الأحد، 26 يوليو 2026

حسين فردوست.. الرجل الذي سلم رأس الشاه إلى الخميني

شياطين الحرب على الأمة ووهم الإمامة الشيعية
 


اليهود السبئيين صنعوا أخطر فتنة ضربت الامة الإسلامية من الداخل وهي فكرة الإمامة والعصمة والحقوق المسلوبة لآل البيت حسب زعمهم مما ساهم في إشعال نار الخصومة والعداء بين المسلمين. 

ثم كانت الرايات السوداء بالثأر للحسين في الظاهر وفي حقيقة الأمر تشويه دين جد الحسين وتفكيك الأمة الإسلامية لخدمة فارس المجوس والروم الصليبيين معتمدين على عاطفة الحب للآل فأراد المجرمون جعلها صفرية جاهلية بالتأصيل لبعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين واستحلال دماء أولادهم ومن يحبهم من عموم الأمة السنية فوق كل ارض وتحت كل سماء.

مما زاد نكبة الأمة العربية والإسلامية سقوط الحركة الإسلامية في بداية القرن الماضي في تيه طوفان جاهلية التقريب بين الاسلام والتشيع ومحاولة الجمع بينهم في كيان واحد وكأن الخلاف الموجود خلاف تنوع في مسألة فقهية وليست قضية أصولية عقدية لا تقبل الانقسام لأن محاولة التوافق حول ثوابت جاهلية التشيع الباطني طعن واضح في الاسلام والسنة والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

لقد انحرفت الجماعات الإسلامية المتناغمة مع إيران الصفوية الخمينية ايما انحراف إذا ساهمت في سقوط جماهير الأمة في براثن التشيع السياسي والإعجاب بإيران الخمينية الرافضية المجرمة التي قتلت ملايين المسلمين تحت شعار الإمامة والولاية حسب مخططات عمائم السوء الشيعية المجرمة فكانت الكوارث تضرب العراق العظيم والشام الأموي واليمن السني السعيد ولبنان العروبة وكل ارض دخلها شياطين فارس الباطنية أو العمائم الشيعية الشيطانية الباطنية.

لقد نجح الصهاينة والروم في استثمار طغاة الشيعة في تفكيك الدول المحيطة بالأرض المقدسة خاصة العراق ولبنان والشام واليمن وسبحان من بيده مقاليد الأمور فجاء عدل الله  بطاغية أمريكا ترامب ليعلن الخلاص من رأس الإجرام الشيعي إيران وسبحان من بيده قلوب العباد وتصريف الأقدار فاهلك ايران بالنفس الطائرات التي تعاونت معهم في الحرب على العراق عام 2003.

الأمة الإسلامية السنية ليست بحاجة لدجل الشيعة باسم الإمامة ولا هوس القبورية والصوفية باسم الولاية ولا لضلال التغريب والعلمانية باسم الحداثة والتجديد ولا للبيعات السرية والجماعات ذات الولاء الخاص داخل الكيان العام للأمة العربية والإسلامية الذي ينتج عنه نصرة الولاء الخاص على الولاء العام للأمة العربية والإسلامية الجامعة.

إن الأمة العربية والإسلامية السنية أمامها طريق واحد وممر رباني صحيح للخروج من نفق التبعية لأصحاب الجحيم سواء كانوا يهود ومشتقاتهم العقدية والفكرية والثقافية والسياسية أو نصارى وهوس المدارس المنبثقة عنهم والتي نتج عنها الحروب الصليبية وحملات الجيوش الغربية الاستعمارية.

إن ممر الخلاص للأمة الإسلامية يكمن في تعظيم موروث الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وفهم طبيعة البناء الجامع للأمة العربية والإسلامية من أقصى المشرق إلى المغرب العربي حتى لا يتحول كل خلاف فقهي إلى نزاع مدمر حال كثرة الولاءات والمسميات والأحزاب والجماعات.

فض الاشتباك.. وكشف الارتباك

 فض الاشتباك.. وكشف الارتباك

د. حاكم المطيري 

الأمين العام لمؤتمر الأمة ورئيس حزب الأمة، أستاذ التفسير والحديث - جامعة الكويت


هناك اختلاف في الاعتبارات بين من ينظر إلى إيران البلد والجغرافيا والديمغرافيا، ومن ينظر إلى إيران الدولة والنظام، فإيران كشعب مسلم، وبلد إسلامي مركزي، أسهم في الحضارة الإسلامية والعربية منذ دخوله في الإسلام؛ جزءٌ من الأمة ومن العالم الإسلامي -وهذا الذي يجب شرعيا وإنسانيا وسياسيا الوقوف معه، ورفض العدوان عليه، ورفض تدميره- بينما النظام الإيراني الإجرامي والمشروع الصفوي المهدد للعالم الإسلامي ولشعبه وجيرانه منذ أربعة قرون حتى اليوم عدو تاريخي طائفي عدواني توسعي قتل وهجر من المسلمين في العراق وسوريا واليمن في عصرنا هذا الذي عشناه جميعا -دع ما مضى- ما لم يقتل مثله المحتل الصهيوني، وهذا الذي يجب شرعا على شعبه خاصة وعلى الأمة كلها قبل غيرها إسقاطه وتغييره لولا العجز الذي أصيبت به شعوبها حتى صارت مسرحا للحروب الوظيفية التي يعيد المحتل الأمريكي الروسي من خلالها تدميرها وتقاسم النفوذ عليها ومنع الشعوب نفسها من التحرر من الأنظمة الدكتاتورية دينية كانت أو علمانية، ملكية أو عسكرية لتظل تحت سيطرته ونفوذه!

