الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

الشيخ سعيد النورسي والإيمان

الشيخ سعيد النورسي والإيمان

من العلماء والمصلحين والمجددين من يبقى مشروعه فكرة في رأسه، لا تجد طريقها إلى التطبيق في حياته، بل ينمو مشروعه ويتكامل بعد وفاته، ومنهم من يمد الله تعالى في أجله، فينجز مشروعه ويراه في حياته.

ومن النوع الثاني العالم المجدد سعيد النورسي، الذي ظهر في تركيا، وطال به العمر حتى تجاوز (80) عاماً، عاصر فيه عدة خلفاء عثمانيين، كان له ولرسائل النور التي ألفها دور كبير في الوقوف أمام المد العلماني، الذي أراد أن يمسح الإسلام من الحياة، وينزع الإيمان من القلوب.

فمن هو بديع الزمان النورسي؟ وما الدور الذي قام به في تركيا والعالم؟ ما علاقته بما نشهده اليوم في هذا البلد المسلم العظيم من تطورات على مستويات متعددة تلفت النظر وتثير التساؤل؟

مولد ونشأة سعيد النورسي

ولد سعيد النورسي في قرية (نورس) الواقعة شرقي الأناضول، في تركيا عام (١٨٧٧م) من أبوين صالحين، إذ ينتهي نسبه لأبيه إلى الحسن بن علي عليهما السلام، وينتهي نسبه لأمه إلى الحسين بن علي عليهما السلام، فهو حسني حسيني.

ظهرت عليه علامات الفطنة والذكاء منذ طفولته، فقد حفظ (90) كتاباً عن ظهر قلب، فضلاً عن حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر، فبهر العلماء بقوة ذاكرته، وبداهته، وذكائه، ودقة ملاحظته، وقدرته على الاستيعاب والحفظ، مما دفع بأحد العلماء إلى إطلاق لقب (بديع الزمان) عليه.

نقطة التحول في حياة النورسي

خلال مطالعته لأحد الكتب، قرأ أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون)، وقف في مجلس العموم البريطاني، وهو يحمل القرآن الكريم بيده، ويهزه في وجوه النواب، ويقول لهم بأعلى صوته: (ما دام هذا الكتاب موجوداً، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان، لذا لا بد لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به).

فقرر سعيد النورسي تغيير الأمة من خلال القرآن وقال: “لأبرهنن للعالم أجمع، بأن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها“.

مدرسة الزهراء وإصلاح التعليم

كان هدفه إيقاد شعلة الإيمان في قلب أفراد الأمة، وقد نظر إلى واقع التعليم في تركيا، فرآه مقسوماً إلى قسمين: التعليم الديني متمثلاً في المدارس التقليدية، والتعليم الحديث متمثلاً بالمدارس الحديثة، فنظر إلى العلاقة بين العلوم الدينية والحديثة، فلخصها بقوله:

(ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة، بامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبإفرادهما تنشأ الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك).

فعمد إلى إصلاح مشروع التعليم (منهجية أسلمة العلوم)، فسافر إلى اسطنبول، وقدم مشروعه للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، لكن الحكومة لم تتبنى هذا المشروع، فقام هو بنفسه بوضع حجر الأساس لمشروعه في عهد السلطان محمد رشاد، لكن إسقاط الخلافة العثمانية حال دون إتمام مشروعه.

الخطبة الشامية

في سنة ١٩١١م سافر إلى دمشق، وألقى في المسجد الأموي خطبة حضرها (10) آلاف من علماء الشام، عرفت باسم الخطبة الشامية، وقد وصف فيها أمراض الأمة الإسلامية، ووسائل علاجها.

فحصر أمراض الأمة في ستة أمور:

  1. اليأس
  2. موت الصدق
  3. محبة العداوة
  4. الجهل بالرابطة النورانية بين المسلمين
  5. الاستبداد السياسي
  6. الأنانية الشخصية

أما طرق علاجها فلخصه في ستة أشياء:

  1. التمسك بالقرآن الكريم
  2. إحياء الإيمان في القلوب
  3. التسلح بالأمل والتخلص من اليأس
  4. التمسك بالصدق
  5. التحابب فيما بين المسلمين
  6. اتخاذ الشورى منهجاً في الحكم لإلغاء الاستبداد

جهاد النورسي

لما اندلعت الحرب العالمية الأولى، هب الشيخ سعيد في وجه الطامعين الروس، وقاد بنفسه مجموعة من المتطوعين، فلم يكن عالم دين نظري فقط، بل كان عالماً عاملاً بأحكام الدين.

وهو في ساحات القتال، أملى على أحد طلابه كتابه ( تفسير إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز)، وقد فسّر فيه سورة الفاتحة مع (33) آية من سورة البقرة.

جرح في إحدى المعارك، وتم أسره ونُفي إلى منطقة سيبيريا الباردة، وبقي فيها قرابة السنتين، ثم أطلق سراحه فعاد إلى تركيا فكرمته الحكومة التركية، وعينته عضواً في (دار الحكمة الإسلامية)، وهي أعلى هيئة دينية في تركيا.

الصحوة الإيمانية لدى النورسي

نذر النورسي نفسه لخدمة القرآن الكريم، ومحاولة اكتشاف الإيمان كأساس للنهضة وأساس كل خير.

دخل في مرحلة القلق الروحي، مما دفعه للتفكير العميق بالحياة، والموت، وبكل آيات القرآن، وأخذ يخلو إلى نفسه، ثم اطلع على كتابين أولهما للشيخ الجيلاني، والآخر للسرهندي، فاحتار أيهما يتبع في أفكاره،

إلى أن قرأ جملة للسرهندي (وحّد القبلة)، فنظر فوجد أن القرآن الكريم هو قبلة المسلمين أجمعين، وهذا ما كان يعمل عليه سابقاً فأيقن أن فهم القرآن الكريم هو أساس الصحوة.

النورسي والعلمانية

في سنة (1922م) دُعي إلى أنقرة، لإلقاء خطبة أمام مجلس النواب، فتحدث عن الإيمان والجهاد وأهميتهما في الحياة ومسيرة الدولة العثمانية، طبعاً لم تعجب الخطبة العلمانيين، وجرى حوار بين النورسي وأحد العلمانيين، وعرض عليه منصباً في الدولة ليكسبه إلى صفه، فرفض الشيخ، فلجؤوا إلى تهديده إما التعاون وإما النفي، فرجع إلى موطنه شرق تركيا واعتزل الناس.

في تلك الأثناء، اندلعت ثورة شرقي البلاد لكن النورسي رفض دعمها معتبراً أنها حرب بين المسلمين، ورغم ذلك اعتقلته السلطات، واتهمته بالضلوع في الثورة، فحكم عليه بالسجن، ونقل إلى وسط الأناضول عام (1925)، وبقي يُنقل من منفىً إلى منفى، ومن سجنٍ إلى سجن حتى عام (1950).

عرض عليه خلال هذه الفترة مغادرة تركيا حتى ينتهي من معاناته، لكنه قال: (والله لو كنت في مكة لرجعت إلى تركيا لأنها هي ميداني).

وقد أيقن أن مقاومة العلمانية لا تكون بالعمل السياسي بل بالتمسك بالقرآن وحقائقه.

رسائل النور

هي رسائل في تفسير القرآن الكريم، كلها تدعو إلى إحياء الإيمان الحقيقي في القلوب، الذي هو سبب إصلاح أحوال الأمة مصداقاً لحديث رسول الله:

(ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، عدد هذه الرسائل (130) رسالة، تشكِّل تسعة مجلدات، وتحوي أكثر من (5000) صحيفة، ترجمت إلى (60) لغة، وهي منتشرة من خلال طلاب النور في كل بلاد العالم.

أما وقت كتابتها فامتد من عام (1927) حتى عام (1950)، وقد كتبها خلال منفاه، الذي شاركه فيه كثير من طلاب النور، كان يكتب لهم هذه الرسائل، فأحيا الإيمان في قلوبهم، وجعلهم يضحون بكل شيء لأجل دينهم، فهم آمنوا أن لا نهضة للأمة إلا بالإيمان.

وصل تعداد طلاب النور إلى الملايين، وقد شاركوا بانتخابات سنة (1950)، وكان لهم دور بارز في إبعاد حزب الشعب الجمهوري العلماني عن السلطة، وانتخاب الحزب الديمقراطي الذي كان أخف وطأة من الحزب الجمهوري.

