الجمعة، 30 أكتوبر 2026

فوق السلطة - متي ينتهي العالم ؟

فوق السلطة - متي ينتهي العالم ؟



"فوق السلطة".. نبوءة فناء البشرية في نوفمبر تعود إلى الواجهة
تتزاحم توقعات نهاية العالم مع أزمة الصحراء ومفارقة أوروبا أمام المهاجرين وأفريقيا الغنية بالكنوز، في مشهد يعكس ارتباك الحاضر، وفق ما تناوله برنامج “فوق السلطة” في حلقة (30 أكتوبر/تشرين الأول 2026).


وتتقاطع المسارات الثلاثة في مشهد واحد: توقعات قديمة تعود إلى الواجهة بموعد محدد لنهاية العالم، وخلاف قديم بين المغرب والجزائر يعيد إسبانيا إلى معادلته، ومفارقة صارخة بين قارة تغلق أبوابها وأخرى تملك مفاتيح المستقبل، وفيما يبدو سباقا بين التوقعات والوقائع، يظل السؤال الأكثر إلحاحا عن مصير الحاضر لا نهايته.

واستعرضت الحلقة هذه المسارات، حيث كانت البداية مع توقعات بشأن "فناء البشرية" تعود إلى ورقة بحثية نُشرت عام 1960 في مجلة "ساينس"، وأعدها الفيزيائي النمساوي الأمريكي هاينز فون فورستر مع باحثين من جامعة إلينوي.


وحددت الورقة يوم الجمعة 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدا لـ"نهاية العالم"، استنادا إلى نموذج رياضي افترض استمرار النمو السكاني بوتيرة "أسية فائقة" (تسارع متزايد في النمو).

وتشير تحليلات معاصرة إلى أن تقديرات الأمم المتحدة ترجح بلوغ سكان العالم الذروة عند 10.3 مليارات نسمة عام 2084 قبل التراجع، وهو ما يضع التوقع في سياقه التاريخي لا في خانة اليقين.

وتنتقل الحلقة إلى ملف الصحراء، حيث أقر مجلس النواب الإسباني في 10 سبتمبر/أيلول 2026 مقترحا يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/أيلول 1977 وأبنائهم المباشرين.

ويقدر عدد المستفيدين المحتملين بنحو 80 ألفا، فيما أُحيل المقترح إلى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الحزب الشعبي لإدخال تعديلات جوهرية عليه.

ووفق مقدم البرنامج نزيه الأحدب، فإن المقترح يعكس محاولة إسبانية للتعامل مع إرث استعماري قديم، كما أنه يعكس توترا مستمرا في العلاقات مع الرباط والجزائر، إذ يظل ملف الصحراء نقطة اشتعال لا تهدأ.

أوروبا تشدد إجراءاتها

ومن زاوية أخرى، تستعرض الحلقة مفارقة بنيوية أعمق، حيث تشدد أوروبا إجراءاتها الحدودية وتوسع صلاحيات وكالة حماية الحدود الأوروبية "فرونتكس" لعمليات إعادة المهاجرين، في حين تمتلك أفريقيا ما يُوصف بـ"كنوز المستقبل".

ووفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنتجت الكونغو الديمقراطية في عام 2024 نحو 75% من الإنتاج العالمي للكوبالت، وتمتلك ما يُقدَّر بـ55% من الاحتياطيات العالمية، ويُستخدم هذا المعدن في بطاريات السيارات الكهربائية والصناعات التكنولوجية والدفاعية، وهو ما يجعله ركيزة في سباق التحول الطاقي.

وفي السياق ذاته، تشير بيانات "فرونتكس" إلى انخفاض اكتشافات عبور الحدود غير النظامية إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 40% في النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وتراجع الوصول عبر البحر الأبيض المتوسط إلى 60 ألفا مقابل 98 ألفا في عام 2025.

ومع ذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي تعزيز سياسات إعادة واحتجاز المهاجرين، في مسعى يرى منتقدون أنه يستجيب لضغوط سياسية أكثر مما يستجيب لأرقام واقعية.

كما تناولت الحلقة ضمن فقراتها هذه الموضوعات:أمريكا تُعلّم العالم الانضباط المالي من فوق جبل الديون، وإيلون ماسك يحذر من الجحيم.
رابطة السمان في العراق تعترض على رفع الدولار، والسبب ارتفاع أسعار الغذاء.
النقاب يدخل معركة التحديث، والملابس تنتظر اعتماد الرؤية.

تقديم: نزيه الأحدب

انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026.. عشرةأسئلة لفهم الصراع على الكونغرس ومستقبل ولاية ترامب

 انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026.. عشرةأسئلة لفهم الصراع على الكونغرس ومستقبل ولاية ترامب

. إعداد مجلة البيان


في الثالث من نوفمبر، يتوجه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع في معركة تتجاوز مقاعد الكونغرس، لتمتد آثارها وانعكاساتها على العالم أجمع. وفي هذا التقرير، نحاول أن نوجز أبرز الأسئلة التي تكشف طبيعة هذه الانتخابات، وتفسر رهاناتها الداخلية، وتستشرف تداعياتها المح

 

تأتي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في لحظة سياسية شديدة الحساسية؛ إذ يتواجه الجمهوريون والديمقراطيون على السيطرة على الكونغرس، بينما تتجاوز آثار النتيجة حدود واشنطن إلى الاقتصاد الأمريكي، والهجرة، والسياسة الخارجية، ومستقبل نفوذ دونالد ترامب. وتشير التغطيات السابقة للاقتراع إلى أن الجمهوريين يواجهون خطر خسارة مجلس النواب، فيما تبدو معركة مجلس الشيوخ أصعب على الديمقراطيين.

