الخميس، 21 مايو 2026

قال العارفون مع اسعد طه فكرة واحدة تكون بداية الطريق وتغيرك من الداخل

قال العارفون  مع اسعد طه 

 فكرة واحدة تكون بداية الطريق وتغيرك من الداخل





الأربعاء، 20 مايو 2026

وداعا أوروبا.. نحن كإسبان عرفنا الطريق

 وداعا أوروبا.. نحن كإسبان عرفنا الطريق

  
إغناسيو ألفاريز أوسوريو

أستاذ كرسي الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد.

يمر الاتحاد الأوروبي بواحدة من أخطر لحظاته منذ تأسيسه. فقد مثل الغزو الروسي لأوكرانيا تهديدا واضحا لأمنه، وأظهرت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض أنه لم يعد بإمكان الاتحاد الأوروبي الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان دفاعه، كما كان الحال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

علاوة على ذلك، كشف الصعود المتواصل للصين والهند في الاقتصاد العالمي عجز الاتحاد الأوروبي عن منافسة القوى الآسيوية العملاقة والتكيف مع عالم يزداد عولمة.

لهذه الأسباب، ليس من المستغرب أن يتجدد النقاش في بروكسل حول الحاجة إلى مزيد من الاستقلالية الإستراتيجية في عالم مضطرب، حيث أصبحت التحالفات السابقة متجاوزة.

غير أن هذا النقاش يتناقض بشدة مع حالة الشلل التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي إزاء أزمة الشرق الأوسط، وعجزه عن اقتراح بديل لمشروع الحرب الدائمة الذي تروج له الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.

في عام 1993، لعب الاتحاد الأوروبي دورا بارزا بدعمه لاتفاقيات أوسلو، وسعيه لتحقيق التوازن في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية من خلال الدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، ليصبح بذلك أكبر مانح لها.

وفي عام 2015، تضافرت جهود المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا للترويج للاتفاق بين إدارة أوباما وإيران لكبح برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات المفروضة على النظام الإيراني. وفي كلتا الحالتين، اختارت بروكسل الدبلوماسية كوسيلة لإخماد نيران الصراع المشتعلة في المنطقة.

وفي الظرف الحالي، يتضح جليا أن هناك حاجة ملحة إلى مشاركة أوروبية أوسع في إخماد الأوضاع المتفجرة في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي دعم بشكل مستمر القانون الدولي كوسيلة لحل النزاعات، فإنه أثبت عجزه عن تقديم مقترح سلام لإنهاء الحربين في فلسطين وإيران.

علاوة على ذلك، يبدو الاتحاد الأوروبي أكثر انقساما من أي وقت مضى بشأن التدابير اللازمة للخروج من المأزق الذي يجد نفسه فيه.

في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، سارعت بروكسل إلى فرض سلسلة من العقوبات على موسكو، شملت تجميد أصولها في أوروبا، وحظر توريد الأسلحة إلى النظام الروسي.

وحظيت هذه الإجراءات بإجماع واسع داخل الاتحاد الأوروبي، باستثناء المجر بقيادة أوربان، التي سعت إلى تقويض المساعدات الاقتصادية والإنسانية لأوكرانيا على مدى السنوات الخمس الماضية.

لسوء الحظ، لم تتمكن بروكسل من فرض أي عقوبات على إسرائيل خلال العامين والنصف الماضيين، على الرغم من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في قطاع غزة، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 72 ألف شخص.

وتتجلى بوضوح ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي: فعندما تتعرض دولة أوروبية لهجوم، تتحرك بروكسل بسرعة وحزم دفاعا عن القانون الدولي، أما عندما يتعلق الأمر بأرض عربية، فإنها تبقى غير مبالية، رافضة فرض أي عقوبات رغم خطورة الوضع، وهو ما أدى إلى تضاؤل دورها على الساحة الدولية.

ويعزى السبب الرئيسي لتقاعس أوروبا عن التحرك إزاء الإبادة الجماعية في غزة، والحرب ضد إيران إلى الانقسام العميق بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، ودعم ألمانيا غير المشروط لإسرائيل.

