الاثنين، 4 مايو 2026

سَلُوا اللهَ العافية!

 نقطة نظام

سَلُوا اللهَ العافية!

أدهم شرقاوي


روى ابن كثير في البداية والنهاية، وابن عساكر في تاريخ دمشق،وابن الجوزي في صفة الصفوة:

إنَّ عبد الوهاب بن سعيد قال: حجَّ الحَجَّاجُ فنزلَ بين مكة والمدينة، ودعا بالغداء،

وقال لحاجبه: انظرْ من يتغدى معي، وأسألهُ عن بعض الأمر!

فنظر نحو الجبل، فرأى أعرابياً، فذهبَ إليه، وقال له: إئْتِ الأمير.

فأتاه، فقال له الحجاج: اغسِلْ يديكَ وتغدَّ معي.

فقال: إنه قد دعاني من هو خير منكَ فأجبته!

قال: من هو؟

قال: الله تعالى، دعاني إلى صوم النافلة، فأجبته!

فقال له: في الحرَّ الشديد؟

فقال: صمتُ ليومٍ هو أشدُّ حراً من هذا اليوم!

فقال له: فأفطِرْ اليوم، وصُمْ غداً!

فقال: إن ضمنتَ لي البقاء إلى غد!

فقال له: ليس ذلكَ إليَّ.

فقال: فكيف تسألني عاجلاً بآجلٍ لا تقدِرُ عليه؟

فقال له الحجاج: إنه طعامٌ طيِّب!

فقال الأعرابي: لم تُطيبه أنتَ ولا الطباخ، ولكن طيبَه العافية!

تأملوها بعمق: ولكن طيَّبَه العافية!

إن قيمة النعم تكمن في القدرة على الاستمتاع بها، وليس بمج رد امتلاكها فقط!

فكم من صاحب نعمة ينظرُ الناسُ إليه بعضهم بالغبطة، وبعضهم بالحسد،

وهو في الحقيقة محرومٌ!

كثير من الأغنياء يملكون مالاً يستطيعون به شراء طعام يكفي مدينةً،

ولكن أحدهم لمرضٍ نزلَ به لا يستطيع أن يأكل ما هو قادر على أن يشتريه!

كنتُ أستمع مرةً إلى محاضرة للدكتور محمد النابلسي،

وروى فيها عن غنيٍّ يعرفه، أنه لا يستطيع أن يأكل إلا الخضار المسلوقة،

ولو أكل شيئاً آخر لمات!

ما طابت لهذا ولأمثاله الدنيا وهي بين أيديهم، إلا لأنهم حُرموا العافية في البدن!

وكم من قصر منيف، ينظرُ إليه الناس من بعيد، ويتمنون أن يكونوا من أهله،

وما هو في الحقيقة إلا قبر دُفن فيه الأحياء،

فيه زوجة مهملة كأنها أثاث،

وأولاد شغلت آباءهم التجارة والدنيا عنهم،

حياة فيها ترف المظاهر وقسوة الواقع،

كجثة هامدة لامرأة حسناء، ينظرُ إليها الرائي ويحسبها نائمة فيتمنى أنها له،

فإذا عرف أنها ميتة انصرف بكله عنها!

ذاك أنه بيت نُزعت منه عافية المودة والرحمة!

فإذا سألتم الله تعالى شيئاً فاسألوه أن يعطيكم إياه مع العافية،

فإنها متى نُزعتْ من شيء صار لا قيمة له!


الأحد، 3 مايو 2026

«المثقف» الذي لا يرتدي نظارة للتعالي على البشر!

 خواطر صعلوك

«المثقف» الذي لا يرتدي نظارة للتعالي على البشر!


دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ... 

لقد أفسدت الحداثة المشوهة مصطلح «المثقف» في أذهاننا، حتى باتت الكلمة تستدعي فوراً صورة ذلك الشخص المكتئب العابس، الذي يمسك بغليون أو فنجان قهوة مرة، وينظر للناس من علٍ... متشدقاً بمصطلحات معقدة لا يفهمها هو نفسه، وظيفته الأساسية هي التنظير واستعراض العضلات المعرفية في الفضائيات والمجالس والمقالات والصالونات الأدبية.

لكن، لو تركنا فلاسفة المقاهي مثل خيري ورشاد وبدوي جانباً، وعدنا إلى النص القرآني لنبحث عن مصطلح «المثقف» بلفظه المعاصر، فلن نجده، لم يرد في القرآن لفظ المثقف.

القرآن الكريم لم يستخدم هذه الكلمة الاستهلاكية، بل صاغ توصيفات أدق، وأعمق، وأثقل وزناً لهذه الشخصية؛ فسماهم: «أُولُو الْأَلْبَابِ» وهم أصحاب العقول الصافية التي لم تتلوث بالتعصب، و«الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»، ووضع لهم رتبة عليا أسماها «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».

