الاثنين، 22 يونيو 2026

في بيت النبي

 نقطة نظام

امــــرأةٌ مُشتـــاقــــةٌ لوصــــــــــلِــكَ يا الله!


أدهم شرقاوي

في بيت النبي

العباداتُ عند أهلِ الصِّدقِ ليستْ تكليفًا ثقيلًا، وإنَّما شَوقٌ يُطيلُ فيه المُحبُّ وقوفَه على بابِ حبيبِه. وحين يفيضُ الشوقُ أحيانًا، يبحثُ القلبُ عن وسيلةٍ ليبقى واقفًا، ولو تعبَ الجسد.

في مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ظهرَ حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين، لم يكن شاهدَ تكلّفٍ، بل أثرَ هِمّةٍ عاليةٍ لامرأةٍ أرادتْ أن تُطيلَ الوصلَ مع الله. دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلم ينتقِصْ من قدرِ الاجتهاد، ولم يَغمِزْ في صدقِ النيَّة، بل جاءَ ليضعَ العبادةَ في أُفقِها الأجمل؛ حيث يكونُ القُربُ مطمئنًّا، ويكونُ الدوامُ أحبَّ إلى الله من المشقَّة.

دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسجدَ، فإذا حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين من سواريه، فقال: ما هذا؟

فقالوا: هذا لزينبَ، تُصلِّي من اللَّيل، فإذا كَسلَتْ أو فَتَرَتْ أمسكتْ به.

فقال صلى الله عليه وسلم: حُلُّوه، ليُصلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا كَسلَ أو فَتَرَ فليقعد!

خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : ابن حبان | المصدر : صحيح ابن حبان | الصفحة أو الرقم : 2492
| التخريج : أخرجه البخاري (1150)، ومسلم (784)، والنسائي (1643) واللفظ لهم جميع

لا شكَّ أنَّه يُحسَبُ لأمِّنا زينبَ بنت جحشٍ رضي اللهُ عنها هذا الحرصُ على قيامِ اللَّيل، وإن أجهدَها التَّعب. ولكنَّ صاحبَ الشَّريعةِ السَّمحاءِ يُذكِّرُ زوجتَه، والأمَّةَ كلَّها من خلالها، أنّ اللهَ يريدُ بنا إلىُسرَ ولا يريدُ بنا العُسر.

صحيحٌ أنَّنا لو قُمنا العمرَ كلَّه على سِجَّادةِ الصَّلاة، فلن نُوفِيَ اللهَ حقَّه من العبادة، ولو أمضينا العمرَ كلَّه صيامًا، فليس ذلك كثيرًا على الله. 

ولكنّ اللهَ تعالى يحفلُ بنا، ويهتمُّ لأمرِنا، ومن رحمتِه بنا جعلَ في دينِه رُخَصًا يُحبُّ أن نأخذَ بها، وهذه الرُّخَصُ لِدفعِ المشقّةِ عنّا. 

فإذا كان قد أحبَّ لنا الرُّخصةَ في الفرائض، فلَا شَكَّ أنَّه لم يُكلِّفْنا ما لا نُطيقُ في النَّوافل. غيرَ أنَّ هذا كلَّه لا يُلغي حقيقةَ أن نُسابِقَ أنفسَنا في رضى الله تعالى.

غيرَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان من أفقهِ النَّاسِ بطريقِ القُرب، وأعلمَهم أنَّ العبادةَ لا تُقاسُ بمُددِ التحمُّل، بل بصدقِ الحضور. 

فجاءَ توجيهُه رحيمًا، لا ليكسرَ هِمّةً، ولا ليُطفئَ شوقًا، بل ليضعَ العبادةَ على سِكَّتِها الأجمل؛ حيث يكونُ النَّشاطُ رفيقَ العبادة، أو رفيقَ الطَّاعة، ويكونُ الدَّوامُ أحبَّ من الإفراط، وتبقى العبادةُ طريقًا يُحَبُّ أن يُسلَك، لا حِملًا يُخشى أن يسقط.

