الاثنين، 15 يونيو 2026

لماذا أصبحت تركيا هدفًا لغضب إسرائيل؟

لماذا أصبحت تركيا هدفًا لغضب إسرائيل؟

 . أحمد درويش



في خضم إخفاقات إسرائيل وقذائفها النارية التي تلهب بها المنطقة، برزت تركيا كأحد الأهداف في مرمى الانتقادات السياسية الإسرائيلية، وبدا الشحن الدبلوماسي بين الطرفين على أشده، ما يؤشر إلى وصول العلاقة بين الطرفين إلى مستوى من الاحتدام لم تصله من قبل.

في الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الدول دائمًا بحجم ترساناتها العسكرية أو عدد الطائرات والصواريخ التي تمتلكها، بل بقدرتها على التأثير في مسار الأحداث وصناعة التوازنات الإقليمية. وخلال المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انصبت الأنظار بصورة أساسية على واشنطن وتل أبيب وطهران باعتبارها الأطراف المنخرطة مباشرة في الصراع، غير أن اسم تركيا عاد ليظهر بقوة في عدد من التقارير والتسريبات والتصريحات الإسرائيلية التي حاولت تفسير ما جرى خلال الحرب وما انتهت إليه من نتائج.

ففي الأسابيع التي أعقبت المواجهة، برزت روايات إسرائيلية متعددة تحدثت عن وجود تباينات حول الأهداف النهائية للحرب، وعن نقاشات دارت داخل دوائر صنع القرار بشأن مدى إمكانية توسيع نطاق العمليات العسكرية لتتجاوز استهداف البرنامج النووي والبنية العسكرية الإيرانية نحو إحداث تغيرات أوسع داخل إيران نفسها. وفي خضم هذه النقاشات تكرر ذكر تركيا باعتبارها واحدة من القوى الإقليمية التي أبدت تحفظات على بعض السيناريوهات المطروحة، لا دفاعًا عن النظام الإيراني بالضرورة، وإنما انطلاقًا من حسابات أمنية واستراتيجية خاصة بها.

شهادات إسرائيلية تثير الجدل

أحد أبرز التصريحات التي استرعت الانتباه جاء على لسان تامير هايمان، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الذي تحدث في مقابلة إعلامية عن وجود تصورات وخطط نوقشت خلال الحرب تجاوزت فكرة توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران.

ووفقًا للرواية التي قدمها، فإن بعض التصورات كانت تتضمن الاستفادة من جماعات معارضة ومسلحة داخل إيران لزيادة الضغوط على النظام، وتهيئة ظروف قد تفتح الباب أمام تغيرات سياسية داخلية أوسع. إلا أن اللافت في حديثه لم يكن تفاصيل تلك التصورات بقدر ما كان حديثه عن جملة العوامل التي حالت دون الانتقال إليها.

فبحسب الرواية الإسرائيلية، لم يكن هناك إجماع كامل داخل المعسكر الداعم للحرب بشأن توسيع أهدافها، بل ظهرت تحفظات من أطراف متعددة، بعضها داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وبعضها من قوى إقليمية تخشى التداعيات اللاحقة لأي انهيار محتمل للدولة الإيرانية. وفي هذا السياق جرى التطرق إلى الموقف التركي بوصفه أحد المواقف التي عبرت عن القلق من فتح الباب أمام متغيرات جيوسياسية يصعب التحكم بنتائجها.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها صادرة عن شخصية شغلت أحد أهم المواقع الأمنية في إسرائيل، كما أنها تعكس حجم النقاش الدائر داخل الأوساط الإسرائيلية حول ما إذا كانت الحرب قد حققت بالفعل ما كان مأمولًا منها أم أنها توقفت عند حدود أقل بكثير من الطموحات التي كانت مطروحة في بعض الدوائر.

بعيدًا عن الروايات الإسرائيلية، فإن الموقف التركي يمكن فهمه في إطار اعتبارات استراتيجية مستقرة نسبيًا في السياسة الخارجية التركية.

فعلى الرغم من التنافس المعروف بين أنقرة وطهران في ملفات عديدة تشمل سوريا والعراق وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، فإن تركيا لا تنظر بعين الارتياح إلى أي سيناريو يؤدي إلى تفكك الدولة الإيرانية أو انهيار مؤسساتها المركزية.

وتدرك أنقرة أن أي فراغ أمني واسع داخل إيران قد ينعكس مباشرة على ملفات شديدة الحساسية بالنسبة لها، وفي مقدمتها المسألة الكردية. فإيران تضم كتلة سكانية كردية كبيرة، وأي اضطراب واسع قد يفتح المجال أمام صعود قوى مسلحة جديدة أو مشاريع انفصالية يمكن أن تمتد آثارها إلى تركيا والعراق وسوريا.

ومن هذا المنطلق، فإن التحفظ التركي لا يعكس بالضرورة تقاربًا سياسيًا مع طهران، بقدر ما يعكس خشية من تداعيات الفوضى وإعادة رسم الخرائط السياسية على أسس عرقية أو طائفية، وهي سيناريوهات ترى أنقرة أنها قد تخلق مشكلات أكبر من المشكلات القائمة حاليًا.

خطة الحرب وأهدافها المتراجعة

وتشير تسريبات إسرائيلية متداولة إلى أن ما نُفذ خلال الحرب كان أقل بكثير مما كانت بعض الدوائر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تأمل في تحقيقه.

فبحسب مصادر إسرائيلية، جرى خلال مراحل الإعداد الأولى بحث خيارات أكثر اتساعًا تشمل زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران بالتوازي مع تحركات داخلية تستهدف إضعاف النظام ودفعه نحو أزمة سياسية عميقة.

غير أن الإدارة الأمريكية بدت أكثر حذرًا تجاه هذه الطروحات، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تجر أطرافًا متعددة إلى الصراع.

