في اللحظة التي تبتلع فيها كلمة كانت تستحق أن تُقال، لا تختار الحكمة، بل تختار السلامة.
هذا الفعل اليومي الصغير الذي يبدو فضيلة هو في حقيقته تدريب ممنهج على إسكات الذات، تدريب بدأ مبكراً، حين علمك المحيط أن الغضب عيب والهدوء فضيلة، وأن من يصمت يُكرم ومن يتكلم يدفع الثمن.
غوستاف لوبون حين درس سيكولوجيا الجماهير رصد شيئاً يزعج هذه المعادلة من الداخل:
ما لم تقله لم يختف، بل ذهب إلى مكان آخر تحت السطح يتراكم كضغط لا مخرج له، حتى ينفجر في لحظة لا تتوقعها وبطريقة لا تتحكم فيها.
غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال أكثر إقلاقاً: إذا كان المجتمع هو من علمك أن غضبك خطأ،فهل الهدوء الذي تفخر به فضيلة حقيقية، أم أنه جرح قديم تعلمت أن تسميه نضجاً؟
المشكلة ليست في الغضب نفسه، بل في الخلط بين كبته وإدارته.
الغضب الصحي بوصلة داخلية تُخبرك أن حداً قد انتُهك وأن ثمة شيئاً يستحق الدفاع عنه.
لكن المجتمع لا يُفرق بين النوعين، يعاقب على التعبير ويكافئ على الصمت، حتى تتعلم أن تُسمي كبتك نضجاً وابتلاعك للإهانة حكمة.
وهنا يكمن الثمن الحقيقي، ليس في لحظة الغضب بل في سنوات الصمت التي تسبقها والتي لا يراها أحد لأنها تشبه الاتزان.
وما يجعل هذا الفخ أكثر إحكاماً هو أن الجسد لا يعرف الكبت. ما يبتلعه العقل يحفظه الجسد في مكان آخر، في توتر مزمن لا سبب له، أو إرهاق يأتي دون مقدمات، أو قسوة مفاجئة تفاجئك قبل أن تفاجئ من أمامك.
الغضب المبتلع لا يتبخر، بل يغوص أعمق ويتخذ أشكالاً أخرى، حتى يصعب أن تربط بين ما تشعر به اليوم وبين الكلمة التي لم تقلها منذ سنوات.
والمفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي يُجيد كبت غضبه لا يصبح أكثر هدوءاً، بل أكثر قابلية للانفجار.
لوبون رصد هذا في الجماهير حين تحولت من صامتة مطيعة إلى عنيفة لا تُسيطر عليها في لحظة واحدة، والآلية ذاتها تعمل في الفرد.
الغضب المكبوت لا يتبخر، بل يبحث عن منفذ، وحين يجده يخرج بحجم سنوات لا بحجم اللحظة التي استفزته.
وهكذا يدفع الإنسان المؤدب ثمناً مضاعفاً، مرة حين يكبت، ومرة حين ينفجر في لحظة لم يخطط لها.
الثمن الأكبر لهذا الأدب المفروض ليس الانفجار المفاجئ، بل شيء أبطأ وأكثر إيلاماً:
فقدان القدرة على معرفة ما تشعر به فعلاً. الإنسان الذي كبت غضبه سنوات طويلة يجلس يوماً ويُدرك أنه لم يعد يعرف متى يكون غاضباً حقاً ومتى يكون راضياً، لأن الحد بين المشاعر الحقيقية والمشاعر المقبولة اجتماعياً ذاب ببطء حتى لم يعد يرى الفرق. الرمادي الموحش الذي يلف حياة كثيرين ليس غياب الفرح فقط، بل غياب الغضب أيضاً، لأن من لا يستطيع أن يغضب لا يستطيع أن يشعر بالكامل.
حين تفكر في آخر مرة ابتلعت فيها كلمة كانت تستحق أن تُقال،هل كان ذلك نضجاً فعلاً، أم كان تدريباً إضافياً على نسيان صوتك؟
يقول أنس بن مالك: دخلتُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو على حصير، وتحت رأسه وسادة حشوها ليف. ثم دخل عليه أناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب، فتقلبَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فرأى عمر بن الخطاب أثر الحصير في جنب النبي صلى الله عليه وسلم، فبكى!
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما يُبكيك؟
فقال: كسرى وقيصر يعيشان في نعيم وأنتَ على هذا الحصير؟
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟
فقال: بلى..
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فهو واللهِ كذلك!
هذه الدنيا دار عمل وليست دار جزاء، دار امتحان وليست دار نتيجة!
وقد قال أبو هريرة: كان يمرُّ بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشَّهر ثم الشَّهر ولا يُوقد في بيوتهم شيء من النار لا لخبزٍ ولا لطبيخ!
فقالوا: بأي شيءٍ كانوا يعيشون يا أبا هُريرة
فقال: الأسودان التمر والماء، وكان لهم جيران من الأنصار جزاهم الله خيراً لهم غنم يرسلون إليهم شيئاً من لبن!
فإن ضاقتْ بكَ الدُّنيا فهذا هو سيِّدك، بل سيِّد الناس أجمعين، مجلسه حصير خشن يترك أثره في جلده حتى يبكي عمر لهذا المشهد! ويمر الشهر وراء الشهر وليس في بيته ما يُطبخ، طعامهم تمر وماء ولبن يهديه الأنصار إليهم!
