الثلاثاء، 10 فبراير 2026

حرب السودان.. المجتمع الدولي من التجاهل إلى الاهتمام

 حرب السودان.. المجتمع الدولي من التجاهل إلى الاهتمام

صحفي وكاتب سوداني.

بهجماتها الأخيرة التي شنتها مليشيا الدعم السريع على قوافل إغاثة إنسانية ومنشآت طبية ومدنية وقوافل نازحين بولايتي شمال وجنوب كردفان تكون الدعم السريع قد أطلقت الرصاصة الأخيرة في الحرب- لكن على نفسها هذه المرة- مثلما أطلقت الرصاصة الأولى قبل نحو ثلاث سنوات في محاولة منها للاستيلاء على السلطة في السودان باءت بفشل ذريع وتسببت في حرب ارتكبت فيها مليشيا الدعم السريع فظائع ومجازر ومذابح مروعة وممنهجة، كان جُلها بحق المدنيين.

كما استهدفت فيها المنشآت والأعيان المدنية والمرافق الحيوية وبشكل أساسي المرافق الخدمية كالكهرباء والمياه والاتصالات ومحطات الوقود والمنشآت النفطية والمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس ودور العبادة والبنى التحتية.

ما كان أمام الحكومة السودانية سوى الاستمرار في خططها الدفاعية وبرنامجها في تطهير المناطق التي تسيطر عليها المليشيا وطردها منها دون انتظار أي فعل من قبل المجتمع الدولي الذي اكتفى بالتنديد فقط

مهاجمة الدعم السريع المدنيين والأعيان المدنية، والمنشآت الصحية ظلت نمطا متكررا انتهجته ومارسته مليشيا الدعم السريع طيلة سنوات الحرب، ما خلف وراءه أكبر كارثة إنسانية شهدها السودان، وأكبر موجة نزوح ولجوء غير مسبوقة شهدتها القارة الأفريقية خلال نصف القرن الماضي.

وقد ظلت الحكومة في السودان ومنذ بداية الحرب ووقوع الانتهاكات من قبل الدعم السريع تنبه المجتمع الدولي بإطلاق النداءات والمناشدات للتدخل للحيلولة دون وقوع المزيد منها، ومنع تمدد رقعة الانتهاكات التي ترتكبها الدعم السريع، وذلك بوقف كافة أشكال الدعم الذي تقدمه بعض القوى الإقليمية لمليشيا الدعم السريع.

وقد مضت الحكومة السودانية أبعد من مجرد إطلاق المناشدات والنداءات، إلى الإشارة بأصابع الاتهام المباشر، وعلى سبيل التعيين، إلى قوى إقليمية بعينها، مستندة في ذلك لأدلة موثقة ومدعومة بصور أقمار صناعية توضح بشكل قاطع مسارات لرحلات جوية تنقل أسلحة ومؤنا وذخائر، ومرتزقة للدعم السريع داخل الأراضي السودانية، وغيرها من الوثائق والأدلة التي عثر عليها الجيش السوداني داخل المنشآت التابعة لمليشيا الدعم السريع في المناطق التي كانت تسيطر عليها بعد طردها منها وتحريرها، وبعضها أسلحة متقدمة وإستراتيجية لا تمتلكها حتى الجيوش النظامية في القارة الأفريقية.

كل ذلك لم يجد الصدى المناسب والاهتمام اللازم لدى المجتمع الدولي، وقوبل بتجاهل وتفاعل فاتر من قبل القوى الإقليمية؛ بسبب تقاطع المصالح بين هذه القوى فيما بينها من جهة، وما بينها وبين القوى الدولية الفاعلة ذات المصالح الأكثر حيوية في المنطقة والتي تربطها علاقات إستراتيجية مع القوى الإقليمية المتورطة في دعم مليشيا الدعم السريع.

وقد أدى هذا التجاهل إلى إظهار الحرب السودانية وكأنها حرب منسية رغم فداحة ما خلفته من آثار كارثية، وما ارتكب فيها من جرائم وفظائع وانتهاكات جسيمة امتلأت بها الوسائط، وشاهدها الملايين حول العالم.

وقد ساعد هذا التجاهل للأزمة السودانية من قبل المجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه، في تحفيز القوى الإقليمية الداعمة للدعم السريع على التمادي في تقديم الدعم للمليشيا على مستويين؛ كمي ونوعي:

  • فعلى المستوى الكمي زادت القوى الداعمة للدعم السريع من كمية قطع السلاح والذخائر والعربات القتالية والمسيرات الانتحارية، ورفعت من عدد المقاتلين باستجلاب مرتزقة من كولومبيا وبعض دول جوار السودان، ونوعيا بتمليك الدعم السريع طائرات مسيرة إستراتيجية متطورة ذات مدى بعيد، ومنظومات مضادات جوية، وأجهزة تشويش، ومنظومات اتصال متطورة تم استخدامها بالفعل في عدة مواقع، واستهدفت بها مرافق ومنشآت خدمية وعسكرية.

ويمكن القول إن نتيجة هذا التجاهل الدولي للحرب السودانية، تمثلت في تمكن مليشيا الدعم السريع من اقتحام مدينة الفاشر بعد أكثر من عام ونصف العام من حصار خانق فرضته مليشيا الدعم السريع على المدينة، ومنعت خلاله دخول أي مساعدات ومؤن غذائية عبر سياسة تجويع متعمدة مارستها على الأهالي في المدينة، وقامت خلالها بقصف المدينة بصورة متكررة، ومحاولات اقتحامها التي بلغت 260 محاولة، استطاعت بعدها دخول المدينة، وارتكبت في حق سكانها مجازر شديدة الفظاعة، وثقتها كاميرات قادة وأفراد مليشيا الدعم السريع، روعت الضمير العالمي بسبب بشاعتها.

ورغم التعاطف الكبير مع أهالي الفاشر حول العالم، ورغم الإدانات التي وجهت للدعم السريع من قبل مؤسسات ومنظمات إنسانية وحقوقية أممية وغير أممية، فإن ذلك لم يتبعه أي عمل إيجابي على الأرض لوقفه ووضع حد له، ولم تحرك أي قوى دولية ساكنا، أو تخطو خطوات جادة للضغط على القوى الإقليمية التي تدعم المليشيا لوقف جرائمها وانتهاكاتها.

ولم تتعدّ الاستجابة مربع الأقوال والإدانات والمناشدات والتعبير عن القلق والأسى، وما شابه ذلك، مما أغرى الدعم السريع وداعميها الإقليميين بتوسيع دائرة انتهاكاتهم وتمددهم في مناطق أخرى في إقليم كردفان غربا وجنوبا، وارتكاب مزيد من المجازر فيها.

وما كان أمام الحكومة السودانية سوى الاستمرار في خططها الدفاعية وبرنامجها في تطهير المناطق التي تسيطر عليها المليشيا وطردها منها دون انتظار أي فعل من قبل المجتمع الدولي الذي اكتفى بالتنديد فقط.

وقد استطاع الجيش السوداني تحقيق تقدم على الأرض ظل آخذا في الازدياد، فحرر كل المدن الرئيسية في جنوب كردفان والقرى التي حولها والطرق المؤدية إليها.