ولا يمكن اعتبار إيران (الشعب والبلد) والنظام الإيراني شيئا واحدا، وإن كانت الصفوية قد تجذرت ثقافيا ودينيا حتى غدت بعد قيام الدولة الصفوية هوية قومية دينية عدوانية، ذهب ضحيتها الملايين من السنة في إيران الذين تعرضوا تماما لما تعرض له المسلمون في الأندلس وفي الفترة الزمانية نفسها، وبالأسلوب نفسه، من قتل وتهجير واضطهاد حتى غدوا أقلية في بلدهم، بعد أن كانوا الأكثرية، فأصبح العالم الإسلامي بين فكي كماشة شرقا وغربا!

وحتى قال مؤرخ مكة القطب الحنفي (ت٩٨٨) عن إسماعيل الصفوي: (وقتل خلقا لا يحصون ينوف على ألف ألف [مليون] نفس بحيث لا يعهد في الإسلام ولا في الجاهلية ولا في الأمم السابقة من قتل من النفوس ما قتله شاه إسماعيل، وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق أحدا من أهل العلم في بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم لأنها مصاحف أهل السنة وكلما مر بقبور المشايخ نبشها وأخرج عظامهم وأحرقها)!

وانتهى الأمر بتفاهم الدولة الصفوية مع المحتل البرتغالي ثم الإنجليزي لتقاسم النفوذ على الخليج العربي!

كما أدى تخادمها مع الحملات الصليبية إلى إضعاف ثم إسقاط أكبر دول الإسلام آنذاك وهما السلطنة المغولية في دلهي شرقا، والخلافة العثمانية في إسطنبول غربا!

وهو ما دعا المفكر الإيراني علي شريعتي لتخصيص أكثر كتبه في التحذير من “التشيع الصفوي” وكشف جذوره وخطورته وقد عده الخنجر الذي طعن الخلافة العثمانية في ظهرها وهي تواجه الحملات الصليبية الغربية!

حيث يقول في كتابه (التشيع الصفوي ص 142): (حرص الصفويون على تضييق دائرة المشتركات، وتوسيع دائرة المختصات، تفاديا لاجتماع المسلمين في شعيرة دينية أو فريضة جامعة، مما يكرس الشعور بأن الدين ليس واحدا، فالصفوية تخشى من التفاهم والأخوة والوحدة بين المسلمين وتعتبره خطرا يهدد وجودها القائم على الاختلاف بينهم، وهذا الخطر تستشعره الصفوية أكثر شيء في مراسم الحج باعتباره الاجتماع العظيم الذي يضم المسلمين هناك على اختلاف ألوانهم) وترتب على هذا الفصل المذهبي: (فصل اجتماعي وثقافي تبعه فصل على الصعيدين القومي والسياسي وبشكل بارز جدا)!

وقد كان حضور التيار الصفوي في إيران وخارجها هو الأبرز قبل الثورة الإيرانية كما عبر عن ذلك علي شريعتي بقوله (ص 103): (في إيران لفيف من التشيع العلوي يمكن العثور عليهم في بحر من التشيع الصفوي الذي كاد يغرق بلادنا)!

وقال (التشيع الصفوي 265): (لقد ظل التشيع يرفض كل أشكال الحكم إلا ما كان ينسجم مع نظام حكم علي، وقد شمل هذا الرفض حتى حكومة عمر بن عبد العزيز التي تتمتع بتقوى وعدالة نسبية عاليتين، بيد إن هذا التشيع انتهى إلى أن يعتبر قيام الدولة الصفوية نصرا تاريخيا له، ومن ثم عمل على شد أزر الشاه عباس الصفوي في جهاد الإخوة المسلمين)!

لقد بلغ الحال بالتشيع الصفوي حد التفاهم بل والتحالف مع الغرب الصليبي في مواجهة العالم الإسلامي كما يقول شريعتي (التشيع الصفوي 206): (من القضايا الواضحة وجود ارتباط بين الصفوية والمسيحية، حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي كان لها حضور فاعل على الصعيد الدولي إبان الحكم العثماني، وشكلت خطرا جديا على أوربا، وقد وجد رجالات التشيع الصفوي أنه لا بد من توفير غطاء شرعي لهذا التضامن السياسي، فعملوا على تقريب التشيع من المسيحية.. إلخ)!

وهي من هذه الحيثية أشبه بالفكر القومي العربي والتركي الذي أحدث قطيعة مع الإسلام وأدخل الأمة وشعوبها في صراع داخلي لصالح الحملة الصليبية ومشروعها سواء بالاصطفاف مع المعسكر الشيوعي الروسي سابقا أو المعسكر الرأسمالي الأمريكي!