وهكذا علَّمَنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ اللهَ يُحَبُّ على قدرِ ما نُطيق، وأنَّ أصدقَ الطاعاتِ ما سكنتِ القلبَ ولم تُثقِلِ الجسد.

لم يكسِرْ هِمّةَ العابدات، ولم يُطفئْ نورَ الاجتهاد، بل حماه من الإفراط؛ ليظلَّ الوصلُ بالله طويلًا، لا تقطعُه المشقَّة، ولا تُفسدُه المبالغة.

فكانت حكمتُه صلى الله عليه وسلم أن يُبقيَ العبادةَ حيَّةً تمشي معنا، ولا نتعثَّرُ بها!

وبين هذا وذاك، هذه زوجتُه؛ يجمعُه بها قلبٌ قبل فراش، ويظلِّلُه معها حبٌّ قبل سقف.

صحيحٌ أنَّه كان يشفعُ للأمّةِ كلِّها من خلالها، ولكنَّه كان أيضًا يهتمُّ.


متى دخلت غرفتك الصينية؟

 متى دخلت غرفتك الصينية؟

حمد حسن التميمي

حين تكتب لصديقك في لحظة حزنه عبارة مواساة طويلة وبليغة فيتأثر حدَّ البكاء، بينما أنت في الحقيقة تتناول قهوتك ببرود تام وتنظر من النافذة دون أن يتحرك في صدرك شعور واحد، فاعلم أنك دخلت غرفتك الصينية الخاصة.

أنت لم تكذب، والكلمات التي اخترتها كانت مثالية ومناسبة تماماً للموقف، لكنك فعلت ذلك كآلة مدربة، سحبت الإجابة الصحيحة من كتيب القواعد الاجتماعي ومررتها لمن ينتظرها، دون أن تفهم أو تشعر بكلمة واحدة مما كتبت. 

هذا تحديداً ما تنبأ به الفيلسوف جون سيرل عام 1980 في تجربته الفكرية المعروفة بالغرفة الصينية، حين تخيل شخصاً يجلس في غرفة مغلقة يستلم رموزاً صينية لا يفهمها، ويتبع كتاب تعليمات يخبره أي رمز يكتب رداً على أي رمز آخر، فيخرج لمن يسأله بالخارج إجابات صحيحة تماماً دون أن يفهم حرفاً واحداً منها. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال أكثر إزعاجاً: إذا كان الرجل في الغرفة لا يعرف أنه لا يفهم، فكيف تضمن أنك لست في غرفتك الآن، تُخرج كلمات صحيحة عن مشاعرك دون أن تفهمها فعلاً؟

سيرل صمم تجربته ليقول إن مطابقة الرموز ليست فهماً، والقواعد الصحيحة ليست وعياً. لكن المؤسسات التعليمية تعمل بنفس منطق الغرفة منذ قرون. الطالب يدخل المدرسة كغرفة مغلقة، يُعطى كتاب تعليمات اسمه المنهج، ويتعلم أي رمز يكتب رداً على أي سؤال في ورقة الامتحان. يحصل على الدرجة الكاملة ويصفق له الجميع، بينما لم يختبر الفكرة فعلاً ولا شعر بها، فقط حفظ التركيب دون أن يلمس المعنى. وهذا لا يتوقف عند المدرسة، بل يمتد للأيديولوجيات والمعتقدات التي نتبناها كاملة دون أن نفهم كواليسها، نردد شعاراتها لأن الكتيب يقول ذلك ويصفق لنا من حولنا.

الأخطر في هذا كله ليس أننا نخدع الآخرين بكفاءتنا الظاهرية، بل أننا نخدع أنفسنا أولاً. 

نقول «أنا أحب هذا» أو «أنا أؤمن بذلك» بثقة تامة، لأن الكتيب الذي تلقيناه في الصغر يخبرنا أن هذا هو الرد الصحيح في موضعنا. 

