الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

سورية: موعد لطيف مع الموساد

 سورية: موعد لطيف مع الموساد

وائل قنديل

التقى وزير خارجية سورية الجديد، أسعد الشيباني، مع رئيس الموساد الصهيوني في الأردن، فذهبت الإدارة الأميركية باتجاه الرفع الكامل "لسورية أحمد الشرع" من لائحة الإرهاب، وهنّأ وزير الخارجية المصري دمشق بهذه المكرمة الأميركية، وأعلن مظلوم عبدي قائد ما تسمّى قوات سوريا الديمقراطية حلّ المليشيا وتوديع العمل العسكري، لكن ذلك كلّه تزامن مع جولة وزير الحرب الصهيوني في عمق الأراضي السورية، ليعلن أنّ الاحتلال لن يتزحزح خطوة واحدة عن المناطق الجديدة التي استولى عليها في سورية.

إذا كنت ترى في اللقاء الدافئ بين وزير خارجية دولة عربية من دول المواجهة مع الاحتلال ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي عملًا جيّداً لا ينتمي إلى أردأ أنواع التطبيع، فإنّك من دون شك لن تجد رابطًا بين كلّ هذه الهدايا الأميركية وبين لقاء الأردن بين أسعد الشيباني، ممثّل أحمد الشرع، مع رئيس الموساد، والذي يندفع معلّقون سوريون كثيرون إلى تناوله باعتباره مُنجزاً جديداً من منجزات الإدارة الجديدة التي انتشلت سورية من حالة التردّي التي كانت عليها مع النظام البائد.

كما لن تجد غضاضة ولن تشعر بالإهانة وأنت تسمع رسالة وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى الشرع خلال زيارته التفقدية جنوب سورية 

"رسالتنا لرئيس سورية (أحمد الشرع) واضحة عندما تستيقظ في القصر بدمشق، وتنظر إلى جبل الشيخ وترى قواتنا فأنت تعلم أننا هنا من أجل الدفاع عن بلداتنا وحدودنا".

وأغلب الظن أنّك سوف ترغي وتزبد على الهواء مباشرة وأنت تحاول أن تقلّل من خطورة هذه الجولة وأثرها على سيادة سورية على أراضيها، وستقول مثل أحدهم وهو يردّ على سؤال مذيعة "التلفزيون العربي

" إنّها رسالة موجّهة إلى الناخب الإسرائيلي، وليست إلى الحكومة السورية، وأنّ ما قاله كاتس ليس سوى خطاب شعبوي لزوم معركة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وسوف تؤكّد، بكلّ اليقين، الذي لا يعلم أحد مصدره، أنّ هذه التصريحات من وزير الحرب الصهيوني مجرّد استفزازات شخصية، وليست قناعة حكومة الاحتلال، ثم تعلن بكلّ فخر أنّ "إسرائيل احتلت بضع مئات من الكيلومترات من أراضينا لكننا خرجنا من دائرة العقوبات الأميركية". 

تبدو صادمة هذه الحالة من التعايش بسعادة مع التطبيع لدى سياسيين ومثقفين من أكثر دولتين عربيتين كانتا عنواناً تاريخيًاً لجبهات رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، سورية ولبنان، مع اختلافاتٍ طفيفةٍ في أساليب التبرير ومنطلقاته، بين الاستناد إلى كون سورية الجديدة لا تزال وليدة وهشّة وغضّة، ومن الظلم أن نطالبها بأن تتبنّى مواقف قومية بمواجهة الاحتلال، وبين المنطق اللبناني الذي يكرّر من رأس الدولة إلى قاع التحليل الاستراتيجي التلفزيوني أنّه 

"ليس لنا إلا دونالد ترامب" يحرّرنا من الاحتلال الإسرائيلي، ومن الذين يقاومون الاحتلال الإسرائيلي أيضاً.

على أنّ القاسم المشترك هنا وهناك أنّ موضوع فلسطين لا يحضر إطلاقاً في الخطاب، بما يأخذنا مباشرة إلى طور مختلف من التطبيع، أو مفهوم جديد لقضية التطبيع، والتي كان معيارها طوال الوقت المسافة من القضية الفلسطينية بوصفها محور الصراع العربي الإسرائيلي، بل كان الذاهبون إلى التطبيع، حكومات أو أشخاصاً، يبرّرون مذهبهم بالبحث عن تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، بالحوار لا بالحرب، وهو الخيار الذي ثبت بطلانه وفساده نصف قرن من مسيرة السلام الزائف، ولا يحتاج جهداً كثيراً لإثبات فساده، فيكفي النظر إلى مساحة الكيان الصهيوني، ومساحة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة قبل نصف قرن ومقارنتها بالواقع الديموغرافي القائم الآن. من المهم كذلك النظر في أوزان الدول التي تعاطت مشروب السلام الأميركي حاليًاً، من حيث النمو الاقتصادي والتقدّم في مجالات التعليم والثقافة والفنون، تكفي نظرة سريعة على منتجات فن ما بعد التطبيع، ومنتجات ما قبله لتكتشف حجم الانهيار القومي الشامل.

