الأحد، 30 أغسطس 2026

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟




حلمي الأسمر
"الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه"

سؤال يقلب الموازين: لماذا يظل مستخدم "فيسبوك" في القاهرة أو عمّان يظن أنه "يتواصل" بينما بياناته تُستخدم لتحديد أهداف الطائرات الإسرائيلية؟

الإجابة
ليست في غرفة مظلمة، بل في تاريخ الإنترنت ذاته، وفي عقود من التمويل العسكري، وفي صفقات سرية كشفت عنها وثائق سنودن واعترافات رؤساء شركات مثل "أوراكل". 
الحقيقة أن ما نحمله في جيوبنا ليس مجرد هاتف، بل هو محطة استشعار متنقلة في شبكة حرب عالمية، تصميمها الأساسي لم يكن للتواصل الإنساني، بل للبقاء بعد النووي ولمراقبة البشرية جمعاء.

المولد العسكري للإنترنت: لم تكن "هدية مجانية"

قبل أن يصبح الإنترنت تطبيقات وأسهماً في البورصة، كان مشروع "أربانت" الذي مولته وكالة "داربا" (ذراع البحث العسكري في البنتاغون). كان الهدف الوحيد: إنشاء شبكة اتصالات لا تتعطل حتى لو ضربت صواريخ نووية بعض مراكزها. التقنية التي نستخدمها الآن ولدت في مختبرات الحرب الباردة، ولم تولد في مرائب السيليكون فالي.

كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي

ما معنى ذلك؟
معناه أن الشيفرة الأساسية التي تشغّل كل تطبيق، وبروتوكولات نقل البيانات، وأنظمة التوجيه، جميعها مملوكة فكرياً للجيش الأمريكي، ولم تُمنح للقطاع الخاص مجاناً، بل بيعت له مقابل صفقة واحدة: الوصول المستمر إلى كل بيانات المستخدمين حول العالم. هذا ليس "نظرية مؤامرة"، بل هو النموذج التشغيلي الموثق في عقود "بريزم" و"إكس كي سكور" وغيرها!!

من "بريزم" إلى "مينتا": العلاقة العضوية بين وادي السيليكون وغرف العمليات

عندما كشف إدوارد سنودن في 2013 عن برنامج "بريزم"، أوضح أن شركات مثل جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل وياهو كانت تزوّد وكالة الأمن القومي ببيانات مستخدميها بشكل منهجي. لم يكن ذلك "انتهاكاً"، بل كان امتثالاً لقوانين فيدرالية تُلزم هذه الشركات، لأنها في الأساس بنية تحتية وطنية للولايات المتحدة.

السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ 
تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي:

- مشروع "نيمبوس" (غوغل وأمازون) زوّد الحكومة الإسرائيلية بسحابة رقمية عملاقة، تستخدم الآن لتخزين وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة والاستهداف.

- مشروع "مينتا" السري بين أوراكل وسلاح الجو الإسرائيلي، وهو المشروع الذي اعترفت رئيستها التنفيذية السابقة "صفرا كاتز" بأنه وفّر تكنولوجيا "مخيفة بشكل عميق" للجيش، ورأت فيه موظفيها بالزي العسكري في غرفة عمليات "الكرياه (مبنى وزارة الدفاع) بتل أبيب، ووصفته بـ"أكثر لحظات حياتها فخراً".

الربط هنا لا يحتاج إلى تأويل: البنية السحابية ذاتها التي تدير تطبيقاتك، وتُخزّن صورك، وتحلل تفضيلاتك، هي ذاتها التي تُستخدم الآن لتحليل خرائط التموضع في غزة، وتحديد أنماط الحركة، وتسريع قرارات القصف. أنت عندما تفتح "جوجل ماب" تُعلّم الخوارزميات كيف تقرأ المدن، وهذا التعليم يُعاد استخدامه عسكرياً!

الفلسطيني يموت مرتين: مرة بالقنبلة، ومرة بالبيانات

الحرب على غزة والإبادة الجماعية المستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالتوافق مع "هندسة التجويع" لم تكن مجرد قنابل، بل كانت معركة خوارزميات. الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" و"غوسبلي" لتوليد أهداف من بين مئات الآلاف من عناوين الهواتف المحمولة، بناءً على أنماط سلوكية رقمية تُجمّع من السحابة. البيانات التي تضعها عن نفسك عن غير قصد تُترجم إلى "اشتباه" قد يتحول إلى نقطة حمراء على شاشة طيار مسيّر.

وهنا تكشف المفارقة العربية الأكثر مرارة: المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً.

من يملك السحابة يملك القرار: درس الصين الذي لم نتعلمه

الصين التي اتهمت بـ"الرقابة" كانت تفعل شيئاً أعمق: كانت تفك الارتباط ببنية تحتية معادية. أنشأت نظامها الملاحي "بي دي إس" بدل "جي بي إس"، وطورت منصاتها السحابية والذكاء الاصطناعي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ليس لأنها تخاف من التجسس فقط، بل لأنها أدركت أن السيادة الرقمية هي السيادة السياسية.

على النقيض، تفتح الدول العربية اليوم أحضانها لأوراكل وأمازون لبناء "مدن ذكية"، وتسليمها مفاتيح بيانات مواطنيها، بينما توقّع هذه الشركات في الوقت نفسه عقوداً عسكرية مع الكيان الصهيوني. لا يمكن أن تكون "شريكاً مدنياً" في القدس و"شريكاً عسكرياً" في تل أبيب بنفس الوقت، دون أن يكون ضميرك ميتاً، أو دون أن تكون فلسفتك في التنمية هي مجرد استهلاك!

ماذا نفعل؟ بين المقاطعة والبناء

هذه ليست دعوة لكسر الهاتف، فهذا لن يغيّر شيئاً. الدعوة هي:

أولا: وعي مؤسسي: على الحكومات العربية أن تدرك أن استضافة السحابة على أراضيها لا تعني السيادة عليها، السيادة تعني القدرة على تشغيل الأنظمة الحيوية دون الرجوع إلى مزود خارجي.

ثانيا: بدائل عربية مفتوحة المصدر: دعم النظم العربية الناشئة التي تطور بدائل للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، حتى ولو كان حجمها صغيراً، لأن البدايات الصغيرة هي التي تنمو.

