الفرقان في سورة «الفرقان»..
د.عطية عدلان
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلاميلم يكن أكبر ضرر تعرض له الحقُّ في يوم من الأيام متمثلاً في الحرب الصريحة التي يعلنها الباطل عليه، صحيح أنّ الحرب التي يعلنها الباطل على الحقّ ضرر كبير، لكنّ الضرر الأكبر يتمثل في التلبيس؛ لأنّ التلبيس يعطي الباطل فرصةً للبقاء، ويكسبه قدرةً على المناورة والمداورة والروغان، ويحرزه بعيدًا عن مرمى سهام الحقّ، ويؤجل، بل ربما يعطل الحسم الذي سيكون لصالح الحقّ حتمًا.
لذلك، كان لا بدّ من بلوغِ البيان حدَّ الفرقان، الذي يفرق بين الحقّ والباطل؛ وهكذا القرآن:
(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ {3} مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) (آل عمران).
وسورة «الفرقان» مكّية باتفاق، ولعلّ نزولها كان في المرحلة المكِّية المتوسطة، التي احتدم فيها الجدل بين الحقّ والباطل، ففي تلك المرحلة في سياق معركة العقيدة المشتعلة في مكة نزلت سور عديدة، كالأنعام والرعد والفرقان وغيرها من السور، تميزت بخوضها معركةَ العقيدة بكلّ تجلّياتها وصورها، بالردّ المفحم على الشبهات، والمقارنة الجادة الصارمة بين التوحيد والشرك، وبيان ما عليه أهل الشرك من تناقض في التصورات والأوضاع، فكانت هذه السور فرقانًا فرّق الله به بين الحقّ والباطل.
لكن يبقى أنّ سورة «الفرقان» كانت متميزة من بين كلّ هذه السور بأنّ الفرقان هو موضوعها الرئيس، وبأنّ مهمتها متركزةٌ على بيان أنّ القرآن فرقانٌ؛ ولذلك سميت السورة بهذا الاسم الباهر الساطع «الفرقان»، وذُكِرَ القرآنُ بهذا الوصف في أولها.
ومن تأمّل السورة وجدها فرقانًا حقيقيًّا، فرّق بين الحقّ والباطل، وفرّق بين أهل الحقّ وأهل الباطل، واستمرّ على هذا الطريق ليثمر في النهاية صورة تُعدّ معيارًا وميزانًا تعاير بمقياسها وتوزن بميزانها كلّ المجتمعات؛ فبقدر ما يقترب منها مجتمع من المجتمعات أو جيل من الأجيال يكون منحازّ للحقّ مجانبًا للباطل، وبقدر ما يبتعد عنها مجتمع من المجتمعات أو جيل من الأجيال يكون منحازًا للباطل مجانبًا للحقّ، هذه الصورة هي صورة «عباد الرحمن» التي ختمت بها سورة «الفرقان».
ومن هنا نستطيع أن نقول: إنّ الموضوع الرئيس لسورة «الفرقان»، الذي تدور في فلكه كلّ الموضوعات في السورة وتتحقق به وحدتها الموضوعية هو «القرآن فرقانٌ فرّق الله به بين الحقّ والباطل وبين أهل الحقّ وأهل الباطل»، فُرْقانٌ بقوة الحجة وسطوع البرهان، فرقان بما فيه من بيان وتبيان، فرقان بعقيدته الصحيحة السليمة وشريعته السمحة القويمة، ومنهاجه الواضح البيّن.
(تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان: 1)، هكذا جاءت البداية قويّة ومدوية ومُطْلِقَةً جملةً من الحقائق ذات الوزن الثقيل،
أولاها: أنّ هذا القرآن فرقانٌ، ويلزم من كونه فرقانًا أن يبلغ في البيان والتبيان وقوة البرهان مبلغًا يُمَكِّنه من التفريق بحسم وعزم بين الحقّ والباطل.
ثانيتها: أنّ هذا القرآن الذي أنزله الله فرقانًا ليس لأمّة بعينها دون باقي الأمم، بمعنى أنّه رسالة عالمية نزلت لتكون للعالمين أجمعين.
ثالثتها: أنّ أشرف ما يوصف به إنسان هو العبودية للرحمن، فهذا السياق سياق رسالة، تضمن الإنزال والإنذار والفرقان؛ ومع ذلك لم يقل: «نَزَّل الفرقان على رسوله»، وإنّما قال: (عَلى عَبْدِهِ)؛ لأنّ أشرف ما يوصف به الإنسان هو عبوديته للرحمن.