ومن خلال تتبع دقيق لهذه الأوصاف القرآنية، بعيداً عن ضجيج «باعة الكلام» وصناع المحتوى بالدولار، تبرز لنا الملامح الحقيقية للمثقف كما يجب أن يكون، وتكتمل صورته عبر خمس محطات رئيسية تكشف زيف مثقفي الأضواء:

1. الإنصات الواعي:

المثقف في زماننا هو كائن يعاني من «الصمم الاختياري»؛ فهو يستمع فقط لمن يطبل له، ويقرأ فقط ما يعزز انحيازاته المسبقة... أما المثقف في القرآن، فهو منفتح بشجاعة على كل مصادر المعرفة، يمتلك «فلتر» نقدياً دقيقاً، يسمع الآراء كلها، ثم يضعها على ميزان العقل ليفرز الغث من السمين ويتبع الأصوب.

يقول تعالى واصفاً إياهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «الزمر: 18».

2. التفكر العميق... لا «حشو» المعلومات:

بعض من يُحسبون على الثقافة اليوم هم مجرد «فلاش ميموري» (USB) بشرية؛ يمتلكون حشواً هائلاً من المعلومات الميتة لسردها في المجالس وكلوب هاوس ومنصة «إكس». في المقابل، المعرفة عند المثقف القرآني ليست تجميعاً للبيانات، بل هي «منهجية تفكير» مستمرة، تغوص خلف قشرة الأشياء، وتربط بين حركة الكون والحياة والإنسان بوعي مدهش.

يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً﴾ «آل عمران: 191».

3. الخشية والتواضع:

كلما قرأ المثقف المزيف كتابين، انتفخ كالطاووس وظن أنه أحاط بالكون خُبراً، وأنه أصيب بلعنة الوعي التي تجعله يرتدي نظارة يتعالى بها على البشر.

أما في المنظور القرآني، فالمعادلة عكسية تماماً... فكلما اتسعت مساحة وعيك، زادت خشيتك، وأدركت حجم جهلك ومحدودية عقلك أمام عظمة الخالق واتساع الكون... المعرفة القرآنية تورث صاحبها الانكسار والتواضع، لا الاستعلاء والغطرسة.

اقرأ إن شئت: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ «فاطر: 28».. 

وتأمل التذكير الإلهي الصارم: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ «الإسراء: 85».

4.هواة «الصيد في الماء العكر»:

المثقف «التريند» يعشق إثارة الجدل؛ يبحث عن المتشابهات، والغرائب، والآراء الشاذة ليصنع لنفسه هالة من الاختلاف، لدّي صديق قرأ كل تاريخ الشام ومصر وأوروبا بحثاً عن الغرائب دون أن يصقل ذلك في شخصيته أو تفكيره شيء... أما المثقف القرآني فهو «الراسخ في العلم»؛ جذوره ضاربة في الأرض، يمتلك رؤية كلية تمنعه من الغرق في التفاصيل الخلافية المربكة أو توظيف المعرفة لإشعال الحرائق الفكرية، بل يرد الفروع المعقدة إلى الأصول الواضحة ليصنع طمأنينة اليقين.

﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «آل عمران: 7».

5. «الحكمة»... ذروة سنام الوعي:

القرآن يخبرنا بوضوح أن حيازة الشهادات العليا وتكديس النظريات ليسا ذروة الثقافة، بل الذروة الحقيقية تكمن في بلوغ مرتبة «الحكمة». والحكمة ببساطة هي أن تضع معرفتك في مكانها الصحيح، وأن تحول هذا المخزون العقلي إلى «سلوك راشد» ينفعك وينفع الناس، لا أن يبقى تنظيراً أجوف لا يطعم جائعاً ولا يبني وطناً.

يقول عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «البقرة: 269».

عزيزي القارئ، المثقف في شرع القرآن ليس كائناً صوتياً يزعجنا في وسائل التواصل، بل هو إنسان متواضع، واسع الأفق، ناقد بصير لا يخدعه بريق الكلمات، كما أنه شخص يربط بين الظواهر بعمق، ويترجم معرفته إلى حكمة في التصرف وخشية للخالق، مترفعاً عن الجدل العقيم واستعراض الذات.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل علم وثقافة لا يُراد بها وجه الله... تضمحل.

العاطفةُ الإسلاميةُ بينَ بناءِ النفسِ وإتلافِ العقلِ! رؤيةٌ نقديةٌ لبنيةِ العقلِ الإسلاميِّ

العاطفةُ الإسلاميةُ بينَ بناءِ النفسِ وإتلافِ العقلِ!
رؤيةٌ نقديةٌ لبنيةِ العقلِ الإسلاميِّ
مضر أبو الهيجاء

لطالما وَجَدَ الخطابُ الإسلاميُّ المضطربُ عقولًا ضعيفةً وهشَّةً سواءٌ أكانَ في الاتجاهِ الصحيحِ أم الخطأ، وهي سمةٌ بارزةٌ من سماتِ الذهنيةِ والعقلِ الإسلاميِّ المعاصر، تمسُّ بعضَ العلماءِ والدعاةِ والقادةِ السياسيينَ كما العوام!

من المفزعِ اليومَ وبعدَ انقضاءِ مائةِ عامٍ على زوالِ الخلافةِ والمحاولاتِ الإسلاميةِ لإعادتها وإنقاذِ شعوبِ الأمةِ مما حلَّ بها -من عذاباتٍ وآلامٍ وتشريدٍ وقهرٍ نتيجةَ مشاريعِ الطواغيتِ العربيةِ الإسلاميةِ الوضعيةِ والغربيةِ الصليبيةِ المتصهينةِ- أن يبقى العقلُ العربيُّ والإسلاميُّ متصفًا بذهنيةٍ ضعيفةٍ تصوغها العواطفُ، الأمرُ الذي يسوقُ كثيرًا من العامةِ وجزءًا مهمًّا من العلماءِ والدعاةِ للموقفِ والمكانِ الخاطئِ في حالينِ متناقضين.

