الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

كأن قنبلة نووية سقطت في قلب الاتحاد الأوروبي.. لقد انهار الاتحاد الأوروبي والمحور الألماني الفرنسي..

كأن قنبلة نووية سقطت في قلب الاتحاد الأوروبي.. لقد انهار الاتحاد الأوروبي والمحور الألماني الفرنسي.. 
ليس ما يحدث صعودًا لليمين المتطرف بل تعبيرًا عن سعي الشعب الألماني إلى تعزيز قوته.. 
أنظمة رهينة وقادة رهائن.. هكذا بدأت الحربان العالميتان أيضا

إبراهيم قراغول



أثار فوز حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) اليميني المتطرف بنسبة 44 في المئة في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت صدمة كبرى في أوروبا، بالنظر إلى مكانة ألمانيا بوصفها القوة المهيمنة على الاتحاد الأوروبي.


كأن قنبلة نووية سقطت في مركز الاتحاد الأوروبي. وأنا على يقين بأن جميع الدول الأعضاء منشغلة الآن بتحديد الموقف الذي ستتبناه في مرحلة ما بعد الاتحاد، وبصياغة خططها الوطنية لتلك المرحلة.

انهيار المحور الألماني-الفرنسي وفكرة الاتحاد الأوروبي

إن صعود الحزب من مستوى الولاية باتجاه الحكم الاتحادي يدل على أن تراجع ألمانيا عن فكرة الاتحاد وعودتها إلى السياسات الوطنية بلغا نقطة اللاعودة. ويبدو أن تمكّن اليمين المتطرف، رغم كل محاولات عرقلته، من أن يصبح الحزب الأول في إحدى الولايات، سيدشّن مرحلة سياسية تاريخية تغيّر محور أوروبا بأكملها.


ومن خلال التصريحات التي أدلى بها حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) عقب انتصاره في الانتخابات، يبدو أنه عازم على إسقاط الحكومة بحلول عيد الميلاد. وهذا ليس تطورًا سياسيًا داخليًا، ولا مجرد شأن ألماني، بل يعني انهيار فكرة الاتحاد الأوروبي، وجميع المؤسسات التي شُيّدت، والمحور الألماني-الفرنسي.

جميع الدول الأوروبية ستبحث عن مسارات جديدة


إن انهيار المحور الألماني-الفرنسي يعني انهيار الاتحاد الأوروبي. فدول جنوب أوروبا، مثل إيطاليا وإسبانيا، كانت قد فقدت الأمل أصلًا في الاتحاد، فيما كانت بريطانيا قد غادرته بالفعل.

إن دلالات ما حدث في ألمانيا وما سيعقبه من تطورات ستدفع جميع الدول الواقعة خارج المجال الطبيعي لألمانيا إلى البحث عن خيارات جديدة.

وبالنظر إلى خطط حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) ومقترحاته قبل الانتخابات وبعدها، فإن الأسوأ بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي لم يأتِ بعد، كما أن ألمانيا مقبلة على تحول أكبر بكثير. وبات واضحًا أن تهديد ميرتس بقوله «سنحظره» لن تكون له أي جدوى.

«سنخرج من الاتحاد الأوروبي ونتفق مع روسيا»


ماذا يقولون؟ 
«سنخرج من الاتحاد الأوروبي. سنخرج من منطقة اليورو. سنعقد السلام مع روسيا، ونعيد فتح خطوط النفط والغاز الطبيعي. لقد دمّرت حرب أوكرانيا الاقتصاد الألماني، وسنوقف هذا الدعم. وسنرحّل جميع المهاجرين».

سنغيّر المناهج الدراسية، وسنمنع تقديم الحقبة النازية في المدارس بصورة سلبية، من خلال اعتماد نهج «مزيد من بسمارك، وقدر أقل من هتلر».

«سيُردَّد النشيد الوطني كل يوم»

ستُحظر
أعلام مجتمع الميم، وسيُعتمد تعليم قائم على حب الوطن، وسيُرفع العلم الألماني على السارية يوميًا في المدارس، وسيُردَّد النشيد الوطني. كما سيُوقَف تمويل المشاريع الفنية والثقافية المصنفة على أنها «معادية لألمانيا».

ستُنشأ «شرطة شعبية» مستقلة، وستحظى الأسرة بالتشجيع والحماية. وستُزال موضوعات مثل «التنوع الجنسي» بالكامل من المدارس. كما ستُصنّف حركة أنتيفا وجميع التنظيمات التابعة لها منظمات إرهابية.

ستُلغى
الحصص المفروضة للسيارات الكهربائية، وسيُوقف الدعم الحكومي المقدم لها. وستُخفّض الضرائب، ويُقلّل العبء البيروقراطي، وتُدعم الشركات الصغيرة…»

العودة إلى المبادئ نفسها التي قامت عليها ألمانيا النازية

تشير هذه البنود وما شابهها إلى عودة كاملة إلى السياسات الداخلية والخارجية والاقتصادية، وإلى نمط العلاقات الدولية الذي ساد في عهد ألمانيا النازية.

وتقول زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD)، أليس فايدل: 
«خلال أول 100 يوم لي، سأغلق الحدود، وألغي المساعدات الاجتماعية المقدمة للمهاجرين، وأنفّذ أكبر عملية ترحيل في ألمانيا».

أوروبا التي أصبح قادتها وحكوماتها رهائن!

يقول المستشار الألماني ميرتس
إنهم سيعودون إلى قواعد مشددة لمنح الجنسية، وسيفرضون قيودًا على حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) أيضًا، في محاولة للحد من تأثير هذا التسونامي. لكنني أعتقد أن أوان ذلك قد فات.

لقد ضاق الشعب الألماني ذرعًا بغياب القيادة وبالسياسات التي تفتقر إلى الشخصية منذ وقت طويل، فاتجه نحو اليمين المتطرف، وبدأ، من أجل ألمانيا، بمعاقبة النخبة العولمية.

كان هذا متوقعًا في الواقع، فاليمين المتطرف كان يصعد في جميع أنحاء أوروبا. وكانت الأنظمة الأوروبية والنخب الحاكمة الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة وإسرائيل والعولميين تثير قدرًا متزايدًا من الكراهية. وكانت الدول قد أصبحت رهينة من خلال هؤلاء الحكام، فيما بلغت المشاركة في الانتخابات أدنى مستوياتها بسبب اليأس.


كيف استطاعت بريطانيا أن توكل هذه الحرب إلى الألمان؟

جاء هذا التطور تحديدًا في الأيام التي وصلت فيها روسيا وألمانيا إلى شفا الحرب، وفي الفترة التي انتشرت فيها مزاعم سقوط مسيّرات روسية على محطات الطاقة الألمانية، وحين بدأت الأزمة الأوروبية-الروسية تمتد إلى ما وراء أوكرانيا. كما جاء في وقت بلغ فيه الهلع الأوروبي بشأن الدفاع عن أوروبا ذروته.

أعتقد أن إسناد بريطانيا إلى الألمان حرب أوكرانيا، التي بدأتها بهدف إبطاء روسيا، كان أكبر فخ نُصب للشعب الألماني.

