السبت، 20 يونيو 2026

أوقفوا "إسرائيل الكبرى" الآن لتحقيق السلام

أوقفوا "إسرائيل الكبرى" الآن لتحقيق السلام

جِيفري ساكس وسيبيل فارس
اقتصادي أمريكي بارز، ومدير معهد الأرض السابق في جامعة كولومبيا. كبيرة المستشارين لشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.



حمل هذا الأسبوع شيئا طالما حرِم منه غرب آسيا: بصيص أمل. ففي الرابع عشر من يونيو/حزيران، اتفقت الولايات المتحدة وإيران على إطار لإنهاء حربهما. ومن المقرر أن يعاد فتح مضيق هرمز، وأن يتوقف قصف لبنان، والأهم من سعر النفط، أن يتوقف القتل. فبعد أكثر من مئة يوم من حرب أودت بحياة الآلاف، بمن فيهم كبار قادة إيران، ودفعت الاقتصاد العالمي إلى حافة الهاوية، تبدو حتى الهدنة الهشة وكأنها أول خيوط الفجر.

لنرحب بهذه الهدنة، ولكن قبل ذلك لا بد أن نفهمها أيضا. ولكي ندرك لماذا اندلعت هذه الحرب، وسلسلة الحروب التي سبقتها، علينا أن نسمي سببها المشترك. وهذا السبب هو "إسرائيل الكبرى"، لا الدولة بل الفكرة، وهي فكرة مروعة. لقد كانت فكرة "إسرائيل الكبرى" سببا للحروب في العراق، وغزة، ولبنان، وسوريا، وإيران.

تقوم فكرة "إسرائيل الكبرى" على أن إسرائيل تملك بحق كل فلسطين- من النهر (الأردن) إلى البحر (المتوسط)- وكذلك أجزاء من الدول المجاورة. ووفقا للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، وهو بروتستانتي أصولي بوصلته الجيوسياسية نص توراتي يعود إلى عام 700 قبل الميلاد، فإن "إسرائيل الكبرى" تمتد من النيل إلى الفرات. وفي الصيف الماضي، أعلن بنيامين نتنياهو تعلقه "الشديد" برؤية لـ"إسرائيل الكبرى" تضم، على حد قوله، الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية المجاورة.

لهذه العقيدة العبثية والخطيرة أبوان. الأول هم المتشددون العلمانيون من أمثال نتنياهو، الذين يقولون إن إسرائيل يجب أن تسيطر على كل الأرض من النهر إلى البحر لتكون آمنة، وليذهب إلى الجحيم الثمانية ملايين فلسطيني الذين يقفون في الطريق. والثاني هو عقيدة التفوق اليهودي لدى بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، القائلة إن الله وهب الأرض لليهود وحدهم: فـعلى حد قول سموتريتش، "لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني".

إعلان

وحين سئل مؤخرا عن كيفية رد إسرائيل على انهيار مكانتها العالمية، تعهد سموتريتش بأنها لن تتخلى عن السيطرة العسكرية على الضفة الغربية أو غزة، أو لبنان، أو الجولان: "لن ننتحر لإرضائهم". إن "إسرائيل الكبرى" هي جنون الارتياب وجنون العظمة والتعصب الديني، مضفورة في برنامج واحد.

كان ينبغي نبذ هذه العقيدة منذ أول ظهور لها قبل عقود. لكنها بدلا من ذلك وجهت العقيدة الخارجية والعسكرية لإسرائيل طوال ثلاثة عقود- وبقيت حتى اليوم؛ لأن نتنياهو خدع الولايات المتحدة. وقد فعل ذلك بالاعتماد على شريحتين أمريكيتين، هما: الصهاينة اليهود الذين يحبون إسرائيل وسيغفرون لها أي شيء، والصهاينة المسيحيون الذين يحبون نبوءة آخر الزمان والمجيء الثاني للمسيح أكثر مما يحبون أي فلسطيني حي، أو في واقع الأمر أي إسرائيلي حي. وقاد الوهم إلى وهم آخر، وامتد الطريق من حرب إلى التي تليها. لقد بلغنا الآن العام الثلاثين من هذا الإخفاق الذريع.

