الاثنين، 21 سبتمبر 2026

وقفات مع آيات (36).. الموت المنام

 وقفات مع آيات (36).. الموت المنام

د. مالك الأحمد 


نضع رؤوسنا على الوسائد كل ليلة، ونرتب في أذهاننا أعمال الغد، كأن الاستيقاظ موعد نملك ضمانه.

ثم يأخذنا النوم، فتغيب عنا تفاصيل ما حولنا، وتمضي ساعات لا نشعر بمرورها.

اعتدنا هذه الحال وقل توقفنا عندها، مع أنها تحمل تذكيرًا بضعف الإنسان، وبنعمة تتجدد عليه كل صباح.

يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

تجمع الآية بين وفاة الموت ووفاة المنام، وتفرّق بينهما؛ فالنائم لم يمت الموت الذي تنتهي به حياته، وإن سمّى الله ما يقع له توفّيًا.

ومن هنا عبّر أهل العلم عن النوم بالوفاة الصغرى. نؤمن بما أخبر الله به، وأما كيفية توفّي النفس في المنام وصلتها بالجسد، فمن الغيب الذي لا نحيط بحقيقته.

وقد علّمنا النبي ﷺ أن نستقبل النوم بالتسليم لله، فكان يقول: «باسمك اللهم أموت وأحيا»، وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور».

بين الدعاءين يمضي ليل الإنسان: يضع جنبه مستعينًا بربه، ثم يفتح عينيه حامدًا له، مستحضرًا أن وراء هذه اليقظة بعثًا ورجوعًا إليه.

والنوم، مع هذا المعنى الإيماني، نعمة يحتاج إليها الجسد. تهدأ فيه حركة الإنسان الظاهرة، وتستمر داخله وظائف الحياة؛ فالدماغ يظل نشطًا، ويواصل القلب عمله.

ويسهم النوم في دعم الذاكرة والتعلم، وتنظيم عمل المناعة وإفراز الهرمونات، والمحافظة على الصحة الجسدية والنفسية.

وقد رأيت في أحوال الناس مع النوم تفاوتًا يبعث على التأمل. عرفت أناسًا يشكون أنهم لا ينامون إلا مستعينين بالدواء، وآخرين يغلبهم النوم متى وضعوا رؤوسهم.

ورأيت من يستيقظ قريبًا من الموعد الذي ينوي القيام فيه؛ يفتح عينيه، وينظر إلى الساعة، ثم يعود إلى نومه إن بقي وقت، ويستيقظ مرة أخرى قريبًا من موعده.

ورأيت من ينام نهارًا ويسهر ليلًا، ولم ألحظ عليه اضطرابًا ظاهرًا في صحته. وتُروى عن بعض أهل العلم أخبار الاكتفاء بغفوات تتخلل القراءة.

وفي المنام يرى الإنسان مشاهد قد يبقى أثرها بعد استيقاظه؛ يفرح بلقاء، أو يفزع من خطر، أو يستعيد وجهًا غاب عنه منذ سنوات.

وقد بيّن النبي ﷺ أن ما يُرى في النوم أنواع: رؤيا صالحة هي بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، وما يحدّث المرء به نفسه. فلا نحمل كل منام على أنه رسالة، ولا نجزم بما وراءه لمجرد قوة أثره في نفوسنا.

كلما تأملت النوم، رأيت أن أعجب ما فيه قريب منا: نعمة نحتاج إليها كل يوم، ولا نستطيع استدعاءها بالقوة، ويقظة نستقبلها كثيرًا دون أن نشعر بقيمتها.

ولعل من تمام شكرها أن نعطي أجسادنا حقها من الراحة، وأن نتذكر، حين نفتح أعيننا صباحًا، أن في العمر بقية نستطيع أن نحسن فيها:

نؤدي حقًا، أو نصلح خطأ، أو نقول كلمة طيبة أخّرناها.

ثم نقول، بوعي أعمق بمعناها: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور.



وقفات مع آيات (35)..

