السبت، 10 أكتوبر 2026

بيعوا السقف الذهبي يا سادة

 بيعوا السقف الذهبي يا سادة

حمّور زيادة

أصدر الناطق الرسمي باسم "تحالف السودان التأسيسي" تصريحاَ صحافياً في بداية أكتوبر/ تشرين الأول الجاري عن لقاء عقده مع مسؤولين في الخارجية البريطانية. بحسب نص التصريح، ناقش اللقاء أموراً منها"القضايا المتعلقة بحماية العاملين في الحقل الإنساني وحماية المدنيين".

"تحالف السودان التأسيسي" هو الاسم المستعار للتحالف الذي كوّنه قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهي تسمية لم تغير من واقع أن التحالف هو "قوات الدعم السريع وملحقاتها".

النقاش الذي دار مهم جداً، لكننا لا نعرف ما جرى فيه إلا ما يخبرنا به تصريج الناطق الرسمي. فلعل اللقاء تطرق إلى ما نشره مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في فبراير/ شباط 2026 بعد مقابلات في السودان وتشاد مع الناجين من مدينة الفاشر. 

وثقت المقابلات مقتل أكثر من ستة آلاف قتيل في الأيام الثلاثة الأولى من هجوم "الدعم السريع" على المدينة، وأكثر من أربعة آلاف قتيل داخلها، وأكثر من 1600 قتلوا وهم يفرّون خارجها.

وقالت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان في تقريرها بوضوح: 

"توجد مؤشّرات إلى وقوع إبادة جماعية".

جيدٌ أن الناطق الرسمي ناقش مع مسؤولي الخارجية البريطانية هذه القضايا، فما رصدته جامعة ييل الأميركية ووثقته من مشاهد الدماء التي ترى من الفضاء، ومواقع المقابر الجماعية في المدينة، هذه قضايا تستحق النقاش. 

وبحسب تصريح الناطق الرسمي باسم قوات "الدعم السريع وملحقاتها"، ناقش اللقاء "انعدام الأمن الغذائي واحتمالات المجاعة، وتوظيف الغذاء سلاحاً في الحرب". 

هذه قضية مهمة، خصوصاً بعد أن اتهم تقرير الخبراء في يونيو/ حزيران الماضي الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع باستخدام التجويع سلاحاً في الحرب.

 وفي أغسطس/ آب، اتهمت المقرّرة الخاصة بالأمم المتحدة المعنية بالغذاء "الدعم السريع" بمنع إيصال المساعدات إلى المحتاجين.

يوحي التصريح الصحافي الصادر عن تحالف تأسيس بأنه طرف مهتم بوقف الانتهاكات، وليس طرفاً متهماً بها ومتورّطاً فيها. 

يرسل طرفا الحرب أصحاب ربطات العنق الأنيقة ليناقشوا مع المجتمع الدولي "القضايا"، بينما يرتكبها رفاقهم أصحاب السلاح. هم فقط لا يسمّونها "قضايا"، يسمونها "انتصاراً في الحرب". 

فيصوّر جندي "الدعم السريع" إطلاقه الرصاص على الأسرى فرحاً بالنصر، ويصور مواطنون جندياً يرتدي زي الجيش السوداني يصفي، بعد التحرير، متهماً بالتعاون مع "الدعم السريع" في الطريق وسط زغاريد النساء وفضول الأطفال. 

الذين يرتكبون هذه الأفعال لا يدخلون الاجتماعات الدولية المغلقة، فيذهب بدلاً عنهم السادة المتأنقون ليحولوا الجرائم إلى "وضع معقد يحتاج إلى حل". 

لو أن "الدعم السريع" أرسل مقاتله المعروف باسم أبولولو لكانت نتائج اللقاء مختلفة. 

الجيش كذلك لا يرسل من يذبحون المدنيين بحجّة التعاون مع العدو، لكنه يرسل من يتحدثون بإنكليزية طلقة عن "مؤسسات الدولة وواجبها في حماية البلاد والمواطنين".

ذاق السودانيون في مناطق متفرّقة من البلاد ويلات هذه الحرب وانتهاكاتها. ورصدت عشرات التقارير الدولية استهداف المدنيين والأعيان المدنية، والهجمات العشوائية، واستهداف العاملين في الحقلين الطبي والإنساني، والعنف الجنسي، والتعذيب والقتل خارج القانون، والنهب وتجنيد الأطفال، في قائمة طويلة من الجرائم. 

