فوق السلطة: لماذا أحبت الشعوب الأمير الوالد؟ ناقشت حلقة (17/7/2026) من برنامج “فوق السلطة” على شاشة الجزيرة عددا من القضايا السياسية والإعلامية، شملت إرث الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
وأشار نزيه الأحدب إلى أن الأمير الوالد لم يكن من الزعماء الذين ارتبط حضورهم بالقمم والاجتماعات الرسمية فقط، بل ارتبط اسمه بمواقف ميدانية بقيت راسخة في وجدان الشعوب، مستهلاً حديثه بالدعاء له مع تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير في مقبرة لوسيل.
وأوضح الأحدب أن الأمير الوالد شارك في شبابه، خلال سنوات الدراسة، في مظاهرات مؤيدة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، معتبراً أن اهتمامه بالقضايا العربية رافقه منذ سنوات مبكرة.
وتناول البرنامج زيارته إلى قطاع غزة، مشيراً إلى أن الفلسطينيين يستذكرون تلك الزيارة بوصفها رسالة سياسية لكسر الحصار، أكثر من كونها مجرد زيارة رسمية.
واستعاد كلمة سابقة للأمير الوالد أكد فيها أن دعم قطر للشعب الفلسطيني ليس منة، وإنما أداء لواجب، مشدداً على أن الدوحة كانت وستبقى من أوائل المبادرين إلى تقديم العون لغزة وفلسطين.
كما تطرق البرنامج إلى زيارة الأمير الوالد لجنوب لبنان عقب الحرب، موضحاً أن أبناء المنطقة ما زالوا يتذكرون حضوره الميداني ودور قطر في إعادة الإعمار، واستعرض شهادات لمواطنين لبنانيين قالوا إن الشيخ حمد كان الزعيم العربي الوحيد الذي زار الضاحية الجنوبية والجنوب بعد الحرب، وأسهم في إعادة إعمار أجزاء واسعة من المنطقة.
وأشار البرنامج كذلك إلى ما وصفه بموقف الأمير الوالد تجاه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال فترة حصاره في مقر المقاطعة، قائلاً إنه كان الزعيم العربي الوحيد الذي اتصل به هاتفيا أثناء الحصار، مستنداً في ذلك إلى رواية نقلها الزميل وليد العمري عن عرفات.
وخلص البرنامج إلى أن ردود الفعل الشعبية عقب وفاة الأمير الوالد لم تستحضر البيانات الرسمية، بقدر ما استحضرت مواقفه في القضايا العربية، ولا سيما في الأماكن التي تجنب كثير من القادة الوصول إليها، مثل غزة وجنوب لبنان، مؤكداً أن تلك المواقف أسهمت في ترسيخ حضوره في ذاكرة قطاعات واسعة من الشعوب العربية.
التصعيد بين واشنطن وطهران
وفي ملف آخر، تناول البرنامج مسار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انتهاء مذكرة التفاهم مع طهران وتصعيد لهجته ضدها، واصفاً المسؤولين الإيرانيين بأوصاف حادة، قبل أن تعود الاتصالات بين الجانبين بعد أيام لإحياء مسار المفاوضات.
وأشار البرنامج إلى إعلان ترمب موافقة واشنطن على إجراء محادثات مع إيران، مؤكداً أن طهران هي من طلب استئناف المفاوضات، في حين نفت الخارجية الإيرانية هذه الرواية، ما جعل الخلاف يمتد إلى الجهة التي بادرت بطلب الحوار، بالتزامن مع استمرار أجواء التصعيد.
وتطرق البرنامج إلى تقارير إعلامية تحدثت عن معلومات استخباراتية إسرائيلية بشأن مخطط إيراني لاغتيال ترمب، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي إعادة فرض الحصار على إيران، إلى جانب اعتزام إدارته فرض رسوم تعادل 20% من قيمة الشحنات العابرة عبر مضيق هرمز.
كما استعرض تصريحات ترمب التي قال فيها إنه يعد الهدف الأول لإيران، متوعداً برد غير مسبوق إذا استُهدف، مقابل مشاهد من مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، التي شهدت هتافات ولافتات معادية للولايات المتحدة وداعية إلى الانتقام ورفض أي مفاوضات.
ورأى البرنامج أن المنطقة تبدو عالقة بين استمرار التصعيد، ومفاوضات يختلف الطرفان حتى على كيفية استئنافها، في ظل تهديدات متبادلة تزيد من تعقيد المشهد.
هدايا أردوغان تخطف الأضواء
كما سلط البرنامج الضوء على المشاهد التي رافقت قمة حلف الناتو في تركيا، مشيراً إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قدم لقادة الدول المشاركة هدايا تمثلت في مسدسات دوارة من طراز "غوموساي 357 ماغنوم"، نُقشت عليها أسماء القادة ووضعت داخل صناديق تحمل شعار تركيا وحلف الناتو.
وأوضح البرنامج أن الهدية أثارت اهتمام وسائل الإعلام، بعدما استعرضها رئيس سلوفاكيا بيتر بيلغريني أمام الصحفيين، فيما اضطر عدد من القادة إلى التعليق عليها، ومن بينهم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بينما أشار البرنامج إلى تعليق ساخر لترمب قال فيه إن بعض القادة الأوروبيين لم يتمكنوا من إدخال المسدسات إلى بلدانهم.
كما تناول البرنامج مشهداً بروتوكولياً خلال استقبال قادة الناتو، أظهرت فيه الكاميرات عقيلة الرئيس التركي أمينة أردوغان وهي لا تستجيب لمحاولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقبيل يدها أثناء مراسم الاستقبال في القصر الرئاسي، وهو المشهد الذي حظي باهتمام واسع في التغطيات الإعلامية للقمة.
