الخميس، 7 مايو 2026

العجز أسلوب حياة

 العجز أسلوب حياة

سعدية مفرح 
كاتبة وصحفية كويتية

يستيقظ كثيرون، كلّ صباح، وهم يعرفون مسبقاً أنّ هذا اليوم سيضيف خبراً جديداً إلى قائمة الأحداث التي لا يستطيعون فعل شيء حيالها. 

صورة طفل تحت الأنقاض، أمّ تنتظر ابنها عند باب سجن، مدينة تُقصف على الهواء مباشرة، أو موظف يعود إلى بيته منهكاً بعدما اكتشف أن راتبه صار أقلّ من احتياجات أسبوع واحد. 

ومع ذلك، تستمرّ الحياة بكامل وقاحتها، تُطالب الجميع بالاستيقاظ والعمل، والردّ على الرسائل، والابتسام أحياناً، كأنّ الخراب مسألة جانبية يمكن تأجيل التفكير فيها.

هذا الشعور تحديداً هو ما يرهق الناس أكثر من المصائب نفسها؛ شعور بأنّ القلب ممتلئ بالعاطفة والغضب والخوف، بينما اليد قاصرة إلى حدٍّ مؤلم. كأنّ المرء يعيش داخل قاعة طوارئ ضخمة، يسمع الاستغاثات كلّها، ويقف عاجزاً عن إسعاف أحد.

المشكلة أنّ قلّة الحيلة لا تظهر دائماً في صورة واضحة؛ ترتدي أحياناً هيئة تعبٍ عابر، أو سخريةً زائدة، أو فتوراً مفاجئاً تجاه الأخبار، أو رغبةً متكرّرةً في الانسحاب من النقاشات العامة. 

وبعض الناس يبدون طبيعيين تماماً بينما هم في الداخل يجرّون شعوراً ثقيلاً بأنّ العالم يتحرّك بطريقة لا تسمح لأصحاب الضمير بالنجاة بسلامهم النفسي.

هناك مَن تعلّم مع الوقت كيف يطفئ حساسيته كي يتمكّن من العيش. يمرّ على المآسي مروراً سريعاً، يغيّر القناة، يضحك، يتابع يومه، يقنع نفسه بأنّ هذه هي الحكمة. بينما آخرون ظلّوا محتفظين بتلك القابلية الخام للتأثّر، يدفعون ثمنها كلّ يوم من أعصابهم ونومهم وقدرتهم على الاحتمال. وهؤلاء تحديداً يعيشون معركةً صامتةً؛ لأنّهم يدركون أنّ التعاطف وحده لا يغيّر شيئاً، لكنّهم عاجزون أيضاً عن التحوّل إلى كائنات باردة.

أقسى ما في العجز أنّه يُشعر صاحبه أحياناً بالذنب؛ كأنّ مجرّد الجلوس في بيت آمن بينما أحدهم يُقتل في مكان آخر تهمة أخلاقية تحتاج إلى تبرير. 

وكأنّ الحياة اليومية نفسها صارت فعلاً مشبوهاً. كيف يمكن لشخص أن يشرب قهوته بهدوء بينما هناك أمٌّ تبحث بين الأشلاء عن طفلها؟ كيف يكتب شاعر قصيدة حبّ بينما مدينة كاملة تُمحى؟ 

وكيف يذهب موظّف إلى دوامه، كالمعتاد، بعدما قضى الليل يتابع صور المجاعة؟

لكنّ الحياة لا تمنح أحداً رفاهية التوقّف الكامل. الناس يكملون أيامهم لأنّ عليهم أن يكملوها، لا لأنّهم بخير. وهذه نقطة كثيراً ما يُساء فهمها. 

استمرار البشر في تفاصيلهم الصغيرة لا يعني أنّهم اعتادوا الألم، وإنّما يعني أنّهم وجدوا طريقة مؤقّتة للتعايش مع عجزهم حتى لا ينهاروا تماماً.

والمفارقة أنّ أكثر الناس إحساساً بقلّة الحيلة هم أولئك الذين يملكون حسّاً أخلاقياً مرتفعاً. 

أمّا القاسي فلا يشعر بالعجز أصلاً، لأنّه لا يشعر بما يكفي ليتألّم. 

لذلك يبدو أصحاب الضمير مرهقين دائماً، كأنّهم يحملون فوق أرواحهم وزناً إضافياً لا يراه أحد. 

