الجمعة، 29 مايو 2026

الحج.. حين تبحث الأمة عن نفسها

الحج.. حين تبحث الأمة عن نفسها

ا.د. جمال عبد الستار


يتجمع الملايين حول بيت الله الحرام، ليس ليُكرِّروا شعيرة، بل ليكتشفوا لماذا أصبحوا شظايا تحمل اسماً واحداً وقلوباً متفرقة.فحين ترتدي الأمَّة ثياب الإحرام، تخلع ألفَ لونٍ من ألوان الفرقة… فهل تعود بعد الحج موحَّدة الثوب والقلب؟

كمال العبودية.. أعظم ما يناله الإنسان

يجتمع المسلمون حول الكعبة في كلِّ عام، لا ليُكرِّروا طقسًا عابرًا، بل ليُجدِّدوا رحلة البحث عن ذواتهم؛ أفرادًا وأمَّة، أمَّا الفرد، فإنَّه يكتشف في مناسك الحج أنَّ أعظم ما يمكن أن يناله الإنسان أن يتحقَّق بكمال العبودية لربِّه؛ حيث يتجلَّى للعبد أنَّ كماله الحقيقي ليس في صورةٍ يحملها الناس عنه، ولا في لقبٍ يتزيَّن به، ولا في نسبٍ يعتزُّ به، ولا في ثيابٍ يفاخر بها؛ كما أنَّه ليس هذا الجسد الذي تتداوله الأسماء، بل تلك الروح التي تتأهَّب للعودة إلى بارئها، وتكدح في السير إلى لقائه: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ) (الانـشـقاق: ٦).

دوران الأرواح حول مركز العبودية الكبرى

ومن فتحت له أبواب البصيرة رأى أنَّ الحج ليس حركة أجساد حول بناءٍ من حجر، بل دوران أرواح حول مركز العبودية الكبرى؛ فالعبد يطوف حيث أراد سيِّده، ويسعى كما أُمِر، ويقف حيث أُوقِف، ويفيض حين يؤذن له، ويرمي حين يُطلب منه، ويتحرَّك في الصغيرة والكبيرة وفق مراد الله لا وفق منطقه القاصر، وهنا تتهاوى أوهام الفلسفات المتعالية أمام مقام التسليم؛ إذ لا شيء يسبق أمر الله، ولا معنى يعلو على حقيقة العبودية لربِّ العالمين.

الروح تتأهب للقاء الأكبر

ومن هنا يعود الحاجُّ إلى ربِّه في الدنيا قبل العودة الكبرى إليه في الآخرة؛ يعود وقد خفَّ حمل الذنوب عن روحه، ليواصل رحلته إلى الله بأمل المشتاقين إلى اللقاء الأكبر يوم يقف العباد بين يدي ربِّهم، فيُوقفهم على ما كسبوا، ويجازيهم بما كانوا يعملون.

الأمَّة تبحث عن ذاتها الضائعة

أمَّا الأمَّة، فإنَّها تأتي إلى البيت العتيق باحثةً عن ذاتها الضائعة بين ركام التمزقات، وعن ثوابتها التي بعثرتها عواصف الأزمنة، حتى غدت  في كثيرٍ من أحوالها لا تكاد تعرف وجهها الحقيقي إذا نظرت في مرآة التاريخ، ولو أنَّ الأمة نادت أبناءها من تحت أستار الكعبة، لتختار من ينتسب إليها حقًّا، فتمنحه رايتها، وتُسلِّمه أمانتها، لارتجَّ المكان بالصمت أكثر مما يرتجُّ بالاستجابة؛ إذ كلُّ واحدٍ منهم قد احتمى بلونه القديم الذي ظنَّ أنَّه خلعه ساعة لبس الإحرام، فإذا به ما يزال متدثِّرًا به في أعماقه أكثر من تدثُّره بنصاعة البياض الذي ارتداه.

شظايا تحمل اسم الإسلام ولا تحمل قلب الإسلام

هذا يرى أخاه منحرفًا في الاعتقاد، وذاك يخاصم أخاه في الفقه، وآخر يطعن في السلوك، ورابع يمزِّق الصفَّ بالسياسة، فهذا تابعٌ لسلطان، وذاك منازعٌ له، وهذا أسير أيديولوجيا دعوية، وآخر متحصِّن براية حزبية، حتى تكسَّرت الأمَّة إلى شظايا متقابلة، يحمل كلُّ شظيةٍ منها اسم الإسلام، ولكنَّها تعجز أن تحمل قلب الإسلام الكبير.

تناديهم الأمَّة من قبلتكم الواحدة

فتناديهم الأمَّة -وهي تستند إلى الكعبة كما تستند الروح إلى قلبها- أن تعالوا إلى قبلتكم الواحدة، فما أصدقها قبلة، وإلى أخوَّتكم الإيمانية، فما أوثقها رابطة، وإلى حمل الأمانة الكبرى، فما أثقلها وأشرفها، تناديهم أن يدفنوا خصومات الأزمنة السحيقة، وأن يخرجوا من سجون الحزبيات الضيقة، ومن كهوف العصبيات المقيتة، ومن المذهبيات التي تحوَّلت من وسائل للفهم إلى معاول للهدم والتمزيق.

العدو لا يريد الأرض وحدها بل الأمانة

فالعدوُّ الذي يُحدِّق بالأمَّة ليلَ نهار لا يريد أرضها وحدها، ولا ثرواتها وحدها، بل يريد الأمانة المستقرة في قلبها؛ يريد أن ينتزع منها سرَّ شرفها الذي شرَّفها الله به، وأن يطفئ المعنى الذي جعلها خير أمة أخرجت للناس.