وفي هذا الإطار تتحدث بعض الروايات الإسرائيلية عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافق على تنفيذ جزء محدود من الخطة الأصلية، في حين جرى استبعاد مسارات أخرى كانت بعض الأوساط الإسرائيلية تنظر إليها باعتبارها ضرورية لتحقيق نتائج أكثر حسمًا.

وسواء كانت هذه الروايات دقيقة بالكامل أم لا، فإنها تكشف حجم الجدل الذي دار داخل معسكر الحلفاء أنفسهم بشأن حدود الحرب وأهدافها النهائية.

ما الذي أغضب إسرائيل؟

التقارير الإسرائيلية لم تُخفِ وجود حالة من الإحباط داخل بعض الأوساط السياسية والأمنية التي كانت ترى أن الظروف الإقليمية والدولية كانت مواتية لتحقيق مكاسب أكبر.

وفي هذا السياق كتب عدد من المعلقين الإسرائيليين عن الفرصة التي ضاعت، وعن العوامل التي حالت دون تحويل الضربات العسكرية إلى مشروع أشمل لإعادة تشكيل المشهد الإيراني.

ومن بين الأسماء التي تكررت في هذه الروايات اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ليس باعتباره صاحب قرار داخل واشنطن أو الطرف القادر وحده على تعطيل الخطط الأمريكية والإسرائيلية، وإنما باعتباره ممثلًا لموقف إقليمي معارض لبعض السيناريوهات المطروحة.

كما أن الحديث الإسرائيلي عن الدور التركي جاء متزامنًا مع انتقادات موجهة لشخصيات أمريكية بارزة أبدت هي الأخرى تحفظات على توسيع نطاق الحرب، ما يشير إلى أن التراجع عن بعض الخطط كان نتيجة تداخل عوامل عديدة أكثر من كونه استجابة لموقف طرف واحد.

القدس... ملف إضافي للتوتر

بالتوازي مع الجدل المرتبط بالحرب على إيران، برز سبب آخر للتوتر بين أنقرة وتل أبيب تمثل في السجال المتجدد حول القدس.

فقد أثارت تصريحات وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، التي تحدث فيها عن أمنيته أن يكون واليًا على القدس ليوم واحد وعن اعتقاده بأن المدينة ستعود يومًا ما إلى السيادة التركية، موجة واسعة من الانتقادات الإسرائيلية.

وسرعان ما رد مسؤولون إسرائيليون على هذه التصريحات، معتبرين أنها تعكس نزعة لإحياء الإرث العثماني في المنطقة، بينما شددوا على أن القدس ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية.

ورغم أن مثل هذه السجالات ليست جديدة في العلاقات التركية الإسرائيلية، فإنها تعكس حجم الحساسية المرتبطة بملف القدس، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد التوترات المرتبطة بالمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية عمومًا.

تركيا بين إيران وفلسطين

تكشف هذه التطورات مجتمعة أن تركيا تحاول الموازنة بين عدة اعتبارات متشابكة في سياستها الإقليمية.

فمن جهة، تسعى إلى منع أي ترتيبات قد تهدد أمنها القومي أو تعزز نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بالملف الكردي، ومن جهة أخرى تواصل تبني خطاب سياسي داعم للفلسطينيين ورافض للسياسات الإسرائيلية في غزة والقدس.

ولا يعني ذلك أن السياسة التركية خالية من الحسابات البراغماتية أو التناقضات، فهي في النهاية دولة تتحرك وفق مصالحها الوطنية وتوازناتها الإقليمية، شأنها شأن بقية القوى الفاعلة في المنطقة. إلا أن تداخل هذه الملفات جعلها طرفًا حاضرًا في عدد متزايد من الأزمات الإقليمية، وهو ما يفسر تكرار حضورها في النقاشات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة.

كلمة أخيرة

في المحصلة، لا يتعلق الجدل الإسرائيلي حول تركيا بحادثة منفردة أو بتصريح سياسي عابر، بل يعكس خلافًا أعمق بشأن شكل النظام الإقليمي الذي يتشكل في الشرق الأوسط. فبينما ترى إسرائيل أن بعض التحولات الإقليمية قد توفر فرصًا لإعادة صياغة موازين القوى بصورة تخدم مصالحها الأمنية، تنظر تركيا إلى كثير من هذه التحولات من زاوية مختلفة ترتبط بالحفاظ على الاستقرار ومنع نشوء تهديدات جديدة على حدودها.

ومن هنا يمكن فهم سبب تصاعد الانتقادات الإسرائيلية لأنقرة خلال الفترة الأخيرة؛ فهي ليست مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، فالعلاقة بين أنقرة وتل أبيب أصبحت محكومة بملفات متشابكة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التنافس الجيوسياسي والخلافات السياسية، وهو ما يجعل التوتر بينهما مرشحًا للاستمرار ما دامت أسباب الخلاف الأساسية قائمة.

تعزية للدكتورة رانيا وأطفالها الستة في الجامع الأموي

 تعزية للدكتورة رانيا وأطفالها الستة في الجامع الأموي


ياسين أقطاي 

- يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

دمشق. قبل فترة، وبعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، المعروف في سوريا باسم «جزار التضامن»، في مكان اختبائه، كشفت التحقيقات التي أُجريت معه وما جرى الحصول عليه من معلومات وبيانات، الستار عن اختفاء الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة مع زوجها قبل ثلاثة عشر عاماً.

وأظهر مقطع فيديو عُثر عليه في هاتف أمجد يوسف كيف جرى قتل الأطفال الستة بوحشية، وهم في منتهى البراءة والجمال، وأصغرهم لم يتجاوز عامه الأول. ومن خلف الكاميرا التي كانت تتجول فوق أجسادهم الهامدة، كانت تُسمع أصوات قاتليهم وهم يصرخون: «انتقام».

أيُّ انتقام؟ وممن الانتقام؟ وأيُّ ألم تسبب فيه هؤلاء الأطفال، أو أيُّ ضرر ألحقوه بأحد، حتى يُلقى على عاتق حياتهم عبء انتقام كهذا؟

وبعد القبض على هؤلاء القتلة، بدأت تفاصيل الحياة المأساوية التي عاشتها سوريا طوال أربعة وخمسين عاماً تظهر إلى العلن بشكل أوضح، كما استعادها من بقي على قيد الحياة.