10 سنوات عاشها فتى أمريكي من حي بروكلين النيويوركي بين جدران دير للرهبان الكبوشيين (وهي رهبنة كاثوليكية تشتهر بالتواضع وتقديم الخدمة للمحتاجين واللاجئين)، يتهيأ لحياة قوامها الصمت والصلاة والكهنوت الكاثوليكي، ثم خرج من الدير في الـ24 من عمره دون أن يُرسَم كاهنا، غير أنه أنفق نصف القرن التالي في خدمة سؤال ديني آخر، هو كيف يفهم الغربُ دينا ظل يخافه أكثر مما يعرفه؟
ولطالما وًصف الأكاديمي الراحل بأنه أحد أكثر دارسي الإسلام من غير المسلمين تأثيرا في جيله، فيما ذهب بيان الجامعة أبعد من ذلك حين قال إنه "وحده تقريبا حدّد وصاغ الدراسة الحديثة للإسلام والمجتمعات المسلمة"، وعاش إسبوسيتو حياة قامت على مفارقة كاثوليكي ممارس احتفى به العالم الإسلامي من كوالالمبور إلى شمال أفريقيا، وهاجمه في بلاده خصوم رأوا فيه "محاميا" عن دين ليس دينه، أما هو فكان يبتسم – كلما وصفه أحد بأنه مسلم متخف – ويواصل الكتابة.
من الدير إلى الفاروقي
وُلد جون لأب كان يعمل في صناعة كاميرات برنامج الفضاء الأمريكي وأم خياطة ماهرة شديدة التدين، ورث عنها عمق الإيمان وعن أبيه هاجس العدل ومعونة الآخرين.
كان هو وشقيقه لو من فتيان الكنيسة النشطين ونالا جوائز على خدمة أكبر عدد من القداديس، وما إن بلغ الصف الخامس حتى عقد العزم على الالتزام بسلك الكهنوت، كما روى فيلم "إرث جون إسبوسيتو" الذي أنتجه مركز الوليد عام 2024 وروته زوجته جين بصوتها.
وبحسب الفيلم، كانت الزيارات العائلية مقيدة بصرامة، فلا مغادرة للدير إلا لموت أحد الأهل المباشرين، وكان يرتدي جبة بنية خشنة دوما، ويستيقظ قبل الخامسة فجرا، يصلي وينشد خمس مرات في اليوم، ويأكل في صمت، محروما من المذياع والتلفاز والصحف بوصفها ملهيات لا لزوم لها، وكانت نافذته الوحيدة على العالم رخصة هواة اللاسلكي التي أتاحت له محادثة أناس في أقاصي الأرض، وبعد عشر سنوات اتخذ قراره الصعب بمغادرة الرهبنة، قبل عامين فقط من موعد ترسيمه كاهنا.
وانتقل إلى شقة والديه في جيرسي سيتي، في مبنى كان يحمل اسم "جورجتاون"، وللمصادفة فقد كان نفس اسم الجامعة التي درس فيها لاحقا، وفي كنيسة سيدة النصر بالمدينة، حيث تطوع لقيادة مجموعة شبابية، التقى طالبة جامعية تعمل موظفة استقبال مسائية في دار القسيسية اسمها جين، وتزوجا في العام التالي، وراحت تدرّس الإنجليزية في الثانويات لتعينه على الدراسات العليا.
وعرف البروفيسور الراحل بخفة الظل، كما يروى كثير ممن التقاه ولو لدقائق افتتحها بمزحة كما جرى مع كاتب هذه السطور، وقد روى في أكثر من مناسبة، بسخريته المعهودة من نفسه، أنه أكبر إخوته الثلاثة "وأقلهم ذكاء"، وأنه ما أحب قراءة الكتب حتى نال الدكتوراه.
وحين كان الناس يسألون أمه لاحقا عن شعورها وهي ترى ابنها يخطب في الجموع، كانت تجيب ببساطة "الحمد لله أنه حصل أخيرا على وظيفة"، كما روى في كلمته أمام خريجي جامعة أمريكية قبل سنوات.
بدأت الحكاية بإلحاح أستاذ؛ فالشاب المولود عام 1940 لأسرة كاثوليكية من أصول إيطالية، بعد أن غادر الدير واتجه لدراسة اللاهوت ثم تدريس اللاتينية والتربية الدينية في المدارس، ظل رئيس قسمه يدفعه دفعا نحو دراسة مساق عن الإسلام، رفضه ثم رفضه ثم قبله على مضض، كما روى للجزيرة عام 2023.
هناك وقع الطالب الكاثوليكي على مفاجأته الكبرى؛ دين يقرّ بالوحي وبأنبياء العهد القديم وبنبوة المسيح، ويُجلّ مريم العذراء حتى إن باسمها سورة كاملة في كتابه المقدس، وكأن شيئا ما في تلك القرابة بين الديانتين أشعل فضوله، فلم ينطفئ بعدها 60 عاما من العمل البحثي الدؤوب.
قادته تلك المصادفة إلى جامعة تمبل في فيلادلفيا، حيث نال الدكتوراه عام 1974 على يد الفيلسوف الفلسطيني الأمريكيإسماعيل راجي الفاروقي، مؤسس برنامج الدراسات الإسلامية هناك وأحد أعلام الفكر الإسلامي في المهجر (اغتيل مع زوجته لمياء في بيتهما عام 1986). كان إسبوسيتو أول طلاب الدكتوراه الذين أشرف عليهم الفاروقي، وظل طوال حياته يذكر لأستاذه أنه فتح له بابا لم يكن أحد في الأكاديميا الأمريكية يومها يقف عنده.
فالإسلام، حين تخرّج إسبوسيتو، كان حقلا هامشيا في الجامعات الأمريكية، تخصصا لا يعِد صاحبه بوظيفة ولا بجمهور ولا بناشر، وكان زملاؤه في اللاهوت يرونه أضاع مستقبله في "موضوع غريب"، لكنه قضى في حقل الدراسات الإسلامية أكثر من نصف قرن وتوفي أمس في فيلادلفيا نفسها التي بدأ منها طريقه.
كان كثير من زملائه في صف الفاروقي مسلمين موفدين في منح من مصر وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، ودرس الراحل اللغة العربية في مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية ببلدة شملان الجبلية في لبنان، وهو المركز الذي كان يدرّب الدبلوماسيين البريطانيين، واستكمل دروسه مع معلمين خصوصيين في بيروت حيث كانت جين تدرّس في الكلية الدولية.
