الاثنين، 2 نوفمبر 2026

خطبة البابا أوربان الثاني.. صناعة العدو وإشعال الحروب المقدسة

 خطبة البابا أوربان الثاني.. صناعة العدو وإشعال الحروب المقدسة

 . إعداد مجلة البيان


 

في حقلٍ بارد قرب كليرمون الفرنسية، ألقى البابا أوربان الثاني خطبة وثقها التاريخ بحروف من دم، تحولت كلمات الرجل إلى سيوف تحصد رقاب الأطفال والنساء، وحولت المشاعر الدينية إلى وقود للحرب، والخلافات الأوروبية إلى مشروع غزو انتهى بسقوط القدس؟

في السابع والعشرين من نوفمبر عام 1095، وقف البابا أوربان الثاني بابا الفاتيكان ليعلن حربا هي الأقوى والأعنف في تاريخ المسلمين، وقف بابا الفاتيكان في حقل قرب كليرمون الفرنسية ليخاطب جموعا لم تتسع لهم الأبنية.

كان المجمع الكنسي قد انعقد قبل أيام داخل المدينة، ثم ضاق المكان بالقادمين، فخرج الناس إلى العراء وتحملوا برداً قارساً لكي يسمعوا البابا أوربان الثاني. لم يكن الرجل يرتجل. كان قد أمضى سبعة أشهر يرتب لهذه اللحظة، يختار الكلمات ويحسب وقعها على كل فئة من الحاضرين.

في الروايات التي نقلت خطبة أوربان الثاني، تتكرر صور الكنائس المنهوبة، والأسرى المعذبين، والأماكن المقدسة المدنسة. كانت دلالة الخطاب التاريخية واضحة لقد استُخدمت القدس لاستنفار المشاعر، وتحويل التنافس الأوروبي إلى تعبئة عسكرية عابرة للحدود. لم يعد الفارس يقاتل من أجل سيده الإقطاعي أو غنيمة قريبة صار يستطيع أن يرى نفسه جنديًا في حرب مقدسة، وأن يربط رحلته إلى الشرق بمغفرة الذنوب والمجد الأبدي.

وفي قلب هذا التحول تكمن إحدى أخطر آليات الحروب عبر التاريخ:
 
حين تُمنح المصالح السياسية غطاءً مقدسًا، يصبح الاعتراض عليها عصيانًا دينيًا في نظر أتباعها، ويغدو العنف فعلًا يُقدَّم لصاحبه على أنه طاعة. عندها تتراجع المسافة بين الإيمان والتعبئة، وتصبح العقيدة أداةً في يد القوى التي تريد حشد الناس خلف مشروعها.

وقف البابا يخطب في الجموع إن أرضهم ضيقة لا تكاد تطعم سكانها، ولذلك «يذبح بعضكم بعضاً». هذه هي القضية الأصلية. كانت أوروبا الإقطاعية تغلي بفرسان مدربين على القتال وبلا ميدان، وكانت الكنيسة قد جربت «هدنة الله» لكبح الحروب الداخلية فلم تفلح كثيراً. 
جاءت كليرمون بحل أبسط من كل ما سبقه: لنُخرج العنف من البيت ونوجهه إلى مكان بعيد، وليكن ذلك باسم السماء.

ثم صب البابا الأوصاف التي تنزع الإنسانية عن العدو ، فهم – أي المسلمين - «جنس لعين» و«أمم نجسة» و«جنس خبيث». حين يُوصف الخصم بهذه المفردات يسقط السؤال الأخلاقي قبل أن يُطرح. لا يعود الفارس يسأل عمن يقاتل ولماذا، لأن الجواب جاهز مسبقاً في الحكاية.

وإلى جانب لغة التحقير جاءت لغة الإغراء: 
أرض لا نظير لها في ثمارها، وفردوس للمباهج، وغفران للذنوب، ومجد في ملكوت السماء. خاطب البابا المؤمن الباحث عن صك نجاة، وخاطب الفارس الجائع إلى إقطاعية جديدة، فخرج كل واحد من الحقل وهو يظن أن الخطبة كُتبت له وحده.

ولم يترك أوربان اللحظة لمصادفة العاطفة. نهض الأسقف أدهمار دي مونتيل، أسقف لوبوي، وركع أمام البابا يطلب الانضمام، فاندفع الناس خلفه يتسابقون على حمل الصليب. وتقول الروايات إن أوربان سارع إلى تعيينه ممثلاً شخصياً له على الحملة، فالحماسة بلا قيادة تتحول إلى فوضى، والحركة التي تولد في الحقل يجب أن تخرج منه وفي يدها رسن. من اللحظة الأولى كان لهذه الحملة رأس كنسي يمسك بها، وهذا ما ميزها عن موجات العامة التي خرجت بعدها بلا نظام وتبددت في طريقها.

أما الجانب الآخر من الخريطة فكان يعيش في عالم مختلف تماماً. 
كان السلاجقة قد فقدوا مؤسس وحدتهم ملكشاه عام 1092، فتنازع أبناؤه وإخوته السلطة وتشتتت الإمارات، وكانت الدولة الفاطمية في القاهرة تنازعهم الشام، وبقي الخليفة العباسي في بغداد اسماً بلا قوه. حين وصل الفرنجة إلى الأناضول ثم الشام، ظن كثير من الأمراء أنهم قوة مرتزقة بيزنطية ضعيفة يمكن استخدامها في صراعات الجوار. وبعد أربعة أعوام من خطبة الحقل البارد، سالت دماء المسلمين أنهارا في الشوارع وهدمت مساجدهم ودنس المسجد الأقصى واعتصبت النساء وفي يوليو 1099 صارت القدس مملكة صليبية.

والدرس الذي تتركه كليرمون
 

 أن الأمم تُهزم أحياناً قبل أن يبدأ القتال، حين يمتلك خصمها رؤية موحِّدة وتفتقر هي إلى ما يجمعها. 
وخطبة البابا لم تكن أقوى ما في تلك الحملة. أقوى ما فيها أنها وجدت جمهوراً مهيأً لسماعها، وخصماً مشغولاً بنفسه عن سماعها.

الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية.

 الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية.
 

أحد أكبر الأكاذيب التي خلفها الاستقلال في إفريقيا أن خروج المستعمر يعني تحرر الشعوب.

فقد غادر الأوروبيون كثيرا من العواصم الإفريقية، لكن بعض النخب التي تسلمت السلطة لم تنشغل ببناء دولة تحترم الإنسان، بل وجدت في الاستقلال فرصة لوراثة امتيازات المستعمر، والاستحواذ على مؤسسات الدولة وثرواتها.

تغيرت الوجوه والأعلام والخطابات، لكن المواطن ظل يدفع ثمن السلطة، مرة بالحرب، ومرة بالفقر، ومرة بحرمانه من أبسط حقوقه.

كأن الاستعمار لم يغادر تماما، بل وجد من يتولى مهمته بلسان وطني.

المشكلة في إفريقيا ليست أن الأرض فقيرة، ولا أن شعوبها عاجزة عن الإنتاج، وإنما أن هناك دولا تمتلك ثروات هائلة، بينما يعيش مواطنوها في ظروف لا تعكس حجم ما تملكه بلدانهم. النفط والذهب والماس والكوبالت واليورانيوم تخرج من باطن الأرض، لكن عائداتها لا تصل بالقدر العادل إلى المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل.