من يرتكبون هذه الجرائم يناقشون خطورتها وأهمية منع خصومهم من ارتكابها! 

هكذا تستمر جولات التفاوض والنقاش وتقديم الرؤى ويزيد عدد الوسطاء، وتتراكم التقارير عن الانتهاكات.

للأسطورة الكروية مارادونا قصة معروفة      عندما زار الفاتيكان، وبحسب مذكّراته "أنا      دييغو"، فقد سمع البابا يقول إن الكنيسة قلقة    بشأن رفاهية الأطفال الفقراء. قال ماردونا:    "إذاً؟ بع هذا السقف الذهبي يا صديقي! افعل    شيئاً".                                           

السادة الذين يعكفون بالساعات لمناقشة الأزمة وانتهاكات الحرب وضحاياها قلقون بشأن رفاهية الأطفال الفقراء. 

لكنهم لا يفعلون شيئاً. 

يحدثوننا حديثاً كثيراً طويلاً عن معاناة المواطنين والانتهاكات التي ترتكب بحقهم. 

كلهم يبحثون عن طريقة لمساعدتهم. يتبادلون الاتهامات والغارات الجوية لكنم يدّعون البحث عن طريقة لحماية المدنيين.

حسناً... بيعوا السقف، وأوقفوا حربكم، أيها السادة. افعلوا شيئاً.

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

من أسطورة جيفارا إلى خريف الأيديولوجيات الكبرى

من أسطورة جيفارا إلى خريف الأيديولوجيات الكبرى

محمد صالح البدراني


الأساطير والحقيقة:

من الظواهر التي ينبغي الانتباه لها هي حياكة القصص ونسب المقولات إلى مشاهير التاريخ، وهذا النسب على نوعين: إما أنه لتأكيد عظمة الأشخاص التاريخيين عند من يعجب بهم، فينسبون لهم كل قول وحكمة، أو استغلال لهذا العظمة والتميز بأن توضع على لسانهم أو ما كتبوا عبارات يحسبها الجاهل حقا فيمرر الجهل من بين يديه كل خبيث. ولطالما قرأنا أقوالا منسوبة لابن خلدون وجيفارا، وكثر غيرهم لكن من يدقق يجد أن الأقوال لا تناسب ما آمنوا به أو أسلوب عصرهم.

جيفارا والراعي:

قصة من القصص المفبركة التي صيغت وكأنها حكمة متجاهلة؛ أن معايير شخص كجيفارا لا يعمل من أجل رضى الناس بل من أجل ما يراه متناسبا مع فكره الثوري ويعلم مسبقا أنه لا يقاتل من أجل الناس وإنما لجنس ما يراه ظلما. الظلم والعدل هما معياران يمثلان قيمة وليس لذاتهما عندما يعبّران عن شخصية الفكرة، لكن الإخلاص حتى لمثل هذه الفكرة نادر، فهنالك ثوار في نفس المسار كتقرير الكاتب اليوغسلافي "ميلوفان ديلاس" بقوله: "رغم أن لينين عاش متقشفاً وحظر الأجور المرتفعة، إلا أنه بدد كثيرا من الأموال لدعم سلطة الحزب والتخلص من المعارضين بلا رحمة".

وربما هذا ما فعله جيفارا في كوبا عندما سيطر على الحكم، حيث أشرف على إعدام المئات من النظام السابق بلا رحمة أو محاكمة عادلة. ومن أقواله: "الكراهية كعنصر في الكفاح؛ الكراهية التي لا هوادة فيها للعدو، والتي تدفع الإنسان إلى ما وراء الحدود الطبيعية وتحوله إلى آلة قتل عنيفة وانتهازية بدم بارد.. هكذا يجب أن يكون جنودنا". فنظام "النومينكلاتورا" تحول مع الوقت (خاصة في عهد ستالين ومن بعده) إلى "طبقة برجوازية جديدة"، ولكن برداء اشتراكي:

- الامتيازات السرية: 

كان أعضاء هذه النخبة يتمتعون بمزايا لا يحلم بها المواطن السوفييتي العادي، مثل: شقق فخمة، سيارات حكومية بسائقين، مستشفيات خاصة عالية الجودة، ومتاجر مغلقة تحتوي على بضائع غربية مستوردة لا يدخلها عامة الشعب.