منطلقات دعوته الإصلاحية

  • إحياء الإيمان الحقيقي في قلوب الكثير من الشعب التركي.
  • السياسة لخدمة الدين، وليس الدين ليسخر لمصلحة البعض (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة).
  • مقاومة العلمانية لا تكون بالعمل السياسي، بل بالتمسك بالقرآن وحقائقه.
  • نشر هذا المنهج في كل العالم عن طريق طلاب النور الذين يعدوا بالملايين.
  • بيان مفصل لمنهج العمل الإيماني الإيجابي البناء.
  • تحديد الهدف، وتحديد الجمهور المستهدف، وتحديد الطريق الذي ينبغي السير عليه.

من إنجازات دعوته الإصلاحية

  • إعادة الأذان باللغة العربية.
  • إبعاد حزب الشعب الجمهوري عن السلطة عام (1950).

رحم الله الشيخ سعيد النورسي بديع الزمان وأعلى في قدره.


هل نجهل معنى الهوية؟

 هل نجهل معنى الهوية؟

د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي



كنت في محاضرة جمعتني بمجموعة من الشباب وكان حديثنا يدور حول مفهوم الهوية الوطنية وأهمية المحافظة عليها حتى سألني أحدهم قائلًا: هل تعتبر حماية الهوية الوطنية واجبًا مقدسًا؟ 

فقلت له قبل أن نجيب عن هذا السؤال علينا أن نسأل سؤالًا أكثر أهمية وهو ما المقصود بالهوية أصلًا؟ هل نعني بها دين المجتمع أم أعرافه وتقاليده أم لباسه ولهجته أم مصالحه وقيمه المشتركة؟، وهل كل ما ورثناه عن الأجداد القدامى يدخل في مفهوم الهوية ويستحق الحماية ؟، وهنا بدأ النقاش يأخذ مسارًا مختلفًا وعرفنا أن الخلاف لم يكن حول ضرورة المحافظة على الهوية وإنما حول تحديد معناها وحدودها، فكثيرًا ما نردد كلمة الهوية في أحاديثنا الاجتماعية والسياسية ونتعامل معها باعتبارها مفهومًا واضحًا ومستقرًا في أذهاننا، بينما تتعدد دلالاتها وقد يختلف الناس في فهمها دون أن يدركوا سبب اختلافهم، ولعل الإشكالية الكبرى ليست في ضعف انتمائنا إلى هويتنا وإنما في أننا نطالب بحمايتها قبل أن نتفق على معناها.

ومن هذا السؤال الذي طرحه ذلك الشاب فحري بنا محاولة فهم الهوية من حيث معناها وأصولها، فالهوية في أصلها اللغوي مشتقة من الضمير «هو» للدلالة على حقيقة الشيء وما يجعله هو نفسه لا غيره، أما اصطلاحًا فهي مجموعة العلامات والخصائص والانتماءات التي يعرف بها الإنسان بين الآخرين، وقد تناولها البعض من علماء الاجتماع أنها التركيبة الشخصية واستمرار الوعي بينما ربطها آخرون بالانتماء إلى جماعة محددة وما يمنحه ذلك من شعور بالذات، فهي علامات تشير إلى انتماء الإنسان إلى جماعة معينة كاللغة واللباس والعادات والرموز، فعندما ننظر إلى المجتمع الخليجي مثلا نجد أن الثوب والغترة والعقال تمثل علامات ثقافية مميزة نحافظ عليها اعتزازًا بالماضي وارتباطًا بالمجتمع وبما نشأنا عليه، لكنها ليست مقدسات في ذاتها ولا تتحول المحافظة عليها إلى معيار للحكم على أخلاق الإنسان أو مقدار وطنيته، فاللباس قد يكون تعبيرًا عن الهوية لكنه لا يختصر حقيقة الإنسان ولا يستوعب وحده كل المعاني الدينية والأخلاقية والوطنية التي يحملها الانسان.

ومن هنا ينبغي أن نميز بين الاعتزاز بالهوية وبين الغلو في تقديس مظاهرها، وأيضاً بين الانفتاح على العالم والتفريط في مقومات المجتمع، فالغلو يبدأ حين تتحول العادات المتغيرة إلى ثوابت لا يجوز مناقشتها وحين يصبح الاختلاف في المظهر سببًا للتشكيك في الانتماء طالما خلا من دلالات تعارض ما يؤمن به الإنسان، أما التفريط فيبدأ عندما يفقد المجتمع صلته بلغته وتاريخه وذاكرته المشتركة ويتعامل مع موروثه باعتباره عبئًا ثقيلاً ومعيباً ينبغي التخلص منه، فالهوية ليست بناءً جامدًا توقف عند جيل معين بقدر ما هي امتداد تاريخي تتداخل فيه عناصر ثابتة نسبيًا وأخرى قابلة للتطور، والمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى من الجديد الذي علمنا إيجابيته، كما أنها لا تتخلى عن ماضيها وثقافتها لمجرد مواكبة العصر.

ما جرى في عام 1958 سيجعلك تفهم ما وقع بين البرهان وحمدوك

ما جرى في عام 1958 سيجعلك تفهم ما وقع بين البرهان وحمدوك

صحفي وكاتب سوداني.


صبيحة 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أعلن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان -رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان وقائد الجيش السوداني– عن مجموعة من القرارات والإجراءات والتدابير شملت فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء السودان، وتعليق العمل بالوثيقة الدستورية، وحل السلطات الانتقالية (مجلس السيادة الانتقالي ومجلس الوزراء)، وإقالة عدد من أعضاء الحكومة وولاة الولايات والأعضاء غير العسكريين بمجلس السيادة الانتقالي، ووضع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك رهن الإقامة الجبرية.

وأحدثت هذه الخطوة المفاجئة من جانب البرهان دويا هائلا في الوسط السياسي في السودان الذي كانت تسوده حالة من عدم اليقين والفوضى والاضطراب والشلل بسبب ضعف السلطة، وذهاب هيبتها، وعجزها عن بسط الأمن والاستقرار.

وظهر ذلك جليا في إغلاق الشوارع وتعطيل حركة المرور والإضرابات المتكررة التي كانت تقف وراءها بعض القوى السياسية المشاركة في السلطة، في ظل عدم وجود سلطة تشريعية ومحكمة دستورية رغم أن الوثيقة الدستورية نصت على ضرورة إنشاء برلمان انتقالي يكون رقيبا على أعمال السلطة التنفيذية ويسن التشريعات.

رئيس الوزراء الأسبق "المستقيل" عبد الله حمدوك لم تكن له سابق تجربة في العمل السياسي في السودان بما يكفي لتؤهله ليكون رئيسا للوزراء للنظام الذي أطاح بالرئيس البشير

كما نصت على تشكيل محكمة دستورية كأعلى هيئة قضائية في البلاد تقوم بمهام الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة والفصل في تنازع الاختصاص والأحكام، وتفسير نصوص الدستور والرقابة على الانتخابات والاستفتاءات وغيرها من المهام المعروفة للمحاكم الدستورية، وهي مهام لا غنى عنها لأي دولة حديثة.

وقد أحدث غيابها في السودان الكثير من الاضطراب السياسي والعدلي بصورة غير مسبوقة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني سمى هذه الخطوة بـ"الإجراءات التصحيحية"، بهدف تصحيح "مسار الثورة" على حد وصفه، ومنع تفكيك البلاد، ومن أجل توسيع قاعدة المشاركة السياسية تمهيدا لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

ردود أفعال متباينة

وتباينت ردود الأفعال المحلية والإقليمية والدولية إزاء خطوة البرهان التي سماها بالإجراءات التصحيحية.

فعلى الصعيد المحلي يمكن القول إنه قد حدث انقسام ما بين مؤيدين لهذه الخطوة، ورافضين لها، والفئة المؤيدة ترى أن البلاد كانت غارقة في مستنقع فوضى واضطراب وانهيار أمني واقتصادي ألقى بأثره البالغ على الحياة المعيشية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وانعدام الوقود والطاقة عموما، وغياب الرقابة على أعمال الحكومة وتخبط الجهاز التنفيذي بالدولة وتفشي الفساد في الخدمة المدنية وتغول السياسيين على الجهاز القضائي عبر اللجان المشكلة من قبل قوى سياسية وأشهرها لجنة إزالة التمكين.

هذه اللجنة مثلت ذروة التغول والافتئات على القضاء ومصادرة صلاحياته فكانت سياسية بالكامل، وتمارس مهامها بدوافع سياسية بحتة لا علاقة لها بالعدالة والقانون.