وترافق ذلك مع تطورات الأحداث في كل من اليمن، والصومال، وإقليم أرض الصومال الانفصالي، وجيبوتي، وما خلفته من تقلص شديد لنفوذ القوى الإقليمية الداعمة لمليشيا الدعم السريع في منطقة القرن الأفريقي، وفي المنطقة الساحلية الواقعة ما بين باب المندب جنوبا وحتى قناة السويس شمالا، مضافا إليه خسارة هذه القوى الإقليمية الداعمة للمليشيا علاقاتها الحيوية مع كبريات القوى الفاعلة في هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية في العالم؛ بسبب تماديها في دعم ومساندة مليشيات وتشكيلات شبه عسكرية تحاول رسم واقع جديد من شأنه تهديد الأمن القومي لهذه القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وذلك بصورة مباشرة وبذات النهج الذي انتهجته في السودان.

قيادة المملكة العربية السعودية التي تشاطئ السودان عبر حدود بحرية طويلة، أدركت مبكرا خطورة ما تخطط له القوى الداعمة لمليشيا الدعم السريع، وأيقنت أن كرة النار المشتعلة في السودان إن لم يتم إخمادها ستتدحرج لتطال نيرانها المنطقة كلها، فألقت الرياض بكل ثقلها لمنع وقوع الكارثة عبر مساعٍ دبلوماسية وتحركات في كل الاتجاهات، بدأت نتائجها تظهر في ردود الأفعال الإقليمية والدولية المنددة بانتهاكات وممارسات الدعم السريع، وهجماتها على المدنيين، وقوافل المساعدات الإنسانية والإغاثية.

هذه التطورات ساعدت بشكل واضح وجلي في تقوية موقف السودان على الصعيدين؛ الدبلوماسي، والعسكري، وبالمقابل أضعفت موقف مليشيا الدعم السريع عسكريا وسياسيا، خاصة بعد هجومها الأخير على قافلة الدعم الإنساني في شمال كردفان، وقصفها قوافل النازحين، وتدميرها أحد المراكز الصحية في كادوقلي، ووقوع ضحايا من بينهم أطفال.

وقد قوبل هذا الهجوم بعاصفة تنديد واسع النطاق إقليميا ودوليا، وما ميز هذا التنديد الأخير أنه وجه الاتهام لمليشيا الدعم السريع وسماها بالاسم، وهو تطور لافت لا يمكن تجاوزه في أي تحليل للأحداث، فقد كان في السابق توجه الاتهامات مبنيةً على المجهول، أو إلى (طرفي النزاع) دون تسمية الدعم السريع صراحة.

هو تطور مهم يشي بأن المجتمع الدولي بدأ يتجه نحو إنهاء الحرب في السودان عبر مقاربة (Approach) تقوم على تفكيك الأزمة من منطلق إقليمي، وبناء على ما وقع من زلزال سياسي وأمني في الإقليم كان من خصائصه أنه حدث على نحو مفاجئ كحال الزلازل لا تأتي إلا بغتة، وكان (مركزه) اليمن، وهو ما أعطى وسيعطي حرب السودان دفعة قوية ودقيقة نحو حل مُرضٍ ليس فقط للسودان، وإنما أيضا للقوى الإقليمية الفاعلة المحبة للسلام في منطقة القرن الأفريقي، وساحل البحر الأحمر.

والحل المرضي لهذه القوى الإقليمية يقوم على وقف الدعم الإقليمي لمليشيا الدعم السريع؛ إما بحمل القوى الداعمة للمليشيا على وقف دعمها بضغط مباشر من حلفائها الدوليين، وإما بالقضاء على المليشيا ميدانيا بعمليات عسكرية وعبر قطع خطوط الإمداد عنها في كل المنافذ ودول العبور، وإما بنزع سلاحها بعد استسلامها، ومن ثم تسريح أفرادها، وتقديم قياداتها لمحاكمات عادلة.

والحل المرضي للسودان وللقوى الإقليمية بالمنطقة التي يتأثر أمنها القومي بالحرب في السودان يتضمن أيضا ألا يكون للدعم السريع دور في سودان ما بعد الحرب، ففضلا عن كونها قوات غير نظامية وتضم في صفوفها مرتزقة، فهي قد ارتكبت جرائم حرب وإبادة جماعية، ومارست انتهاكات مروعة بحق المدنيين، وخرقت قواعد القانون الدولي، وكل مواثيق الأمم المتحدة والأعراف الدولية والإنسانية، مما يجعلها غير مؤهلة أخلاقيا ولا مهنيا لإعادة دمجها في القوات النظامية الحكومية.

والحل المرضي للسودان وللقوى الإقليمية المتضررة من حرب السودان يتضمن أيضا ألا يكون للجناح السياسي للدعم السريع دور في الحياة السياسية في سودان ما بعد الحرب.

وهو جناح مؤلف من عدد من الكيانات السياسية ساهم بصورة أساسية بالاشتراك مع الدعم السريع في التخطيط للاستيلاء على السلطة باستخدام بندقية الدعم السريع، وظل هذا الجناح يدعم المليشيا سياسيا ودعائيا طيلة سنوات الحرب، ولا يزال يقدم الدعم لها، وقدم عدد من كوادره ليكونوا وزراء فيما عرف بحكومة (حميدتي) غير المعترف بها.

ومن اللافت لنظر أي مراقب أن حرب السودان التي كان يُنظر إليها إلى وقت قريب على أنها حرب داخلية تدور رحاها بين جنرالين يتنافسان على السلطة، اتضح الآن أنها ليست كذلك، وأنها في الأصل حرب ذات طابع إقليمي، وأن نطاقها يتجاوز حدود السودان، وأن التحذيرات التي كانت تطلقها قيادة الجيش السوداني بأنها ستكون لها تأثيراتها على الإقليم بأسره، كانت تحذيرات حقيقية وصحيحة وقراءة استباقية وواقعية لمآلاتها، وأن الحلول التي ظلت القيادة السودانية تدعو للأخذ بها أصبحت أمرا حتميا في الوقت الراهن أمام المجتمع الدولي لا مناص له من الأخذ بها، لكن بعد قتل عشرات الآلاف من المدنيين، ونزوح الملايين من مدنهم وقراهم، وعبور الملايين الحدود إلى دول الجوار القريبة والبعيدة، وتدمير مئات المستشفيات والمرافق الحيوية ومنشآت البنى التحتية ومؤسسات التعليم الأساسي والعالي، وتخريب طال كل مناحي الحياة، حتى المرافق السياحية والثقافية والآثار والمتاحف لم تنجُ من عدوان وعسف وعبث مليشيا الدعم السريع.

عبقرية التفكيك.. كيف واجه صلاح الدين الدولة الفاطمية العميقة؟

 عبقرية التفكيك.. كيف واجه صلاح الدين الدولة الفاطمية العميقة؟




محمد شعبان أيوب 

صحفي وباحث في التاريخ والتراث.

شهدت مصر منتصف القرن السادس الهجري مرحلة حاسمة من تاريخها السياسي والعسكري، حين تزامن ضعف الدولة الفاطمية مع تصاعد الهجوم الصليبي على سواحلها، وحين تصارع الوزيران ضرغام وشاور على السيطرة المطلقة على البلاد.