الموقفُ العربيُّ والإسلاميُّ تجاهَ مشروعِ وليِّ الفقيهِ يكشفُ تهافتَ البنيةِ العقليةِ الإسلاميةِ!

منذُ حلولِ الخميني في طهرانَ برعايةٍ غربيةٍ أمريكيةٍ، ومنذُ أن توافقَ الغربُ على تسليمِ مفاتيحِ الحكمِ في إيران لملالي إيران أصحابِ مشروعِ ودينِ وليِّ الفقيهِ، لم يُخفِ الملالي كفرَهم ولا عداوتَهم للمسلمين، بل إن منطقتنا العربيةَ وأعراقها المسلمةَ جميعًا ذاقت ولا تزالُ تذوقُ حجمًا من العذاباتِ والآلامِ والضياعِ والتشتيتِ والاستنزافِ للعقولِ والأموالِ والأرواحِ نتيجةَ امتلاكِ الملالي لدولة، بحيثُ فاقت شرورُ إيرانَ وليِّ الفقيهِ شرورَ الكيانِ الإسرائيليِّ الغاصبِ لأراضي فلسطين وسوريا ومصر ولبنان.

وبعدَ إتلافِ العراقِ العظيمِ وحرقِ الشامِ المباركِ وتجريفِ اليمنِ السعيدِ وتهديدِ الخليجِ المستقرِّ والعبثِ الدائمِ بلبنان والكيدِ العميقِ لتركيا المسلمة، جاءت معاركُ غزة وفلسطين لتمسحَ بصاروخٍ هلاميٍّ -أصاب العقولَ فأحدثَ فيها عطبًا- آثامَ المشروعِ الإيراني ثم تستعلي قيادته المجرمة على عرشِ الجهادِ والمقاومةِ للمشروعينِ الإسرائيليِّ والأمريكيِّ -المتخادمين والمتعاونين معها طيلة أربعة عقود- بسببِ موقفِ قيادةِ المقاومة الإسلامية المتحالفة والمروِّجة لقيادات إيران المعادية والمعتدية على الأمة.

والسؤالُ يقول:

إذا كانت قيادةُ المقاومةِ الفلسطينيةِ مأزومةً من النواحي السياسيةِ الماديةِ الأمرُ الذي دفعها لاتخاذِ مواقفَ مختلةٍ وخاطئةٍ تحت ضغطِ الحاجةِ وإكراهاتِ الواقعِ وهشاشةِ تصوراتها لمشروعِ التغيير، فما الذي ألجأ جزءًا مهمًّا من علماءِ المسلمين ودعاتهم وقياداتهم ونشطائهم لتبني نفسِ الموقفِ الخاطئِ والضال تجاه النظامِ الإيراني ومشروعِ الملالي؟

والجوابُ الاستفهامي يقول:

إذا كانت العاطفةُ المنزوعةُ عن الهدى والرشاد هي الدافعَ للمواقفِ المضطربةِ -التي تبناها بعض العلماء وكثير من القيادات الحركية وجموع من الجماهير العربية والإسلامية- تجاه النظام والمنظومة الإيرانية المعتدية، فكيف يمكن تفسيرُ الانقلاب في الموقف اليوم عندما علا صوتُ نباح رؤوس الشياطين الشيعية الطائفية في النيل من جميع رموز المسلمين والصحابة المعدلين وأم المؤمنين؟

فهل حقًا علم وعرف هؤلاء اليوم أن مشروع ودين ولي الفقيه الإيراني يستهدف هوية ودين ودماء المسلمين؟

ومن أين جاء الفهم الهش والمقاربة المضطربة وتهافت التهافت في القول، حين اعتبر البعض أنه يمكن تجاوز أنهار من الدماء المسفوكة ظلمًا بأيدي ملالي إيران وميليشياتهم لأجل عيون غزة وفلسطين، ولكن لا يمكن ولا يجوز أبدًا السكوت حين يُمس الدين؟ أوليس هذا فهمًا دخيلًا على من يدينون بالقرآن الكريم ويعلمون أحكام الشريعة؟

تهافت التهافت الإسلامي تجاه المشروع الإيراني!

إن موقف بعض العلماء وجماهيرهم من الذين وقفوا مع إيران انطلاقًا من حبهم لفلسطين موقفٌ خاطئٌ ومرفوض، وهو موقف غير شرعي ولا أخلاقي.

وإن موقف العلماء في التهليل لمن يتجاوب مع فعل الشيعة الطائفيين المحرضين فيقوم بالرد التحريضي، موقفٌ مضطرب وضعيف يشير إلى اهتراء سياسي ويشكل أرضية خصبة للانزلاق نحو مخطط الغرب الصليبي الصهيوني المعلن في جر المنطقة والشعوب إلى حروب طائفية سيخسر فيها الجميع.