مصر، صاحبة الريادة على طريق التطبيع، تنتظر عين الرضا والرحمة من الكيان الصهيوني، لكي تطمئن على مواردها من الطاقة، التي باتت رهينة الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل، ولا تقوى على ردع العدو التاريخي حين يسيطر على المنفذ البرّي الوحيد الذي يربطها بفلسطين، وتظلّ ثلاث سنوات تشاهد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، فلا يصدر عنها سوى أنين بيانات شجب وإدانة مُرتعشة، ونداءات خجلى على دونالد ترامب، بل ووصل بها الحال إلى أن يقول عنها مبعوث ترامب "إذا خسرنا مصر فإنّ كلّ الإنجازات التي تحقّقت في التخلّص من حسن نصر الله ويحيى السنوار ستذهب أدراج الرياح. مصر نقطة ملتهبة، فكلّ ما تحقّق لنا في المنطقة، مثل التخلّص من السنوار ونصر الله وغيرهما، قد ينقلب رأساً على عقب لو خسرنا مصر".. هكذا تحدّث ستيف ويتكوف، مبعوث إدارة ترامب إلى الشرق الأوسط في مارس/ آذار من العام الماضي، وهو يحتفل باغتيال الشهيدين يحيى السنوار زعيم "حماس" الذي دخل التاريخ واحداً من الأبطال الأسطوريين في الكفاح والمقاومة، وحسن نصر الله زعيم حزب الله الذي يسميه العارفون بفضله وقيمته في الوطن العربي "سيد المقاومة"، وهو بالفعل أحد سادتها العظام.

رحم الله أيّاماً كان فيها التعريف الحقيقي للتطبيع يقول إنّ كلّ خطوة تقرّبك من الكيان الصهيوني، تبعدك عن فلسطين، وأيّ مساحات ممنوحة للصهيوني كي يسوّق روايته، هي في اللحظة ذاتها مساحات مقتطعة من الفلسطيني المُعتدى عليه وصاحب الحق.

الاثنين، 24 أغسطس 2026

استنوق الجمل

استنوق الجمل



قال الشاب: لا قِبَلَ لي بهذا التعب المُعنِّي الذي يسمونه: "الزواج"، فما هو إلا بيت ثِقله على شيئين: على الأرض، وعلى نفسي، وامرأة همُّها في موضعين: في دارها، وفي قلبي، وما هو إلا أطفال يُلزِمونني عملَ الأيدي الكثيرة من حيث لا أملِكُ إلا يدينِ اثنتين، وأتحمَّل فيهم رهقًا شديدًا كأنما أبنِيهم بأيامي، وأجمع هموم رؤوسهم كلها في رأسٍ واحد، هو رأسي أنا، يُولَد كلٌّ منهم بمعدة تهضم لتوِّها وساعتها، ثم لا شيء معها من يد أو رِجل أو عقل إلا هو عاجز لا يستقلٌّ، متخاذل لا يُطيق ولا يقدِر.


قال: وإذا كان أول الزواج؛ أي: عسله وحلواه، أنه امرأة تُذهب عزوبتي، فأنا وأمثالي ما نزال في عسَل وحلوى، ولكل وقتٍ زواج، ولكل عصر أفكار، وما أسخفَ اللياليَ إذا هي ترادَفَتْ على ضربٍ واحد من أحلامها، فهذا يجعل النوم حُكمًا بالسجن عشر ساعات!


قال: وإذا أردتَ أن تستكشفَ القصة، فاعلم أننا - نحن العزَّاب - قوم كرجال الفن؛ رذيلتُهم فنِّية، وفضيلتهم فنية، فتلك وهذه بسبيل، وكل شيءٍ في الفن هو لموضعه من الفن لا من غيره، فإذا قلتَ: هذا خالٍ من الفضيلة، عارٍ من الأدب، وعِبْتَ الفن لذلك، فما هو إلا كعَيْبِك وجهَ المرأة الجميلة لأنه خالٍ من لحية!


هات الظلام وسواده؛ فإنه لونٌ كالنور وإشراقه، لا بد من كليهما؛ إذ المعنى الفنيُّ إنما يكون في تناسب الأشياء لا في الأشياء ذاتها، ويد الفنِّي كيد الغنِي؛ هذه لا يقعُ فيها الذهب إلا ليتعدَّد ثم يتعدد، وتلك لا تقع فيها المرأة إلا لتتعدد ثم تتعدد، وفي كلِّ دينار قوة جديدة، وفي كل امرأة فنٌّ جديد.


قال: ومذهبُنا في الحياة أن نستمتع بها ضروبًا وأفانين؛ مَن أطاق لم يقتصر على نوعين، ومن قدَر على نوعين لم يَرْضَ الواحد، ولو أن زوجةً كانت من أشعة الكواكب أو من قطرات الندى، لثقل منها على حياتِنا ما يثقل من الحديد والصَّوَّان؛ إذ هي لا تلِدُ أشعة كواكب، ولا قطرات ندى، وحَسْب الجسد برأسٍ واحد حِمْلاً.


قال: ومن الذي تُعرَض عليه الحياة سلامها وتحياتها وأشواقها في مثلِ رسالة غرام، ثم يدع هذا ويسألها غضبها وخصامَها ولَجَاجتها في مثل قضيةٍ من قضايا المحاكم كل ورقة فيها تلِدُ ورقة؟


ثم قال الشاب: لا تحسَبَن أن المرأة هي السافرة عندنا، ولكن اللذة هي السافرة، وما أحكمَ الشرع! أقول لك وأنا محامٍ يقرر الحقيقة: ما أحكمَ الشرعَ الذي لم يرخِّصْ في كشف وجه المرأة إلا لضرورة؛ فإن الواقعَ في الحياة أن هذا الكشف كثيرًا ما يكون كنقْب اللصِّ على ما وراء النقب، وإذا كُسر ما فوق القُفل من الخزانة المكتنز فيها الذهب والجوهر، فالباب الجديد كله سخرية وهُزُؤ من بعدُ!


