الأربعاء، 1 أبريل 2026

هل تخطئ في اختيار من ينفعك؟ هذه الآية القرآنية تجيبك

هل تخطئ في اختيار من ينفعك؟ هذه الآية القرآنية تجيبك
كاتب، قطري، دكتوراه في الفقه وأصول الفقه
الكاتب: ما على الإنسان إلا أن يمتثل لشرع ربه مطمئنا إلى أن البر والصلة قيم متعالية

  • {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا}.. قاعدة قرآنية في فهم العلاقات الإنسانية

في خضم العلاقات الاجتماعية التي تتشابك فيها حسابات المصلحة وتوقعات النفع، يميل الإنسان بطبعه إلى الارتكان إلى ظنونه؛ فيمنح ثقته، ويوجه عاطفته، ويرتب أولوياته بناء على تقدير مسبق لمن يظنه الأقرب نفعا والأبقى أثرا. غير أن التجربة الإنسانية، بما تحمله من مرارات ومفاجآت، كثيرا ما تصفع هذا اليقين المتوهم، وتكشف أن الرهان على جهة معينة قد يتبدد، ليأتي النفع من مكمن لم يكن يخطر للمرء على بال.

فقد كان الناس قبل الإسلام يقسمون أموالهم وفق معايير قائمة على التوقعات الشخصية، أو القوة، أو مقدار ما يرجى من النفع، وكان هذا يؤدي إلى ظلم واضح؛ إذ يحرم الإنسان بعض الأقارب من المال لأنه لا يظن أنهم سيقدمون نفعا كبيرا، بينما يفضل غيرهم اعتمادا على تقديرات بشرية قد تكون خاطئة. وجاء التشريع القرآني ليقطع الطريق على هذه التقديرات غير المنضبطة، ويربط الميراث بروابط ثابتة لا تتغير، مثل الأبوة والبنوة والقرابة والزوجية.

غير أن القرآن الكريم يقطع هذا الاطمئنان المتعجل بحقيقة عميقة تصحح نظرة الإنسان إلى العلاقات ومآلاتها، حين يقول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾(النساء: 11). فقد ورد هذا المعيار في سياق بيان أحكام الميراث، لكنها تحمل في طياتها حكمة إنسانية واسعة تتعلق بطريقة نظر الإنسان إلى علاقاته، وتقديره لمصادر النفع في حياته.

جاء التشريع الإلهي ليزيح الظن البشري ويستبدل به الحق الثابت، رابطا الميراث بأواصر وجودية لا تتبدل بتبدل المصالح، كالأبوة والبنوة والزوجية، مرسيا بذلك حقيقة كبرى: أن الله هو العليم بمنافع العباد

وفي هذا السياق، يشخص سيد قطب تلك الحيرة البشرية قائلا: فهنالك من تدفعهم عاطفتهم الأبوية إلى إيثار الأبناء على الآباء، لأن الضعف الفطري تجاه الأبناء أكبر، وفيهم من يغالب هذا الضعف بالمشاعر الأدبية والأخلاقية فيميل إلى إيثار الآباء، وفيهم من يحتار ويتأرجح بين الضعف الفطري والشعور الأدبي. كذلك قد تفرض البيئة بمنطقها العرفي اتجاهات معينة، كتلك التي واجه بها بعضهم تشريع الإرث يوم نزل، فأراد الله سبحانه أن يسكب في القلوب كلها راحة الرضى والتسليم لأمر الله، ولما يفرضه الله، بإشعارها أن العلم كله لله، وأنهم لا يدرون أي الأقرباء أقرب لهم نفعا، ولا أي القسم أقرب لهم مصلحة ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾.

أما ابن عاشور فيذهب إلى نقد المعيار الجاهلي وتفكيك عدم انضباطه؛ إذ يبين أن الإنسان قد لا تعرض له حاجة إلى أن ينفعه أبواه أو أبناؤه، وربما عرضت حاجات كثيرة في الحالين، وربما لم تعرض أصلا، فهم متفاوتون من هذا الاعتبار الذي كان يعتمده أهل الجاهلية في قسمة أموالهم؛ إذ اعتمدوا أحوالا غير منضبطة ولا موثوقا بها. ولذلك قال تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، فشرع الإسلام الفرائض على ما لا يقبل التفاوت، وهي الأبوة والبنوة، ففرض الفريضة لهم نظرا لصلتهم الموجبة، لكونهم أحق بمال الأبناء أو الآباء.


وهكذا جاء التشريع الإلهي ليزيح الظن البشري ويستبدل به الحق الثابت، رابطا الميراث بأواصر وجودية لا تتبدل بتبدل المصالح، كالأبوة والبنوة والزوجية، مرسيا بذلك حقيقة كبرى: أن الله هو العليم بمنافع العباد، وأن الإنسان مهما اجتهد في تقدير المصالح يظل سائرا في عالم لا يملك مفاتيح غيبه. ولهذا قرر القرآن هذه الحقيقة بعبارة قصيرة لكنها عميقة الدلالة: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾.

فالنفي هنا لا يقتصر على حالة فردية أو ظرف معين، بل هو تقرير لحقيقة عامة مفادها أن الإنسان لا يملك العلم الكامل بمستقبل العلاقات ولا بمآلاتها؛ فقد يكون الابن الذي لا يرجى منه نفع في نظر الناس سببا في أعظم البر والعناية، وقد يكون القريب الذي يظن أنه الأقرب نفعا أقل أثرا مما يتوقع. إن تغير الأحوال، وتفاوت النفوس، واختلاف الظروف، كلها عوامل تجعل تقدير النفع أمرا متغيرا لا يمكن ضبطه بمعايير ثابتة.

تتوتر العلاقة الزوجية أو تتبدل الأحوال، وربما يصل الأمر في بعض الحالات إلى الجفاء أو الانفصال، فيظهر حينئذ أن بعض الأقارب الذين أهملوا أو جفوا اعتمادا على ذلك التقدير كانوا أحق بالمراعاة

ويكشف هذا المعنى عن منهج قرآني دقيق في تنظيم العلاقات الإنسانية؛ فالقرآن لا يبني الحقوق على توقعات النفع، بل على الروابط والواجبات. فالإنسان مأمور بأن يؤدي حقوق القرابة والرحم والبر، سواء تحقق له من هذه العلاقات نفع ظاهر أم لم يتحقق؛ لأن معيار العدل لا يقوم على المنفعة المتوقعة، بل على الحق الثابت.

