سرّ الرعب من عبد الرحمن السيد «عبدول»
د. خليل العناني
كاتب وباحث في العلوم السياسية
حالة الزخم التي أحدثها فوز المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأمريكي عبد الرحمن السيد في ولاية ميتشيغان كاشفة ودالة على عدة أمور لافتة، سواء بين مؤيديه أو معارضيه، داخل أمريكا وخارجها.
فالمؤيدون له في أمريكا لا ينظرون إلى هويته أو خلفيته الدينية أو العرقية بقدر ما ينظرون إلى البرنامج الطموح الذي يطرحه، والذي يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط أساسية:
أولًا: إخراج المال من السياسة، والمقصود بذلك الحد من قدرة الشركات الكبرى وأصحاب المصالح على شراء النفوذ السياسي وتمويل السياسيين مقابل حماية مصالحهم.
ثانيًا: توفير الرعاية الصحية المجانية أو منخفضة التكلفة للجميع، بحيث لا تصبح قدرة المواطن على العلاج مرهونة بدخله أو بوضعه الاجتماعي.
ثالثًا: وقف الدعم العسكري الأمريكي للدول الأجنبية، مثل إسرائيل ومصر والأردن وباكستان، وخصوصا للكيان الإسرائيلي؛ ليس فقط لأن المواطن الأمريكي أولى بهذه الأموال، وإنما ايضا لأن جزءًا من هذا الدعم يُستخدم في انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، وفي حرب إبادة ضد الفلسطينيين.
هذه مطالب يمكن أن يرفعها أي شخص يمتلك قدرا من التفكير المنطقي والبديهي، بغض النظر عن خلفيته الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية. بل المفترض، نظريًا على الأقل، أن تجد مثل هذه المطالب دعمًا يتجاوز الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار.
أما معارضوه، فقد تركوا كل هذه القضايا جانبا، وركزوا هجومهم على خلفيته الدينية والهوياتية: مسلم، إخواني، جهادي… إلخ. ووصل الأمر إلى مهاجمة اسمه نفسه، واتهامه بأنه معادٍ لليهود، وليس فقط منتقدًا لإسرائيل وسياساتها.
والهدف واضح:
تخويف الناخب الأمريكي منه، وتصويره باعتباره شخصا سيصل إلى مجلس الشيوخ لكي يفرض الشريعة، ويلغي احتفالات الكريسماس، ويغلق البارات، ويغير هوية أمريكا (نفس خطاب التخويف والترهيب الذي استخدم ضد الإسلاميين بعد وصولهم للسلطة بعد الربيع العربي…مرسي او الغنوشي هيقلعوا الستات البكيني ويلبسوهم الحجاب ويمنعوا السياحة في شرم الشيخ والحمامات وسوسة … الخ)
وهم في ذلك يستثمرون في مخاوف شرائح اجتماعية تعرضت على مدار سنوات طويلة لعملية غسيل مخ ممنهجة حول «خطر الإسلام والمسلمين على أمريكا».
ولكن حتى الآن، نجح عبد الرحمن السيد ببراعة شديدة في تفادي الانجرار إلى هذا الفخ. فهو يرفض أن تتحول المعركة إلى نقاش حول دينه أو أصله أو اسمه، ويعيدها باستمرار إلى أرضية أكثر أهمية: ماذا يريد أن يفعل إذا وصل إلى مجلس الشيوخ؟ ولمن ستكون سياساته؟ ومن سيستفيد منها؟
ومن التناقضات الغريبة في أمريكا أنه في الوقت الذي يُفترض فيه النظر إلى إمكانية وصول أول مسلم إلى مجلس الشيوخ الأمريكي باعتبارها دليلا على نجاح النموذج الأمريكي في التنوع ودمج المواطنين من مختلف الخلفيات، يجري الهجوم عليه باعتباره تهديدا لهذا النموذج نفسه!
والحقيقة أن جزءا من الصراع قد يكون هوياتيا بالفعل، لكن أصل الصراع هو مصلحي بالدرجة الأولى، خصوصا إذا نظرنا إلى طبيعة القوى التي تخشى وصول شخص مثل عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ.
الخوف من أجندت عبدول السياسية
فالخوف الحقيقي ليس من اسمه، ولا من أصوله المصرية او العربية، ولا حتى من كونه مسلما بقدر ما هو خوف من أجندته السياسية وبرنامجه الانتخابي، ومن احتمال أن ينجح نموذج سياسي يستطيع الفوز من دون أن يكون مرتهنا لأموال الشركات الكبرى أو جماعات الضغط الصهيونية.