ثالثا: ضغط مدني منظم: طرح أسئلة واضحة على الشركات العاملة في المنطقة: هل تبرم عقوداً عسكرية مع إسرائيل؟ هل تسمح باستخدام بنيتها في عمليات استهداف؟ ماذا تفعل لمنع ذلك؟

المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً

رابعا: إعادة تعريف العلاقة الشخصية: ليس إلغاء الهاتف، بل تقليل التسريب الطوعي. إيقاف الإشعارات ليس فقط للراحة النفسية، بل تقليل نقاط البيانات التي تمنحها للخوارزميات، ولو استطعت أن تحذف تطبيقات ما يسمى "التواصل الاجتماعي" من هاتفك وإبقائها على جهاز الحاسوب، فهذا أفضل، لأنك بهذا تمنع تدفق المعلومات لمن يرصدك وفي "الوقت الفعلي" ولمن يستعمل حركاتك وسكناتك لتغذية بنك معلوماته!!

الخلاصة: الهاتف ليس بوابتك للعالم.. بل هو سلسلة البنتاغون حول عنقك

عنوان هذا المقال ليس استفزازياً بل وصفياً دقيقاً. البنتاغون هو الذي مول التقنية، ووضع شروطها، وفرض قوانينها، وأعاد توزيعها كامتيازات لشركات خاصة. وهذه الشركات هي التي تبيع الآن البنية ذاتها للعدوان الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وفي كل مكان. الهاتف الذي تلمسه كل صباح ليس أداة محايدة؛ إنه طرف في شبكة تجنيد إلكتروني.

غزة وفلسطين كلها، لم تتعرض للعدوان بالقنابل وحدها، بل لأن العالم العربي (أيضا) ظل مستهلكاً رقمياً، ولم يتحول يوماً إلى منتج للسيادة الرقمية. لذلك، كل نقرة على الشاشة، كل صورة تحملها، كل موقع تسجله، كل رسالة ترسلها، تتحول في الطرف الآخر إلى ذخيرة. فإما أن نعيد تعريف علاقتنا بهذه الأدوات، وإما أن نظل نُذبح مرتين: مرة بالحديد، ومرة بالسيليكون!

الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه. تحرير فلسطين يبدأ، اليوم، بتحرير بياناتنا من قبضة من يحاربنا بها!

ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

 ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لا أبالغ إذا قلت إن ما يجري في الضفة الغربية منذ عدة أسابيع من عدوان وحرب منظمة تشنها مليشيات المستوطنين وقطعانهم على قرى وبلدات الضفة الغربية يعيد إلى الأذهان عمليات المليشيات والعصابات الصهيونية المسلحة التي شنتها ضد القرى الفلسطينية عشية النكبة الفلسطينية قبل زهاء ثمانين عاما، والتي نتج عنها أكبر عملية تطهير عرقي في الأراضي الفلسطينية، ما زال بسببها أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مشتتا في أنحاء العالم حتى اليوم. إلى هذه الدرجة تصل وحشية وخطورة ما يجري في الضفة الغربية اليوم.

مع تصاعد الغضب العالمي لما يجري، اضطر بنيامين نتنياهو أمس إلى إدانة ما سماه "أعمال العنف الإجرامية التي ارتكبها عدد قليل من مثيري الشغب" في قريتي قصرة وجالود في الضفة الغربية، وكذلك خرج السفير الأمريكي في إسرائيل القس مايك هاكابي أيضا بتصريح مماثل يقول فيه إن "نصف مليون إسرائيلي في الضفة مشمئزون من مجموعة مشاغبين يوصفون خطأ بالمستوطنين".

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948، حين أصدر بيانا باسم الوكالة تبرأ فيه من الإرغون واعتبر أن المجزرة "عمل وحشي ومخز لا يتفق مع روح الشعب اليهودي وتقاليده وتطلعاته"، ليتبين في النهاية أن المجزرة كانت جزءا من الخطة (د) التي أقرها بن غوريون نفسه.

لتدور الأيام، وتصبح منظمة إرغون التي صنفت إرهابية في ذلك الوقت مؤسسة رسمية، بل وتدخل الانتخابات ويفوز زعيمها "مناحيم بيغن" برئاسة حكومة إسرائيل، ثم يتبجح رئيس الوزراء بيغن لاحقا بالمجزرة بقوله:

 "إن المذبحة لم تكن مبررة فحسب، بل ما كانت دولة إسرائيل لتوجد لولا النصر في دير ياسين".

إعلان

هكذا تلعب إسرائيل لعبة "الشرطي الجيد والشرطي السيئ"، فعندما يتعلق الأمر بالمستوطنين، لا يمكن أن يقال إن الإرهاب الذي يحدث حاليا في الضفة الغربية يقوم به بضعة "مشاغبين"، ولا أنه "لا يمثل" فئة المستوطنين في الضفة، وكأن هؤلاء حمائم سلام جاءت لتعيش في مستوطنات الضفة الغربية لتصنع "السلام" مع سكان الأرض الأصليين لا لتستأصلهم من أرضهم بأي ثمن.

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة.

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948

إن ما يجري الآن في بلدتي قصرة وجالود وقبلهما في يتما وحوارة وترمسعيا والقرى الأخرى في الضفة الغربية، ليست أحداثا معزولة، بل إن قراءة شاملة لمساحة الاعتداءات وبؤر التوحش الاستيطانية في الضفة تثبت أن الأمر أعمق من ذلك، وأنه مخطط شامل يشبه الخطة (د) التي أفضت في النهاية -مع الصمت العالمي- إلى عملية التطهير العرقي الكبرى ضد الشعب الفلسطيني عشية النكبة.

لاستيعاب ذلك ينبغي أن نقرأ خريطة الضفة ككل: إذ تمتد الضفة الغربية على مساحة 5660 كيلومترا مربعا (شاملة شرقي القدس)، من جنين شمالا حتى قرى جنوب الخليل جنوبا، ومن نهر الأردن شرقا حتى شريط طولكرم-قلقيلية غربا، الذي لا يبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط أكثر من حوالي 10 كيلومترات هوائية فقط، وهذه المساحة يسكنها اليوم حوالي 3.43 ملايين فلسطيني.

ومنذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، بدأت مباشرة في عملية الاستيطان فيها، حيث بدأت بناء أول مستوطنة في الضفة في سبتمبر/أيلول بعد ثلاثة أشهر فقط من الحرب، وهي مستوطنة "كفار عصيون" جنوب بيت لحم.

وانتشرت المستوطنات منذ ذلك الوقت لتتحول اليوم إلى كتلة حقيقية يصل نفوذها الأمني والعمراني والهيكلي إلى حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية، ويسكنها أكثر من 540 ألف مستوطن، إضافة إلى حوالي 230 ألف مستوطن في شرقي القدس وحدها.

ويتوزع هؤلاء على ثلاث كتل استيطانية رئيسية هي: كتلة مستوطنات نابلس في شمال الضفة، وأكبرها مستوطنة "أرئيل" التي صنفتها إسرائيل مدينة، وكتلة مستوطنات رام الله في وسطها، وأكبرها مستوطنة "موديعين"، وكتلة مستوطنات الخليل في جنوب الضفة، وأكبرها تكتل "غوش عصيون" الاستيطاني.

وبلغ عدد المستوطنات الرسمية التي أقامتها الحكومة الإسرائيلية بالفعل 146 مستوطنة، إضافة إلى 104 مستوطنات أقرت الحكومة الحالية بناءها في الضفة منذ عام 2022، لكن هناك بالمقابل أكثر من 390 بؤرة استيطانية أقامتها مجموعات المستوطنين المتطرفين الذين يقومون اليوم بعمليات الإرهاب ضد السكان في الضفة.

والبؤر الاستيطانية هي بؤر توحش حقيقية تقيمها مليشيات مختلفة، أشهرها "فتية التلال" و"نحالاه" و"أمانا"، وهذه الجماعات هي التي يحاول اليوم نتنياهو وهاكابي التبرؤ منها واعتبارها مجرد "مشاغبين".

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة

هؤلاء الذين يسميهم نتنياهو "مشاغبين" ليسوا مجرد مجموعات صغيرة معزولة، بل إنهم جماعات قوية مسلحة، يرأسها عدد من أشد المتطرفين عنفا، وبرعاية حكومية كاملة. فشخص مثل زئيف حيفر، زعيم منظمة "أمانا"، يعتبر أهم شخصية غير حكومية في بناء المستوطنات والبؤر نفسها، حيث تعتبر حركته "أمانا" الذراع التاريخية الكبرى لتطوير المستوطنات المرتبطة بحركة غوش إيمونيم (جماعة الإيمان) الدينية المتطرفة.

إعلان

ووصفها تقرير رسمي للخارجية الأمريكية في 2024 بأنها أكبر منظمة تعمل في تطوير المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير الرسمية في الضفة الغربية، ومنظمته أسست عشرات البؤر على أراض فلسطينية.

وهذا الشخص نفسه كان عضوا في "التنظيم اليهودي السري" الذي أدين في ثمانينيات القرن العشرين بمحاولة تفجير قبة الصخرة المشرفة لإنشاء المعبد المزعوم مكانها، وقضى فترة في السجن. ثم تحول لاحقا إلى أحد أكثر الأشخاص نفوذا في المؤسسة الاستيطانية، حيث يملك شبكة علاقات واسعة داخل الحكومة والجيش والإدارة المدنية، وأدار شركات وهيئات مرتبطة بإنشاء البؤر الاستيطانية.

كما أنه مهندس فكرة "المزارع الرعوية" التي يهاجم فيها المستوطنون جنوب الضفة الغربية، مزارع الفلاحين الفلسطينيين وتجمعاتهم ويطردونهم بحجة إقامة مزارع ومناطق رعي أغنام خاصة بالمستوطنين، ويتباهى حيفر بأن فكرة مزارعه الرعوية باتت تسيطر على مساحة من الأراضي تبلغ 2.5 ضعف المساحة العمرانية لجميع المستوطنات مجتمعة في الضفة الغربية.

أما دانييلا فاييس، فهي شخصية باتت معروفة إعلاميا بجهودها في محاولة العودة لاستيطان قطاع غزة بالذات، ولها أيضا جهود كبيرة في الضفة من خلال حركتها "نحالاه" التي تدفع باتجاه إقامة تجمعات وبؤر جديدة هناك، وهي كانت أيضا عضوا في حركة غوش إيمونيم الدينية المتطرفة.

وكذلك يعمل رؤساء مجالس المستوطنات من أمثال يوسي داغان رئيس ما يسمى "المجلس الإقليمي في السامرة" لمستوطنات شمال الضفة، والذي يرعى عمليات الترهيب والاستيطان شمال الضفة، ويسرائيل غانتس رئيس ما يسمى "مجلس ماتيه بنيامين" ورئيس "مجلس يشع" الذي أصبح الهيئة المظلية الممثلة لجميع المستوطنات لدى حكومة الاحتلال.

الضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات

وأما جماعات فتية التلال الإرهابية، فترأسها شخصيات شديدة التطرف الديني، ولعل من أخطر هذه الشخصيات إليشاع يريد، أحد قادة مليشيا "فتية التلال" وجماعة "تدفيع الثمن" المتورطة في إحراق منازل ومركبات الفلسطينيين وخاصة في قرية المغير، وكذلك مائير إيتتينغر، حفيد الحاخام المتطرف مائير كاهانا مؤسس منظمة "كاخ" الإرهابية، وكذلك بنتسيون غوبشتاين مؤسس وزعيم منظمة "لاهافا" المتطرفة، وهذا الأخير كان أيضا تلميذا للحاخام كاهانا.

هذه الشخصيات تسترشد برؤية الحاخام مائير كاهانا الذي يعتبر أحد الأسس التي تقوم عليها أفكار تيار الصهيونية الدينية اليوم في إسرائيل. حيث كان يرى ضرورة طرد الفلسطينيين بالقوة، وهذا هو شعار منظمته "كاخ" أي (هكذا) مع شعار البندقية. وهي مجموعات ترى في نفسها رسلا للرب ويد الله العظمى في الأرض، وهذا ما صرحت به أكثر من مرة دانييلا فاييس نفسها.

والضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات.