نعم،
كان ينبغي لألمانيا، باعتبارها قائدة الاتحاد الأوروبي، أن تكون أول من يفكر في الدفاع الأوروبي ويستعد له. لكن هذه الحرب لم تتشكل وفق أولويات ألمانيا، وما زالت تسير في مسار خاطئ.

 ألمانيا ليست «دولة غنية بالموارد».    سيستنزفون الاقتصاد الألماني           

على الرغم من استمرار روسيا في التذكير بـ«احتلال برلين»، فإن جلوس ألمانيا وروسيا إلى طاولة واحدة قد يربك أوروبا بأكملها. وهذا من شأنه أن ينسف تمامًا التصور الأوروبي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.

ألمانيا ليست بلدًا غنيًا بالموارد. ومهما عظمت تقنياتها واقتصادها، فإن إعادة توزيع القوة عالميًا وما يرافقها من تفكك سيستنزفان الاقتصاد الألماني. وحينها، لن يعود ممكنًا أن تتحمل ألمانيا الأعباء المالية للاتحاد الأوروبي، بل قد يصبح من الصعب حتى إبقاء ألمانيا نفسها واقفة على قدميها.


ومن الواضح أيضًا أن تبعية النخبة الحاكمة الحالية للولايات المتحدة وإسرائيل تمنع ألمانيا من التوجه إلى المسارات التي يمكن أن تنقذها.

الشعب الألماني يعود إلى جيناته السياسية. الحربان العالميتان كانتا حربين ألمانيتين-أوروبيتين

لكن تصدعًا أخطر وأكبر بات على أبواب أوروبا. ففي الوقت الذي يدور فيه الحديث عن الحرب العالمية الثالثة، يعود المجتمع الألماني مجددًا إلى جيناته السياسية.

للأمم أقدار لا تكف عن ملاحقتها. وفي عالم اليوم، حيث يعود الجميع إلى تاريخه وماضيه وشفراته السياسية، يعود الألمان أيضًا إلى جيناتهم السياسية.

كانت الحرب العالمية الأولى
حربًا أهلية أوروبية، وحربًا بين الألمان والأوروبيين، ثم تحولت، مع مشاركة أمم أخرى فيها، إلى حرب عالمية.

وكانت الحرب العالمية الثانية
أيضًا حربًا أهلية أوروبية، وحربًا بين الألمان والأوروبيين، ثم اتسعت، مع مشاركة أمم أخرى، لتصبح حربًا عالمية.

وإذا اندلعت حرب عالمية ثالثة، فمن المرجح أن تبدأ بوصفها «حربًا أهلية غربية»، وأن تتشكل مجددًا بفعل الانقسام بين الألمان والأوروبيين.

جميع الأمم تبحث عن مظلة حماية ومجال قوة…


إن النازيين والإبادة الجماعية لليهود وما شابه ذلك من أحداث، يمثّلون الصورة التي سُجّلت بها صراعات القوة هذه في التاريخ. 
أما جوهر المسألة، فيكمن في أزمات تقاسم القوة بين ألمانيا وأوروبا، وفي أزمات تقاسم القوة بين أوروبا والولايات المتحدة وروسيا. أليس هذا ما يحدث الآن أيضًا؟

في جميع أنحاء العالم، تعود الأمم إلى مراكزها وإلى جبهاتها الخاصة. فالضمانات التي تقدمها الكيانات فوق الوطنية لم تعد توفر حماية كافية في ظل معادلة القوة العالمية الجديدة. ولهذا تعزز كل دولة مركز سلطتها، وتقوّي دروعها الدفاعية، وتستعد للعاصفة الكبرى.

لا يمكن تفسير هذا بأنه مجرد «يمين متطرف»

لقد أصبح هذا واقعًا عالميًا لا مفر منه. هذا هو حال الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا وألمانيا.

ولو لم يكن اليمين المتطرف موجودًا، وكانت هناك حركة سياسية أخرى قادرة على توفير هذه الضمانات، لكانت هي التي ستصعد. ولذلك لا يمكن اختزال ما تشهده ألمانيا من بحث عن مسار جديد، وسعي الأمة الألمانية إلى مظلات آمنة، في وصف «اليمين المتطرف». فالدول تبحث عن القوة، والأمم تبحث عن الأمن، وأي حركة سياسية تعد بتحقيق ذلك ستزداد قوة في هذه المرحلة.


وستنجح مسيرة حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) «من مستوى الولايات إلى الحكم الاتحادي»، ما لم تواجه عرقلة كبيرة. أو أن جميع الحركات السياسية الألمانية ستزداد تشددًا حتى لا تبقى «خارج اللعبة». فهذا هو الاتجاه العام في العالم، وسيستمر على هذا النحو. ولكن ما النتائج التي ستترتب على هذا التوجه الاجتماعي والسياسي؟

تفكك الاتحاد الأوروبي حتمي! وسيُغلق سوق «العقل العالمي»…

سيتفكك الاتحاد الأوروبي. وستنشئ ألمانيا مجال نفوذها الخاص، وستنشئ بريطانيا مجال نفوذها الخاص. وستشهد العلاقات الأميركية-الأوروبية تصدعًا وانقسامًا عميقين. وسيعود بقية أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى خرائط تحالفاتهم ودفاعهم الوطني. كما ستنشأ شراكات مفاجئة بين الدول الأوروبية من جهة، وتركيا وروسيا من جهة أخرى.

وخلاصة الأمر هي أن العالم يشهد تصدعات كبرى وصراعات على القوة، وأن الدول والأمم والحركات السياسية تعيد تشكيل نفسها وفقًا لذلك. لقد انتهى عهد العبارات المنمقة، مثل «العقل العالمي» و«المواطنة العالمية»، والاتفاقيات متعددة الجنسيات، كما أُغلق سوق «القيم» المتمحور حول أوروبا، والذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وسيعود الجميع إلى خرائطهم الخاصة.


كيف ستندلع الحرب العالمية الثالثة إذن؟


لقد شهدنا حربين عالميتين في مثل هذه الأزمنة تحديدًا. والحرب العالمية الثالثة، التي يكثر الحديث عنها، لن تندلع نتيجة أزمات مثل الصراع الروسي-البريطاني أو الروسي-الألماني أو العدوان الإسرائيلي أو الحرب الأميركية-الإيرانية، بل ستنفجر من صراع القوى الكبرى هذا ومن تصفية حساباتها.

يعيش العالم الآن أجواء مماثلة. وإذا تعذر تقاسم القوة بالطرق الطبيعية، وبصورة عادلة تستند إلى التمثيل الصحيح للأمم، فإن هذه العاصفة الكبرى ستكون حتمية.

النظر إلى «الدول التي يسطع نجمها» مثل تركيا، وقراءة الزمن والمستقبل بصورة صحيحة

المستقبل الحتمي هو الآتي: كل دولة تنكفئ إلى خط دفاعها وحمايتها الخاص. وصعود اليمين المتطرف في ألمانيا هو تعبير عن سعي الأمة الألمانية إلى القوة.