ومن هنا يمكن فهم «تحالف الشياطين» الذي يقف في مواجهته: خليط من كبار رجال الأعمال وأصحاب المصالح، والساسة المتواطئين معهم، والصهاينة المرعوبين من تراجع نفوذهم، والمستبدين التابعين الذين يخشون وصول أصوات معارضة لدعمهم إلى دوائر صنع القرار في واشنطن.
لذلك، فعبد الرحمن لا يواجه مرشحا جمهوريا فقط، وإنما يواجه شبكة مصالح كاملة ترى في صعوده خطرا يتجاوز شخصه.
كما أن المشكلة بالنسبة لهذه الشبكة ليست أن عبد الرحمن قد يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ؛ المشكلة هي في الطريقة التي قد يفوز بها، وأن يثبت أن هناك طريقا آخر للوصول إلى واشنطن من دون المرور عبر بوابات المال واللوبيات ومراكز النفوذ التقليدية.
وهنا تصبح المعركة أكبر من عبد الرحمن السيد نفسه.
هي معركة بين جيلين:
جيل سياسي تقليدي نشأ داخل منظومة أصبحت فيها العلاقة بين المال والسياسة أمرا طبيعيا، وأصبح فيها رضا الشركات الكبرى واللوبيات خاصة اللوبي الصهيوني شرطا شبه ضروري للاستمرار والصعود.
وجيل جديد ينظر إلى هذه المنظومة باعتبارها أصل المشكلة، ويحاول التحرر منها، أو على الأقل تقليص قدرتها على التحكم في القرار السياسي.
وهي أيضا معركة بين تصورين لأمريكا:
أمريكا التي تخاف من التغيير، وتعيد إنتاج نخبها القديمة وتحالفاتها ومصالحها نفسها.
وأمريكا أخرى أكثر شبابا وتنوعا، وأقل استعداداً لقبول المسلمات القديمة، سواء في الداخل أو في السياسة الخارجية.
ولذلك فإن ما يحدث في ميتشيغان ليس مجرد انتخابات على مقعد في مجلس الشيوخ، وإنما مؤشراً مبكرا على صراع أوسع داخل المجتمع الأمريكي حول شكل السياسة في مرحلة ما بعد ترامب.
من سيمول السياسيين؟ من سيحدد أولويات الإنفاق؟
هل تذهب أموال الضرائب إلى الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية، أم تستمر في تمويل الحروب والحلفاء في الخارج؟
وهل تظل العلاقة مع إسرائيل من المحرمات السياسية التي لا يجوز الاقتراب منها، أم تتحول إلى ملف سياسي طبيعي يمكن للناخب أن يسأل فيه: ماذا ندفع؟ ولماذا ندفع؟ وماذا نحصل في المقابل؟
هذه هي الأسئلة التي تجعل معركة عبد الرحمن السيد مهمة.
ولذلك فإن الهجوم عليه سيزداد كلما اقترب من الفوز.
سنسمع أكثر عن الإسلام والشريعة والإخوان والجهاد ومعاداة السامية. وستُفتش تصريحاته القديمة، وتُقلب علاقاته، ويُبحث في تاريخه وتاريخ عائلته، وربما في كل كلمة قالها منذ سنوات.
لكن خلف كل هذا الضجيج سيظل السؤال الحقيقي الذي يحاول كثيرون الهروب منه:
ماذا لو استطاع سياسي أن يصل إلى واشنطن من دون أن يشتريه أحد؟
هنا تحديدا يكمن مصدر الخوف.
فالمعركة ليست فقط على مقعد في مجلس الشيوخ، وإنما على نموذج سياسي قد يصبح قابلًا للتكرار.
وإذا نجح النموذج مرة، فقد ينجح مرتين وثلاثا وعشرا.
لذلك، فعبد الرحمن السيد ليس مجرد شخص، وإنما فكرة ونموذج وتيار يتشكل وينمو في أحشاء المجتمع والسياسة الأمريكية، يتجاوز بكثير ميتشيغان…
فالأفكار التي يحملها عبدول لا تخص المسلمين، ولا العرب، ولا المهاجرين وحدهم، وإنما تعبر عن حالة تمرد آخذة في الاتساع داخل قطاعات من الجيل الأمريكي الجديد على منظومة سياسية يرون أنها أصبحت أسيرة المال والشركات واللوبيات والحروب الخارجية. وهذا بالضبط ما يجعل الظاهرة أخطر على خصومه من الشخص نفسه.
ولذلك لن تكون المعركة في ميتشغان سهلة على الاطلاق وإذا نجح عبدول في الوصول لمجلس الشيوخ ستكون نقطة تحول مهمة في الصراع السياسي والاجتماعي بأمريكا.. وسيكون الخاسر الأكبر منه هو الكيان الذي ينقطع حبل الناس عنه رويدا رويدا.