فمتى وكيف يكون الخلاص من خطاب إسلامي يُحرّف المؤمنين عن معارك الحق في مواجهة الباطل والسعي لتمكين الدين وعز المؤمنين، إلى معارك تيوس وحمير تنقاد خلف كاهن وشيطان رجيم يتنقل بين واشنطن وتل أبيب؟

وهل فكّر أحد من هؤلاء أن يستفيد من مدرسة الشيخ حارث الضاري وخطاب هيئة علماء المسلمين في العراق والمقاربات السياسية التي يطرحها رئيس القسم السياسي في الهيئة الدكتور مثنى حارث الضاري؟

 أم أن مزمار أهل الحي لا يُطرب؟

المدرسة العراقية رائد الخطاب الإسلامي المعاصر تجاه مشروع ولي الفقيه والمنظومة الإيرانية ونظامها الحاكم

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/5/2026


أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.. مكانتها العلمية وفضائلها

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.. مكانتها العلمية وفضائلها
علي محمد الصلابي
الكاتب: 
اسمها الذي عرفت به عائشة ولقبها الصديقة كانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله 
  • مقام رفيع وفضل عظيم وعلم راسخ وأثر خالد

حبيبة رسول الله وزوجته، وبنت خليفته أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، أم المؤمنين، أفقه نساء الأمة، العالمة الفصيحة، العين الراصدة ليوميات صاحب الدعوة ، والأذن الواعية للعلم النبوي، التلميذة النجيبة الأولى في مدرسة النبوة، يعينها على ذلك استعداد فطري لسرعة الحفظ وحسن الفهم وجودة التعبير عن نفسها؛ مما أهلها بجدارة لأن تعيش حياة حافلة بالنشاط العلمي، والعمل لخدمة الدين والأمة، فخلفت لأبنائها المسلمين تركة غنية من مناهج النظر في مصادر التشريع وصياغة الفتوى، والتعامل المتزن مع النصوص.

اجتمع في عائشة (رضي الله عنها) أكرم الصفات الحسان، وكان من أبرز الصفات التي اتصفت بها، الصدق والذكاء، فقد ورثت من أبيها هاتين الصفتين النادرتين، فكانت متحررة في نقد الحديث، وحريصة على نقله على الوجه الذي جاء به

اسمها ونسبها وكنيتها

كان اسمها الذي عرفت به عائشة، ولقبها الصديقة، كانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله، وأحيانا تلقب بالحميراء، والمبرأة، والطيبة، وحبيبة النبي ، بنت أبي بكر الصديق، عثمان بن أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك، ويلتقي نسبها مع نسب رسول الله في الجد السابع ومن قبل الأم في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر.

مناقبها وفضائلها

صفاتها الخلقية: لقد اجتمع في عائشة (رضي الله عنها) أكرم الصفات الحسان، وكان من أبرز الصفات التي اتصفت بها، الصدق والذكاء، فقد ورثت من أبيها هاتين الصفتين النادرتين، فكانت متحررة في نقد الحديث، وحريصة على نقله على الوجه الذي جاء به، من غير تبديل ولا تنقيص، ومع ذلك فقد كانت متوقدة الذكاء، حاضرة الذهن، عذبة الحديث، على جانب عظيم من الحكمة والفكاهة.

بالإضافة إلى أنها أوتيت مقدرة كبيرة على الفهم الفقهي والاستنباط الشرعي، والزهد والورع؛ فقد عاشت معيشة الكفاف، وذاقت ضيق الحياة، يلامسها الرضا والسعادة، وجادت ببذل من لا يخشى الفقر، وأكرمت كرم صاحبة ملك وجاه، فكانت تنفق على الفقراء، والمساكين، وترعى الأرامل واليتامى، وإلى جانب ذلك، فقد كانت ذات عزة وإيثار على النفس، وجود وسخاء، وإكرام الضيف، وكانت بهية الطلعة، وضاءة الجبين، زاهية الشباب، تقية ورعة عابدة متواضعة، تبجل الصحابة، وتحفظ لهم قدرهم، وكانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

كانت (رضي الله عنها) شديدة الحياء، ومن دلائل ذلك ما ذكرته عن نفسها: قالت: (كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله وأبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته، إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر)

رقة قلبها

وكانت (رضي الله عنها) رقيقة القلب، خاشعة قانتة، لا ترى لنفسها فضلا، ولا تتكئ على قربها لرسول الله، وقد علم عنها هذا السمت الخاشع كأبيها (رضي الله عنهما)، وتوافرت الآثار الدالة على ذلك الخشوع القانت، حالا ومقالا، فمما يؤثر عنها قولها: (يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة).

حياؤها

كما أنها كانت (رضي الله عنها) شديدة الحياء، ومن دلائل ذلك ما ذكرته عن نفسها: قالت: (كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته، إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر).

جهادها وشجاعتها

كانت عائشة (رضي الله عنها) من ذوات الشجاعة النادرة، تمشي إلى البقيع في الليل، دون أن يصدها خوف أو تردد، وتنزل في ساحات المعارك، وتشارك المسلمين جهادهم ضد المشركين، وتقوم على خدمتهم، وفي غزوة الخندق تقول (رضي الله عنها): (خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي).

