الخميس، 23 أبريل 2026

غيابُ المنبرِ الرائدِ وضعفُ القُدوة يا أيُّها المسلمُ الثائرُ، اسكتْ عن الظلمِ لتنجو بلقمةٍ!

 غيابُ المنبرِ الرائدِ وضعفُ القُدوة

يا أيُّها المسلمُ الثائرُ، اسكتْ عن الظلمِ لتنجو بلقمةٍ!

  مضر أبو الهيجاء

كذا انتهى بنا الحالُ في واقعٍ غابتْ فيه دولةُ الإسلام، ورقصَ كثيرون لمنعِ تمكينِ أحكامِ الشريعة، ظنًّا منهم بأنهم سيأكلون من جوعٍ وسيأمنون من خوفٍ، فإذا بالشعوبِ يبطشُ بها الفُجّارُ من الحكّامِ المحليين والمحتلين الطارئين، وتُكوى بيوتهم بنيرانِ الظلمة، ولهيبِ الفقد، وقَرصةِ الجوعِ والبرد، ويغيبُ عنهم معنى الأمنِ الداخلي في النفس، والخارجي فيما بينهم وفي المحيط.

عندما يغيبُ المنبرُ الرائدُ الذي يُشيع بين الناسِ الهُدى، وعندما تصبحُ سيولةُ الأفكارِ المفصولةِ عن الوحي علوماً تُستقى، وعندما تتكاثرُ أصواتُ النفاقِ من طلابِ الدنيا وتتألّق، وتُفتح لها القنوات حتى تصبحَ معسكرًا للفِكَرِ الضارّ، وعيونُ أصحابها يملؤها قذى المعاصي والمنكرات…

عندها يصبحُ المسلمُ المستجدّ -الثائرُ سابقًا والحرُّ- هو من يقودُ الناسَ للسكوتِ عن الظلمِ ومحاباةِ الظالمين، ثم يأتي شيخُ الثائرين، الذي طلّقَ بالثلاثة الضمير، فيُفلسف الموقف، ويشطبُ من وجدانِ الناسِ الدين، ويُميتُ فيهم الورعَ والتقوى والضمير، ويعدُهم بتحقيقِ المقاصد إذا ما خالفوا كتابَ الله، وابتعدوا عن سنةِ رسولِه الأمين، وغضّوا النظرَ عن كل تاريخٍ ومواقفِ الصحابةِ المُعدَّلين!!

فهل عرفتَ يا مسلمُ ويا عبدَ الله لماذا أنزلَ اللهُ جبريلَ بكتابٍ عظيمٍ يقصُّ عليهم كثيرًا من قصصِ بني إسرائيل، مُحذِّرًا لهم من عاقبةٍ لا مُبدّل لها، ستحلُّ بكلِّ من تلاعبَ بالدينِ وغشَّ المسلمين؟

ويا لويلِ من كان عنوانًا للدعوةِ والدين، فنطقَ ببعضِ الحقِّ وكتمَ البعضَ الآخرَ لينجو بلقمةٍ على عتبةِ بلاطِ الظالمين… ويا ليتَه ينجو!

العقيدةُ ليست كتابًا يُتلى، بل مجموعُ أفهامٍ عقليةٍ، ومعانٍ قلبيةٍ، وسلوكياتٍ قوليةٍ وفعليةٍ، ومواقفَ عمليةٍ.

إنَّ الناجيَ الوحيدَ من بينِ الأمواجِ المتلاطمة هو من عَلِمَ حقَّ العلم، وعرفَ حقَّ المعرفةِ معانيَ ودلالاتِ منهجِ التوحيد، كما هو مبثوثٌ في كتابِ الله ونزلَ به جبريل، وكما هو مبثوثٌ في سنةِ رسولِ الله الذي عُرجَ به إلى السماء ولاقى ربَّنا العظيم. فالتوحيدُ ليس ترديدَ كلماتٍ بطريقةٍ تلمودية، بل هو أفهامٌ تستقرُّ في العقل، ومعانٍ يحياها القلب، وسلوكٌ عمليٌّ يُترجم صدقَ ما سبق. وإنَّ الإنسانَ مخبوءٌ تحت لسانِه، وما كان مخفيًّا سيظهرُ لا محالةَ على لسانِ المرءِ.

اللهمَّ فلا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذ هديتَنا، وأحيِنا لنكونَ خَدَمَ دينِك وعونًا لعبادِك، ولا تقبضْ أرواحَنا إلا وأنتَ يا ربُّ راضٍ عنا.