طوفان غرب السودان… كيف يُكتب النصر بالصبر والذكاء الاستراتيجي؟

طوفان غرب السودان… كيف يُكتب النصر بالصبر والذكاء الاستراتيجي؟
مكاوي الملك

قبل أسابيع قليلة ، كتبت لكم هنا أن الأسابيع القادمة ستشهد معارك ضارية وبشريات كبيرة…وها هي قواتنا تحسم وتطرد مرتزقة دقلو وأبوظبي من مناطق استراتيجية في شمال كردفان، بعد أن كانت تهدد الأبيض عاصمة شمال كردفان.. اليوم، قواتنا طهرت وسيطرت على كل مساحة ولاية شمال كردفان، إلا منطقة محدودة.
ولكن السؤال الأهم: كيف حدث هذا؟؟
في الحروب..هناك مستويان دائماً:ما تراه العين… وما تُديره العقول…
قبل شهور ، بدت الصورة للبعض مربكة:
مدن تُفقد… ثم تُستعاد…تحركات تبدو متناقضة…
وتقدم يتباطأ ثم ينفجر فجأة…
لكن الحقيقة الآن تتكشف بوضوح:
لم يكن ذلك ارتباكاً… بل كان هندسة ميدان كاملة تُبنى بصبر…
تفكيك المشهد: لم تكن معركة… بل سيناريو طويل
ما جرى في شمال كردفان — من بارا إلى جبرة الشيخ إلى أم سيالة ..لم يكن سلسلة انتصارات منفصلة…
بل تنفيذاً دقيقاً لخطة واحدة بدأت منذ شهور..
انسحابات محسوبة…
مناطق تُترك عمداً…
تحركات توحي بالضعف…
لكنها في الحقيقة كانت ترسم شيئاً أخطر:
مساراً إجبارياً للخصم لا يملك الخروج منه..
السؤال الذي حير الكثيرين:لماذا تُركت بعض المناطق للمليشيا ثم ضُربت لاحقاً بقوة ساحقة؟
الإجابة الآن واضحة:
لأن الهدف لم يكن الدفاع عن الأرض… بل التحكم في حركة العدو فوقها..
المصيدة: كيف تم تفكيك المليشيا دون ضجيج؟
ما حدث لم يكن تحريراً تقليدياً…بل كان إغلاق مصيدة محكمة:
تم سحب المليشيا إلى عمق مكشوف:
* بعيداً عن خطوط إمداد مستقرة
* داخل بيئة معادية اجتماعياً
* تحت مراقبة جوية مستمرة
ثم بدأ التنفيذ الحقيقي:
ضرب القيادات…قطع الإمداد…استنزاف مستمر…
ثم… انهيار سريع من الداخل قبل الخارج..
نقطة التحول: من هزيمة إلى انهيار
هناك فرق جوهري بين الهزيمة والانهيار:
* الهزيمة: يمكن تعويضها وإعادة تنظيم الصفوف بعدها
* الانهيار: يبدأ من الداخل… ولا يمكن إيقافه بسهولة
وما نشهده الآن هو النوع الثاني..
الدلائل لا تخطئ:
* استسلام مجموعات بكامل عتادها
* فقدان السيطرة على المناطق الخلفية
* تراجع الروح القتالية
* شكاوى وتصدعات داخلية
هذا ليس ضغطاً عسكرياً فقط…بل تفكك بنيوي كامل..

ما وراء الميدان: الحرب الحقيقية كانت لوجستية
كل ما جرى على الأرض كان نتيجة مباشرة لمعركة أخطر لم تُرَ بالكامل:
معركة الإمداد..
حين ضُربت المسارات القادمة من الشمال الغربي…
وحين ضُيّق الخناق شرقاً…كانت النتيجة الحتمية:
قوة تقاتل… بلا رئة..
وهنا تغيّرت المعادلة جذرياً:
لم تعد القوة في عدد المقاتلين…بل في من يستطيع الاستمرار..
لماذا نجحت الخطة الآن؟
لأن أحد الطرفين كان يقاتل بردود الفعل…والآخر كان يقاتل برؤية..
الجيش اعتمد على:
صبر استراتيجي طويل
قراءة دقيقة للخريطة
تنسيق محكم بين الاستخبارات والطيران والقوات البرية
إدارة زمن المعركة… لا مجرد خوضها

بينما المليشيا كانت تتحرك بلا أفق واضح…فوقعت داخل السيناريو دون أن تدرك..
اكتمال الصورة: ثلاث طبقات صنعت الحسم
ما يحدث الآن ليس نتيجة عامل واحد…بل تزامن ثلاث طبقات حاسمة:

خنق لوجستي من الخارج
ضغط ميداني متدرج من الداخل
انهيار نفسي داخل الصفوف

حين تعمل هذه الطبقات معاً…لا تكون النتيجة تقدماً…
بل سقوطاً متسارعاً لا يمكن إيقافه…
ما الذي تغيّر فعلاً؟
نحن الآن أمام تحول استراتيجي واضح:
من حرب استنزاف طويلة.. إلى مرحلة اكتساب وحسم
من الدفاع واحتواء الخطر.. إلى الهجوم وتحديد مسار النهاية
من إدارة المعركة.. إلى إغلاقها تدريجياً
الطريق نحو دارفور لم يعد مجرد احتمال…
بل نتيجة منطقية لما يحدث الآن…
الخلاصة: حين تُغلق الدائرة… لا تُعلن النهاية بل تحدث
ما يحدث في غرب السودان ليس تقدماً عسكرياً عادياً…
بل إغلاق دائرة كاملة بُنيت بهدوء منذ شهور..
من يقرأ المشهد بعمق سيدرك:
المعركة لم تعد حول من يسيطر على مدينة…بل حول من تبقى لديه القدرة على الصمود أصلاً..
وفي هذه المرحلة من الحروب…لا ينتصر من يقاتل أكثر…
بل من: صبر أطول..خطط أذكى..وتحكم في توقيت الحسم
الرسالة الأخيرة:ما ظنه البعض تراجعاً… كان تمهيداً…وما يحدث الآن… ليس مفاجأة… بل نتيجة…
وحين تصل الحروب إلى هذه النقطة…فإن النصر اولا بفضل الله تعالى لا يُكتب في البيانات…بل يُفرض على الأرض
  صفحة مكاوي الملك | Makkawi Elmalik



بوركينا فاسو... تحوّلات وتصريحات ضد العرب

بوركينا فاسو... تحوّلات وتصريحات ضد العرب

مدى الفاتح

مدى الفاتح

كاتب وباحث سوداني في باريس، دبلوماسي سابق

عادت بوركينا فاسو إلى الأخبار في الأيام الماضية بسبب تصريحاتٍ أدلى بها زعيم المرحلة الانتقالية النقيب إبراهيم تراوري، والتي شنّ فيها هجوماً عنيفاً على العرب، وعلى دارسي اللغة العربية والدراسات الإسلامية. 

فقد وصف العرب بالغزاة الذين احتلوا بلاده وحوّلوا البوركينيين رقيقاً، قائلاً ما نصّه 

"قضينا ألف عام من العبودية مع العرب". 