السؤال الأول: ما هي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ولماذا تحظى انتخابات 2026 بهذه الأهمية؟

تُجرى انتخابات التجديد النصفي في منتصف الولاية الرئاسية، أي بعد عامين من انتخاب الرئيس، وتُجدَّد فيها مقاعد مجلس النواب الأمريكي البالغ عددها 435 مقعدًا، إلى جانب نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ. وتشمل الانتخابات أيضًا مناصب على مستوى الولايات والحكومات المحلية.

وتكتسب انتخابات 2026 أهمية خاصة لأنها أول اختبار انتخابي شامل لترامب وحزبه الجمهوري منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025. فالناخب الأمريكي سيحكم على أداء الإدارة في الاقتصاد والأسعار والهجرة، وعلى أسلوب الرئيس في ممارسة سلطاته، وعلى قدرة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بأغلبيته في الكونغرس.

والنتيجة لن تحدد فقط من يسيطر على غرفتي الكونغرس؛ بل ستحدد أيضًا مساحة الحركة المتاحة لترامب خلال النصف الثاني من ولايته. فالرئيس الذي يمتلك أغلبية برلمانية يستطيع تمرير تشريعاته بمرونة أكبر، بينما يواجه رئيسٌ يخسر إحدى الغرفتين رقابةً أشد ومساومات سياسية أكثر تعقيدًا.

السؤال الثاني: كيف تتوزع موازين القوى بين الجمهوريين والديمقراطيين، وما المطلوب للفوز؟

يدخل الجمهوريون الانتخابات بأغلبية ضيقة في مجلس النواب، تبلغ 218 مقعدًا وفق التغطية السابقة للاقتراع، ما يجعل خسارة عدد محدود من المقاعد كافية لقلب ميزان السيطرة. ويحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بأغلبية المقاعد، مع مراعاة الشواغر والنتائج النهائية، كي يستعيدوا رئاسة المجلس ورئاسة لجانه.

أما مجلس الشيوخ، فتبدو المعركة فيه أكثر صعوبة على الديمقراطيين؛ إذ أفادت رويترز بأنهم يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد إضافية لاستعادة السيطرة، في ظل خريطة انتخابية لا تمنحهم هامشًا مريحًا. وتكتسب الولايات المتأرجحة أهمية استثنائية، لأن نتائجها قد تحسم الأغلبية بفارق ضئيل.

لذلك ينبغي التمييز بين أمرين: أن يحقق حزب تقدمًا في التصويت الشعبي، وأن ينجح في تحويل ذلك التقدم إلى مقاعد. فالنظام الانتخابي الأمريكي يعتمد على المنافسة في دوائر ومقاعد محددة، كما أن إعادة رسم حدود بعض الدوائر قد تمنح أحد الحزبين أفضلية في مناطق بعينها.

السؤال الثالث: هل تتحول انتخابات 2026 إلى استفتاء على دونالد ترامب؟

إلى حد كبير، تتحول الانتخابات إلى اختبار لشعبية ترامب وأسلوبه في الحكم، فالرئيس حاضر في الخطاب الانتخابي، وفي تعبئة أنصاره، وفي استنفار خصومه، كما أن مواقفه الاقتصادية والهجرة والسياسة الخارجية أصبحت جزءًا من النقاش حول المرشحين الجمهوريين.

وتشير التغطيات والاستطلاعات المنشورة قبيل الاقتراع إلى أن تقييم الناخبين لأداء ترامب، ومخاوفهم بشأن تكلفة المعيشة، يمثلان عاملين مؤثرين في المنافسة. كما يواجه الجمهوريون تحديًا في الدفاع عن سجل الإدارة، بينما يحاول الديمقراطيون ربط المرشحين الجمهوريين بسياسات الرئيس وتحميلهم مسؤولية نتائجها.

لكن وصف الانتخابات بأنها استفتاء على ترامب لا يعني أن كل ناخب يصوت على أساس موقفه منه وحده. فالمرشح المحلي، وقضايا الولاية، والقدرة على حشد الناخبين، وشخصية المنافس، كلها عوامل قد تغير النتيجة. وقد يفوز مرشح جمهوري في دائرة ما رغم تراجع شعبية الرئيس، أو يخسر مرشح ديمقراطي رغم موجة معارضة وطنية للإدارة.

السؤال الرابع: ما القضايا التي ستحدد اتجاه تصويت الأمريكيين؟

تتقدم الأوضاع الاقتصادية قائمة القضايا المؤثرة في الانتخابات، وفي مقدمتها تكلفة المعيشة وأسعار الغذاء والسكن والرعاية الصحية. وتشير تغطية رويترز في 23 أكتوبر إلى أن نحو نصف الناخبين الذين شملتهم البيانات التي استعرضتها الوكالة وضعوا تكلفة المعيشة في مقدمة اهتماماتهم. ويمنح ذلك الديمقراطيين فرصة لربط ارتفاع النفقات بأداء الإدارة، بينما يدافع الجمهوريون عن سياساتهم الاقتصادية ويطرحون رؤيتهم للنمو والضرائب.

وتأتي الهجرة في قلب الاستقطاب الحزبي أيضًا. فالجمهوريون يقدمون تشديد الرقابة على الحدود والترحيل بوصفهما استجابة لمطالب أمنية وسيادية، بينما ينتقد الديمقراطيون جوانب من نهج الإدارة، بما فيها آثاره الإنسانية والقانونية.

