الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

أيهما أشدُّ حرمةً عند الله: المسجد الأقصى أم دماء اليمنيين؟ سؤال شرعي وموقف أخلاقي

أيهما أشدُّ حرمةً عند الله: المسجد الأقصى أم دماء اليمنيين؟
سؤال شرعي وموقف أخلاقي
 

بعد تفكيك العراق العظيم، وحرق الديار الشامية، ودفن كرام أهلها أحياءً على يد المشروع الإيراني الذي يقوده الملالي بشكل مباشر وعبر ميليشياتهم..

وبعد محارق الطوفان التي سحقت غزة وأبادت أهلها، وأضعفت عموم الحالة الفلسطينية، وأفقدتها قواها الكامنة، نتيجة زجّ الملالي بغزة في معركة دولية محسومة، لتكون طُعمًا في معارك النفوذ الإيراني، لا معركة وجود مع الكيان الإسرائيلي ذراع أمريكا والغرب..

لم يعد الجواب عن سؤال المقال ضرورةً شرعيةً أو سياسية، إذ إن توضيح الواضحات من المعضلات.

تفكيك أساطير منظومة ونظام ولي الفقيه.

كنت قد بدأت مسيرة تفكيك الأساطير الإيرانية المؤسسة لمفاهيم «محور المقاومة والممانعة» الخبيثة منذ عقدين، وتحديدًا فور سقوط بغداد الموجع والأليم.

 ذلك السقوط الذي أنجزت فيه إيران فتح الطريق للأمريكيين لسحق أرفع قامة حضارية، وصمام أمان المنطقة العربية وهي العراق، حتى حوّلته إلى مزابل للإبل ترعى فيها ميليشيات إيران الطائفية.

واليوم، وبعد مضي ثلاثة وعشرين عامًا، ولا سيما بعد مسالخ الطوفان، وبعد أن أقامت ثورة الشام المباركة الحجة والبرهان على وحشية النظام الإيراني وعدائه لله ولرسوله، ولأمهات المؤمنين، وللصحابة، ولعموم المسلمين؛ فإنني لا أجد أن ما كان ضرورةً بالأمس من توضيح الحقائق للناس لا يزال قائمًا اليوم، فقد قامت الحجة وظهر عوار عبيد الأرض وأعاد التائهون من عباد الله تصحيح تصوراتهم وأقلعوا عن جاهليتهم.

إن الموقف تجاه دماء اليمنيين، وأمنهم، وبلادهم التي اغتصبها الحوثي، لا ينبغي أن يكون خاضعًا للانتقائية السياسية أو للمزايدات الجهادية، ولا أن يُقاس بميزان المصالح الإيرانية وشعارات «المقاومة والممانعة» الكاذبة والمخادعة.

فدماء المسلمين ليست أوراقًا في صراع النفوذ، وأمن الشعوب ليس مادةً للمساومة، وحرمة الدماء لا تتجزأ بحسب الجغرافيا أو المذهب أو المصلحة القطرية.

دماء المسلمين متقدمة على حرمة الحرمين والأقصى المبارك.

من فظائع السقوط القيمي والأخلاقي قبل أن يكون ضلالا شرعيا أو انحرافا سياسيا أن تصبح قدسية الأرض أعلى من قدسية بني آدم وعموم الإنسان الذي كرمه الله، فهل نؤمن فعلًا بحرمة دم المسلم، أم أننا لا نتذكر هذه الحرمة إلا حين تخدم شعاراتنا ومواقفنا السياسية؟

إن المسجد الأقصى مقدس، والدفاع عنه واجبٌ، وهو موطن المعراج ومحلُّ إمامة النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الأنبياء والمرسلين، وجميع أحواله ومناحيه وقضاياه مرتبطة بالتوحيد عنوان الأخلاق والقيم، فكيف يتصور البعض أن تحرير المسجد الأقصى المبارك يمكن أن يرتبط بمعادلات سياسية تدوس بأقدامها جميع القيم وتمرّ بمسار مآلاته هدم وقتل وانتهاك دماء المسلمين، عداك أن يكونوا اليمنيين خير وأكرم وأطيب وأنبل البشر تجاه فلسطين؟!

الجمع بين الله واللات وبين الفضيلة والرذيلة!

إذا كانت البركة في أرض الشام مرتبطة بشكل رئيسي بالمسجد الأقصى عنوان معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنوان اكتمال دين التوحيد، فكيف يستسيغ البعض طرح مقاربة سياسية تقضي بالتحالف مع قاتل ومحتل لبلاد العرب والمسلمين، لأجل تحرير أرض فلسطين من المحتلين الغاصبين؟!

وإذا كانت عظمة أهل الشام بفلسطين هو بمقارعتهم الاحتلال والمشروع الصهيوني الذي حط رحاله على أرضهم مستهدفا مصر والعراق والشام وعموم بلاد العرب والمسلمين، فكيف يستقيم طلب نصرة شعوب العرب والمسلمين في الوقت الذي يتحالف البعض مع نظام ومنظومة ومشروع يحتل أرض من يطلبون منهم النصرة والتأييد؟!

إن حجم الضلال السياسي والسقوط الأخلاقي الذي وقعت فيه بعض الحركات والجماعات الفلسطينية المقاومة والمجاهدة على مستوى عموم التيار الوطني وخصوص التيار الإسلامي في معادلة النظام الإيراني والمنظومة الملالية أدى لإضلال الأمة وزيغها، كما شرخها ولا يزال يشرخ عامليها وشعوبها كلما توسعت رقعته وامتدت ظلاله.

