الجمعة، 11 سبتمبر 2026

فيديو اليوم

هؤلاء هم الحوثيون..يا مَنْ تفرحون..! ..

فما لكم؛ كيف تحكمون..؟!!


عبدالعظيم_الحوثي.. تكفير الصحابة واستباحة دماء اليمنيين
ويصف الخلفاء بـ الشياطين












الصحوة المسلمة المعاصرة في مواجهة الأسئلة الحرجة (الأسئلة الحرجة في لحظات ما بعد الصحوة)

الصحوة المسلمة المعاصرة في مواجهة الأسئلة الحرجة

(الأسئلة الحرجة في لحظات ما بعد الصحوة)


داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي




كتبت هذا المقال مرة ثانية بعد جلسة مع بعض الشباب الذين ولدوا في الغرب، وتخرجوا من جامعات عربية، ولديهم ميول دعوية، فكان الحوار معهم ثريا وجميلا، فكان هذا المقال مرة ثانية:

السلفية كفكرة تواجه اليوم امتحانا صعبا، ويكمن ذلك في التساؤل التالي (ما شرعية الحركة بعد فصل الدولة السعودية من رموزها وفكرتها المركزية؟ والإخوان كتنظيم يواجه لحظة صعبة وخطيرة مفادها (ما العمل مع الرؤوس المختلفة للتنظيم في كل مكان؟)، وحركة التبليغ هي الأخرى كمشروع تواجه أسئلة الوجود والحركة معا، والسؤال الخطير هنا يكمن (ما تصنع حركة التبليغ مع المتغيرات الفكرية في العالم؟) ولهذا فالجميع ليسوا في مكان آمن، فاللحظة ليست سهلة على أحد، ولكن الخطير هو أن الجميع يعيش مع اللحظة بلا قلق فكري ومنهجي، هم كما كانوا، والزمن ليس كما كان، أليس هذا من عجائب الزمن؟!

السلفية ليست واحدة، ولكنها في مواجهة الامتحان واحدة، ما مبرر وجودها في هذه اللحظة؟ والإخوان ليسوا مدرسة واحدة، ولكن ماذا يريد تنظيم الإخوان من العالم بعد الصحوة؟ هذه اللحظة ليست مثل اللحظة التي انبثقت الجماعة فيها قبل عقود تسعة من الآن، والتبليغ ليسوا على مذهب عقدي واحد، لدينا فيهم من ينتمي إلي المذهب الأشعري،، ومنهم ما تريديون، وآخرون من الفكر السلفي، وجماعات مختلفة منبثقة من جماعة التبليغ، ولكن السؤال الأعمق يكمن هنا: ماذا وراء حملة الخروج في سبيل الله بعد ظهور التكنولوجيا الذى قرّب المسافات، وجعل العالم كله قرية واحدة؟ هل يمكن الخروج في سبيل الله عبر النت بلا سفر؟

ماذا بعد السلفية؟ وماذا بعد الإخوان؟ وماذا بعد التبليغ؟ وماذا بعد الحركات؟ وهل وصل القطار إلى المحطة الأخيرة؟ وهل استنفذت الحركات أفكارها؟ إنها أسئلة للشباب الجدد الذين لم يكونوا جزءا من الواقع القديم الذى أدّى إلى تشكّل الحركات، وظهور الصحوة.

لقد تغير الزمن بسرعة، وتغيرت الأوضاع بكل ما فيها، وازدادت تعقيدا وتشابكا، ويطرح الجيل الجديد أسئلة جديدة، وخطيرة، وغاية في الأهمية والعمق، وقلّ في داخل الحركات المفكرين والفقهاء، وكثر فيها العمليون والإداريون، ولهذا تسرّب منها المفكرون كما قال العلامة القرضاوي قديما في خطاب له في جلسة في الجزائر، وأعاد الخطاب في كتابه (أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة)، وتحقق النبوءة في كثير من البلاد، والخطير أن العقول في العالم الإسلامي بدأت الهجرة من بلاد القهر، أو انتقلت من حالة السعة إلى حالة الضيق حيث السجون، والبعض منهم انتقل إلى رحمة الله، فقد فقد العالم الإسلامي الأستاذ طارق البشري، ذلك العقل الفقهي والقانوني الذى جمع بين الفكر والعمل، وقدم خلاصة تجاربه في كتب عدة، كما فقدت الأمة من قبل الدكتور محمد عمارة رحمه الله، والذى نجح في رصد الفكر الغربي بعلم، وواجه الغزو الفكري بهدوء المفكر، وحماس المؤمن، وقدم عصارة فكره عبر قلق منهجي، وهكذا عاشت الأمة في فقد العقول، ولكن بدون بديل عنهم.

إن الفكر الإسلامي يعيش اليوم في مرحلة قلق منهجي، ذلك لأن المرحلة المقبلة ليست سهلة كما يحسب كثير من المسلمين، فقد انتهى زمن الاستقطاب الفكري، وبدأنا زمنا جديدا من شأنه الخلوص إلى مرحلة تحاور ما بعد الأفكار، فهل يمكن للمسلم أن يعيش في ظل دولة علمانية تحترم آدميته بدل أن يكون تحت دولة مسلمة تدّعى تطبيق شرع الله، ولكنها تظلم وتقتل باسم الفقه والشرع، وباسم التأويلات الفقهية التي تسوّغ للحاكم والسلطات في جلد الظهور، وأخذ المال، بل وتسوّغ الزنا والسرقة علنا في القنوات، ولا يرفع أحد صوته ضد السلطات، لأن ذلك فتنة، فماذا يملك الفقه والخطاب الإسلامي لهذه الحالة؟ هل يمكن أن ينتج الخطاب الإسلامي فلسفة حكم تجمع ما بين حماية الذات، والديمقراطية؟ وهل ما زال الفكر الإسلامي يخلط ما بين العلمانية كمنهج، والديمقراطية كممارسة؟ وهل الديمقراطية كممارسة نكسة ونجسة في داخل المنظومة الإسلامية، وخطوة حضارية في الأمم الأخرى؟ إنها مرحلة جديدة تتطلب إصدار فقه جديد، وصناعة خطاب نوعي يقنع العقول الجديدة، ويجذب الجيل المخضرم المتسائل والقلق.