وتبرز كذلك قضايا الرعاية الصحية والحقوق المدنية والإجهاض وحدود السلطة التنفيذية. أما السياسة الخارجية، بما فيها الحرب على إيران والدعم الأمريكي لإسرائيل والحرب في غزة، فتؤثر في قطاعات من الناخبين، وإن تفاوت وزنها من ولاية إلى أخرى ومن دائرة إلى أخرى.

والعامل الحاسم هو قدرة كل حزب على تحويل هذه القضايا إلى مشاركة فعلية في التصويت؛ فقد لا تكفي أفضلية مرشح في استطلاعات الرأي إذا عجز أنصاره عن الوصول إلى صناديق الاقتراع بأعداد كافية.

السؤال الخامس: أي الحزبين أقرب إلى الفوز، وما الولايات والدوائر التي تستحق المتابعة؟

تمنح المؤشرات السابقة للاقتراع الديمقراطيين فرصة قوية لاستعادة مجلس النواب، بينما تبدو معركتهم في مجلس الشيوخ أكثر تعقيدًا. وأظهر متعقب الانتخابات لدى شبكة CBS أن الديمقراطيين يتقدمون في عدد من الدوائر المتأرجحة، مع بقاء مجموعة من المقاعد التي يمكن أن تذهب إلى أي من الحزبين. كما أشار تحليل رويترز إلى أن الجمهوريين يواجهون مخاطر في مجلس النواب، رغم استفادتهم من تعديلات في خرائط بعض الدوائر.

في مجلس النواب، ستتجه الأنظار إلى الدوائر التي انتُخبت فيها أغلبية جمهورية ضيقة، وإلى المناطق التي يمكن أن يتغير فيها سلوك الناخبين بسبب الاقتصاد أو أداء ترامب. أما في مجلس الشيوخ، فستكون المنافسة في الولايات المتأرجحة حاسمة؛ ومن أبرزها ميشيغان، حيث يخوض الديمقراطي عبد السيد مواجهة مع الجمهوري مايك روجرز على مقعد مفتوح.

وفي ميشيغان تحديدًا، أشارت تغطية CBS المنشورة في 29 أكتوبر إلى تقدم عبد الرحمن السيد في استطلاع محلي بفارق سبع نقاط، فيما وصفت التغطيات الأخرى السباق بأنه متقارب ومهم لتحديد السيطرة على مجلس الشيوخ. وينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها لقطة استطلاعية في وقت محدد، لا نتيجة مضمونة؛ فالاستطلاعات تقيس اتجاهات الناخبين ولا تحسم الانتخابات.

السؤال السادس: ماذا يحدث إذا استعاد الديمقراطيون أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما؟ وإلى أي حد يستطيع الكونغرس تقييد ترامب؟

تتوقف الإجابة على المجلس الذي ينتقل إلى سيطرة الديمقراطيين، وعلى حجم الأغلبية الجديدة.

- إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب: يصبحون قادرين على تولي رئاسة لجانه، وتوسيع التحقيقات في أداء الإدارة، واستدعاء المسؤولين وفق الإجراءات المعمول بها، وتعطيل تشريعات جمهورية لا تحظى بدعمهم. كما يمكنهم استخدام صلاحيات المجلس في الموازنة والرقابة وبدء إجراءات العزل، وإن كان العزل لا يؤدي وحده إلى إقصاء الرئيس.

- إذا استعادوا مجلس الشيوخ: يتغير ميزان القوى في مناقشة التشريعات، والتصديق على التعيينات الرئاسية، والنظر في المعاهدات. وتزداد أهمية ذلك في ما يتعلق بتعيينات القضاء والمسؤولين الذين يحتاجون إلى موافقة المجلس.

- إذا سيطروا على المجلسين: يواجه ترامب خصمًا برلمانيًا قادرًا على تعطيل أجزاء كبيرة من برنامجه التشريعي، وفرض رقابة أوسع على إدارته، وفتح مسارات تفاوض صعبة بشأن الإنفاق والموازنة.

لكن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني أنهم يستطيعون إلغاء كل قرار رئاسي. فالرئيس يمتلك صلاحيات تنفيذية، ويستطيع استخدام حق النقض ضد التشريعات، بينما يتطلب تجاوز هذا النقض أغلبية الثلثين في كل من المجلسين. وتختلف قدرة الكونغرس على التأثير في الرسوم الجمركية والهجرة والسياسة الخارجية بحسب الأساس القانوني الذي تستند إليه الإدارة، وطبيعة الإجراء، وما إذا كان يحتاج إلى تشريع أو تمويل جديد.

وهنا تكمن أهمية الانتخابات: إنها تعيد رسم حدود القوة السياسية، وتحدد مقدار الرقابة والمساءلة التي يواجهها البيت الأبيض، لكنها لا تلغي التوازن الدستوري بين السلطات ولا تضمن انتهاء الخلافات بمجرد تغير الأغلبية.

السؤال السابع: كيف ستؤثر نتيجة الانتخابات في السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا في الشرق الأوسط؟

لن تتغير السياسة الخارجية الأمريكية آليًا بمجرد تبدل الأغلبية في الكونغرس؛ فالرئيس يحتفظ بدور مركزي في إدارة العلاقات الدبلوماسية وتوجيه السياسة التنفيذية والعسكرية. لكن الكونغرس يملك أدوات مهمة للتأثير في التمويل والمساعدات والرقابة على الإدارة، كما يستطيع أعضاؤه الضغط السياسي والإعلامي من خلال جلسات الاستماع والتحقيقات والتشريعات.