هُزم الأخير في ذلك الصراع، واضطر إلى اللجوء إلى السلطان نور الدين محمود زنكي قائد بلاد الشام للاستنجاد به، وإعادته للوزارة مقابل العديد من الامتيازات الاقتصادية والمالية التي ستعود على الدولة الزنكية.

ولكن نور الدين كان ينظر إلى أبعد من الاستفادة المالية والاقتصادية، كان يرى أن السيطرة السياسية والاقتصادية على مصر ستؤدي إلى تقوية بلاد الشام في مشروعها أمام الصليبيين، حيث ستمدها بالمال والقوة البشرية اللازمة في حروب الاستنزاف تلك، ولهذا السبب أرسل أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب لحسم ذلك الصراع.

وقد نجح صلاح الدين بالفعل في حسم ذلك الصراع لصالح شاور الذي سرعان ما نكص على عقبه وتجاهل اتفاقه السابق مع نور الدين، بل عمل على خيانتهم والقضاء عليهم، ولما اكتشف أسد الدين وصلاح الدين هذه المؤامرة، قررا القضاء عليه وقتله وهو ما حصل بالفعل، ثم ارتقى أسد الدين لمنصب الوزارة في مصر باتفاق مع الخليفة الفاطمي الأخير العاضد، ولما مات أسد الدين سنة 564هـ/1169م تولى صلاح الدين الوزارة مكانه، بحسب ما يقول أبو شامة في تاريخه "الروضتين".

ما قبل سقوط الفاطميين

وفي نفس العام بلغت هذه التحديات ذروتها في مصر، حين اتفق الصليبيون والبيزنطيون على غزو مصر وطرد قوات صلاح الدين ونور الدين منها، وهو ما وقع في غزوة دمياط حين أصبحت هذه المدينة الساحلية ساحة أول مواجهة كبيرة يخوضها صلاح الدين بعد تولّيه الوزارة بالقاهرة، وهي المواجهة التي ستتحول لاحقا إلى نقطة فاصلة على طريق إنهاء الحكم الفاطمي.

ففي أعقاب هذه الحملة أرسل نور الدين إلى صلاح الدين ما يساند صموده أمام الخطر الصليبي، إدراكا منه أن صمود مصر ضرورة إستراتيجية لمنع توسع الصليبيين إلى مصر، وقناعته بأن الدفاع عن مصر دفاع عن الشام والقدس معا، كما يذكر المؤرخ شاكر مصطفى في كتابه "صلاح الدين الفارس المجاهد".


وقد كان لانتصار صلاح الدين في دمياط رغم قسوة الظروف أثر بالغ، فقد رسّخ صورته كقائد قادر على إدارة المعارك المصيرية، وثبّت حضوره على الساحة المصرية سياسيا وعسكريا، ومنذ ذلك الوقت بدأ يتعامل مع بقايا السلطة الفاطمية بوصفها عائقا أمام الأمن الإسلامي العام، لا شريكا فعليًا في الحكم.

وتجلّى هذا التحوّل في سياساته التي اعتمدت على تفكيك النفوذ الفاطمي تدريجيا من دون صدام مباشر قد يثير اضطرابات داخلية أو يُظهره بمظهر المستقلّ عن نور الدين، فراح يقوي قبضته على مفاصل الحكم، مستندا إلى الجيش التركي الذي أرسله له نور الدين سابقا وإلى شعبيته المتنامية بين أهل مصر الذين لمسوا في وجوده حماية من الخطر الصليبي، بعد أن خيّبتهم قدرة الخلافة الفاطمية على الدفاع عن البلاد.

وكما يذكر شاكر مصطفى، ففي الوقت الذي كان فيه نور الدين يتابع الأحداث بدقة، كان صلاح الدين يفكر في خطوتين متلازمتين تتمثلان في فتح الطريق بين الشام ومصر لتسهيل مرور الجيوش والتجارة، وضمان وحدة الجبهة الإسلامية ضد الصليبيين، وضمان استقرار الداخل المصري ومنع أي التفاف قد يحصل حول الخليفة الفاطمي أو انبعاث لقوى التمرد داخل القصر.

وقد قاد صلاح الدين مشروعه بهدوء محسوب، فلم يسرع بإعلان إنهاء الدولة الفاطمية، وفي نفس الوقت لم يسمح لها بأن تسترد عافيتها وتماسكها. ومع تراكم نجاحاته العسكرية والسياسية منذ هزم الصليبيين في دمياط، تهيأت الظروف التاريخية لإسدال الستار على الحكم الفاطمي، تمهيدا لقيام الدولة الأيوبية الموحدة التي ستتولى لاحقا مهمة تحرير القدس.

وتبيّن لصلاح الدين أن طريق تثبيت سلطته في مصر، وتحقيق مشروع التحرير، يمر عبر تأمين الصلة العسكرية والسياسية بين القاهرة ودمشق، حيث بدأ بتنفيذ سلسلة من الحملات على الساحل الفلسطيني منذ سنة 566هـ/1170م، فهاجم عسقلان ودمّر بعض التحصينات المحيطة بها حتى بلغت قواته إلى مدينة الرملة، وكانت تلك رسالة ميدانية مفادها أن القوة الإسلامية بدأت تتحرك في المناطق التي تعدّ امتدادا طبيعيا لجبهة الدفاع عن مصر، وأن الصليبيين لن يكونوا قادرين على تهديدها دون رد مقابل.

وقد أراد صلاح الدين أن يُظهر للصليبيين من وراء هذا التوغل المبكر في فلسطين أن القوة التي كسرت حملتهم في دمياط ما زالت مستعدة لخوض الجهاد من جديد، ومن جهة ثانية أسهمت هذه العمليات في تحذير التجار والقوافل العابرة بين الشام ومصر من التعاون مع الصليبيين تحت ضغط تهديداتهم، كما نجحت في ردع الأعراب الذين اعتادوا قطع الطرقات ونهب المسافرين، وبذلك وُضِعت أولى لبنات تأمين الطريق البري الحيوي بين مصر وبلاد الشام، كما يؤكد الدكتور شاكر مصطفى.

وعام 570هـ اتجه صلاح الدين بجيشه نحو ميناء ومدينة العقبة لما تمثّله من أهمية جغرافية محورية تتحكم في طرق العبور نحو الحجاز واليمن، وقد هدف من خلال هذه الخطوة إلى تضييق الخناق على الصليبيين عبر تعطيل قنوات تموينهم واتصالهم.

صلاح الدين والقضاء على الخلافة الفاطمية

وبالتوازي مع جهوده العسكرية، شرع صلاح الدين في تنفيذ مشروع سياسي طويل المدى يستهدف تحويل البنية الاجتماعية في مصر من الولاء للنظام الفاطمي الآفل إلى الارتباط بالدولة الصاعدة التي يقودها.

وانطلقت هذه الرؤية من إصلاحات اقتصادية واجتماعية ممنهجة، ركّزت على تخفيف الأعباء الضريبية التي أرهقت السكان خلال العقود السابقة، وإشاعة العدل في مؤسسات الحكم، وتوجيه موارد الدولة نحو تلبية حاجات الفئات الضعيفة، وقد أسهمت هذه الإجراءات بصورة مباشرة في تعزيز قبول المصريين لسلطته وترسيخ الثقة الشعبية بالمشروع الأيوبي الجديد.