كانت هي الخصم والحكم، الادعاء والقضاء، ليس عليها رقيب يراجع قراراتها، وكانت أحكامها نهائية غير قابلة للنقض، وكانت تقوم بفصل موظفي الخدمة المدنية من غير الموالين للقوى السياسية التي تمثلها اللجنة وإبعادهم وإحلال كوادرها محلهم بغض النظر عن التأهيل والكفاءة، وإلصاق "تهمة" الانتماء إلى نظام الرئيس المعزول البشير بكل من يبدي رأيه المخالف لما تقوم به اللجنة التي بدلت تمكين نظام البشير بتمكين آخر أكثر سوءا يقوم على الولاء المحض للقوى السياسية التي تهيمن على السلطة، فأوجدت خطوة البرهان ارتياحا لدى هذه الفئة المؤيدة لها.

أما الرافضون لخطوة البرهان فهم فئة مؤلفة من القوى والأحزاب والكيانات السياسية المشاركة في السلطة ممن عرفوا بـ"قوى الحرية والتغيير"، حيث خرج أنصار هذه القوى إلى الشوارع في مظاهرات احتجاج رافضين لما اعتبروه "انقلابا عسكريا"، ومطالبين بعودة ما أسموه "الحكم المدني الكامل"، وهتفوا بعودة رئيس الوزراء المقال حمدوك.

لكن لم تجد هذه الاحتجاجات تجاوبا كبيرا من قطاعات شعبية واسعة، وربما يعزى هذا التراخي الشعبي إلى أن قسما كبيرا من الشعب السوداني كان يرى أن ما فعله البرهان يأتي في سياق تقويم تجربة انحرفت كثيرا عن جادة الثورة، وتصحيحا لأخطاء عديدة ارتكبتها حكومة حمدوك والقوى السياسية القابضة على السلطة باسم الثورة والثوار.

هناك أسباب أخرى كثيرة لم يشأ حمدوك ذكرها في تسبيب استقالته وهي أسباب تتعلق بأدائه ومنهجه في التعاطي مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي كان السودان يرزح تحت وطأتها، حيث اتسم تعاطي حمدوك معها بالقصور والعجز والفشل وهو قصور ناتج عن نقص كبير في خبرته السياسية

كيف ولج حمدوك إلى الحياة السياسية في السودان؟

رئيس الوزراء الأسبق "المستقيل" عبد الله حمدوك لم تكن له سابق تجربة في العمل السياسي في السودان بما يكفي لتؤهله ليكون رئيسا للوزراء للنظام الذي أطاح بالرئيس البشير.

فقد درس الاقتصاد بجامعة الخرطوم، وأكمل دراسته العليا بمانشستر، ولم يكن له إرث سياسي في الجامعة كحال معظم الأعلام من السياسيين السودانيين ولم يكن معروفا عنه ممارسة نشاط سياسي في مؤسسة أكاديمية عريقة ومشهورة- كان النشاط السياسي فيها يغلب حتى على النشاط الأكاديمي- هي جامعة الخرطوم.

عمل حمدوك بلجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا والبنك الأفريقي للتنمية، ومستشارا خاصا لبنك التجارة والتنمية في إثيوبيا.

وكل ما يمكن أن يذكر من نشاط سياسي قام به حمدوك في الماضي قبل توليه رئاسة الوزراء أنه شارك في مبادرات سلام أفريقية للتوسط في نزاعات في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

هذا كان كل حظ حمدوك من العمل السياسي قبل ولوجه مسرح السياسة السودانية في واحد من أخطر منعطفات السياسة في السودان التي عرف عنها التقلب والفوران عبر مراحلها التاريخية المختلفة منذ الاستقلال، وهي المرحلة التي أعقبت الإطاحة بأقوى نظام حكم تولى إدارة البلاد لثلاثة عقود دون انقطاع.

وتولى حمدوك رئاسة حكومة "الثورة" بالرغم من أنه لم يشارك فيها ولم يكن ضمن قادتها الميدانيين ولم يعرف عنه مساندتها وتأييدها عن بعد من مقر إقامته في الخارج، وهي واحدة من غرائب السياسة السودانية التي يصعب فهمها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حمدوك لم يكن معروفا لدى السودانيين قبل أن تسلط عليه الأضواء في 2018 من قبل نظام الرئيس المعزول عمر البشير، حيث عرض عليه منصب وزير المالية وتم تلميعه بشكل لافت، إلا أنه رفض تولي المنصب ربما لأنه رأى بأن مركب النظام يوشك على الغرق.

تمت تسمية حمدوك رئيسا للوزراء في أغسطس/آب 2019 بناء على اتفاق على تقاسم السلطة بين الجيش وقوى الحرية والتغيير التي كانت تعرف اختصارا بـ"قحت"، وكانت تمثل قوى الثورة التي قادت الاحتجاجات ضد نظام البشير.

وهكذا دخل حمدوك مضمار السياسة من باب الخروج، حيث رئاسة الحكومة هي باب الخروج في عرف السياسة السودانية، وقد كان دخوله من هذا الباب مضافا إليه نزوله الملعب السياسي دون سابق إحماء هما السبب في فشله لاحقا ومغادرته منصبه مستقيلا بعد أقل من عامين ونصف العام من رئاسته للحكومة.

كيف ولماذا عاد حمدوك لمنصبه ولماذا استقال لاحقا؟

عقب أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وبعد أقل من شهرين منها وقع حمدوك اتفاقا سياسيا مع البرهان في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 عاد بموجبه إلى منصبه رئيسا للوزراء.

وأثارت هذه الخطوة من حمدوك حفيظة مناصريه الذين اعتبروها تنصلا من مبادئ الثورة وانتكاسة منه، ووصفه البعض بالخيانة كونه تحالف مجددا مع الجيش الذي يعدونه مواليا لنظام البشير، وبالتالي يرون أن عودة حمدوك تدعم عودة نظام البشير!

من جانبه برر حمدوك اتفاقه مع البرهان وعودته لرئاسة الوزراء بأنه يهدف إلى "حقن الدماء وقطع الطريق على قوى الثورة المضادة لأن البلاد تواجه تراجعا كبيرا في مسيرة الثورة يهدد وحدتها واستقرارها" حسب تعبيره.

لكنه ما لبث -في الثاني من يناير/كانون الثاني 2022- أن أعلن عن استقالته عبر خطاب متلفز موجه إلى الشعب السوداني أوضح فيه أنه اتخذ قرار الاستقالة بعد أن باءت محاولاته ولقاءاته مع مختلف الشرائح والمكونات السياسية بالفشل، وعدم التوصل إلى توافق سياسي يجنب البلاد الانزلاق نحو الفوضى.

وأشار إلى أن الأزمة الكبرى في السودان هي سياسية بالمقام الأول، وفي طريقها لأن تصبح أزمة شاملة، وأن المشكلة الحقيقية هيكلية بين المكونات السياسية والمدنية والعسكرية.

وانتقد في خطابه ما سماها بحالة الاستقطاب السياسي، مشيرا إلى أن خطاب الكراهية والتخوين وعدم الاعتراف بالآخر جعل مسيرة الانتقال هشة ومليئة بالتحديات، وقال بوضوح مختتما خطاب استقالته "إنني قد قررت أن أرد إليكم أمانتكم وأعلن لكم استقالتي من منصب رئيس الوزراء، مفسحا المجال لآخر من بنات أو أبناء هذا الوطن".

غير أن هناك أسبابا أخرى كثيرة لم يشأ حمدوك ذكرها في تسبيب استقالته وهي أسباب تتعلق بأدائه ومنهجه في التعاطي مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي كان السودان يرزح تحت وطأتها، حيث اتسم تعاطي حمدوك معها بالقصور والعجز والفشل، وهو قصور ناتج عن نقص كبير في خبرته السياسية ونطاق معرفته وإحاطته بالواقع السوداني وطبيعة المشكلات السياسية في السودان.

يضاف إلى ذلك أنه وجد نفسه محاطا بسياج محكم من شخصيات ومجموعات سياسية تسابقت لاحتوائه لكي تملأ فراغ قصوره وقلة خبرته السياسية، فما استطاع لا مقاومتها ولا التوافق معها، ويمكن القول إن استقالته جاءت في مرحلتها النهائية للتخلص من هذا السياج ومن المضايقات التي وجدها من هذه الشخصيات والمجموعات التي يدعي كل منها الوصال بالثورة والشعب.