أبرهة الجديد يريد هدم الكعبة في القلوب

إنَّ أبرهة الجديد، بكلِّ ما يملك من أفيال القوة والإعلام والهيمنة، لا يسعى في الحقيقة إلى هدم الكعبة بناءً وحجارةً وأستارًا، فذلك أهون أهدافه، وإنَّما يسعى إلى هدمها في قلوب المسلمين؛ وأن تهوي الكعبة من مقام العقيدة الجامعة، وأن تسقط من كونها القبلة الواحدة.

فإذا سقطت الكعبة من القلوب، بقيت قائمةً في الأرض لا تحرس أمَّة، ولا تجمع شتاتًا، ولا تبعث في الأرواح معنى الاستخلاف والعبودية والشهادة على الناس.

الذنب الأعظم: ذنب التفرُّق

إنَّ الذنبَ الأعظم الذي ينبغي للأمَّة أن تستغفر منه في حجِّها، وأن تعود وقد اغتسلت من أدرانه، ذنبَ التفرُّق الذي مزَّق وحدتها، وأوهن عزيمتها، وبدَّد ريحها، وشوَّه فطرتها، وكبَّل انطلاقتها، حتى غدت أمَّةً تملك أسباب النهوض كلَّها، ثم تعيش أسيرة الوهن في زمنٍ تساقطت فيه المعالم، وظمئت فيه الأرواح إلى معنى الهداية والثبات.

“أقيموا الدين ولا تتفرقوا”

إنَّه ذنب التفريط في عهد الاستخلاف: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: ١٣).

وهو ذنبٌ لا تمحوه مظاهر الطواف وحدها، ولا تُذهبه دموع المشاعر العابرة، ولا تغسله طقوسٌ شكلية تُؤدَّى بالأجساد بينما القلوب ما تزال معلَّقةً بأوثان الفرقة والهوى والعصبية.

لا يُغفر حتى تراجع الأمَّة نفسها

إنَّ هذا الذنب لا يُغفر حتى تراجع الأمَّة نفسها وحتى تُجدِّد عهدها مع الله عهدًا وثيقًا أن تعيش بالإسلام وللإسلام، وأن تحمل الرسالة لا بوصفها شعارًا يُرفع، وإنما قدر يُعاش، وأمانة تُؤدَّى، ودم يجري في العروق.

فكيف تكون الأمة قد وعت درس الحج؟

فإذا لم تُثمر التلبية استجابةً حقيقية لنداء الله بحمل الرسالة، وإقامة الشهادة على الناس: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران: ١٠٤)، فكيف تكون الأمة قد وعت درس الحج حقيقة؟!

الرمي.. ساعد يقذف الباطل بحجج القرآن

وإذا لم يُنشئ الرمي في الأمَّة ساعدًا يقذف الباطل بحجج القرآن، ويرجم الظلم بقيم الإسلام، ويُعدُّ من كلِّ ما يملك عدَّةً لدفع عدوان المعتدين عن الإنسان الذي جعله الله أعظم حرمةً من الكعبة، وعن مقدسات المسلمين فكيف يكون الحج ميلاداً حقيقياً؟!

الطواف.. أمَّة تدور حول الحق

وإذا لم يُنتج الطواف أمَّةً يدور قلبها حول الحق كما يدور الجسد حول الكعبة، فلا تنفكُّ عن الدين، ولا تبرح ساحة الشريعة، ولا ترضى بغير الله حكمًا، ولا بغير الإسلام سبيلًا، فكيف تتطلع إلى أن تعود من ذنوبها كما ولدتها أمهاتها؟!

السعي.. حركة دائبة لاسترداد الكرامة

كيف تكون الأمة قد تعلمت درس السعي إذا بقيت ساكنةً تحت ركام عجزها، لا تتحرَّك لتحرير مقدساتها، ولا تنهض لتطهير أرضها من أدران الاحتلال والضلال، وما لم يغرس السعي في قلب المسلم حركة دائبة، وأخذًا بالأسباب، وعزمًا على إعمار الأرض بنور الله، وتعبيدها لربِّ العالمين، وما لم تسعَ إلى استرداد كرامتها التي أقامها الله بها أمةً شاهدةً على الناس؟

الحج.. بيعة جديدة مع الله

إنَّ الحجَّ بيعةٌ جديدة مع الله، فهل تفي الأمَّة بعهدها مع ربِّها؟ وهل استلمت الحجر -تقبيلًا، أو استلامًا، أو إشارةً- إلا لتبرَّ بعده بقسمها القديم، وتعود من رحلتها أكثر صدقًا في حمل راية الدين، وأشدَّ وفاءً لأمانة الاستخلاف؟

فهل من حادٍ صادق؟

فهل من حادٍ صادقٍ يحدو بهذه الأمَّة إلى ربِّها، حتى تفيءَ من شتاتها إلى وحدتها، ومن غفلتها إلى يقظتها، ومن ضعفها إلى سرِّ قوتها، فيفيض الله عليها من أنوار الهداية، ومدد التوفيق، وفتوحات البصيرة، ما يعيد إليها وجهها الذي أراده الله؛ أمَّةً شاهدةً، هاديةً، حاملةً لنور السماء إلى الأرض؟

المصدر

الدكتور جمال عبد الستار 

الخميس، 28 مايو 2026

أمريكا لم تعد قوة عظمى

 أمريكا لم تعد قوة عظمى

د. خليل العناني 


في عقد التسعينات، كانت أكثر شخصيتين تأثيرا في الساحة الفكرية والسياسية الأمريكية هما فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنغتون، وكلاهما من أبرز أساتذة العلوم السياسية في الولايات المتحدة الاول في جامعة ستانفورد والثاني في جامعة هارفارد.