لقد ظهرت في الساحة ما بعد الربيع العربي ظاهرة جديدة، ظاهرة انتشار الإلحاد، وخاصة في الخليج العربي، كما ظهرت في الساحة كذلك، وخاصة في الصومال ظاهرة الابتعاد، من الصحوة والحركات، والانتماء إلى الفكر القبلي كبديل سياسي من جانب، أو الذهاب إلى مربع (اللا انتماء) وهو مشروع فكري، ولكنه لا لون له سياسيا، ولا حتى مذهبيا، بل ولاحظت في الغرب ظهور جيل يحاول الخروج من الدين، ولكن البعض منهم يبقى في مربع (اللادينية)، فهو بلا انتماء ديني، كما رأينا شبابا وشابات خرجوا من الدين الإسلامي، وتحولوا إلى المسيحية، فكل ذلك يطرح تساؤلات عميقة حول نوعية

 الخطاب الذي يجب طرحه في السوق الفكري لإقناع الجيل الجديد، والذى بدأ يتمرد على الذات الحضارية.

إن هذه المرحلة تستدعى، وبلا ريب ظهور مفكرين من نوع (الغزالي القديم) والذى بدأ حياته فقيها، فتمردا فيلسوفا، فانتهى صوفيا مؤمنا، وكتب تجربته الفريدة في كتابه القيم (المنقد من الضلال)، ويعتبر هذا الكتاب الفريد سيرة ذاتية لهذا العقل العجيب في الحضارة الإسلامية، والمرحلة كذلك تستدعى ظهور (ابن تيمية) من جديد، فهذا الرجل الذى نجح في محاربة جبهات مختلفة، ولكن بعد أن نجح في إيجاد منهجية معرفية للتعامل مع النص والواقع، والرجلان عندي يتكاملان ولا يتناقضان، قد يختلفان ولا يتشابهان، بل وأرى أن الساحة بحاجة من جديد إلى عقل مسلم متحرر من الأغلال الفكرية كما صنع (الغزالي الجديد)، والذى كان حالة استثنائية في داخل الصحوة المسلمة، فكتب كتبه المتميزة في نقد العقل المسلم، ورفض الغزو الفكري، ودعا إلى تجديد الفهم للدين والحياة، ومن خلال هذه العقول نستطيع أن نقنع الفئة الجديدة من الجيل المخضرم الذى بدأ حياته شاكا ومتسائلا، ويحاول الخروج من الذات الحضارية للأمة، فهذا الجيل ليس بحاجة إلى وعظ مكرر، أو إلى مناقشات فكرية تجاوزها الزمن، بل هو بحاجة إلى خطاب يقنع عقله، ويستوعب طموحاته، وهذا النوع من الخطاب قليل في داخل الحركات في هذا الزمن.

لقد رأيت غالبية المتخصصين، والدارسين ما بعد الثانوية يبتعدون عن الخطاب الديني، لأنه خطاب منفعل، وعاطفي إلى حد بعيد، وفي بعض الأحيان يعيش في زمن مضى، فهو يرد على الأموات، ولا يناقش مع الأحياء، بينما الشباب المتعلم في الجامعات الغربية يعيش مع أسئلة العصر، وليس مع تساؤلات الأموات، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، فأغلب الوعاظ تتجه كلماتهم في الإثارة، وهذا لا يؤثر الأكاديميين بحال من الأحوال، بل ولاحظت في خطاب البعض عدم معرفة (علم الإلحاد المعاصر)، فهو علم شعبوي يخاطب العقول الجديدة بلغة العلم مع استخدام أدوات الدعاية المعاصرة، ومن هنا نجح في اختراق العقول المسلمة، ويرى كثير من المفكرين بأن الإلحاد سيكون ناجحا بصورته الحالية في الخليج، وأنا كذلك مقتنع بأن هذه الظاهرة لها وجود في الساحة الصومالية، ولكنها تنتشر بصمت وهدوء.

نحن بحاجة إلى أطباء جراحيين في داخل الفكر الإسلامي يقومون بعمليات خطيرة، ولكن ذلك يجب أن يتم بعد دراسات عميقة وقوية للظاهرة (الإلحاد) من جانب، والهروب من الفكر من جانب آخر، وكل ذلك يستلزم الاهتمام في بناء العقل من جديد، ولكن عبر آليات جديدة دون أن نبتعد من الأدوات الشرعية، وبهذا يمكن أن نعيش زمننا الصعب، وأن نتجاوز الامتحان الصعب في زمن اللاإنتماء الحضاري.

إن الزمن يمضي بأسئلته، ولكن بعض رجالات الصحوة ما زالوا يعيشون حتى اليوم مع أسئلة الماضي، ومن هنا نكرر أننا نجد بأن امتحان الزمن صعب، وليس أمرًا سهلا ملاحظة الخلافات السياسية بين الرموز الكبار في داخل الحركات حول قيادة السفينة، فقد بدأت الصفحات تمضي، ولكن قطار البعض ما زال متوقفا، وهنا نجد كذلك اختبارا آخر قد يبدو من الظاهر أنه عادي، ولكنه من العمق يكون صعبا جدا.

فقه الابتلاء في زمن المحن.. الصبر وترميم الإنسان

فقه الابتلاء في زمن المحن.. الصبر وترميم الإنسان




الحمد لله الذي جعل الصبر عونًا لعباده على مشاق الطريق، ووعد الصابرين بصلواته ورحمته وهدايته، وربط بين الإيمان به والقيام بحقوق خلقه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي عرف الحزن والفقد والأذى، فبكى ولم يجزع، وصبر ولم يستسلم، وتوكل ولم يعطل الأسباب، ورحم المكلوم، ونصر المظلوم، وحمل أصحابه على التراحم والتناصر والتكافل، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


فليس الابتلاء شأنًا يخص المبتلى وحده، ولا امتحانًا مغلقًا بين الإنسان وربه تنتهي مسؤولية الآخرين تجاهه عند الدعاء له أو تذكيره بفضيلة الصبر، فالمحنة في التصور الإسلامي تكشف في الوقت نفسه معدنَ مَن نزلت به، ومعدنَ من وقف حوله، تَختبر المريضَ في احتماله، والطبيبَ في مداواته، والفقيرَ في صبره، والغنيَّ في بذله، والمظلومَ في ثباته، والقادر في نصرته، واليتيم في فقده، والمجتمع في كفالته؛ ولهذا فإن فقه الابتلاء لا يكتمل بالسؤال عن واجب المصاب وحده، وإنما يكتمل بالسؤال عن واجب الأمة تجاهه؛ لأن الشريعة التي أمرت المبتلى بالصبر أمرت القادر بالنصرة، والتي فتحت للمكلوم أبوابَ الرجاء فتحت لمن حوله أبواب الرحمة والإغاثة ورفع الضرر.