على العالم العربي وإيران أن يقولا للولايات المتحدة الحقيقة الصارخة في هذه اللحظة بالذات: إن القطيعة مع "إسرائيل الكبرى" هي الطريق الوحيد إلى سلام دائم

لم تكن الحرب على إيران سوى أحدث أوهام "إسرائيل الكبرى". فقد كان من المفترض أن تسقط حكومة تسعين مليون نسمة في يوم واحد مجيد. وبالطبع، لم يحدث ذلك. لقد قتلت القنابل الإسرائيلية والأمريكية قادة إيران في 28 فبراير/شباط، لكن القنابل لم تحقق الانهيار الموعود، بل لم تخلف إلا آلاف القتلى، ومضيق هرمز مخنوقا، وصدمة نفطية عالمية.

لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل. فالخطة الإسرائيلية-الأمريكية لإسقاط الأسد في سوريا كان يفترض أيضا أن تكون سريعة، في سنة أو سنتين على الأكثر. لكن ما جاء بدلا من ذلك كان 12 عاما من المجازر، غذتها حرب سرية سلحتها ومولتها وكالة المخابرات المركزية بدعم إسرائيلي متحمس، وبلدا عريقا تحول إلى أنقاض. إن انتصارات اليوم الواحد الموعودة تتحول دائما إلى مقابر تمتد لعقود.

لقد تلقى الرئيس ترمب الضربات جراء انضمامه إلى وهم "إسرائيل الكبرى"، وهو يدرك ذلك. والاتفاق الجديد مع إيران هو صمام نجاته، ومخرجه من حرب حمقاء لم يكن قادرا على كسبها يوما. وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعل ساسة "إسرائيل الكبرى" يحاولون خنق الاتفاق الجديد في مهده؛ لأن السلام مع إيران هزيمة لـ"إسرائيل الكبرى". وحتى بينما كان الاتفاق يبرم، واصلت إسرائيل قصف بيروت، وهو ما قال ترمب نفسه علنا إنه "ما كان ينبغي أن يحدث".

وهنا تكمن الحقيقة الأعمق: إن "إسرائيل الكبرى" لا تنقذ إسرائيل، بل تقتلها. فالاحتكاك الظاهر الآن بين ترمب ونتنياهو ليس سوى السطح. أما تحته فيكمن انهيار مكانة إسرائيل في أنحاء العالم. ووفقا لـاستطلاع رأي حديث أجراه مركز "بيو"، باتت نظرة العالم إلى إسرائيل سلبية إلى حد بعيد.

وفي الولايات المتحدة، راعية إسرائيل التي لا غنى عنها، ينظر ستة من كل عشرة بالغين إلى إسرائيل نظرة سلبية. والدولة التي تجعل العالم يكرهها، ويكرهها حاميها الوحيد، لا تسعى إلى الأمن، بل تهدد بقاءها ذاته لتغذية وهم.

إعلان

ولذلك، فإن الطريق إلى السلام في غرب آسيا هو إيقاف "إسرائيل الكبرى". أنهوا الحرب على إيران، وأنهوا الإبادة الجماعية في غزة، وأوقفوا خنق الضفة الغربية. والأهم من ذلك كله، افعلوا ما تحرمه هذه العقيدة، أي إقامة دولة فلسطين بوصفها العضو الـ 194 في الأمم المتحدة إلى جانب دولة إسرائيل، على حدود عام 1967، مع أمن حقيقي للبلدين وإطار إقليمي يضمنه، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من لبنان، وسوريا.

ويقدم وقف إطلاق النار مع إيران نموذجا مصغرا للقضية: فقد تحقق لا في ساحة المعركة بل عبر الوساطة، في اللحظة التي قررت فيها واشنطن أنها تريد السلام أكثر مما تريد حرب "إسرائيل الكبرى".