تتكدس الثروة في أيدي قلة، وتبقى الأغلبية منشغلة بتدبير احتياجاتها اليومية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن السيادة والتنمية، يظل السؤال قائما: ما قيمة الاستقلال إذا لم يشعر المواطن بأن ثروات بلاده ملك له، وأن الدولة وجدت لخدمته لا لخدمة الحاكم وحاشيته؟

لا يمكن فهم هذه المأساة من دون مساءلة النخب السياسية التي تعاملت مع السلطة باعتبارها امتيازا شخصيا، لا مسؤولية عامة. فبعضها لم يكتف بإضعاف مؤسسات الدولة، بل حولها إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة، وفتح أبواب الاقتصاد أمام شبكات الفساد، وترك الموارد الوطنية تتسرب إلى الخارج من دون أن تبني في الداخل قاعدة إنتاجية قادرة على تحسين حياة الناس.

وهكذا أصبحت شعارات التحرر والسيادة غطاء لواقع لا يختلف كثيرا عن جوهر الاستغلال الذي ثارت الشعوب ضده.

لكن نقد هذه النخب لا يعني إعفاء بقية العوامل من المسؤولية، ولا اختزال تجارب القارة كلها في صورة واحدة. فإفريقيا ليست بلدا واحدا، وتجارب دولها مختلفة، غير أن السؤال الذي يستحق المواجهة هو: لماذا لم تنجح بعض الدول، بعد عقود من الاستقلال، في تحويل مواردها إلى مؤسسات قوية واقتصادات منتجة ومجتمعات أكثر عدلا؟ ومن المستفيد من بقاء المواطن فقيرا، والتعليم ضعيفا، والوعي السياسي محاصرا بالصراعات القبلية والولاءات الشخصية؟

إن الاستقلال الذي لا يغير علاقة السلطة بالمواطن يظل استقلالا ناقصا، مهما ارتفعت الأعلام وتكررت الخطب الوطنية. فالتحرر الحقيقي لا يقاس برحيل المستعمر وحده، بل بقدرة الشعوب على استعادة حقها في الثروة والقرار والمحاسبة.

وما لم تدرك النخب الإفريقية أن الدولة ليست ملكا للحاكم، وأن موارد البلاد ليست غنيمة لمن يصل إلى السلطة، فستظل بعض الشعوب تدفع ثمن استقلالها مرتين: مرة في معركة التحرر، ومرة في معركة استرداد أوطانها من الذين ورثوا سلطة المستعمر ولم يتخلوا عن عقليته.

 

ويبدأ السؤال الأكثر إزعاجا: إذا كان الاستعمار قد نهب الثروات، فمن المسؤول اليوم عن إدارة ما بقي منها؟ وإذا كانت القوى الاستعمارية قد رسمت حدودا مصطنعة وأقامت اقتصادات تخدم مصالحها، فمن المسؤول عن القرارات التي اتخذتها الحكومات الوطنية بعد الاستقلال؟

لا يمكن محو أثر الاستعمار من التاريخ الإفريقي، ولا يمكن تجاهل تدخل القوى الخارجية في اقتصادات القارة وصراعاتها، لكن لا يجوز أيضا تحويل الماضي إلى عذر أبدي يعفي الحكام من مسؤولية الحاضر.

لقد نالت دول إفريقية كثيرة استقلالها السياسي بعد صراعات طويلة وتضحيات جسيمة. وكان الأمل أن يتحول الاستقلال إلى تعليم مجاني جيد، ورعاية صحية، وصناعة وطنية، وزراعة منتجة، ومؤسسات تحمي المواطن من التعسف.

لكن بعض التجارب شهدت انتقالا للسلطة من الإدارة الاستعمارية إلى نخب محلية لم تنجح في تفكيك أنماط التبعية والاستغلال، بل أعادت إنتاج بعضها بأسماء وشعارات جديدة.

لم يعد المواطن خاضعا لمسؤول أوروبي في كل مكان، لكنه وجد نفسه أحيانا أمام مسؤول محلي يتعامل مع الدولة باعتبارها امتيازا شخصيا، ومع المال العام باعتباره موردا متاحا للمقربين، ومع المجتمع باعتباره قاعدة للتعبئة لا شريكا في القرار.

إن مأساة إفريقيا ليست أن المستعمر استغلها فحسب، بل أن بعض النخب التي ورثت الدولة لم تجعل إنهاء الاستغلال أولوية حقيقية، وأن بعض شبكات المصالح تعلمت كيف تستفيد من ضعف المؤسسات وتستمر في الحكم باسم التحرير نفسه.


في بلدان غنية بالموارد الطبيعية، يصبح التناقض صارخا حين تُستخرج الثروات من باطن الأرض بينما يعجز المواطن عن الحصول على مياه نظيفة أو علاج مناسب أو تعليم جيد.

وحين تُصدَّر المواد الخام، ثم تُستورد المنتجات المصنعة بأسعار مرتفعة، دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توفير الوظائف وزيادة القيمة المضافة، يبقى الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق الخارجية. ليست المشكلة في تصدير الموارد بحد ذاته، بل في غياب السياسات التي تضمن إدارة عائداتها بشفافية، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والإنتاج.

ولا يمكن تفسير هذه الأوضاع بعامل واحد. فالتفاوت بين الدول الإفريقية كبير، وتجاربها السياسية والاقتصادية مختلفة، كما أن الحروب والديون وضعف البنية التحتية وتقلب أسعار السلع والتدخلات الخارجية تفرض قيودا حقيقية.

لكن هذه التعقيدات تجعل بناء المؤسسات أكثر ضرورة، لا أقل. فكلما ازدادت المخاطر، ازدادت الحاجة إلى رقابة على الإنفاق، وقضاء مستقل، وعقود واضحة، وسياسات اقتصادية قابلة للتقييم والمحاسبة.

 

إن الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية يظهر حين تتحول الدولة إلى شبكة من المصالح. يصل المسؤول إلى منصبه، فتُفتح أمامه أبواب التعيينات والعقود والأراضي والموارد، ثم تصبح الوظيفة العامة وسيلة لمكافأة الولاء السياسي أو العائلي أو القبلي.

وفي المقابل، يُطلب من المواطن أن يصبر، وأن يتفهم الظروف، وأن يضحي من أجل المستقبل. لكن هذا المستقبل يظل مؤجلا، فيما تتجدد امتيازات أصحاب السلطة في الحاضر.

وهكذا يتحول الفساد من سلوك فردي إلى مشكلة مؤسسية.

فالأموال التي تُهدر لا تختفي من الحسابات فقط؛ إنها تتحول إلى مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لا تعمل بكفاءة، وطرق لم تصل إلى القرى، وفرص عمل لم تُخلق.

وعندما يُحرم المجتمع من معرفة كيفية إدارة ثرواته، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية، وتتحول السياسة إلى صراع على الروايات بدلا من أن تكون نقاشا حول النتائج.

وتزداد الخطورة عندما تتداخل هذه المصالح مع النزاعات المسلحة. ففي بعض السياقات الإفريقية، تتشابك الصراعات السياسية والأمنية مع المنافسة على الأراضي والموارد وطرق التجارة، وقد تنشأ شبكات تستفيد من استمرار الحرب أو من غياب الرقابة.

وليس صحيحا أن كل حرب إفريقية تُختزل في صراع على المعادن، أو أن كل نزاع تديره جهة خارجية، لكن من الضروري فحص المصالح الاقتصادية والسياسية التي قد تغذي بعض النزاعات، إلى جانب المظالم المحلية والانقسامات التاريخية والعوامل الأمنية.