أشار الزعيم الشاب أيضاً إلى مئات من الطلاب الذين يدرسون الشريعة في البلدان العربية، مقلّلاً من شأن العلوم التي يدرسونها. وقال أيضاً إنه سيعيدهم وسينزع عنهم الجنسية في حال لم يستجيبوا، أما الشريعة التي يدرسونها فلن تطبق أبداً في بلاده.

من المهم التذكير هنا بحقيقتين لا يختلف عليهما أي دارس جادّ للتاريخ: 

الأولى أن منطقة بوركينا فاسو الحالية لم تعرف غزواً أو فتوحات إسلامية تقليدية كما حدث مع مناطق أخرى، مثل مصر أو الشام أو بلاد فارس، وإنما أسلم الناس هناك في وقت متأخر وبتأثير الاحتكاك بالتجار والعابرين المسلمين، الذين وجد السكان من الوثنيين وعبدة الطوطم أنهم يقدّمون طريقة للحياة والإيمان أقرب للعقل والروح، الثانية أن قول إن العرب كانوا يتعاملون مع السود أو الأفارقة كرقيق أمر ينتج عن تصوّر قاصر، فما كان معروفاً شيوع تجارة العبيد، وتحوّل المهزومين في الصراعات القبلية والحربية إلى رقيق، كما أن زعماء قبليين محليين كثيرين كانوا يتعاملون من الرقيق تعامل البضاعة التي يصدّرونها لمن يحتاج إليها، في داخل القارّة وخارجها. 

واستمرّ هذا الأمر على هذا الحال، حتى ظهور الاحتياج للعبيد في القارّة الأميركية، حينها ساهم أفارقة أيضاً في اصطياد أبناء جلدتهم أو تسهيل بيعهم ونقلهم.

مع هذا كله، لا يكتمل فهم هذه التصريحات إلا بالنظر للسياق السياسي العام، الذي يعيشه النظام في بوركينا فاسو، والذي ولد عشية انقلاب عسكري في عام 2022 ضمن سلسلة انقلاباتٍ اجتاحت دول الغرب الأفريقي، التي باتت تعرف باسم دول الساحل. 

كانت الدعاية التي برّرت للانقلاب حينها مقنعة، فقد كانت المجموعة العسكرية المنقلبة تقول إنها جاءت من أجل أن تحارب الإرهاب بشكل جاد في ظل فشل الحكومات السابقة.

قول إن العرب كانوا يتعاملون مع السود أو الأفارقة كرقيق أمر ينتج عن تصوّر قاصر

الشعب البوركيني، الذي عانى من سلسلة متصلة من أعمال العنف والإرهاب، وجد في هذا الخطاب الجديد ما يبعث على الأمل، لا سيما أن القيادة الجديدة كانت تجمع ما بين هذا ورفض التدخلات الأجنبية وإعلان السعي إلى تحقيق استقلال حقيقي عبر إنجاز قطيعة مع فرنسا، التي كانت تتحكم في خيارات البلاد.

أصبح الخطاب المؤسّس على رفض التبعية والهيمنة الغربية ملهماً لكثيرين، حتى من خارج بوركينا فاسو، وصار هو الأساس، الذي بُني عليه تحالف "آيس"، الذي يجمع الدول التي تتشارك الرؤى نفسها، أما تراوري فقد كان يُشبّه بالزعيم التاريخي التحرّري توماس سنكارا.

قام تراوري بخطوة أخرى مهمة في بداية توليه السلطة، إذ عمل على كسب الجماعات الإسلامية، فأظهر تديّنه وحرص على أن يتحدث عن الإسلام بشكل طيب، ما كان له أثر بالغ في تثبيت أركان حكمه، إذ عمد الإسلاميون، في المقابل، إلى تقديم دعاية مجانية له، وتوصية الناس بالسمع والطاعة له، مع المبالغة في الحديث عن إنجازاته ونياته الطيبة مقارنة بأسلافه، الذين كانوا، وفق ما يردّد، مجرّد عملاء للغرب.

كان أولئك سعيدين بتفريق القيادة الجديدة بين الإسلاميين المعتدلين والإرهابيين الفوضويين. في سبيل استدامة هذه العلاقة كانوا يتبرّعون بالتحول، بوعي أو بدونه، إلى مبرّرين لكل قرارات السلطة وإخفاقاتها. وبهذا كانت تُعتبر قرارات مثل اللجوء إلى روسيا واستبدال الجنود الفرنسيين بالروس حكيمة، ولا تتعارض مع السعي إلى استقلال القرار ورفض التبعية، بل ذهب بعضهم حتى لتبرير التقارب مع تل أبيب، في وقت كانت فيه نيران الحرب على قطاع غزّة لم تخمد بعد.

إجراءات مفاجئة عدة، بدأت بالتضييق على المساجد والدعاة واعتقال شخصيات مؤثرة

أعاد تراوري استخدام الحيلة القديمة، فبينما كان يظن إسلاميون أنهم في تحالف معه في مواجهة غيرهم من العلمانيين أو الوثنيين، لم يكن منه إلا أن قام بإجراءات مفاجئة عدة، بدأت بالتضييق على المساجد والدعاة واعتقال شخصيات مؤثرة، من أبرزها الشيخ محمد إسحاق كيندو. ولا تزال مبرّرات الاعتقال غامضة. 

وقد أكد أنصار كيندو، الذين أحزنهم النبأ، انتماءه للتيار السلفي الوسطي الرافض الخروج على ولي الأمر المسلم، كما أكّدوا أنه أبعد ما يكون عن الإرهاب أو الدعوة إلى العنف. ولم تعلن سلطة تراوري نفسها سبباً واضحاً للاعتقال، تاركة الأمر لتخمين الناس وتحليلهم، لكن الرسالة التي كانت خلف ذلك كله واضحة، أن البلد قد دخل في مرحلة جديدة قد يكون عنوانها الأبرز الانقلاب على ممثلي الثقافة العربية والإسلامية.

