الخميس، 12 مارس 2026

تطويـل الطـريق

تطويـل الطـريق

  إبراهيم السكران


كم من فكرٍ أُغرق في الجدل، وضاع فيه الصادقون بين صخب المصطلحات وغبار المفاهيم؟ ولكن.. أليس في القرآن ما يكفي لنسف كل باطلٍ دون صخبٍ أو ضجيج؟

في خضم سيل النقاشات الفكرية، يتوه كثيرون عن المنبع الأصيل للحق، ويتعاملون مع الوحي وكأنه أحد الخطابات الفكرية التي تُفند وتُحلل. فهل مواجهة أعظم الانحرافات الفكرية تحتاج إلى مجلدات تنظيرية؟، أم  إلى قلبٍ صادق؟

هل نحتاج إلى مجلدات فكرية.. أم إلى ختمة تدبر واحدة؟

حين أسمع بعض المفكرين الإسلاميين يتكلمون عن ضرورة مقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ فلا أخفي أنني أحترم تماماً حرصهم على سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر.. لكنني أرتاب كثيراً في نجاعة هذا الأسلوب الذي يريدون.

عندي وجهة نظر لكني لا أبوح بها كثيراً؛ لأني أرى بعض المفكرين الإسلاميين يتصور أنها نوع من التثبيط والتخذيل، فلذلك ألوذ بالصمت.

وجهة نظري هذه بكل اختصار هي أن أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير بكثير مما نتصور؛ فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم ـ الباحث عن الحق ـ كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول “ختمة تدبر“..

آياتٌ تهدم صروح الانحرافات الفكرية

بالله عليكم لو قرأ الشاب المسلم ـ الباحث عن الحق ـ آيات القرآن في حقارة الكافر، وآيات القرآن في وسيلية الدنيا ومركزية الآخرة، وآيات القرآن في التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين، وآيات القرآن في إقصاء أي فكرة مخالفة للوحي، وآيات القرآن في وجوب الوصاية على المجتمع عبر شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآيات القرآن في تقييد الحريات الشخصية بالإنكار والاحتساب، وآيات القرآن في أزلية الصراع بين الحق والباطل، وآيات القرآن في وجوب هيمنة الشريعة على كل المجتمعات، وآيات القرآن في نفي النسبية وإثبات اليقين، وآيات القرآن في مسخ أقوام قردة خاسئين لما تسلطوا على ألفاظ النصوص بالتأويل لتوافق رغباتهم وأهوائهم، وآيات القرآن في ارتباط الكوارث الكونية بالمعاصي والذنوب، وآيات القرآن في ترتيب جدول أولويات النهضة بين التوحيد والإيمان والفرائض والفضيلة وإعداد القوة المدنية..الخ الخ

فبالله عليكم قولوا لي ماذا سيتبقى ـ بعد ذلك ـ من أطلال الانحرافات الفكرية المعاصرة..؟!

خطاب الله أم الخطاب الفكري؟

حين يقرأ الشاب المسلم ـ الباحث عن الحق ـ مثل هذه الآيات فإنه ليس أمام “خطاب فكري” يستطيع التخلص منه عبر مخرج “الاختلاف في وجهة النظر”.. بل هو أمام “خطاب الله” مباشرة؛ فإما الانصياع وإما النفاق الفكري. ولا تسويات أو حلول وسط أمام أوامر ملك الملوك سبحانه وتعالى.

لنجتهد فقط في تحريض وتأليب العقل المسلم المعاصر على الإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، في تجرد معرفي صادق للبحث عن الحقيقة.. وصدقوني سنتفاجأ كثيراً بالنتائج.

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كل المطولات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي.

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأساً على عقب.

هذا القرآن حين يقرر المسلم أن يقرأه بـ “تجرد” فإنه لا يمكن أن يخرج منه بمثل ما دخل عليه.. هذا القرآن يقلب شخصيتك ومعاييرك وموازينك وحميتك وغيرتك وصيغة علاقتك بالعالم والعلوم والمعارف والتاريخ..

وخصوصاً.. إذا وضع القارئ بين عينيه أن هذا القرآن ليس مجرد “معلومات” يتعامل معها ببرود فكري؛ بل هو “رسالة” تحمل قضية ودويّا.

انفعالات خير البرية

وإن من أكثر الأمور لفتاً للانتباه في هذا القرآن العظيم.. هي ما حكاه الله عن انفعال الأنبياء بكلام الله انفعالا وجدانيا وعاطفيا عميقاً..

خذ مثلاً لما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]

يا الله.. هذه الآية تصور “جنس الأنبياء” لا بعضهم؛ فانظر بالله عليك كيف يبلغ اتصالهم بـ “كلام الله” مبلغ الخرور إلى الأرض ودموعهم تذرف بكاءً وتأثراً.. أي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟!

