السبت، 30 مايو 2026

صعود الرؤساء الأمريكيين.. من بوش إلى ترمب

 صعود الرؤساء الأمريكيين.. من بوش إلى ترمب

رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث

لا يمكن فهم صعود الرؤساء الأمريكيين في العقود الأخيرة باعتباره مجرد نتيجة لصندوق الاقتراع أو مهارة الحملات الانتخابية، بل يجب النظر إليه بوصفه نتيجة تفاعل معقد بين تحولات عميقة في المجتمع الأمريكي وبنية الدولة ومراكز القوة الخفية؛ فكل رئيس يصل إلى البيت الأبيض هو في الحقيقة تعبير عن لحظة تاريخية مركبة، تتقاطع فيها أزمات الداخل مع تحولات الخارج، ويتداخل فيها الاقتصادي مع الديني، والاجتماعي مع الجيوسياسي.

منذ وصول جورج دبليو بوش وصولًا بصعود باراك أوباما وصولًا إلى انتخاب دونالد ترمب تتكشف مسارات متشابكة تكشف تآكل الإجماع الأمريكي التقليدي، وصعود صراعات هوية، وتبدّل في أدوات الهيمنة.

أولًا: مرحلة بوش الابن (2001 - 2009م).. تحالف المحافظين الجدد واليمين المسيحي:

مثّل عهد بوش لحظة فارقة في إعادة تعريف السياسة الأمريكية بعد 11 سبتمبر الذي لم يكن صعوده مجرد فوز انتخابي بل كان تتويجاً لتحالف فكري – سياسي عميق بين تيارين رئيسين.

الأول: المحافظون الجدد: الذين تبنوا فكرة أن الولايات المتحدة يجب أن تعيد تشكيل العالم عبر القوة العسكرية المباشرة.

الثاني: اليمين الإنجيلي: الذي أعطى السياسة بعدًا أخلاقيًا ودينيًا، مؤطرًا الصراع العالمي في ثنائية الخير والشر.

في هذا السياق، تحولت الحرب إلى أداة أيديولوجية، لا مجرد وسيلة أمنية، وبرز دور «المجمع الصناعي العسكري» كمحرك مركزي في قرارات الحرب، مدعومًا بتأثير منظمات ضغط مؤثرة التي رأت في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية فرصة لتعزيز الأمن.

ثانيًا: مرحلة أوباما (2009 – 2017م).. تحول ديموغرافي ووعد بالتغيير:

جاء صعود أوباما بوصفه رد فعل اجتماعي ونفسي على مرحلة بوش، لا مجرد تحول حزبي؛ فقد مثّل تحالفًا جديدًا ضم العرقية والشباب والطبقة المتعلمة في المدن الرئيسة الكبرى.

كان انتخابه رمزًا لتحول ديموغرافي عميق في المجتمع الأمريكي، حيث بدأ تراجع الأغلبية البيضاء ككتلة انتخابية مهيمنة.

لكن المفارقة أن خطابه التغييري اصطدم بصلابة بنية الدولة العميقة، فبينما رفع شعار التغيير، استمرت السياسات الخارجية الكبرى في جوهرها، وإن بأسلوب مختلف، القيادة من الخلف بدل التدخل المباشر.

هذا التناقض بين الخطاب والممارسة زرع بذور إحباط عميق لدى قطاعات واسعة من الناخبين، وهو ما مهّد لاحقًا لصعود موجة احتجاجية غير مسبوقة.

ثالثًا: مرحلة ترمب (2017 – 2021م).. تمرد الأطراف وعودة القومية:

جاء ترمب من خارج المنظومة السياسية التقليدية، مستثمرًا شعورًا متراكمًا بالغضب لدى قطاعات واسعة من الطبقة العاملة، خاصة فيما يُعرف بـ«Rust Belt».

لم يكن ترمب نتاج النخب، وإنما تعبير عن رفضها، وقد اعتمد على سردية قوية تقوم على استعادة الهوية الوطنية ورفض العولمة ومعاداة النخب السياسية والإعلامية.