- توريث النفوذ: أصبح أبناء هذه الطبقة يحصلون على أفضل فرص التعليم والوظائف الدبلوماسية، مما خلق مجتمعاً طبقياً جديداً يناقض تماماً فكرة "المجتمع بلا طبقات" التي قامت عليها الثورة.

وكانت المحصلة، أن طبقة جديدة حلت محل طبقة قديمة في الاستملاك والمميزات، أناس يُعدمون أناسا كانوا يُعدمونهم، ثم يتوسعون بالثورية فيعدمون من يظنون أنه خطر عليهم، لذا وضع جيفارا كمصدر للحكمة هو موضع خطأ لكنه نموذج للثورية والراديكالية بامتياز، لكن يبقى التفريق بين دوافع الثورة أهي انفجار ورد فعل لحاجة أم إيمان بوجوب حرب من أراهم أعداء. 

وهذه تنقسم إلى قسمين: هل هم أعداء لأنهم يناهضون ما أفكر به (مثل جيفارا)، أم أنهم أعداء لأنهم يمثلون جنس الظلم، فإن كان جيفارا مثل هذا فلمَ أعدم العاملين مع النظام السابق؟ ولم اعتبر الكراهية كجزء من تكتيكات حربه لعقل جمعي؟

الرأسمالية وتوحشها
:

لا تبدو الرأسمالية المعاصرة في حال أفضل، فهي خريفٌ طويلٌ يثبت فشله المتكرر في قيادة العالم وتوفير الخيارات العادلة للبشر، لكنها باقية لغياب البديل ومنافسها أثبت أنه قاهر للإنسانية أيضا قبل أن يتنحى. تحولت الرأسمالية من أداة لتحفيز الإنتاج والحرية الفردية إلى غول متوحش يكرس التفاوت الطبقي الحاد، حيث يمتلك 1 في المئة من سكان الأرض ما يعادل ما يملكه بقية البشر. 

تعاني المنظومة اليوم من أزمات دورية خانقة، وتدمير بيئي غير مسبوق، وسلعنةوعجز عن تقديم نموذجٍ أخلاقي يقود البشرية نحو الاستقرار والسلام. 

هذا الانسداد الفكري بين النظامين يفرض صياغة نموذجٍ جديدٍ لا يقوم على التلفيق والتسوية بينهما، بل على إعادة تعريف غاية الاقتصاد والسياسة ذاتها.

ترتكز معالم هذا النظام المنشود على محاور منها:

- السلبية
التي يشترك بها النظامان هي النظرة للإنسان أمام عناصر الإنتاج. النظام الجديد يجب أن يعيد صياغة مفهوم الرفاه؛ فلا تقاس قوة الدول بالناتج المحلي الإجمالي وحده، بل بمؤشرات التنمية البشرية الحقيقية، والعدالة التوزيعية، وصيانة الكرامة المتجاوزة للحاجات البيولوجية.

- النموذج التشاركي اللامركزي بدلاً من تغوّل الشركات أو تسلط البيروقراطية الحكومية، فإدارة الموارد الحيوية (كالطاقة والمياه والتعليم والصحة) كملكية عامة تشاركية تُدار محلياً ولا تخضع لمنطق الربح الاحتكاري أو التوظيف السياسي.

- التوازن البيئي والاستدامة الحيوية، حيث يصبح الحفاظ على البيئة شرطاً أساسياً للشرعية السياسية والاقتصادية.

- يتطلب العبور نحو المستقبل تطهيراً فكرياً شاملاً للنظريات التي بررت الظلم والتمييز وممارسات جسّدته بأطر قيم مفرغة المحتوى.

خاتمة:

إن قصة جيفارا الحقيقية والمكذوبة، وسقوط البلشفية، وترنح الرأسمالية، كلها شواهد تؤكد أن الأيديولوجيات البشرية المغلقة وإن نسبت للدين والتشريع تحمل في طياتها بذور فنائها، لكن بعد أن تسحق القيمة والكرامة الإنسانية. يحتاج كوكبنا إلى وعي واستمرار التحديث، يرفض الأساطير المصنوعة لتبرير الفشل، ويئد أي عنصرية أو إلغاء وجودي أو يفكر بما يخل بالتوازن في البيئة فلا يقام العدل، وهذا حاصل بالنظريات العنصرية المنهجية.

 إن صناعة الأمل لا تكون بأيد ملوثة بالظلم والدم ولابأعناق ملتوية للخلف فوقها رؤوس جامدة تافهة.