بإمكان إسرائيل أن تبقى، لكن ليس بوصفها "إسرائيل الكبرى"، تلك الفكرة الكارثية التي ساقتها وساقت الولايات المتحدة من حرب إلى أخرى. إن بصيص الأمل هذا الأسبوع حقيقي. أما أن يصبح فجرا حقيقيا فيتوقف على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح أخيرا بولادة فلسطين، ومن ثم تترك إسرائيل تعيش. على العالم العربي وإيران أن يقولا للولايات المتحدة الحقيقة الصارخة في هذه اللحظة بالذات: إن القطيعة مع "إسرائيل الكبرى" هي الطريق الوحيد إلى سلام دائم.


ثقافة الجزائريين الأسرية

 ثقافة الجزائريين الأسرية 

أنور نصر الدين هدام 

أعلم انه ليس من ثقافتنا نحن الجزائريين الحديث عن زوجاتنا والاعتراف علانية بما يقدمن من تضحيات من أجل البيت والاسرة.. 
لكنني اعتقد انه من واجبي ذكر هنا تجربة زوجتي، كعينة من التجارب العديدة لأسر اللاجئين ومحنهم.. ولو بالاكتفاء بالإشارة إلى بعض ما قدَّمَتْهُ خاصة في بلاد اللجوء الاضطراري.. 
عكس الهجرة الطوعية، مغادرة البلاد لأسباب سياسية ليس نزهة او فسحة سياحية… دفع المواطنين إلى اللجوء جريمة نكراء…

هذه صورة التقطت بالأمس بضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن  خلال حفل تقاعد زوجتي، الركيزة الأساسية طيلة 48 سنة الماضية من حياتي، في السراء والضراء، بداية داخل وطننا الغالي الجزائر ثم في بلاد اللجوء الاضطراري والمنفى.

لا يقدّر قيمة هذه الصورة ومغزاها إلاّ من يثمن معاناة الذين واجهوا بكل حزم وعزة وكرامة إكراهات اللجوء الاضطراري التي ناذرا ما يتم الحديث عنها.. اللجوء السياسي الذي هو مختلف تماما عن الهجرة الاختيارية.

للتذكير، لقد تعذر علي في بلاد المنفى مواصلة مهنتي الأكاديمية (أستاذ فزياء جامعي) بسبب تابعات نشاطي السياسي ضد انقلاب يناير 1992 على خيار الشعب، من سجن ظلما وعدوانا لـ4 سنوات بسبب اتهامات مفبركة من قبل الانقلابيين.. وحتى بعد الخروج من السجن لغياب الأدلة، كانت الإقامة شبه جبرية ل 25 سنة رغم تبرئة القضاء الأمريكي ساحتي.

امام هذا الوضع الصعب، تحملت الزوجة الكريمة لوحدها مسئولية البيت.. بيت في بلاد المنفى بدون مدخول، 4 أطفال صغار آنذاك في سن التمدرس وزوج بدون مدخول، حيث كان إما بالسجن ظلما وعدوانا او في شبه إقامة جبرية.

أمام هذا الوضع، تحملت ام الذراري المسؤولية، أخذت بعض الدروس الجامعية في مجالها الطبي، حيث هي أصلا طبيبة تخرجت من جامعة الجزائر، ودخلت مجال الشغل في بلاد المنفى فواجهت لوحدها التحديات بكل شجاعة، كلاجئة في البداية، وكامرأة أجنبية، لم تكون متمكنة من اللغة في الأول، ومحجبة، وفوق ذلك كله كانت هناك مضايقات سلطات الهجرة الأمريكية بسببي. إلى أن أصبحت كما تظهر الصورة، a legend أسطورة بشهادة زملاؤها في الشغل نظير خدمتها المرضى بمهنية عالية وفناءها في عملها.

أسئل المولى عز وجل ان يحفظها وجميع الأمهات الجزائريات هنا فوق ارض الوطن وفي بلاد المنفى والمهجر.. 
اللهم رد كل لاجئ وأسرته إلى بلدهم معززين ومكرمين.

كل مُؤذٍ سوف يُؤذَى.. إنها الأيام

 كل مُؤذٍ سوف يُؤذَى.. إنها الأيام

يؤذيك مَن كنت تخشى عليه من الأذى، وتأتيك الطعنة

 الغادرة ممن لم تتوهمه يومًا طاعنًا أو غادرًا. 