كنا نتابع ما يجري في سوريا من خلال أولئك الذين لجأوا إلى بلادنا. وبالطبع، لم يكن بمقدور أحد أن يتخيل، من دون أن يعيش التجربة بنفسه، نوع الحياة التي تركها وراءه أولئك الذين اضطروا إلى الفرار من بيوتهم وأوطانهم واللجوء إلى تركيا.

فالذين جاؤوا بهذه الطريقة كانوا يحملون معهم، في الحقيقة، شرعية ما حدث في بلادهم. إذ لا يمكن لأي نظام يدفع شعبه بأكمله إلى الفرار منه بهذه الصورة أن يمتلك أي مبرر لوجوده.

سبق أن كتبت عن ذلك. فأسرة الدكتورة رانيا العباسي تعود بجذورها إلى تيلو في سيرت. وكان والدها محمد عيد العباسي عالماً إسلامياً كبيراً، وله العديد من المؤلفات، من أبرزها كتب حول حقوق الإنسان في الإسلام، ونتائج التعصب المذهبي في الإسلام.

وقد وُلد محمد عيد العباسي نفسه في دمشق عام 1938، بعدما هاجر والده في ثلاثينيات القرن الماضي من تيلو لتحصيل العلوم الإسلامية.

ومنذ البداية تلقى تعليماً متميزاً، وتخصص في العلوم الإسلامية. وفي عام 1980، اعتُقل في أجواء سياسية كان مجرد الاشتباه بالانتماء إلى جماعة الإخوان فيها كافياً للزج بالشخص في السجن أو قتله، وقضى أربعة عشر عاماً في سجن تدمر.

نحن نقول إنه «قضى» أربعة عشر عاماً هناك، لكن عندما تستمع إليه، لا يسعك إلا أن تندهش كيف أمكنه أن يعيش كل تلك السنوات.

حتى الاستماع إلى ما يرويه عن السجن يجعلك تشعر بالخجل من إنسانيتك.

أيُّ كراهية هذه؟ وأيُّ حقد؟ وأيُّ عداوة يمكن أن تدفع الإنسان إلى أن يفعل بالإنسان كل ذلك؟

هل يمكنكم أن تتخيلوا مكاناً لا تتجاوز مساحته ثلاثين متراً مربعاً، يعيش فيه مئة وثلاثون شخصاً متلاصقين بأجسادهم، متكئين بعضهم على بعض، لأسابيع وأشهر؟

وكيف يمكن لكيس دقيق يوضع أمام الباب على أنه طعام أن يكون كافياً لإبقاء هذا العدد الكبير من الناس على قيد الحياة؟

كيف استطاع الناس في بقية أنحاء العالم أن يواصلوا حياتهم الطبيعية بينما كانت كل هذه الفظائع تجري في مكان أصبحت فيه التعذيب أكثر سلوكيات الدولة اعتياداً ومنهجية؟

وكيف عاش الشعب السوري كل تلك السنوات تحت حكم هذا النظام؟

لقد كان نظام المخابرات متغلغلاً في كل غرفة من غرف المنازل، وكان يمد آلة التعذيب هذه بضحايا جدد باستمرار.

فأيُّ نوع من الدول يمكن أن يكون ذلك الذي يجعل الأخ مخبراً على أخيه، والمرأة على زوجها، والزوج على زوجته، ويقضي على ثقة الإنسان بالإنسان إلى هذا الحد؟

وبالطبع، لم يكن الإخوة يشي بعضهم ببعض، ولا النساء بأزواجهن، طوعاً.

فعندما يُفرض الإبلاغ تحت وطأة التعذيب، لا يعود من الضروري أن يكون المرء متعاوناً أو عميلاً حتى تُنتزع منه اعترافات كاذبة ومضللة.

لقد حوّلت شبكة السجون المنتشرة في أنحاء البلاد التعذيب إلى قطاع اقتصادي، إلى آلة تحتاج باستمرار إلى ضحايا جدد كي تستمر في العمل.

وكان لا بد لعجلة هذا القطاع أن تستمر في الدوران، وألا تتوقف الآلة عن العمل.

ولذلك، لم يكن أمجد يوسف الوحش الوحيد في تلك المنظومة، كما لم تكن الدكتورة رانيا وأطفالها الستة الضحايا الوحيدين أو الأكثر مأساوية فيها.

ولا شك أن قصة الدكتورة رانيا وأطفالها الستة اكتسبت ثقلاً خاصاً ودلالة رمزية في الكشف عن واقع ستين عاماً من التعذيب الممنهج والمجازر وحالات الإخفاء القسري.

وبحكم أصول الأسرة القادمة من سيرت، انطلقنا إلى سوريا للمشاركة في مراسم العزاء بدعوة من مؤسسة سيرت.

وجئنا إلى دمشق لتقديم واجب العزاء برفقة حمزة بولدو، أحد أقارب الأسرة، وزكي أك يوزلو، الذي يعمل في مؤسسة سيرت كجيش إغاثي إنساني بمفرده، والنائب السابق في الدورة الرابعة والعشرين عفيف دمير قران، ونائب بورصة محمد مفيد أيدن، ورئيس مؤسسة الوحدة في أنقرة يوسف مجاهيت أوغلو، وأمين المظالم أوزجان يلدز، ورجال الأعمال من سيرت: فكرت بايردارمان، وآياز أك قويون، ومراد أوزومجو، وعبد الله شانلي، وشامل غولباران، وأورال أوجي، إلى جانب أعضاء آخرين.

وبعد نصف ساعة فقط من هبوط طائرتنا القادمة من إسطنبول إلى دمشق، حطّت طائرة محمد عيد العباسي القادمة من الرياض.