إنّهم يفكّرون كثيراً، ويتأثرون كثيراً، ويحاسبون أنفسهم أكثر ممّا ينبغي، ثم يكتشفون في النهاية أنّ العالم لا يكافئ هذه الحساسية، بل يعاقبها أحياناً.

ورغم ذلك تبقى هناك قيمة خفية لهذا الألم كلّه. فالعجز الذي يُبقي القلب حيّاً أقلّ خطراً من القوّة التي تقتل الإحساس بالتدريج. والذين ما زالوا يتألّمون أمام الظلم، وما زالوا يشعرون بالاختناق كلّما رأوا الإهانة البشرية تتكرر، يملكون شيئاً نادراً حتى لو بدا متعباً: قدرتهم على رفض التواطؤ الداخلي.

قد لا يغيّر أحدهم خريطة حرب، ولا يوقف مجاعة، ولا يعيد قتيلاً إلى أمّه، لكنّه يحتفظ بشيء مهمّ وسط هذا الخراب الهائل: رفضه اعتبار القسوة أمراً عادياً. وهذه ليست مسألة بسيطة كما تبدو. 

فالكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتحوّل الاعتياد إلى موقف أخلاقي، وعندما يصبح الألم خبراً عابراً بين إعلانين.

ربّما لا يستطيع البشر إنقاذ العالم كما يحلمون، لكن بوسعهم على الأقلّ ألّا يسمحوا للعالم بأن يسلبهم قدرتهم على الحزن النبيل. وهذا وحده يحتاج إلى شجاعة طويلة النَّفَس.

الحروب بين الإعلام والتعليم

الحروب بين الإعلام والتعليم
عبدالرحمن الشمري


عند تأمل التاريخ نجد أن الحروب الكبرى لم تبدأ دائمًا بحقائق واضحة، بل بروايات متعددة، لكل طرف فيها مبرراته الخاصة. 
فالحرب العالمية الأولى مثلًا لم تكن مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية، بل كانت نتيجة تراكمات من التفسيرات المختلفة، فألمانيا رأت نفسها في حرب وقائية، وروسيا اعتبرت تدخلها دفاعًا عن الشعوب السلافية، والنمسا تحدثت عن رد على جريمة إرهابية، بينما أعلنت فرنسا وفاءها للحلفاء، وبريطانيا التزامها القانوني. 
هذه السرديات المتباينة حول حادثة واحدة أدت في النهاية إلى كارثة إنسانية كبرى، حيث تحولت شرارة اغتيال رجل وامرأة إلى حرب أودت بحياة عشرات الملايين، ومهدت لحرب أكثر دمارًا بعدها وفتكاً.
إن استحضار هذا المثال التاريخي ليس من باب المقارنات وملء الفراغات، بل لتوضيح كيف يمكن للروايات المختلفة أن تشكل وعي الشعوب، وتوجه قرارات الدول. 
وفي الحالة الراهنة بين إيران والكيان المحتل وأمريكا، نجد أن كل طرف يقدم نفسه ضمن إطار دفاعي أو وقائي، ويعمل على بناء سردية متماسكة تخدم مصالحه وتبرر تحركاته أمام شعبه وأمام العالم. 
فإيران ترى نفسها في موقع مقاومة للهيمنة ورفض التدخل الخارجي، بينما تعتبر الولايات المتحدة والكيان المحتل تحركاتهما جزءًا من حماية مصالحهما وأمنهما القومي ومنع التهديدات المستقبلية. 
وبين هذه الروايات المتشابكة، يصبح المشهد ضبابيًا، حيث تختلط الحقائق بالتفسيرات، وتتحول الأحداث إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة وفقًا للمصالح.

وفي ظل هذا التعقيد، يقف المتلقي حائرًا، يتلقى سيلاً من المعلومات المتناقضة من وسائل إعلام متعددة ومنصات رقمية لا تخضع دائمًا لمعايير الدقة والمصداقية. 
فكل خبر يحمل زاوية معينة، وكل تحليل يعكس خلفية فكرية أو سياسية، مما يجعل الوصول إلى الحقيقة الكاملة أمرًا بالغ الصعوبة. 

ومع غياب أدوات التفكير النقدي لدى كثير من الناس، يتحول المتلقي من باحث عن الحقيقة إلى مستهلك للروايات وربما مدافعٍ عنها ويتبنى ما يصل إليه دون تمحيص أو مقارنة.