الإجازات الرفيعة المستوى ليست لكل من هب ودب!

الإجازات الرفيعة المستوى ليست لكل من هب ودب!

زمن الوفرة

زمن الوفرة



عامر عبد المنعم


زمن الوفرة انتهى، والأزمات الاقتصادية تعصف بالدول الأوروبية الواحدة بعد الأخرى، فمنذ أسبوعين لم تتوقف الاحتجاجات في فرنسا التي تعاني من ثقل الديون التي وصلت إلى 120% من الناتج القومي الإجمالي.

بدأت التوترات في المدن الفرنسية بمظاهرات طلاب المدراس الثانوية الذين يشكون من تراجع الانفاق على التعليم واكتظاظ الفصول، وسرعان ما انضم لهم طلاب الجامعات وسياسيون وأكاديميون، وحدثت اشتباكات بسبب العنف.

اليوم لحقت بلجيكا بفرنسا، حيث نظمت النقابات مظاهرات في العاصمة بروكسل احتجاجا على التقشف، ووقعت بعض الصدامات المشابهة لما حدث في فرنسا.

العالم مقبل على مرحلة قاتمة، ومن لا تستنزفه الحروب تستنزفه الاحتكارات الكبرى والرأسمالية الجشعة، وتسقطه الديون التي تتضخم لصالح المرابين الكبار.

إذا أُغلقت الأبواب وبقيت الشاشة!

إذا أُغلقت الأبواب وبقيت الشاشة!

الدكتور وصفي أبو زيد -



قد يغلق المرء باب غرفته، ويطمئن إلى أنه لا يراه أحد، ثم يفتح هاتفه على عالم تتسع فيه أبواب الخير والشر، وتُعرض فيه على قلبه وعينيه أشياء لم يكن ليجرؤ على الاقتراب منها لو كان بين الناس، وربما استحيا من نظرة عابرة إلى شاشته، ولم يستحِ من نظر الله إليه!

وهنا يُمتحن صدق المراقبة؛ فإن الأخلاق التي لا تصحب صاحبها إلى خلوته هي أخلاقٌ لم تتمكن بعد من قلبه، وإن الحياء الذي يحضر أمام الناس ويغيب عند انفراد الإنسان بنفسه يحتاج إلى تربية ومجاهدة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]. آية قصيرة، لو استقرت حقيقتها في القلب، لأغلقت على صاحبها أبوابًا من المعصية، وفتحت له أبوابًا من الاستقامة لا يطلع عليها أحد من الخلق.
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة" (رواه النسائي). 
فما أجمل أن تستوي خشية العبد لربه في حضوره بين الناس وخلوته عن أعينهم، وأن يكون له من صلاح السريرة نصيب لا يقل عن عنايته بحسن الظاهر!

وليس المقصود أن يتحول الهاتف إلى مصدر خوف دائم، أو أن يحرم الإنسان نفسه مما أباح الله من المتعة والترويح؛ وإنما أن يصحب استعماله لهذا الجهاز ضمير مؤمن، يعرف متى ينظر ومتى يصرف بصره، ومتى يفتح ومتى يغلق، ومتى يمضي ومتى يتوقف.
وقد أحسن ابن عطاء الله السكندري إذ قال: "اجتهادك فيما ضُمِن لك، وتقصيرك فيما طُلِب منك، دليل على انطماس البصيرة منك". ومن أعظم ما طُلب منك أن ترعى قلبك وجوارحك حيثما كنت، فلا تنشغل بتتبع ما يُعرض عليك حتى تنسى ما يجب عليك.
إن الشاشة لا تستر عن الله شيئًا، والخلوة ليست غيابًا عن الرقابة، وإنما فرصة يظهر فيها مقدار ما استقر في القلب من تعظيم الله.
فاجعل لك مع الله أدبًا لا يتغير بتغير المكان، ولا يسقط حين تغيب عيون الناس.
#أخلاقنا_الرقمية 1
#وصفي_أبوزيد

الدكتور وصفي أبو زيد - الصفحة الرسمية


فوق السلطة 512 رواية غريبة

فوق السلطة 512 رواية غريبة

تقديم نزيه الأحدب



"فوق السلطة".. غضب الطلاب في فرنسا ودبلوماسية "الطرد" بين القاهرة وأديس أبابا
استعرض برنامح “فوق السلطة” التصعيدات المتسارعة الي تشهدها الساحات الدولية بين احتجاجات طلابية في فرنسا، وأزمة دبلوماسية بين القاهرة وأديس أبابا، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية.