ويصف تعالى مشهداً آخر يأسر خيال القارئ، حين يصور أهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٣].

ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعالى: ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣].

على أية حال.. لو أفلحنا في إقناع الشاب المسلم بالإقبال على القرآن بالتدبر الصادق المتجرد للبحث عن الحق؛ فاعتبروا أن “الدور المعرفي” تقريباً انتهى، وبقيت مرحلة الإيمان؛ فمن كان معه إيمان وخوف من الله فسيحمله على الانقياد والانصياع لله سبحانه، ومن أرخى لهواه العنان فسيتخبط في شُعب النفاق الفكري؛ حيث سيبدأ في أن يعلن على الملأ ـ كما يعلن غيره ـ أنه “يحترم ضوابط الشريعة” لكنه في دخيلة نفسه يدرك أن كل ما يقوله مخالف للقرآن..!

استثناء لغير الأسوياء

بقي الاستثناء الوحيد هاهنا.. وهو أنني أقول أن من كانت نفسيته المعرفية سوية.. أعني أنها تنظر في “جوهر البرهان” وليس في “شكليات الخطاب” فلن يحتاج إلا لقراءة القرآن بتجرد. أما من كان يعاني من عاهات في شخصيته الفكرية؛ بحيث أنه يقدم وهج الديكور اللغوي على جوهر البرهان؛ فهذا النوع المريض من الناس قد يحتاج فعلاً بعض الكتابات الفكرية التي تخدعه ببعض الطلاء التسويقي، كما قال الامام ابن تيمية في حادثة مشابهة في كتابه “الرد على المنطقيين”:

“وبعض الناس يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له، لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات، أو كانت جلية، لم تفرح نفسه به..

فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم، أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته، لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات”. (١)

العودة إلى المصدر الأول للتكوين

ختاماً .. أعطوني ختمة واحدة بتجرد؛ أعطيكم مسلماً سُنياً سلفياً حنيفاً. ودعوا عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة. إنه شبيه بتوحيد مصدر التلقي كما فعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه فترة التكوين الأولى في مكة.

الهوامش:
  1. الرد على المنطقين ١/ ٢٥٥.
المصدر:
 اقرأ أيضا: 
تأمل .. كيف انبهروا بالقرآن !
القرآن .. والثبات
الاستشفـاء بالقرآن .. لأمراض الفرد والأمة

سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة

 سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة



علي محمَّد محمد الصلَّابي

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته..

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة، إذ جمع بين اللين في الخطاب، والوضوح في الحجة، والتذكير بفناء الدنيا وبقاء الآخرة، مع بيان عدل الله في الجزاء، والموازنة بين طريق النجاة وطريق الهلاك. ففي هذه الآيات من الدلالات البلاغية والتربوية والإيمانية العميقة، ما يجعلها نموذجًا خالدًا في الثبات والبيان والدعوة إلى الله.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ۝٣٨ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ۝٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٤٠ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ۝٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۝٤٤﴾ [غافر: ٣٨-٤4[.

هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى، حينما رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات. في المرة الأولى، دعاهم في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى على سبيل الإجمال، وفي المرتين الأخيرتين على سبيل التفضيل، فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته  إياهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم إلى عبادة الأصنام طريق النار، ثم أخبر سبحانه عن وقايته  وعصمته من السوء الذي دبّروه له، وإغراق آل فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة (الزحيلي، 24/128).

1 ـ  قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨ [.

فقد سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

وفرق كبير بين قول فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، وبين قول الرجل المؤمن لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، والرجل صادق في قوله لقومه: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، بينما كان فرعون كاذباً في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (الخالدي، 2/503).

لقد افتتح الرجل المؤمن دعوته لقومه يلفت نظرهم إلى حقيقة تتعلق به شخصياً وهي أنه على حق، ويقف مع الحق، ويدعو للحق، وبالتالي فالانقياد له يعني المضي قدماً إلى طريق مستقيم، بعيداً عن مواطن  الزلل والسقوط، وسعى  الرجل المؤمن بهذا التركيز الشديد على قناعته الشخصية إلى استرعاء انتباههم؛ لعله يأتيهم بما تتوق إليه نفوسهم، كيف لا وكل منهم يرغب في اتباع الحق، ويتجنب قدر المستطاع طريق الغي والضلال، وفي الوقت الذي لاحظ  فيه بوادر إقبال عليه؛ وإصغاء إلى ما عنده؛ أكمل حديثه (أحمد، ص 119)، وشرع في بيان دينه إلى قومه، فبعد الإجمال انتقل إلى التفصيل في:  ذم الدنيا وتصغير حالها، تعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، الموازنة بين دعوة موسى عليه السلام ودعوة فرعون (أحمد، ص 243) ، وإليك تفصيل المجمل:

2 ـ  قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩[.
وكلما بدأ بقوله: يا قوم! بدأ معنىً جديداً، وله عنده أهمية، لأنه يلفت نظر قومه إليه، ويقترب منهم ليقتربوا من النصح الذي يسديه لهم، ولاحظ جملة: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، وكيف بدأت بكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ التي تدل على أن ما دخلت عليه مما لا يجهله جاهل، ولا ينكره منكر، كأن هذا معنى شائع في الناس، المؤمن والكافر، لأن الكل يرى الكل وهو يموت، ويترك ما يترك من ثراء ونعمة، ولم يعد يتمتع بها، ثم إن اسم الإشارة هنا مهم جداً، لأنه يحدد ما يريد أن يحكم عليه بأنه متاع، ويميّزه أكمل تمييز، لأن الحكم عليها بأنها متاع يوجب أن تكون حاضرة حضوراً كأن العين تراها، لقوة تشبث الناس بها، مع العلم بأنها متاع، وهذا البناء يخالف بناء الجملة الثانية التي ليست معلومة علم الجملة الأولى، وهي:

ـ ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: ليس كل أحد يعلم ذلك، بل إن هذا مما نجد أكثر الناس لا يؤمنون به، وإن آمن به المصريون زمن الفراعنة، وأعدوا قبورهم إعداداً خاصاً لحياتهم الثانية، والمهم أن الرجل المؤمن أكّدها بأن ثم بالضمير ﴿هِيَ﴾، ثم جعلها داراً، أي موضع إقامة دائمة، ما دمت حيّاً، كدارك في الدنيا، وأنت هناك لا تموت، فهي دار الأبد، ثم أضافها إلى القرار والمستقر الذي لا يتبدل، ولا يتغير، وهذا تدقيق عجيب (أبو موسى، ص 497).

أ ـ قال ابن كثير: ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخر، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه السلام فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، أي: قليلة زائلة فانية عن قريب، تذهب وتزول وتضمحل، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها،  ولا انتقال منها، ولا مصير إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم (ابن كثير، 7/134).

ب ـ قال السعدي: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يُتمتع بها، ويُتنعم قليلاً، ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعكم عما خلقتم له، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملاً يسعدكم فيها (السعدي، 4/1550).

3 ـ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠[.

أ ـ راجع النفي والاستثناء ودلالته القاطعة على أنه من عمل سيئة لا يزيد عقابه، ولا ينقص عن عمل السيئة، ووصف العقاب  بأنه مثلها، يعني مماثلاً ومساوياً لها، ولا يجوز أن يزيد حبّة خردل عن هذا المثل، والمحظور أن تزيد في عقاب المذنب؛ وليس من المحظور أن تنقص، لأن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة، وتأمل كيف يرسم لنا ربنا طريق الحياة الأفضل، ثم إن العقوبة تكون على من عمل هو سيئة، وليس على من عمل غيره، فلا يعاقب من كان عضواً في جماعة، ولو كان عضواً في عصابة، وإنما على القضاء أن يحدد ما عمله، ولا يعاقب إلا على عمله؛ لأن الله قال لنا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨[.

ـ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩[.

ـ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨[.

فالمسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب  الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة، وبعد هذا التحديد القاطع في كلام هذا المؤمن الذي يصدق قومه النصح قابل هذا بقوله:

ب ـ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: راجع وتأمل لتقف على شرف الكلام، واعلم أن من وقوفك على شرفه؛ أن تدرك خفايا معانيه:

الأول ـ واو العطف التي تعطف عملاً صالحاً على عمل سيء، وتجمع لك صورتين متقابلتين من أعمال البشر على هذه الأرض، هناك قال: "من عمل سيئة" بالتنكير، أي سيئة، قلّت أو كثُرت، وهنا قال من عمل صالحاً، أي صالحاً قلّ أو كثُر، وضع بإزاء هذا التنكير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۝٨﴾ ]الزلزلة: ٧-٨[، وإنما قدم المؤمن عمل السيئة لأنه رأى قومه مغموسين في السيئة، فأراد أن يخلعهم منها، وقدّم ربنا مثقال ذرة خيراً لأن الخير يقدم لشرفه، ثم قال من ذكر أو أنثى إشارة بالمساواة في الثواب والعقاب بين الذكر الأنثى، ودفع الجميع لعمل الصالحات.

وسكت عن النساء في عمل السيئة إكراماً لهن، لأن السيئة من النساء أسوأ، والكذب منهن أخطر، ثم ذكر الأصل الذي لا يعتد بالعمل الصالح إلا به؛ وهو الإيمان (أبو موسى، ص 499).