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 18/4/2026

صعود باكستان كقوة متوسطة في النظام العالمي

صعود باكستان كقوة متوسطة في النظام العالمي

ألطاف موتي
كاتب، مدون، باكستاني
  • صعود باكستان كقوة متوسطة فاعلة وسط تبدل معالم النظام الأمني العالمي

يمر النظام العالمي حاليا بمرحلة انتقالية جلية؛ إذ لم تعد هيمنة القوى العظمى التقليدية مطلقة كما كانت في السابق. وفي ظل هذا المشهد المتحول، يبرز سؤال جوهري: هل بدأت "القوى المتوسطة"، مثل باكستان، بالانتقال من الهامش لتستقر في قلب التأثير العالمي؟

تعرف القوة المتوسطة عادة بأنها دولة لا تصنف كقوة عظمى، لكنها تمتلك من القدرات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية ما يكفي للتأثير في الشؤون الدولية. وغالبا ما تؤدي هذه الدول دور "بناء الجسور" والوساطة وتحقيق الاستقرار في السياسة العالمية. والمستجد اليوم ليس وجود هذه الدول بحد ذاته، بل حجم الفرص المتاحة أمامها.

إن دولا مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا وباكستان لم تعد أطرافا سلبية؛ فهي تتبنى بنشاط سياسات خارجية مستقلة، وغالبا ما تتجنب الاصطفاف الصارم مع أي قوة عظمى منفردة

تراجع الهيمنة التقليدية

لعقود خلت بعد الحرب الباردة، تشكل النظام العالمي إلى حد كبير تحت وطأة الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة، إلا أن هذه المرحلة بدأت في الأفول؛ فقد أدى الإنهاك الاستراتيجي، والتحولات السياسية المحلية، والواقع الاقتصادي المتغير، إلى تراجع رغبة القوى التقليدية في القيام بدور "المدير العالمي".

في الوقت ذاته، أحدث صعود الصين نوعا من التوتر ثنائي القطب، ولكن دون الوضوح أو الاستقرار الذي اتسم به نظام الحرب الباردة؛ مما أفرز حالة من التشرذم بدلا من النظام. وفي بيئة كهذه، لم يعد النفوذ حكرا على أحد، بل أصبح موضوعا للتفاوض، وهذا الانحسار في تمركز القوة خلق مساحة شاغرة بدأت القوى المتوسطة في ملئها.

صعود القوى المتوسطة كـ"دول متأرجحة"

في البيئة الحالية متعددة الأقطاب، ينظر إلى القوى المتوسطة بشكل متزايد على أنها "دول متأرجحة"، حيث يمكن لخياراتها أن ترجح كفة التوازنات الإقليمية، وتصوغ المخرجات العالمية.

إن دولا مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا وباكستان لم تعد أطرافا سلبية؛ فهي تتبنى بنشاط سياسات خارجية مستقلة، وغالبا ما تتجنب الاصطفاف الصارم مع أي قوة عظمى منفردة. وتسمح هذه الاستراتيجية لها باستخلاص المنافع من الكتل المتنافسة، مع الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية. وهذا لا يعد مجرد انتهازية، بل يعكس تغيرا هيكليا أعمق، حيث أصبح النظام العالمي أكثر شبكية وأقل هرمية.

تنخرط باكستان بشكل متزايد في شراكات متنوعة، فتحافظ على علاقاتها مع الصين، بينما تتفاعل في الوقت نفسه مع الدول الغربية والجهات الفاعلة الإقليمية، ويعد هذا النوع من "التوازن" علامة فارقة في سلوك القوى المتوسطة

دور باكستان الناشئ: من "الدولة الأمنية" إلى "الفاعل الدبلوماسي"

تقدم باكستان نموذجا مقنعا لهذا التحول؛ فبعد أن كان ينظر إليها تاريخيا من المنظور الضيق للهواجس الأمنية، تحاول الآن إعادة تموضعها كحلقة وصل دبلوماسية واقتصادية.

وتسلط التطورات الأخيرة الضوء على هذا التحول؛ إذ سعت باكستان للتوسط في التوترات بين الخصوم الكبار، بما في ذلك جهود تسهيل الحوار بين إيران والولايات المتحدة. وحتى مجرد استضافة المحادثات يعزز مكانتها الدولية، ويعطي إشارة على انتقالها نحو الدبلوماسية الاستباقية.

يتماشى هذا مع استراتيجية أوسع؛ حيث تعمل باكستان على استغلال موقعها الجغرافي عند مفترق طرق بين جنوبي آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وتهدف مشاريع مثل "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" إلى تحويلها إلى مركز إقليمي للربط.

علاوة على ذلك، تنخرط باكستان بشكل متزايد في شراكات متنوعة، فتحافظ على علاقاتها مع الصين، بينما تتفاعل في الوقت نفسه مع الدول الغربية والجهات الفاعلة الإقليمية، ويعد هذا النوع من "التوازن" علامة فارقة في سلوك القوى المتوسطة.