وتمثل الاحتجاجات الطلابية في فرنسا حلقة جديدة من التعبير عن الغضب الاجتماعي، يرى مراقبون أنها تعيد إلى الذاكرة مشاهد احتجاجات مايو/أيار 1968، إذ خرج طلاب الثانويات من الفصول إلى الشوارع للمطالبة بتحسين ظروف التعليم.

واستعرضت حلقة (2026/10/9) من برنامج "فوق السلطة" أبعاد هذه الاحتجاجات التي تجاوزت مطالبها الأكاديمية لتتحول إلى مواجهات دامية مع الشرطة.


ويرى مراقبون أن الاحتجاجات انطلقت من منطقة باريس قبل أن تنتشر في أنحاء فرنسا، حيث أغلقت نحو 400 مدرسة وشهدت ألف مدرسة أخرى تحركات احتجاجية، وتشير تقارير إلى أن المطالب تركزت على أقسام أقل اكتظاظا ومزيد من الموارد وتحسين ظروف التعليم، غير أن المشهد انزلق إلى أعمال شغب ومواجهات مع قوات الأمن.

ودخل اليمين المتطرف على خط الأزمة الطلابية، معتبرا الاعتصامات فرصة لتسوية حسابات سياسية، في حين حملت الحكومة الفرنسية أهالي الطلاب المسؤولية المدنية عن الأضرار، في خطوة أثارت جدلا واسعا حول حدود المسؤولية الجماعية.

وفي سياق آخر، تحول المشهد الأمريكي إلى ما يشبه المسرحية، إذ أنهى الرئيس دونالد ترمب خطابه في ولاية أوكلاهوما بالرقص على أنغام الموسيقى، بينما تولى نائبه جيه دي فانس مهمة الدفاع عنه.

وحسب الحلقة، فإن المنتقدين أشاروا إلى أن دي فانس استخدم قضايا مثيرة للجدل للدفاع عن ترمب، مما أثار تساؤلات حول مستوى الخطاب السياسي في واشنطن.

ويعكس هذا المشهد حالة من الاستقطاب المتصاعد في السياسة الأمريكية، حيث يجد نائب الرئيس نفسه مضطرا لتحويل سلوك الرئيس إلى "حجة" مقنعة.
 
تبادل طرد الدبلوماسيين

وعلى المستوى الأفريقي، دخلت مصر وإثيوبيا في مواجهة دبلوماسية جديدة بعد قرار أديس أبابا اعتبار أحد أعضاء السفارة المصرية شخصا غير مرغوب فيه، وردت القاهرة بالمثل، معلنة اعتبار مستشار السفارة الإثيوبية شخصا غير مرغوب فيه ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.

ويرتبط هذا التصعيد -وفقا للحلقة- بملف سد النهضة، حيث يختلف الطرفان على "مياه تبحث عنها القاهرة ومنفذ على البحر تبحث عنه أديس أبابا"، في وقت دخل فيه الاتحاد الأفريقي على الخط داعيا إلى التهدئة وضبط النفس، في لحظة تعني أن الأزمة وصلت مرحلة يطلب فيها الجميع الهدوء.

وفي ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يبقى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير حاضرا بعنجهيته المعتادة، حيث يواصل محاربة كل عربي حتى لو حمل الجواز الإسرائيلي، ويعكس سلوكه حالة من التطرف المؤسسي التي تغذي التوتر في الداخل الإسرائيلي وتعمق الانقسامات الاجتماعية.

كما استعرضت الحلقة المواضيع التالية:رحلة فلاي دبي.. الحقيقة هبطت والروايات ما زالت في الجو.
روسيا والناتو على حافة الحرب النووية، والحافة نفسها تشكو من كثرة الاختبارات.
سوريا تبحث عن الإعمار ومظاهرات تطالب بفرض سيادة الدولة.
أمريكا تغادر العراق لكنها تترك الباب مواربا، سنعود متى نشاء.

تقديم نزيه الأحدب

آسية بنت مزاحم .. نموذج قرآني للولاء والبراء والثبات في وجه الطغيان

آسية بنت مزاحم .. نموذج قرآني للولاء والبراء والثبات في وجه الطغيان

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


 خاص ترك برس

ليس الإيمان في حقيقته مجرد ادعاءٍ شفهي وكلمةٍ تُقال، بل هو موقف يُختبر عند الشدائد، وتضحية تُقاس بقدر الصبر والثبات، وقد ضرب القرآن الكريم أروع الأمثلة على ذلك من خلال قصة "آسية بنت مزاحم"، امرأة فرعون، التي وقفت وحدها في قصر الطغيان لتعلن انحيازها المطلق إلى الله تعالى. 