والمشكلة أن هذا الخداع لا يُحس من الداخل، الرجل في الغرفة لا يشعر بالنقص لأن إجاباته صحيحة شكلياً. 

ودراسة حديثة من جامعة أونتاريو الكندية شملت 854 عاملاً في الصحة النفسية والمكتبات أثبتت أن هذا النوع من الأداء، إظهار مشاعر لا يشعر بها الإنسان فعلاً، يُضاعف القلق والغضب لدى من يمارسه باستمرار، حتى لو بدا للآخرين متماسكاً وسعيداً. الجسد يدفع ثمن الغرفة الصينية حتى وإن لم يشعر العقل بذلك.

وهذا بالضبط ما يحدث لمن يعيش حياته بمطابقة الرموز، يبدو لنفسه طبيعياً وواثقاً حتى تأتي تلك اللحظة النادرة من الصمت الحقيقي فيتساءل إن كان يشعر فعلاً بما يقوله.

ما يسكن حياة كثيرين ليس غياب المشاعر، بل غياب القدرة على التمييز بين المشاعر الحقيقية والردود المحفوظة التي تشبهها تماماً من الخارج، حتى يصعب على المرء نفسه أن يفرّق بين ما يشعر به وما تعلّم أن يقوله.

ربما دخلت غرفتك الصينية في أول مرة دافعت فيها عن فكرة لم تخترها أنت، أو في أول مرة قلت «أنا بخير» وأنت لست بخير، أو في أول مرة مارست دور الأبوة أو الصداقة بكتاب قواعد ورثته دون أن تسأل نفسك إن كان يناسبك. 

والسؤال الحقيقي ليس إن كنت قد دخلتها، بل:

متى ستلاحظ أنك لا تزال بداخلها؟

الإقطاعية الحديثة... لقد استبدلنا السلاسل بكلمات مرور

 الإقطاعية الحديثة... لقد استبدلنا السلاسل بكلمات مرور




في عام 1095، كان الفلاح الأوروبي يعرف تماماً من هو سيده.

كان يعيش على أرض يملكها الإقطاعي، ويدفع له ما يطلبه، ويعمل حيث يريد، ويذهب إلى الحرب إذا أمره بذلك.

كانت العلاقة واضحة، بل فجة إلى حد الوقاحة.

أما في عام 2026 فالوضع أكثر رقيّاً... أو هكذا نعتقد.

اليوم، لا أحد يطلب منك أن تعمل في أرضه. بل يطلب منك أن تنشئ حساباً لديه.

لا أحد يجبرك على دفع العشور. بل يجعلك تضغط على زر «أوافق على الشروط والأحكام».

ولا أحد يسوقك إلى الإقطاع بالسوط، بل بالتنبيهات والإشعارات والعروض المخصصة لك بعناية.

***

في عام 1994، ترك شاب أميركي وظيفة مريحة في وول ستريت، وقرّر بيع الكتب عبر الإنترنت من مرآب صغير.

اسمه جيف بيزوس.

ذلك المرآب أصبح لاحقاً شركة اسمها أمازون.

في عام 1997، دخلت الشركة سوق الأسهم.

وفي عام 2026، تجاوزت قيمتها السوقية تريليونات الدولارات.

أما بيزوس، نفسه فتنقلت ثروته خلال السنوات الأخيرة بين 150 و250 مليار دولار بحسب حركة الأسواق.

رقم يصعب على العقل البشري استيعابه.

دعنا نبسطه.

لو أن إنساناً امتلك مليار دولار فقط، وأنفق مليون دولار يومياً دون توقف، فسيحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لينفقها كلها.

أما مئتا مليار دولار فتعني أكثر من خمسة قرون من الإنفاق بمليون دولار يومياً.

خمسة قرون.

منذ سقوط الأندلس تقريباً وحتى يومنا هذا.

وفي عام 1995، أسس شابان موقعاً بسيطاً للبحث في شبكة الإنترنت.

أحدهما اسمه لاري بايج.

والآخر سيرغي برين.

تحول المشروع لاحقاً إلى «غوغل».