في هذه الحروب، يدفع المواطن الثمن الأكبر. يفقد المزارع أرضه، ويترك الطفل مدرسته، ويغادر الطبيب مستشفاه، وتتحول العائلات إلى نازحين ولاجئين. أما من يمتلكون المال والنفوذ فقد تتوافر لبعضهم وسائل أفضل لحماية أنفسهم من النتائج المباشرة للصراع.

وعندما تنتهي المواجهات باتفاقات لتقاسم السلطة دون معالجة جذور الأزمة أو بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، قد تتغير الوجوه بينما تستمر الأسباب التي قادت إلى الحرب.

وتبرز خطورة استخدام القبيلة أو الإثنية أو الجهوية في المنافسة السياسية. فالتنوع الاجتماعي في إفريقيا ليس عيبا، ولا يجوز تحميل المجتمعات المتنوعة مسؤولية إخفاق الحكومات.

المشكلة تبدأ عندما يحول السياسيون الانتماءات إلى أدوات للحشد والحماية من المساءلة، فيُبرَّر فساد القريب ويُدان فساد الخصم، وتُوزع المناصب على أساس الولاء بدلا من الكفاءة. عندها يصبح المواطن تابعا لجماعته السياسية أو الاجتماعية، بدلا من أن يكون صاحب حق متساو أمام القانون.

ولا يقل خطرا عن ذلك أن تستخدم بعض السلطات إرث التحرير لتقييد النقد. فالتضحيات التي قدمتها حركات الاستقلال تستحق الاحترام، لكنها لا تمنح أي حكومة حقا أبديا في الحكم، ولا تجعل الاعتراض على أدائها خيانة للوطن.

إن الاستقلال ملك للمجتمع كله، وليس شهادة ملكية تحتفظ بها نخبة سياسية. ومن حق المواطن الإفريقي أن يسأل حكومته عن الإيرادات العامة، والديون، وعقود التعدين، وجودة التعليم، وحرية الصحافة، ومستقبل الشباب، دون أن يُتهم بالتآمر لمجرد أنه يطالب بإجابات.

كما أن مسؤولية النخب المحلية لا تعفي القوى الأجنبية والشركات العابرة للحدود من المساءلة.

فالتنافس الدولي على الموارد والأسواق والنفوذ قد يؤدي إلى صفقات غير متكافئة، وقد تستفيد جهات خارجية من ضعف الرقابة أو الانقسامات الداخلية.

لكن مواجهة هذه الممارسات تتطلب حكومات قادرة على التفاوض، ومؤسسات تراجع العقود، ومعلومات متاحة للجمهور، وقوانين تمنع تضارب المصالح. فالشعارات المعادية للاستعمار لا تكفي إذا كانت السياسات الفعلية تسمح باستمرار صفقات تضر بالمصلحة العامة.

 

إن مستقبل إفريقيا لا يتوقف على استبدال حاكم بآخر، أو حزب بآخر، أو رفع شعار جديد مكان شعار قديم. إنه يتوقف على قدرة المجتمعات على بناء دول لا تعتمد على نزاهة شخص واحد، بل على قواعد ومؤسسات تحد من تركّز السلطة، وتمنع الاستحواذ على المال العام، وتضمن تداول المسؤولية السياسية بوسائل قانونية وسلمية.

كما يتطلب الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والزراعة والصناعة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي حتى لا تبقى كل دولة معزولة أمام تقلبات الأسواق وموازين القوة الدولية.

لقد تحررت إفريقيا من الاستعمار في محطات تاريخية حاسمة، لكن التحرر السياسي لا يعني تلقائيا التحرر الاقتصادي أو المؤسسي. وبين الاستقلال المعلن والاستقلال الذي يعيشه المواطن مسافة لا يمكن اختصارها في الاحتفالات والخطب.

فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الثروة العامة تتحول إلى خدمات وفرص، وما إذا كان القانون يسري على الحاكم والمحكوم، وما إذا كان المواطن يستطيع تغيير ممثليه ومحاسبتهم دون خوف.

إن الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية لا يحتاج إلى علم أجنبي فوق القصر؛ يكفيه أن يحتكر القرار، ويستنزف الموارد، ويقمع النقد، ويطلب من الناس أن يعتبروا الفقر تضحية وطنية.

وهو لا يُهزم بمجرد كشف تناقضاته، بل ببناء مؤسسات لا تسمح له بإعادة إنتاج نفسه.

 

فإفريقيا ليست فقيرة بأبنائها، ولا محكوم عليها بالبقاء في دائرة الأزمات، وليست بحاجة إلى وصاية خارجية جديدة كي تنهض.

إنها بحاجة إلى أن تكون ثرواتها في خدمة مجتمعاتها، وأن تتحول الدولة من غنيمة تتقاسمها النخب إلى مؤسسة يملك المواطنون حقوقهم داخلها.

لقد رفع الأفارقة أعلام الاستقلال بعد تضحيات عظيمة، لكن السؤال الذي يظل قائما هو: 

هل أصبحت هذه الأعلام رمزا لسيادة الشعوب، أم غطاء لسلطة بعض النخب عليها؟

ما لم يجد المواطن إجابة ملموسة في حياته اليومية، سيظل الاستقلال حقيقة تاريخية عظيمة، لكنه مشروع لم تكتمل أهدافه بعد.

التوتر التركي الأذربيجاني.. ابحث عن «إسرائيل»

التوتر التركي الأذربيجاني.. ابحث عن «إسرائيل»

محلل سياسي

طالما وصفت الدوائر الرسمية والإعلامية التركية تركيا وأذربيجان بأنهما «شعب واحد في دولتين»، وهي صيغة مبالغة مقصودة للتعبير عن عمق العلاقة وقوتها بين الجانبين، لكن ذلك لا يعني أن البلدين كانا دائماً على وفاق تام في الرؤى والمواقف إزاء القضايا المختلفة، فضلاً عن الاختلافات الأيديولوجية وبعض السياسات الداخلية والخارجية.

والحقيقة أن الطرفين لديهما بعض الاختلافات، بل والخلافات، التي لم تظهر إلى السطح في حينها؛ بسبب الإرادة السياسية لدى كل من أنقرة وباكو للحد منها، أو على أقل تقدير إبقائها بعيداً عن التداول الإعلامي.

ويرجع ذلك إلى أهمية كل بلد من منظور الآخر؛ فتركيا داعم أساسي لأذربيجان في صراعها مع أرمينيا، وكان لها دور بارز وملموس في حرب استعادة إقليم ناغورنو قره باغ.. وفي المقابل، تمثل أذربيجان بالنسبة إلى تركيا مصدراً رئيساً للغاز الطبيعي، وشريكاً تجارياً مهماً، وصلة وصل مع «العالم التركي» أو الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى.

وخلال الأيام الأخيرة، توترت العلاقات بشكل مفاجئ بين أنقرة وباكو؛ إذ تسببت أزمة حظر الحجاب في أذربيجان بردود فعل متوقعة في تركيا على المستويين الشعبي والنخبوي، تمثلت في كتابات رافضة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومظاهرات منددة دعت إليها بعض مؤسسات المجتمع المدني التركية، بينما لم تصدر مواقف رسمية تركية تتعلق بالأمر مباشرة.