التقط ممثلو التيار "الكيمتي" هذه الرسالة بابتهاج، واعتبروا أن فيها انتصاراً لرؤيتهم. هذا التيار، الموجود بشكل فاعل في بوركينا فاسو، إلا أنه أصبح أقرب لمدرسة فكرية عابرة للحدود، يخوض منذ سنوات صراعات على مستويات مختلفة مع الآخرين. الخطاب الكيمتي في بوركينا فاسو مبني بشكل رئيس على الربط بين الإرهاب والإسلام، وعلى اعتبار أن العرب محتلون، وأن الإسلام هو دين الغزاة، الذين تسببوا في طمس حضارة الأسلاف. 

في المقابل، المجموعات التي تنتمي لقبائل غير أفريقية أو زنجية، أو الأكثر تمسكاً بالإسلام وباللغة العربية، والتي تعادي بالطبيعة تيار الكيمتيين وتتهمه بتمجيد العقائد الوثنية والإلحاد، بدأت تشعر بالخطر والتهديد، فهذا الخطاب الذي كان يعتبر أنها غير مرحّب بها في بوركينا فاسو، صار اليوم مسنوداً من السلطة.

السبت، 25 يوليو 2026

وجهة وطن: انتصار الصراصير

آخر كلام       

وجهة وطن: انتصار الصراصير 



محمد البغلي


نجحت حركة الصراصير في الهند في تحقيق أحد أهم أهدافها أمس عندما أعلن وزير التعليم الهندي دارمندرا برادان استقالته، أمس السبت، إثر احتجاجات شبابية قادتها الحركة منذ نحو شهرين في البلاد.  

فكرة حركة أو حزب الصراصير، وقد كتبت عنها مقالاً عند بداية انطلاقها في تاريخ 13-6-2026 تحت عنوان «حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج»، هي حركة احتجاجية عفوية قادها الشباب من الفئات الأصغر سناً في منصات الإنترنت، على خلفية اكتشاف تلاعبات في اختبارات الامتحانات المؤهلة للكليات الطبية، فضلاً عن احتجاجات تتعلق بالبطالة وتراجع فرص العمل. 

إلى هنا تبدو المشكلة طبيعية، وقد تكون متكررة في أكثر من دولة بالعالم، إلا أن التصريحات التي أطلقها رئيس المحكمة العليا الهندية «سوريا كانت» الذي وصف الشباب المحتجين بـ «الصراصير القذرة» هو ما أشعل نطاق الاعتراض والحراك ضده وضد بقية مسؤولي الحكومة الهندية. 

فقد اعتمدت حركة الصراصير على وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدمت المقاطع القصيرة والسريعة لتوجه رسائلها إلى الفئات الأصغر سناً، وتمكنت خلال الأيام الأخيرة من أن تجعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يستخدم خلال اليومين الماضيين مقاطع تفاعلية (ريلز) لتوجيه خطاب يؤكد فيه سلامة مطالب الشباب المحتجين الذي بلغ عددهم في الشوارع الآلاف، لكنهم كانوا بالملايين خلف شاشات الكمبيوتر والأجهزة والمقاطع التفاعلية.


 باعتقادي أن التعامل مع الأجيال الشابة عالمياً، أو كما يقال «جيل Z» التي لديها خبرة تلقائية في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات التفاعلية هو أمر ضروري، فهذه الفئة هي التي تمثل المستقبل، وبالتالي التفاهم معها وفهم تطلعاتها بالتأكيد، سيكون نتائجه أكثر ايجابية في أي مجتمع.



السودان والبحر الأحمر.. سلام المصالح أم فخ التبعية؟

 السودان والبحر الأحمر.. سلام المصالح أم فخ التبعية؟

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي 
  • عندما يتحول السلام إلى فخ
  • مؤامرة السلام التكافئي

علمنا التاريخ أن أخطر الحروب هي التي تُلبس لباس "السلام"، ومن أخطر هذه الأدوات ما سمي بـ"مؤامرة السلام التكافئي"؛ وهو سلام يقوم على ابتزاز الدول الضعيفة مقابل التنازل عن سيادتها وقرارها الوطني.

هذا المفهوم لم يأت من فراغ؛ له جذور في مشاريع غربية معروفة مثل مشروع "إتش آر 1939" (HR1939) الذي حاول إعادة صياغة علاقات الدول الأفريقية مع العالم على أساس التبعية لا التكافؤ.

واليوم، وبينما يدور الحديث حول البحر الأحمر، نقف أمام نفس الاختبار: هل نقبل بسلام الخضوع؟ أم نؤسس للسلام المبني على المصلحة الوطنية العليا؟

يقع السودان على شريان ملاحي عالمي تمر عبره آلاف السفن سنويا وتتحرك فيه تجارة عالمية ضخمة. هذا الموقع ليس مجرد جغرافيا، بل هو ورقة قوة إستراتيجية

تشريح "مؤامرة السلام التكافئي"

هذه المؤامرة لها 3 مراحل ثابتة تكررت في دول كثيرة:

  • الإنهاك: خلق أزمات اقتصادية وأمنية وإعلامية لإقناع الدولة بأنها "محتاجة للإنقاذ".
  • العرض: تقديم "حل سحري" في شكل اتفاقية أو قاعدة أو مساعدات تبدو بريئة.
  • الثمن: رهن القرار السيادي، وتحويل الدولة لساحة صراع، وربط اقتصادها بالخارج.
    النتيجة واحدة في كل التجارب: دولة بلا قرار، وشعب بلا سيادة، وثروات منهوبة. هذا ليس سلاما، بل استعمارا بالوكالة.

