- بين وقار "المعطف الأبيض" وصخب "الترند": حين يختلط العلاج بالاستعراض.
- كيف أعادت منصات التواصل تشكيل صورة الطبيب، وفتحت الباب أمام تسليع الثقة الطبية وتضليل المرضى باسم "التوعية"؟
لم يكن "المعطف الأبيض" يوما مجرد قطعة قماش يرتديها الطبيب فوق ملابسه، بل كان دائما رمزا صامتا للمهنية، ودلالة على مسؤولية ثقيلة لا يحملها إلا من اختار أن يقف في المسافة الفاصلة بين الألم والشفاء، وبين الخوف والرجاء، وبين الحياة والموت. لكننا اليوم نعيش زمنا أصبحت فيه الكاميرا أقرب إلى الوجه من المرآة، وأقرب إلى الضمير من الاستبصار.
نحن نعيش في زمن لم تعد فيه قيمة الإنسان تقاس بما ينجز في الخفاء، بل بما يعرض في العلن. فخرج الطبيب من عيادته إلى مسرح آخر: شاشة لا تركز على حالة المريض وشفائه بقدر تركيزها على عدد المشاهدات والتفاعل.
فما الذي تغير؟ هل هو الطبيب؟ أم تغيرت المرايا التي يرى نفسه فيها؟ أم إن العالم كله تسارع حتى صرنا غرباء عنه، لا نفهمه ولا ننتمي إليه؟
بعض "المؤثرين" من الأطباء لم يعودوا يقتصرون على الحديث ضمن تخصصاتهم، بل بما تمليه عليهم متطلبات شهرتهم. فترى الواحد منهم ينتقل بين التخصصات: اليوم يتحدث عن القلب، وغدا عن الصحة النفسية
الطب في جوهره ليس وظيفة تمارس وفق ساعات دوام محدودة، بل هو ثقة تمنح، ورسالة تحمل، وعهد أخلاقي يربط الطبيب بمريضه قبل أن يربطه بالمهنة. المريض لا يسلم جسده فحسب للطبيب، بل يسلم كذلك خوفه وكرامته وأسراره، وهذه ليست تفاصيل عابرة.
لهذا فإن أي انزلاق للطبيب نحو الاستعراض والمنصات لا يطرح سؤالا: "هل يحق له ذلك؟" بقدر ما يطرح سؤالا أشد عمقا: ماذا يبقى من وقار المهنة حين تتحول لحظات الألم إلى مشاهد قابلة للتداول؟
حين نرى طبيبا يرقص في أروقة المستشفى، فإنه لا يرقص وحده، بل ترقص معه فكرة خطيرة: أن المكان الذي تقاوم فيه الحياة الموت قد تحول إلى مسرح، وأن معاناة المريض قد أصبحت محتوى، وأن هيبة المهنة قد استبدلت بنشوة الشهرة.
المشكلة ليست في تصرف عابر، بل في السياق. فالمستشفى ليس أستوديو تصوير، وغرفة الطوارئ ليست منصة، وسرير المريض ليس خلفية جميلة لمقطع قصير.
في الحقيقة، إن المريض لا يبحث عن نجم ولا عن بطل، بل يبحث عن إنسان يسمعه ويخفف ألمه ويحترم خوفه، ويضعه في المرتبة الأولى لا خلف جمهور "السوشيال ميديا".
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في السلوك وحده، بل في المعيار الذي أصبحنا نحاكم به هذا السلوك. في زمننا هذا تكاد الشهرة تتحول إلى دليل قائم بذاته على الأفضلية: من كثر متابعوه كثر المصدقون به، ومن أحسن لفت الانتباه نسب إليه الإتقان.
هكذا يصبح "الترند" -حتى لو كان قائما على المبالغة أو التفاهة- شهادة جودة غير مكتوبة، لا لأن صاحبه أتقن الصنعة، بل لأنه اشتهر.
والمخيف أننا، في أغلب الأحيان، نفتقر إلى أدوات تقييم صادقة ومنهجية. فنحن لا نسأل عن نتائج حقيقية، ولا عن نسب المضاعفات، ولا عن نتائج ما بعد العلاج، ولا عن الأدلة العلمية التي تستند إليها النصائح. نكتفي فقط بما يعرض، لا بما يقاس. وفي غياب المعايير، يعلو الصوت على الدليل، وتسبق الصورة الحقيقة.
ومما يزيد الطين بلة، أن بعض "المؤثرين" من الأطباء لم يعودوا يقتصرون على الحديث ضمن تخصصاتهم، بل بما تمليه عليهم متطلبات شهرتهم. فترى الواحد منهم ينتقل بين التخصصات: اليوم يتحدث عن القلب، وغدا عن الصحة النفسية، ثم عن التغذية والسرطان والسكري.