بيد أن رد فعل باكو كان غريباً جداً ومرتفع السقف؛ حيث كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في زيارة لأذربيجان للمشاركة في القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات الثقة في آسيا (سيكا)، حين اتهمته وسائل إعلام مقربة من الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بأنه التقى منظمات تسعى إلى إسقاط النظام في باكو، و«قدم لها توجيهات».

وردت السفارة التركية في أذربيجان على ادعاءات التدخل في الشأن الأذربيجاني، وعلى غير العادة، ببيان حاد النبرة ينفي تلك الاتهامات، ورغم ذلك، استمرت بعض وسائل الإعلام الأذربيجانية في توجيه اتهاماتها إلى أنقرة الرسمية.

والأخطر من ذلك أن النيابة العامة في أذربيجان أصدرت قراراً بالبحث الدولي والتوقيف الغيابي بحق 6 مواطنين أتراك، من بينهم إعلاميون ونشطاء في المجتمع المدني، وطلبت من أنقرة تسليمهم، على خلفية اتهامات بـ«الدعوة إلى تغيير النظام الدستوري بالقوة والتحريض على الكراهية والعداء الديني» في أذربيجان.

وباختصار، كان رد الفعل التركي شعبياً ونخبوياً، لا رسمياً، ونابعاً من دوافع دينية ومن تجربة تركيا نفسها في حظر الحجاب؛ لدرجة أن زعيم المعارضة السابق كمال كليجدار أوغلو وجه نصيحة إلى السلطات الأذربيجانية بأن تتجنب هذه الممارسات التي مرت بها بلاده سابقاً، بينما جاء رد الفعل الأذربيجاني في الإطار الرسمي؛ سياسياً وإعلامياً وقانونياً.

وقد تزامنت مع ذلك تصريحات أذربيجانية رسمية تحدثت عن أن معركة قره باغ خاضتها البلاد بجهود ذاتية، وأن الدول المساندة لم تقدم دعماً مجانياً، وإنما «باعتنا السلاح بسعر السوق»، وهو ما فُهم على أنه تقليل من الدور التركي في الحرب من جهة، ووضعه في سياق بيع السلاح لا الدعم من جهة أخرى.

ويُعد ذلك تطوراً لافتاً؛ إذ طالما كانت تركيا فاعلاً رئيساً في الحرب، حتى وفق الخطاب الأذربيجاني الرسمي، كما كانت شريكاً رئيساً في الاحتفالات السنوية بذكرى النصر في باكو، وليست مجرد ضيف مدعو إليها.

وسابقاً، كان الخلاف الرئيس بين الجانبين مرتبطاً بالعلاقة مع «إسرائيل»؛ حيث تربط أذربيجان بها علاقات تعاون وتحالف وتفاهمات أمنية، بما في ذلك إتاحة أراضيها للاستخدام الأمني والعسكري من جانب دولة الاحتلال ضد إيران، فضلاً عن تقديم الأخيرة دعماً لأذربيجان في حربها ضد أرمينيا، بينما تشهد العلاقات التركية مع «إسرائيل» مؤخراً حالة من التوتر، وصلت إلى حد المواجهة غير المباشرة في سورية، وتشكيل «إسرائيل» تحالفات تستهدف تركيا في المقام الأول، بالتعاون مع اليونان وقبرص ودول أخرى.

وكانت تقارير غير مؤكدة، لم يعلق عليها أي من الجانبين حينها، قد تحدثت عن وجود خلاف بينهما بسبب استمرار تصدير النفط الأذربيجاني إلى «إسرائيل» عبر الموانئ التركية خلال حرب الإبادة في غزة.

ومؤخراً، وعلى هامش القمة المذكورة أعلاه، سافر رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ على متن طائرة أذربيجانية للمشاركة في القمة، تجنباً لمنع تركيا مرور طائرته في أجوائها، كما حدث سابقاً، كما أن أذربيجان كانت من الدول الإسلامية القليلة التي لم تقاطع كلمة رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

بيد أن كل ذلك، مما يرتبط بخلافات سابقة على خلفية العلاقات التقليدية مع دولة الاحتلال، لا يوفر إطاراً تفسيرياً كافياً للتصعيد الأذربيجاني ضد تركيا، وتوتير العلاقات معها بهذا الشكل غير المسبوق.

ولذلك، فإن السؤال المطروح: في أي سياق حالي أو مستقبلي يمكن تفسير هذا التوتر، أو بالأحرى هذا التصعيد المقصود من باكو ضد أنقرة؟

والسياق الذي يجعل هذا السؤال وجيهاً جداً اليوم ازدياد مستوى التوتر في شرق المتوسط بين تركيا و«إسرائيل»؛ حيث تعزز الأخيرة مؤخراً تحالفها مع اليونان وقبرص في مواجهة تركيا، بينما حققت أنقرة مكاسب إستراتيجية في ليبيا ومنطقة شرق المتوسط عموماً، بعد إقرار البرلمان الليبي في شرق ليبيا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي كانت أنقرة قد وقعتها عام 2019م مع حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج، وهو ما جاء عقب انفتاح تركي على قوى شرق ليبيا، مع الحفاظ على تحالفاتها مع قوى غربها.

فهل لدى باكو معلومات عن صدام وشيك بين الجانبين في شرق المتوسط؛ ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف تصعيدية اليوم تجاه أنقرة، تمهيداً لتسويغ عدم تقديم الدعم لها في أي صدام محتمل مع دولة الاحتلال؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك في دلالاته وخطورته، بحيث يشكل اصطفافاً أذربيجانياً رسمياً مع الأخيرة ضد تركيا، سواء وقع صدام أم لم يقع؟

ولا تزال المواقف الرسمية التركية تؤكد عمق العلاقات بين تركيا وأذربيجان، وإمكانية تجاوز أي ملفات خلافية عن طريق التواصل المباشر والحوار، وبشكل أخوي، على حد تعبير وزير الخارجية هاكان فيدان.


بيد أن التصريحات الرسمية والقرارات القانونية الصادرة عن باكو تشير إلى أن الأزمة الحالية أكبر من أن تكون مجرد زوبعة صغيرة ومؤقتة في فنجان العلاقات الثنائية بين البلدين، فضلاً عن أنها تأتي في ظل أزمات المنطقة المتفاقمة.

اقرأ أيضاً








المُؤنِسَاتُ الغاليات!

    نقطة نظام 

المُؤنِسَاتُ الغاليات!


أدهم شرقاوي

عندما تولدُ البنتُ، لا يُرزَقُ الأبُ طفلةً فحسب، بل يُرزَقُ قلبًا ثانيًا يمشي خارجَ صدرِه، يخافُ عليه أكثرَ ممَّا يخافُ على نفسِه، ويبتسمُ له كأنَّ الدُّنيا اعتذرتْ له عن كلِّ ما آلمَه.

هي الوحيدةُ التي يرى فيها ضعفَه فضيلةً لا نقصًا؛ أمامها يسقطُ ثِقَلُ الرُّجولةِ المُتعبةِ، ويجلسُ كما هو: إنسانًا يحتاجُ أن يُحَبّ.

قد يقفُ في وجهِ العالمِ كلِّه دون أن يرتجفَ، لكن دمعةً في عينِ ابنتِه تهزُّه من الداخلِ هزًّا لا تفعله الحروبُ؛ لأنَّها لا تُخاطبُ قوَّتَه، بل تُخاطبُ أبوَّتَه، وأبوَّةُ الرجلِ أرقُّ ما فيه.