هل نقيس المنجز.. أم نربي الأفاعي؟

 هل نقيس المنجز.. أم نربي الأفاعي؟




حمد حسن التميمي


تُروى حكاية عن الإدارة البريطانية في الهند، تقول إنها خصصت مكافأة مقابل كل أفعى كوبرا مقتولة، أملاً في تقليل خطرها. لكن بعض الناس بحسب الحكاية، وجدوا في المكافأة سبباً لتربية الأفاعي؛ وحين أُلغيت المكافآت، أطلقوا ما لديهم منها، فازدادت المشكلة التي جاء القرار لحلها. 

هذه رواية شائعة في شرح «تأثير الكوبرا»، وتوثيقها التاريخي محل شك؛ أستحضرها هنا بوصفها مثلاً يوضح كيف قد تكافئ القرارات نقيض ما تريد تحقيقه.


تخيل التقرير الذي كان يمكن أن يُكتب في هذه الحكاية: 

أعداد الأفاعي المسلمة ترتفع، والمكافآت تُصرف، والمؤشر يتحسن. كل شيء يدعو إلى الاطمئنان، ما عدا الأفاعي التي تتكاثر خارج التقرير. فالعدد الذي عُد دليلاً على انحسار الخطر صار حافزاً لإنتاجه. ومن داخل المكتب قد يبدو البرنامج ناجحاً؛ لأن أحداً لم يسأل عن الفرق بين كثرة ما قُتل وقلة ما بقي.

وهذا يقربنا من قانون جودهارت، المنسوب إلى الاقتصادي البريطاني تشارلز جودهارت. 

ففي ورقة علمية عن تقييم الجامعات البريطانية، نشرتها عالمة الأنثروبولوجيا مارلين ستراثرن عام 1997 في مجلة «European Review»، وردت الصياغة الشهيرة للقانون، ومعناها: 

حين يصبح المقياس هدفاً، يتوقف عن كونه مقياساً جيداً. ذلك أن الناس قد يتعلمون تحسين النتيجة التي يُحاسبون عليها، من دون أن يتحسن بالقدر نفسه العمل الذي يُفترض أن تقيسه.

ولنقرب الفكرة من حياتنا. تخيل مؤسسة تكافئ موظفيها على عدد الشكاوى المغلقة، من دون أن تتحقق من حلها. عندها قد يصبح الرد على المراجع كافياً لإغلاق شكواه، حتى لو ظل واقفاً في المكان نفسه، بالمشكلة نفسها. وحين يعاود الشكوى، يُفتح له ملف جديد، ثم يُغلق فيضيف معاناته المتكررة إلى رصيد الإنجاز. يخرج من النظام مرتين، ولا يخرج من مشكلته مرة واحدة.

وقد يحدث الانحراف من دون تزوير رقم واحد. 

إذا كافأنا المعلم على درجات الاختبار وحدها، فقد ينصرف إلى تدريب الطلاب على الأسئلة المتوقعة، ويضيق الوقت الذي يمنحه لما لا يدخل الامتحان. 

وإذا قسنا التدريب بعدد الحاضرين، فقد ننشغل بملء القاعة ونؤجل السؤال عما تعلموه. الأعداد هنا صحيحة، لكن تفسيرها أوسع مما تحتمل؛ فالحضور يثبت أن شخصاً جلس على المقعد، ولا يثبت وحده أنه غادره بمعرفة جديدة.

لهذا لا يكفي أن نفتش عن الموظف الذي يتحايل على المقياس، علينا أيضاً أن نفحص ما يكافئه المقياس نفسه. فقد يقضي موظف ساعة في معالجة حالة معقدة، وينهي آخر عشر حالات سهلة، ثم يبدو الأول أقل إنتاجاً في الجدول. وإذا تكرر هذا التقييم، فقد نكون قد علمنا الموظفين تجنب الحالات التي تحتاج إليهم أكثر. تصميم المكافأة يرسل رسالة عملية، حتى لو قالت خطابات المؤسسة شيئاً آخر.

ولا يعني ذلك أن نستبدل الأرقام بالانطباعات؛ فالقياس يكشف التعثر، ويساعد على المقارنة، ويجعل المسؤولية أوضح. 