فإن ضاقت بك الدنيا فتذكرْ أن يوسف عليه السّلام قد أودته شهوة امرأة إلى غياهب السِّجن بضع سنين، ومن قبل حسد إخوته قد أوداه إلى قعر الجُب، يا صاحبي إنها دار أذى وبلاء!
فإنْ ضاقتْ بك الدنيا فتذكَّرْ أن الكريم ابن الكريم يحيى بن زكريا عليهما السّلام قُدِّم رأسه مهراً لامرأة فاجرة أرادت أن تتزوج أخاها الملك فأفتى يحيى عليه السلام أن ذلك حرام، فاثبُتْ على مبادئك فما رأسك بأشرف من رؤوس الأنبياء!
فإن ضاقتْ فتذكَّرْ أن أبا هريرة أحفظ الأمة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ يخرجه من بيته إلا الجوع، ويسأل الصحابة عن مسألة يعرفها، وليس بُغية إلا أن يدعوه أحدهم إلى طعام ويجيبه.
وإن ضاقتْ فتذكَّرْ أن حُذيفة بن اليمان أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أهل الصُّفة. ولعلكَ تسأل: وما أهل الصُّفة؟
فأجيبك يا صاحبي أنها بقعة في آخر المسجد، يأوي إليها من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم من ليس يجد مالاً يشتري به طعاماً!
ثم بعد ذلك أجِبني: أما يرضيكَ أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!
مشكلتنا الكبرى يا صديقي، أننا نتعامل مع الحياة بعقلية «المشاهد المتعجل» الذي يذهب إلى السينما، وفي منتصف الفيلم، حين تتأزم الأحداث ويُحاصر البطل وتغلق كل الأبواب في وجهه، يغضب هذا المشاهد، يلعن المخرج، يضرب كفاً بكف، ثم يحمل حقيبته ويغادر القاعة معتقداً أن القصة قد انتهت هنا، وأن الشر أو الظلم قد انتصر.
نحن ننسى دائماً، في غمرة خوفنا وهلعنا اليومي، أن الكاميرا لا تزال تدور، وأن السيناريو لم يُختتم بعد، وأن «اللقطة المأسوية» التي تقف أمامها عاجزاً ومحبطاً الآن، ليست سوى «حبكة» في منتصف القصة، وليست مشهد النهاية.
ببساطة شديدة فإن البدايات دائماً لنا ولأعدائنا ولظروفنا...
إذا كنت لا تصدقني، فتعال نأخذ كاميرا الخيال، ونعود بها إلى الوراء، ونضغط زر «الإيقاف» (Pause) عند لقطات محددة في تاريخ البشرية، لنرى كيف كانت تبدو بحسابات البشر، وكيف انتهت بتدبير السماء.
واحد... اثنان... ثلاثة... أكشن...
اللقطة الأولى:
امرأة ورضيع في صحراء قاحلة:
تخيل معي أن المشهد توقف عند سيدنا إبراهيم، عليه السلام، وهو يرحل عن زوجته هاجر، وطفلهما الرضيع إسماعيل، ويتركهما في وادٍ غير ذي زرع، لا ماء، لا بشر، لا شجر. بحسابات المنطق، والفيزياء، والجغرافيا، و«خبراء الإستراتيجية»... النهاية محسومة: موت محقق عطشاً أو افتراساً... لو توقفت الحكاية هنا، لكتبنا أعظم تراجيديا في التاريخ.
لكن سبحان الخالق أتى بالخير... ليتدفق بئر زمزم، وتُبنى الكعبة، وتتحول هذه الصحراء القاحلة إلى عاصمة لأفئدة الملايين حتى يومنا هذا. النهاية لم تكن بيد الجفاف، بل بيد خالق الماء.
اللقطة الثانية:
أُم تلقي بفلذة كبدها في النهر:
تخيل لو أن القصة انتهت عند تلك اللحظة المرعبة، حين وضعت أم موسى، طفلها في تابوت خشبي، وألقته لـ «انسياب النهر» الهائج، هرباً من سكاكين فرعون. بحسابات البشر، أنت ترسل طفلاً للغرق أو للتماسيح لتنقذه من الذبح! لو توقف المشهد هنا، لقلنا إنها حكاية من الرعب. لكن الحدث استمر، ليرسو التابوت في قصر فرعون، نفسه، ويتربى الطفل الذي أرادوا ذبحه على أَسِرّة من أراد ذبحه، وبأمواله، وتحت حمايته. النهاية لم تكن بيد فرعون، بل بيد من يسير أمواج النيل... ويخرج موسى بقومه في أول رحلة للحرية في التاريخ.
اللقطة الثالثة: طفل يبكي في قاع البئر:
دعنا نوقف المشهد عند يوسف، عليه السلام. طفل صغير، ألقاه إخوته –عزوته وسنده– في غيابات الجب، في ظلام دامس، معتقدين أن ذلك لمصلحة أبيهم... ثم انتُشل ليُباع كعبد بثمن بخس في أسواق النخاسة. بحسابات المنطق البشري: ضاع الفتى، وانتهى مستقبله، وسيُطوى ذكره كأي عبد مجهول في بيوت الأثرياء.