فإذا ذهبنا إلى المستوى الرسمي الإسرائيلي، نجد هذه الشخصيات مرتبطة بشكل كامل تقريبا بالوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. فالأول مسؤول عن تمويل هذه الجماعات عبر تمرير مبالغ طائلة للاستيطان من خلال وزارة المالية التي يقف على رأسها، والأخير هو المسؤول الأول عن تسليح هذه الجماعات عبر إعلانه توزيع أكثر من 300 ألف قطعة سلاح على المستوطنين في الضفة الغربية دون أي قيود.

وهو ما يعني بالضرورة ارتباط هذه الشخصيات ذات الرؤية الدينية المشتركة ببعضها في تكامل واضح بين الرسمي وغير الرسمي في إسرائيل.

هذه الحقائق كلها تجعل كلام نتنياهو وهاكابي كلاما في الهواء، إذ إن نتنياهو يرى نفسه في مهمة مقدسة لتنفيذ رؤية "أرض الميعاد" كما صرح هو في الإعلام، وهاكابي يرى نفسه في مهمة إلهية لتنفيذ "رؤية الرب" في تفريغ هذه الأرض من سكانها لصالح من يرون أنفسهم "شعب الله"، وهو من أعلن أن الضفة الغربية لا بد أن تسمى "يهودا والسامرة".

حيث صرح عام 2017 بوضوح " لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية؛ إنها يهودا والسامرة، ولا يوجد شيء اسمه مستوطنات؛ إنها مجتمعات وأحياء ومدن، ولا يوجد شيء اسمه احتلال".

ولا أخطر على العالم من وحشية نرجسيين يرون أنفسهم ممثلين لله في الأرض لا يخطئون ولا يناقشون، فهذه وصفة للكارثة كما أثبت التاريخ دائما.

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

حميدتي وإسلاميو السودان ما الذي يجري في الظلام؟

كاتب وصحفي سوداني.

يثار جدل كثيف خلال السنوات الماضية وحتى اليوم، حول مولد ومنبت ومراحل تطور مليشيا الدعم السريع وعلاقتها بالإسلاميين أفرادا وجماعات وتنظيما، ولم ينكر الإسلاميون أبوتهم حتى اكتسبت "الدعم السريع" بعد حين صفة الابن العاق، مع محاولات يائسة من قيادة "الدعم السريع" عقب أبريل/نيسان 2019 للتبرؤ من جيناتها المحورة، وإنكار ذلك الجينوم الذي يربطها بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية وعهد الرئيس عمر حسن البشير.

بسبب الحرب التي اندلعت في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش في 15 أبريل/ نيسان 2023 وتداعياتها ودعايتها، تحاول المليشيا المتمردة، بناء مبررات حربها بأن من أهدافها القضاء على "الحركة الإسلامية"، وما يسمى بفلول النظام السابق، وبُنيت هذه الدعاية على كذبة كبرى، وتضليل لطمس الحقائق والقفز فوقها والتعلق بحبال التدليس، إذ بقيت صلة الدعم السريع بالإسلاميين كالوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها الأيام، ولا الحرب وأهوالها.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003 في إقليم دارفور.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013

وكان الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد "بطن من قبيلة الرزيقات"، هو قائد هذه القوة التي قاتلت مع الجيش ضد المتمردين آنذاك، وجلها من القبائل العربية، ولم يكن "حميدتي" وقتذاك شيئا مذكورا سوى أنه أحد ضباط الصف يتبع لموسى هلال.

تمرد "حميدتي"؛ بسبب خلافه مع الشيخ موسى هلال في نهاية عام 2006، وحاول عقد تحالف مع متمردي حركة "العدل والمساواة" في لقاء مشهور بالعاصمة التشادية نجامينا بحضور الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، لكن سرعان ما عملت الحكومة السودانية على احتوائه مرة أخرى وإرجاعه للعمل مع الجيش، وتكليفه بمهام محدودة في مناطق جنوب دارفور، ثم أفردت له حكومة الرئيس البشير منصبا حكوميا في ولاية جنوب دارفور بتعيينه مستشارا بدرجة معتمد.

وعندما حُلت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال في خواتيم عام 2009، وتزامن مع ذلك الوقت حدوث تغييرات في أجهزة الدولة قضت بذهاب صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات من موقعه، وبدأ مزاولة أعمال تجارية خاصة منها تصدير الماشية إلى مصر، استعان قوش بـ"حميدتي" في شراء الأبقار وحراستها من مناطق دارفور حتى نقاط التصدير على الحدود المصرية، ووجد "حميدتي" منفذا تجاريا محدودا مع شركات ومؤسسات تتبع للجيش وجهاز المخابرات، لكن سرعان ما طواه النسيان.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013، فقرر الرئيس البشير تكوين قوات جديدة على غرار قوات "حرس الحدود".

وتم الاتصال بالشيخ موسى هلال لكنه اعتذر عن عدم قيادتها وكان حانقا وغاضبا من تجربته السابقة. وقد استعان البشير ببعض مساعديه العسكريين، فقام أحدهم وهو الفريق أول عوض بن عوف الذي تولى حكم السودان لـ24 ساعة فقط من 11-12 أبريل/نيسان 2019، باقتراح الشقيقين محمد وعبد الرحيم حمدان دقلو، وأصدر البشير قرارا بتكوين هذه القوات في أبريل/نيسان 2013.

تم تكليف "حميدتي" بعد التكوين بجمع وتجنيد 5 آلاف من أبناء القبائل العربية بدارفور، وخصصت له 60 عربة قتالية، وحدث خلاف حول تبعية القوات، برفض هيئة أركان القوات المسلحة وأعضاء من اللجنة العسكرية السابقة التي قامت بحل وتصفية قوات "حرس الحدود" تتبيع هذه القوات للجيش، وكحل وسط أُلحقت قوات  "الدعم السريع" بجهاز الأمن والمخابرات، ومنح "حميدتي" رتبة العميد كقائد ثان، وشقيقه الأكبر عبد الرحيم رتبة المقدم، مع العلم أن كليهما في قوات "حرس الحدود" كانا في رتبة "صف ضابط" رقيب أول ورقيب.