كذلك فإن حمدوك حين تسلم مقاليد منصبه وجد نفسه في خضم عاصفة سياسية لا رخاء فيها، ومطلوب منه تحقيق أهداف سياسية واقتصادية كبرى لا قبل له بها.

فقد كان عليه وفقا للوثيقة الدستورية إقامة مؤسسات حكم ديمقراطي من برلمان وجهاز تنفيذي وجهاز قضائي مستقل، وكان عليه إصلاح الاقتصاد ووقف وتيرة التضخم المتسارعة، وتدهور قيمة الجنيه، وغلاء المعيشة، ومعالجة عبء الدين العام، وإخراج السودان من عزلته عن النظام المالي العالمي التي امتدت لأكثر من ربع قرن من الزمان بسبب إدراجه في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وكان عليه أيضا معالجة ملفات سياسية شائكة ومعقدة لم يكن يمتلك القدرة على الاقتراب منها، ناهيك عن حلها.

لم تكن هذه التحديات هينة بالنسبة لرجل جل خبرته نظرية وتتركز في الحقل المالي والمحاسبي، لذلك فقد فشل حمدوك في إصلاح الاقتصاد وكان حصاده من محاولاته الإصلاحية للاقتصاد ارتفاع نسبة التضخم إلى 300٪، ومفاقمة الفقر وغلاء الأسعار وانعدام السلع الأساسية مما أدى إلى تنامي الغضب الشعبي على حكومته، وقد اتبع حمدوك خطة إصلاح قامت على رفع الدعم عن الوقود، وتعويم الجنيه السوداني، وتأميم عدد من المؤسسات الاقتصادية، وسياسة تقشف ألقت بثقلها كله على المواطن، وقد اعترف حمدوك بذلك بقوله إن الشعب السوداني دفع ثمنا غاليا نتيجة لهذه السياسة.

لكل هذه الأسباب لم يكن أمام حمدوك إلا الاستقالة حيث بدا كما لو أنه قد تيقن من أن الفتق متسع بكثير عن الراتق، وأنه لم يعد بالإمكان أبدع مما كان، فتقدم باستقالته التي لم يثبت حتى الآن أنها كانت بضغط من أي جهة بالداخل.

فخطاب الاستقالة لم ترد فيه أي إشارة لضغط من جهة معينة، ولم يذكر حمدوك لاحقا وبعد خروجه من السودان أنه استقال مكرها، وهو ما ينفي سردية بعض القوى السياسية التي ناوأت الجيش وقولها إن قائد الجيش هو الذي أجبر حمدوك على الاستقالة.

موقف القوى السياسية من استقالة حمدوك

مثلما أثارت عودة حمدوك لرئاسة الوزراء باتفاق 21 نوفمبر/تشرين الثاني مع البرهان حفيظة معظم القوى السياسية واعتبروها خيانة للثورة، حدث الشيء نفسه غداة استقالته واعتبرت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) أن استقالة حمدوك الأخيرة تزيد المشهد السياسي تعقيدا وتفتح الباب أمام نفق مجهول وتشرذم سياسي أكبر.

ورأت قوى أخرى داخل التحالف أن حمدوك يتحمل جزءا من المسؤولية عن تداعيات ما حدث بعد أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول، وعبرت بعض الأحزاب التقليدية القريبة من التحالف (مثل حزب الأمة القومي) عن رفضها للاستقالة، معتبرة إياها خسارة لفرصة مواتية للانتقال إلى الحكم المدني.

ورغم تلك الانتقادات لاستقالة حمدوك تعهدت قوى الحرية والتغيير بمواصلة العمل على مقاومة ما اعتبرته انقلابا عسكريا، وإسقاط الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها البرهان عبر أدوات الاحتجاج ومجموعات سميت بلجان المقاومة الشعبية.

ولم تثن انتقادات القوى السياسية حمدوك عن المضي قدما في الاستقالة ومغادرة البلاد إلى حيث مقر إقامته، حيث لم يصغ للأصوات المنادية له بالعدول عنها، والتمسك بالمنصب باعتباره طريقا يؤدي إلى الحكم المدني الديمقراطي، وإنجاح المشروع السياسي الذي تبنته قوى الحرية والتغيير.

وهو مشروع السودان الجديد الذي تقوم ركائزه على العلمانية والفصل التام بين الدين والدولة في كل مجالات الحياة، وإعادة صياغة مناهج التربية والتعليم الأساسي على أساس علماني بحت، وتجريد التشريعات من الأحكام الدينية وتغيير قوانين الأحوال الشخصية وفقا للمعايير الغربية وإطلاق الحريات.

وهذا المشروع الذي شرعت في تنفيذه القوى السياسية بقيادة حمدوك هو الذي ساعد بشكل كبير فيما آل إليه مصير قوى الحرية والتغيير بعد ذلك، فالمجتمع السوداني مجتمع محافظ ولا يتقبل مثل هذه التوجهات والأفكار التي تخالف معتقداته وأعرافه وعاداته وتقاليده.

حمدوك لم يخف انحيازه لقوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني والحكومة السودانية ولطالما عبر عن ذلك الانحياز في مواطن كثيرة

هل كانت استقالة حمدوك مقدمة لما حدث في 15 أبريل/نيسان 2023؟

ورغم أن الفاصل الزمني بين استقالة حمدوك واندلاع الحرب التي لا تزال رحاها تدور حتى الآن -كأسوأ أزمة وقعت في تاريخ السودان الحديث- 15 شهرا، فإن الكثيرين يربطون بين استقالة حمدوك وبين الحرب الدائرة حتى الآن بعلاقة سببية، ويرون أن استقالة حمدوك أسست لهذه الحرب بطريقة غير مباشرة، وكانت نتيجة لها رغم بعد الشقة الزمنية ورغم تواجده خارج البلاد.

وتقوم سردية هؤلاء على أن حمدوك كان قد يئس من إمكانية بسط سيطرته وممارسة صلاحياته كاملة، ومن ضمنها أن يكون الجيش مؤتمرا بأمره باعتباره رئيسا للحكومة، وأن يحد من نفوذ الجيش ويقصره على المهام الدفاعية فقط، وألا يمارس أي دور خارج نطاق الدور الدفاعي، لأن مشروع قوى الحرية والتغيير يقوم أيضا على مناهضة الجيش والسعي لإضعافه خشية أن يسيطر على الحكم.

كذلك يرى أصحاب هذه السردية أن حمدوك بعد استقالته غادر البلاد إلى إحدى الدول الإقليمية التي تبين لاحقا أنها تدعم قوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش والحكومة السودانية، ويدللون بهذه الواقعة على أن ما حدث في 15 أبريل/نيسان 2023 كان عملا مخططا له، وأن استقالة حمدوك كانت جزءا من هذا المخطط. وأن رئاسة حمدوك لجبهة الصمود المتهمة بأنها الذراع السياسية لقوات الدعم السريع لهو أكبر دليل على صحة هذا الاتجاه.

خاصة أن حمدوك ظهر عدة مرات مع قائد قوات الدعم السريع في محافل ومنتديات مشتركة في عواصم أفريقية من دول جوار السودان، وظهر في مناسبات عديدة وهو يدافع عن قوات الدعم السريع، وظل يقوم بجولات أوروبية بالتنسيق مع قيادة قوات الدعم السريع للترويج لبرامجها ومشاريعها السياسية.

ويرى آخرون ألا علاقة سببية تجمع بين الحدثين، وأن روابط حمدوك بقوات الدعم السريع توثقت لاحقا بعد محاولة قائد الدعم السريع والمجموعة السياسية التي التفت حوله بعد استقالة حمدوك، الاستيلاء على السلطة في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، وهي مجموعة مرتبطة ارتباطا عضويا بقوات الدعم السريع وتعمل كذراع سياسية لها، وهي التي خططت لهذه المحاولة من أجل السيطرة على الحكم.

ومن ثم ليس فقط إعادة هيكلة الجيش، وإنما ابتلاعه في جوف قوات الدعم السريع الذي سيحل محل الجيش، وبالتالي تدين الأمور لها بشكل كامل.

ويدلل أصحاب هذه السردية على صحتها بالتعاون والتنسيق التام بين حمدوك ومجموعته، وبين قيادة قوات الدعم السريع ومطالباتهم المتكررة بإعادته إلى منصبه رئيسا للوزراء.