لقد حوّل الانقسام الاجتماعي إلى وقود سياسي، مستخدمًا خطابًا مباشرًا يتحدى المؤسسات، ومعتمدًا على تحالفات مع قوى اقتصادية متضررة من العولمة، إضافة إلى استثمار فعال في الإعلام الرقمي والتواصل المباشر مع الجمهور.

«اللوبيات».. وصناعة القرار

لا يمكن فهم صعود أي رئيس أمريكي دون تفكيك منظومة القوى غير المرئية التي تصنع القرار، فالانتخابات ليست سوى الواجهة، أما العمق فيتمثل في «اللوبيات» المالية والصناعية، ومراكز التفكير وصناعة السياسات، وشبكات التمويل السياسي.

وتودي شركات السلاح والطاقة والتكنولوجيا أدواراً محورية في توجيه السياسات، عبر أدوات مثل التمويل الانتخابي، والتأثير الإعلامي، وتوجيه النقاش العام.

التحولات البنيوية

وفق منهج تحليلي يربط بين التاريخ والبنية الاجتماعية والجغرافيا السياسية، يمكن تحديد 3 مسارات كبرى:

1- تراجع منظومة القيم الليبرالية التقليدية لصالح الشعبوية وصراعات الهوية.

2- انتقال مركز التأثير من النخب التقليدية إلى الشارع والمنصات الرقمية.

3- اختلاف الأدوات مع بقاء الهدف ثابتاً، وهو الحفاظ على التفوق الأمريكي، سواء عبر التدخل العسكري، أو القوة الناعمة، أو الحمائية الاقتصادية.

الرئاسة بوصفها انعكاساً لبنية القوة

تكشف تجربة الرؤساء الأمريكيين في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أن الرئاسة ليست مركز القرار المطلق، وإنما موقع تقاطع لقوى متعددة؛ فالرئيس، أياً كان اسمه يعمل ضمن بنية معقدة من القيود والضغوط، حيث تتفاعل المصالح الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية، والتحولات الاجتماعية.

وهكذا، فإن فهم السياسة الأمريكية لا يمر فقط عبر تتبع الرؤساء، بل عبر قراءة القوى التي تصنعهم، والظروف التي تفرضهم، واللحظات التاريخية التي تجعل منهم تعبيراً عن مرحلة كاملة من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

الجمعة، 29 مايو 2026

رحلة البحث عن السعادة

 رحلة البحث عن السعادة

محمد صالح البدراني

"السعادة ليست بلوغ الهدف وإنما هي نظام القناعة والرضا"


الوسائل والغايات

عندما نريد أن نصل بدقة إلى ماهية الشيء؛ علينا أن نفككه، ونحن نفعل هذا غريزيا، فالطفل يحطم اللعبة التي تثير فضوله، لأنه لا يعرف كيف يفككها ويبقيها سليمة ليعيدها، هو يبحث عن فهم لماهيتها وإلا فهي تعجبه ويحبها وربما يبكي بعد أن يحطمها، كذلك يستمر يحطم كل ما يمر به بطريقة وأخرى ما لم يحرك منظومته العقلية ليدرك الماهية من وظيفة الأشياء، أو يعرف ما يريد ويفرق بين الآلية والوسيلة والغايات، وأي منها يحرك مساره؛ أهو الفرح ببلوغ الغايات، أم شحنة النجاح في قيادة الواسطة التي يفترض أنه سيبلغ بها الأسباب التي ندر ما تبلغ في واقعنا، لأننا نتحرك غالبا بعقل القطيع حتى عندما نظن أننا أبدعنا، بيد أننا لم نبدع، وإنما تمكنّا من وسيلة لكن لا نقودها صوابا نحو الغايات وإنما نستقر عند هدف يشير إلى التفوق بالوسيلة، كأن أنجح في وظيفة أو عمل تجاري أو إنجاز كتاب وهكذا.

كم من الناس يعتبر نجاحه في هذه الوسيلة إلى السعادة تفوقا ويشتكي أنه مجهد وليس سعيدا، فلا المال يسعد ولا الجاه يسعد ولا مكانة اجتماعية تسعد، ويبقى الإنسان يسأل أين السعادة، وننظر فنرى أن السعادة تعبير عن إنجاز مهمة فهي ومضة، ويقول قائل الدنيا دار ابتلاء، ولا سعادة إلا في الآخرة حيث لا شقاء.