وحين حان وقت العودة بعد عامين تكرر التحذير القديم؛ لن تجد وظيفة، حتى إن الفاروقي نفسه لم يجد ما يواسيه به سوى بمزحة، فاقترح عليه التدريس في ليبيا القذافي أو جنوب أفريقيا الأبارتايد، وأرسل الزوجان مئة طلب توظيف، فجاء القبول من كلية هولي كروس، وحين أخبر يسوعياً كبيراً فيها أنه سيدرّس أديان العالم أجابه "لن تصمد"، لكنه صمد، وصار أول رئيس قسم من غير اليسوعيين في تاريخ الكلية.
وفي السبعينيات كان قد جاب مصر والسودان والأردن والكويت وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، محاضرا وملتقيا بالأساتذة ورجال الدين وقادة الحركات الإسلامية الذين سيكتب عنهم لاحقا، حتى إنه اعتلى في الهند منبر المؤتمر العشري للجماعة الإسلامية متحدثا رئيسيا أمام 200 ألف مشارك.
ولهذه الجولات أثر كبير في منهجه، فقد كان يقول "إن أردت أن تعرف ما يؤمن به الناس ويمارسونه في حياتهم اليومية، فأنت بحاجة إلى النص والسياق معاً" وكتب في مذكراته أنه ظل منجذباً إلى رؤية إيمان المسلمين وهو يتجسد على الأرض في بلدان وحيوات بعينها، واعياً بضرورة التمييز بين إيمان الكثرة وتأويلات القلة الملتوية وأفعالها.
ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 فقلبت المعادلة رأسا على عقب.
صارت أمريكا كلها تسأل عن هذا الدين الذي أسقط شاها وحاصر سفارة واحتجز رهائن، وصار الرجل القادم من اللاهوت الكاثوليكي مطلوبا في كل منبر وشاشة ولجنة استماع، وفي حديث لاحق للجزيرة نت رأى أن تلك اللحظة نفسها صنعت "العدسة" التي نظر من خلالها الغرب إلى المسلمين جميعا منذ ذلك الحين؛ عدسة الخوف والتوجس، لكنه قال مازحاً في مقابلته مع الجزيرة "أدين بمسيرتي المهنية لآية الله الخميني والثورة الإيرانية".
درّس في كلية هولي كروس بولاية ماساتشوستس أكثر من 20 عاماً، قبل أن ينتقل عام 1993 إلى جورجتاون، الجامعة اليسوعية العريقة في واشنطن، ليؤسس فيها مركز التفاهم الإسلامي المسيحي.
وبحسب بيان الجامعة، جمع الرجل بنفسه لجورجتاون ما يزيد على 30 مليون دولار، قبل أن تمنح المركزَ هبة قدرها 20 مليون دولار من الأمير السعودي الوليد بن طلال عام 2005، وقد وصفها البيان بأنها كانت يومها ثاني أكبر هبة في تاريخ الجامعة.
وتراكمت المكانة المؤسسية عاما بعد عام؛ فبحسب البيان نفسه، بقي إسبوسيتو الباحث الوحيد الذي جمع بين رئاسة جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية (ميسا) ورئاسة الأكاديمية الأمريكية للدين، وهما أكبر هيئتين علميتين في حقليهما.
وألّف وحرّر على مدى مسيرته ما يزيد على 50 كتاباً تُرجمت إلى 35 لغة، وأشرف على الموسوعات الأكسفوردية الكبرى في هذا الحقل، من "موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث" إلى "تاريخ أكسفورد للإسلام" و"قاموس أكسفورد للإسلام"، حتى صارت مؤلفاته، وفي طليعتها كتابه التدريسي "الإسلام.. الصراط المستقيم" (1988)، مدخلا شائعا لطلاب الجامعات الغربية إلى دراسة هذا الدين.
ولم تتوقف إطلالته عند قاعات الدرس فقد عمل مستشارا للفيلم الوثائقي الشهير "محمد.. إرث نبي" الذي بثته شبكة "بي بي إس" الأمريكية عام 2002، واستشارته حكومات ووكالات ووسائل إعلام كبرى كلما اشتعل حدث في العالم الإسلامي، حتى صار وجها مألوفا على الشاشات بقدر ما هو اسم راسخ على أغلفة الكتب.
رحل جون لويس إسبوسيتو، أمس الأربعاء، في فيلادلفيا عن 86 عاماً، بمضاعفات جراحة في القلب، كما جاء في بيان مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورجتاون، المركز الذي أسسه الراحل حتى صار وجها مألوفا على الشاشات بقدر ما هو اسم راسخ على أغلفة الكتب.
خرافة أم حقيقة؟
أصدر كتابه الأشهر "التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة؟" عام 1992، في اللحظة التي انهار فيها الاتحاد السوفيتي وراح الغرب يتلمّس عدوا يملأ مكانه، ووصف مشروعه الفكري بأنه أشبه بصوت شبه وحيد يجهر بأن المسلمين بشر، ولهم تقليد غني يسهمون منه في العالم الحديث.
جادل يومها، في حديث لصحيفة "كرونيكل أوف هاير إديوكيشن" الأكاديمية، بأن ما بعد الحرب الباردة يعاني "فراغ تهديد"، وبأن الإسلام أُسكن قسرا الخانة التي أخلتها الشيوعية؛ قوة واحدة صمّاء متربصة بالغرب.
وعنوان الكتاب نفسه، بصيغته الاستفهامية، صار منذ ذلك الحين لازمة تتردد في كل نقاش غربي عن الإسلام.
كان التفريق جوهر مشروعه؛ التفريق بين دين عالمي وأقلية متطرفة تتحدث زورا باسمه، ثم التفريق داخل تيارات الإسلام السياسي نفسها بين حركات اختارت صناديق الاقتراع وأخرى حملت السلاح.
خرافة أم حقيقة؟
أصدر كتابه الأشهر "التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة؟" عام 1992، في اللحظة التي انهار فيها الاتحاد السوفيتي وراح الغرب يتلمّس عدوا يملأ مكانه، ووصف مشروعه الفكري بأنه أشبه بصوت شبه وحيد يجهر بأن المسلمين بشر، ولهم تقليد غني يسهمون منه في العالم الحديث.
جادل يومها، في حديث لصحيفة "كرونيكل أوف هاير إديوكيشن" الأكاديمية، بأن ما بعد الحرب الباردة يعاني "فراغ تهديد"، وبأن الإسلام أُسكن قسرا الخانة التي أخلتها الشيوعية؛ قوة واحدة صمّاء متربصة بالغرب.