أما الخطير في مسألة الحلف مع الملالي فهو تشريع منهج سياسي على قواعد تنقض غزل أصول السياسة الشرعية وتشرع دينا وفقها وأصولا حديثة مفارقة لكل إجماع أهل السنة، وذلك لأن مشرعي هذا المذهب الضال من الإسلاميين والمجاهدين، وبذلك فإن معالم مدرسة سياسية جديدة باتت تهدد سوية المسار الإسلامي السياسي في المشرق والمغرب، وإن أكبر تهديد منهجي سياسي وأخلاقي قد تنتقل عدواه من قيادات فلسطين هو تهديد حقيقي يمس المسار الإسلامي في سورية، وطالما يمكن العبث بالدين وصياغة دين جديد في السياسة، فليس أمهر من السياسيين الذين يبحثون عن المصالح غير عابئين بأحكام ولا مقاصد الشريعة، فهل سيضطلع علماء الشريعة بدورهم في تقويم المسار الإسلامي في أرض الشام بسورية الجديدة، بعد أن صمتوا عن الانحراف والضلال في مسار التجربة الإسلامية الشامية في أرض فلسطين؟

مضر أبو الهيجاء، جنين، فلسطين 14/9/2026










سبتة ومليلية.. من الحكم الإسلامي إلى الإسباني ومطالبة الرباط بهما وقصة نزوح المغاربة إليهما

سبتة ومليلية.. من الحكم الإسلامي إلى الإسباني ومطالبة الرباط بهما وقصة نزوح المغاربة إليهما


تُعد مدينتا سبتة ومليلية من أكثر الملفات تعقيداً في التاريخ الإسلامي والعلاقات المغربية الإسبانية؛ إذ تعتبرهما إسبانيا مدينتين تتمتعان بالسيادة الإسبانية الكاملة، بينما تصنفهما المغرب مدينتين محتلتين، وتطالب باستعادتهما، باعتبار أنهما كانتا تابعتين للمملكة الإسلامية التي كانت قائمة هناك قبل انهيارها.

وهو نزاع تمتد جذوره إلى أكثر من 5 قرون، ويكتسب أهمية سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة بسبب موقع المدينتين على الساحل الشمالي للمغرب، عند مدخل البحر المتوسط، وقد برزت قضيتهما مجدداً عقب نزوح جماعي من المغاربة إلى المدينتين بحراً، لقرب المسافة بينهما وبين المغرب.

وترددت روايات عديدة عن أن هذا النزوح الكبير للشباب المغربي، وانتقال قرابة 70 ألفاً من العائلات المغربية إلى سبتة ومليلية -تمت إعادتهم- كان بفعل البطالة والرغبة في العمل هناك، أو باعتباره خطة مغربية لاستعادة المدينتين، كما تحدثت تقارير استخبارية وإعلامية إسبانية، أو أن الأمر جاء عفوياً نتيجة تداول شائعات عن فتح الحدود والسماح للمغاربة بالانتقال إليهما.

قصة الحكم الإسلامي للمدينتين

كان الحكم الإسلامي لسبتة ومليلية أطول بكثير من فترة السيطرة الإسبانية الحالية، فقد بلغ نحو 7 قرون، وتعاقبت عليهما سلطات إسلامية مختلفة، بعضها مغاربي وبعضها أندلسي، وكانت سبتة خصوصاً مدينة محورية في العالم الإسلامي الغربي.

وبحسب المصادر التاريخية، دخلت سبتة في الحكم الإسلامي في القرن الثامن، بعد الفتح العربي الإسلامي لشمال أفريقيا، وكانت المدينة ذات أهمية استثنائية بسبب موقعها عند مضيق جبل طارق، حتى إنها أصبحت إحدى نقاط الانطلاق الرئيسة للعبور إلى الأندلس، لكن السيطرة على سبتة لم تكن مستقرة طوال هذه الفترة.

ففي القرن الثامن، دخلت ضمن الحكم الإسلامي في المغرب، مع ارتباطها بالقوى الإسلامية التي سيطرت على شمال أفريقيا، وفي القرن التاسع، وبعد اضطرابات وثورات أدت إلى خراب المدينة، أُعيد إعمارها، وأصبحت تحت حكم أسرة محلية هي بنو عصام.

وفي عام 931م، استولى عليها الأمويون في قرطبة، فأصبحت جزءاً من الدولة الأموية في الأندلس، وفي القرن الحادي عشر، ومع انهيار الخلافة الأموية، دخلت سبتة مرحلة من التنافس بين القوى الأندلسية والمغاربية، وحكمتها في مرحلة لاحقة قبائل البرغواطي، التي أعلنت استقلالها في سبتة حوالي عام 1061م.

لكن في عام 1084م، استولى المرابطون على سبتة، وأصبحت جزءاً من الإمبراطورية المرابطية التي اتخذت مراكش مركزاً لها، ومن سبتة دعمت الدولة المرابطية عملياتها في الأندلس، ولاحقاً، في عام 1147م، انتقلت سبتة إلى الموحدين بعد سقوط الدولة المرابطية، وأصبحت واحدة من أهم مراكزهم البحرية.

وبعد ضعف دولة الموحدين في القرن الثالث عشر، دخلت سبتة مرحلة شديدة التعقيد، حيث ظهرت فيها أسرة محلية قوية هي بنو العزفي، وتمكنت من إقامة إمارة شبه مستقلة استمرت تقريباً من عام 1250 إلى 1328م، لتصبح واحدة من أبرز التجارب السياسية المستقلة لمدينة إسلامية في المغرب.

ثم تنافست عليها الدولة المرينية (بنو مرين)، وهي سلالة أمازيغية في المغرب، ومملكة غرناطة النصرية، أو الدولة النصرية أو دولة بني نصر، وهي آخر دولة إسلامية قامت في الأندلس، واستولى عليها النصريون قبل أن تعود إلى المرينيين في أواخر القرن الرابع عشر.

وكانت آخر سلطة إسلامية تحكم سبتة هي الدولة المرينية، ثم جاءت اللحظة الفاصلة حين شن البرتغاليون، بقيادة الملك جواو الأول، هجوماً على سبتة في 21 أغسطس 1415م، وسيطروا عليها بعد معركة قصيرة داخل المدينة، وبذلك انتهى الحكم الإسلامي فيها الذي استمر قروناً.

وهنا تظهر أهمية سبتة بوضوح؛ فلم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت مفتاح الأندلس ومركزاً بحرياً للسيطرة على مضيق جبل طارق، وفي العصر الموحدي جعل الخليفة عبد المؤمن بن علي سبتة مركزاً للأسطول الموحدي، وربط إدارة المدينة بالسيطرة على المضيق والاتصال بين المغرب والأندلس.

تاريخ مليلية

تاريخ مليلية الإسلامي مختلف قليلاً عن سبتة؛ فقد دخلت، مثل بقية شمال أفريقيا، في الحكم الإسلامي بعد الفتح العربي، لكنها لم تكن طوال العصور الوسطى مركزاً سياسياً كبيراً مثل سبتة.