 فرانسيس فوكوياما.

فوكوياما أمريكي من أصل ياباني، وُلد في شيكاغو عام 1952، لعائلة هاجرت من اليابان إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين. وصل جده الساحل الغربي الاميركي فاراً من الحرب الروسية اليابانية وتم اعتقاله أثناء الحرب العالمية الثانية مع آلاف اليابانيين الذي كان يُشك في ولاءهم.

والده، يوشيو فوكوياما، كان عالم اجتماع وأستاذا للدراسات الدينية، وقد تلقى في بداياته تدريبا ليصبح رجل دين قبل أن يتجه إلى العمل الأكاديمي. نشأ فوكوياما في بيئة تجمع بين الانضباط الأكاديمي الصارم والهوية المهاجرة، وهو ما ترك اثرا واضحا على تكوينه الفكري. لكنه أيضا كان أمريكي العقل والفكر ولم يتعلم اليابانية في صغره.

في عام 1992، نشر فوكوياما — الشاب وقتها — كتابه الشهير “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، الذي أحدث فرقعة إعلامية وفكرية ضخمة بسبب عنوانه الجريء وأطروحته الأكثر جرأة: 

أن النموذج الأمريكي، سياسيا وايديولوجيا واقتصاديا، انتصر نهائياً على بقية النماذج، وأن الديمقراطية الليبرالية مع اقتصاد السوق هي المحطة الأخيرة للتطور السياسي للبشرية.

أطروحة فوكوياما انتشرت كالنار في الهشيم، وتحول الكتاب إلى أحد أهم كتب تلك المرحلة وتصدر قائمة الكثر الكتب مبيعا في تلك الفترة، بوصفه التعبير الأكثر ثقة وتعبيرا عن لحظة الغرور الأمريكي بعد نهاية الحرب الباردة.

ببساطة، كان فوكوياما يقول إن المعركة الكبرى بين الأيديولوجيات قد حُسمت: الفاشية سقطت، الشيوعية انهارت، ولم يبقَ سوى الليبرالية الغربية بوصفها النموذج النهائي. 

أما “الرجل الأخير”، فكان ذلك الإنسان المطمئن، المستهلك، الباحث عن الرفاه والأمان، لا البطولة ولا المعارك الكبرى.

وما هي سنوات قليلة حتى وقعت أحداث سبتمبر 2001 وتلتها حروب أمريكا الكارثية في أفغانستان والعراق، ثم الأزمة المالية العالمية، ثم صعود الصين، وعودة روسيا، وانكشاف هشاشة الديمقراطية الأمريكية نفسها من الداخل.

————-

قبل أيام نشر فوكوياما -السبعيني- مقطعا مصوراً من حديقة منزله لأقل من 8 دقائق حول دلالات زيارة ترامب للصين جاء فيه:

(أمريكا لم تعد قوة عظمى. وما حدث في بكين لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل مشهد إهانة مدروس لرئيس الولايات المتحدة. لم يستقبله شي جين بينغ في المطار. جلس في القمة بطريقة جعلته يبدو أصغر وأضعف بصرياً. عاد بلا إنجازات حقيقية، فقط وعود اقتصادية ضبابية، بينما كان يوزّع المديح والتملق على مضيفه كما لو كان يسعى إلى نيل رضاه.

الإهانة لم تكن بروتوكولية فقط، بل سياسية ورمزية؛ رئيس القوة الأعظم ظهر كمن يطلب المساعدة لا كمن يفرض الشروط، وكمن يبحث عن مخرج من أزماته لا كمن يقود النظام الدولي.

ذهب ترامب إلى الصين وهو يبحث عن مخرج من الفخ الإيراني الذي صنعه بنفسه؛ حرب استنزفت الهيبة الأمريكية، وهددت شريان الطاقة العالمي، وكشفت حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها.

شي جين بينغ فهم ذلك جيداً. رئيس أمريكي يحتاج إلى مساعدة لاحتواء أزمة هرمز ليس في موقع القوة، بل في موقع الطالب.

المفارقة أن ترامب الذي قدّم نفسه دائماً كرجل قوة و«فن الصفقة»، وجد نفسه يتفاوض من موقع الضعف، بينما تمسك إيران بأوراق ضغطها، وتراقب الصين مشهد التراجع الأمريكي بهدوء.)

ما أعظم نعمة البصر!

ما أعظم نعمة البصر!


د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الأمة الإسلامية وصناعة الوعي والهمة.


أن يفتح الإنسان عينيه كل صباح، فتنساب إليه الدنيا بألوانها، وتفاصيلها، وظلالها، ووجوه من حوله، وامتداد السماء، وخضرة الأرض، ودقائق الأشياء التي لا يكاد يشعر بعظمتها إلا إذا فقدها أو رأى من حُرمها.