كما تحمل الآية بعدا تربويا مهما؛ فهي تربي الإنسان على التواضع أمام محدودية علمه. فكثير من الناس يتعاملون مع الآخرين بمنطق الحسابات الضيقة: من ينفعني أكثر؟ ومن يستحق أن أمنحه اهتمامي؟ لكن هذه النظرة قد تكون قاصرة؛ لأن النفع الحقيقي قد يظهر في أوقات لاحقة، أو في صور مختلفة لا يدركها الإنسان في بدايتها، وقد يكون أعظم النفع في أمور معنوية لا تقاس بالمصالح المادية المباشرة.


ويظهر أثر هذه الحقيقة القرآنية كذلك في واقع العلاقات الأسرية والإنسانية؛ فكثيرا ما يندفع الإنسان بدافع العاطفة أو التقدير اللحظي إلى تقديم بعض العلاقات على بعض، فيقدم الزوج زوجته على أهله، أو تقدم الزوجة زوجها على أقاربها، ظنا أن هذا التقديم هو الطريق الأقرب إلى الاستقرار والنفع، لكن مسار الحياة قد يكشف بعد زمن أن تلك الحسابات لم تكن دقيقة.


فقد تتوتر العلاقة الزوجية أو تتبدل الأحوال، وربما يصل الأمر في بعض الحالات إلى الجفاء أو الانفصال، فيظهر حينئذ أن بعض الأقارب الذين أهملوا أو جفوا اعتمادا على ذلك التقدير كانوا أحق بالمراعاة، وأقرب نفعا مما ظن يوما.

ويمتد هذا المعنى إلى دوائر أخرى من العلاقات؛ فكثيرا ما يقدم الإنسان صديقا مقربا على بعض أهله أو معارفه، فيمنحه من الثقة والاعتماد ما لا يمنحه لغيره، وربما وقع العكس أيضا؛ فيهمش الصديق بدعوى أن القريب أولى بالتقديم، ثم تكشف التجارب بعد حين أن تلك المفاضلات قامت على حسابات بشرية قاصرة؛ فيتبين أن القريب الذي أهمل لصالح من سمي «صديق العمر» لم يكن إهماله إلا خطأ في التقدير، كما قد يظهر أن الصديق الذي همش بدعوى أن القريب أولى لم يكن أمره كذلك.

إن محدودية العلم البشري تجعل الإنسان يخطئ كثيرا في تقدير مآلات الأمور، ولذلك جاء ختام الآية بقوله تعالى: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾؛ ليكون مرساة للطمأنينة والثقة بحكمة الله

تثبت الأيام أن الأقدار تختار لنا من النفع ما لا تختاره عواطفنا المندفعة؛ وهنا تتجلى دقة القاعدة القرآنية: ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾؛ إذ تذكر الإنسان بأن تقدير مواقع النفع ليس أمرا يسيرا يمكن ضبطه بالحسابات العاطفية أو التوقعات الآنية، بل هو أمر تتداخل فيه عوامل كثيرة لا يحيط بها علم البشر، بينما يظل علمها الكامل عند الله سبحانه.

وهكذا، تتجاوز هذه القاعدة سياقها التشريعي المباشر لتقدم للإنسان ميزانا وجوديا، يعيد صياغة علاقاته على أسس من العدل والواجب لا الحسابات الضيقة؛ فليس كل ما يراه المرء نفعا يكون كذلك في الحقيقة، وليس كل ما يظنه بعيدا عن مصلحته يكون خاليا من الخير.

إن محدودية العلم البشري تجعل الإنسان يخطئ كثيرا في تقدير مآلات الأمور، ولذلك جاء ختام الآية بقوله تعالى: ﴿إن الله كان عليما حكيما﴾؛ ليكون مرساة للطمأنينة والثقة بحكمة الله الذي وضع الحقوق في مواضعها بعلم محيط لا يعتريه نقص، وحكمة بالغة لا يخالطها هوى. فما على الإنسان إلا أن يمتثل لشرع ربه، مطمئنا إلى أن البر والصلة قيم متعالية، وأن الخير الحقيقي يكمن في اختيار الله له، لا في أمر ساقه إليه ظنه القاصر.


العرب والحاجة لاستعادة المشروع النهضوي

العرب والحاجة لاستعادة المشروع النهضوي

في الشرق الأوسط، تتكرر محاولات إعادة تشكيل المنطقة عبر عقود، لكنها غالبًا تأتي من خارجها: مشاريع دولية وإقليمية تسعى لرسم حدود النفوذ والسيطرة، بينما يغيب أصحاب الأرض عن رسم مصيرهم أو بلورة مشروع نهضوي عربي حقيقي. لقد شهد القرن الماضي تجارب متعددة للنهوض، من الوحدة القومية إلى الاشتراكية، وصولًا إلى الصحوة الإسلامية، إلا أن هذه المشاريع لم تصمد أمام التعقيدات الداخلية والضغوط الخارجية.

اليوم، يعمّ الفراغ الفكري والسياسي والثقافي المشهد العربي، ويترك شعوبه بلا بوصلة أو مشروع واضح، مما يجعل المنطقة معرضة للتدخلات والهيمنة الخارجية، ويحوّل مستقبلها إلى لعبة مصالح للقوى الأخرى. في هذا السياق، يصبح استنهاض مشروع عربي جديد، واقعي وطموح في الوقت نفسه، ضرورة تاريخية وأخلاقية، تتطلب إشراك النخب العربية الفاعلة في رسم خارطة المستقبل وصياغة رؤية متجددة تلهم شعوب المنطقة وتستجيب لتحدياتها المعقدة.

هذا النص كتبه خصيصًا لـ "عربي21" جلال الورغي، مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية، الذي يسعى من خلاله إلى البحث عن سبل إشراك النخب العربية في بناء مستقبل المنطقة، وصياغة رؤية عربية متجددة تجمع بين الطموح الواقعي، والتطلعات الوطنية، وتضع الأساس لمشروع عربي قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجي
ة.