لكن المؤشر يحتاج إلى سؤال يحرس معناه: ماذا تغير في الواقع؟ مع سرعة إغلاق الشكاوى، نراجع أسباب تكرارها، ونسأل أصحابها إن كانت المشكلة قد حُلت. ومع أعداد المتدربين، نفحص ما يستطيعون تطبيقه بعد التدريب. وندرس صعوبة الحالات قبل مقارنة العاملين عليها، حتى لا تتحول العدالة الحسابية إلى ظلم عملي.

والإدارة التي تريد أن تتعلم تحتاج إلى أن تسمح للنتيجة غير المريحة بالظهور. 

فإذا كان الموظف يعرف أن اللون الأحمر في التقرير سيُعامل دائماً بوصفه إدانة، فقد ينشغل بتغيير اللون قبل معالجة سببه. أما حين يصبح كشف التعثر مدخلاً للفهم والتحسين، فيستعيد التقرير فائدته. 

فليس المطلوب أن تطمئن الإدارة إلى كل صفحة تقرؤها، وإنما أن تعرف أين ينبغي لها أن تقلق، ولماذا.

قبل أن نصفق للمؤشر الصاعد، يستحق الأمر أن ننظر خارج الجدول: 

هل قلت المشكلة التي أنشأنا البرنامج من أجلها؟ 

وهل سيبقى هذا العمل مفيداً لو توقفنا عن احتساب نقاطه؟ 

ففي حكاية الكوبرا، كان بالإمكان جمع الأفاعي وعدها وصرف المكافآت عليها، مع استمرار الخطر. وما أخشاه في الإدارة أن نتقن عد ما أنجزناه، ثم ننسى أن نسأل عما أصلحناه.