وهكذا، كان من نصيبنا أن نستقبله في مطار دمشق للمرة الأولى منذ ستة وعشرين عاماً.

ولا شك أن مشاهدة لحظة اللقاء تلك كانت شعوراً استثنائياً.

إنها لحظة العودة إلى الوطن بعد ستة وعشرين عاماً من الإبعاد القسري.

ومع استحضار ما سمعناه منه عن معاناته السابقة، لا يسعنا إلا أن نقول إن هناك من قضى ستة وعشرين عاماً، بل وأربعين عاماً، في سجني تدمر وصيدنايا، في ظروف أشد قسوة.

وقد جاءت السيدة العباسي مع ابنتها، وكانتا غارقتين في مشاعر الحماس والتأثر.

وبعد حديث قصير في المطار، غادرنا المكان.

أما هم، فتوجهوا إلى منزلهم الذي اضطروا إلى مغادرته قبل ستة وعشرين عاماً، والذي ظل لفترة طويلة تحت سيطرة أحد ضباط حزب البعث.

وكانوا قد استعادوا منزلهم قبل فترة وجيزة، حيث أعدّه لهم بقية أفراد العائلة.

وأدينا صلاة الجمعة في الجامع الأموي، حيث ألقى خطبة الجمعة مفتي حمص، سهل جنيد، أحد الرموز الروحية للثورة، ومن كبار الدعاة، وعضو مجلس العلماء الأعلى في سوريا.

وفي خطبته، ذكّر الإمام بالدَّين المستحق للشهداء الذين بفضل تضحياتهم نعيش اليوم هذه الحرية التي لم يكن من الممكن حتى تخيلها قبل عام ونصف، ودعا إلى عدم نسيان هذا الدَّين أبداً.

وبعد صلاة الجمعة، انتقلنا إلى قاعة الشرف في الجامع الأموي لتقديم واجب العزاء.

وقد جرى تخصيص هذه القاعة لهذه المناسبة بمبادرة من السفارة التركية، واستجابة إيجابية من السلطات السورية.

وفي الظروف العادية، لا تُستخدم هذه القاعة لتلقي التعازي إلا في حالات استثنائية جداً.

وفي هذا اللقاء المؤثر، الذي حضره أيضاً صهرا محمد عيد العباسي الآخران وأحفاده، اجتمع أفراد أسرة الفقيدة مع أبناء سيرت، مسقط رأسها وموطن أجدادها، إلى جانب سوريين قدموا من مختلف المناطق.

وشارك في مجلس العزاء نواب يمثلون الشعب السوري، وشيوخ عشائر وقبائل، وممثلون عن منظمات المجتمع المدني، وأشخاص من مختلف فئات المجتمع.

وكان الجميع يردد الحقيقة نفسها: إن الجغرافيا لا تستطيع قطع روابط الدم، والحدود لا تستطيع اقتلاع الجذور.

وقد أظهر هذا اللقاء، بما حمله من أبعاد إنسانية وروح تضامن، مرة أخرى، أنه لا يمكن القبول بالفرقة والانقطاع بين أبناء الأمة الواحدة.

وتحدث بعض الحاضرين معزين ذوي الشهداء، وقالوا إن معرفتهم بالأصول التركية لهؤلاء الشهداء تحمل بالنسبة إليهم معنى خاصاً.

وأكدوا أن الموقف النبيل الذي وقفت به تركيا إلى جانب أشقائها السوريين منذ البداية لن يُنسى أبداً.

وفي الحقيقة، فإننا، من خلال تقديم العزاء لهؤلاء الشهداء من أصول تركية، كنا نقدم العزاء أيضاً لمليون سوري استشهدوا خلال المحنة العصيبة التي عاشها شعبهم.

فالدكتورة رانيا وزوجها وأطفالها الستة ليسوا سوى نموذج واحد من بين مليون شهيد، وربما مئات الآلاف من المفقودين الذين اختفوا بالطريقة نفسها ولا يزال مصيرهم مجهولاً.

فلا دم أحد أغلى من دم الآخر أو أقل قيمة منه.

لقد كانت دماء هؤلاء الشهداء هي التي مهدت الطريق لسوريا الحرة التي نراها اليوم.

 عن الكاتب  

ياسين أقطاي

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

الأحد، 14 يونيو 2026

الزّرع والحصاد

خلجات

الزّرع والحصاد




جُبل الإنسانُ على أفعال ومهام، بعضها يومي وبعضها دوري، ومع انتشار الترف، وربما الثورة الصناعية، أصبح الكسل أمراً حتمياً عليه؛ فلم يعد يزرع ليحصد ويشتري ويبيع، ولا يصطاد ليأكل، بل صار كل شيء يُجلب إليه، ويُخزَّن مبرداً في ثلاجة بيته.

وتطور الأمر إلى أنه لم يعد يجتهد حتى فكرياً، فصار يومه مثل أمسه، وأمسه قد يكون أفضل من غده؛ لأنه على الأقل مرَّ بسلام. ما أدى إلى أنه أضاع قيمته الإنسانية في الحياة، وهي البذل والجهد المعنوي، فصار يريد الحياة السريعة، والجهد الأقل، والتشجيع الأكبر، وأصبح هشاً لا يحتمل النقد. وهذا أمر يُعذر عليه؛ لأن المجتمع أصلاً يظن الوقاحة صراحةً ونقداً، فصار الإنسان مع البلادة هشاً مهشّماً، مشوه الإنسانية والقيمة البشرية، وحقاً أقول: كلنا ذلك الرجل.

فصار أحدنا، ليخرج من هذه الزنزانة الفكرية، يضع لكل مهمة هدفاً يجنيه من فعله ومهامه التي يؤديها لتكون له حافزاً، فإن لم يجد الثمرة من فعله عاد أدراجه إلى سجن كسله، متدثراً برداء الخيبة، فازداد انكساراً وهشاشة على ما كان يعانيه من قبل. وكلنا مررنا بهذه المرحلة باختلاف المهام والأهداف وتطلعاتنا لثمار غرسنا.

