الأربعاء، 17 يونيو 2026

حدود أمن تركيا وحدود قوتها

 حدود أمن تركيا وحدود قوتها

إسماعيل ياشا

"لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق"-

صرح رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان بأن أمن تركيا لا يبدأ من محافظة هاتاي، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت. وقال في كلمته، الأربعاء الماضي، أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، إن تركيا لن تسمح بفرض أمر واقع في الدول الشقيقة ولن تتغاضى عن أي هجمات تستهدفها، مؤكدا أن بلاده لن تسمح بأوهام "أرض الميعاد". وحذَّر من "نار الفتنة التي يراد إشعالها في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في جزيرة قبرص"، مشيرا إلى أن أنقرة تتابع التطورات عن كثب.

التصريحات التي وردت في كلمة أردوغان حول حدود الأمن القومي التركي موجهة بالدرجة الأولى إلى إسرائيل، وترى أنقرة أن المخططات الإسرائيلية التوسعية تستهدف أمن تركيا وأراضيها، كما تستهدف سوريا ولبنان. إلا أن هذه التصريحات التي جاءت في الوقت الذي يشن الجيش الإسرائيلي هجمات على أماكن مختلفة في لبنان بما فيها عاصمتها بيروت، تطرح هذا السؤال: "إن كان أمن تركيا يبدأ من بيروت، فماذا يمكن أن تعمله أنقرة لحمايتها؟".

تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى


تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى ووسائل مختلفة مبنية على القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة مع الدول المعنية، مع الاحترام لسيادة تلك الدول؛ لأن تركيا لا تنشئ مليشيات تابعة لها في الدول الأخرى ولا تتدخل في شؤونها الداخلية.

أمن سوريا واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن تركيا واستقرارها، وأظهرت التطورات التي شهدتها سوريا بعد اندلاع الثورة هذه الحقيقة، مع سيطرة تنظيمات إرهابية مثل داعش وحزب العمال الكردستاني على أجزاء من الأراضي السورية المجاورة للأراضي التركية، لتشكل خطرا على الأمن القومي التركي. وقام الجيش التركي بعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية لإبعاد ذاك الخطر عن الحدود، في ظل الفراغ الأمني وفقدان دمشق سيطرتها على تلك الأراضي. وبعد نجاح الثوار في إسقاط النظام وسيطرة الجيش السوري على كامل الأراضي السورية، باستثناء جزء بسيط بعيد عن الحدود التركية، لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق وتعزيز قدرات الجيش السوري كيلا يسمح بتهديد تركيا انطلاقا من الأراضي السورية.

سوريا تستعيد عافيتها يوما بعد يوم وتضمد جراحها بدعم تركيا ودول صديقة أخرى لها، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، كما تؤسّس جيشا وطنيا لحماية شعبها وأراضيها. وتعمل تركيا لتعزيز قدرات الجيش السوري من خلال برامج التدريب والتسليح، والمناورات المشتركة، وفقا للتفاهمات والاتفاقيات المبرمة بين دمشق وأنقرة. وفي هذا الأطار ولأول مرة، شارك الجيش السوري الشهر الماضي في مناورات "أفس 2026" التركية لتعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات مع الجيش التركي والجيوش المشاركة الأخرى.

إن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك


توسع الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية لا ينتهك سيادة لبنان فحسب، بل يهدد أمن سوريا ويشكل خطرا على الأمن القومي التركي، إلا أن حماية أمن بيروت أعقد من حماية أمن دمشق، بسبب اختلاف رؤى الحكومة اللبنانية وحزب الله في الحرب والسلم والتعامل مع مواجهة الاحتلال، إضافة إلى المشاكل التي أفرزها نظام المحاصصة. ومن المؤكد أن تركيا مستعدة لدعم الجهود الدبلوماسية اللبنانية الهادفة إلى إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولكن تلك الجهود قد لا تكفي للجم حكومة نتنياهو، ودفعها إلى الخضوع لوقف الحرب وسحب جيش الاحتلال من لبنان.