وعنوان الكتاب نفسه، بصيغته الاستفهامية، صار منذ ذلك الحين لازمة تتردد في كل نقاش غربي عن الإسلام.
كان التفريق جوهر مشروعه؛ التفريق بين دين عالمي وأقلية متطرفة تتحدث زورا باسمه، ثم التفريق داخل تيارات الإسلام السياسي نفسها بين حركات اختارت صناديق الاقتراع وأخرى حملت السلاح.
كتب في "التهديد الإسلامي" أن محاكمة الإسلام كله بجرائم من يعيثون خرابا معيار لا يطبقه أحد على اليهودية والمسيحية، ووقف علنا ضد أطروحة "صدام الحضارات" التي بشّر بها المنظّر السياسي الأمريكي صامويل هنتنغتون، ورأى فيها وصفة لتحويل سوء الفهم إلى قدر محتوم.
ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 فوضعت أطروحاته على المحك أمام العالم كله؛ أصدر في عام واحد كتابين صارا من الأكثر مبيعا، "حرب غير مقدسة.. الإرهاب باسم الإسلام" و"ما الذي يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام" (2002)، محاولا أن يشرح لقارئ غربي مذعور أن الذين فجّروا البرجين اختطفوا دينا بأكمله، وأن الرد على جريمتهم بشيطنة مليار إنسان هدية مجانية لهم.
وحين أراد أن يستبدل بالانطباعات أرقاما، ذهب إلى الميدان؛ ففي كتاب "من يتحدث باسم الإسلام؟ ما الذي يفكر فيه مليار مسلم حقا" (2007)، الذي شاركته تأليفه الباحثة داليا مجاهد، استند الاثنان إلى استطلاعات مؤسسة غالوب التي شملت عشرات آلاف المقابلات في 35 بلداً ذا غالبية مسلمة، كما عرض تقرير سابق للجزيرة نت، ليخلصا إلى أن صورة "المسلم الغاضب" التي يكرّسها الإعلام الغربي تناقض ما يقوله المسلمون عن أنفسهم حين يُسألون.
في مرمى النيران
لم تمر أطروحاته بسلام؛ فبعد الهجمات وجد إسبوسيتو نفسه في قلب حملة قادها خصوم محافظون؛ حمّله المؤرخ الأمريكي الإسرائيلي مارتن كرامر في كتابه "أبراج عاجية على رمال" (2001) مسؤولية تهوين الأكاديميا الأمريكية من صعود الحركات الأصولية قبل الهجمات، ووصفته حركة "كامبس ووتش" التي أطلقها الباحث دانيال بايبس عام 2002 لمراقبة أساتذة دراسات الشرق الأوسط بأنه "مدافع عن الإسلام الراديكالي".
رد الرجل بهجوم مضاد، وقال إن بايبس وكرامر "صارا ناشطَين أيديولوجيَين بأجندة صهيونية يمينية"، يسعيان بأسلوب وصفه بالمكارثي إلى إسكات الحرية الأكاديمية والنقاش العام.
على أن أصدقاءه لم يروا في المعارك سوى أحد وجوه إشراق فكر الرجل؛ ففي عام 2021 أصدرت الباحثة تمارا سون كتابا تكريميا جماعيا بعنوان "تجاوز الاستشراق.. دراسات إهداء إلى جون إسبوسيتو"، شارك فيه جيل كامل من الدارسين الذين تتلمذوا عليه أو تحاوروا معه، في اعتراف مبكر بأن الرجل صار مدرسة قائمة بذاتها.
عولمة الخوف
كانت الإسلاموفوبيا معركته الأخيرة، إذ أسس عام 2015 "مبادرة الجسر" في جورجتاون، مشروعا بحثيا يرصد صناعة الخوف من الإسلام ويوثق خطابها ومموليها وشبكاتها، وظل يرعاه حتى سنواته الأخيرة، وبالمناسبة فقد طلب بيان نعيه أن تذهب التبرعات، عوضا عن الزهور، لهذه المبادرة تحديدا؛ فحتى في خاتمة حياته أراد أن تصب الصدقات في مشروعه ضد الكراهية.
وفي حديثه المطول للجزيرة نت عام 2021، تتبّع كيف تحولت الإسلاموفوبيا ظاهرة معولمة تتقاطع فيها السياسة بالإعلام بالانتخابات، ورأى أن التغطية الإعلامية السلبية للإسلام بلغت ذروتها التاريخية عام 2015 مع صعود تنظيم الدولة والحملات الانتخابية في أمريكا وأوروبا، وأن خطاب الكراهية جرى "تطبيعه" داخل النسيج الأوروبي حتى صار عنف الجماعات اليمينية المتطرفة يمر مستترا بينما يُضخَّم كل ما يرتبط بالمسلمين.
ولم يغب صوته عن غزة في شيخوخته؛ وقال للجزيرة الإنجليزية في ديسمبر/كانون الأول 2023 إن إسرائيل "تغذي الإسلاموفوبيا" وحمّل الإعلام الغربي قسطا كبيرا من المسؤولية عن موجة الكراهية التي رافقت الحرب.
وعرف بعلاقته بمنطقة الشرق الأوسط فقد واظب على المشاركة في منتدى أمريكا والعالم الإسلامي الذي كان يُعقد في الدوحة سنويا، وانضم إلى هيئة علماء مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر، فيما يصدر عن مركزه في جورجتاون، بالشراكة مع المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية في عمّان، الدليل السنوي الشهير "أكثر 500 شخصية مسلمة تأثيرا في العالم".
وكان آخر مقال كتبه للجزيرة نت قبل أسبوع أشار فيه لأن المسلمون شكلوا حضورا أساسيا وجزءا لا يتجزأ من تاريخ أمريكا وتأسيسها وتطورها. بيد أن معظم الأمريكيين يجهلون حقيقة أن المسلمين كانوا متواجدين في الولايات المتحدة منذ ما قبل استقلال أمريكا عن بريطانيا، حتى إن العديد من الأفارقة المستعبدين الذين جُلبوا إلى أمريكا كانوا مسلمين.