فتجد الإنسان، قبل أن يرسم الخطط، يتخيل الهدف والنتيجة، متناسياً أن أفضل نتيجة قد يجنيها هي التعود على الاستمرار واكتساب القيمة، وأن يكون يداً فاعلة في المجتمع.

فطر الله الإنسان على التقصير والذنب واعوجاج الطباع، فإذا أدرك أن حياته متخبطة، وعانى ما يعاني من هم وكدر، وأراد أن يؤدي دوراً إنسانياً في الحياة، راح يضع لنفسه الأهداف والإستراتيجيات، متطلعاً إلى الثمار كدافع له على الإنجاز ومحفز له على الوصول.

ولكنني أتساءل، وقد وقعت شخصياً في فخ هذا الفعل دون أن أعرف الجواب: هل الثمرة في جني الثمرة أم في إحياء الأرض؟

لا أعرف إن كان قد أُجيب عن هذا السؤال فلسفياً أم لا، لكني أعتقد أن الإنسان إذا جاهد على الاستمرار في الفعل، فهو في حد ذاته ثمرة كبيرة جداً. فكم من الثمار لا يدركها الإنسان في الوقت القريب، وإنما يجنيها على الأثر البعيد، وقد لا يرى ثمار غرسه الذي غرسه، وفعله الذي داوم عليه، ولو نوى بذلك الاستمرار والصبر على الفعل تعبداً وامتثالاً لله لكان خيراً له على صبره وانتظاره وأجراً له بكل ما فعل

وانتظر.

أعني بذلك أن الإنسان، بدلاً من أن يضع لنفسه هدفاً يراه رأي العين، من الأفضل أن يعلّم نفسه أن الهدف قد يكون الاستمرار على الفعل والاعتياد عليه، ثم إجادته.

أما الثمرة من الفعل والاستمرار، فقد لا تكون إلا أن يكتسب الإنسان قيمةً إنسانية ومعنوية. وأما جني الثمر فأقولها صريحة: هو من عند الله، والصبر عليه عبادة محضة.

ولو أوهم الإنسان نفسه بوجوب جني الثمر، لعلَّق كل تأخير إما عليه إن كان يظن بنفسه الفشل، أو بالمجتمع وما حوله إن كان يريد شمّاعة تحمل عنه فشله، ليعود إلى خيبته مرة أخرى.

جاء في الحديث: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، وهو دليل على العمل، وليس دليلاً على الثمرة.

فالثمرة، كما قلت، هي اقتناع الإنسان داخلياً بوجوب الاستمرار في العمل، لا انتظاره لثمرة ما عمل.

أعتقد أن الإنسان، لكثرة ما رأى من وراء الشاشات من نتائج وتظاهر بالانجاز، ظن أنها تأتي بقليل من الحدس أو من بديهة، طالما أنه نوى العمل فالنتيجة أن يجني ثمر نيته ويراها رأي العين. وذلك أمر يحتاج إلى تكسير لصنم الاقتناع والتصديق، وإعادة بناء الإنسانية بالدرجة الأولى، عن طريق التعامل مع معطيات الحياة وإعادة التفكير فيها إن استطاع التفكير أصلاً كما ينبغي لبشرٍ عاقلٍ أن يفكر.

وإن كنت أظن أن مجرد التفكير سيبحث لنفسه عن مكافأة يكافئ بها نفسه، أو ثمرة يجنيها ليشجع نفسه على إنسانية لا تحتاج إلى تشجيع ولا إلى ثمرة.

أردوغان يهدد بقوة.. هل حان الصدام المؤجل مع إسرائيل؟

 أردوغان يهدد بقوة.. هل حان الصدام المؤجل مع إسرائيل؟

كاتب وصحفي تركي.

على مدى 106 أعوام من تاريخ الجمهورية التركية، لم يسبق لأي رئيس أن عبر عن رؤية الدولة للأمن بهذه الكلمات. 

ففي 10 يونيو/حزيران الجاري، ألقى الرئيس أردوغان خطابا خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، أحدث صدى واسعا في العالم بأسره، قال فيه:

"إن سوريا ولبنان دولتان تقعان ضمن جغرافيا المحبة والأخوة التي تنتمي إليها تركيا، فدمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لإسطنبول. وأمن تركيا لا يبدأ من هاتاي فحسب، بل يبدأ من حلب ومن دمشق، كما يبدأ من بيروت. ولن نسمح بفرض أي أمر واقع في بلدان أشقائنا، ولن نتغاضى عن أي اعتداء يستهدف إخواننا. والآن يخرج هؤلاء وأتباعهم المأجورون ليطلقوا تهديدات مزعومة ضد تركيا هنا وهناك.

لا حاجة لأن تتفوّهوا بذلك، فنحن نعرف نياتكم وأهدافكم جيدا، وندرك تماما ما الذي تسعون إليه. كما أننا على وعي كامل بالغاية النهائية لهذيان أرض الميعاد. وبإذن الله، لن نسمح بذلك أبدا… أقولها بوضوح، لا ينبغي لأحد أن ينجر وراء المغامرة، ولا أن يصطف خلف شبكة القتل الصهيونية. وإذا جرى المساس بحقوق تركيا أو القبارصة الأتراك في شرق البحر المتوسط، فليعلم الجميع أن ردنا سيكون واضحا وحازما للغاية".

لقد كان تأثير هذا التصريح كبيرا إلى درجة أن نتنياهو اضطر، بعد ساعة أو ساعتين فقط من الخطاب، إلى توجيه رد حاد جدا لأردوغان عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي اليوم نفسه، عندما سئل الرئيس الأمريكي عن التصريح قال ترمب: "لم أكن على علم بذلك"، مشيرا بعدها إلى متانة علاقته بأردوغان ومتجنبا الإجابة عن السؤال.

في الواقع، لم يكن تصريح أردوغان مجرد تعبير بلاغي، فقد كانت تركيا تعطي إشارات منذ فترة بأنها غيرت مفهومها للتهديدات، ونموذجها الأمني.