أيا كان الأمر فإن حمدوك لم يخف انحيازه لقوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني والحكومة السودانية، ولطالما عبر عن ذلك الانحياز في مواطن كثيرة.

وتبقى الإجابة عن السؤال المهم وهو هل كانت أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول انقلابا عسكريا بالمعنى الحرفي المعروف؟ اختلفت الآراء حول هذا الموضوع كل يراه من زاويته التي يقف عندها: فهو انقلاب عند المجموعة السياسية التي يقودها حمدوك، وهو إجراءات تصحيحية عند البرهان والجيش

احتمالات عودة حمدوك للحياة السياسية مرة أخرى

كما ذكرت في صدر هذا المقال فإن حمدوك لم يكن سياسيا مشهودا له بصولات في الساحة السياسية السودانية كغيره من أعلام ورموز السياسة المؤثرين فيها، وكانت الصدفة عاملا أساسيا في ظهوره بعد الثورة التي قادها الشباب، وأنه دخل الساحة السياسية السودانية أول ما دخل من باب الخروج؛ أي من الاتجاه الخطأ لذلك سرعان ما خرج منها مدفوعا بقلة خبرته السياسية.

وما زاد الطينة بلة والأمر سوءا أنه وقف في الجانب الخطأ بعد الحرب مساندا للطرف المتمرد، وبالتالي فقد ما تبقى له من رصيد شعبي بالكامل لدى السودانيين، وظهر هذا جليا في ملاحقة السودانيين له في المهاجر بالاحتجاج والانتقاد والهتافات الرافضة له في جولاته في عدد من العواصم الأوروبية مبشرا بمشروعه السياسي المشترك مع الدعم السريع.

وهو ما كان يضطر سلطات تلك الدول إلى توفير حماية خاصة له وإدخاله إلى مقرات زياراته بالأبواب والمداخل الخلفية تجنبا لما قد يقع من صدام بينه وبين المحتجين الغاضبين.

وهو مؤشر كافٍ على أن عودة حمدوك للحياة السياسية في السودان مرة ثانية باتت في حكم المستحيل.

وتبقى الإجابة عن السؤال المهم وهو هل كانت أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول انقلابا عسكريا بالمعنى الحرفي المعروف؟

اختلفت الآراء حول هذا الموضوع كل يراه من زاويته التي يقف عندها، فهو انقلاب عند المجموعة السياسية التي يقودها حمدوك، وهو إجراءات تصحيحية عند البرهان والجيش.

لكن الفيصل في ذلك هو أن البرهان بالإضافة لكونه قائد الجيش فهو رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وهو أعلى سلطة دستورية قائمة.

بعبارة أخرى المجلس يمثل السلطة الرئاسية ورئيسه هو رأس الدولة، وبالتالي فإنه من غير المتصور أن يقود البرهان انقلابا على نفسه.

ثانيا الانقلابات- كما جرت العادة- يقوم بها ضباط في الجيش في رتب دنيا ووسيطة، وليس على مستوى القيادة العليا للجيش، وما حدث في السودان في نوفمبر/تشرين الثاني 1958 كان وباتفاق المؤرخين عملية تسليم وتسلم بين الفريق إبراهيم عبود الذي كان قائدا للجيش آنذاك، ورئيس الوزراء عبد الله خليل بإلحاح وطلب من هذا الأخير نكاية في الأحزاب المعارضة التي كانت تنوي سحب الثقة عن حكومته من داخل البرلمان بسبب سوء أدائها.

كذلك فإن البرهان وقع اتفاقا سياسيا مع حمدوك أعاده لمنصبه في غضون أقل من شهر، وهو أمر يندر حدوثه في الانقلابات العسكرية، هذا فضلا عن أن هذه الأحداث لم يصحبها عنف أو تغيير جذري في النظام ككل مثلما يحدث عادة في الانقلابات العسكرية.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

حدوده حيث تقف دباباته

حدوده حيث تقف دباباته

مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن

التقيت ببعض الأصدقاء، في الأيّام الماضية، في مدينة أوتريخت بهولندا. ذهبنا للصلاة في مسجد المدينة. في الخارج، بعد الصلاة، كنّا نتحدّث عن الحرب. 

اقترب منّا رجل يبدو من لهجته أنّه فلسطيني، خاطبنا بلهجة عدوانية: "أنتم راضون عن إطلاق الصواريخ على مكّة والمدينة؟ وصل بكم الحال أن.."، قاطعه الشباب، حاولوا توضيح سوء الفهم، لكن الرجل واصل هجومه علينا دفاعاً عن مكة والمدينة. أشرت بيدي للأصدقاء فتركوني أتحدّث، سألته: "من يطلق الصواريخ على مكّة والمدينة؟"، أجاب: "الحوثي". قلتُ له: "إذن هو كذا وكذا". تراجع الرجل إلى الخلف، وضع يده على صدره واعتذر عن سوء الفهم.

شيئاً فشيئاً يذوب الثلج ويظهر المرج. على نحو يومي يتعرّف مزيد من الناس، خارج اليمن، على طبيعة المأساة اليمنية. على أنّ الحوثي خطرٌ، ليس لأنه يطلق المقذوفات على مكّة، بل لأنّه سحق شعباً كاملاً ثم وضع قواعد الصواريخ فوق ركام منازله. 

الحوثية ليست جزءًا من السياسة، ومن غير الممكن الحديث عنها بوصفها كياناً مجتمعيّاً يمكن فهمه والتعامل معه بالقواعد والشروط المُتعارف عليها. الجهادية تمثّل العصب الذهني لدى الجماعة، والسيف أكبر من السياسة في رؤيتها للعالم. كانت "داعش" شظية جهادية غير عاقلة، بلا تاريخ، أمّا الحوثية فهي تجلّ حديث لنظرية قديمة. إنْ كانت الثورة الإيرانية رصاصة انطلقت من القرن السابع الميلادي وحطّت في القرن العشرين، كما يقول هيكل، فالحوثية قذيفة انطلقت من القرن العاشر الميلادي وهبطت في القرن الواحد والعشرين. الفرق بين الرصاصة والقذيفة ليس شأناً مجازياً، بل وضعية تاريخية لا تزال في طور التشكّل. 

الحوثي خطرٌ، ليس لأنه يطلق المقذوفات على مكّة، بل لأنّه سحق شعباً كاملاً ثم وضع قواعد الصواريخ فوق ركام منازله

الأقلية التي تمثّلها الحوثية تجعل منها مشروعاً على أهبة الرحيل، جماعة تنام فوق حقائبها المُعبّأة. ينبغي علينا التركيز على الحقيقة الجهادية للجماعة، فهي المعمار الشامل الذي يتجوّل بداخله التنظيم. يقدّم الحوثي نفسه بحسبانه الدولة اليمنية، وتطلق تشكيلاته العسكرية على ذاتها مُسمّى القوات المسلّحة اليمنية. غير أنّ الجماعة وهي تخوض حروباً ضدّ الداخل اليمني، كما لاحظ الباحث المرموق زيد جابر، تُطلق على عملياتها العسكرية مُسمّى الجهاد.

الجهاد فعلٌ ينتمي إلى المدوّنة اللغوية والفلسفية للحركات الإسلامية المتطرّفة، لا إلى سلوك الدول. منذ العام 2015 والحوثيون يرفضون إعطاء موظفي الخدمة العامة رواتبهم. الأموال التي تصبّ في خزينة الحوثي تذهب جميعها إلى حقول البنية الجهادية، المجهود الحربي، والدعاية الأيديولوجية. لا يقدّم الحوثي أي إشارة تقول إنّه يفهم في بناء الدول أو صناعة السلام. العيش المشترك تحدّ صعب بالنسبة له، فلم تمض عليه سوى أيّام قليلة منذ سيطرته على ريف تعز المُختلف عنه مذهبياً، حتى شرع في تأثيث بنيته التحتية الأيديولوجية على صعيد العبادات، الطقوس، التعليم، الإشارات، وحتى الكود اللغوي. لا يؤمن الحوثي بالتنوّع على أي مستوى، فالتنوّع شكلٌ من أشكال العصيان.

يعيش اليمن في هامش العالم العربي، وعلى حدود العالم الحديث. أراد في العام 1962 الخروج من سجن الإمامة الكهنوتية فضلّ طريقه داخل سرداب من الجمهوريات الشائكة. خلال ستين عاماً غادر كلّ رؤسائه، شمالاً وجنوباً، إمّا قتلى أو منفيين أو مسجونين. يصعب علينا العثور على استثناء. بقي اليمن ينمو ديمغرافياً، ويصغر سياسيّاً حتى صار بلا شأن.

