اتفاق مكة.. من الدفاع المشترك إلى القوة الاقتصادية المشتركة

أشرف دوابة
"قد يكون اتفاق مكة خطوة أولى جيدة، بشرط ألا يبقى اتفاقاً للدفاع عن الحدود، بل يتحول إلى نواة لمشروع بناء القوة الاقتصادية للعالم الإسلامي"
لم يكن توقيع تركيا والسعودية وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة في السابع من آب/أغسطس حدثاً عسكرياً عابراً، ولا مجرد استجابة لتوترات إقليمية متصاعدة، بل يمكن أن يمثل نواة لتحول أوسع في علاقات دول العالم الإسلامي، إذا أُحسن البناء عليه اقتصادياً وسياسياً. فالاتفاق الذي ينص في أبرز بنوده المعلنة على أن الاعتداء على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، ويفتح الباب أمام التعاون في التدريبات والاستخبارات والتكنولوجيا الدفاعية، يحمل رسالة واضحة بأن أمن المنطقة ينبغي أن يُصنع بإرادة دولها، لا أن يبقى مرتهناً لقوى خارجية.
لكن الأهم من منظور اقتصادي أن الدول الثلاث لا تجمعها فقط مصالح أمنية، بل تمتلك عناصر قوة اقتصادية متكاملة بصورة لافتة. فبحسب بيانات 2025، يقترب الناتج المحلي الإجمالي المجمع لتركيا والسعودية وباكستان من 3.3 تريليون دولار، بينما يقترب عدد سكانها من 380 مليون نسمة. وهذه ليست أرقاماً هامشية، بل كتلة اقتصادية وسكانية مؤثرة، وتستطيع إذا أحسنت التنسيق أن تتحول إلى مركز ثقل في العالم الإسلامي.
ويزيد من أهمية هذا التجمع أن تركيا والسعودية عضوان في مجموعة العشرين، وأن المجال الجغرافي للدول الثلاث يمتد من شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج إلى بحر العرب وجنوب آسيا. وهذا يمنح أي تعاون اقتصادي بينها أبعاداً تتجاوز التجارة البينية إلى الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والطاقة والاستثمار، ويجعلها قادرة على الربط بين أسواق إقليمية ضخمة بدلا من أن تتحرك كل دولة بصورة منفردة.
فتركيا يمكنها تقدم لهذه التجمع قاعدة صناعية وإنتاجية متنوعة، وشبكة تصدير واسعة، وخبرة متقدمة في الصناعات الدفاعية. وقد بلغت صادراتها السلعية في 2025 أكثر من 270 مليار دولار، فيما تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران عشرة مليارات دولار. وهي إلى جانب ذلك بوابة جغرافية بين آسيا وأوروبا، وتمتلك بنية صناعية يمكن أن تكون قاعدة لمشروعات إنتاج مشتركة.
أما السعودية، فتملك ما هو أكثر من النفط، فهي أكبر اقتصاد عربي، بناتج تجاوز 1.27 تريليون دولار في 2025، وتمتلك قدرات مالية واستثمارية هائلة، فضلاً عن مكانتها في أسواق الطاقة العالمية، ومشروعات التحول الاقتصادي في إطار رؤية 2030. ومن هنا يمكن لرأس المال السعودي أن يلتقي مع الصناعة التركية وحاجة تركيا للطاقة، والسوق والموارد البشرية الباكستانية، في مشروعات تتجاوز بكثير حدود التعاون العسكري.
أما باكستان، فرغم تحدياتها الاقتصادية فإنها ليست طرفاً ضعيفاً في هذه المعادلة. فهي دولة يزيد سكانها على 255 مليون نسمة، وتمتلك قاعدة بشرية وعلمية وصناعية كبيرة، وقدرات زراعية معتبرة، فضلاً عن موقعها الذي يربط جنوب آسيا بآسيا الوسطى وبحر العرب. وإذا أضيف إلى ذلك ثقلها العسكري والنووي، فإنها تمنح هذا التجمع عمقاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.
ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لاتفاق مكة لن تكون في عدد المناورات العسكرية التي ستجرى، وإنما في ما إذا كان سيتحول إلى مشروع تكامل اقتصادي. والمطلوب أن نرى اتفاقات تجارة تفضيلية، وصندوقاً استثمارياً مشتركاً، وشركات مشتركة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والطاقة، وربطاً للموانئ والممرات اللوجستية، وتعاوناً في الأمن الغذائي، وتمويلاً إسلامياً قادراً على تحريك المدخرات نحو الاستثمار الحقيقي. كما يمكن للدول الثلاث أن تتوسع في التسويات التجارية بعملاتها الوطنية، بما يقلل تدريجياً من الارتهان الكامل للدولار في التجارة البينية.
والأهم ألا يتحول هذا الاتفاق إلى محور مغلق، بل إلى نواة مفتوحة لمن يريد من الدول الإسلامية أن ينضم إلى مشروع يقوم على المصالح المشتركة، لا على الشعارات. فالعالم الإسلامي لا يعاني نقص الموارد، وإنما يعاني تشتتها، وضعف التجارة البينية، وغياب الإرادة السياسية لبناء سلاسل إنتاج وتمويل وأسواق مشتركة.
وكان من الطبيعي أن تكون مصر ضلعاً رابعاً في مثل هذا الترتيب. فهي تملك أكثر من 118 مليون نسمة، وقناة السويس، وموقعاً فريداً بين آسيا وأفريقيا، وقاعدة صناعية وخبرات عسكرية وتاريخاً لا يمكن تجاوزه. كما أن مصر شاركت بالفعل مع تركيا والسعودية وباكستان في الاجتماع الوزاري الرباعي في القاهرة في حزيران/يونيو الماضي، بما يؤكد أن أبواب التنسيق السياسي لم تكن مغلقة.
ومع ذلك فإن الحضور في ترتيبات استراتيجية كبرى يحتاج إلى أكثر من التاريخ والجغرافيا؛ يحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات موثوقة، وقطاع خاص قادر على المنافسة، وجيش يركز جهده وموارده على مهمته الأصلية في حماية الوطن. فلا يخدم الثقة في الاقتصاد المصري استمرار اتساع دور المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة في الأنشطة الاقتصادية المدنية، في وقت تحتاج فيه مصر إلى إطلاق طاقات القطاع الخاص وتكافؤ الفرص، وهو ما يؤكد عليه صندوق النقد نفسه في مطالبته بتقليص بصمة الجيش في الاقتصاد.
نحن نتمنى لمصر أن تستعيد مكانها الطبيعي، لا أن تبقى خارج مثل هذه الترتيبات. فتركيا والسعودية وباكستان يمكن أن تشكل بداية طيبة، لكن اكتمال الصورة يحتاج إلى مصر وغيرها من الدول الإسلامية الكبرى. والوحدة الحقيقية لا تبدأ فقط باتفاق للدفاع المشترك، بل ببناء سوق مشتركة، ومصانع مشتركة، واستثمارات مشتركة، وأمن غذائي وطاقة مشتركة.
إن الأمم لا تصبح قوية لأنها تملك السلاح فقط، وإنما لأنها تملك أيضا اقتصاداً قادراً على إنتاج السلاح والغذاء والتكنولوجيا، واتخاذ قرارها السياسي باستقلال. ومن هنا قد يكون اتفاق مكة خطوة أولى جيدة، بشرط ألا يبقى اتفاقاً للدفاع عن الحدود، بل يتحول إلى نواة لمشروع بناء القوة الاقتصادية للعالم الإسلامي. وهو ما تحتاجه الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
x.com/drdawaba