معركة ظالمة ومفتعلة ضد المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا

معركة ظالمة ومفتعلة ضد المسلمين
في الولايات المتحدة وأوروبا




عامر عبد المنعم
ظاهرة مقلقة تتصاعد في الولايات المتحدة وأوربا، لا تأخذ حقها من الاهتمام، وهي التحريض ضد المسلمين، واعتبار الإسلام عدوا، وإحياء الأفكار الصليبية القديمة التي تجاوزها العصر، التي كنا نظن أن الحضارة والإنترنت ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة قد أزاحتها جانبا؛ لحساب التسامح والتفاهم والتعايش بين الشعوب وأتباع الأديان السماوية.
يقود الحملة ضد المسلمين الرئيس الأمريكي وفريقه والمتعصبون من حركة ماجا، الذين لم يكتفوا بالتحريض في الولايات المتحدة، وإنما نقلوا حملة التحريض إلى أوروبا بترديد مزاعم عن تهديد المواطنين المسلمين للحضارة الأوروبية، رغم اندماجهم في مجتمعاتهم وحرصهم على التعايش بسلام.
في الولايات المتحدة، ومع تراجع شعبية حزب ترامب والخوف من الخسارة في التجديد النصفي للكونجرس يفتعل الإنجيليون من أصحاب نظرية تفوق العرق الأبيض معارك مبالغ فيها وغير واقعية، ضد ما يعتبرونه غزوا إسلاميا لأمريكا، ومزاعم لا أصل لها عن محاولات من الأمريكيين المسلمين لتطبيق الشريعة الإسلامية على الأغلبية المسيحية في الولايات المتحدة!
لم يتوقف الرئيس الأمريكي والنخبة الجمهورية عن الهجوم على المرشح المسلم عبد الرحمن السيد وكأنه ينافس على كرسي الرئيس وليس على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشغان، ولم يتوقف الهجوم على عمدة نيويورك زهران ممداني، ويتعرض المسلمون في أكثر من ولاية إلى حملات كراهية غير مسبوقة، أبرزها في تكساس التي قررت تغيير مناهج التعليم لتشويه صورة الإسلام ورسوله، والذي اعتبره قادة المسلمين إثارة للفتنة داخل المدارس ونشر الشك والكراهية تجاه المسلمين الصغار!
كان لحاكم تكساس مواقف بالغة التطرف بزعم منع المسلمين من تطبيق الشريعة في الولاية، حيث حظر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) والإخوان المسلمون واتهام المنظمتين بالسعي لتطبيق الشريعة في أمريكا، وسار على دربه آخرون رغم أن الموضوع مفتعل وغير حقيقي؛ فالمسلمون بكل ألوانهم في تكساس لا يزيدون عن 2% من التكساسيين، بتقديرات تتراوح بين 300 ألف و500 ألف مسلم، فكيف يطبقون الشريعة في ولاية يبلغ عدد سكانها حوالي 32 مليون نسمة؟
نفس الوضع في عموم أمريكا حيث أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة لا يمثل ثقلا سكانيا، حيث يقارب 5 ملايين أو يتجاوزها قليلا؛ فوفقاً لـ Pew Research Center، ارتفع عدد المسلمين الأمريكيين من نحو 2.4 مليون عام 2007، ثم 3.45 مليون في 2017، ثم إلى حوالي 5.5 مليون نسمة عام 2026، وإذا كان عدد سكان الولايات المتحدة حالياً يتراوح بين 342.9 مليون حسب مكتب الإحصاء الأميركي و 349 مليون حسب مكتب الموازنة في الكونغرس فإن المسلمين يشكلون ما يقارب 1.6% من إجمالي عدد السكان، فكيف لهذا العدد الصغير أن يشكل تهديدا لأمريكا ويفرض الشريعة على الأمريكيين؟!
وهل فوز عدد قليل من المرشحين المسلمين لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة في الكونجرس يشكل تهديدا للولايات المتحدة؟
استنساخ التجربة في أوروبا
أيضا يتعرض المسلمون في أوروبا لذات الحملة، إذ حرض ترامب ونائبه جي دي فانس وآخرون الحكومات الأوروبية على المسلمين، وخوفوهم من إندثار حضارتهم بسبب وجود المسلمين، بل يشارك إيلون ماسك صاحب شركة X)) في شحن الأوربيين ضد المسلمين، ويتهمه الأوربيون المنصفون خاصة في بريطانيا باستخدام منصته للتحريض وهدم التسامح، ودعم الأحزاب اليمينية التي تعلن الحرب على المهاجرين وتحرض على المسلمين.
لقد شاهدنا مؤخرا استجابة قطاعات من الأوروبيين لهذا التحريض، والذي ظهر في صعود الأحزاب اليمينية في أكثر من دولة، وارتفاع عدد حوادث الكراهية ضد المسلمين، بل وانتقل التعصب المقيت المناقض لروح التسامح لدوائر عليا، مثل القرار الذي صدر عن حزب الشعب الأوروبي (EPP )، أكبر كتلة سياسية في الاتحاد الأوروبي، في اجتماعه السياسي الذي عُقد في فيينا نهاية يونيو 2026، يحمل عنوان «تدخل الإسلام السياسي في العمليات الديمقراطية الأوروبية» والذي وضع خطة لمنع المسلمين من المشاركة السياسية وتحويلهم إلى متهمين هم والمنظمات الحقوقية التي تدافع عنهم، وحث القرار الاتحاد الأوربي لتبني خطة المواجهة لما أسمته "الاختراق الإسلامي للأحزاب والأنظمة السياسية" ولمنع تغيير هوية أوروبا. ( نص القرار في أول تعليق)
يُوصف حزب الشعب الأوروبي بأنه أكبر قوة سياسية في الاتحاد الأوروبي، حيث تضم عائلته السياسية أحزابًا من يمين الوسط في معظم الدول الأعضاء، وتسيطر مجموعته البرلمانية على أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي.
ترتبط رئاسة المفوضية الأوروبية ارتباطًا وثيقًا بالحزب؛ فأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية منذ 2019 وفي ولايتها الثانية من ديسمبر 2024، تنتمي سياسيًا إلى هذه العائلة (الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني CDU)، ويأتي عدد كبير من المفوضين من أحزاب الشعب الأوروبي.
بسبب ثقله البرلماني وقربه من المفوضية، فإن قرارات الجمعية السياسية لـ EPP غالبًا ما تُترجم إلى أولويات تشريعية أو توجيهات للمفوضية والدول الأعضاء، خاصة في ملفات الأمن الداخلي والهجرة ومكافحة التطرّف.
لا يمكن فصل الحملة ضد المسلمين في الغرب عن حالة التراجع العام للهيمنة الغربية، وبحث السياسيين الانتهازيين عن معارك داخلية للإلهاء، والرغبة في تجنب الخسائر الانتخابية الناتجة عن الفشل في إدارة الملفات الخارجية والداخلية، لكن وجود دوائر مقابلة من سياسيين أمريكيين وأوروبيين أكثر عقلانية وانفتاحا يحول دون تمرير مثل هذه الخطط المعادية للقيم الإنسانية، التي لا تتناسب وروح العصر الرقمي ومواقع التواصل، التي ألغت الفواصل والفوارق بين الشعوب وتمنع التخندق على أسس دينية.
بقلم: عامر عبد المنعم