وتبدو الحاجة إلى هذا الفقه أشد ما تكون في زمن تتكاثر فيه مشاهدُ الفقد والنزوح والحصار والحرب، وتثقل على الإنسان أوجاعٌ تتجاوز خسارة المال والبيت إلى فقد الأحبة وانهدام الشعور بالأمان واضطراب النفس وانكسار القدرة على استئناف الحياة، فلا يكفي أمام هذه المحن خطابٌ يحفظ للمبتلى آخرتَه ولا يُعينه على دنياه، كما لا يكفي أن نحدثه عن الأجر ونترك جرحه بلا دواء، أو نطالبه بالاحتساب ونترك طفله بلا مأوى، أو نذكره بالتوكل وننسى أن التوكل نفسه لا ينفصل عن الأخذ بالأسباب؛ 
ومن هنا تتكاملُ في الرؤية الشرعية وظيفتان عظيمتان: 
ترميم الإنسان المبتلى بالصبر والإيمان والرحمة والأخذ بالأسباب، وتحريك الأمة من التعاطف مع آلامه إلى تحمل مسؤوليتها في دفع البلاء ونصر المظلوم


أولًا: فقه الصبر وترميم الإنسان المبتلى:

الصبر هو القوة التي تحفظ الإنسان داخل المحنة، وتحول بين البلاء وبين أن يستولي على قلبه وعقله وإرادته، غير أن هذا المفهوم الجليل تعرّض في بعض الخطابات للاختزال وسوء الاستعمال، حتى صار عند قوم مرادفًا للسكوت، وعند آخرين اسمًا للاستسلام، وربما استدعي في وجه المظلوم ليكف عن المطالبة بحقه، وفي وجه المقهور ليقبل قهره، وفي وجه المنكوب ليكتم ألمُه، مع أن الصبر في بنائه القرآني أوسعُ وأقوى من ذلك كله، فهو ثباتُ النفس على مقتضى الإيمان، وحبسُها عما يُسخط الله، وحفظ قدرتها على أداء واجبها مهما اشتدت عليها وطأةُ المحنة.


والقرآن حين أمر بالصبر لم يضعه في سياق السكون، وإنما قرنه بالمصابرة والمرابطة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200)، فالصبر هنا قوةٌ بقاء، والمصابرة قدرةٌ على مغالبة ما يريد كسر الإرادة، والمرابطةُ يقظة واستعداد وثبات؛ ولهذا جرى العلماء على تقسيم الصبر إلى: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة.


قال ابن القيم: «الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤدّيَها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقعَ فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخّطَها»(1)؛ وهي أقسام تكشف أن الصبر ليس انسحابًا من الحياة، وإنما طاقة إيمانية وأخلاقية تحرس الإنسان في علاقته بربه ونفسه والناس.


وقد أفاض ابن القيم في بيان منزلة الصبر، وقرر أن حاجة العبد إليه لا تنقطع في حال من أحواله، وأن الإيمان يقوم على الصبر والشكر(2)، وليس معنى الصبر إلغاء الألم أو تعطيل المشاعر، فالإنسان المؤمن يتألم، ويحزن، ويبكي، ويشتاق إلى من فقد، وقد يضيق صدرُه بثقل المصيبة، ولا يناقض شيءٌ من ذلك حقيقةَ الصبر ما دام القلبُ لم يسخط على الله، واللسان لم يتجاوز حد العبودية، والجوارح لم تنطلق إلى ما حرم الله.


ولهذا يقدم القرآنُ يعقوبَ عليه السلام نموذجًا بالغَ الإنسانية في فهم العلاقة بين الصبر والحزن، فقد بلغ به فقْدُ يوسفَ مبلغًا قال الله فيه: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: 84)، ومع هذا الحزن العميق كان يقول: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (يوسف: 18)، ثم قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86).


فاجتمع في قلب نبي واحد الحزنُ والصبر، والدمعُ والرجاء، والافتقارُ إلى الله والثقة به؛ وفي ذلك تصحيحٌ للخطاب الذي يتعامل مع دمعة المبتلى كأنها نقصٌ في يقينه، أو مع حديثه عن ألمه كأنه اعتراضٌ على ربه، فالشكوى إلى الله عبودية وافتقار، وإنما المذموم أن تتحول الشكوى من الله إلى اتهام لحكمته أو يأسٍ من رحمته.


وهذا هدْيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فقد دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان، فلما تعجّب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم قال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»(3)؛ فكانت النبوة في أسمى درجاتها لا تُلغي الدمع، وكان كمالُ اليقين لا يلغي الحزن؛ لأن الإسلام لا يريد إنسانًا حَجَريَّ المشاعر، وإنما يريد قلبًا يشعر بالألم كله دون أن يَفقد في قلب الألم صلتَه بالله تعالى.


ومن هنا يظهر الخطأُ في مطالبة ضحايا الحروب والكوارث بأن يتجاوزوا أحزانَهم سريعًا تحت عنوان الصبر، فالمرأة التي فقدت زوجها وأبناءها، والطفل الذي استيقظ فلم يجد بيته ولا أسرته، واللاجئ الذي ترك وطنًا تشكلت فيه ذكرياته، والجريح الذي فقد عضوًا من جسده، لا يحتاجون إلى مواعظ باردة تُلغي إنسانيتهم، وإنما يحتاجون أولًا إلى رحمة تحتضن الألم، وأذن تسمع الشكوى، ويد تمسح الدمع، وبيئة آمنة تستعيد معها النفسُ بعضَ توازنها، ثم يأتي الخطابُ الإيماني ليضيء داخل هذا الألم معنى الرجاء، لا ليطالب صاحبه بإنكار ما يشعر به.


والسُّنة النبوية حين تقرر أنه «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»(4)، لا تطلب من الإنسان ألا يتألم ساعةَ الصدمة، وإنما تُعلمه ألا يُسلّم زمامَ نفسِه لها، وقد بين الإمام النووي أن الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل هو ما يكون عند مفاجأة المصيبة وحرارتها؛ لأن المشقة عندئذ أشد، أما بعد طول الأيام فإن حرارة المصيبة تخف بطبعها(5).


علامات صحة الصبر
وللصبر الصحيح علاماتٌ عملية لا تقف عند حدود الشعور الباطني، أولها أن تبقى صلة العبد بربه قائمة فلا تحمل المصيبة قلبه على القنوط من رحمته، وثانيها حفظ اللسان عن السخط والاعتراض، وثالثها استمرار الأخذ بالأسباب الممكنة، ورابعها ألا يتحول الألم إلى ذريعة لتعطيل الحياة، وخامسها ألا يدفع الظلم المظلوم إلى ظلم من لا ذنب له، وسادسها ألا تفسد المحنة دين الإنسان وأخلاقه، وسابعها أن يبقى الرجاء حيًا مهما اشتدت ظلمة اللحظة؛ ولهذا قال سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة: 45)، فجعل الصبر موردًا للاستعانة على الحياة، لا وصفًا للعجز عنها.


ويجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الرؤية في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له»(6)؛ وليس في الحديث أن الضرر محبوبٌ لذاته، ولا أن القتل والفقد والمرض والفقر خيراتٌ في أنفسها، وإنما فيه أن الإيمان يمنح الإنسانَ قدرة على استخراج الخير من قلب ما يؤلمه، فالخير في الاستجابة التي تحول النعمة إلى شكر، والمصيبة إلى صبر، فلا تضيع النعمة بالكفران، ولا تضيع المحنة بالجزع والقنوط.


هل السكوت على الظلم من الصبر؟
الصبر لا يعني بحالٍ السكوتَ على الظلم أو ترك مقاومته، فالقرآن الذي مدح الصابرين هو الذي قال: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الشورى)، ثم قال بعدها: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: 43)، فجمع بين حق المظلوم في دفع الظلم وبين فضيلة الصبر والعفو حيث يكون العفوُ محمودًا ومحققًا لمصلحة؛ فلم يجعل الصبرَ إهدارًا للحق، ولم يجعل العفوَ مكافأةً للمعتدي على عدوانه.


ولهذا فإن استخدام الصبر لإسكات المظلوم تحريفٌ لوظيفته الشرعية، فالصبر لا يَطلب من الأسير أن يحب أسره، ولا من صاحب الأرض المحتلة أن يرضى بالاحتلال، ولا من المظلوم أن يبارك ظلمَ ظالمه، ولا من الجائع أن يمتنعَ عن طلب الطعام، ولا من المريض أن يترك الدواء، وإنما يمنح هؤلاء جميعًا القدرةَ على ألا يهزمهم ما نزل بهم؛ فالصبر لا يصنع العبيد، وإنما يصنع النفوس التي لا يستطيع البلاء استعبادها.

ويقتضي هذا الفهمُ تحريرَ العلاقة بين الإيمان والصحة النفسية، فالحروب الطويلة لا تخلف أنقاضًا في المباني وحدها، وإنما تترك أنقاضًا داخل النفوس، وتزرع الخوف واضطرابات الفقد والصدمة والكوابيس والانقطاع عن الشعور بالأمان، ولا يصح أن يقال لمن يحتاج إلى علاج نفسي إن معاناته دليل على ضعف إيمانه، كما لا يقال لمن كسرت ساقه إن قوة يقينه تُغنيه عن الطبيب، فالنفس من خلق الله كما أن الجسد من خلقه، والتداوي من الأسباب المشروعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء»(7).


منهجية ترميم الإنسان بعد المحن

وترميم الإنسان بعد المحنة لا يتم بكلمة واحدة ولا بوسيلة واحدة، وإنما يحتاج إلى بناءٍ يُعيد إليه المعنى بالإيمان بالله وحكمته، ويُعيد إليه الأمان بإزالة الخطر الذي يطارده، ويعيد إليه الانتماء باحتضان الأسرة والمجتمع، ويعيد إليه القدرة بتمكينه من التعلم والعمل واستعادة دوره في الحياة، ويعيد إليه التوازنَ النفسيَّ بالعلاج المتخصص عند الحاجة، ويُعيد إليه الرجاء بأن المستقبل لم تُغلق أبوابه؛ فلا يكفي أن نقول للمنكوب اصبر ونحن نتركه بين الأنقاض، ولا أن نقول لليتيم احتسب ونحن لا نكفله، ولا للنازح توكل ونحن لا نُعينه على استعادة مأواه؛ لأن الشريعة التي تطلب الصبر من المبتلى تطلب في الوقت نفسه النصرة ممن حوله.

والقرآن يقدم للمصاب أفقًا يتجاوز اللحظةَ التي تكاد تخنقه، فيقول سبحانه: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:)، ففي (إِنَّا لِلَّهِ) يستعيد الإنسان معنى الانتماء إلى الله، وفي (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يرى المصيبة داخل أفق أبدي أوسع من حدود الدنيا، وفي الصلاة والرحمة والهداية التي وعد الله بها الصابرين يوقن أن ما ضاع منه في الأرض لن يضيع عند الله.

وهكذا لا يطلب الإسلام من الإنسان أن ينكر المحنة، وإنما يُعلمه كيف يَعْبُرها، ولا يأمره أن يخنق حزنه، وإنما يمنع الحزنَ من أن يخنق إيمانه، ولا يطالبه بأن يبتسم فوق قبور أحبابه، وإنما يفتح له وراء القبر نافذةً على الآخرة، ولا يقول له: إن الألم وهم، وإنما يزرع فيه اليقين بأن الألم ليس الكلمة الأخيرة في قصته؛ فقد يخرج الإنسانُ من المحنة مجروحًا لكنه أعمق إيمانًا، وقد يفقد أشياء عزيزة ويكتسب معرفة أصدق بحقيقة الدنيا، وقد يبقى باكيَ العينين لكنه ثابت القلب، وتلك بعض معاني تحويل المحنة إلى بناء لا إلى انهيار.


الهوامش

1 ابن قيم الجوزية، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، دار الكتب العلمية، ص19.
2 ابن قيم الجوزية، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ص 5.
3 أخرجه البخاري في «صحيحه» (1303).
4 كما في حديث أنس رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري (1283)، ومسلم (926).
5 انظر: الإمام النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي (6/ 227).
6 أخرجه مسلم في «صحيحه» (2999).
7 أخرجه أبو داود (3855)، والترمذي (2038)، وابن ماجه (3436).





من الطباشير إلى الذكاء الاصطناعي.. تحولات التعليم وصناعة وعي الطفل

 من الطباشير إلى الذكاء الاصطناعي.. تحولات التعليم وصناعة وعي الطفل

 الكاتب في العام الدراسي الجديد لا نحتاج إلى استعادة الطباشير أو تحطيم الشاشة بل إلى إنسان يفسر ما يتعلمه أبناؤه ويحمي عقولهم وسط تبدل الروايات

مرت ما يقارب 40 عاما منذ خطواتي الأولى إلى مدرسة بدأت من سعف النخيل إلى الكتل الأسمنتية المحفوفة بكل سبل الراحة آنذاك؛ تعاقبت خلالها ثلاثة أجيال تعليمية من حيث الملامح البارزة في النظم والأدوات، من جيل الطباشير والسبورة الخضراء إلى جيل الحاسوب والإنترنت، ووصولا إلى جيل الشاشة والذكاء الاصطناعي.