المقومات الاستراتيجية وراء الطموح

طموحات باكستان ليست من فراغ، فهي تمتلك عدة سمات مرتبطة بمكانة القوة المتوسطة:

  1. موقعها الجيوستراتيجي الحيوي الذي يربط بين مناطق وطرق تجارية رئيسية، مما يجعلها رقما صعبا في المعادلات الاقتصادية والأمنية.
  2. قدراتها العسكرية، بما في ذلك الردع النووي الذي يمنحها ثقلا في حسابات الأمن الإقليمي.
  3. المرونة الدبلوماسية التي تسمح لها بالتواصل مع فاعلين متعددين في آن واحد.
  4. أخيرا: انخراط باكستان في الشبكات الناشئة للقوى المتوسطة، حيث يتزايد الحديث عن التعاون بين دول مثل باكستان وتركيا والسعودية، مما يعكس توجها أوسع نحو التنسيق بين القوى المتوسطة.

إن ما يتبلور حاليا ليس مجرد إحلال للقوى المتوسطة محل القوى العظمى، بل هو نظام أكثر تعقيدا يتم فيه تقاسم النفوذ والتنازع عليه

العقبات والقيود

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير صعود القوى المتوسطة، إذ يظل نفوذها مشروطا.

باكستان -على سبيل المثال- تواجه تحديات داخلية جسيمة؛ فعدم الاستقرار الاقتصادي، والاضطراب السياسي، والضعف المؤسسي، كلها عوامل تحد من قدرتها على بسط نفوذ عالمي مستدام.

علاوة على ذلك، تعمل القوى المتوسطة ضمن نظام لا يزال رسم ملامحه يتم من قبل القوى العظمى؛ فهي قد تتوسط وتؤثر، لكنها نادرا ما تقرر النتائج بشكل مستقل. وهناك أيضا خطر "التوسع الزائد"، فالقيام بدور الوسيط أو الموازنة بين الخصوم يتطلب مصداقية وموارد، وأي سوء تقدير قد يؤدي إلى كشف نقاط الضعف بدلا من تعزيز المكانة.

نوع جديد من سياسات القوة

إن ما يتبلور حاليا ليس مجرد إحلال للقوى المتوسطة محل القوى العظمى، بل هو نظام أكثر تعقيدا يتم فيه تقاسم النفوذ والتنازع عليه. القوى المتوسطة لا تهيمن على النظام العالمي، بل تشكله بطرق محددة؛ فهي تعمل كموصلات ووسطاء وعناصر استقرار، وتملأ الفراغات التي تتركها القوى العظمى المنسحبة أو المنشغلة.

وهذا يوجد نظاما دوليا أكثر سيولة وعدم قابلية للتنبؤ؛ حيث تصبح التحالفات أقل جمودا، والشراكات أكثر براغماتية، والدبلوماسية أكثر لامركزية.

إن مستقبل القوى المتوسطة لن تقرره التوجهات العالمية وحدها، بل ستقرره خياراتها الخاصة

في الطليعة أم في غمار التشرذم؟

إن صعود القوى المتوسطة حقيقة واقعة، لكن لا ينبغي إساءة فهمها؛ فهذه ليست قصة هيمنة جديدة، بل قصة أدوار متغيرة. فهناك دول -مثل باكستان- تكتسب مساحة للحركة، وتصبح أكثر بروزا ونشاطا وثقة، مما يمنحها مكانا أقرب إلى مركز الشؤون العالمية مما كانت عليه من قبل.

لكن هذا الموقع ليس مضمونا أو دائما؛ فهو يعتمد على التوقيت والمصداقية والقوة الداخلية، وبدون الاستقرار الاقتصادي والاتساق السياسي يمكن للنفوذ أن يتلاشى سريعا… إن القوة المتوسطة قد تخطو للأمام، ولكن يمكن أيضا دفعها للخلف بالسرعة ذاتها.

بالنسبة إلى باكستان، المسار واضح ولكنه شاق؛ إذ يتعين عليها تعزيز اقتصادها، وبناء الثقة في دبلوماسيتها، والعمل باتساق. وإذا نجحت، يمكنها أن تظل فاعلا مؤثرا يشكل الأحداث بطرق ملموسة، وستظهر نتائجه على أرض الواقع بشكل واضح.

إن مستقبل القوى المتوسطة لن تقرره التوجهات العالمية وحدها، بل ستقرره خياراتها الخاصة.

مجازر الدعم السريع.. وموت الضمير العالمي

مجازر الدعم السريع.. وموت الضمير العالمي

في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023، انطلقت الرصاصة الأولى من فوهة بندقية قوات الدعم السريع في العاصمة السودانية الخرطوم ضد الجيش السوداني في محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة، غير أنها لم يكتب لها النجاح، لكنها خلّفت وراءها- ولا تزال- أكبر مأساة إنسانية شهدها السودان في تاريخه الحديث.