ثوابت ينبغي إدراكها:

إن الله جل وعلا لم يجعل الآدمية كسلالة في الأرض إلا لاختبار منظومتها العقلية، وكيف ستفهم الأمور وكيف سيكون القرار، وفشلها يظهر على الأرض بشكل حروب مدمرة لا هدف ساميا لها ولا إزالة للظلم، بل تأكيده أو تحويله من ظلم إلى توحش يفقد الآدمية معناها، ومع هذا ترى المجرم القاتل حنونا على أبنائه ويحب القريب منه ولكن تحت المجهر سنرى اختلافا عن الإنسان السوي، لكنه يمارس حياته بسلطة الغريزة وعلو غرائزه في حب السيادة والتملك والنوع والبقاء، هو ليس سعيدا ولكنه ترك غرائزه تستعمر منظومته العقلية، هو في امتحان منظومة العقل يعتبر فاشلا، وربما الناس مع انخفاض الوعي والقيم تعتبره ناجحا، فيزيد اعتقاده بأنه بلغ الغاية، والتسطح واضح فيما بلغ، سواء كان قاتلا أو غشاشا في تجارة أو مستحوذا على أموال الغير أو محتالا، أو أي ممن يعرف كل الناس ويذمهم بل يذم من يمارسها، ولو فعَّل منظومته العقلية لأدرك أنه لم يبلغ السعادة كغاية ولم يسر في طريقها، هو من أوصل نفسه لهذا الطريق، فالله يريك أقدار الأرض وسنن الكون ثم يرى عزمك وتصرفك بإرادتك.

تحديد الأهداف إلى الغايات:

الناس يبحثون عن النجاح، والنجاح نهاية مرحلة وليس صفة دوام، وفي رحلة البحث عن السعادة قلما تجد أناسا يعرفون بالضبط ما يريدون عندما تتحول الوسائل أهدافا، ويتعاظم الحلم السابق للوصول لما بعد الوصول إلى الأهداف والغايات التي تتمركز بها السعادة على ومضات متعددة لتشكل الإضاءة القصوى المتخيلة والتي ندر من الناس من يحصل عليها. وربما هؤلاء لا مال ولا جاه لهم ولا منصب، لكنهم أدركوا الدرب ولم يسرعوا وهم يحلمون فيفوتهم ممر يؤدي إلى السعادة وهم عنه غافلون، كما يحصل عند من يغرم بالنجاح اللحظي ويظن أنه حقق السعادة، قبل أن يجد أن الطريق إلى السعادة ما زال طويلا وأنه وصل نهاية مرحلة إنجاز في آلية ليس مطلوبا الاستمرار فيها. وقد يكون بوهمه بها وتمتعه وهو يسير بسرعة لإدراك السعادة قد فاته الانتباه إلى الممر المؤدي إلى السعادة، ويستمرون في الأهداف بطريق لا عودة فيه ولا استدارة فيبقى الوهم يشغل الحياة.