جلال الورغي

جلال الورغي

 الشرق الأوسط الجديد.. أصل الفكرة

تعود فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتتجدد مرة تلو الأخرى. بيد أنه من اللافت أن هذه الفكرة أو المخطط، تتكرر على مسامعنا من قوى لا صلة لها بالمنطقة، وإنما قوى خارجية، تحرص وتسعى لإعادة هندسة ورسم خطوط وملامح هذا الشرق الدامي. فمرة هو مشروع أوروبي خلال الحرب العالمية الأولى، ومرة هو مشروع أمريكي لافتكاك الهيمنة على المنطقة من الامبراطوريتين الغاربتين فرنسا وبريطانيا، ومرة هو مشروع إسرائيلي، ومرة هو خلاصة تحالف أمريكي إسرائيلي. والمثير أيضا أن فكرة إعادة تشكيل المنطقة وهندستها مجددا يغيب ويغيّب عنها أصحاب هذه المنطقة تماما. بل يبدو هذا المخطط في جوهره لتغييب قوى المنطقة بإخضاعها.

شهدت المنطقة خلال القرن الماضي ظهور مشاريع عديدة للنهوض والتغيير، تلخصت أساسا وحسب السياق الزمني، في التيار القومي رافع لواء الوحدة العربية، وحقق خطابه بعض الأثر في نشر ثقافة الوعي بالوحدة والتكامل، أساسا للقوة والنهوض، وعاملا للخروج من الضعف والانقسام.
في خضم هذا الصراع على المنطقة وهذا التنازع الإقليمي والدولي حولها، يغيب العرب، فكرة ومشروعا. بل يؤكد هذا الصراع الدامي على المنطقة، أن حالة من الفراغ، وغياب مشروع نهضوي عربي، هو الذي خلّف فراغا مروعا، التقطته القوى الأخرى، إما من أجل توسيع كيانها وتحقيق أحلامها بإقامة "إسرائيل الكبرى"، لا سيما مع العودة القوية للحديث عن هذا الحلم داخل إسرائيل، أو لتوسيع نطاق الهيمنة والتحكم، كما سعت وتسعى إيران، أو لتعزيز النفوذ والمصالح، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وبدرجة أقل الروس والصينيون والأوروبيون.

شهدت المنطقة خلال القرن الماضي ظهور مشاريع عديدة للنهوض والتغيير، تلخصت أساسا وحسب السياق الزمني، في التيار القومي رافع لواء الوحدة العربية، وحقق خطابه بعض الأثر في نشر ثقافة الوعي بالوحدة والتكامل، أساسا للقوة والنهوض، وعاملا للخروج من الضعف والانقسام. وقد عبرّت هذه الأطروحة القومية عن نفسها من خلال تجارب جريئة للوحدة كانت لافتة، رغم تعثرها ثم تحللها. سادت عقب ذلك أطروحة الاشتراكية مستلهمة من الفكر اليساري، حاولت إقامة تجربة اشتراكية، لكنها انتهت إلى خيبة أخرى في النهوض العربي. وبينما حققت أطروحة الصحوة الإسلامية نجاحا لافتا على المستوى المجتمعي والتربوي، فإنها انتهت في المجمل لنفس المآلات التي آلت إليها الأطروحات والمشاريع النهضوية السابقة.

اليوم تبدو حالة الفراغ الفكري والسياسي والثقافي في المشهد العربي صادمة، إذ تغيب تماما أو تكاد مشاريع للنهوض والتغيير واضحة المعالم. حتى أنك لا تكاد تقرأ أو تقف على مشروع أو رؤية أو حتى مجرّد فكرة تتخلّق. فبينما تتفكك ملامح التضامن العربي السابق، ممثلة في جامعة الدول العربية المصابة بحالة شلل كامل، واتحاد مغاربي ميّت سريريا، ومجلس تعاون خليجي رغم أنه أفضل حال، إلا أنه زخم وحيوية حضوره متراجعة بشكل ملحوظ. هذا الفراغ الخطير في المشهد العربي، هو الذي يغري اليوم القوى الإقليمية والدولية بالسيطرة والهيمنة على هذه المنطقة، بل والإعلان الواضح عن مخططات لإعادة تشكيلها وهندستها.

لا شك أن هذا المأزق العربي الراهن هو الأخطر على المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إذ تكمن خطورة اللحظة الراهنة في كونها تعطف مأزقا داخليا عميقا على خطرا خارجيا محققا. وتتحمّل مسؤولية هذا المأزق الشامل النخبة العربية بكل أطيافها، أسواء تلك التي في الحكم أم التي في المعارضة. كما أن المسؤولية تقع على عاتق كل القوى والتيارات على اختلاف توجهاتها.

وتبدو الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض المنطقة في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، من خلال انبعاث جديد رشيد وواقعي، يأخذ بعين الاعتبار التحديات والتعقيدات ولكن أيضا يستجيب للتطلعات والآمال، انبعاث يولّد حلما وفكرة ورؤية، تلهم وتحفّز وتحشد، وما يستوجبه ذلك من خيال يتمرّد على حالة الإحباط والانكسار، ويقدح فكرة بمثابة نور وسط العتمة، ونقطة ضوء في آخر النفق.

هذه المنطقة التي تبدو اليوم خاسرة أيا كانت مآلات الصراع، وأيا كان المنتصر فيها من بين المتصارعين، تحتاج لمشروع جديد ومبادرة جديدة، مختلفة وغير تقليدية، تتجاوز الأنماط التقليدية، والمقاربات الكلاسيكية، والرؤى المستهلكة، والطرق المسدودة. وتبدو النخبة اليوم أمام مسؤولية تاريخية كبيرة في تجاوز الصراعات، والاندراج في استراتيجية التهدئة وتخفيض التجاذبات الأيديولوجية والسياسية، والمساهمة في تهيئة المناخات المناسبة لتشكل الجماعة الوطنية، على أساس المواطنة والتعدد والبناء المشترك. ولا يمثل هذا التحرّك المطلوب، ترفا فكريا، ولا مجرد خيار سياسي، وإنما واجبا وطنيا وقوميا، تمليه اللحظة التاريخية، والالتزام الوطني والقومي، وتفرضه التحديات والمخاطر التي تعصف بالمنطقة، والتهديدات الوجودية التي تتربّص بالدول العربية في كيانها وقيامها.