لا تأمنن جانب أحد؛ فقد بسط ابن آدم عليه السلام يده

 ليقتل أخاه، وتآمر أخوة «يوسف» عليه وألقوَه في

 غياهب الجُب، وقد قالوا من قبل: 

{اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا}.. 

ويقول القرآن الكريم: 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا

 لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}..

فما بالكم بمن لا تربطه بكم روابط الدم وأواصر القربى؟

يجرى الأذى في عروق بعض المنتسبين إلى البشر 

مجرى الدم، ويظنون كل أذى يصنعونه، ومكر 

يمكرونه، وغدر يغدرونه، انتصارًا ساحقًا، تتباهى به 

نفوسهم الأمارة بالسوء والقبح والقيح والكراهية 

والجحود والنكران.. 

يحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم.

فيا أيها المؤذِي غيرَه.. اعلم أن كل مُؤذٍ سوف يؤذَى، 

وكل ساقٍ سوف يُسقى بما سقى، وكل ظالم سوف 

يُظلم، إن لم يكن بنفس الموقف، فسوف يكون بنفس 

الألم أو أكثر، وإن لم يكن اليوم فغدًا.

لا تتفاجأ إن كان مرضًا خطيرًا أو ابنًا عاقًا، أو فقرًا 

مدقعًا أو ذلاً ومهانة بين الخلق، أو أي شيء يرهقك 

معنويًا ويقهرك ماديًا. فقط تذكر ما فعلته مع الناس، وستعرف لماذا يحدث لك ذلك، إنها الأيام، والدنيا 

دوَّارة، سيعود إليك يومًا ما فعلته، سواء كان خيرًا أو 

شرًا، فأحسن صُنع ما تودُّ أن يعود إليك في الغد. 

واعلم -إن لم تكن تعلم- أنه لا فرح يدوم ولا حزن 

يستمر. واعلم -إن لم تكن تعلم- أن أفعالك سوف 

تزورك قريبًا فاستعد وجهز نفسك.

نعم.. ليست كل الأيادي التي نصافحها نظيفة، ولا كل 

الضمائر التي نتعامل مع أصحابها نقية، ولا كل 

القلوب التي نخاطب ذويها طاهرة، خذوا حذركم؛ 

فالدنيا أشبه بغابة موحشة، المجد فيها أصبح لذوي 

البطش والمكر والخديعة والأذى؛ حتى يتدخل الله 

بقدرته المطلقة، ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

الأذى والغدر وجهان لعملة واحدة، فكل غادر مُؤذٍ، 

وكل مُؤذٍ غادر، ولكل غادر لواء يوم القيامة يُرفع له 

بقدر غدره، فيقال: ألا هذه غدرة فلان، فالحقوق إن 

ضاعت بين البشر، فإنها لن تضيع عند رب البشر، 

بذا حكم الله وقضى، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن 

تجد لسنة الله تحويلاً.

وأنت.. مهما نالك من أذى، وأصابك من غدر، فاصبر

 واحتسب وتوكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو

 حسبُه، إن الله بالغ أمره، وإياك أن تواجه أذى بأذى

 أو غدرًا بغدر وإلا صرتَ مثلهم، ولكن حسبك أن 

تُحصِّن نفسك من الأذى والغدر، وإن وقعت في الفخ 

يومًا وغدوت فريسة لمُؤذٍ أو غادر على حين غفلة 

منك، فيكفيك يومئذ أن تستعيد حقك إن استطعت إلى 

ذلك سبيلاً، ولا يغبْ عن ذاكرتك أبدًا قول الله تعالى: 

“وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن 

صبرتم لهو خير للصابرين”.