اليوم يعرف «غوغل» ما نبحث عنه، وماذا نقرأ، وإلى أين نذهب، وما الذي يقلقنا قبل النوم.

في العصور القديمة كان الإقطاعي يعرف عدد الأبقار التي يملكها الفلاح.

أما الآن فهناك شركات تعرف عدد ساعات نومك، ونوعية الموسيقى التي تسمعها، واحتمال أن تشتري حذاءً جديداً خلال الشهر المقبل.

أي النظامين أكثر معرفة بالإنسان؟

ثم جاء إيلون ماسك.

في عام 1999، باع شركته الأولى.

وفي عام 2002 أسس شركة الفضاء الخاصة التي عُرفت لاحقاً باسم SpaceX.

ثم دخل عالم السيارات الكهربائية عبر تسلا.

ثم الأقمار الاصطناعية، ثم الذكاء الاصطناعي،

ثم منصات التواصل الاجتماعي.

وفي عام 2026، ما زال يتصدر قوائم أثرياء العالم بثروة تتجاوز في فترات كثيرة 300 مليار دولار.

رقم يفوق الناتج المحلي لبعض الدول.

وليس هذا هو السؤال.

السؤال الحقيقي:

كيف أصبح شخص واحد يمتلك قدرة على التأثير في الفضاء والاتصالات والإعلام والذكاء الاصطناعي وأسواق المال في الوقت ذاته؟

هل نحن أمام رجل أعمال استثنائي؟

أم أمام نسخة حديثة من كبار الإقطاعيين؟

قد يقول قائل: لكنهم لم يسرقوا أحداً.

صحيح.

لم يأت أحدهم إلى بيتك ويصادر أرضك.

بل فعل شيئاً أكثر ذكاء.

جعلك تدخل أرضه بإرادتك.

تحمل هاتفاً يعمل على أنظمته.

وتبحث عبر منصاته.

وتتسوق من متاجره.

وتتواصل عبر شبكاته.

وتحفظ ملفاتك في خوادمه.

ثم تعود إلى المنزل مقتنعاً أنك مستقل تماماً.

المفارقة المضحكة أن الإنسان الحديث يهاجم الإقطاعيين الذين عاشوا قبل ألف عام، بينما يقضي يومه كله داخل إقطاعيات رقمية جديدة.

إقطاعيات لا ترفع رايات فوق القلاع.

بل شعارات فوق التطبيقات.

ولا تفرض الضرائب بالقوة.

بل تستخرج البيانات.

ثم تبيعها لمن يعرف كيف يحولها إلى نفوذ.

لا أدعو هنا إلى كراهية النجاح.

ولا إلى معاداة الرأسمالية.

ولا إلى مصادرة الثروة.

بل إلى طرح سؤال مزعج فقط.

عندما تمتلك قلة من البشر ثروات تفوق ميزانيات دول، وتتحكم في منصات يتجاوز مستخدموها عدد سكان القارات، فمن الذي يحكم العالم فعلاً؟

الحكومات؟

أم الأسواق؟

أم الخوارزميات؟

أم أولئك الذين يكتبون الخوارزميات؟

إذاً، المشكلة ليست في إيلون ماسك.

ولا في جيف بيزوس.

ولا في غيرهما.

ربما المشكلة فينا نحن.

نحن الذين سلمنا الراحة مقابل الاستقلال.

والسرعة مقابل الخصوصية.

والترفيه مقابل الانتباه.

ثم جلسنا نتساءل كيف أصبح النفوذ مركّزاً في أيدٍ قليلة.

لذلك لا أملك خاتمة لهذا المقال.

لأنني لا أملك جواباً.

كل ما أملكه هو سؤال أضعه أمام القارئ:

إذا كانت الإقطاعية القديمة قامت على امتلاك الأرض، والإقطاعية الحديثة قامت على امتلاك البيانات والعقول والوقت...