ـ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: جملة حالية اسمية وبالواو، وكل ذلك يدل على أنه ـ وهو يزاول العمل الصالح ـ زاوله وهو في حال الإيمان، والتقرب إلى الله، وتخيل معي أن كل الشعب يزاول الأعمال التي تصلح بها البلاد، وهو يتقرب إلى الله بهذه المزاولة، وحينئذ تكون قوة هذه الجماعة في الحق، وليست في الباطل، ولن تكون طامعة في خيرات الشعوب، ولن  تحوك المؤامرات والصراعات، وإنما تكون سالمة مسالمة، صالحة مصلحة، فيزداد بها الثراء والخير والبر والمرحمة بين العباد؛ المسلم وغير المسلم، هؤلاء الذين يزاولون العمل الصالح بهذه الروح التي تستحضر الذي بيده الأمر، جوابهم وجزاؤهم أنهم يدخلون الجنة، وهذه هي غاية الغايات، هي دار القرار (أبو موسى، ص 499).

المسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة،

ت ـ ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: وبُني يرزقون للمجهول، وأشار إلى أن الخير والرزق والعطاء يأتيهم من هنا ومن هنا، ثم ناهيك عن عطاء بغير حساب، من أكرم، من أعطى، جل وتقدس، وراجع دلالة اسم الإشارة الذي للبعيد:

ـ في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ودلالته على بعد محلهم، وبعد رتبتهم، ثم تقديم المسند إليه على  الخبر الفعلي، ودلالة ذلك على التوكيد ثم مجيء المضارع الذي يستحضر الصورة من الغيب البعيد.
- في قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾: وكأنك تراهم في عزّهم وعليائهم وكرامتهم وهم يدخلون، ثم مجيء المضارع مرة ثانية:

ث ـ  قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾: وهو رأس الجملة الحالية، وكيف كان الدخول مقترناً بحال الرزق بغير حساب، والأصل أن يكون الرزق بعد الدخول، وإنما هي المبادرة بتكريم الواحد الأحد لكرام عباده الذين فعلوا الصالحات، وهم مؤمنون، وراجع مرة ثانية كلمة "من الصالحات"، واحذر أن تخصّها بالصلاة والزكاة والذكر، لأن الله أطلقها  وهي كل ما تصلح به حياة الناس؛ سواء في مصانعهم أو مدارسهم أو إعداد قوتهم، أو ما يحتاجون إليه من أي علم في الطب أو الهندسة أو الرياضة، أو ما شئت، لأن القاعدة الفقهية هي أن كل علم تحتاجه الأمة فهو من علوم الإسلام، وأن الطبيب الذي له فقه في طبّه أفضل من الفقيه الذي ليس له فقه في فقهه (أبو موسى، ص 500).

قال السعدي -رحمه الله:  ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾: من شرك أو فسوق أو عصيان، ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: أي لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه بقدر إساءته، وما تستحقه، لأن جزاء السيئة السوء،  ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يعطون أجرهم بلا حد، ولا عدّ، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم (السعدي، 4/1550).

4 ـ قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢﴾ [غافر: ٤١-٤٢[.

يقارن الرجل المؤمن بين الدعوتين بنفس اللهجة المحببة:

أ ـ ﴿وَيَا قَوْمِ﴾: ويبين لهما أنهما دعوتان اثنتان، لا ثالث لهما، فإما دعوة إلى الإيمان والخير، وهي دعوته الموجهة لهم، وإما دعوة إلى الكفر والشر، وهي دعوة فرعون الموجهة لهم.

ب ـ ﴿مَا لِي﴾: يستفهم عن شيء من نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي إلى ما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيراً إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (الشعراوي، 21/1386).

ت ـ ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾: ويقارن بين حبه لهم؛ وحبه لنجاتهم وحبّه لأن يعيشوا في جنة؛ وهم يدعونه إلى النار، ثم استأنف بيان هذه الجملة الموجزة العالية، وابتدأ هذا البيان بكلمة ﴿تَدْعُونَنِي﴾ التي حملت المقارنة المحزنة والمؤسفة بينه وبين قومه.

ث ـ ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وراجع أنه قال أولاً: أدعوكم إلى النجاة، وتدعونني إلى النار، فقدم دعوته لهم إلى النجاة "الجنة"، وأخّر دعوتهم له إلى النار، وفي الجملة الثانية عكس، وكأنه لما قال الجملة الأولى علا وغلا، وفي قلبه الإحساس بإساءة قومه له، فقدّم دعوته له إلى النار، وأنهم دعوه ليكفر بالله، ولم يُدْع المؤمن الصادق دعوة أسوأ من هذه الدعوة، لأن إيمانه بالله ليس هو نفسه، وقلبه وعقله، ولحمه، ودمه، وإنما هو فوق ذلك كله: أن يكون الله ورسوله أحب إليك من نفسك.