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية

بدأ تشغيل القوات الجديدة وتنسيق عملياتها مع الجيش في دارفور وجنوب كردفان، وحدثت تجاوزات كثيرة منها مشكلة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان عندما طرد الوالي آنذاك مولانا أحمد هارون "الدعم السريع" من ولايته، ولم تكن بيئة العمل في شمال وجنوب كردفان تناسب "الدعم السريع"، لذلك فشلت مهمتها، وتقرر انتداب ضباط من الجيش والمخابرات لتنظيم هياكل "الدعم السريع"، وتنسيق العمليات العسكرية ضد الحركات المتمردة آنذاك.

في هذا الوقت كانت العناصر المنتدبة للعمل في صفوف "الدعم السريع" من القوات المسلحة أو جهاز الأمن والمخابرات تحوز ثقة قيادة الدولة، بينما الكوادر الملتزمة من الإسلاميين تواجدت في كل الشركات والمؤسسات المدنية التي بناها "حميدتي" وأشقاؤه، وحرصت قيادة "الدعم السريع" على استشارة قيادة نظام الإنقاذ في كل البرامج، وكانت هناك سيطرة للرئيس البشير على هذه القوات تأتمر بأمره، وتتبع مباشرة لمكتبه.

وصل لقيادة شركة "الجنيد" أهم شركات "حميدتي" وذراعه المالي، أحد أهم الكوادر الإسلامية التي تعمل في المجال الأمني، وصار مديرا عاما، وكذلك كوادر أخرى توزعت على شركات الطرق والجسور والتجارة العامة والتعدين التي تتبع لـ"الجنيد"، بحلول عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه قانون "الدعم السريع" من البرلمان في أبريل/نيسان 2017، وكان لفيف من الإسلاميين قد سيطر على مفاصل "الدعم السريع" العسكرية والمدنية واستثماراتها.

بذهاب طه عثمان من مكتب الرئيس البشير فقدت "الدعم السريع" أكبر داعم لها، لكن شبكة هائلة من العلاقات الناشئة عوضت ذلك الفقدان، بيد أن طه لعب دورا أخطر في الخارج. وعمل "حميدتي" وشقيقه وعدد من أفراد الأسرة بعد أن مُنحوا مقعدا وزاريا سبقه تخصيص مقعد برلماني لعمه (جمعة دقلو) في البرلمان، على تمتين علاقاتهم مع الإسلاميين في مختلف المستويات، والاستفادة من الكادر المدرب والمؤهل لبناء الإمبراطورية المالية، وزيادة النفوذ السياسي، ونالوا جميعا عضوية المؤتمر الوطني، وحاول "حميدتي" وشقيقه التوسل عدة مرات لقيادة المؤتمر الوطني بقبولهما وتعيينهما قياديين في الأجهزة العليا للحزب ففشل المسعى.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية خلال عذريته السلطوية، قبل أن تأتيه الإملاءات الخارجية بالتخلص من بعضهم، ومن المتواجدين في الجيش والأجهزة الأمنية. كما زادت قوات الدعم السريع من 20 ألف جندي في عهد البشير، إلى ما يقارب 40 ألفا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعندما أُلغيت المادة (5) من قانون "الدعم السريع"، سارع "حميدتي" إلى التوسع الأفقي والرأسي باستيعاب ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات المفصولين من الخدمة، وبلغ عدد ضباط الجيش المستوعبين غداة حرب 15 أبريل/نيسان 2023 ما يزيد على 480 ضابطا من مختلف الرتب، كما استوعب عنده عناصر من قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة، بعد حل الهيئة بضغط منه في عام 2019.

خلال أربع سنوات سبقت الحرب، فاق عدد القوات 200 ألف، وكان لـ"حميدتي" طاقم سياسي يعمل في قوات الدعم السريع (مستشارون-كبار موظفين)، جلهم من الولاة السابقين والمعتمدين والوزراء الولائيين السابقين، أكثريتهم من ولايات دارفور، وكان لديه كوادر لا حصر لها من البرلمانيين والتشريعيين الولائيين من عناصر نظام البشير.

وبحكم صلة القرابة والدم جمع حوله أهل المشورة الخاصة من "الإسلاميين"، ليديروا معه كل الملفات الخاصة والجوانب السياسية والعمل على استقطاب منظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والاجتماعية وزعماء القبائل والعشائر، وستجدهم في مكاتبه الخاصة ووفوده للتفاوض، ومن يحركون العمل العسكري والسياسي بعد الحرب.

ومن أبرز الإسلاميين المساندين لـ"الدعم السريع" من السياسيين، طه عثمان الحسين مدير مكتب البشير، حسبو محمد عبد الرحمن النائب الأول للرئيس البشير، بجانب قيادات دستورية سابقة يبلغ عددهم بضعة وثلاثين، من بينهم ولاة ووزراء ووزراء ولائيون ومعتمدون وبرلمانيون وأعضاء مجالس تشريعية، وأمناء ونواب أمناء بارزون في مستويات الحركة الإسلامية ومكاتبها التنظيمية والأمنية، في ولايات دارفور وكردفان، وكوادر شبابية وطلابية، منهم رؤساء اتحادات في الجامعات ومنظمات شعبية قومية.

ولعل أبرز القيادات التي التحقت بقوات"الدعم السريع" بعد تمردها زعماء القبائل، وخاصة الإسلاميين منهم، فناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو ظل عضوا في الجبهة الإسلامية القومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومحمد يعقوب ناظر الترجم هو من قدامى الإخوان المسلمين في دارفور، وكانت له صولات وجولات أيام الديمقراطية الثالثة وعهد الإنقاذ، واللواء محمد البشير موسى ناظر قبيلة السلامات، والأمير مسار عبد الرحمن أحد وجهاء قبيلة الرزيقات، وعند تصنيف كل الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور تجد 90% من داعمي المليشيا كانوا ملتزمين مع المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في عهد البشير.