وخلال القرون الإسلامية الأولى، ارتبطت بالكيانات السياسية المختلفة التي حكمت شمال المغرب، وتعاقبت عليها سلطات محلية ومغاربية، وفي العصر الوسيط، ارتبطت المنطقة بالدول الكبرى التي حكمت المغرب، خصوصاً المرابطين والموحدين والمرينيين.

لكن مليلية عانت من الاضطرابات والصراعات، وبرزت فيها قوى محلية، كما تعرضت المدينة للتراجع السكاني والاقتصادي في بعض الفترات.

وبحلول أواخر القرن الخامس عشر، كان المغرب يعيش مرحلة ضعف سياسي وانقسام، بينما كانت إسبانيا والبرتغال قد بدأتا التوسع العسكري على سواحل شمال أفريقيا.

وجاءت نقطة التحول في 17 سبتمبر 1497م، حين استولت قوات تابعة لتاج قشتالة على مليلية، فأصبحت تحت السيطرة الإسبانية، وتعد «يونسكو» هذه الفترة جزءاً من موجة التوسع المسيحي الأوروبي في موانئ المغرب خلال نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر.

وخرجت سبتة من الحكم الإسلامي قبل مليلية بنحو 82 عاماً، وكان التكالب عليها سببه أنها تتحكم تقريباً في بوابة مضيق جبل طارق، فقد كانت، ولهذا، مركزاً عسكرياً وبحرياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى الدول الإسلامية؛ فالموحدون، مثلاً، جعلوا منها مركزاً للأسطول، واستخدموا موقعها للربط بين المغرب والأندلس.

ومقارنة بمليلية، كانت سبتة مدينة إسلامية لأكثر من 7 قرون قبل سقوطها في يد البرتغاليين المسيحيين عام 1415م، بينما استمر الوجود الإسلامي في مليلية حتى استيلاء الإسبان المسيحيين عليها عام 1497م.

لماذا تطالب بها المغرب؟

منذ قيام الدول الإسلامية في المغرب، كانت سبتة ومليلية جزءاً من المجال السياسي والحضاري لشمال أفريقيا، وكانت سبتة مرتبطة بصورة وثيقة بالدول التي حكمت المغرب، خصوصاً المرابطين والموحدين والمرينيين.

وهذا هو أحد الأسس التاريخية التي تستخدمها الرباط في المطالبة باستعادتهما، ومن أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات المغربية الإسبانية؛ لأن الخلاف ليس مجرد نزاع حدودي حديث، بل هو نتيجة تاريخ يمتد إلى القرن الخامس عشر، أي قبل نشوء الدولة المغربية الحديثة بصورتها الحالية، وقبل قيام الاتحاد الإسباني الحديث.

وتستند المطالبة المغربية إلى مبدأ استكمال وحدة الأراضي المغربية وإنهاء ما تعتبره بقايا الوجود الاستعماري الإسباني.

وبالمقابل، تقول إسبانيا: إن وجودها في المدينتين سابق بقرون على قيام المملكة المغربية الحديثة، وإنهما كانتا جزءاً من ممتلكاتها قبل الاستعمار الإسباني للمغرب في القرن العشرين.

بينما يرى المغرب أن استمرار السيطرة الإسبانية عليهما يمثل امتداداً لمرحلة التوسع الأوروبي في الأراضي المغربية، وفي عام 1767م، أبرمت إسبانيا والمغرب اتفاقاً مهماً أعاد تنظيم العلاقات بين الطرفين، ثم اندلعت مواجهات جديدة في القرن التاسع عشر، أبرزها الحرب الإسبانية المغربية 1859–1860م.

وانتهت الحرب بمعاهدة «واد راس» (Wad-Ras) عام 1860م، التي ثبتت حدود مليلية وسبتة والمناطق المحيطة بهما بصورة أكثر وضوحاً، وهو ما تعتبره إسبانيا أحد الأسس التاريخية لاستمرار سيادتها على المدينتين.

وفي عام 1912م، فرضت فرنسا وإسبانيا نظام الحماية على المغرب، كدولتين استعماريتين، وأصبحت لإسبانيا منطقة نفوذ وحماية في شمال المغرب، وكانت تطوان عاصمة المنطقة الإسبانية، لكن سبتة ومليلية لم تكونا جزءاً من منطقة النفوذ؛ لأن إسبانيا اعتبرتهما أصلاً جزءاً من أراضيها.

وخلال فترة الحماية الإسبانية 1912–1956م، كانت المدينتان منفصلتين قانونياً عن المنطقة المغربية الخاضعة للحماية الإسبانية؛ ولذلك، عندما حصل المغرب على استقلاله عام 1956م، انسحبت إسبانيا من محميتها المغربية، لكنها لم تنسحب من سبتة ومليلية، وهنا بدأ النزاع الحديث بصورته الحالية.

فبعد استقلال المغرب عام 1956م، تبنت الدولة المغربية موقفاً يقوم على أن إنهاء الاستعمار ينبغي أن يشمل جميع الأراضي التي كانت تاريخياً مرتبطة بالمغرب، بما فيها سبتة ومليلية والجزر الصغيرة القريبة منهما.

وأصبحت القضية جزءاً من مفهوم مغربي أوسع يسمى أحياناً الوحدة الترابية، وهو مفهوم يرتبط أيضاً بالنزاع على الصحراء الغربية، لكن إسبانيا عززت وضع المدينتين تدريجياً داخل مؤسساتها السياسية.

وفي النظام الدستوري الإسباني الحديث، أصبحت كل من سبتة ومليلية مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي، وليستا مستعمرتين أو إقليمين تابعين لإسبانيا في الخارج.

وهذا يجعل القضية أكثر تعقيداً؛ فسكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية ويشاركون في المؤسسات السياسية الإسبانية، والمدينتان جزء من الاتحاد الأوروبي من الناحية السياسية والقانونية، مع ترتيبات خاصة مرتبطة بموقعهما الجغرافي.

وتتمتع كل من سبتة ومليلية بأهمية إستراتيجية هائلة؛ فهما تطلان على البحر المتوسط، وتقعان بالقرب من مضيق جبل طارق، وتمثلان بوابتين أوروبيتين مباشرتين داخل شمال أفريقيا، وترتبطان بالأمن البحري في غرب المتوسط، ولهما أهمية عسكرية واستخباراتية بالنسبة إلى إسبانيا وحلف شمال الأطلسي.