أكملت حرب السودان عامها الثالث لتدخل العام الرابع بحصيلة مثقلة بالخسائر البشرية والمادية والبيئية التي ألقت بظلالها وتأثيراتها السالبة على كل جوانب الحياة العامة في السودان.

ورغم أن جزءا كبيرا من أقاليم السودان لم يكن مسرحا للعمليات القتالية، فإن تأثيرات الحرب التي دارت بصورة أساسية في العاصمة الخرطوم وولايات دارفور، وكردفان، والجزيرة، وسنار، والنيل الأبيض، طالت بصور متفاوتة بقية ولايات السودان بحكم سمة الارتباط والاعتماد المتبادل بينها.

ووفقا لتقديرات أولية- يعتقد أنها أقل مما هو حادث بالفعل- فإن نحو 50 ألفا من المدنيين قتلوا منذ بداية الحرب، وجرى تشريد 22 مليونا ما بين نازحين داخليا ولاجئين بدول الجوار.

وما كان لحرب السودان أن تستطيل وتتمدد وتستعصي نارها على الإخماد لولا وجود قوى أجنبية إقليمية ودولية داعمة لمليشيا الدعم السريع وجناحها السياسي بقيادة "حمدوك"، بالتخطيط والتمويل والتسليح والدعاية.

وهي قوى لا تزال تصر على الاستمرار في تقديم الدعم بكافة أشكاله للدعم السريع؛ للإبقاء على جذوة الحرب مشتعلة رغم الخسائر الميدانية الكبيرة التي تعرضت لها المليشيا، وتقدم الجيش السوداني خاصة في محاور القتال بولايات كردفان.

ورغم تأثيرات الحرب الأمريكية الإيرانية، فإن الدعم اللوجيستي لا يزال يصل إلى المليشيا، عبر حدود السودان الغربية، وحدوده الشرقية مع أثيوبيا.

وهي جبهة فُتحت مؤخرا بهدف تمديد المساحة الجغرافية للحرب من ناحية الشرق، وإنهاك الجيش السوداني والقوات المساندة له، وتشتيت تركيزها القتالي؛ لتخفيف الضغط الواقع على الدعم السريع في دارفور، وكردفان.


الوحشية كانت هي السمة البارزة في سلوك مليشيا الدعم السريع، فقد مارستها بصورة أساسية وممنهجة ضد المدنيين الذين كانوا هم الهدف الرئيسي لها تحت مزاعم انتمائهم لمكونات عرقية معينة وقوى سياسية بعينها، وموالاتهم الجيش، وتلكم اتهامات كانت كافية للقتل والتعذيب حتى الموت، ونهب الممتلكات باعتبارها غنائم حرب.

فعلى سبيل المثال قامت الدعم السريع في غضون شهرين في أيام الحرب الأولى بإبادة 20 ألفا من أفراد قبيلة (المساليت)، وهم عزل في مدينة الجنينة غربي السودان على أساس عرقي، كان ثلثهم من الأطفال والمسنين والمعاقين، وقد جرى التمثيل بجثثهم.

ووفق ما وثقته المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة وتقارير وسائل الإعلام العالمية فقد ارتكبت الدعم السريع جرائم مروعة شملت إبادة جماعية، ومجازر، واغتصابا، وعنفا جنسيا، ونهبا، وتدمير البنى التحتية والأعيان المدنية والمؤسسات الصحية في كل المناطق التي دخلتها، منذ بداية الحرب، ولا تزال تمارس انتهاكاتها الوحشية في المناطق التي تسيطر عليها.

كما أن قضية المفقودين أو ما يمكن تسميتهم بـ(المختفين قسريا)، لا تزال تشغل وتؤرق بال المجتمع السوداني عامة، وأسر المفقودين خاصة، حيث يقدر عددهم بأكثر من 40 ألفا يعتقد على نطاق واسع أن معظمهم لقوا حتفهم في ظروف احتجاز في معسكرات وسجون بالغة السوء ينعدم فيها الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

وقد كشف النقاب عن موت أعداد كبيرة منهم جوعا، حيث مورست عليهم سياسة تجويع مقصودة ومتعمدة، كما كما رصدت حالات عديدة من (الاسترقاق الجنسي) لنساء وفتيات قُصر تم بيع بعضهن في عدد من دول الجوار.

كل هذه المآسي الإنسانية وقعت خلال سنوات الحرب، وهي موثقة لدى المؤسسات والمنظمات الحقوقية والإنسانية والعدلية، وتناولتها كبريات الصحف والفضائيات العالمية، وتمتلئ بها صفحات ومنصات السوشيال ميديا، ومتاحة للجميع في أنحاء العالم.