على الرغم من أن بروكسل لا تزال تدعم رسميا حل الدولتين كوسيلة لحل الصراع الاستعماري الإسرائيلي مع الفلسطينيين، فإنها لم تتخذ أي خطوات لتعزيزه منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000.

وبالرغم من أن جميع الحكومات الإسرائيلية، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، انتهجت استعمارا مكثفا للأراضي المحتلة لتعميق الاحتلال وكسر التواصل الجغرافي الفلسطيني، لم يفرض القادة الأوروبيون أي عقوبات على إسرائيل خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.

وقد فسِر هذا الصمت المتواطئ من جانب الاتحاد الأوروبي على أنه شيك على بياض من قِبل القادة الإسرائيليين، الذين فرضوا نظام فصل عنصريٍ في الضفة الغربية، وارتكبوا إبادة جماعية في قطاع غزة لفرض التطهير العرقي.

وبالرغم من أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو لا تخفي أجندتها التوسعية والعنصرية والمسيحانية، فإن بروكسل عاجزة عن فرض حتى أدنى عقوبة، مما يعمق الهوة بين الحكام والمحكومين.

وهكذا فإن الرأي العام الأوروبي يدين بشدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل، في تناقض صارخ مع تقاعس حكوماتها.

وفي هذا السياق، أصبحت الحكومة الاشتراكية الإسبانية، بقيادة الرئيس بيدرو سانشيز، نموذجا يحتذى به للدول الأوروبية الأخرى بفضل دفاعها القوي عن القانون الدولي.

ففي فبراير/شباط 2024، طالبت إسبانيا بتعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، التي تمنح إسرائيل معاملة تفضيلية، إذ تنص المادة الثانية منها على أنها لا تطبق إلا إذا احترمت الدول الموقعة القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي مايو/أيار من العام نفسه، اعترفت إسبانيا وأيرلندا والنرويج رسميا بدولة فلسطين، وهي خطوة حذت حذوها لاحقا ليتوانيا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال.

وفي يونيو/حزيران، انضمت إسبانيا إلى شكوى جنوب أفريقيا بشأن الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، مؤكدة أن جميع الدول الموقعة على اتفاقية عام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، ملزمة ببذل كل ما يلزم لمنع تكرار الإبادة الجماعية.

أخيرا، في سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت إسبانيا حظرا شاملا على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، ودعت دول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى أن تحذو حذوها.

يمر الشرق الأوسط بمرحلة حرجة في تاريخه الحديث، وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يستغل أخطاء إدارة ترمب لتعزيز نفوذه على الساحة الدولية، والتحرك نحو الاستقلال الإستراتيجي.

وإذا ما كرر الاتحاد الأوروبي أخطاء الماضي نفسها، فإنه سيصبح حتما قوة هامشية على الساحة الدولية، ويستمر في لعب دور التابع للولايات المتحدة، كما كان عليه الحال في العقود الأخيرة.

أما نحن فقد عرفنا الطريق.

السفهاء

  السفهاء

 المفكر العربي الدكتور عزت السيد أحمد


عندما تفضح أبناء الحرام

من أفاقين أو منافقين أو مجرمين أو ضالين أو مضللين
وأشباههم في ولدنة الحرام
لا يدافعون أنفسهم بالحجة والدليل والبرهان لأنهم لا يمكنهم ذلك
لذلك هم يدافعون عن أنفسهم بالشتائم والاتهامات والإساءات والافتراءات الجديدة
يعني بدل التفكير والعمل للحصول على شيء من التعاطف والمسامحة يزيدون النار عليهم تأجيجا
هذا ليس غباء
هؤلاء هم الذين عميت قلوبهم و أسماعهم وأبصارهم
فهم كالبهائم وأضل سبيلا

وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس

 وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس

د. مالك الأحمد

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

لما طلب أبناء يعقوب عليه السلام أن يرسل معهم أخا يوسف، تذكّر ما وقع منهم قبل ذلك في شأن يوسف، فلم يركن إلى حفظهم وحده، وإنما فوّض الأمر إلى الله، وقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ والمعنى: أن حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس، وأن الأسباب البشرية مهما كانت مهمة تبقى محدودة، أما الحفظ الحقيقي فمن الله وحده.