اتبعت (رضي الله عنها) منهجا علميا واضح المعالم، ومن صوره توثيق المسائل بما ورد في الكتاب والسنة، وكانت تتورع عن الكلام بغير علم، وتعتمد على الجمع بين الأدلة وفهم مقاصد الشريعة وعلوم اللغة العربية

مكانتها العلمية

تبوأت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مكانة علمية رفيعة، جعلتها عالمة من علماء عصرها والمرجع العلمي الأصيل الذي يرجعون إليه فيما يغمض عليهم، أو يستشكل أمامهم من مسائل في القرآن والحديث والفقه، فيجدون الجواب الشافي لجميع تساؤلاتهم واستفساراتهم.

يقول عنها أبو موسى الأشعري واصفا علمها رضي الله عنها: (ما أشكل علينا حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما). والذهبي رحمه الله قال: (لا أعلم في أمة محمد بل ولا في النساء مطلقا، امرأة أعلم منها).

وثمة عوامل مكنت السيدة أن تتبوأ هذه المكانة العلمية الرفيعة، أهمها، حدة ذكائها وقوة ذاكرتها وحفظها، وزواجها من النبي في سن مبكرة، وحياتها في كنفه ورعايته لها، بإرشادها وتعليمها، وأيضا كثرة ما نزل من الوحي في حجرتها حتى سميت مهبط الوحي، وكذلك لسانها السؤول فقلما تسمع شيئا تستشكله، أو ترى أمرا لا تعرفه، إلا وتسأل مستفسرة عنه.

فكم أفادت الأمة من أسئلتها للنبي ومراجعاتها واستفصالها في بعض الأمور الشرعية، وهذه الميزة جعلت السيدة تنفرد برواية الكثير الطيب من الأحاديث النبوية التي لم يسمعها غيرها منه عليه الصلاة والسلام، واتبعت (رضي الله عنها) منهجا علميا واضح المعالم، ومن صوره توثيق المسائل بما ورد في الكتاب والسنة، وكانت تتورع عن الكلام بغير علم، وتعتمد على الجمع بين الأدلة وفهم مقاصد الشريعة وعلوم اللغة العربية، فاجتمع لها من حفظ الآثار حسن التفقه فيها والاجتهاد.

وهي تعرف بأدب الخلاف، كيف لا وقد تعلمت على يدي نبي هذه الأمة ومعلمها ، وقد  تميزت بأسلوب علمي متين في التعليم، فكانت تتأنى في الكلام حتى يسهل استيعابه، وتنكر على من يسرع في كلامه، ولا تكتفي بالتعليم النظري، بل كانت أحيانا تلجأ للتعليم العملي، ببيان كيفية الوضوء والغسل، ولم يمنعها حياؤها من تعليم الناس أمور دينهم، حتى في أخص شؤونهم، وكان لها الحظ الأوفر من تلقي العقيدة من منبعها الصافي، أضف إلى ذلك أنها تربت في بيت مسلم، ولم يخالط عقيدتها شيء من الشرك أو ضلالات الجاهلية.

قامت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بدور كبير في رواية السنة النبوية وفي توثيقها، وتعتبر رائدة في هذا المجال، لقربها من النبي فقد كانت زوجة شديدة اللصوق به، تسمع منه مالا يسمعه غيرها، وترى من أحواله ما لا يراه غيرها

علمها بالقرآن وعلومه

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من كبار مفسري عصرها، ساعدها على ذلك سماعها للقرآن الكريم منذ نعومة أظافرها، وزواجها وعيشها في كنف رسول الله جعلها تظفر بحضور نزول الكثير من القرآن الكريم، إذ عاشت تسع سنوات في مهبط الوحي، ولم يكن يتنزل الوحي على رسول الله وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها، ولم تكن رضي الله عنها تكتفي بمجرد الحفظ، وإنما كانت إذا غمض عليها شيء لا تتردد في طرحه على الرسول لتتعرف على معاني الآيات القرآنية ومراد الله عز وجل بها، وهذا ما جعلها على معرفة تامة بالقرآن الكريم، بأسباب نزوله وموضوعاته وقضاياه، وكان نزول بعض الآيات بسببها، وكانت تفسره وتجتهد.

علمها بالسنة النبوية

قامت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بدور كبير في رواية السنة النبوية وفي توثيقها، وتعتبر رائدة في هذا المجال، لقربها من النبي فقد كانت زوجة شديدة اللصوق به، تسمع منه مالا يسمعه غيرها، وترى من أحواله ما لا يراه غيرها، وتفهم عنه، وتسأله عما يغمض عليها، ولذلك جاءت روايتها للسنة النبوية المطهرة متميزة، لإتيانها على السماع والقرب من رسول الله، ونشأتها وترعرعها في بيت النبوة وتحت توجيهه ﷺ.

قد بلغت مرويات عائشة رضي الله عنها عن رسول الله 2210 أحاديث، منها 174 حديثا متفقا عليها عن الشيخين، وانفرد البخاري بـ54 حديثا، ومسلم بـ 69 حديثا، والباقي في الصحاح، والسنن والمعاجم والمسانيد، وقد عدها ابن حزم في المرتبة الرابعة بين الصحابة المكثرين للرواية. قال ابن كثير رحمه الله وهو يتحدث عن عائشة رضي الله عنها: ( ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله من الأحاديث بقدر روايتها رضي الله عنها).