ولكن رغم ذلك فإن المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية والعدلية ومنظماته المعنية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، لم تتحرك في اتجاه إدانة المسؤولين عن هذه الانتهاكات والجرائم ومرتكبيها، ومن ثم إعمال آليات المحاسبة والعقاب وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني والجنائي التي تجرم نصوصها كل هذه الانتهاكات.

يحدث هذا التجاهل وعدم الاهتمام من قبل هذه المؤسسات بالرغم من توفر كل أركان الجريمة التي تقع ضمن اختصاصات القانون الدولي الإنساني (وجود نص قانوني يجرم الفعل- سلوك إجرامي مادي ملموس يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني- توافر القصد لدى الجاني وعلمه بأن فعله يعد انتهاكا- وارتكاب هذه الأفعال في سياق نزاع مسلح وضد أشخاص أو ممتلكات محمية بموجب القانون).

كل هذه الأركان الأربعة متوفرة في الانتهاكات التي وقعت من جانب مليشيا الدعم السريع، والأشخاص مرتكبي هذه الانتهاكات موجودون ومعرفون وفرص الوصول إليهم ممكنة ومتاحة، ومعظمهم قادة عسكريون وأفراد منضوون في صفوف المليشيا.

لقد شهد العالم محاكمات بارزة وشهيرة لمجرمي حرب ابتداء من محاكمات نورنبيرغ للقادة النازيين، وطوكيو للقادة اليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية.


ومن الأمثلة الحديثة محاكمة سلوبودان ميلوسوفيتش، ورادوفان كاراديتش، ورواندا، وغيرها من القضايا التي تصدت لها أجهزة العدالة الدولية وأصدرت فيها أحكاما نهائية.

صحيح أن بعضا من المحاكمات التي تمت كانت رمزية وصورية أكثر منها عدلية قانونية، لكنها رسخت لمبدأ مهم، وهو عدم الإفلات من العقاب.

فالإفلات من العقاب- فضلا عن أنه يهدر حقوق المجني عليهم ويكافئ الجاني- فإنه يشجع الآخرين على ارتكاب المزيد من الجرائم، وبالتالي تنتفي صفة الردع التي هي من الآثار الإيجابية المتعدية والتي هي صفة أساسية في القانون.

السؤال البدَهي الذي يقفز إلى الواجهة، وهو حتى الآن بغير إجابة: لماذا يتجاهل العالم أو تحديدا المجتمع الدولي مأساة السودان والكارثة الإنسانية التي تسببت فيها مليشيا الدعم السريع وجناحها المدني، بارتكابها تلك الجرائم مكتملة الأركان والمستوفية الأوصاف والشروط القانونية؟

لماذا- والحرب قد دخلت عامها الرابع- يقف المجتمع الدولي ومؤسساته العدلية موقف المتفرج مكتوف اليدين إزاء هذه الجرائم والانتهاكات المروعة التي فاقت في وحشيتها وبشاعتها كل الجرائم والانتهاكات التي عرفها التاريخ الحديث؟

أليس من العار على المجتمع الدولي أن يلتزم الصمت المطبق غير آبه بنداءات واستغاثات الضحايا، وهم يرزحون تحت نير وقسوة وبطش وتنكيل المليشيا ولا يستجيب لهم أحد؟

هل الضمير العالمي لم يعد يشعر بالأسف ولم تهزه تلك المجازر التي ارتكبت في الفاشر (على الهواء مباشرة) وتابعها العالم على شاشات التلفزة ووثقتها صحيفة "الغارديان" البريطانية، حيث رصدت صور أقمار صناعية أظهرت بقعا كبيرة من الدماء منتشرة داخل الفاشر، وما حولها، وأكواما من الجثث لمدنيين قتلوا بنيران الدعم السريع، ثم جمعت لحرقها للتخلص منها خوفا من الإدانة؟

ماذا ينتظر المجتمع الدولي لكي يتحرك لتحمل مسؤوليته الأخلاقية والحضارية إزاء ما يرتكب من جرائم وانتهاكات ضد المدنيين الأبرياء في السودان؟، ولماذا يُظهر العجز وهو قادر على الفعل؟

هل العالم في ألفيته الثالثة بصدد العودة القهقرى إلى العصر الحجري وقانون الغاب، حيث البقاء للأقوى، وحيث لا قيم إنسانية ولا مساءلة ولا حساب.


ركابي حسن يعقوب

23/4/2026

إضاءات منهجية نحو خطوات جادة في سورية

إضاءات منهجية نحو خطوات جادة في سورية

النهضة الإسلامية في مسار التجربة السورية: بين الحقيقة والوهم، ومتطلبات تحقيق المأمول.

  مضر أبو الهيجاء

لا يختلف اثنان على أن تطلع المسلمين -أفرادًا وجماعات- إلى قطف ثمار التضحيات الجسام التي قُدمت على أرض الشام يمثل دافعًا مركزيًا في الوعي الجمعي المعاصر، خاصة في ظل ما قدمته أجيال متعاقبة من العلماء وطلابهم وعموم الشعب السوري من تضحيات ممتدة عبر عقود.