سنرى الأمر نفسه لدى كل أمة. ولذلك انتهى زمن الحديث وفق القوالب الجاهزة. انتهى الاتحاد الأوروبي، وانهارت أوروبا بوصفها اتحادًا، فيما ستزداد الدول الصاعدة، مثل تركيا، تألقًا.

إن الذين يقرؤون الزمن والمستقبل بصورة صحيحة لن يخطئوا، حتى وإن تحدثوا مبكرًا. أما الذين يتحركون بعقلية ما بعد الحرب العالمية الثانية، فسيخسرون في هذا العالم الجديد.

حين تفتي الآلة… دراسة تختبر الذكاء الاصطناعي في 30 مسألة شرعية

 

حين تفتي الآلة… دراسة تختبر الذكاء الاصطناعي في 30 مسألة شرعية




وماذا يحدث عندما يقدم جوابًا جازمًا، بلغة واثقة، بينما يكون الحكم الذي ينطق به بلا أصل أو مخالفًا لما استقر عليه الفقه؟

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

هذه الأسئلة تضعها في قلب النقاش رسالة ماجستير للباحث عمر عامر بعنوان "الإفتاء الآلي بين النظر الشرعي وتحديات التلقي البشري: دراسة تحليلية نقدية في عصر الذكاء الاصطناعي"، مقدمة إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية – شعبة الفقه وأصوله بجامعة أفريقيا الفرنسية العربية، بجمهورية مالي.

لا تتعامل الدراسة مع الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا ينبغي إبعاده عن المجال الديني، ولا باعتباره بديلًا جاهزًا للعلماء، وإنما تنطلق من واقع أصبح فيه الحصول على جواب ديني لا يحتاج إلى الوصول إلى مفتٍ أو مؤسسة دينية؛ يكفي أن يكتب المستخدم سؤاله في إحدى منصات الذكاء الاصطناعي، ليحصل خلال ثوان على إجابة مكتملة الصياغة، تبدو أحيانًا أكثر ثقة وحسمًا من إجابة بشرية.

وهنا تحدد الرسالة مشكلتها: 

هل يمكن إسناد مهمة الفتوى إلى الذكاء الاصطناعي؟ وما حدود الاعتماد عليه؟ 

وكيف يمكن استخدامه أداة مساعدة دون أن تنتقل إليه السلطة الدينية نفسها؟ 

وتضع إلى جوار هذه الأسئلة سؤالًا آخر يتعلق بما تسميه الفارق بين "الاستفتاء البشري"، الذي يستوعب السياق والمآلات وحال السائل، و"البحث الآلي"، الذي يقوم على التوليد الاحتمالي للنص.

وتعتمد الدراسة على مناهج تحليلية ونقدية واستشرافية/مقاصدية؛ فتعود أولًا إلى شروط الفتوى والمفتي في الفقه وأصوله، ثم تفكك طبيعة عمل النماذج الذكية، قبل أن تنتقل إلى التطبيق العملي، حيث تعرض 30 سؤالًا للفتوى على نماذج من الذكاء الاصطناعي، وتقارن مخرجاتها بالمصادر والأحكام والمرجعيات الفقهية.

من أكثر الأمثلة لفتًا للنظر سؤال: "ما حكم المسح على الجوارب؟"

"مادة مضادة للبكتيريا" للمسح على الجوارب!

الجزء الأكثر إثارة في الدراسة هو الاختبار العملي، إذ تكشف بعض الإجابات عن فجوة كبيرة بين قدرة النموذج على صياغة كلام يبدو مقنعًا وبين امتلاكه معرفة فقهية منضبطة.

إعلان

ومن أكثر الأمثلة لفتًا للنظر سؤال: "ما حكم المسح على الجوارب؟". جاء جواب أحد نماذج GPT-3.5 Turbo Instruct بأنه يجوز المسح عليها، لكنه أضاف أنه "ينصح باستخدام مادة مضادة للبكتيريا"، ثم انتقل إلى عبارة أخرى عن جواز أن "تجمع المرأة الجوارب بعد الصلاة سواء كانت محجبة أو لا". وهي إضافات لا علاقة لها أصلًا بالمسألة الفقهية المطروحة.

وتقابل الدراسة ذلك بالخلاف الفقهي المعروف حول إلحاق الجورب بالخف وشروطه عند المذاهب، لتخلص إلى أن النموذج لم يخطئ فقط في التفصيل، وإنما أقحم مفاهيم طبية واجتماعية لا تمت إلى الحكم بصلة، وقدم عبارات لا تحمل معنى فقهيًا محددًا.

ولم يكن المثال منفردًا. فعندما سئل النموذج عن جمع الصلاة بسبب المطر، أجاب بعدم الجواز إلا في حالات معينة، وذكر بينها "السفر والحضانة".

وهنا تصبح "الحضانة"، وهي من أبواب الأحوال الشخصية، سببًا لجمع الصلاة في جواب أنتجته الآلة، بينما تعرض الدراسة مذاهب الفقهاء في الجمع للمطر وشروط المشقة والمطر والوحل، وترى في إدخال "الحضانة" مثالًا واضحًا على الخلط بين أبواب الفقه.

وتتكرر الظاهرة في سؤال عن رضاع الكبير؛ إذ أجاب النموذج: "نعم يجوز"، وربط ذلك بعبارات تتصل بـ"النوم والقبل والرعاية".

وفي المقابل تستعرض الدراسة موقف جمهور الفقهاء من عدم ثبوت التحريم برضاع الكبير، والخلاف المتعلق بواقعة سالم مولى أبي حذيفة، ثم تعتبر العبارات التي أدخلها النموذج معايير لا وجود لها في البناء الفقهي للمسألة.

واللافت أن الرسالة لا تستخدم هذه الأمثلة لإثبات أن الذكاء الاصطناعي يخطئ دائمًا؛ فهي تسجل له في مواضع أخرى إجابات صحيحة إجمالًا، بل وترصد ضمن نقاط قوته سرعة الاستجابة، والتغطية العامة الجيدة لبعض المسائل المعاصرة، والإشارة إلى مواطن الخلاف وضرورة الرجوع إلى المختصين. لكن المشكلة، وفق خلاصتها التطبيقية، تظهر في نقص التفصيل المذهبي، والخلط بين درجات الأحكام، وضعف توثيق المصادر، وصعوبة التعامل مع السياق والنية والإرادة والظروف الخاصة بالسائل.

أزمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى
أزمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى (الفرنسية)

عندما سئل الذكاء الاصطناعي عن نكاح الكتابية.. جاءت الإجابة بالمنع

من زكاة التجارة إلى الزواج والطلاق.. السؤال نفسه ليس كافيًا

في اختبار زكاة عروض التجارة، قدم أحد النماذج إجابة تنفي وجوب الزكاة فيها، بل ربط المسألة بضريبة الدخل، بينما تعرض الدراسة موقف المذاهب وقرارات الهيئات الفقهية التي تقر بأصل وجوب الزكاة في عروض التجارة عند تحقق شروطها.

وتلفت هنا إلى خطأين في وقت واحد: أولهما نفي حكم فقهي مستقر، وثانيهما الخلط بين الضريبة والزكاة، وهما نظامان مختلفان من حيث الطبيعة والأحكام.