ويقدر المؤرخون أن 15٪ إلى 30٪ من السكان المستعبدين الذين نُقلوا عبر المحيط الأطلسي نشؤوا في مناطق ذات أغلبية مسلمة في غرب إفريقيا، وكان العديد منهم متعلمين. وعلى عكس عامة السكان المستعبدين، أجاد عدد كبير من هؤلاء الأسرى القراءة والكتابة باللغة العربية.
وقبل شهر من وفاته كتب مقالا آخر بعنوان "المسلمون الأمريكيون وحدهم وسط طوفان الكراهية"، وقال فيه إن "الإسلاموفوبيا كانت عاملا رئيسيا في تبرير الإبادة الجماعية في غزة. وكان للمشاعر المناهضة للمسلمين دور فعال في بناء واستدامة الدعم غير المشروط لإسرائيل من قِبل الحكومات الأمريكية".
ظل سؤال واحد يطارده أينما حلّ، روى للجزيرة أنه دُعي مرة إلى جلسة مغلقة في الإمارات، وكان متعبا وآخر المتحدثين، فنظر في عيون الحاضرين وقال إنه يعرف ما يدور في رؤوسهم؛ بعض الناس ينتظرون أن "يخرج من الخزانة" ذات يوم معلنا أنه كان مسلما طوال الوقت.
ضحك الجميع، وضحك هو، ثم قال في المقابلة نفسها إن الشائعة تشعره بالامتياز، لأنها تعني في العمق أن الناس يرون فيه رجلا يفهم الإسلام وله مصداقية عندهم.
لكنه ظل كاثوليكيا ممارسا حتى النهاية، وكان يرى أن رسوخه في دينه هو بالضبط ما فتح قلبه على دين غيره؛ فالإيمان العميق عنده جسر لا جدار. ولخّص بيان جورجتاون شخصيته بقيمة يسوعية لاتينية تقول بـ"رعاية الإنسان كله"، شهد بها طلابه الذين عرفوا أستاذا يسأل عن أحوالهم قبل أوراقهم.
"صديق العالم الإسلامي"
ونعاه العديد من المفكرين البارزين من العالمين اللذين ظل يمد الجسر بينهما، ووصفه رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، صديقه منذ مطلع السبعينيات، بأنه "صديق حقيقي للعالم الإسلامي" وضع الأسس الفكرية لفهم غربي أعمق للإسلام؛ وكان إسبوسيتو قد وقف مع صديقه في محنته، فكتب مع زميله جون فول مقالا في الجزيرة الإنجليزية عام 2014 يشكك في عدالة محاكمته حين كان سجينا معارضا، قبل أن تدور الأيام ويصير المعارضُ رئيسَ حكومة يرثي أستاذه.
سأله محاوره في الجزيرة قبل 3 سنوات عن الحياة الآخرة، فأجاب الرجل الذي جرّب الدير والجامعة والمنابر بأن من عاشوا حياة طيبة سيجدون السلام أيا كانت أديانهم، ثم أضاف مازحا أنه لو أُتيحت له ليلة واحدة بعد الرحيل لاتصل بمن عرفهم في منتصف الليل قائلا "مرحبا، أنا أتصل من الأعلى.. أردت فقط أن أقول لكم إنكم كنتم على حق.
وفي خواتيم فيلم "إرث إسبوسيتو" تتوالى أصوات زملائه وتلاميذه؛ يروي أحدهم أنه كان يصلي الجمعة في أحد مساجد واشنطن حين أوصى الخطيب المصلين في خطبته بقراءة كتاب جون إسبوسيتو "ما الذي يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام"، ويعلّق مأخوذا بأنه لم يسمع في حياته خطيباً مسلماً يحيل الناس على عالم مسيحي ليتعلموا منه دينهم
على جدران مدينة تستور ترتسم زركشات فريدة، يضفي ظلالها عبقا تاريخياً لماضٍ مجيد، في هذه المدينة التي تعتبر أندلساً صغيرة في أرض تونس، شعرت بأنني أرى من وراء الأبنية العتيقة أيام غرناطة وطليلطة، كأن جمال قصر الحمراء لامس هذه الربوع فاستحال نموذجاً صغيراً يهتف لناظريه بروعة الاندهاش لذلك الزمن الجميل، زمن الأندلس.
تعترضك الصومعة الشامخة عند دخولك للجامع الكبير بتستور، الذي أسسه المهندس المعماري الأندلسي محمد تغرينو حوالي سنة 1630-1631 م، تعلو الصومعة ساعة صنعت لتدور عقاربها مع دوران الطواف بالكعبة، قد يكون وجود تلك الساعة أمراً طبيعياً في هذه الأيام، لكنه في زمن صناعتها كان عجيبة من عجائب الدنيا لعبقرية الابتكار.
وفي ساحة الجامع صنع نموذج رخامي يرصد توقيت دخول الصلاة عبر تقاطع ظل خيط في الشمس مع المستقيمات المرسومة ومعها أحرف وأعداد ترمز لمعنى وتوقيت كل خط.
كل ما في تستور يستثير الأسئلة عن هؤلاء الذين جاؤوا من هناك، هؤلاء الذين طُبعت أرواحهم على الجمال، وما برحت مخيلتهم الأندلس التي غادروها بأجسادهم، لكنهم تركوا أرواحهم فيها لحظة خروجهم منها فرسموا معالمها على جدران وأحياء مدينة تستور.
ما هي الأندلس؟ وكيف انتهى عهد الإسلام فيها؟ ومن هم الموريسكيون المؤسسين لمدينة تستور؟
حضارة الإسلام في الأندلس
سنة 92 للهجرة (711م) عبر طارق ابن زياد -مُرسَلاً من موسى بن نُصير- البحر من المغرب في اتجاه شبه الجزيرة الأيبيرية لتبدأ حقبة تواجد الإسلام في الأندلس التي سقت أرضَها دماءُ الفاتحين من بلاد القيروان والمغرب الاسلامي، ثم قام في الأندلس حكم أموي سنة 138 للهجرة (756م) بقيادة صقر قريش عبد الرحمن الداخل.
عاشت الأندلس خلال حكم الإسلام لها حضارة مزدهرة تجلت من خلال العلوم والفنون التي أنتجها رجال ذلك الزمن، لم يقتصر الأمر على العلوم الشرعية واللغوية بل تعدى إلى الطب الرياضيات والفلك والهندسة والجغرافيا والعلوم العقلية وغيرها..