السؤال الجوهري هنا ليس فقط من بدأ؟ بل أيضًا من المستفيد من استمرار هذا الصراع؟ ومن المتضرر من توقفه؟ وماذا سينتج بعده؟ 
في كثير من الأحيان، تستفيد أطراف متعددة من حالة التوتر، مثل شركات السلاح التي تزدهر في أجواء النزاعات، وبعض القوى السياسية التي توظف الأزمات لتعزيز نفوذها، إضافة إلى أطماع جغرافية ومالية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. 
وفي المقابل يدفع المدنيون الثمن الأكبر، سواء من خلال الأضرار الاقتصادية، أو التوترات الأمنية، أو الخوف المستمر من التصعيد. فالحروب، مهما كانت مبرراتها، تُدار من بعيد، لكن آثارها تقع مباشرة على حياة الجندي والمدني البسيط.

إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط الصراع ذاته، بل التشويش الذي يحيط به. 
فالإعلام، رغم دوره الحيوي، قد يتحول أحيانًا إلى أداة لنقل رواية واحدة، أو لتضخيم حدث على حساب آخر، أو حتى لطمس بعض الحقائق خوفًا من تبعاتها السياسية أو الاقتصادية. 
كما أن التعليم، إذا لم يركز على تنمية التفكير النقدي، يترك الأجيال عرضة للتأثر بأي خطاب دون تمحيص وتحليل. 
نحن أمام جيل يعيش في بحرٍ هائج من المعلومات، تتدفق إليه الأخبار من كل حدب وصوب، لكنه يفتقر أحيانًا إلى البوصلة التي تساعده على التمييز بين الواقع والسراب، وبين الحقيقة والتضليل.

لذلك، فإن بناء الوعي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتطلب تعليم الإنسان كيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يبحث عن مصادر متعددة قبل أن يُكوّن رأيه. 
كما يتطلب تعزيز مهارات التحليل وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية والسياسية، وعدم الاكتفاء بالنظرة السطحية للأمور. 
الفهم الصحيح للواقع لا يعني الوصول إلى الحقيقة المطلقة، بل يعني الاقتراب منها قدر الإمكان، عبر تفكيك الخطابات المختلفة، وفهم الدوافع الكامنة خلفها، واستيعاب تعقيد المشهد دون تبسيط مخل.

وأخيراً فالتاريخ يعلمنا أن سوء الفهم قد يكون أخطر من الصراع نفسه، لأن من سيفهم اليوم هو من سيصنع قرارات الغد ويؤثر في مسار الأحداث. 
وإذا لم ندرك حقيقة ما يجري اليوم بوعي ومسؤولية، فإننا قد نكون جزءًا من إعادة إنتاج مآسي الأمس، ولكن بأدوات أكثر تطورًا ونتائج أكثر قسوة. 
لذلك، فإن الوعي لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحة، وهو خط الدفاع الأول في وجه الفوضى والحروب، والوسيلة الأهم لحماية المجتمعات من الانجرار وراء روايات قد تقود إلى كوارث لا يمكن تداركها.

الأربعاء، 6 مايو 2026

سقوط الأدمغة بين إسرائيل الشرقية والغربية

 سقوط الأدمغة بين إسرائيل الشرقية والغربية

عبد المنعم إسماعيل

كاتب وباحث في الشئون الإسلامية



لمن يريد أن يفهم الصراع بين إسرائيل الشرقية إيران والغربية المحتلة لفلسطين.

بهدوء نقول بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خطر يهود والصهيونية وعموم المنظمات الصليبية خطر لم ولن ينتهي بمرحلة زمنية ما دام الليل والنهار ومن ثم نجحت الجاهلية العالمية ذات الأصول الصهيونية والصليبية في بناء كيان جاهلي يحمل راية إسلامية كذبا وزورا حتى يتمكن من تفكيك عرى الأمة ومن ثم كانت فكرة الثورة الخمينية المجوسية التي كشف عوارها الشيخ محمد سرور زين العابدين في كتابه الماتع وجاء دور المجوس الذي كتبه في مقتبل الثمانينات محذرا تعاطف الأمة الإسلامية مع شيطان القرن الخميني خاصة أنه وجد جماعة الإخوان المسلمين سقطت في فخ الاعجاب بشيطان القرن وجاهليته الجهنمية الشيطانية المعروفة بالثورة الإسلامية الشيعية الخمينية المجرمة.