تركيا ومعها قوى إقليمية أخرى بذلت جهودا دبلوماسية لإنهاء الحرب على إيران ولبنان، وأدت تلك الجهود إلى قبول مذكرة تفاهم لوقف الحرب. إلا أن تصريحات قادة إسرائيل تشير إلى أن تل أبيب لن تلتزم بوقف إطلاق النار، ولا نية لها في الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في "المنطقة الأمنية العازلة" في لبنان، مضيفا أنهم يعملون على الاحتفاظ بــ"حرية العمل العسكري" ودوام التمتع بها.

وإن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك والتدخل لوقف العدوان.

x.com/ismail_yasa

ولو بشقِّ تمرة!

نقطة نظام
ولو بشقِّ تمرة!
 أدهم شرقاوي


حاصَر النّبيُّ ﷺ يهودَ بني قُريظة إحدى وعشرين ليلةً،

وذلك بعد أن نقضُوا العهد واِنحَازُوا إلى الأحزابِ في غزوة الخندق،

فسألوا النبيَّ  ﷺ الصُّلحَ،

على ما صالحَ عليه إخوانَهُم من يهودِ بني النَّضِير،

فيرحلونَ عن المدينة إلى اليهودِ في أريحا وبلاد الشام،

فأبى النبيُّ  ﷺ أن يُجيبهم إلى هذا،

حتى ينزِلُوا على حُكم سعدِ بن مُعاذ،

فرفضوا هذا، وقالوا: أرسِلْ إلينا صاحبكَ أبا لُبابة،

وكان حليفاً لهم في الجاهليَّةِ، وبينه وبينهم تجارة بعدَها،

فبعثه النبيُّ  ﷺ إليهم، فجاءهم،

فقالُوا: يا أبا لبابة ما ترى، أننزلُ على حُكم سعدِ بن معاذ؟

فأشار أبو لبابة إلى حلقه: إنّه الذَّبحُ فلا تفعلوا!

قال أبو لبابة: واللّهِ ما زالتْ قدمايَ حتى علمتُ أنّي قد خنتُ اللهَ ورسولَه!

وأنزلَ الله تعالى قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ”

فشدَّ أبو لبابة نفسَه على ساريةٍ من سواري المسجد،

وقال: واللّهِ لا أذوقُ طعاماً ولا شراباً، حتى أموتَ أو يتوبِ اللهُ عليَّ!

فَمكث سبعة أيامٍ لا يذوقُ طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشياَ عليه!

ثمّ تابَ اللّهُ عليه..

فقيل له: يا أبا لبابة قد تابَ اللهُ عليكَ.

فقال: لا واللّهِ لا أحلُّ نفسي حتى يكون النبيُّ  ﷺ هو الذي يحُلُّنِي!

فجاءَ النّبيُّ  ﷺ فحلَّه بيده الشريفة.

فقال أبو لبابة: إنَّ من تمام توبتي،

أن أهجر دار قومي التي أصبتُ بها الذُّنب!

وأن أنخلع من مالي!

فقال له النبيُّ ﷺ : يجزيكَ الثلثُ أن تتصدقَ به!

الدَّرسُ الأوّل:

أُمرنا أن نُحْسِنَ إلى النّاس جميعاً،

لا نظلِمُ إنساناً ولو كان كافراً،

ولا نسرقُ مال إنسانٍ ولو كان يعبدُ صنماً،

ولا نغشُّ إنساناً ولو كان مُلحداً،

ولا نحطُّ من عرضِ امرأة ولو كانت على غير ديننا،

أخلاقُنا نستقيها من كتاب ربّنا ومن هدي نبيِّنا،

الآخرون ليسوا مرآةً لأخلاقنا إن أحسنوا أحسنَّا وإن أساؤُوا أسأنا!