وتوجّه صلاح الدين نحو تحييد شبكات الفساد والولاء الفاطمي التي بقيت تنشط في الظل، إذ تصدى لقوى من الداخل -من بقايا الحرس الفاطمي وعناصر ارتبطت بمؤامرات داخلية- أهمها ما عُرف بـ"مؤامرة العبيد السودان" و"مؤامرة عمارة اليمني" وغيرها من محاولات لإعادة إحياء حكم الفاطميين عبر التآمر أو التحريض.

وباشر في تفكيك تلك التنظيمات بإجراءات أمنية صارمة، كذلك أُعيد تنظيم الجيش، بحيث استُبعدت وحدات الحرس القديم، وبُنيت قوة عسكرية جديدة من جيوش الشام الكردية والتركمانية، مما ضمن لسلطته سيطرة محكمة على القوة المسلحة، وأغلق الباب نهائيا أمام أي محاولة لاستعادة الحكم الفاطمي من الداخل أو من الخارج.

وقد جمعت إستراتيجية صلاح الدين بين الحزم العسكري في الخارج وبناء الشرعية على العدل ومحاربة الفساد بالداخل، وفي الوقت الذي كانت فيه خطواته ضد الصليبيين تُكسبه تقدير المصريين.

وحين تعزز نفوذ صلاح الدين في مصر بعد سلسلة انتصاراته على الصليبيين وتثبيت سلطته بالقاهرة، وجد نور الدين فرصة ليحثه على تنفيذ التحوّل السياسي الأكبر الذي طال انتظاره لإنهاء الحكم الفاطمي وقطع الصلة رسميا مع العقيدة الإسماعيلية.

وأثناء تلك الحوادث كان الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله يواجه مرضا شديدا عزله عن شؤون الحكم، ولم يلتفت كثيرون إلى خبر وفاته حين وافته المنية بعد فترة وجيزة، إذ كانت مصر قد دخلت فعليًا في طور سياسي جديد.

وقد كان اعتدال المشهد في القاهرة مردّه إلى أن الخلافة الفاطمية، التي يمكن وصفها وقتئذ بـ"الرجل المريض" في الجبهة الإسلامية، فقدت قدرتها على التأثير، وانشغل الناس عنها وانهمكوا في مواجهة الغزو الصليبي الذي كان يُعدّ التهديد الأكبر لأرضهم وديانتهم، وهكذا أُغلِق آخر فصل لتلك الدولة دون ثورة شعبية أو اضطراب أهلي، بل عبر انتقال هادئ ناتج عن تآكل مقوماتها وفقدانها ثقة المحكومين.

ومن الملاحظ أن اثنين من أبرز المؤرخين المعاصرين لصلاح الدين في تلك الحقبة، هما ابن الأثير المقرَّب من الدولة الزنكية، وابن أبي طي الشيعي، قدّما روايات لا تخلو من بعض التحيز، ولكلٍّ منهما أسبابه. فابن الأثير – وهو من كبار مؤرخي الإسلام – ينتقد صلاح الدين بسبب تسيّده على مصر والشام وهما ميراث الزنكيين، مع أنه يكشف في مواضع كثيرة عن جوانب إيجابية من سياسته في مصر، ويؤكد أن السلطان الناصر لم يقطع تبعيته لنور الدين، كما ينبّه إلى إعلانه الولاء للخلافة العباسية.

أمّا ابن أبي طي، الذي استقى كثيرًا من رواياته من والده المنفي إلى حلب بأمر نور الدين، فتبدو في سرده ملامح تحيز أوضح. وعلى هذا الأساس شاع الاستناد إلى قول ابن الأثير بأن صلاح الدين تردد في القضاء على الخلافة الفاطمية خوفًا من نور الدين، لتأكيد زعم أنّه لم يكن مقتنعًا تمامًا بإسقاطها، وأنه كان يخشى أن يؤدي ذلك إلى تدخل  الزنكيين وتهديد نفوذه في مصر.

إستراتيجية صلاح الدين في مصر

والحقيقة أن عددا كبيرا من المؤرخين المعاصرين مثل شاكر مصطفى في كتابه "صلاح الدين" ويعقوب ليف في كتابه "صلاح الدين في مصر" ومايكل فلوتون في كتابه "التنافس على مصر، سقوط الخلافة الفاطمية" ينفون الادعاء بأن صلاح الدين لم يكن حاسما في موقفه من الخلافة الفاطمية، ويرون أن وجهة النظر هذه متهافتة عند إخضاع المشهد السياسي والعسكري آنذاك للفحص الدقيق، فخطوات صلاح الدين منذ بداية تولّيه الوزارة الفاطمية تشير بوضوح إلى رؤية إستراتيجية متكاملة تستهدف إنهاء الخلافة الفاطمية بصورة تدريجية ومدروسة.

حيث حرص على تفكيك مراكز القوة التابعة للنظام القديم داخل مؤسسات الدولة، مع إقصاء العناصر المؤثرة في صنع القرار، ليُفرغ الخلافة الفاطمية من مضمونها فعليا قبل إعلان سقوطها رسميا، وهو ما يعكس مشروعا متواصلا نحو إلغاء الحكم الفاطمي لا نحو الإبقاء عليه كما يروّج بعض المؤرخين وعلى رأسهم ابن الأثير.

وقد جاءت تحركاته العسكرية في جنوب بلاد الشام والساحل الفلسطيني جزءا من رؤية أوسع لتأمين الطريق بين مصر والشام، بما يسمح باندماج الجبهتين في مواجهة الصليبيين، ولم يكن ذلك خروجا عن سلطة نور الدين كما قد يبدو في قراءة سطحية للأحداث، بل خطوة تمهيدية لتعزيز المشروع الزنكي في توحيد العالم الإسلامي، مع منح مصر موقعا قياديا داخل هذه المنظومة الجديدة.


أما على المستوى السياسي، فقد حافظ صلاح الدين على ولائه الواضح لنور الدين، ولم يُظهر أي سلوك يوحي بالرغبة في التفرد بالسلطة أو الانقلاب على الإطار الشرعي الذي تحرك من خلاله، حيث تجنّب المواجهة مع نور الدين، إدراكا منه أن أي صدام داخلي سيكون بمثابة خدمة مجانية للصليبيين، في وقت كانت فيه معركة الوجود الإسلامي هي العنوان الأكبر للمرحلة، فلما أمره نور الدين بالدعاء للخليفة العباسي المستضيء بالله على منابر القاهرة امتثل لأمره.

وسنرى مدى حرص نور الدين على استقرار الأوضاع لصلاح الدين في مصر، فيذكر أبو شامة في تاريخه نصيحة نور الدين لتورانشاه أخي صلاح الدين الأكبر، وكان صلاح الدين يعامله باحترام وتقدير وخدمة زائدة، وذلك قبل سفره إلى مصر ضمن جيش أرسله نور الدين ليدعم موقف صلاح الدين قائلا له:

"إن كنتَ تسير الى مصر وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقومُ في خدمتك وأنت قاعد فلا تَسِر، فإنك تُفسد البلاد وأُحضرك حينئذ وأُعاقبك بما تستحقه، وإن كُنت تنظر إليه أنه صاحب مصر وقائم فيها مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني فَسِر إليه واشدد أزره، وساعده على ما هو بصدده، فقال تورانشاه: أفعلُ معه من الخدمة والطاعة ما يصل إليك إن شاء الله تعالى فكان كما قال".