إن هذا التقديم السابق ليس من معانيه مدح بني صهيون او التغافل عن الحرب العالمية الصهيونية على الإسلام والسنة النبوية وعموم بلاد الأمة العربية الإسلامية فخطر يهود خطر وجودي ومعلوم للأمة كلها سواء عرب أو عجم لكن مكمن الخطر يكون في الاعجاب بشياطين المجوس الروافض تحت شعار الصراع مع الغرب أو الصراع مع أمريكا فالأمة ليست مطالبة بالسقوط في فخ التشيع إذا كانت تعادي اليهود أو العكس فكلاهما أعداء للأمة العربية والإسلامية في الماضي والحاضر والمستقبل.

ايران المعاصرة (خلطة شيطانية تكونت من يهود أصفهان ومجوس قم وهندوس الفرس) لإحداث زلزال عقدي داخل الأمة الإسلامية باسم التشيع وفي الحقيقة أنها دولة خمينية  باطنية وثنية لا علاقة لها بالإسلام لا من قريب أو من بعيد ورفعها لراية التشيع ما هو إلا أكذوبة لا أساس لها من الصحة تشبه رفع النصارى لراية المسيح عليه السلام ورفع اليهود لراية موسى عليه السلام  فالأمر مجرد أكاذيب شيطانية لاستدراج العوام لفخ التشيع السياسي ثم العقدي ثم السقوط في جب الباطنية ثم التوافق مع بني صهيون وتفكيك بلاد العرب والمسلمين لخدمة اسرائيل الصهيونية بالحروب الوظيفية أو الجماعات الإسلامية المغيبة في تيه التقارب مع عصابات قم المدنسة والوكلاء الموجودين على الأرض في اليمن ولبنان وحيثما وجدت خلايا ايران الخمينية النائمة على طغيانها العقدي والفكري الجاهلي فهي كيان اسرائيلي خالص لا يقل عن اسرائيل الغربية المحتلة لفلسطين المقدسة.

..

كيف سقطت العقول في مدح إيران الخمينية الصفوية المجرمة؟

أخطر ما تم مع العقل العربي والإسلامي خلال القرن الماضي هو إعادة ترتيب الأولويات وفقا لأحاديات الفهم الخاصة بكل جماعة إسلامية أو حزب إسلامي ومن ثم تم فتح جب وهاوية الانتصار للعاطفة وقياس الأمور تبعا لضحايا الرؤية الذاتية والخاصة بكل فصيل ومن ثم هلكت الأمة العربية والإسلامية.

متى تدرك الجماهير العربية والإسلامية أن التحذير من الشيعة والرافضة أو عموم مناهج أهل الهوى ليس تلميعا في بني صهيون او يهود؟

التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بين ميزان قوى هش وتحالفات جديدة

 التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بين ميزان قوى هش وتحالفات جديدة

عبد المنعم منيب.. 
كاتب صحفي وباحث في السياسة والدراسات الإسلامية


التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط باتت بارزة لكل ذي عين، فالحرب والصراع بين إيران ومحورها من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ما زالت تراوح مكانها بغير نتيجة حاسمة، ولكن أيا كانت نتيجة هذا الصراع فإن منطقة الشرق الأوسط بعد نهاية هذه الحرب سوف تشهد تحولات استراتيجية بالغة لدرجة أن يقر الجميع بأن المنطقة بعد الحرب الإيرانية الأمريكية ليست مثلما كانت قبلها، وفي السطور التالية نرصد أبرز المعالم الكبرى لهذه التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

 

المشهد الراهن والتحولات العسكرية الكبرى

في البداية لابد من التأكيد على أن المنطقة شهدت في الفترة 2023 – 2026 تصعيداً خطيراً أعاد رسم خريطة المنطقة، وتمثلت أبرز محطاته في:

 

▪ حرب طوفان الأقصى: حيث شنت المقاومة الفلسطينية هجوما مباغتا وشاملا برياً وبحرياً وجوياً ضد المستعمرات الصهيونية في غلاف غزة في 7 أكتوبر 2023، وأسفر الهجوم عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي وأسر العشرات، مما شكل صدمة أمنية واستخباراتية تاريخية لإسرائيل، وأدى إلى اندلاع حرب مدمرة مستمرة على قطاع غزة.