لماذا عادت القضية إلى الواجهة في 2026؟
في أغسطس 2026م، عادت مسألة السيادة المغربية على سبتة ومليلية إلى الواجهة بقوة بعد أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها سبتة في أواخر يوليو، عندما دخل عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة في موجة مرتبطة بالحدود المغربية.

وبعد الأزمة، أعاد وزير العدل المغربي عبداللطيف وهبي طرح المطالبة المغربية بسبتة ومليلية علناً؛ ما دفع مدريد إلى رفض أي تفاوض على سيادتهما، وأكدت الحكومة الإسبانية أن المدينتين جزء لا يتجزأ من الأراضي الإسبانية.

وزادت الأزمة حساسية؛ لأن سبتة ومليلية تمثلان الحدود البرية الوحيدة تقريباً بين الاتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية، وبالتالي فإن أي توتر حولهما يتحول سريعاً إلى قضية أوروبية تتجاوز العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط.

وفي أعقاب تدفق قرابة 70 ألف مغربي على سبتة، اعتبرت إسبانيا ذلك جزءاً من حملة منظمة مغربية، وليس أمراً عفوياً.

ويرى بعض الباحثين الإسبان أن المغرب يستطيع استخدام إدارة تدفقات الهجرة كورقة ضغط سياسية على إسبانيا، خصوصاً أن الرباط تملك قدرة كبيرة على التحكم في حركة المهاجرين باتجاه سبتة ومليلية، رغم أن المغرب تعامل لاحقاً مع الأزمة بما أرضى إسبانيا، وشدد الأمن على بوابة سبتة.

ومع تزايد انتشار نظريات داعمة لفكرة أن سماح المغرب بعبور جماعي لقرابة 70 ألف مغربي إلى إسبانيا، ومدينة سبتة ومليلية تحديداً، كان بهدف الضغط على رئيس الوزراء الإسباني الداعم لفلسطين ودفعه إلى الاستقالة، بدأت صحف إسبانية تنشر تفاصيل حول هذه الخطة.

صحيفة أل إسبانيول، وهي معادية للمغرب، نشرت في 2 أغسطس 2026م تقريرين زعما رصد عناصر من المخابرات المغربية بين المهاجرين بشكل جماعي، وكأنهم ينظمون ويشرفون على العبور الجماعي، وتقريراً آخر بعنوان «لماذا ضغط المخزن (أي القصر الملكي) على إسبانيا بالعبور الجماعي؟»، ولم تفسر لماذا تعاون المغرب لاحقاً مع إسبانيا لإعادة النازحين.


وذهبت صحف إسبانية وأوروبية، واثنان من نواب الكونجرس، هما توماسي ماسي، ومارجوري جرين، إلى طرح فرضية أغرب، تقول: إن ملف الهجرة المغربية كان ورقة ضغط على إسبانيا بسبب دعم حكومتها الحالية لغزة وفلسطين، وأن «إسرائيل» وأمريكا استغلتا موجة النزوح الأخيرة للمغاربة إلى سبتة، إعلامياً واستخبارياً، لمعاقبة إسبانيا.







كيف تحولت المالديف إلى أمة مسلمة 100%؟

كيف تحولت المالديف إلى أمة مسلمة 100%؟
  جمال خطاب 


جزر المالديف


في مشهدٍ يلخص 9 قرون من التحول الحضاري، احتفل سكان جزر المالديف، الأحد 13 سبتمبر، بالذكرى الـ900 لدخول الإسلام إلى هذا الأرخبيل المتربع على مياه المحيط الهندي.

لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة دينية عابرة، بل لحظة تستعيد فيها البلاد جذورها العميقة، وتؤكد من جديد أن الإسلام لم يكن يومًا طارئًا على هويتها، بل الإطار الذي تشكلت داخله الدولة والمجتمع والثقافة منذ القرن الثاني عشر.

فمنذ اعتناق الملك دهويمي الإسلام عام 1153م، تحولت المالديف إلى واحدة من أكثر البلاد تجانسًا في العالم، حتى باتت تعرف نفسها رسميًا بأنها «جمهورية المالديف الإسلامية»، وتعلن أن جميع مواطنيها، بلا استثناء، مسلمون بحكم القانون.


ومرور 9 قرون على هذا التحول يمنحنا فرصة نادرة لإعادة قراءة قصة الإسلام في هذه البلاد:
كيف بدأ؟ وكيف ترسّخت أقدامه؟ وكيف استطاعت العقيدة أن تصوغ ملامح أمة كاملة، من اللغة إلى العمارة، ومن السياسة إلى الذاكرة الجماعية؟ والأهم من كل ذلك؛ كيف حافظت المالديف على هذا الإرث الديني المتجذر رغم التحولات العالمية العاصفة؟


هذه الأسئلة تشكّل جوهر هذا المقال، الذي يسعى إلى تتبّع المسار التاريخي والثقافي والسياسي الذي جعل المالديف اليوم أمة مسلمة بنسبة 100%.


مرافئ الملح وبذور العقيدة


لم تكن جزر المالديف، المعزولة في ظاهر المحيط الهندي، بعيدة عن شرايين التجارة العالمية؛ إذ انفتحت مرافئها مبكراً على حركة الملاحة بين الشرق والغرب، ومنذ حل القرن التاسع الميلادي، كانت السفن العربية المحملة بالبضائع تقصد هذه الشواطئ للتزود بالماء العذب والسلع النادرة، وتؤكد الدراسات المنشورة في موسوعة أكسفورد أن هؤلاء البحارة والتجار لم يحملوا معهم بضائع الشام واليمن فحسب، بل حملوا سلوكاً وعقيدة ولغة جديدة، وعبر المعاملة التجارية والتواصل اليومي المباشر، غرس التجار المسلمون النواة الأولى للإسلام في نفوس السكان دون إكراه، متمثلين الوصية النبوية الداعية للتبليغ «بلغوا عني ولو آية»، ليدخل الدين الجديد برفق إلى الوجدان المالديفي قبل أن يستقر في قصور الحكم.


اللحظة الفاصلة

شهد عام 1153م انعطافة تاريخية غيّرت مجرى الأرخبيل بأكمله، ففي ذلك العام، أعلن الملك البوذي دهويمي اعتناقه الإسلام على يد العالم والداعية المسلم أبو البركات يوسف البربري، وبحسب ما وثقته ألواح «لوامافانو» النحاسية التاريخية، تسمى الملك باسم السلطان محمد العديل، ليؤسس أول سلالة إسلامية حكمت البلاد طوال 8 قرون متواصلة.