مجرد صورةٍ تقع على العين، تبدأ خلفها رحلة مدهشة لا تكاد تُصدَّق؛ فالضوء يدخل عبر القرنية ثم العدسة، ليُرسَم المشهد مقلوبًا على شبكية العين التي تضم ملايين الخلايا الحساسة للضوء، من العُصيّ والمخاريط، فتتحول الأشعة في لحظات خاطفة إلى إشارات كهربائية دقيقة، تُنقل عبر العصب البصري إلى الدماغ بسرعة هائلة، وهناك تُفكَّك الألوان، وتُعرَف الوجوه، وتُقدَّر المسافات، وتُبنى الصورة كاملة في جزء من الثانية، بصورة متواصلة لا تنقطع ما دمتَ تنظر!

كل هذا الإعجاز يقع في كل لحظة ونحن نمشي ونتأمل ونقرأ، دون أن نشعر بكمّ النعم التي تعمل لأجلنا في صمت.

فأيُّ فضلٍ تنعم به أيها الإنسان بأن ترى؟ وأيُّ مِنّةٍ هذه وأنت تنعم بفتح هذا الباب إلى العالم في حركتك وسكونك بدون تكلفة منك؟

ولهذا ذكّر الله عباده بهذه النعمة العظيمة فقال: 

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.

فحقٌّ على المؤمن أن يستقبل كل يوم بحمد الله جل جلاله على نعمةٍ لو سُلِبت منه، لدفع فيها الأثمان الباهظة لتُسترجع!

الحمد لله كثيرًا جدًا لا ينقطع على نعمة البصر!

على بصيرة

 على بصيرة


من أعظم ما يحتاجه شباب هذه المرحلة ألّا يرثوا عن الجيل السابق من شيوخهم وآبائهم وأساتذتهم الصراعات الفكريّة الاستنزافيّة التي أكلت أعمار جيلٍ كامل حتى شاخ وهو يدور في حلقات الجدل العبثي ويستهلك طاقته في معارك الفروع العقدية والفقهيّة ويغيب عن معركة البناء الكبرى.

أعمارٌ طويلة مضت في الخصومات حول فروع العقيدة وفي المعارك حول الفروع الفقهيّة الموسميّة؛ وكلّها مسائلُ خلافيّةٌ يمتدّ فيها النظر وتتعدّد فيها مسالك الاجتهاد، وتحمل بطبيعتها مساحةً يتجدّد فيها الخلاف مع تجدّد العقول والمدارك، وموضع هذه المسائل مجالسُ العلم التخصّصيّة بعيدًا عن ضجيج الاستقطاب وحرارة التنازع.

أمّا نقلها إلى ساحات الاشتباك الفكريّ العام وإلى المنابر المسجديّة والمساحات الإعلاميّة المفتوحة وتحويلها إلى معارك تعبئةٍ واصطفاف فإنّه يعني استنزاف أعمارٍ جديدة في الدوران داخل الدائرة نفسها ويعني توريث الشباب خصوماتٍ قديمة بدل توريثهم مشروعًا للبناء والنصر والتمكين الحقيقيّ.

أيّها الشباب:

 كونوا أوعى من شيوخكم وكونوا أبصر من أساتذتكم ولا تسمحوا لهم أن يورّثوا عقولكم معاركهم القديمة تلك التي ما أورثت الأمّة إلا مزيدًا من الفرقة وما وسّعت في المجتمع إلا مساحات التنازع والتشظّي وما استهلكت إلا الأعمار والطاقات والقلوب حتى غدا كثيرٌ من الجهد يُبذل في إدارة الخلاف أكثر مما يُبذل في صناعة المستقبل.

وانطلقوا في بناء أفكاركم بناءً متكاملًا؛ يبتدئ من الأصول قبل الفروع ومن الكلّيّات قبل الجزئيّات ومن الأسئلة الكبرى قبل سجالات الهوامش؛ ابحثوا عن المعاني التي تبني المستقبل وعن الرؤية التي تُقيم الإنسان وعن الفكر الذي ينهض بالمجتمع من ركام القهر ومن نير التخلّف ومن ظلمات الجهل الطويلة إلى أفقٍ أوسع من الحرية وأرسخ من الفكر وأقدر على حمل الرسالة وصناعة العمران.

الحج: الجمع المهيب

 الحج: الجمع المهيب

 . قـلـم الـتحـرير

كيف تحولت شعيرة الحج عبر التاريخ الإسلامي إلى تجربة إيمانية وإنسانية عميقة، تجمع بين التوحيد والتجرد والمساواة، وتمنح المسلمين قوة روحية وحضارية تحفظ هويتهم وتعيد بناء علاقتهم بالله والأمة والعالم من حولهم سنويًا؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:


وبعد: فثمَّة مواسم في تاريخ البشر لا تُقاسُ بالزمن، وإنما تُقاسُ بما تُخلِّفه في الوجدان من أثرٍ يتجاوز العقل إلى الروح، ومن فعلٍ يتخطَّى الجسد وحركاته ونَصَبه إلى المعنى. 
ولعلَّ الحجَّ -الركن الخامس من أركان الإسلام-؛ هو أعظمُ هذه المواسم وأكثفها دلالةً، وأشدُّها حضورًا في وعي المسلمين عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان، دون أن يفقد شيئًا من توهُّجه، أو يتآكل شيءٌ من معناه المرتبط بالنداء الخالد؛ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: آية 27].

فالحجُّ أكبر مؤتمر عالمي سنوي؛ إذ يقصده الناس من كل فجٍّ عميق، ويبادر له أفئدة من الناس تهفو قلوبهم إلى المناسك والمشاعر بين آونة وأختها، وفيه من دلائل الوحدة في المظهر والقول والفعل والرجاء والأحكام ما لا يَخْفى، هذا غير التعارف بين أبناء الأمة الواحدة وشعوبها، وابتداء حياة جديدة عقب الحج تختلف تصوراتها ومسالكها عما كان المرء عليه قبل أداء هذا النُّسك العظيم.