وإذا كانت الأهداف المتوخاة من هذه التضحيات متعددة، فإن في مقدمتها تحقيق الاستقلال الحقيقي، القائم على امتلاك الإرادة السياسية المستقلة، بوصفه شرطًا لازمًا لتمكين الشعوب من تقرير مصيرها، بعيدًا عن أشكال الهيمنة الخارجية، ولا سيما تلك المرتبطة بالنفوذ الغربي المتحالف -تاريخيًا وسياسيًا- مع المشروع الصهيوني في المنطقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن جملة من الأهداف المرحلية قد تحققت، لا سيما في ضوء التراجع الكبير الذي أصاب بنية المنظومة الأسدية، التي كانت تمثل مركز الثقل في التحكم بمفاصل الدولة، خصوصًا المؤسستين الأمنية والعسكرية.

 وقد انعكس هذا التراجع في توسيع هامش الحريات العامة بدرجة لم يعهدها المجتمع السوري منذ استقرار النظام البعثي في الحكم في ستينيات القرن الماضي.

غير أن الإقرار بهذه التحولات لا ينبغي أن يقود إلى استنتاج متعجل مفاده تحقق “التحرير الكامل”، إذ إن هذا التصور ينطوي على قدر من التبسيط، بل الوهم السياسي؛ ذلك أن البنية العميقة للنفوذ الخارجي، ولا سيما الغربي، لا تزال حاضرة ومؤثرة في تشكيل المسار السياسي، سواء عبر أدوات مباشرة أو من خلال ترتيبات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة إنتاج النظام السياسي السوري ضمن محددات لا تنسجم بالضرورة مع تطلعات الشعب السوري وعلمائه وثواره ومصلحيه.

وفي المقابل، فإن اختزال ما جرى في كونه مجرد “إعادة إنتاج” أو “مسرحية سياسية” لا يقل اختلالًا عن الطرح السابق؛ إذ يتجاهل حجم التحولات الواقعية التي فرضتها كلفة الصراع، بما في ذلك إعادة تموضع القوى الدولية، وتراجع أدوار إقليمية فاعلة، وفي مقدمتها النفوذ الإيراني، الذي شكّل -خلال مرحلة ما بعد عام 2003- أحد أبرز عوامل إعادة تشكيل التوازنات الطائفية والسياسية في المنطقة.

وعليه، يمكن توصيف الحالة السورية الراهنة بأنها تقع ضمن منزلةٍ وسطى بين تحققٍ جزئي للتحرير، واستمرارٍ فعلي لعناصر الهيمنة الأمريكية على المسار السوري؛ وهي حالة انتقالية مركّبة تستدعي قراءة دقيقة، تتجاوز ثنائية النفي والإثبات، وتستند إلى تحليل بنيوي لطبيعة السلطة ذات عقدة اللون الواحد، وحدود الاستقلال الحقيقي دون خداع، وأنماط التأثير الخارجي التي فرضت نفسها وبدأت تمارس دورها في اغتصاب إرادة الشعب السوري وتبديد آماله.

السلطة السورية بوصفها أداة مرحلية!

في ضوء ما سبق، يمكن النظر إلى السلطة السورية الحالية بوصفها كيانًا مرحليًا، يتشكل ضمن توازنات داخلية وخارجية معقدة، ولا يمكن اعتباره -في صورته الراهنة- معبرًا مكتملًا عن الإرادة الشعبية أو محققًا نهائيًا لأهداف الثورة، لاسيما أنه لا يضم بشكل حقيقي النسيج الثوري، بقدر ما تحكمه العقدة الصلبة لهيئة تحرير الشام، وحولها أشكال وألوان مختلفة ليست ذات نفوذ ولا قدرة حقيقية على صياغة القرار.

إن فهم طبيعة كيان السلطة ووظيفته يقتضي التعامل معه ضمن سياقٍ انتقالي، يخضع لإكراهات الواقع، ويتأثر بمحددات القوة الإقليمية والدولية، وهو ما يفرض على الفاعلين في المجال الإسلامي والسياسي إعادة ضبط مواقفهم واستراتيجياتهم وفق قراءة واقعية منضبطة، تراعي الإمكانات والقيود معًا، كما تسعى لسد الثغرات وتطوير وتقويم جسم السلطة الانتقالية القائم.