حضرتها الوفاة في ليلة الثلاثاء 17 رمضان 57 هـ وقيل 58 هـ وقيل 59 هـ، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر

علمها بالفقه والفتوى

تعد (رضي الله عنها) بحق أفقه نساء الأمة وأعلمهن، بل من أفقه وأعلم الصحابة، قال عطاء رحمه الله: (كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة)، ومما يؤكد علمها بشأن الفتوى والفقه أن أكابر الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، فيجدون علمه عندها، قال مسروق رحمه الله: (لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله يسألونها عن الفرائض)، ولم تقف (رضي الله عنها) عند رواية النصوص وفقهها والإفتاء بها، بل كانت (رضي الله عنها) صاحبة ملكة فقهية تستطيع من خلالها استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وعندها العلم بأسرار الشريعة، والحكم والمصالح، ولم تكن تقف عند ظواهر النصوص.

علمها الواسع بالعلوم المختلفة

كانت عائشة (رضي الله عنها)  على قدر كبير من المعرفة بالتاريخ وأيام العرب وسيرة الرسول  وقد عاصرت الخلفاء الأربعة، وقد جاءت عنها روايات تعرف فيها بأحوال أهل الجاهلية، وعاداتهم وأخبارهم الاجتماعية، وطقوسهم وعبادتهم وحروبهم، أضف إلى ذلك أنها كانت على درجة عالية من الفصاحة والبلاغة، ومعرفة الشعر، فعن موسى بن طلحة قال: (ما رأيت أحدا أفصح من عائشة)، ومن فصاحتها وبلاغتها أنها إذا استثيرت يعلو كلامها ويفخم، كأنما تصدر به عن ثقافتها الأصلية وعلومها الوفيرة، كما أنها كانت حافظة للشعر، وتقبل الشعر الحسن وترويه، وكان رسول الله يسر لسماعه منها، ويستزيدها منه، وملكة الشعر عندها وراثية، فأبوها كان يحفظ الشعر ويصحح أوزانه، وكانت توصي الناس أن يعلموا أولادهم الشعر، لتعذب ألسنتهم، وما كان ينزل بها أمر إلا أنشدت فيه شعرا.

وفاتها

حضرتها الوفاة في ليلة الثلاثاء 17 رمضان 57 هـ وقيل 58 هـ وقيل 59 هـ، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، ونزل في قبرها عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام من أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم وعبد الله ابني محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ودفنت في البقيع.

.«المظلة النووية» لليونان... هل تدخل فرنسا مواجهة مع تركيا؟

«المظلة النووية» لليونان... هل تدخل فرنسا مواجهة مع تركيا؟

هل يهدد ماكرون تركيا بـ«هجوم نووي»!.. إذا كان الأمر كذلك فنحن أيضًا سنعيد رسم الحدود في بحر إيجه.. تلك الجزر نحتاجها كثيرًا!.. يجب أن تصبح «خمس دول» قوى نووية.. ينبغي إنشاء «مظلّة نووية» مشتركة تحمي الجغرافيا







إبراهيم قراغول

أدلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأثينا بتصريحات خرجت عن ضبط النفس، ووجّه تهديدًا لتركيا قائلاً:«إذا هددت تركيا اليونان، فسنكون إلى جانب اليونان. وإذا تم تهديد سيادتها، فاعلموا أننا سنكون هنا.»



ولم يكتفِ ماكرون بذلك، بل وعد أيضًا بوضع اليونان تحت «المظلة النووية». وبالطبع كان رد روسيا شديدًا، لكن الهدف الحقيقي لماكرون كان تركيا، ويبدو أن هذا التصريح يعكس في العمق نزعة غير واعية نحو التهديد النووي ضد تركيا.




تخيلوا أننا نتحدث عن ماكرون؛ الذي تلقّى صفعة من زوجته، والذي أصبح مادة للسخرية لدى ترامب، ولا يملك أي وزن حقيقي في السياسة العالمية، والذي يحاول لفت الأنظار في كل تجمع دولي، ويتلقى التوبيخ من الرئيس أردوغان في قمم العشرين.



ماكرون وفرنسا «لاعب صغير»

تصريحات ماكرون وتهديداته لا تمثل لنا أي أهمية، فهو ليس شخصية تستحق أن تُؤخذ على محمل الجد. ففرنسا بقيادته تتجه لتكون أكبر خاسر في القرن الحادي والعشرين. لقد طُردت من معظم دول وسط أفريقيا، وحتى مستعمراتها السابقة لم تعد تأخذها بجدية.

بعد خسارة موارد أفريقيا، تواجه فرنسا أزمة اقتصادية كبيرة. وعلى المستوى الجيوسياسي، فقدت نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط بشكل واسع. ولم يعد هناك من يرى فرنسا أو ماكرون كمركز ثقل في النظام العالمي. إنه يُنظر إليه في كل طاولة أو ساحة أو قمة على أنه «لاعب صغير».

أول من انسحب من الأناضول

والآن من أفريقيا أيضًا

بسبب سياسات نمط ماكرون، خسرت فرنسا كل مكاسبها بعد الحرب العالمية الثانية. وفي إعادة تشكيل موازين القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين تقلص دورها بشكل كبير، ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع.