كانت داعش شظية جهادية غير عاقلة، بلا تاريخ، أمّا الحوثية فهي تجلّ حديث لنظرية قديمة

لم يكن الرئيس صالح جديراً بإدارة البلد، إذ كان يعاني من عجز في الخيال، ويفتقد إلى الصفات التي تتطلّبها قيادة بلد يعيش على حافة الحضارة. اخترع، في سياق تاريخي، مسألة الإرهاب ظنّاً منه أنّها الوسيلة الوحيدة التي ستقرّب بلاده من مصالح العالم وشبكاته الحيوية. تلاعب بالمسألة، قدّم شعبه كشحّاذين وإرهابيين، وكان كلّما خرج تصنيف اليمن من قائمة الدول الأكثر فقراً إلى الدول الفقيرة يرسل رجاله بقائمة بيانات تقول إنّ البلاد لا تزال ضمن الدول الأكثر فقراً. روّع نفسه وبلاده، ولو استطاع أن يضع على كلّ فرد من شعبه قتبة ليشحذ بها لفعل، كما هي مقولة الصحافي اليمني فكري قاسم. أخذته اللعبة بعيداً حتى اكتشف الحوثية، وهي لا تزال حفنة دبابير في عشّ اسمه مرّان. فتح صندوق باندورا فخرجت العفاريت وغزت البلاد، وأهلكت الحرثَ والنسل.

الحوثية أخطر من القاعدة، الأولى ظاهرة جهادية تمتحُ من تاريخ ليس له قرار، تعرف السياسة والشعر والسيف والتاريخ. أمّا القاعدة، أو حتى داعش، فشظايا خارج سياق الزمان والمكان. يسيء العالم تقدير خطورة الحوثيين ربّما لأنّ اليمن، لوحده، اختبر حقيقتهم. فهم يصدّرون للعالم وجهاً مُتحضّراً ومُتسامحاً، ولديهم ذلك الوجه. فقد تدرّبوا على السياسة والعلاقات الدولية من خلال عملهم داخل جهاز الجمهورية لزمن طويل. قالت دراسة أجراها البنك الدولي، قبل أعوام، إنّ معدل عمر مقاتلي "داعش" كان 23 عاماً، ما يعني أنّها في نهاية المطاف حركة مراهقين مُنفلتين، يعالجون مشاكلهم النفسية بالقتال كما لاحظت آن أبلباوم، في مقالة لها على واشنطن بوست. الحوثية، بالمقابل، كيانٌ تاريخي بالغ التعقيد، حوله إجماع من الداخل، يملك جهازاً ثقافياً ومعرفياً يحرسه ويُنير له الطريق، جماعة متعدّدة الطبقات يزهرُ الإرهاب في كلّ جنباتها. 

اختفت داعش من عالم اليوم، أو تراجعت إلى زاوية مُظلمة. الحوثية لن تعود إلى حجرة مُظلمة، ولا حتى إلى العشّ في جبل مرّان. إن انهارت، وهذا احتمال قائم، فستختفي من الوجود. هي الآن جسد عسكري كبير، قيادة عالية التدريب، وتشكيلات بخبرة عالية في أصعب المعارك، معارك الجبال. دخلت في الورطة التي انزلقت إليها كيانات مختلفة في التاريخ: نصر بلا استراتيجية خروج. 

لا يؤمن الحوثي بالتنوّع على أي مستوى، فالتنوّع (بالنسبة له) شكلٌ من أشكال العصيان

بخبرة ثلاثين عاماً في الحرب لن يكون الحوثي قادراً على الحياة عاماً واحداً في السلام. حصل على هدنة لمدّة أربعة أعوام، استغلّها في التحضير للحرب القادمة، الحرب الراهنة. لا تزال أمامه أرض كبيرة تزيد مساحتها عن 300 ألف كيلومتر مربّع، وجيوش ومجتمعات تعارضه لأسباب سياسية وأخرى دينية. لا يقبل المشاركة في حكم البلاد، نظريته قائمة على أساس كونه "القائم مقام النبي"، أي صاحب العصمة السياسية والدينية. يفكّر في أن يفرض جبروته على كلّ ما بقي من الأرض وعلى من تبقّى من السكّان. لذا تبدو معاركه في اتجاه عدن أكثر ضراوة من أيّ جبهة أخرى. فيما يشبه الحملات الصليبية يقوم رجاله بحشد القادرين على السلاح حتى من مؤسساته المدنية، فلا بُدّ من إنهاء المسألة اليمنية لصالح دولة يكون هو فيها النائب بالحقّ عن النبي، تصدر عنه خيوط كلّ شيء وتنتهي إليه خيوط كلّ شيء. هذه الفكرة تجعل الحرب بالغة الضراوة، فمن جهة يدفع اليمنيون ضدّ هذه الرؤية القاتلة بكلّ ما لديهم من وسائل، ومن الناحية الأخرى يزج الحوثي بكلّ البشر في معركة صفرية. رؤيته للعالم لا تقبل أنصاف الحلول، ولا الوقوف في منتصف الطريق، هكذا قتل حليفه صالح بعد عامين فقط من العمل المشترك. 

أراد لهذه الحرب أن تكون حرباً خاطفة، وإن تعثّرت فسيجعل منها حرباً مُستدامة. شعاره، الذي يردّده مراراً: "ليس لدينا ما نخسره". وهو بهذا يراهن على إرهاق الحروب، على سأم الحلفاء والشركاء، وعلى وجع الشتات. غير أنّ الذين يقاتلونه الآن، في نسبة كبيرة منهم، كانوا تحت العاشرة من أعمارهم حين دخل صنعاء، ما يعني أنّ الحرب المستدامة التي يريدها ستصير، على الجهة الأخرى، إلى حرب أبدية.

قلتُ في مقالة سابقة إنّ هذه الحرب، المستدامة أو الأزلية، لا يمكنها أن تكون منسية، فلا يملك العالم، ولا الإقليم، ترف غضّ البصر عنها. ربّما كان من الأفضل أن ندعو العالم إلى فهم أفضل لأزمتنا الوجودية قبل أن نطلب منه مدّ يد العون. من المؤكّد أنه سيُصاب بالذهول حين يقف على طبيعة المعضلة التي نراها وندركها ونختبرها منذ زمن. فالرجل الذي نهرنا ونحن نغادر المسجد في أوتريخت، ظنّاً منه أنّنا مُتحوّثون، ما كان ليفعل ذلك لو أنّ خبر مكّة والمدينة لم يصل إليه. 

هزيمة نتنياهو في البرازيل هي الأهم

هزيمة نتنياهو في البرازيل هي الأهم

وائل قنديل


هزيمة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست الإسرائيلي ليست بأهمية هزيمته في انتخابات الرئاسة البرازيلية، ذلك أنه سواء حافظ الصهيوني علي منصبه رئيساً لحكومة الاحتلال أو خسر فإن تغيّراً حقيقيّاً لن يحدث فيما خص سياسات الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين والعرب، إذ منافسه الجنرال غادي أيزنكوت ليس أقلّ منه كراهية للإنسان العربي، كما أنه ليس أقلّ منه تطرّفاً في التشبث بأوهام الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط.

مهما كانت مخرجات الانتخابات الإسرائيلية النتيجة واحدة. سيواصل صهيوني سياسات الاقتلاع والإلغاء لكل ما هو عربي داخل الأراضي المحتلة، بل إنه حالما فاز أيزنكوت سيكون أكثر إجراماً وإرهاباً، لكي يثبت للناخب الصهيوني أنه الأقدر على تحقيق الحلم الصهيوني، والأجدر بالقيادة من أجل الحفاظ على"الدولة"، في ظل تأسيس منافسه نتنياهو دعايته الانتخابية على فكرة إنقاذ الكيان الصهيوني من الفناء، كما عبّر عن هذا في الساعات الأخيرة من عملية الاقتراع، وهو يصيح مثل المجنون من أقبية التاريخ الأسود "اخرجوا للتصويت لي قبل ضياع إسرائيل"، وهي الصيحة نفسها التي دوّت علي ألسنة سفاحي الصهيونية الدونية الذين جابوا الساحات والشواطئ لحث المستوطنين على التدافع نحو الصناديق لإنقاذ الكيان قبل أن يصبح واحد من عرب الداخل وزيراً للأمن الداخلي، وآخر من أصول عربية رئيساً للحكومة، والمقصود الجنرال أيزنكوت المنحدر من أصول مغربية.