هذه عقليَّةُ شابٍّ محامٍ طُوي عقلُه على الكتب القانونية، وطوي قلبُه على مثلها من غير القانونية، وليس يمتري أحدٌ في أنها عقلية السوادِ من شبابنا المثقَّف الذي لبس الجِلد الأوروبي.


ومن البلاء على هذا الشرق أنه ما برح يناهض المستعمِرين ويواثِبهم، غافلاً عن معانيهم الاستعمارية التي تناهضه وتواثبه، جاهلاً أن أوروبا تستعمرُ بالمذاهب العلمية كما تستعمرُ بالوسائل الحربية، وتسُوق الأسطول والجيش، والكِتاب والأستاذ، واللذَّة والاستمتاع، والمرأة والحُب.


ولو أن عدوًّا رماك بالنار فاستطارت في ثيابِك أو متاعك، لَمَا دخَلك الشك أن عدوك هو النارُ حتى تفرُغَ من أمرها، فكيف - لَعمري - غفَل الشرقيُّون عن أخلاقٍ نارية حمراء يأكلهم بها المستعمرون أكلاً، كأنما ينضجونهم عليها ليكونوا أسهل مساغًا، وأليَن أَخْذًا، وأسرعَ في الهضم!


لَم أفهم أنا من كلام صاحبنا الشاب ومعانيه إلا أن أوروبا في أعصابِه، وأما مصرُ ونساؤها ورجالها، فعلى طرَفِ لسانه لا تكون إلا صيحة، وليس بينه وبينها في الحياة عملٌ إلا من ناحية لذتِه بها، لا من ناحية فائدتها منه.


وتلك المعاني كلها مشتق بعضُها من بعض، ومرجعها إلى أصلٍ واحد؛ كالأمراض التي تبتلي الجسم يُمهد شيءٌ منها لشيء، ما دامت طبيعة هذا الجسم زائغةً أو مختلَّة، أو متراجعة إلى الضَّعف، أو ذاهبة إلى الموت.


وأولئك شبان وقَف بهم الشبابُ موقف بَلاَدَة، فلا يخطو إلى الرجولة، ولا يكمل بنموه الاجتماعي كما يكمل الرجلُ الوطني، فمن ثَم يكون خَوَّارًا لا يستطيع أن يحمِلَ أثقالاً مع أثقاله، ويستوطئ العَجْز والخمول، فلا يكون إلا قاعد الهمة، رخو العزيمة، قد استنام إلى أسبابِ عجزِه وتخاذُلِه، ولا يكون في بعض الاعتبار إلا كالمريضِ يعيش بمرَضِه حَمِيلة على ذويه، ضُجَعةً لا يمشي، نُوَمةً لا ينتهض، مستريحًا لا يعمل.


وبهذه المكسلة الاجتماعية في الشبان يبدأ الشعب يتحوَّل من داخله، فينصرِف عن فضائله، ويتخذ في مكانها فضائلَ استعارة، يقلِّد فيها قومًا غيرَ قومه، ويجلبها لبيئة غير بيئته، ويقسرها على أن تصلُحَ له وهي فساد، ويُكرهها على أن تنفَعَه وهي ضرر، وتلك حالة يغامر فيها الشعبُ بكيانه، فلا تلبَثُ أن تصدعَه وتفرقَه.


ولو أن في السحاب مطرًا وغيثًا، لَمَا كان له في كل ساعة لونٌ مصبوغ، ولو أن في الشباب دِينًا، لَمَا صبغته تلك الأخلاقُ الفاسدة، وما ذهاب الحارسِ عن مكانٍ إلا دعوةٌ للصوص إليه، وهل كان الدِّين إلا واجباتٍ وتبِعات وقيودًا يراد من جميعها إعدادُ الإنسان لأمثالها في الاجتماع، حتى يقَرَّ في إنسانيته الصحيحة على النحوِ الذي يصلح له منفردًا، ويصلح له مجتمعًا؟


فليست الزوجةُ وحدها هي التي خسرت الشابَّ، بل خسره معها الوطنُ والدِّين والفضيلة جميعًا، وبهذا انعكس وَضْعُه من الجماعة، فوجَب في رأيه أن تسخَّر الجماعة له، وأن يستقل هو بنفسه، وبهذا العكسِ، وهذا السقوط، وهذا الاستمتاع الذي يجد سعادته في نفسه، أصبح أولئك الشبانُ كأنما حقُّهم على المجتمع أن يقدِّمَ لهم بغايا لا زوجات، بغايا حتى من الزوجات!


قَبَّح الله عصرًا يجهل الشابُّ فيه أن الرجل والمرأة في الوطن كلمتانِ تفسِّر الإنسانية إحداهما بالأخرى تفسيرًا إنسانيًّا دينيًّا بالواجبات والقيود والأحمال، لا بالأهواء والشهوات والانطلاق كما تفسر الحيوانيةُ الذَّكَرَ والأنثى.


الهوامش

1 المصدر: كتاب «وحي القلم». 