ويعترف ابن الأثير نفسه في تاريخه الكامل بعد ادعائه السابق بأن صلاح الدين لم يكن يريد تصفية الخلافة الفاطمية، قائلا "ألح عليه (نور الدين) بقطع خطبة العاضد، وألزمهم إلزاما لا فُسحة له في مخالفته، وكان على الحقيقة نائب نور الدين، واتفق أن العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا، فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار أمراءه، فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريين، ومنهم من خافهم إلا أنه ما يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين.

وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، رأيته أنا بالموصل، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام، وأن أحدا لا يتجاسر أن يخطب للعباسيين قال: أنا أبتدئ بالخطبة لهم، فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد ذلك، فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيء، ففعلوا ذلك فلم ينتطح فيها عنزان".

إذن كان الخلاف -إن صح أن هناك خلافا- على التوقيت وليس الهدف ذاته، خوفا من قوى النظام القديم المتربصة والكامنة في المناصب المهمة وبين عامة الناس، ومن ثم كان تعامل صلاح الدين مع هذا الملف بحذر شديد تفاديا لأي اضطرابات داخلية قد تُفشل مشروعه العسكري ضد القوى الصليبية لاحقا.

وتأتي الأحداث التي أعقبت سقوط الفاطميين لتؤكد الهدف الثابت الذي كان صلاح الدين يتقدّم نحوه منذ دخوله القاهرة، فقد أرسى فورا أسس الدولة الأيوبية وبسط مظلة الشرعية العباسية، وأعاد توجيه مصر سياسيا ومذهبيا لتكون قاعدة المواجهة المرتقبة من أجل تحرير القدس، كل ذلك يؤكد أن ما كان منه ما قبل تصفية الدولة الفاطمية كان إعدادا محكما، وما بعده كان انطلاقًا نحو تحقيق الغاية الكبرى.

وبعد القضاء على الحكم الفاطمي وإعلان تبعية مصر للخلافة العباسية، انطلقت مرحلة إعادة تنظيم الحياة السياسية والإدارية في البلاد، لتأكيد شرعية التحول التاريخي الذي قاده صلاح الدين، وقد بدأت هذه المرحلة بإرسال وفد رسمي إلى بغداد ليُعلن نهاية الدعوة الفاطمية، وتفعيل الخطبة باسم الخليفة العباسي على منابر القاهرة وسائر المدن المصرية، ورافق ذلك تنكيس الرايات البيضاء التي ارتبطت بالحكم الفاطمي، ورفع الأعلام السوداء رمز الدولة العباسية.

أما على المستوى السياسي، فقد حافظ صلاح الدين على ولائه الواضح لنور الدين، ولم يُظهر أي سلوك يوحي بالرغبة في التفرد بالسلطة أو الانقلاب على الإطار الشرعي الذي تحرك من خلاله، حيث تجنّب المواجهة مع نور الدين، إدراكا منه أن أي صدام داخلي سيكون بمثابة خدمة مجانية للصليبيين، في وقت كانت فيه معركة الوجود الإسلامي هي العنوان الأكبر للمرحلة، فلما أمره نور الدين بالدعاء للخليفة العباسي المستضيء بالله على منابر القاهرة امتثل لأمره.

وسنرى مدى حرص نور الدين على استقرار الأوضاع لصلاح الدين في مصر، فيذكر أبو شامة في تاريخه نصيحة نور الدين لتورانشاه أخي صلاح الدين الأكبر، وكان صلاح الدين يعامله باحترام وتقدير وخدمة زائدة، وذلك قبل سفره إلى مصر ضمن جيش أرسله نور الدين ليدعم موقف صلاح الدين قائلا له:

"إن كنتَ تسير الى مصر وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذي كان يقومُ في خدمتك وأنت قاعد فلا تَسِر، فإنك تُفسد البلاد وأُحضرك حينئذ وأُعاقبك بما تستحقه، وإن كُنت تنظر إليه أنه صاحب مصر وقائم فيها مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني فَسِر إليه واشدد أزره، وساعده على ما هو بصدده، فقال تورانشاه: أفعلُ معه من الخدمة والطاعة ما يصل إليك إن شاء الله تعالى فكان كما قال".

ويعترف ابن الأثير نفسه في تاريخه الكامل بعد ادعائه السابق بأن صلاح الدين لم يكن يريد تصفية الخلافة الفاطمية، قائلا "ألح عليه (نور الدين) بقطع خطبة العاضد، وألزمهم إلزاما لا فُسحة له في مخالفته، وكان على الحقيقة نائب نور الدين، واتفق أن العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا، فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار أمراءه، فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريين، ومنهم من خافهم إلا أنه ما يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين.

وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم، رأيته أنا بالموصل، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام، وأن أحدا لا يتجاسر أن يخطب للعباسيين قال: أنا أبتدئ بالخطبة لهم، فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد ذلك، فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيء، ففعلوا ذلك فلم ينتطح فيها عنزان".

إذن كان الخلاف -إن صح أن هناك خلافا- على التوقيت وليس الهدف ذاته، خوفا من قوى النظام القديم المتربصة والكامنة في المناصب المهمة وبين عامة الناس، ومن ثم كان تعامل صلاح الدين مع هذا الملف بحذر شديد تفاديا لأي اضطرابات داخلية قد تُفشل مشروعه العسكري ضد القوى الصليبية لاحقا.

وتأتي الأحداث التي أعقبت سقوط الفاطميين لتؤكد الهدف الثابت الذي كان صلاح الدين يتقدّم نحوه منذ دخوله القاهرة، فقد أرسى فورا أسس الدولة الأيوبية وبسط مظلة الشرعية العباسية، وأعاد توجيه مصر سياسيا ومذهبيا لتكون قاعدة المواجهة المرتقبة من أجل تحرير القدس، كل ذلك يؤكد أن ما كان منه ما قبل تصفية الدولة الفاطمية كان إعدادا محكما، وما بعده كان انطلاقًا نحو تحقيق الغاية الكبرى.

وبعد القضاء على الحكم الفاطمي وإعلان تبعية مصر للخلافة العباسية، انطلقت مرحلة إعادة تنظيم الحياة السياسية والإدارية في البلاد، لتأكيد شرعية التحول التاريخي الذي قاده صلاح الدين، وقد بدأت هذه المرحلة بإرسال وفد رسمي إلى بغداد ليُعلن نهاية الدعوة الفاطمية، وتفعيل الخطبة باسم الخليفة العباسي على منابر القاهرة وسائر المدن المصرية، ورافق ذلك تنكيس الرايات البيضاء التي ارتبطت بالحكم الفاطمي، ورفع الأعلام السوداء رمز الدولة العباسية.