“مراكز قرطبة الاسلامية وعلى رأسها مسجد قرطبة، الذي كان يحوي سبع وعشرين مدرسة، يرتاده يوميا أربعة ٱلاف عالم وطالب علم كان مفخرة للعلم، بل كان الأوروبيون يأتون لمراكز قرطبة لطلب العلوم الدينية والدنيوية.”1
كما عاشت الأندلس نهضة معمارية تداخلت فيها العلوم مع الوجهة العامة لقيم الإسلام بما يخدم الناس، فوُلدت تلك الصروح الفنية؛ كقصر الحمراء، وجامع قرطبة، والآثار التي لا تزال إلى يومنا هذا شاخصة تنادي في الزمن ماضيه المجيد.
قصر الحمراء
من يرى الحمراء يفهم كيف شعر مؤسسو مدينة تستور، ما الذي كان يجيش في صدورهم من شوق، وما الذي تركوه خلفهم من روعة وجمال، لقد نطقت جوارحهم بذلك الإبداع المعماري في المدينة كأنهم لا يقدرون على حياة لا تذكرهم بالأندلس.
ما نسينا خبِّروها *** كيف ينساها الولوع
كيف ينساها مُحبّ *** بعدها عافَ الهجـوع
شهد الليل عليه *** وحكت عنه الدمــوع
أنهـا حب مكيـن *** عرشـه بين الضلـوع
كم تمنى أن يراها *** لو لـما فات رجوع
صار بعد الوصل دهرا *** في شذى الذكرى قنوع
انحسار حكم الاسلام للأندلس
لقد جرت سنة الله في الأندلس، فسنن الله لا تحابي أحداً، فعندما تفرق المسلمون وأصبحوا دول طوائف، يحكم كل دولة مَلِك يستقوي بالكفار ويواليهم، ويتآمر معهم على المسلمين، عندما فشا فيهم الترف والمجون، وبعُدَ الحكام عن حقيقة الدين، ثم ما أفشوه من أمراض في شعوبهم، فغمرت الدنيا القلوب، كتب الله للمسلمين الخروج من تلك الجنة الأرضية، عندما أنستهم الدنيا جوائز الجنة الأخروية.
قطفوا الزهرة منا *** زهرة كانت تضــوع
قد سقيناها دمانا *** مثلها كيف يضيــع
جنة عنها لهينا *** فطُردنا بالجمـــوع
وبها عشنا قروناً *** للدياجير شمــــوع
توسعت الممالك الصليبية داخل الأندلس منتهزة اقتتال ملوك الطوائف فيما بينهم، واستعانتهم على بعضهم بالكفار، فسقطت مدن الأندلس ببطء مدينة بعد مدينة بيد الصليبيين، ومعها سقط عز الإسلام في تلك الربوع.
سقطت طليطلة سنة 1085 م
وسقطت قرطبة 1236 م
وسقطت إشبيلية سنة 1248 م
هكذا توالى سقوط المدن المسلمة بيد الصليبية الناقمة، وبقيت مدينة غرناطة صامدة أمام هذه المد، صمدت أمام الحصار الطويل، وتحت الإكراه والاضطرار وقعت اتفاقية لتسليمها بشرط ضمان حقوق المسلمين فيها وأمنهم على دينهم ولغتهم، لكن الصليبية الناقمة نقضت العهد، وسقطت غرناطة سنة 1492م، لتبدأ بعدها حملة الاضطهاد وفتنة المسلمين عن دينهم وإرغامهم بالسيف والتعذيب والقهر على الكفر بالإسلام والدخول في دين الكنيسة.
الموريسكيون واضطهاد الصليبية
بعد سقوط غرناطة ونقض الصليبيين لمعاهدة استئمان المسلمين على دينهم ولغتهم وأعرافهم، مارسوا عليهم التنصير قسراً، ومُنعت اللغة العربية، وحرقوا المصاحف وكتب العلم، وفرضوا تنصير الأطفال وحديثي الولادة، وبدأ فصل دامٍ من فصول التعذيب في العالم، وهو جرائم محاكم التفتيش.
كان عمل هذه المحاكم هو التفتيش عن عقائد المسلمين، حتى عند إظهارهم عدم اعتناقهم للإسلام، عذبت الصليبية الناقمة المسلمين بالحديد والنار، وفتنوا الناس عن دينهم، وابتكروا آلات استحدثوها لفنون وألوان التعذيب الجسدي والروحي، وفي غمار هذا التنكيل ظهر ما يسمى بالموريسكيين وهم المسلمون الذين أخفوا إسلامهم تحت وطأة تعذيب الكنيسة، وأُجبروا تحت القهر على التظاهر باعتناق المسيحية.
الموريسكيون (Los Moriscos) من “موريسكي” وهي كلمة إسبانية يُقصد بها معنى “العربي الصغير” أو “المسلم الصغير”، هكذا أراد الإسبان تسمية المسلمين ليضفوا عليهم صفات تحقيرية، تمهد لما سيفعلونهم فيهم من اضطهاد وسجن وتعذيب في ما بعد.
لقد كانت هجرة الموريسكيين من أكثر صفحات التاريخ ألماً، فرّوا بدينهم من بطش الصليبية الحاقدة، واستقروا في مدن متناثرة في الأمة، منهم من رست به الأمواج على سواحل تونس، ومنهم من هاجر إلى المغرب، ومنهم من استقر في الجزائر، وآخرين في ليبيا، ومنهم من هاجر إلى عاصمة الخلافة العثمانية.
كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟
محمد خير موسى
"من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟"
نشأت جماعاتٌ إسلاميةٌ كثيرةٌ في لحظةٍ مكسورةٍ من تاريخ الأمة؛ لحظة سقوط الخلافة وتمزّق المجال الإسلامي ووقوف المسلمين أمام خرائط جديدة حملت أسماء الدول والحدود والأعلام والجوازات، بعدما كانوا يرون أنفسهم جزءاً من أمةٍ واحدةٍ تمتدّ في العقيدة والقِبلة والشريعة واللغة الكبرى والمصير، فجاءت تلك الجماعات في أصل نشأتها جواباً على جرحٍ حضاريٍّ عميق، وصرخةً في وجه عالمٍ يريد أن يحشر الإسلام في زاوية الشعائر الفردية، وأن يجعل الأمة شعوباً متجاورةً في المناهج الدراسيّة ومتباعدةً في القرار ومتنافسةً في المصالح، ومحكومةً بحدودٍ رسمتها يد المنتصر العسكريّ في غرف السياسة الباردة.
ولكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود التي كان يفترض أن تكون عنده مجالَ ضرورةٍ تنظيميةٍ عابرة فتحولت شيئاً فشيئاً إلى أفقٍ نفسيٍّ وفكريٍّ وحركي، وصار سؤال الأمة في بعض العقول سؤالاً عاطفياً وسؤال القُطر سؤالاً مصيرياً، وأضحى الثغر الأقرب ذريعةً لضمور الأفق الأوسع بعدما كان الثغر الأقرب بوابةً إلى الأمة كلها.
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود
لقد جاءت الدولة القُطرية الحديثة ومعها فلسفتها الكامنة؛ سيادة محصورة داخل الحدود ومواطنة تعيد ترتيب الانتماءات، وقانون يملك الكلمة الأخيرة ومؤسسات تصوغ الفكر والوعي، وتعليم يربّي الإنسان على أن العالم يبدأ من النشيد الوطني وينتهي عند ختم الجواز، فدخلت هذه الفلسفة إلى عقول بعض الإسلاميين من أبوابٍ كثيرة، بعضها من باب المشاركة السياسية وبعضها من باب الواقعية وبعضها من باب الخوف من الاتهام، وبعضها من باب طول الممارسة داخل مؤسساتٍ قامت على تصوراتٍ مغايرةٍ للتصور الإسلامي.
ومن أخطر مظاهر هذا التسرب أن ينتقل الحديث عن الإسلام من كونه شريعةً ذات سلطانٍ على الحياة إلى كونه منظومةَ قيمٍ عامةٍ تضفي على السياسة أخلاقاً رقيقة وتمنح المسؤول السياسي نصائح جميلة، ثم يُسحب من الإسلام مقامه في بناء القرار السياسي والحكم والعدل والسيادة والتشريع. وقد تسلّل هذا المعنى إلى شريحةٍ من شباب الحركات الإسلامية عبر بوابات العلمنة واللّبرلة التي دخلت عقولهم من المناهج الغربية لا سيما في كتب العلوم السياسية، ومن خطاب الدولة الحديثة مع ضعفٍ ظاهرٍ في التكوين الشرعي والأصولي والمقاصدي، حتى صار بعضهم يجمع بين حرارة التدين الفردي وبرودة التصور السياسي، فيصلّي في المسجد بخشوعٍ صادق ثم يقول في قاعة النقاش: إن الإسلام جاء بالقيم العامة وأنه لا يحمل نظاماً سياسياً ولا يقدّم تصوراً للحكم، ولا يملك قولاً حاكماً في مصادر القانون وموازين السلطة وتموضعات التحالفات، وكأن الوحي جاء ليزكّي الروح في خلواتها ثم ترك نظام القوة والمال والسلطان والقرار السياسي للغلبة والتجربة والمزاج الدولي والخبرة البشرية المستقلة عن المرجعية العليا.
ومن صور القولبة الأخطر أن يتسرّب إلى بعض العقول الحركية وهمٌ نشأ في ظلّ الدولة الحديثة، خلاصته أن السياسة ميدانٌ للمصالح والمفاسد المجرّدة، وأن لغة الحلال والحرام فيها لغةٌ وعظيّةٌ ضيقةٌ تعيق الحركة وتربك المناورة، فصرنا نسمع عباراتٍ مثل: هذه مسألة مصالح ومفاسد وليست مسألة حلال وحرام؛ مع أن المصالح والمفاسد في أصلها الشرعي واقعةٌ داخل ميزان الحلال والحرام وفرعٌ عن مقاصد الوحي وأحكامه وليست مملكةً مستقلةً فوق النصوص.
فالمصلحة الشرعية مصلحةٌ لأن الشرع شهد لها والمفسدة مفسدةٌ لأن الشرع دلّ على فسادها، والموازنة بينهما عملٌ فقهيٌّ دقيقٌ داخل سلطان الوحي؛ يقدّر مراتب الواجبات والمحرمات ويوازن بين خيرين أو شرّين بميزان الدليل والمقصد والمآل. وحتى المصلحة المرسلة -على سعة بابها في السياسة الشرعية- إنما تعمل داخل مقاصد الشريعة وكلياتها عندما يفتقر المجتهد إلى نصٍّ جزئيٍّ خاصٍّ، فينزل إلى روح الشرع العامة وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ومراعاة العدل ورفع الحرج ودفع الضرر، فهي داخلة في ميزان الحلال والحرام من جهة المقصد والضابط والمآل، وليست ممراً حرّاً يخرج به السياسي من سلطان الحكم الشرعي.
وهذا الفصل بين "المصلحة" و"الحكم الشرعي" ضربٌ من التدليس البلاغي حين يصدر عن عارفٍ بمواقع الكلام، أو جهلٌ بحقيقة الشريعة إذا صدر عن عقلٍ ظنّ أن الفقه يقف عند العبادات والمعاملات الصغيرة ثم يترك مصائر الأمة والدولة والدماء والولاءات والمقدسات لمجرد الحساب السياسي العاري.
هنا تتولد آفةٌ أشدّ خطراً، وذلك حين يظن بعض القادة السياسيين في الجماعات والحركات الإسلاميّة أن وظيفة الشريعة أن تأتي بعد الفعل لتمنحه الختم، وأن مهمة العلماء أن يضعوا الغلاف الشرعي على قرارٍ اتُّخذ في غرف السياسة فتتحول الفتوى من نورٍ سابقٍ يهدي الطريق إلى توقيعٍ لاحقٍ يجمّل المسار وزيّنه في أعين الجماهير، ويتحوّل الفقيه إلى موظفِ تزكيةٍ يُطلب منه أن يجد للقرار مخرجاً بعد إعلانه، وأن يحضر محافل المحاججة عنه باسم الشريعة في وجه كلّ منتقدٍ أو معترضٍ.