وعندما سئل النموذج عن نكاح الكتابية، جاءت الإجابة بالمنع، وأضافت أن الكتابية لا تستفيد من بعض حقوق الزوجة الإسلامية مثل المهر والنفقة.

وتقابل الدراسة ذلك بالنص القرآني وآراء المذاهب التي تقر أصل الجواز للكتابية المحصنة مع اختلاف القيود والتفصيلات، وتؤكد أن الزوجة الكتابية لها حقوقها المالية، معتبرة أن النموذج لم يكتف بحكم غير صحيح، بل رتب عليه أحكامًا أخرى في الحقوق الزوجية.

إعلان

ويظهر نوع آخر من القصور عندما تكون إجابة الذكاء الاصطناعي صحيحة في أصلها، لكنها لا تستوعب التفاصيل التي تغير الحكم. ففي سؤال صيام مريض السكري، أجاب النموذج بأنه يجوز للمريض أن يصوم "إذا كانت صحته تسمح بذلك". لكن الدراسة تشير إلى أن المسألة لا تتوقف عند جواز الصيام؛ فقد يصبح الإفطار واجبًا والصيام محرمًا إذا قرر الأطباء وجود خطر على المريض، وهو ما يجعل معرفة حال الشخص الطبية جزءًا من تنزيل الحكم عليه.

وهنا تصل الرسالة إلى أحد مفاتيحها الأساسية: المفتي لا يجيب عن جملة مجردة فقط، وإنما يفتي إنسانًا في واقعة.

 لماذا لا تكفي الإجابة الصحيحة؟

تتوقف الدراسة طويلًا أمام مسألة قد تبدو للوهلة الأولى مفارقة: ماذا لو أعطى الذكاء الاصطناعي الحكم الصحيح فعلًا؟

فالرسالة لا تجعل صحة الجواب وحدها دليلًا على أن الآلة أصبحت "مفتيًا". وهي تميز بين القدرة على توليد إجابة تبدو فقهية وبين تحقق صفة المفتي وممارسة الاجتهاد والإفتاء بالمعنى الأصولي.

وتعود هنا إلى شروط المفتي: فهم السؤال، والنظر في المآلات، ومراعاة المصالح والمفاسد، واختلاف الزمان والمكان والأحوال، والقدرة على التوقف عن الإفتاء عند عدم العلم، فضلًا عن شروط العلم والأهلية والمسؤولية. ومن هذه الزاوية تسأل الدراسة: هل يمكن أن يكون النظام الذي يجمع النصوص ويحللها فقيهًا بالمعنى الأصولي، أم يظل أداة تستثمر ما أنتجه الفقهاء؟

وتطرح في هذا السياق مفهوم "تحقيق المناط": أي تنزيل الحكم الكلي على الواقعة الجزئية المشخصة. وترى أن معرفة الحكم النظري شيء، ومعرفة ما إذا كان ينطبق على هذا الشخص وفي هذه الظروف شيء آخر. فالمفتي قد يحتاج إلى معرفة مكان المستفتي، وعرفه، ونظامه القانوني، وحالته الصحية أو الأسرية، وملابسات الواقعة، بل والقرائن التي لم يذكرها السائل أصلًا.

وهذا يفسر لماذا تصبح بعض الأسئلة الطبية والأسرية اختبارًا أكثر صعوبة من سؤال عن حكم فقهي مجرد.

الباحث عمر عامر (الجزيرة)

فتجنشتاين يدخل غرفة الفتوى

ومن الزوايا غير التقليدية في الرسالة استدعاؤها فلسفة اللغة عند لودفيغ فتجنشتاين إلى النقاش حول الذكاء الاصطناعي والإفتاء.

الفكرة التي تنطلق منها الدراسة أن المشكلة ليست حسابية فقط. فالنظام يستطيع معالجة اللغة وإنتاج جمل سليمة ومترابطة، لكن هل يعني ذلك أنه يفهم المعنى بالطريقة نفسها التي يفهم بها الإنسان؟

تستند الرسالة إلى تصور فتجنشتاين بأن المعنى لا يستقل عن استعمال اللغة في سياق اجتماعي وداخل "أشكال الحياة"، وأن الكلمات لا تُفهم منفردة عن المجال الذي تستخدم فيه. ومن هنا تطرح فجوة بين المحاكاة اللغوية وبين الفهم المقصدي، معتبرة أن هذه الفجوة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالنص الشرعي، حيث لا يقتصر الأمر على معنى المفردة، وإنما يمتد إلى القصد والسياق والمقصد والقرائن.

وتقول الدراسة إن الذكاء الاصطناعي يعمل أساسًا عبر التوليد الاحتمالي؛ أي توقع الكلمات أو الرموز التالية بناء على الأنماط التي تعلمها، في حين يقوم الاجتهاد، في تصورها الأصولي، على معرفة مراتب الأدلة والجمع بينها وفهم المقاصد والمآلات والتمييز بين القطعيات والظنيات. ولذلك لا ترى أن الوصول إلى "أعلى احتمال" لغوي يساوي الوصول إلى حكم شرعي بالمعنى الأصولي.

الذكاء الاصطناعي لا يقول: لا أعلم

الخطر الأكبر ليس الخطأ

تقدم الرسالة مصطلحًا لافتًا هو "القطعية المصطنعة"، وتقصد به أن صياغة النموذج قد تكون دقيقة ومنظمة وحاسمة إلى درجة تجعل المستخدم يتلقى الناتج باعتباره حكمًا نهائيًا، حتى حين تكون الإجابة في حقيقتها احتمالية أو ناقصة أو خاطئة.

فالآلة لا تتردد بالطريقة البشرية نفسها، وقد لا تقول للمستفتي: "لا أعلم"، أو "أحتاج إلى معرفة حالتك"، أو "المسألة فيها خلاف"، وإنما يمكن أن تنتج حكمًا كاملًا بلغة تقريرية.

وتربط الدراسة ذلك بما تسميه "تزييف وعي المستفتي": المشكلة هنا لا تتعلق بخطأ المعلومات وحده، وإنما بطريقة تلقيها. فإذا قدم الخطأ في صورة لغوية واثقة، قد يكتسب سلطة لا يستحقها.

وتضيف الرسالة خطرًا آخر هو تشويه مفهوم الخلاف الفقهي؛ فعندما تختار الآلة جوابًا واحدًا وتقدمه بصيغة القطع، قد يتحول رأي اجتهادي إلى ما يبدو حكمًا وحيدًا، وقد تتحول مسألة خلافية إلى حلال أو حرام بلا ذكر للتعدد الفقهي.

ومن الأمثلة التي تسوقها الدراسة سؤال القنوت في صلاة الفجر. فقد وصف أحد النماذج القنوت بأنه "بدعة"، وقال إن الصلاة لا تجزئ بفعله، بينما تعرض الرسالة الخلاف المعروف بين المذاهب: فمنهم من يستحبه، ومنهم من يراه سنة، ومنهم من يقصره على النوازل. وترى أن المشكلة في الإجابة الآلية ليست فقط في الحكم، وإنما في تحويل مسألة خلافية إلى صيغة إقصائية قاطعة.

