الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

هل أخطأت كتب إدارة الوقت ؟

هل أخطأت كتب إدارة الوقت ؟
د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com


هل أخطأت كتب إدارة الوقت حين اختزلت حياتنا في جداول ؟ 
من الموضوعات التي شغلتني في بداية شبابي إدارة الوقت، فقد كنت أراقب كيف تمضي أيامنا، وكيف يستطيع الإنسان أن ينجز ما يريد من غير أن يشعر بأن الساعات قد تسرّبت وتهربت من بين يديه، وأنا من جيل "الثمانينيات" الذي سبق ظهور التطبيقات ووسائل التواصل وغيرها من الأدوات التي نستخدمها اليوم لتنظيم أعمالنا، وكانت إدارة الوقت آنذاك تحمل شيئًا من الصعوبة، لكنها كانت أسهل من جهة أخرى، لأن قلة المشغلات كانت تتيح للإنسان مساحة أكبر للتركيز، حتى وإن لم تكن أمامه وسائل كثيرة للتخطيط والمتابعة، فلم تكن تفاصيل تلك الأيام تصل إلينا، ولم تكن كل لحظة تسرق لحظاتنا الخاصة ولا تقاطعنا.

أما اليوم، فقد أصبحت أدوات التنظيم الإلكترونية للوقت وغيرها متاحة للجميع، من التطبيقات إلى الذكاء الاصطناعي، لكن وجودها لم يجعلنا بالضرورة أكثر قدرة على إدارة وقتنا، فالمشكلة في وجهة نظري لم تعد في نقص الوسائل أو الأدوات، بل في كثرة الملهيات وتفجرها وتزاحم ما يطلب انتباهنا، حتى إن الإنسان قد يبدأ يومه راغبًا في الإنجاز ثم يجد نفسه ينتقل بين التنبيهات والإشعارات والمنصات والرسائل، فيتوزع تركيزه ويمضي الوقت دون أن يشعر، وهكذا قد تتحول الوسيلة الذكية التي صممت لتساعدنا على التنظيم إلى باب وسبب للتشتت، إذا لم نكن واعين بطريقة استخدامها وبالغاية التي نريد أن نحققها من خلالها.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر إلى الوقت، فهو ليس بمورد نملكه ونستطيع إدارته والتحكم فيه، ونحن لا نتحكم في جريانه، بل نتحكم في أنفسنا وما نختار أن نفعله خلاله، فالوقت يمضي، أما قراراتنا وطرائق عيشنا فهي التي تحدد كيف نستثمره، وهذا يرتبط بنظرتنا الكلية إلى الحياة وما نمنحه من قيمة للمعنى، وللأصدقاء والعلاقات، ولتحقيق الإنجازات والطموح الشخصي، مع استحضار مراقبة الله في أقوالنا وأفعالنا، ومن هذا المنطلق، لا تُقاس قيمة الوقت بعدد المهام التي ننجزها، بقدر ما تقاس بما نضعه فيه من جهد وما نتركه من أثر في حياتنا وحياة من حولنا، وبقدرتنا على أن نعيش وفق ما نؤمن بأنه جدير بالاهتمام.

وبناءً عليه، أرى أن تناول إدارة الوقت يحتاج اليوم إلى طرح مختلف لا يغرق في تفاصيل الأعمال اليومية وكتابة الملاحظات والجداول والاستراتيجيات الصغيرة، على أهمية هذه الأدوات في تنظيم العمل ومتابعته، بل ينتقل إلى ما هو أبعد منها، وهو إدارة الذات مع الوقت، وتحديد المجالات الكبرى والغايات الأسمى التي تستحق أن نوجّه إليها جهدنا واهتمامنا، فعندما نسأل أنفسنا عمّا نريد إنجازه في حياتنا، وما المجالات التي نريد أن نترك فيها أثرًا، تتضح الأولويات الكبرى وتُعاد بوصلة الحياة إلى اتجاهها، ويصبح ترتيب تفاصيل اليوم أكثر سهولة ومعنى، وعندها لا يكون التخطيط مجرد توزيع للمهام على ساعات اليوم، بقدر ما يكون وسيلة تربط أعمالنا اليومية بما نطمح إليه على المدى الأبعد، وتساعدنا على التمييز بين ما يخدم أهدافنا وما يستهلك وقتنا بلا فائدة حقيقية.

وهنا يأتي دور التطبيقات والذكاء الاصطناعي، فتساعدنا على التذكير والترتيب وإنجاز بعض الأعمال، لكنهما لا يحددان عنا ولا يفكران بالنيابة عنا ما يستحق وقتنا فعلاً ولا يمنعان التشتت وحدهما، لذلك تبدأ إدارة الوقت من الوعي بقيمة الوقت لدى الجيل الحالي ومعرفة الاتجاه الذي نريد أن نمضي فيه، ثم اختيار الأدوات التي تخدم ذلك الاتجاه، وربما نحتاج إلى أن نعيد تعليم أنفسنا وأبنائنا كيف يختارون ما يمنحونه انتباههم، وكيف يحمون وقتهم من التبعثر، فالسؤال الآن ليس كيف نملأ ساعات يومنا، بل هل يذهب وقتنا إلى المجالات التي نؤمن بأنها مهمة وتستحق؟.