فحالة الفراغ في الساحة العربية، غيابا لمشروع، ولفكرة ولرؤية ولرافعة هيكلية، تعمّق حالة من التيه والضياع، هذا التيه والضياع يمثل في حد ذاته خطرا داهما ومتعدد الأبعاد على المنطقة ومناعتها. فغياب فكرة تؤطر شعوب ومجتمعات المنطقة، تجعل الفرد في هذه المنطقة في حالة تيه وضياع، بدون أفق، ولا بوصلة، ولا ملامح طريق باتجاه المستقبل. هذا الفراغ هو الوصفة الخطيرة، لتفكك الاجتماع السياسي العربي، وفقدان كل حصون المناعة والدفاع، وتسليم الأجيال لثقافة التفاهة والسفاهة. فرغم ما تمدهم به بعض المعاقل المعزولة (حالة غزة) من مثال ونموذج في المقاومة والصمود والتمسك بالحق، إلا أن المشهد السائد يكاد يطمس ويغمر هذا النموذج. كما أنه نموذج بقدر ما يلهم بقوة صمودا ومقاومة، إلا أن سياقاته لا تسعف أن ينهض نموذجا متكاملا، يعطف ثقافة الصمود على ثقافة البناء والنهوض.

تبدو الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض المنطقة في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، من خلال انبعاث جديد رشيد وواقعي، يأخذ بعين الاعتبار التحديات والتعقيدات ولكن أيضا يستجيب للتطلعات والآمال، انبعاث يولّد حلما وفكرة ورؤية، تلهم وتحفّز وتحشد، وما يستوجبه ذلك من خيال يتمرّد على حالة الإحباط والانكسار، ويقدح فكرة بمثابة نور وسط العتمة، ونقطة ضوء في آخر النفق.
تصر نخب كثيرة في منطقتنا على أن التحرر والخروج من دائرة الفراغ القائمة، يمر حتما وضرورة عبر مراجعات نقدية شاملة لمسار القوى السياسية والاجتماعية التي كانت فاعلة في السلطة وفي المعارضة خلال الحقبة الماضية. بيد أن هذه الدعوات التي تكاد تستحيل "اشتراطات" وابتزازا، تركن إلى تثبيت أفق المشهد العام، ضمن شروط ومعطيات تجاوزها الواقع، وطرأت عليها تحولات عميقة أفقدتها كل فاعلية أو وزن. ويعني هذا مما يعنيه، تحرر النخب الفاعلة من أوهام اجترار الماضي وأحداثه، والاندراج في فاعلية وديناميكية المساهمة في بلورة ملامح مشروع نهوض وقومة، تحتاجها المنطقة وتحتاجها شعوب المنطقة وتحتاجها أجيال المنطقة الباحثة عن مسارات جديدة جاذبة للإصلاح والنهوض.

كما أنه لم يعد مقبولًا اليوم أن تكون النخب في منطقتنا عالة على مشاريع ورؤى تشكّلت على مدى عقود مضت، وساهمت فيها عقول كثيرة من مختلف الخلفيات والمدارس الفكرية، فتمسّكت بهذه الرؤى المتقادمة، محافظةً عليها كفكرة ومنهج، بينما تتسارع التحولات في الواقع، وتتداخل عناصر تشكله، وتتعقد ملامحه. فإنه أيضا لم يعد ممكنا التفريط وإهدار هذه المنطقة، بكل تاريخها وعراقتها ومقدراتها وحيويتها، لصالح حالة من الفراغ الجاذبة للطامعين والمتربصين للسطو على هذه المنطقة، وتنفيذ مخططاتهم، وإعادة تشكيلها وهندسة ملامحها بما يكرس هيمنهم وعلوهم وتفوقهم الاستراتيجي.

فليس قدر هذه المنطقة أن تكون مرة أخرى وبعد حوالي قرن على التقسيم الأول، خارطة للتقاسم وإعادة توزيع النفوذ بين قوى خارجية. فملامح النظام الدولي الذي يتخلّق ويتسارع تشكلا، وما يؤشر عليه من تعددية وتوازن قوة، يوفر لشعوب المنطقة فرصة للاستفادة من هذا المسار الجديد، للمناورة وإعادة التموقع خارج التحالفات والمحاور التقليدية، واجتراح أفق أرحب، استفادة من كل مكونات المشهد الدولي. وأمام العرب، أنظمة وشعوبًا وأفرادًا، لحظة تاريخية حاسمة تدعو أن يكونوا جزءًا فاعلًا في المفاوضات على المستقبل، لا مجرد وجبة في لائحة طعام المتفاوضين.

*مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية   

الثلاثاء، 31 مارس 2026

الممانعة بالبراميل المتفجرة... كيف تقهر الإمبريالية بإبادة شعبك؟!

 خواطر صعلوك

الممانعة بالبراميل المتفجرة... كيف تقهر الإمبريالية بإبادة شعبك؟!

محمد ناصر العطوان


كما اتفقنا يا عزيزي القارئ في مستهل رحلتنا، عندما كنتُ صغيراً تعجبت من تورط بعض نخبنا العربية في تأييد غزو الكويت، ولما كبرت صُدمت بجيل آخر برر سحق السوريين، واليوم أقف مذهولاً أمام طابور جديد ينساق خلف السردية الإيرانية ضد الخليج. 

لذلك نواصل في هذا المقال الثالث تفكيك هذا العطب البنيوي، ونرصد كيف تُباع العقول في أسواق النخاسة السياسية.

ما إن اختفى جيل «المبررين» لغزو الكويت وتوارى خجلاً أو موتاً، حتى نبت لنا جيل جديد من المحللين والمثقفين ليقع في الفخ ذاته، وبالغباء المنقطع النظير نفسه، ولكن هذه المرة على مسرح التراجيديا السورية المروعة التي رُفعت ستارتها عام 2011.

عندما خرج ملايين السوريين العُزل يطالبون ببديهيات الحياة السياسية: قليل من الكرامة، وشيء من الحرية، وتوزيع عادل للثروة، وانعتاق من أقبية أجهزة المخابرات التي تحصي عليهم أنفاسهم... وجد النظام نفسه محشوراً في زاوية وجودية لا تفلح معها ألاعيب السياسة. 

ولأنه خبير في تشريح «العقل النخبوي العربي»، سحب فوراً من جيبه السلاح السحري المضمون: أسطوانة «المقاومة والممانعة» المشروخة، وأكذوبة «المؤامرة الكونية».