وللبنتِ منزلةٌ تعلو على المُزاحمةِ، لا لأنَّ الأبَ يُفضِّلها ظلمًا، بل لأنَّ العلاقةَ بينهما لا تُقاسُ بميزانِ العدلِ الحسابيِّ، بل بميزانِ القلبِ. هي مأمنُ أسرارِه الصغيرةِ، ومستودعُ وجعِه الذي لا يليقُ به أن يقولَه بصوتٍ عالٍ.

قد يُشاركُ زوجتَه الحياةَ، لكنَّه يُشاركُ ابنتَه الجزءَ الطفوليَّ الذي بقي حيًّا فيه؛ الجزءَ الذي لا يريدُ أن يموتَ.

إنَّها الحبيبةُ الأولى في حياةِ الرجلِ بمعناها النقيِّ: حبٌّ لا خوفَ فيه، ولا منافسةَ، ولا شروطَ. ولهذا قد يخصُّها بما لا يخصُّ به أحدًا، لا سرًّا ضدَّ الآخرين، بل قُربًا منها؛ لأنَّ قلبَه يجدُ عندها سكينةً غريزيَّةً.

البنتُ لا تُزاحمُ أحدًا في بيتِ أبيها، لكنَّها تسكنُ مكانًا لا يصلُ إليه أحدٌ. تبقى ولو صارت امرأةً طفلته التي يخافُ عليها من الهواءِ، ويبقى ولو شاخ الجدارَ الذي تعرفُ أنَّه لا ينكسرُ!

روى البخاريُّ في صحيحِه من حديثِ أُمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت:

إنَّا كُنَّا أزواجَ النبيِّ ﷺ عندَه جميعًا، لم تُغادِرْ مِنَّا واحدةٌ، فأقبلتْ فاطمةُ تمشي، لا واللهِ ما تخفى مشيتُها من مشيةِ رسولِ الله ﷺ!

فلمَّا رآها رحَّبَ، قال: مرحبًا بابنتي!

ثم أجلسَها عن يمينِه أو عن شمالِه، ثم سارَّها فبكتْ بكاءً شديدًا!

فلمَّا رأى حزنَها سارَّها الثانيةَ، فإذا هي تضحكُ.

فقلتُ لها: أنا مِن بينِ نسائِه: خصَّكِ رسولُ الله ﷺ بالسِّرِّ مِن بينِنا، ثم أنتِ تبكين!

فلمَّا قام رسولُ الله ﷺ سألتُها عمَّا سارَّكِ؟ قالت: ما كنتُ لأفشيَ على رسولِ الله ﷺ سرَّه.

فلمَّا تُوفِّيَ قلتُ لها: عزمتُ عليكِ بما لي عليكِ مِن الحقِّ لَمَّا أخبرتِني.

قالت: أمَّا الآنَ فنعم.

فأخبرتْني، قالت: أمَّا حين سارَّني في الأمرِ الأوَّلِ فإنَّه أخبرني: أنَّ جبريلَ كان يعارضُه بالقرآنِ كلَّ سنةٍ مرَّةً، وإنَّه قد عارضني به العامَ مرَّتينِ، ولا أرى الأجلَ إلَّا قد اقتربَ، فاتَّقي اللهَ واصبري، فإنِّي نعمَ السَّلَفُ أنا لكِ. قالت: فبكيتُ بكائي الذي رأيتِ.

فلمَّا رأى جزعي سارَّني الثانيةَ، قال: يا فاطمةُ، ألا ترضينَ أن تكوني سيِّدةَ نساءِ المؤمنين، أو سيِّدةَ نساءِ هذه الأُمَّة؟

الدَّرسُ الأوَّلُ:

مكانةُ البنتِ عند أبيها!

في هذا المشهدِ تتجلّى صورةُ الأبِ الكاملِ: نبيٌّ ﷺ تُحيطُ به أزواجُه، وتدورُ حوله شؤونُ أُمَّةٍ، ومع ذلك إذا دخلتْ فاطمةُ قام لها قلبُه قبل أن يقوم مجلسُه. رحَّب بها، وأجلسَها قريبًا منه، وسارَّها دون الجميع.

هذه ليست مجرَّد عاطفةٍ عابرةٍ، بل إعلانٌ تربويٌّ أنَّ البنتَ ليست هامشًا في حياةِ أبيها، بل مركزُ دفئِه، وموضعُ ثقتِه، وامتدادُ روحِه. إنَّ تكريمَ البنتِ ليس خُلُقًا اجتماعيًّا فقط، بل سُنَّةٌ نبويةٌ تُربّي الآباءَ أنَّ الحنانَ قوَّةٌ، وأنَّ القربَ من الأبِ أمانٌ تبني به المرأةُ حياتَها كلَّها.

الدَّرسُ الثاني:

حفظُ السِّرِّ أمانةُ القلوبِ الكبيرةِ.

حين سألتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها فاطمةَ رضي الله عنها عن السِّرِّ، كان بوسعِها أن تتكلَّمَ، لكنَّها قالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسولِ الله ﷺ.

هذا هو ميزانُ النفوسِ العظيمةِ: أن تعرفَ متى تصمتُ.

وفي زمنٍ تُباعُ فيه الأسرارُ بثمنِ الانتباهِ، يُعيدُ الحديثُ تعريفَ النُّبلِ: أن تموتَ الكلماتُ في صدرِك ولا تخونَ.

الدَّرسُ الثالث:

تربيةُ القلوبِ على مواجهةِ الفقدِ.

أخبرها النَّبيُّ ﷺ باقترابِ أجلِه، ولم يُخفِ الحقيقةَ عن ابنتِه، لكنَّه لم يتركْها عاريةً أمام الألمِ؛ قال لها: فاتَّقي اللهَ واصبري.

هكذا يُربَّى المؤمنُ: لا على الهروبِ من المصائبِ، بل على استقبالِها بزادِ الإيمانِ. البكاءُ لم يكن ضعفًا، والضَّحكُ بعده لم يكن تناقضًا؛ كان انتقالًا من بشريَّةِ الحزنِ إلى يقينِ الرضا. فالإسلامُ لا يطلبُ قلوبًا حجريَّةً، بل قلوبًا تبكي ثم تثبتُ.

الدَّرسُ الرابع:

البشارةُ دواءُ الأحزانِ.

لم يتركْها النبيُّ ﷺ عند الخبرِ الأوَّلِ، بل عاد فمسحَ جرحَها ببشارةٍ عظيمةٍ: سيادةُ نساءِ المؤمنين.

كأنَّ الرسالةَ تقولُ: لا تُترَك القلوبُ عند الألمِ بلا نورٍ.

هذا الحديثُ لا يُرينا قائدًا تاريخيًّا فقط، بل أبًا يحتضنُ ابنتَه، يُواسيها، ويخافُ على قلبِها. فالنبوَّةُ هنا ليست خطبةً على منبرٍ، بل همسٌ في أذنِ ابنةٍ.

وهنا سرُّ التأثيرِ: أنَّ العظمةَ الحقيقيَّةَ لا تُلغي الإنسانيَّةَ، بل تُكمِلُها.

كلُّ بيتٍ يحتاجُ هذا النموذجَ: رجلٌ قويٌّ في الخارجِ، رحيمٌ في الداخلِ؛ لأنَّ الحضاراتِ لا تُبنى بالقراراتِ وحدها، بل بالقلوبِ التي تعودُ إلى بيوتِها آمنةً.

الدَّرسُ السادس: قيمةُ الصبرِ حين يصبحُ اختيارًا واعيًا.

الصبرُ في الحديثِ ليس استسلامًا، بل موقفٌ.