 

وفي الشرق الأوسط، ستتركز الأنظار على الدعم الأمريكي لإسرائيل، والحرب في غزة، والعلاقة مع إيران، ومبيعات السلاح، والإنفاق العسكري. وقد يمنح صعود الديمقراطيين في الكونغرس مساحة أكبر للأعضاء الذين يطالبون بفرض شروط على المساعدات العسكرية أو بمراجعة السياسة الأمريكية تجاه الحرب، لكنه لا يعني بالضرورة نشوء أغلبية متفقة على تلك المطالب؛ فالحزب الديمقراطي نفسه يضم اتجاهات متعددة بشأن الكيان الصهيوني والأمن الإقليمي.

وتكشف استطلاعات الناخبين المسلمين الأمريكيين عن أهمية خاصة لقضايا غزة والسياسة الخارجية داخل هذه الشريحة من الناخبين. ففي استطلاع أعلن عنه مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) في 28 أكتوبر 2026، قال 89% من المستجيبين المسلمين إن موقف المرشح من غزة مهم جدًا أو بالغ الأهمية بالنسبة إلى تصويتهم. وهذه النتيجة تخص عينة الاستطلاع المذكور، ولا يجوز تعميمها على جميع الأمريكيين أو حتى على جميع المسلمين دون تمييز.

والأثر الأوسع للانتخابات يتمثل في مقدار المساحة التي سيحصل عليها المعترضون على السياسات الحالية داخل المؤسسات الأمريكية، وفي مدى قدرتهم على تحويل الاعتراض إلى قرارات تمويلية وتشريعية ورقابية.

السؤال الثامن: هل ستكون انتخابات 2026 بداية تراجع نفوذ ترامب، أم فرصة لإعادة ترتيب الحزب الجمهوري؟

إذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، فسيواجه ترامب مرحلة أكثر صعوبة في تمرير برنامجه، وسيصبح خصومه داخل الحزب نفسه أكثر استعدادًا لمراجعة بعض خياراته. وقد يستخدم الديمقراطيون الأغلبية الجديدة لفتح تحقيقات في أداء الإدارة، بما يرفع كلفة القرارات السياسية ويجعل النصف الثاني من الولاية أكثر صدامًا.

لكن خسارة الانتخابات النصفية لا تعني تلقائيًا نهاية نفوذ الرئيس. فقد احتفظ رؤساء أمريكيون بنفوذهم داخل أحزابهم حتى بعد خسارة مقاعد في الكونغرس، كما أن القاعدة الانتخابية المؤيدة لترامب قد تظل عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الجمهوريين والمرشحين الذين يسعون إلى تمثيل الحزب في الانتخابات التالية.

أما إذا احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم، فسيحصل ترامب على دفعة سياسية تعزز روايته بأن سياساته تحظى بتأييد الناخبين، وإن كانت النتيجة ستظل مرتبطة بهوامش الفوز وطبيعة المقاعد التي احتفظ بها الحزب.

لذلك ينبغي قراءة النتيجة من خلال ثلاثة مؤشرات: حجم الخسارة أو المكسب في المقاعد، وأداء المرشحين الذين تبنوا سياسات ترامب بوضوح، ومدى استمرار قدرة الرئيس على توحيد الجمهوريين خلفه. وقد تكون خسارة محدودة في المقاعد ذات دلالة مختلفة تمامًا عن خسارة واسعة تكشف عن تآكل القاعدة الانتخابية للحزب.

السؤال التاسع: هل تكشف الانتخابات أزمة في النظام السياسي الأمريكي أم قدرة النظام على تجديد توازنه؟

تعكس الانتخابات الأمريكية تنافسًا حادًا على السلطة، في ظل استقطاب حزبي واجتماعي واسع، وتراجع الثقة في المؤسسات، وصراعات بشأن حدود صلاحيات الرئيس ودور القضاء والكونغرس. وقد تحولت الانتخابات في كثير من الدوائر إلى مواجهة تتجاوز البرامج المحلية، لتصبح اختبارًا للهوية السياسية والانتماء الحزبي وموقف الناخب من مستقبل البلاد.

 

ومع ذلك، فإن انتقال السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس عبر الانتخابات يظل إحدى الآليات التي صُمم النظام الأمريكي لتوفيرها: يستطيع الناخبون تغيير موازين القوة من دون تغيير الرئيس نفسه. وتتيح هذه الآلية قدرًا من الرقابة المتبادلة، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى الجمود التشريعي إذا عجزت الأطراف عن التوصل إلى تسويات.

ويبرز التحدي الأعمق عندما تتحول المؤسسات إلى ساحات صراع دائم، ويصبح تعطيل الطرف الآخر هدفًا يتقدم على معالجة المشكلات العامة. فالانتخابات تستطيع تغيير ممثلي الشعب، لكنها لا تضمن وحدها تجاوز الاستقطاب أو استعادة الثقة.

السؤال العاشر: من أبرز المرشحين المسلمين في انتخابات الكونغرس الأمريكي لعام 2026، وما أهمية مشاركتهم السياسية؟

تشهد انتخابات 2026 حضورًا لافتًا لمرشحين مسلمين في السباق إلى الكونغرس، في تطور يعكس اتساع المشاركة السياسية للمسلمين الأمريكيين، وتنوع اتجاهاتهم الحزبية والفكرية. ووفق حصر نشرته Muslim Network TV في 20 أكتوبر 2026، يوجد 11 مرشحًا مسلمًا للكونغرس: مرشح واحد لمجلس الشيوخ وعشرة لمجلس النواب. بعضهم مستقل ومعظمهم مرشحون على قوائم الحزب الديمقراطي بينما يوجد مسلم واحد مرشح عن الحزب الجمهوري، وهذا حصر صحفي أعده المصدر بالرجوع إلى قوائم المرشحين وأدلة التصويت الصادرة عن منظمات مدنية، وليس إحصاءً حكوميًا رسميًا.