ـ ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: كان يمكن أن يكتفي بهاتين الجملتين أكفر وأشرك، وكلمة ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ كلمة مفهومة؛ لأنه ليس هناك مؤمن بالله وله علم بشريك، لأنه لا شريك له، ونفي العلم بالشريك نفي لوجوده، قلت كان يمكن أن يكتفي ببعض ذلك، لأن بعضه دال على بعضه، ولكن الرجل الصادق كأنه يُفرغ من قومه الذين يجبهم مرارة حارقة في قلبه، ثم استأنف استئنافاً آخر وأعاد كلمة:

ـ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وجعل دعوته هي فاصلة الآية ليبقى رنينها في القلوب، وقد ابتدأ الجملة بقوله: ﴿وَأَنَا﴾، وكأنه يقول وأنا الذي تدعونه ليكفر بالله ويشرك به ما ليس له به علم، ويدعوكم إلى العزيز الغفار، وأحب اقتران الاسمين الجليلين في الفاصلة، لأن لها دلالة جليلة، فالعزيز الغالب الذي لا يُغلب، والذي يستحيل أن يكون له شريك، والغالب المستعلي على من يكفر به؛ فضلاً عن استعلائه على من يكون داعياً للكفر؛ فضلاً  عمن يدعو إلى الكفر من يدعوه إلى الإيمان (أبو موسى، ص 505).

تجد كلمة العزيز يستخرج منها موقعها هنا إشارات ودلالات لا تشبع منها قلوب أهل الإيمان والبيان، ثم تجد الغفار يفتح الأبواب على مصارعها لمن يريد أن يتوب ويؤوب إلى الغفار، بصيغة المبالغة والتعريف بالألف واللام (أبو موسى، ص 505)، لقد رغبهم مؤمن آل فرعون في الإيمان بالله عزّ وجل، وبين لهم بأنه عزيز غفار، يقبل توبتهم إليه وإقبالهم عليه (الخالدي، 2/506).

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره، دعاهم ليغفر لهم، وهو القادر على أن يغفر لهم، وقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن في دنيا ولا في آخرة، وأن المردّ لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار (سيد قطب، 5/3083).

المصادر والمراجع:

(1)  الزحيلي، وهبي. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج.
(2)  الخالدي، صلاح. القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث.
(3)  أحمد، شفيع الماحي. مؤمن آل فرعون؛ حفيد المرأة الكاملة وابن الرجل الصالح، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1420ه - 1999م.
(4)  أبو موسى، محمد محمد. من حديث يوسف وموسى في الذكر الحكيم.
(5)  ابن كثير. تفسير ابن كثير.
(6)  السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
(7)  الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي.
(8)  سيد قطب. في ظلال القرآن.

إلى من ينتظرون الفرد المخلص

 إلى من ينتظرون الفرد المخلص

إحسان الفقيه


سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي.

الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية.

لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري.

نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها.

حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين.

وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص.

يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال.

الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته.

أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق.

كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات.

لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: 
تمنوا، 
فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- 
فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، 
ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح.

لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق.

ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.

لقد تم إضعاف إيران ولم يعد التهديد قائما

لقد تم إضعاف إيران ولم يعد التهديد قائما

النصر تحقق وحان وقت أنهاء الحرب

الدكتور خليل العنانى

 بينما أكتب هذه السطور، البحث جارٍ في واشنطن عن سردية سياسية وإعلامية جديدة تتيح للإدارة الأمريكية النزول عن الشجرة وإنهاء هذه الحرب، والخروج من المأزق الذي وضعت نفسها فيه بعد أن دفعتها إسرائيل إلى مواجهة مفتوحة مع إيران دون حساب دقيق للعواقب.

ولهذا، من المرجح أن نشهد خلال الساعات أو الأيام المقبلة موجة من الرسائل السياسية والإعلامية التي ستُسوَّق باعتبارها “إنجازا عسكريا”، تمهيدًا لإعلان نهاية العمليات. ومن بين العبارات التي قد نسمعها خلال الساعات والايام المقبلة:
• لقد تم إضعاف النظام الإيراني بشكل غير مسبوق، ولم يتبقَّ الكثير من قدراته الأساسية.
• تم القضاء على البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين أو تعطيلهما لسنوات طويلة.
• تم تدمير جزء كبير من القدرات البحرية والجوية الإيرانية.
• إيران لم تعد تشكّل تهديدًا جديًا لجيرانها أو للمصالح الدولية في المنطقة.
• تمت تصفية “رأس الأفعى” أو تحييد القيادة العليا للنظام.
• سيتم الآن الانتقال إلى مرحلة الضغط الاقتصادي الأقصى عبر تشديد الحصار والعقوبات وعزل إيران دوليًا.
هذه هي السردية التي ستُستخدم لإنهاء الحروب دون الاعتراف بالفشل: إعلان النصر أولًا… ثم وقف إطلاق النار لاحقًا.
ولهذا، لن يكون مستغربا إذا شهدنا توقف العمليات العسكرية مع نهاية هذا الأسبوع، أو حتى قبل ذلك، بعد أن يتم تثبيت هذه الرواية في الإعلام والسياسة الامريكية اذا استمرت إيران في خنق الاقتصاد العالمي من خلال التحكم في مضيق هومز.
السؤال: هل ستقبل إيران بهذا الإخراج السينمائي الامريكي وتوقف الحرب دون ضمانات بعدم تكرارها؟!