فكرة منتدى حوارات أجيال المستقبل

 آخر كلام 
 فكرة منتدى حوارات أجيال المستقبل 



د. محمد المقاطع 

لن تنهض دولة ولا أمة إن كانت أجيالها تميل للدعة والراحة والترف، وتركن إلى الاتكالية وتجنب المسؤوليات، وتهيم في فلك الأرض كما تهيم البهائم، وتعتبر الحياة مكاناً للمتعة الكاملة. 
وتغدو الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض القوى الكامنة في الأمتين الإسلامية والعربية وفي قدراتها البشرية، وعمل مثل هذا يحتاج إلى ثلاثة أمور لا بد من تحققها جميعاً. 
الأول: بناء فكري ونفسي وتعليمي وثقافي يكون ركيزة مرجعية لذلك البناء الفكري، وهو عمل لا بد أن تنهض به مؤسسات ومجاميع حتى يصبح مساراً مجتمعياً يفرض نفسه في المناهج والبرامج الإعلامية والتثقيفية والعلمية. ويتحقق ذلك بإقامة منتديات وملتقيات حوارية لتحقيق ذلك. 
الثاني: إعداد طلائع تحمل مشعل هذا التوجه، وتأخذ على عاتقها النهوض بهذا الدور بمواقع متعددة مثل المؤسسات التعليمية، والمؤسسات الثقافية، والمؤسسات الاجتماعية، والمؤسسات الدينية، والمؤسسات الترفيهية والرياضية، بل حتى المؤسسات المجتمعية والتطوعية والتجارية. وينبغي أن يواكب ذلك إعداد أجيال تتسلم المسؤولية للجيل الجديد بين سن 5 و10 سنوات على الأقل حتى يتحول الأمر إلى نمط سلوكي وفكري اعتيادي، ثم يكون هذا الجيل هو نماذج بناء الشخصية الذي يحتذى، وتستمر العجلة بعد ذلك هكذا دواليك. 
الثالث: بناء النماذج الواعية والمسؤولة من الأجيال، بإعادة التوازن لرسالتها الحياتية والأممية، وإحياء قيم ومُثل وسنن وعادات وتقاليد راسخة نبيلة بشموخ الهوية والانتماء لعالم إسلامي وعربي حضاري راقٍ ومتقدم ومتطلع لاستعادة دوره الريادي المفقود. 
وهذه الأدوار والمراحل ينبغي أن يتم تبنيها على المستويين الرسمي (بمؤسسات التعليم والمؤسسات الثقافية والاجتماعية، ومؤسسات الرعاية الشبابية والأسرية والطفولة، والمؤسسات الترفيهية والرياضية، والإعلامية) والشعبي من خلال التعليم العام والجامعي، ومؤسسات المجتمع المدني، والمجاميع الثقافية والاجتماعية والسياسية، وعلى مستوى الأسرة، وأي هيئة مجتمعية لاستعادة الهوية وصياغة شخصيات أجيال المستقبل. 
فإن تحققت تلك العوامل كان لا بد أن يحدث الاندماج والتكامل مع المؤسسات الرسمية ومنصاتها وفعالياتها المختلفة، ليقترن كل ذلك بالسلطات الرسمية ليكون قريناً وصنواناً لها، وممهداً لنهضة وطنية على مستوى كل دولة عربية وإسلامية، ليكون مقدمة لوحدة عربية إسلامية عملية، تحفظ الكيانات الإقليمية وتقوي من تكوين الدولة الواحدة، وتضعها على المسار ذاته، وتقوي أجيالها وتعزز مؤسساتها وتسخِّر إمكاناتها لتتحرر من الكثير من القيود والتبعيات، وتتجه لمرجعيات أصيلة وذاتية لا شكلية ومستوردة. ومواجهة موجات التوسع الإقليمي الصهيوني أو الإيراني والذي تصاعدت وتيرته هذه الأيام، وكل ذلك سيصب ويعزز المركزية الوحدوية للأمة العربية والإسلامية في عالم لا يحترم إلا الأقوياء ولا تستمر فيه إلا الكيانات الكبرى الموحدة. ولا بد أن يُبنى نموذج ليكون هو المرجعية الواقعية والتي يمكن الاحتذاء بها والقياس عليها، وتحويل مقدرات الأمة وشعوبها وأجيالها وقوداً ورصيداً ليعيد اعتباراتها وأمجادها. 
ومن هنا نحتاج لمبادرات تتبنى أطروحات تتجه نحو فتح آفاق حوارات لبناء أجيال المستقبل لهذه الأمة الواعدة بدولها وأنظمتها وشعوبها. وعلى الله قصد السبيل.

أين ذهبوا؟.. الحاخام يهودا غليك أخيرا ابتهج بما جرى في الأقصى

أين ذهبوا؟.. الحاخام يهودا غليك أخيرا ابتهج بما جرى في الأقصى

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.


لطالما كانت حركة الرباط في المسجد الأقصى المبارك تُعتبر من أهم عوامل الدفاع عن المسجد وصموده، حيث كان المرابطون حجر الأساس في إعاقة تقدم المستوطنين من جماعات المعبد المتطرفة في مشروعاتهم للسيطرة على المسجد.

وكان مشهد التكبير وحلقات العلم داخل المسجد في أوقات اقتحامات المستوطنين من المشاهد اللافتة التي تزعج المقتحمين وتضيق عليهم الخناق في تحركاتهم في أرجاء المسجد، حتى وصل الأمر في بعض الأحيان إلى تغيير مسار الاقتحامات أكثر من مرة بسبب ضغط المرابطين وتخوف شرطة الاحتلال من تطور الأوضاع في الأقصى إلى صدامات قد تؤدي إلى تهديد أمن المستوطنين أثناء اقتحاماتهم، كما حدث في مواجهات 10 مايو/أيار 2021 (الموافق 28 رمضان) العنيفة في الأقصى عشية محاولة جماعات المعبد المتطرفة إقامة طقوسها الدينية علنا داخل المسجد، والتي تطورت في نفس اليوم إلى مواجهة مسلحة شاملة عمت الأراضي الفلسطينية في معركة عُرفت باسم "سيف القدس".