وأما قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ففيه معنى الرجاء في رحمة الله عند الخوف والفقد والقلق؛ فكأن يعقوب عليه السلام لم يقف عند ألم التجربة السابقة، بل علّق قلبه برحمة الله، ورجا أن يكون حفظ الله أوسع من تقصير البشر وضعفهم.

بعد عزمي على إكمال دراسة الماجستير في بريطانيا، يمّمت وجهي تجاه لندن، وكان الغرض استكمال الإجراءات الرسمية لدى الملحقية في السفارة السعودية هناك. وكانت تلك أول مرة تطأ فيها قدماي لندن.

وعند الوصول استقللت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يوصلني إلى فندق متوسط في المدينة. وصلنا إلى الفندق، ووضعنا الحقائب في الغرفة، وكان الوقت عصرًا، والشارع مليئًا بالمحلات، والجو معتدلًا، فنزلت أنا وزوجتي بعد أن أحكمنا إغلاق الغرفة بالمفتاح الحديدي.

وبعد أقل من ساعة عدنا إلى الفندق، وما إن دخلت حتى أسرع إليّ موظف الاستقبال وقال: هل يمكن أن أتحدث معك على انفراد؟ قلت: بالطبع، ما الأمر؟ قال: للأسف، غرفتكما تعرضت للاقتحام في غيابكما، وأنا آسف لأنقل لك هذا الخبر. اصعد معي لتتفقد أغراضك، وقد اتصلت بالشرطة وهم في الطريق.

صعدت إلى الغرفة، فوجدت الحقائب كلها مفتوحة، والملابس منثورة في وسط الغرفة. قلت للموظف: كيف حصل هذا؟ فاعتذر بأنه لا يعرف، وأنه تفاجأ بالأمر كما تفاجأت.

كان المشهد محزنًا؛ قفل الباب محطم، والحقائب مفتوحة، ونفسي منكسرة. وصلت الشرطة، وبدأوا التحقيق، وأخذوا يرفعون البصمات، وسألوني عمّا فُقد، فقلت: كانت زوجتي تحمل معها ذهبها، ولا أرى له أثرًا. أخذوا إفادتي، ووعدوني خيرًا، وبالطبع لم أسمع منهم بعد ذلك شيئًا.

فزعت زوجتي عندما أخبرتها، ثم دخلت الغرفة لتتفقد الأمتعة، فإذا بها تصيح: الذهب لم يُسرق! قلت: كيف؟ قالت: وضعته أسفل هذه الشنطة، تحت أكياس البهارات، ويبدو أن السارق بعدما رمى الملابس ووصل إلى البهارات تأفف من رائحتها، فلم يكمل البحث.

قلت حينها بعفوية: المال الحلال لا يضيع.

ولم تكن هذه الكلمة عندي قاعدة مطلقة بأن المال الحلال لا يُبتلى صاحبه بفقده؛ فالدنيا دار ابتلاء، وقد يذهب المال الحلال لحكمة يعلمها الله. ولكني شعرت في تلك اللحظة أن الله لطف بنا لطفًا ظاهرًا، وحفظ لنا ما كدنا نجزم بضياعه من طريق لا يخطر على البال. فالأقفال والحذر والشرطة كلها أسباب، لكنها قد تعجز، ويبقى حفظ الله فوق كل سبب.



مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 . أحمد مصطفى الغر

  بينما ينشغل العالم بحروب المنطقة،     يمضي الكيان الصهيوني في قضم ما تبقى من القضية الفلسطينية سياسيا بدفن اتفاقية أوسلو نهائياً، وبينما يسعى لوضع نهاية للسلطة الفلسطينية فإنه يعطي الضوء الأخضر لطور جدد من المقاومة هي أشد مما واجهه من قبل.