لم يكن هذا التحول مجرد حدث ديني في البلاط الملكي، بل كان إعادة هندسة شاملة للبنية السياسية والديمجرافية للجزر؛ حيث أُلغيت المعابد البوذية، وشيدت المساجد، وأُدخلت الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للحكم والتشريع، استجابة للرؤية القرآنية التي تجعل الحاكمية والمشروعية لله وحده، لتتشكل بذلك سلطنة إسلامية مركزية أزاحت المظاهر الدينية القديمة كلياً.

هوية مصونة بقوة القانون


مع استقرار الدولة المعاصرة، تجسد هذا الموروث في صلب «جمهورية المالديف الإسلامية»؛ إذ ينص دستور عام 2008م على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، ويشترط أن يكون رئيس الدولة ومواطنوها مسلمين، حاسماً بقوة القانون منع ممارسة أو إظهار أي شعائر لدين آخر، هذا التجانس الصارم جعل المالديف إحدى 4 دول فقط في جنوب آسيا تتمتع بأغلبية مسلمة مطلقة، حيث باتت العقيدة الشرط الأول والمحوري لنيل المواطنة.

شرايين الحياة


تتجاوز الآثار الإسلامية في المالديف حدود الدساتير لتنغرس في تفاصيل الحياة اليومية للناس، فاللغة «الديفيهية» امتلأت بمئات المفردات والمصطلحات العربية، وظلت تكتب بالحروف العربية حتى منتصف القرن العشرين، وعلى صعيد العمران، تجسد المساجد التاريخية، وفي مقدمتها مسجد الجمعة القديم تحفة هندسية فريدة؛ حيث حفرت الآيات القرآنية والزخارف الإسلامية بدقة متناهية على حجارة المرجان البحري.

وامتص المجتمع المالديفي أحكام الشريعة في شؤون الزواج والميراث والمعاملات، وتوجهت علاقات الجزر الخارجية تاريخياً نحو العواصم والموانئ الإسلامية في اليمن وعُمان والساحل الشرق أفريقي؛ ما صبغ ثقافة الأرخبيل بصبغة إسلامية خالصة.

ذاكرة تستعصي على الاندثار

تنفرد المالديف بين دول المنطقة بأنها لم تحتفظ بأي أثر ديني بوذي أو هندوسي نشط بعد تحولها الشامل، إذ ذابت تلك الآثار في الذاكرة الجماعية لحساب الموروث الإسلامي، ولا تزال الذاكرة الوطنية تحرس هذا الإرث عبر ضريح «أبو البركات البربري» في العاصمة المالديفية ماليه، والسجلات الملكية النادرة، والمساجد العتيقة التي تذكر الجيل الجديد بمسار تحول بلادهم.

حصن السيادة وروح الأمة


في المالديف اليوم، لا ينظر إلى الإسلام باعتباره مجرد شعائر عبادية، بل ركيزة أساسية للأمن القومي والسيادة الوطنية، تشرف وزارة الشؤون الإسلامية على ضبط الخطاب الديني وتوجيهه، بينما تشكل المناهج الإسلامية الأساس التربوي للناشئة في جميع المراحل الدراسية، ولعل هذا ما يعكسه تصريح الرئيس المالديفي السابق مأمون عبدالقيوم حين أشار إلى أن الإسلام في المالديف ليس مجرد عقيدة، بل هو روح الأمة والعمود الفقري لهويتها.

إن المالديف اليوم تدرك أن عبور 9 قرون على اعتناق الإسلام لم يكن محطة عابرة، بل كان ولادة ثانية لأمة أعادت صياغة وجودها وهويتها بالكامل، لتظل هذه الجزر المرجانية شاهداً حياً على تجربة حضارية فريدة تحولت فيها العقيدة إلى هوية وطنية جامعة بنسبة 100%.