لكن الأحداث الأخيرة في المسجد الأقصى، وتصاعد الاعتداءات فيه في السنوات الثلاث الأخيرة منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة عام 2023 أعطت انطباعا عاما بغياب المرابطين عن المسجد بشكل شبه تام، سواء من المقدسيين أو من فلسطينيي الداخل أو حتى من الزوار المسلمين من غير الفلسطينيين، والذين كانت لهم أدوار واضحة في بعض الحالات في سنوات ماضية في كسر الحصار عن المسجد الأقصى، كما حدث قبل سنوات عندما تجمع عدد من المصلين الأتراك خارج باب الأسباط وأدخلوا بعض المرابطين الممنوعين من دخول المسجد الأقصى إليه بالقوة.

وكان الحاخام المتطرف يهودا غليك أحد أكثر المحرضين على المرابطين في ذلك الوقت، حين كان يشتكي من سماع عبارة "الله أكبر" داخل المسجد أثناء الاقتحامات، ولذلك احتفى هذا المتطرف باختفاء المرابطين من الصورة حين نشر فيديوهات يشيد فيها بما سماه "الهدوء" في الأقصى أثناء اقتحامه.

مع غياب المساءلة تماما استغلت الحكومة الإسرائيلية اليمينية ذلك لتفرض على حركة الرباط والصلاة في المسجد الأقصى طوقا خانقا غير مسبوق؛ بهدف قطع شريان الحياة عنه تماما، وبات توزيع أوامر منع الدخول إلى المسجد الأقصى يتم دون أي منطق أو معايير

الصورة العامة التي بتنا نراها اليوم نجد فيها فراغا شبه تام في المسجد الأقصى من حلقات العلم ومن المرابطين، فضلا عن حراس المسجد الأقصى الرسميين الذين يمنع الاحتلال كثيرا منهم من دخول المسجد، حتى وصل الأمر إلى توثيق وجود ما لا يزيد على خمسين مقدسيا فقط داخل المسجد ما بين موظف وحارس ومصلّ من كبار السن في بعض الأيام بالتزامن مع وجود مئات المستوطنين في أرجاء المسجد بحراسة شرطة الاحتلال.

وهذا الأمر بات يثير التساؤلات لدى غير المطلعين على ما يجري في المسجد الأقصى، والذين وصل الأمر ببعضهم إلى اتهام المقدسيين بالتخاذل عن الرباط في الأقصى والوجود فيه، ولا سيما منذ حرب الإبادة في غزة.

لفهم ما يجري، ينبغي علينا رسم مسار كامل لتعامل شرطة الاحتلال مع حركة الرباط على مدار أكثر من خمسة عشر عاما، لنرى كيف عملت السياسة الإسرائيلية على تحييد المرابطين في الأقصى ومنعهم من أداء الأدوار التي قاموا بها في حماية المسجد على مدار الساعة خلال السنوات الأخيرة.

فهذه الحركة بدأت فعليا باتخاذ اسم "الرباط" المأخوذ من معنى "الثبات في المسجد" لحمايته منذ حوالي عشرين عاما، أي بالتزامن مع استئناف شرطة الاحتلال إدخال المستوطنين إلى المسجد الأقصى بالقوة بعد منع استمر ثلاث سنوات منذ انطلاق انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000.

حيث تميز الرباط في ذلك الوقت بكونه رباطا مؤسسيا، أي بتنظيم ورعاية كاملة من مؤسسات رسمية مقدسية ومن فلسطينيي الداخل، وكان ذلك من خلال مشروع طموح أطلقته عدة مؤسسات سمي "مصاطب العلم في المسجد الأقصى"، وكانت فكرة المشروع تقضي بعقد حلقات علمية على مصاطب المسجد الأقصى المنتشرة في جميع ساحاته خلال فترات الصباح متزامنة مع الاقتحامات، بحيث تستقطب أعدادا غفيرة من المصلين إلى الأقصى صباحا، وتمنع المستوطنين من الاستفراد بالمسجد.

ساهم هذا المشروع في حماية المسجد ومنع عدد كبير من الاعتداءات، ولا سيما عامي 2012 و2014، الأمر الذي استدعى من سلطات الاحتلال العمل على إخراج الحركة الإسلامية الشمالية في الداخل الفلسطيني ومؤسساتها عن القانون وإغلاق كافة منافذ هذا الرباط المؤسسي سعيا منها لخنق حركة الرباط، وتبع ذلك إعلانها إخراج المرابطين عن القانون وتصنيف "الرباط" و"المرابطين" تنظيما محظورا! وكان الرد على ذلك انطلاق هبّة السكاكين في القدس عام 2015 التي كادت تتطور إلى انتفاضة ثالثة.

كان الحاخام المتطرف يهودا غليك أحد أكثر المحرضين على المرابطين في ذلك الوقت، حين كان يشتكي من سماع عبارة "الله أكبر" داخل المسجد أثناء الاقتحامات، ولذلك احتفى هذا المتطرف باختفاء المرابطين من الصورة حين نشر فيديوهات يشيد فيها بما سماه "الهدوء" في الأقصى أثناء اقتحامه

وإزاء هذا التصنيف تحولت حركة الرباط في الأقصى إلى تيار جماعي غير مؤسسي، بمعنى أنه أصبح تيارا اجتماعا غير منضبط بمؤسسة محددة، مما صعّب على القوات الإسرائيلية منعه وملاحقته، واضطرت بسبب ذلك إلى البدء بتتبع المرابطين الأكثر ظهورا في الإعلام وضربهم بشكل فردي؛ أملا في إضعاف هذا الحراك ووقف الرباط بشكل كامل.