يواجه المشروع الوطني الفلسطيني اليوم واحدة من أخطر لحظاته الوجودية منذ نكبة عام 1948، حيث تتكالب قوى اليمين الصهيوني المتطرف للإجهاز على ما تبقى من رماد اتفاقيات أوسلو، في محاولة محمومة لفرض واقع دولة الاحتلال الواحدة وتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.

ومع أن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو قد آثر تأجيل مناقشة مشروع قانون إلغاء هذه الاتفاقيات داخل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع بدعوى مزيد من الدراسة، إلا أن هذا الإرجاء ليس سوى مناورة تكتيكية لتجنب فتح جبهات دبلوماسية وأمنية جديدة في ظل انشغال حكومته بحروبها على جبهات أخرى كجنوب لبنان والتوتر مع إيران.

إن هذا التأجيل لا يلغي الخطر بل يضعه في غرفة انتظار استراتيجية، بينما تواصل الجرافات والتشريعات الأخرى قضم الأرض وتفكيك مؤسسات السلطة، مما يجعل "موت أوسلو" حقيقة ميدانية لا تنتظر سوى التوقيع القانوني الأخير لتكريس عودة الحكم العسكري المباشر.

تشريعات الاستئصال

لم يعد الحديث عن إلغاء اتفاق أوسلو مجرد صرخات غوغائية يطلقها المستوطنون في شوارع القدس، بل استحال إلى مشروع قانون رسمي يتقدم به حزب "القوة اليهودية" المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير وليمور سون هار ميليخ. وينص هذا المشروع بوضوح لا لبس فيه على إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بما في ذلك اتفاق الخليل ومذكرة "واي ريفر"، واعتبارها غير ملزمة لدولة الاحتلال بأي شكل من الأشكال. إن الغاية الجوهرية من هذا القانون هي إعادة الوضع القانوني والأمن في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل عام 1993، أي تحويلها إلى أراضٍ تخضع للحكم العسكري المباشر دون أي وسيط سياسي فلسطيني، وهو ما يعني عملياً تدمير الغطاء القانوني الذي قامت عليه السلطة الفلسطينية.

ويبرر مروجو القانون خطوتهم بأن هذه الاتفاقيات كانت خطأ تاريخياً ورسالة ضعف لم تجلب إلا الإرهاب ـ على حد وصفهم، مدعين أنها وفرت البنية التحتية التي قادت إلى أحداث السابع من أكتوبر. غير أن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن اليمين الصهيوني يسعى لاستخدام هذا التشريع كأداة لسحق الدولة الفلسطينية ديموغرافياً وجغرافياً، ومنع أي فرصة مستقبلية لإقامتها. فإلغاء الاتفاقية يزيل القيود القانونية (ولو كانت شكلية) التي وضعتها أوسلو بشأن التوسع الاستيطاني في المناطق المصنفة "أ" و"ب"، ويفتح الباب أمام ضمٍ رسمي وشرعنةٍ شاملة لكل البؤر الاستيطانية المنتشرة في جسد الضفة.

 

إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان

إن هذا التوجه التشريعي يعكس إجماعاً متزايداً داخل الائتلاف الحاكم على ضرورة التحلل من الالتزامات الدولية والتعاقدية السابقة، فالأمر لم يعد يتعلق بتعديل بنود أو تحسين ظروف التفاوض، بل بالانتقال إلى مرحلة الحسم التي ترفض الاعتراف بوجود شريك فلسطيني أو كينونة وطنية مستقلة. وبذلك، يتحول القانون المقترح إلى إعلان حرب سياسية تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من صفتهم السياسية وتحويلهم إلى مجرد سكان تحت إدارة أمنية محضة.