لكن الله سبحانه وتعالى، يأبى أن يكتب النهاية بخطوط إخوة يوسف... تدور الأيام، وإذا بالعبد المنسي يجلس على خزائن الأرض، وإذا بمن رموه في البئر يقفون أمامه صاغرين... النهاية لم تكن بيد من قطعوا الحبل، بل بيد من يملك مقاليد السماوات والأرض.
اللقطة الرابعة: يتيم في العراء... ولاجئ في وطنه وتخيل معي أوجع اللقطات؛ طفل اسمه «محمد»، لم يكد يرى نور الحياة حتى مات أبوه، ثم في طريق مقفر بين مكة والمدينة بـ(الأبواء)، تلفظ أمه «آمنة» أنفاسها الأخيرة وهو يقف بجوارها يبكي. بحسابات الدنيا فهو طفل يتيم الأبوين، مكسور الجناح، في مجتمع قبلي لا يعترف إلا بالقوة والمال.
ثم تمضي السنوات، ونرى الرجل نفسه، يُخرج من أحب بلاد الله إليه (مكة)، يغادرها متخفياً في جنح الظلام، مهاجراً، يبحث عن مأوى في المدينة. لو توقف المشهد في الغار، لقال أعداؤه: «انتهت الدعوة وقضي الأمر».
لكن النهاية لم تكن بيد قريش، ولا بيد سيوفهم المشرعة. النهاية كانت عودة مظفرة، وفتحاً مبيناً، ورسالة أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور.
الخلاصة يا سيدي الفاضل..
حين تشعر أن الحبل قد اشتد حول عنقك، وأن الأبواب قد أُغلقت بالضبة والمفتاح، وأن «قوى الشر» تمتلك المال والسلاح والتكنولوجيا، تذكر أن هؤلاء جميعاً يملكون «المنتصف»، يملكون صناعة الأزمة، لكنهم أبداً لا يملكون «النهاية». مشكلتنا أننا نقرأ فصول الرواية ونتوقف عند فصل «الألم»، وننسى أن نقطة الختام لم توضع بعد.
فلا ترتعب من الصراخ، ولا من كيد الإخوة، ولا من جفاف الصحراء، ولا من ظلمة الآبار... فهذه كلها مجرد مراحل في مسيرة الحياة، وضعها من بيده الأمر كله ليختبر يقينك.
لذا، ابقَ في مقعدك، واصل دورك بشرف، ولا تغادر مبكراً لأن مشهد النهاية يكتبه الله سبحانه وتعالى، وهو مشهد يستحق دائماً الانتظار.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.
يضجر الإنسان أحياناً من حاله؛ من اعتياده على ما هو عليه، أو من شعوره بالخمول والكسل، أو من إحساسه بأن حياته لا تشهد تقدّماً يُذكر.
وما إن يبوح بهذا الضجر حتى تنهال عليه النصائح والتوجيهات من كل من ظن في نفسه حكمةً وتجربة، داعياً إيّاه إلى «مغادرة منطقة الراحة».
ويُصوَّر له أن هذه المغادرة لا بد أن يصحبها ألمٌ وتعبٌ وثقل، وأن ما ينتظره وراء هذه المنطقة يستحق ما يبذله من جهد ومعاناة.
حتى أصبحت هذه العبارة جواباً جاهزاً لكل من شكا هماً، أو وجد ضيقاً، أو لقي عنتاً في حياته.
غير أنني أتساءل أولاً عن معنى الراحة، قبل أن أتساءل عمّا إذا كان لها منطقةٌ يسكنها الإنسان ويأنس بالإقامة فيها. وهل كل من شعر بضيقٍ أو تبدّل حالٍ يُطالَب بمغادرة موضعه بدعوى أنه يعيش في«منطقة الراحة»؟!
أحياناً، ومع تشوّش الأحداث واضطراب الأحوال وتقلبات النفس البشرية، يكون السكون وعدم الإصرار لوناً من الحكمة، وشكلاً من أشكال الصبر والمصابرة. وقد يكون التريث ذاته مغادرةً حقيقيةً لما يُظن أنه منطقة راحة؛ لأن المرابطة على النفس، وكبح الاندفاع، نوعٌ من التجلّد والثبات حتى تنقشع غمامة الحياة العابرة.
وحين تنجلي تلك الغمامة، يغدو ما كان عسيراً أكثر وضوحاً ويسراً، فيحمد الإنسان سكونه الموقت، وخموله الذي كان مشفوعاً بالصبر، لا بالعجز.
ومع كثرة ما يتناقله الناس، وما يردده المتشدقون لكل شاكٍ ومتألم ويائس: «غادر منطقة الراحة»، دون معرفة بواقعه أو فهم لطبيعة ما يمر به، قد يندفع المرء اندفاعاً غير محسوب، فيترك واقعه ومسؤولياته، ويخوض في تقديرات مضطربة تخبطاً عشوائياً.
فإن أصاب، نسب النجاح إلى نفسه واجتهاده، وإن أخطأ، علّق خطأه على عجلة الإنسان وضعفه، ووجد من يبرر له ذلك ليخلّصه من مواجهة ذاته ومحاسبتها.