ومع انبلاج فجر عام دراسي جديد، أراني ذلك الطفل المتعطش للمعرفة.. ذلك الباحث عن إجابات لأكوام من الأسئلة، فها هي الذاكرة تعود بي إلى شغف العلم قبل أن أرسل أسئلتي إلى المستقبل، أسئلة تدون في مستطيل أخضر وتمحى مع انتهاء الحصة، لكنها لا تجف من عقول استوعبت قدسية العلم.

أعوام مرت، وما زالت صورة خضاب الطباشير على أيادي المعلمين حاضرة بدقة التفاصيل، وما زال وهج حروف سبكوها حتى انغمست في أطراف السبورة عالقا، فلم تمحها الممحاة تماما، ولم تنهها تبدلات الزمان.

في وسط الصف الدراسي كانت السبورة الخضراء أكبر من مساحتها الهندسية، واستيعابها أكبر من تيرابايت واحد بلغة اليوم، فهي الجدار الصغير الذي يطل منه طفل صغير على وطن كبير، عرف الحرف وجدول الضرب وفنون الخط، والجغرافيا موقعا وموضعا، والتاريخ أمما وحضارات، ونكسات ونكبات امتدت من الخليج إلى المحيط، إلا أن عبارة "فلسطين داري ودرب انتصاري" هي من أخذت نصيب الاهتمام في الذاكرة.

مع التحولات السياسية واتفاقيات التطبيع وإعادة رسم وهندسة العلاقات الإقليمية، فلن تظهر فلسطين كما كانت على سبورة الصف وكتاب العربي والتاريخ، بل ستتجه المناهج التعليمية إلى تلميع السلام وتقارب الشعوب

فلسطين الدرس الأول

لم تكن فلسطين القضية الأولى التي تبحث عن حق شرعي لوطن نهبه الاحتلال وتناسته الأجيال، ولم تكن درسا عابرا يؤسس لعلم الجغرافيا، ولم تكن خريطة لا يعترف بحدودها السياسية في مفتاح الخريطة فحسب، بل كانت مفردة الانتماء التي تسكن الوججان العربي، والثورة التي تبحث عن ارتقاء ضد الظلم والطغيان، بل هي الثراء المتجانس بين الأرض والتاريخ والحق والواجب.



فلسطين كانت وما زالت في ذاكرة ذلك الطفل الذي كبر وكبرت معه هويته؛ الدرس الذي لم ينتهِ من نضال بين الأجيال، فهي الواجب المتجدد، وهي القدس والعقيدة، والهوى والهوية في فكر أمة تبحث عن بصيص من الانتصار كالذي حدث في طوفان الأقصى.

لقد عاش ذلك الطفل الذي شاخ قبل أوانه على الخطاب القومي بكل تجلياته ووعوده، وبما له وما عليه، الذي منح كل عربي صورة لعالم تتجاوز حدود دولته، عالم يموج في اختلاف جيوسياسي، ومصالح تتقاطع حولها الأولويات، لكنه سجل في الذاكرة المدرسية واحتفظ بوحدة المصير والتاريخ المشترك.

وبلا شك، ومع التحولات السياسية واتفاقيات التطبيع وإعادة رسم وهندسة العلاقات الإقليمية، فلن تظهر فلسطين كما كانت على سبورة الصف وكتاب العربي والتاريخ، بل ستتجه المناهج التعليمية إلى تلميع السلام وتقارب الشعوب، حتى لا يسأل الطفل يوما عن أصل الحق، ويكتفي بما تمليه عليه سردية التوجيه فقط.

مرت الأعوام كلمح بالبصر، وتبدلت السبورة الخضراء قياسا وإطارا، وغاب الطباشير أبيضه وألوانه، وجاءت الشاشة ببريقها وخمارها المندس خلفه الهم والوهن ووفرة المعلومات المتباينة، وتبدلت الأسئلة وكثرت المفارقات في تحديد أفضلية الوسائل، فماذا حدث للعقل بين السبورة والشاشة؟

الطالب الذي يستغرق أسابيع في بلوغ المعرفة والبحث المضني بسبب الندرة، ها هو اليوم في دقائق معدودة يصل إلى أمهات الكتب ورفوف المكتبات الرقمية

بين الحفظ والنسيان

لا يختلف اثنان على دور السبورة كوسيلة تعليمية، فهي التي كانت تحفظ كل شيء، وتساعد المتعلم على الحفظ، ففيها تكتب المعلومة وتشرح وتكرر، ثم ينقلها الطالب بيده وحواسه في دفتره لتترسخ في الذاكرة ويحتفظ العقل بأثرها. أما شاشة "المرآة اللامعة"، فهي التي لا تنسى، فعلى الرغم من سعة التخزين والحفظ، فقد أصبحت بديلا لذاكرة الإنسان حتى جعلته أقل احتفاظا بما يمر أمامه، فشابه كسل الاستذكار والحفظ.

ومن باب الإنصاف، وحتى لا تتحول المقارنة إلى سجال بين الأجيال، فلا يمكن تحويل الماضي إلى زمن مثالي، فلكل زمن معاناة تقوم على الحفظ والتلقين ومركزية الإجابة عبر الرد الواحد، بل إن المدرسة الحديثة بكل تجلياتها أنارت دروب السالكين وفتحت أبوابا للمعرفة بطريقة لم تكن متاحة لجيل الثمانينيات والتسعينيات.

فالطالب الذي يستغرق أسابيع في بلوغ المعرفة والبحث المضني بسبب الندرة، ها هو اليوم في دقائق معدودة يصل إلى أمهات الكتب ورفوف المكتبات الرقمية وقواعد البيانات وسط فائض من المعلومات، ليبحث عن الحقيقة المغيبة.

فهل يمكن اعتبار وفرة المعلومات وسهولة الوصول إليها زيادة في المعرفة، ومنها بلوغ الحكمة؟ وهل الإشكالية تكمن في ندرة المصدر أم في أزمة الموثوقية؟

تشير التقارير المعنية بالتعليم عبر التكنولوجيا الصادرة عن منظمة اليونسكو إلى أن الأدلة المحايدة والقوية التي تعطي القيمة التعلمية ما تزال محدودة، فيما تتغير منتجات التعليم بسرعة تفوق قدرة البحث التربوي على تقييمها، مع التحذير من مغبة أن يصبح الإنسان تابعا للأداة، خاصة في التوجه إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي.

لقد دفعت شبكات التواصل الطالب إلى قضاء ساعات طويلة بين تطبيقاتها (الصالح والطالح)، مما ساهم في ظهور حالة من التشتت عند عدد من الطلبة عندما يكونون في قاعة الصف، وهذا ما أثبتته الكثير من الأبحاث. وبالتالي، نحن اليوم أمام عراك في كيفية التحكم في عقل يستخدم التقنية وتقنية تشتت انتباه العقل.