فهل ما زلنا أحراراً؟

أم أننا مجرد فلاحين رقميين لم ننتبه بعد إلى أن القلعة انتقلت من فوق التل... إلى داخل جيوبنا؟

X: jzabandr

الأحد، 21 يونيو 2026

الرهان

خلجات

الرهان


النفس الإنسانية لها غايات ورعونات كثيرة، منها غايات بشرية، وأخرى حيوانية. والرغبات البشرية منها ما هو سامٍ، ومنها ما هو دوني، والرغبات الحيوانية منها ما هو فطري، ومنها ما هو سبعي، وكلاهما قد يجتمع في الإنسان. وهذه الرغبات تتخالط في دواخله وأعماقه النفسية كلما أفلت زمام نفسه، ولم يدرك بعقله ويستفتِ قلبه في هذه الرغبات، متأملاً إياها ومحللاً لها.

«الرهان» قصة قصيرة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، تدور حول شاب محامٍ مكافح تناقش مع رجلٍ رأسمالي حول عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. وبغض النظر عن صحة رأييهما حول الموضوع، فإنني أرى - من خلال نظرتي التحليلية لهذه القصة - أن الرأسمالي كان مغتراً بماله وثروته، وأن المحامي كان مغتراً ببعض قراءاته واطلاعه وشهادته، فتعالى كلٌّ منهما على الآخر. فارتكن التاجر إلى ثروته، وارتكن الشاب إلى ثقافته وعزمه وعناد الشباب.

فتراهن التاجر مع المحامي على أن يحتمل المحامي الحبس لمدة خمسة عشر عاماً في منزل التاجر، فإن احتمل المدة دفع له التاجر مبلغ مليوني روبل. وتم الرهان، وانقضت المدة.

والأهم من ذلك كله: مَن الفائز ومَن الخاسر؟

خلال فترة الخمسة عشر عاماً قضى المحامي هذه الفترة بين القراءة والكتابة والفكر والتأمل، ومن أهم ما حصل له سماعه لصوت جديد، قد يكون مختلفاً، وهو الصوت الداخلي الذي قد لا يسمعه الإنسان ولا يدركه مع ضجيج الحياة وتسارعها. فأعاد الشاب ترتيب أفكاره وأوراقه وأولوياته وغاياته في الحياة، وعلى رأسها غايته من حبسه الاختياري ومعنى الانتصار إن انقضت المدة.

فهل يكون الانتصار بنيل المبلغ وتحقيق صحة رأيه في مواجهة التاجر، وهي صحة قد تكون نسبية لا مطلقة؟ أم أن الغاية من الحياة ومعناها أبعد من ذلك بكثير؟

أما التاجر، فكلما مرت الأيام وتوالت السنون غزاه الخوف، وتعلّق بالمال أكثر، وظنّ بالشاب الطمع والجشع، بينما كان الشاب يبتعد يوماً بعد يوم عن الجشع والطمع في المال، الذي لم يكن منذ بداية الأمر غايته ولا هدفه ولا مبتغاه، وإن كان قد خطر له يوماً، فلم يكن إلّا رغبة شاب عابرة غير متأصّلة في طبعه.

إنّ الانعزال الاختياري قد يساعد الإنسان على مراجعة أفكاره ومعتقداته ونظرته تجاه الأمور المادية، ومعناها، حتى يصل تدريجياً إلى نظرة أعمق للأمور، فيتعلم ربط القلب وإحساسه بالعقل والتفكير، ثم اتخاذ القرار فالتصرف، للوصول إلى درجة من درجات الكمال البشري التي تجعله يرى الأشياء على حقيقتها الدنيوية والمقصد منها، وصولاً إلى الغاية الأسمى من وجودها في الحياة.

وقبل نزول الوحي على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان يعتزل في الغار الليالي ذوات العدد، يقضيها في التأمل والتفكر والتعبد. فكشف الله تعالى له غاية الحياة وأبعاد الوجود وعظمة الله عز وجل، ومادية الأشياء ومعنوياتها. فلما جاءه الوحي كان قلبه معلقاً بالله، وبالغاية من الحياة، وبالتعامل مع الناس على نية دعوتهم إلى الله والصبر عليهم؛ لأنهم لم يعرفوا ما عرف من سر الوجود والحياة والبعث والاختبار الدقيق المحجوب.