وهذه السياسة كادت تنجح رغم بطئها الشديد لولا تدخل الزوار المسلمين من الخارج، الذين باتوا يشكلون عصبا مهما للرباط في المسجد الأقصى، وخاصة فيما بعد هبَّة باب الرحمة عام 2019، لا سيما أنهم يحملون جوازات سفر غربية ويدخلون بصفتهم سياحا، وهذا الأمر استدعى استهدافهم ابتداء من عام 2022، حيث بدأت شرطة الاحتلال باستهدافهم تدريجيا عبر إعادة تعريف "المسلم"، وتخصيصه بالفلسطيني فقط، بينما أصبحت تعامل المسلمين من غير الفلسطينيين معاملة السياح من غير المسلمين، وتبلغهم إلى أن دخولهم المسجد يتم في نفس وقت الاقتحامات فقط باعتبارهم "سياحا"، والمفارقة أن تنفيذ هذه السياسة بدأ بإحدى أصعب الجنسيات نظريا وهم حملة الجنسية البريطانية.

ولعل إسرائيل كانت تسعى في ذلك إلى استهداف الدولة التي يفترض بها معاملة مواطنيها بطريقة مختلفة نظرا للعلاقات القديمة بين بريطانيا وإسرائيل، ثم عممت ذلك على الجنسيات الأخرى من جنوب أفريقيا إلى كندا إلى أستراليا وأخيرا في الأعوام الثلاثة الأخيرة تركيا.

وكانت في كل ذلك تقوم بالفعل، ثم تنتظر حتى تقيس رد الفعل الدولي، وحين لا تجد ردود فعل قوية من تلك الدول الأوروبية تجاه مواطنيها، تنتقل لاستهداف مواطني دولة أخرى.

بهذه السياسات نجحت سلطات الاحتلال في تضييق الخناق على حركة الرباط في المسجد الأقصى داخليا وخارجيا حتى قبل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول. لكن حرب الإبادة على قطاع غزة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد استغلت سلطات الاحتلال في القدس انفلات عقال جيشها في غزة قتلا وإحراقا وتدميرا، وانفلات عقال شرطتها في السجون بحق الأسرى تنكيلا وتجويعا بل وقتلا أيضا، لتحدث في المجتمع المقدسي صدمة ترويع غير مسبوقة منذ النكبة الفلسطينية.

ومع غياب المساءلة تماما استغلت الحكومة الإسرائيلية اليمينية ذلك لتفرض على حركة الرباط والصلاة في المسجد الأقصى طوقا خانقا غير مسبوق؛ بهدف قطع شريان الحياة عنه تماما، وبات توزيع أوامر منع الدخول إلى المسجد الأقصى يتم دون أي منطق أو معايير.

فقد وثّق المراقبون في إحدى الحالات دخول أفراد الشرطة إلى الجامع القبلي في صلاة العصر وتوزيع أوامر جماعية بمنع الدخول إلى المسجد الأقصى على جميع المصلين الذين وقفوا في الصف الأول في المسجد أثناء الصلاة! وبات كل شخص على بوابات المسجد الأقصى عُرضة لاستلام ورقة موقعة مسبقا بالمنع من دخول المسجد لفترات مختلفة تتراوح ما بين أسبوع إلى ستة أشهر.

وهذه الأوامر لم يعد التصديق عليها يحتاج إلى موافقة قائد الشرطة كما كان الوضع سابقا، وإنما يكفي لأي شرطي على أبواب المسجد أن يمنع من شاء ومتى شاء وكيف شاء من دخول المسجد دون أي سبب، والحجة في ذلك "حماية الأمن"، وهي عبارة هلامية سهلة التأويل.

استغلت سلطات الاحتلال في القدس انفلات عقال جيشها في غزة قتلا وإحراقا وتدميرا، وانفلات عقال شرطتها في السجون بحق الأسرى تنكيلا وتجويعا بل وقتلا أيضا، لتحدث في المجتمع المقدسي صدمة ترويع غير مسبوقة منذ النكبة الفلسطينية

جميع هذه الإجراءات شكلت صدمة للمجتمع الفلسطيني في القدس والداخل، الذي اعتاد على مدار عقود على الاهتمام الإسرائيلي الشديد بصورته أمام العالم، ومحاولة إظهار نفسه دولة قانون وديمقراطية. ولذلك، فإن استيعاب المجتمع لواقع عدم اهتمام إسرائيل الجديدة لانكشاف صورتها البشعة الحقيقية أمام العالم يحتاج وقتا، وعندها لا بد من أن يتعامل معه المجتمع الفلسطيني وفق ما يقتضيه الموقف.

ولذلك فإن إسرائيل اليوم تسابق الوقت قبل استيقاظ المجتمع الفلسطيني وثورته على هذه المنظومة الفاشية القديمة-الجديدة.

وفيما يخص المسلمين الأوروبيين والأتراك، فإن التوتر الشديد والقطيعة اللذين يسودان العلاقة بين إسرائيل وهذه الدول بسبب حرب الإبادة، كتلك التي بين إسرائيل وأيرلندا وتلك التي بين إسرائيل وتركيا شجعا إسرائيل على محاولة ضرب وصول المواطنين من هذه الدول إلى المسجد كنوع من الانتقام من سياسات حكوماتهم تجاه إسرائيل، ولعل تركيا تتصدر المشهد في هذه النقطة.

وهذا الأمر في الحقيقة لا يضعف مواقف هذه الدول ومواطنيها بقدر ما يقويها في أعين المقدسيين الذين باتوا يفرّقون بين مَن تحتفي بهم إسرائيل في المسجد الأقصى ومن تكره وجودهم، وهذا بحد ذاته يعد معيارا للقبول والرفض فلسطينيا.

الاحتلال الآن يتعامل مع فكرة تقسيم الأقصى زمنيا باعتبار أن الوقت حان لتثبيتها أمرا واقعا، وما زال يستغل الصدمة التي أحدثها لدى المقدسيين للوصول إلى حالة تختفي فيها حالة الرباط تماما، ويسلِّم فيها الفلسطينيون بالأمر الواقع الجديد في المسجد الأقصى.

لكن الواقع يقول إن حركة الشعوب لا تسير بهذا الشكل، ولا يمكن للقوة محو تيار فكري اجتماعي كفكرة الرباط في الأقصى بهذه البساطة، وذلك لأن المرابطين لو كانوا ينتظرون أن تسمح لهم إسرائيل بالرباط في المسجد دون دفع ثمن لرباطهم لما سموا أنفسهم بهذا الاسم أصلا.


الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

الاختبار الكبير لحزب العدالة والتنمية التركي

الاختبار الكبير لحزب العدالة والتنمية التركي
كاتب وصحفي تركي.

حزب العدالة والتنمية حركة سياسية استطاعت خلال 25 عاما من وجودها في السلطة، مقاومة جميع الضربات القادمة من الخارج من دون أن تهتز، وقد تجاوز العديد من الأزمات.

فعلى سبيل المثال، حاولت المنظومة القديمة في تركيا عام 2008 إغلاق الحزب عبر القضاء، لكنها لم تنجح.

وفي عام 2013، جرت محاولة لإسقاطه من السلطة من خلال الاحتجاجات في الشوارع المعروفة باسم "أحداث غيزي "، ثم عبر الأزمة المالية التي أطلقت بعدها، لكن المحاولة لم تنجح.

كما استقال عدد من الوزراء نتيجة محاولة تنظيم غولن (فيتو) التي دخلت التاريخ باسم "الانقلاب القضائي في 17-25 ديسمبر/كانون الأول"، إلا أن حزب العدالة والتنمية واصل البقاء في السلطة عام 2013.

تمكن رجب طيب أردوغان من الخروج من جميع هذه الأزمات أكثر قوة بفضل إرادته القوية وذكائه، وأصبح اليوم واحدا من أهم قادة العالم. لكن حزب العدالة والتنمية يواجه هذه المرة أزمة من داخله، وليس ضغطا من الخارج

وفي النهاية جاءت محاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو/تموز، وهذه المرة نزل الشعب إلى الشوارع ودافع عن السلطة، ونجت البلاد من كارثة كبيرة كانت على وشك الوقوع عام 2016.

وتمكن رجب طيب أردوغان من الخروج من جميع هذه الأزمات أكثر قوة بفضل إرادته القوية وذكائه، وأصبح اليوم واحدا من أهم قادة العالم. لكن حزب العدالة والتنمية يواجه هذه المرة أزمة من داخله، وليس ضغطا من الخارج.

3 مبادئ مهمة عند تأسيس حزب العدالة والتنمية

يتموضع حزب العدالة والتنمية، أكثر من كونه حزبا سياسيا، باعتباره إحدى الحركات السياسية المهمة داخل مجتمع واسع.

فقد خاض الوسط المتدين والمحافظ، لسنوات طويلة، "صراعا من أجل البقاء " حتى يتمكن من ممارسة أفكاره ومعتقداته في مواجهة الأيديولوجيا الكمالية العلمانية.

ونقل نجم الدين أربكان صراع هذا الوسط الواسع من أجل البقاء إلى السياسة، وأطلق حركة "الرؤية الوطنية ".

وفي البداية، استغرب الوسط المتدين هذه الحركة السياسية، لكنه تبناها لاحقا، وتمكن أربكان من أن يصبح رئيسا للوزراء، ولو لفترة قصيرة. ثم استقال تحت ضغط الوصاية العسكرية، ودخلت البلاد مرحلة عميقة من الوصاية العسكرية عرفت باسم "مرحلة 28 فبراير/شباط" عام 1998.

وظهر رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية في هذه المرحلة تحديدا، فقد تسلم إرث أربكان، وقاوم ضغوط الوصاية، وحقق انتصارا كبيرا في انتخابات ستغير مصير البلاد عام 2002.

ولم يفتح أردوغان حزبه أمام فريق الرؤية الوطنية التابع لأربكان فقط، بل ضم أيضا أبرز المثقفين الإسلاميين في البلاد، والمثقفين الليبراليين، والقوميين، والقطاع الكردي المحافظ، ونشأ عن ذلك توافق واسع وطاقة كبيرة، وهو ما جلب معه نجاحات كبيرة.

وفي مرحلة التأسيس، أعلن أردوغان أنهم سيحاربون ثلاثة أمور: الفساد، والفقر، والمحظورات، وقد لقي ذلك قبولا واسعا داخل المجتمع، وجعل حزب العدالة والتنمية يصل إلى السلطة منفردا في كل انتخابات.

البعد الاقتصادي للأزمة

اكتسب حزب العدالة والتنمية خبرة كبيرة في مواجهة جميع الضغوط والهجمات القادمة من الخارج، وحقق نجاحا كبيرا في التعامل معها، لكنه لا يمتلك الخبرة نفسها في مواجهة المشكلات الموجودة داخله.

وهو يخوض الآن اختبارا بالغ الجدية بسبب أزمة الصناديق الاستثمارية التي يشهدها الاقتصاد. وعندما اتضح أن بعض المتسببين في هذه الأزمة شخصيات سبق أن تولت مناصب وزارية من داخل حزب العدالة والتنمية، انتقل النقاش فجأة إلى داخل الحزب، واشتعل جدل سياسي.

ويعيش حزب العدالة والتنمية الآن أزمة مختلفة بسبب انتهاك كوادر من داخله أحد أهم مبادئ تأسيسه، وهو "مكافحة الفساد ".

وليست هذه الأزمة في الواقع أكبر أزمة اقتصادية خلال سنوات الحزب الـ25 في السلطة، لكن تأثيرها أصبح أكبر لأن أطراف الأزمة أسماء قريبة من حزب العدالة والتنمية.

اكتسب حزب العدالة والتنمية خبرة كبيرة في مواجهة جميع الضغوط والهجمات القادمة من الخارج، وحقق نجاحا كبيرا في التعامل معها، لكنه لا يمتلك الخبرة نفسها في مواجهة المشكلات الموجودة داخله، وهو يخوض الآن اختبارا بالغ الجدية بسبب أزمة الصناديق الاستثمارية التي يشهدها الاقتصاد

ونتيجة قيام 7 شركات لإدارة المحافظ بتنفيذ معاملات غير قانونية ومضاربات في 131 صندوقا، أصبحت استثمارات نحو 450 ألف شخص، بقيمة تقارب 20 مليار دولار، في خطر كبير بصورة مفاجئة.

وتدخل مجلس أسواق رأس المال ووزارة المالية على الفور، وتم توقيف 75 شخصا عبر القضاء، وأوقفت معاملات 131 صندوقا، وبدأت إجراءات تصفيتها؛ وتأثرت البورصة كثيرا بهذه العملية، وفقدت نحو 13% من قيمتها.

وتبلغ قيمة الصناديق الـ131 -التي شهدت معاملات غير قانونية- نحو 10% من إجمالي سوق الصناديق. ويوجد في تركيا نحو ألفي صندوق استثماري، تبلغ قيمتها الإجمالية قرابة 250 مليار دولار، ويبلغ حجم الاقتصاد التركي نحو 1.6 تريليون دولار.

لماذا أحدثت الأزمة تأثيرا كبيرا؟

بالمقارنة مع القوة الاقتصادية لتركيا، فإن تأثير الأزمة التي وقعت من حيث الأرقام ليس في الواقع بالحجم الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار كبير.

فالأنظمة المالية والقطاع المصرفي والبورصة ما زالت تعمل بصورة منتظمة، ومع ذلك، أحدثت أزمة الصناديق هذه نقاشا واسعا جدا وصدمة كبيرة، وهناك عدة أسباب لذلك.

العدد الكبير من المستثمرين المتضررين. فقد أعلنت المؤسسات الرسمية أن 455 ألفا و758 مستثمرا فرديا تضرروا من هذه الأزمة. وعند احتساب أسرهم، فإن نحو 1.5 مليون شخص يتأثرون بهذه الأزمة حاليا.

معظم شركات إدارة المحافظ السبع التي تسببت في الأزمة تعود إلى أقارب أو مقربين من أشخاص قريبين من حزب العدالة والتنمية، أو إلى أشخاص مرتبطين بهم.

واضطرت نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية ووزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية السابقة فاطمة بتول كايا سايان إلى الاستقالة من مناصبها بعد اتهامات بأنها كونت ثروة غير مشروعة على صلة بهذه الشركات لإدارة المحافظ.

وازداد الجدل حدة لأن حزب العدالة والتنمية، الذي يكافح الفساد وكشف الرشاوى والمخالفات في البلديات التابعة للمعارضة التي بدأت بشأنها إجراءات قضائية، وجد نفسه أمام وضع مشابه.

تدخل الرئيس أردوغان في القضية

عندما بدأت أزمة الصناديق، كان الرئيس أردوغان في الولايات المتحدة لحضور اجتماع الأمم المتحدة، وفي أثناء عودته، قال للصحفيين على متن الطائرة إن كل من يتحمل مسؤولية في الأزمة سيحاسب أمام القضاء.

وفور هبوطه في إسطنبول، جمع الوزراء ومسؤولين آخرين لتقييم الأزمة، وأصدر أولى تعليماته: "بغض النظر عمن يتورط في الأمر، يجب محاسبته ".

وبعد هذا الاجتماع، أعلنت نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية فاطمة بتول كايا سايان استقالتها من جميع مناصبها.

أما أكثر تصريحات أردوغان شمولا، فجاءت بعد اجتماع مجلس الوزراء في 28 سبتمبر/أيلول 2026، وكان تصريحه حادا وحازما للغاية:

"سواء كان ذلك عبر التلاعب بالسوق، أو ألعاب البورصة، أو عبر ممارسة فساد واضح كما يحدث في البلديات؛ فإن كل من يمد يده إلى حق الشعب أو حقوقه أو أمواله أو ممتلكاته سيجدنا في مواجهته، وسيجد الدولة في مواجهته. لا يخلط أحد بيننا وبين الآخرين، ولا يقارننا أحد بمن يتنقلون من ساحة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى للدفاع عن فساد بمليارات الليرات. نحن لا نشبههم، خطنا الأحمر هو شعبنا العزيز ".

عندما بدأت أزمة الصناديق، كان الرئيس أردوغان في الولايات المتحدة لحضور اجتماع الأمم المتحدة، وفي أثناء عودته، قال للصحفيين على متن الطائرة إن كل من يتحمل مسؤولية في الأزمة سيحاسب أمام القضاء. وفور هبوطه في إسطنبول، جمع الوزراء ومسؤولين آخرين لتقييم الأزمة، وأصدر أولى تعليماته: "بغض النظر عمن يتورط في الأمر، يجب محاسبته "

أسلوب المعارضة والسلطة في مكافحة الفساد

منذ اليوم الذي اندلعت فيه الأزمة، تنتقد المعارضة الوضع بكثافة، بل إن "المتحدث باسم الحزب الجديد " زينل إمره هو من كشف للرأي العام المعلومات التي أدت إلى استقالة فاطمة بتول سايان.

ومنذ اللحظة التي اندلعت فيها أزمة الصناديق، انتقد مسؤولو حزب العدالة والتنمية ووسائل الإعلام الداعمة له من ارتكبوا المخالفات، وطالبوا بمحاسبتهم.

ولم يحاول أحد الدفاع عن الوضع أو التستر عليه، وأصدر وزيرا العدل والمالية، والمتحدثون باسم حزب العدالة والتنمية، وأخيرا الرئيس أردوغان، رسائل حازمة للغاية، معلنين أن "المحاسبة ستطال الجميع، بغض النظر عمن تصل إليه القضية أو من يكون ".

وبالفعل، أوقف عدد كبير من الأشخاص الذين سبق أن تولوا مناصب داخل بيروقراطية الدولة وحزب العدالة والتنمية، إضافة إلى الوزيرة السابقة التي استقالت.

وكان يتضح من رد فعل الرأي العام أن أزمات سياسية خطيرة جدا كانت ستندلع داخل حزب العدالة والتنمية لو لم تتم ملاحقة القضية بهذه الصرامة والحزم. فمستوى رد فعل الشعب وغضبه وخيبة أمله تجاه هذه الأزمة مرتفع للغاية.

وكان حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، قد واجه أزمة مشابهة قبل عامين.

وعندما كشف عن تورط بعض رؤساء البلديات والنواب المنتمين إلى حزب الشعب الجمهوري في قضايا فساد ورشوة ومخالفات، دافع الحزب عن هؤلاء الأشخاص وقال إنهم أبرياء، بدلا من مطالبتهم بالمثول أمام القضاء ومحاسبتهم وإثبات براءتهم، ثم قدمت إلى المحكمة أدلة قوية عديدة على أن هذه الأسماء تلقت رشاوى وارتكبت فسادا، واتسعت المحاكمات.

وبعد ذلك بدأ جدل واسع داخل حزب الشعب الجمهوري، وأشعل مجموعة من أعضائه هذا النقاش متسائلين عن سبب الدفاع عن المتورطين في الفساد.

وفي النهاية انقسم حزب الشعب الجمهوري، وأسس الذين واصلوا الدفاع عن السياسيين المتهمين بالفساد بحجة أن "المحاكمات سياسية " حزبا جديدا هو "الحزب الجديد ".

أما حزب العدالة والتنمية فلم يقع في هذا الخطأ، ودفع مسؤوليه إلى الاستقالة، كما أصدر الرئيس أردوغان تعليمات خاصة بتوسيع التحقيقات ومحاسبة جميع المذنبين.

بات حزب العدالة والتنمية أمام فرصة لتطهير صفوفه والتخلص من الأسماء المتورطة في الفساد والمخالفات والجرائم المشابهة. وتنتظر قاعدة حزب العدالة والتنمية التخلص من هذه الأسماء، وأن يكافح الحزب الفساد والفقر والمحظورات، كما تقتضي فلسفة تأسيسه

كيف سيتم الخروج من الأزمة؟

أهم عناصر الأزمة هو إنقاذ أموال 455 ألف شخص، التي تقترب قيمتها من 20 مليار دولار، ومعظم هؤلاء من صغار المستثمرين.

ولذلك يجري أولا البحث عن صيغة تضمن، على الأقل، إعادة رؤوس أموال هؤلاء المستثمرين الصغار الذين يشكلون عددا كبيرا.

كما يعارض الرأي العام بشدة أن تدفع هذه الأموال من خزينة الدولة، إذ يعترض على دفع أموال من استثمروا في هذه الصناديق عالية المخاطر أملا في تحقيق أرباح كبيرة من أموال الضرائب التي يدفعها المواطنون. ولهذا تبحث الحكومة عن طريقة مختلفة لمعالجة خسائر المستثمرين.

وهناك مسألة أخرى تتعلق بالتساؤل عن مدى قيام المؤسسات المسؤولة عن الرقابة على الأسواق المالية، مثل مجلس أسواق رأس المال، بعمليات الرقابة والتفتيش اللازمة بصورة كافية.

ذلك أن المستثمرين وضعوا أموالهم بثقة لأن الشركات والصناديق المذكورة كانت خاضعة لرقابة الدولة، والآن يجري التحقيق فيما إذا كانت هذه المؤسسات تتحمل مسؤولية أو ارتكبت أخطاء.

ومن ناحية أخرى، بات حزب العدالة والتنمية أمام فرصة لتطهير صفوفه والتخلص من الأسماء المتورطة في الفساد والمخالفات والجرائم المشابهة. وتنتظر قاعدة حزب العدالة والتنمية التخلص من هذه الأسماء، وأن يكافح الحزب الفساد والفقر والمحظورات، كما تقتضي فلسفة تأسيسه.

وفي الوقت الذي كنت أكتب فيه هذا المقال، كان الرئيس أردوغان يعقد اجتماعا مهما ثانيا، جمع فيه مسؤولي جميع المؤسسات المنظمة للسوق.

ويفهم من مسار الأحداث أن هذه الأزمة لن تنتهي خلال وقت قصير، وأنها ستظل مطروحة على الساحة لفترة أطول.



   اقتراح    

list of 2 items



طموحات الصين البحرية.. والسيطرة على تايوان

طموحات الصين البحرية.. والسيطرة على تايوان





تقع الصين عند ملتقى أوراسيا والمحيط الهادئ، وتجمع جغرافيا بين خصائص القوة البرية والقوة البحرية، إلا أن الحضارة الصينية تشكلت تاريخيا حول الزراعة والأنهار الكبرى،

حيث وفرت الأراضي الخصبة والموارد المحلية قدرا كبيرا من الاكتفاء الذاتي، فلم تظهر حاجة ملحة إلى التوسع البحري أو البحث عن أسواق وموارد خارجية كما حدث لدى القوى البحرية الأوروبية.

أنتجت هذه البيئة عقلية سياسية واجتماعية تميل إلى الاستقرار والمحافظة والدفاع عن المجال الحيوي القائم.

ولهذا ركزت الصين عبر تاريخها على حماية حدودها البرية ومواجهة التهديدات القادمة من الشمال والغرب، بينما ظل البحر في مرتبة ثانوية ضمن أولوياتها الإستراتيجية.

وكان سور الصين العظيم التعبير الأوضح عن هذه العقلية الدفاعية، كما ساهم انتشار الفكر الكونفوشيوسي في ترسيخ قيم الاستقرار والنظام وتجنب الفوضى.

الأنشطة البحرية الصينية


ورغم أن الصين عرفت فترات ازدهار بحري، خاصة خلال رحلات تشنغ خه، فقد ظلت الأنشطة البحرية الصينية مرتبطة بأهداف تجارية محدودة، بينما استمرت الدولة في توجيه اهتمامها نحو التحديات البرية.

ونتيجة لذلك دخلت الصين العصر الحديث وهي تفتقر إلى التقاليد والمؤسسات والخبرات البحرية التي راكمتها القوى الغربية عبر قرون من الملاحة والاستكشاف.

وتنظر قطاعات كبيرة من النخبة الفكرية الصينية إلى هذا الإرث بوصفه أحد أسباب “قرن الإذلال”.

فمع حلول القرن التاسع عشر وجدت الصين نفسها في مواجهة قوى بحرية متفوقة فرضت حضورها على السواحل الصينية، بدءا من حروب الأفيون مع بريطانيا وصولا إلى التوسع الياباني في شرق آسيا.

ومن هنا بدأ الاهتمام الصيني المتأخر بدراسة الإستراتيجية البحرية، وإن ظل لفترة طويلة محصورا في إطار الدفاع عن السواحل وحمايتها.

تمتلك الصين نحو 3 ملايين كيلومتر مربع من المناطق البحرية الخاضعة لولايتها، وساحلا يمتد لأكثر من 32 ألف كيلومتر، من بينها 14 ألف كيلومتر من سواحل الجزر.

وتحيط بها 4 بحار رئيسية هي بحر بوهاي والبحر الأصفر وبحر شرق الصين وبحر جنوب الصين.

مصالح الصين الاقتصادية والأمنية


كما ترتبط مصالحها الاقتصادية والأمنية بغرب المحيط الهادئ. غير أن هذه المساحة البحرية لا تمنح الصين حرية حركة كاملة، إذ تواجه نزاعات إقليمية تشمل نحو 1.5 مليون كيلومتر مربع من المناطق البحرية، كما تصطدم بقيود جغرافية تفرضها “سلسلة الجزر الأول” كما تعرف في الأدبيات الصينية.

وتعد هذه السلسلة، الممتدة من اليابان مرورا بتايوان والفلبين وصولا إلى إندونيسيا، أحد أهم التحديات الجيوسياسية التي تواجه الصين.

فالساحل الصيني الطويل ينفتح على مجموعة من البحار شبه المغلقة التي يمكن عزلها أو حصارها خلال الأزمات، ما يدفع بكين إلى السعي لتأمين منافذ نحو المحيط الهادئ.

ومن هنا تكتسب تايوان أهميتها في التفكير الإستراتيجي الصيني، إذ تقع في قلب سلسلة الجزر الأولى وتشكل سواحلها الشرقية بوابة طبيعية نحو المحيط الهادئ.

ولذلك تنظر بكين إلى قضية تايوان على أنها مسألة ترتبط بمستقبل الصين البحري مثلما تتعلق بوحدة الأراضي الصينية.

ولذا يشدد “هو بوهو” الباحث في معهد أبحاث المحيطات بجامعة بكين في كتابه “القوة البحرية الصينية في القرن الحادي والعشرين” على أنه مهما بلغت قوة الصين البحرية من تقدم وقوة، فإذا لم تتمكن من حسم مصير تايوان، فإن أي طموحات بحرية ستتحول في نهاية المطاف إلى مجرد أوهام.

بين يدي الملك

بين يدي الملك