ثمة أسئلة تطرح في فضاء مليء بالمتناقضات، لا تحدها أسوار المدرسة ولا إطار الكتاب المدرسي ولا اتساع الشاشات: 

هل المدرسة تحتكر صناعة المعرفة؟ وهل الأسرة تتحكم في صناعة القيم؟ من يشكل وعي الطفل؟ وهل الحفاظ على الهوية وتعزيز المواطنة يتقاطع مع الانفتاح على العالم دون فقدان لأصل الهوية؟

تتشكل المخاوف عندما نضع الكتاب في اتهام بأنه ليس وعاء بريئا، بل إنه يتضمن سرديات موجهة تكون بديلا عن الحقيقة، بحيث يصبح الكتاب وثيقة انتماء وولاء وليس مساحة للمعرفة

كتاب التاريخ بين المسيرات وأطفال يبحثون عن مقاعد

لا يمكن فصل الوضع الراهن سياسيا عن بداية العام الدراسي، فهناك طفل يذهب إلى مدرسته في وضع شبه مستقر، لكنه متابع لآخر المستجدات على أزيز المسيرات، يسأل عن أطفال غزة: هل يجدون ظل شجرة يدرسون تحتها مع استمرار الدمار والنزوح؟ وهل الطفل في لبنان سيجد مدرسته أم إنها تحولت لمركز إيواء للنازحين؟ وكيف يستقبل الطفل الإيراني عامه الدراسي، بينما صورة الدمار لمدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب جنوب إيران، الذي أسفر عن مقتل 168 طفلة وإصابة العشرات، لا يمكن نسيانه؟

فالتاريخ هنا يدون بأن التعليم اقتلع من سياقه الطبيعي، فأصبح الطفل الذي يقرأ في كتابه: "المدرسة بيتنا الثاني"، والذي سيردده طيلة عام دراسي وأكثر، يتوجس من مصداقية عطاء وأمان البيت الثاني. والطفل الذي رسم يوما حمامة السلام بلونها الأبيض والواقفة على غصن الزيتون، لن يتوانى في تحويلها إلى طائر يمتلك القوة والعنفوان عبر الذكاء الاصطناعي، ليرد حقوق أصدقائه وأقرانه الذين شبعوا دمارا وتشريدا.

سردية الكتاب المدرسي

تقوم السياسات التعليمية وفق سردية متوافقة مع تصورات الدولة نفسها للعالم وما يؤثر فيها، من هنا تتحول مفاهيم القومية العربية والإسلامية إلى أشياء هامشية في ظل سيطرة التوجهات المجتمعية بين تعزيز القيم وتوجيه العقول إلى مسألة التعايش وتشكيل الهوية الوطنية والاكتفاء بالشأن الداخلي، دون أن تكون هناك ذاكرة وطنية أو مرجعية قومية مشتركة بين الدول العربية والإسلامية.

تتشكل المخاوف عندما نضع الكتاب في اتهام بأنه ليس وعاء بريئا، بل إنه يتضمن سرديات موجهة تكون بديلا عن الحقيقة، بحيث يصبح الكتاب وثيقة انتماء وولاء وليس مساحة للمعرفة. لذا نحن نحتاج إلى طالب يمتلك التفكير النقدي، قادرا على طرح علامات الاستفهام والتدبر في المعلومات بشكل دقيق بعيدا عن تحيز المصدر، وهذا ما يقودنا إلى هندسة العقل دون الانجرار إلى التلقين.

وباعتبار أن التحيز المعلوماتي ملازم للكتاب المدرسي، فهو بكل تأكيد قرين للخوارزميات التقنية ولا يمكن تجاهل خطورته، لذا علينا أن نعلم الطالب كيف يقاوم ويكتشف التضليل، وليس بالضرورة البحث عن المحتوى الذي يتوافق مع ميوله الشخصية، حتى لا يبحث عن نسخة طبق الأصل.

من سيكتب ذاكرة اللحظة وبأي ميزان؟ لأن المنهج حين يصف صراعا معاصرا لا ينقل الوقائع فقط، بل يشكل مفهوم الطالب عن الوطن والآخر والحق والقوة

سبر المعرفة

بين سبورتين تتشابهان في الجذر "سبر" – فهما يسبران غور الأشياء ويختبران العقل – ثمة علاقة عميقة تستدعي الوقوف عليها، ومهما كانت مساحة الأولى محدودة، إلا أنها بنيت على الخيال الواسع، فيما كان التماثل الشكلي هندسيا حاضرا بينهما، فتلك تخضبت بالطباشير، وهذه حملت ملايين البكسلات، ولعل عمق الاختلاف يتجسد في أن السبورة كان يمحى ما عليها كي تحفز الذاكرة على الاستذكار، فيما أن الشاشة الحديثة تحتفظ بكل شيء، وربما لا تترك في الذاكرة شيئا يذكر.



في العام الدراسي الجديد لا نطالب باستعادة السبورة والطباشير، ولا نطالب بتحطيم الشاشة التقنية، بل نحتاج إلى استعادة فطرة الإنسان الذي يقف أمامهما لتفسير ما يعرفه أبناؤه وما يبني العقل في زخم تبدل وتغير الروايات، وأن يكتب ذاكرته بنفسه لا أن يدونها الآخرون.

فهل للأمنيات التي امتدت من الخليج إلى المحيط، ومن الفكرة إلى المنطق، ومن التوافق إلى الاختلاف، ومن الآمال إلى الرجاء والدعاء، حيز دلالي ووجود مكاني في عالم اليوم يمكن أن يكون بصيص أمل لأجيال فقدت ذواتها؟

ومن سيكتب ذاكرة اللحظة وبأي ميزان؟ لأن المنهج حين يصف صراعا معاصرا لا ينقل الوقائع فقط، بل يشكل مفهوم الطالب عن الوطن والآخر والحق والقوة.


كتابات شادي جاهين,

 الشكل مش بالسن










الخميس، 10 سبتمبر 2026

السلاجقة أصولهم وبدايات اتصالهم بالعالم العربي والإسلامي

السلاجقة أصولهم وبدايات اتصالهم بالعالم العربي والإسلامي




د. علي محمد الصلابي

1. أصول السلاجقة

ينحدر السلاجقة من قبيلة (قنق) التركمانية، وتمثل مع ثلاث وعشرين قبيلة أخرى مجموعة القبائل المعروفة بـ (الغز)، وفي منطقة ما وراء النهر، والتي اسمها اليوم (تركستان)، التي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقًا إلى بحر الخزر (بحر قزوين) غربًا، ومن السهول السيبيرية شمالًا إلى شبه القارة الهندية وفارس جنوبًا، استطونت عشائر الغز وقبائلها الكبرى تلك المناطق وعرفوا بالترك تم تحركت هذه القبائل في النص الثاني من القرن السادس الميلادي في الانتقال من موطنها الأصلي نحو آ سيا الصغرى في هجرات ضخمة.   

وذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب التي ساهمت في هجرتهم، فالبعض يرى أن ذلك يرجع لعوامل اقتصادية، فالجدب الشديد وكثرة النسل جعلت هذه القبائل تضيق ذرعًا بموطنها الأصلي، فهاجرت بحثًا عن المراعي والعيش الرغيد، والبعض الآخر يعزو تلك الهجرات لأسباب سياسية، حيث تعرضت تلك القبائل لضغوط كبيرة من قبائل أخرى اضطرت إلى ترك أراضيها بحثًا عن نعمة الأمن والاستقرار وأنها اضطرت أن تتجه غربًا ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان وجرجان، فأصبحوا بالقرب من الأراضي الإسلامية بعد سقوط الدولة الفارسية الساسانية في فارس (إيران) إثر معركة نهاوند سنة 21 هـ/ 641م.    

2. بدايات اتصال الأتراك بالعالم الإسلامي

تحركت الجيوش الإسلامية إلى بلاد الباب شرقًا لفتحها في عام 22 هـ/ 642 م ، وكانت تلك الأراضي يسكنها الأتراك، وهناك التقى القائد الإسلامي عبدالرحمن بن ربيعة بملك الترك شهربراز، فطلب الأخير من عبدالرحمن الصلح وأظهر استعداده للمشاركة في الجيش الإسلامي لمحاربة الأرمن، فأرسله عبدالرحمن إلى القائد العام سراقة بن عمرو، وقد قام شهربراز بمقابلة سراقة فقبل منه ذلك، وكتب للخليفة عمر بن الخطاب يُعلمه بالأمر، فوافق على ما فعل. 

وعلى إثر ذلك عُقد الصلح ولم يقع بين الترك والمسلمين أي قتال، بل سار الجميع إلى بلاد الأرمن لفتحها ونشر الإسلام فيها.

تقدمت الجيوش الإسلامية لفتح مناطق شمال شرق بلاد فارس حتى تنتشر دعوة الله فيها، بعد سقوط دولة الفرس التي كانت تقف حاجزًا منيعًا أمام الجيوش الإسلامية، أصبح الباب مفتوحًا أمام تحركات شعوب تلك البلدان والأقاليم ومنهم الأتراك، فتم الاتصال بالشعوب العربية والإسلامية، واعتنق الأتراك الإسلام وانضموا إلى صفوف المجاهدين لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله.

وفي عهد الخليفة الراشدي عثمان بن عفان تم فتح بلاد طبرستان، ثم عبر المسلمون نهر جيحون سنة 31 هـ ونزلوا بلاد ما وراء النهر، فدخل كثير من الترك في دين الإسلام، وأصبحوا من المدافعين عنه، والمتشركين في الجهاد لنشر دعوة الله عز وجل بين الناس.

وواصلت الجيوش الإسلامية تقدمها في تلك الأقاليم، فتم فتح بلاد بخارى في عهد معاوية بن أبي سفيان وتوغلت تلك الجيوش المظفرة حتى  وصلت سمرقند، وما أن ظهر عهد الدولة الراشدية حتى صارت بلاد ماوراء النهر جميعها في ظل الحكم الإسلامي، وعاشت تلك الشعوب حضارة إسلامية عريقة. 

وازداد عدد الأتراك في بلاد الخلفاء والأمراء العباسيين وشرعوا في تولي المناصب القيادية والإدارية في الدولة، فكان منهم الجند والقادة والكتاب، وقد التزموا الهدوء والطاعة حتى نالوا أعلى المراتب.

وعندما تولى المعتصم بالله الخلافة العباسية فتح الأبواب أمام النفوذ التركي، وأسند إليهم مناصب الدولة القيادية وكانت سياسة المعتصم تهدف إلى تقليص النفوذ الفارسي الذي كان له اليد الطولى في إدارة الدولة منذ عهد الخليفة المأمون بن هارون الرشيد. 

ولكن اهتمام المعتصم بالأتراك سبب نقمة الناس عليه، فأسس مدينة سامراء شمال بغداد بنحو 125 كم وسكنها هو وجنده الترك، وهكذا بدأ الأتراك منذ ذلك التاريخ في الظهور في أدوار هامة على المسرح السياسي، حتى أسسوا دولة إسلامية كبيرة كانت على صلة بخلفاء الدولة العباسية عرفت بالدولة السلجوقية.

3. ظهور الأتراك السلاجقة على المسرح السياسي

ينتسب السلاجقة إلى جدهم دقاق الذي كان مع قبيلته في خدمة أحد ملوك الترك وكان يدعى بيغو، وكان دقاق في هذه المرحلة من تاريخ السلاجقة مقدم الأتراك الغز، ومرجعهم إليه لا يخالفون له قولًا ولا يتعدون له أمرًا، وكان سلجوق بن دقاق في خدمة بيغو كما كان والده من قبل، حيث كان يشغل وظيفة عسكرية مهمة (مقدم الجيش). وفي هذا الوقت تذكر المصادر أن مظاهر التقدم وعلامات القيادة بدت واضحة عليه، حتى أن زوجة الملك أخذت تثير شكوك زوجها بخطورته؛ لما رأت من حب الناس له، وانصياعهم إليه إلى الحد الذي أغرته بقتله، وما أن عرف سلجوق بذلك حتى أخذ أتباعه ومن أطاعه وتوجه إلى دار الإسلام وأقام بنواحي جند قريبًا من سيحون، وفيها أعلن سلجوق إسلامه، وأخذ يشن غاراته على الترك الوثنيين.

خلَّف بعد وفاة سلجوق عددًا من الأولاد ساروا على سياسة والدهم في شن الغارات على كفار الترك، وبذلوا جهودًا كبيرة في حماية السكان المسلمين الآمنين من غاراتهم، فازدادت قوتهم وتوسعت أراضيهم وقد أكسبهم ذلك كله احترام الحكام المسلمين المجاورين لهم، فقد غزا ميكائيل بن سلجوق بعض بلاد الكفار من الترك فقاتل حتى استشهد في سبيل الله، وفي نهاية الأمر أجمع السلاجقة على زعامة طغرل بك وقام بتوسيع رقعة سيطرته حتى  اتصل بالخلافة العباسية في بغداد، وهذا كان أول عهد الترك السلاجقة بالمشرق العربي.  

