

جِيفري ساكس وسيبيل فارس
اقتصادي أمريكي بارز، ومدير معهد الأرض السابق في جامعة كولومبيا. كبيرة المستشارين لشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
حمل هذا الأسبوع شيئا طالما حرِم منه غرب آسيا: بصيص أمل. ففي الرابع عشر من يونيو/حزيران، اتفقت الولايات المتحدة وإيران على إطار لإنهاء حربهما. ومن المقرر أن يعاد فتح مضيق هرمز، وأن يتوقف قصف لبنان، والأهم من سعر النفط، أن يتوقف القتل. فبعد أكثر من مئة يوم من حرب أودت بحياة الآلاف، بمن فيهم كبار قادة إيران، ودفعت الاقتصاد العالمي إلى حافة الهاوية، تبدو حتى الهدنة الهشة وكأنها أول خيوط الفجر.
لنرحب بهذه الهدنة، ولكن قبل ذلك لا بد أن نفهمها أيضا. ولكي ندرك لماذا اندلعت هذه الحرب، وسلسلة الحروب التي سبقتها، علينا أن نسمي سببها المشترك. وهذا السبب هو "إسرائيل الكبرى"، لا الدولة بل الفكرة، وهي فكرة مروعة. لقد كانت فكرة "إسرائيل الكبرى" سببا للحروب في العراق، وغزة، ولبنان، وسوريا، وإيران.
تقوم فكرة "إسرائيل الكبرى" على أن إسرائيل تملك بحق كل فلسطين- من النهر (الأردن) إلى البحر (المتوسط)- وكذلك أجزاء من الدول المجاورة. ووفقا للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، وهو بروتستانتي أصولي بوصلته الجيوسياسية نص توراتي يعود إلى عام 700 قبل الميلاد، فإن "إسرائيل الكبرى" تمتد من النيل إلى الفرات. وفي الصيف الماضي، أعلن بنيامين نتنياهو تعلقه "الشديد" برؤية لـ"إسرائيل الكبرى" تضم، على حد قوله، الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية المجاورة.
لهذه العقيدة العبثية والخطيرة أبوان. الأول هم المتشددون العلمانيون من أمثال نتنياهو، الذين يقولون إن إسرائيل يجب أن تسيطر على كل الأرض من النهر إلى البحر لتكون آمنة، وليذهب إلى الجحيم الثمانية ملايين فلسطيني الذين يقفون في الطريق. والثاني هو عقيدة التفوق اليهودي لدى بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، القائلة إن الله وهب الأرض لليهود وحدهم: فـعلى حد قول سموتريتش، "لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني".
وحين سئل مؤخرا عن كيفية رد إسرائيل على انهيار مكانتها العالمية، تعهد سموتريتش بأنها لن تتخلى عن السيطرة العسكرية على الضفة الغربية أو غزة، أو لبنان، أو الجولان: "لن ننتحر لإرضائهم". إن "إسرائيل الكبرى" هي جنون الارتياب وجنون العظمة والتعصب الديني، مضفورة في برنامج واحد.
كان ينبغي نبذ هذه العقيدة منذ أول ظهور لها قبل عقود. لكنها بدلا من ذلك وجهت العقيدة الخارجية والعسكرية لإسرائيل طوال ثلاثة عقود- وبقيت حتى اليوم؛ لأن نتنياهو خدع الولايات المتحدة. وقد فعل ذلك بالاعتماد على شريحتين أمريكيتين، هما: الصهاينة اليهود الذين يحبون إسرائيل وسيغفرون لها أي شيء، والصهاينة المسيحيون الذين يحبون نبوءة آخر الزمان والمجيء الثاني للمسيح أكثر مما يحبون أي فلسطيني حي، أو في واقع الأمر أي إسرائيلي حي. وقاد الوهم إلى وهم آخر، وامتد الطريق من حرب إلى التي تليها. لقد بلغنا الآن العام الثلاثين من هذا الإخفاق الذريع.