أبرز المرشحين المسلمين

·                    عبد السيد (Abdul El-Sayed) — ميشيغان الحزب الديمقراطي - مرشح مجلس الشيوخ

طبيب ومتخصص في الصحة العامة من أصول مصرية، فاز بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ميشيغان في أغسطس 2026، ويواجه الجمهوري مايك روجرز في انتخابات نوفمبر. وإذا فاز، فسيصبح أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي. وقد احتلت قضايا غزة والمساعدات العسكرية لإسرائيل موقعًا في النقاش السياسي المحيط بسباقه.

·                    إلهان عمر (Ilhan Omar) — مينيسوتا، الدائرة الخامسة - ديمقراطية | عضوة حالية مجلس النواب

من أبرز الوجوه المسلمة في الكونغرس، وفازت بالانتخابات التمهيدية لحزبها في أغسطس، وتخوض الانتخابات للاحتفاظ بمقعدها.

رشيدة طليب (Rashida Tlaib) — ميشيغان، الدائرة الثانية عشرة ديمقراطية | عضوة حالية مجلس النواب

نائبة أمريكية من أصول فلسطينية، ويأتي حضورها ضمن مجموعة من المشرعين الذين يتناولون قضايا فلسطين والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل في النقاشات داخل الكونغرس.

·                    أندريه كارسون (André Carson) — إنديانا، الدائرة السابعة ديمقراطي | عضو حالي مجلس النواب

من المشرعين المسلمين الذين يسعون إلى الاحتفاظ بمقاعدهم، وهو من الأسماء الراسخة في التمثيل السياسي للمسلمين الأمريكيين.

·                    لطيفة سيمون (Lateefah Simon) — كاليفورنيا، الدائرة الثانية عشرة ديمقراطية – مجلس النواب

 

من المرشحات المسلمات الواردة في حصر المرشحين للكونغرس، وتحظى بدعم من منظمات مدنية انتخابية معنية بالمشاركة السياسية للمسلمين.

·                    عائشة وهاب (Aisha Wahab) — كاليفورنيا، الدائرة الرابعة عشرة ديمقراطية – مجلس النواب

من المرشحات الواردة في القائمة المنشورة، وتحظى بدعم منظمة CAIR Action وفق الحصر نفسه.

·                    آدم حمّاوي (Adam Hamawy) — نيوجيرسي، الدائرة الثانية عشرة ديمقراطي مجلس النواب

جرّاح تجميل وطبيب سابق في الجيش الأمريكي، فاز بالترشيح الديمقراطي في يونيو. وإذا فاز في الانتخابات العامة، فسيصبح أول مسلم يمثل ولاية نيوجيرسي في الكونغرس الأمريكي.

·                    داريا ليزا أفيلا شوفالييه (Darializa Avila Chevalier) — نيويورك، الدائرة الثالثة عشرة ديمقراطية مجلس النواب

من المرشحين الذين أدرجهم الحصر الصحفي ضمن المتنافسين المسلمين على مقاعد مجلس النواب.

·                    زهدي جاسر (Zuhdi Jasser) — أريزونا، الدائرة الرابعة – جمهوري مجلس النواب

يبرز ترشحه في القائمة بوصفه مثالًا على أن المرشحين المسلمين لا ينتمون إلى معسكر حزبي واحد؛ فهو يخوض السباق بصفته جمهوريًا. وهو المسلم الوحيد الذي رشحه الحزب الجمهوري

·                    أحسن مجيب مالك (Ahsen Mujeeb Malik) — فرجينيا، الدائرة العاشرة مستقل - مجلس النواب

مرشح مستقل ضمن الأسماء التي أدرجها الحصر المنشور للمرشحين المسلمين إلى مجلس النواب.

·                    آلاها أحرار (Alaha Ahrar) — فرجينيا، الدائرة السابعة مستقلة مجلس النواب

مرشحة مستقلة أخرى ضمن القائمة، بما يوسع التنوع الحزبي والسياسي في تمثيل المسلمين الأمريكيين.

ويمكن قراءة مشاركة تلك الشخصيات المسلمة في إطار حرص المسلمين الأمريكية على الانخراط في المجال السياسي العام في الولايات المتحدة والسعي للاندماج في النخب السياسية، في ظل مناخ سياسي يسمح بوجود اللوبيات ويتيح لها التعبير عن آرائها وتوجهاتها السياسية.

الملاحظة الهامة هنا أن معظم المرشحين أتوا على قوائم الحزب الديمقراطي بينما لم يأت على قوائم الحزب الجمهوري إلا مسلم واحد.