فجأة، وبقدرة قادر، تحولت حناجر النخب لترويج خرافة أن ما يجري في سوريا ليس ثورة شعب مقهور ضد الفساد والاستبداد، بل هو «مخطط استعماري صهيوني إمبريالي» لإسقاط «قلعة الممانعة» الأخيرة!

وهنا، عاد «خونة المثقفين» لارتداء بدلاتهم الأنيقة، ومارسوا دورهم التبريري المقيت؛ حيث وفروا الغطاء الفكري والأخلاقي لنظام قرر أن يفعل بشعبه ما خجلت منه أعتى جيوش الاحتلال. وباسم هذه «الممانعة» المجيدة، تم تبرير إلقاء «البراميل المتفجرة» العشوائية على الأحياء السكنية، وأصبح استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً تكتيكاً ثورياً، وتحولت محاصرة وتجويع المدن حتى الموت إلى ضرب من ضروب الصمود! 

والنتيجة؟ 

تشريد أكثر من 14 مليون إنسان، لا لشيء، إلا لكي يبقى «الرفيق» صامداً فوق تل من الجماجم.ولقد بلغ الانخداع ببعض النخب مبلغاً يجعل الكوميديا السوداء تبكي من فرط العبث. تخيل معي، في مفارقة مبكية مضحكة، تجلس 28 شخصية عربية من حملة الماجستير والدكتوراه ومتبني خطاب الممانعة، ليمسكوا بأقلامهم ويؤلفوا كتاباً فضائحياً بعنوان: «القائد الأسد... صفحات مشرقة من تاريخ الصمود»!

يصفون فيه تدمير البلاد وحرق العباد بأنه «نضال فكري وتنويري ضد قوى التسلط»! 

لقد نجحت الآلة الإعلامية في «إلغاء الضحية» تماماً؛ فلا أحد يجرؤ على التحدث عن ضحايا التعذيب والاغتصاب في المعتقلات، ولا عن الأطفال الذين اختنقوا تحت أنقاض حمص وحلب. لقد تم تعليب ملايين البشر ووضع ملصق «خونة وعملاء» عليهم، مبررين إبادتهم لأنهم -بكل وقاحة- عطلوا مسيرة المقاومة المزعومة!

ولو وضعنا هذه السردية البائسة تحت ميكروسكوب التحليل المنهجي العقلاني، لانفجرت في وجوهنا تناقضات تثير الشفقة والاشمئزاز معاً:

أولاً: بالله عليك، كيف لنظام يصدع رؤوسنا ليل نهار بمحاربة الإمبريالية وحماية «السيادة الوطنية»، أن يفتح أبواب بلاده على مصراعيها لتدخل عسكري روسي، ويستورد عشرات الميليشيات (من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان) بقيادة إيرانية، فقط لسحق شعبه؟ أي سيادة هذه التي تُصان بتأجير البلد للغرباء؟

ثانياً: كيف تستقيم نكتة «المقاومة»، وجبهة الجولان المحتل تنعم بهدوء يحسدها عليه أي منتجع سياحي طوال عقود؟ 

لم تُطلق منها رصاصة «طائشة» واحدة نحو إسرائيل، بينما استُعرضت أعتى الأسلحة الإستراتيجية ودُمرت حواضر سوريا التاريخية فوق رؤوس ساكنيها!

ثالثاً: إن هذا النظام يمتلك تعريفاً حصرياً عجيباً لـ «المقاومة»؛ فهي تعني حصراً: الولاء المطلق للكرسي. فعندما وقفت فصائل تابعة له (كالجبهة الشعبية-القيادة العامة) معه، مُنحت صك «المقاومة الحقيقية». أما عندما رفضت حركة «حماس» التصفيق لآلة القمع ضد الشعب السوري، سُحب منها الترخيص وصُنفت فوراً كـ«ناكرة للجميل ومدعية للمقاومة». مما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن فلسطين والمقاومة ليستا سوى أوراق لعب رخيصة تُستخدم للحفاظ على السلطة، وليست مبادئ عقائدية ثابتة.

لقد برر المثقف الممانع تدمير الحاضر والمستقبل السوري من أجل معركة وهمية لم تُخض يوماً على الجبهة الحقيقية. 

ولكن، وكما تخبرنا سنن التاريخ التي لا تحابي أحداً: 

كما كانت نهاية صدام المشنقة، ونهاية القذافي «رصاصة»، ونهاية بشار اللجوء... فأيضاً كانت نهاية المرشد هي الصاروخ. بكل أداة طغى بها المستبد وقتل بها شعبه، كانت نهايته.

وسوف يكون مقالنا المقبل والأخير في هذه السلسلة بعنوان: «نضرب مطارات الخليج لأن القواعد الأميركية مخيفة!»..

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


  1.        محمد ناصر العطوان             

  2.                 



المقال الاول

كيف تبيع عقلك بالتقسيط المريح؟!

المقال الثاني

الطريق إلى القدس يمر بـ «سرقة الجيران»...!


ما الذي دفع شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد؟

ما الذي دفع شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد؟
 

خزعبلات شركية دفعت شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد

لو كان الدين منوطاً بالثريا لتناوله (الشاه محمد رضا بهلوي)؛ فهو فارسيٌ صَليبةً- كما يَدَّعُون؛ وليس أذَرِيَّاً كالمشرك المجرم خامنئي، أو هندياً كالمشرك المجرم خميني.. لا.. واسمه محمد أيضاً!!

إنْ رفضتم هذا المعنى فإلى أيِّ معنى تُشيرون؟!

ولماذا تُكثرون مِن ترديد هذا الحديث الشريف الآن، وتُحاولون إنزالَه على مشركي الشيعة في إيران؟!