الأربعاء، 11 مارس 2026

شواهد من القرآن والتاريخ على سنن الله الجارية في إهلاك الظالمين والمتجبرين

 شواهد من القرآن والتاريخ على سنن الله الجارية في إهلاك الظالمين والمتجبرين

علي محمَّد محمد الصلَّابي

إن لله تعالى سنن ثابتة وجارية في الظالمين وأتباعهم ومن عاونهم، وهي تجري على الأمم والحضارات كما تجري على الأفراد والجماعات، ومنها سنن زوال الأمم بالعلو والطغيان والظلم والإجحاف، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 6 ـ 14] .


فهذه الايات الكريمة تقرّرُ سنةً من سنن الله الربانية التي لا تحابي أحداً من خلقه، إنّها سنةُ زوال الأمم بالفساد والتجبر وزوالها بالطغيان والعدوان، وزوالها أيضاً بالعصيان والبطر والكبرياء كما في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الاسراء: 16]. أي أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات واجتناب المعاصي فعصوا وفسقوا وحققوا أسباب الزوال والانهيار، فحقّت عليهم سنةُ الأخذِ والزوال والتدمير والتنكيل جزاء فسقهم وعصيانهم.

فإذا ما فشى الظلمُ وعدمُ إقامة العدل في أمة من الأمم ، فقد تحقّقت فيهم أسبابُ الهلاك، وحقت عليهم سنةُ الله بالعذاب، ووقعت عليهم القاصمة، قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11].

فالله سبحانه تعالى قد حرّم الظلمَ على نفسه، وجعله بين العباد محرّماً، كما في الحديث القدسي: "يا عبادي إنّي حرّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تظالموا. "

إذا ما فشى الظلمُ وعدمُ إقامة العدل في أمة من الأمم ، فقد تحقّقت فيهم أسبابُ الهلاك، وحقت عليهم سنةُ الله بالعذاب، ووقعت عليهم القاصمة، قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11].

فإذا اختلّت الموازينُ وانعدمتِ القيمُ، وتحكّم الأقوياءُ في رقاب الضعفاء، وقسم المجتمع إلى طبقاتٍ من سادة وعبيد، وتلاعبَ السادةُ بحدود الله وأوامره، فقد حقّت عليه سنةُ الله في الهلاك والتي لا تحابي أحداً من خلقه، ولن تجدَ لسنّة الله تبديلاً ولا تحويلاً، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّما هلك الذين مِنْ قبلكم أنّهم كانوا إذا سرَقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ اللهِ، لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمّدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها".

فالأمم والحضارات تهلك وتزول إذا فشا فيها الظلم وساد دون أي مقاومة أو محاولة للإصلاح وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا يمكن القول أن أجل هذه الأمة الظالمة أو تلك الحضارة التي انعدم فيها العدل قد حان، وأن موعد تحقق سنة الله فيها بالهلاك والزوال قد اقترب، قد يرى الناسُ موجبات العذاب والانهيار قد حلّت بأمة من الأمم ثم لا يرون زوالها بأنفسهم، لكنَّ عمر الأمم أطولُ من عمر الأفراد، ولا تقع إلا بأجل محدود لابدّ من استيفائه، قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف : 34]. 

وقال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبَقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر : 4 ـ 5]. 

وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف : 59].

وإن الله تعالى ينزع القوة والعلو والتمكين من الظالمين المتكبرين والمتجبرين، فيذيقهم الذل بعد العز، والضعف بعد القوة، فقد نزع الله تعالى ملك جالوت الظالم، ومكن لداوود (عليه السلام) الصالح المصلح؛ فالله تعالى ينزع الملك ممن آتاه إياه إذا ظلم وجار صاحبه، وذلك حتى لا تخلد النفوس الظالمة الجائرة في وهم الأمان من هذا النزع، بعدما صاروا في غيبوبة سكر الملك أو السلطان الجائر. 

وكذلك فإن في قصة لقاء بني إسرائيل بجالوت وجنده بشارات للمظلومين، وأنه تعالى ناصرهم على من ظلمهم وتجبر عليهم، وأن عليهم الأخذ بأسباب دفع الظلم عنهم والصبر على هذا، والمصابرة أثناء دفع الظالم ليزول عنهم ظلمه (المبارك، 2017: 150). 

والله تعالى يأخذ الملك ممن يشاء ويهبه لمن يشاء بحكمته وعدله الذي لا يفضي إلا إلى الخير، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].