الأمر الأخير أن ثمة سجال بشأن الهوية الدينية للمرشحين المسلمين. ففي سباق ميشيغان، واجه عبد الرحمن السيد اتهامات بوجود صلات له بجماعة الإخوان المسلمين، لكنه نفى تلك الصلات، ولم تُقدَّم أدلة تثبت الاتهامات بحسب تغطية واشنطن بوست المنشورة في 23 أكتوبر. وتكشف هذه الواقعة كيف يمكن أن تتحول الهوية الدينية إلى محور انتخابي، بما يتجاوز في بعض الأحيان مناقشة البرامج والقضايا العامة. وهذا ربما ملحظ خاص بالمرشحين المسلمين فقط إذ تتنوع الخلفية الدينية للمرشحين للكونغرس بمجلسيه سواء يهود أو مسيحيين أو حتى هندوس لكن تبقى هوية المرشحين المسلمين وحدها هي مجال للنقاش والطعن.

 

مصادر للمزيد من المعلومات والمتابعة

- رويترز — 23 أكتوبر 2026: شرح انتخابات التجديد النصفي، والقضايا التي تشغل الناخبين، وموازين القوى بين الحزبين. Midterms: Your questions, answered

- CBS News — متابعة انتخابات 2026: خريطة الدوائر المتأرجحة وتقديرات المنافسة في مجلسي الكونغرس. 2026 Midterm Elections

- Muslim Network TV — 20 أكتوبر 2026: حصر المرشحين المسلمين للكونغرس والولايات والمناصب المحلية، مع الأسماء والدوائر والانتماءات الحزبية. Muslim Americans seek historic gains in US midterms

- Muslim Network TV — 13 أغسطس 2026: فوز عبد السيد بالترشيح الديمقراطي في ميشيغان وتقدم عدد من المرشحين المسلمين إلى الانتخابات العامة. A record Muslim slate advances toward the US midterms

- CAIR — 28 أكتوبر 2026: نتائج استطلاع عن أولويات الناخبين المسلمين ومواقفهم من غزة والاقتصاد والحقوق المدنية. CAIR 2026 Midterm Survey

- واشنطن بوست — 23 أكتوبر 2026: فحص الاتهامات المتعلقة بعبد السيد في سباق مجلس الشيوخ بميشيغان. Examining the Muslim Brotherhood claims in Michigan’s Senate race



نتيجة الانتخابات: نتنياهو هو إسرائيل

نتيجة الانتخابات: نتنياهو هو إسرائيل

وائل قنديل


مهما اختلفت الأرقام وتباينت أعداد المقاعد والكتل، ومهما كان اسم المكلف بتشكيل حكومة الاحتلال، النتيجة النهائية لانتخابات الكنيست الصهيوني أنّ نتنياهو هو إسرائيل وإسرائيل هي نتانياهو، فليس ثمّة اختلافات جوهرية بين برنامجي المتنافسين الرئيسيين، فكلاهما يريدان أن يثبتا للناخبين أنه يمتلك القدرة على استكمال مشروع نتانياهو، والذي هو مشروع إسرائيل كلها، والقائم على إلغاء الوجود الفلسطيني. لا يحمل كلا المتنافسيْن احتراماً للقائمتين العربيتين اللتين حصدتا 19 مقعداً في انتخابات المحتل، وكلاهما يكرها الصوت العربي، وإن اضطر لاستعماله في مضاعفة حظوظه في رئاسة الحكومة، وكلاهما لا يحيدان عن ثوابت صهيونية تتعلق بيهودية الدولة وتهويد القدس المحتلة، كاملة، والاستمرار والتوسع في الاستيطان علي الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بل وأيضاً في غزّة التي تشارك الخصمان اللدودان في تدميرها وإبادة شعبها.

بني نتانياهو برنامجه علي نقطة وحيدة:



الحفاظ علي الحلم الصهيوني بإسرائيل المهيمنة علي الشرق الأوسط كله، وردّ أيزنكوت ببرنامجٍ حاول فيه إقناع الإسرائيليين بأنه أكثر حرصاً وأكبر قدرةً على تحقيق الهدف نفسه. 
باختصار"أنا نتنياهو أكثر من بنيامين نتنياهو نفسه"، أو إنه نتنياهو الشاب بديلاً لنتنياهو العجوز المستهلك والمنهك من الملاحقات الدولية. 
وعلى مستوى عرب الداخل الممسكين ب19 مقعداً، يعلن كلا المتنافسين أنه يرفض التحالف مع القائمتين العربيتين لتشكيل الحكومة، لكنه فقط يرغب في أن تكون هذه المقاعد مانعاً يحول بين منافسه والفوز برئاسة الحكومة التي ستواصل المشروع .

على ضوء ما سبق، يصبح مثيراً للأسى الفرح العربي بهزيمة نتنياهو العجوز أمام نتنياهو الأكثر حيوية، مع الأخذ في الحسبان أن الليكودي لم يخسر، بل جاء متقدّماً على منافسه، متقدّماً بشخصه وبمشروعه المعبر عن إسرائيل الحقيقية، وهو ما يجعل تلك الاحتفالات المبكّرة بسقوط نتنياهو نوعاً من التعلق بأوهام، تشبه التي راجت مع جريمة الإبادة الجماعية في غزّة، والتي كانت تظن أن جمهور الكيان الصهيوني ضاق برئيس حكومته النازي المتوحش، وتتعلق بطفولةٍ ليست بريئة بتظاهرات المعارضة وعائلات الأسري الصهاينة التي تطالب بإزاحته، وكأن المشكلة في شخص بنيامين نتنياهو أو في حكومته اليمينية المتطرّفة المتحالفة مع الصهيونية الدينية ممثلة في المجرمين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بل تفاقم الوهم إلى ما هو أبعد، حين ظنّ نفر من العرب أن المشكلة في هذين الوزيرين، وليست في الحكومة الإسرائيلية نفسها. 
وهكذا مضت الأوهام تتكاثر وتتوالد حتى بات الخطاب الرسمي العربي ينتقد نتنياهو "الشرّير" الذي بات يمثل خطرًاً علي فرص التعايش والتعاون مع إسرائيل "الطيبة".