وعلى غرار تصريحات أردوغان، كان هناك أيضا تصريحان آخران مهمان لم يحظيا بالاهتمام:

إعلان

في 9 يونيو/حزيران، قبل يوم واحد من خطاب أردوغان، أدلى رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الشريك السياسي لحزب العدالة والتنمية، وأحد الفاعلين المؤثرين في رسم التوازنات السياسية في تركيا، بتصريحات مهمة في البرلمان حول الموضوع نفسه، قال فيها:

"إن هذه القضية تمثل معادلة أمنية واسعة تمتد من مضيق هرمز إلى شرق البحر المتوسط، ومن لبنان إلى سوريا، ومن شمال العراق إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى قبرص. كما تمتد من طرق التجارة البحرية إلى حقول النفط والغاز الطبيعي، ومن أحواض الأمن المائي إلى مسارات نقل الطاقة، ولا تتردد في تأجيج الحساسيات التاريخية والثقافية والعرقية والمذهبية في المنطقة… إن قراءة هذه المعادلة من خلال التحركات العسكرية الراهنة وعناوين الأزمات الحالية فقط ستبقى قراءة ناقصة… فليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها منطقتنا لحسابات ترسم على الطاولات، وخرائط تخط بالمسطرة، وأوضاع تفرض من الخارج، ونوايا إمبريالية.

بالأمس أريدَ قطع شرايين جغرافيتنا باتفاقية سايكس بيكو. وبالأمس زرعت بذرة سامة في قلب فلسطين بوعد بلفور، وفصل كفن للأمة التركية بمعاهدة "سيفر"، وكذلك وضعت الحسابات بشأن العديد من أجزاء الوطن، من الموصل إلى كركوك، ومن حلب إلى القدس، ومن قبرص إلى تراقيا الغربية. لكن أصحاب هذه الحسابات نسوا أمرا واحدا: الأمة التركية ليست أمة يمكن محاصرتها في الزاوية، وليست أمة يمكن محوها من مسرح التاريخ حتى لو اصطف العالم بأسره في مواجهتها…".

وعقب تصريحات بهتشلي، وبينما كانت أصداء كلمات أردوغان لا تزال تردد، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع، الأميرال زكي أكتورك، خلال مؤتمر صحفي عقده على متن سفينة حربية:

"نحن نتابع من كثب الاستفزازات الرامية إلى زعزعة الاستقرار، ورفع مستوى التوتر في شرق البحر المتوسط. إن الاتفاق المبرم بين إدارة جنوب قبرص الرومية وفرنسا، التي لا تتمتع بصفة الدولة الضامنة في قبرص، والذي يهدف إلى تغيير التوازنات الحساسة في الجزيرة من جانب واحد، ويتجاهل إرادة القبارصة الأتراك وحقوقهم السيادية المتساوية، يتعارض مع اتفاقيات قبرص لعام 1960 ومع القانون الدولي… وبصفتنا دولة ضامنة، سنواصل اليوم كما فعلنا بالأمس حماية حقوق ومصالح جمهورية شمال قبرص التركية وضمان أمنها. وتمتلك القوات المسلحة التركية القدرة والإرادة اللازمتين لتوجيه أشد رد على أي مواقف عدائية تهدد أمن القبارصة الأتراك".

وعلى الرغم من حدة الانتقادات الموجهة إلى فرنسا، فإن الاتفاقات التي أبرمها الجانب الرومي واليونان وفرنسا لا تبدو بالعمق الكافي لإحداث تغيير في توازنات شرق المتوسط، إذ لم تعد القدرات العسكرية والاقتصادية لفرنسا بالحجم الذي يمكنها من تغيير موازين المنطقة، ولا يتجاوز الأمر استعراضات ماكرون المعتادة. غير أن الاتفاقات والتعاون الذي تقيمه إسرائيل مع الجانب الرومي واليونان تمثل مصدر تهديد بالنسبة إلى تركيا.

تركيا غيرت مفهومها للأمن
تشكلت السياسة الخارجية التركية لسنوات طويلة حول مقولة أتاتورك: "صلح في الوطن، صلح في العالم". ولهذا السبب تجنبت تركيا التدخل في التطورات التي كانت تشهدها المناطق المحيطة بها، بما في ذلك دول الجوار. غير أن الظروف المتغيرة أظهرت أن تركيا دفعت أثمانا باهظة وشهدت أزمات كبيرة نتيجة الأحداث التي وقعت في محيطها الحيوي. ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، بدأت تركيا تتابع من كثب التطورات في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، وأصبحت أكثر انخراطا فيها، قبل أن يمتد هذا التوجه، في السياسة الخارجية والأمنية، إلى أفريقيا.

إعلان

وخلال السنوات الخمس الأخيرة، عززت أنقرة حضورها وتأثيرها في التوازنات وتطبيق السياسات الفعالة في المناطق التي ترتبط بها تاريخيا وجغرافيا ودينيا وثقافيا، مدفوعة بتغير نظرتها إلى الأمن والتهديدات. ومن خلال تحركاتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في سوريا والعراق، نجحت في القضاء على الإرهاب داخل أراضيها.

كما أظهرت، عبر الاتفاق المبرم مع ليبيا، أنها لاعب مؤثر في شرق البحر المتوسط. وأسهم تدخلها غير المباشر في حرب ناغورني قره باغ في تغيير مسار الحرب وموازين المنطقة، فيما واصلت اتخاذ خطوات فاعلة في البلقان وأفريقيا ضمن حدود إمكاناتها.

وتعكس هذه التحركات مجتمعة تحولا جوهريا في نموذج تركيا للأمن والتعاون. غير أن التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة جعلت من بناء منظومة أمنية جديدة ضرورة ملحة لتركيا.