البحر الأحمر.. ساحة الاختبار الأكبر

يقع السودان على شريان ملاحي عالمي تمر عبره آلاف السفن سنويا وتتحرك فيه تجارة عالمية ضخمة. هذا الموقع ليس مجرد جغرافيا، بل ورقة قوة إستراتيجية.

واليوم مع الحديث عن إنشاء "نقطة دعم لوجيستي" أجنبية، تظهر أمامنا صورة طبق الأصل من "مؤامرة السلام التكافئي":
الخيار الأول: منطق الخضوع: نوافق على أي وجود مقابل وعود فضفاضة. النتيجة: توتر مع الجوار، عقوبات، تحويل أرضنا إلى هدف.


الخيار الثاني: منطق المصلحة الوطنية العليا: نحول الموقع إلى شراكة اقتصادية حقيقية. النتيجة: عائدات بالدولار، وظائف، استثمار في البنية التحتية، وسيادة كاملة.

الفرق بين الخيارين هو فرق بين دولة حرة ودولة تابعة.

أركان "السلام المبني على المصلحة الوطنية العليا"

هذا هو البديل الذي نطرحه على مؤسسات الدولة والرأي العام:

التكافؤ وليس الإملاء: أي اتفاق يجب أن يحقق عائدا مباشرا وملموسا للشعب السوداني؛ لا اتفاقيات صدقة ولا منح مشروطة.
السيادة المطلقة وغير القابلة للمساومة: أي وجود أجنبي يجب أن يكون محدد المدة، خاضعا للقانون السوداني، وتحت الإدارة السيادية الكاملة. لا مناطق خارج السيادة ولا حصانات مطلقة.

الشفافية المؤسسية: قرار بهذا الحجم لا يصدر من الغرف المغلقة. يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة ويعلن للشعب؛ السرية هي بداية الخيانة.
عدم الاستقطاب: السودان دولة محورية نتعاون مع الشرق والغرب، ولكن لا نكون معسكرا ضد أحد. مصالحنا هي بوصلتنا الوحيدة.

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي. لذلك: أي اتفاق يجب أن يكون معلنا وشفافا أمام دول الجوار

دروس مشروع "إتش آر 1939"

عندما نعود لمشروع "إتش آر 1939" نجد أنه كان يحاول فرض وصاية سياسية واقتصادية على دول المنطقة تحت شعار "المساعدة".
الدرس المستفاد: الدول التي قبلت بالوصاية فقدت قرارها، والدول التي اشترطت التكافؤ والاحترام، كسبت شراكات حقيقية.
نحن في السودان دفعنا ثمن القرارات الفردية والاتفاقيات السرية، ولن نكرر الخطأ.

البعد الإقليمي والدولي

أمن البحر الأحمر ليس شأنا سودانيا فقط، هو أمن عربي وأفريقي وإسلامي. لذلك: أي اتفاق يجب أن يكون معلنا وشفافا أمام دول الجوار.
يجب أن يكون مطمئنا بأن الهدف تنموي تجاري وليس عسكريا استفزازيا، وأن يعزز دور السودان كجسر ربط بين القارات، لا كساحة صراع.
السودان القوي المستقر هو مصلحة لكل الإقليم.

من يصنع القرار؟

القرار الإستراتيجي لا يصنعه فرد ولا مجموعة، يصنعه إجماع مؤسسي قائم على تقدير المصالح الوطنية العليا.
على الحكومة التنفيذية ومجلس السيادة والقوى السياسية الوطنية أن تتوافق على ميثاق واضح: لا تفريط في السيادة، ونعم للشراكة الاقتصادية العادلة.

الرسالة واضحة للداخل والخارج: السيادة أولا، التنمية ثانيا، الكرامة ثالثا. نحن نريد سلاما.

ولكنه سلام الأقوياء، سلام الشرفاء، سلام يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المتكافئة.

نرفض "مؤامرة السلام التكافئي" بكل أشكالها القديمة والجديدة، ونتمسك بـ"السلام المبني على المصلحة الوطنية العليا" الذي يبني دولة مؤسسات قوية.

إن مصالح السودان الإستراتيجية لا تدار من الخارج. السودان يحكم بإرادة شعبه وبقوة مؤسساته.

هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلمه الجميع.

عن "الهوية الوطنية السورية"

عن "الهوية الوطنية السورية"


الهوية الوطنية السورية" تشكلت تاريخياً ضمن إطار "الأمة الإسلامية العثمانية"، وأن الدين الإسلامي كان العامل الأهم في بناء شخصية المجتمع السوري وقيمه وثقافته..                                                                                      

كثر التساؤل في الآونة الأخيرة عن "الهوية الوطنية السورية"، وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتساءل منذ متى ولدت "دولة سورية"؟ وما تاريخ وجود هذه التسمية؟

لقد ولدت "دولة سورية" من رحم الدولة العثمانية، وقد كانت المنطقة العربية التابعة للدولة العثمانية في آخر عهدها مقسمة إلى عدة ولايات منها: 
ولاية حلب، ولاية دمشق، ولاية بيروت، ولاية بغداد، ولاية البصرة، ولاية الموصل، ولاية الحجاز، ولاية اليمن وكانت هناك متصرفيتان وهما: القدس، وجبل لبنان.

وهناك بعض الولايات كانت قد انفصلت عن سيطرة الدولة العثمانية فعلياً لكنها بقيت مرتبطة بها إسمياً مثل: مصر وتونس والجزائر في القرن التاسع عشر.