على العالم العربي وإيران أن يقولا للولايات المتحدة الحقيقة الصارخة في هذه اللحظة بالذات: إن القطيعة مع "إسرائيل الكبرى" هي الطريق الوحيد إلى سلام دائم
لم تكن الحرب على إيران سوى أحدث أوهام "إسرائيل الكبرى". فقد كان من المفترض أن تسقط حكومة تسعين مليون نسمة في يوم واحد مجيد. وبالطبع، لم يحدث ذلك. لقد قتلت القنابل الإسرائيلية والأمريكية قادة إيران في 28 فبراير/شباط، لكن القنابل لم تحقق الانهيار الموعود، بل لم تخلف إلا آلاف القتلى، ومضيق هرمز مخنوقا، وصدمة نفطية عالمية.
لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل. فالخطة الإسرائيلية-الأمريكية لإسقاط الأسد في سوريا كان يفترض أيضا أن تكون سريعة، في سنة أو سنتين على الأكثر. لكن ما جاء بدلا من ذلك كان 12 عاما من المجازر، غذتها حرب سرية سلحتها ومولتها وكالة المخابرات المركزية بدعم إسرائيلي متحمس، وبلدا عريقا تحول إلى أنقاض. إن انتصارات اليوم الواحد الموعودة تتحول دائما إلى مقابر تمتد لعقود.
لقد تلقى الرئيس ترمب الضربات جراء انضمامه إلى وهم "إسرائيل الكبرى"، وهو يدرك ذلك. والاتفاق الجديد مع إيران هو صمام نجاته، ومخرجه من حرب حمقاء لم يكن قادرا على كسبها يوما. وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعل ساسة "إسرائيل الكبرى" يحاولون خنق الاتفاق الجديد في مهده؛ لأن السلام مع إيران هزيمة لـ"إسرائيل الكبرى". وحتى بينما كان الاتفاق يبرم، واصلت إسرائيل قصف بيروت، وهو ما قال ترمب نفسه علنا إنه "ما كان ينبغي أن يحدث".
وهنا تكمن الحقيقة الأعمق: إن "إسرائيل الكبرى" لا تنقذ إسرائيل، بل تقتلها. فالاحتكاك الظاهر الآن بين ترمب ونتنياهو ليس سوى السطح. أما تحته فيكمن انهيار مكانة إسرائيل في أنحاء العالم. ووفقا لـاستطلاع رأي حديث أجراه مركز "بيو"، باتت نظرة العالم إلى إسرائيل سلبية إلى حد بعيد.
وفي الولايات المتحدة، راعية إسرائيل التي لا غنى عنها، ينظر ستة من كل عشرة بالغين إلى إسرائيل نظرة سلبية. والدولة التي تجعل العالم يكرهها، ويكرهها حاميها الوحيد، لا تسعى إلى الأمن، بل تهدد بقاءها ذاته لتغذية وهم.
ولذلك، فإن الطريق إلى السلام في غرب آسيا هو إيقاف "إسرائيل الكبرى". أنهوا الحرب على إيران، وأنهوا الإبادة الجماعية في غزة، وأوقفوا خنق الضفة الغربية. والأهم من ذلك كله، افعلوا ما تحرمه هذه العقيدة، أي إقامة دولة فلسطين بوصفها العضو الـ 194 في الأمم المتحدة إلى جانب دولة إسرائيل، على حدود عام 1967، مع أمن حقيقي للبلدين وإطار إقليمي يضمنه، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من لبنان، وسوريا.
ويقدم وقف إطلاق النار مع إيران نموذجا مصغرا للقضية: فقد تحقق لا في ساحة المعركة بل عبر الوساطة، في اللحظة التي قررت فيها واشنطن أنها تريد السلام أكثر مما تريد حرب "إسرائيل الكبرى".
بإمكان إسرائيل أن تبقى، لكن ليس بوصفها "إسرائيل الكبرى"، تلك الفكرة الكارثية التي ساقتها وساقت الولايات المتحدة من حرب إلى أخرى. إن بصيص الأمل هذا الأسبوع حقيقي. أما أن يصبح فجرا حقيقيا فيتوقف على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح أخيرا بولادة فلسطين، ومن ثم تترك إسرائيل تعيش. على العالم العربي وإيران أن يقولا للولايات المتحدة الحقيقة الصارخة في هذه اللحظة بالذات: إن القطيعة مع "إسرائيل الكبرى" هي الطريق الوحيد إلى سلام دائم.