إسرائيل بات ينظر إليها بوصفها تهديدا
عندما تحولت المنطقة إلى بحر من النيران نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي لا يعرف حدا، بدأ الجميع في تركيا يتحدثون عن أن إسرائيل ستهاجم تركيا يوما ما. وباتت تهيمن على الجميع قناعة مفادها أنه إذا كانت إسرائيل تهاجم دولة سلمية ومحايدة مثل قطر، فإنها يمكن أن تستهدف أي طرف.

بيد أن بواعث هذا الاعتقاد لم تكن نابعة من مجرد حدس؛ إذ إن احتلال إسرائيل للأراضي السورية وقصفها للبلاد، والاحتلال الفعلي للبنان، وأخيرا الاتفاقات التي أبرمتها مع اليونان والإدارة الرومية في جنوب قبرص، نظر إليها بوصفها تحركات لمحاصرة تركيا بحرا وبرا.

وعلى امتداد التاريخ، ارتبطت دمشق وبيروت والقدس ببعضها البعض. وينظر إلى احتلال لبنان على أنه يعني أيضا دخول دمشق دائرة الخطر. كما باتت تركيا تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءا من نطاق أمنها الداخلي. ولذلك فإن تعمق حالة عدم الاستقرار في لبنان، واتساع نطاق الاحتلال الإسرائيلي يعدان وضعا خطيرا سيؤثر بشكل مباشر على سوريا ومن ثم تركيا.

ولهذا السبب، تبذل تركيا جهودا مكثفة لوقف التمدد الإسرائيلي عند هذا الحد، حيث تسعى لمنع التوسع الإسرائيلي عبر تفعيل القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، والهيمنة الميدانية عبر دول المنطقة. وقد ترد تركيا قريبا على إسرائيل واليونان والجانب الرومي وفرنسا من خلال اتخاذ قرار يغير وضع المياه الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط.

الحدود الأمنية لتركيا تغيرت
بناء على كل ما تقدم، يمكننا القول إن مفهوم الأمن وحدود التهديدات بالنسبة لتركيا قد تغيرا بالفعل. فالجبهة اللبنانية في الشرق الأوسط، وجزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط، وليبيا في منطقة المغرب العربي، وتلال قره باغ في القوقاز، والبوسنة وكوسوفو في البلقان، ومياه البحر الأسود في الشمال، وسواحل الصومال في أفريقيا باتت تشكل حدود مفهوم التهديدات.

ولذلك فإن أي تحرك في هذه المناطق من شأنه تغيير موازين القوى أو التأثير على التوازنات ستتعامل معه تركيا بوصفه خطوة تهدد أمنها ومصالحها، وتبدو أنقرة عازمة على استخدام أقصى حدود قوتها للرد على ذلك.

وهناك دول تقرأ هذه السياسات على أنها محاولات "توسع وتعزيز للنفوذ"، وتأتي إسرائيل على رأس هذه الدول؛ إذ بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية في الأيام القليلة الماضية بث تقارير تظهر تركيا على أنها "عدو محتمل". وفي أوروبا، تتبنى دول مثل فرنسا، والنمسا، واليونان، والجانب الرومي رؤى مشابهة. وفي المقابل، هناك دول أوروبية مثل إسبانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، وكرواتيا، وأيرلندا، تعمل على تعزيز علاقاتها مع تركيا، ولا تتحرك وفق الخطوط الحمراء القديمة.

وفي المرحلة القادمة، ينبغي متابعة مسار التوتر التركي الإسرائيلي من كثب؛ إذ إن صراع القوى هذا لن ينتهي عند هذا الحد.

السبت، 13 يونيو 2026

وجهة وطن: حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج

آخر كلام       

وجهة وطن: حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج 

محمد البغلي 

صراصير الهند أو حزب شعب الصراصير هي حركة سياسية احتجاجية ساخرة انفجرت في الهند خلال الأسابيع القليلة الماضية، وجذبت عشرات الملايين من الأجيال الشابة على منصات التواصل الاجتماعي. 

ما القصة؟  

حركة الصراصير جاءت بعد تصريحات غاضبة لرئيس المحكمة العليا الهندية «سوريا كانت»، الذي وصف الشباب العاطلين عن العمل بالصراصير القذرة الذين يهاجمون المسؤولين، ومكانهم الطبيعي في أنفاق المجاري لا المهن المحترمة. 

هنا كانت ردة الفعل غير متوقعة، إذ أسس شاب هندي اسمه أبهيجيت ديبكه منتصف مايو الماضي موقعاً على الإنترنت باسم «صراصير جاناتا» كمسمى ساخر من الحزب الهندي الحاكم «بهاراتيا جاناتا»، ليتحول الموقع إلى منصة احتجاج جماهيري ضمت، خلال أيام قليلة، ما يتجاوز 20 مليون متابع معظمهم من الأجيال الشابة (خاصة Gen Z) على «الإنستغرام» و«التيك توك» وغيرهما من المنصات. 

لم تكتفِ حركة الصراصير الساخرة برد الإهانة التي أطلقها المسؤول الهندي، بل فتحت المجال لمناقشة قضايا متنوعة تبدأ بمشكلات القبول في الكليات الجامعية والبطالة وصولاً إلى الفساد، وحتى التركّز غير العادل للثروات في الهند. 

لم يحد تراجع رئيس المحكمة العليا عن تصريحاته بأنها كانت عن مزوّري الشهادات الجامعية لا العاطلين عن العمل، من انتشار الحركة بين الشباب في أكبر مدن الهند، ليتحول الاحتجاج الإلكتروني إلى الميدان وتحديداً في العاصمة، حيث المطار والبرلمان والمراكز المالية والسياسية، من خلال وقفات احتجاجية ارتدى فيها المتظاهرون ثياباً تنكرية على هيئة صراصير! 

ربما يكون حزب الصراصير الهندي مجرد ردة فعل ساخرة تنتهي خلال أيام، وربما أيضاً يمثل انطلاقة لحركة احتجاجية أو حراك يمثل حالة تحول في واحدة من أكبر دول العالم سكاناً... 