لم تُغْرِها السلطة، ولم تُرهِبها أدوات التعذيب، فاختارت جوار الله على نعيم زائل، والدار الآخرة على متاع الدنيا، فجعلها الله مثالًا خالدًا للإيمان الصادق، ودليلًا على أن الثبات على الحق لا يعرف ضعفًا ولا استسلامًا.

صبرت آسية بنت مزاحم على تكاليف الإيمان وتعرضت للأذى والتعذيب، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، كانت ترى بيتها في الجنة (1).

كانت كلمة واحدة تنقذها من القتل البشع وتعيدها لترفل في النعيم، ربه التاج في مصر، فماذا اختارت آسية بنت مزاحم؟ اختارت رضى الله والقرب منه ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، لقد اختارت كما يقول العلماء: الجار قبل الدار، اختارت ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ولم تقل: رب ابن لي بيتاً عندك في الجنة، ولقد حقق الله الأمل والرجاء بعد أن صبرت على البلاء والتضحية (2).

إن الإيمان ليس كلمة تقال، إنما حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر واحتمال، فلا يمكن أن يقول الناس: آمنّا وهم لا يتركون لهذه الدعوة، حتى يتضرعوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم، كما تفتتن النار الذهب لتفصل بينه وبين هذه العناصر الرخيصة العالقة به، وهذا أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب (3).

امرأة فرعون "آسية بنت مزاحم" آمنت بالله عزّ وجل، ورأت النور بقلبها فعذبها فرعون ولكنها صبرت وتعلقت بالله تعالى وناجته ودعته فاستجاب الله دعاءها، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[التحريم:١١].

إن القرآن الكريم حدثنا عن نموذج من عالم النساء اختارت العبودية المطلقة لله تعالى، فتحققت لها ذلك يوم أن صدقت مع الله فصدق الله معها: فالمرأة في القرآن لا يؤثر عليها وهي صالحة فساد الرجل وطغيانه ولا ينفعها وهي صالحة صلاح الرجل وتقواه، فإنها ذات مسؤولية مستقلة فيما يتعلق بشؤونها أمام الله، فلا شكّ إذن في اهتمام القرآن بالمرأة من حيث تسويته بين الرجل والمرأة أمام التكليف الشرعي والجزاء الأخروي، وأن كل منهما مسؤول عن نفسه مسؤولية مستقلة عن الآخر (4).

هذه آسية بنت مزاحم امرأة فرعون وسيدة مصر الأولى تَضرب مثلاً طيباً للمرأة المؤمنة الصالحة في البيئة الفاسدة المرأة التي واجهت الإغراءات والمساومات والترغيب والترهيب والتعذيب بصبر وثبات المرأة التي لم تغتر بجمالها ولم تغتر بسلطانها، المرأة التي تتخلى عن المتع الفانية والأعراض الزائلة وتتطلع إلى ما عند الله تعالى.

فآسيا هي تلك المرأة التي ترتقي إلى أعلى الدرجات في عالم المرأة، ويقترن ذكرها بمريم بنت عمران وبخديجة بنت خويلد، وبفاطمة بنت محمد ﷺ، لم تصل إلى هذه المكانة الرفيعة بجمالها ولا بمالها ولا بسلطانها، وإنما وصلت إليها بإيمانها وعملها الصالح ودعوتها إلى الحق، ألا ما أحوجنا في عصرنا هذا إلى مثل هذه الأمثلة الرائعة وهذه النماذج الطيبة (5).

إن آسية بنت مزاحم كانت نموذجاً في الثبات وصلابة الإيمان وقوة المعتقد، ولم يضرها كفر زوجها وطغيانه إذ كانت مؤمنة بالله لأن من أحكام الله في خلقه ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (6). 

ولم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه في قصر فرعون عن طلب النجاة وحدها وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتاً في الجنة، وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه، وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها منه شيء وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش معهم.

أبصرت آسية النور وأبصرت طريق الحق، وأبصرت طريقاً محفوفاً بالدماء والأشلاء ومع هذا قدرت أن تسير مهما كانت معالم هذا الطريق.