رابعتها: تلك البركة التي تحلّ بالإنسانية، بما أنزل الله من الفرقان، وبما يحمله هذا الفرقان من هدايات يتحقق بها الإنذار النافع، هذه البركة السابغة تحملها أول كلمة في السورة «تبارك»، التي تعني: تَكَاثَرَ خيرُه وتَعَاظَمَ عطاؤُه، وامتدّ واتسع فضله.
وبعد هذا المطلع القويّ المدوي تبدأ سورة «الفرقان» في ممارسة عملها في التفريق الحاسم بين الحقّ والباطل، فتَعْرِضُ صورتين متقابلتين بينها بُعْدٌ لا نهائيّ، الصورة الأولى للحق والثانية للباطل، الأولى تعكس القدرة الإلهية المطلقة والثانية تعكس العجز المطلق للآلهة المزعومة:
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً {2} وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً) (الفرقان).
وفي السورة جولات للرد على الأباطيل والشبهات، أبرزها هذه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً {32} وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (الفرقان)، ومن المعلوم بالضرورة أنّ القرآن لم ينزل جملة واحدة، وإنّما نزل مفرقًا ومنجمًا على مدى 23 سنة، فلماذا حدث هذا؟ ولماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة؟ وقد اتخذوا من هذا السؤال سبيلًا إلى الطعن في الرسالة؛ إذْ -في زعمهم- لو كان الرسول صادقًا في دعواه بأنّ هذا القرآن من عند الله العليّ القدير لنزل جملة واحدة، ولما نزل مفرقًا هكذا، فنزوله مفرقًا ينقص مصداقيّته.
والحكمة من نزول القرآن مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا جاءت هنا بهذا الإيجاز المعجز: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً {32} وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)، فالرسول ومن معه من المؤمنين يحتاجون في كل موقف إلى تثبيت، فلو نزل القرآن جملة واحدة لم يتحقق به التثبيت إلا مرة واحدة، والدعوة في أول أمرها وهي تشقّ عباب الجاهلية تتعرض لأهوال جسام وغربة بين الأنام؛ فحاجتها لتكرار التثبيت لدى كلّ موقف أشدّ، وهذا معنى قوله تعالى (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ)، هذه هي الحكمة الأولى.
أمّا الحكمة الثانية فهي متمثلة في أنّ تربية المؤمنين تحتاج إلى تؤدة وأناة وتدرج، فلا بد أن يتدرج نزول الوحي وأن يتّئد، كما قال تعالى في الإسراء: (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (الإسراء: 106)، وهنا في الفرقان قال سبحانه: (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً).
أمّا الحكمة الثالثة فجاءت متمثلة في قول الله سبحانه: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً)؛ أي أنّ من أسباب نزول القرآن مفرقًا مواجهة الشبهات التي يثيرها الجاهليون أولًا بأول، فكلما جاءوا بمثل من الشبهات والترهات جاءهم الوحي بالجواب الحقّ.
وإنّ من البيان والتبيان والفرقان أن يساق البرهان على ربوبية الرحمن: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً {45} ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً {46} وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً {47} وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً {48} لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً) (الفرقان)، (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً {53} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (الفرقان).
وتستمرّ السورة بتقنيات عديدة في عملية الفرقان، إلى أن تُختم بهذه اللوحة المشرفة، صورة كلية لعباد الرحمن تشتمل على الخطوط العريضة لمنهجهم في الحياة، فهذه أسس النظام الأخلاقيّ لهم: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، (الفرقان: 63)
وهذه ذروة النظام الشعائريّ: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً {64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً {65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) (الفرقان).
وهذا صمام أمان النظام الاقتصاديّ لديهم: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) (الفرقان: 67)، وهنا أهم مقومات الحفاظ على المجتمع: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) (الفرقان: 68)، (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) (الفرقان: 72).
وهذه النواة الأولى للرشد المنهجي المعرفي الأبيستمولوجي: (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) (الفرقان: 73)، وهذه في النهاية منهجية بناء الأمل: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) (الفرقان: 74)، هؤلاء هم عباد الرحمن، صفاتهم معيارٌ للحقّ، وفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل، أمّا الذين أقصاهم الفرقان فلا قيمة لهم: (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) (الفرقان: 77).