والعبرة هنا في كيفية قراءة الفعل وردة الفعل عند التعامل مع الأجيال الشابة التي تمتلك قدرات غير تقليدية ومحترفة في تحويل الإهانة إلى سلوك ساخر وصولاً إلى الاحتجاج وربما التغيير، مما يستدعي دائماً استقطابها واحتواءها وفهم متطلباتها واحتياجاتها لا استفزازها. 




جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

محمد صالح البدراني

التبعية تبعيات:

ليست التبعية السياسية مجرد علاقة قوة بين غالب ومغلوب، بل حالة نفسية وفلسفية أعمق بكثير، إنها خوف مزمن من الحرية، فالحرية ليست شعارا سهلا كما تُقدَّم في الخطب، بل عبء ثقيل؛ لأنها تعني تحمل نتائج القرار، والوقوف عاريا أمام احتمالات الخطأ والفشل.

إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.

فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحوا العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين أعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وآشور، والحقيقة أنه بيع الوهم وشراؤه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد ولم يبق منها إلا ما نرى.

فأين الأمة اليوم وهذا وضعها؛ لا مشروع ولا رؤية ولا إعمار وإنما فساد وقتل وسجون وتبعية ودمار؟ هي اليوم في أفضل الأحوال لوحة يُرسم عليها أو فرشاة يخط بها مشاريع الآخرين.

أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي


وعندما تفضّل بعض المجتمعات والدول، في لحظات القلق التاريخي، الاحتماء بظل قوة أكبر، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها ومصالحها البعيدة، فهي تقر بالاستعباد الذي تراه رأي العين وتتحمل نزوات السيد الحامي المهينة، إنها صفقة غير معلنة: نتنازل عن جزء من إرادتنا (والإرادة لا تتجزأ) مقابل وعد بالأمان، لكن المشكلة أن الأمان المستعار يشبه المال المستدان بالربا؛ يمنح راحة مؤقتة، ثم يطالب بثمن مضاعف، وقد لا يمنح فعلا، وتصبح البلاد حديقة خلفية لمغامر يحتمى به.

التابع لا يولد تابعا بالضرورة، بل يتحول إلى ذلك تدريجيا حين يعتاد النظر إلى الخارج باعتباره مصدر الخلاص أوان التهديد من الداخل، عندها يفقد ثقته بذاته، ثم يفقد ثقته بمجتمعه، ثم يبدأ أخيرا بتبرير عجزه بوصفه "واقعية سياسية". وهكذا تتحول التبعية من وضع مؤقت إلى عقلية كاملة.

تداعيات التبعية:

أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية، فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائما في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل، وتتحول إلى مجرد متفرج على التاريخ، وعلى مصيرها هي هنا يبدأ الانهيار الحقيقي؛ عندما يصبح الانتظار لما سيحل بها وكأنه قدرا مقدورا بديلا عن الفعل.

ولعل أكثر ما يكشف هشاشة التبعية أن القوة التي يُعوَّل عليها كثيرا ما تتصرف وفق مصالحها الخاصة لا وفق مصالح أتباعها، فالدول لا تمتلك صداقات أبدية، بل حسابات متغيرة، وعندما تتغير الكلفة أو الأولويات، يكتشف التابع أنه كان مجرد أداة ضمن لعبة أكبر منه.

معضلة البيئة الداخلية:

غير أن المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في الداخل أيضا، فالتبعية تحتاج دائما إلى بيئة مناسبة كي تستمر؛ انقسامات داخلية، خوف متبادل، فساد، ضعف ثقة، وهروب من المسؤولية. المجتمعات المفككة تصبح أكثر قابلية للارتهان، لأن الإنسان الخائف يبحث دائما عن قوة تحميه حتى لو كانت سببا في خوفه.

المجتمع الذي يريد استعادة نفسه يحتاج إلى شجاعة التفكير المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج عقلا نقديا لا عقلا خائفا، وإلى ثقافة ترى في العمل والمعرفة مصدر السيادة الحقيقي، لا في الخطابات العالية أو الولاءات المؤقتة


ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى إحدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارا، بل مزيدا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاري واسع، ولا تطور مدني وإنما عودة إلى ما قبل المدنيات بثياب وأزياء ووظائف عصرية.

ما يحصل؟

النتيجة النهائية لهذا المسار هي مجتمعات تعيش حالة إنهاك دائم: موارد كثيرة، وطاقة بشرية ضخمة، لكن دون مشروع واضح، يصبح الشباب ممزقين بين الغضب والهجرة، بين الرغبة في التغيير وفقدان الإيمان بإمكانه، ويظهر شعور خفي بأن التاريخ يتحرك في مكان آخر، وأن دورهم يقتصر على التلقي لا المشاركة. والتفاهة في المعاني وكل حديث عن التطور والتقدم والفكر محض وهْم، فهذه أمم ميتة، وفي التاريخ لا تُحترم الأمم التي تتهرب من مسؤوليتها، المدنيات لا تُمنح كمكافأة، بل تُبنى عبر القدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون؛ لأننا سنواجه الواقع حتما كما هو، أو بمزايدات الكلام كما نفعل دوما في صفحات التواصل التي منح التطور يمينها لنا لنصدق الوهم، بيد أن المواجهة تبدأ أولا بتحرير الوعي من عقدة الضحية وأوهام كوهم المخلّص الخارجي.

إن المجتمع الذي يريد استعادة نفسه يحتاج إلى شجاعة التفكير المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج عقلا نقديا لا عقلا خائفا، وإلى ثقافة ترى في العمل والمعرفة مصدر السيادة الحقيقي، لا في الخطابات العالية أو الولاءات المؤقتة.

الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي.

الأساطيرُ لا تنقذ الشعوبَ، بل البشر الواقعيون الذين يزرعون الأرض، ويبنون المؤسسات، ويتحملون مسؤولية أخطائهم، أما انتظار المنقذ، فليس سوى السير الحثيث في طريق السقوط.