فاطمةُ بكتْ، ثم ضحكتْ، ثم حملتِ الخبرَ في صدرِها حتى وفاةِ أبيها ﷺ.

هذا صبرُ الكبارِ: أن تشعرَ بالألمِ كاملًا، ثم تختارَ أن تمشي رغمَه.

فالمؤمنُ لا يُمنَعُ عنه الحزنُ، لكن يُمنَعُ أن يتحوَّلَ الحزنُ إلى انهيارٍ. والصبرُ ليس غيابَ الدموعِ، بل حضورُ المعنى خلفَ


وجهة وطن: سوالف على هامش money tech

آخر كلام 
 وجهة وطن: سوالف على هامش money tech
 محمد البغلي
  
من يعرفني يعلم أنني لست مغرماً بالتقنيات المالية وتشعباتها المتعددة، وأفضل في معظم التعاملات سماع «طقة النوط» على أصوات إشعارات وتنبيهات التطبيقات مع كل عملية مالية. 
ومع ذلك أحرص للعام الخامس على التوالي على حضور مؤتمر money tech السنوي لأسباب متعددة، أهمها عملي في جريدة الجريدة، وكذلك التقاط الصورة السنوية مع الأخ الكبير والزميل العزيز مدير التحرير في الجريدة الأستاذ ياسر السعدي. 
غير أن المؤتمر هذا العام كان مختلفاً إلى حد كبير، ليس فقط من ناحية توسع محاوره، التي ناقشت ملفات أوسع مرتبطة بالتداعيات الاقتصادية واللوجستية لأزمة الحرب الإقليمية وتحديات التطورات التكنولوجية، بل لما لمسته من خلال حوارات جانبية ودية مع العديد من الزوار والحضور في المؤتمر. 

تنوعت الحوارات على هامش المؤتمر مع أصدقاء وزملاء ومعارف و«مصادر صحافية» حول الأوضاع العامة الخارجية والداخلية والمخاوف والتوقعات والتنبؤات المستقبلية التي تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم المترتبة على الأعمال والتجارة، وأيضاً المشاريع الصغيرة والمتوسطة. 
في ممرات المؤتمر و«سوالفه» الجانبية تحدثت مع شرائح متعددة من أصحاب الأعمال، الثري منهم والمبادر وكذلك المضارب أو الذي «يطقطق بالسوق» وأيضاً الموظف، عن قضايا وقصص يصعب سردها بشكل مفهوم في المكالمات الهاتفية السريعة والمرتبكة أو رسائل الواتساب المختصرة والتي قد توصل الفكرة ناقصة أو مبتورة. 

الثري يخشى انقلاباً مفاجئاً في الأحوال واستمرار حالة اللاسلم واللاحرب في المنطقة، والمضارب يشكو ارتفاع هوامش المخاطرة، والمبادر يعاني ويلات ارتفاع تكاليف الاستيراد وتعاظم أسعار الإيجارات، فضلاً عن تناقض التصريحات الحكومية تجاه الإجراءات البيروقراطية مع الحقيقة على أرض الواقع، وكذلك الموظف الذي بات الدينار الواحد «يفرق» في تنظيم مصروفاته الشهرية. 
من يرى في الواقع فرصة؟ ومن يخشى من تحولات المستقبل؟ وهل الحرب الإقليمية ستفضي إلى واقع جديد للحياة أو العمل أو التجارة والأعمال؟ وما شكل هذا الواقع؟ هل سيكون أسوأ أم أفضل؟ هل الإجراءات والسياسات والقوانين المتسارعة أخيراً ستدعم الأوضاع الاقتصادية في البلاد أم لا؟ ماذا عن التضخم، سهولة الأعمال، الفرص؟ 
في الحقيقة لم تكن هناك إجابات وافية لجميع الأسئلة، بل إن بعضها حمل إجابات متناقضة سيطرت عليها حالة الضبابية وعدم اليقين، وكان معظمها يأتي على شكل مخاوف أو انعكاس لقلق وتوجس، لكن اللافت كان شفافية النقاشات ووضوح الحوارات والقدرة على التعبير عن المخاوف بنفس قدرة الآخرين على التعبير عن ارتياحهم ورضاهم. 
لا تزال فكرة لقاء أعداد كبيرة من الناس بشكل مباشر دون قيود وسائل التواصل وجمود التكنولوجيا لها جاذبيتها ومصداقيتها وأيضاً شفافيتها، عندما تسمعها من شرائح متعددة من الناس.

الأحد، 1 نوفمبر 2026

لماذا تأخرنا؟ ومن أين يبدأ طريق النهضة؟

 لماذا تأخرنا؟ ومن أين يبدأ طريق النهضة؟


إن مأساة الأمة الإسلامية المعاصرة لا تتمثل في أنها نسيت أمجادها؛ فما أكثر ما نستحضر تاريخنا، ونفاخر بعلمائنا، ونستعيد صور الحضارة التي أضاءت قرونًا من عمر الإنسانية؛ وإنما المأساة أن تتحول الذاكرة إلى عزاء عن العجز، وأن نكتفي بسرد ما صنعه الأجداد بدلًا من أن نسأل عما نصنعه نحن؛ فالحضارات لا تعيش طويلًا على رصيد الماضي، ولا تستعيد مكانتها بكثرة الحديث عن مجدها، وإنما تتجدد حين تمتلك أسباب القوة، وتراجع أخطاءها، وتؤسس لمستقبل يستحق أن يرثه أبناؤها.

ولم يكن سؤال التأخر طارئًا على الفكر الإسلامي الحديث، ولا شاغلًا لمصلح واحد؛ فقد أقلق أجيالًا من العلماء والمفكرين الذين اختلفت مناهجهم، واجتمع همُّهم على البحث عن أسباب الوهن وشروط النهوض؛ فطرح الأمير شكيب أرسلان سؤاله الشهير في كتابه «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»، متتبعًا أثر الجهل والجمود والتفرق وضعف الإرادة.

وبحث مالك بن نبي في «شروط النهضة» عن القوانين التي تحكم نشوء الحضارات، وعن بناء الإنسان وفاعلية الأفكار وتنظيم الطاقات؛ ثم جاء الشيخ محمد الغزالي في «سر تأخر العرب والمسلمين» ليواجه اختلالات الحكم والفكر والتدين، وما أصاب العقل المسلم من اضطراب في فهم الدين وترتيب الأولويات.

وعلى اختلاف هذه المقاربات، فإنها تكشف أن سؤال النهضة ظل مفتوحًا عبر الأجيال، وأن أزمة الأمة لم تكن يومًا نقصًا في تشخيص الداء وحده، بل في قدرتها على تحويل الوعي بأسبابه إلى إرادة إصلاح، ومؤسسات فاعلة، ومشروع حضاري يملك أدوات المستقبل.

والسؤال عن تأخر المسلمين ليس اتهامًا للإسلام، ولا إنكارًا للإنجازات التي حققتها مجتمعات إسلامية في مجالات شتى، وفي عصور مختلفة؛ بل هو مساءلة للفجوة بين قيم نؤمن بها وواقع لم نستطع دائمًا أن نجسدها فيه؛ فكيف يتراجع العلم في أمة افتُتح وحيُها بالأمر بالقراءة، ويشيع الظلم حيث أُمر الناس بالعدل، وتُهدر الكفاءات في مجتمعات جعل دينها الأمانة شرطًا للولاية والمسؤولية؟

إن الإجابة لا تستقيم بإلقاء التبعة كلها على الخارج، ولا بتحميل الداخل وحده أوزار التاريخ؛ وإنما تبدأ بتشخيص يضع الأسباب في مواضعها، ويصل إصلاح الإنسان بإصلاح المؤسسات، ويقرأ الحاضر بعين تستشرف المستقبل.