  اقرأ أيضاً  


الموت.. وأكمل النساء عندي!
بين الرافعي والعقاد (تراث)
رمضان خير زائر.. لمصطفى صادق الرافعي










المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

 المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

حمد حسن التميمي

هناك إنجازات تموت بعد ولادتها بدقائق. لا لأن أصحابها اكتشفوا أنها ناقصة، بل لأن اسماً آخر دخل الغرفة. يفرح موظف بترقيته حتى يعرف أن زميل دراسته أصبح مديراً، ويرضى رجل عن بيته حتى يرى بيت قريب انطلق معه من النقطة نفسها، ويعتز كاتب بكتابه حتى يسمع بالاحتفاء الذي حظي به من بدأ الكتابة معه. لم يخسر أحد منهم شيئاً، لكن نجاح الآخرين جعل إنجازاتهم تبدو في أعينهم أصغر مما كانت عليه.

فالغريب البعيد قد يُثير إعجابنا، أما الذي يشبهنا فيربكنا. لا نراه شخصاً نجح في طريقه، بل سؤالاً يمشي أمامنا: إذا بدأنا معاً، فلماذا وصل هو قبلي؟ ومن هذا السؤال لا تولد الغيرة وحدها، بل تبدأ محاكمة كاملة لحياتنا؛ نعيد فيها الحكم على أعمارنا ومواهبنا وقراراتنا، لا بما حققناه، بل بالمسافة التي تفصلنا عن شخص آخر.

في عام 1954، نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر بحثه «نظرية عمليات المقارنة الاجتماعية» في مجلة العلاقات الإنسانية العلمية. 

رأى أن لدى الإنسان دافعاً إلى تقييم آرائه وقدراته، وأنه حين لا يجد معياراً موضوعياً، يلجأ إلى الآخرين ليعرف موقعه. 

وبلغة أقرب إلى حياتنا، يستطيع المرء أن يقيس طوله بالمتر، لكنه لا يجد أداة تخبره أن كان ناجحاً بما يكفي، أو متقدماً في حياته، أو جديراً بالمكان الذي يطمح إليه. 

وحين يغيب المقياس، يصبح الناس وحدات قياس.

ومن بين ما افترضه فيستنغر أن ميل الإنسان إلى المقارنة يتراجع كلما اتسعت المسافة بينه وبين من يقارن نفسه به. 

لذلك قد لا تستفز الموظف ثروة رجل وُلد في عالم بعيد عنه، بقدر ما يستفزه منصب ناله زميل كان يجلس إلى جواره. 

البعيد حكاية، أما الشبيه فمرآة؛ لأنه يجعل الوصول يبدو ممكناً، ثم يحول تأخرنا عنه إلى سؤال شخصي لا نستطيع الهرب منه.

لكن المقارنة لم تبق وسيلة نفهم بها موقعنا، بل تحولت في مجتمعات كثيرة إلى سلطة توزع المواعيد على الأعمار. 

في سن معينة يجب أن تتخرج، ثم تعمل وتتزوج وتملك بيتاً، وتصل إلى منصب يليق بعدد السنوات التي مضت. 

ومن يتأخر عن هذا الجدول لا يُسأل عما اختاره، بل عما عطله. كأن للحياة ساعة واحدة، وكأن الناس خُلقوا ليصلوا إلى المحطات نفسها بالترتيب نفسه.

وتبدأ هذه السلطة مبكراً. 

يدخل الطفل بيته حاملاً درجة عالية، فيُسأل عن درجة ابن عمه قبل أن يسمع كلمة تقدير. 

هكذا يتعلم أن نجاحه لا يكفي في ذاته، وأن عليه أن يجد شخصاً يتفوق عليه قبل أن يسمح لنفسه بالفرح. ثم يكبر، وتأتي المنصات فتوسع دائرة المقارنة أمامه؛ يرى في جلسة واحدة نجاحات لا تنتهي لأشخاص يعرف بعضهم ولا يعرف أكثرهم. لا يرى الطرق التي قادت إليها، بل لحظات الوصول وحدها، فيخرج شاعراً بأن الجميع تقدموا وأنه وحده تأخر.

وقد تكون المقارنة دافعاً حين تكشف للإنسان ما يستطيع بلوغه، لكنها تصبح فخاً حين تتحول تجربة الآخر إلى حكم على تجربته. 

هناك فرق بين أن يقول: «إذا استطاع، فقد أستطيع»، وأن يقول: «لأنه استطاع، فأنا متأخر». عندها قد يختار تخصصاً لا يحبه، أو يستعجل زواجاً لم يستعد له، أو يشتري بيتاً لا يقدر على ثمنه، حتى لا يبدو أقل من أقرانه. وهنا تصبح المقارنة مميتة؛ لا لأنها تنهي حياته، بل لأنها تدفعه إلى أن يعيش حياة لم يخترها.

الاسم الآخر الذي دخل الغرفة لم يأخذ الترقية، ولم يسكن البيت، ولم يكتب الكتاب. جلس فقط في موضع الميزان، ونحن الذين وضعنا أمامه أعمارنا. ذلك هو فخ فيستنغر الاجتماعي: ألا تخسر إنجازك، بل تفقد القدرة على رؤيته؛ فبعض الأعمار لا تضيع لأنها أخفقت، بل لأنها ظلت تصل في مواعيد الآخرين.

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!

نقطة نظام 

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!


في بيت النبي




أدهم شرقاوي




الحياءُ خُلُقُ القلوبِ الحيّة؛ تستحي لأنَّك تُحبّ، وتخجل لأنَّك تعلمُ أنَّ الله يراك. ليس حياءَ الهروب، بل حياءَ القُرب، حياءَ مَن لا يُحبّ أن يُقابِلَ النِّعمةَ بالجفاء، ولا الإحسانَ بالجُرأة على المعصية.