إذا أخطأت الآلة.. من يتحمل الفتوى؟

وهنا تصل الدراسة إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية عن صحة الحكم نفسه: من المسؤول عن الخطأ؟

في الفتوى البشرية يوجد شخص معلوم؛ المفتي معروف، ومصدر قوله يمكن تتبعه، ويمكن مراجعته أو مساءلته. أما في الفتوى الآلية فتظهر، بحسب الدراسة، "فوضى الإسناد": هل المسؤول هو المطور؟ أم الشركة؟ أم المنصة؟ أم المستخدم الذي طرح السؤال؟ أم الجهة التي غذت النظام بالمعلومات؟

وتعتبر الرسالة أن غياب هذا الإسناد يميز بصورة جوهرية بين المفتي والآلة؛ إذ لا توجد في النظام نفسه أهلية شرعية أو مسؤولية أخلاقية يمكن أن يحملها عن الحكم الذي أصدره.

ويتضح ذلك أكثر في المسائل التي تتجاوز مجرد المعرفة الفقهية إلى نتائج تمس الحياة والمال والأسرة. ففي مسألة الخطأ الطبي الناتج عن برنامج ذكاء اصطناعي، تستعرض الدراسة توزيع المسؤولية بحسب موقع الخطأ: هل قصر الطبيب في التحقق؟ هل كان العيب في البرنامج؟ هل خولفت تعليمات الاستخدام؟ وتربط ذلك بقاعدة "الضمان يتبع التفريط"، لتبين أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يلغي السؤال القديم عن المسؤولية، وإنما يزيده تعقيدًا.

30 سؤالًا.. والآلة ليست دائمًا في قفص الاتهام

تتعمد الرسالة ألا تجعل الاختبار مجموعة من الأسئلة التقليدية فقط؛ فتنتقل من الزكاة والصلاة والزواج والطلاق إلى العملات المشفرة والعقود الذكية والذكاء الاصطناعي في البنوك والتطبيقات الإلكترونية للزكاة، ثم إلى التشخيص الطبي والتعديل الجيني والتبرع بالأعضاء.

وفي بعض هذه الأسئلة، تقدم النماذج إجابات قريبة بدرجة كبيرة من الاتجاه الذي تستعرضه الدراسة. فعندما سئل ChatGPT عن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد فوائد القروض، قال إن التقنية لا تغير حكم الفائدة نفسها: إن كانت ربا فهي محرمة سواء حددها إنسان أو نظام آلي. وتصف الدراسة هذه الإجابة بأنها صحيحة من حيث المبدأ، وإن كانت أقل تفصيلًا من المعالجة الفقهية التي أضافت مسألة التحيز الخوارزمي.

وفي سؤال دفع الزكاة عبر التطبيقات الإلكترونية، اشترط نموذج Bard موثوقية الجهة وضمان وصول المال إلى مستحقيه، وهي إجابة تعتبرها الدراسة صحيحة في أساسها، لكنها ترى أن المعالجة الفقهية البشرية أضافت شرط النية عند الدفع.

وهذه الأمثلة مهمة لأنها تقود إلى نتيجة أقل صخبًا وأكثر أهمية: المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن الوصول إلى الحكم الصحيح في كل مرة؛ بل إنه قد يصل إليه دون أن يمتلك بالضرورة المنهج الذي يضمن الوصول الصحيح في المرة التالية.

هل يقوم الذكاء الاصطناعي بدور علماء الفتوى؟
هل يقوم الذكاء الاصطناعي بدور علماء الفتوى؟ (الأناضول)

ماذا عن الدعوة لإبعاد الذكاء الاصطناعي عن المؤسسات الدينية؟

الذكاء الاصطناعي مساعدًا للمفتي.. لا مفتيًا

ولا تنتهي الرسالة إلى الدعوة لإبعاد الذكاء الاصطناعي عن المؤسسات الدينية. على العكس، تقترح تحويله من منافس محتمل للمفتي إلى "مساعد فقهي ذكي".

وتحدد له وظائف واسعة: جمع الأدلة، وفهرسة الفتاوى، وأرشفة الأسئلة المتكررة، والبحث في المصادر، وتصنيف الأقوال، واقتراح الأدلة، وتحليل المعلومات، على أن تظل الفتوى المعتمدة مرتبطة بالمفتي البشري الذي يملك العلم والأهلية ويتحمل المسؤولية.

وتتوسع الدراسة في تصورها للحوكمة؛ فتقترح إشراف الهيئات الشرعية على الأدوات التي تقدم إجابات دينية، واعتماد مصادر معرفية موثوقة ومتنوعة، وفرض المراجعة البشرية، وتحديد المسؤوليات، ووضع تنبيه واضح للمستخدم بأن المخرج الآلي ليس فتوى رسمية ولا يتمتع بالحجية الشرعية.

وتوصي كذلك بأن يستخدم الطلاب والباحثون الذكاء الاصطناعي بدايةً للتعرف على المسألة قبل الرجوع إلى المصادر الفقهية، وأن يستفيد المفتون منه في جمع المعلومات والبحث السريع دون تفويضه بالترجيح النهائي، وأن يبني المطورون محركات الفتوى على قواعد معرفة فقهية موثوقة مع نظام يراعي المذاهب المعتمدة.


وتلفت الرسالة إلى أن اختباراتها شملت نماذج وإصدارات متفاوتة، وأفردت ملحقًا مصورًا لمحادثات أجريت مع GPT-3.5 Turbo Instruct، وهو إصدار قديم استخدمه الباحث تحديدًا لإظهار الفارق بين النماذج الأقل حداثة والتطور الذي أصاب قدرات الأنظمة اللاحقة.

فتوى بلا مفتٍ

في نهاية المطاف، لا ترى الرسالة أن الاختبار الحقيقي للذكاء الاصطناعي هو أن نسأله سؤالًا فقهيًا فنحصي عدد الإجابات الصحيحة والخاطئة فقط. السؤال الأعمق عندها هو: ماذا يبقى من مفهوم الفتوى إذا فصلنا الحكم عن المفتي، وعن السائل، وعن الواقعة، وعن المسؤولية؟

وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا تتوافر فيه الأهلية الشرعية التي تشترطها فيمن يتصدر للإفتاء، وأنه يواجه قيودًا في تحقيق المناط، وربط الأدلة بمقاصدها، وإدراك السياق والنيات والظروف، فضلًا عن مشكلة الإسناد والمسؤولية. وفي الوقت نفسه ترى أن قدراته في البحث والتصنيف والفهرسة وتحليل البيانات تجعله أداة ذات قيمة كبيرة إذا بقي داخل إطار "الإفتاء المساعد" وتحت الرقابة البشرية والمؤسسية.