   اقرأ أيضاً  



جمهورية المالديف الإسلامية.. ونصرتها للقضية الفلسطينية




بيني وبينك .. في مَدِيح الظّلّ

بيني وبينك .. في مَدِيح الظّلّ


د. أيمن العتوم


آيةٌ من آياتِ الله، وعلامةٌ على عَظَمَتِه، وإشارة إلى قُدرته في تصريف الأمور. وجَعَلَه الله عندَ الحديثِ عنه مُفتَتَحًا بقوله: «ألم ترَ» . 
ولم تُقَلْ هذه الافتِتاحَةُ إلاّ في موضع الحديث عن العَظَمة وحَثِّ الإنسان على التّفكّر والتّأمل والتّدبّر، لأنّ ما يتبعُها لا يُمكن لعقلٍ أنْ يُحيطَ به إلاّ إذا كان ينظرُ بغير العقل الّذي ينظر به النّاس.
وهو مُرتبطٌ بآيةٍ أخرى كبيرة وهي الشّمس، فقد كانتْ دليلاً عليه، يطول ويقصر ويتغيّر ويتبدّل بتغيرّ حركتها، وبدورانها، وما دامتْ قائِمةً إلى أنْ تكونَ الغاشية، يومَ تتناثر في الفضاء، فهذا يعني أنَّ آيةَ الظّلّ قائِمةٌ إلى ذلك اليوم. والعجيبُ أنّ النّاس لإلفِهِم لها لا يرونَها على النّحو الّذي يجب.
 ومن الشّرور الّتي تُصيب فؤادَ الإنسان وعقلَه إِلْفُه الخارقَ للعادة لتكرّره فيحسبُ أنّه أمرٌ هَيّن، وما هو بذاك.
والظّلّ مأوى الأنبياء، ومَلجَؤهم حينَ يكونُ التّعب والرّهَق والحُزْن قد بلغَ منهم مبلغًا كبيرًا، ففيه يرفعون أيديهم إلى السّماء فيطلبون، وتُفتَح لهم أبوابُها: 
(ثُمّ تولّى إلى الظّلّ فقال ربّ إنّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيّ من خيرٍ فقير).
والظّل في الآخرة مُستقرّ ومُستودَع. 
ومكافأة على ما مرّ في الفانية من عَنَتٍ، فإذا كانتْ لهم الجائزة الطُولى كانت في السّعةِ فيه، وفي مُبالغته، وفي ديمومته، وفي تراكُبه وتراكمُه؛ لقوله تعالى: (ونُدخِلهم ظِلاً ظليلاً) . 
وجَعَلَه من النّعيم الدّائم مثلَ بقيّة النِّعَم، فقال: (أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها). فإذا كان بقوله هذا مستمرًّا في الزّمان، فإنّه جعله مستمرًّا في المكان، بقوله: (وظِلٍّ مَمْدُود).
والمقارَنات بين نعيم أهل الجنّة وجحيم أهل النّار في القرآن كثيرة، وقد بُسِطَتْ في مواضع مُتعدّدة، ومن المألوف أنْ يُقارَن بين الحالَتين في الطّعام: (وفاكهةٍ مِمّا يتخيّرون وَلَحْمِ طيرٍ مِمّا يَشْتَهُون)، مع (إنّ شجرةَ الزّقومِ طعامُ الأثيم) وفي الشّراب وفي اللّباس وفي الحركة كذلك، ولكنْ أنْ يدخل الظّلُّ في المقارنة فهذا يدلّ على مكانته في الإشارة إلى النّعيم وضِدّه، قال: (ولا الظّلّ ولا الحَرور).
والظّل في النّفسِ كما في الطّبيعة. وإذا كان ضوءُ الحقيقة ساطِعًا كان ظلّه في النّفس أشدّ، فتسكُن، وتسلكُ درب الحِكمة. 
وكما يُعرَف بالظّلّ أوقاتُ الزّمان ومواقيت الصّلاة، وأعمار النّاس والأيّام، يُعرَف بظلّ النّفس عُمرُها وتردّدها، وتقلّبُ أحوالِها، وأنّها لا بُدّ يومًا أنْ تنطفِئَ فينطفِئُ معها ظِلُّها؛ فإذا أوَتْ إلى ظلّ لغيرِ ضوء الحقّ والحقيقة ضلّت. وإذا أوتْ إليه مُدّ لها فيه حتّى حماها من كلّ لافِحة.
والظّلّ خَلقٌ من خلقِ الله، أشدُّه له خُضوعًا، يسجدُ طوعًا إذا سجدَ الإنسان طوعًا وكَرْها: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ). 
والظّلّ الحدّ الفاصل بين النّور والعمى، وبين حقيقتَين متباعِدَتَين كالموت والحياة، والجنّة والنّار، والوجود والعَدَم.
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

صراع «الأنا»

صراع «الأنا»


صراع «الأنا»

حين تُقْبَض روح الإنسان، وتُطوى صحيفة أيامه في الدنيا، يتبدّى الموتُ في حقيقته الكبرى لا كفناء للجسد فحسب، بل كموت قاطع لأسطورة «الأنا» التي طالما سكنت محراب الوهم، وطالما عاش العبد يظنّ تلك الأنا حقيقةً لا تزول، وكياناً مستقلاً يملك ويحكم ويوجه، فإذا بالموت يهوي بسيفه البتار على كل تلك الهلاميات والشكليات، ليُسقط الأسماء، والألقاب، والتطلعات، والعلاقات التي لطالما اتخذها العبد وطناً وملاذاً.


يموت الإنسان، فتسقط الأسماء التي كان يلوذ بها، وتخفت الألقاب التي كان يعتز بها، وتبقى الحقيقة عارية من كل زينة، تسقط «أنا» الاسم، و«أنا» المكانة، و«أنا» الثوب، و«أنا» البيت، و«أنا» الناس، و«أنا» العلاقات، و«أنا» الممتلكات، و«أنا» الشهرة، و«أنا» التطلعات، و«أنا» الذكريات، و«أنا» الآراء.


في تلك اللحظة الفارقة، يرتطم الإنسان بصدمة الحقيقة العارية؛ فكل ما كان يخدمه، ويدفع عن حياده، ويسعى لشهرته، وجماله، وثناء الناس عليه، يتبدد كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، يفاجأ المسكين بأنه أفقر ما يكون، لا يملك من أمره شيئاً، بل يكتشف متأخراً أن حتى تلك «الأنا» التي استبدت بوجدانه لم تكن سوى عارية من الله، اختبره بها، فإذا به يعبدها من دون الله.


حتى العمل الصالح تحول نفسه إلى غذاء لها، قد يقرأ القرآن، و«الأنا» تتطلع إلى أن تسمع تصفيق الناس، وقد يطلب العلم، و«الأنا» تطلب المنزلة، وقد يدعو إلى الله، و«الأنا» تطلب أن يكون الناس معه، وقد يخدم الحق، و«الأنا» تطلب أن ينسب الفضل إليها، وقد يبني، و«الأنا» تريد أن يكتب اسمها على البناء، فتصبح العبادة التي كان ينبغي أن تحرره من نفسه طريقاً جديداً لتضخيم نفسه.


إنه الفقر الحقيقي؛ حيث يتخلى عنه كل شيء ويعود عبداً فقيراً ليس له شيء مطلقاً، لأن كل تعلّقاته ماتت بموت «الأنا»، قال تعالى: (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ {9}‏ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات)، فكل ما تعلق بالنفس والجسد يبعثر لا وزن له، أما ما كان من علاقة بالله وثيقة فذلك الذي يُحصل وينفع، وحين تُبعثر القبور، وتُحشر الوحوش، وتتكور الشمس، وينفرط عقد الكون الزاخر بمظاهره، وتتصدع جدران الوهم، يبرز الخلق لله الواحد القهار، وتخرج الحقيقة سافرة؛ (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) (التكوير: 14).


هناك، حيث تنقشع سحابة الغفلة وتتوارى أضواء الدنيا الزائفة، تقف النفس وجهاً لوجه أمام حصاد عمرها؛ فلا تستطيع إنكار خطيئة، ولا ادعاء فضل، ولا التخفي خلف اسم أو لقب، إنها لحظة الانكشاف الأعظم التي تُعرض فيها الدواوين، ويقف العبد ليراقب ما قدمت يداه، وما أضمره قلبه، وما حفرته «الأنا» من آثار في باطنه وظاهره، قال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) (الأنعام: 94).