وما أجملَ الحياءَ حين يكونُ ميزانًا للأخلاق؛ يمنعُ اللِّسانَ من الأذى، والعينَ من الخيانة، والقلبَ من القسوة. هو الذي يجعلُ الإنسانَ جميلًا حتّى في صمتِه، نقيًّا حتّى في اختيارِه!


روى الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

كان رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذَيْهِ أو ساقَيْهِ، فاستأذن أبو بكرٍ فأذِنَ له وهو على تلك الحال، فتحدَّث.

ثم استأذن عمرُ فأذِنَ له وهو كذلك، فتحدَّث.

ثم استأذن عثمانُ، فجلس رسولُ اللهِ ﷺ وسوّى ثيابَه، فدخل فتحدَّث.

فلما خرج قالتْ عائشةُ: دخل أبو بكرٍ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عمرُ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عثمانُ فجلستَ وسوَّيتَ ثيابَك؟

فقالَ: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ؟

هذا الحديثُ ليس حكايةَ موقفٍ عابر، بل درسُ تربيةٍ عميق، ومنه تُؤخَذُ معانٍ تُهذِّب القلوب قبل السلوك:

أوّلُ ما نتعلَّمه أنَّ الحياءَ خُلُقٌ يعلو مع علوِّ الإيمان. فالحياءُ ليس طباعًا بشريّةً فحسب، بل منزلةٌ روحيّة، يزداد صفاؤها كلّما ازداد القلبُ قربًا من الله. فإذا كان رسولُ الله ﷺ، وهو أكملُ الخلق، يستحي من عثمانَ رضي الله عنه، فكيف بمن دونه أن يستهين بهذا الخلق أو يراه ضعفًا؟

وفيه درسٌ في معرفة مراتب الناس وأقدارهم. لم يكن تعاملُ النبيِّ ﷺ واحدًا مع الجميع، لا تفضيلًا بشريًّا، بل مراعاةً لأحوال القلوب. فمَن عُرِفَ برقّة حيائه، أُكرِمَ بما يحفظ له هذا المقام، ومَن عُرِفَ بسعة صدره، وُسِعَ له في التعامل. وهكذا تُدار العلاقات بالحكمة، لا بالنسخ المتطابق.

ويُعلِّمنا الحديثُ أنَّ الحياءَ يُحبّه الله وتُجِلّه الملائكة. فإذا كانت الملائكةُ تستحي من عبدٍ، فذلك شرفٌ لا يُنال بكثرة الكلام، ولا بالمظاهر، بل بطهارة الباطن ونقاء السريرة. الحياءُ الحقيقيُّ عبادةٌ صامتة، لا يراها الناس، لكنّها تُرفَع إلى السَّماء.

ثمّ فيه تربيةٌ لنا جميعًا على حفظ الهيبة في الخلوة قبل الجلوة. فالنبيُّ ﷺ لم يكن في حال محرَّم، ومع ذلك غيَّر هيئتَه حياءً، ليعلِّم الأمّة أنَّ اكتمال الأخلاق يكون في أدقّ التفاصيل، وأنَّ المؤمن لا يستخفّ بما قد يجرح شعور غيره، ولو كان مباحًا في الأصل!


الأحد، 23 أغسطس 2026

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة


أحيانا ينتابنا الشعور بالعودة إلى الماضي، ذاك الذي لم نستطع التخلص منه، أو بالأحرى لا نملك القدرة على التصالح معه، لأننا آثرنا أن نختار ترحيل آلامه وآماله نحو مستقبل هو الآخر يرفض النظر إليه، إلا إذا اعترف بأن ثمة حاجة ملحة للتواصل مع ذواتنا، بغية سماع صوت الحقيقة، والحديث بلغة هي أقرب إلى الهامش منها إلى الخطاب السلطوي، حيث تتأتى معها اللحظات الأكثر جدلية في تاريخ المجتمعات.

ولعل ما كتب في نص آسيا جبار المعنون "بياض الجزائر"، سردية عن مواكب الهجرة، لا إلى الجنوب الكبير، أو الارتماء في أحضان تاريخ استعماري لم تطو صفحاته بعد، بل استدعاء لذاكرة لم تتآكل مع مرور سنوات التيه، ولم تستطع قوى الشر أن تغلق أبواب الشوق نحو جزائر صاغت هويتها ولغتها بما يحفظ للجغرافيا حضورا تاريخيا، واستمرارا للحياة في وجه موت غير مكتمل، يسعى جاهدا إلى إسكات الأصوات وتشويه الكتابة واغتيال الحقيقة.