ونحن نعيش في مجتمعاتٍ هي مزيج من النَّاسِ من كلّ دينٍ وعِرقٍ ومذهب،

زميلي النَّصرانيُّ أعامله بالخُلق الحَسن وأراعي خاطره،

وزميلتكِ التي على غير دينكِ ومذهبكِ تزورينها إذا مرِضتْ،

جاري الملحِدُ أصِله بحقِّ الجِوار الذي جعله له الإسلام عليَّ،

وصديقُكَ في الجامعة الذي على غير دينك تلينُ معه،

ولكن العقيدة أولّاً وأخيراً!

نُكرِمُ الأخرين بما هو حلال في ديننا،

ونَصِلُهُم بحدود المباح الذي لا يوقعنا في الإثم،

ونحفظُ لهم معروفهم، ونكافئُهم عليه، بما نُثاب فيه لا بما نأثم به!

الدَّرسُ الثَّاني:

المؤمن ليس معصوماً عن الخطأ،

ولكنّه وقَّافٌ عند الحقِّ!

ومن أحبِّ الأحاديث النبويَّةِ إلى قلبي، 
قول النّبيُّ ﷺ:

ما من عبدٍ مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفَيْنةَ بعد الفَيْنَة،

أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يُفارقُه حتى يُفارق!

إنَّ المؤمن خُلقَ مفتَّناً، تواباً، نسَّاءً، إذا ذُكرَّ ذَكَرَ!

فإن وقع منك ذاك الذَّنبُ المُعتاد،

الذي تواقعه ثمّ تتوب عنه، وتتوب عنه ثمّ تواقعه،

أو هو ذَنْبٌ جديدٌ طارئ،

فالأصلُ أن ترجعَ فوراً وتتوب، ولا تتمادَ!

إذا نظرتَ إلى حرامٍ،

فمتِّعْ عينيكَ بصفحاتٍ في مصحفك!

وإذا لمستَ ما لا يحِلُّ لكَ،

فاغّسِلْ هذه اليَدَ بصدقةٍ على فقير!

وإذا مشيتَ إلى حيث ما كان يجب أن تَمشي،

فاصحَبْ قدميكَ إلى المسجدِ تكفيراً،

واِمشِ في قضاءِ حاجة مسلمٍ استغفاراً،

أمّا إذا كان الذَّنبُ في حقٍّ من حُقوق العباد،

فلا توبةَ إلا بإرجاع الحقِّ إلى أهله،

ما كان بينك وبين اللّه، تُبْ منه بينكَ وبين اللّهِ.

وما كانَ بينكَ وبين الناس، فحُلّه بينك وبين الناس!

الدَّرسُ الثّالث:

تابَ اللّهُ تعالى على أبي أُمامة،

ولكنّه رفضَ أن يُحلَّ نفسه من وثاقه،

حتى يأتي النبيُّ  ﷺ ويحلّه بيده الشّريفة،

وأنتَ فاعلَمْ:

أنه وإن غابتْ يدُ جَسَدِ النبيُّ ﷺ،

فإنَّ يدَ شرعه باقيةٌ ما بقيت الدُّنيا،

فلا ترضَ إلا أن تحلَّ نفسك بها!

فإنْ فاتتكَ صلاةُ الفجرِ في وقتها،

صلِّها في أقرب وقتٍ ذكرتَها فيه،

ثمّ توّجْ هذا القضاء بركعتين تركعهما من الضُّحى،

وإن جرحتَ يوم صيامكَ بذنبٍ عابرٍ،

رمِّمْ هذا اليوم بصيام يوم تطوع مكانه تعتذِرُ من اللّه تعالى فيه،

إنْ فاتكَ وردكَ من القرآن في النَّهار،

فاقرأه في الليل ففيه مُتَّسَع،

وإنْ غفلتَ عن أذكار الصَّباح،

فسبِّح في الظَّهيرة، في كلِّ الأوقاتِ فُسحة!

وإن بخلتَ في صدقةٍ ثمّ لمتَ نفسَكَ،

فعاجِلْ بصدقةٍ مكانها في موضعٍ آخر!

وإن وجدتَ في نفسِكَ عُجُباً وكِبراً بسبب منصبٍ أو مالٍ،

فتذكَّرْ أنَّ هذه النَّفس فرسٌ جمُوح،

إمّا أن تركبها أو تركبكَ!