أما الكوادر العسكرية فهم كثر وكانوا إما إسلاميين أو مسؤولين دستوريين في عهد البشير، وهم الآن في قمة هرم "الدعم السريع" العسكري أبرزهم الفريق عثمان عمليات، اللواء حسن محجوب مدير مكتب حميدتي، العميد عمر حمدان حماد، اللواء مبشر جبريل، موسى خدام، الفاتح قرشي، علي محمد دخرو، عبد الرزاق محمد علي، إبراهيم حسن مدلل، موسى حسين خميس، سليمان عبد الجبار، عبد الرحمن حسن الفوتي، لواء عبد الرحمن جمعة بارك الله، عادل دقلو -الوزير في عهد البشير- والبرلماني في عهد الإنقاذ جمعة دقلو عم حميدتي شقيق والده، والقائمة تطول من العسكريين.

السبت، 29 أغسطس 2026

أوصلوا العالم خلال يومين إلى حافة حرب نووية.. لقد جنّ جنونهم.. أمر مرعب!..

 أوصلوا العالم خلال يومين إلى حافة حرب نووية.. لقد جنّ جنونهم.. أمر مرعب!.. 

سيخضع الجميع لاختبار الولاء للدولة والوطن.. تتواصل عمليات التصفية في الداخل.. 

بينما يتآكل النظام الغربي تزداد تركيا قوة.. لم تعد أي خطة تنجح.

إبراهيم قراغول


منذ سنوات، أحاول مناقشة أن جميع الدول تسعى إلى تعزيز مجال سلطتها المركزية، وتقوية دروعها الدفاعية، وكسر نفوذ «العناصر الأجنبية» في الداخل، وأن كثيراً من الدول التي تتصرف بعقلانية تستعد لعاصفة على نطاق عالمي.


وأشدد على أن تركيا، ولا سيما بعد 15 تموز 2016، تصدرت جميع هذه المجالات بوتيرة مذهلة، متجاوزة حتى العديد من الدول الأوروبية، وأنها بدأت استعداداتها مبكراً وقطعت شوطاً كبيراً، وتابعت الاتجاهات العالمية بدقة شديدة، فعززت قوتها وجعلت نفسها جاهزة.

انهار «النظام» الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، استيقظوا! انهارت منظومة القوة الغربية

ذلك أن النظام الأوروبي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية قد انهار. وانهارت الخطط القائمة على الأمن والمصالح الإمبريالية، التي كانت تختبئ خلف خطابات الاتحاد الأوروبي وقيم مثل الديمقراطية والحرية. 
كما انهارت الاتفاقيات متعددة الأطراف والمؤسسات فوق القومية. وبقي المسوقون المحليون، الذين باعوا طوال عقود «القيم» إلى دول مثل تركيا وحشدوا القوة لصالح الدول الأوروبية، بلا عمل.


وانهارت خطط الولايات المتحدة، التي تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، لإقامة إمبراطورية عالمية. كما انهارت منظومة القوة الغربية التي كانت تخطط لإعادة بناء تقليد «إدارة العالم» في القرن الحادي والعشرين، وهو التقليد الذي اعتادته منذ بداية الاستعمار، والذي جعلتنا نبتلعه تحت اسم «الكشوف الجغرافية».

هل ستقضي الحرب بين بريطانيا وروسيا على أوروبا؟

لهذا السبب، انكفأت الولايات المتحدة إلى منطقتها ومجالات مصالحها الضيقة. وخرج الهيكل الفوقي للاتحاد الأوروبي من المعادلة. واليوم، لو لم يكن هناك دعم أميركي، فلن تكون لدى أوروبا أي فرصة للصمود أمام روسيا.

لقد رأينا كيف أصاب الذعر الدول الأوروبية بسبب حرب أوكرانيا؛ لأنه إذا سحبت الولايات المتحدة دعمها، وانفصلت عن أوروبا وسلكت طريقها الخاص، فلن تبقى هناك أي قوة قادرة على الدفاع عن أوروبا.


لهذا أشعلت بريطانيا في أوكرانيا حرباً تستنزف روسيا وتضعفها وتشغلها. وكان من المفترض أن تبدأ هذه الحرب في الشمال بوصفها حرباً بين روسيا وبريطانيا. فألقت بريطانيا بأوكرانيا في أتون النار، ونقلت الحرب جنوباً، بعيداً عن حدودها، إلى البحر الأسود.

أرهقوا روسيا، وأرهقوا تركيا، واستنزفوا البلدين وقلّصوا حجمهما... لكن هذا «المشروع» أفلس


لكن ما يجري ليس حرباً بين روسيا وأوروبا، بل حرب بين بريطانيا وروسيا. وإذا لم تكن أوكرانيا كافية، فستُجر دول مثل بولندا ورومانيا ودول البلطيق وفنلندا وبلغاريا إلى الحرب أيضاً. وليس من الممكن أن تتوقف بسهولة هذه الحرب التي تهدد الحدود الشرقية لأوروبا بأكملها.

وطُبقت على تركيا الصيغة نفسها القائمة على «إرهاق روسيا» ومنعها من بناء قوتها. 
وكانت أوروبا حاضرة مجدداً، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول المنطقة. 
فقد كان معروفاً أن تركيا ستتحول، بعد مئة عام، إلى قوة عسكرية وسياسية هائلة، وأنها ستهز النظام الجغرافي الذي يديره الغرب منذ مئة عام.


كم مرة حاولوا إشعال حرب تركية-روسية! حدث العكس تماماً، وتعاظمت تركيا!

حاولوا دفع تركيا إلى الحرب مع روسيا، بحيث يتعرض البلدان للدمار ويتقلص حجمهما. 
وجرت هذه المحاولة خلال فترة الحرب السورية. وعندما لم يحدث ذلك، جرى تمرير انقلاب عن طريق تنظيم غولن الإرهابي. وكان من المفترض أن تُحتل تركيا من الداخل، ثم تُدفع إلى جبهة مواجهة روسيا وإيران.

صيغت جميع هذه السيناريوهات بهدف إيقاف تركيا وإنهاكها وتقليص حجمها. وفي أثناء ذلك، أُقيمت، إلى جانب إسرائيل واليونان وبعض الدول العربية، جبهة مناهضة لتركيا على نطاق المنطقة بأكملها. 
وكان ذلك أيضاً جزءاً من مخطط لمنع تركيا من النظر إلى ما وراء حدودها وتعميتها.

لم تنجح أي من خططهم. وتغلبت تركيا عليها جميعاً

لم ينجح أي من هذه السيناريوهات، وتغلبت تركيا عليها جميعاً. والغريب أن كل تلك السيناريوهات كانت من تخطيط «حلفاء» تركيا. تخيلوا بلداً يتعرض للضرب في الداخل والخارج على يد حلفائه.