إن سردية "بياض الجزائر" لآسيا جبار هي تعبير عن بحث في ذاكرة أرادت الإفلات من تشوهات الماضي، عبر استذكار جمالية الحضور لكتاب وثوريين وهامشيين، وقسوة الغياب الذي تركوه فجأة، ضمن صوت فني آمن بأن الكتابة خيار للتنوع، لا افتراضا لجدليات تنفخ في الانقسامات والهويات المستعصية. فالناجون، على قلة أسمائهم، من أكفان الموت البيضاء، ذاكرتهم لن تمحى لمجرد أن تبنى التماثيل، وتنشد عصبيات الماضي في مراسم التشييع الجنائزي. فالقصة ليست موتا يجتاح المكان، بل حكاية أرض تقاوم منافيها، لتعود أكثر بياضا ونقاء.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها

موت غير مكتمل

في سردها للأحداث التي عاينت جزءا مهما من حياة أصدقائها، تقترب آسيا بعمق من معنى أن يكون الموت ذا تفسير مغاير عن الطقوس الجنائزية والشعائر الدينية التي تتوارثها الأجيال فيما بينها، حيث تضع تصنيفا للموت حين تختصر نصفه في موت غير مكتمل، إذ كان استهداف النخبة والمثقفين من طرف من يدعون الحق في امتلاك الذاكرة والهوية، ويزعمون تمثيلهم التاريخي للغة والدين، صورة اختلفت عناوين حضورها السياسي والاجتماعي. فالخوف لم يستهدف الجغرافيا على امتداد تاريخها فحسب، بل طال اللباس والعادات والحرية، ليكون فكرة تجتاح اللغة والهوية والتنوع.

إعلان

إن الطقوس الجنائزية التي أوردتها آسيا في سيرتها، ضمن شخصيات مقربة كعبد القادر علولة، وأخرى نخبوية كفرانز فانون، وقائمة مفتوحة للثوريين تبدأ من عبان رمضان، ما هي إلا إحالة إلى رفضها تدارك التغييرات الطارئة وفهمها ضمن سياقها، ليس لأن الكاتبة لم تع جيدا طبيعة الصراع الثوري ومخلفات الانفتاح الأيديولوجي، في إطار يبعث على الخوف من كل شيء عدا الموت، إذ بعد عقدين من الزمن، تفتح آسيا نافذة نحو أسماء كانت أقرب إليها، في يومياتها وحواراتها وفرحها بالاستقلال الوطني.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها. ففي لحظة، يغتال علولة، ويسقط فانون بعد أن أنهكته اللوكيميا، وتجتاح الخيبة عالم عبان رمضان، كأن الموت يريد أن يتركها لاختياراتها، لكنه يسلبها شغفها بالحياة، بالكتابة، وبالبحث المستمر عن الحقيقة، غير أن جبار استطاعت أن تنفذ ببراعة نحو الجزائر البيضاء، تلك الأرض بمروجها ومواكب حزنها وتقلبات ساستها، في مشهدية أطاحت بتعريف الموت كونه أكفانا تحملها ظلال ذاكرة تشبثت بوطنها الأم.

فانون مجددا

في بياض الجزائر، حضر فانون وكاتب ياسين وغيرهما من المثقفين الذين عرفت أرض الأمير عبد القادر كيف تحيي ذكراهم، فثمة ضرورة ملحة للبحث عن سؤال العودة، حينما يتعلق الأمر باستعادة جثامين ثوار قضوا في سبيل تحرير الأرض، من منازلهم التي اختاروا أن تكون موطنا لنعشهم. إذ كانت الحاجة إلى الإجابة عن سؤال: لماذا نستعيد رفات بعض الثوريين؟ مدعاة لفهم الفراغ الذي أراد البعض تسليطه على سرديات تاريخية، لمنح الشرعية للغة الواحدة. فآسيا لم تنبش قبور رفقاء الثورة، ولا راحت تهدم صروح أساطير تاريخية، إنما قدمت أسئلة في سرديتها، حيث يكون الاهتمام باستعادة ماذا؟ في وقت يهمش فيه الكثيرون ممن وقفوا في وجه السياسات الاستعمارية، من دون أن ينالوا اسما أو لافتة لشارع ما.

إن معذبي الأرض لم يموتوا برحيل فانون، بل ازدادوا شراسة حينما تعلق الأمر بترتيب البيت الوطني، فما كان بالأمس اختلافا في تعريف الثورة والاستقلال، أصبح بعد زمن بياضا يجتاح الجزائر بالاغتيال والتهديد والخوف، من دون معرفة الأسباب المقنعة التي تجعل شخصا ما يستهدف آخر، لقد عادوا مجددا ليطفئوا أنوار المعرفة في تكريماتهم الباهتة.

تجيب آسيا في سرديتها عن الأسئلة المقلقة التي أطلقتها في بداية رحلة الكلمات، ليس من منطلق نظرة تشاؤمية، أو اختزال للماضي في زاوية التضاد، بل لأنها اختارت أن تنحاز إلى الاعتراف، وإلى المصارحة، وإلى الكتابة التي تنقذها من بقايا الموت واليأس الذي حول الحياة إلى غربة موحشة. فما عاد المسرح يعرف عبد القادر، لكنه بات يحسن التصفيق عند كل استحقاق انتخابي، بينما تتوالى مشاهد التمثيل الجنائزي ليعم الصمت.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة

مسرح الكلمات

خلصت آسيا إلى حتمية مفادها أن الكتابة تشكل خطرا وجوديا، ليس على السرديات المضللة والخطابات السلطوية فحسب، بل تهدد أساطير ظلت جاثمة على قمة التقديس، حيث تعجز اللغة عن تفكيكها ومساءلتها، بل ترفض الإحالة إليها، كونها شخصيات مربكة، معتبرة إياها صورا تعيد إلى الذاكرة مفارقات بين أن يعود الأمير إلى الأرض، ويظل أوغسطين عالقا في منفاه.

إعلان

ففي هذا السرد الغني لجبار، بقي حضور الأحبة والتاريخ واللغة حاضرا بنفس تعبيري ونقدي مؤسس، فهي لم تسقط في غياهب الكتابة الإقصائية، ولم تفرض وصاية على سردية تاريخية، بل قالت بوضوح تام إنها تقترب من أحبتها، ومن وطنها، ولغتها، بكل ما تحمل عبارات الأسى لاستكمال رحلة الذاكرة.