مناورات نتنياهو

جاء قرار نتنياهو بتأجيل المصادقة على مشروع القانون ليعكس حالة من البراغماتية المتوحشة التي يجيدها، حيث فضل عدم الصدام المبكر مع المجتمع الدولي في توقيت عسكري حساس. فالتقارير الإعلامية تشير إلى أن التأجيل نبع من تقديرات أمنية ودبلوماسية تخشى انفجار الضفة الغربية بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وتجنباً لفتح جبهة إضافية بينما تتركز الجهود العسكرية في جبهات أخرى. ومع ذلك، فإن هذا التأجيل لا يمثل رفضاً لمضمون المشروع، بل هو إدارة للوقت بانتظار الظروف المواتية للانقضاض النهائي.

وقد أكد وزير القضاء الإسرائيلي ياريف ليفين هذا التوجه حين صرح علانية بأنه يؤيد التقدم بالقانون بشكل مدروس ومسؤول، معتبراً أن العودة إلى المستوطنات التي أُخليت سابقاً هي الهدف القادم. إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان. وهذا التكتيك يسمح للاحتلال بمواصلة القضم المتدرج للأرض دون تحمل التكاليف القانونية والسياسية الفورية لإلغاء الاتفاقات الدولية.

وبينما يتصارع أقطاب اليمين مثل بن غفير، الذي يطالب بالدفع بالقانون فوراً باعتبارها فرصة نادرة، وبين نتنياهو الذي يفضل التأجيل المدروس، يظل الفلسطيني هو الضحية الوحيدة لهذه اللعبة السياسية. فالاحتلال يستخدم فزاعة الإلغاء القانوني كأداة ابتزاز سياسي دائمة، بينما يطبق على الأرض كل بنود الإلغاء عبر الاستيطان والاقتحامات وخنق السلطة مالياً. إن التأجيل ليس طوق نجاة للسلطة، بل هو حبل مشنقة يزداد ضيقاً بانتظار اللحظة التي يرى فيها الاحتلال أن كلفة البقاء على الوضع الحالي أصبحت أكبر من كلفة الانهيار الشامل.

سراب التسوية

عند النظر بعمق في مآلات ثلاثة عقود من "أوسلو"، يتضح أن الاتفاقية كانت منذ لحظة ولادتها في حديقة البيت الأبيض عام 1993 فخاً استراتيجياً أعده الاحتلال ببراعة. فبينما كان الفلسطينيون يأملون في أن يقود المسار الانتقالي إلى استقلال ناجز، كانت إسرائيل تستخدم الاتفاقية كغطاء لتعميق سيطرتها الأمنية والاقتصادية. والواقع أن الاتفاقية بدأت تموت فعلياً مع اغتيال إسحاق رابين عام 1995، ثم استكمل شارون ومن بعده نتنياهو مهمة تمزيق بنودها عبر سياسة القضم المتدرج للأرض وعزل التجمعات الفلسطينية.

وباتت اتفاقية أوسلو اليوم جثة سياسية تعيش حالة موت سريري، وما يفعله اليمين المتطرف الآن هو مجرد محاولة لدفن هذه الجثة رسمياً. فمنذ عام 1999، أصبح واضحاً أن إسرائيل لم تلتزم بأي من قضايا الوضع النهائي كالقدس واللاجئين والحدود. بل على العكس، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو سبع مرات منذ توقيع الاتفاق، ليرتفع من 111 ألفاً إلى قرابة 750 ألف مستوطن حالياً، مما حول فكرة الدولة المتصلة جغرافياً إلى مستحيل واقعي.

 وقد أفرغ الاحتلال الاتفاق من جوهره عبر تقسيم الضفة إلى مناطق (أ، ب، ج)، وهي تقسيمات فقدت معناها العملي مع الاجتياحات اليومية المتكررة للمدن الفلسطينية وسيطرة جيش الاحتلال المطلقة على الحدود والمعابر. وفي هذا السياق، تبرز المأساة في أن السلطة الفلسطينية تحولت بفعل هذه الاتفاقيات إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات تقع تحت هيمنة الاحتلال الكاملة. إسرائيل تستفيد من بقاء هذا الهيكل المشوه لأنه يزيح عنها عبء تأمين حياة الفلسطينيين كدولة احتلال، بينما تحتفظ هي بالسيطرة العسكرية والسيادية المطلقة.