ولا ريب أن الحياة تحتاج في بعض مراحلها إلى مراجعة جادة، وإلى مغادرة بعض العادات والأفكار والمسارات. لكن العودة إلى أمرٍ ما لا تعني دائماً أنه الخيار الصحيح، كما أن مفارقته لا تعني بالضرورة أنه القرار الصائب؛ فقد تكون العودة بدافع الألفة والاعتياد، وقد تكون المغادرة مجرد هروب من مواجهة النفس.
ولهذا فإن القرار الحقيقي هو أن يميز الإنسان بين ما ينبغي تركه وما ينبغي التمسك به. فما اعتاده من تقصير، أو ألفه قد يكون خوفاً من المجهول، أو استراح إليه من جبن، هو أولى ما يجب مغادرته، وإن بدا له مألوفاً ومريحاً.
ويحتاج الإنسان، بين حين وآخر، إلى أن يهدأ، وأن يترك نفسه قليلاً لموج الأقدار حتى يرسو على شاطئ لتكون الرؤية أكثر وضوحاً. فالسابح عكس التيار هالك، وليس كل من استسلم له ناجياً؛ وإنما النجاة في أن يعرف المرء متى يقاوم، ومتى ينتظر، ومتى وكيف يصبر.
فإذا هدأت عاصفة النفس، وطابت السريرة، واتضحت الرؤية، واستقام الفكر، وأصبح الإنسان أقدر على معرفة المنطقة التي ينبغي أن يغادرها، والراحة التي يرجوها من هذا الرحيل.
ولعل أعظم خطوة بالمغادرة الصادقة أن ينظر الإنسان تحت قدميه، في هدوءٍ وصبر، بعد وضوءٍ وسجود.
من نافلةِ القولِ أنَّ كلَّ محاولاتِ النهضةِ العربية والإسلامية تُحيطُ بها المؤامراتُ التي تحاولُ إحباطَها وحرفَها وإفشالَها، كما تتداخلُ معها عُقَدٌ وإشكالاتٌ أخلاقية، وتصوراتٌ وسلوكياتٌ جاهلية؛ الأمرُ الذي يُشيرُ إلى أنَّ أيَّ معالجةٍ حقيقيةٍ يجبُ أن تطرحَ البعدينِ الذاتيِّ والموضوعيِّ، وأنَّ الاقتصارَ على النظرِ والمعالجةِ لبعدٍ واحدٍ لن يصلَ إلى المعالجةِ الحقيقيةِ وتقويمِ الطريق.
الإشكاليةُ الفلسطينيةُ السوريةُ تُشيرُ إلى حجمِ الاهتراءِ والاختراق.
إنَّ بروزَ الإشكاليةِ بين الفلسطينيِّ والسوريِّ على أرضِ الشام بعد الثورةِ والتحرير، وبعد عودةِ العلماءِ الكرامِ والثوارِ الأبرار، يُشيرُ إلى بروزِ قرني شيطان ومخططاتٍ جهنميةٍ تستهدفُ إقامةَ وإقرارَ جاهليةٍ تسعى لتفتيتِ النسيجِ العربيِّ الكرديِّ الشركسيِّ الإسلاميِّ على أرضِ الشام، لا إلى إشكاليةٍ حقيقيةٍ تناقشُ معضلةً موضوعية؛ فسوريا لم تعرفْ في تاريخِها موقفًا سيئًا بالمعنى العنصريِّ تجاهَ الفلسطيني، لاسيما في الحقبةِ القومية، على ما فيها من مساوئ وآثار وإجرامٍ مسَّ الفلسطينيَّ كما مسَّ السوريَّ بلا تفريق.
وإذا كان البعثيون والنصيريون أبناءُ الجاهليةِ لم يتخذوا موقفًا عنصريًا تجاهَ الفلسطيني، فلا يمكنُ أبدًا، ولا يُتصوَّر مطلقًا، أن يكونَ للثوارِ الأحرارِ والعلماءِ الأبرارِ وعمومِ الشعبِ وأهلِ الشام، أصلابِ الصحابةِ الكرام، موقفٌ سيئٌ تجاهَ الفلسطيني؛ حاشاهم من ذلك. فهذا -والله- اتهامٌ يُطلقه شيطان، ولا يمكنُ أن تكونَ له حقيقةٌ موضوعيةٌ إذا ما أُمعنَ النظرُ فيه بعقلٍ منتمٍ ونظرٍ نزيه.
لن تجدَ فلسطينُ أوفى لأرضِها وقدسِها من أهل الشام الكرام.
إنَّ فلسطينَ بالنسبةِ لعمومِ العربِ والمسلمين، وخصوصًا أهلِ الشامِ ومصرَ والعراقِ واليمنِ والمغرب، عشقٌ دفينٌ لا يعلمُ حجمَه إلا من خالطهم، وسمعَ بكاءَهم في التهجدِ وبين الصلوات، ورأى دموعَهم تنهمرُ في كلِّ مقامٍ تُعرضُ فيه مأساةُ فلسطين.
فكيف يغيبُ هذا المشهدُ الواسعُ، وهذا اليقينُ المشهودُ في عمومِ أرضِ الشامِ ولدى أهلِها الكرام، أمامَ ظنونٍ وفتنةٍ يُطلقها بعضُ الشياطين، حتى وإن كانوا على رؤوسِ منصاتٍ لها متابعون؟
لا توجدُ دولةٌ اسمُها فلسطينُ في التاريخ.