تعود آسيا من الماضي بعبارات لا تحمل الوجع والحزن فحسب، بل تريد أن تمنحنا فسحة من الأمل حينما يتعلق الأمر بأن نكتب، وأن نتكلم، وأن نعبر عن خصوصياتنا، تلك التعبيرات التي تهدد اللون الواحد المفروض على جغرافيا متنوعة، سرعان ما استطاعت لغتا المستعمِر والمستعمَر أن تلبسا وشاح الشرعية.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة، فآسيا جبار وقفت تتأمل لحظات ما قبل الرحيل، حيث نكون نحن جميعا، دون استثناء، لسنا على موعد مع النسيان، بل مع ميلاد جديد لوطن متنوع.

الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا

 الحاخامات الذين يمرحون في بلادنا



وائل قنديل

يلخّص الحاخام الأكبر للكيان الصهيوني، ديفيد يوسف، قصّة الاحتلال كلّها في جملة واحدة، إذ يعلن صراحةً أنّ الفلسطينيين ليسوا شعباً، بل هم "الرعاع".

 ويقول بكلمات واضحة لا تقبل التأويل خلال جولة في القدس المحتلّة: 

"يزعمون أنّهم الشعب الفلسطيني، لكنّهم ليسوا شعباً. لم يكونوا يوماً شعباً، وليس لهم أيّ حقوق". ثمّ يفصّل: "غزّة هي أرض إسرائيل، غزّة لنا، ونابلس لنا، وجنين لنا، وكلّها لنا".
ليست هذه عقيدة الحاخامات أو صقور الصهيونية الدينية فقط، بل هي المحرّك الأوّل والوحيد للسياسة الإسرائيلية في فلسطين وفي الشرق الأوسط كلّه، إذ الجميع رعاع في عيني نتنياهو، وفي عيون معارضيه، وفي عيون اليسار واليمين والوسط، وإن تباينت أساليب التعبير عنها، من الوقاحة الصاخبة عند بن غفير وسموتريتش، إلى العنصرية الهادئة لدى الآخرين من الصهاينة الذين كانوا في السلطة ويخطّطون للرجوع إليها، فذلك ما قامت عليه إسرائيل، وهو أيضاً ما تعيش من أجله، وعليه، بوصفه دستورها الذي ينظّم كلّ شيء فيها.


الترجمة العملية لتصريحات الحاخام الأكبر تجدها في خطّة وزير المالية الصهيوني، الذي لا تغادر طاقية الحاخامات رأسه، سموتريتش، الذي أعلن في مقابلة مع صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، أمس الثلاثاء، صياغةَ خطّة يعمل فيها بهدف جلب مليون مهاجر يهودي من أميركا الشمالية وأوروبا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، خلال عقد، وهي الخطّة التي عرضها على نتنياهو، مشيراً إلى سنّ تشريعات تسمح لمجتمعات يهودية كاملة في الخارج، في إطار ما أسماه "ثورة الاستيطان"، التي يقودها، للسيطرة على ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية.