حرب المقاصة

تتجلى سياسة الخنق الصهيونية من خلال استخدام الاقتصاد كسلاح فتاك لتفكيك السلطة الفلسطينية من الداخل، وهي سياسة يقودها الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش. وتعتمد هذه السياسة على سرقة إيرادات المقاصة (أموال الضرائب الفلسطينية) ومنع العمال من العمل داخل الأراضي المحتلة. إن الهدف المعلن هو إيصال السلطة إلى حالة الانهيار المالي الشامل، مما يؤدي إلى فوضى عارمة وشلل في مؤسسات التعليم والصحة والخدمة المدنية.

 

إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم

ويمكن رصد محاور هذه الحرب المالية في النقاط التالية:

* احتجاز مبالغ خيالية من أموال المقاصة الفلسطينية بحجج واهية تتعلق برواتب الأسرى والشهداء.

* تحويل جزء من الأموال الفلسطينية المسروقة لتمويل مشاريع بديلة أو ما يسمى بـ "مجلس السلام" لخدمة أجندات الاحتلال.

* تراكم الديون والفوائد الوهمية لصالح شركات الكهرباء والمياه الإسرائيلية لاستنزاف ميزانية السلطة.

* دفع السكان نحو اليأس والهجرة القسرية عبر تجفيف منابع العيش الكريم وضرب الاقتصاد المحلي.

هذا التدهور الاقتصادي المخطط له يهدف إلى دفع السكان للتمرد على قيادتهم أو الهجرة، وتحويل المسؤولين الفلسطينيين إلى مجرد باحثين عن سبل البقاء بدل الانشغال بالحقوق الوطنية. وهي خطة تنسجم تماماً مع خطة الحسم التي طرحها سموتريتش، والتي ترى في السلطة الفلسطينية عبئاً يجب التخلص منه لصالح حكم عسكري صريح أو إدارة محلية تفتقر لأي طابع سياسي.

هندسة الجغرافيا

على الأرض، تترجم دولة الاحتلال الإسرائيلي نواياها بإلغاء أوسلو من خلال تغييرات جغرافية وهيكلية عميقة، خاصة في شمال الضفة الغربية ومحافظة جنين. فقرار مصادرة آلاف الأمتار المربعة في حي الجابريات بمدينة جنين لإنشاء قاعدة عسكرية داخل المنطقة المصنفة "أ" هو خرق فاضح لآخر ما تبقى من سيادة فلسطينية اسمية. وكذلك إنشاء أبراج مراقبة تطل مباشرة على مخيم جنين يعكس عودة جيش الاحتلال للتمركز في قلب المدن الفلسطينية، وهو وضع يهدف لإعادة هندسة المنطقة ديموغرافيا.

ولا تتوقف الهندسة الجغرافية عند القواعد العسكرية، بل تمتد لتشمل إعادة بناء المستوطنات التي أُخليت عام 2005 مثل "صانور" و"غانيم" و"كديم". وتعد المصادقة على بناء وحدات سكنية جديدة في هذه المواقع بمثابة تصحيح لجريمة الإخلاء في نظر قادة المستوطنين، وخطوة عملية نحو إلغاء تقسيمات المناطق (أ، ب، ج) ودمجها تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة. إن هذا الواقع الجديد يهدف إلى عزل المدن الفلسطينية وتحويلها إلى جزر معزولة وسط بحر من الاستيطان والسيطرة العسكرية المباشرة.

وتترافق هذه التحركات مع تدمير ممنهج للبنية التحتية في مخيمات الشمال ضمن عملية السور الحديدي، مما أدى إلى نزوح الآلاف وإغلاق مئات المنشآت التجارية. إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم التي ترفض أي وجود لمؤسسات فلسطينية ذات سيادة، وتعيد تعريف الأرض كساحة حرب مفتوحة تتجاوز كل الاتفاقيات السابقة.