المعلوم من الواقع بالضرورة أن ثمة إجماعاً بين مكوّنات المجتمع الإسرائيلي، يمينه ويساره، سفارديم وأشكيناز، صهاينة متديّنين وصهاينة علمانيين، على حتمية استمرار السيطرة على غزّة، ومد المستوطنات إليها، ورفض إقامة الدولة الفلسطينية، واجتثاث المقاومة الفلسطينية من جذورها، وضمان ألا يبقى فلسطيني واحد محتفظاً بحلم تحرير وطنه. لا يختلف نتنياهو في ذلك كله عن خصومه أيزنكوت وليبيد وبينيت. ولذلك أكرّر أن نتنياهو هو التعبير الأمثل والتعريف الجامع المانع لأن يكون الشخص صهيونيّاً، كونه يجسّد بوضوح أهداف (وتطلعات) الكيان كله، بمختلف درجات ألوانه، فالحاصل أن مجتمع الكيان كله ينظّم علاقته بالشعب الفلسطيني على قاعدة 
"نحن أو هم"، وهي العبارة التي تسمعها على لسان العسكريين والسياسيين والحاخامات قبل "طوفان الأقصى" وبعده. 
وبالتالي كلهم نتنياهو، أو مجموعة صور منه، قد تتباين في ألوانها وأحجامها وزوايا التقاطها، غير أن الأصل يبقى واحداً.

هل تتبع شغفك أم تتبع رغبة السوق ..!؟

 هل تتبع شغفك أم تتبع رغبة السوق ..!؟


أحمد عبد الرحمن العرفج

🔴هل تتبع شغفك أم تتبع رغبة السوق ..!؟

انتشرت مقولة «اتبع شغفك» حتى صارت وصفةً لكل حائر، كأن الحياة تنتظر أن نعرف ما نحب لتفتح لنا أبواب الرزق! لكن قبل أن تسأل: ماذا أحب؟ اسأل: ماذا أُحسن؟ ومن يحتاج ما أُحسن؟ فقد تحب شيئًا لا تجيده، وقد تجيده ولا تجد من يشتريه.

يا قوم، إن الشغف متحرك وليس ثابتًا؛ والدليل أنني في الابتدائية تمنيت العمل في مطعم مُطَبَّق حتى أشبع مُطَبَّقًا، ثم في المتوسطة والثانوية قيادة سيارة خط تنقل الركاب من المدينة إلى جدة مرورًا بمحافظة ينبع، ثم التعليم والعسكرية والكتابة والشعر؛ والآن يكفيني أن أكون إنسانًا! فلو اتبعت كل رغبة لاحتجت إلى أعمار متعددة.

قد نحب صورة المهنة أكثر من حقيقتها؛ فمن يحب القهوة قد لا يحب إدارة مقهى. وفي بحث نشره بول أوكيف وكارول دويك وغريغوري والتون عام ٢٠١٨، عبر خمس دراسات، ارتبط الاعتقاد بثبات الاهتمامات بتوقع دافع لا ينفد وصعوبات أقل، ثم تراجع الاهتمام أكثر لدى أصحاب هذا التصور عند الصعوبة؛ فالشغف قد ينمو بالممارسة، ولا يلزم أن يسبقهـا.

والناس حين يتعاملون مع الشغف ينقسمون إلى أربعة أقسام:

أولًا: المندفع، يتبع ما يحب دون أن يختبر قدرته أو حاجة السوق، فيفتح محلًا لهوايته، ثم يكتشف أن الإعجاب لا يتحول بالضرورة إلى قوت.

ثانيًا: الزارع، يبدأ بعمل عادي، ثم يتقنه ويرى أثره، فينمو الشغف مع الممارسة.

ثالثًا: المحظوظ، يجتمع له الرزق والشغف؛ وتلك نعمة.

رابعًا: الموازن، يعمل لقوت يومه، ويترك لشغفه مساحة خارج وظيفته، فلا يحمّل هوايته فواتير العيش.

أما اشتراط المتعة في كل عمل ففيه شيء من منطق الطفولة. نبدأ مع الطفل بقصص مسلية، ثم نوسّع قراءاته إلى ما ينفعه، ولو احتاج إلى جهد.

 وهنا تطل نظرية «تدليع المتلقي»: برأسها لإقناعه بأن الطريق الصحيح لا بد وأن يوافق مزاجه دائمًا و بدون مشقة ، مع أن المشقة قد تكون ثمن التعلم.

وقد أدرك أسلافنا الفرق بين متطلبات السوق ورغبات الشغف؛ فتولّى ابن خلدون القضاء وكتب «المقدمة»، ومارس ابن رشد الطب والقضاء وألّف في الفلسفة. ومن يقرأ كتاب «مهن الفقهاء» يجد شواهد على الجمع بين كسب العيش وتلبية الشغف. وفي عصرنا، عمل نجيب محفوظ موظفًا حكوميًا نهارًا، وكتب الأدب مساءً.

وعلى هذا النهج، يعمل الإنسان الواعي صباحًا لكسب عيشه، ويترك لشغفه وقتًا بعد العصر، دون أن يشترط أن تكون هوايته مصدر رزقه.