حين تنكشف السرائر وتحصل ما في الصدور، لا ينجو إلا ما كان خالصاً لوجه الله، لا تبقى تلك المظاهر الخادعة، بل يبقى رصيد الخلوات؛ الصلوات الطويلة الخاشعة، السجدات العميقة التي عفرت الجباه في أطراف الليل، الأذكار الخفية، الدمعات التي حفرت مجاريها في السر، التضحيات التي لم تبتغِ غير القرب، والحب الصادق والشوق العارم للحي القيوم.

تلك هي الخبيئة التي لا تموت بموت صاحبها؛ لأن قيمتها ليست في شهرة صاحبها، وإنما في صلتها بالله؛ (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل: 96).


فاجعل من نفسك شيئاً عند الله، لا شيئاً عند الناس، واجعل في قلبك رصيداً لا يأخذه الموت، واجعل لك من الخبيئات ما لا تعرفه الألسن ولا تراه العيون، ولكن يعلمه الله سبحانه، فالمشكلة ليست أن يكون للإنسان وجود، وإنما أن ينسب وجوده إلى نفسه.


لقد عرف السالكون طريقهم إلى الله على بصيرة، فأدركوا أن أخطر ما يقطع على العبد سيرَه هو ذلك الحجاب الثخين المسمى بـ«الأنا»، لقد فهموا بعمق معنى التزكية الربانية في قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس)، فعلموا أن التزكية الحقة ليست ترفاً تعبدياً، بل هي عملية انتشال كبرى للقلب من ورطة التعلقات، وتخليصه من دساستها حين تترك أسيرة للشهوات والتطلعات، والتكبر والتجبر ومطالب الدنيا المهلِكة.


من هنا جاء الهدي النبوي الشريف دقيقاً وحاسماً في التعامل مع جذور «الأنا» وقطع دابر استعلائها؛ إذ علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته منهج الكفاف الذي يكسر شوكة النفس ويقمع طمعها، بقوله الحكيم: «إنما يكفيك ما يسد جوعتك ويواري عورتك، وإن كان لك بيت فذاك، وإن كان لك زوجة فبخٍ بخ».


وبقوله: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صُلبه»، لم يكن هذا زهداً تدميرياً، بل كان تدبيراً ربانياً لئلا تطغى «الأنا» وتتخذ من فضل الدنيا وثيابها وشهرتها صنماً تدور في محرابه.


لقد بلغ من شدة وعي السالكين بخطورة النفس أنها كانت موضع اتهام مستمر في كل خطوة وكل كلمة؛ فكان أحدهم يراقب خواطره ليلاً ونهاراً، خشية أن يتسلل حب الظهور أو حظ النفس إلى خلواته أو طاعاته، ومن هنا غاص العارفون في أبعاد هذا المعنى الخطير حتى صار من مناجاتهم العجيبة؛ اللهم خذني إليك مني، وارزقني الفناء عني، ولا تجعلني مشغولاً بنفسي محجوبًا بحسي.


إنها دعوة للتحرر الأعظم؛ ألا يسجن العبد داخل قفص أنانيته ورغباته الشخصية، بل يخرج من حوله وقوته إلى حول الله وقوته، ومن رؤية نفسه إلى شهود المنعم وحده، فمتى فني العبد عن حظوظ نفسه الأمارة، وأدرك فقره الذاتي أمام غنى مولاه، انفتحت له أبواب المعرفة، واستقام له السير في دروب القرب بلا التفات لغير الله.


وحين يستقر هذا الفهم في سويداء القلب، تنقلب الحياة كلها؛ فلا يعود النجاح صنماً، ولا ينكسر القلب لفوات حظ من حظوظ الدنيا، وحين يأتي الموت لأصحاب هذه القلوب، لا يكون صدمة مرعبة، بل هو الانكشاف الأخير لما اعتادوا تذوقه في خلواتهم، ليهتفوا بيقين تام في ملكوت الحقيقة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5).



فاقبض على نفسك اليوم قبل أن تُقَبض، واخلع أردية الوهم قبل أن تُنزع عنك قسراً، حتى لا يتبقى في قلبك يوم القيامة سوى الحقيقة الباقية؛ أنك عبد، وأن الله هو الغني الحميد، وأن أجمل ما فيك وأبقاه هو ما كان له وحده.




حقيقة الوضع في اليمن

 حقيقة الوضع في اليمن

عامر عبد المنعم 


منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قررت تأجيل الكتابة عن مستقبل العلاقة بين طهران والعالم الإسلامي حتى انتهاء الحرب، حتى لا يثار الجدل الذي يشوش على المعركة التي من مصلحة الإيرانيين والأمة أن يخسرها ترامب وحليفه نتنياهو.

كنا ومازلنا نرى أن الصمود الإيراني ضد العدوان يصب لصالح الأمة وينبغي البناء عليه، لتصحيح الكثير من المواقف الطائفية السابقة التي ولدت انطباعا سلبيا حال دون التقارب.

لكن اللعبة المعادية التي تهدف إلى إشعال الصراع الشيعي السني، واستمرار الإيرانيين في سياسة التوسع في العالم العربي من خلال ميليشيات طائفية تابعة لها يجعلني مضطرا للكتابة للتحذير من الخطر، ولتوضيح ما يخفى على البعض.

ما أراه من خلال متابعتي للشأن اليمني يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1 – الأمريكيون ومعهم البريطانيون هم أصحاب القرار، وهم منذ البداية مع تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب، وهم مع إعطاء الشمال للحوثي وأيدوا سيطرة الإمارات على الجنوب، وعندما حاول الحوثي التمدد جنوبا إلى عدن تقرر ضربه؛ فكانت عاصفة الحزم التي توقفت عند هذا الحد.

2 – الحوثيون قبيلة في جبال صعدة بشمال اليمن اعتنقت المذهب الإيراني، وهم أقلية صغيرة في دولة بها 42 مليون إنسان أغلبيتهم شوافع سنة، وأقلية زيدية معظمهم على خلاف كبير مع الحوثيين، أقرب للسنة، وسيطرت ميليشيا هذه القبيلة المسلحة على المحافظات الشمالية، وارتكبوا مذابح طائفية ودمروا البيوت وهدموا المساجد، ومارسوا التهجير الطائفي ضد الملايين من اليمنيين وشردوهم خارج اليمن (مثل ما فعلوا في العراق وسوريا).

3 – بعد ثورة اليمنيين في 2011 وسقوط حكم علي عبد الله صالح ضغطت الولايات المتحدة والدول الغربية على دول الخليج لمنع حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون) من المشاركة في أي ترتيبات سياسية.