▪ سقوط النظام السوري: في ديسمبر 2024، حيث سقط نظام الأسد بهزيمته أمام قوات الثورة السورية، مما خلق فراغاً استراتيجياً كبيراً ومن ثم بدأت القوى الإقليمية، وخاصة تركيا، في ملئه.

▪ حرب الاثني عشر يوما: ضد إيران في يونيو 2025، والضربات اللاحقة لها أدت إلى ضعف شديد في ما كان معروفا بـ«محور المقاومة»، مع استمرار الدمار في غزة ولبنان وسوريا وكل هذا ساهم في انهيار النظام الإقليمي القديم في سياق صراع إيران وأمريكا وإسرائيل.

 

▪ حرب فبراير 2026: حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية واسعة على إيران، استهدفت مواقع حكومية وعسكرية وأدت إلى اغتيال شخصيات قيادية عليا، مما أسفر عن إصابة إيران بحالة من الضعف ومن ثم تراجع مؤقت لنفوذها في المنطقة.

 

التحالفات الأمنية الجديدة وصعود القوى المتوسطة

أدى الفراغ الاستراتيجي الناتج عن إضعاف إيران إلى بروز تحالفات جديدة تهدف إلى تحقيق «توازن قوى» في المنطقة ويمكن أن نلاحظ أبرز ملامحها حتى الآن في الظواهر التالية:

 

▪ الدور التركي القيادي: برزت تركيا كأكبر الرابحين استراتيجياً؛ حيث دعت لتأسيس «تحالف أمني إقليمي» لتعزيز الثقة وتقليل الاعتماد على واشنطن.

▪ بداية تبلور محور سني: وهو ما تبرز ملامحه في تعاون واسع يضم تركيا والسعودية وباكستان (مع احتمال انضمام مصر وقطر)، حيث تقدم تركيا وباكستان الخبرة العسكرية والوجود الميداني، بينما تقدم السعودية التمويل، بهدف مواجهة التهديدات الإسرائيلية والإيرانية على حد سواء في ظل توازنات إيران وأمريكا وإسرائيل.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد دعا في القمة العربية الإسلامية الأخيرة (2025) إلى مثل هذا التعاون اذ دعا إلى: «إنشاء آلية عربية إسلامية للتنسيق والتعاون، تمكننا جميعًا من مواجهة التحديات الكبرى، الأمنية والسياسية والاقتصادية» بحسب تعبيره.

 

▪ السيطرة في سوريا: أصبحت تركيا القوة الخارجية المهيمنة في سوريا بعد سقوط الأسد، وعملت كـ«ضامن أمني» عبر نشر قوات وقواعد جوية، مما عزز نفوذها وصولا إلى دمشق.

 

سباق التسلح وإعادة التموضع العربي

انتقلت دول الخليج من سياسة الحياد إلى اتخاذ مواقف أمنية أكثر حزماً نتيجة تعرضها لضربات مباشرة في سياق صراع إيران وأمريكا وإسرائيل، ويظهر هذا بوضوح من خلال المعالم السياسية والاستراتيجية التالية:

 

تسليح مكثف: أبرمت دول خليجية (الإمارات، الكويت، السعودية) صفقات أسلحة بمليارات الدولارات، شملت أنظمة دفاع جوي متطورة لمواجهة التهديدات الصاروخية.

 

سياسة التحوط: تتبنى القوى الإقليمية استراتيجية التوازن بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، خاصة مع شعورها بعدم اليقين تجاه الالتزامات الأمنية والاستراتيجية الأمريكية.

 

تحركات عسكرية مصرية مكثفة: حيث أجرت مصر العديد من المناورات العسكرية مع باكستان وتركيا والسعودية والصين، ومنها 3 مناورات على أرض باكستان هي: 

رعد 1 فبراير 2024، ودرع السند أكتوبر 2024 وشاركت فيها تركيا والسعودية، ورعد 2 أبريل 2026.

 

وكذلك 3 مناورات مع تركيا، وهي: تدريب مشترك للقوات الخاصة أبريل 2025 في أنقرة، ثم بحر الصداقة سبتمبر 2025 مناورة بحرية في شرق البحر المتوسط، ومؤخرا “فلينتلوك” أبريل 2026 في ليبيا وهي مناورة للقوات الخاصة للبلدين.

 

وأجرت مصر مناورة عسكرية جوية مع الصين وهي: نسر الحضارة في أبريل-مايو 2025 على أرض مصر، شملت طائرات مقاتلة متعددة المهام وتدريبات على القتال الجوي والتزود بالوقود.