ولأن سنن الله تعالى في إهلاك الظالمين واستبدالهم لا تحابي أحداً من الخلق، فقد وقعت على بني إسرائيل أنفسهم بعد أن نصرهم الله تعالى على جالوت وجنده من قبل، ومكّن لهم في أرض فلسطين وحولها، فلما انحرف اليهود عن دعوة أنبياء بني إسرائيل (عليهم السلام) تم عزلهم عن منصب قيادة الإنسانية ، وقد جاء تفصيل ذلك بشكل واضح وصريح في سورة الإسراء وذلك بعد قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]، فبدأ بعدها في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ونبّه المؤمنين إلى أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.

والارتباط بين الآيات في سورة الإسراء يشير إلى أن اليهود سيُعزَلون عن منصب قيادة الإنسانية؛ نظراً لما ارتكبوه من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم في هذا المنصب، وأنه سيصير إلى رسول الله ﷺ وأمته، وأنه سيجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما. فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة، من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والظلم والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتتتمسك بالوحي الإلهي المحفوظ، فتحافظ عليه وتعمل به (المباركفوري، 1996، ص 120).

إنّ سورة الإسراء تعرضت للاستبداد الإسرائيلي، وبيّنت كيف تهاوى بين مخالب القوى الدولية الكبرى في ذلك الزمان (الفرس والروم) (التيجاني، 1995: 149). 

قال تعالى : ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ  إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ  وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ  وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)﴾ [الإسراء: 2-7].

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: أن (بختنصّر) قام بتخريب مملكة اليهود، وجاس خلال الديار، وتفرقت بسبب ذلك بنو إسرائيل فنزلت طائفة في الحجاز وطائفة في يثرب، وطائفة بوادي القرى، وذهبت شرذمة لمصر، وحدث ما يعرف بــ " السبي البابلي"، وقد وقع هذا الدمار الفارسي لدولة اليهود، في القرن السادس قبل الميلاد سنة (597 ق.م).

أما الدمار الثاني، وهو الدمار الروماني للدولة اليهودية (بعد أن أعيد بناؤها)، فقد وقع في القرن الميلادي الأول (70م)، وذلك حين هدم القائد الروماني (تيتوس) هيكل أورشليم، وفرّ اليهود من وجه الاضطهاد الروماني السياسي والديني، وتتابعت هجرتهم وانتهى بعضهم إلى جنوب الجزيرة العربية، حيث سبقهم أجدادهم الأوائل (التيجاني، 1995: 152).

إذا اختلّت الموازينُ وانعدمتِ القيمُ، وتحكّم الأقوياءُ في رقاب الضعفاء، وقسم المجتمع إلى طبقاتٍ من سادة وعبيد، وتلاعبَ السادةُ بحدود الله وأوامره، فقد حقّت عليه سنةُ الله في الهلاك والتي لا تحابي أحداً من خلقه، ولن تجدَ لسنّة الله تبديلاً ولا تحويلاً، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "إنّما هلك الذين مِنْ قبلكم أنّهم كانوا إذا سرَقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ اللهِ، لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمّدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها".

ويعدُّ الظلم من أكبر عوامل سقوط الحضارات، والظلم المقصود بهذا المعنى له مفهوم شامل عريض، يؤدي إلى فقدان التوازن في كافة مجالات الحياة وعلاقة الإنسان مع نفسه ومع الله ومع غيره، وعن هذا تنبثق ظواهر نفسية واجتماعية واقتصادية  سلبية ومرضية، وتصورات فاسدة عن الوجود كله، فيعم الفساد الحياة الإنسانية بأسرها (هيشور، 1997: 23)، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].

ولعل أبرز الأمثلة وأولى النماذج على سقوط الحضارات بظلم أهلها هو سقوط ونهاية الحضارة الإنسانية الأولى مع هلاك قوم نوح بالطوفان العظيم، فإنَّ نوحاً عليه السلام جاء في نهاية الحضارة الإنسانية الأولى، والتي بدأت من آدم عليه السلام، ثم انحرفت عن التوحيد وإفراد العبادة للخالق العظيم، حيث تطورت الحياة الإنسانية على وجه الأرض في قضاياها المادية، وضعفت وأخطأت السبيل في قيمها الروحية ومعرفتها بخالقها العظيم، فأرسل الله عز وجل نوحاً عليه السلام، فأقام الحجة على الكافرين والظالمين والفاسقين والمعاندين، ومضت سنة الله في زوالهم واستئصالهم، وآمن معه القليل الذين أنشأ بهم حضارة السلام والبركات بعد الطوفان، فكان الظلم من أبرز أسباب زوال ونهاية الحضارة الإنسانية الأولى بعد الشرك بالله، وقد تكرر وصف قوم نوح بالظلم في القرآن الكريم مرات عديدة:

ـ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: 70].