ذلَّ كبرياءها بما يُؤدِّبها،

اِشترِ طعاماً وكُلْه من عمَّالٍ بسطاء في ورشةٍ أو محطَّة،

زُرْ بيت فقيرٍ معدمٍ لتعرفَ أنّك لولا فضل اللّهِ لكنتَ مكانه!

الدَّرسُ الرَّابع:

الصَّدقةُ تُطفئُ غضبَ الرَّب كما يُطفئَ الماءَ النَّارَ!

فكلِّلْ كلّ توبةٍ لكَ بصدقة!

وليست الصَّدقة قرينة التَّوبة فقط،

وفضائلها تتخطى ألا تصْلُحَ إلا اعتذاراً!

بالصَّدقة يُدفعُ بلاءٌ لا يُدفَعُ بغيرها،

يقول النبيُّ صلّى اللّه عليه وسلّم: باكِروا بالصَّدقة،

فإنّ البلاء لا يتخطّى الصَّدقة!

وقال يحيى عليه السَّلام يُوصي بني إسرائيل:

آمرُكمُ بالصَّدقة، فإنّ مثل ذلك رجل أسرَه العدُوُّ،

فأوثقُوا يده إلى عُنقه، وقدَّمُوه ليضرِبُوا عنقَه،

فقال: أنا أفتدي منكم بالقليلِ والكثيرِ، ففدى نفسَه منهم!

والصّدَقة تُطهِّرُ المال الذي نجنِيه،

دخلَ النبيُّ  ﷺ السُّوقَ يوماً، فقال للتُّجارِ فيه:

يا معشر التُّجار: إنَّ هذا البيع يحضرُه اللغوُ والحَلِفُ، فشُوبُوه بالصَّدقة!

وأنتَ، اِجعلْ لك صدقةً من راتبك عند استلامِه!

والصَّدقةُ دواءٌ وعلاجٌ، تُدفعُ به الأسقام دفعاً،

يقولُ النبيُّ ﷺ: داوُوا مرضاكم بالصّدقة!

وشكا رجلٌ إلى عبد اللّه بن المبارك، قرصةً خرجتْ في رُكبته منذ سبع سنين،

وقد عالجها بأنواعِ العِلاج، وسألَ الأطباءَ فلم يبرأْ،

فقالَ له ابنُ المبارك: اِذهبْ فاحفِرْ بئراً في مكانٍ يحتاجُ النَّاسُ فيه الماءَ،

ففعلَ الرجلُ هذا، فبرئ بإذن اللّه!

والصَّدقةُ أنفعُ وسيلةٍ لزيادة المال والبركة فيه،

يقولُ النبيُّ ﷺ: ما من يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه،

إلا ملكانِ ينزلان فيقولُ أحدُهما: اللهُمَّ أعطِ مُنفِقاً خَلَفاً!

ويقولُ الآخر: اللهُمَّ أعطِ مُمسِكاً تلَفاً!

ثُمَّ إنَّ كلَّ المال ذاهبٌ نهاية المطاف،

ولا يبقى للعبدِ من ماله إلا ما تصَّدقَّ به واستبقاه عند اللّه تعالى،

ذُبحتْ شاةٌ في بيتِ النبيِّ ﷺ، فأمرَ عائشة أن تتصدّقَ ببعضها،

فلما عادَ سألها عن الشاة، فقالت: ما بقيَ منها إلا كتفها!

فقال لها: بقيتْ كلُّها إلا كتفها!

والصَّدقةُ تحجبُ المسلمَ عن النَّار يوم القيامة!

يقول النبيُّ  ﷺ كما في البخاريِّ ومُسلم:

ما منكم من أحدٍ إلا سيكلِّمُه اللّهُ، ليس بينه وبينه تُرجمان،

فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ،

فينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ،

فينظر بين يديه فلا يرى إلا النَّارَ تِلقاءَ وجهه، فاتقوا النَّار ولو بشقِّ تمرة!