وهذا المنسك السنوي يربط بين الأُمّة المحمدية وأنبياء الله ورسله -عليهم الصلاة والسلام-، وبين أبناء الأُمّة وسلفهم الصالح، ويجعل تاريخ أُمّتنا ممتدًّا لآلاف السنين، يمشي على رأسه وأمام جموعه رسلٌ وأنبياء، فنحن أُمّة عريقة، ولنا سلف من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وكل أولئك الرفيق الحسن قد حجّوا مرة فما فوقها، ومشوا فوق البقاع التي يعيش فيها الحاجّ أزكى الأيام، وأطيب الليالي، وأجمل رحلة وذكرى في عمره.

ولا يبدأ الحجُّ حين يطأ الحاجُّ أرض الديار المقدسة، ولكنه يبدأ عندما ينوي المرء أداء هذه الشعيرة، وبعد أن يشدُّ الرحالَ من بيته مُودّعًا الأهل والمرابع لأجل غاية هي الأَنْفس، وأمنية هي الأسنى. وعندما يتحرّك الحاجّ ضمن هذا الموكب السامي، يصدر عنه إعلانٌ داخليٌّ -دون أن يجهر به-، خلاصته توحيد الهوية والوجهة؛ فهو مسلم وكفى، وسوف يؤدي النُّسك مثلما ورد في السُّنّة، يحرص على الاتباع، ويجتهد في الطاعة.

وإذا ارتدى الحاج ثوبَ الإحرام الذي لا يُفرِّق بين ملكٍ وفقير، ولا بين عالِمٍ وأُمِّيٍّ، فإنه يصرح بهيئته قبل لسانه أن الدنيا بكل زخرفها موضوعة خلف الظهر، ودبر الأذن، وحين يشرع في الإحرام يتلاشى لديه أيّ شيء أمام أحكام هذا الإحرام بما فيه من واجبات وسنن ومحظورات، في حال من العبودية التي يرتقي بها المرء على أيّ صفة دنيوية.

ثم يمضي الحاج في أداء الشعيرة بواحدة من أنساكها الثلاثة، وفي كل عمل يؤديه جملة من المعاني، تجتمع وتفترق، لكنّها كلها تسير في طريق واحد، هو طريق العبد السالك لرب العالمين، ومسير المسلم المُوقِن بدينه ومنهجه، حتى يغدو أداء الحج بالنسبة للمُوفَّق منهم تجربةً فريدةً لا نظير لها، لكثرة فيها من معانٍ، ولبقاء آثارها مدة طويلة قد تستمر إلى آخر العمر، وهذه مناسبة تصنع لدى المسلم فهمًا عميقًا للعبودية، وفقهًا لكل سلوك مهما دقّ.

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ في هذه الآية الكريمة معجزة لافتة، فذلكم الأذان الذي لم يساعد على نشره جهاز ولا دولة ولا غيرهما، بلغ الآفاق متجاوزًا الزمان والمكان، حتى توافد الناس لهذه الشعيرة دون انقطاع مهما كانت الأحوال، ومن كل البقاع حتى لو أنها بعيدة ودون البلوغ أهوال وأهوال، وتأتي تلك الجموع المتوالية، كلُّها تصبُّ روافدها البشرية في وادٍ واحد، وتتَّحد في هتافٍ واحد: «لبَّيكَ اللهم لبَّيك»، وهو نداء طاعة وخضوع يدكّ الأفكار البشرية دكًّا دكًّا، ويقود إلى تفكيك المقولات المادية المعاصرة، ونقض محاولات ترسيخ المركزية الغربية.

وفي أعمال الحج عبادات خالصة للرب الحكيم العليم سبحانه، وفيها من المعاني ما لا يُحصَى، فالطواف يشير إلى أن كل مسلم يدور حول فكرة مركزية مرجعها دينه الذي أمر الله به، وبلّغه الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، حتى خُتموا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وبرسالته المهيمنة الظاهرة على الدين كله.

ويطوف الطائف مع إخوانه دون أن يعرفهم أو يعرفونه، بيد أن قلوب الكافة قد توافقت على الفعل وأحكامه وغاياته. 
ويطوف الحاج حول الكعبة ذلك البناء الشامخ منذ آلاف السنين، وفي هذا الطواف وقفة صلبة أمام التميع والسيولة، فلا مناص من الثبات المتجذّر الذي يأوي إلى ركن شديد.

وفي السعي تقديم للجلد والجدية والأخذ بالأسباب بغية طلب ما به النجاة والمعاش، وفيه حثّ على الإصرار وقوة الإرادة بالتكرار، مع طرد للكسل وسرعة الملل، وعمران القلب بالتوكل على الله. وخلال السعي لا يغفل المرء المسلم بين شوط وآخر عن التوجُّه صوب الكعبة المشرفة، ليدعو ربه، ويتضرع لمولاه، مستمدًّا منه العون والتأييد.

ومن لطيف ما توحيه لنا هذه العبادة التي يلتزم بفعلها كل حاج ومعتمر: مكانة الأم وحقّها على أبنائها، وتأثير المرأة البالغ حينما تكون مشاركتها ضمن أُطُر شرعية، أو بناء على ما تقتضيه الضرورة.