ـ وقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: 52]، أي أكثر ظلماً وطغياناً من عاد وثمود (الميداني، 2006: 24). 

وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14]. 

وقال تعالى: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 37]. 

وفي قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود 44].

إنَّ قوم نوح عليه السلام استفحل فيهم الظلم وأصبح ظاهرة على مستوى المجتمع، وارتكبوه بكل أنواعه، واستمروا على ذلك إلى أن نزل بهم العقاب الرباني" فأخذهم الطوفان وهم ظالمون " وتحقق فيهم قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: 11]. فإنَّ الإهلاك بسبب الظلم سنة من سنن الله في سقوط الحضارة الإنسانية الأولى وإبادة مدنيتها المتخلفة عن نور الوحي، وإزالة سلطان الملأ الذي يمثل القيادة السياسية والاجتماعية والفكرية في تلك الحقبة من تاريخ البشر.

وقد مضت سنة الله في الاجتماع البشري أنه ما أهلك قوماً إلا أنشأ من بعدهم قوماً آخرين، يقومون بعمارة الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]، ذلك أن ذهاب أمة وإنشاء أخرى لا يكون عبثاً وصدفة، ولكنه سنة الله في الأمم والدول لتتجدد خلايا الإنسانية، وتتداول الحياة الحضارية بين البشر، ليستمر العالم قائماً على عقيدة سليمة وأسس صحيحة صالحة للبقاء (هيشور، 1997: 73).

وإن الحضارات كما أن لها سنن قيام وسقوط، فلها سنن تجدد وانبعاث واستبدال، وقد تحدث القرآن الكريم عن الاستبدال الحضاري وهذا ما حدث لقوم نوح حيث تجمعت فيهم أسباب الهلاك فمضت سنة الله فيهم بالطوفان، ولكي تستأنف الإنسانية رسالتها استبدلهم الله بنوح عليه السلام والذين آمنوا به، وكان نوح عليه السلام ومن آمن معه تميزوا بتوحيدهم لله ومنظومة سلوكية أخلاقية ربانية، متمسكين بالحق وصابرين عليه، وكانوا محاربين للظلم بكافة أنواعه، فأجرى الله قدره عليهم ومكن لهم في الأرض، وجمع الله فيهم شروط التمكين وأسبابه.

وقوم نوح هم أول الأمم الهالكة التي وردت قصتها في القرآن الكريم لقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 17]، ويُفهم من هذه الآية الكريمة أن الهلاك بدأ بقوم نوح، ثم استمر إلى الفترة ما قبل البعثة النبوية، حيث كان هلاك أصحاب الفيل، وكان قوم نوح سكان الأرض في تلك الحقبة الزمنية البعيدة في أغوار التاريخ قبل انتشار الناس لقرب العهد من آدم أبي البشر عليه السلام (أمحزون: 3/579).

وبالرغم من أن الله سبحانه وتعالى قضى بجعل الحساب والجزاء يوم القيامة، لكن جرت سنته بالفصل بين أهل الحق وأهل الباطل في الدنيا لحكمة ربانية عليا، وذلك بإهلاك الظالمين وإنجاء المؤمنين في الصراع الدائر بين الرسل عليهم السلام وأعدائهم، وفي هذا الصراع دارت الدائرة وفق سنة الله على أهل الشقاوة، فمنهم من أغرقه الله بالطوفان، ومنهم من أرسل عليه الريح العقيم، ومنهم من أخمدته الصيحة، ومنهم من أخذته الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ومنهم من مسخوا فغدوا قردة وخنازير، على أن الهلاك الذي حل بأولئك الظالمين إنما هو خزي لهم في الدنيا ونصرة للمؤمنين وعبرة لمن يجيء بعدهم من الأمم ليتعظوا بمصائر الغابرين، ويبتعدوا عن سبل الشيطان التي كانت سبباً في إهلاك القرون الخالية المحادّة لله ورسوله.

المراجع:

1 ـ الصلابي، علي محمد، العدالة من المنظور الإسلامي، دار المعرفة، بيروت.
2 ـ المبارك، إبراهيم، (2017)، سنن التمكين وأثرها على السياسة الشرعية، دار اليسر، ط1.
3 ـ المباركفوري، صفيِّ الرَّحمن، (1996)،  الرَّحيق المختوم، ، ط1، مؤسَّسة الرِّسالة – لبنان.
4 ـ التيجاني، عبدالقادر حامد، (1995)، أصول الفكر السِّياسيِّ في القرآن المكِّي، عمَّان - الأردن، دار البشير.
5 ـ هيشور، محمد، (1997)، سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها، دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الأولى.
6 ـ أمحزون، محمد، السنن الاجتماعية في القرآن الكريم وعملها في الأمم والدول، دار طيبة، ط1 1432هـ.