الدكتور وصفي أبو زيد -
قد يغلق المرء باب غرفته، ويطمئن إلى أنه لا يراه أحد، ثم يفتح هاتفه على عالم تتسع فيه أبواب الخير والشر، وتُعرض فيه على قلبه وعينيه أشياء لم يكن ليجرؤ على الاقتراب منها لو كان بين الناس، وربما استحيا من نظرة عابرة إلى شاشته، ولم يستحِ من نظر الله إليه!
وهنا يُمتحن صدق المراقبة؛ فإن الأخلاق التي لا تصحب صاحبها إلى خلوته هي أخلاقٌ لم تتمكن بعد من قلبه، وإن الحياء الذي يحضر أمام الناس ويغيب عند انفراد الإنسان بنفسه يحتاج إلى تربية ومجاهدة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]. آية قصيرة، لو استقرت حقيقتها في القلب، لأغلقت على صاحبها أبوابًا من المعصية، وفتحت له أبوابًا من الاستقامة لا يطلع عليها أحد من الخلق.
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة" (رواه النسائي).
وليس المقصود أن يتحول الهاتف إلى مصدر خوف دائم، أو أن يحرم الإنسان نفسه مما أباح الله من المتعة والترويح؛ وإنما أن يصحب استعماله لهذا الجهاز ضمير مؤمن، يعرف متى ينظر ومتى يصرف بصره، ومتى يفتح ومتى يغلق، ومتى يمضي ومتى يتوقف.
وقد أحسن ابن عطاء الله السكندري إذ قال: "اجتهادك فيما ضُمِن لك، وتقصيرك فيما طُلِب منك، دليل على انطماس البصيرة منك". ومن أعظم ما طُلب منك أن ترعى قلبك وجوارحك حيثما كنت، فلا تنشغل بتتبع ما يُعرض عليك حتى تنسى ما يجب عليك.
إن الشاشة لا تستر عن الله شيئًا، والخلوة ليست غيابًا عن الرقابة، وإنما فرصة يظهر فيها مقدار ما استقر في القلب من تعظيم الله.
فاجعل لك مع الله أدبًا لا يتغير بتغير المكان، ولا يسقط حين تغيب عيون الناس.
#أخلاقنا_الرقمية 1
#وصفي_أبوزيد
الدكتور وصفي أبو زيد - الصفحة الرسمية