فلما عرضت عليه الأموال والسيادة ما فكّر ولا تأنّى ولا تردّد في أن يتركَ هذا الدين أو يهلكَ دونه. ولم يكن الأمر تسامياً على المال، وإنما لأنه عرف أن المقصود هو الله، وأن الأمر لا يحتاج إلى نقاش ولا جدل؛ فالنقاش بالفاني فانٍ.

تحتاج الحياة من الإنسان إلى عزلة مختارة، ومراجعة لمستجداتها وما طرأ عليها من تغيرات وأحوال، ودخول أمور وخروج أخرى، وترتيب الأولويات، والنظر في حقيقة هذه الأمور المادية والمعنوية من شهادة ومال ونسب ورأي يدعو إلى التمسك والمراهنة عليه.

وكلنا قد نراهن على أشياء لو عرفنا حق قدرها، وحق قدر تفكيرنا فيها، لما راهنا عليها أصلاً، ولا شغلنا أنفسنا بها؛ لأنها قابلة لأن يتغير رأينا فيها بعد لحظات، وذلك دليل على انتفاء قيمتها الحقيقية.

شرعنة التوحش.. وتسويق الإجرام

  شرعنة التوحش.. وتسويق الإجرام

د. حاكم المطيري 

تعليل بعض الخطباء والدعاة وتبريرهم لوجوب

 الوقوف مع النظام الإيراني بأنه نظام مسلم

 هو في حقيقته شرعنة للتوحش، وتسويق للإجرام،

 واستباحة للدم الحرام، وجناية على الإسلام!

فالمشاركة لـ المحتل الروسي والأمريكي في

 قتل مليون مسلم وتهجير عشرة ملايين في سوريا –

 ومثلهم في العراق واليمن وأفغانستان – لا ينفي عند

هؤلاء الدعاة والشيوخ عن هذا النظام وصف الإسلام

 المشتق من السلم والسلام! مع قوله تعالى: 

﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين . ما لكم كيف

 تحكمون﴾، فقابل وصف الإسلام بالإجرام، لأنهما

 ضدان لا يجتمعان! حتى قرنه القرآن بالشرك بالله ﴿لا

 يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم

 الله إلا بالحق﴾، ولم يرد في القرآن وعيد بالخلود في

 النار إلا في الشرك بالله، وقتل المسلم عمدا بغير

 حق، كما قال تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا

 متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها

 وغضب الله عليه ولعنه وأعد له

 عذابا عظيما﴾، قال ابن عباس: (هذا آخر ما

 نزل ولم ينسخه شيء)، وكان لا يرى سقوط الوعيد

 عنه والخلود في النار إلا كما يسقط عن المشرك

 بالتوبة والعودة إلى الإسلام والقصاص!

وجاء في الحديث: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)!

خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : أبو هريرة والزبير ومعاوية | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 2802

فكيف إذا كان هذا القتل من باب إعانة الكفار

 ومظاهرتهم على المسلمين!

وبعيدا عن الجدل العقائدي والراجح في المسألة، فإن

 من لا يرى مثل هذا النظام الذي يقترف كل هذا القتل

 الشنيع، والفساد الذريع، نظاما مجرما قاتلا – يجب

 القصاص من قادته وأركانه، ويوجب على شعبه

 الخروج عليه وتقويض سلطانه، بل ويرى وجوب

 الوقوف معه ونصرته بدعوى كونه مسلما – إنما

 يسوق من حيث يعلم أو لا يعلم للطغاة كل صور

 الإجرام، واستباحة الدم الحرام، ما دام يجب على

 الأمة نصرتهم والوقوف معهم إذا قاتلهم العدو الكافر!


ليعود هؤلاء الشيوخ بالأمة مرة أخرى إلى الخطاب

 المبدل الذي أضفى الشرعية على كل الطغاة

 والمجرمين بدعوى كونهم ولاة أمر مسلمين!