فرنسا خسرت حيثما واجهت الأتراك. بعد الحرب العالمية الأولى، وبدفع من البريطانيين، انضمت إلى اليونان واحتلت غازي عنتاب وشانلي أورفا ومرعش، لكنها كانت أول من فرّ عندما بدأت مقاومة الأناضول.

واليوم تعيش فرنسا أزمة عميقة. ففي كل منطقة تغادرها في أفريقيا، تزداد تركيا حضورًا. وكلما اقتربت دول وسط أفريقيا من تركيا، ازداد إقصاء فرنسا. وهذا الغضب يتم توجيهه من قبل ماكرون نحو تركيا، لكنه لا يؤخذ على محمل الجد.

«نحن نحمي تنظيم واي بي جي»… فأين هذا التنظيم الآن؟

فرنسا مجبرة على بناء سياساتها مع «لاعبين صغار»: مثل اليونان، وقبرص اليونانية، وتنظيم PKK، وغيرها من التنظيمات المشابهة. ولم يعد لفرنسا أي قدرة ردع في شرق المتوسط ضد تركيا.

فرنسا التي رفعت شعار دعم تنظيم واي بي جي، واعتبرت ذلك «واجب شرف»، ودعمتها بكل الوسائل، بل وساهمت شركة لافارج في بناء آلاف الكيلومترات من الأنفاق، فقدت نفوذها في سوريا خلال أسبوعين فقط. لقد اعتمدت دائمًا على عناوين خاطئة، وحين خسرت «شركاءها» انهارت في كل المناطق.

تهديد نووي لتركيا… ستكون له عواقب

إن تصريح «وضع اليونان تحت المظلة النووية» قد يكون خطوة انتحارية لفرنسا. ويبدو أنهم لم يفكروا جيدًا في معنى هذا التهديد وتبعاته.

هذا التصريح لم يكن موجهًا ضد روسيا فقط، بل ضد تركيا أيضًا. وعبارة «الحماية النووية» تعني ضمنيًا التهديد باستخدام السلاح النووي، وقد تم تسجيلها.

وإذا كان مجرد القول «سنقف إلى جانب اليونان إذا هاجمت تركيا» يحمل عدائية كافية، فإن التهديد النووي يمثل نقطة تحول خطيرة.

تركيا في كل الجغرافيا ستُقلق فرنسا

أي دولة تهدد تركيا نوويًا ستجد نفسها غير مستقرة في البلقان، والمتوسط، والشرق الأوسط، وأفريقيا. تركيا سترد، لكن بصبر، وهدوء، وتخطيط دقيق.

تركيا لا تأخذ خفة ماكرون على محمل كبير، لكنها ستتعامل بجدية مع التحالف الدفاعي بين فرنسا واليونان، ومع محاولات تشكيل جبهة غربية ضدها في غربها.

ستتعامل أنقرة مع مصادر التهديد في شرق المتوسط، وبحر إيجه، وتراقيا، وستتخذ الإجراءات اللازمة. سواء كانت هذه الإجراءات دفاعية أو غير ذلك، فاليونان تدرك ذلك جيدًا.

«الجبهة الغربية» ضد تركيا

التحالفات العسكرية بين اليونان وقبرص وإسرائيل، وقواعد الولايات المتحدة في الجزر، وتحويلها إلى مخازن أسلحة إسرائيلية وأمريكية، أصبحت تُعتبر تهديدًا مباشرًا لتركيا.

ومع انضمام فرنسا إلى هذا المحور، باتت هناك جبهة غربية ممتدة من شرق المتوسط إلى البحر الأسود، حيث تُستخدم قواعد الناتو أيضًا كقواعد لإسرائيل.
هذه ليست دفاعًا بل استعداد للهجوم
تم تسويق هذه التحركات على أنها «حماية أوروبا من روسيا»، لكنها في الحقيقة ليست كذلك. قبرص واليونان تحولا إلى قواعد عسكرية إسرائيلية، وتم إخراج الملف من كونه نزاعًا يونانيًا تركيًا إلى كونه ملف وصاية دولية.
هذه ليست تحضيرات دفاعية، بل استعدادات هجومية تستهدف إسطنبول والمضائق.

تركيا لن تبقى في موقع الدفاع

تركيا دولة تعيد تشكيل التوازنات من الخليج إلى شرق أفريقيا، وتبني نظامًا جديدًا في شرق المتوسط. وستفكك هذه الخطط أيضًا، لكنها ستعرض الصورة بوضوح.

لا يمكن لأي دولة أن تدافع عن نفسها وهي محاصرة من البحر. لذلك فإن خرائط البحر المتوسط وبحر إيجه يجب أن تعاد قراءتها من جديد وفق الحقائق الجغرافية.

منطق الردع يتغير


لم يعد ممكنًا حماية النفس فقط بالدفاع. في عالم اليوم، «التهديد يُقابل بالتهديد». ومن يريد فرض حصار على تركيا في البحار والمضائق، عليه أن يعلم أن التوازنات ستُعاد تشكيلها.