يقول لنا التاريخ إن أحط أنواع المجرمين الصهاينة وأكثرهم تطرفاً ولدوا في بلاد عربية قبل أن يهاجروا إلي الكيان وينهشوا فلسطين لحماً وعظماً، ومن أشهر هؤلاء كان "شارون الصغير" أو بنيامين فؤاد بن أليعازر المولود في العراق والذي هاجر وهو في عمر الثلاثة عشر سنة إلي"إسرائيل" بعد عام من قرار التقسيم، لينشأ على عقيدة محو الوجود الفلسطيني داخل فلسطين، ثم تخرج من الدراسة وتدرج في المناصب العسكرية حتي وصل إلى رتبة وزير الحرب في جيش الاحتلال في حكومة شارون 2001، التي أسندت إليه مهمة القضاء علي انتفاضة الأقصى فقتل في بضعة أشهر أكثر من 600 شهيد فلسطيني وجرح 20 ألفاً. وكان التعريف المشهور عنه أنه الشخص الذي لا يعترف بحق الفلسطينيين في الوجود داخل القدس‏ المحتلة، وضرورة التوسّع الاستيطاني في كل مكان داخل فلسطيني، مسكوناً باعتقاد راسخ بأنه لا توجد غير قدس واحدة، هي عاصمة أبدية للدولة العبرية، لضمان بقاء إسرائيل.

لذلك كه وغيره، إعادة انتخاب لولا دا سيلفا رئيساً للبرازيل، في لحظة بائسة تتساقط فيها دول أميركا الجنوبية مثل الثمار الناضجة في حجر تحالف الترامبية والصهيونية، تبقى انتصارأً لفلسطين وللإنسانية ولقيم محترمة كادت تندثر في ظل التوغّل الصهيوني في دول القارّة، والذي وصل إلى أن كولومبيا الدولة التي كانت أكثر عروبة من العرب في كفاحها من أجل الحق الفلسطيني في المحافل الدولية ضد حرب الإبادة الجماعية في غزّة أصبحت أكثر صهيونية من الإسرائيليين في التعصب للاحتلال، بعد مساعدة شخص يدين بالولاء للصهاينة على الفوز برئاسة الجمهورية. فاز دا سيلفا علي تحالف ضم اليمين الأميركي المتصهين والصهيونية الدينية الإسرائيلية وإيلون ماسك صاحب منصة إكس، والثاني مؤسس فيسبوك الصهيوني مارك زوكربيرغ، وعتاة الأوليغارشية والنيوليبرالية العالمية المتوحشة، بعد أن هيمن هؤلاء الأوغاد علي مؤسّسات الحكم في فنزويلا والأرجنتين، وهو فوز عظيم وحدث استثنائي في أهميته أن تمنى "الصهيو ترامبية" بالهزيمة في كبرى دول أميركا اللاتينية، فأن يفوز أصدقاء لفلسطين وداعمون لحق الشعب الفلسطيني ضد خصوم مدعومين من الصهاينة فهذا، بمعني ما، انتصار لفلسطين، مثلما فاز جيرمي كوربين زعيم حزب العمّال البريطاني السابق ورمزه الأشهر بمقعد في مجلس العموم في العام 2024 وهو يرفع شعار"إذاأعدْت انتخابي نائباً مستقلاً في إسلينغتون نورث،  أعدك بأن أدافع دائمًا عن شعب غزّة، وعن الطريق الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم: إنهاء احتلال فلسطين".

كان هذا هو المكسب الكبير الذي يستحق الاحتفال والتهنئة، وليس التعلق بانتخابات إسرائيلية سوف تفرز في كل الأحوال قاتلاً جديداً ومجرماً آخر يتولي قيادة المشروع الذي هو التجسيد الكامل للظلم والشر. السؤال الآن: من هو العربي الأول الذي سيبادر إلى تهنئة القاتل الجديد، كما جرى في بداية العام 2023 حين انفرد عبد الفتاح السيسي بأسبقية التهنئة لأكثر حكومات الاحتلال الصهيوني إجراماً وتطرفاً ودموية، والتي ضمت بن غفير وسموتريتش؟.

هل بقي الإسلام في إسبانيا؟

 هل بقي الإسلام في إسبانيا؟

 

من السهل أن نتحدث عن الأندلس باعتبارها مجدا ضائعا، وأن نستحضر قرطبة وغرناطة كلما أردنا إثبات عظمة الحضارة الإسلامية.

لكن من الصعب أن نقرأ تاريخها من دون أن نبحث عن مسؤولية السياسة في صعود الدول وتراجعها، وعن دور الصراع على السلطة في إضعاف المجتمعات، وعن الطريقة التي يتحول بها الدين والهوية إلى أدوات للحكم والإقصاء.

نحن نحب الأندلس حين تمنحنا شعورا بالفخر، لكننا لا نمنحها دائما حقها في أن تطرح علينا أسئلة محرجة عن حاضرنا.

دخلت القوات الإسلامية شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 711م، بقيادة طارق بن زياد، في حملة ارتبطت بقيادة موسى بن نصير، وكانت القوات المشاركة تضم عناصر أمازيغية وعربية.

وجاء الفتح في وقت كانت فيه مملكة القوط الغربيين تعاني اضطرابات وصراعات داخلية.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة طويلة من الحكم الإسلامي في أجزاء واسعة من شبه الجزيرة، عُرفت في المصادر التاريخية باسم الأندلس.

لكن دخول المسلمين عسكريا لا يعني أن سكان شبه الجزيرة اعتنقوا الإسلام جميعا، ولا أن المجتمع تحول إلى مجتمع عربي خلال سنوات قليلة.

فقد استمر المسيحيون واليهود في العيش تحت الحكم الإسلامي، بينما دخل عدد من السكان المحليين في الإسلام تدريجيا، واستمرت عملية التحول الديني عبر أجيال، ووصلت إلى مراحل مهمة خلال القرنين التاسع والعاشر، واستمرت في بعض المناطق بعد ذلك.

كما تداخلت اللغة العربية والثقافة الإسلامية مع ثقافات محلية متعددة، من دون أن تختفي كل الهويات السابقة.

فإن السؤال التاريخي ليس ما إذا كان العرب قد دخلوا الأندلس، فهذا حدث موثق، بل كيف تحول الفتح العسكري إلى مجتمع ذي ثقافة مميزة، وكيف تغيرت علاقة السكان بالدين واللغة والسلطة على مدى قرون؟.

والخلط بين الفتح وانتشار الإسلام يحول التاريخ إلى رواية مختصرة لا تفسر ما حدث فعلا. الأندلس لم تكن دولة واحدة مستقرة طوال تاريخها.

فقد مرت بمراحل سياسية مختلفة، من الارتباط بالخلافة الأموية، إلى قيام الإمارة ثم الخلافة في قرطبة، ثم التفكك إلى ممالك الطوائف بعد انتهاء الخلافة سنة 1031م.

وتلت ذلك مراحل حكم المرابطين والموحدين، قبل أن ينحسر الوجود السياسي الإسلامي في شبه الجزيرة إلى مملكة غرناطة، التي سقطت سنة 1492م.

لا يمكن تفسير نهاية الحكم الإسلامي بعامل واحد، ولا يصح الادعاء أن الانقسامات الداخلية وحدها أسقطت الأندلس.

فقد تداخلت الصراعات بين القوى الإسلامية، والحروب والتحالفات مع الممالك المسيحية، والموارد الاقتصادية، والتغيرات العسكرية والسياسية.

لكن تجربة ممالك الطوائف تظل ذات دلالة حين تتنافس القوى السياسية على النفوذ، قد تصبح حماية الحكم ومصالح النخب أسبق من حماية المجتمع نفسه.

سؤال يتجاوز التاريخ الوسيط: 

ما قيمة الحديث عن وحدة الأمة أو وحدة الوطن إذا كانت النخب مستعدة لإضعاف المجتمع من أجل البقاء في السلطة؟

في واقع العربي والإفريقي، ترفع أحزاب وحكومات شعارات الوحدة الوطنية، لكنها قد تمارس الإقصاء وتوزع النفوذ على أساس الولاء.

تتحدث عن السيادة، بينما تترك المؤسسات ضعيفة أمام الأفراد. وتدعو إلى التضحية من أجل الوطن، ثم تتعامل مع المال العام والوظائف والموارد كما لو كانت امتيازات تخص أصحاب السلطة.