من الواضح أن هذا التقسيم الإداري كان الهدف منه هو إدارة هذه المنطقة وتحقيق الأمن فيها، وتقديم الخدمات لها، وجلب الضرائب والزكوات منها إلخ...، لكن جميع هذه المناطق وغيرها من المناطق في أوروبا وآسيا وأفريقيا كانت تتبع الدولة العثمانية إدارياً وسياسياً وعسكرياً، وكانت جميعها تشكل "دولة إسلامية" تحت مسمى "الدولة العثمانية"، وكانت هذه الشعوب " تشكل "أمة إسلامية"، لأنها تجمعها "وحدة ثقافية" مستمدة من القرآن الكريم والسنة المشرفة واللغة العربية وقد أفرزت هذه "الوحدة الثقافية" عدة وحدات منها: "وحدة عقلية"، و"وحدة نفسية"، و"وحدة سياسية"، و"وحدة اجتماعية"، و"وحدة اقتصادية" إلخ..

ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب" اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون عادات مشتركة.
لو تساءلنا الآن عام 1900 قبل الحرب العالمية الأولى عن "ولاية دمشق" و "ولاية حلب" اللتين أصبحتا تشكلان سورية فيما بعد، ما الدولة التي تنتمي إليها هاتان الولايتان؟ ومن أمتهما؟ وما هويتهما الوطنية؟

لوجدنا الجواب التالي دون أي تردد: أنهما تنتميان إلى الدولة العثمانية، وذلك واضح من ارتباطهما العسكري والسياسي والإداري والمالي بالسلطات في استامبول وأنهما تخضعان للسلطات المقيمة في استامبول وتتبعان في كل شؤونهما الوزارات الموجودة في إسطمبول.

أما عن السؤال الثاني وهو: من أمتهما؟ فهي "الأمة الإسلامية العثمانية" التي كانت امتداداً للأمة الإسلامية التي ولدت قبل مئات السنين.

أما عن السؤال الثالث وهو: ما هويتهما الوطنية؟ لو نقلنا أحد تعريفات الهوية الوطنية وهو: "الهوية الوطنية هي السمات والصفات الجوهرية المشتركة التي تميز جماعة وطنية عن غيرها وتكوّن شخصيتها، وتعبّر عن انتماء أفرادها إلى وطن واحد".

ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب" اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون عادات مشتركة.

لو انتقلنا إلى سنة 1920، ففي هذه السنة دخل غورو إلى دمشق، وحكمت فرنسا سورية بناء على قرار "عصبة الأمم" واتفاق وزيري خارجية إنكلترا وفرنسا سايكس وبيكو في عام 1916، فأخذت فرنسا سوريا ولبنان، وأخذت إنكلترا العراق وشرقي الأردن وفلسطين بعد الحرب العالمية الأولى.

من الواضح أن "ولايتي دمشق وحلب" أخذتا اسم "سوريا"، وانتقلتا إلى حكم فرنسا، وشكلت فرنسا "الدولة السورية" وأصبحت تابعة للدولة الفرنسية، وبهذا انتقلت "ولايتا دمشق وحلب" إلى القيادة الفرنسية.

من المؤكد أن التغيير الذي حدث عندما جاءت فرنسا إلى الانتداب على سورية من قبل عصبة الأمم هو "الحكم"، لكن الشعب بقي على أخلاقه وقيمه ومبادئه التي كان عليها من قبل، وبقيت "هويته الوطنية" بنفس مواصفاتها السابقة التي كانت عليها في نهاية الحكم العثماني لـ "ولايتي حلب ودمشق".

وسنحاول أن ندرس كيف سارت هذه الأمور الثلاثة: وضع الحكم من جهة، ووضع الأمة من جهة ثانية، ووضع الهوية الوطنية من جهة ثالثة في الفترة التي تلت الانتداب الفرنسي على سوريا، وسيطرته على عليها بعد عام 1920، إلى سقوط حكم البعث في عام 2024 وهروب بشار الأسد.

من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.
فقد مر الحكم في سوريا بعدة مراحل، أما المرحلة الأولى للحكم فقد كانت تغلب عليه الصفة الوطنية العروبية مع التوجهات الدستورية بعد عام 1920-1946، ثم جاء جلاء الجيوش الفرنسية عن سوريا في عام 1946، وبدأت مرحلة جديدة ذات توجه قومي عربي، ووقع تحالف بين هذا التوجه القومي العربي في سورية مع التوجه القومي العربي في مصر، وأدى لقيام الوحدة عام 1958، ثم وقع الانفصال عام 1961، ثم قفز حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم عام 1963، وهو ذو توجه قومي عربي اشتراكي وقد تحول إلى حزب ماركسي في بعض المراحل.

من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.

وقد كان الفكر القومي العربي الذي قام في سوريا وغيرها من البلدان العربية كالعراق والأردن إلخ..، يعتبر أن المنطقة الممتدة من طنجة إلى الخليج العربي تحتوي أمة عربية واحدة لكنها مجزأة سياسياً تحت حكومات متعددة، وكان يعتبر أن هذه الأمة تقوم على عاملين، هما: اللغة والتاريخ.

وقد كان المفكرون القوميين الذين قالوا بأولوية عاملي اللغة والتاريخ في تكوين هذه الأمة العربية متأثرين بالنظرية الألمانية في تكوين الأمة التي تعتمد اللغة والتاريخ وقد اعتبر ساطع الحصري أن "عامل اللغة" يكوّن "روح الأمة" وأن "عامل التاريخ" يكون "ذاكرة الأمة".

لا شك أن هذه الجماهير والشعوب التي تسكن المنطقة الممتدة من طنجة إلى الخليج تشكل أمة واحدة لكنها لا تقوم على عاملين إثنين فقط هما: اللغة والتاريخ المشترك، فإن هذين العامين لا يستطيعان أن يفسرا الوحدة النفسية والعقلية والاجتماعية، والعواطف المشتركة، والعادات والتقاليد الواحدة والآمال والتطلعات الموحدة، بل لابد من إدخال عامل الدين الإسلامي لتفسير وجود "هذه الأمة"، وقيام هذه العوامل المشتركة، لقد سعى المفكرون القوميون إلى إخراج عامل "الدين الإسلامي" من وجوده في بناء هذه الأمة الممتدة من طنجة إلى الخليج.