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

لماذا يقدس الإيرانيون «الشاهنامة» بكائية القومية الفارسية؟

 لماذا يقدس الإيرانيون «الشاهنامة» 

بكائية القومية الفارسية؟

جمال خطاب


ولد في القرن الرابع الهجري (بين عامي 324 - 329

 هـ) التاسع الميلادي، في طوس الإيرانية، رجل

 فارسي يدعى المنصور الحسن لأسرة إقطاعية

 فارسية اعتنقت الإسلام، إلا أنها ظلت متأثرة بالتراث

 الفارسي الوثني.

أولع المنصور بالتاريخ وبالشعر الملحمي الفارسي،

ولقب بأبي القاسم الفردوسي، ولا ندري لماذا لم يلقب

 بلقب فارسي وهو من ألف الملحمة العنصرية المسماة

 «الشاهنامة» أو «الشاه نامة»

 (كتاب الملوك أو كتاب التيجان).

عاش الفردوسي في مرحلة شهدت تحولات سياسية

 بارزة، عاصرت ظهور وانقراض الأسرة السامانية

 في عهد الخلافة العباسية؛ وهي الأسرة التي ينتسب ملوكها إلى القائد الساساني بهرام جوبين، وكانوا يبدون

 رغبة عارمة في إحياء التراث الفارسي والسنن

 والآداب القديمة لمملكة فارس البائدة، من هذا

 المخاض ولدت «الشاهنامة»، التي تحولت بمرور

 القرون إلى ما يشبه «قرآن القومية الفارسية»!

وبتدليس وكذب فج ومبالغ فيه لأقصى حدود المبالغة،

 يرفض الفردوسي الفتح الإسلامي لبلاد فارس، وينكر

 آثاره الدينية والحضارية التي لا تنكر على إيران؛ إذ

 يصف الفتح الإسلامي بأنه غزو!

يقول: «العقيدة -الزرادشتية- أُعدِمت، ونُحِر كسرى، وأخذوا الحكم من الأكاسرة، ليس بالشجاعة، بل بالخديعة، وبها استولوا على الحكم، وبالقوة أخذوا

 زوجات الرجال والغنائم والبساتين، فتصور البشاعة

 التي حملها هؤلاء الأوغاد -العرب- إلى العالم، وهي

 بشاعة لا مثيل لها، هؤلاء العرب الغزاة جعلوا عالمنا

 يغادر، وكل ما أراه نماذج من الفاقة»!

ومع ذلك يحظى هذا الكتاب بنوع من التقديس في

 إيران اليوم، على الرغم من احتوائه على هجاء

 صريح للعرب والمسلمين؟

يقول أستاذ الأدب العربي بجامعة أصفهان د. محمد

 خاقاني، في ندوة أقامتها السفارة الإيرانية في الكويت

 عام 2017م تحت عنوان «الشاهنامة: 

ملحمة الفردوسي الخالدة»: إن «ملحمة الشاهنامة

 المكونة من 60 ألف بيت من الشعر واحدة من أهم

 الآثار الأدبية في التاريخ الإنساني حيث قضى الحكيم

 أبو القاسم الفردوسي 30 عاماً في نظمها جامعاً ما

 استوعب من تاريخ الفرس في كتاب خلده على مدى

 الدهر».

وهنا نقوم بتفكيك بنية الوعي الإيراني المعاصر،

 وكيف تُستغل هذه الملحمة كأداة للتعبئة الفكرية

والمذهبية والسياسية.

أولاً: البنية النصّية لـ«الشاهنامة».. نزعة الاستعلاء وهجاء الفتح الإسلامي:

تنضح ملحمة «الشاهنامة» في العديد من مواضعها

 بنظرة استعلائية وشوفينية واضحة تجاه العرب

 والمسلمين؛ إذ صيغت الملحمة كبكائية قومية تندب سقوط العرش الساساني أمام الفتوحات الإسلامية، وتتجلى هذه الإساءات والتهجمات الصريحة في محاور رئيسة:

1- الاستعلاء على نمط الحياة والبيئة:

يتجلى ذلك في أشهر الأبيات الشوفينية في الأدب الفارسي الكلاسيكي، التي جاءت على لسان القائد الساساني رستم فرخزاد قبيل معركة «القادسية»، حيث يقول الفردوسي ما ترجمته: بعد شرب لبن الإبل وأكل

 الضب، بلغ طموح العرب أقصاه، فقد طمحوا في تاج

 الملوك الكيانيين (الساسانيين)؟ فتباً لك أيها الزمان

 وسحقاً!