التبعية تبعيات: عندما تستعمر الخرافة العالم والمثقف

التبعية تبعيات: عندما تستعمر الخرافة العالم والمثقف


"ارتماء منظومة العقل العبقرية في أحضان الجهل ليس نقصاً في أدوات الفهم، بل هو هزيمة نفسية نتيجة كسل أو خوف أو عجز أو استعمار الغرائز للعقل"

تزاوج العلم والخزعبلات

تساؤل مشروع يظهر عندما تجد بروفسورا في جراحة الأعصاب، قضى عمره بين المراجع الطبية الصارمة، يقف خاضعاً يتبرك بخرافة بدائية، أو يطلب "خِيرة" من كهانة جاهلة لا تملك من العلم فتيلاً، وفي المقابل، ترى مثقفاً آخر يفر من هذا الزيف ليقع في رد فعل متطرف، فيرفض كل ممارسة الدين بلا استبانة وفهم وإنما لعكس اليقين، فيتيه في دهاليز العدمية والإلحاد. إننا لسنا أمام نقص في المعرفة، بل أمام كارثة فكرية مستدامة، وأزمة وعي تضرب عمق النفس البشرية، إنه تزاوج العلم مع خزعبلات باسم الإيمان أو الإلحاد عندما يقفل الملحد فكره عن دلائل الإيمان برمي نفسه إلى كاهن وخزعبلات من نوع آخر، وكل هذا لأن المثقف أو العالم لا يبحث في العمق وإنما يرتضي السطحية في الحالتين، وكلاهما هروب من التكليف.

سيكولوجية الانفصام: الخوف في مواجهة المنطق

لتفكيك هذه الظاهرة، يجب أن نفهم أولاً أن العبقرية العلمية ليست حصناً أوتوماتيكياً ضد الخرافة، منظومة العقل البشرية تمتلك قدرة هائلة على "الفصل الذهني المعزول" (Compartmentalization)؛ حيث يمارس العالم أرقى مستويات المنطق التجريبي داخل مختبره، بينما يترك مفتاح عقله خارج الباب ليمارس طقوساً بدائية في حياته الخاصة.

المثقف هنا هارب من المهمة لا يبحث عن الحقيقة، بل يذهب إليها لتجنبه عناء التفكير الفردي وتحمّل عواقب اختياراته، وينسى أن منظومته العقلية تُمتحن بالحقيقة لا بتجهيلها، وكونه عبقريا في اختصاصه لا يعفيه من كونه فاشلا في استخدام منظومته العقلية كآدمي

الدافع خلف هذا السلوك هو الهروب من البحث الحقيقي، هو الخوف من الحوادث وتحمل مسؤولية أمة منحدرة حضاريا ومتخلفة مدنيا، والركون للجهل لأنه يكسل على موازنة الأولويات، ما هو مطلوب منه كثير وثمنه كبير ويريد أن يهرب منه بتحميل أحد له هالة ما. يتراجع الوعي المنطقي إلى نمط الطفولة البدائي، وتبحث منظومة العقل عن "أبوّة فكرية" ترفع عنه ثقل المسؤولية، فيسقط صريعاً بكسله أمام أول دجال يمنحه "وهم اليقين الحاسم"؛ مختارا، والوضع نفسه عند دعاة الإلحاد.

الشيخ الجاهل وظاهرة "تعب القرار الفكري"

العقدة الأكبر تكمن في خضوع المثقف لشخص يفتقر لأبجديات العلم الدنيوي والديني معاً، هذا الدجال غالباً لا يؤمن بكلمة واحدة مما يقول، بل يمارس دجله بوعي مستغلاً حاجة الضحية، متلذذاً بشعور التفوق وهو يرى عقولاً ذكية تنقاد لخزعبلاته، ولا يؤنبه ضميره بتضليل الناس بل صدق هو نفسه ما يوصف به؛ أما دعاة الإلحاد فهم يجمعون من يؤنس خيبتهم في الضياع".

في عصرنا الحالي، تحول الصواب إلى مجرد "رأي من الآراء" وسط سيولة فكرية ونسبية معرفية مرعبة، البحث عن الحقيقة بات مجهداً، الجاهل لا يشك ولا يتردد، وهذا الحسم الجازم يمثل "شاطئ أمان زائف" يتشبث به المثقف التائه هرباً من حرية الشك الحائرة، أو يتبنى حيرة من نوع آخر بالرفض: "لا يوجد حقيقة مطلقة وأن وجودنا محض صدفة أو عبث".