ولم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل، لذلك كان فشل حزب البعث العربي الاشتراكي في تحقيق أبرز أهدافه وهي إقامة النهضة العربية التي حلمت بها الأجيال لعشرات السنين، والسبب أنه أقامها على أمة موهومة غير موجودة في أرض الواقع وهي "أمة عربية" تقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وليس هناك من "أمة عربية" تقوم على عنصري اللغة والتاريخ فقط، بل هي موجودة في خيال المفكرين القوميين، فالحقيقة إن الأمة الموجودة في أرض الواقع تقوم على عوامل "اللغة التاريخ والدين الإسلامي" وذلك لأن عامل الدين وقيمه وأفكاره ومبادئه متغلغلة في كل شأن من شؤون الأمة: اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً وثقافياً وسياسياً وفنياً إلخ...، لذلك بدلاً من أن يتعامل مع الواقع كما هو ويبني عليه، ومن أبرز عوامل هذا الواقع هو الدين الإسلامي، لذلك فإن حزب البعث خاصة والفكر القومي عامة ونتيجة هذا الخطأ في التشخيص رأى أن واجبه أن يدمر عامل الدين وينزعه ويستأصله من كيان الأمة، لذلك فشل في أن يحقق نهضة وتحول إلى حزب "الطائفة العلوية" في سورية وحزب "العشيرة التكريتية" في العراق.

لم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل
وقد أصاب الدكتور محمود باكير عندما تحدث في كتابه "هندسة الهوية الوطنية.. سوريا المستقبل" عن أبرز مفكرين مؤسسَيْن لحزب البعث هما: ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي، واعتبر أن آراءهما كانت تنطلق من "التفكير الرغاتي" وسمى مرحلتهما "المرحلة الرومانسية، وأعتقد أن ذلك نتيجة لعدم انطلاق الفكر القومي من الواقع، بل انطلاقه من فكر مسبق هو التجربة الأوروبية بشكل عام، واسقاطها على الواقع العربي، وكانت أبرز النتائج اعتبار الدين عامل هدم وتأخر وانحطاط في التجربة الأوروبية، لذلك يجب أن نبعد الدين الإسلامي ونقلعه من كيان المجتمع العربي، وأدى به هذا إلى أن يعيش فقراً ثقافياً، جعل حزب البعث ينزلق إلى الماركسية حيناً، والطائفية والعشائرية حينا آخر، وإلى القطرية حيناً ثالثاً كما ذكرت في سطور سابقة.

لكن عامل الدين بقي حيا في قلوب السوريين وعقولهم وثقافتهم وأفكارهم وفي شوارعهم وحواريهم ويدل على ذلك الثورة التي انفجرت في وجه نظام البعث عدة مرات في سوريا بدءاً من عام 1964 عندما بدأت الثورة من جامع السلطان في حماة، ثم قامت ثورة أخرى من الجامع الأموي 1965 ثم ثورة 1980 والتي شملت مختلف المدن السورية وانتهت بتدمير حماة عام 1982م، ثم ثورة عام 2011 والتي كانت جماهيرها انطلقت من كل مساجد سورية، وكانت قيم الشهادة والتضحية والبذل هي التي تدفع الجماهير السورية إلى مواجهة الآلة العسكرية لنظام البعث والصبر على جحيم الهجرة والسجون والتدمير والتعذيب إلى أن كان النصر حليف السوريين في النهاية وسقوط نظام بشار عام 2024.

لذلك فإن الدرس الذي يجب أن تستوعبه سوريا الجديدة، وتنطلق منه كحقيقة موضوعية متجذرة في كل مناحي وجود سورية البشري والعقلي والنفسي والوجداني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتربوي إلخ.. هو الدين الإسلامي فتعطيه المكانة التي يستحقها كعنصر بناء، فتنطلق منه بالإضافة إلى العوامل الأخرى مثل: اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة لبناء سورية جديدة تكون رافعة لأمة عظيمة، كما كانت على مدار العصور السابقة.

الخلاصة:

تقوم هذه الرؤية على أن "الهوية الوطنية السورية" تشكلت تاريخياً ضمن إطار "الأمة الإسلامية العثمانية"، وأن الدين الإسلامي كان العامل الأهم في بناء شخصية المجتمع السوري وقيمه وثقافته، إلى جانب اللغة العربية والتاريخ المشترك وعوامل أخرى. وترى أن الانتقال من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي ثم إلى الدولة السورية الحديثة غيّر البنية السياسية للدولة، لكنه لم يغيّر الأسس الثقافية والدينية للمجتمع.

كما تعتبر أن الفكر القومي العربي، وخصوصاً في مرحلة حكم البعث، اعتمد بصورة أساسية على اللغة والتاريخ في تعريف الأمة، وهو لم يهمل العامل الديني فحسب، بل عاداه، وقصد إلى اقتلاعه وانتزاعه من قلوب وعقول الشعب السوري، مما أدى إلى الفشل في تحقيق الوحدة والنهضة المنشودة وإلى إضعاف الهوية الوطنية وإلى الفقر الثقافي وإلى الانزلاق إلى حكم "الطائفة العلوية".

وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار حضور الدين الإسلامي في المجتمع السوري رغم السياسات الرسمية المختلفة يدل على عمق ارتباطه بالوجدان الشعبي.

وتخلص هذه الرؤية إلى أن بناء سوريا المستقبل يتطلب الاعتراف بالدين الإسلامي بوصفه أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية، إلى جانب اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة، بما يسهم في تحقيق التماسك المجتمعي وبناء دولة قوية ومستقرة.