اختبار الوجود

في حال إقرار قانون إلغاء أوسلو، ستدخل القضية الفلسطينية في نفق مظلم من الفراغ القانوني والسياسي، حيث ستتحول السلطة الفلسطينية في نظر الاحتلال من شريك تعاقدي إلى كيان غير شرعي. وسيعني ذلك سقوط شرعية الأجهزة الأمنية الفلسطينية، واعتبار أي سلاح في يدها غير قانوني، مما يفتح الباب أمام جيش الاحتلال للعمل في قلب المناطق (أ) دون أدنى تنسيق. إن هذا السيناريو سيضع ملايين الفلسطينيين أمام مواجهة مباشرة مع آلة القمع الصهيونية دون أي غطاء مؤسسي.

وعلى الرغم من اعتراف العديد من دول العالم بالدولة الفلسطينية، إلا أن هذا الاعتراف يبقى رمزياً ويفتقر لآليات التنفيذ التي تحميه من الوقائع المفروضة على الأرض. إن الفجوة تتسع باستمرار بين النصوص التي تصاغ في قاعات الأمم المتحدة وبين الجرافات التي تنهش الأرض الفلسطينية. كما أن إلغاء أوسلو سيضع القوى الإقليمية والدولية أمام اختبار حقيقي حول جدوى الرهان على حل الدولتين الذي تعمل إسرائيل على دفنه يومياً عبر مخططات الضم وشرعنة البؤر الاستيطانية.

ومع ذلك، يرى البعض في هذا الانهيار الحتمي لاتفاقيات أوسلو فرصة استراتيجية للشعب الفلسطيني للتحلل من القيود الأمنية والاقتصادية المهينة. فإلغاء الاتفاق من جانب واحد قد يعني تفكيك الغطاء الذي استخدمه الاحتلال لإدارة الصراع بدل حله، مما قد يمهد الطريق لعمل المقاومة الفلسطينية واستعادة الروح النضالية، أو العودة إلى إعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988 كمرجعية أساسية، وتدويل القضية كحركة تحرر وطني تواجه نظام فصل عنصري واحتلال مباشر.

كيف تحوّلت «أنا أخوك» إلى أعظم خيمة لجوء في التاريخ؟

 خواطر صعلوك

كيف تحوّلت «أنا أخوك» إلى أعظم خيمة لجوء في التاريخ؟




حين يُخبرنا القرآن الكريم أن قصة يوسف، عليه السلام، هي «أحسن القصص»، فنحن هنا لسنا أمام نهاية سعيدة ينتصر فيها الخير على الشر كما في حكايات الجدات... نحن هنا أمام «تشريح نفسي» عميق للنفس البشرية في أضعف حالاتها وأقواها، وفي أسوأ قيعانها وأعلى عروشها.

ولكن، وسط كل هذه الأحداث الجِسام، من الجب المظلم، إلى فتنة قصر العزيز، إلى ظلمة السجن، ثم الجلوس على خزائن الأرض... هناك لقطة تحمل كثافة عاطفية تكفي لإذابة جبال من الجليد. 

إنها يا سادة اللحظة التي التقى فيها «الضحية القديمة» بـ«الضحية الجديدة»... اللحظة التي قرّر فيها يوسف، أن يرفع الستار الحديدي للسلطة، ليضم شقيقه الأصغر بنیامين... مظلوم يؤوي مظلوماً.

تخيل معي المشهد يا سيدي القارئ...

نحن الآن في أروقة قصر الحكم في مصر. الجدران شاهقة، الحراس مدججون بالسلاح، البروتوكول صارم لا يسمح بالأنفاس العالية... يقف الإخوة القادمون في حالة من الانبهار الممزوج بالرعب وفي وسطهم يقف «بنيامين»، الأخ الأصغر، والشقيق الوحيد ليوسف من أمه وأبيه.

هذا الفتى عاش حياته كلها كتعويض مكسور لأب فقد بصره من الحزن، عاش تحت رحمة إخوة كبار يحملون في قلوبهم قسوة أثبتتها الأيام، هو، كشقيقه الغائب، كان يحمل جينات المغضوب عليهم في تلك العائلة... جاء إلى مصر خائفاً، مسلوب الإرادة، ومحاصراً بنظرات إخوته الذين لا يثقون به ولا يثق بهم، ورغم ذلك سار معهم كما سار يوسف من قبل.