المثقف هنا هارب من المهمة لا يبحث عن الحقيقة، بل يذهب إليها لتجنبه عناء التفكير الفردي وتحمّل عواقب اختياراته، وينسى أن منظومته العقلية تُمتحن بالحقيقة لا بتجهيلها، وكونه عبقريا في اختصاصه لا يعفيه من كونه فاشلا في استخدام منظومته العقلية كآدمي مكرم من الله، وخداع نفسه بالشك السلبي.

البعض يقول إن كان للكون خالق فأنا استفتيت وإن لم يكن فليس من ضرر، لكن الحقيقة هو يعين الدجال لمبتغاه، فهو من سيمتحن ويقيّم وليس من أفتى له بالأجوبة الخاطئة لأسئلة امتحان رسب فيه.

كذبة الكهنوت:

الإسلام؛ في جوهره وتشريعه الأصيل، لم يضع "رجال دين"ولم يؤسس لطبقة إكليروس أو كهنوت تتوسط بين العبد وخالقه، بل جاء ليتعامل مع النفس والعقل مباشرة بلا حواجز؛ ومع ذلك، وبفعل التراكمات التاريخية والسياسية، جاء ناس واغتصبوا هذا الدور، واختطفوا النص الديني، أو حلوا محله وحولوا التدين إلى "مؤسسة واحتراف" ووسيلة للنفوذ والسيطرة وتجهيل العوام.

من هذه المؤسسات الكهنوتية غير الشرعية هي التي شرعنت الخزعبلات، وجعلت الخرافة جزءاً من الدين، فكان الرد -كرد فعل مشوه- إلى رفض المنظومة برمتها والارتماء في أحضان الإلحاد، ظناً منهم أنهم يهربون من سجن الجهل، بينما هم في الحقيقة يهربون من شائبة الدين لا من جوهره

بعض من هذه المؤسسات الكهنوتية غير الشرعية هي التي شرعنت الخزعبلات، وجعلت الخرافة جزءاً من الدين، فكان الرد -كرد فعل مشوه- إلى رفض المنظومة برمتها والارتماء في أحضان الإلحاد، ظناً منهم أنهم يهربون من سجن الجهل، بينما هم في الحقيقة يهربون من شائبة الدين لا من جوهره، بكسلهم عن البحث وفقدان تسلسل الأولويات.

خريطة الطريق: كيف نخرج من التيه؟

إن علاج هذه الكارثة المستدامة يتطلب حلولاً جذرياً تبدأ من إعادة صياغة الإنسان والفهم ثم الفهم:

- التحول نحو ميزان الأدلة: يجب تغيير المنظومات التعليمية القائمة على التلقين، واستبدالها بمناهج تعلم الطالب "كيف يفكر" لا "يحفظ فقط". إن تدريب منظومة العقل على "السؤال المنهجي البناء" تطبيقا للتفكّر في الإسلام، ووزن الأفكار بميزان الدليل والاتساق الكوني، هو الكفيل بتدمير أسواق الدجل والإلحاد معا، فكلاهما أعداء لكرامة الإنسان وتكريم الله له.

- تحرير الدين من الكهنوت ومؤسساته: يجب نشر وعي معرفي يفصل بين "التدين الطقسي المغشوش" الذي يقدس الأشخاص والأحجار والموروثات الشعبية، والذي يغيّب الإنسان باختزال الدين بحركات جسدية وأفكار عبثية، وبين "الإيمان الواعي" الذي يحث على التفكر والتدبر ويحترم الكرامة الإنسانية وبديهيات العقل: فهم مهمة الإنسان في الوجود وأنه لا وكيل عنه وعليه أن يبحث دائما.

ارتماء منظومة العقل العبقرية في أحضان الجهل ليس نقصاً في أدوات الفهم، بل هو هزيمة نفسية نتيجة كسل أو خوف أو عجز أو استعمار الغرائز للعقل، ولن يسترد الإنسان توازنه النفسي والعقلي إلا عندما يدرك أن طمأنينة الخرافة أو الهروب إلى التخلف البديل بنكران كل شيء بالإلحاد أو اللاأدرية كله خداع للذات وتعويض جهله قبل جهل الكاهن، وأن الغفلة عن حقائق الكون هي عند العاجزين أو المتخلفين من النوعين.