الخصام النكد: هل يقود إلى شرخ الجسد؟

من الواضح أن العلماء والدعاة يعملون في جانب المجتمع على قدم وساق، ويسعون لبنائه وترميمه وسد حاجاته ومعالجة اختلالاته، فيما تسير السلطة السورية في مسارٍ أحادي الاتجاه، غير ملتفتة كثيرًا -أو متوقفة بقدر كافٍ- أمام عشرات الملاحظات المباشرة وغير المباشرة التي يطرحها رواد العمل الإسلامي الدعوي والجهادي والسياسي في الساحة السورية، سواء من الرعيل القديم أو من النخب التي تشكلت على امتداد ربع القرن الأخير وخلال الثورة.

ولا شك أن استمرار هذا الحال دون مراجعة وقائية جادة، تُنشئ قنوات تواصل فعالة، وتعيد ضبط الإيقاع بين مكونات الفعل الإسلامي والسياسي، سيؤول في نهاية المطاف إلى ما يتمناه الخصم: خلق فجوة حقيقية بين المجتمع والسلطة. وأقل ما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار هو تعويق العمران وعرقلة مسار النهضة؛ إذ إن شرط النهضة هو حالة التوأمة -أو على الأقل التكامل- بين كيان السلطة والكيان المجتمعي الذي تقوده النخب ويوجهه العلماء.

الصراع الفعلي: بين الهيمنة الخارجية وطموح الشعوب!

لا بد من التوقف والتذكير الدائم بأن الصراع الحقيقي القائم في المنطقة ليس — في جوهره — بين شعوبها وكيانات السلطة القائمة، على اختلاف أشكالها، بل هو صراع بين إرادة الهيمنة الخارجية — وفي مقدمتها الفاعل الأمريكي — وبين شعوب المنطقة التي تسعى إلى استعادة دورها الحضاري وتحقيق نهضتها المستقلة.

الثقب الأسود المهدٍّد لمستقبل سورية!

ومن ثم، فإن أي قراءة مختزلة للصراع تُعيد إنتاج التناقض داخل الجسد الداخلي، وتغفل عن طبيعة التحدي الخارجي، إنما تسهم — بوعي أو بغير وعي — في إضعاف القدرة الجمعية على الفعل، وتفتيت الجهود التي يفترض أن تتجه نحو استعادة الاستقلال الحقيقي وبناء مشروع نهضوي متماسك.

الخلاصة

لا خيار أمام السوريين اليوم إلا أن يقفوا -بمجموعهم- خلف الدولة، وأن يتضامنوا مع السلطة القائمة، رغم ما فيها من قصورٍ وعجزٍ واختلالات، بغية تقويمها وتصويب مسارها، وكذلك لمنع حدوث فجوة بين المجتمع السوري الفاعل ورواده العاملين على الأرض في المسار الإسلامي والنهضوي، وبين السلطة القائمة؛ إذ إن هذه الفجوة — إن حدثت — كفيلةٌ بتمزيق التجربة، وتمكين الفاعل الخارجي من إعادة هندسة سورية وفقًا لمصالحه، بما يفرغ التضحيات من مضمونها، ويُفوّت على السوريين تحقيق أهدافهم الحقيقية.

إن الاقتراب من السلطة والإحاطة بها تقويمًا ومتابعةً ونصحًا، خيرٌ من الابتعاد عنها وتركها لقمة سائغة تُستغل في سياقات خارجية، قد تعيد إنتاج المشهد السوري إلى مربعاتٍ سابقة، وتُضيّع الفرصة التاريخية المتاحة لبناء سورية الجديدة التي تليق بتضحيات شعبها، وتستند إلى وعي أبنائها وانتمائهم، وتُترجم أهدافهم في الاستقلال والنهضة والعمران.

وإذا كان الفعلُ والموقفُ المجتمعيُّ يُمثِّلان صمّامَ الأمانِ في التجربةِ السورية، فإنَّ السلطةَ القائمةَ تُعدُّ عاملًا حاسمًا في استكمالِ الإنجازِ على النحوِ الصحيح، وفي الإطارِ الزمنيِّ الطبيعيِّ.

فهل يعي رجالُ الحكمِ في سورية حساسيةَ وأهميةَ موقفهم الجادِّ والمؤثِّر في تحقيقِ ما يرومه الناس، ويسعى إلى تحقيقه العلماء، مستفيدين من مدارسِ النقدِ الواجبةِ لرصدِ الخللِ وتقويمِ المسار؟

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 22/4/2026

وقفات مع آيات (20).. أمن يجيب المضطر إذا دعاه…

وقفات مع آيات (20).. أمن يجيب المضطر إذا دعاه…

د. مالك الأحمد 

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾

الله وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا لجأ إليه، فيرفع عنه الشدة، ويكشف عنه البلاء. فهو سبحانه وحده الذي يزيل الضر، ويفرج الكرب، ويدفع ما نزل بالعبد من أذى ومحنة. ولا أحد من الخلق يملك ذلك استقلالًا؛ فالخلق جميعًا مفتقرون إليه، راجعون في شدائدهم إليه.