كانت المنظومة الغربية تجرب مشاريع جنونية لمنع بناء القوتين التركية والروسية الصاعدتين. 
وكانت تسعى إلى إنهاك قوتين محتملتين قد تقفان في وجه الغرب. 
أما الصين فلم يكن بوسعها أصلاً أن تكتسب طابعاً عالمياً بسبب ثقافتها السياسية. وإضافة إلى ذلك، كانت تُعد خطط لخوض مواجهة شاملة معها.


وضعوا خطة حصار تمتد مئة عام. لكن تلك الشفرة الوراثية انتقلت إلى القرن الحادي والعشرين!


كانت تركيا تعاني من الحظر العسكري الذي يفرضه حلفاؤها، وتستنفر من أجل أمن أوروبا، فيما كانت أوروبا والولايات المتحدة، باستخدام إسرائيل أداةً للتنفيذ، تؤسسان تنظيمات إرهابية وتمولانها لضرب تركيا!

فكيف كان يمكن لتركيا، المحاصرة من جميع الجهات بحصار عمره مئة عام، أن تعيش القرن الحادي والعشرين؟

في هذه المرحلة تحديداً، تحركت مجدداً في القرن الحادي والعشرين الشفرة السياسية القادرة على بناء التاريخ والجغرافيا. 
وخرجت إلى العلن التحضيرات التي كانت تجري في الخفاء طوال سنوات، وأنهضت تركيا. 
ومنذ ذلك الحين، كان المصير الذي رسمته الحرب العالمية الأولى سيتغير، وكان سيُبنى تاريخ جديد وقوة جديدة.

هاتان التصفيتان وحدهما ألقتا بجميع مخططات الخرائط في سلة المهملات..

توحدت سوريا، وحدث ما أرادته تركيا. لكن قبل ذلك، مُزقت خرائط الإرهاب التي رُسمت وأُلقيت جانباً. ووُضع سيناريو الحرب مع روسيا على الرف. وأقامت تركيا وروسيا علاقة عقلانية في أصعب الفترات.

وفي الداخل، جرى تفكيك تنظيم غولن الإرهابي، وهو بنية استخباراتية تعمل بالوكالة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد. 

وبعد كل ذلك، جرى تفكيك تنظيم بي كا كا، أكثر منفذي النظام الغربي دموية، والذي امتص دماء تركيا طوال خمسين عاماً، في تركيا وسوريا معاً.

ووُضعت النقطة الأخيرة في حقبة تفتيت الجغرافيا والخرائط، المستمرة منذ مئة عام. ولم تعد لدى أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل أي إمكانية لرسم الخرائط في هذه المنطقة. وبدأت محاولات إرساء أسس التكامل الجغرافي ودفع الصراعات إلى خارج المنطقة.


الغرب يتآكل وتركيا تزداد قوة. «القوة» تتجه إلى مراكز جديدة

بدأ كل ذلك مع عودة تركيا إلى ذاتها وجغرافيتها وتاريخها. فالشفرة السياسية القادرة على دمج المنطقة بأكملها وإرساء أسس شراكات عابرة للدول كانت قد تحدت، في حقيقة الأمر، النظام الغربي القائم منذ خمسمئة عام.

كان الغرب يتآكل، فيما كانت تركيا تزداد قوة. هذه هي خلاصة الأمر. 
فالدول التي كانت تفرض حتى الأمس حظراً على التكنولوجيا العسكرية لتركيا، باتت اليوم تعرض عليها الشراكات وتطلب مساعدتها في الدفاع عن أوروبا. نعم، لقد دارت عجلة التاريخ، وبدأت القوة أيضاً تغير عنوانها. وأصبحت تركيا أحد أكبر عناوينها ومراكزها.

لم يتمكنوا من إيقاف تركيا. ولن يتمكنوا!


تركيا لم تتوقف ولن تتوقف. وهذا ما يكمن خلف محاولات إسرائيل في الأسابيع الأخيرة لإجبار تركيا على خوض «حرب مبكرة»: «لنوقف تركيا قبل أن تتجاوز الخط الأخير. ولنسلطهم عليها ما دام الغرب لا يزال يمتلك القوة والنفوذ».

لكن هذه الخطة لن تنجح. وسنرى قريباً جداً كيف ستصبح إسرائيل وحيدة في العالم، وكيف ستُعزل داخل المنطقة.

ذلك أن تحولات القوة وانكساراتها تتواصل بطريقة شديدة التعقيد ومتعددة العوامل، فيما تتابع تركيا هذه المعادلة بدقة مذهلة وتخطيط زمني محكم.

لم يعد من الممكن «إيقاف تركيا». ومن الآن فصاعداً، سنشهد كيف تتوسع المساحات المشتركة بين تركيا ومحيطها الجغرافي. وسنرى أن تركيا لن تتوقف أبداً، ولن تبطئ خطواتها حتى تصبح قوة عظمى.

سيجري تفكيك جميع الكيانات التي تتحدى الدولة وتقيم علاقات خاصة مع الخارج


حتى بعد تفكيك تنظيم غولن الإرهابي وتنظيم بي كا كا، تُتخذ خطوات جديدة لتعزيز الداخل. ويجري تفكيك الكيانات والأوساط التي تتحدى الدولة.

كما يجري تفكيك الكيانات والأوساط التي تدخل في علاقات خاصة مع دولة أخرى، وتكتسب منها القوة، ثم تباشر تحركات داخل تركيا.

وسيستمر ذلك. وسيكون الولاء للوطن والأمة والدولة هو الأساس. 
وكل من يحاول إضعاف الدولة باستخدام أدوات القوة التي يملكها، مثل الإعلام ورأس المال والجماعات الدينية والأحزاب السياسية، وتربطه من أجل ذلك علاقات بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، سيُجرّد من نفوذه.

حان الآن وقت «إضرام النار» في تلك «الحقول» المزروعة

لن يُسمح لأي دولة بإنشاء مجال وشبكة عملياتية داخل تركيا. وأعتقد أن على الجميع إعادة تقييم المكان الذي يقفون فيه والمحور الذي ينتمون إليه، وإضرام النار في الحقول التي زُرعت منذ الحرب العالمية الأولى.