حين نفقد شجاعة مراجعة أنفسنا
أولى عقبات النهوض أن نخلط بين قداسة الوحي وتصرفات البشر، وبين أحكام الشريعة وعادات المجتمعات، وبين الاعتزاز بالتاريخ وتبرير أخطائه؛ فالإسلام ميزان نقوِّم به واقعنا، وليس غطاءً نستر به انحرافاتنا، والتراث خبرة ننتفع بها، لا سلطة تمنعنا من السؤال والاجتهاد.

وقد قرر القرآن أصلًا عظيمًا في سنن الإصلاح: 
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)؛ وليس المراد أن تنفصل إصلاحات النفوس عن إصلاحات الأنظمة، بل أن التغيير الحضاري يحتاج إلى تحول في الوعي والقيم والسلوك، تصاحبه مؤسساتٌ عادلة وسياسات رشيدة.

ولا تعني محاسبةُ الذات تبرئةَ الاستعمار والاحتلال من جرائمهما، أو تحميل المظلوم مسؤولية ما يقع عليه من ظلم؛ وإنما تعني ألا نستسلم لتفسيرٍ يُعفينا من مراجعة أخطائنا، حتى لا يصبح الاعترافُ بقوة الخصم حجةً لدوام ضعفنا.

فساد الحكم حين يصبح إهدارًا للمستقبل

ليس الاستبداد مجرد اعتداء على الحقوق السياسية؛ إنه إفساد لموازين المجتمع، وإضعاف لثقته في العدل، واستنزاف لقدراته العلمية والاقتصادية؛ فحين تُقدَّم الولاءات على الكفاءات، ويُقصى الناقد ويُكافأ المادح، ويُعامل المال العام كأنه غنيمة، تصبح الموهبة عبئًا على صاحبها، ويغدو النفاق طريقًا مختصرًا إلى المناصب.

وقد جمع القرآنُ أصولَ الحكم الرشيد في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)؛ وجاء التحذير النبوي بليغًا: «إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»(1).

ومن ثَم، فإن الإصلاحَ المؤسسي ليس شأنًا إداريًّا هامشيًّا، بل ضرورة مقاصدية لحفظ الحقوق والثروات والطاقات؛ يبدأ بإعلاء الكفاءة، واستقلال القضاء، وشفافية القرار، والمحاسبة العادلة، وتهيئة بيئة يستطيع فيها الإنسان أن ينجح بعمله، لا بقربه من أصحاب النفوذ.

تعليم يكثر فيه الحفظ ويقل فيه الإنتاج
ومن أشد أمراض التأخر أن تنفصل المعرفةُ عن وظيفتها الحضارية؛ فتكثر الشهادات ولا يتناسب معها الإنتاج، وتتسع المؤسساتُ التعليمية دون أن تتجذر فيها ثقافةُ البحث، وتستغرق العقول في خصومات جزئية بينما تنتظر قضايا المجتمع من يدرسها ويعالجها.

وليس المطلوبُ إقصاء العلوم الشرعية والإنسانية لحساب العلوم التقنية، بل وصل هذه العلوم جميعًا بأسئلة الحياة، وتحقيق التكامل بينها؛ فالمجتمع يحتاج إلى من يفهم الإنسان وقيمه وتاريخه، كما يحتاج إلى من يطور دواءه وغذاءه وصناعته.

والعلاج يبدأ بإصلاح مناهج التعليم، وتحرير البحث من المحاباة، ورعاية المواهب، وربط الجامعات بمشكلات المجتمع، وتقديم جودة المعرفة على أعداد الشهادات؛ فالجامعة التي لا تعلم طلابها كيف يسألون وينقدون ويبتكرون، مهما ازدحمت قاعاتها، لم تؤدِّ رسالتها كاملة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تتضاعف المسؤولية؛ إذ لم تعد الندرة في الحصول على المعلومات، وإنما في القدرة على تمحيصها وتوظيفها، والتمييز بين الحقيقة والتضليل؛ ولهذا يصبح بناء العقل النقدي والأمانة العلمية من أهم استثمارات المستقبل.

تديُّن لا يثمر عملًا وعدلًا
ولا يكتمل التشخيص دون مواجهة خلل آخر؛ أن تنفصل مظاهر التدين عن مقاصدها الأخلاقية والعمرانية؛ فنحرص على بعض الشعائر، ثم نتساهل في الأمانة والإتقان وحقوق الناس، مع أن العبادة جاءت لتزكية الإنسان، وإصلاح علاقته بربه وبالمجتمع.

وليس العلاج في إضعاف الشعائر، وإنما في استعادة روحها وآثارها؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يربي التقوى، والزكاة تحقق التكافل، والإيمان الصادق يدفع صاحبه إلى الصدق والعدل وإحسان العمل.

ومن أخطر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن يتحول التوكل إلى انتظار بلا سعي، والرضا بالقضاء إلى قبول بالعجز؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»(2).

وهذه الكلمات النبوية ترسم منهجًا كاملًا: معرفة النافع، وطلبه بجد، والاستعانة بالله، ومقاومة العجز؛ فلا تعارض بين صدق الإيمان وإتقان الأسباب، بل إن تعطيل الأسباب باسم التوكل إساءة إلى حقيقة التوكل نفسها.

وحدة المصالح وقوة المؤسسات

ولا يجوز أن نغفل أثر التفرق والصراعات الداخلية، وما تُتيحه من فرص للتدخل الخارجي وإدامة التبعية؛ فالأمة التي تستنزف قوتها في خصوماتها، وتعجز عن التعاون في العلم والاقتصاد، تضعف قدرتها على حماية مصالحها ومواجهة التحديات.

وقد قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)؛ فالوحدة المطلوبة ليست إلغاءً للتنوع، ولا شعارًا يعلو في المناسبات، وإنما تعاون مؤسسي يحول الروابط المشتركة إلى مشروعات علمية واقتصادية وإنسانية، ويحفظ الاختلاف المشروع دون أن يسمح له بتبديد المصالح الكبرى.

المستقبل لا ينتظر المترددين

تدخل الإنسانية مرحلة تعيد فيها التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي وتحولات الطاقة والمناخ والأمن الغذائي رسم موازين القوة؛ ومن يكتفِ باستهلاك المعرفة سيجد نفسه أشد اعتمادًا على من ينتجها، ومن يؤخر إصلاح التعليم والإدارة سيورث أبناءه فجوات يصعب ردمها.

ومن هنا ينبغي أن ينتقل تفكيرنا من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد لها قبل حلولها؛ ببناء مراكز للدراسات المستقبلية، وربط السياسات بالبحث العلمي، والاستثمار في الإنسان، وتأهيل الشباب والفتيات لمهارات العصر، وتوسيع التعاون بين الجامعات ومؤسسات الإنتاج.

ولا يحمل الشباب وحدهم مسؤولية الإصلاح؛ فالدول والمؤسسات مطالبة بتوفير العدل والفرص والبيئات الحاضنة للكفاءة، لكن على الجيل الجديد أن يجمع بين رسوخ القيم ومرونة التعلم، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على المعرفة، وبين قوة التخصص وحسن التعاون.