على أنّ التجلّي الأوضح لهذه العقيدة، التي هي برنامج عمل لكلّ الحكومات الإسرائيلية، هو ما تراه من مشاهد يومية لطرد وإبعاد وقتل الإنسان الفلسطيني والسطو على أرضه وبيته وإنشاء بؤر استيطانية مكانها، في الضفّة الغربية، وما تعايشه يومياً منذ ثلاث سنوات في قطاع غزّة من إبادة جماعية وتطهير عرقي، وهي إجراءات وسياسات إسرائيلية ليست نتيجةً لـ"طوفان الأقصى"، بل هي السبب والمحرّك الأوّل لانتفاضة الفلسطينيين تمسّكاً بالأرض في مواجهة أوسع موجة من الإرهاب الاستيطاني، انطلقت مباشرةً مع وعد دونالد ترامب في نهاية فترة رئاسته الأولى بأنّ القدس المحتلّة هي العاصمة الأبدية للاحتلال، في طيّات ما عُرفت بـ"خطّة ترامب للسلام" أو "صفقة القرن"، التي أثارت موجاتٍ من الغضب الفلسطيني وقتها وفجّرت انتفاضة القدس.
لو أعدت قراءة ما طُرح وقتها تحت عنوان "خطّة ترامب للسلام" في ضوء وقائع العدوان الصهيوني الأوسع على غزّة منذ 7 أكتوبر (2023)، ستجدها تكاد تكون متطابقةً مع ما سُمّي "خطّة الجنرالات" التي نفّذها الاحتلال في شمال غزّة وجنوبها، وذلك في محاولة لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد، يوسّع من حدود الاحتلال ويقلّص الوجود البشري الفلسطيني، في "شبه دولة" فلسطينية، وهي كما وردت في خيال دونالد ترامب، لا حدود مشتركة لها مع محيطها العربي، فلا شيء يربطها جغرافياً بمصر، إذ تتضمّن رؤيته أو ضلالاته إلغاء معبر رفح من الوجود، كما لا يبقى أيّ رابط جغرافي بين فلسطين والأردن، ولذلك كان طبيعياً أن يتلقّاها بنيامين نتنياهو في ذلك الوقت بفرحة طفل مدلّل منحوه لعبةً نادرةً، فاندفع يعلن أنّ "ترامب أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض، وأنّ خطّته التي تتضمّن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هي حدث تاريخي يشبه اعتراف الرئيس الأميركي هاري ترومان بدولة إسرائيل في 1948.
بالعودة إلى تصريحات الحاخام الأكبر وخطّة سموتريتش لجلب مليون يهودي في مقابل تهجير مليون فلسطيني، يمكن، من دون أيّ مبالغة، القول إنّ العامل الأكبر في انتقال مخطّطات الاحتلال إلى مرحلة العلانية والتحدّي هو الاحتضان الكامل من دونالد ترامب لأحلام الهيمنة الصهيونية، ثمّ يأتي بعد ذلك هذا الإيمان المطلق من النظام الرسمي العربي، بأنّ ترامب هو رجل السلام وصانعه ومانحه، على نحو ما ذهب إليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أحدث تصريحاته قبل يومَين، وهو يعلن حالة فقر مدقع في أدوات الحكومات العربية حيال فلسطين، إلى الحدّ الذي تقول فيه بوضوح إنّها لا تملك سوى مناشدة الراعي دونالد ترامب، رجل السلام، لكي يتدخّل للضغط على إسرائيل.
يكذب العرب الرسميون حين يعلنون أنّه لا حيلة لديهم سوى استعطاف ترامب. إذ يمكنك أن تحصي عشرين إجراءً رادعاً يمتلكه النظام العربي لردع الكيان الصهيوني، أبسطها وأسهلها أن تتوقّف الدولة العربية الأكبر عن رهن مستقبلها في الطاقة بيد الكيان الصهيوني حتّى منتصف القرن الحالي، مقابل خمسة وثلاثين مليار دولار تدفعها من لحم المصريين الحي لاستيراد الغاز الطبيعي المسروق من فلسطين المحتلّة.
يمتلك العرب أن يكونوا عرباً بالتعريف الجامع المانع للعروبة، وأن تكون مع الشقيق ضدّ عدوك وعدوه، وأن تفعّل خيار الكرامة حين تُهان ويُعتدى عليك، وتردّ الإهانة الصاع صاعين، أو على الأقلّ، تلوّح بحقّ الرد في الوقت المناسب، وألّا تكون منبطحاً طوال الوقت أمام حاخامات الاحتلال الذين يروننا رعاعاً لا أرض لنا، ثمّ يُستقبلون بحفاوة دافئة في عواصم العرب، كما استقبلت الإمارات الحاخام الأكبر لإسرائيل (يتسحاق يوسف) في ديسمبر/ كانون الأوّل 2020 في أول زيارة رسمية لبلد عربي، لافتتاح مؤسّسات يهودية ومعبد ومدرسة دينية، وكما حدث قبلها بعام واحد في 2019، حين فتحت المنامة ذراعيها لاستقبال الحاخام الأكبر للقدس وحاخام إسرائيل السابق شلومو موشي عمار في العاصمة البحرينية، بناء على دعوة رسمية من ملك البحرين، وكما صارت زيارات وفد من الحاخامات إلى مصر طقساً يكاد يكون سنوياً للجنرال عبد الفتّاح السيسي.
يمتلك العرب الكثير من الأسلحة وأوراق الضغط، لكنّها تبقى عديمة الفائدة إلّا حين يعرف الحاكم العربي كيف يكون ممثّلاً حقيقياً لشعبه العربي، كما يمثّل نتنياهو الشخصية الإسرائيلية على الوجه الحقيقي؟


وائل قنديل

24 اغسطس 2026

قفزة نظر!

 قفزة نظر!



د. أسامة الأشقر

فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ

1- عندما تفاوض عدوّاً متكبّراً لا يعرف معنى الالتزام بالعهود، ويستخدم كل مفاوضة لتسديد لكمات جديدة إليك مستغلّاً وضعَك أو ضعفَك فإنه يمكنك أن تمارس خداعاً استراتيجياً عليه باستدراجه إلى الفخ الذي ينصبه لك، وذلك يكون بتجهيز خطة إعداد متصلة، وسحب العدوّ إلى ساحة أخرى، وعدم تقديم أي موقف سياسي فيه تنازل عن ثوابتك التي تأسّستَ عليها، والمناورة في الوسائل والأدوات والتكتيكات مع محاولة تخفيف الخسائر قدر المستطاع وانتزاع أي مكسب لضمان حياة كريمة لأرواح هذا الشعب الصابر الفذّ.

2- في هذا الوقت فإن انتظارك الحيويّ لن يكون دون جدوى لأنّك أوقعتَ بعدوك في جولاتك السابقة، وتسببتَ له بخسائر استراتيجية سيعاني منها كثيراً، ويفقد توازنه بتسارع، وستنفتح عليه المشكلات الداخلية والخارجية، في ظل نمو قناعة قوية بضرورة تحييد نفوذ هذا العدوّ في المنطقة وعزلِه بعد ثبوت إمكانية هزيمته عملياً، وثبوت خطره على الجميع وعدم إمكانية التعاطي الإيجابي معه بثقة في ظل التزامه المطلق برؤيته الإحلالية الدينية العميقة.

3- لقد بنى أهل الثغر في السنوات القاسية الأخيرة عليهم ملحمة أسطورية ملهمة أعادت إحياء مشاريع التحرر، وغيّرت خريطة العالم، والمدى القريب سيتحدّث عن تكوينات نشطة ستدفع المنطقة نحو رفع سقوفها السياسية طوعاً أو كرهاً.

وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