هل تُريدون إقناع عوام المسلمين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين اتهموا زوجَه الطاهرة المطهرة بالزنا، ووصفوا كتاب ربه الذي أنزله عليه بالتحريف، وكَفَّروا أصحابَه كلَّهم إلا ثلاثة أو ستة، واتهموهم بغصْب حق آل بيته المزعوم، وكسْر ضلع ابنته الشريفة، وإسقاط جنينها المفترض؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين يتهمونه هو نفسه صلى الله عليه وسلم بالتقصير في تبليغ الرسالة، وبأنه ترك الأمة بعده هملاً لا راعي لها.. وحاشاه صلى الله عليه وسلم!!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين يرون أنَّ الله جل وعلا يقضي الأمر ثم (يبدو) له أنَّ غيرَه أفضل منه؛ فيرجع جل وعلا عن قضائه لِما بدا له؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين أسقطوا التوحيد وأعادوا الوثنية إلى أشد ما كانت عليه؛ مستبدلين باللات والعزى وهبل؛ علياً رضي الله عنه وأبناءه، وجاعلين (الإمامة) نصاً من الله عليهم؛ يتوارثونها كابراً عن كابر، دِيناً ودُنيا؛ ليصير دينُ الله لعبةً لأحفادهم، وعبادُ الله خَوَلاً لذراريهم.. فهم المعصومون الذين لا يُردُّ حكمهم، ولا يُناقش قضاؤهم، ولا يجوز عليهم (البداء) كما يجوز على الله جل وعلا.. وهم أصحاب الولاية التكوينية الذين يتحكمون في الأكوان ظاهراً وباطناً، ويعلمون الغيب، ويعلمون ما في الأرحام، ويعلمون متى يولدون ومتى يموتون؟!

هل تريدون إقناع عوام المسلمين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصد بكلامه الشريف هذا هؤلاء الذين ينتظرون (مهديَّ النقمةِ) الذي سيُعادي العرب والمسلمين، ويوالي اليهود والنصارى، ويُظهر القرآن الصحيح المزعوم، ويُخرج جثمان عائشة الطاهرة المطهرة رضي الله عنها ويجلدها حَدَّاً، ثم يُخرج جثامين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومعهم خمسمائة رجل من قريش فيحرقهم ويذروهم في الرياح، ويقطع أيادي (بني شيبة) الذين أعطاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح البيت وقال لهم: “خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم”، ويعلق أياديهم المقطوعة على باب الكعبة!!

إنْ كان مَن يؤمنون بكل هذا الشرك، وكل هذا الكفر، وكل هذه الزندقة؛ هم مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وحاشاه- فَعلامَ بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً، وبأي رسالة جاء؟! بل وعلام نُبِّئ الأنبياء، وأُرسل الرُّسُل، وأنزلت الكُتب؟!

مَا أبأسكم وأنتم تجعلون دينَ الله لعبةً تتلعبون بها لتسويغ مواقفكم الضالة، واختياراتكم المضلة!!

أما كان يكفيكم أن تقولوا: إنما هي السياسة التي ألجأتنا إلى اختيار أسوأ اختيارٍ، وأذلِّ موقفٍ، وأضلِّ سبيل؛ حتى رحتم تحرفون الكلم عن مواضعه، وتؤصلون بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم للسوء والذل والضلال!!

والله لَعَلمانِيةُ (الشاه) أخف شِركاً مِن دينية (خميني وخامنئي)؛ فلعله -لعلمانيتهِ- لم يكن يؤمن بتلك الخزعبلات الشركية التي دفعت كثيرين مِن شباب إيران ومثقفيها إلى العلمانية والإلحاد.. وإنَّ ديناً يدفعُ أبناءَه إلى العلمانية والإلحاد لخليق أن يكون أعظم شركاً وكفراً منهما!!

ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ قراءة تاريخية

 ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ قراءة تاريخية

د. أحمد عيسى



إذا سأل سائل: ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ فيجاب عليه بسؤال آخر: وماذا يفعل اليهود والمسيحيون في أوروبا؟ ذلك لأن مجموع سكان القارة الأوروبية يتألف من اليهود والمسيحيين، ومن المسلمين، وغيرهم، وكل أولئك ينتمون إلى سكان أوروبا الأصليين، فاليهودية والمسيحية والإسلام، في أصلها، ديانات وافدة من خارج الفضاء الجغرافي للقارة الأوروبية، فمنبتها في الشرق الأوسط، فبماذا يحدثنا التاريخ عن مراحل العلاقة بين الإسلام وأوروبا؟

أول دولة إسلامية

تاريخياً، أُسِّست أول دولة إسلامية على التراب الأوروبي، قبل قيام دولة الملك شارلمان المسيحية بما يقرب من نصف قرن؛ حيث قامت دولة الأندلس عام 756م، أمَّا دولة شارلمان، فأقيمت بمرسوم باباوي عام 800م.

والمعطيات التاريخية تؤكد تهافت الادعاء القائل بأن أوروبا قارة اليهودية-المسيحية المحضة، فالجزء الأكبر من أوروبا (إسكندنافيا، وشمال ووسط وشرق أوروبا بالإضافة إلى روسيا وأوكرانيا) ظل وثنياً لقرون عديدة، تلت تقبل مناطق أوروبية واسعة جداً الإسلام؛ وهو ما يعني أن حقبة وثنية أوروبا امتدت إلى قرون عديدة بعد تأسيس عدد كبير من الدول الإسلامية في أوروبا من القوقاز عبر أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى الأندلس، التي كانت أكثر الدول الأوروبية نمواً اقتصادياً وثقافياً، والأقوى عسكرياً(1).

والآن، تتوالى أحداث الإساءة للإسلام والمسلمين في أوروبا؛ ما جعلنا نحاول إمعان النظر في العلاقة بين الإسلام وأوروبا تاريخياً.

6 مراحل

يمكننا تحديد عدة مراحل؛ الأولى من السيرة النبوية، وبقية المراحل مصنفة من المراجع الأوروبية، مثل «إليفي»(2)، و«أوماهوني»(3)، و«بيرجر» في كتابه «تاريخ مختصر للإسلام في أوروبا.. ثلاثة عشر قرناً من العقيدة والصراع والتعايش»(4).

المرحلة الأولى: الإسلام وأوروبا:

المرحلة الأولى تتمثل في العلاقة والصراع بين الفريقين الذي بدأ من عهد النبوة، عام 6هـ/ 628م، بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم الرسائل إلى الملوك يدعوهم للإسلام؛ ومنهم هرقل عظيم الروم (يقصد بهم الروم الشرقيون في بيزنطة وعاصمتها القسطنطينية، حيث سقطت الروم الغربية في روما في القرن الخامس الميلادي).

دائرة المعارف البريطانية: للإسلام تاريخ طويل بأوروبا في الأندلس والبلقان بالعصور الوسطى وأثر في ثقافات تلك المناطق

ثم كانت معركة «مؤتة» عام 8هـ، بين المسلمين وجيش هرقل، بعد قيام شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو مستخلف من هرقل، بقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم، يحمل رسالة إلى ملك بُصرى يدعوه فيها إلى الإسلام، وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، بمثابة إعلان للحرب.

ثم غزوة «تبوك» عام 9هـ، حيث وصلت الأخبار عن حشد الروم 40 ألف مقاتل من الشام؛ وذلك للقضاء على الإسلام، وغزو حدود العرب الشمالية، ولما سمع الرومان وحلفاؤهم بزحف النبي صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا داخل حدودهم.

ثم كانت آخر البعوث قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، عام 11هـ ببعثة أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين لإرهاب الروم، لقتلهم المؤمنين ومنهم فروة الجذامي والي معان الذي صلبوه ليرهبوا من تحدثه نفسه بالإسلام، فكان الغرض إعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبنّ أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف(5).

منذ القرن السابع الميلادي يمثل المسلمون الأوروبيون الأصليون عنصراً ثابتاً داخل التركيبة السكانية والثقافية بأوروبا

بعد ذلك كانت محاولات فتح القسطنطينية، ففي خلال 8 قرون وتحديداً منذ عام 653م، كانت هناك 11 محاولة، منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم الدولة الأموية، فالدولة العباسية، ومنذ نشأة الدولة العثمانية عام 1299م، حتى نجاح محمد الفاتح بدخولها عام 1453م، وشهد العالم أيضاً واحدة من الصراعات الكبرى، وهي الحروب الصليبية (1095 - 1291م)، حيث واجه الإسلام غزو أوروبا (المسيحية).

المرحلة الثانية: الإسلام في أوروبا:

تتمثل هذه المرحلة في موجات الإسلام العديدة في أوروبا، التي تركت بصمة على أوروبا حتى يومنا هذا، منها:

1- الحضارة الإسلامية في الأندلس من القرن الثامن إلى الخامس عشر الميلادي.

2- التتار المسلمون في مناطق السلاف الشمالية.

3- هيمنة الإمبراطورية العثمانية في البلقان وأوروبا الوسطى لعدة قرون حتى بداية القرن العشرين.

ومن أولى الإمارات الإسلامية الأوروبية، إمارة في جنوب القوقاز على ساحل البحر الأسود، في منتصف القرن السابع.

كما أن الدول الإسلامية الأوروبية شملت، في فترات الحكم (المباشر أو غير المباشر) في الشمال أراضي واسعة من روسيا، بما في ذلك موسكو، وفي الجنوب شملت جنوب فرنسا، وجنوب إيطاليا، وجنوب سويسرا، وجميع جزر البحر المتوسط الكبرى من قبرص ورودس وكريت ومالطا وصقلية وسردينيا وكورسيكا ومايوركا، وكامل شبه جزيرة البلقان وهنغاريا اليوم وضواحي فيينا.

منهجية اضطهاد المسلمين و«شيطنة» الإسلام طريق يقود إلى إجحاف عظيم وثقافة عنصرية وإعدام ذاتي للفكر الأوروبي

ويعود تاريخ تأثير الإسلام ووجوده الفاعل في البلقان إلى النصف الثاني من القرن السابع، فاستقر المسلمون في مناطق ساحلية في تراقيا الجنوبية (الآن تتقاسمها بلغاريا، واليونان، وتركيا)، وفي خليج سالونيك (في اليونان الآن)، وعلى ساحل ألبانيا الشرقي، وفي بعض أجزاء مما يشكل كرواتيا حالياً.

وبتقدم الدولة العثمانية، من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر الميلادي، تواصلت هذه الفئات المسلمة المتفرقة والمعزولة نسبياً فيما بينها بقوة، وتطورت سياسياً واقتصادياً إلى مراكز حضرية وإدارية للثقافة الإسلامية، وفي عهد السلطان سليم الثاني (1524 - 1574م)، سُجل ازدياد كبير في عدد السكان المسلمين، نتيجة القبول الجماعي الطوعي للإسلام من قبل السكان الأصليين، في بلغاريا ورومانيا واليونان، وجميع الجزر الكبيرة، وألبانيا، والبوسنة، وصربيا، وأجزاء من كرواتيا، وخاصة في المناطق النائية من دالماسيا، وسلوفينيا، وبالتالي أقيمت الأسس السكانية لتواجد المسلمين الأصليين في هذا الجزء من أوروبا اليوم(6).

تقول دائرة المعارف البريطانية: إن للإسلام تاريخاً طويلاً في أوروبا، فكان الوجود الإسلامي في الأندلس، والبلقان خلال العصور الوسطى، مؤثراً في ثقافات تلك المناطق، ولا تزال المجتمعات المسلمة موجودة في أجزاء من البلقان، بما في ذلك ألبانيا والبوسنة والهرسك وشمال شرق بلغاريا، وفي روسيا الأوروبية المسلمون أكثر عدداً، من بينهم تتر قازان والبشكير في منطقة نهر فولغا وجبال أورال(7).

كثير من الأوروبيين يعتقدون أن المسلمين بدأ تواجدهم بأوروبا كمهاجرين بالقرن العشرين ولا يعرفون أنهم من السكان الأصليين

فمنذ القرن السابع الميلادي وحتى يومنا هذا، يمثل المسلمون الأوروبيون الأصليون باستمرار عنصراً ثابتاً داخل التركيبة السكانية والثقافية في أوروبا، وفي ضوء هذه الحقائق، فإن منهجية اضطهاد المسلمين، و«شيطنة» الإسلام ومعاداته كدين ومنهج للحياة، واعتبار ذلك موقفاً فكرياً وخياراً سياسياً، هو طريق يقود إلى إجحاف عظيم، وثقافة عنصرية، وإعدام ذاتي للفكر الأوروبي!

والإشكال الكبير هو أن هذا التاريخ إما يجهله الأوروبيون، أو ينكرون حدوثه، أو يعتبرونه احتلالاً عسكرياً، وكثير من الأوروبيين يعتقدون أن المسلمين بدأ تواجدهم في أوروبا كمهاجرين في القرن العشرين، ولا يعرفون أن المسلمين في كثير من مناطق أوروبا كانوا من السكان الأصليين، ثم دخلوا الإسلام طواعية، تماماً كما دخل الأوروبيون إلى المسيحية؛ فمثلاً يمكن القول: إن إرسال المنصّر أوغسطين في آخر القرن السادس الميلادي (عام 597م)، من قِبل بابا روما، إلى ملك منطقة «كنت» في إنجلترا، كان بداية المسيحية هناك، وكان دخول المسيحية روسيا والقرم متأخراً لما اعتنقها أمير كييف فلاديمير الأول عام 988م وكانوا يعبدون القوى الطبيعية.