إن أخطر ما يهدد الأمة ليس أن تتأخر في مرحلة من تاريخها، بل أن تألف التأخر حتى تراه قدرًا لا يُقاوَم؛ فالأمم قد تتعثر ثم تنهض، لكنها لا تنهض بالأماني، وإنما بوعي يكشف الخلل، وعدل يطلق الطاقات، وعلم ينتج الحلول، وإيمان يبعث على العمل.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: لماذا تأخرنا؟ وإنما ماذا سنغير في تعليمنا وحكمنا وأخلاقنا ومؤسساتنا حتى لا نورث أبناءَنا أسبابَ التأخر نفسها؟ فالمستقبل لا يُصنع بتمجيد ما كان، وإنما بإحسان ما ينبغي أن يكون.

الهوامش
1 رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، في صحيحه، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة (6496). 
2 رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، في صحيحه، كتاب القدر (2664).



شوف التاريخ!

شوف التاريخ!


مصطفى العبسي
كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية.


وصلتني الصورة مرتين في أسبوع واحد. صفحة من جريدة قديمة، ورقها أصفر، وعنوانها يتحدث عن نهاية العالم. 

وتحتها كتب أحدهما سطراً واحداً: "شوف التاريخ". 

التاريخ هو الجمعة، الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أي بعد أقل من أسبوعَين. اللذان أرسلا الصورة شخصان لا يعرف أحدهما الآخر، وكلاهما أضاف في النهاية وجهاً ضاحكاً. لا يريدان أن يبدوا جادّين أكثر من اللازم. وأحدهما لم يسأل عنّي منذ أشهر، ثم تذكّرني من أجل نهاية العالم.

أصل الحكاية ورقة علمية. في عام 1960، نشر الفيزيائي هاينز فون فورستر، مع باتريشيا مورا ولورانس أميوت، دراسة في مجلة "ساينس" العلمية. أخذوا تقديرات عدد سكان الأرض على مدى ألفَي سنة، ورسموا الاتجاه، وسألوا سؤالاً بسيطاً: ماذا لو استمر هذا النمو على حاله؟

أجابت المعادلة بما يشبه المزحة. عدد البشر يقترب من اللانهاية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. واللانهاية رقم لا يصلح للحياة ولا لجدول مواعيد.فقد عرف الباحثون أن النتيجة مستحيلة، وأن استحالتها هي الفكرة. هكذا تنتهي توقعات المستقبل حين نفترض أنّ الماضي سيكرّر نفسه إلى الأبد.

ثم فعلوا شيئاً سيدفع العالم ثمنه ستة عقود.

سمّوا الورقة "يوم القيامة: الجمعة 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2026". جمعة، و13. كان هذا نكتة. أتخيّلهم في المكتب وهم يختارون العنوان. وأحدهم يقول: ولماذا لا نجعلها الجمعة 13؟ ثم يضحكون ويذهبون إلى الغداء. ولم يكن في حسابهم أن مزحتهم ستُرسَل بعد ستة عقود في مجموعات واتساب. سافرت النكتة، وبقي الشرط الذي بُنيت عليه في مكانه.

بعد سنوات قليلة، عبرت الفكرة إلى الصحافة العربية. ثم مرّت عقود، وجاءت الهواتف، وصارت صورة الصفحة القديمة تتنقل بين المجموعات كأنها وثيقة سرّية أُفرج عنها قبل موعدها بأسبوعين. هكذا تخرج الأفكار من سياقها دون أن تفقد قدرتها على إخافتنا. وربما تزداد قوة كلما ابتعدت عن تفاصيلها، لأن ما يبقى في الذاكرة هو ما توقظه الحكاية فينا.

أما ما حدث فعلاً فأقل إثارة. تغيّرت معدلات الخصوبة. تغيّرت أنماط الحياة. وأخذ النمو السكاني طريقاً غير الذي رسمته المعادلة. تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024 تقول إننا بلغنا 8.2 مليارات نسمة، وقد نصل إلى نحو 10.3 مليارات في منتصف الثمانينيات من هذا القرن، ثم يبدأ العدد في الانخفاض. لا نهاية ولا لانهاية. ذروة ثم هبوط. وهذا عنوان لا يصلح لصورة تُرسَل عبر واتساب.

القلق على الموارد باقٍ. أما الموعد فلا. والذي يشغلني في هذه الحكاية هو السهولة التي ننتقل بها من احتمال إلى موعد.

في التواريخ المحدّدة راحة لا نعترف بها. الخوف من خطر له يوم أهون من الخوف من مستقبل مفتوح

في التواريخ المحدّدة راحة لا نعترف بها. الخوف من خطر له يوم أهون من الخوف من مستقبل مفتوح. في الأول نعدّ الأيام، ونراقب التقويم، وننتظر أن يمرّ الموعد كي نعود إلى حياتنا. أما في الثاني، فلا توجد أمامنا صفحة نطويها.

ونحن نفعل هذا بأنفسنا كل يوم على نطاق أصغر. نضع مواعيد لحياتنا كما وضع فون فورستر معادلته. ونؤجل. بعد هذا المشروع. حين تخف المسؤوليات. في السنة القادمة. نؤجل الراحة إلى موعد، والقرب ممن نحب إلى موعد، والأشياء التي كانت تمتعنا بلا مقابل إلى موعد. ثم نصل إلى الموعد، فنجد أن الحياة لم تنتظرنا في المكان نفسه. وأنا أكتب هذا، أتذكر أنني أؤجل كتاباً بدأته منذ أكثر من عقد من الزمن، وأضع له موعداً جديداً مع كل بداية سنة.

في يوم الجمعة، 13 من نوفمبر/تشرين الثاني، سيمضي اليوم كما تمضي الأيام. ستفتح المقاهي أبوابها. وستتأخر قطارات. وسيجلس أحدهم أمام نافذته يفكر في قرار لم يتخذه بعد. ومعظم الناس لن يلتفتوا إلى التاريخ أصلاً.

وفي اليوم نفسه، ستُنشر أرقام قتلى الصراعات كما تُنشر كل صباح. وستُوزع خيام في مكان لم يكن قبل ثلاث سنوات مخيّماً. وستبكي امرأة على رصيف لا نعرف في أي بلد. ولن يسمي أحد هذا نهاية العالم، لأنّ النهايات التي تحدث فعلاً لا تأتي بموعد، ولا يكتبها أحد في عنوان دراسة.

النهايات التي تحدث فعلاً لا تأتي بموعد، ولا يكتبها أحد في عنوان دراسة

العالم الذي ننتظر نهايته انتهى بالفعل عند كثيرين، دون أن يلتفت إليهم تقويم. وبين النهايات الكبيرة التي تحدث لغيرنا، والنهاية التي ننتظرها في التقويم، تمرّ نهاية ثالثة صغيرة وصامتة: أن تمرّ السنوات ونحن نعيش كأن الحياة الحقيقية ستبدأ لاحقاً.

العالم لا يحتاج إلى أن يبلغ اللانهاية حتى يعجز الإنسان عن العثور على مكانه فيه. يكفي أن ينشغل طويلاً بما سيحدث غداً.


مصطفى العبسي


كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية. يهتم في كتاباته بالتجربة الإنسانية في لحظات التحول، خصوصًا ما يتصل بالزمن، والهوية، والعلاقة بين الجسد والنفس. تجمع نصوصه بين الحس الأدبي والتأمل النفسي، وتركّز على الأسئلة الهادئة التي تطرحها مراحل النضج.