4 – انتقم على عبد الله صالح من الثورة وفتح الطريق للحوثيين فاجتاحوا المحافظات الشمالية واحدة بعد الأخرى، طمعا في أن يشاركوه في الحكم ولكنهم قتلوه بعد ذلك.

5 – اصطدم الحوثي بكتائب حزب الإصلاح والإسلاميين في تعز ومأرب والجوف والضالع والمقاومة القبلية في كل المحافظات، فلم يستطع استكمال الانتشار واحتلال كل اليمن الشمالي.

6 – المقاومة في تعز ومأرب والجوف، استطاعت بتسليح متواضع أن تستجمع قوتها، وتساند المجموعات الأخرى مثل التهاميين في تحرير الساحل وكادوا أن يحرروا الحديدة، لكن التدخل الأمريكي والبريطاني العسكري غير المعلن أوقفهم بالقصف الجوي وبالضغط السياسي، وبعدها تم التوافق الدولي على تنصيب طارق صالح المرتبط بالإمارات قائدا للشرعية في منطقة الساحل، ودعمه عسكريا ودفع رواتب القوات التي تحت إمرته.

 7- السعودية دعمت بقوة الجيش والمقاومة لكن غلطتها انها أدخلت الإمارات معها ويبدو ان الإمارات كان لديها حسابات مسبقة وتنسيق قبل اجتياح الحوثي ليمن مفكك والسيطرة على الجزر اليمنية وباب المندب وفصل الجنوب.

8 – تصدت المقاومة للحوثيين، وكان جيش الشرعية الذي تكون يتعرض لضربات غامضة بغارات من طائرات مقاتلة حديثة لم تعلن أي دولة المسئولية عنها.

9 – في الاتفاقات التي تمت لتهدئة الصراع لحماية الحوثي وبضغوط أمريكية تم نفي بطل تعز حمود المخلافي الذي قهر الحوثيين إلى خارج اليمن.

10 – كان من الاتفاقيات لوقف إطلاق النار حظر الطيران على صنعاء بقرار دولي، الذي استمر حتى الشهر الماضي عندما كسر الحوثيون الحظر بإرسال وفد إلى طهران للتعزية في وفاة المرشد الإيراني وقرروا كسر قرار الحظر ، فقامت طائرة مقاتلة قيل أنها يمنية تابعة للشرعية وقيل أنه سعودية بقصف المدرج بمطار صنعاء ولم تقصف الطائرة التي نزلت بسلام، فرد الحوثيون بقصف أهداف داخل المملكة، بعدها جرى التصعيد بين الطرفين والذي انتهى بالهجوم على تعز ومحاولة تطويقها، ثم السيطرة على الساحل بعد انسحاب طارق صالح من المواجهة (بترتيبات لم يعلن عنها حتى الآن) وتسليم المنطقة الساحلية للحوثيين، الذين اندفعوا حتى باب المندب وسيطروا على الجزر اليمنية التي تتحكم في المضيق.

11 – كان واضحا أن إيران تريد قصف منشآت البترول السعودية لوقف تصدير النفط من المنطقة وهي أعلنت ذلك مرارا، وأوكلت المهمة للحوثيين والميليشيات العراقية التي قصفت هي الأخرى أنبوب النفط السعودي (شرق غرب)، وأردت إيران تمكين الحوثيين من الإمساك بمضيق باب المندب للتحكم في المضيقين، لشل حركة النقل البحري تماما.

12 – الجبهات التي كان ينتشر فيها جيش الشرعية النظامي الضعيف والمهلهل سقطت بسبب عدم الكفاءة والخيانات وغياب الروح المعنوية لتولي شخصيات باهتة لا هوية لها القيادة؛ بينما صمدت كتائب تعز ومأرب والبيضاء والجوف والمجموعات الإسلامية الأخرى التي تقاتل بدافع العقيدة.

13- في الجنوب عجز الحوثيون عن البقاء بسبب المقاومة الشعبية، بمشاركة الإصلاح والأغلبية السلفية، وفي عدن تم صدهم من قبل المقاومة الشعبية بقيادة نايف البكري القيادي الإصلاحي وقيادات سلفية؛ تم اغتيال معظمها بعد التحرير ونفي الآخرين ومنهم نايف البكري.

14- أكدت الحرب أن الميليشا العقائدية توقفها ميليشيا عقائدية وليس وحدات نظامية مفككة، وصمود تعز ومأرب والجوف تجربة واضحة في البسالة والشجاعة بسبب الروح القتالية.

15- الأسلحة التي تم توزيعها على كل الجبهات واستولى عليه الحوثي في النهاية؛ لو تم تسليم 10% منها لكتائب الإصلاح لفشل الحوثي منذ البداية، لكن الفيتو الأمريكي والاستجابة السعودية في البداية أوصلا اليمن للوضع المأساوي الحالي.

16 – التطورات تظهر أن الهدف لم يعد فقط تدمير اليمن، وإنما المملكة السعودية التي ستصبح المحطة التالية إن سقطت مأرب وتعز والجوف وما تبقى من مناطق صامدة.

تنويه مهم

تأييد الإيرانيين في الدفاع عن أنفسهم ضد العدوان وحقهم في أن يكون لهم مشروعهم الدفاعي والنووي لا جدال فيه، وأيضا موقفهم من دعم القضية الفلسطينية يستحق التحية ويشكروا عليه، لكن هذا التضامن والتأييد لا يعطيهم شرعية احتلال بلاد العرب وممارسة التطهير العرقي لفرض مذهبهم على الأمة بدعاوى محاربة أمريكا وإسرائيل.

حتى لو كنا نعترض على سياسات بعض الحكومات العربية فإن البلاد الخاضعة للهيمنة الخارجية مدعوة للتحرر وأن نساعد في ذلك، وليس تدميرها بزعم أنها دول صهيونية عميلة!

المستقبل يقتضي تغيير السياسات الطائفية، والتحرك كجزء من الأمة وليس كعنصر تدمير للأمة وخدمة المخططات الخارجية، وإذا كانت سوريا قد تخلصت من الاحتلال الإيراني فإن العراق واليمن لن يستقرا حتى يتم التخلص من الميليشيات الطائفية التي ارتكبت مجازر مروعة ضد شعوب مسلمة.