الأمة.. والطاقات المعطلة

 الأمة.. والطاقات المعطلة 

الأستاذ الدكتور جمال عبد الستار  

الأمين العام لرابطة علماء أهل السنة

لم تكن الأمة في إفقار إلى الإمكانات، ولا في نقصٍ من الطاقات، بل على العكس تماماً؛ فقد حباها الله تعالى سائر المقومات ووافر المقدرات، ومن أكثر المفارقات إيلاماً في الواقع العربي المعاصر أن وفرة الطاقات البشرية والعقلية ليست موضع شك، بل هي من الحقائق المشهودة إحصائياً وواقعياً.
فالمجتمعات العربية تزخر بعقول مبدعة، وكفاءات علمية عالية، ومواهب استثنائية في مجالات الطب والهندسة والعلوم الدقيقة والتقنية والإنسانيات والفنون.. غير أن هذه الوفرة لم تتحول في الغالب إلى قوة حضارية فاعلة، لا لعجز في الإنسان، بل في تعطيل الطاقات وإهدار الإمكانات، وتتبلور معالم التعطيل التي أدت الى تلك المأساة الحضارية في نقاط جوهرية:


أولاً: غياب الرأس الناظم:

تتجلى مشكلة إدارة تلك الإمكانات في غياب «الرأس الناظم» والقيادة البصيرة التي تحرك الطاقات في الاتجاه الصحيح، وقد فطن العدو لهذه الثغرة، فصنع من «التفرقة» شباكاً يصطاد بها المؤثرين ليوقعهم في أتون معارك طاحنة لا طائل من ورائها، معارك يُعدُّ الجهل بها غنيمة والعمل بها مضيعة؛ وذلك على المستويات كافة.
ولم يستورد يوسف عليه السلام إمكانات ولا طاقات من الخارج ليعالج الكارثة التي أصابت الناس، ولكنه أعاد هندسة إدارة الطاقات والإمكانات المتاحة، فأحدث حلولاً ناجعة، وكذلك فعل ذو القرنين، حيث حول الطاقة الخامدة إلى قوة فاعلة تعتمد على إمكاناتها وتكتشف مواهبها، بدلاً من أن تظل عاطلة تعتمد على غيرها في كل أمورها؛ أولئك الذين وصفهم الحق بقوله: (لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (الكهف: 93).


ثانياً: غياب المشروع الجامع:

يكمن الخلل الآخر في غياب «المشروع الكلي» الذي يستوعب تلك الطاقات ويؤطر تلك الإمكانات؛ ما جعل الأمة تبدو في ظاهرها أفقر الأمم رغم عظيم ثرواتها، وأجهل الأمم رغم نبوغ أفرادها، والمفارقة الصارخة تكمن في أنَّ الكثير من البلاد الإسلامية تُستنزف أموالها وتُهدر مقدراتها، في حين يبلغ علماؤها -والعرب منهم خاصة- الغاية في المجالات العلمية والبحثية والمهنية والفكرية حين يوضعون في بيئات الغرب المنظمة، حيث وصل الكثير منهم إلى مناصب سامقة ومراتب عالمية، لا لشيء إلا لأنهم وجدوا النظام الذي يقدّر الإبداع والمشروع.


ثالثاً: غياب البيئة الحاضنة:

فقدان البيئة الآمنة، التي تحتضنه وتمنحه الثقة، وتوفر له شروط الاستمرار والنمو، غياب البيئة التي تسمح بالخطأ، وتشجع على السؤال، وتحمي المبادرة من الإقصاء، وتربط الكفاءة بالاستحقاق لا بالانتماء، وحين تغيب هذه البيئة؛ يتحول التفوق إلى عبء، والاختلاف إلى مخاطرة، والإبداع إلى عزلة.
والمفارقة الأشد دلالة أن هذه الإمكانات ذاتها، حين انتقلت إلى البيئات الغربية، أبدت قدرة لافتة على التميز والإبداع، وأسهمت في نهضة البحث العلمي، وتقدّم الجامعات، وتطوير الصناعات المعرفية والتقنية، ولم يكن ذلك نتيجة تحوّل جوهري في الإنسان ذاته، بل نتيجة اختلاف السياق؛ سياق يحكمه مشروع معرفي واضح، ومؤسسات راعية، وقواعد شفافة، وثقافة تقدّر الجدارة وتكافئ الإنجاز، والحقيقة المركزية أن العقل العربي حين يُوضع في بيئة منظمة، عادلة، وآمنة، ينتج بالقدر ذاته، وربما أكثر مما ينتجه في أي سياق عالمي متقدم.


رابعاً: غياب المعرفة المنهجية:

العقل العربي ليس عاجزاً عن الإبداع ولا عن الفهم، لكنه يعمل –في الغالب– دون إطار منهجي جامع، ودون مشروع حضاري يستوعب نتاجه ويوجهه، فيتحول العلم إلى جهد فردي معزول، أو إلى معرفة مؤسسية بلا روح، أو إلى تكديس معلومات لا تُترجم إلى أثر في الواقع، والمشكلة هنا ليست في نقص المعرفة، بل في غياب السؤال الكبير الذي تنتظم حوله المعرفة.
إنَّ غالب المنظومة التعليمية في العالم العربي لم يتبقَّ لها من «العربية» إلا الاسم وبعض المعلومات السطحية؛ أما العمق التربوي، والتأثير الوجداني، واكتشاف المهارات، وصناعة الرواد، فإنَّ مناهجنا أبعد ما تكون عن صياغة هذا النموذج، بل إنَّ جلَّ المناهج في العالم العربي إنما هي ثمرة إشراف وصناعة غربية؛ لذا أضحى التغريب متمثلاً في قلب غربي وعقل غربي، يرتديان ثوباً عربياً، ولا علاقة لهما باستحقاقات العربية ومنظومتها القيمية.


خامساً: غياب المهمة وفقْد الذات:


ويتجلى التعطيل كذلك في الإنسان العربي نفسه؛ لا من حيث الكفاءة، بل من حيث الموقع والدور، فالإنسان هنا كثيراً ما يُقصى عن صناعة القرار، أو يُستنزف في صراعات جانبية، أو يُدفع إلى الهجرة القسرية، أو يُفرَّغ من المعنى ليغدو مجرد أداة في مشروع لا يصنعه، وهكذا تُهدر الطاقة الإنسانية، لا لأنها عاجزة، بل لأنها غير مُحتضَنة ضمن رؤية واضحة؛ بل إن هناك حالة إهدار متكاملة الأركان، حتى أضحى المرء لا يعلم مَن هو ولماذا وجِد؟ وذلك من شدة ما صار هملاً بلا هوية أو تأثير!


سادساً: التعطيل القيمي:


على المستوى القيمي، فإن الأمة تمتلك رأسمال أخلاقياً فريداً، قوامه مفاهيم العدل، والأمانة، والاستخلاف، وكرامة الإنسان؛ غير أن هذه القيم غالباً ما تُحبس في الخطاب الوعظي، أو تُوظَّف توظيفاً انتقائياً يخدم الصراع لا البناء، وحين تُفصل القيم عن وظيفتها الحضارية، تتحول من قوة توجيه إلى شعارات مستهلكة، ومن منطلق للنهوض إلى وسيلة للتخدير، فأضحت قيمه التي يسمعها لا أثر لها في واقعه المجتمعي أو حتى القطري أو الأممي؛ فكثير من الدول العربية تعرضت لحملات تجريف وتحريف، أزالتها عن منصة القيادة القيمية والنمذجة الأخلاقية.