أما لفظ الفرج بصيغته الصريحة، فلم يرد في القرآن الكريم، لكن القرآن عبّر عن معناه بألفاظ متقاربة الدلالة، مثل: كشف السوء، والنجاة، والتيسير، والنصر، والفتح، وإزالة الضر. وهذه التعابير كلها تدور حول معنى الخلاص بعد الشدة، والإنجاء بعد الكرب.

والمؤمن يعلم أن الله خالقه، وهو أعلم بشؤونه، وأدرى بما يصلح له؛ فقد يبتليه لحكمة، فيكون البلاء تطهيرًا من الذنوب، أو رفعًا للدرجات، أو زيادةً في الحسنات. ومع ذلك، فإن هذا لا يتعارض مع طلب الفرج، ولا مع سؤال الله كشف الكربات؛ فالعبد مأمور أن يدعو ربه، ويلحّ في سؤاله، ويحسن الظن به، موقنًا بأن الأمور كلها بيده، وتحت تقديره وحكمته. 

وفي الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”؛ ولذلك لا يظن المؤمن بربه إلا خيرًا.

وقد عرض القرآن نماذج كثيرة للنجاة بعد الشدة، والفرج بعد الكرب. 

فمن ذلك نجاة بني إسرائيل من بطش فرعون، قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. 

ومن ذلك يونس عليه السلام حين نادى ربه في الظلمات: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فجاءه الفرج سريعًا، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾.

فهذه سنة إلهية ماضية في حياة الأنبياء والمؤمنين: شدة يعقبها فرج، وضيق يعقبه تيسير. 

غير أن هذا الفرج قد يتأخر لحكمة يعلمها الله. ولذلك لما اشتد البلاء بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

وليس معنى القرب هنا بالضرورة أنه يقع بعد ساعات أو أيام، وإن كان ذلك قد يقع أحيانًا، وإنما المراد أن وعد الله غير بعيد، لكن توقيته مردّه إلى حكمته سبحانه. وقد أخفي الله زمن الفرج عن عباده ليزدادوا تضرعًا، ويصدقوا في الدعاء، ويظهر ثباتهم عند المحنة. وقد نُقل عن بعض السلف أن انتظار الفرج عبادة. 

وليس هذا المعنى مجرد تقرير يقال، بل قد يعيشه بعض الناس تجربةً كاملةً في زمن الشدة والبلاء

وقد سألت أحدهم بعد خروجه من السجن، وقد قضى فيه سنين طويلة:

كيف كان انتظارك للفرج؟

فقال: “سأحدثك عن أمر عجيب عشته زمنًا طويلًا: هل تصدق أنه كلما فُتح باب السجن ظننت أن تلك هي ساعة الفرج؟ وكلما سمعت وقع أقدام في آخر الليل قلت: لعل الجندي المكلّف بالمكان سينادي عليّ”.

وقال: “في أحد الأيام نودي على اسمي، فطرت فرحًا، وجاء الجندي وقال: تعال معي. ذهبت وأنا موقن أنه سيدفع بي إلى خارج السجن، فإذا به يدخلني عيادة الطبيب لأخذ حقنة ضد كورونا! فعُدت مهمومًا متحسرًا”.

ثم أضاف مبتسمًا: “كنت أفسر كثيرًا من المنامات على أنها بشائر بالفرج”.

قلت له: “لعل هذا من الفأل وحسن الظن بالله”.

قال: “ربما، لكن بعض ذلك كان فيه شيء من التعسف”.

ثم قال: أتعرف؟ عندما كنت أتدبر آيات القرآن المتعلقة بهذا المعنى، كنت أشعر أنني المخاطب بها شخصيًا. أما الكتب التي تدور حول هذا الباب، فقد قرأت كثيرًا منها، وبخاصة كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي؛ إذ قرأته مرات عدة، وكأن مؤلفه كان يقصدني به”.

ثم تابع: “كانت تصلني أخبار عن بعض من أُفرج عنهم، فأقول في نفسي: لعل الدور القادم سيكون من نصيبي. وأحيانًا كنت أحلم أنني بين أهلي وأصحابي، أخرج إلى البرية، وألاعب أطفالي، حتى إذا استيقظت لم أدرك فورًا أن ما رأيته كان حلمًا”.

قلت له: “إذن كنت تتعامل مع الأمر بإيجابية”.

فقال: “أصدقك القول: إن هذه المشاعر والأفكار خففت عني كثيرًا من التوتر، وأبقت جذوة الأمل مشتعلة في نفسي، وساعدتني على الصبر والثبات طوال مدة بقائي في السجن”.

وهكذا يتبين أن المضطر إذا صدق في الافتقار إلى الله أبقى الله في قلبه نور الرجاء، ولو اشتد البلاء.




وقفات مع آيات (1).. أولئك كالأنعام