وعندما تتراكم الأزمات، يجري استدعاء أمجاد الماضي لتعبئة الناس، بدلا من إخضاع الحاضر للمحاسبة.

ليست المقارنة مساواة بين ممالك العصور الوسطى والدول الحديثة فلكل عصر مؤسساته وظروفه ومفاهيمه السياسية.

المقصود أن الصراع على السلطة، حين يصبح غاية مستقلة عن مصالح المجتمع، يظل مشكلة سياسية قابلة للتكرار بأشكال مختلفة.

ولا يكفي أن نملك تاريخا عظيما كي نكون قادرين على بناء دولة ناجحة في الحاضر.

وتزداد المشكلة تعقيدا عندما نختزل الأندلس في صورة مجتمع مثالي عاش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود في انسجام دائم.

فقد شهدت بعض الفترات تفاعلا علميا وثقافيا واسعا، وأسهم أفراد من جماعات دينية مختلفة في الحياة الفكرية والاقتصادية.

لكن العلاقات لم تكن متساوية دائما، ولم تختف التوترات والقيود الدينية والسياسية.

تغيرت أوضاع الأقليات بحسب المرحلة والحاكم والظروف المحيطة، كما شهدت بعض الفترات إجراءات قاسية ضد جماعات بعينها.

إن وصف الأندلس بأنها جنة للتسامح يطمس جوانب من تاريخها، كما أن وصفها بأنها ساحة صراع دائم يتجاهل ما شهدته من إنتاج معرفي وتفاعل ثقافي.

القراءة الجادة لا تحتاج إلى أسطورة كاملة البياض أو السواد، بل إلى الاعتراف بأن المجتمعات الإنسانية تجمع بين الإنجاز والتناقض.

وتظهر أهمية هذا النقاش عند النظر إلى علاقة الدين بالسلطة. 

فالتاريخ الأندلسي لا يقدم نموذجا واحدا يمكن نسخه، لكنه يتيح دراسة الطرق التي نظمت بها السلطات العلاقة بين الجماعات الدينية، والحدود التي رسمتها للانتماء، ومدى تأثر هذه الحدود بالمصالح السياسية.

لم تكن نهاية الحكم الإسلامي في غرناطة نهاية فورية لوجود المسلمين في إسبانيا. فقد بقيت جماعات مسلمة بعد عام 1492،

ثم تصاعدت الضغوط عليها، وفُرضت التحولات الدينية على المسلمين في مراحل لاحقة، وأصبح الذين اعتنقوا المسيحية رسميا من أصول مسلمة معروفين باسم الموريسكيين.

وبين عامي 1609 و1614 نُفذت عمليات طرد واسعة بحقهم.

تكشف هذه التجربة كيف يمكن للسلطة أن تحول الاختلاف الديني والثقافي إلى قضية ولاء سياسي، وأن تشكك في انتماء جماعات عاشت في البلاد أجيالا طويلة.

لكن الدرس لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي للإسبان المعاصرين، مثلما لا يجوز استخدام تاريخ الحكم الإسلامي لتبرير أحكام عامة على المسلمين اليوم.

فالمسؤولية التاريخية تُدرس في سياقها، ولا تنتقل تلقائيا من أجيال إلى أخرى.

المشكلة السياسية تبدأ عندما تعتقد السلطة أن استقرار الدولة يتطلب جعل المجتمع متشابها، وأن اختلاف الدين أو الثقافة أو الرأي تهديد ينبغي التخلص منه.

الدولة الحديثة لا تستمد قوتها من محو الاختلاف، بل من قدرتها على تنظيمه قانونيا، وحماية الحقوق، وضمان مشاركة المواطنين على أساس المواطنة لا الولاء الشخصي أو الانتماء الديني والقبلي.

ولا يقتصر توظيف التاريخ في السياسة على العالم العربي والإسلامي. ففي إسبانيا المعاصرة أيضا، استُخدمت ذاكرة الاسترداد المسيحي للأندلس في بعض الخطابات السياسية لتقديم الأمة بوصفها هوية تاريخية واحدة وممتدة، ولرسم حدود بين من يُعد أصيلا ومن يُصوَّر بوصفه غريبا.

وتوضح دراسات أكاديمية عن الخطاب القومي اليميني كيف يمكن لأحداث بعيدة أن تتحول إلى أدوات في الصراعات السياسية الراهنة.

وهذا يعني أن الأندلس ليست ملكا للرواية التي تحتفي بها، ولا للرواية التي تدينها. إنها تاريخ متعدد الطبقات، تتنافس الجماعات السياسية على تفسيره وتوظيفه.

والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل نقرأ الماضي لفهمه، أم نختار منه ما يخدم موقفنا الحالي؟

حين نستحضر الأندلس، نتذكر العلماء والفلاسفة والأطباء والشعراء، وهذا حق مشروع.

لكن من حق هذا الإرث علينا أن نسأل لماذا تعاني مؤسسات التعليم والبحث العلمي في بلداننا من أزمات مستمرة،

ولماذا تُهمش الكفاءات أحيانا لصالح الولاءات، ولماذا تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات على الأشخاص والمناصب، ولماذا تبقى المؤسسات في كثير من الحالات أضعف من الأفراد الذين يديرونها.

الحضارة ليست أسماء نرددها في المناسبات، ولا مباني تاريخية نستخدمها دليلا على تفوقنا. إنها قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وحماية حرية التفكير، وتنظيم السلطة، ومحاسبة المسؤولين، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة كي تضيف شيئا إلى ما ورثته.

ومن دون هذه الشروط يصبح الماضي رصيدا رمزيا نستهلكه بدلا من أن يكون نقطة انطلاق للعمل.

إن أخطر ما في الحنين السياسي إلى الأندلس ليس الحنين نفسه، بل استخدامه بديلا عن التفكير.

فمن السهل أن نسأل كيف خسر المسلمون غرناطة، لكن السؤال الأصعب هو كيف نبني مؤسسات لا تنهار عندما يتغير الحاكم، وكيف نضمن ألا يتحول الحزب إلى دولة، أو القبيلة إلى معيار للمواطنة، أو الدين إلى غطاء يمنع المساءلة.

وفي المجتمعات التي تعاني الحروب والانقسامات، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا.

فلا يكفي أن نتحدث عن الوحدة الوطنية إذا كانت الموارد موزعة على أساس الولاء، ولا يكفي أن نرفع شعار السلام إذا بقيت أسباب الصراع قائمة، ولا يكفي أن نطالب المواطنين بالتسامح بينما ترفض النخب تقاسم السلطة والخضوع للقانون.

الأندلس لا تقدم إجابات جاهزة عن مشكلاتنا، لكنها تساعدنا على طرح الأسئلة الصحيحة.

إنها تذكرنا بأن الازدهار الثقافي لا يمنع الصراع السياسي، وأن التقدم العلمي لا يضمن وحده استقرار الدولة، وأن الخطاب الديني أو القومي قد يُستخدم لبناء التضامن، كما قد يُستخدم لتبرير الإقصاء.

وتذكرنا أيضا بأن سقوط نظام سياسي لا يعني اختفاء المجتمع الذي عاش في ظله، وأن آثار السياسات القديمة قد تستمر بعد انتهاء السلطة التي صنعتها.

لا نحتاج إلى التخلي عن تاريخنا، ولا إلى الاعتذار عن كل ما وقع فيه، بل إلى قراءته بعقل نقدي يميز بين الوقائع والأساطير، وبين الإنجاز والتوظيف السياسي. فالاعتزاز الحقيقي بالتراث لا يتعارض مع مساءلته، بل يبدأ عندما نرفض تحويله إلى حصانة ضد النقد.

ربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه الأندلس لنا هو: ماذا نفعل بتاريخنا بعد أن ننتهي من الاحتفاء به؟

هل نجعله وسيلة لتبرير إخفاقات الحاضر، أم نستخدمه لفهم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الهوية والمواطنة، وبين المعرفة والحرية؟

إن البكاء على غرناطة لا يعيدها، وتكرار أسماء الحضارة لا يصنع حضارة جديدة. ما يصنع الفارق هو أن نتعلم كيف تُبنى المؤسسات، وكيف تُحمى الحقوق، وكيف تصبح السلطة مسؤولية عامة لا ملكية خاصة.

عندها فقط يتجاوز التاريخ حدود الذكرى، ويتحول من مجد نستعيره من الماضي إلى معرفة تساعدنا على تغيير الحاضر.