وفي اللحظة التي دبّر فيها يوسف الحيلة ليختلي بشقيقه الأصغر بعيداً عن عيون الإخوة (قبل ترتيب مشهد السرقة الشهير لاحقاً للإبقاء عليه)، انهار جدار «عزيز مصر»، وظهر «يوسف الإنسان».

القرآن لا يستخدم الكلمات عبثاً. لم يقل «عانق أخاه» أو «ضم أخاه» أو «احتضنه». بل قال تعبيراً يحمل ثقل الجبال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وكلمة «آوى» هنا هي مفتاح المشهد كله... 

المأوى لا يُطلب إلا في حالات التشرد والخوف الشديد والبرد القارس، ويوسف هنا لم يكن يقدم عناقاً جسدياً فقط، بل كان يفتح «خيمة لجوء» روحية ونفسية لأخيه... كأنه يسحبه من عاصفة رملية استمرت لسنوات طويلة، ليدخله في دفء الأمان المطلق.

الضحية الذي رُمي في البئر وحيداً، أصبح اليوم يملك السلطة والقدرة على أن يكون هو «البئر الآمنة» لشقيقه المستضعف... إنها لحظة تبادل للأدوار الكونية؛ مَنْ كان بالأمس يبحث عن يد تنتشله من الجُب، أصبح اليوم هو اليد التي تنتشل شقيقه من جُب الغربة والخوف.

وعندما أصبح بنیامين، في هذا المأوى، همس يوسف في أذنه بالسر الأعظم: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تأمل معي ترتيب الجملة؛ «أنا أخوك»... إعلان هوية ينسف كل المسافات ويسقط كل الألقاب، ولم يقل له «أنا عزيز مصر»، بل عاد إلى نقطة الصفر، نقطة الدم والرحم التي طالما حاول الإخوة قطعها، ليقدم العلاج النفسي قبل الحل السياسي.

ثم تأتي الجملة الأهم: «فلا تبتئس بما كانوا يعملون».

يوسف، وهو الخبير بلوعة الظلم، يعرف أن أشد ما ينهش روح بنیامين، ليس خوفه من المستقبل، بل تراكمات الماضي... الحزن المكتوم، الإهانات اليومية، الشعور الدائم بأنه «ثقيل» على إخوته... يوسف، هنا يمسح على قلبه المكدوم ويقول له: توقف عن الحزن، لقد انتهت اللعبة، وآن أوان الجبر.

في هذا العناق السري في زوايا القصر، تلخصت حكاية الظلم البشري والعدل الإلهي.

الإخوة في الخارج يظنون أنهم يتحكمون في المشهد، يخططون ويتآمرون، بينما في الغرفة المجاورة، تدير السماء مشهد الجبر الأعظم... المظلوم القوي يربت على كتف المظلوم الضعيف، ويخططان معاً لقلب الطاولة بذكاء وشرعية (عبر حيلة الصواع لاحقاً) ليظل بنیامين، في هذا المأوى ولا يعود إلى جلاديه.

هذه اللحظة التاريخية تخبرنا بأصدق حقيقة إنسانية... وهي أنه حين يُمكّن الله للمظلوم، فإنه لا يتحوّل إلى جلاد قاسي القلب، بل يتحوّل إلى «مأوى» لكل مَنْ ذاق نفس الكأس.

يوسف، لم يستعرض عضلات سلطته على أخيه الأصغر ليعوض نقص طفولته، بل اختزل كل سلطانه ونفوذه في ضمة دافئة، وهمسة أعادت ترتيب نبضات قلب كان يرتعد من الخوف.

هكذا عزيزي القارئ تُصاغ «أحسن القصص»... ليس بالسيوف والجيوش الجرارة، بل بتلك اللحظات الهشة، المليئة بالدموع، التي يستند فيها الخائف على كتف المظلوم الذي أصبح عزيزاً، ليجدا معاً أن الله... كان دائماً هو المأوى الأول والأخير... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... إبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.