الأحد، 20 سبتمبر 2026

"المخلص" المنتظَر في إسرائيل قد يكون الفخ الكبير

"المخلص" المنتظَر في إسرائيل قد يكون الفخ الكبير
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو

قبل أسابيع عدة كنت أتابع جلسة حوارية أكاديمية حول الانتخابات الإسرائيلية، واستغربت تبشير بعض الحاضرين بقرب "انتهاء الأزمة" التي تتمثل في نظرهم في حكومة نتنياهو فقط، وذلك من خلال "الحل السحري": غادي آيزنكوت!

لدى البحث والتمحيص، تبين أن عددا من الجهات المرتبطة بأنظمة رسمية عربية وإقليمية تنتظر قدوم آيزنكوت وتكاد تعتبره "المخلص" القادم الذي سيعيد "أيام رابين" -كما قالها لي أحد المحللين حرفيا- وكأن أيام رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين كانت أيام السمن والعسل والبركة والسلام.

ولا أستطيع إخفاء استغرابي مما أعتبره سطحية في النظر إلى الواقع الإسرائيلي ومحاولة للتعلق بأي قشّة، وإن كانت شخصا مثل آيزنكوت بكل ما يمثله تاريخه وفكره القومي، الذي يضعه في خانة الصقور لا الحمائم في إسرائيل.

"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول

هذا لا يعني أن فوز حزب آيزنكوت وتمكنه من تشكيل حكومة -إن حدث- لن يشكل سابقة في السياسة الإسرائيلية. فعلى جميع الأحوال، إن أصبح آيزنكوت المغربي الأصل رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم، فإنه سيكون أول يهودي شرقي "مزراحي" يصل إلى رأس الحكومة في إسرائيل منذ إنشائها، وهذا بحد ذاته أمر جديد في إسرائيل التي هيمن فيها اليهود الغربيون "الأشكناز" تاريخيا على مؤسسات الدولة.

ومن المفارقة ألا نجد دولة غربية تناقش هذه العنصرية الإسرائيلية تجاه اليهود الشرقيين الذين لم يكن منهم أي رئيس للأركان أو رئيس للحكومة، حتى كسر موشيه ليفي العراقي الأصل هذه القاعدة بعد نحو أربعين عاما على قيام الدولة، فكان أول يهودي شرقي يصل إلى رئاسة أركان الجيش، بينما لم يتمكن يهودي شرقي من كسر هذه القاعدة فيما يتعلق برئاسة الحكومة منذ نحو ثمانين عاما حتى اليوم.

لعل هذا هو الشيء الوحيد المميز في آيزنكوت لو أصبح رئيس الحكومة القادم. ولكن الواقع أنه لن يكون له أي ميزة أخرى تجعله يجري تغييرا هائلا في السياسة الإسرائيلية الحديثة فيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، أو يحدث انقلابا في هذه السياسة كما يتأمل البعض. ويرجع ذلك لعدة اعتبارات:

أول هذه الاعتبارات هو أن تيار الصهيونية الدينية أحدث اختراقا عميقا وانقلابا كبيرا في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ولا سيما في جهازي الشرطة والاستخبارات، وهذه الأجهزة تعمل بالدرجة الأولى في الداخل الإسرائيلي. وتمكن التيار بالفعل من تأسيس دولة ظل مسلحة موازية للدولة، ولا سيما بين مستوطني الضفة الغربية.

