسلاميا منسجما مع الأمة وإما أن يكون ضد الأمة، وفي الحالتيْن: لن يكون للعلمانية معنى!

الخلاصة: العلمانية في بلادنا… مشروع مفروض بالقوة يواجه بكفاح الأمة

لذلك لم تفرض العلمانية في البلاد الإسلامية إلا بعنف السلطة وقهرها وبعد كمٍّ هائل من المذابح، فإما كان هذا بيد الاحتلال الأجنبي، أو كان بيد ممثليه في بلادنا كمحمد علي في مصر وأتاتورك في تركيا. ولذلك أيضا لم يُسمح في بلادنا بسلطة حقيقة معبرة عن الشعب، إذ ما إن يُطرح اختبار السلطة في البلاد الإسلامية إلا ويصعد الإسلاميون، فتأتيهم الانقلابات العسكرية المدعومة بالقوى الإقليمية والخارجية!

ولذلك أيضا لن يمكن تغيير هذه الأحوال إلا بثورة وكفاح، ليس فقط لأن كافة الطرق قد جُرِّبت ولم تفلح، بل لأن المعركة لا يمكن تجاوزها ولا نسيانها، السلطة العلمانية لا بد لها أن تهيمن على مساحات هي من صميم الإسلام، والإسلام متغلغل في أدق الأمور الشخصية وفي أوسع القضايا الكبرى، لذلك تبحث السلطة العلمانية بإصرار في تغيير هذا الدين بعناوين مثل “التجديد” و”إصلاح الخطاب الديني” والبحث عن النسخة “الوسطية المعتدلة” من الإسلام، وهي لا تبحث في تنفيذ هذا بمجرد الحوار والإقناع بل بسلطة النفوذ والتأثير وبسوط السجون والمعتقلات كذلك.. إنها في الحقيقة الصورة التي أخبرنا الله تعالى عنها منذ قديم في آية من كتابه، آية يغفل عنها البعض، ويريد البعض الآخر أن يتجنبها، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: ٢١٧]

المصدر

محمد إلهامي.

المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية