الخميس، 2 يوليو 2026

قراءة في كتاب النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة

 

عرض  كتاب

النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة

لشيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله






اسم الكتاب: النكير على منكري النعمة؛ من الدين والخلافة والأمة.

المؤلف: شيخ الإسلام: مصطفى صبري.

تحقيق: د. مصطفى حلمي.

سنة النشر: 2004م.

دار النشر: دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان.

عدد الصفحات: 222.

عرض 


يقول شيخُ الإسلام "مصطفى صبري" في مقدِّمة كتابه الهام "النَّكير على منكري النعمة؛ من الدِّين والخلافة والأمَّة"؛ متحسِّرًا على حال المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانيَّة، ومعلقًا على هوان شأنهم، وتخاذُلِ علمائهم عن الصَّدْع بالحق:

"ثم إنِّي قبل الشُّروع في المقصود، أرى من الواجب أن أَذكر بالأسف كونَ أمر المسلمين منذ زمنٍ بعيد بِيَد غيرهم؛ فأكثَرُ من خمسة وتسعين في المائة منهم في حكم الأجانب، والباقي الأقلُّ من خمسة في المائة، وهو من تعدُّ أزِمَّتُهم بأيديهم تحت غلبة اللادينيِّين، ممن تَسمَّى بأسماء المسلمين... واللادينيِّين أشدُّ عداوةً لدين الإسلام من سائر أعدائه، وأدقُّ مكيدة في تخريبه وتحريفه؛ كما قال الشيخ رشيد رضا: "إنَّ المتفرنِجين من المسلمين أعدى وأضرُّ للإسلام والمسلمين المخلِصين من غير المسلمين"، والمتديِّنون من المسلمين أصلَحُهم سجينٌ في بيت عزلته وعبادته وراحته؛ حتى تخرِجَه يَدٌ أبادَتْ إخوته قبله، وهو قاصِرٌ عن إغاثتهم وإعانتهم، فكأنَّ الغافل في سلمِه، والجاهل في علمه يتمثَّل بأحاديث الفِتَن التي عدَّ فيها القاعد خيرًا من القائم، وهيهات؛ فذلك لا ينجيه من مسؤوليته بين يدَي الله تعالى على تَهاوُنِه في واجبه وتوانِيه؛ فإنَّ ما ذكر في تلك الأحاديث مقصورٌ على الآونة التي يلتبِس فيها الحقُّ بالباطل، ولا يُميَّز ذَوو أحدهما من ذوي الآخر؛ فعند ذلك يَصير الاعتزال من الجميع أسلمَ من الخطأ وألَحَّ.

 

هذا حال خواصِّ المؤمنين أجمعين، إلاَّ مَن ندر منهم من المجاهدين المنتبهين لواجبهم، وفضلاً عمَّن شايع اللادينيِّين ووقف بجانبهم، يُحارب معهم الدِّين وأهله ويشادُّهما، وأمَّا حال عوامِّ المؤمنين، فحيادٌ يلزمهم الرُّقاد، أو ضُلاَّل يرجح بهم الباطل على الحقِّ، والأعداء على الأولياء، أو معذرة كمعذرة الباخلين، وهِمَّة في أسفل سافلين، وقد اطَّلَعت - عندما لُذتُ بالعالم الإسلامي في خارج تركيا لأفرَّ بديني وحياتي - على أحوالٍ عجيبة كادت تُوئِسُني اجتناءَ النَّصر، وتجعلني كالمُستجير بعمرو، فرأيتُ علماء الدِّين، وحُلَماء بلادهم يخافون أن يَجهروا ببعض الحقِّ؛ لا خوفًا من سلطانٍ جائر، أو حكومة قاتلة وخانقة، بل إحجامًا منهم أمام الجريان الفِكريِّ الذي حصل في العامَّة.

 

وما درَوْا أنِّي لو أسكتَني مثلُ ذلك السبب عن الحقِّ، فلِماذا وقع هذا الاغترابُ من أوطاننا، والاضطراب في حياتنا ومعيشتنا؟ وكيف يجوز لنا إهدارُ الشدائد التي مضَتْ علينا في هذه السَّبيل، مما نَرْضاه من وضع سلاحنا في آخر الأمر والعمر؛ لأسبابٍ اقتحمَتْنا ما هو أعظمُ منها وأكثر؟ وهل وظائف العلماء والعقلاء مُماشاة الجُهَّال في مَذاهبهم وعقائدهم، أو إرشادهم إلى ما لا يَهتدون له بأنفسهم؟ 

ويا للأسف! 

إنْ كان يأتيني الأذى من المسلمين عندما أُجاهر بالسعي لدفع الأذى عن الدِّين؛ إذًا فالحياة ذميمة، والدَّاء عياء؛ حيث إنَّ الطبيب يتبع سقيمه، ولا يبلغ من الدِّين الإسلامي أعداؤه القديمة الظَّاهرةُ ما يبلغ منه أعداؤه "السرِّية" الجديدة، وأصدقاؤه (الحمقاء)، أو (الجُبَناء)"؛ انتهى كلام الشيخ - رحمه الله[1].

 

فيا لله! ما أشبه اليومَ بالبارحة! وما أشدَّ هوان الإسلام وأهلِه بين الأمم! بل ما أشدَّ هوان الإسلام بين أهله والمنتسِبين إليه، فما زال صوت شيخ الإسلام "مصطفى صبري" يتردَّد صداه في أنَّات كلِّ مسلم غَيُور على رِفعة هذا الدِّين، وسَواد شأنه، وعلُوِّ رايته، حتَّى وقتِنا هذا، وحتى ساعتنا تلك.

 

وما زال المسلمون - سادتهم وعوامهم - يُلدَغون من نفس الجُحر - الذي أسقط آخِرَ خلافة إسلاميَّة شهِدَها الناس، ونَعِموا بها وعاشوا في ظلِّها قرونًا - مرَّاتٍ ومرَّات ومرات، فكأنَّ سذاجة الرأي وعلَّة التفكير قد غلبَتْ على ألباب المسلمين، وتوارثَتْها الأجيال جيلاً بعد جيل، فما مَللْنا من تسليم زمام أمرنا، وقِيَاد حُكمِنا لأعدائنا، وعُملاءِ أعدائنا، وأذنابِ الغرب المتسلِّط.

 

وقد غاب عنَّا أنَّ المسلم "ليس بالخِبِّ، ولا يَخْدعه الخِبُّ"، فوجد "الخِبُّ" بغيتَه في أوطاننا وديارنا، وكلَّ وملَّ من خِداعنا ليلَه ونهاره، حتى آمنَ أنَّنا أموات رقودٌ، ما لنا من فَواق، وأنه مهما صرخ المُخلِصون، ونادى الخَيِّرون، فإنَّ الموتى لا يَسمعون، ولو سمعوا لا يَعقلون، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليِّ العظيم!

 

والناظر في رسالة شيخ الإسلام يكاد يُعاين ما نحن فيه من ضعفٍ وتشرذم، وشرِّ حالٍ وصلت إليه بلدانُنا الإسلاميَّة؛ من تسلُّط واستِعْباد واستذلالٍ من عدوِّ الداخل قبل عدوِّ الخارج، وكأنَّ الأيام تدور دورتَها، وتُعيد كَرَّتَها، والمسلمون يُساقون لِخُدع السَّاسة، وألاعيب أبطالهم "الكارتونيِّين"، حتَّى ينخلعوا من رِبْقَة الدين، ويخسروا أيضًا دُنياهم العاجلة، كما فعل أتباعُ "أتاتورك" من قَبْل، وأسقطوا الخلافة العثمانيَّة اسمًا ومسمًّى، وسط استحسان حمقى المسلمين وغُفَّالهم، ومباركتهم وتمجيدهم فعال "الكماليِّين"؛ ظنًّا أنَّها تَحمل الخير لهم في قابلِ الأيَّام، وقد نَدِموا، ولكن بعد فوات الأوان، وانقضاء وقت النَّدم، فهل نَعتبر، ومتى نُفيق؟!

 

وشيخ الإسلام "مصطفى صبري" هو آخِر شيوخ الخلافة العثمانيَّة في عهدها، أخذَ العلم في "توقاد"، ثم سافر لـ"قيصريَّة"؛ لتلقِّي العلم، وسافر بعدها إلى الأستانة؛ لاستكمال دراسته الدينيَّة، ثم عُيِّن في سنِّ الثانية والعشرين في جامع السُّلطان "محمَّدٍ الفاتح"، وحاز على شهادة "العالميَّة"، ثم تدرَّج في توَلِّي المناصب الدينيَّة، حتَّى تم تنصيبُه لرئاسة المشيخة الإسلاميَّة في الدولة العثمانيَّة بعدما ذاع صيتُه وعِلمُه.

 

وقد عاصر الشيخُ "مصطفى صبري" صعودَ نفوذِ جمعية "الاتِّحاد والترَقِّي" في الدولة العثمانيَّة، وتدخُّلها في الشؤون الداخليَّة للخلافة، وبروز نجم "الكماليِّين" الذين تَظاهَروا بالإسلام في بداية أمرهم، وزعموا أنَّهم أرادوا خدمة الدِّين، وإصلاحَ أوْجُه القصور في الدولة العثمانيَّة، ولكن أمرهم لم يَخْفَ على بصيرة الشيخ، فظلَّ يُظهِر لهم العداء، وانضمَّ لِمُعارضيهم بدءًا من سنة 1908، وكان نائبًا لرئيس أحد الأحزاب المعارضة لسياسة "الكماليِّين" في تركيا، ولكن لَمَّا استفحل نفوذُهم، وإظهارُ عَدائهم للعلماء، فرَّ الشيخ من تركيا سنة 1913، فتنَقَّل بين دول أوروبا حتَّى عاد للأستانة مقبوضًا عليه عند دخول جيوش الكماليِّين "بوخارست"؛ حيث كان لاجئًا هناك، وظلَّ معتقَلاً إلى أن انتهَت الحرب بهزيمة تركيا، وفرار زعماء الاتِّحاديين، فعاد لنشاطه السياسيِّ في الأستانة، وناب عن الصَّدر الأعظم أثناء غيابه في أوروبا للمفاوضات، وظلَّ في منصبه إلى أن استولى الكماليُّون على العاصمة ثانية، ففرَّ إلى مصر سنة 1923، وظلَّ يتنقَّل بين دول أوروبا يُصدِر كتبه الهامَّة عن مُعاصَرتِه لفترة سُقوط الخلافة وهَدْم الدِّين على أيدي "الكماليِّين"، إلى أن تَمَّ التَّضييق عليه من أتباع "أتاتورك" في تلك الدُّول، فاستقرَّ في مصر إلى أن توُفِّي بها سنة 1953م/ 1373هـ.

 

وللشيخ عدَّة كتب هامَّة، يشرح فيها موقفه مما حدَث في أواخر فترات الخلافة العثمانيَّة، وموقفه من أحداث العَصْر التي كانت تصبُّ في هدم بيضة الإسلام، واقتلاع جذوره وأصوله من شعوب الدول الإسلاميَّة، والتي دخلَتْ في غمرتها البلدانُ العربيَّة بعد تنفيذ مخطَّط الدُّول الغربية، في موجات عاتية من الاستغراب والاستعمار لم يتخلَّصوا منها إلاَّ بعد تضحيات جسيمة في المال والعتاد والأرواح.

 

وكل ذلك ركَّز عليه الشيخ في كتاباته ساعتَها، ونبَّه إليه المسلمين، ولكن صرخات الشيخ وقتَها لم تَجِد أذنَ مستمِع واعٍ، وكان ما كان، ومن أهمِّ كتاباته المطبوعة بالعربيَّة: "موقف العقل والعلم والعالَم من ربِّ العالمين وعباده المرسلين"، "مسألة ترجمة القرآن"، "قَوْلي في المرأة"، "تحت سُلطان العقل"، "القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون" (وقد ألَّفَه الشيخ في بداية الأمر ككتابٍ منفصِل، ثمَّ جعله أحدَ فصولِ كتابه الكبير "موقف العقل").

 

كتَب الشيخ "مصطفى صبري" كتابه هذا إبَّان تسلُّط "الكماليِّين" على الدولة العثمانيَّة، وقد كانت بعد نهاية الحرب في أشدِّ فترات ضعفها وأُفولها، وقامت الدُّول الغربيَّة بالتَّكالب على الخلافة العثمانيَّة، والاستيلاء على كثيرٍ من ولاياتها العربيَّة والإسلاميَّة؛ فهاجمَت فرنسا الجزائرَ وتونس ومراكش، واحتلَّت إيطاليا ليبيا، وهاجمت فرنسا مصرَ في عهد نابليون، ثم احتلَّتْها بريطانيا، وكانت روسيا منذ عهد أباطِرَتِها يُداومون على الهجوم على أملاك الخلافة في الجوار، وقام الغربيُّون بإشعال الثَّورات الانفصاليَّة داخل الدولة العثمانيَّة، وحَرَّضوا شعوب البلقان على الثورة عام 1804، حتى تمَّ لهم الانفصال عن الخلافة، وكذلك فعلَتْ مع اليونان حتى انفصلت عن الخلافة أيضًا عام 1830، بل وشجعوا الخلافات والقلاقل العنصريَّة بين عنصُرَي العرب والتُّرك، وانتهت حركات التطويق والتَّفتيت بإنهاء وجود الخلافة الإسلاميَّة على يد "مصطفى كمال أتاتورك" و"الكماليِّين".

 

وكتب الشيخ "مصطفى صبري" كتابَه هذا في بداية أمر "أتاتورك" وأتباعه، وقد أظهروا الإسلامَ والخير للدَّولة العثمانية الذبيحة بعد انتهاء الحرب العالميَّة، وسايرَهم كثيرٌ من الدُّول العربيَّة، وعلى رأسهم مصر، مُبارِكين خطواته؛ ظنًّا أنَّه يَحمل الخير لدولة الإسلام، حتَّى تم له التمكين، فقام بِنَقْض عُرَى الدِّين عروةً بعد عروةٍ داخل تركيا.

 

وقد كتب الشيخ يحذِّر من "لادينيَّة" حكومة "أتاتورك"، ويحلِّل الدَّوافع الكامنة وراء الأحداث التي بدَتْ في ظاهرها إصلاحية جزئيَّة، أو انتصاراتٍ برَّاقة، محذِّرًا المسلمين من خطر "الطورانيِّين والكماليين" في تركيا، حتَّى جاءت الحوادث مصدِّقةً حدْسَ الشيخ وتوقُّعاتِه.

 

خديعة التمكين:

يُشير الشيخ "مصطفى صبري" في كتابه إلى كثيرٍ من الكُتَّاب الذين شنَّعوا عليه مهاجمته "الكماليِّين" في بداية أمرِهم، أو عتبوا عليه كتاباته "المتحاملة" عليهم، وقد خُدِعوا في مَرام "أتاتورك" في بداية الأمر، ومِن أبرزهم الشيخ الفاضل "محمد رشيد رضا"، الذي ظنَّ خيرًا بإصلاحات "أتاتورك"، وأيَّده بقوة في خطواته، فلمَّا تبيَّنت له الحال المرَّة، هاجمَه بشدَّة بعد ذلك، ومِثْله الكثير من الكُتَّاب المصريين الأزهريِّين الذين أطنَبوا في الردِّ على الشيخ "مصطفى صبري" في الكثير من الرسائل، مُنادين بالإصلاح، مُقرِّظين صنيعَ "أتاتورك" والكماليين في بداية حكمهم، وما دَرَوا حقيقة دعوى الكماليِّين.

 

يقول الشيخ: "وأمَّا كِتاب صاحب "المنارففي غاية الإفادة والإجادة، كما يتوقَّع من مؤلِّفه الذي هو فارسٌ خطير في أمثال هذا الميدان، وقد وجَّه إلى الحكومة التركيَّة الحاضرة انتقاداتٍ ووصايا، ودعاهم إلى الصَّلاح والإصلاح، وقدَّمهم في الاستعانة والاستخدام لِرُقيِّ الإسلام، فله دورٌ في تحقيق المقام، واجتهاده في إحياء منصب الخلافة الصحيحة... لكن المهم المقدَّم على كلِّ شيء، وما يليق أن أقولَ في كتابه، وأَلْفِت الأنظارَ إليه، أنَّه لم يصرِّح بأصل الدَّاء حقَّ صراحته، وإنْ بالغ في تعريف الدَّواء، والدَّليل على ذلك استمدادُه في إحياء منصب الخلافة من الذين خرَّبوها، وسعَوْا في خرابها، وهو نفسُه معترفٌ بتخريبهم لا بالسَّعي في الخراب"؛ صـ 80.


ويقول الشيخ متحسِّرًا على حال إخوانه من الكُتَّاب المسلمين الذين انطلَتْ عليهم تلك الخدعة، وتَجاوزوا شرْحَ العلَّة للخلاف حولها، وحول دوافعها، قائلاً: "من المعلوم ما سبق للنَّاس في تلَقِّي حادثة الخِلافة، والتفريق بينها وبين السُّلطة من أصوات التَّنفيذ والتأييد، وقد دام صخب الخِلاف فيما يقرب من مدى سنة، حتَّى حُقَّ أن يُقال تعريضًا على مُحْدِثي تلك الحادثة، ومُوقِعي تلك الجناية: يا أسفًا على الخلافة! قطَعوا دابرها، وأبدلوا بها خِلافًا"؛ صـ 79.

 

فصل الدين عن السياسة، صورة فصل السُّلطة عن الخلافة:

كان الشيخ "مصطفى صبري" سبَّاقًا بنور بصيرته في إدراك أنَّ فَصْل "الكماليِّين" - في بداية مكرهم وخداعهم - للسُّلطة عن منصب الخلافة هو مَدْعاةٌ لفصل الدِّين عن السياسة، تلك الدعوة التي نعاني منها في أيامنا تلك من الأقلام المأجورة والأصوات المستغرِبة داخل بلداننا الإسلاميَّة، فالكماليُّون لم يُجاهروا أول الأمر بعدائهم للإسلام، وكلِّ ما ينتمي للدِّين، بل قاموا رُوَيدًا رويدًا بإصلاحاتٍ ظاهريَّة، يعتقد فيها أثرتهم للصالح العامِّ؛ كمسألة التَّفرقة بين منصِبَي الخلافة والسُّلطة؛ حيث قاموا بِنَزع سلطة الحكم عن الخليفة "عبدالحميد"، وجعَلوه مجرَّد رمزٍ ديني، لا يملك أن يُبْرِم أمرًا أو نهيًا، وادَّعَوْا أنَّ ذلك من أجل إصلاح الهيكل العامِّ للدولة.

 

يقول الشيخ "مصطفى صبري": "وليس مرمى الكماليِّين فيما فعَلوه سوى غَرضين، أحدهما: (نَشْل) السُّلطة من آل عثمان، ونَقْلها إلى "مصطفى كمال"، والتَّفريق بين الخلافة والسُّلطة، ثم نَقْل السلطة أوَّلاً إلى المَجلس الوطني، كان عبارة عن التستُّر والإبهام، في المغزى والمرام، والغرَض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التَّدريج، ورَمي لإخراج حكومتهم من أن تكون حكومةً إسلاميَّة"؛ صـ86.


ويردُّ الشيخ على قول القائل بأنَّه "لا علاقة بين فَصْل إحدى السُّلطات عن الأخرى، وبين الانصراف عن الدِّين الإسلامي، وهل إذا أخذَت الأُمَّة سلطة الحكم في يَدِها؛ حرصًا على مصلحة البلاد، وقطعًا لدابر النَّوايا والدَّسائس التي طالَما كان مقام الخِلافة مَحُوطًا بها، واستئصاله لشأفة شيخ الإسلام السابق وزمرته؛ حتَّى لا يستعملوا نفوذَهم الدِّيني على الخليفة لتحقيق مآرِبَ وأغراض لا تتَّفِق مع الإسلام في شيءٍ ولا هي في مصلحة البلاد"، بما يلي:

إذا كان مقام الفساد مرتبطًا بالأشخاص أو السِّياسات، فالإسلام يحثُّ على استبدال تلك السياسات الفاسدة والأشخاص، لا استبدال نعمة الخلافة كليَّة؛ "فإنْ كان مقام الخلافة محوطًا بدسائس شيخ الإسلام السَّابق؛ فالواجب في قَطْع تلك الدَّسائس تبديلُ شخصِ هذا الشَّيخ وحده، أو تبديل الخليفة، وهذه غاية لا يتخطَّى إلى ورائها بتبديل قاعدة الخلافة التي أسمعت في الشَّرع مقترنةً بالحكومة والسُّلطة، ولو كان ذلك التَّبديل حرصًا على مصلحة البِلاد، وإلاَّ كان كالقول بتبديل دين الإسلام حرصًا على مصلحة البلاد"؛ صـ 91.

 

فَصْل السُّلطات يتبعه بالتَّالي التَّفريق بين الخلافة والحُكومة، والفرقة الكليَّة بينهما بمثابة إخراج الدِّين عن الحكومة، والحكومة عن الدِّين، "ولِهذا فرَّقوا بين الخلافة والحكومة، وكانتا من قبلُ متَّحِدتَيْن، وكانت الخلافة عبارةً عن الحكومة الدِّينية النائبة مناب حكومة الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- في أمَّته، وإذا كانت الحكومة هي القوَّةَ العاملة، والخلافة عبارة عن اتِّصاف تلك الحكومة بصفة دينيَّة، فلا جرم صار إخراجُ الحكومة عن الخلافة إخراجًا لها عن الدين؛ إذْ لم يبق في الخلافة بعدَ إخراج الحكومة عنها غيرُ صفتِها الدِّينية؛ فإن انتقلَت الحكومةُ إلى ما انتقلت إليه مع صفتها الدينيَّة، لَزِم أن لا يَبقى في الخليفة شيءٌ؛ لا حكومته، ولا دينه، وإن انتقلت الحكومة فقط، افترقت عن الدِّين"؛ صـ 96.

 

يرى الشيخُ أنَّ تجريد كلٍّ من الخلافة والحكومة عن الأخرى أفسدَهما معًا؛ "لأنَّهم نقلوا الحكومة النَّافذة إلى مجلسهم الذي سمَّوه مجلسًا وطنيًّا، واختاروها لأنفسهم، وتركوا الشَّريعة الإسلاميَّة مع الخلافة في الخليفة مجرَّدةً عن النُّفوذ الذي ذهبَ مع الحكومة إلى ما ذهبت إليه؛ لأنَّ النُّفوذ يدور مع الحكومة والسُّلطة، فإن لم يتركوا الشَّريعة في الخلافة، ونقَلوها أيضًا من الحكومة؛ كيلا تحرم نفوذها، لزم ما قُلناه آنفًا من تفرُّغ الخليفة من الدُّنيا والدين معًا"؛ صـ97.

 

يَلتزم الشيخُ الأمانةَ والإنصاف حين المقارنة بين تُركيا في عهد الخلافة العثمانيَّة، وتركيا في عهد الكماليِّين، ويَعترف بوجود أوجُهِ قصورٍ كانت أحدَ أسباب انهيار الخلافة العثمانيَّة، وتناقُص عظَمتِها في قلوب النَّاس، ولكن بكلِّ حال ليس هذا سببًا ومُبَرِّرًا لإلغاء الخلافة ككلٍّ، فيقول: "... يأبى بنا الحقُّ والإنصاف إلاَّ أن نعترف بأنَّ الحكومة التركيَّة كانت قبل الكماليِّين والاتِّحاديين أيضًا لا تَمْشي تمامًا على الصِّراط السَّوي، والنَّهج الشرعي، بل كانت لا تَحْكم بِما أنزل الله في كلِّ الأمور، وتقلِّد الحكومات الزمنيَّة الأوربائية.

لكن الحق مع ذلك يأمرنا أن نَشْهَد أوَّلاً بعدم بلوغها في إهمال الشَّرع، وإعمال التقليد مبلغَ الحكومات الاتِّحادية والكماليَّة؛ ولا سيَّما أنَّها لم يقَعْ منها تصريحٌ ما بكونِها حكومةً لا دينيَّة... 

وثانيًا أنَّ تلك الحكومات - التُّركية - لم تكن لِتَسْلَم في أدوارها الأخيرة من تغلُّب الحكومات الأوربائية عليها"؛ صـ190.

 

كان الشيخ يرى أنَّ "أتاتورك" في سعْيِه لفصل السُّلطتين: الدِّينية والسياسيَّة، إنَّما مرَدُّه إلى كره خفيٍّ لِسُلطة الخلافة، في وقتٍ كان أغلب الكُتَّاب والمفكِّرين يَعتبرونه بطلاً للإسلام، وحاميًا للخلافة، فقطع الشيخُ عليهم افتراءاتهم قائلاً أنَّه "لو رامها مصطفى كمال لنفسه - أي: الخلافة - لسارع المسلمون الآمِنون باستحقاقه للسَّلطنة في تصديق استحقاقه للخلافة أيضًا، وكيف يَستكثرون - ذلك - لمن سمَّوْه بطلَ الإسلام، ومنجي مَجْدِه... لكنَّ الكماليين نقَلوا ما أحبُّوه من السلطة إلى مَن أحبوه، وترَكوا ما كرهوه من الخلافة فيمن كَرِهوه، نعَم، إنَّهم لم يُلْغوها دفعةً؛ تحرُّزًا عن إنكار عالَمِ الإسلام في الخارج، وتمشِّيًا على قاعدة التدريج، ولئلاَّ يستفيد منها حكومةٌ من الحكومات الإسلاميَّة، مع كونها مما يَكْرهونها لحكومتهم"؛ صـ101.

 

ويؤكِّد الشيخ في موضعٍ آخَر أنَّ حديثه ليس لمعاضدة شخصٍ من أشخاص الخلفاء، ومعاندة آخَر؛ لأنَّ "مكان الشخص يسَعُ المناقشات"، "فلو عدل المسلمون إلى خلافة أحد ليس مِن آل عثمان؛ كمصطفى كمال مثلاً، وكان أهلاً لها، ولم يَكرهها من حيث كونُها صفة دينيَّة، وأعطوه نفوذها وحقوقها، لما أنكرت عليهم ذلك"؛ صـ 108.

 

ثم ينبِّه الشيخ على الغرض الحقيقيِّ لحكومة "أتاتورك" من فصل السُّلطة عن الخلافة وهو وَأْدها كليَّة، وترويج مذهبهم اللاَّديني، ويكتب في ذلك محذِّرًا: "ولكنِّي أرى مِن أهَمِّ الواجبات وأقدَمِها في هذا الزَّمان كشْفَ القناع عن بِطانة الاتِّحاديين والكماليين، وتنبيه المسلمين على خطرٍ يُصيبهم منهم، ولا يخصُّ ضرره بالأتراك، وأدنى المضارِّ إعانتهم وتشجيعهم على ترويج مبدئهم اللاديني في بلادنا"؛ صـ 94.

 

ويقول الشيخ "مصطفى صبري" تعليقًا على فصل الخلافة عن السُّلطة، ومؤكِّدًا أنَّ هذا الأمر سيَفتح الباب لِنَقض عُرى الدِّين كلها بعد ذلك: "فتبيَّن أنَّ هذا الافتراق من حيثُ تقيّدُ الخلافة بأحكام الدِّين؛ كيلا تتقيَّد بها، حتى إنَّهم للتخلُّص من هذا القيد؛ اقتحَموا احتمال نكير المسلمين، وهذا أيضًا ما أفضى بنا إليه منطقيَّة في قضية الفصل بين الخلافة والسلطة؛ نظرًا إلى مجرَّد تلك القضيَّة، وإرغامًا لمن استوصى بها أو استخفَّ ببأسها في الدِّين، ورُبَّما وقع منهم بعد ذلك تصريحٌ بافتِراق الدُّنيا عن الدِّين، يغنينا عن هذه الاستدلالات المنطقيَّة، وإن كانت هذه الدلائلُ أغنى عندنا من تلك الصِّراعات"؛ صـ 98.

 

فسبحان الله! كيف تنبَّه شيخُ الإسلام في زمانه أنَّ فصل الخلافة عن السُّلطة، بل إلغاءها في حقيقة الأمر هو مَدْعاة بعد ذلك لحصر الإسلام في مجال العبادات، وإرغام المُسلمين على فَصْلِ دُنياهم عن دينهم، بل وإنْ لزِم الأمر الانخلاع من نعمة الدين كلها.

 

حكومة لا دينية:

أكَّد الشيخ مرارًا طوال رسالته أنَّ مسألة تجريد الخِلافة عن السُّلطة هو أمرٌ يَرجع إلى ارتداد الحكومة التركيَّة بقيادة "الكماليِّين"، وانتزاعها عن لباسها الدِّيني، وصدقَ ظنُّ الشَّيخ حينما صرَّح مندوبُ الكماليين "رضا نور بك" في مؤتمر "لوزان" للدُّول الأوروبية أنَّ الحكومة التركيَّة الحاليَّة تفخر بأنَّها حكومة "لا دينيَّة"، وقد ناقش الشيخُ في رسالته عدَّةَ دلائل وبراهين تدلِّل على صِدق رأيه، وقد غفل عنها كثيرٌ من الكُتَّاب والعلماء ساعتَها في غمرة التَّهليل والمديح لزمرة الإصلاحات المزعومة التي تشدَّقَ بها "أتاتورك" وأعوانُه من الكماليين، ومنها:

إلغاء المَحاكم الشرعيَّة: يقول الشيخ "مصطفى صبري": "وحادثة إلغاء المَحاكم الشرعيَّة وإن كانت مسألة مستقلَّة - ذات خطورة عظيمة، بحيث تَكْفي وحْدَها في تغيير الدَّولة الإسلاميَّة وإخراجها عن أصلها، إلا أنَّها من مستتبعات التفريق بين الحكومة والخلافة؛ لأنَّهم لما نزعوا الحكومة من الخليفة؛ لأجْل كونه خليفةً له رئاسةٌ دينيَّة، ومن واجبه أن يجعل دين الإسلام حاكمًا في حكومته قاعدًا لها بالمرصاد، حتَّى يستقِلُّوا برأيهم، ويفلتوا من قيد ذلك الحكم والرَّصد، فلا جرم التزموا إلغاء المحاكم الشرعيَّة الممثِّلة لحاكمية الدِّين في المَمْلكة"؛ صـ140.

 

قام الكماليُّون بإلغاء بيع المُسْكِرات بين الشَّعب، مع قصر بَيْعِها على من يختصُّونه من البائعين، ويقول الشيخُ في ذلك: "ومن المُضحِكات تصديقُ المصريِّين، وثقتُهم بصحَّة وجدِّية ما سنَّه الكماليُّون من قانونِ منع المسكرات، ظانِّين أنَّ ذلك وقعَ منهم لوجه الله، أو مصلحة الأمَّة، وعادية من مَحاسنهم ومناقبهم، مع أنَّهم نَهوا أن يبيع (الكحول) مَن شاء من الناس؛ ليكونوا هم البائعين، فيختص ربْحُها بهم، وهو عظيم جدًّا، وكثير ممن في تركيا يَعلم اشتِغال بعض أعضاء المجلس الوطنيِّ بهذه التِّجارة، واتخاذ بيوتهم مَعامل المسكرات ومَخازِنَها، وكذا يعلم كلُّ من في تركيا أنَّ "مصطفى كمال" أشهر مدمني الخمر، لا يمرُّ عليه وعلى أصحابه وأحبابه وماسطيه يومٌ وليلة بلا مسكر"؛ صـ 121، 122.

 

إباحة اختلاط النِّساء بالرجال: يقول الشيخ في بوادر مَسألة الاختلاط التي بدأها الكماليُّون على تخوُّف، ثم سعَوْا فيها بكلِّ قوَّتِهم ونشاطهم: "وألَم يكفِكُم بعد مسألة الخلافة ما قد أفتَى مصطفى كمال لنفسه ولحكومته في مسألة اختلاط النِّساء بالرجال، ومقابلتهن، ممن يلقين من الرِّجال بِزيِّهن أو زيِّهم؟ وقد أمرَتْ حكومته بإزالة الحواجز الفاصلة بين مقاعد الرجال والنِّساء في التِّرامات والسُّفن وسائر المراكب والسينمات و(التياتر)، فأُزِيلت، فاستاء النَّاس منه، وسأل عنه بعض النُّواب فتهكَّم وزيرُ الداخلية في الجواب قائلاً: إنَّ الحكومة لاحظَتْ في رفع الستائر فائدةً صحِّية"؛ صـ128.


سَنُّ قوانين اجتماعيَّة يُقصَد بها ضرب أحكام الدِّين: يقول الشيخ تعليقًا على هذا: "ثُمَّ ألم يكفكم مشروعُهم النَّاهي عن تعدُّد الأزواج، وقد أحلَّه الله في كتابه على مثنى وثلاث ورباع، ومشروعهم الناهي عن زواج أبناء وبنات سنين أقلَّ من سبع عشرة أو ثماني عشرة؟"؛ صـ129.

 

إعلاء النَّزعة القوميَّة، وإحياء العِرْقيَّات العصَبِيَّة: كتب أحدُ الكتَّاب المصريين عن أحد رجالاتهم ونشاطه في إحياء النَّزعة الطورانيَّة التُّركية قائلاً: "فيوسف أقشورا بك مثلاً ما بَرِح قبل إعلان الدُّستور العثماني بسنين يَنْشر دعوته - بين رجال تركيا الفتاة - إلى نَبْذِ الجماعة الإسلاميَّة، وإضمار العدوان والأخذ بفكرة الجامعة الطورانيَّة، المبنية على التأليف بين الناطقين باللهجات التُّركية أولاً، ثم تكوين اتِّحاد حلفي منهم ومن الأمم التي أصلُها طوراني؛ مثل المجر (هنجاريا)، والبلغار، وفنلندا، فهو يَرى الاتِّفاق مع هؤلاء طبيعيًّا ومفيدًا أكثر من فكرة الجامعة الإسلاميَّة، وهذا الرَّجل وأمثاله يعتقدون أنَّ الدِّين الإسلامي هو عبارة عن احتلالٍ عرَبِي بسَطَ سُلطانَه على التُّرك، ودخل بيوتَهم، ومِن الواجب الخلاصُ منه بأيِّ حال"؛ صـ 130.


اتِّخاذ الرُّموز الوثنيَّة القديمة كشعارات، وإحياؤها: ومنها شعار "الذِّئب الأبيض" الذي وُضِع على طوابع البَريد وأغلب مرفقات الدَّولة، والذي ارتقَت الرِّوايات إلى كونه معبودًا مقدَّسًا قديمًا عند الأتراك، يقول شيخ الإسلام: "إنَّما مَرْماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القُدَماء الذين قطعَ الإسلامُ انتسابَنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمَّة - بأيَّة صورة كانت - عن شعائرها الإسلاميَّة، وروابطِها التي يَكرهونها قدْرَ ما يحبُّون منفعتهم الماديَّة الذاتية، وإلى تعويدها بشعائر الجنسيَّة (العصبيَّة) وعواطفها؛ لما يرون في إحيائها من أقوى ذريعة إلى إنساء الشَّعائر الإسلامية وعواطفها"؛ صـ151.


إثارة الخلافات بين المسلمين الأتراك والأقَلِّيات: 

مثل النَّصارى والأرمن والشَّركس وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: "ولم يُهْمِلوا وسيلةً في تهييج البَغْضاء وإثارة الفتنة بين الفريقين - أعني: المسلمين والنَّصارى - وكل خَسَارٍ يحلُّ بهما فلَيْس بِخارجٍ عن مَقاصدهم ومطالبهم؛ لا سيَّما إذا تضمَّن ما يزيد في مكاسبهم"؛ صـ198.

 

ويقول الشيخ أيضًا في موضعٍ آخر: "... فلِهذا لم يَسْلَم من اعتدائهم في تركيا ما بين ألبانها وعرَبِها وأكرادها وأرمنها وأروامها وشَراكسِها وأتراكها، إلاَّ اليهود"؛ صـ 204.

 

فتح أزمير.. وهدم الدين:

يرى الشَّيخ "مصطفى صبري" أنَّ فَتْح "أزمير" المزعومَ الذي تباهى به الكماليُّون كان مُبرِّرًا لهدم عُرَى الخلافة العثمانيَّة وأواصرها وسط تخاذلٍ عربي واضح، وصل إلى حدِّ المُبارَكة للكماليِّين على جلِّ أفعالِهم التي بدَتْ في ظاهرها "إصلاحيَّة"؛ وذلك ذريعة هذا النَّصر الذي عُدَّ "أتاتورك" بعده من "الفاتحين المظفَّرين".

 

يصف الشيخُ فتْحَ "أزمير"، فيقول: "وكان فتحُ أزمير عملاً واجتهادًا في سبيل تلك الدُّنيا التي جرَّدوها عن الدِّين لا في سبيل الدِّين، وليس في ذلك الفتحِ نصيبٌ للدِّين إلاَّ تجريده عن نفوذه، وتبعيده عن حكومته، فهم بما أفادهم فتح أزمير من القدرة والجراءة، أظهَروا خلَّتَهم اللادينيَّة، والغافل يستدلُّ به على دفاعهم عن بيضة الإسلام، مع أنَّهم الذين ترقَّبوا فرصةً لافتراس دين الإسلام بادِّعاء احتراس الإسلام، وقد وجَدوها في فتح أزمير"؛ صـ176.

 

وقد كانت بصيرةُ الشيخ نافذةً حينما وصفَ فتح "أزمير" بأنَّه بِمثابة ذريعةٍ لِهدم الدين؛ فقد أثبتَتْ حوادثُ التاريخ أنَّ الانتصارات العسكريَّة المزعومةَ وصناعة "الأبطال الورقيِّين" كانت سياسةَ الأمم الغربيَّة لِمُحاربة هذا الدِّين وتسليط الطُّغاة على رقاب العباد والبلاد، ومن خير ما كتبَه أحدُهم أنَّه لكي تصنع بطلاً قوميًّا في الشرق؛ يكفيك أيُّ انتصار وهمي للبطل المزعوم، ثم الدَّندنة عليه ليل نهار، وتهويله في عيون النَّاس؛ ليصير هذا الشخصُ هو المخوَّلَ بالحق الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، ولَكُم في أزمير "أتاتورك" وسُوَيس "ناصر" خيرُ عبرةٍ وعظة.

 

يقول الشيخ "مصطفى صبري": "لئن كانت أزميرُ شرَّ ذريعة وشرَّ قوة في أيدي الكماليِّين لِهَدم ما كان للدِّين من الحُكْم على الحكومة في تركيا، فلعنة الله على أزمير وعلى فَتْحها واستردادها: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وإنَّ قَومي الأتراك إنْ نالوا شوكةً وقوَّة، وعُدِموا دينهم، فلا تُؤَسِّيني قوَّتُهم، بل تُضاعف أسفي؛ لأنَّهم ليسوا إذًا بِقَومي، بل أعداء ديني، ولا يسرُّني قوَّةُ الأعداء"؛ صـ 176.

 

نعمة الدين والخلافة والأمة:

يقول الشيخ في خاتمة رسالته مُخاطبًا المسلمين في عهده، وقد أبان لهم عن مكر الغرب الأوروبِّي بهم، وبِدَولة خلافتهم، وعن الطُّغاة الذين تسلَّطوا على الإسلام وأهله، وما زادهم ذلك - أي: المسلمين - إلاَّ ركونًا ورِضًا بمصيرهم: "فكأنَّ المسلمين ليس لديهم أساسٌ ولا قسطاس يُوزَن به كلُّ من يريد أن يتقدَّم عليهم، ويُسلمون قِيَادَهم إلى هديه؛ فلذلك تراهم يومًا يلبسون الشَّرع الأنوَر بشرع "الأنور"، ويومًا يَخضعون لحكم "مصطفى كمال"، أكثر من خضوعهم لأحكام الربِّ المتعال"؛ صـ207.

 

ثم يُذكِّر شيخُ الإسلام المسلمين في نهايةِ كلمات رسالته المتفجِّعة بنعمة الخلافة الضَّائعة على الدِّين والعباد والأمَّة، فيقول: "هذا، وما ذكَرْنا طيلة الصفحات بعضٌ مِمَّا اكتسبَتْه أيدي الاتِّحاديين والكماليِّين الذين قبَضوا على زمام الدَّولة العثمانية منذ ستَّ عشرةَ سنة، فارْجِع البصَر إلى ما قبلها؛ كيف تجدها عند القياس بحالتها التي هي عليها اليوم من حيثُ فسحةُ المَمْلكة وضيقُها، وعَمارُها وخَرابُها، ومن حيثُ كثرةُ نفوسِ الأمَّة وقِلَّتُها، ومن حيث معيشتُهم وثَرْوتُهم، وأمنهم وراحتهم، ثم ارجِع البصر كرَّتين؛ حتَّى تهتدي إلى إدراك الفرق بين ما كانت عليه الدولة؛ أَعنِي: (الدَّولة المعظَّمة الجامعة للسَّلطنة العثمانية والخلافة الكبرى الإسلاميَّة، مقترنة إحداهما بالأخرى، مع ما استتبعَتْه تلك المقارنة التي هي أزهى وأبهى من قِران السَّعدين عند الثَّقَلَين من حالات وعادات وملَكات دينيَّة وأدبية واجتماعية، توارَثْناهن من آبائنا، وكُنَّ كالمشخِّصات لأمَّتنا، تمتاز بهن، ولكلٍّ منهن قيمةٌ عظيمة لا تَعْدلُها فوائد العالم عند أقوام ذوي السَّجايا الرَّزينة التي تقوم بها حياةُ الأمم، وتدوم على قدر ما يحظَوْن منها)، وبين ما آلت إليه اليوم، وأعني به الدَّولة الصغيرة اللادينيَّة القوميَّة!!"؛ صـ209.


المصدر

ماذا تُريد الصين منّا وماذا نُريد منها؟

 ماذا تُريد الصين منّا وماذا نُريد منها؟

عصام عبد الشافي

دكتوراه الفلسفة في العلاقات الدولية، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

مؤسس ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية


تعدّدت الكتابات خلال السنوات العشر الأخيرة عن صعود الصين وقدراتها، وذهب بعضهم إلى الحديث عن "تعدّدية قطبية" تمثل الصين أحد أطرافها، بجانب كل من الولايات المتحدة وروسيا، ومع كل أزمة تحدث في منطقة الشرق الأوسط أصبح أحد الأسئلة التي يتم تكرارها: ماذا ستفعل الصين؟

جاءت فكرة هذا المقال على خلفية متابعة مؤتمر دولي كبير بعنوان "السياسات الصينية والتحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط"، نظّمته عدة جامعات ومراكز بحث وفكر عربية، من 26 إلى 28 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، في إسطنبول.

وبعد تقديم أكثر من 70 ورقة بحثية، كانت التساؤلات التي طرحتها أكبر من الإجابات التي قدمتها، ولعل هذا يعود، في جانب كبير منه، إلى "حداثة" الاهتمام المتعمق بالشأن الصيني على المستوى البحثي العربي، وضعف عدد الخبراء العرب المتخصّصين في هذا المجال، ومن أهم العوامل التفسيرية لذلك الضعف حاجز اللغة، واعتماد من يكتبون عن الصين على مصادر غربية بالأساس تتحكّم في رؤاهم وتوجهاتهم ومواقفهم نحو السياسة الصينية، وقضاياها وأولوياتها الشرق أوسطية عامة، والعربية خاصة.

وإذا كانت العلاقات الدولية، في جوهرها، تبادلية، فإن الحديث عن "السياسات الصينية تجاه الشرق الأوسط" من دون الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية تجاه الصين" يؤدّي إلى مزيد من القصور في الفهم والإدراك بأبعاد هذه العلاقات. إلا أن الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" يطرح تساؤلات أكثر من أنه يقدّم إجابات، لأن الحديث عن "السياسات الصينية" يعني طرفاً واضحاً ومحدّداً، له أهدافه وخططه وسياساته وأدواته في المنطقة، ولكن عند الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" 

يكون السؤال الأبرز: عمّن نتحدّث؟ الدول العربية أم تركيا أم إيران أم "إسرائيل"؟ وفي الدول العربية هل نتحدث عن دول المشرق العربي (العراق، سورية، الأردن، لبنان، فلسطين)، أم عن دول الخليج العربية (السعودية، عُمان، الكويت، قطر، الإمارات، البحرين)، أم عن دول المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا) أم عن دول حوض النيل والقرن الأفريقي؟

فإذا كان الاسم الجامع هو "العربية" فإن تعدّد التقسيمات الإقليمية الفرعية يعني مزيداً من عدم وضوح الرؤى وتنسيق السياسات في مواجهة الصين والتعاطي معها، بل الأسوأ من هذا أن نجد على مستوى منظومة فرعية من المنظومة العربية، مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، غياباً للتوافق والتنسيق والرؤى الموحّدة في التعاطي مع السياسات الصينية.

ويزداد الأمر سوءاً عندما نتحدّث عن السياسات الصينية تجاه القضية الفلسطينية والأطراف الرئيسية في هذه القضية، فهل نتحدّث عن سياساتها تجاه السلطة الفلسطينية أم تجاه حركات المقاومة أم تجاه الكيان الصهيوني؟ وإذا أرادت الصين أن تضبط بوصلة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية فعلى أي "موجة" تجاه القضية ستفعل؟ على الموجة الإيرانية أم التركية أم الإسرائيلية أم الموجات العربية، وهي موجات وليست موجة واحدة، في ظل تسارع سياسات التطبيع على حساب القضية الفلسطينية من أطراف تحرص الصين على تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية معها.

إذا أرادت الصين أن تضبط بوصلة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية فعلى أي "موجة" تجاه القضية ستفعل؟

في ظل هذا التعقيد، تتطلب الإجابة عن سؤال: ماذا تُريد الصين منا وماذا نُريد منها 

مراعاة اعتبارات وملاحظات تأسيسية عديدة: 

أولها، أنه إذا كان هناك اتفاق عند بعضهم عن الصين وماذا تريد من الشرق الأوسط، فهناك اختلاف بين كثيرين حول مفهوم "الشرق الأوسط" في ذاته!، وهل المقصود به المفهوم البريطاني القديم الذي يشمل مصر والمشرق العربي، أم المفهوم الأميركي الضيق الذي يشمل الدول العربية وتركيا وإيران والكيان، أم المفهوم الأميركي الواسع بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، الذي يشمل بجانب ما سبق أفغانستان وباكستان.

ومن ناحية ثانية، أحد المداخل المنهجية في العلوم السياسية "منهج الدور"، الذي يستند إلى أربعة أركان رئيسية لفهم "دور" أي طرف من أطراف العلاقات الدولية: محددات الدور، سلوك (مظاهر) الدور، تقييم الدور، مستقبل الدور، وبالتالي يسهل تطبيقه مباشرة على "السياسات الصينية" في الشرق الأوسط، لكن يصعب تطبيقه على "الشرق الأوسط" لأننا هنا سنتحدث عن "أدوار" متنافسة ومتناقضة بل متصارعة، وليس عن دور واحد.

ومن ناحية ثالثة، الحديث من مدخل "السياسات الصينية في الشرق الأوسط" قد يُفهم منها أنها تؤثر في الإقليم، وهذا ما يتطلب فهم مستويات هذا التأثير وحدوده لأنه يختلف أيضًا بين دولة ودولة، وبين إقليم فرعي وآخر، داخل الإقليم الكبير، كما يختلف بين قضية وقضية، بحسب ترتيب الأولويات في السياسة الصينية، وبحسب طبيعة النسق الإقليمي والدولي الحاكم لتلك القضية في مرحلة زمنية معينة.

ومن ناحية رابعة، وفي مقابل الحديث عن "تأثير الصين في الإقليم"، يجب أن يُطرح سؤال آخر عن "تأثير الإقليم في الصين" أي هل هناك أطراف أو قضايا أو أزمات من داخل الإقليم تؤثر في الصين؟ ومبعث هذا السؤال أن عدداً من أزمات الإقليم في الربع قرن الأخير كانت مصطنعة، أي يقف خلف نشوئها وتطوراتها أطراف واضحة، وأن من بين أهداف صناعتها تهديد المصالح الاستراتيجية الصينية في المنطقة، كما هو الحال في الصراع الممتد بين إيران والكيان، وآخر جولاته في حرب 2025، وحرب 2026.

ومن ناحية خامسة، تحولات سياسية عديدة شهدها الإقليم خلال الربع قرن الأخير، خصوصاً في الدول التي كانت ترتبط بعلاقات تاريخية واستراتيجية مع الصين مثل "عراق صدّام"، و"ليبيا القذافي" و"سورية الأسد"، و"سودان البشير"، ارتبطت في أحد أبعادها باستهداف المصالح الصينية في هذه الدول والقضاء على الوجود الصيني فيها، ما يعني أن "داخل الإقليم" قد يكون أكثر تأثيرًا في السياسات الصينية، من تأثير هذه السياسات في الإقليم.

يمكن الحديث عن "أكثر من صين" وفق معيار التطورات التي مرت بها على الأقل خلال القرن الأخير

ومن ناحية سادسة، أن طرح التساؤلات وتعدد الجدالات حول تحولات النظام الدولي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، وهل يشهد ميلاد "قوة عظمى جديدة"، يجب أن يرتبط بطرح تساؤلات جوهرية وإثارة نقاشات جادة حول "هل نشهد ميلاد "مفهوم جديد للقوة"؟ خاصة مع التطورات الهائلة في بنية الترسانات العسكرية وعدم ارتباطها في جانب كبير منها بالقدرات المادية، بل بتوظيف القدرات الفنية والتكنولوجية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحروب الهجينة، وأن الأمر لم يعد يقف عند ما تحدث عنه جوزيف ناي عن ثلاثية القوة "الصلبة والناعمة والذكية"، ولكن أصبح يرتبط بالقدرة على توظيف هذه الثلاثية وحدود فعاليتها وتأثيرها.

ومن ناحية سابعة، يتطلب الحديث عن " الصين.. ماذا تُريد منا وماذا نُريد منها؟، في جانب منه، تحليل رؤية الصين الفكرية والثقافية والحضارية لمفهوم العلاقات الدولية ابتداءً، والتوسع في ترجمة الأدبيات الصينية المتخصصة في هذا المجال، لتحقيق مزيد من الفهم للفكر السياسي الصيني الحديث والمعاصر، وليس فقط القديم الذي يستدعي مقولات كونفوشيوس وصن تزو، مع أهميتها وضرورتها، عند كل حديث عن الصين وسياساتها ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن في العالم المعاصر. 

فالصين رغم وحدتها "فاعلاً في العلاقات الدولية"، يمكن الحديث عن "أكثر من صين" وفق معيار التطورات التي مرت بها على الأقل خلال القرن الأخير.

كيف تُعيد الدولة الحديثة صبَّ الدِّين ومؤسّساته في قوالبها؟

 كيف تُعيد الدولة الحديثة صبَّ الدِّين ومؤسّساته في قوالبها؟

محمد خير موسى

تدخل الدولة الحديثة إلى ساحة الدّين وهي تحمل أدواتٍ كثيرةً، في ظاهرها تنظيمٌ وإدارةٌ وترتيبٌ للشأن العام غير أنّ في باطنها قدرةٌ هائلةٌ على إعادة تشكيل المجال الديني من جذوره، فتأخذ المسجدَ والمدرسة الشّرعية والفتوى وكليّات الشّريعة والمعاهد الشرعيّة والمنبر والوعظ والهيئات الوقفية، ثم تضعها داخل نظامٍ إداريٍّ محكمٍ يحدّد اللّغة المسموح بها والموضوع الجدير بالظهور والشيخ المقبول في الشاشة والخطبة الآمِنة في الجمعة والمقرر الصالح للثّانويّة الشرعيّة والمناسبة الدينية التي تصلح للاحتفال؛ فيصير الدين حاضراً في المشهد العام حضوراً مضبوط الإيقاع وشديد التّهذيب السياسي ومصبوباً في قالب فلسفة الدولة الحديثة؛ من الفردانية التي تحصر الدين في الضمير والعقلانية التي تقيس المقدّس بمنفعته والبيروقراطية التي تُدخل المسجد والفتوى والتعليم والوقف في سلطة التصريح والرقابة.


وأول مظاهر هذه القولبة تحويل الدّين من مرجعيةٍ حاكمةٍ على الفعل إلى وظيفةٍ تابعةٍ للفعلِ داخل جهاز الدولة؛ فالقرآن يُتلى في الاحتفالات الرسميّة كأنّه مكياجٌ تجميليّ، والخطيب والمفتي يُستدعيان عند الحاجة إلى تهدئة الناس، ثم يُعاد كل ذلك إلى خزانة الرموز بعد انتهاء اللحظة. ويتمّ التعاملُ مع المقدس بوصفه زينةً معنويةً توضع فوق جسد الدولة لتمنحه طمأنينةً شعبيةً وهيبةً أخلاقية، بينما تبقى القرارات الكبرى في الاقتصاد والسياسة والعلاقات والحروب والتعليم خارج محكمة الوحي وموازينه، فيصبح الدّين محض شاهد حين يحتاج النّظام الحاكم إلى لغة السماء ليعزّز شرعيّته في نفوس الجماهير.

التدين المطلوب هو الذي يخرج من ماكينته إنسانٌ طيبٌ في البيت وهادئٌ في المسجد ومطيعٌ في الطابور ومطمئنٌّ وواثقٌ إلى كل ما يصدر من السّلطات، ويملك دمعةً سخيّةً عند التلاوة ولا يستطيع تفجير السّؤال من أعماقه عند رؤية الظلم

ومن مظاهرها كذلك صناعة ما يمكن أن نسميه "الدّين المأمون"، وهو دينٌ لطيفٌ ناعمٌ يصلح للصور الرسمية ويتحدث عن برّ الوالدين ونظافة الطريق وفضائل الابتسامة وسماحة الإسلام وخطر الشائعات، ثم يعبر سريعاً مشيحا بوجهه حين يمرّ قرب أسئلة الفساد واحتكار السّلطات والقهر والنّهب وتزوير الإرادة وتضييع حقوق الفقراء وانتهاك الحريّات وتبعيّة الأوطان لأعدائها، فيغدو الدّين خطاباً تربوياً منزوع الأسنان، يربّي المواطن على الطاعة الهادئة ويعلّمه الرضا الفردي، ويجعله صالحاً في محرابه الخاص متردداً أمام واجبه العام. فالتدين المطلوب هو الذي يخرج من ماكينته إنسانٌ طيبٌ في البيت وهادئٌ في المسجد ومطيعٌ في الطابور ومطمئنٌّ وواثقٌ إلى كل ما يصدر من السّلطات، ويملك دمعةً سخيّةً عند التلاوة ولا يستطيع تفجير السّؤال من أعماقه عند رؤية الظلم.

ومن أخطر صور القولبة أن تتحول المؤسسات الدينية إلى إداراتٍ تنتج "الموقف الشرعي" وفق إيقاع الدولة؛ فتخرج الفتوى أحياناً وقد لبست ثوب القانون الإداري، وتظهر خطبة الجمعة وقد صارت نشرةَ توجيه معنويّ بعباراتٍ دينية، وتُصاغ المناهج الشرعية بما يضمن إنتاج طالبٍ يعرف أحكام الطهارة والصلاة، ثم يعجز عن إدراك علاقة الشريعة بنظام الحكم وبالعدل الاجتماعي والسيادة والاستبداد والمال العام وحرمة الدم الجمعيّ وحقوق الأمة العامّة؛ فيتكون جيلٌ متدينٌ تديّناً جميلاً في الشعائر ولكنّه حائرٌ في المواقف الكبرى، ونراهُ شديد الحساسية تجاه أخطاء الأفراد غير أنّه ضعيف الحساسية تجاه انحراف البُنى والمؤسسات العامّة والرسميّة، ونجده حافظاً بإتقانٍ أبواب النجاسات في كتب الفقه ولكن يصعب عليه معرفة نجاسات الفساد المتراكمة في خزائن الدولة، ويكون متقناً الحديث عن آداب الطعام ثمّ يبهت لسانه أمام موائد الثّروات المنهوبة.

وتشتغل الدولة الحديثة على المنبر بوصفه أخطر مساحةٍ يتصل فيها الدين بالجمهور، فتختصر الخطبة في وعظٍ مراقَب وتحوّل الخطيب إلى موظفٍ يقدّم المعنى المراد من السياسات العامّة، وتريد من المسجد تهدئة النفوس بدل إيقاظ الضمير، كما تحضّ على مجالس الدعاء والضّراعة لتحقيق الطمأنينة وتكرّس استمرار الصمت الواسع عن أسباب الخوف؛ فيصير المنبر كمن يضع البلسم فوق الجرح ثم يحرص على بقاء السكين في مكانها، ويصير الخطيب مطالَباً بأن يشرح للموجوع فضيلة الاحتمال وأن يمرّ بعيداً عن اسم صانع الأوجاع وغارس السّكين كي تبقى الجملة آمنةً من المساءلة.

وتتجلى القولبة في الإعلام الديني حين يُنتقى للشّاشة الشيخ الذي يحسن طمأنة الجماهير، وتُستضاف الوجوه التي تُنتج إسلاماً خفيف الدّسم سريع الهضم، وتُحجب الأصوات التي تعيد الدين إلى موقعه الكامل في مساءلة الإنسان والدولة والسوق والقوة، فيصبح الدين عندها فقرةً بين إعلانين وموعظةً بين مسلسلين وكلمةً ناعمةً في برنامج صباحي، ويضيع من المشهد ذلك الدين الذي يبني أمةً ويحرّر إنساناً من عبودية الهوى والسلطان والمال، وتتحول الشاشة إلى منبرٍ جديدٍ أهم شروطه للوجه الدينيّ؛ وجهٌ مقبول ولغةٌ لطيفة وسقفٌ منخفض ومعنىً خفيف وابتسامةٌ واسعةٌ تصلح لمصالحة الجمهور مع واقعه أكثر مما تصلح لمصالحة الواقع مع الحق.

ومن وجوه القولبة كذلك تحويل التعليم الديني إلى مادةٍ مدرسيةٍ مهذّبةٍ تفصل الطالب عن سؤال الحضارة، فيقرأ الطّالب بتوسّع عن مكارم الأخلاق وفضل الصدق وآداب المسجد، ثم يخرج هذا الطالب إلى عالمٍ تحكمه المصارف الربوية والشركات العابرة وصناعة التفاهة وأسواق الجسد واستعباد الخوارزميات وقوانين التبعيّة للآخر، 
الدولة التي تصوغ الدين على مقاسها تصنع قشرةً دينيةً جميلةً فوق فراغٍ أخلاقيٍّ عميق، أما الأمة التي تعيد للوحي مقامه وللعلماء أمانتهم وللمؤسسات الدينية رسالتها، فإنها تفتح الطريق إلى تدينٍ يبدأ بعبادة الله تعالى في المحراب، مروراً بإقامة العدل في السوق ووصولاً إلى حراسة الكرامة في ميادين السياسة، ليكون الوحي نوراً يقود الحياة كلها حقيقةً لا شعاراً
فيعجز عن وصل ما تعلمه بنظام الحياة الذي يبتلعه، لأن الدين في المدرسة صيغ على هيئة درسٍ أخلاقيٍّ قصير، بينما تُركت الأسئلة الكبرى للفلسفات الوافدة والسوق والإعلام، فتتشكل داخل الطالب ازدواجيةٌ دقيقة، فهو بين دين للمشاعر والعبادات وعالمٍ للقرار والمعاش والمعايير، ثم يكبر هذا الطالب وهو يحمل الإسلام في قلبه ويستعير من غيره عيوناً يقرأ بها السياسة والاقتصاد والإنسان.

ومن أخطر ما تصنعه الدولة الحديثة في الدين أنها تنقل مركز الثقة من العالم إلى المؤسسة الرسميّة؛ فيصبح سؤال الناس: هل سُمح لهذا الكلام أن يقال؟ وليس: هل دل عليه الوحي؟ ومع الزمن تتربى النفوس على أن الحقيقةَ تحتاج إلى الحصول على رخصة وإذن كي تقال، وأن الفتوى إذا جاءت من الجهة المأذونة صارت أوقر في القلوب ولو ضعفت حجتها؛ فتقع خسارةٌ مزدوجة، إذ تضعف هيبة العلم حين يلبس ثوب الإدارة وتضعف هيبة الإدارة إذ تستعير ثوب العلم لتزيين اختياراتها.

والنتيجة العميقة لهذه القولبة أن يصبح التدين شأناً فردياً مهذباً، وتغدو الشريعة تراثاً محترماً، وتمسي المؤسسة الدينية جهازاً مساعداً، بينما تحتفظ الدولة الحديثة بحقّ تعريف الصالح العام وحقّ ترتيب القيم الجمعيّة وحقّ منح الدين صوته أو حجبه، فيعيش المجتمع بين مئذنةٍ عاليةٍ في السماء وكرامةٍ منخفضةٍ تحت الأرض، وبين خطبةٍ تتحدث عن الرحمة وسوقٍ يطحن الضعفاء، وبين دعاءٍ طويلٍ للفرج وسياساتٍ تزيد أبواب الضيق والشدّة.

والمخرج يبدأ من استعادة الوعي بأن الدين في الإسلام رسالةٌ حاكمةٌ ومحرّرةٌ وبانية، وأن مؤسساته تحمل أمانة البيان والهداية والعدل، وأن علاقة الدّين بالدولة علاقة بناءٍ للمرجعيات الفكرية الحاكمة وعلاقة مؤسساته بها علاقة نصحٍ وتقويمٍ وشراكةٍ في الخير، مع استقلالٍ روحيٍّ وعلميٍّ يمنعها من التحول إلى بوقٍ إداري؛ فالدولة التي تصوغ الدين على مقاسها تصنع قشرةً دينيةً جميلةً فوق فراغٍ أخلاقيٍّ عميق، أما الأمة التي تعيد للوحي مقامه وللعلماء أمانتهم وللمؤسسات الدينية رسالتها، فإنها تفتح الطريق إلى تدينٍ يبدأ بعبادة الله تعالى في المحراب، مروراً بإقامة العدل في السوق ووصولاً إلى حراسة الكرامة في ميادين السياسة، ليكون الوحي نوراً يقود الحياة كلها حقيقةً لا شعاراً.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 1 يوليو 2026

العبادة والعمران: من بناء الإنسان إلى بناء الحضارة – نظرية قرآنية في العمران الإنساني

العبادة والعمران: من بناء الإنسان إلى بناء الحضارة – نظرية قرآنية في العمران الإنساني

المقدمة

لماذا نحتاج إلى نظرية قرآنية في العمران الإنساني؟

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل في أسباب قيام الحضارات وسقوطها، ظل السؤال عن العمران أحد أعظم الأسئلة التي شغلت العقل البشري. لماذا تزدهر أمة ثم تضمحل؟ ولماذا تستطيع جماعة من البشر أن تبني حضارةً تمتد آثارها قرونًا، بينما تعجز أخرى عن المحافظة على ما ورثته من إنجازات؟ وهل يكمن سرُّ العمران في الثروة، أم في القوة، أم في العلم، أم في النظم السياسية، أم أن وراء هذه العناصر جميعًا حقيقةً أعمقُ هي التي تمنحها القدرة على البناء والاستمرار؟

لقد حاولت الفلسفات الإنسانية، قديمًا وحديثًا، الإجابة عن هذه الأسئلة من زوايا متعددة. فرأت بعض المدارس أن الاقتصاد هو المحركُ الأول للتاريخ، وأن العمران ليس سوى انعكاس لعلاقات الإنتاج وتوزيع الثروة. وذهبت مدارس أخرى إلى أن الدولة هي التي تصنع الحضارة بقوة القانون والمؤسسات، بينما جعلت اتجاهات ثالثة العلم والتقنية أساس النهضة الإنسانية، وعدّتها المفتاح الذي يفسرُ تقدم الأمم أو تأخرها. أما ابن خلدون، فقد قدّم في مقدمته رؤيةً أكثر عمقًا واتساعًا، حين جعل العمران البشري محورًا لفهم التاريخ، وربط ازدهار الدَولِ وانهيارها بمنظومة متشابكة من الأخلاق والعصبية والسياسة والاقتصاد والعادات الاجتماعية، مؤكدًا أن الحضارة ليست حدثًا عارضًا، بل كائنًا حيًا يخضع لسنن وقوانين.

ومع ذلك، فإن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا: 

مَنِ الّذي يصنع الإنسان القادر على إقامة العمران؟ فمن الخطأ أن نجعل الاقتصاد أو السياسة أو القانون نقطة البداية؛ لأن هذه كلها نتاج الإنسان قبل أن تكون صانعةً له. وإذا كان الإنسان هو الّذي يضع القانون، ويبني المؤسسات، ويطور الاقتصاد، فمن الّذي يبني الإنسان نفسه؟ ومن أين تتشكل رؤيته للعالم، ومنظومته القيمية، وإرادته، وضميره، ومعنى وجوده؟

هنا ينتقل القرآن الكريم بالسّؤال إلى مستوى أعمق من جميع النظريات العمرانية. فهو لا يبدأ بالعمران، ولا بالدّولة، ولا بالسّوق، ولا بالمؤسسات، وإنما يبدأ بالإنسان؛ لأن كل عمران ليس إلا صورةً خارجية للإنسان الذي أنشأه. فإذا كان الإنسان مضطربًا في رؤيته، مضطربًا في قيَمهِ، مضطربًا في علاقته بربه وبنفسه وبالكونِ، فإن اضطرابه سينتقل حتمًا إلى كل ما يَبنيه من نظم ومؤسسات وحضارات. ولذلك فإن القرآن يعالج جذور العمران قبل أن يعالج مظاهره، ويصلح المنبع قبل أن يصلح المجرى، لأنه يعلم أن فساد الثمرة يبدأ من فساد الجذر.

ومن هنا تأتي العبادة في القرآن الكريم، لا باعتبارها شعائر معزولة عن الحياة، بل باعتبارها المشروع الإلهي لإعادة بناء الإنسان من داخله. فالقرآن لم يجعل العبادة نشاطًا جانبيًا في حياة الإنسان، ولا مجرد وسيلة لتهيئته للآخرة، وإنما جعلها الغاية التي من أجلها خُلق الإنسان أصلًا، فقال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[1].

وهذه الآية من أكثر الآيات تعرضًا للاختزال في الفهم؛ إذ تُقرأ غالبًا بوصفها دعوةً إلى الإكثار من الشعائر، بينما هي في حقيقتها إعلانٌ عن الفلسفة الوجودية التي يقوم عليها المشروع القرآني كلّه. فالعبادة هنا ليست مجرد الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما هي الحالة الوجودية التي يعيش فيها الإنسان خاضعًا لله، مستسلمًا لحكمته، متلقيًا منه معايير الحق والخير والجمال والعدل، بحيث تصبح إرادة الله هي المرجعيةُ العليا التي تنتظم حولها حياة الإنسان كلها.

وهنا تتكشف العلاقة العميقة بين العبادة والعمران. فالعمرانُ ليس مجرد تشييدٌ للمدن، ولا تراكم للثروات، ولا تطور في وسائل الإنتاج، وإنما هو التعبير الحضاري عن رؤية الإنسان لنفسه، وللوجود، ولرسالته في الحياة. وكلما تغيرت هذه الرّؤية، تغير معها شكل العمران. فالإنسان الّذي يرى نفسه مالكًا مطلقًا للأرض سيبني حضارة تقوم على الاستغلال والسيطرة، والذي يرى نفسه كائنًا استهلاكيًا سيُقيم حضارة تجعل اللّذة غايتها العليا، والّذي يرى القوة مصدرًا للحق سينتهي إلى عمران يحكمه البطش، أما الإنسان الّذي يدرك أنه عبدٌ لله، وخليفةٌ في الأرض، فسوف يبني عمرانًا مختلفًا، لأن منطلقاته الوجودية مختلفةٌ، وقيمه مختلفةٌ، وغايته مختلفة.

ومن هنا يمكن القول إن القرآن لا يقدم نظريةً في العمرانِ تبدأ من الخارج إلى الداخل، كما هو شأن كثير من النظريات الاجتماعية، بل يقدم نظريةً تبدأ من الداخل إلى الخارج؛ تبدأ من القلب قبل المدينة، ومن الضمير قبل الدّولة، ومن العقيدة قبل الاقتصاد، ومن العبادة قبل الحضارة. فكل إصلاح لا يبدأ بإصلاح الإنسان يظل إصلاحًا مؤقتًا، وكل عمران لا يقوم على إنسانٍ مستقيم في رؤيته وقيمه يبقى معرضًا للتصدع مهما بلغت قوته المادية.

إن هذه الحقيقة تتجلى بوضوح في السنن القرآنية التي تربط التغييرَ الحضاري بالتغيير الداخلي، يقول تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[2].

وليس المقصود مجرد تغيير بعض السلوكيات الفردية، بل تغيير البنية الداخلية التي تُنتج السلوك والحضارة معًا؛ أي تغيير منظومة الاعتقاد، والقيم، والإرادة، والوعي، والغاية. فالإنسان لا يبني العالم بيديهِ فقط، وإنما يبنيه أولًا بالأفكار التي يحملها، والقيم التي يؤمن بها، والصورة التي يرسمها لنفسه ولرسالته في الوجود.

ومن هنا، فإن هذا الفصل لا ينظر إلى العبادة بوصفها بابًا من أبواب الفقه، ولا بوصفها موضوعًا في تزكية النّفس فحسب، وإنما ينظر إليها بوصفها الأساس الوجودي للعمران الإنساني. فالعبادة ليست نقيض العملِ، بل هي التي تمنحُ العمل معناه. وليست انسحابًا من التاريخ، بل هي التي توجه حركة التاريخ. وليست انفصالًا عن الدنيا، بل هي التي تحدد كيفية الحضور فيها. إنها الإطار الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان المستَخلف، الذي يُعمر الأرض وهو يدرك أنه لا يملكها، ويستخدم مواردها وهو يعلم أنه مؤتمن عليها، ويمارس سلطته وهو يَستحضرُ أنه سيقف يومًا بين يدي مَن إستَخلفه فيها.

وعلى هذا الأساس، فإن الصفحات القادمة لا تهدف إلى بيان فضل العبادة وثوابها، ولا الى تأثيرها في تزكية النفس فقط وتهذيبها، فذلك باب واسع كتب فيه العلماء كثيرًا، وإنما تسعى إلى الكشف عن سؤال آخر ظل حاضرًا في القرآن، وإن غاب عن كثير من الدراسات المعاصرة: كيف تتحول العبادة إلى القوة الخفيّة التي تصنع الإنسان، ويصنع الإنسان بها الحضارة؟ وكيف يصبح الخضوع لله، لا مجرد فضيلة روحية، بل الأساس الذي يقوم عليه عمرانٌ إنساني يحقق العدل، ويحفظ الكرامة، ويوازن بين المادة والروح، وبين الحقوق والواجبات، وبين القوة والأخلاق؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لفهم العلاقة بين العبادة والعمران، وهي التي ستقودنا في المحاور التالية إلى إعادة قراءة مفهوم العبادة في ضوء الاستخلاف، وإعادة قراءة العمران في ضوء القرآن، حتى يتبين أن الطريق إلى بناء الحضارة لا يبدأ من الحَجر، وإنما من الإنسان، وأن الطريق إلى بناء الإنسان لا يبدأ من الخارج، وإنما من عبوديته لله، لأن العبودية لله ليست نهاية حركة الإنسان في العالم، بل هي بدايتها الصحيحة، ومنها تنطلق كل حركة إصلاحٍ، وكل مشروع نهضةٍ، وكل عمرانٍ يليق بالإنسان الذي كرّمه الله، واستخلفه في الأرض، وحمّله أمانة إعمارها بالحق والعدل والإحسان.

أولًا: العبادة وإعادة تعريف الإنسان

من هو الإنسان الذي يبني الحضارة؟

قبل أن يتحدث القرآن عن بناء الأرض، تحدث عن بناء الإنسان؛ لأن كل عمرانٍ ليس سوى الامتداد الخارجي لما يحمله الإنسان في داخله من تصوراتٍ وقيمٍ ومقاصدَ. فالمدن، والمؤسسات، والاقتصادات، والأنظمة السياسية ليست كيانات مستقلة عن الإنسان، وإنما هي صورٌ مادية لأفكاره، وتجسيدٌ عملي لمنظومته الأخلاقية، وانعكاسٌ لرؤيته لنفسه وللعالم. ولذلك فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن العمران ليس: كيف نبني الحضارة؟ وإنما: من هو الإنسان الذي سيبني هذه الحضارة؟

وهنا يكمن الفرق الجوهريّ بين الرؤية القرآنية وكثير من النظريات الإنسانية. فمعظم النظريات تبدأ بتحليل المجتمع أو الاقتصاد أو السلطة، بينما يبدأ القرآن بتحليل الإنسان نفسه؛ لأن الإنسان هو الأصل، وما المجتمع إلا مجموع البشر، وما الحضارة إلا حصيلة ما يحملونه في عقولهم وقلوبهم.

ولهذا فإن أول وظيفة تؤديها العبادة ليست أن تزيد في عدد الشعائر التي يؤديها الإنسان، وإنما أن تعيد تعريف الإنسان لنفسه؛ إذ لا يمكنُ أن يبني الإنسان عالمًا مستقيمًا ما دام يحمل تصورًا مضطربًا عن ذاته. فكل صورة يَرسمها الإنسان لنفسه ستنعكس بالضرورة على الصورة التي يرسمها للعالم.

لقد اختلفت الحضارات في تعريف الإنسان اختلافًا جذريًا، وكان اختلافها هذا هو الذي أنتج اختلاف العمرانِ بينها. ففي بعض الفلسفات القديمة عُرِّف الإنسان بأنه كائنٌ عاقل، وفي الفلسفة السياسية الحديثة أصبح يُوصفُ بأنه كائنٌ سياسي، وفي النظريات الاقتصادية غدا الإنسان الاقتصادي الذي تحركه المنفعة، وفي الرؤية المادية أصبح مجرد حلقة في سلسلة الإنتاج والاستهلاك، حتى صار نجاحه يقاس بما يَنتج ويَملك ويستهلك أكثر مما يُقاس بما هو عليه في ذاته.

ولا شك أن كل تعريف من هذه التعريفات يلامس جانبًا من حقيقة الإنسان، لكنه لا يستوعبها كلها؛ لأنه ينظرُ إلى الإنسان من خلال وظيفة جزئية، لا من خلال رسالته الوجودية. ومن هنا نشأت حضارات عظيمة في إنجازها المادي، لكنها وقعت في أزمات أخلاقية وروحية عميقة؛ لأنها بنت الإنسان المنتجَ، ولم تبنِ الإنسان المسؤول، وطورت الإنسان القادر، لكنها لم تُطور الإنسان الحكيم.

أما القرآن الكريم، فإنه يقدم تعريفًا مختلفًا للإنسان، يبدأ من علاقته بالله قبل علاقته بالأرض، ويجعل هويته الأولى أنه عبدٌ لله. وليس هذا التعريف انتقاصًا من كرامة الإنسان، كما قد يتوهم بعض الناس، بل هو الأساس الذي تنبثق منه كرامته كلها؛ لأنّ الإنسان لا يكتسب قيمته من استقلاله عن الله، وإنّما من انتسابه إليه، ومن حمله للأمانة التي حمّله الله إياها.

ولهذا يصف القرآن عباد الله الصالحين بصفة العبودية في أعظم المقامات. ففي مقام الإسراء والمعراج، وهو أسمى مقام بلغه بشر، يقول سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾[3]، ولم يقل: برسوله أو بنبيّه، مع أن الرسالة والنبوة من أجلّ المقامات، لأن العبودية هي الأصل الذي تتفرع عنه جميع المقامات الأخرى. وكذلك يقول في مقام إنزال القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾[4]، ويقول في مقام التحدي: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾[5]. وكأن القرآن يريد أن يقرر أن أعلى درجات الكمال الإنساني ليست في التحرر من العبودية، وإنما في كمال العبودية لله.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند معنى العبودية ذاته. فالعبودية في الرؤية القرآنية ليست علاقة قهرٍ بين السيد والمملوك كما عرَّفتها النظم البشرية، وإنما هي علاقة انتماء إلى الحق المطلق، واعتراف بأن الإنسان محدود، وأن كماله لا يتحقق إلا بالاتصال بمَن هو الكاملُ المطلق. إنها ليست إلغاءً للعقل، بل تحريرٌ له من أوهام الاكتفاء بنفسه، وليست إلغاءً للإرادة، بل توجيهٌ لها نحو الغاية التي خُلقت من أجلها.

ولعل أكبر خطأ وقعت فيه بعض الفلسفات الحديثة أنها جعلت التحررَ من كل سلطة هو ذروة الحريةِ، ثم اكتشفت أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا مرجعيةٍ عليا، فإذا تحرر من الله، بحث عن آلهة جديدة يصنعها بنفسه. فتارة يقدس الدّولة، وتارة يقدس السّوق، وتارة يقدس القوميّة، وتارة يقدس العِرق، وتارة يقدس التكنولوجيا، بل قد يصل الأمر إلى أن يقدس ذاته ورغباته، حتى يصبح الهوى هو السلطة العليا التي لا ينازعها شيء.

وقد كشف القرآن هذه الحقيقة في عبارة قصيرة، لكنها من أعمق العبارات في تحليل النفس البشرية، فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾[6]. فالآية لا تتحدث عن إنسان أنكر وجود الله فحسب، وإنما تتحدث عن إنسان جعل هواه المرجع النهائي في الحكمِ والاختيارِ. وهنا تتحول الرّغبة إلى معبود، لا لأنها تُعبد بالسّجود، بل لأنها تُطاع طاعةً مطلقة، ويُضَّحى من أجلها بالحق والعدل والأمانة. ومن هذه اللحظة يبدأ الانهيار الحضاري؛ لأنّ الحضارة التي يحكمها الهوى لا يمكن أنْ تنتج عدلًا مستقرًا، ولا أخلاقًا ثابتة، ولا عمرانًا مستدامًا.

ومن هنا تتجلى العبادةُ بوصفها أعظم عملية تحرير للإنسان. فهي لا تستبدل عبودية بعبودية، وإنما تحرره من العبوديات المتفرقة بردّه إلى عبودية واحدة هي العبودية لله. ومن خضع للحق المطلق تحرر من الخضوع للقوى النسبية كلها، فلا يبيع ضميره من أجل المال، ولا يتنازل عن الحق خوفًا من السلطان، ولا يقيس الخير والشر بمقدار ما يحققان له من منفعة عاجلة، لأنه أصبح يستمد معاييره من مصدر أعلى من رغباته ومصالحه.

وهذا التحرير ليس غاية روحية مجردة، بل هو الشرط الأول للعمران. فالإنسان الذي لم يتحرر من عبودية الطمع سيبني اقتصادًا جشعًا، والذي لم يتحرر من عبودية السلطة سيبني نظامًا مستبدًا، والذي لم يتحرر من عبودية الاستهلاك سيبني حضارة تستنزف الإنسان والطبيعة معًا، أما الإنسان الذي تحرر بعبوديته لله، فإنه يصبح قادرًا على أن يبني عمرانًا لا يكون فيه المال إلهًا، ولا القوة معيارًا للحق، ولا المنفعة غايةً نهائية، بل تصبح جميعها وسائل لتحقيق مقاصد أسمى: العدل، والرحمة، والكرامة، وإعمار الأرض.

ولهذا فإن القرآن لا يَضع الإنسان أمام خيارين متناقضين: إما العبادة وإما العمران، بل يجعل العبادة هي الشرط الذي يؤهِّل الإنسان لحمل أمانة العمران. فالعبودية لله ليست انسحابًا من مسؤولية العالم، وإنما هي التي تمنح الإنسان الأهلية الأخلاقية والرّوحية ليتولى هذه المسؤولية. ومن هنا نفهم لماذا قرن القرآن بين العبودية والاستخلاف؛ إذ لا يمكنُ أن يكونَ الإنسان خليفةً أمينًا في الأرض حتى يكون أولًا عبدًا أمينًا لرب الأرض والسماء.

وعلى هذا الأساس، فإن أول لبنة في أي مشروع حضاري قرآني ليست بناء مدينة، ولا تأسيس دولة، ولا إصلاح اقتصاد، وإنما إعادة بناء الإنسان؛ لأن الإنسان هو أصل العمران، والعبادة هي التي تعيد تعريف هذا الإنسان، وتضعه في موضعه الصحيح داخل الوجود: عبدًا لله، ومكَرّمًا بعبوديته، ومستخلَفًا في أرضه، ومسؤولًا عن أن يحول هذه العبودية إلى عدل ورحمة وإحسان في واقع الحياة. ومن هذا التعريف الجديد للإنسان، تبدأ رحلة بناء الحضارة.

ثانيًا: العبادة وإعادة بناء منظومة القيم

من إصلاح ميزان القيم إلى إصلاح العمران

إذا كان الإنسان هو المادة الأولى التي يُبنى منها العمران، فإن منظومة القيم هي الرّوح التي تمنحُ هذا الإنسان اتجاهه، وتحدد طريقة حضوره في العالم. فالإنسان لا يتحرك في فراغ، وإنما يتحرك وفق ميزانٍ داخلي يُحدد له ما هو أعظم وما هو أدنى، وما هو غاية وما هو وسيلة، وما ينبغي أن يُضحّى من أجله وما ينبغي أن يُضحّى به. وهذا الميزان القيمي هو الذي يصوغ جميع القرارات الفردية والجماعية، ومن مجموع هذه القرارات تتشكل صورة المجتمع، ثم تتكون الحضارة.

ولهذا فإن العمران، في حقيقته العميقة، ليس سوى ترجمةٍ عملية لمنظومة القيم التي تؤمن بها الأمة. فما يظهر في الأسواق، والمؤسسات، والمحاكم، والجامعات، ومراكز البحث، ووسائل الإعلام، والسياسات الاقتصادية، ليس إلا انعكاسًا لما استقر أولًا في ضمير الإنسان من معاييرَ للحكم على الأشياء. فالحضارة لا تُبنى بالحجارة أولًا، بل تُبنى بالقيم؛ لأن الحجر لا يعرف إلى أين يتجه، وإنما الذي يوجهه هو الإنسان، والإنسان لا يوجهه إلا ما يؤمن بأنه الحق والخير والأجمل.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: ما الذي تملكه الأمة من موارد؟ بل: ما الذي تضعه الأمة في قمة سلّم قيمها؟ لأن الجواب عن هذا السؤال يكشف طبيعة العمران الذي ستنتجه. فإذا كانت القوة هي القيمة العليا، فإن الحضارة ستنتهي إلى تمجيد السيطرة ولو على حساب العدالة. وإذا كانت الثروة هي القيمة المطلقة، فإن الاقتصاد سيتحول إلى غاية، ويصبح الإنسان وسيلةً لخدمة رأس المال. وإذا كانت المنفعة العاجلة هي المرجعية النهائية، فإن الأخلاق ستُقاس بما تحققه من مكاسب، لا بما تمثله من حق. وإذا أصبحت اللذة هي الغاية القصوى، فإن الإنسان نفسه سيتحول إلى مستَهلكٍ دائم، وتصبح الحياة سباقًا لا ينتهي وراء الإشباع، مهما كان الثمن.

وهنا تكمن إحدى أعظم أزمات الحضارة المعاصرة. فهي لم تعانِ نقصًا في المعرفة، ولا فقرًا في الموارد، ولا ضعفًا في التقنيّة، بل امتلكت من أسباب القوة ما لم تمتلكهُ حضارة قبلها. ومع ذلك، فإن كثيرًا من أزماتها نابعٌ من اضطراب ميزان القيم؛ إذ أصبح النجاح يقاس بمقدار التَّملك لا بمقدار العطاء، وأصبحت الكفاءة تنفصل عن الأمانة، وأصبح التقدم العلمي قادرًا على إنتاج أدوات الدمار كما ينتج أدوات البناء، لأن السؤال عن ما نستطيع أن نفعله سبق السؤال عن ما ينبغي أن نفعله.

وهنا تتجلى العبادة باعتبارها عمليةً لإعادة بناء النظام القيمي للإنسان، لا بإضافة قيمة جديدة إلى قائمة القيم، بل بإعادة ترتيبها جميعًا حول مركز واحد هو الله سبحانه وتعالى. فالعبادة في جوهرها إعلانٌ أن هناك قيمةً مطلقة لا تعلو عليها قيمة، وأن كل القيم الأخرى تستمد مشروعيتها منها، وتبقى صحيحة ما دامت منسجمة معها.

ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تتوسط سورة الفاتحة، التي هي خلاصة القرآن، هذه الكلمة الجامعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. فهذه ليست جملةً تعبدية فحسب، وإنما هي إعلانٌ عن المرجعية العليا للحياة كلها. إنها تعني أن الإنسان لا يجعل المال معيارًا نهائيًا، ولا السلطة، ولا الأغلبية، ولا المنفعة، ولا حتى رغباته الشخصية، وإنما يحتكم إلى الله الذي بيده الحق المطلق، والعلم المطلق، والحكمة المطلقة.

ومن هنا فإن العبادة لا تُلغي القيم الإنسانية، بل تمنحها أساسًا ثابتًا. فالعدل، والحرية، والرحمة، والكرامة، والصدق، والأمانة، ليست في الرؤية القرآنية قيمًا نسبية تتغير بتغير المصالح، وإنما هي امتداد لإرادة الله في الأرض. ولذلك يأمر القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾[7]، فلا يجعل العدل خيارًا سياسيًا أو مصلحة اجتماعية، بل يجعله أمرًا إلهيًا تتأسس عليه حياة الأفراد والأمم.

ولذلك أيضًا يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[8]. فالعدل هنا لا يتوقف على المصلحة، ولا على العاطفة، ولا على الانتماء، بل يرتبط أولًا بالقيام لله. وكأن القرآن يريد أن يقول إنّ الإنسان لا يستطيع أن يكون عادلًا على الدوام ما لم يكن خاضعًا لمرجعيةٍ تعلو على أهوائه ومصالحه وانتماءاته.

ومن هنا نفهم أن العبادة ليست مجرد وسيلة لتزكية النفس، وإنما هي أيضًا الوسيلة التي تمنع انهيار منظومة القيم. فحين يغيب الله عن مركز الحياة، لا تختفي القيم بالضرورة، لكنّها تفقد مرجعيتها الثابتة، وتصبح قابلة للتفاوض والتبديل بحسب موازين القوة أو المنفعة. وما يعده جيل فضيلةً قد يعده جيل آخر عبئًا، وما يُحرَّم اليوم قد يُباح غدًا إذا تغيرت المصالح. أما حين تكون العبادة هي الأساس، فإن القيم تستمد ثباتها من ثبات مصدرها، لا من تقلب أهواء البشر.

وهذا هو الفارق بين الحضارة التي تؤسسها العبادة، والحضارة التي تؤسسها الرغبة. فالأولى تجعل الإنسان حارسًا للقيم حتى عندما تتعارض مع مصالحه، لأنه يعلم أنّ الحق أكبر من المنفعة، وأنّ العدلَ أسمى من المكسب، وأن الأمانة لا تُقاس بما تُحققه من ربح. أما الثانية، فإنها تجعل القيم نفسها خاضعةً لحسابات القوة، حتى يصبح الحق تابعًا للمصلحة، والعدل تابعًا للغلبة، والأخلاق تابعةً للسّوق.

ولذلك فإن انهيار الحضارات لا يبدأ عادةً بانهيار مبانيها، وإنما بانهيار ميزانها القيمي. فحين يصبح المال أغلى من الإنسان، تُباع الضمائر. وحين تصبح المنفعة أعلى من العدالة، يُشرعن الظلم. وحين تتحول القوة إلى مصدر للحق، يُستباح الضعفاء. وحين تُقدَّس اللذة، تُستهلك الموارد، ويُضحَّى بالمستقبل في سبيل إشباع الحاضر. وكل هذه ليست أزمات اقتصادية أو سياسية في أصلها، بل هي أزمات في ترتيب القيم.

ومن هنا تتجلى العبادة بوصفها عمليةً مستمرة لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية للعمران. فهي تعيد كل قيمة إلى موضعها الصحيح؛ تجعل المال وسيلةً لا غاية، والسلطة أمانةً لا امتيازًا، والعلم مسؤوليةً لا أداة هيمنة، والعمل رسالةً لا مجرد وسيلة للكسب، والإنسان مكرمًا لذاته لا بقيمته السّوقية. وبهذا تصبح جميع عناصر العمران خاضعةً لمقصد أعلى، هو تحقيق مراد الله في الأرض، لا مجرد تعظيم المنفعة أو توسيع دائرة القوة.

ولهذا فإن العبادة لا تضيف إلى الحضارة بُعدًا روحيًا فحسب، بل تمنحها معيارًا أخلاقيًا يحفظ توازنها. إنها تضمن ألا يتحول التقدم إلى طغيان، ولا الثراء إلى جشع، ولا القوة إلى استبداد، ولا الحرية إلى فوضى. إنها تجعل كل حركة في العمران مرتبطةً بسؤال سابق عليها: هل يرضى الله عن هذا؟ وحين يصبح هذا السؤال حاضرًا في ضمير الإنسان، يصبح العمران نفسه صورةً للعدل والإحسان، لا مجرد صورةٍ للتقدم المادي.

ومن هنا، فإن أول ما تبنيه العبادة بعد الإنسان هو ميزان القيم؛ لأنها تعلمه أن الحضارة لا تُقاس بارتفاع أبراجها، ولا بضخامة اقتصادها، ولا بسرعة تقنيتها، وإنما تُقاس بقدرتها على صيانة الإنسان، وإقامة العدل، وحفظ الأمانة، وتحقيق الرحمة. فإذا استقام ميزان القيم، استقام العمران، وإذا اختل الميزان، لم تنفع الحضارة كثرة أدواتها؛ لأن القوة التي لا يهديها الحق قد تصبح أسرع الطرق إلى خراب الإنسان والعالم.

ثالثا: العبادة وصناعة الإنسان المستخلَف

من العبودية إلى الاستخلاف: كيف تُخرِج العبادة الإنسان من بناء ذاته إلى بناء العالم؟

إذا كانت العبادة قد أعادت تعريف الإنسان، ثم أعادت بناء منظومة القيم التي تضبط حياته، فإنها لا تتوقف عند هذا الحد؛ لأن الإنسان، في الرؤية القرآنية، لم يُخلق ليبلغ الكمال الروحي في ذاته فحسب، بل خُلق ليحمل رسالة، ويؤدي أمانة، ويشارك في صناعة التاريخ، وإعمار الأرض، وتحقيق مقاصد الله في الحياة. ومن هنا تنتقل العبادة من بناء الإنسان إلى توجيه الإنسان نحو البناء، ومن إصلاح الداخل إلى إصلاح العالم، ومن تهذيب النفس إلى صناعة الحضارة.

وهنا نصل إلى إحدى أعظم الحقائق التي تميز الرؤية القرآنية عن كثير من التصورات الدينية والفلسفية. فبعض الفلسفات جعلت الإنسان محور الكون، ومنحته سلطةً تكاد تكون مطلقة، حتى أصبح يقيس الخير والشر بإرادته، ويحدد القيم وفق مصالحه، ويتعامل مع الطبيعة بوصفها مادةً خامًا لتحقيق رغباته. وفي المقابل، ظهرت اتجاهات روحية أخرى رأت أن كمال الإنسان يتحقق بالانسحاب من العالم، والتخفيف من مسؤولياته التاريخية، والانشغال بخلاصه الفردي، حتى بدا وكأن الطريق إلى الله يمر بالابتعاد عن الحياة.

أما القرآن، فقد رفض هذين الطرفين معًا، وصاغ تصورًا جديدًا يجمع بين السمو الروحي والفاعلية الحضارية؛ فليس الإنسان إلهًا صغيرًا في الأرض، وليس راهبًا منقطعًا عنها، وإنما هو عبدٌ لله، وخليفةٌ في الأرض. والعبودية والاستخلاف ليسا مفهومين متجاورين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة؛ إذ لا يصح الاستخلاف إلا إذا تأسس على العبودية، ولا تَكتملُ العبودية إلا إذا أثمرت استخلافًا صالحًا.

ولهذا كان أول إعلان عن مهمة الإنسان في القرآن إعلانًا عن الاستخلافِ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[9] [البقرة: 30].

ولم يقل سبحانه: “مالكًا” أو “سيدًا” أو “مسيطرًا”، بل قال: خليفة. واختيار هذا اللفظ ليس مجرد اختيار لغوي، وإنما هو تأسيس لفلسفة كاملة في علاقة الإنسان بالعالم. فالخليفة لا يتصرف وفق أهوائه، وإنما وفق إرادة من استخلفه، ولا ينظر إلى ما في يده بوصفه ملكيةً مطلقة، وإنما أمانةً مؤقتة، ولا يعمل لتحقيق مجده الشخصي، وإنما لإنجاز الرسالة التي كُلِّف بها.

ومن هنا نفهم أن الاستخلاف ليس تكريمًا مجردًا، بل هو تكليف قبل أن يكون تشريفًا. وقد أخطأت بعض القراءات حين ركّزت على جانب التكريم وحده، فأوحت للإنسان بأنّه سيّد الكون المطلق، بينما يؤكد القرآن أن هذا التّكريم مقترن دائمًا بالمسؤولية والمحاسبة. فالإنسان مُكرَّم لأنه مؤتمن، ومرفوع المنزلة لأنه حامل للأمانة، لا لأنه متحرر من كل قيد.

ولهذا يربط القرآن بين الاستخلاف والأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [[10].

إن هذه الآية لا تتحدث عن امتيازات الإنسان، بل عن ثقل المسؤولية التي يحملها. فهو الكائن الوحيد الذي قَبِل أن يكون مسؤولًا عن تحويل الإرادة الإلهية إلى واقع تاريخي، وأن يجعل من الأرض فضاءً يظهر فيه العدل، والرحمة، والحق، والإحسان. ومن هنا، فإن الاستخلاف ليس مجرد وجود الإنسان في الأرض، بل هو كيفية هذا الوجود؛ أي أن يعيش الإنسان بوصفه أمينًا على العالم، لا مستهلكًا له، ومسؤولًا عنه، لا متسلطًا عليه.

وهنا تظهر العبادة باعتبارها المدرسة التي تؤهِّل الإنسان لحمل هذه الأمانة. فالعبادة لا تمنحه المعرفة بالله فحسب، بل تمنحه أيضًا معرفةً جديدة بنفسه. إنها تذكره، في كل صلاة، أنه يقف بين يدي الله، وفي كل صيام، أن إرادته ينبغي أن تعلو على شهوته، وفي كل زكاة، أن المال الذي بين يديه ليس ملكًا مطلقًا، وفي كل حج، أنه جزء من أمة ورسالة تتجاوز حدود ذاته. وبهذا تتحول العبادات كلها إلى برنامج متكامل لإعداد الإنسان المستخلَف.

ولذلك فإن العبادة تغيّر فلسفة الملكية تغييرًا جذريًا. فالإنسان في الرّؤية المادية يتعامل مع الأشياء بمنطق. هذا لي، أما القرآن فيعلّمه أن يقول: هذا عندي أمانة. ولهذا يقول تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾[11] .

ولم يقل: مما تملكون، لأن الملكية في القرآن ليست استقلالًا عن الله، وإنما هي صورة من صور الاستخلاف. فالمال، والعلم، والسلطة، والقدرة، والوقت، وحتى العمر نفسه، كلها ليست ملكًا ذاتيًا، وإنما عطايا أُودعت عند الإنسان ليُحسن توظيفها في تحقيق الخير العام. ومن هنا ينتقل الإنسان من عقلية الامتلاك إلى عقلية الائتمان، ومن منطق الاستحواذ إلى منطق المسؤولية.

وهذا التحول هو الذي يصنع العمران الحقيقي. فالحضارة التي تقوم على عقلية الامتلاك المطلق ترى الأرض موردًا يُستنزف، والإنسان وسيلةً للإنتاج، والطبيعة شيئًا يُستغل بلا حدود. أما الحضارة التي تنطلق من الاستخلاف، فإنها ترى الأرض أمانةً ينبغي إعمارها، والإنسان مخلوقًا مكرمًا لا أداةً اقتصادية، والموارد حقًا مشتركًا بين الحاضر والمستقبل، لأن الجميع مستخلفون فيها أمام الله.

ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[12] .

وهذه الآية من أعظم الآيات المؤسسة لفلسفة العمران في القرآن. فالاستعمار هنا ليس مجرد البناء المادي، بل هو طلبٌ إلهي دائم بإحياء الأرض، وإصلاحها، وتنمية خيراتها، وإقامة العدل فيها، وصيانة التوازن بين الإنسان والكون. إن عمارة الأرض ليست مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل عبادةٌ تمتد آثارها إلى كل ما يحقق الخير للإنسان والحياة.

ومن هنا، فإن العبادة لا تُخرج الإنسان من حركة التاريخ، بل تُدخله إليها بوعيٍ جديد. فهي لا تدعوه إلى الزهد في العمل، وإنما إلى الزهد في الأنانية. ولا تدعوه إلى ترك الدنيا، وإنما إلى تحريرها من الظلم والفساد. ولا تطلب منه أن يعتزل المجتمع، بل أن يكون عنصرًا فاعلًا في إصلاحه. ولذلك فإن كل عمل نافع، إذا انطلق من نية الاستخلاف، يتحول إلى عبادة؛ لأن معيار العبادة في القرآن لا يقتصر على صورة الفعل، بل يشمل غايته ومرجعيته ومقصده.

فالطبيب الذي يحفظ حياة الناس يؤدي رسالة الاستخلاف، والمعلم الذي يبني العقول يمارس وظيفة الاستخلاف، والمزارع الذي يحيي الأرض، والمهندس الذي يعمر المدن، والقاضي الذي يقيم العدل، والعامل الذي يتقن صنعته، كلهم يمارسون العبادة حين يتحركون في إطار الأمانة التي حمّلهم الله إياها. وهكذا تتجاوز العبادة حدود الشعائر لتصبح روحًا تسري في جميع مجالات العمران.

ومن هنا يمكن القول إن الفرق الجوهري بين الحضارة القرآنية وغيرها لا يكمن في كثرة المباني أو قوة المؤسسات، وإنما في نوع الإنسان الذي يقف خلفها. فالإنسان الذي تصنعه العبادة لا يرى نفسه مالكًا للعالم، بل أمينًا عليه؛ ولا يرى النجاح في تعظيم ذاته، بل في أداء رسالته؛ ولا يقيس قيمة الإنجاز بحجمه المادي وحده، بل بمدى اقترابه من مقاصد الله في العدل والرحمة والإصلاح.

وعندما يتشكل هذا الإنسان، لا يعود العمران مجرد تراكم للأبنية والثروات، بل يصبح تجليًا للأمانة التي يحملها الإنسان في الأرض. وهنا تلتقي العبودية بالاستخلاف، ويلتقي السجود بإعمار الأرض، ويلتقي الإيمان بالحضارة؛ لأن الإنسان الذي عرف كيف يخضع لله، هو وحده القادر على أن يستخدم القوة دون أن يطغى، ويملك الثروة دون أن يفسد، ويبني الحضارة دون أن يفقد إنسانيته. وهكذا تتحول العبادة من شأنٍ فردي إلى القوة الحضارية التي تُخرِج الإنسان من حدود ذاته، ليصبح شاهدًا على الحق، وحاملًا للأمانة، وبانيًا لعمران يليق بكرامة الإنسان ومقصد الاستخلاف.

رابعا: العبادة وصناعة الضمير الحضاري

حين يصبح الرقيب في داخل الإنسان لا فوقه

إذا كان الاستخلاف يمنح الإنسان المسؤولية الحضارية، فإن هذه المسؤولية لا يمكن أن تؤدى على وجهها الصحيح ما لم تستند إلى قوةٍ داخلية تحفظها من الانحراف. فالقوانين تستطيع أن تضبط السلوك الظاهر، والمؤسسات تستطيع أن تنظم العلاقات، والعقوبات تستطيع أن تحدّ من بعض أشكال الفساد، لكنها جميعًا تقف عاجزة أمام اللحظة التي يكون فيها الإنسان وحده، لا يراه أحد، ولا يحاسبه أحد، ولا يمنعه من الخيانة إلا صوته الداخلي.

وهنا يبدأ السؤال الذي أغفلته كثير من النظريات العمرانية: من الذي يحرس الحارس؟ فإذا كان القاضي يحتاج إلى من يراقبه، والمراقب يحتاج إلى مراقب، وصاحب السلطة يحتاج إلى من يضبط سلطته، فإن السلسلة لا تنتهي إلا إذا وجد في داخل الإنسان رقيبٌ لا يغيب، ومحكمةٌ لا تنام، وضميرٌ لا يُشترى ولا يُرهب.

ومن هنا تتجلى العبادة باعتبارها ليست مجرد وسيلة لإصلاح السلوك، وإنما المدرسة التي تصنع الضمير الحضاري؛ ذلك الضمير الذي يحرس الحضارة من الداخل قبل أن تحرسها القوانين من الخارج. فالقانون يستطيع أن يمنع الجريمة إذا كانت مرئية، لكنّه لا يستطيع أن يمنع نية الغش، أو خيانة الأمانة، أو استغلال السلطة حين تُمارس في الخفاء. أما الضمير الذي تُنشئه العبادة، فإنه يجعل الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة الآخرين.

ولهذا كان القرآن يربط دائمًا بين العمل وبين مراقبة الله، لأن المقصود ليس مجرد إخافة الإنسان بالعقوبة، وإنما بناء إنسان يعيش في حضورٍ دائم لله. يقول تعالى:

﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾[13] .

إنها آية قصيرة في ألفاظها، لكنها تؤسس لواحدة من أعظم قواعد العمران. فحين يستقر في وجدان الإنسان أن الله يراه في كل لحظة، تتحول الرقابة من جهاز خارجي إلى حالة داخلية، ويصبح الصدق خيارًا حتى عندما تكون الكذبة أكثر نفعًا، وتصبح الأمانة خلقًا حتى عندما تكون الخيانة مأمونة العواقب، ويصبح العدل واجبًا حتى عندما يكون الظلم أسهل طريقًا إلى المكسب.

إن الحضارات لا تنهار غالبًا لأن قوانينها ناقصة، بل لأنها تفقد الضمير الذي يمنح هذه القوانين حياتها. فقد تكون النصوص القانونية من أرقى ما كتب البشر، لكن إذا غاب الضمير، تحولت القوانين نفسها إلى أدواتٍ للتحايل، وأصبح القانون يُستخدم لحماية الظلم بدلًا من منعه، وتحوّلت المؤسسات إلى هياكل قائمة بلا روح.

ولهذا فإن القرآن لا يبدأ ببناء الدّولة، بل ببناء الإنسان الذي يستطيع أن يحمل الدّولة دون أن يفسدها. فالفساد الإداري، والمالي، والسياسي، ليس في جوهره أزمة أنظمة، بل أزمة ضمائر. وما أكثر المؤسسات التي وُضعت لها أدق اللوائح، ثم عجزت عن منع الفساد، لأنّ الإنسان وجد ألف طريق للالتفاف على النصوص حين فقد الرقابة الداخلية.

ومن هنا نفهم لماذا كانت التقوى من أكثر المفاهيم حضورًا في القرآن. فهي ليست حالة وجدانية معزولة عن الحياة، بل هي البنيّة الداخلية التي تجعل الإنسان يحيا في وعيٍ دائم بمسؤوليته أمام الله. ولهذا يقول تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾[14] [البقرة: 282].

ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[15] .

فالتقوى ليست انسحابًا من الحياة، بل هي الوعي الذي يصاحب الإنسان في قلب الحياة. إنها تجعل صاحب المال يتذكر حق الفقير، وصاحب السلطة يتذكر حق الضعيف، وصاحب العلم يتذكر أمانة المعرفة، وصاحب القوة يتذكر أن فوق كلِّ قوةٍ قوةٌ أعلى منها.

ومن هنا يمكن القول إن العبادة لا تصنع الضمير الأخلاقي فحسب، بل تصنع ما يمكن أن نسميه الضمير الحضاري؛ أي الضمير الذي يُشعر بالمسؤولية تجاه المجتمع، والأجيال القادمة، والبيئة، والمال العام، والوقت العام، والحق العام. إنه ضمير لا يسأل فقط: “هل هذا الفعل حلال لي؟”، وإنما يسأل أيضًا: “ما أثره في الناس؟ وما أثره في مستقبل العمران؟ وهل يحقق مقصود الله في الإصلاح أم يفتح بابًا للفساد؟”

وهذا هو الفارق بين الأخلاق الفردية والأخلاق العمرانية. فقد يمتنع الإنسان عن السرقة خوفًا على سمعته، لكن الضمير الحضاري يمنعه أيضًا من إهدار المال العام، ومن تعطيل مصالح الناس، ومن الغش في عمله، ومن استغلال منصبه، لأنّه يدرك أنّ كلّ هذه الأفعال ليست أخطاء شخصية فحسب، بل اعتداء على شبكة الثقة التي يقوم عليها المجتمع كله.

إن الثقة هي رأس المال الخفي لكل حضارة. فالتجارة لا تزدهر إذا انعدمت الثقة، والقضاء لا يستقيم إذا فقد الناس الثقة في عدله، والتعليم لا يُثمر إذا انهارت الثقة في أمانة العلم، والسياسة لا تستقر إذا أصبحت الوعود مجرد أدوات للوصول إلى السلطة. وحين تنهار الثقة، تبدأ الحضارة في التآكل من داخلها، مهما بلغت قوتها الاقتصادية أو العسكرية.

والعبادة هي التي تبني هذه الثقة؛ لأنها تبني الإنسان الذي يفي بوعده لأنه وعد الله قبل أن يعد الناس، ويحفظ الأمانة لأنّه يعلم أن الله سيحاسبه عليها، ويتقن عمله لأنّ الإحسان عبادة، لا لأنّ المدير يراقبه.

ولهذا قال رسول الله ﷺ: (إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)[16]. فالإحسان هنا ليس مجرد خلق فردي، بل قاعدة حضارية؛ لأنه يعني أن يؤدي الإنسان عمله على أكمل وجه، سواء كان في مصنع، أو محكمة، أو جامعة، أو مستشفى، أو مزرعة. وعندما يتحول الإحسان إلى ثقافة عامة، يتحول المجتمع كلّه إلى بيئة تنتج الجودة، وتقاوم الفساد، وتحترم الإنسان.

ومن أعظم ما تفعله العبادة أنها تحرر الضمير من الازدواجية. فلا يعود الإنسان صالحًا في المسجد، وفاسدًا في السّوق، ولا أمينًا في عبادته، وخائنًا في وظيفته، لأنّ العبادة الحقيقية لا تقبل هذا الانفصال. إنها تجعل حياة الإنسان وحدةً أخلاقية متماسكة، يكون فيها السر والعلن سواء، والعبادة والعمل وجهين لطاعة واحدة.

ولهذا كان القرآن يربط دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح، حتى تكرر هذا الاقتران عشرات المرات. فالإيمان الذي لا يتحول إلى عمران صالح يبقى ناقص الأثر، والعمل الذي ينفصل عن الضمير يتحول إلى آلة قد تبني، لكنها قد تهدم أيضًا. أما حين يلتقي الإيمان بالعمل، ويتصل الضمير بالحضارة، فإنّ الإنسان يصبح قادرًا على أن يبني عالمًا لا يقوم على الخوف من العقوبة وحده، بل على حب الحق، وتعظيم الأمانة، واستحضار مراقبة الله.

ومن هنا نستطيع أن نقول إنّ العبادة لا تبني المساجد وحدها، بل تبني الإنسان الذي لا يحتاج في كل لحظة إلى شرطي يقف خلفه. إنها تزرع في أعماقه رقيبًا لا يغيب، ومحكمةً لا تُعطل، وميزانًا لا يميل مع الهوى. وهذا هو الضمير الحضاري الذي بدونه لا تستقيم أمة، ولا يدوم عمران، ولا تنجح أي مؤسسة مهما بلغت دقة أنظمتها.

فالحضارة لا يحفظها الإسمنت والحديد، ولا اللوائح والأنظمة وحدها، وإنما يحفظها قبل ذلك إنسانٌ يخاف أن يخون الله قبل أن يخاف أن يخون القانون. وإذا وُجد هذا الإنسان، أصبحت القوانين أكثر فاعلية، والمؤسسات أكثر نزاهة، والعمران أكثر استقرارًا؛ لأن القوة الحقيقية التي تحفظ الحضارات ليست ما يُفرض عليها من الخارج، بل ما يسكن ضميرها من الداخل.

خامسًا: العبادة وتحرير الإنسان من الوثنيات الجديدة

من عبادة الأصنام إلى عبادة الأهواء: كيف تحرر العبادة الإنسان ليبني حضارةً حرة؟

لعل من أكبر الأخطاء في قراءة القرآن أن يُظنَّ أن معركته مع الشرك كانت معركةً انتهت بانتهاء الأصنام الحجرية، أو بزوال الأوثان التي كانت تُعبد في جزيرة العرب. وهذه قراءة تختزل رسالة التوحيد في سياقها التاريخي، بينما يقدم القرآن مفهومًا أوسع وأعمق للشرك والعبودية؛ إذ لا يحصر الوثنية في حجرٍ يُسجد له، بل يراها كل حالةٍ يتنازل فيها الإنسان عن حريته الداخلية لشيءٍ من الأشياء، أو يجعل من موجودٍ محدود مرجعيةً مطلقة، تمنحه حقَّ توجيه حياته، وصياغة قيمه، وتحديد غاياته.

ومن هنا، فإن الوثنية ليست مادةً تُصنع منها الأصنام، وإنما هي بنيةٌ في الوعي، وطريقةٌ في النظر إلى الوجود، وحالةٌ يتحول فيها النسبي إلى مطلق، والوسيلة إلى غاية، والمخلوق إلى مرجع ينازع الخالق مقامه في توجيه الإنسان. ولهذا لم يكن التوحيد في القرآن مجرد إعلانٍ عقدي بأن الله واحد، بل كان أيضًا مشروعًا شاملًا لتحرير الإنسان من كل سلطةٍ تدّعي لنفسها الإطلاق، ومن كل قوةٍ تريد أن تستعبد قلبه وعقله وإرادته.

ولهذا جاء القرآن بسؤال يهز أعماق الإنسان، ولا يزال يتردد في كل عصر:

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾[17] .

إن الآية لا تتحدث عن إنسانٍ ينكر وجود الله بالضرورة، بل عن إنسانٍ جعل هواه هو المرجع النهائي، والمصدر الأعلى للأحكام، والمعيار الذي يحدد له الخير والشر، والحق والباطل. وهذا هو أخطر أنواع الوثنية؛ لأنها لا تحتاج إلى معبد، ولا إلى تمثال، ولا إلى طقوس، بل تنشأ داخل النفس حين تتربع الرغبة على عرش القلب، فيصبح الإنسان عبدًا لما يشتهي، وإن ظن نفسه حرًا.

وهنا تتجلى عظمة القرآن وإعجازه في تحليل النفس الإنسانية؛ إذ يكشف أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا معبود. فإن لم يعبد الله، عبد شيئًا آخر. فالعبادة ليست خيارًا بين أن يعبد الإنسان أو لا يعبد، وإنما هي سؤال: من يعبد؟ وما المرجعية التي يخضع لها؟ وما القيمة التي تدور حولها حياته؟

ولذلك فإن الإنسان الذي يرفض العبودية لله لا يتحرر بالضرورة، بل قد ينتقل من عبوديةٍ واحدة إلى عبودياتٍ متعددة. فقد يصبح عبدًا للمال، حتى تقاس قيمته بما يملك لا بما هو عليه. وقد يصبح عبدًا للسلطة، فلا يرى في الناس إلا درجاتٍ في سلم النفوذ. وقد يصبح عبدًا للشهرة، فيعيش أسير نظرات الآخرين إليه. وقد يصبح عبدًا للاستهلاك، فلا يعرف معنى وجوده إلا في اقتناء المزيد. وقد يصبح عبدًا للأيديولوجيا، أو للقومية، أو للعرق، أو للحزب، أو للتقنية، أو حتى للصورة التي يصنعها عن نفسه.

وهكذا تتبدل أسماء الآلهة، لكن حقيقة العبودية تبقى واحدة.

لقد حطم إبراهيم عليه السلام الأصنام الحجرية بفأسه، أما القرآن فيريد من كل إنسان أن يحطم الأصنام التي يحملها في داخله؛ لأن الصنم الخارجي لا يعيش إلا إذا وجد له مكانًا في القلب. ولهذا كانت معركة التوحيد، في جوهرها، معركة تحرير الوعي قبل أن تكون معركة إزالة التماثيل.

ومن هنا فإن العبادة ليست مجرد علاقة بين العبد وربه، وإنما هي أعظم مشروع لتحرير الإنسان عرفه التاريخ. فهي لا تضيف إليه قيدًا جديدًا، بل تزيل عنه القيود التي تراكمت حول روحه حتى ظنها جزءًا من ذاته. إنها ترده إلى فطرته الأولى، حيث لا يخضع إلا للحق، ولا ينحني إلا لله، ولا يقبل أن تتحكم في مصيره قوةٌ مهما عظمت، لأنها كلها قوى نسبية، زائلة، محدودة.

ولهذا كان القرآن يربط دائمًا بين التوحيد والحرية، وإن لم يستخدم المصطلح بصورته الحديثة. فالإنسان الموحِد هو الإنسان الذي لا يبيع ضميره من أجل مكسب، ولا يغيّر مواقفه خوفًا من سلطان، ولا يساوم على الحق طمعًا في منفعة، لأنه يعلم أن رزقه، وأجله، وكرامته، ومصيره، كلها بيد الله وحده. ومن تحرر من الخوف والطمع، تحرر من أكثر وسائل الاستعباد تأثيرًا في التاريخ.

وهنا تظهر العلاقة العميقة بين العبادة والعمران. فالحضارة التي يبنيها العبيد لا يمكن أن تكون حضارةً حرة، حتى لو امتلكت أحدث التقنيات. والعبودية هنا ليست عبودية الأجساد، بل عبودية العقول والقلوب. فالإنسان الذي يستعبدُه المال سيصوغ اقتصادًا جشعًا، والذي تستعبده السلطة سيبني نظامًا استبداديًا، والذي تستعبده شهواته سيؤسس ثقافةً استهلاكية لا تعرف حدودًا، والذي يستعبده التعصب سيقيم عمرانًا يقوم على الإقصاء والكراهية.

أما الإنسان الذي حررته العبادة، فإنه يبني حضارةً مختلفة؛ لأنه لم يعد يتحرك بدافع الخوف أو الطمع أو الغرور، بل بدافع الأمانة. إنه لا يستخدم القوة ليهيمن، بل ليحمي. ولا يجمع المال ليحتكر، بل ليعمر. ولا يطلب العلم ليتكبر، بل ليخدم الإنسان. فالتحرر الداخلي ينعكس بالضرورة على شكل العمران الخارجي.

ولذلك فإن القرآن لا يكتفي بتحريم عبادة الأصنام، بل يحذر من كل صور التأليه التي قد تتسلل إلى الحياة الإنسانية. فهو يرفض أن تتحول السلطة إلى إله، أو السّوق إلى إله، أو الأكثرية إلى إله، أو التراث إلى إله يُعطِّل العقل، أو العقل نفسه إلى إله يستغني عن الوحي. إن كل شيء إذا تجاوز حدَّه، واحتل مكان المرجعية المطلقة، أصبح وثنًا جديدًا، مهما بدا في صورته معقولًا أو متقدمًا.

ومن هنا يمكن القول إن كل عصرٍ يصنع أصنامه الخاصة. وإذا كانت الأصنام القديمة تُنحت من الحجر، فإن أصنام العصر الحديث قد تُنحت من الأرقام، أو الشاشات، أو الشعارات، أو المؤشرات الاقتصادية، أو الشهرة الرقمية، أو النّزعة الاستهلاكية. وقد لا يسجد الناس لها بأجسادهم، لكنهم يسجدون لها بقراراتهم، وأوقاتهم، وأعمارهم، وأحلامهم، حتى تصبح هي الّتي تحدد معنى النجاح، ومعنى السعادة، ومعنى الإنسان.

وهنا تتجدد رسالة العبادة في كل زمان؛ فهي لا تأتي لتحطم صنمًا تاريخيًا مضى، وإنما لتكشف للإنسان أصنامه الجديدة، وتدعوه إلى تحرير نفسه منها. إنها تعيده، في كل صلاة، إلى مركز التوحيد، ليقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فيعلن أنْ لا شيء في هذا الكون يستحق الخضوع المطلق إلا الله، وأن كل ما عداه وسيلة، لا غاية؛ وأمانة، لا معبود؛ ونعمة، لا سيد.

وهذا الإعلان اليومي ليس مجرد تكرار لفظي، بل هو إعادة بناء مستمرة للوعي. فالإنسان يعيش في عالم يمارس عليه ضغوطًا هائلة ليعبد شيئًا من دون الله؛ يعبد الصورة، أو النجاح، أو السّوق، أو اللذة، أو القوة. ولذلك يحتاج كل يوم إلى أن يجدد ميثاق حريته، ويعيد ترتيب قلبه، ويسترد مركزه الحقيقي بوصفه عبدًا لله وحده.

ومن هنا، فإن العبادة ليست نقيض الحرية كما قد يتوهم بعضهم، بل هي الشرط الأول لكل حرية حقيقية. فالإنسان لا يصبح حرًا لأنه لا يخضع لأحد، بل لأنه يخضع للحق وحده، فلا تستطيع قوةٌ في الأرض أن تشتري ضميره، أو تصادر إرادته، أو تستعبد إنسانيته.

وعندما يتشكل هذا الإنسان الحر، يصبح العمران نفسه أكثر حرية وعدلًا وكرامة. لأن الحضارة التي يبنيها أحرار القلوب ليست كالحضارة التي يبنيها أسرى الشهوات والمصالح. فالأولى تنطلق من الإنسان بوصفه أمانةً مكرمة، والثانية تنظر إليه بوصفه أداةً للإنتاج أو الاستهلاك أو الهيمنة.

وهكذا تكشف العبادة عن بعدها الحضاري العميق؛ فهي لا تكتفي بتحرير الإنسان من عبادة الأصنام القديمة، بل تحرره من كل وثنية جديدة قد تنشأ في أي عصر، لتبقى إنسانيته مصونة، وإرادته حرة، وعمرانه قائمًا على التوحيد الذي يحرر الإنسان من كل سيّدٍ إلا رب العالمين.

سادسًا: العبادة والعمران الأخلاقي والاقتصادي والسياسي

كيف تتحول العبادة إلى نظام يصنع الحضارة؟

بعد أن تُعيد العبادة تعريف الإنسان، وتبني منظومةَ قيمهِ، وتصنع فيه روح الاستخلاف، وتُنشئ ضميره الحضاري، وتُحرره من الوثنيات القديمة والجديدة، فإن أثرها لا يبقى حبيس الضمير الفردي، ولا يقتصر على تزكية النفس، بل يبدأ في التشكل داخل الواقع الاجتماعي، حتى يتحول شيئًا فشيئًا إلى عمرانٍ أخلاقي، واقتصادي، وسياسي. فالحضارة، في الرؤية القرآنية، ليست إلا الأخلاق حين تتجسد في المؤسسات، والقيم حين تتحول إلى قوانين، والإيمان حين يصبح ثقافةً ونظامًا للحياة.

وهنا ينبغي تصحيح تصورٍ شائع، وهو أن العبادة شأنٌ فردي، بينما الاقتصاد والسياسة شأنان دنيويان مستقلان عنها. فهذا التصور لم يعرفه القرآن؛ لأن القرآن لا ينظر إلى الإنسان على أنه يعيش حياتين منفصلتين: حياةً يتعبد فيها لله، وأخرى يدير فيها مصالحه بعيدًا عن هداية الله. بل يرى أن الإنسان وحدةٌ واحدة، وأن المرجعية التي تهديه في محراب الصلاة هي نفسها التي ينبغي أن تهديه في السّوق، وفي القضاء، وفي إدارة المال، وفي ممارسة السلطة.

ومن هنا، فإن العبادة ليست إضافةً روحية إلى العمران، وإنما هي الروح التي تمنح العمران معناه واتجاهه. إنها لا تقدم حلولًا تقنية لكل قضية، لكنها تُنشئ الإنسان الذي يستطيع أن يستخدم التقنية استخدامًا أخلاقيًا، وأن يبني الاقتصاد دون أن يفقد العدالة، وأن يمارس السياسة دون أن يتحول إلى مستبد.

أولًا: العبادة والعمران الأخلاقي

إن أول ما تبنيه العبادة في المجتمع هو الثقة الأخلاقية، والثقة هي رأس المال غير المرئي لكل حضارة. فليست الأسواق هي التي تصنع الاقتصاد، بل الثقة التي تجعل الناس يتعاملون في الأسواق. وليست المحاكم وحدها التي تصنع العدالة، بل الضمير الذي يجعل الإنسان يقبل العدل حتى عندما يكون على حساب مصلحته.

ولهذا فإن القرآن يربط الإيمان دائمًا بالأمانة والصدق والوفاء والإحسان، لأن هذه القيم ليست فضائل فردية فحسب، بل هي البنيّة التحتيّة لكل عمران مستقر. فإذا ضعفت الأمانة، ارتفعت كلفة المعاملات، وكثرت العقود والضمانات والرّقابة، وانشغل الناس بحماية أنفسهم بدلًا من توجيه طاقتهم إلى الإنتاج والإبداع. أما إذا أصبحت الأمانة ثقافةً عامة، انطلقت طاقات المجتمع في البناء، لأن الثقة اختصرت كثيرًا من الخوف والاحتياط.

ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾[18] .

ولم يوجه الخطاب إلى الحكّام وحدهم، ولا إلى التجار وحدهم، بل إلى الأمة كلها؛ لأن الحضارة التي تضيع فيها الأمانة لا ينهار فيها الاقتصاد فقط، بل ينهار التعليم، والقضاء، والإعلام، والإدارة، والعلاقات الاجتماعية، إذ تصبح الخيانة استثناءً يتحول شيئًا فشيئًا إلى ثقافة.

ومن هنا فإن العبادة تُحوِّل الأخلاق من مجرد مواعظ إلى قوة عمرانية؛ لأن الصدق، والإحسان، والوفاء، والعدل، ليست قيمًا للتجميل الأخلاقي، بل شروطًا لبقاء الحضارة نفسها.

ثانيًا: العبادة والعمران الاقتصادي

ولعل من أكثر المجالات التي يظهر فيها سوء الفهم هو الاقتصاد. فكثيرون يتصورون أن العبادة تدعو إلى الزهد بمعنى ترك الدنيا، بينما يقدم القرآن صورةً مختلفة تمامًا؛ إذ يجعل العمل والإنتاج والكسب الحلال جزءًا من رسالة الإنسان في الاستخلاف.

غير أن الفرق الجوهري بين الاقتصاد الذي تبنيه العبادة، والاقتصاد الذي تبنيه الفلسفات المادية، هو أنّ الأول يجعل الإنسان غايةً والمال وسيلة، بينما قد ينتهي الثاني – إذا انفصل عن القيم – إلى جعل المال غايةً والإنسان وسيلة.

ولهذا لا يحارب القرآن الثروة، وإنما يحارب تأليه الثروة. ولا يمنع التملك، وإنما يمنع الإحتكار والإستغلال والربا والظلم. إنه لا يعادي السّوق، بل يحرره من عبادة السّوق. فالمال في القرآن نعمة، لكنه ليس القيمة العليا.

ولهذا يقول تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾[19] .

إنها ليست آيةً في الصدقة فحسب، بل في فلسفة توزيع الفرص والثروة داخل المجتمع. فالاقتصاد الذي تصنعه العبادة لا يقيس نجاحه بحجم الناتج وحده، بل بمدى عدالة توزيع ثماره، وقدرته على صيانة الكرامة الإنسانية، ومنع تحوّل الثروة إلى أداة لاحتكار النفوذ وإفساد المجتمع.

ولهذا فإن التاجر الذي يراقب الله لا يحتاج في كل صفقة إلى رقيب، وصاحب العمل الذي يرى العمال أمانةً لا وسيلةً لتعظيم الأرباح يبني اقتصادًا أكثر استقرارًا، والعامل الذي يتقن عمله لأنه عبادة يرفع جودة الإنتاج قبل أن ترفعها القوانين.

وهكذا تتحول العبادة إلى رأس المال الأخلاقي للاقتصاد؛ لأنها تبني الإنسان الذي يربح دون أن يظلم، وينافس دون أن يغش، ويستهلك دون أن يسرف، ويملك دون أن يحتكر.

ثالثًا: العبادة والعمران السياسي

ولعل أخطر مجالات العمران هو المجال السياسي؛ لأن السلطة، إذا انفصلت عن القيم، أصبحت أسرع أدوات الفساد. ولذلك لم ينظر القرآن إلى الحكم بوصفه امتيازًا، وإنما بوصفه أمانةً ومسؤولية.

فالسياسة في المنظور القرآني ليست فن السيطرة على الناس، بل فن إقامة العدل بينهم. ولهذا يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾[20] .

ويقول أيضًا:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ۖ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾[21] .

إن الآية تربط بين الأمانة والعدل، وكأنها تقرر أن كل سلطة لا تقوم على الأمانة ستفقد عدالتها، وكل عدالة لا تستند إلى ضميرٍ أمين ستتحول إلى شعار.

ولهذا فإن العبادة تُغيِّر فلسفة السلطة من جذورها. فالحاكم، في الرؤية القرآنية، ليس مالكًا للرّعية، بل مستخلَفٌ عليهم، ومسؤول أمام الله قبل أن يكون مسؤولًا أمام التاريخ. والسلطة ليست ملكًا شخصيًا، بل وظيفة لخدمة الإنسان. ومن هنا فإن العبادة تزرع في قلب صاحب السلطة شعورًا دائمًا بأنه سيقف يومًا بين يدي الله ليسأله عن كل مَظلمةٍ، وكل حق ضاع، وكل أمانة أُهملت.

إن أعظم ضمانة ضد الاستبداد ليست الدساتير وحدها، مع أهميتها، بل الإنسان الذي يرى أن سلطته محدودة بحدود الشريعة والأمانة والعدل. فالقوانين قد تُغيَّر، والمؤسسات قد تُخترق، أما الضمير الذي تصنعه العبادة فيبقى الحصن الأخير الذي يمنع السلطة من التحول إلى طغيان.

وحدة العمران

ومن هنا تتكشف حقيقة أساسية، وهي أن الأخلاق، والاقتصاد، والسياسة، ليست عوالم منفصلة، بل دوائر متداخلة يغذي بعضها بعضًا. فالاقتصاد بلا أخلاق يتحول إلى جشع، والسياسة بلا أخلاق تتحول إلى استبداد، والأخلاق بلا مؤسسات تبقى أمنيات جميلة لا تغير الواقع.

والعبادة هي التي توحد هذه الدوائر جميعًا؛ لأنها تقدم مرجعية واحدة تحكمها جميعًا، فلا يصبح الاقتصاد منفصلًا عن العدالة، ولا السياسة منفصلة عن الرحمة، ولا القوة منفصلة عن المسؤولية، ولا الحرية منفصلة عن الحق.

ولهذا فإن الحضارة التي يصنعها القرآن ليست حضارة معابد منعزلة عن الأسواق، ولا حضارة أسواق تنسى المعابد، بل حضارة تمتد فيها روح العبادة إلى كل مجالات الحياة، حتى يصبح المصنع ميدانًا للأمانة، والجامعة ميدانًا للصدق، والمحكمة ميدانًا للعدل، والسّوق ميدانًا للإحسان، ومؤسسات الدّولة ميدانًا لتحمل المسؤولية.

إنّ العبادة، في هذا التصور، ليست طقسًا يضيف إلى الحضارة بُعدًا روحيًا، بل هي المنظومة التي تمنح الحضارة ضميرها، وتمنعها من أن تتحول إلى قوة عمياء. فهي التي تجعل التقدم مقترنًا بالرحمة، والقوة مقترنةً بالعدل، والثروة مقترنةً بالأمانة، والعلم مقترنًا بالحكمة.

وعندئذ يصبح العمران، بكل تجلّياته الأخلاقية والاقتصادية والسياسية، صورةً حيّةً لعبودية الإنسان لله؛ لأن المجتمع الّذي يخضع لله وحده هو الأقدر على أن يصون كرامة الإنسان، ويقيم العدل، ويحول القوة إلى خدمة، والثروة إلى أمانة، والسلطة إلى مسؤولية. وحين تبلغ الحضارة هذه المرتبة، لا تكون قد نجحت في بناء مؤسساتها فحسب، بل تكون قد نجحت أولًا في بناء الإنسان الذي يمنح هذه المؤسسات روحها ومعناها واستمرارها.

سابعًا: العبادة وإنتاج الحضارة الرحيمة

حين تصبح الرحمة روح العمران وغاية الحضارة

بعد أن تتجلى آثار العبادة في بناء الإنسان، وفي تشكيل منظومة القيم، وفي صناعة الإنسان المستخلَف، وفي بناء الضمير الحضاري، وفي تحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله، ثم في تأسيس العمران الأخلاقي والاقتصادي والسياسي، يبرز السؤال الأكبر. ما هي الصورة النهائية للحضارة التي تريد العبادة أن تنتجها؟

هل غاية العبادة أن تُنتج حضارةً قوية فحسب؟ أم حضارةً غنية؟ أم متقدمة علميًا وتقنيًا؟ أم أن هناك معيارًا آخر يسبق كل هذه المعايير؟

إن القرآن يجيب عن هذا السؤال بإجابة تختلف عن كثير من التصورات الحضارية في التاريخ. فهو لا يجعل القوة غايةً، ولا الثروة غايةً، ولا التقدم التقني غايةً، بل يجعل الرحمة هي الغاية العليا التي ينبغي أن تتجه إليها جميع عناصر العمران. فالقوة مطلوبة، ولكن لكي تحمي الرحمة. والثروة مطلوبة، ولكن لكي تحقق الرحمة. والعلم مطلوب، ولكن لكي يخدم الرحمة. والسياسة مطلوبة، ولكن لكي تقيم الرحمة بالعدل.

ولهذا لم يعرّف الله رسالة خاتم الأنبياء ﷺ بأنها رسالة قوة، أو هيمنة، أو تفوق حضاري، وإنما قال:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾[22] .

وهذه الآية ليست وصفًا خلقيًا للنبي ﷺ فحسب، بل هي إعلان عن هوية المشروع الحضاري الذي جاء به الإسلام. فالحضارة التي تنشأ عن الوحي يجب أن تكون امتدادًا لهذه الرحمة، وأن تتحول قيمها ومؤسساتها وتشريعاتها إلى أدوات لحماية الإنسان، لا لاستعباده، ولخدمته، لا لاستنزافه، ولإكرامه، لا لإذلاله.

ومن هنا، فإن الرحمة في القرآن ليست مجرد عاطفة رقيقة، ولا إحساسًا وجدانيًا عابرًا، وإنما هي مبدأ عمراني. إنها الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها العلاقات الإنسانية، والاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والقضاء، بل حتى علاقة الإنسان بالطبيعة وبالكائنات الأخرى.

ولذلك، فإن الحضارة الرحيمة لا تُقاس بعدد الجسور التي تبنيها، بل بعدد البشر الذين تعبر بهم إلى حياةٍ أكثر كرامة. ولا تُقاس بحجم ناتجها القومي وحده، بل بمقدار ما تحفظ به كرامة الضعفاء، وتصون حقوق الفقراء، وتحمي المظلومين، وتفتح أبواب الأمل أمام الإنسان.

لقد عرف التاريخ حضارات بلغت ذروة القوة العسكرية، لكنها كانت تبني مجدها على دماء الشعوب. وعرف حضارات بلغت قمة الثراء، لكنها تركت ملايين البشر على هامش الحياة. وعرف حضارات تفوقت في العلم، لكنها سخرت العلم لإنتاج أدوات الإبادة كما سخّرته لإنتاج وسائل الرفاهية. ولهذا فإن التقدم وحده لا يكفي ليكون معيارًا للحضارة؛ لأن السؤال ليس فقط: كم نستطيع أن نفعل؟ بل: لماذا نفعل؟ ولمن نفعل؟ وبأي قيم نفعل؟

وهنا تظهر العبادة بوصفها القوة التي تحفظ الحضارة من التحول إلى آلةٍ عمياء. فالإنسان الذي يقف بين يدي الله كل يوم، ويقرأ في كل ركعة:

﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾،

يتعلم أن الرحمة ليست صفةً إلهية يتأملها فحسب، بل قيمة ينبغي أن تتجلى في سلوكه، ثم في مجتمعه، ثم في حضارته. فهو يعبد ربًا جعل الرحمة تسبق الغضب، وافتتح كتابه بالرحمة، وعرّف نفسه لعباده بالرحمن الرحيم قبل أن يذكر صفات القدرة والقهر. وكأن القرآن يريد أن يغرس في وعي المؤمن أن الحضارة التي لا تعكس هذا المعنى قد امتلكت القوة، لكنها لم تمتلك روح الرسالة.

ولهذا فإن العبادة تغيّر نظرة الإنسان إلى الآخرين. فهو لا يعود ينظر إلى الناس بوصفهم أدواتًا لمصالحه، أو أرقامًا في معادلات الاقتصاد، أو وسائل لتعظيم نفوذه، بل يراهم مخلوقاتٍ كرّمها الله. ومن هنا يصبح احترام الإنسان أصلًا في كل بناء حضاري، لا منحةً تمنحها السلطة، ولا حقًا تمنحه القوة، بل تكريمًا سابقًا لكل ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[23] .

إن هذه الآية تؤسس لأحد أهم المبادئ العمرانية في القرآن؛ فكرامة الإنسان ليست ثمرة حضارة، بل هي الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه الحضارة. وكل عمران يُهدر كرامة الإنسان، مهما بلغ من القوة، يكون قد انحرف عن مقصده.

ولهذا تمتد الرحمة في الحضارة القرآنية إلى كل الدوائر. فهي رحمة بالفقير من خلال التكافل، ورحمة باليتيم من خلال الرعاية، ورحمة بالعامل من خلال العدل، ورحمة بالأسير من خلال الإحسان، ورحمة بالحيوان من خلال الرفق، ورحمة بالأرض من خلال عدم الإفساد، ورحمة بالأجيال القادمة من خلال حفظ الموارد وعدم استنزافها.

إن الرحمة هنا ليست فضيلة فردية، بل بنية حضارية. فهي تدخل في التشريع، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، وفي التربية، وفي القضاء، وفي إدارة الاختلاف، وفي التعامل مع البيئة. ولهذا فإن الحضارة الرحيمة لا تكتفي بحماية الأقوياء، بل تبدأ دائمًا من حماية الأضعف؛ لأن معيار رقي الحضارات لا يظهر في كيفية تعاملها مع الأقوياء، وإنما في كيفية تعاملها مع من لا يملكون القوة.

ومن هنا نفهم لماذا قرن القرآن بين الإيمان والعمل الصالح وإصلاح الأرض، ونهى عن الإفساد فيها بعد إصلاحها. فالرحمة ليست نقيض القوة، بل هي التي تمنح القوة مشروعيتها. وليست نقيض العدالة، بل هي التي تجعل العدالة إنسانية لا انتقامية. وليست نقيض الحزم، بل هي التي تمنع الحزم من أن يتحول إلى قسوة.

ولعل أخطر ما تواجهه الحضارات الحديثة هو أنها استطاعت أن توسع قدرتها على السيطرة على العالم أكثر مما وسعت قدرتها على الرحمة به. فازدادت إمكاناتها التقنية، لكن لم يزد معها بالقدر نفسه إحساسها بالمسؤولية الأخلاقية. ولهذا أصبحت البشرية تملك من وسائل البناء والهدم ما لم تملكه من قبل، وأصبح مصير الإنسان مرتبطًا بمدى نجاحه في إعادة وصل القوة بالرحمة.

وهنا تقدم العبادة علاجًا جذريًا؛ لأنها تبدأ من القلب قبل المؤسسة، ومن الضمير قبل القانون. إنها تعلّم الإنسان أن القوة أمانة، وأن العلم أمانة، وأن المال أمانة، وأن السلطة أمانة، وأن كل أمانة ستُسأل يومًا أمام الله. وعندما يستقر هذا الوعي، تتحول الرحمة من شعورٍ عابر إلى ثقافة، ومن ثقافة إلى نظام، ومن نظام إلى حضارة.

إن الحضارة الرحيمة ليست حضارةً ضعيفة، كما قد يُتوهم، بل هي حضارة تمتلك القوة لكنها لا تؤلّهها، وتمتلك الثروة لكنها لا تستعبد بها الناس، وتمتلك العلم لكنها لا تستخدمه لإفساد الحياة، لأنها تدرك أن قيمة الإنسان أعلى من قيمة الأشياء، وأن حفظ الكرامة مقدَم على تعظيم الأرباح، وأن العمران الحقيقي لا يقاس بما يبنيه الإنسان من أبراج، بل بما يبنيه من إنسان.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن العبادة تبلغ ذروة أثرها الحضاري حين تُنتج مجتمعًا تصبح فيه الرحمة منطقًا عامًا للحياة، لا استثناءً أخلاقيًا. ففي هذا المجتمع، لا تكون العدالة جافة، ولا القوة متوحشة، ولا الثروة أنانية، ولا الحرية فوضوية، لأن الرحمة تسري في جميع هذه العناصر، فتمنحها توازنها الإنساني.

وهكذا فإن الغاية النهائية للعمران الذي تصنعه العبادة ليست مجرد حضارة متقدمة، بل حضارة راشدة رحيمة؛ حضارة يلتقي فيها العقل بالإيمان، والقوة بالأخلاق، والحرية بالمسؤولية، والعدل بالإحسان، والإنسان بالإنسان. إنها الحضارة التي لا تكتفي بإعمار الأرض، بل تجعل من هذا الإعمار طريقًا إلى إظهار أسماء الله الحسنى في الواقع؛ فيظهر العدل لأنه العدل، وتظهر الرحمة لأنها الرحمة، ويظهر الإحسان لأنه الإحسان، فيغدو العمران نفسه شاهدًا على عبودية الإنسان لرب العالمين، وترجمةً حيةً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

ثامنًا: مقارنة ضمنية بين الرؤية القرآنية والرؤى المادية للعمران

العمران بين بناء الأشياء وبناء الإنسان

بعد هذا المسار الطويل الذي كشف كيف تبدأ العبادة بإعادة بناء الإنسان، ثم تنتهي ببناء الحضارة، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: ما الذي يميز النظرية القرآنية في العمران عن النظريات المادية التي هيمنت على الفكر الحديث؟ وهل يقتصر الاختلاف على البعد الديني، أم أن الفارق يمتد إلى طبيعة الإنسان، ومفهوم الحضارة، وغاية التاريخ، ومعيار التقدم؟

إن المقارنة هنا ليست بقصد المفاضلة الخطابية، ولا من أجل إلغاء ما أنتجته الخبرة الإنسانية من علوم وتجارب نافعة، فالقرآن لا يدعو إلى رفض الحكمة أينما وُجدت، ولا إلى الانغلاق أمام منجزات العقل البشري. بل إن سنن الله في الكون واحدة، ومن اكتشفها وانتفع بها أصاب جانبًا من الحقيقة. لكن السؤال الذي يطرحه القرآن أعمق من سؤال كيف نبني الحضارة؟؛ إنه يسأل أولًا: لماذا نبنيها؟ ولأي إنسان نبنيها؟ وما الغاية النهائية من العمران؟

وهنا يبدأ الاختلاف الحقيقي.

إن كثيرًا من الرؤى العمرانية الحديثة تنطلق من فرضية أن الإنسان هو مركز الوجود، وأن التاريخ هو تاريخ الإنسان وحده، وأن الحضارة هي حصيلة قدرته على إخضاع الطبيعة لإرادته، وزيادة إنتاجه، وتعظيم قوته، وتوسيع سيطرته على العالم. ولهذا أصبحت مؤشرات النجاح الحضاري تُقاس غالبًا بالنمو الاقتصادي، والتقدم التقني، وحجم الإنتاج، والقوة العسكرية، والقدرة على المنافسة العالمية.

ولا ريب أن هذه المؤشرات لها قيمتها، وأن الأمم التي تهملها لا تستطيع أن تنهض، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الوسائل إلى المعيار الوحيد للحكم على الحضارة. فحين يصبح الناتج الاقتصادي هو المقياس الأعلى، قد تُغفل العدالة. وحين تصبح التقنية هي القيمة المطلقة، قد يُنسى الإنسان. وحين تُقدَّس القوة، قد تُهمَّش الرحمة. وعندئذٍ يحدث انفصال خطير بين التقدم المادي والتقدم الإنساني.

أما الرؤية القرآنية، فإنها لا تبدأ من السؤال: ماذا يملك الإنسان؟ وإنما من السؤال: من هو الإنسان؟ لأن القرآن يرى أن العمران انعكاس للإنسان، وأن إصلاح الثمرة لا يكون إلا بإصلاح الجذر. ولذلك يبدأ مشروعه الحضاري من القلب قبل المصنع، ومن الضمير قبل المؤسسة، ومن العبادة قبل السلطة، ومن التزكية قبل التشريع.

ومن هنا، فإن القرآن لا يعارض بناء القوة، بل يعارض تأليه القوة. ولا يعارض الثروة، بل يعارض تحول الثروة إلى إله جديد. ولا يعارض العلم، بل يعارض انفصال العلم عن الحكمة. ولا يعارض الحرية، بل يعارض الحرية التي تنفصل عن المسؤولية.

ولهذا فإن الفرق بين الرؤيتين لا يكمن في الوسائل، وإنما في المرجعية: فالرؤية المادية تجعل الإنسان هو المرجع الأخير، بينما تجعل الرؤية القرآنية الله هو المرجعية المطلقة، والإنسان مستخلَفًا يتحرك داخل حدود الأمانة. وهذا الفارق البسيط في الظاهر يُحدث اختلافًا جذريًا في كل شيء؛ لأنه يعيد تعريف معنى النجاح، ومعنى التنمية، ومعنى التقدم، ومعنى الحضارة نفسها.

ففي الرؤية المادية، قد يُعدُّ المشروع ناجحًا إذا حقق أعلى ربح، حتى لو أفسد البيئة، أو زاد الفجوة بين الطبقات، أو أضعف الروابط الإنسانية. أما في الرؤية القرآنية، فلا يكون النجاح كاملًا إلا إذا اجتمع مع العدل، وصيانة الكرامة، وتحقيق الخير العام، لأن الربح ليس غايةً مستقلة، وإنما وسيلة ضمن منظومة أخلاقية أوسع.

وكذلك الحال في السياسة؛ فالفكر المادي قد يقيّم الدّولة بقدرتها على فرض النظام أو توسيع النفوذ، أما القرآن فيضيف سؤالًا آخر. هل تحقق هذه السلطة العدل؟ وهل تصون كرامة الإنسان؟ وهل تؤدي الأمانة التي حُمِّلت إياها؟ فالقوة، في المنظور القرآني، لا تستمد مشروعيتها من ذاتها، بل من الغاية التي تُستخدم من أجلها.

والأمر نفسه ينطبق على العلم. فالعلم في ذاته قيمة عظيمة، والقرآن أول ما دعا إليه هو القراءة، لكن العلم إذا انفصل عن الضمير قد يصبح أداةً لصناعة الدواء، كما قد يصبح أداةً لصناعة أسلحة الإبادة. ولهذا لا يسأل القرآن عن مقدار العلم وحده، بل عن اتجاهه، ومقصده، والإنسان الذي يستخدمه.

ومن هنا، فإن الرؤية القرآنية لا تنكر أهمية المؤشرات المادية للحضارة، لكنها ترفض اختزال الحضارة فيها. فكم من أمةٍ بلغت ذروة الثراء، لكنها عاشت فراغًا روحيًا، أو تفككًا أسريًا، أو أزمةً أخلاقية، أو اتساعًا في الشعور بالوحدة والقلق والانتحار، مما يكشف أن الوفرة المادية، على أهميتها، ليست كافية لضمان ازدهار الإنسان.

ولذلك فإن القرآن يلفت النظر إلى أن العمران قد يبلغ أوجَهُ في ظاهره، بينما تكون بذور انهياره قد نمت في باطنه. ويشير إلى هذه الحقيقة في أكثر من موضع، منها قوله تعالى:

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾[24].

فالآية لا تربط سقوط العمران بقلة الموارد، بل بفساد البنية الأخلاقية التي تقود المجتمع. وكأنها تقرر أن الحضارات لا تسقط حين تضعف مواردها أولًا، وإنما حين يفسد الإنسان الذي يدير تلك الموارد.

وهذا هو جوهر النظرية القرآنية في العمران؛ فهي ترى أن الانهيار الأخلاقي يسبق الانهيار الحضاري، وأن الفساد في الضمير يسبق الفساد في المؤسسات، وأن سقوط القيم يسبق سقوط الدول. ولهذا لا تبدأ عملية الإصلاح من تغيير الأبنية، بل من تغيير الإنسان، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[25].

وهنا تتجلى العبادة باعتبارها العنصر الذي يغيب غالبًا عن الرؤى المادية للعمران. فهي ليست إضافةً روحية إلى مشروع التنمية، بل هي القوة التي تحفظ التنمية من الانحراف. إنها تمنع الإنسان من أن يتحول إلى عبدٍ لما يصنعه بيديه، وتمنع الحضارة من أن تفقد إنسانيتها وهي تحقق تقدمها.

إن الفرق بين الرؤيتين يشبه الفرق بين من يبني شجرةً بالاعتناء بأوراقها، ومن يبدأ بالعناية بجذورها. فالأوراق مهمة، لكنها لا تعيش إذا جفَّ الجذر. وكذلك الاقتصاد، والسياسة، والعلم، والتقنية، كلها أغصانٌ وأوراق، أما الجذر فهو الإنسان، وجذر الإنسان هو قلبه، ومنظومة قيمه، وعلاقته بالله. فإذا صلح الجذر، استطاعت الأغصان أن تزهر وتثمر. وإذا فسد، لم تُغنِ كثرة الأوراق عن الشجرة شيئًا.

وليس معنى ذلك أن القرآن يقدم بديلًا عن العلوم الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، وإنما يقدم الإطار المرجعي الذي يمنح هذه العلوم غايتها الإنسانية والأخلاقية. فهو لا ينافسها في أدواتها، بل يهديها في مقاصدها. إنه يجيب عن سؤال: لماذا؟ بينما تجيب العلوم عن سؤال: كيف؟ وإذا انفصل الجوابان، أمكن أن يتحول أعظم إنجاز علمي إلى أعظم كارثة إنسانية.

ومن هنا يمكن القول إن الرؤية القرآنية لا تعارض الحضارة الحديثة، لكنها تدعو إلى إعادة إنسانيتها. فهي لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن العلم، بل أن يربطه بالحكمة. ولا أن يترك الاقتصاد، بل أن يربطه بالعدالة. ولا أن يهجر السياسة، بل أن يربطها بالأمانة. ولا أن يرفض القوة، بل أن يجعلها في خدمة الرحمة.

وهكذا يتبين أن الفارق بين الرؤية القرآنية والرؤى المادية ليس فارقًا بين الدين والدنيا، ولا بين الروح والمادة، وإنما هو فارق بين حضارةٍ تجعل الإنسان وسيلةً لخدمة الأشياء، وحضارةٍ تجعل الأشياء كلها وسائل لخدمة الإنسان، ثم تجعل الإنسان نفسه مستخلَفًا في خدمة المقصد الأعلى الذي خُلق من أجله.

وعند هذه النقطة تلتقي جميع المحاور السابقة في حقيقة واحدة. إن العبادة ليست خروجًا من مشروع العمران، بل هي الروح التي تمنحه وجهته، والميزان الذي يحفظ توازنه، والغاية التي تمنع تحوله إلى قوةٍ بلا أخلاق، أو تقدمٍ بلا إنسان، أو حضارةٍ بلا روح. ومن هنا يصبح الطريق إلى بناء حضارةٍ راشدة لا يبدأ من زيادة الثروة وحدها، ولا من تعظيم القوة وحدها، وإنما من إعادة بناء الإنسان الذي يعرف لماذا يعيش، ولمن يعمل، وإلى أي غاية يتجه عمرانه.

تاسعا: الخاتمة

العبادة: النظرية القرآنية المؤسسة للعمران الإنساني

من بناء الإنسان إلى بناء الحضارة… ومن العبادة الكلية إلى العبادات التفصيلية

بعد هذه الرحلة الفكرية يتضح أن القرآن لا يقدم العبادة بوصفها مجموعة من الشعائر الدينية التي تنظم علاقة الإنسان بربه فحسب، بل يقدمها باعتبارها النظرية المؤسسة للعمران الإنساني، والأساس الذي تنبني عليه الحضارة من جذورها. فالعبادة ليست جزءًا من مشروع العمران، وإنما هي الإطار الكلي الذي يمنح العمران معناه، ويوجه مساره، ويحفظ غايته.

لقد حاولت هذه الدراسة أن تنتقل بالعبادة من معناها الجزئي المتداول إلى معناها القرآني الكلي. فليس المقصود بالعبادة مجرد أداء الصلاة، أو الصيام، أو الزكاة، أو الحج، على جلالة هذه العبادات، وإنما المقصود أولًا أن يعيش الإنسان حالةً دائمة من الخضوع لله، والتسليم لإرادته المطلقة، والانقياد لحكمته، والثقة بتدبيره، واستحضار حضوره في كل حركة من حركات الحياة.

ومن هذا المعنى الشامل تنبثق جميع صور العمران. فالإنسان لا يستطيع أن يعمّر الأرض قبل أن يعمّر نفسه. ولا يستطيع أن يقيم العدل في المجتمع قبل أن يقيم العدل في ضميره. ولا يستطيع أن يبني حضارة مستقرة إذا كان داخله ممزقًا بين أهوائه، أو مستعبدًا لشهواته، أو خاضعًا لوثنيات العصر الجديدة.

ولهذا لم يبدأ القرآن بإصلاح المؤسسات، وإنما بدأ بإصلاح الإنسان، لأن الإنسان هو المادة الأولى التي تُصنع منها الحضارات. فإذا صلح الإنسان، استطاع أن يصنع مؤسسات صالحة، وإذا فسد الإنسان، استطاع أن يفسد أفضل المؤسسات وأدق القوانين.

وهذه الحقيقة هي التي تجعل النظرية القرآنية في العمران تختلف عن كثير من النظريات الاجتماعية والسياسية الحديثة. فمعظم هذه النظريات تبدأ من الخارج؛ من الاقتصاد، أو السياسة، أو القانون، أو التكنولوجيا، ثم تفترض أن الإنسان سيتغير تبعًا لتغير هذه البنى. أما القرآن فيسلك طريقًا آخر؛ يبدأ من الداخل، من القلب، ومن الوعي، ومن الضمير، ومن إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالله، ثم يجعل هذه العلاقة مصدرًا لإعادة تشكيل المجتمع والتاريخ.

ومن هنا، فإن العبادة ليست مرحلةً تسبق العمران ثم تنتهي، بل هي القوة التي تغذي العمران في كل لحظة. فكلما ضعفت العبادة بمعناها القرآني، ضعفت الأخلاق، وإذا ضعفت الأخلاق اضطربت الثقة، وإذا اضطربت الثقة ضعفت المؤسسات، وإذا ضعفت المؤسسات بدأ العمران في التآكل، وإن بقيت مظاهره المادية قائمة لبعض الوقت.

ولهذا يمكن أن نصوغ الفكرة المركزية لهذه النظرية في عبارة واحدة:

إن العمران ليس ما يبنيه الإنسان بيديه، وإنما ما تبنيه العبادة في الإنسان أولًا، ثم يفيض منه إلى العالم.

فالمباني قد تشيدها القوة. والاقتصاد قد تصنعه الخبرة. والدولة قد تؤسسها السياسة. لكن الحضارة التي تستحق البقاء لا يصنعها إلا الإنسان الذي صاغت العبادة روحه، وأعادت ترتيب قيمه، وحررت إرادته، وربطت حركته كلها بالله.

ومن هنا أيضًا يتبين أن العبادات في الإسلام ليست عبادات متجاورة لا يجمعها رابط سوى أنها أوامر شرعية، بل هي حلقات متكاملة في مشروعٍ واحد لصناعة الإنسان المستخلَف.

فالصلاة تبني الصلة الدائمة بالله، وتعيد تنظيم الزمن والوعي. والصيام يبني سلطان الإرادة على الشهوة، ويحرر الإنسان من استبداد الرغبة. والزكاة تعيد بناء فلسفة المال، وتمنع تحوله إلى وثن. والحج يعيد تشكيل وعي الأمة ووحدة المقصد الإنساني. والذكر يطهر القلب من الغفلة. والدعاء يحرر الإنسان من وهم الاكتفاء بذاته، ويغرس فيه معنى الافتقار الدائم إلى الله.

وهكذا تؤدي كل عبادة وظيفة خاصة، لكنها جميعًا تتحرك داخل المشروع العمراني نفسه، وتشارك في صناعة الإنسان الذي يحمل رسالة الاستخلاف.

ولهذا فإن هذا الفصل لا يمثل نهاية البحث، بل يمثل الإطار النظري العام الذي تندرج تحته جميع الدراسات اللاحقة. فهو بمثابة الجذر الذي تتفرع منه الأغصان، أو الأصل الذي تتولد منه التطبيقات. ومن دون هذا الأصل قد تبدو كل عبادة مجرد شعيرة مستقلة، بينما يكشف هذا المنظور أن جميع العبادات تشكل منظومة متكاملة لبناء الإنسان والحضارة.

ومن هنا، فإن الانتقال إلى دراسة الصلاة والعمران ليس انتقالًا من موضوع إلى موضوع آخر، بل هو انتقال من النظرية الكلية إلى التطبيق الأول.

فإذا كانت العبادة بمعناها الشامل هي المنهج الذي يعيد بناء الإنسان، فإن الصلاة هي المدرسة اليومية التي تترجم هذا المنهج إلى واقع حي. إنها أول ورشةٍ تربوية يعيد القرآن فيها تشكيل الإنسان خمس مرات في اليوم؛ يعيد ترتيب وعيه، ويهذب إرادته، ويحرر قلبه من التشتت، ويربطه بمركز الوجود، حتى لا تبتلعه حركة الحياة، ولا تستهلكه صراعات الدنيا، ولا تنسيه مشاغل العمران غاية العمران.

ومن هنا يمكن القول إن الصلاة ليست مجرد ركن من أركان الإسلام، وإنما هي القلب النابض للنظرية العمرانية القرآنية. فإذا كانت العبادة هي الروح العامة التي تبعث الحياة في الإنسان، فإن الصلاة هي الإيقاع اليومي الذي يحفظ لهذه الروح حضورها واستمرارها. إنها الجسر الذي يصل السماء بالأرض، والغيب بالشهادة، والروح بالتاريخ، والإنسان برسالته.

ولهذا سيكون الفصل القادم محاولةً للإجابة عن سؤالٍ جوهري:

كيف استطاع القرآن أن يجعل من صلاةٍ لا تستغرق في مجموعها إلا دقائق معدودة كل يوم، قوةً قادرة على صناعة الإنسان، ثم على صناعة الحضارة؟

وهناك سنبدأ أول التطبيقات العملية لهذه النظرية، لنرى كيف تتحول الصلاة، في الرؤية القرآنية، من عبادة يؤديها الفرد، إلى قوة عمرانية تعيد بناء الزمن، والوعي، والأخلاق، والمجتمع، والتاريخ، فتغدو بحق معراج الإنسان إلى الله، ومنطلقه إلى إعمار الأرض.

وبذلك يكتمل الإطار النظري لسلسلة “العبادات والعمران: نظرية قرآنية في العمران الإنساني”، ويصبح هذا الفصل بمثابة الأساس الفلسفي والقرآني الذي ستنبني عليه الفصول اللاحقة: الصلاة والعمران، والزكاة والعمران، والصيام والعمران، والحج والعمران، والذكر والعمران، والدعاء والعمران، لتشكل هذه الدراسات، في مجموعها، محاولةً لتقديم قراءة قرآنية متكاملة تعيد وصل العبادة بالعمران، والروح بالحضارة، والإنسان برسالته في الاستخلاف، حتى يعود الدين، كما أراده القرآن، قوةً لبناء الإنسان، ومن خلاله قوةً لبناء العالم.


[1] الذاريات، 56.

[2] الرعد، 11.

[3] الإسراء، 1.

[4] النهف، 1.

[5] البقرة، 23.

[6] الجاثية، 23.

[7] النحل، 90.

[8] المائدة، 8.

[9] البقرة، 30.

[10] الأحزاب، 72.

[11] الحديد، 7.

[12] هود، 61.

[13] العلق، 14.

[14] البقرة، 282.

[15] الحجرات، 13.

[16] رواه مسلم.

[17] الجاثية، 23.

[18] النساءو 58.

[19] الحشر، 7.

[20] النحل، 90.

[21] النساء، 58.

[22] الأنبياء، 107.

[23] الاسراء، 70.

[24] الاسراء، 16.

[25] الرعد، 11.