ما هي السعادة إذن؟

علينا أن نفرق بين متعة الإنجاز ومتعة الشراب أو الطعام وبين والسعادة، السعادة ليست متعة الإنجاز، وليست متعة حاجة أو غريزة، وكذلك السعادة ليست إحساسا بحالة فوز أو ملذات، وإنما السعادة بالرضا عن قناعة وخلق جو المتعة بالحياة مع محيطك عائلة أو جوار، واعتبار عوارض الحياة ليس قهرا أو غمّا وإنما هي من مسارها. وأتعس الناس هو من لا يفعل هذا أو يتولد عنده ذا الشعور، بل التعيس من تأتيه فرصة سعادته مع رفيق أو شريك وهو لا يتصور أنها فرصة سعادته فيعبر المنعطف المؤدي إليها بكل إصرار متصورا أن سعادته بوهم في ذهنه قد لا يكون هو من وضعه هدفا، وإنما وراثة أو ما يحبه الناس، غير مدرك أن إحساسه بمتعة الإنجاز متكرر متخيل، فهي ليست ما عمل من أجلها ولا امتهن مهنته من أجلها ولا سافر من أجلها، وإنما أتته من حرصه على أن يحقق سعادة لم يعرفها يوما ليميز بين السعادة ومتعها وبين متعة الإنجاز أو ملذات صغير. وهنا قد تكون السعادة مع غني لا يحمل همّ ثروته أو يكون هو الخادم والعبد لها بارتفاع غريزة التملك التي لا تقنع بالمتاح، سواء عند فقير أو غني، ولا بمن ليس لديه مشاكل واضحة، لكن تعاسته أنه لا هدف عنده؛ فالسعادة إذن ليست بلوغ الهدف وإنما هي نظام القناعة والرضا، وهذان يتوفران في الجنة الموعودة، لذا سيكون الإنسان سعيدا وفق هذا المعيار.


أخطأ خالد وأصابت امرأة مكلومة في غزة! نحو مراجعات واجبة للخطاب الإسلامي

أخطأ خالد وأصابت امرأة مكلومة في غزة!
نحو مراجعات واجبة للخطاب الإسلامي


لم يخطئ خالد مشعل، بل أصاب في إعلائه من فريضة الجهاد ووجوبها كخيار أساسي ورئيسي لاقتلاع المحتلين، كما أصاب أبو الوليد في انحيازه للمجاهدين وإعلائه من قدرهم، فأين إذًا الخطأ الذي وقع فيه أبو الوليد في خطابه المعلن ورسالته لعموم الأمة وخصوص الفلسطينيين وأهل غزة المكلومين؟

إن الخطأ الذي وقع فيه خالد مشعل هو في شكل الخطاب الذي يتناول قضية الجهاد والمعارك واستحقاقاتها وآثارها المعتبرة على الناس، ولا شك بأن هذا الخطأ الذي جاء على لسان أبي الوليد بصيغة غير موفقة في جواب على سؤال حساس، وكأنه فخ ومصيدة، هو إشكال حقيقي في عموم الخطاب العربي والإسلامي، ويستوي فيه خطاب جمال عبد الناصر مع خطاب البعث مع الخطاب الإسلامي، وهنا يتبين تأثير البيئة العربية على الخطاب الرسالي المرتبط بقيم إسلامية وأحكام شرعية، ولا شك بأن هذا جزء من آفات العمل الحركي والمناكفات الحزبية.

ويزيد الطين بلة أن يكون الخطاب العلماني المجرم العاري عن القيم الإنسانية والمعادي للأحكام الشرعية هو الأقدر والأمهر على التعامل مع الخطاب المتعلق بقضايا الصراع اليوم، وهو ما أثمر تفاعلًا مخدوعًا لشرائح من الأمة مع الخطاب العلماني، وتنكرهم وامتعاضهم من الخطاب الإسلامي رغم صدقيته وغش وخداع الخطاب العلماني الفاشل.

ولكن إذا ما فحصنا الخطاب الإسلامي بخصوص معركة السابع من أكتوبر، نجد أن هناك أصواتًا مميزة ضبطت الخطاب بجانبيه القيمي وأحكام الشريعة خارج إطار حركة حماس -المأزومة سياسيًا واجتماعيًا اليوم-، فكان أكثر توازنًا في التعبير عن جوهر الدين، وأكثر مهارة وتوفيقًا في رعاية أحوال العباد، ومن أبرز هؤلاء الشيخ الأصولي فقيه غزة وفلسطين الشيخ سلمان الداية.

أعود فأقول إن إعادة المراجعة للخطاب الإسلامي الثوري ضرورة ملحة لإبراز المفاهيم القرآنية الإسلامية بشكل نقي يتخلص من عقل البيئة العربية الطاغي على الخطاب الإسلامي المعاصر، كما ويحفظ فريضة الجهاد حيوية ومؤثرة في واقع الأمة.

وقد كتبت في هذا السياق مقالات عديدة تناقش إشكالية تضخم فريضة الجهاد في العقل الإسلامي المعاصر، مما يستدعي إعادة ضبط تصور إسلامي يعكس المنهج القرآني والسيرة النبوية، ويتخلص من أزمة وحقبة الإسلاميين في سجون الطواغيت والظالمين في القرن الأخير بعدما زالت الخلافة، حيث أثر ذلك بشكل ملحوظ ابتداء من خطاب صاحب الظلال البديع سيد قطب رحمه الله، وحتى خطاب بن لادن والظواهري رحمهما الله، ومرورًا بعموم خطاب الحركات الإسلامية السلفية الجهادية كما الإخوانية، حيث يتقاطع الجميع في ضعف الخطاب السياسي الإسلامي الذي يتناول فريضة الجهاد ويطرح مقارباته الموضوعية في معاركه مع الأعداء، وذلك بشكل يلتقي مع فكر الثورة والثوار دون أن يعكس ظلال الوحي منضبطًا بأحكام الشريعة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان هناك تميز في التاريخ البشري لجوانب الإنسانية ورعايتها، فهو من حق المسلمين وحظهم، بل إن نصوص الوحي قرآنًا وسنة تشير إلى رحمة ورأفة ورعاية للبهائم والشجر والحجر، فكيف يتصدر الخطاب الإسلامي اليوم ويسقط قيمة وأهمية الدماء والتوقف أمامها وبناء المواقف تجاهها؟

وبكلمة يمكن القول: سيبقى خيار الجهاد أساسيًا في مقارعة المحتلين، ولكن بشرط أن تبقى المركزية للوحي والأمة والدين، وهو ما يقدم ويؤخر الجهاد ويتحكم في صيغه ومقارباته ضمن موازنات شرعية تعتبر المآلات الراجحة وتنضبط بأحكام الشريعة، وهو ما أثرى بحثه علماء الفقه والأصول ثراء عظيمًا. فهل ستعيد الأحزاب والحركات والتنظيمات والجماعات الإسلامية مراجعة مقارباتها لتكون أكثر انضباطًا بالوحي، وتحقيقًا لمطالب الشريعة، وحفظًا ورعاية للإنسان؟

ومن المهم هنا التمييز بين النوع والمعين، وفق ما قرره علماء الأصول، لا سيما عند الشافعية؛ فالكلام على نوع من الخطاب أو نقد صيغة من صيغ الطرح لا يستلزم بالضرورة الطعن في المعين أو نفي فضله أو صدقه أو توازنه.

ومن هنا، فإن النقد المتعلق بخطاب خالد مشعل لا يعني أن الرجل يحمل ذات التصورات المضطربة التي تعكسها بعض صيغ الخطاب الحماسي أو المناكفات الحزبية، بل إن أبا الوليد -فيما يظهر من مجمل تجربته ومواقفه- أكثر توازنًا ونضجًا من كثير من العبارات التي قد تصدر في لحظات الاستفزاز السياسي أو تحت ضغط البيئة الحزبية والإعلامية.

ولعل من المهم إدراك أثر البيئة العربية السائدة في تشكيل الخطاب السياسي؛ إذ إن لغة المبالغات والمناكفات والتعبئة العاطفية سمة بارزة في كثير من الخطابات القومية والبعثية والثورية، وقد ظهرت بوضوح في خطابات ياسر عرفات وغيره، وهو ما يتسرب أحيانًا إلى بعض الخطابات الإسلامية المعاصرة، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن البنية الفكرية العميقة لصاحب الخطاب أو عن قناعاته الحقيقية المستقرة.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 29/5/2026

فوق السلطة 494 سيلفي الحج والمعجزة

فوق السلطة 494 سيلفي الحج والمعجزة
نزيةالاحدب


"فوق السلطة": هل أصبحت الكاميرا تنافس البعد الروحي للحج؟
تناولت حلقة (29 مايو/أيار 2026) من برنامج “فوق السلطة” للإعلامي نزيه الأحدب على شاشة الجزيرة، التحولات التي يشهدها موسم الحج بين الأبعاد الروحانية التقليدية وثقافة التوثيق الرقمي.

وافتتحت الحلقة بمشهد الحج بوصفه رحلة إيمانية يتجدد حضورها كل عام، بين أصوات التلبية ومشاهد الحجاج في المشاعر المقدسة، حيث سلطت الضوء على التناقض بين من يعيشون لحظات الخشوع والعبادة، وآخرين حوّلوا الطواف والوقوف بعرفات إلى محتوى للبث المباشر ومقاطع الهواتف المحمولة سعيا وراء المشاهدات والتفاعل الرقمي.

وتوقفت الحلقة عند الجدل المتكرر بشأن التصوير خلال أداء المناسك، متسائلة عما إذا كانت الكاميرا أصبحت تنافس البعد الروحي للحج، في ظل انتشار واسع لمقاطع الفيديو والصور الشخصية داخل المشاعر المقدسة.

وفي جانب إنساني، عرضت الحلقة قصصا لحجاج سوريين من الجرحى وذوي الإعاقات، تمكنوا من الوصول إلى مكة المكرمة بعد سنوات من الحرب والمعاناة، واعتبر بعضهم أداء الفريضة "انتصارا على الألم والعجز" بعدما حالت ظروف الحرب سابقا دون تحقيق هذه الأمنية.

كما تناولت قصة ماء زمزم باعتباره رمزا لمعجزة تاريخية ارتبطت بالسيدة هاجر وابنها إسماعيل، مستعرضة في الوقت نفسه منظومة الخدمات الحديثة التي تدير توزيع المياه وتلبية احتياجات ملايين الحجاج سنويا.

وفي الملف الفلسطيني، تناولت الحلقة استمرار حرمان آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة من أداء مناسك الحج للعام الثالث على التوالي، في ظل الحرب والحصار، مشيرة إلى قصص مؤثرة لفلسطينيين أنهوا إجراءات السفر للحج قبل أن يستشهد بعضهم جراء القصف الإسرائيلي.

قضايا مختلفة

سياسيا، ناقشت الحلقة تقارير تحدثت عن محاولات لإعادة الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى واجهة المشهد السياسي الإيراني، بالتزامن مع تحولات داخلية وإقليمية تشهدها طهران.

كما استعرضت تحذيرات دولية من اتساع تداعيات الحروب والنزاعات على الأمن الغذائي وسوق العمل عالميا، وسط مخاوف من ارتفاع معدلات البطالة واضطراب سلاسل الإمداد في عدة مناطق.

وفي العراق، سلطت الحلقة الضوء على احتجاجات خرجت للمطالبة بفرص العمل وتحسين الأوضاع الاقتصادية، بالتزامن مع انخراط بغداد في مناقشات تتعلق بالأمن الإقليمي والتوترات المحيطة بالمنطقة.

أما في سوريا، فتناولت الحلقة الجدل الذي أثاره قرار منع دخول البضائع الإسرائيلية، إضافة إلى التفاعل الواسع مع تقارير تحدثت عن هدية عطر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع.

  • وهذه أبرز المواضيع التي تناولتها الحلقة:
  • افتتاحية الحج.. بين المغفرة وروحانية المشاعر.
  • قصص الحجاج السوريين.. من الحرب والإعاقة إلى مكة.
  • زمزم.. المعجزة التاريخية ومنظومة الخدمة الحديثة.
  • حج غزة المؤجل.. آلاف المحرومين من الفريضة.
  • تقارير عن أحمدي نجاد وخطط تغيير المشهد الإيراني.
  • تحذيرات دولية: الحرب تهدد الغذاء والوظائف عالميا.
  • العراق بين مطالب الشارع الاقتصادية وملفات الأمن الإقليمي.
  • سوريا.. منع البضائع الإسرائيلية وجدل هدية ترمب للشرع.

علمانيون.. والله أعلم!

علمانيون.. والله أعلم!

 

 لم يكن بيان تنحي مؤسس حركة علمانيون وإعلان تجميدها ووقف نشاطها الآثم مجرد خبر عابر يمر مرور الكرام، حتى لو تم الالتفاف حوله والتراجع عنه لاحقًا على غرار خطاب التنحي الشهير في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

دعك من أصحاب شعار: “أميتوا الباطل بالسكوت عنه”؛ فهذه سبيل العجزة والضعفاء وقليلي الحيلة ومنزوعي النخوة. ليس كل باطل يجب السكوت وغض الطرف عنه. هناك باطل تلزم مواجهته وكشفه وفضحه وكسر أنفه. 

عندما يستهدف هذا الباطل عقيدتك ودينك لا تكون الوسيلة المثلي لمواجهته السكوت والاستسلام. السكوت علامة الرضا في شؤون الخطبة والزواج والبيع والشراء، وليس في ثوابت الدين.

 ظلت الحركة على مدار خمسة عشر عامًا كاملة، وعبر أكثر من 800 فعالية -بحسب ما ورد في خطاب التنحي المزعوم- لا تكيد سوى للإسلام والمسلمين. 

بقي خطاب الحركة عدائيًا للدين الرسمي للدولة المصرية: شريعة ومنهاجًا وتاريخًا وميراثًا. كانت معركة الحركة ورموزها وضيوفها مع الإسلام، ولا شيء غيره. بدت الحركة الوجه الآخر للتطرف. إذا كان هناك مسلمون متطرفون، فإن هناك أيضًا علمانيين متطرفين. 

لماذا لا يُقبل التطرف في الدين، ويُقبل في العلمانية؟! هل التنوير أن تسبَّني، فإن رددتُ عليك إساءتك أكون متشددًا؟ إن هذا لشيء عُجاب!!

فضلاً عن أنه كان استعلائيًا متطرفًا عدوانيًا تافهًا متهافتًا ساقطًا متدنيًا، فإن خطاب الحركة ظل على مدى خمسة عشر عامًا خطابًا أحاديًا، لم يسمح بـ”رأي آخر” يواجهه ويُحاججه. الرأي الآخر المناوئ للحركة كان مرفوضًا ابتداءً وانتهاءً، وموصومًا بالتخلف والرجعية. 

لا تُجادل ولا تناقش يا أخ علي! لم يكن الغرض هو إعمال العقل، (Absolutely)، ولكن فرض أمر وقع ورأي واحد دون نقاش أو جدال.

 دأب صالون الحركة على استضافة واستقطاب كل من يُظهر كراهية للإسلام؛ لينفثوا سمومهم مطمئنين، وينشروا عبر الأذرع الإعلامية المتاحة سخافاتهم وسخائمهم آمنين. 

مَن أمن العقوبة أساء الأدب. ولأنهم أمِنوا العقوبة والحساب خمسة عشر عامًا، فإنهم لم يتوقفوا يومًا عن إساءة الأدب بكل وسيلة. هم مجرد علمانجية، مَثلهم كمَثل الكلبجية، يعملون بأجر عند أسيادهم، وإن تظاهروا بأنهم أصحاب مبدأ وقضية!

اتسم خطاب الحركة بحالة من الجهل المركب وادعاء الفهم واحتكار الحقيقة. أطروحاتها قديمة ومكررة، وسبق تفنيدها وتفكيكها. لم تتبنَ الحركة طرحًا مختلفًا ولا فكرة جديدة؛ إنما جاءت الأفكار والأطروحات إفرازًا عفنًا لكتابات مستشرقين غربيين كارهين للإسلام بالسليقة، سبق تدويرها، وثبت تهافتها وتهافت مَن يرددونها. بضاعة راكدة “روبابيكيا” غير صالحة للاستهلاك الفكري والعقلي. 

يقولون إن الكون خُلق من عدم، فلماذا لم يخلقوا مالاً من عدم؛ يدفعون به الإيجار المتأخر؟ّ

وتزامنًا مع خطاب التنحي المزعوم، وأظنه ثمثيليًا، بدأ صياح بعض الديكة والثعالب والضباع الذين يرون في اختفاء الحركة عن المشهد العام خسارة فادحة؛ مطالبين باكتتاب عام لدعم الحركة وتمويلها وإعادة الدماء إلى أوصالها المسدودة. 

أحد المتباكين على قرار التجميد يزعم أنه من مصلحة الدولة المصرية بقاءها والحفاظ عليها وديمومتها؛ فهل الدولة المصرية تحتاج إلى من يحتقر دينها ويزدريه؟! المطالبون بتمويل الحركة هم أنفسهم مَن يدعون إلى وقف بناء المساجد ويحرضون على تعطيل فريضة الحج وتوجيه أموالها -التي هي من جيوب الشعب- إلى مآرب ومقاصد أخري من صميم عمل الحكومة! منطق سقيم وفكر أحمق لم يسهم يومًا في نهضة ولا تنمية ولا طفرة حضارية حقيقية.. 

لا يزال في الحضيض متسع، وفي القاع فضاء رحب لكل هذه الفقاعات والتفاهات!

تنحت الحركة أو عادت مجددًا، فإن حالة الترحيب العام -التي صاحبت خطاب التنحي- يجب أن تكون رسالة إلى الدولة المصرية بأن تستفيق من غفوتها، وأن تتوقف عن تدليل مثل هذه التيارات واحتضانها واحتوائها؛ لأنها ليست أكثر من ورم شيطاني، يلزم استئصاله، وتطهير المشهد العام منه.. 

وإن لم تفعلوا فلا تنتظروا إلا جزاء أم عامر التي قال عنها القائل:

 ومَن يَصْنَع المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهلِهِ  

                 يُلاَقِ الَّذِي لاَقَى مُجِيرُ أُمِّ عَامِرِ  

أَدَامَ لَهَا حَتَّى اسْتَجَارَتْ بِقُرْبِهِ

                 طَعَامًا وَأَلْبَانَ اللِّقَاحِ الدَّرَائِرِ 

وَسَمَّنَهَا حَتَّى إِذَا مَا تَكَامَلَتْ

                  فَرَتْهُ بِأَنْيَابٍ لَهَا وَأَظَافِرِ 

فَقُلْ لِذَوِي المَعْرُوفِ هَذَا جَزَاءُ

             مَنْ بَدَا يَصْنَعُ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ شَاكِرِ.

أمريكا وسنينها

 أمريكا وسنينها

  

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، رئيس أكاديمية العلاقات الدولية

الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال 250 عامًا منذ استقلالها عام 1776 وحتى 2026، تعاقب على حكمها 45 رئيسًا، يختلفون فيما بينهم اختلافات جذرية، وفي العديد من المعايير المهنية والاجتماعية والمهارات والقدرات الشخصية

ووفق قياسات الرأي العام الداخلية

بعضهم قد يكون شديد الذكاء وبعضهم شديد الغباء

بعضهم فاشل وبعضهم ناجح

بعضهم يميل للانعزالية الداخلية وبعضهم يميل للتوسع

بعضهم يتاجر بشعارات وأدوات القوة الناعمة وبعضهم يفرط في استخدام القوة الصلبة.

الفكرة هنا:

أن الولايات المتحدة ليست إلهًا تجب عبادته، أو أن رؤسائها رسلًا مبعوثين أو ملائكة أطهارًا

ولكنها دولة مثل سائر الدول وحكامها بشر مثل سائر البشر

وبالتالي:

العمل تحت مظلة «أمريكا ربكم الأعلى» هو ذل وخنوع وانبطاح وتبعية غبية.

أميركا ليست قدرًا محتومًا، وستدور عليها السنن الكونية كما دارت على إمبراطوريات أطول منها عمرًا وأوسع منها امتدادًا

وهنا

يجب أن تكون نقطة التفكير الرئيسية، هي كيفية الخروج من أسر هذا الانبطاح وتلك التبعية لدى كثير من الحكومات العربية والإسلامية وغيرها في عالم الجنوب

وهذا يطلب التمييز الدقيق بين:

(1) توفر الرغبة في الخروج والتحرر

(2) توفر إمكانية الخروج والتحرر

(3) توفر القدرة على الخروج والتحرر

(4) توفر الإرادة على الخروج والتحرر

(5) العمل الواعي على الخروج والتحرر

المشروعات الكبرى تبدأ من أفكار كبرى

لمن يريد الحرية والكرامة