وهذه صورةٌ مصغرةٌ من فكرة "الدين تحت الدولة" التي تحكم المنظومة التكوينيّة للدولة الحديثة؛ فكما تريد الدولة الحديثة من المؤسسة الدينية أن تبارك خياراتها الكبرى بعد صدورها فإنّ بعض الجماعات والحركات والأحزاب الإسلاميّة تريد من الشريعة أن تسير خلف تقديرات القيادة، وأن تجعل المصلحة اسماً فخماً لما استقرّ عليه القرار، وأن تجعل فقه الموازنات باباً واسعاً لتأجيل الواجبات وتخفيف المحرمات وتسكين الضمير أمام التنازلات عن أحكام الشرع، مع أنّ السياسة التي تطلب أن يكون الفقه شاهدَ تبرئةٍ بعد الفعل تكشف أن مرجعيتها الحقيقية صار القرار البشريّ المنفصل عن مرجعيّته ونوره، وليس الوحي الذي يُتَغزَّلُ به في المحافل بوصفه المرجعيّة العليا للجماعة.
والإنصاف يقتضي هنا أن يُقال: إن الحالةَ المشيخية في عموم الأمة مثقلةٌ بأوجاعها وأمراضه، وفيها من ضعف أدوات النظر السياسي وقصور قراءة الدولة الحديثة واضطراب تقدير موازين القوة ما جعل الطبقة السياسية داخل بعض الجماعات الإسلامية تشعر أن الشيخ يصلح للتزكية العامة والدعاء والتحشيد الوجداني؛ أكثر مما يصلح للدخول في تقدير القرار ومآلاته، غير أن هذا التشخيص مهما بلغ من الصواب في بعض مشاهده يعجز عن أن يمنح السياسي حقَّ مصادرة المرجعية الشرعية أو عزل العلماء عن موقع الشهادة على الفعل العام؛ ففي الأمة شريحةٌ من العلماء الكرام -وإن كانت الاستثناء- تجمع بين الرسوخ في فهم الحكم الشرعي وفقه النصوص والمقاصد، وبين إدراكٍ معتبرٍ لطبيعة الدولة والسلطة والواقع السياسيّ والمصالح والمآلات. وهؤلاء يحتاجهم السياسي في أصل تقديره لأن القرار الذي يتصل بالدماء والحقوق والعهود والولاءات ومصير الدعوة والأمة والمقدسات يحتاج عقلاً شرعياً سابقاً للفعل وحاضراً في صناعة السؤال، ومشاركاً في تفكيك الحيثيات وكاشفاً لما يستتر خلف لغة الضرورة والواقعية والمصلحة.
غير أن كثيراً من سياسيي الجماعات الإسلامية يروق لهم أن يكون العالِم داخل جماعتهم في موقعه من الحاكم داخل الدولة الحديثة؛ داعماً للقرار بعد صدوره وشاهِدَ تزكيةٍ على حكمته وصاحبَ ختمٍ شرعيٍّ يوضع في آخر الورقة، وليس شريكاً في بناء التصور ولا مختبراً لمسالكه ولا رقيباً على انحرافاته. وللأسف أنّ شريحة من العلماء والدعاة قد قبلت على نفسها هذا الموضع تحت عنوان الثقة بالقيادة، فصاروا يبصمون على اختياراتها باسم وحدة الصف وحسن الظن وحفظ المشروع، حتى جعلوا الحكم الشرعي يدور مع ما قاله السياسي وجوداً وعدماً؛ فإن تقدّم السياسي تقدّمت معه الفتوى وإن تراجع تراجعت وإن صمت صمتت، وإن غيّر وجهته وجدت اللغةُ الشرعية طريقاً إلى اللحاق به.
الحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس
وربما فعل كثيرٌ منهم ذلك بحسن نيةٍ وهم يتوّهمون أنهم يخدمون الشريعة بحماية الجماعة، فإذا هم يضعون أنفسهم في الموضع نفسه الذي طالما حذّروا النّاس منه عند ذمّهم علماء السلاطين؛ موضع العالم الذي يجعل الدين خادماً للقرار السياسي بدل أن يبقى الدين مرجعيةً حاكمةً عليه ونوراً يكشف له الطريق قبل أن تندفع العربة في العتمة.
فالحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس:من يحدد معنى الممكن وإطاره وحدوده؟ ومن يرسم حدود القضية وتفاصيل مسائلها؟ ومن يملك تعريف المصلحة والمفسدة؟ ومن يجعل القُطر خادماً للأمة أو يجعل الأمة ملحقاً عاطفياً بالقُطر؟ من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟ فهذا السؤال هو الفاصل بين جماعةٍ تستعمل أدوات الدولة وهي واعيةٌ بخطرها وجماعةٍ تستعملُها حتى تستعمِلَها الأدوات، وبين جماعةٍ تدخل السياسة لتشهد بالحق وجماعةٍ يدخل الحق عندها ليستأذن السياسة.
إن الخروج من هذه القولبة يبدأ باستعادة التصور الإسلامي الكامل؛ تصورٍ يرى الدين مرجعيةً للحياة كلها؛ فيرى السياسة مجالاً أخلاقياً وشرعياً محكوماً بالوحي، والمصلحة مصلحةً منضبطةً بالوحي، والقُطر ثغراً قريباً داخل أمةٍ واحدة، والمؤسسة الفقهيّة أداةَ بيانٍ وبناءٍ وتحرير، والجماعة الإسلامية خادمةً لمعنى الأمة وليست نسخةً متدينةً من الأحزاب الوطنيّة.
وتبقى الدولة الحديثة قادرةً على رسم الحدود في التراب وعاجزةً عن حبس الأفق الذي يفتحه الوحي في القلب؛ فالجغرافيا قد تُجزَّأ، والرايات قد تتكاثر، والجوازات قد تصير أختاماً على حركة الأجساد، غير أن العقيدة حين تستيقظ تردّ الإنسان إلى نسبه الأعلى، وتكشف له أن السياسة بلا شريعة قوةٌ عمياء، وأن المصلحة بلا وحي شهوةٌ مؤسسية، أما الإسلام فيعيد الإنسان عبداً لله تعالى وشاهداً بالقسط وحرّاً يحمل الدين من زاوية الشعائر إلى رحابة الحياة، حيث يظل سلطان الله تعالى فوق كل سلطان.