و«الحج عرفة»؛ كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ، وبهاتين الكلمتين أضحى الوقوفُ بعرفة هو ذُروة الحج وأهم أركانه. 
وفي هذا الركن يقف ملايين البشر في يومٍ واحد، في صعيد واحد، يدعون إلهًا واحدًا، في مشهد يشبه يوم الحشر الأكبر، وفي موقع يناجي العباد ربهم مناجاة فردية، لكل واحد مَطالبه، وابتهالاته، واستغفاره، وهم في حال من الخشوع والضراعة بألسنةٍ لا تكاد تُحصَى، وبدموع لو اجتمعت لجرت جريان الوادي الكبير.

كما يتعبَّد الحجّاج لخالقهم برمي الجمرات إمعانًا في الطاعة واتباعًا للهَدْي النبوي، وفي هذا العمل إشارة إلى أن كل شيء في الحياة، وفي الممات أيضًا، يمكن أن يكون قُربة خالصة لله رب العالمين. 
وفيه إذعان لا يسأل صاحبه عن سرّ العدد، وسبب الاختلاف في الجمرات بين اليوم الأول فما بعده، ولا عن طريقة الرمي وهدفه. 
وفي فِعل الرمي المُكرَّر تأكيد على المُضِي بما عزم عليه الإنسان من رشد وثبات، وفي التكبير والدعاء مع كل جمرة صغيرة تُرْمَى ربط لكل عمل بالصالحات.

ويُخطئ مَن يُقارن الحجَّ بالمؤتمرات الدولية أو الاجتماعات الكبرى، حتى لو كانت بواعثها دينية، فهذه كلُّها تجمعاتٌ تُوحِّدها المصلحةُ أو الفن أو الرياضة أو السياسة، وما كان منطلقًا من ملة فهي محرّفة أو باطلة من أصلها، أما شعيرة الحجُّ فتجمع ما لا يجمعه شيءٌ آخر؛ فهو توحيد وخضوع وائتلاف ومنافع شتى، في صورة من صور التضامن والتشارك في الظاهر والباطن يستحيل أن توجد في غير هذا الموسم المهيب، وهو موسم يُعبِّر عن سمة حضارية لأُمتنا التي حشدت في ركنها الخامس المختلفين في أشياء كثيرة، ووحّدتهم في الفعل والقول والمكان والزمان واللباس، فالجميع في مكة والمشاعر عباد لله، ولا فروق ولا طبقية.

فأضحى الحج بذلك انتماءً مشتركًا لأكثر من مليار مسلم، وقد حفظ للفرد خصوصيته، بيد أنه سلكه ضمن روح جماعة واحدة، تتوجَّه لربها الواحد الأحد سرًّا وعلانية، وهذا التوحيد في الإيمان أكبر من أيّ مصلحة، وأوثق من أيّ عروة، وأمتن من أيّ رباط، ولا قيام للأُمّة بدونه، فباقترابها منه تشتد وتقوى وتنال العزة، وكلما ابتعدت ضعفت وهانت.

ولدينا اقتناع، راسخ بأن الحجَّ يُمثِّل ميدانًا خصيبًا للبحث العلمي في أبعادٍ متعددة: دينية، واجتماعية، وفلسفية، وتاريخية، وبلدانية، ولغوية، وتربوية، واقتصادية، وعلمية، وهو فرصة لتغذية علم الاجتماع والحضارة بمدلولات إسلامية، وأن في شعائره كنوزًا لم تُستخرَج بعدُ بأدوات المنهج الحديث، وفي حكمته أسرار لم تُقرَأ قراءةً وافية، فكم كان الحج سببًا في صلاح فرد وحياة قلبه، وكم كان عاملًا من عوامل نهضة الشعوب وتحرّرها من سطوة المحتل البغيض.

لهذا جعل الله الحج فرضًا يُؤدَّى مرةً واحدةً في العمر مِن قِبَل المستطيع، مع الترغيب بتكراره بحسب الحال والمناسبة. 
وهذا الفرض العيني يتكرَّر كلَّ عام لعشرات الملايين أو أكثر من ذوي القدرة، فيتمكن بعضهم من موافاة الموسم الميمون؛ لأن البيت الحرام لن يخلو من حاج، أو معتمر، أو مُجاور، أو طائف، أو ممَّن يشدُّ إليها الرحال، مادام يوجد في الأرض مؤمن واحد فأكثر.



هذا وإن الدنيا تتجدَّدُ، وتتغيَّر مُدُنها وأنظمتها وأيديولوجياتها، وتختلف أسماء وأشكال باحتجاب لا ظهور لها بعده، ويبقى الحجُّ موعدًا ثابتًا يعودُ كلَّ عام بترقُّب وانتظار مثلما تشرق الشمس كل صباح بعد غيبة، ويرجع الحج إلينا بالمعاني الروحية التي يحملها؛ حتى لكأنه يُعيد للإنسان المسلم ولمجتمع المسلمين التوازن، ويُجدِّد لهم التنبيه والإشارة لمكامن القوة التي على رأسها صدق الاهتداء بالشرع المُنزَّه، وصدق الاتحاد على الدين القويم.