وليصبح ما جرى من قتل للمعتصمين في ميدان رابعة

 ذنبا صغيرا مغفورا مقارنة مع جرائم النظام

 الإيراني!

وإن علما شرعيا وفهما حركيا إسلاميا يبلغ في أهله

 هذا الحد من الانحراف عن الفطرة الإنسانية السوية

 -حتى يغدو قاتل مليون مسلم بريء في نظرهم قائدا

 عظيما وبطلا شهيدا يجب نصرة نظامه والوقوف

 معه- للجهل خير منه، وأن يبقى المسلم أميا مسالما

 يبرأ إلى الله من الظالمين والمجرمين خير له من أن

 يكون عالما إسلاميا ممسوخ الفطرة، مطموس

 البصيرة، يرى أعتى الطغاة بطلا مجاهدا شهيدا

 لمجرد قتاله للعدو الذي سبق أن انحاز إليه وأعانه

 على احتلال بلدان المسلمين!

وللأمي العامي خير من هؤلاء الشيوخ الذين لا

 يدركون لوازم أقوالهم فيضلون الأمة وشعوبها من

 حيث يظنون أنهم يهدونها!

النظام الدولي والجاهلية المعاصرة

 النظام الدولي والجاهلية المعاصرة

سيف الهاجري 

قال أبو رجاء العطاردي (كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا هو أخير منه ألقيناه، وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب)

صحيح البخاري

خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
الراوي : مهدي بن ميمون | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 4376


وكأن أبو رجاء العطاردي الذي جاء الإسلام وهو بدوي يرعى إبله في صحاري جزيرة العرب يصف طبيعة النظام الدولي المعاصر عندما وصف عبادتهم لآلهة يصنعونها من حجر يبدلونها كلما رأوا حجرا خيرا من الأول وهكذا النظام الدولي الذي تقوم قواه الدولية بوضع السياسات وإصدار القرارات يبدلونها كما تقتضي مصالحهم فقط ولو على حساب شعوب الأرض المضطهدة التي عانت من هذه الجاهلية المعاصرة التي تجسدت في السياسات الاستعمارية وباسم الشرعية الدولية وبأبشع صور العبودية والاستغلال ولنا في تاريخ الاستعمار الغربي المعاصر في بلدان العالم أوضح هذه الصور والتي تذكرنا بالعبودية الكسروية والنير الروماني.

فالنظام الدولي المعاصر له قوانينه ومعاييره التي تحكمه وتضبط إيقاعه لكن هذه القوانين والمعايير وضعتها القوى الاستعمارية لإحكام سيطرتها على العالم وثرواته وأي شعب أو نظام يحاول تجاوز هذه الحلقة المغلقة يفرض عليه الحصار وتشن عليه الحرب.

وهذا ما تواجهه اليوم الشعوب العربية مع ثورتها على الأنظمة المستبدة وتركيا في طريق نهضتها واستقلال قرارها السياسي.

فالعرب بثورتهم والأتراك بنهضتهم يشكلون الخطر الحقيقي على هذا النظام الدولي الذي تشكل على أنقاض الخلافة الإسلامية لتخرج الأمة من التأثير السياسي في الساحة الدولية لأول مرة منذ 13 قرنا.

والمؤكد هنا أن الأمة كما أسقطت الجاهلية الأولى بشركها وكسرويتها وقيصريتها فهي اليوم على موعد تاريخي جديد لإسقاط هذه الجاهلية المعاصرة وإعادة الحرية والعدل والرحمة التي جاء بها الإسلام للعالمين.

وهذا الموعد التاريخي يتطلب من قوى الثورة وقادتها ورجالها أن يكفروا بالطاغوت الدولي وجاهليته المعاصرة وليكن رهانهم على الأمة وشعوبها لا على هذا النظام الدولي الذي كشفت ثورة الربيع العربي عداوته الحقيقية لهذه الأمة ودينها.

{يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ}