الجمعة، 24 أبريل 2026

قرى الكوابيس والرعب

 قرى الكوابيس والرعب

محمد صالح البدراني



 صراع الكوابيس والأوهام:


لحظة صراحة مواطن تعوّد تحمل الهموم والعيش في بلاد الخوف والرعب، بدل أن تخدمه السلطات يخدمها وهي بدل أن تحميه تظلمه، فإن لم يشبعها لحمه قرقشت عظمه، وبلغنا ما بلغنا من التخلف. لقد أسمى الله جل وعلا أوطان الظلم بالقرى رغم أنها تحمل مدنية عصرها، وأسمى مواطن العدل بالمدن لأن فيها العدل. 
فالتمدن إذن ليس بالعمارة والتقدم التكنولوجي فقط، بل بما يدل على نجاح المنظومة العقلية بإحياء الإنسانية والسلوك الصائب عندما يتلاشى الظلم وإن ظهر أحبط. 
وليس الإسلام بأنك ترث دينا لا تفقهه، بل الإسلام أن يسلم الناس من لسانك ويدك وأن تقيم العدل، وليس أن تتعصب للأساطير والأوهام أو تريد أن تعلو في الأرض تستبد وتبيد غيرك، هذه الحيوانية -وهنا أظلم الحيوان لأنه لا يقتل إلا لحاجة- ليست الإسلام.

رأينا العالم الافتراضي قبل أن ينشأ على الإنترنت، وإنما في مساحة الدماغ التي ترسم سيناريوهات القهر وما يفرزه القهر من تشوه في طفرات الإبداع لتموت كما ماتت الأحلام في عالم الكوابيس وقرى الرعب التي تتنكر بلبوس المدنية؛ عالمنا الذي ما زلنا نعيشه مذ أن وعينا. 
ونحن نسمي الوهم أملا، والحلم نخافه وننكر أننا حلمناه، نزعم أننا لا نعرفه طلبا للنجاة من جريمة الحلم؛ غير أننا نحقق أحلام السادة العظام الحكام على مر العصور والزمان، وهم مجموعة من الجهلة يظنون بنا الجهل لتجاهلنا.

مساحة الدماغ هذه هي ساحة الحرية التي يمارس فيها الرد على القهر والظلم، لكن لا فعل على الواقع، فالواقع هو واقع الطغاة وكل سرّاق النهار الذين ترقوا عن سرّاق الليل في غفلة الزمن، فلا زمن راحة عبر عشرات السنين بل نُقِل عبر أجيال المظلومين مئات السنين؛ وهل سيحاسب الله المظلومين لسكوتهم على الظلم أو اعتيادهم له، أم يحاسب الظالم على طغيانه؟ وما أشقانا إن كنا بعد كل هذا نستحق جهنم، وسنرى هنالك الظالم والمظلوم في وحدة العقاب واختلاف الذنوب، وكل وصل إلى مكانه بعلاقته مع الآخر.

سنن الكون لا تحابي:

للكون سنن وضعت والعدل كل العدل في تطبيقها، فهي معايير لقياس منظومة البشر العقلية، هي معيار نجاح الآدمية؛ عندما تخرج الآدمية من صناديق الجمود والتخلف والفساد الباطني والإيمان الظاهري ومعرفة قشرية؛ فلا فهم ولا وضوح للقضية.

المحتلون لا يعملون لمصلحتك:

هذه البلاد هي بلاد التصادم (clash zone)، حيث تتشابك بعنف أحيانا مصالح الآخرين، عندما يدعمون الظلم في المنطقة؛ ليس حبا في الظالم ولا علاقات استراتيجية مع المتخلفين في نظرهم، ورأينا أن قواعدهم ليست حماية للدول الوظيفية في المنطقة، فالدولة الغربية الحديثة لم تُبنَ على قيم أخلاقية وإنما بنيت على المنفعة، وما يطبق عندها من قوانين هي لحماية النظام بالاستقرار فالمدنية لا تتطور في بيئة مضطربة كبيئتنا، وما نراه هو استيراد وتقليد، ولا يظن أحد أنه بمنأى عن الانكسار وأن يعاد إلى واقع ما قبل استيراده للمدنية، أو ارتأى أن يقلد نتاجها العسكري ولم يغير عقليته التي تنتمي إلى ما قبل الإسلام بالهيمنة والغزو، ولم يبن علاقات سياسية ناعمة تحفظ الرفاهية ومصالح الجميع.

لا شك أن ما قلته أعلاه هو وهْم وحلم اليقظة في واقعنا، ومن الصعب أن نتقبل الأمر رغم وضوحه وإدراكه، فحين تستسلم الشعوب للأساطير وترى الحكومات الهشة تنهار ثم لا يأتي بديل مناسب والشعب لا يملك إلا إصدار الأصوات والدوران حول النار ثم ينتظر تصفية أخرى ويظن أنها ستحقق أوهامه عندما يقسم المجتمع؛ ولكل جزء حلمه الوهمي الذي مُنِحَ له وعلاقاته الاستراتيجية (كما يظن)، وأن الأيام ستأتي بهذا المستغل لحلمه فيحققه، وهو أداته بابتزازك وتوجيه غضبك لنحر إخوتك وتترسك بساتر الوهم فيخفف الثمن على عدوكم في تحقيق مسار تحقيق أهدافه.

الحروب للهدم لا للبناء:

الصراعات هي مقدمات حروب، والحروب لتنمية الكراهية والهدم للإنسان قبل البناء. الأهداف لا تتحقق بالميوعة والتفاهة، والناس كما نرى اليوم يتمسكون بتلابيب المعتقدات الغريبة، ويرون مجتمعاتهم وإمعانها بالتخلف، وهم يتمسكون بهدم أسباب نهضتها وأدوات رقيّها، ولا يمكن أن تبنى البلاد بالتفرقة والكراهية والفساد.

سنن الكون:

الظلم لا يدوم: ومهما دام فدماره أكبر، وما أسوأ الظلم من ظلم إخوتك، من قوم أو دولة أو أفراد، والنأي بالنفس عن الظلم نجاة وإن لم تنج منه في الدنيا، لكن السعي للقضاء عليه بالحوار والكلمة الطيبة وتجنب الفتن هو نجاة عملية لفاعله.

العمل هو سنة كونية حتمية وقانون إلهي ثابت رُكّب عليه الكون لاستمرار الحياة. والعمل نوعان في زمننا مع الظلم الطاغي فيه؛ عمل مع الظالم ويصب في برنامجه عندما أكون أداة له أو أطلق أوهامي وأنا أخدع النفس بزخرف الحياة والرفاهية الشخصية، على حساب من أزعم أني أعمل لهم، وهذا طغيان عبد الظالم وهو أشد ظلما من سيده الظالم.. وعمل ضد الظلم، ومواضع التغيير وكيفيتها واضحة لكن الأخذ بحرفها يحرفها، وهو من الجهل وفساد النفوس حرّف الدرب إلى غاياتها، فالقوة عند التمكين وعندما لا يكون الظالم أخاك، واللسان مع الطغيان من الحكومات والمتنفذين، والقلب بالصبر على الأذى من أخ وصديق، وعندما يكون للناس حكم رشيد فهو سيعيد تعريف هذه المعاني العظام.

خلاصة القول: نحن لا نحلم وإنما نعيش واقعا افتراضيا لا فاعلية لنا فيه، لأن من يحلم يسعى ونحن ساكتون، ننصح الضعيف ولا نعينه، ونسكت عن الطاغي ولا نناصحه؛ وهكذا، فهو تناقل دوار الألم جيلا بعد جيل وأبدلنا الرقي والعظمة بالهوان والتفاهة.

هل انتهى عصر الهيمنة الأميركية؟ وكيف نستعد للمرحلة المقبلة؟

د.عطية عدلان 



العالم يعاد تشكيله، والقوى الكبرى تتآكل من الداخل ... فهل نحن مجرد مراقبين وأتباع لوجوه جديدة، أم يمكن أن نكون شركاء في التحولات القادمة؟

في هذه الحلقة من ظلال بودكاست نغوص مع الدكتور عطية عدلان في تفكيك المشهد العالمي الراهن، لنكشف قضية أفول الغرب بعيدًا عن الأوهام، ولماذا بقيت المراجعات الفكرية تراوح مكانها دون تقديم مشروع حضاري حقيقي…

محاور الحلقة:

  • هل انتهى العصر الأميركي حقًّا؟
  • ما علاقة الانهيار القِيَمي بهذا الأفول؟
  • ما العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية؟
  • لماذا لم تنجح الحركات الإسلامية في صناعة تغيير حقيقي؟
  • كيف نقرأ تراجع الغرب دون أن نخدع أنفسنا؟
  • هل الأمة الإسلامية اليوم جاهزة لوراثة تلك اللحظة؟
حلقة تتجاوز الأمنيات والأحلام، وتضعنا أمام الحقيقة والسؤال الأصعب:
إذا كان الغرب إلى أفول، فأين مشروعنا نحن؟


الطاعون.. الوباء الذي أسقط الدولة الأموية

الطاعون.. الوباء الذي أسقط الدولة الأموية
 

 – في الثالث والعشرين من أبريل.. تمرّ ذكرى لا تُروَى لمجرد التأريخ، بل لتُستعاد فيها العِبَر وتُقرأ سطور النهاية.

– الدولة الأموية.. الصرح الذي ملأ الدنيا فتوحات، وأوصل راية الإسلام من أقصى الشرق إلى أبواب الغرب، لم يُسقطها سيف عدوٍ ظاهر، ولم تقوّضها مؤامرة عابرة.. بل أنهكها الطاعون، ذلك الرعب الصامت القادم من الأزمنة البعيدة ينشر الموت ويملأ القبور.

– وَمَرَّت 1276 سنة ميلادية، على السقوط الكبير لدولة بني أمية التي حَكَمَت العالم

– دولة بني أمية: أُول أُسرة حاكمة مسلمة، وبداية الحُكم العضود، إذ حكموا من سنة41هـ (662م) إلى 132هـ (750م)، (88 سنة)

وكانت العاصمة:

1- دمشق (661م–744م)

2- حرَّان (مدينة تركيّة) (744م–750م)

– خلفاء الدولة الأموية:

1- معاوية بن أبي سفيان (661م إلى 680م)

2- يزيد بن معاوية (680م إلى 683م)

3- معاوية بن يزيد (683م إلى 684م)

4- مروان بن الحَكَم (683م إلى 685م)

5- عبد الملك بن مروان (685م إلى 705م)

6- الوليد بن عبد الملك (705م إلى 715م)

7- سليمان بن عبد الملك (715م إلى 717م)

8- عمر بن عبد العزيز (717م إلى 720م)

9- يزيد بن عبد الملك (720م إلى 724م)

10- هشام بن عبد الملك (724م إلى 743م)

11- الوليد بن يزيد (743م إلى 744م)

12- يزيد بن الوليد (744م إلى 744م)

13- إبراهيم بن الوليد (744م إلى 745م)

14- مروان بن محمد (745م إلى 750م)

 فتوحات الخلافة الأموية:

تُعدّ دولة بني أمية دولة الفتوحات الإسلامية بامتياز؛ فقد كان العصر الأموي من أكثر العصور زخمًا بالامتداد شرقًا وغربًا، حتى بلغت فيه الدولة الإسلامية أقصى اتساعٍ جغرافي في تاريخها.

بلغت الخلافة الأموية ذروة اتساعها في عهد الخليفة العاشر هشام بن عبد الملك؛ إذ امتدت حدودها من أطراف الصين شرقًا حتى جنوب فرنسا غربًا. وقد شهد كل عهد من عهود خلفاء بني أمية موجاتٍ من الفتوحات، من أبرزها:

فتوحات قتيبة بن مسلم:

قاد قتيبة جيش المشرق الأموي، ففتح بلاد ما وراء النهر، وكان يطمح إلى مواصلة الفتح شرقًا.

دخل مدنًا كخوارزم، وسجستان، وسمرقند، وبخارى، حتى خضعت له تلك البلاد، ووصل إلى أسوار الصين، ثم توغّل داخل أراضيها حتى بلغ مدينة كاشغر، وجعلها قاعدةً إسلامية. ويُعدّ هذا أقصى ما بلغته الجيوش الإسلامية في آسيا شرقًا، ولم يتجاوزه أحد بعدها.

وكان يطمح إلى فتح الصين لولا عزله ثم مقتله.

فتوحات سلم بن زياد:

أمير أموي، كنيته أبو حرب.. عبر نهر جيحون، وهزم الترك، وتوغّل في بلاد التبت، محققًا تقدمًا لافتًا في تلك الجبهة.

فتوحات محمد بن القاسم الثقفي ومن جاء بعده:

افتتح بلاد السند (باكستان الحالية)، ثم واصل القادة من بعده التقدم داخل شبه القارة الهندية، فدخلوا مناطق واسعة من غرب ووسط وشمال الهند، بما فيها إقليم راجبوت.

فتوحات مروان بن محمد:

قاد حملات عسكرية حين كان أميرًا على أرمينية وأذربيجان، بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك، ضد إمبراطورية الخزر وممالك جورجيا وأبخازيا.

وتمكّن من فتح مدن عدة، وفرض الجزية، وبسط النفوذ الإسلامي في القوقاز بعد إخضاع ممالكه.

 حملات مسلمة بن عبد الملك:

قاد حملات متواصلة على الإمبراطورية البيزنطية وقبائل البلغار، فغزا الأناضول مرارًا، حتى بلغ أسوار القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) سنة 717م، وعبر إلى الجانب الأوروبي في محاولة لعزلها، حيث خاض مواجهات مع البلغار.

حملات عقبة بن نافع وفتح إفريقيا:

افتتح عقبة مناطق واسعة من شمال إفريقيا، شملت ليبيا وتونس والجزائر، حتى بلغ المغرب، وأسس مدينة القيروان لتكون قاعدةً عسكرية للمسلمين.

ورغم استشهاده، فقد مهّد الطريق لمواصلة الفتوحات في عمق إفريقيا، حيث توغّل الأمويون في مناطق واسعة، ونشروا الإسلام بين سكانها.

فتوحات ولاة الأندلس:

تمكّنت الدولة الأموية من فتح الأندلس (إسبانيا والبرتغال)، ثم واصل الولاة التقدم إلى ما وراء جبال البرينيه، فدخلوا جنوب فرنسا، وتساقطت أمامهم الحصون. ورغم هزيمتهم في معركة بلاط الشهداء، فقد استمر وجودهم العسكري، ففتحوا مدنًا مثل ليون وجرينوبل، وحاصروا جنيف ولوزان، وسيطروا قرابة قرن على ممرات جبال الألب الإستراتيجية.

بهذا الامتداد الواسع، شكّلت الفتوحات الأموية مرحلة مفصلية في التاريخ الإسلامي، حيث لم تكن مجرد توسّع جغرافي، بل أسهمت في نشر الثقافة الإسلامية، وفتح آفاق حضارية جديدة امتدت آثارها لقرون طويلة.

الطاعون.. الوباء الذي أسقط الدولة الأموية

– يقول ابن حجر العسقلاني: لم تتوقف الأوبئة والطاعون طوال حُكم الأمويين (662م – 750م)، وضربَ الطاعون الدولة الأموية منذ أن تولّى معاوية بن أبي سفيان، حتى انتهاء الخلافة الأموية بنهاية آخر خليفة أموي: (مروان بن محمد) سنة 750م

– كان الاستثناء الوحيد في تاريخ الدولة الأموية من الأمراض والأوبئة؛ هي مُدّة: (سنتان و5 شهور و4 أيام) التي حكمَ فيها الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبد العزيز (معجزة الإسلام)، وحفيد الفاروق عمر بن الخطاب.. سبحان الله!!!

– ويقول الثعالبي في كتابه (ثمار القلوب): أدّت الطواعين (جمع طاعون) المتعاقبة إلى إنهاك الدولة الأموية فساهمت في سقوطها على أيدي العباسيين.

– يقول ابن تغري بردي (تُوُفي سنة 1470م) في كتابه: “النجوم الزاهرة” إنه أحصى 20 طاعونا في تاريخ الدولة الأموية، بمعدل طاعون في كل 4 سنوات ونصف سنة، وأن الطاعون هو الذي قضى على الدولة الأموية، وأتى بالعباسيين.

– ويذكر لنا المؤرخ أبو العباس محمد بن يزيد، المعروف بالمُبَرِّد (تُوُفي سنة 899م) في كتابه: “التعازي والمراثي” مقتطفاتٍ من فتك هذا الطاعون الجارف؛ فيقول: “هلك في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفاً”

– ويذكر ابن قتيبة (مات سنة 889م) في موسوعة “الشعر والشعراء” : (لم يكن يحضر صلاة الجمعة سوى سبعة رجال) وعندما سُئِل ابن عامر إمام الجامع: أين الناس؟ قال: تحت التراب”!!

كلمة حق وإنصاف:

بلغت الدولة الإسلامية أكبر مساحة لها بعد الفتوحات التي قامت بها الدولة الأموية، ورغم أن المؤرخين يطلقون عليها (دولة الحُكم العضود) ودولة الطاغية الحجاج الثقفي، إلا أنها صاحبة معظم الفتوحات الإسلامية، فهي حَقًا (دولة الفتوحات والانتصارات) حيث وصلت مساحتها من الصين شرقًا إلى فرنسا غربًا، ونجح الأمويون في القضاء علي الفتن والقلاقل، وتوحيد رُقعة العالم الإسلامي تحت راية واحدة، ورغم تعاطف معظم الناس مع العباسيين الذين حكموا حوالي (5 قرون)، إلا أن فتوحاتهم لا تساوي عُشر فتوحات الأمويين الذين حكموا (88 عاما) فقط.

فوق السلطة 489 - كوريا الشمالية واستئناف الـحرب

فوق السلطة 489-كوريا الشمالية واستئناف الـحرب





فوق السلطة: الناتو يفعّل خطة الطوارئ وكوريا الشمالية تتأهب نوويا
ترسم التحولات الجيوسياسية المتسارعة ملامح مشهد دولي شديد التعقيد، فبينما ينشغل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بترميم جدرانه الداخلية تحسبا لانسحاب أمريكي محتمل، تواصل بيونغ يانغ بصمت وتيرة تسلحها النووي.

وداخل أروقة حلف "الناتو"، تتبلور ملامح خطة طوارئ غير معلنة، لم تعد تستهدف تطوير الحلف بقدر ما تسعى لتأمين قدرته على البقاء حال انسحاب الولايات المتحدة منه، وفق ما جاء في حلقة (24 أبريل/نيسان 2026) من برنامج "فوق السلطة".

وجاء هذا التحرك استجابة لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتكررة التي وصفت الحلف بـ"نمر من ورق"، مما وضع الأوروبيين أمام سيناريو لم يعودوا قادرين على تجاهله.

ولا تقوم هذه الخطة على إيجاد بديل موازٍ، وإنما ترتكز على إعادة توزيع القوى داخليا، من خلال زيادة عدد الضباط الأوروبيين وتوليهم مهام القيادة والسيطرة الحيوية.

طموحات بيونغ يانغ

وبعيدا عن صخب أزمات الشرق الأوسط، حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تقدم "خطير للغاية" في قدرات كوريا الشمالية لإنتاج الأسلحة النووية داخل مجمع "يونغبيون" النووي.

ورغم غياب التجارب النووية منذ عام 2017، فإن صور الأقمار الصناعية تكشف عن واقع مغاير، حيث تشير التقارير إلى منشآت جديدة لتخصيب اليورانيوم في مواقع غير معلنة تقترب من مرحلة التشغيل، مما يؤكد أن البرنامج النووي يتوسع على إيقاع هادئ في ظاهره ومتسارع في جوهره.
تحذير خطير لأوروبا

وفي الجانب اللوجستي، تلوح في الأفق أزمة حادة قد تشل حركة الملاحة الجوية الأوروبية، فقد أطلق المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول تحذيرا واضحا بأن القارة العجوز قد لا تمتلك سوى 6 أسابيع من وقود الطائرات.

وتتغذى هذه الأزمة من اضطرابات تدفق النفط في الشرق الأوسط، لا سيما عبر مضيق هرمز، مما دفع شركات الطيران لإعادة حساباتها وسط تراجع الحجوزات وارتفاع التكاليف الإضافية. 
ومع اقتراب موسم الصيف، يزداد المشهد حساسية مع ارتفاع الطلب مقابل تراجع حاد في الإمدادات.

وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع، وهذه أبرزها:

*خطوط صفراء وقصف إسرائيلي يهدد هدنة لبنان.
*جيش الاحتلال يقسم غزة بالخنادق وخط أصفر يزداد توسعا.
*أمريكا تتعهد بأن إيران لن تحصل على النووي أبدا.
*هرمز بين الفتح والإغلاق كل ساعة.
*حرب المضائق متواصلة وتهديدات بإغلاق باب المندب.

دونالد ترامب للعَقَارات!”

نقطة نظام

“دونالد ترامب للعَقَارات!”

  
بقلم أدهم شرقاوي

الأتراك عندهم مثلٌ شَعبيٌّ جميل يقول: 
إذا وصل المُهرِّجُ إلى القصر فإنَّه لا يتحوَّلُ إلى مَلِك، ولكنَّ القصرَ هو الذي يتحوّل إلى سيرك!

فأهلاً بكم في سيرك البيت الأبيض!

العربُ عندهم مثلٌ جميلٌ أيضاً يقول: 
من تكلَّمَ في غير فنِّه أتى بالعجائب!

فلعلَّكم نسيتم حين اقترحَ دونالد ترامب في ولايته الأولى، حقن المصابين بالكورونا بالكلور والديتول مباشرة في الوريد بدل تناولهم الأدوية!
فأهلاً بكم في عجائب البيت الأبيض!

الأمريكان أيضاً لا يخلون من ظُرفٍ في التسويق، صاحب محطة وقودٍ كتبَ إعلاناً يقول فيه: 
الوقود مجّانيّ في اليوم الذي لا يُدلي فيه ترامب بتصريحٍ غبيٍّ!
فأهلاً بكم في هذا العرض التجاريِّ الذي لن يحصل عليه أحد!

أصدقُ جملةٍ قالها دونالد ترامب في حياته: الهجرة غير الشَّرعيَّة تجلبُ معها المجرمين، والعنف، والمخدَّرات!
يصِفُ لكم فخامة المهرِّج حاله وحال أجداده!
كان الهُنود الحُمر، السُّكان الأصليُّون، يعيشون في أمريكا بأمان الله لآلاف السنين، يزرعون أرضهم، ويرعون ماشيتهم، ويكتبون الشِّعر، ويُنشدون الأهازيج حول النَّار في الليل، وأهم شيءٍ كانوا يفعلونه هو أنهم كانوا تاركين خلق الله في حالهم!
ثمَّ قرَّر الأوروبيون أن يُحوِّلوا بلاد الهنود الحُمر إلى مكبِّ نفاياتٍ بشريَّة! إذ نفُوا إليها المجرمين، والقتلة، واللصوص، والمغتصبين، والشَّاذين جنسيًّا!
في محاولة منهم لتطبيق قول جدّتي رحمها الله: الباب اللي بجيك منه ريح سِدّه واستريح!

ولكن الأوروبيين الذين تنقصهم حكمة جدّتي، لم ينتبهوا إلى تفصيلٍ صغيرٍ، أو ربما كبير: ماذا سيفعل هؤلاء المجرمين حين يصلون إلى هناك، وأي شرٍّ يمكن أن ينتج عن إطلاق قطيعٍ لم يرحم قومه من قبل!

أباد هؤلاء المجرمون وأحفادهم الذين تبنتهم أوروبا رسمياً بعد ذلك الهنود الحمر عن بكرة أبيهم، وسموا هذه الحرب التي استمرت طويلاً: بحرب الاستقلال!
ولا أحد يعرف حتى اللحظة عمَّن استقلوا!

هذا هو ببساطة تاريخ أمريكا، حفنة قتلة، أبادوا شعباً، وسرقوا أرضه، وأقاموا دولة!
ومن هؤلاء ينحدر ترامب، وعلى خطاهم يسير!

وبالعودة إلى تصريح ترامب الشَّهير حول حقن المرضى بالكلور والديتول، لا زلتُ أذكر وجه فاوتشي المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، حين سمع هذا الكلام، ولا أدري ما الذي منعه أن يشدَّ شعره، ولكنه والشهادة لله تماسكَ كي لا يفعل!

الأمريكان، ساستهم وعسكرهم، لا يُفكِّرون بجدوى خططهم، ولا بمدى قابليتها للتطبيق، المهم عندهم أن يكون عندهم خطة!
يذكرونني بالذي تقدَّم إلى وظيفة محاسبة، وكان من متطلباتها القدرة على الحساب السريع للأرقام!
في المقابلة سألوه: هل تجيد الحساب السريع؟
فقال: طبعاً!
أعطوه رقماً كبيراً ليضربه برقم كبيرٍ آخر!
فأعطى إجابة في ثانية!
فقالوا له: الإجابة خطأ!
فقال: بغض النَّظر، ولكن ما رأيكم بالسرعة!

في الحربِ العالمية الثانية، قام أسطول غوَّاصات هتلر بتدمير أساطيل الحلفاء في المحيط الأطلسي!
آلاف السفن غرقت، وصار الحلفاء أمام معضلة حقيقية!
‏وبينما الأمر كذلك، وصل رجل إلى البنتاغون وطلب لقاء قائد الأسطول. وقال إن لديه فكرة لتدمير كل أسطول غواصات هتلر.
تم اصطحابه إلى مكتب الأدميرال المعني، فقال دون مقدمات: ما عليكم سوى غليَ ماء المحيط الأطلسي كله، وبحسب قوانين الفيزياء، ستطفو جميع الغواصات على سطح المياه فوراً. وعندما تصبح مكشوفة، يمكن تدميرها بسهولة، كما لو كانت بطاً في ميدان رماية. أمر بسيط وسهل!
‏ قال له الأدميرال: فكرة رائعة، ولكن كيف يمكننا غليَ ماء المحيط الأطلسي كله؟
‏ فقال له: هذه مشكلتكم أنتم، ليست مشكلتي. أنا فقط جلبت لكم الفكرة!

فكرة دونالد ترامب لتهجير أهل غزَّة، تُشبه إلى حدٍّ بعيد، فكرة غليَ ماء المحيط الأطلسي، لتطفو الغواصات، ويتم اصطيادها كالبط!
لا يهم مدى واقعية الفكرة، أو قابليتها للتنفيذ، والأهم مدى عدالتها!
المهم أنَّ المهرِّج البرتقالي لديه فكرة!

ترامب يتعامل في السياسة بمبدأ “البيزنيس”!
كل شيء يقيسه بمبدأ الاستثمار والرّبح!
البارحة مثلاً، أعلنَ أنّه سيغلق وزارة التعليم في أمريكا!
وعلل قراره العظيم هذا، بأن ميزانيتها ضخمة، بينما أمريكا تحتل المرتبة الأربعين عالمياً في جودة التعليم!
هناك مصطلح اسمه الإصلاح، لم يسمع به ترامب يوماً!
إذا ازدادت أعداد الوفيات في المستشفيات فإننا نُحاول أن نعثر على الأسباب، ونعالجها! 
لا يوجد عاقل يقول إن الحل هو إغلاق المستشفيات!
كثرة حوادث الطائرات، تُعالج بشيءٍ غير إغلاق المطارات!
الرسوب المرتفع في مرحلة دراسية ما، يضع له التربويون الذين يفهمون خططاً علاجية، ترامب أول ما يخطر له هو إغلاق المدارس!
تفكير ترامب قائم على مبدأ: نضحي بالأم والجنين، ثم نحتفل بنجاح العمليّة!

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فقهه في السياسة، يشترط على ولاته عدم الجمع بين التجارة والولاية!
هو أول شخص في التاريخ انتبه لمخاطر أن تختلط السياسة بالبيزنيس!
بينما ترامب انخرط في السياسة لأجل البيزنيس!
غزَّة لها موقع جغرافي مميز، ومناخ معتدل، ما المانع أن نقيم عليها منتجعاتٍ سياحيّة!
لا مانع، ولكن تبقى مشكلة صغيرة، غزَّة فيها مليوني إنسان!
الأمر بسيط، فليرحلوا!
إلى أين؟
الأمر بسيط أيضاً، بلاد الله واسعة!
ترامب الذي سرق أجداده وطناً، لا يعرف معنى الوطن!
لا يعرف أنّ الوطن ليس مجرد قطعة أرض، وأنَّ البيت ليس جدراناً فحسب، إنه تاريخ، وذكريات، ومشاعر، وانتماء!
ليست كل أرضٍ تصلح أن تكون بديلاً عن الوطن، لا لقلة تلك الأرض، بل لكثرة الوطن!
ولكن في البيت الأبيض الآن تاجر عقارات مهرِّج، فكان الله في عون هذا الكوكب الذي أصبح سيركاً!

أدهم شرقاوي / سُطور

متلازمة «الصاروخ الشبح»

 

خواطر صعلوك

متلازمة «الصاروخ الشبح»


                       محمد ناصر العطوان

عزيزي القارئ... تخيل معي هذا المشهد العبثي الذي يتكرر في بيتي هذه الأيام.

الساعة تشير إلى منتصف الليل، «العيال ناموا» (وتلك في حد ذاتها معجزة)، والهدوء يلف المنزل لدرجة أنك تستطيع سماع دقات قلب النملة.

وفجأة، تنتفض زوجتي من مكانها كمن لدغتها عقرب، تتسع عيناها، وتتجمد ملامحها، ثم تهمس بصوت يرتجف رعباً: «هل سمعت؟ ما هذا الصوت؟ صاروخ؟ صفارة إنذار صح؟».

أرهف السمع بكل ما أوتيت من قدرة فسيولوجية، فلا أسمع سوى صوت غسالة الملابس وهي تعتصر ما تبقى من جوارب الأطفال.

أنظر إليها بابتسامة بلهاء، وأقول: «يا بنت الحلال، الحرب وقفت، والصواريخ نامت، والسياسيون ذهبوا لقصورهم، وهذا الذي تسمعينه هو صوت جارنا في الدور العلوي يسحب كرسياً حديدياً على البلاط!».

لكنها لا تقتنع... وتظل عيناها معلقتين بالسقف بانتظار الانفجار.

هنا يا صديقي، يجب أن نتوقف قليلاً لنفهم ما يحدث.

عزيزي القارئ... إن مخ الإنسان هذا كائن «دراما كوين» بامتياز، يحب الأكشن ويصنع أفلاماً من لا شيء... 

في علم النفس والطب، هناك ظاهرة مشهورة جداً وطريفة تُسمى «متلازمة طالب الطب»، طالب الطب المسكين في السنة الثالثة، بمجرد أن يفتح المراجع الطبية ويقرأ عن أعراض مرض نادر يصيب الكبد لدى قبائل الأمازون، يبدأ فجأة في الشعور بألم حاد في كبده! يقرأ عن تساقط الشعر، فيجد نفسه أصلع في المرآة. دماغه يقوم بعمل تحميل (Download) للأعراض، ويطبقها فوراً على جسده السليم وكأنه في غرفة العناية المركزة.

وليس الأطباء وحدهم من يهلوسون، بل حتى عشاق التاريخ! 

هناك ما يُعرف بـ «متلازمة قرع حوافر الخيول»... حيث تجد القارئ المهووس بالتاريخ يندمج في قراءة كتاب عن الفتوحات أو غزوات المغول، وبمجرد أن يغلق الكتاب ويطفئ النور لينام، يُقسم بأغلظ الأيمان أنه يسمع صهيل الخيول، وقرع حوافرها، وصرير السيوف يتردد في سقف غرفة نومه! 

الدماغ هنا لا يكتفي بالقراءة، بل يقوم بـ «مكساج» صوتي ويشغل المؤثرات في الخلفية.

عودة إلى «أم العيال» حفظها الله... نحن يا سادة لم نعد نقرأ التاريخ، بل نحن «نُطحن» فيه... لقد أنتج لنا هذا الشرق الأوسط البائس المليء بالميلشيات متلازمتنا العصبية الخاصة «متلازمة صفارات الإنذار الوهمية».

الحرب توقفت سياسياً؟ نعم.

التصريحات هدأت؟ صحيح.

لكن «اللوزة الدماغية» المسؤولة عن الخوف والإنذار المبكر في أدمغتنا، لم يصلها «الإيميل» الرسمي بوقف إطلاق النار... هذه اللوزة ما زالت ترتدي الخوذة، وتجلس في الخندق، وتنتظر الغارة!

لقد تبرمجت أجهزتنا العصبية على مدار الأيام الماضية على «الوضع الكارثي»... أصبحنا مصابين بـ «شلل إدراكي سمعي»؛ فصوت إغلاق باب الثلاجة بقوة يعادل اختراق جدار الصوت، وصوت دراجة نارية مسرعة في الشارع هو طائرة مسيرة مفخخة، وصوت الخلاط الكهربائي هو إنذار مبكر لهجوم جوي!

زوجتي يا سادة لا تتدلل، ولا تدعي الخوف، بل هي ضحية دماغ قرر أن يحميها بطريقة مبالغ فيها... الدماغ العربي المنهك يقول لها باستمرار: «لا تصدقي نشرات الأخبار، ولا تصدقي الهدوء الإستراتيجي، نحن في الشرق الأوسط يا سيدتي، كوني مستعدة للركض نحو الملاجئ في أي لحظة!».

إنها باختصار، أزمة شعوب كاملة، خرجت من الحرب جسدياً، لكنها بقيت عالقة فيها نفسياً. شعوب فقدت القدرة على التمييز بين صوت «مفرقعات الأفراح» وصوت «البراميل المتفجرة». نحن بحاجة إلى إعادة ضبط مصنع (Format) لـ «السوفت وير» العصبي المضروب الذي ورثناه من متابعة الأخبار العاجلة ليل نهار.

لذا، كلما سألتني زوجتي برعب ووجل: «هل سمعت هذا الصوت؟»، لن أسخر منها بعد اليوم. سأبتسم وأحتوي هذا الرعب الآتي من أقبية اللاوعي، وأقول لها بهدوء: «هذا مجرد صوت جدر الضغط في المطبخ يا حبيبتي، نامي قريرة العين، فالإمبريالية والخمينية لا تستهدف عشاءنا الليلة».

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله.. يضمحل.

وتُقدّرون في إسرائيل فتضحك الأقدار في القدس

وتُقدّرون في إسرائيل فتضحك الأقدار في القدس
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

مذهل وصعب ذلك المشهد للمستوطنين، وهم يقيمون طقوسهم علنا في المسجد الأقصى المبارك، ويعلنون رقصاتهم الاستفزازية داخله مع أغنية شهيرة لهم تقول: (سيُبنى المعبد)، وذلك منذ إعادة فتحه للمصلين بعد إغلاق دام أربعين يوما، وهو الأطول منذ أكثر من ثمانية قرون.

ذلك أن فتح المسجد بعد كل هذه المدة لم يكن فعليا بقرار السلطات الإسلامية الممثلة بدائرة الأوقاف، وإنما كان بقرار شرطة الاحتلال وجبهته الداخلية، تماما كما كان إغلاقه بقرار الاحتلال المنفرد. ولذلك لم نر الفرحة في وجوه الناس.

واللافت هنا أن وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير حرص على اقتحام الأقصى بنفسه مرتين منذ افتتاحه، وكانت المرة الثانية بهدف إقامة صلاة علنية لأول مرة، وبشكل يختلف عن كل المرات التي كان فيها يقتحم المسجد سابقا.

وبالرغم من هذه الصورة السوداوية القاتمة لما يجري في الأقصى منذ أسابيع، وهي صورة حقيقية وليست من باب المبالغة، فإن جانبا إيجابيا خفيا يكمن في تفاصيل هذا المشهد.

وهذا المقال يأتي للفت نظر المقدسيين إلى طبيعة الحدث بالكامل، وإمكانية تغيير هذا الواقع البائس وقلب الطاولة على الاحتلال، وإعطاء المرابطين فكرة عن قدراتهم الحقيقية الكامنة.

هناك عدة ملحوظات سنشير إليها تتعلق بسياق هذه الأحداث، قد تعطينا صورة مختلفة، أو فكرة مغايرة عما كان الاحتلال الإسرائيلي يريد إيصاله:

أولى هذه الملحوظات، أن الوجود الإسلامي في المسجد ازداد بعد فتح المسجد بشكل جلي، وكأن المقدسيين أدركوا خلال الأربعين يوما التي أغلق فيها المسجد ماذا يعني أن يعيشوا دون الأقصى، وهذا أمر لم يعتادوه أبدا، ولعلهم لم يكونوا يتوقعون أن يروه حقيقة ماثلة طوال الستين عاما الماضية.

ولهذا ربما جاء الإغلاق بنتيجة عكسية على إسرائيل، فبدلا من أن ينجح الاحتلال في ترويض المقدسيين وتعويدهم على فقدان الأقصى، دون أن يكون جزءا من حياتهم، فقد كان الإغلاق صفعة أيقظت المقدسيين ونبهتهم لما يمكن أن يحدث، وما يمكن أن تكون عليه الحياة في القدس دون المسجد، مما زاد بالتالي ارتباطهم به بشكل أعمق.

ولذلك لاحظ المراقبون زيادة واضحة في أعداد المصلين المقدسيين، خاصة في صلاتي الظهر والعصر اللتين كانت الأعداد فيهما قليلة نسبيا قبل إغلاق المسجد، مقارنة بهذه الأيام.

كما لوحظ أن الانتشار المقدسي الشعبي داخل المسجد، وتكثيف الوجود في ساحاته في مختلف الأوقات، أصبح واضحا بعد إعادة فتحه، في مقابل غياب هذا المشهد قبل الإغلاق.

وبينما كانت بعض أوساط جماعات المعبد المتطرفة تراهن على أن هذا المشهد مؤقت ولن يتجاوز بضعة أيام، إلا أنه ما زال مستمرا حتى لحظة كتابة هذه السطور، مما يبين أن الارتباط العاطفي والديني بين المقدسيين والأقصى ليس من السهل فكه أو إضعافه بالقوة القاهرة، كما كان الإسرائيليون يأملون.

ملحوظة أخرى تظهر في هذا الشأن؛ وهي أن اقتحام الوزير المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى في المرة الثانية- والذي أدى فيه صلاة علنية- لم يكن فيه منفردا كعادته، وإنما لوحظ الوجود الشعبي المقدسي على مسافة قريبة جدا منه، إذ كان المقدسيون يقفون أعلى درجات ساحة قبة الصخرة المشرفة، ورفضوا الابتعاد مسافات كبيرة عن بن غفير وحراساته، رغم تنبيهات شرطة الاحتلال.

إضافة إلى ذلك تناهت إلى مسامع بعض المراقبين أن الاحتلال حوّل بعض موظفي دائرة الأوقاف إلى التحقيق، ومنع بعضهم من دخول الأقصى، فقط لأنهم تناقلوا خبر اقتحام بن غفير المسجد، زعما أن تداول هذا الخبر قد يشكل خطرا على حياته، وعلى الأوضاع داخل المسجد! وذلك بالرغم من أن الاقتحام كان معلنا ومصوّرا.

وهذا الأمر يعني أن الاحتلال ما زال يشعر بعقدة الخوف من الأقصى، وأن الحاجز النفسي بين الاحتلال والمسجد ما زال موجودا بالرغم من أن بن غفير كان يتبجح قبل أيام فقط بأنه "يشعر بأنه مالك المكان" في مقابلة مع أحد الحاخامات من جماعات المعبد المتطرفة داخل المسجد.

والآن، نجد بن غفير يخشى على نفسه من انتشار خبر دخوله المسجد الأقصى، فهو نفسه لا يستطيع أن يسيطر على المكان ولم يتمكن من تقليل أعداد المسلمين فيه، على الرغم من كل إجراءاته وأفعاله في المنطقة.