الإخوانُ المسلمون بينَ المنعِ والسماحِ.. أيُّهما أنفعُ لقضايا الإسلامِ؟ مراجعاتٌ على المراجعات

الإخوانُ المسلمون بينَ المنعِ والسماحِ.. أيُّهما أنفعُ لقضايا الإسلامِ؟
مراجعاتٌ على المراجعات
 

انقضى ربعُ القرنِ الحادي والعشرين، ورغمَ أنَّ بداياتِه كانت ربيعًا مفعمًا بالأملِ في تحقيقِ التغييرِ السياسيِّ نحوَ نهضةٍ إسلاميةٍ حقيقية، إلا أنَّ تراجعًا وانكسارًا حقيقيًّا قد تحقَّق على المستوى السياسي، وانعكسَ بشكلٍ كارثيٍّ على واقعِ الشعوبِ والمجتمعاتِ العربيةِ والإسلامية، وذلك لأسبابٍ موضوعيةٍ وأخرى ذاتية.

وإذا كانتِ الحركاتُ الإسلاميةُ عمومًا، والإخوانيةُ خصوصًا، هي أحدُ أسبابِ هذا التراجعِ والانكسارِ من الناحيةِ الذاتية، فإنَّ تفككَ الحركاتِ الإخوانيةِ على وجهِ الخصوصِ قد نتجَ عنه تراجعٌ مشهودٌ في الصحوةِ الإسلاميةِ لدى الشعوبِ العربية، لم تُعوِّضْه مجموعُ الحركاتِ السلفية، وهنا تكمنُ المفارقةُ العجيبةُ التي تحتاجُ إلى مراجعةٍ وموازنةٍ جديدة.

إنَّ واقعَ مصرَ المشهودَ اليوم، بعد تفككِ حركةِ الإخوانِ المسلمين، يُشيرُ إلى تردٍّ اجتماعيٍّ وأخلاقيٍّ ودينيٍّ وقانونيٍّ وسياسيٍّ ونقابيٍّ، كما أنَّ الواقعَ السوريَّ المشهودَ يؤشرُ نحوَ مخاوفَ خطيرةٍ وعبثٍ حقيقيٍّ يفعلُ فعلَه في الشرائحِ المجتمعيةِ السوريةِ، ليعيدَ صياغةَ فهمِها بعيدًا عن الإسلامِ النقيِّ، وبشكلٍ فاقدٍ للسويةِ السياسية، وهو أمرٌ يطرحُ علامةَ استفهامٍ بعد أن تحققَ التحرير، مما يشيرُ إلى حقيقةٍ مُرَّة، وهي وجودُ فراغٍ حقيقيٍّ في الكتلةِ الإسلاميةِ السوريةِ، وهي نتيجةٌ لمزدوجين: أولهما بطشُ النظامِ السوريِّ الهالك، وثانيهما ضعفُ واضطرابُ النظامِ السوريِّ الحالي.

وفي نظرةٍ تاريخيةٍ للصحوةِ الإسلاميةِ التي شهدتْها جميعُ الحواضرِ العربيةِ والإسلاميةِ بعد نكسةِ 1967 -التي عرَّتْ صنمَ القوميةِ العربيةِ والبعثَ المجرم- فقد برزتْ في تلك الحقبةِ حركاتُ الإخوانِ المسلمين كأكبرِ جسمٍ إسلاميٍّ فاعلٍ في بناءِ الشخصيةِ الإسلاميةِ المعاصرة، واستردادِ الهويةِ النقيةِ، وبلورةِ المفاهيمِ الأصيلةِ والصحيحةِ في عقولِ المسلمين على مستوى الفردِ والعائلةِ والمجتمع، الأمرُ الذي أسهمَ بشكلٍ مشهودٍ في وقايةِ عمومِ الجسمِ الإسلاميِّ من مفاهيمِ العلمانيةِ والشيوعيةِ والقوميةِ وكافةِ أشكالِ الأفكارِ الجاهليةِ المتصادمةِ مع حقائقِ الدين، ولا يزالُ أثرُه قائمًا حتى اليوم.

وللشهادةِ التاريخيةِ أقولُ:

إنَّ ما تحققَ في القرنِ العشرين بفضلِ حركاتِ الإخوانِ المسلمين ودعاتِهم ورموزِهم البارزين في الحفاظِ على الفكرةِ الإسلاميةِ، وتحقيقِ الصحوةِ، وبناءِ الشخصيةِ الإسلاميةِ، ووقايةِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ من تغوُّلِ المشاريعِ الصليبيةِ والصهيونيةِ والعلمانيةِ والقوميةِ والبعثية، يمكنُ تشبيهُه بما تحققَ -ولا يزالُ- في الأمةِ بفضلِ المذاهبِ الإسلاميةِ الفقهيةِ الأربعةِ التي حفظتِ الدينَ مجسَّدًا سلوكًا في عمومِ الأمة.

 فما الذي حصلَ بعد ذلك؟

تداخلُ حركاتِ الإخوانِ مع المشاريعِ السياسيةِ أمُّ الكوارث!

بقدرِ ما يمكنُ الثناءُ والمديحُ والشهادةُ بأنَّ حركاتِ الإخوانِ المسلمين كانت أعظمَ حركاتٍ إسلاميةٍ في جهودِ الدعوةِ في الواقعِ المعاصرِ -إضافةً إلى التيارِ السلفيِّ العلمي- أنتجتْ صحوةً إسلاميةً وبنتِ الشخصيةَ الإسلاميةَ على مستوى الفردِ والأسرةِ والجماعة، بقدرِ ما يمكنُ الإشارةُ بوضوحٍ إلى أنَّ أكبرَ إشكالٍ في فشلِ المشاريعِ السياسيةِ الإسلاميةِ التي أصابتِ الأمةَ كان نتيجةَ تدخلِ الحركاتِ الإخوانيةِ وقياداتِها المرحليةِ في الشأنِ السياسيِّ النافذ، وذلك نتيجةَ معضلةٍ ذاتيةٍ في العقلِ والتصورِ والسلوكِ السياسيِّ لدى تيارِ الإخوانِ المسلمين، بدأتْ من لحظةِ استشهادِ الإمامِ البنا رحمه الله، وتفاقمتْ بشكلٍ خطيرٍ حتى حقبةِ الربيعِ العربي.