إنَّ العقلَ الجاهليَّ الذي لا يزالُ يستبدلُ دينَ اللهِ وكتابَه وأحكامَ شريعتِه بالدينِ القطريِّ وأحكامِ الانتماءِ الجاهليِّ الوضيع، والذي يتجاوزُ الأخلاقَ الإنسانيةَ وأخلاقَ الثوراتِ العظيمةِ ومطالبَ أهلِها المحقة، يُعبّرُ عن إرادةِ كاهنٍ لعينٍ يقفُ خلفَ كلِّ هذا، ويحاولُ العبثَ وطمسَ أخلاقياتِ ثورةِ الشام المباركةِ والعظيمة، قبلَ أن يمسَّ القضيةَ الفلسطينيةَ ذاتَ الخصوصيةِ الرفيعةِ بين العالمين، باعتبارِها جزءًا من عقيدةِ المسلمين.
لا توجد في التاريخ كله دولة مستقلة بالمعنى السياسي الحديث باسم فلسطين، وإنما يُشار تاريخيًا إلى “أرض فلسطين” باعتبارها جزءًا من بلاد الشام، التي تشكل وحدة جغرافية وتاريخية وحضارية وسياسية مترابطة، ظلت عبر العصور إطارًا واحدًا رغم تنوع مكوناته ومراكزه.
ومن هذا المنظور تُقرأ محاولات تقسيم المنطقة إلى كيانات سياسية وعرقية منفصلة بوصفها نتاجًا لمشاريع سياسية حديثة أعادت تشكيل الجغرافيا وفق مخططات الخصوم ومشاريع الأعداء.
كما يُطرح أن فصل فلسطين عن محيطها الشامي والعربي لا يقتصر على البعد الجغرافي، بل يرتبط بتصور سياسي وأخلاقي أوسع لإعادة هندسة المنطقة وإضعاف ترابطها، بما ينعكس على بنيتها الاجتماعية والسياسية والشعورية فيضعفها جميعًا.
إن المنتمين الراشدين ينظرون لأرض فلسطين بوصفها جزءًا من الشام، وأن مستقبلها يتداخل مع محيطها الإقليمي الأوسع، بما فيه سوريا ومصر والعراق واليمن والسودان وغيرها من الدول ذات الارتباط التاريخي بالقضية الفلسطينية، ضمن سياق صراع إقليمي ودولي أوسع أعاد توظيف الجغرافيا الفلسطينية في قلب التفاعلات السياسية في المنطقة مستهدفًا التفتيت بشكل أكبر.
الإشكاليةُ الفلسطينيةُ توأمُ المعضلةِ الكُرديّة
الإشكاليةُ الفلسطينيةُ تُعدُّ مدخلا لفهمِ المعضلةِ والحالةِ الكردية، من حيثُ تشابهُ بعضِ عناصرِ التشكلِ التاريخيِّ والسياسيِّ في الإقليم، في سياقِ بناءِ الدولةِ القُطريةِ الحديثة وما ترتبَ عليه من إعادةِ تشكيلِ الجغرافيا السياسية بأيدي الاستخراب الغربي، وما زرعه من نقاطِ توترٍ تفاعلَ معها الواقعُ السياسيُّ وأقرتها أنظمةٌ قوميةٌ متعاقبة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظرُ إلى القضيتين باعتبارهما مثالين على إشكالياتٍ بنيويةٍ في المنطقة، حيث تتقاطعُ الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابكُ الهويةُ مع السياسات، ويظلُّ السؤالُ الأساسي مرتبطا بكيفيةِ إدارة التعدد ضمن إطارٍ مستقرٍّ وعادل، يعكسُ الهوية والانتماءَ الثقافيَّ الواسعَ والعميق.
الكاتب: المستشفى ليس أستوديو تصوير وغرفة الطوارئ ليست منصة
وسرير المريض ليس خلفية جميلة لمقطع قصير
بين وقار "المعطف الأبيض" وصخب "الترند": حين يختلط العلاج بالاستعراض.
كيف أعادت منصات التواصل تشكيل صورة الطبيب، وفتحت الباب أمام تسليع الثقة الطبية وتضليل المرضى باسم "التوعية"؟
لم يكن "المعطف الأبيض" يوما مجرد قطعة قماش يرتديها الطبيب فوق ملابسه، بل كان دائما رمزا صامتا للمهنية، ودلالة على مسؤولية ثقيلة لا يحملها إلا من اختار أن يقف في المسافة الفاصلة بين الألم والشفاء، وبين الخوف والرجاء، وبين الحياة والموت. لكننا اليوم نعيش زمنا أصبحت فيه الكاميرا أقرب إلى الوجه من المرآة، وأقرب إلى الضمير من الاستبصار.
نحن نعيش في زمن لم تعد فيه قيمة الإنسان تقاس بما ينجز في الخفاء، بل بما يعرض في العلن. فخرج الطبيب من عيادته إلى مسرح آخر: شاشة لا تركز على حالة المريض وشفائه بقدر تركيزها على عدد المشاهدات والتفاعل.
فما الذي تغير؟ هل هو الطبيب؟ أم تغيرت المرايا التي يرى نفسه فيها؟ أم إن العالم كله تسارع حتى صرنا غرباء عنه، لا نفهمه ولا ننتمي إليه؟
بعض "المؤثرين" من الأطباء لم يعودوا يقتصرون على الحديث ضمن تخصصاتهم، بل بما تمليه عليهم متطلبات شهرتهم. فترى الواحد منهم ينتقل بين التخصصات: اليوم يتحدث عن القلب، وغدا عن الصحة النفسية
الطب في جوهره ليس وظيفة تمارس وفق ساعات دوام محدودة، بل هو ثقة تمنح، ورسالة تحمل، وعهد أخلاقي يربط الطبيب بمريضه قبل أن يربطه بالمهنة. المريض لا يسلم جسده فحسب للطبيب، بل يسلم كذلك خوفه وكرامته وأسراره، وهذه ليست تفاصيل عابرة.
لهذا فإن أي انزلاق للطبيب نحو الاستعراض والمنصات لا يطرح سؤالا: "هل يحق له ذلك؟" بقدر ما يطرح سؤالا أشد عمقا: ماذا يبقى من وقار المهنة حين تتحول لحظات الألم إلى مشاهد قابلة للتداول؟
حين نرى طبيبا يرقص في أروقة المستشفى، فإنه لا يرقص وحده، بل ترقص معه فكرة خطيرة: أن المكان الذي تقاوم فيه الحياة الموت قد تحول إلى مسرح، وأن معاناة المريض قد أصبحت محتوى، وأن هيبة المهنة قد استبدلت بنشوة الشهرة.
المشكلة ليست في تصرف عابر، بل في السياق. فالمستشفى ليس أستوديو تصوير، وغرفة الطوارئ ليست منصة، وسرير المريض ليس خلفية جميلة لمقطع قصير.
في الحقيقة، إن المريض لا يبحث عن نجم ولا عن بطل، بل يبحث عن إنسان يسمعه ويخفف ألمه ويحترم خوفه، ويضعه في المرتبة الأولى لا خلف جمهور "السوشيال ميديا".
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في السلوك وحده، بل في المعيار الذي أصبحنا نحاكم به هذا السلوك. في زمننا هذا تكاد الشهرة تتحول إلى دليل قائم بذاته على الأفضلية: من كثر متابعوه كثر المصدقون به، ومن أحسن لفت الانتباه نسب إليه الإتقان.
هكذا يصبح "الترند" -حتى لو كان قائما على المبالغة أو التفاهة- شهادة جودة غير مكتوبة، لا لأن صاحبه أتقن الصنعة، بل لأنه اشتهر.
والمخيف أننا، في أغلب الأحيان، نفتقر إلى أدوات تقييم صادقة ومنهجية. فنحن لا نسأل عن نتائج حقيقية، ولا عن نسب المضاعفات، ولا عن نتائج ما بعد العلاج، ولا عن الأدلة العلمية التي تستند إليها النصائح. نكتفي فقط بما يعرض، لا بما يقاس. وفي غياب المعايير، يعلو الصوت على الدليل، وتسبق الصورة الحقيقة.
ومما يزيد الطين بلة، أن بعض "المؤثرين" من الأطباء لم يعودوا يقتصرون على الحديث ضمن تخصصاتهم، بل بما تمليه عليهم متطلبات شهرتهم. فترى الواحد منهم ينتقل بين التخصصات: اليوم يتحدث عن القلب، وغدا عن الصحة النفسية، ثم عن التغذية والسرطان والسكري.
يقتحم ميادين لا يعرف تضاريسها، وعلوما لم يسبر أغوارها، كأن الطب بحر واحد لا تخصصات فيه. وقديما قالت العرب: "لكل مقام مقال، ولكل علم رجال".
الطبيب هنا قد لا يتعمد التضليل، لكنه يقع في تضليل منطق الشهرة: "أنا معروف… إذن أنا مؤهل لكل شيء". والمريض، المتشبث بأي أمل، يصدق، فالشهرة تكفي أحيانا لتمنح القول صفة اليقين، و"الطبيب المشهور" قد يبدو أصدق من الدليل نفسه.
المريض أصبح محاصرا بين خطرين: نصيحة مجانية ناقصة قد تضلله، ونصيحة مدفوعة قد تتحول إلى تجارة باسم الطب، حيث تباع الثقة وتشترى دون ضمانات واضحة
ثم تأتي ظاهرة أكثر شيوعا وخطورة: تقديم نصائح علاجية حاسمة بلا كشف طبي، وبلا معرفة تفاصيل الحالة. الطب ليس وصفة جاهزة للجميع، فالتاريخ المرضي قد يغير كل شيء، والأدوية تتداخل، والتحاليل تصحح الافتراضات، والفحص السريري قد يكشف ما لا يظهره الكلام.
لذلك فإن نصيحة تقال بثقة على منصة قد تصبح بابا للضرر، خصوصا حين يسمعها مريض فيطبقها وهو لا يعرف أن لديه فشلا كلويا يمنع دواء معينا، أو حساسية خطيرة، أو أن أعراضه ليست بسيطة، بل مؤشرا لحالة تهدد الحياة.
ومع الوقت، تفاقم الوضع، فلم يعد المحتوى الطبي نوعا واحدا، بل تحول إلى سوق: نصائح مجانية لكسب المتابعين، ونصائح مدفوعة عبر اشتراكات أو استشارات سريعة، ومحتوى غير مراقب لا يخضع لمراجعة علمية أو أخلاقية.
والنتيجة أن المريض أصبح محاصرا بين خطرين: نصيحة مجانية ناقصة قد تضلله، ونصيحة مدفوعة قد تتحول إلى تجارة باسم الطب، حيث تباع الثقة وتشترى دون ضمانات واضحة.
وفي قلب هذه الفوضى تظهر الدعاية الطبية الممولة، حين يروج الطبيب أو "المؤثر الطبي" لمنتج أو مكمل أو مركز علاجي لا لأنه الأفضل علميا، بل لأنه ممول.
والأخطر أن الإعلان لا يأتي دائما بصيغة واضحة، بل يقدم كقصة أو "تجربة شخصية" أو "نصيحة إنسانية". المريض لا يرى ما وراء الكواليس: من دفع؟ وكم دفع؟ وما هي الدراسات والأدلة؟ وما هي الآثار الجانبية؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا حدث الضرر؟
هنا تختلط النصيحة بالإعلان، ويخسر الطبيب أثمن ما يملكه: النزاهة.
قد يربح الطبيب متابعين، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا فوق المهنة كلها: هل ربح الطب شيئا؟ أم خسر جوهره؟ وهل نريد طبا علاجيا أم طبا استعراضيا؟
أخيرا، قد يقول قائل إن في هذا القرب من الناس فائدة، وإن في هذه الخفة جسرا نحو الجمهور، خاصة صغار السن. وهذا صحيح إلى حد ما، فالتواصل قد ينشر الوعي ويصحح بعض المفاهيم الخاطئة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل في الأمر فائدة؟ بل: ما كلفة هذه الفائدة؟ فإذا كان الثمن أن ينحني العلم أمام التسلية، وأن تتراجع الرصانة لصالح الانتشار، فنحن لا نربح جمهورا بقدر ما نخسر معيارا. وحين تسقط المعايير، يختل الميزان وينهار كل شيء.
ربما نحتاج اليوم إلى وعي جماعي بسيط: أن الطب ليس ساحة استعراض، وأن الطبيب ليس "ترندا"، وأن الشهرة لا تعني الكفاءة.
كما نحتاج إلى حس نقدي لدى الناس: لا تؤخذ النصيحة العلاجية من مقطع قصير، ولا يوثق بمن يتحدث في كل شيء، ولا يسلم الجسد لإعلان مقنع، ولا يستبدل الكشف الطبي بمعلومة ناقصة.
في النهاية، قد يربح الطبيب متابعين، لكن السؤال الذي سيبقى معلقا فوق المهنة كلها: هل ربح الطب شيئا؟ أم خسر جوهره؟ وهل نريد طبا علاجيا أم طبا استعراضيا؟
رحلتي مع الكمبيوتر من صخر إلى الذكاء الصناعي .. تأملات في التقنية والاستخدام العربي
عبد المنعم منيب آل إبراهيم آغا
عندما أرى الذكاء الصناعي الآن وأستخدمه أتذكر علاقتي بالكمبيوتر وهي علاقة قديمة ترجع إلى عام 1983، وحينها كنت في سنة أولى بكلية الآداب في جامعة القاهرة وذكر لي أحد الأخوة المقربين جدا مني وقتها أن هناك شيء اسمه كمبيوتر وقدرته كذا وكذا وهذا ممكن ينفع العمل الإسلامي ..الخ الخ (وكان هو حينئذ طالب بكلية الهندسة قسم كهرباء).
وفي 1984 أو 1985 اقتنيت كمبيوتر شخصي صغير ياباني وامكاناته محدودة للغاية بسبب صغره، وطبعا كنت محكوما بالسعر، ثم اشتريت بعدها بسنة كمبيوتر صخر لأنه كان عربي وسهل الاستخدام لأنه كان يعمل بنظام النوافذ على ما أتذكر، ثم توقفت عن الشراء الى أن أسست عام 1992 شركة صغيرة لتجهيزات الصحافة والطباعة والمعلومات والخدمات الصحفية.
وكنا نستخدم فيها أجهزة كمبيوتر ماكنتوش، ووقتها كان أحد أجهزة الكمبيوتر التي اقتنيناها للعمل بالشركة هو جهاز كمبيوتر ماكنتوش كان الهارد ديسك فيه سعة 10 ميجا وكان سعره مرتفعا، فكان كل من يزر المكتب يقولما هذا؟
ما الداعي لاقتناء جهاز سعره مرتفع هكذا؟ ما فائدة كل هذه السعة في الهارد ديسك إن 10 ميجا كثير جدا؟؟!!.. لماذا لا تبيعه وتشتري بثمنه جهازين او ثلاثة بسعة هارد ديسك أقل.
أتذكر هذا الآن عندما أجد موبايل سمارت سعة الميموري فيه 250 جيجا او كتاب PDF حجمه 30 ميجا.. وأضحك.
Table of Contents
الذكاء الصناعي و الكمبيوتر الكمي
أما قصة الذكاء الصناعي Artificial intelligence فيبدو أنه خلال سنوات قليلة سننتقل منها أو معها إلى أشياء أخرى، الله أعلم بها، وبدأت بوادرها في كل من الكمبيوتر الكمي Quantum Computer ، و طبعا اصله من الفيزياء الكمية Quantum Physics ، وقبلهما التطبيقات Applications المعتمدة على البلوك تشين Blockchain.
وتأتي أهمية البلوك تشين Blockchain من أنه لو نجحت عملية تعميمه فإنه سيفكك الهيمنة الصهيوصليبية بل وأي هيمنة أخرى عن شبكة الانترنت الكونية،فسبحان الله..
قال الله تعالى: “وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” سورة النحل آية 8.
مشكلتنا في العالم العربي
لكن مازالت مشكلتنا في أجزاء كثيرة من العالم العربي أننا لا نواكب هذه الطفرة التقنية بأساليب واستراتيجيات سليمة، فنجد أكثرنا يستخدمون هذه الموجة التقنية كمستخدمين بالحد الأدنى، فنجد من يستخدم الذكاء الصناعي في كتابة بوست أو تدوينة أو صناعة صورة لبوست على الفيس.
ونرى من يقتنى موبايل متقدم جدا وبسعر عالي جدا للاستماع عبره لموسيقى شعبية، ونرى من يشتري كمبيوتر أو لاب توب ذا قدرات كبيرة جدا من أجل أن يستخدمه في الألعاب أو مشاهدة فيديوهات التمثيليات والأفلام المسلية، في حين نجد أنه في الدول المتقدمة يستخدمون هذه الموجة من التقدم التقني في بحوث الصناعات الدوائية والخدمات العلاجية والطبية.
وفي بحوث التكنولوجيا الفائقة كبحوث الفضاء وصناعة الصواريخ والمسيرات وروبوتات الصناعة والخدمات بل والقتال والشئون الحربية، وحفظ الأمن القومي والأمن العام والأمن السيبراني، وخدمات البنوك والإدارة العامة والخاصة.
أي في كل مجالات الحياة بما يزيد من ثراء هذه الدول ونفوذها وقدرتها وقوتها، سواء على مستوى الدول أو الشركات أو الأشخاص، فهم يعملون وينتجون ويكبرون بينما نحن نستهلك فقط ونلهو ونلعب ونتسلى.
تطبيقات الكمبيوتر و التحليل السياسي والأمني والاستراتيجي
بل ومنذ عقود فهذه التطبيقات التقنية العالية اقتحمت مجالات لم تخطر على بال العديد من العلماء هنا في العالم العربي حتى الأمس القريب، مثل مجالات التحليل السياسي والأمني والاستراتيجي والعلوم الاجتماعية بعامة، وجرى ويجري تطبيقها على نطاق واسع، بينما مازالت نخبتنا تقيس بالشبر والباع عند صناعة القرار أو تحليل الواقع ومتابعته.
نعم هناك العديد من الدول العربية -خاصة الثرية منها- بدأت في السنوات الأخيرة بالاستثمار في مجال الذكاء الصناعي وملحقاته والروبوتات والمسيرات، والعديد من التطبيقات الجديدة والمتطورة، بل وسعى بعضها في الشهور الأخيرة لدخول مجال الكمبيوتر الكمي Quantum Computer، لكن هذا كله للأسف يبدو أنه يتم بكوادر إما غربية أو صينية أو هندية وليس فيه أيادي عربية بشكل أساسي.
فكأن هذه الدول ليس لها في هذه المشروعات سوى الأرض والمال، أما المعرفة والإدارة المعرفية والتقنية فكلها أجنبية شرقية (من الصين أو الهند) أو غربية (من أوروبا أو أمريكا الشمالية).
الوعي المعرفي والعقل العربي
ومن هنا فما زلنا بحاجة إلى وعي معرفي تقني يدمج عقولنا وسلوكنا مع هذه الموجة من التقنيات، وذلك بنمط يمكننا من توظيف أقصى ما تتيحه من فرص لاكتساب “القوة والقدرة”، سواء كانت هذه “القوة والقدرة” مال أو نفوذ أو تأثير.
وذلك في كل المجالات السياسية والاقتصادية والتقنية والعسكرية، وإلا فمن يتخلف عن هذه الثورة الصناعية والعلمية الجديدة فسوف يصير غدا عبد العصا للدول المتقدمة وشركاتها ونخبتها، وحينها فلا نلوم إلا أنفسنا إذ ركنا لتضييع الوقت في اللهو واللعب والتسلية ونبذنا المعالي وتمتعنا بالراحة.
ونسينا أدب الدنيا والدين الذي امتلأ به تراثنا العريق.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
بقدر الكد تكتسب المعالي
***ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن طلب العلا من غير كد
***أضاع العمر فى طلب المحال
ويقول أبو الطيب:
لولا المشقة ساد الناس كلهمُ
***الجود يفقر والاقدام قتّالُ
ويقول أبو العلاء المعري:
من كان أبصر شيئا أو رأى عجبا
***فإنني عشت دهرا لا أرى عجبا
الناس كالناس والأيام واحدٌ
*** والهر كالهر والدنيا لمن غلبا
وقبل هذا كلهيقول الله تعالى:﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ سورة التوبة آية 105.
نشر هذا الموضوع ايضا في موقع طريق الإسلام ، وموقع جريدة الأمة.