قوى أخرى ونوايا الغرب

هناك أيضًا خطاب سياسي في الغرب يكشف عمق هذه العقلية، مثل مرشح في أمريكا يقترح إعادة آيا صوفيا للكنيسة الأرثوذكسية وفرض عقوبات تجارية على تركيا حتى ذلك الحين. هذا يعكس الذهنية الغربية العميقة تجاه المنطقة.

الحاجة إلى مظلة نووية إقليمية

يجب إنشاء مظلة ردع نووي إقليمي عاجل، وأن تمتلك تركيا والسعودية وإيران ومصر وباكستان قوة نووية متوازنة. لأن المرحلة القادمة ستفرض ذلك.

في النهاية، ماكرون ليس قائدًا قادرًا على تهديد تركيا، وفرنسا ليست دولة قادرة على كبحها. لكننا نراقب بدقة تراكم السحب السوداء في البوابة الغربية. وماكرون لا يفعل سوى الكشف المبكر عما يُخطط له.

هم إن كانوا يضعون خططًا فنحن أيضًا نضع استعداداتنا.


#ماكرون #تركيا #اليونان#بحر إيجه #التهديدات النووية #السعودية

لمــاذا لا يغـيّـــر القــــــرآن قــراراتــنــــا ؟

لمــاذا لا يغـيّـــر القــــــرآن قــراراتــنــــا ؟

الحسين الدومي

ماجستير مقارنة الأديان، جامعة محمد الخامس في الرباط ومستشار نفسي وأسري


ليس من الصعب اليوم أن تصل إلى القرآن الكريم؛ بل لعل الوصول إليه لم يكن يومًا أيسر مما هو عليه الآن.

تطبيقات في الهواتف، تلاوات في كل مكان، ومحتوى لا ينقطع يذكّر به ويستدعيه.

ومع هذا الحضور الكثيف، يبدو السؤال مختلفًا عمّا اعتدنا طرحه:

هل المشكلة فعلًا في غياب القرآن عن حياتنا، أم في موقعه داخلها؟

نحن أمام مفارقة هادئة ولكنها عميقة؛ إذ يمكن لشيء أن يكون حاضرًا بقوة، ومع ذلك محدود التأثير.

فالقرآن- عند كثيرين- لم يعد غائبًا، لكنه في الوقت ذاته لم يعد في مركز الفعل. هو قريب من اللسان، أبعد قليلًا عن القرار.

حين يتأمل الإنسان يومه العادي، يكتشف أن معظم قراراته تتشكل في مساحات سريعة ومزدحمة:

ضغوط العمل، توقعات المجتمع، حسابات الربح والخسارة، والانفعالات اللحظية.

في تلك اللحظات تحديدًا- حيث تتحدد الاتجاهات- نادرًا ما يُستحضر القرآن بوصفه مرجعية حاكمة،

بل يُؤجَّل حضوره إلى ما بعد القرار، وكأنه مساحة للتطمين لا للتوجيه.

وهنا يتشكل التحول الأهم، وإن كان غير محسوس:

من أن يكون القرآن مصدرًا يُحتكم إليه، إلى أن يصبح نصًا يُستأنس به.

والفرق بين الحالين ليس لغويًا فحسب، بل هو فرق في الأثر والنتيجة.

فالاحتكام يعني أن يدخل القرآن في صلب عملية التفكير:

في ترتيب الأولويات، وفي وزن الخيارات، وفي ضبط الدوافع.

أما الاستئناس، فيأتي لاحقًا- بعد أن تُحسم الأمور- ليمنح القرار مسحة من الطمأنينة،

دون أن يكون قد شارك فعليًا في صناعته.

ولا يعني هذا أن الإنسان يتعمد إقصاء القرآن،

بل لعل الأمر أقرب إلى «الإزاحة الصامتة» التي تحدث تدريجيًا تحت ضغط الواقع وتعقيداته.

ومع تكرار هذا النمط، يتكوّن وعي جديد دون أن نشعر:

وعيٌ يُبقي القرآن في دائرة الاحترام، لكنه يخرجه من دائرة التأثير.

إن التحدي الحقيقي، إذن، ليس في زيادة الحضور، بل في تصحيح الموقع. ليس في أن نضيف للقرآن وقتًا في يومنا، بل أن نعيد له مكانه في داخل هذا اليوم.

أن ينتقل من كونه جزءًا من المشهد، إلى كونه العنصر الذي يعيد ترتيب المشهد كله.

وهذا الانتقال لا يتطلب بالضرورة معرفة تفصيلية بكل الأحكام،

ولا قدرة على استحضار النصوص في كل موقف،

بل يبدأ من وعي بسيط وعميق في آنٍ واحد:

أن يكون السؤال حاضرًا قبل القرار، لا بعده.

أن نسأل: ما الذي ينسجم مع هدي القرآن في هذا الموقف؟

بدل أن نسأل- بعد أن نختار- كيف يمكن أن نُسند اختيارنا؟

حينها فقط، يبدأ القرآن في استعادة دوره الطبيعي؛

لا بوصفه نصًا موازياً للحياة، بل إطارًا يوجّهها.

وتتغير العلاقة به من علاقة «تلقٍ» إلى علاقة «احتكام»، ومن حضورٍ شكلي إلى تأثيرٍ فعلي.

الحسين الدومي

مستشار نفسي وأسري