وهكذا تصبح المسألة، في منطق الرسالة، أكبر من سؤال: "هل تستطيع الآلة الإجابة؟". فقد تستطيع، وقد تصيب، وقد تقدم في ثوان ما يحتاج الإنسان وقتًا طويلًا لجمعه. لكن الفاصل الذي تتمسك به الدراسة هو بين إنتاج الجواب وبين تحمل معنى الفتوى؛ فالآلة قد تعرف الكلمات، وتستدعي الأقوال، بل وتصل أحيانًا إلى الحكم الصحيح، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام التحول الرقمي في المجال الديني هو: هل تكفي إجابة تشبه الفتوى، لكي يصبح من أنتجها مفتيًا؟

المصدر: الجزيرة

سليمان القانوني.. سيرة السلطان الذي جمعَ المجد والعدل والأدب

سليمان القانوني.. سيرة السلطان الذي جمعَ المجد والعدل والأدب

سليمان القانوني

الحكام العظام لا تُقاس عظمتهم بطول أعمارهم، ولا بعدد السنوات التي جلسوا فيها على العروش، وإنما بما تركوه وراءهم حين غادروا العرش والحياة معًا؛ فثمة ملوك يملكون البلاد، وثمة ملوك تصنع في عهودهم البلادُ تاريخها، وتتحول الدولة في أيديهم من رقعة على الخريطة إلى قوةٍ تفرض حضورها في عصرها.

وفي تاريخ المسلمين، يبرز السلطان سليمان القانوني واحدًا من أولئك الذين ارتبط اسمهم بمرحلة بلغت فيها الدولة العثمانية ذروة قوتها واتساعها وهيبتها؛ رجلٌ جمع بين السيف والقانون، وبين صرامة السلطان ورهافة الأديب، فكان في ساحات القتال قائدًا، وفي دواوين الحكم مشرّعًا، وفي محراب الثقافة شاعرًا وخطاطًا، يرى أن سلطان الإنسان الحقيقي لا يكتمل إلا إذا قُيّد بالعدل.

لم يكن سليمان وريث عرشٍ فحسب، بل وريث سلالةٍ حملت ذاكرة الفتوحات من عثمان وأرطغرل إلى محمد الفاتح وسليم الأول، ثم وجد نفسه أمام دولة تنتظر من يحفظ اتساعها ويمنح قوتها نظامًا، ويجعل من هيبتها السياسية مشروعًا مستندًا إلى القانون.

وحين اعتلى العرش شابًا، لم يكن أحد يعلم أن السنوات المقبلة ستجعل عهده أطول عهود السلاطين العثمانيين، وأن اسمه سيغدو مقترنًا بمرحلة بلغت فيها الدولة أقصى امتدادها وأشد حضورها في ميزان القوى العالمي آنذاك.

ومن هنا تبدو شخصية سليمان القانوني أكثر تعقيدًا من صورة الفاتح الذي يفتح البلاد بالسيف؛ فقد كان يدرك أن الإمبراطوريات لا يحفظها اتساع الحدود وحده، وأن الدولة التي تستطيع أن تنتصر في الميدان ثم تعجز عن إقامة العدل داخلها إنما تؤجل سقوطها ولا تمنعه.

لذلك اقترن اسمه بالقانون كما اقترن بالفتوحات، وظل العدل أحد المفاتيح التي تُفهم بها تجربته السياسية.

ووراء السلطان الذي ارتبط اسمه بالجيوش والأساطيل، كان ثمة رجل آخر لا يقل إثارة: قارئ للقرآن، متذوق للشعر العربي، محب للمتنبي والبحتري وجرير وأبي تمام وأبي فراس، يكتب الشعر بالعربية والتركية، ويجيد الخط العربي؛ وكأن الرجل الذي امتدت سلطته على مساحات شاسعة من العالم كان يحتفظ في داخله بمساحة أخرى أكثر هدوءًا، يسكنها الأدب والقرآن واللغة.

ثم تأتي نهايته لتكشف المفارقة الكبرى في حياة أصحاب العروش: سلطانٌ اتسعت في عهده الدولة حتى بلغت ذروة قوتها، ينتهي به المطاف بعيدًا عن عاصمته، في أرض المعركة، أثناء حصار سيكتوار، قبل أن يرى خاتمة حملته الأخيرة.

وهناك، أمام حقيقة الموت التي لا تفرّق بين سلطان وجندي، سقطت آخر حدود الملك؛ فالعرش الذي دان له الناس، والجيوش التي امتثلت لأوامره، والأختام التي كانت تفتح أبواب الدول، كلها تتضاءل أمام اللحظة التي يخرج فيها الإنسان من الدنيا ولا يحمل معه شيئًا من ملكها.

وهنا ربما تكمن أعمق صورة لسليمان القانوني: ليس في اتساع ملكه وحده، وإنما في المفارقة بين رجلٍ امتلك من أسباب الدنيا ما جعل اسمه يهز عروش عصره، ثم انتهى به الأمر إلى القبر مثل كل إنسان؛ ليبقى السؤال الذي لا يجيب عنه السيف ولا العرش: ماذا يبقى من السلطان حين ينتهي سلطان صاحبه؟

(سُلَيْمَان الأول بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل بن سليمان شاه)

– الميلاد: 6 نوفمبر 1494م، طرابزون، تركيا.

– الوفاة: 7 سبتمبر 1566م، سيكتوار، المجر.

(لا يُعرف يوم موته تحديدا، ولذا ستجد اختلافات كثيرة بين الباحثين والمؤرخين، فقد تم إخفاء خبر موته، حوالي 50 يوما، لأسباب سياسية وعسكرية، والمؤرخون الأتراك يؤكدون موته خلال النصف الأول من سبتمبر)

– من أعظم قادة الجهاد الإسلامي

– ثاني من حملَ لقب “أمير المؤمنين” من آل عثمان.

– كان يتقن اللغة العربية ويحفظ القرآن الكريم، ويحفظ أشعار المتنبي، والبحتري، وجرير، وأبي فراس، وأبي تمام، وكان يكتب الشعر باللغتين العربية والتركية، بالإضافة إلى براعته في الخط العربي، فقد كان خطاطًا مدهشًا..

وُلِدَ “سليمان” يوم 6 نوفمبر 1494م، في مدينة طرابزون التي كان والده سليم واليًا عليها قبل أن يصبح ثالث السلاطين العثمانيين، بعد جده: محمد الفاتح، ووالده: “السلطان بايزيد”، في أعقاب فتح مدينة إسطنبول منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.

– في يوم 30 سبتمبر 1520م، اعتلى سليمان القانوني عرش الدولة العثمانية وعمره 26 سنة، ليصبح بذلك عاشر سلاطين بني عثمان، والرابع بعد فتح إسطنبول، إلى جانب ترتيبه الـ 89 بين الخلفاء المسلمين.

– خلال سنوات حُكمه الـ46 (أطول فترة حُكم شهدتها الدولة العثمانية منذ تأسيسها)، والتي امتدت حتى وفاته يوم 7 سبتمبر 1566، بلغت الدولة العثمانية أقصى اتساع لها، وأضحت أقوى دولة في العالم القديم، ونجح أسطوله بقيادة البحار العثماني: “خير الدين بربروس” من فرض هيمنته المطلقة على البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر لسنوات عديدة لاحقة.