سابعاً: غياب الوعي:


الوعي العربي المعاصر –في كثير من صوره– وعيٌ مجزّأ، متردد، يعيش ردّ الفعل أكثر مما يصنع الفعل، ويُرجع إخفاقاته إلى المؤامرة الخارجية وحدها، دون مساءلة البنية الداخلية التي سمحت لتلك المؤامرة أن تنفذ وتستقر، وحين يتحول الوعي من أداة تشخيص وتغيير إلى أداة تبرير وتنفيس، تفقد الأمة بوصلتها، وتغدو أسيرة الدوران في الحلقة ذاتها.


يمكن أن نختم بالقول: إنه لا سبيل إلى تجاوز هذا الواقع إلا عبر منهجية فكرية رشيدة، تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مركز المشروع، وبالانتقال من منطق الانفعال إلى منطق الفعل المقصود، ومن الشعارات العامة إلى البرامج القابلة للتراكم، كما لا نهضة دون تحويل القيم إلى أنظمة، والمفاهيم إلى سياسات، والرؤية إلى مؤسسات.
الأمة العربية لا تحتاج إلى معجزة خارقة، ولا إلى استيراد ذاتٍ بديلة، بل إلى استرداد ذاتها المعطَّلة، وحين تدرك أن أزمتها ليست فيما فُرض عليها فحسب، بل فيما عطَّلته في داخلها، تبدأ أولى خطوات الخروج من زمن التيه إلى زمن الفعل، ومن حالة الإمكان المؤجَّل إلى واقع الإنجاز الممكن

الاثنين، 9 فبراير 2026

ثلاث دول ثلاث حروب وثلاثة مخططات تطويق.. من الذي قلب مسار هذه الحروب؟..

 ثلاث دول ثلاث حروب وثلاثة مخططات تطويق.. من الذي قلب مسار هذه الحروب؟.. 

تركيا والسعودية ومصر هل يصبح "درع الدفاع المشترك" ممكنًا؟.. 

إسرائيل باتت معزولة وخسرت على جميع الجبهات.. ماذا يعني "إيران صديقة لإسرائيل"؟.. هذه الحرب يجب منعها حتمًا

إبراهيم قاراغول
كاتب تركي 

حاولوا فرض طوقٍ على تركيا عبر سورية، وعلى السعودية عبر اليمن، وعلى مصر عبر السودان.

كانت الدول الثلاث تتعرض لحصار من الجنوب، فيما كانت التهديدات التي تستهدف وجودها تتعاظم يوما بعد يوم.

لكن كيف جرى تهديد هذه الدول الثلاث؟ وكيف نُفذت تلك المشاريع ضدهم؟

في سورية، جرى تحويل انتفاضة الشعب ضد نظام البعث إلى مشروع يهدف إلى تقسيم البلاد وتهديد تركيا من الجنوب.

وفي اليمن، كان الحضور الإيراني يشكل تهديدًا للسعودية، فتشكل هناك تحالف مشترك بين المملكة العربية السعودية والإمارات. غير أن مساعي كبح النفوذ الإيراني تحولت لاحقًا، عبر الإمارات، إلى خطة أخرى تستهدف تهديد إدارة الرياض نفسها.

أما في السودان، فقد أُطيح بعمر البشير عبر انقلاب عسكري، ثم سرعان ما تحول الأمر من مجرد تغيير في الحكم إلى حرب أهلية. وهنا أيضًا تشكلت جبهة تقودها الإمارات وإسرائيل، ما دفع البلاد نحو كارثة، فيما كانت خيوط تهديدٍ كبير لمصر تُنسج بإحكام.

إعادة رسم الخرائط عبر التنظيمات

في سورية، جرى دعم تنظيم بي كا كا وتنظيم داعش، كما أُنشئ تنظيم واي بي جي من أجل تنفيذ هذا المشروع. وفي اليمن، أُنشئ كيان يُعرف باسم «المجلس الانتقالي الجنوبي»، وبدأ بالسيطرة على البلاد. وفي السودان، أُنشئ تشكيل «قوات الدعم السريع»، وبدأت عملية السيطرة على البلاد.

وفي الدول الثلاث، كانت إعادة رسم الخرائط تتم عبر هذه التنظيمات، فيما كانت خطط السيطرة تُنفذ خطوةً خطوة، لتتحول إلى واقع يهدف إلى محاصرة أقوى ثلاث دول في المنطقة.

هكذا جرى منع انتقال الحرب إلى الأناضول

أكبر انتصار جيوسياسي

صمدت تركيا في سورية بمفردها. فقد تحولت علاقات الولايات المتحدة وأوروبا مع سورية إلى علاقات مع التنظيمات الإرهابية، ولم تعد المسألة مقتصرة على إسقاط نظام البعث، بل تجاوزت ذلك إلى السعي لتقسيم البلاد وإنتاج فوضى هائلة جنوب تركيا، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لها.

وخلال خمسة عشر عامًا لم تغير تركيا موقفها، وتمكنت عبر عملياتها العسكرية التي بدأت بعملية «درع الفرات» من منع وصول الفوضى إلى الأناضول. كما احتضنت السوريين، ودفعـت أثمانًا باهظة في الداخل والخارج.

وفي نهاية المطاف، انهارت جميع خطط تفكيك الخرائط. فقد توحدت سورية، واستعادت خريطتها وحدتها، ولم يتمكن تنظيم واي بي جي من إثبات أي حضور، لينتهي دوره.

وتُعد سورية أكبر انتصار جيوسياسي حققته تركيا في هذا القرن حتى الآن، لأنها خاضت صراعًا في مواجهة العالم بأسره.

ما الذي أثار قلق السعودية؟ وكيف تصرف الجيش السعودي لأول مرة بهذا الحزم؟

عقب ذلك، أدركت السعودية أن مسألة اليمن تجاوزت كونها مسألة مرتبطة بإيران، وأنها باتت تشكل تهديدًا مباشرًا لوجودها، كما رأت أن شريكتها الإمارات بدأت تتحرك وفق مشاريع إسرائيل الإقليمية، بما يستهدف ضربها.

وعلى إثر ذلك، باشرت الرياض تدخلات سريعة، وتمكنت من إخراج الإمارات بالكامل من اليمن، لتنهار بذلك جميع الخطط التي نفذتها الإمارات وإسرائيل طوال عقدٍ كامل.

وللمرة الأولى، بدا الجيش السعودي في غاية الحزم في تحركاته، فيما لم تتمكن الإمارات من الاعتراض أو المقاومة، واضطرت إلى الانسحاب السريع من المنطقة.

تشكيل جبهة مشتركة في السودان والصومال

هذه الخطط ستنهار أيضًا

وفي خضم هذه التطورات، أعلنت إسرائيل اعترافها بمنطقة أرض الصومال كدولة مستقلة، في خطوة تشير إلى إنشاء جبهة جديدة على سواحل البحر الأحمر وبوابة المحيط الهندي بالتعاون مع الإمارات. وكانا يفعلان هذه المرة خطة لتقسيم الصومال.