وحين علم فرعون بإيمانها تفانى في تعذيبها والتنكيل بها، فصبرت ثباتاً على مبدئها واحتساباً لأجرها على الله ورفضت كل المساومات واستعاذت بالله من الفتنة في الدين والتجأت إليه في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط فرعون، وضغط الحاشية، والمقام الملوكي (7).

في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء واختارت جوار الله والدار الآخرة على العيش في البيئة الآسنة الفاسدة قائلة: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[التحريم:١١].

يا الله: دعوة شاملة كاملة فيها مقاصد عديدة ومتطلبات كثيرة، بدأت فيها بلفظ رب،وذلك تمجيداً لله سبحانه، ثم طلبت أن يبني لها بيتاً، وقد حددت مكانه قبل أن تحدد وصفه ولم ترض بأي منزلة، ولم تقل عند نبيك موسى أو هارون، بل قالت عندك أنت، وهنا يدل على سمو النفس ورفعتها ثم ذكرت بعدها الجنة، قهي لم تطلب الدنيا وشهواتها بل طلبت الآخرة فخصّت فرعون لأنه هو أساس البلاء والفساد وبدأت بالخاص قبل العام، فقالت: فرعون، ثم عمله، ثم القوم الظالمين، فلله درّك ما أفهمك وما أعقلك، فاستجاب الله لها، وقبضها إليه، وبنى لها بيتاً في الجنة، وكان ثوابها عنده عظيماً ورفع مقامها في الدنيا والآخرة، وجعلها مثلاً خالداً في كتابه لعباده المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ  الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١].(8).

لقد ضربت لنا آسية بنت مزاحم أروع الأمثلة في الولاء والبراء، فكانت أنموذجاً في الثبات وصلابة الإيمان، ولم تخشَ من سطوة زوجها، بل استعلت على كل هذه المغريات ووقفت أمامها بصلابة وتبرأت من فرعون وقومه، ووقفت وهي المرأة الضعيفة الخلقة، تتحدى فرعون أعتى أهل الأرض وأشدهم طغياناً، ومن سيرتها في القرآن الكريم نلاحظ أن الولاء والبراء صفة أولياء الله، فهو تعالى وليّهم وناصرهم ومغنيهم ومجيب دعوتهم.

ولقد كانت آسية بنت مزاحم رضي الله عنها قوية الإيمان، مطيعة لله ورسوله، سريعة الاستجابة للدين مبغضة لأهل الكفر والضلال كما كان ولاؤها لموسى عليه السلام وبراءتها من فرعون وعمله، وطلب النجاة منه، ومن عمله، ومن القوم الظالمين (9).

من خلال نموذج امرأة فرعون يثبت لنا القرآن الكريم أن المرأة وخلافاً لما أشيع عنها من أنها تمثل كائناً ضعيف الإرادة منقاداً للتأثيرات المختلفة، فمن الممكن أن تكون على العكس من ذلك، نظيرةً للرجل، بل أحياناً أقوى في قوة الإرادة واستقلالية التفكير وعدم الخضوع لأي تأثير يتنافى مع قناعتها ورؤاها، بل والجهاد والكفاح وتحمل المصائب في سبيل القناعة الإيمانية ونورها الرباني.

فقد ناظرت ونافست في مجال الدعوة إلى الله وفعل الخير وحماية المستضعفين، وكانت تمتلك من القدرات والاستعدادات ما يجعلها تحكّم تفكيرها وعقلها فيما يعرض عليها من الأمور، ثم تختار الأصح والأصلح على ضوء ذلك التفكير، ومن ثم تجاهد وتصمد وتقاوم في طريق تلك القناعات (10).

المصادر والمراجع:

(1) صحيح الأنبياء المسند من أحاديث الأنبياء، سليم بن عيد الهلالي، (٢/٦٢٩).

(2) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١٠٣.

(3) في ظلال القرآن، سيد قطب، (٥/٢٧٢٠).

(4) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١٠٤.

(5) المرأة في القصص القرآني، أحمد محمد الشرقاوي، حلب، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2011م، (١/٤٢٧).

(6) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١٠٥.

(7) المصدر السابق، ص١١١.

(8) الدور التربوي للمرأة في قصة موسى عليه السلام، جوهرة بنت عبدالعزيز السيف، ص١١٢.

(9) المصدر السابق، ص١١٢.

(10) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، (٦/٢٣٣).