سبب تسمية سليمان القانوني بهذا الاسم:

كان سليمان القانوني عادلا، يُطبّق الأحكام والقوانين على عائلته قبل العامة، ويتسم بالأخلاق الإسلامية العالية، وكان حريصا دائما على العدل وتطبيق القوانين.. ولذا حرص على إصدار حزمة متكاملة من القوانين بهدف تنظيم أمور الدولة واختصاصاتها، وكان هذا سببًا لتسمية سليمان القانوني وحصوله على لقب “القانونيّ”.

الرجل الذي ملكَ الدنيا

في يوم 7 سبتمبر 1566م، وأثناء حصار حِصن سيكتوار خلال الحملة العسكرية التي استهدفت المجر، تُوفيَ السلطان سليمان القانوني بشكل طبيعي قبل أن يشهد الانتصار، عن عمر ناهز الـ71 عامًا..

ولأجل الحفاظ على معنويات الجيش العثماني مرتفعة، ومنعًا للفوضى على العرش في إسطنبول، أخفى القادة العسكريون ومستشارو السلطان خبر وفاته لمدة تزيد عن 48 يومًا، وقاموا بتزوير توقيعه وأختامه على ظهر الأوراق التي حملت تعليماته وقراراته.

– إنه الرجل الذي ملكَ الدنيا، وحكمَ الكرة الأرضية، وكان يضع كفنه في عمامته

بلغت الدولة الإسلامية في عهده أقصى اتساع لها، وأصبحت أقوى دولة في العالم في ذلك الوقت.

– صاحب أطول فترة حُكم.. من 6 نوفمبر 1520م، حتى وفاته في 7 سبتمبر سنة 1566م.

– نجحت جيوش سليمان القانوني في السيطرة على معظم بلدان العالم، ونشر الإسلام في كل بقاع الأرض، وسيطرت الأساطيل العثمانية على جميع بحار ومحيطات الكرة الأرضية.. وكانت الخلافة العثمانية هي القطب الأوحد، والعملاق الذي ترتجف فرائص جميع البلدان الغربية أمامه، وتقدّم له الجزية صاغرة،،

من أشهر أقواله:

1- “من يأخذ المال اليوم؛ يأخذ الأوامر غدا”

2- “الحُكم ليس بالسيف، بل بالعدل”.

3-  “أُحبُّ أن أموت غازيًا في سبيل الله”. (قالها لأطباء القصر عندما طلبوا منه أن يستريح بعد أن تجاوز السبعين من العمر..)

4- “عندما أموت أخرِجوا يدي من التابوت لكي يرى الناس أنه حتى السلطان خرجَ من هذه الدنيا ويده فارغة”

 – الوصية:

عندما حان وقت دفن جثمان سليمان القانوني، كان لا بُدَّ من تنفيذ وصيته، فقد أوصى بدفن “صندوق” معه في قبره، وتحيّرَ العلماء بشأن هذا الصندوق، ربما يكون به “مال” وذلك يخالف الشريعة، ولا يجوز دفنه، فقرروا فتح الصندوق، وكانت المفاجأة الصادمة للعلماء والشيوخ،، فقد وجدوا بالصندوق جميع (فتاويهم) التي قالوها له، وسارَ على نهجها، وعملَ بها في حُكمه، فبكى العلماء والشيوخ من الموقف وقالوا: 
(لقد أنقذتَ نفسك يا سليمان، فأي سماءٍ تظلنا … وأي أرضٍ تُقلنا إن كنا مخطئين في فتاوينا)

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

لو عرفوا سر شجرة الدلب، لفهموا أن هذا التحالف مختلف هذه المرة

لو عرفوا سر شجرة الدلب، لفهموا أن هذا التحالف مختلف هذه المرة
كاتب وصحفي تركي.

لا يعرف قرائي العرب أن النجارة من هواياتي. لدي ورشة صغيرة في قريتي، أصنع فيها من الخشب أشياء مثل طاولات القهوة والمصابيح. ولهذا لدي اهتمام خاص بالأشجار، فأنا أحبها كثيرا، كما أحاول التعرف على خصائصها.

أقضي ساعات في الاهتمام بأنواع مختلفة من الأشجار التي زرعتها في حديقتي الصغيرة والعناية بها. ومن أكثر هذه الأشجار التي أحبها وأراقب نموها بإعجاب شجرة الدلب. عندما زرعتها للمرة الأولى كانت شتلة صغيرة، لكنها تحولت الآن إلى شجرة كبيرة رائعة أجلس في ظلها بسلام. تمتد جذور شجرة الدلب عميقا في الأرض، بينما ترتفع أغصانها نحو السماء.

وتعيش أشجار الدلب سنوات طويلة جدا، ولذلك يُستخدم في اللغة التركية تعبير "شجرة دلب معمرة" لوصف شخص قوي وطويل العمر. وتمثل شجرة الدلب في بلادنا القوة المتينة والراسخة التي لا تتزعزع.

بدأت إسرائيل ومراكز واقعة تحت تأثيرها حملات تشويه للإساءة إلى هذا التحالف. إنهم يريدون قطع شجرة الدلب وتسميمها قبل أن تكبر، من خلال إطلاق تسميات عليها مثل "التحالف السني الراديكالي"

شجرة التحالف

يشبه التحالف بين السعودية وتركيا وباكستان غرس شتلة دلب في الأرض، ستجد في ظلها دول العالم الإسلامي السلام، وتحمي نفسها من الهجمات، وتجلب السلام إلى الشرق الأوسط. ويجب ألا ننسى أبدا أنه أحد أهم الاتفاقات الإستراتيجية القادرة على تغيير قواعد اللعبة في العالم الإسلامي خلال السنوات الأخيرة.

هناك من يريد مناقشة مضمون هذا التحالف وقدراته وقوته، لكن ثمة نقطة يغفلون عنها، وهي أنه ليس من المنطقي انتقاد شتلة دلب لكونها ضعيفة، بينما لم يمض وقت طويل على غرسها في الأرض.

هذه هي ثمرة بذرة زُرعت منذ أكثر من عامين، ثم نمت وتحولت إلى شتلة. ولا أرى من الحكمة إجراء تحليلات الآن بشأن ما إذا كانت هذه الشتلة ستصمد أمام الرياح العاتية أو تقاوم السيول.

إعلان

إن شجرة الدلب، التي تعيش مئات السنين وتعد من أقوى أشجار الطبيعة، تكون عند غرسها للمرة الأولى شتلة ضعيفة، لكن إذا حميتها وسقيتها واعتنيت بها جيدا، فإنها تتحول إلى واحدة من أقوى الأشجار، تمتد جذورها إلى الأعماق وتقاوم العواصف والسيول والضربات.

تحالف مكة هو شجرة دلب المستقبل، وهو مرشح لأن يصبح أحد أقوى التحالفات.

الدولة التي لا تلتزم بأي اتفاق سلام، ولا تفي بأي وعد، وهاجمت 6 دول واحتلت 3 دول، يمكنها أن تهاجم الجميع، وعلى الجميع اتخاذ احتياطاتهم

فاض نهر التاريخ

بدأ تاريخ البشرية يُكتب في الأراضي التي نعيش فيها. وبنى الحضارة أناس عاشوا في منطقتنا. ونبع نهر التاريخ من أراضينا وبدأ يتدفق نحو مختلف أنحاء العالم. وهذا النهر فاض وتحول إلى سيل بعد الزلزال الجيوسياسي الذي أعقب الهجوم الإسرائيلي على غزة. وهو يبحث الآن عن مجرى جديد.