المرحلة الثالثة: أوروبا في الإسلام:

كان فيها الهيمنة الأوروبية على الأراضي الإسلامية؛ أولاً: في عصر الإمبراطوريات وفترة الاستعمار (أقوى لحظة رمزية لذلك هي الحملة النابليونية إلى مصر عام 1798م)، فهيمنت أوروبا على البلدان الإسلامية بشكل مباشر، ثم خلال المرحلة المستمرة أو ما بعد الاستعمار (عن بُعد)؛ من خلال العملاء، والعولمة الاقتصادية، ووسائل الإعلام، وأنماط الاستهلاك الغربية.

المرحلة الرابعة: الإسلام في أوروبا المعاصرة:

في هذه المرحلة، بدأ الإسلام ينتشر في أوروبا عن طريق الهجرة، بدأ في فرنسا بين الحربين العالميتين، وفي معظم البلدان الأوروبية خلال فترة إعادة الإعمار بعد الحرب الثانية، والازدهار الاقتصادي في الخمسينيات والستينيات في الوسط والشمال، ثم من أواخر السبعينيات فصاعداً، في جنوب أوروبا، وهي مرحلة تتميز بشكل أساسي بالمهاجرين من الجيل الأول القادمين من المستعمرات السابقة (من الجزائر إلى فرنسا، ومن شبه القارة الهندية إلى بريطانيا)، وهناك أيضاً أشكالاً جديدة للهجرة مثل الأتراك القادمين إلى ألمانيا.

المرحلة الخامسة: إسلام أوروبا:

نرى ظهورها من خلال عملية تدريجية من التداخل والاندماج -في البداية في مكان العمل، ثم في السياق الاجتماعي والسياسي أحياناً- والانتقال بين الأجيال، تساهم هذه العملية في تكوين طبقة وسطى ومثقفين من أصل إسلامي، لا تزال لديها علاقات مع بلدان المنشأ، لكنها ولدت واختلطت اجتماعياً في أوروبا.

المرحلة السادسة: الإسلام الأوروبي:

من المحتمل أن ينتج عن المرحلة الخامسة تشكيل «إسلام أوروبي»، وسيُنظر إليه على أنه حركة أوروبية أصلية، نتيجة لعملية تدريجية وجوهرية من «المواطنة» للمسلمين المقيمين، الذين يتطلعون إلى آفاق الحقوق الكاملة على قدم المساواة مع الأوروبيين الآخرين.

الإسلام بدأ ينتشر بأوروبا عن طريق الهجرة في فرنسا بين الحربين العالميتين ومعظم البلدان الأوروبية خلال فترة إعادة الإعمار

حالياً، لا توجد سوى الخطوط العريضة لهذه العملية، إلا أن نتيجتها ستعتمد على التطور الداخلي للمجتمعات الإسلامية، وعلى حركة الإسلام العالمي، وربما الأهم على السياسات التي تتبناها تجاههم الحكومات الأوروبية، التي ستتأثر بدورها بالرأي العام والإعلام، وبأحزابها السياسية، خاصة الأحزاب القومية والعنصرية المناهضة والمسيئة للإسلام والمسلمين.

ونرى أن ذلك لن يمر دون مقاومة شرسة من المسلمين بمن فيهم الجيل الثاني والثالث الذين يتمسكون بثوابت وعقائد الإسلام، إذا كان الغرض من «الإسلام الأوروبي» هو ابتداع دين جديد على المقاس الأوروبي.

ومع أن الإسلام في أوروبا آخذ في التغير، ليصبح حقيقة أوروبية وفاعلاً اجتماعياً داخلياً، فإنه يعمل أيضاً على تغيير أوروبا من خلال الروابط الشخصية ووسائل التواصل، وبمجرد الوجود الإسلامي يحدث التغيير، فالحقيقة البسيطة المتمثلة في المواجهة الجسدية مع «الآخر» تجبر هذا «الآخر» على التفكير بعمق أكبر، وقد يفسر هذا دخول أعداد كبيرة من الأوروبيين (ومعظمهم من أصل مسيحي) الإسلام، وكذلك الاعتراف الضمني للإسلام في مقررات مجمع الفاتيكان الثاني عام 1965م.

على المسلمين أن يثمنوا دورهم التاريخي في تشكيل هوية أوروبا ومساواة تامة غير منقوصة مع نظرائهم من مواطني القارة

لقد أصبحت الأديان في عالم اليوم حاسمة مرة أخرى، ولن يكون من الممكن فهم التاريخ والتطور الاجتماعي والثقافي والعلمي والديني لأوروبا دون أخذ مكونها الإسلامي في الاعتبار، وبنفس الطريقة لن يكون من الممكن فهم التاريخ والتطور الاجتماعي والديني للإسلام دون مراعاة مكونه الأوروبي.

وهذا يُوجِب على مسلمي أوروبا التحفز لتأكيد موقفهم ورفع رؤوسهم، وأن يثمنوا دورهم التاريخي في تشكيل هوية أوروبا، ويضعوا أنفسهم في الوضع الذي يستحقونه؛ مساواة تامة غير منقوصة مع نظرائهم من مواطني أوروبا!

الهوامش
  • 1 فريد موهيتش، المكونات الإسلامية لهوية أوروبا، ترجمة الماجري (الدار العربية للعلوم، 2016)، ص 15-20. 
  • 2 Stefano Allievi, Conflicts over Mosques in Europe, Policy issues and trends (Alliance Publishing Trust, 2009), 10-11. 
  • 3 Anthony O'Mahony, Islam in Europe, The Way, 41.2 (2001), 122-135. 
  • 4 Maurits Berger, A Brief History of Islam in Europe (Leiden University Press 2014), 24-25. 
  • 5 صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية (دار الهلال، 1976م)، ص 355. 
  • 6 موهيتش، مرجع سابق، ص 275-276. 
  • 7 Britannica, “Religions of Europe”, Accessed 12 August 2021.