يقتحم ميادين لا يعرف تضاريسها، وعلوما لم يسبر أغوارها، كأن الطب بحر واحد لا تخصصات فيه. وقديما قالت العرب: "لكل مقام مقال، ولكل علم رجال".
الطبيب هنا قد لا يتعمد التضليل، لكنه يقع في تضليل منطق الشهرة: "أنا معروف… إذن أنا مؤهل لكل شيء". والمريض، المتشبث بأي أمل، يصدق، فالشهرة تكفي أحيانا لتمنح القول صفة اليقين، و"الطبيب المشهور" قد يبدو أصدق من الدليل نفسه.
المريض أصبح محاصرا بين خطرين: نصيحة مجانية ناقصة قد تضلله، ونصيحة مدفوعة قد تتحول إلى تجارة باسم الطب، حيث تباع الثقة وتشترى دون ضمانات واضحة
ثم تأتي ظاهرة أكثر شيوعا وخطورة: تقديم نصائح علاجية حاسمة بلا كشف طبي، وبلا معرفة تفاصيل الحالة. الطب ليس وصفة جاهزة للجميع، فالتاريخ المرضي قد يغير كل شيء، والأدوية تتداخل، والتحاليل تصحح الافتراضات، والفحص السريري قد يكشف ما لا يظهره الكلام.
لذلك فإن نصيحة تقال بثقة على منصة قد تصبح بابا للضرر، خصوصا حين يسمعها مريض فيطبقها وهو لا يعرف أن لديه فشلا كلويا يمنع دواء معينا، أو حساسية خطيرة، أو أن أعراضه ليست بسيطة، بل مؤشرا لحالة تهدد الحياة.
ومع الوقت، تفاقم الوضع، فلم يعد المحتوى الطبي نوعا واحدا، بل تحول إلى سوق: نصائح مجانية لكسب المتابعين، ونصائح مدفوعة عبر اشتراكات أو استشارات سريعة، ومحتوى غير مراقب لا يخضع لمراجعة علمية أو أخلاقية.
والنتيجة أن المريض أصبح محاصرا بين خطرين: نصيحة مجانية ناقصة قد تضلله، ونصيحة مدفوعة قد تتحول إلى تجارة باسم الطب، حيث تباع الثقة وتشترى دون ضمانات واضحة.
وفي قلب هذه الفوضى تظهر الدعاية الطبية الممولة، حين يروج الطبيب أو "المؤثر الطبي" لمنتج أو مكمل أو مركز علاجي لا لأنه الأفضل علميا، بل لأنه ممول.
والأخطر أن الإعلان لا يأتي دائما بصيغة واضحة، بل يقدم كقصة أو "تجربة شخصية" أو "نصيحة إنسانية". المريض لا يرى ما وراء الكواليس: من دفع؟ وكم دفع؟ وما هي الدراسات والأدلة؟ وما هي الآثار الجانبية؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا حدث الضرر؟
هنا تختلط النصيحة بالإعلان، ويخسر الطبيب أثمن ما يملكه: النزاهة.
قد يربح الطبيب متابعين، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا فوق المهنة كلها: هل ربح الطب شيئا؟ أم خسر جوهره؟ وهل نريد طبا علاجيا أم طبا استعراضيا؟
أخيرا، قد يقول قائل إن في هذا القرب من الناس فائدة، وإن في هذه الخفة جسرا نحو الجمهور، خاصة صغار السن. وهذا صحيح إلى حد ما، فالتواصل قد ينشر الوعي ويصحح بعض المفاهيم الخاطئة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل في الأمر فائدة؟ بل: ما كلفة هذه الفائدة؟ فإذا كان الثمن أن ينحني العلم أمام التسلية، وأن تتراجع الرصانة لصالح الانتشار، فنحن لا نربح جمهورا بقدر ما نخسر معيارا. وحين تسقط المعايير، يختل الميزان وينهار كل شيء.
ربما نحتاج اليوم إلى وعي جماعي بسيط: أن الطب ليس ساحة استعراض، وأن الطبيب ليس "ترندا"، وأن الشهرة لا تعني الكفاءة.
كما نحتاج إلى حس نقدي لدى الناس: لا تؤخذ النصيحة العلاجية من مقطع قصير، ولا يوثق بمن يتحدث في كل شيء، ولا يسلم الجسد لإعلان مقنع، ولا يستبدل الكشف الطبي بمعلومة ناقصة.
في النهاية، قد يربح الطبيب متابعين، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا فوق المهنة كلها: هل ربح الطب شيئا؟ أم خسر جوهره؟ وهل نريد طبا علاجيا أم طبا استعراضيا؟