المراجعةُ الواجبةُ والمقاربةُ الضرورية.

وللإنصافِ لا بدَّ من الإشارةِ إلى جهودٍ عظيمةٍ بُذلتْ عبرَ حركاتٍ إسلاميةٍ مختلفةٍ ومغايرةٍ عن الإخوان، لا سيما الاتجاهُ السلفيُّ الذي عُرفَ بنقاءِ الفهمِ والعقيدةِ وسويةِ الفكرِ بشكلٍ رفيعٍ ومميز، ولكنه لم ينجحْ في تحقيقِ حالةِ التحشيدِ المجتمعيِّ كما تحققتْ على أيدي الحركاتِ الإخوانية، وهو فضلٌ آتاهُ اللهُ لكلٍّ منهما.

وإذا كانتِ الحركاتُ السروريةُ قد جمعتْ بينَ الآلياتِ والأساليبِ الإخوانيةِ مع الطرحِ السلفيِّ الأكثرِ نقاءً، إلا أنها لم ترقَ بعدُ إلى تحقيقِ الديناميكيةِ والفاعليةِ التي تحققتْ على أيدي الإخوانِ المسلمين.

وفي ظلِّ الحالةِ السيئةِ التي تعيشُها مصرُ وسوريا، فإنَّ حجمَ التراجعِ المشهودِ على المستوى الأخلاقيِّ والدينيِّ والاجتماعيِّ يستدعي حضورًا جديدًا لحركاتِ الإخوانِ المسلمين، وعودةً لمكاتبِها وتفعيلَ آلياتِها الدعوية، بشرطِ ألّا تقتربَ من العملِ السياسيِّ فتُعيدَ الأمةَ إلى حقبٍ سيئة.

ما يَنْفَعُ النَّاسَ ويَحْفَظُ الدِّينَ: بوصلةُ الدَّعْوَةِ في هذه المرحلةِ.

يمكنُ القولُ: إنَّ واقعَ المجتمعاتِ الإسلاميةِ اليومَ يعيشُ مخاطرَ حقيقيةً بدأتْ بتشويهِ هويتِه الثقافية، وأوجدتْ تشوهاتٍ في أخلاقِه السلوكيةِ والمجتمعية، وهو ما يستدعي عودةَ حركاتِ الإخوانِ المسلمين للعملِ المجتمعيِّ والدعويِّ الذي تُبدعُ فيه على نحوٍ يفوقُ الجميع، فيما يجبُ أن يتدعمَ هذا المسارُ بتوأمةٍ مع الحركاتِ السلفيةِ الإصلاحية، مستصحبةً مدرسةَ الحديثِ وأثرَ النبوة.

إنَّ الاتكاءَ على فشلِ عمومِ حركاتِ الإخوانِ المسلمين في الشأنِ السياسيِّ، واتخاذَه ذريعةً لحجبِ جهودِها الدعويةِ والإصلاحيةِ المجتمعية المبدعة، سيؤولُ إلى كارثةٍ أخلاقيةٍ ودينيةٍ وسلوكيةٍ وخدماتيةٍ تضامنية لدى عمومِ المجتمعاتِ العربيةِ والإسلامية -لا سيما وأنَّ تفككَها أحدثَ فراغاتٍ لم يملأْها أحدٌ رغمَ حجمِ الجهودِ الطيبة-، ولهذا السببِ فإنَّ الغربَ الصهيونيَّ الصليبيَّ -الذي قضى على قيادة أحرار الشام الواعدة بضربة واحدة- يسعى لاجتثاثِ حركاتِ الإخوانِ المسلمين اليوم -حتى بعد أن غابَ أثرُها وفاعليتُها السياسية- وذلك انطلاقًا من رفضِه لجوانبِ الخيرِ فيها، لا لامتعاضِه من أخطائِها، وهو موقفٌ لا يقبلُه منتمٍ إلى الأمةِ، صادقٌ في خدمةِ الإسلامِ ومنحازٌ لشعوبِه وأتباعِه.

فما هو واجبُ رموزِ العملِ الإسلاميِّ لتحقيقِ الكتلةِ الإسلاميةِ المجتمعيةِ الحرجةِ القادرةِ على التصدي لمشاريعِ مسخِ الهويةِ الزاحفةِ في مصرَ وسوريا والمغرب وعمومِ البلادِ الإسلامية؟

ملاحظة مهمة:

لم أنتمِ يومًا، طوال مسيرتي في العمل الإسلامي، إلى أي تنظيم من تنظيمات الإخوان المسلمين، وأؤكد هذه الحقيقة بوضوح حتى لا يُفهم حديثي اليوم عن مقاربة جديدة في التعامل مع حركات الإخوان المسلمين على أنه نابع من انتماء تنظيمي أو عصبية فكرية. وإنما ينطلق هذا الطرح من قراءة لواقع الشعوب العربية والإسلامية، وما تواجهه من تحديات دينية وأخلاقية وسلوكية ومجتمعية متفاقمة، بدأت تُضعف تماسك المجتمعات المسلمة وتُنذر بتآكل بنيتها القيمية والاجتماعية السلوكية.

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 21/5/2026