وتحضر هنا ملحوظة أخرى، وهي أن الاحتلال ما زال حتى اللحظة يحاول بكل وسيلة أن يبدو مسيطرا على إدارة المسجد بالقوة عبر رفع أعلامه وصوته، ومحاولة تخفيف صوت الأذان في الأقصى.

وحتى في احتفالات ما يسمى "يوم الاستقلال"، حاول بعض المستوطنين رفع الصوت عاليا عما جرى سابقا، ولكنهم لم يتمكنوا- بالرغم من كل جهودهم هذا العام- من إبداء نفس الصورة التي أبرزوها العام الماضي في الأقصى، خلال حرب الإبادة على غزة.

وهذه الإجراءات فعليا تعني أن إسرائيل تعاني من عقدة معاندة الواقع والحقائق التاريخية والسياسية والاجتماعية في القدس، والتي يشكل المواطن المقدسي عنوانها.

فقد تبين لنا أن المقدسي برغم صمته الذي ربما كان نتيجة طبيعية لصدمة الترويع التي تسببت بها أعمال الاحتلال في حرب الإبادة على قطاع غزة، وجرائم بن غفير بحق الأسرى في السجون، فإنه لم يترك المسجد وحده في هذه المعركة، وما زال الأقصى هو الهم الأكبر لديه ومسؤوليته الأولى، ومركز حياته في القدس.

هذه الفكرة هي التي تظهرها لنا الأحداث الأخيرة، وهذا ليس من قبيل المبالغة، إذ إن الكثير من هذه الملحوظات التي تظهر بين السطور تحمل الكثير من الحقائق التي تفسر لنا ما يجري، وتبين ما وراء الأحداث.

فالسؤال الذي يطرحه البعض حول سبب عدم تمكن إسرائيل حتى اللحظة من إعلان سيطرتها الكاملة على الأقصى والتعامل معه بوصفه "ملكية إسرائيلية"، بالرغم من التقدم الهائل الذي حصلت عليه في مجال السيطرة على إدارته، وتهميش دائرة الأوقاف الإسلامية، فالسبب ببساطة: أن هناك عائقا وحاجزا نفسيا يسيطران على الاحتلال حتى اللحظة.

وهنا ينبغي أن نشير إلى نقطة مركزية خطيرة يجب على شعوبنا العربية والإسلامية فهمها جيدا؛ فمسألة حصرية الملكية الإسلامية للمسجد الأقصى هي محل إجماع فلسطيني وعربي وإسلامي.

ولكن الدخول والصلاة في المسجد حتى اليوم ليسا محل إجماع لدى الأطياف الإسرائيلية ولا سيما الأحزاب والقوى الدينية اليهودية، خاصة الحريدية والمراجع الدينية اليهودية التقليدية التي تحرّم على اليهود دخول الأقصى، ولا سيما الحاخامية الكبرى لإسرائيل، حتى تحقيق الطهارة الدينية المنتظرة برماد البقرة الحمراء المفترضة.

وحتى البقرات الحمراء الثلاث الباقية في مستوطنة "شيلو" التي جاء بها الحاخام المتطرف تساحي مامو من تكساس بالولايات المتحدة، لم تحظ حتى الآن باعتراف وموافقة المراجع الحريدية والحاخامية الرسمية، وذلك لأنها لم تولد "في أرض إسرائيل"، حسب النصوص الدينية التي تؤمن بها هذه المرجعيات.

إذن، قضية الاقتحامات والسيطرة الكاملة على المسجد ليست مسألة إجماع في إسرائيل على الأقل في الوقت الحالي، بالرغم من وجود شبه إجماع لدى المجتمع الإسرائيلي، عموما، على ضرورة ضمان ما يسمى "حق الصلاة" لليهود بشكل عام.

وينبغي هنا أن نفرق بين المسألتين، فما يريده تيار الصهيونية الدينية وحاخامات الضفة الغربية المتطرفون هو السيطرة الكاملة على الأقصى الآن وفورا كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل، والبدء ببناء المعبد الثالث المزعوم، قبل أن تنتهي الفرصة التاريخية التي يعيشونها هذه الفترة مع تسلمهم مقاليد الحكم في إسرائيل في حكومة نتنياهو الحالية، ودعم ترمب وتياره الإنجيلي، وهذا الأمر هو المسألة الخلافية الأبرز في الوقت الحالي بين الأطياف الإسرائيلية المختلفة.

وللعلم، فإن سبب رفض بعض الأطياف الإسرائيلية هذا الأمر هو الخوف من تبعاته الأمنية على إسرائيل، أي الحاجز النفسي بينهم وبين المسجد الأقصى الذي ذكرناه سابقا.

وهذا يعيدنا إلى نقطة أساسية ذكرناها آنفا، وهي أن اللاعب الحاضر الغائب في هذه العملية هم المقدسيون بلا شك، مما يرتب عليهم دورا كبيرا ومسؤولية هائلة بضرورة الحفاظ على صورة هذا السياج الذي يحمي المسجد الأقصى من إجراءات الاحتلال، بل ورفع وتيرة الردع الشعبي في وجهه بشكل يتناسب طرديا مع رفع مستوى شراسة الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة.

فإسرائيل تراهن على ضرورة كسر المقدسيين لتتمكن من الوصول إلى الأقصى وتسيطر عليه بالكامل، وبالتالي فالكرة تبقى دائما في ملعب المقدسيين لتأخير مشروع الاحتلال بالوقوف في وجهه بحزم لحماية المسجد، والوقت اليوم أصبح في صالحنا وليس في صالح الاحتلال، فليفهم شعبنا الفلسطيني هذه المعادلة.

وكما قال أبو العلاء المعري:

تقفون والفلك المسخّر دائرٌ…وتقدّرون فتضحك الأقدار