وهذه هي الأبيات ذاتها التي ترجمها د. محمد علي آذر

 شب، الملحق الثقافي الإيراني الأسبق في دمشق

 وأستاذ الأدب العربي بجامعة طهران.

ولا يخفى ما تحمله من تحقير مباشر لنمط حياة العربي

 واستكثاراً لقيادته وحكمه للمنطقة، وهذا أيضاً يغفل

 أثر الإسلام الذي ارتفع بأخلاق العرب إلى أعلى عليين.

2- مقارنة تنم عن وضاعة وغل:

في موضع آخر، يورد الشاعر الفارسي الفردوسي بيتاً

 يصف فيه تدني حال العربي مقارنة بالحيوانات في

 الحواضر الفارسية، يقول: «الكلب في أصفهان

 يشرب الماء البارد، بينما العربي في الصحراء يقتات

 على أكل الجراد»!

هكذا يضع الشاعر الفارسي البذيء العربي في مرتبة

 أدنى من الكلاب التي تعيش في المدن الإيرانية لإبراز

 الفوارق المادية والمدنية.

3- امتداح تمزيق رسالة النبي:

وتبلغ وضاعة الفردوسي أسفل سافلين عندما يتناول

 سيرة ملك الفرس برويز (خسرو الثاني) وتمزيقه

 لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فيمتدح هذا العمل

 القبيح، الذي ينتقص من الصحابي مبعوث النبي

 الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي متهكماً

 على هيئته: «لما جاء ذلك المرسال الخوار الذي كان

 أعور العين، ولم يكن يمتلك فرساً أصيلة، بانت شفرة

 السيف الحادة بين رقبته وقميصه»!

4- وصم الفاتحين بالجهل والبربرية:

في سياق البكاء على سقوط العاصمة الساسانية

 «المدائن» ودخول المسلمين إليها، ينزع الفردوسي

 الصفة الحضارية والإيمانية عن الفتح الإسلامي،

 واصفاً الصحابة والتابعين بالمخربين، يقول:

 «لقد استولى هؤلاء الأعراب الحفاة على دواوين

 الحكمة، وحطموا تيجان الملوك، واستبدلوا الجهل

 والخراب بعلم الفرس العظيم»!

5- وصف العرب بالشياطين:

في أواخر الملحمة، يطلق الفردوسي أوصافاً مباشرة

 تعتبر دخول المسلمين لبلاد فارس لعنة حلّت

 بالطبيعة: «لقد خرجت تلك الشياطين من الصحاري

 القاحلة، كعاصفة سوداء لا تبقي ولا تذر، فدنسوا

 أرض الأحرار، وغطى السواد تيجان النور».

ثانياً: موقف نظام «الجمهورية الإسلامية» من تلك الملحمة البذيئة:

على الرغم من الشعارات الإسلامية والأممية التي

 يرفعها النظام في طهران، فإنه يتعامل مع الفردوسي

 و«الشاهنامة» باعتبارهما خطاً أحمر ورمزاً للأمن

 القومي الإيراني، ويتضح هذا التناقض الصارخ من

 خلال مواقف، نبرز منها:

على المستوى الداخلي: 

في أبريل 2005م، وخلال احتفال أقيم لدراسة أعمال

 الفردوسي، أدلى وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي

 الأسبق محمد حسين صفار هرندي بتصريح قال فيه:

 «إن الإساءة للفردوسي مقدمة للإساءة والعدوان على

 إيران، وعلى الشعب الإيراني التزود بحماسة

 الفردوسي لمواجهة الأعداء».