غير أن تركيا والسعودية شكلتا لأول مرة جبهة إقليمية واضحة، وأعلنتا موقفًا حازمًا ضد مشروع «أرض الصومال»، وهو مشروع يُتوقع إفشاله أيضًا.

كما بدأت الدولتان العمل معًا في السودان، حيث أخذت قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات وإسرائيل تتلقى هزائم متتالية وتفقد نفوذها. ولاحقًا انضمت مصر إلى هذا المحور، وبدأت عمليات عسكرية ضد تلك الميليشيات انطلاقًا من الأراضي المصرية.

تركيا كانت تدرك الأمر منذ البداية

بينما تأخرت مصر والسعودية

ويبدو أن خطط تقسيم السودان التي نُفذت عبر قوات الدعم السريع بدعم إماراتي ـ إسرائيلي ستفشل كذلك، فيما يُتوقع أن تعمل الدول الثلاث على إعادة استقرار السودان وتعزيز قوته.

فتركيا كانت تدرك منذ البداية ما يُخطط لسورية، ولم تتردد في مواجهة هذا التهديد. أما السعودية، فقد أدركت متأخرة حجم التهديد الذي يُبنى ضدها في اليمن، لكنها تمكنت من القضاء عليه بسرعة.

في حين بدأت مصر تدرك حديثًا أن تفكك السودان يعني تطويقها من الجنوب، إلا أن الوقت لم يفت بعد، إذ بدأت القاهرة بالتحرك إلى جانب تركيا والسعودية.

ماذا تخطط إسرائيل ضمن ذلك القوس الواسع؟

تسعى إسرائيل، انطلاقًا من موقعها، إلى رسم قوس جغرافي واسع بهدف إضعاف الدول القوية الواقعة داخله وزعزعة استقرارها واستنزافها، مستخدمة في ذلك القوة الأمريكية. وكانت باكستان ضمن هذا القوس أيضًا، حيث يُقال إن إسرائيل دفعت الهند إلى مواجهة باكستان، غير أن النتائج لم تجرِ كما أرادت، إذ واجهت الهند تداعيات سلبية قاسية.

وكانت تركيا أول دولة تنتبه إلى هذه الخطة. فبعد أن دخلت في محور مع إسرائيل خلال أحداث 28 شباط، أدركت أن ذلك يضر بها، وهو ما تأكد بوضوح خلال محاولة الانقلاب في 15 تموز.

تركيا أيقظت الجميع

وظهرت القوة الحقيقية

إن قراءة تركيا للتهديد الإسرائيلي ليست قراءة أيديولوجية أو قائمة على الهوية، بل تستند إلى منطق جيوسياسي مباشر.

واليوم بدأت السعودية ومصر تدركان ذلك أيضًا. فبينما كانت تركيا تحذر هاتين الدولتين منذ وقت طويل، كانتا تتجهان نحو التعاون مع دول مثل إسرائيل واليونان، بل إن بعض تلك التحركات وصلت إلى تشكيل جبهات مشتركة ضد تركيا في شرق المتوسط.

لكن عندما بدأ التهديد يطالهما، أدركتا الحقيقة وغيرتا مواقفهما، خصوصًا بعدما اختبرتا أن إسرائيل لا تتردد في استهداف حتى حلفائها. وهكذا التقَت مواقفهما مع تركيا، وبدأ تفعيل القوة الحقيقية للمنطقة.

ضرورة إنشاء درع دفاعي مشترك على المستوى الإقليمي في أقرب وقت

إن زيارات الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر تتزامن مع مرحلة تاريخية مفصلية في ذاكرة المنطقة، وربما تمثل بداية يقظة كبرى خلال القرن الأخير.

فإذا نجحت الدول الثلاث في إنشاء مظلة دفاعية مشتركة على مستوى المنطقة لمواجهة خطط «التطويق» التي تستهدفها، فقد يشكل ذلك نقطة تحول في إبعاد الحروب عن المنطقة.

كما أن وضوح مواقف هذه الدول من قضايا سورية والسودان والصومال ومشروع «أرض الصومال» يمنح آمالًا كبيرة، مع التطلع إلى تعزيز التعاون وبناء فضاء إقليمي للسلام والازدهار

لماذا تسعى إسرائيل إلى مهاجمة إيران رغم خسارتها على جميع الجبهات؟

ليست تهديدًا بل مشروعًا

رغم تحركها مع الإمارات، فإن إسرائيل تتعرض لخسائر في عدة ساحات، من سورية إلى السودان واليمن، ومن المتوقع أيضًا أن يفشل مشروع «أرض الصومال».

ولهذا السبب تسعى إسرائيل إلى دفع الولايات المتحدة نحو مهاجمة إيران، بعد أن تدهورت علاقاتها مع معظم دول المنطقة، في محاولة لبناء تحالف جديد وجبهة جديدة.

المصدر 

ولا يوجد حاليًا سبب فعلي يبرر هجومًا أمريكيًا ـ إسرائيليًا على إيران، إذ لا تشكل طهران تهديدًا مباشرًا لإسرائيل، لكن الهدف يتمثل في محاولة تغيير النظام الإيراني عبر استخدام القوة الأمريكية وإقامة سلطة حليفة لها.

فإذا تحقق ذلك، فسيُستخدم هذا الوضع كجبهة وأداة ضغط ضد تركيا ودول المنطقة بأسرها. وبذلك لا يكون الأمر متعلقًا بتهديد قائم، بل بمشروع استراتيجي.

إيران جديدة حليفة لإسرائيل قد تتحول إلى قاعدة للهجوم على المنطقة بأسرها

ولهذا تسعى تركيا ودول المنطقة إلى منع أي هجوم أمريكي على إيران. ورغم أن سياسات طهران لا تسهّل دائمًا مهمة هذه الدول، فإن منع اندلاع حرب جديدة يبقى ضرورة حتمية.

ففي حال تحقق مشروع تحويل إيران إلى «دولة جبهة» موالية لإسرائيل، فإن المنطقة بأكملها، من العراق إلى لبنان، قد تنزلق مجددًا إلى الفوضى.

وأعتقد أن الدول التي تمكنت من منع تفتيت الخرائط في سورية والسودان والصومال واليمن قادرة أيضًا على منع هذه الحرب.

قد تكون الخطوة الأولى نحو الحزام العملاق

ليس أملًا بل قراءة للقوة

تشهد منطقتنا للمرة الأولى منذ أربعة عقود حالة تعافٍ تدريجي، وتتصدر تركيا هذا المسار الفكري والاستراتيجي، فيما تفتح الشراكات الإقليمية أبواب مرحلة جديدة.

وقد يشكل محور تركيا ـ السعودية ـ مصر ـ باكستان الخطوة الأولى نحو هدف الحزام العملاق، في ظل ظروف دولية توفر فرصًا غير مسبوقة.

ومن المتوقع أن تظهر نتائج اللقاءات التي أجراها الرئيس أردوغان في السعودية ومصر مع محمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي على أرض الواقع، وقد بدأت ملامح ذلك بالفعل.

ولهذا يمكن القول إن خطوات كبرى تُتخذ حاليًا نحو مرحلة تاريخية جديدة في منطقتنا. نحن بحاجة إلى الأمل، لكن ما يحدث ليس مجرد أمل، بل قراءة حقيقية لموازين القوة.