وبالتالي فإن أي حكومة تحاول تجاوز التيار أو العودة إلى ما قبل تسلمه السلطة، ستضطر لدخول حرب عميقة لتخليص أجهزتها الأمنية الرئيسية من سيطرة هذا التيار عليها واقتلاع أثره من الحياة السياسية الإسرائيلية، وهذه مسألة تحتاج إلى إرادة سياسية كاملة، وسنوات من العمل الطويل، وتأييد شعبي جارف لتنفيذه، وهذا متعذر في الظروف الحالية دون المغامرة باحتمالية الدخول في انشقاق أو حرب أهلية في إسرائيل.

انزياح المجتمع الإسرائيلي المستمر نحو اليمين يجعل من غير المرجح لأي حكومة قادمة أن تحاول تحدي هذه المنظومة الاجتماعية اليمينية المتشددة، وهذا المجتمع الذي يمجد العنف أصبح في ربع القرن الأخير يميل دائما إلى تأييد من يظهر المزيد من القوة والعنف تجاه ما يعتبره خطرا على الدولة.

فالمجتمع الإسرائيلي مثلا ليس ضد الحرب على قطاع غزة، والصراع المتعلق بهذه الحرب داخل إسرائيل لا يرتبط بفكرة الحرب ذاتها، لأن الحرب تتمتع بتأييد ساحق في المجتمع، وإنما يقع الاختلاف في أبعاد هذه الحرب وأهدافها وكيفية فرضها ومدتها ونتائجها.

الاعتبار الثاني يتعلق بكون غادي آيزنكوت من اليهود الشرقيين الذين يلفهم الشعور بالدونية في إسرائيل. وهذا ما قد يجعل من المستبعد أن يجري تغييرا كبيرا في السياسة الخارجية الإسرائيلية. بل بالعكس، فمن المرجح تاريخيا أن كثيرا من أبناء الأقليات أو الفئات التي تعاني من الدونية يميلون إلى المزيد من التشدد والإفراط في إظهار الولاء للمشروع إذا وصلوا استثنائيا إلى سدة الحكم، وذلك لإثبات ولائهم وكونهم جزءا أصيلا من منظومة المشروع.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها

أما طبيعة شخصية آيزنكوت باعتباره صاحب "عقيدة الضاحية" التي قام عليها التدمير الواسع في قطاع غزة، فهي ثالث الاعتبارات التي يجب أخذها بمنتهى الاهتمام ودراستها بعمق.

و"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وبالتالي فإن آيزنكوت في الحقيقة كان له أثر كبير في هذه الحرب حتى وهو خارج رئاسة الأركان. وهذه النقطة بحد ذاتها تبين أنه ليس شخصية حمائمية، وإنما يعتبر من الشخصيات اليمينية المتشددة، ولا سيما في الجانب الأمني.

كما أنه أعلن بوضوح خلال الحرب على غزة أن الحديث عن قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول مجرد "هذيان"، رافضا بشكل قطعي مجرد طرح هذا الموضوع للتفاوض. وتحليل هذا الأمر في شخصيته يرجع إلى كونه فقد ابنه الأصغر (غال)، الذي كان مسعفا قتاليا في قوات الاحتياط، في جباليا في قطاع غزة يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2023 أثناء عملية عسكرية مرتبطة باستعادة جثث أسرى إسرائيليين. كما أنه فقد أيضا اثنين من أبناء إخوته أو أخواته، (ماور كوهين آيزنكوت) و(يوغاف بازي)، في الحرب على غزة.