الموقف الدبلوماسي الخارجي: 

في مارس 1999م، وخلال زيارته للفاتيكان، قدم

 الرئيس الأسبق محمد خاتمي ديوان الفردوسي كهدية

 إلى البابا يوحنا بولس الثاني، واصفاً الإيماءة بأنها

 تعبير عن حسن النوايا وترويج لمشروعه الشهير

 «حوار الحضارات»!

وعندما زار خاتمي العاصمة الطاجيكية دوشنبه، في

 مايو 2013م، ألقى هناك محاضرات ركزت على

 إرث الفردوسي، الذي لم يعرف له عمل آخر غير

 ملحمة «الشاهنامة»!

ثالثاً: «الشاهنامة» في المناهج الدراسية الإيرانية:

لا تقف «الشاهنامة» عند حدود الرفوف الأدبية، بل يتم

 تحويلها داخل المنظومة التعليمية الرسمية في إيران

 (من الابتدائي إلى الثانوي) إلى أداة للتعبئة النفسية

 والفكرية وبناء جدار من الكراهية والاستعلاء من

 خلال أربعة أبعاد ممنهجة:

1- البعد الثقافي والاجتماعي.. ربط العربي بالبداوة والتخلف:

تستلهم المناهج الإيرانية روح «الشاهنامة» في

 المراحل التعليمية المبكرة حيث تصم العرب بصفات

 الجفاء والبدائية؛ ففي مناهج المرحلة الابتدائية (مادة

 الجغرافيا والتاريخ) ورد: «إن البيئة التي عاش فيها

 العرب امتازت بفقر الطبيعة وقساوتها، وهي التي

طبعت الشخصية العربية بصفات الجفاء، واختزلت

 حياتهم في التنقل والعيش داخل الخيام ورعي الإبل».

وفي مناهج المرحلة الإعدادية (تاريخ صدر الإسلام)

 يُقرر النص ما يلي: «كان الأعراب يعيشون في

تخلف مستمر، يحتكمون إلى السيف لحل مشكلاتهم،

 ويمارسون وأد البنات، وقطع الطرق، ومعاقرة

 الخمور، ولم يكونوا يمتلكون أي مقوم من مقومات

 المدنية أو الحضارة».

2- العقدة التاريخية.. الفتح الإسلامي لبلاد فارس:

إضافة إلى تصوير الفتح الإسلامي في مناهج التاريخ

 للمرحلة الثانوية باعتباره عدواناً مدمراً، يُجبر

 الطلاب في كتاب الأدب الفارسي على حفظ أبيات

 «الشاهنامة» كجزء من المفاخرة القومية.

ومن «الشاهنامة» وفي سياق معركة «القادسية»، يُلقن

 الطلاب حواراً يصف الاستعلاء الساساني؛ حيث

 يخاطب رستم، سعد بن أبي وقاص بقوله: 

«لقد جئتم إلينا حفاة عراة، بلا ثقل ولا رحل، وطمعتم

 في تيجان ملوك العجم الأكابر».

وهكذا فإن تقديس الإيرانيين لـ«الشاهنامة» ليس مجرد

 احتفاء بأثر أدبي قديم، بل هو خيار إستراتيجي تتداخل

 فيه القومية الفارسية مع الأيديولوجيا المذهبية

 المعاصرة.

المنظومة التعليمية والسياسية في طهران تستخدم

 نصوص الملحمة الكاذبة البذيئة، مضافاً إليها

 السرديات التاريخية في المناهج، كأداة تعبئة نفسية

 وفكرية مُحكمة، ولا شك أن هذه التعبئة يمكن أن تبني

 جداراً سميكاً من الكراهية والشعور بالفوقية العرقية

 تجاه المحيط العربي، وهو ما يفسر استخدام الأدب

 الكلاسيكي كوقود للمعارك السياسية والجيو-

إستراتيجية الحالية في المنطقة، ويقف عائقاً بنيوياً أمام

 بناء علاقات حسن جوار حقيقية.