حسنًا، ماذا بقي؟

بقي القول: يا طالب المستقبل، قد يكون شغفك جمع عملات أموية وعباسية وفرعونية، لكن هذا الشغف وحده لا يجلب لك الخبز؛ فلو ذهبت بها إلى البقال فقد يُعجب بعملاتك، لكنه لن يقبلها ثمنًا؛ إنه يريد ريالًا سعوديًا قابلًا للتداول ..!


اتبع شغفك
سوق العمل
الشغف والرزق
الكفاءة والمهارة
الموازنة بين العمل والهواية
نظرية تدليع المتلقي
نجيب محفوظ
ابن خلدون

د. أشرف دوابه يكتب: إلى أين تذهبين يا مصر؟

د. أشرف دوابه يكتب: إلى أين تذهبين يا

 مصر؟

أكاديمي وكاتب مصري 
متخصص في الاقتصاد الإسلامي والتمويل

ثلاثة مشاهد مؤلمة تثير القلق على حاضر مصر ومستقبلها، وتكشف حجم الخلل في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.

أولا: الاستثمار تحت سيف السلطة

الحوار الذي دار بين الرئيس المصري ورجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، بشأن تخصيص نسبة من الوحدات السكنية للخدمة الاجتماعية، يحمل رسالة بالغة السلبية للمستثمرين في الداخل والخارج.

فبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع رجل الأعمال، فإن مطالبته بهذه الصورة أمام رأس السلطة تضعه في موقف يصعب معه الرفض، وكأنه مغلوب على أمره. والدولة لديها قوانين وضرائب ورسوم وتأمينات والتزامات تسري على الجميع، فلماذا لا تكون العلاقة مع المستثمر محكومة بالقانون وحده؟

وإذا كان المقصود إظهار الحرص على المجتمع وخدمة الفقراء، فإن النتيجة قد تكون عكس ذلك تماما؛ فالاستثمار لا ينمو تحت سيف السلطة، والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بإشعار المستثمرين بأن نجاحهم وتوسع أعمالهم قد يعرضانهم لضغوط استثنائية.

إنها رسالة سلبية للمستثمر الأجنبي الذي يفكر في دخول السوق المصرية، ورسالة أشد خطورة للمستثمر بالداخل بأن عليه، كلما كبرت أعماله، أن يفكر في الخروج بأمواله إلى بيئة أكثر أمنا واستقرارا. وهكذا، ما يظنه البعض خدمة للمجتمع قد يتحول إلى إضرار بالاقتصاد والمجتمع معا.

ثانيا: المؤسسة الدينية وإفساد العقيدة
ومن أخطر ما تشهده مصر اليوم ذلك التحول المقلق في دور المؤسسة الدينية الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف، من تبصير الناس بأمور دينهم وتصحيح عقائدهم إلى عمل اتفاقيات مع الجفري، وتبني الموالد والمشاركة فيها، ومنها مولد السيد البدوي، وما يرتبط بهذه الموالد من بدع وخرافات وممارسات تمس أصل التوحيد، كالاستغاثة بالأموات وطلب المدد منهم.
فبدلا من أن تقوم المؤسسة الدينية بواجبها في محاربة البدع وتصحيح المفاهيم، أصبحت، في تقديري، تسهم في إضفاء الشرعية على ممارسات تفسد عقيدة الناس، وهذه مصيبة أعظم من مجرد السكوت عنها.
والأشد إيلاما أن تنشغل المؤسسات الدينية بتصفية حسابات سياسية مع الحركات الإسلامية، سعيا إلى إرضاء السلطة، بينما تتراجع رسالتها الأصلية في حماية العقيدة ونشر صحيح الدين.
فإذا كانت المؤسسة التي يفترض أن تحمي عقيدة الأمة تشارك في ممارسات تناقضها، فمن الذي يبصر الناس بدينهم؟ ومن الذي يحمي الأجيال القادمة من الانحراف العقدي؟
إن الخلافات السياسية تزول، والسلطات تتغير، أما العبث بعقيدة الأمة وهويتها فآثاره تمتد إلى أجيال وأجيال.
ثالثا: انقلاب موازين القيم
ومن المؤسف أن يتصدر بعض أهل الفن الهابط والشهرة مشهد التكريم والاحتفاء، وأن تقدم نماذج تجاهر بما يناقض قيم المجتمع وأخلاقه وكأنها رموزه وقدوته، بينما يتراجع العلماء والمفكرون وأصحاب الإنجازات الحقيقية إلى الظل.
وليست القضية في الفن ذاته، وإنما في الانحراف به، واختلال معايير التقدير، حتى أصبحت الشهرة مقدمة على العلم، والمظاهر مقدمة على الجوهر، والقدوات الزائفة مقدمة على أصحاب الرسالة والفضل.
فأي مستقبل ينتظر مجتمعا تتراجع فيه مكانة العلماء والمربين والمفكرين، بينما تتصدر مشهده نماذج لا تقدم لأجياله ما يبني عقلا أو ينهض بأمة؟
إن الأمم لا تنهض بإخضاع المستثمرين، ولا بإفساد عقيدة الناس، ولا بقلب موازين القيم، ولا بمنتديات يكلم فيها نفس الوجوه بعضهم بعضا، وإنما تنهض بالعدل وسيادة القانون، وصيانة الدين والهوية، وإعلاء شأن العلم والأخلاق.
أخشى أن تكون مصر اليوم لا تخسر استثماراتها فحسب، بل تخسر معها عقيدتها وهويتها وقيمها ومستقبل أجيالها.
فإلى أين تذهبين يا مصر؟ وإلى متى يستمر هذا العبث بمقدراتك وهويتك ومستقبلك؟