حسابات قديمة بأدوات جديدة

 حسابات قديمة بأدوات جديدة

أرسين جليك

كاتب وصحفي تركي

 يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

بينما تتخذ تركيا خطوات تاريخية لإنهاء إرهاب حزب العمال الكردستاني والمنظمات المرتبطة به، يجري السعي إلى إقامة معادلة جديدة في لندن.

لننظر أولًا إلى ما يحدث.

نظّم «المؤتمر اليهودي-الكردي» في لندن، الذي عُقد برعاية رئيس الجالية اليهودية الكردية في إسرائيل يهودا بن يوسف، جامعة تل أبيب. وكان هذا استمرارًا للاجتماع الأول الذي عُقد في برلين العام الماضي. ورغم محاولة إظهاره على أنه فعالية مدنية وأكاديمية، كان هناك أيضًا نواب وشخصيات من البرلمان البريطاني. وفي الحقيقة، كانت وزارة الخارجية الإسرائيلية حاضرة على المسرح.

لنمضِ في النقاط.

أولًا: قدّم رئيس بلدية سور السابق عبد الله دميرباش، جائزة إلى الأكاديمية من تل أبيب أوفرا بنجيو، وأعلنها على المسرح «أم الكرد». وتُعد بنجيو واحدة من أبرز الأسماء وأكثرها حضورًا في الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية. وسيتذكر الرأي العام التركي بنجيو من خلال إشادة أوميت أوزداغ بها في السنوات الماضية.

ثانيًا: قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في رسالة مصورة بعث بها: «نحن نولي أهمية للعلاقات بين اليهود والأكراد». وتكشف هذه الرسالة بوضوح أن إسرائيل تبنت المؤتمر على مستوى الوزارة.

ثالثًا: استهدف البيان الختامي للاجتماع الذي عُقد في برلين العام الماضي كلمات إميرالي: «ينبغي للأكراد أن يندمجوا مع الدولة والأمة»، وبذلك جرى تحديد موقف سياسي معارض لمسار «تركيا من دون إرهاب».

رابعًا: إن طرح مسألة تسليح حزب الحياة الحرة لكردستان «بيجاك» ضد إيران، وإدخال خطاب «تحالف أرض الميعاد» إلى جدول أعمال المؤتمر، يشير إلى سعي إسرائيل إلى تشكيل قوة وكيلة جديدة على الأرض.

وبرأيي، فإن أكثر القضايا إثارة للانتباه والتي ينبغي التوقف عندها هي أطروحة «تحالف أرض الميعاد». فهذا المشروع الصهيوني الذي يشمل حدودنا أيضًا، يظهر أن التخلي عن الدولة غير القانونية التي حاولوا منذ سنوات إقامتها في شرق تركيا عبر حزب العمال الكردستاني لم يحدث.

الصورة واضحة إلى هذا الحد.

والآن لننتقل إلى السؤال الأساسي: أولئك الذين يعارضون إرادة تركيا في إنهاء الإرهاب في الداخل وتعزيز الاندماج المجتمعي بحجة «التقسيم»؛ لماذا لا يقولون كلمة واحدة عن تنظيم أقامته شبكة تتمركز في تل أبيب في لندن، ودعمه وزير إسرائيلي برسالة مصورة، ويستهدف بشكل مباشر وحدة الأراضي التركية؟

إذا كانت القضية هي وحدة الأراضي التركية، فلماذا لا تتحدث «الأوساط الحساسة» المناهضة لتركيا من دون إرهاب عن اقتراح تسليح حزب الحياة الحرة لكردستان «بيجاك» الذي طُرح في هذا المؤتمر؟

إن فهم سبب هذا الصمت ليس صعبًا على الإطلاق. لأن القضية بالنسبة إلى القسم الأكبر ممن يصفون مسار تركيا من دون إرهاب بأنه «تنازل» لم تكن في أي وقت من الأوقات وحدة تركيا. 

إن مصدر قلقهم الحقيقي هو اختلال النظام الذي أُقيم على مدى أربعين عامًا من خلال الصراع، والحسابات التي تشكلت بواسطة الهياكل الوكيلة. وبينما يضع حزب العمال الكردستاني سلاحه، تتفكك أيضًا التوازنات القديمة في جغرافيتنا واحدة تلو الأخرى.

إن منظور تركيا لـ«منطقة من دون إرهاب» واضح: وقف نزيف الدم، وتعزيز السلم المجتمعي، والحيلولة في الوقت نفسه دون تقسيم سوريا.

وتُضعف هذه الاستراتيجية عمليًا يد أولئك الذين يريدون العبث في جغرافيتنا من خلال التنظيمات الإرهابية والعناصر الوكيلة.

وهنا بالضبط، يريدون ملء الفراغ الذي نشأ ببقايا «الأدوات». 

وهذه المرة أيضًا يخرجون إلى الساحة بدعم مباشر من تشكيل يتمركز في تل أبيب. وبين سطور الأطروحات التي دافعوا عنها في مؤتمر لندن، يمكن رؤية حالة من الهلع لملء الفراغ الذي خلفه الهيكل الذي جرى التخلص منه في جغرافيتنا بأداة أخرى.

وهذه التركيبات الجيوسياسية ليست جديدة أيضًا.

يكتب المؤرخ إيلان بابيه في كتابه «تسويق الصهيونية» أن أول من طرح عام 1838 فكرة إقامة دولة أنجلو-يهودية في قلب الدولة العثمانية، وتولى أول عملية ضغط لصالح الصهيونية في العالم الغربي، كان إيرل شافتسبري، أنتوني آشلي كوبر، الذي نجح في ضمان افتتاح القنصلية البريطانية في القدس.

كان هدف كوبر منذ البداية أراضي سوريا الكبرى. وفي المذكرات اليومية التي ينقلها بابيه، كتب شافتسبري أن هذه الأراضي «ستصبح قريبًا من دون حاكم، وخالية من قوة معروفة ومشهورة يمكنها أن تدعي السيادة، وأنه ينبغي تخصيصها لهذا الطرف أو ذاك». (تسويق الصهيونية، ص. 26، منشورات كتبه.)

أي أن أطروحة «تحالف أرض الميعاد» التي أُعيد طرحها على جدول الأعمال في لندن، هي في الحقيقة نسخة يراد تحديثها من هدف عمره 188 عامًا، والذي نجح خارج الأراضي التركية.

إن رؤية تركيا لـ«تركيا من دون إرهاب ومنطقة من دون إرهاب» هي، لهذا السبب تحديدًا، خطوة تهدف إلى إحباط مشروع جيوسياسي عمره قرابة قرنين.

وعليه، لا يمكننا أن نقول إن صدى هذه الأطروحة في لندن جاء من قبيل الصدفة، أليس كذلك؟