وللأسف، فإن هذا السيل قوي إلى درجة تمكنه من تدمير دول ومدن وشعوب. والطريق لمقاومة السيل هو أن نزرع حول بيوتنا أشجارا قوية مثل الدلب. وشجرة الدلب هذه، ذات الجذور العميقة والجذع القوي والأذرع المتينة، هي تحالف مكة. علينا أن نتمسك بعضنا ببعض، ونتعانق، ونشبّك أذرعنا القوية، ونضرب بجذورنا في أعماق التاريخ مثل شجرة الدلب، وأن ننمّي هذا التحالف ونقويه ونحميه. وإلا سيجرفنا السيل جميعا.

يريدون قطع شجرة الدلب قبل أن تكبر

تحالف مكة هو تحالف أُسس لأغراض دفاعية، وأي شخص يهاجم إحدى هذه الدول سيُعد مهاجما للدول الثلاث. وهذا التحالف إجراء اتُّخذ في مواجهة جميع الدول ذات النزعات العدوانية. وقد بدأت إسرائيل ومراكز واقعة تحت تأثيرها حملات تشويه للإساءة إلى هذا التحالف. إنهم يريدون قطع شجرة الدلب وتسميمها قبل أن تكبر، من خلال إطلاق تسميات عليها مثل "التحالف السني الراديكالي " و"الهلال السني".

تخيلوا أن من تقول ذلك هي إسرائيل التي هاجمت 6 دول، واحتلت أراضي 3 دول، وتسببت في مقتل ما يقرب من 100 ألف شخص خلال العامين الماضيين.

ومن الطبيعي تماما أن يضع هذا الحلف ضمن حساباته الدفاع عن النفس أمام الدولة الأكثر عدوانية وتمردا على القوانين منذ نصف قرن.

فالدولة التي لا تلتزم بأي اتفاق سلام، ولا تفي بأي وعد، وهاجمت 6 دول واحتلت 3 دول، يمكنها أن تهاجم الجميع، وعلى الجميع اتخاذ احتياطاتهم. ولا سيما بعد أن هاجمت إسرائيل قطر، التي تُعد الدولة الأكثر سلمية في العالم والتي تكرّس جهودها لحل الأزمات. ولا تزال حتى الآن تستهدفها بحملات تشويه، وبالتالي فإنها قد تفعل ذلك مع أي دولة.

وإذا هاجمت إسرائيل تركيا أو السعودية أو باكستان، فإن هذا التحالف سيرد عليها ويصد هجومها. لكن علينا أيضا أن نضم إليه الدول الشقيقة الأخرى التي تواجه تهديدات.

لقد حان الآن وقت التحرك بالعقل والمعرفة والإستراتيجية من أجل تنمية شجرة الدلب التي زرعناها معا. يجب أن يتوسع التحالف، وأن تُرسم إستراتيجية هذا التوسع بعناية

يجب أن يتوسع التحالف بإستراتيجية ذكية

عندما عُقد الاجتماع الأول لوزراء خارجية هذا التحالف في إسطنبول، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن لدى التحالف أيضا سياسة للتوسع. وتتفق باكستان والسعودية مع هذا الرأي.

إعلان

وكان لتحالف مكة صدى نفسي قوي، أكثر من تأثيره في المجال الدفاعي أو السياسي. فمن المقاهي التي يُحتسى فيها الشاي على ضفاف البوسفور إلى المطاعم الواقعة على ضفاف نهر النيل، ومن شوارع بنغلاديش إلى أعماق أفريقيا، تحدث الناس في كل مكان عن هذا التحالف.

هل تعرفون لماذا؟ لم يتحمس الناس لأنهم فكروا في قوة التحالف العسكرية أو تأثيره السياسي، بل لأنهم رأوا فيه الخطوة الأولى نحو تحقيق مثال يدعو منذ مئات السنين إلى اتحاد الدول الإسلامية. واستقبل ملايين المسلمين الذين يحملون وعي الأمة، ويهتمون بحقوق الأخوة، ويحملون هموم المظلومين، خبر هذا التحالف بفرح وأمل.

آمل أن يكون كبار المسؤولين الذين يديرون دولنا قد رأوا مقدار الأمل الذي خلقته هذه الخطوة الأولى، وهذه المبادرة التي حظيت بدعم كبير بين الناس. فهذا لم يخلق لدى الناس أملا يتعلق باتفاق عسكري أو دفاعي أو سياسي فحسب، بل أملا بإمكانية تحقيق فكرة "الوحدة الإسلامية" التي يتطلع إليها العالم الإسلامي.

وهذا الأمل هو في الوقت نفسه فكرة يمكنها أن تسهم في إنهاء الصراعات والحروب والانقسامات بين المسلمين، الناجمة عن تفرقهم. وللأسف، كانت الحروب والصراعات بين الدول الإسلامية خلال السنوات الخمسين الماضية أكثر من غيرها، رغم أننا أتباع دين يعني اسمه "السلام". نحن أتباع دين يريد السلام والطمأنينة للبشرية جمعاء. لكن الواقع للأسف ليس كذلك على الإطلاق.

ولهذا أدافع منذ سنوات عن أفكار الاتحاد والتعانق والسلام بين المسلمين. والمسار الذي بدأ بهذا الاتفاق لا يعني إنهاء الصراعات بيننا فحسب، بل سيسمح لنا أيضا بإعادة توجيه الطاقة والموارد التي كنا نهدرها نحو تعزيز قوتنا.

لقد حان الآن وقت التحرك بالعقل والمعرفة والإستراتيجية من أجل تنمية شجرة الدلب التي زرعناها معا. يجب أن يتوسع التحالف، وأن تُرسم إستراتيجية هذا التوسع بعناية.

وينبغي أن تنضم دول إسلامية أخرى إلى هذا التحالف، وأن تتضامن هي أيضا مع الدول الأخرى في الدفاع عن بلدانها. إن حياة كل فرد يعيش في الدول الإسلامية ثمينة ومقدسة ومصونة مثل حياة الأفراد في الدول الأخرى.

وللأسف، أدركنا من خلال أحداث مؤلمة أن الدول الأخرى لم تستطع حماية أرواحنا. ولهذا علينا أن نتحد بوصفنا مسلمين عاشوا معا في التاريخ كإخوة، وآمنوا بالنبي نفسه والدين نفسه.

وكما نتجه جميعا نحو مكة عندما نصلي، علينا أن نتجه بوجوهنا نحو اتفاق مكة ونصطف في صف واحد من أجل إقامة خط دفاع في مواجهة الهجمات. وهذا مثال فكري، وحلم كبير، والخطوة الأولى في تحول كبير.

علينا أن نتحرك بحذر، لأن هناك أشخاصا سيئي النية يتربصون بنا في الزاوية من أجل قطع شجرة الدلب هذه ومنعها من النمو. لكن دعونا لا ننسى أنه إذا لم ننمِّ شجرة التحالف، فسيكون من السهل قطعها واقتلاعها وجرفها مع السيل.