فإذا أضفنا هذا الفقد إلى خلفيته العسكرية المتشددة المرتبطة بـ"عقيدة الضاحية"، فإن ذلك يرجح كونه شخصا مدفوعا بعقيدة الانتقام الشخصي والسخط ضد الفلسطينيين، ولا يجعل من المنطق أصلا التفكير في أنه يمكن أن يغير نظرته بسهولة.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها، وإنما كانت مدفوعة بكون المشروع أتى -حسب آيزنكوت- في وقت غير مناسب وهو مضر بإسرائيل.

فهو من الشخصيات التي تبني مواقفها على ما يتعلق بمصلحة الدولة أولا وصورتها في العالم. وهو يتبع في ذلك مدرسة بن غوريون الدبلوماسية، التي يسوّق آيزنكوت نفسه أمام جمهوره على أنه مجدد لها.

يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة. لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية

لعل النقطة التي ينطلق منها بعض المحللين في تفاؤلهم بقدوم آيزنكوت هي كونه لا يظهر حماسا خاصا في الناحية الدينية المسيحانية والخلاصية كالذي يظهر لدى أقطاب تيار الصهيونية الدينية. فآيزنكوت لم يصدر عنه حتى اليوم أي تصريح يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك أو باقتحامات المستوطنين له، ولم يعبر عن أي موقف في هذا الاتجاه سواء مع أو ضد الاقتحامات وأداء الطقوس الدينية في المسجد أو غير ذلك من اعتداءات ذات طابع ديني في المواقع المقدسة.

وهذه النقطة قد يراها البعض إيجابية، خاصة أن آيزنكوت كان رئيس أركان الجيش خلال أحداث هبّة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية التي انتهت بإزالة البوابات بضغط أمني (لا ندري إن كان آيزنكوت جزءا منه أم لا).

لكن هذا الغموض في الحقيقة ليس إيجابيا كما يظن البعض. فصمت آيزنكوت على ما يقوم به بن غفير في المسجد الأقصى لا يعني رفضه لما يجري، وإنما قد يكون نابعا بالدرجة الأولى من كونه ينظر إلى الدين ضمن فكرة الدولة، باعتباره يهوديا تقليديا قوميا ابتداء، أي إنه لا يرى في الدين تناقضا مع الدولة، بل يرى أن الدولة ينبغي أن ترعى الدين، بعكس تيار الصهيونية الدينية الذي يقدم الاعتبار الديني الخلاصي على الاعتبار السياسي أو اعتبارات الدولة نفسها.

والدة آيزنكوت المغربية المتدينة صرحت عام 2014 أنها كانت تأمل أن يكون آيزنكوت حاخاما، وادعت أنه يضع اعتبارات خاصة للدين، وأن لديه مرجعية حاخامية ثابتة يستشيرها في كل شيء.

وهذا الأمر قد يجعل غموض آيزنكوت في هذا الجانب مقصودا لاعتبارات تتعلق بخلفيته العسكرية الصارمة التي تحرص على عدم إظهار أي أثر للمعتقدات الشخصية في القرارات المرتبطة بمصلحة الدولة.

وقد تكون الحالة الوحيدة التي تجاوز فيها آيزنكوت هذا الغموض كلمته التي ألقاها في منطقة حائط البراق خلال طقوس إحياء ما يسمى "يوم القدس" وخصصها للصلاة لأجل الجيش. وهذه المسألة تعني أن آيزنكوت لن يكون بالضرورة ضد عمل جماعات المعبد المتطرفة في المسجد الأقصى إن رأى أن هذا الأمر لن يضر بأمن الدولة، وهو ما يعتمد بالدرجة الأولى على ردود الفعل العربية والإسلامية على ما يجري في الأقصى كما رددنا غير مرة.

باختصار، يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة.


لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية: بل يلتقي معه حاليا في رفض الدولة الفلسطينية، وفي أولوية السيطرة والأمن والقوة، ويختلف عنه في أنه يبرر ذلك بمنطق الأمن والواقعية والمصلحة الدولية، لا بوعد توراتي أو خلاص ديني. وهو بالتالي ليس حمامة سلام، بل صقرا تقطر جناحاه دما وإن حمل في منقاره غصن زيتون.