 

وبزرت التحركات العسكرية المصرية في سيناء على الحدود مع إسرائيل حيث تم نشر قوات إضافية في الفترة 2024-2026 لتعزيز الأمن، مع تدريبات مكثفة، وآخرها كانت مناورة بدر 2026 في أبريل الماضي وجرت بالذخيرة الحية، وأثارت قلقاً إسرائيلياً بالغا.

 

التداعيات الاقتصادية والإنسانية

أثرت الصراعات في منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر على الاستقرار العالمي خاصة في ظل تصاعد صراع إيران وأمريكا وإسرائيل:

 

▪ أسواق الطاقة: أدى تهديد مضيق هرمز إلى اضطرابات في الإمدادات، حيث قفزت أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل في مارس 2026 قبل أن تستقر قليلاً مع بوادر التهدئة.

▪ الأزمات الإنسانية: تسببت الحروب في دمار واسع في البنى التحتية في لبنان وسوريا وغزة، مما يجعل الاستقرار بعيد المنال ويخلق بيئة خصبة لعدم الاستقرار المستقبلي.

 

«السلام الإسرائيلي» والسيناريو المستقبلي

ولا شك أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تسعى لترسيخ سلام إسرائيلي قائم على هيمنة إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط لكنها لم ولن تنجح في ترسيخ مثل هذا السلام بالمنطقة لعدة أسباب:

 

غياب الشرعية: لا يمكن تحقيق استقرار دون حل القضية الفلسطينية وضمانات إقليمية شاملة تمنع العدوان الإسرائيلي المتتابع ضد إيران وسوريا ولبنان والضفة الغربية وغزة.

الفوضى الهيكلية: أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية إلى تدمير نظام قديم دون بناء بديل واضح، مما ترك المنطقة في حالة فوضى.

الإرادة العربية والإسلامية: حيث تصمم القوى الكبرى العربية والإسلامية بالمنطقة على عدم منح إسرائيل التفوق الاستراتيجي، مع سعى هذه القوى لترسيخ توزان استراتيجي جديد في المنطقة لصالح هذه القوى وليس لصالح إسرائيل.

 

وختاما فإن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة انتقال من “الأحادية القطبية” إلى نظام أمني “متعدد الأقطاب” تقوده قوى إقليمية مثل تركيا ومصر والسعودية وباكستان، في محاولة لملء الفراغ ومنع الهيمنة المطلقة لإسرائيل، وسط تحديات اقتصادية وأمنية جسيمة.

 

الأسئلة الشائعة حول التحولات الاستراتيجية في المنطقة العربية

ما هي أبرز ملامح التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد صراع إيران وأمريكا وإسرائيل منذ 2024؟

تتمثل في سقوط النظام السوري، وإضعاف النفوذ الإيراني عسكرياً، وبروز دور قيادي لتركيا ومصر والسعودية في محاولة لرسم نظام أمني إقليمي جديد بعيداً عن الهيمنة الأحادية.

 

لماذا أثارت مناورة “بدر 2026” المصرية قلقاً في إسرائيل؟

لأنها جرت بالذخيرة الحية في سيناء، وشملت تدريبات مكثفة للقوات الإضافية المنشورة على الحدود، مما اعتبره الكيان الصهيوني مؤشراً على جاهزية مصر لفرض توازن قوى جديد.

 

هل يمكن أن ينجح “السلام الإسرائيلي” في المنطقة؟

يرى المقال أن هذا المشروع يفتقر للشرعية في غياب حل القضية الفلسطينية، ويصطدم بإرادة القوى الإقليمية الكبرى (تركيا، مصر، باكستان) التي ترفض التفوق الاستراتيجي المطلق لإسرائيل.

 

كيف أثّر صراع إيران وأمريكا وإسرائيل على ميزان القوى في المنطقة؟

أدى الصراع إلى إضعاف بعض المحاور التقليدية وخلق فراغ استراتيجي، مما سمح بظهور تحالفات جديدة وسعي دول المنطقة لتحقيق توازن قوى جديد.

 

هل يمكن تحقيق استقرار في الشرق الأوسط في ظل هذه التحولات؟

الاستقرار يظل صعبًا في ظل غياب حل عادل للقضية الفلسطينية واستمرار الصراعات الإقليمية والدولية داخل المنطقة

الأمة اليوم