فلننظر إلى ما حدث خلال يومين فقط، ولنرَ أي عالم فُتحت أبوابه، ولماذا يجري الاستثمار عالمياً في مجال سلطة الدولة، ولماذا يجري التدخل بلا رحمة ضد كل ما من شأنه الإضرار بوحدة البلاد، وكيف تستعد تركيا في الداخل والخارج لعاصفة كبرى.


وصل العالم خلال يومين فقط إلى الحرب النووية!..

قبل يومين، توجه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو على متن طائرة شحن عسكرية. ولم يُعرف مضمون الزيارة بعد. 
يقول ترامب إنها كانت «من أجل السلام»، فيما تقول المصادر إنها كانت لتحذير روسيا: «لا تهاجموا دول الناتو».

وعقب ذلك مباشرة، دخل جيشا بولندا وبيلاروسيا حالة التأهب. وبدأت طائرات الناتو تسيّر دوريات على الحدود الفنلندية-الروسية. كما بدأ الترويج لحديث عن أن إسرائيل ستشن هجوماً نووياً على إيران.

وانتشرت ادعاءات بأن روسيا ستضرب أوكرانيا بسلاح نووي. ودعت بريطانيا مواطنيها إلى تخزين المواد الغذائية استعداداً لحرب طويلة.

إذا كان العالم بأسره قادراً خلال يومين فقط على ترديد عبارتي «هجوم نووي» و«حرب نووية»، فاحسبوا حجم التهديدات على المستوى العالمي.

يبدو أن العالم قد جنّ جنونه. أمر مرعب!


إن صدور هذه التهديدات بلا تفكير، حتى على ألسنة أعلى المسؤولين، يشير إلى مرحلة خطيرة يمر بها الجنس البشري. ويبدو أن العالم قد جنّ جنونه، وبات يتحرك من دون التفكير في الخطوة التالية.

كل شيء هش إلى هذه الدرجة، وقابل للتغير في لحظة إلى هذا الحد. وعلينا أن ننظر بعناية شديدة إلى ما جعله «العامل الإسرائيلي» وأساليبه أمراً «طبيعياً» في العالم. إنه أمر مرعب!

قد نستيقظ ذات صباح فنجد خمساً أو عشراً من الدول قد دخلت في حرب بعضها مع بعض. ولم تعد هناك أي آلية دولية قادرة على منع ذلك، باستثناء الكتل الشعبية المدنية.

هذه الصورة تفسر كل شيء: قد يصل الأمر حتى إلى «مقاومة بلا رحمة»

قيّموا الصراع الذي تخوضه تركيا في داخلها وفي منطقتها بالنظر إلى هذه الصورة. عندها سيستقر كل شيء في موضعه، ولن تحتاجوا إلى معلومات خاصة أو تفسير لأي خطوة. وباستثناء من لا ترتبط قلوبهم بهذا البلد، فإن الشفرة السياسية لهذه الأرض ستمنحنا جميعاً الإجابات الصحيحة دائماً.

ولهذا السبب، سيستمر الصراع بلا انقطاع في الداخل والمنطقة. وقد يتحول، عند الضرورة، إلى نوع من «المقاومة بلا رحمة». لم يعد للأجندات والبرامج السياسية أي معنى، فهي لا تقدم إجابات للحاضر والمستقبل. ولم تعد تنظيمات الأحزاب السياسية تقدم شيئاً لتركيا.


ستتقدم الدولة والأمة والوطن على كل شيء. وسيواجه الجميع هذا الاختبار!

من الآن فصاعداً، سيجري تعزيز مجال السلطة المركزية للدولة إلى أقصى حد. وستتقدم فكرة حماية الدولة والأمة والوطن على كل شيء.

وفي وقت يواجه فيه العالم حقيقة أن بعض الشعوب قد تصبح بلا وطن بين ليلة وضحاها، لن يكون للخطابات والتحركات المريحة للغاية معنى كبير.

لهذا، ومهما كان نوع الكيان الموجود داخل تركيا، سواء كان في السياسة أو رأس المال أو الإعلام أو المنظمات غير الحكومية أو الجماعات الدينية، فستواجه جميعها اختباراً: هل أنت مخلص لتركيا أم لا؟ وهل تربطك علاقة خاصة بدولة أخرى أم لا؟

تأمين المستقبل. ولهذا لا بد أن نمنح القوة

عند النظر إلى مشهد تحركات القوة في العالم اليوم، يمكننا القول بكل اطمئنان إنه لن يكون بوسع أي شيء الوقوف أمام هذا المسار في المستقبل المنظور.

وهذا أيضاً ما تقوم عليه شراكات القوة التي تحاول تركيا تشكيلها في منطقتها. فهذا هو معنى جميع المبادرات الهادفة إلى حماية حدود الدول، وتعزيز مجال سلطتها المركزية، والسعي إلى الاتحاد بدلاً من الانقسام.

تقع على عاتقنا جميعاً، في إطار الاستعداد للعاصفة الكبرى، مسؤوليات جسيمة، من قبيل تعزيز الوطن والدولة. ولنعلم أنه كلما اتسع مجال نفوذ تركيا، اتسعت معه مساحة السلام والازدهار.

ولنعلم أيضاً أننا لا نبني الحاضر، بل نبني المستقبل ونؤمّنه.

هل لن تعودوا إلى رشدكم إلا عندما تستيقظون على صدمة في ذلك الصباح؟

ولنعلم أيضاً أن إرهاب الأجندة اليومية، الذي يشل عقولنا في الداخل، يهدف إلى إبعادنا عن هذا الإدراك. وأقول دائماً: إنه زمن الكلمات الكبيرة والادعاءات الجريئة. فمن كان ادعاؤه أكثر جرأة، وكلمته أقوى، وكان قادراً على الوصول إلى مسافات أبعد، كان أكثر قوة وأمناً.

ولمن لا يزالون يعدّون هذا مجرد خطابة حماسية وخيال، أقول: 
انظروا فقط إلى ما حدث خلال السنوات العشر الأخيرة. أما زلتم لا تتعظون؟ وهل لن تعودوا إلى رشدكم إلا عندما تستيقظون ذات صباح على صدمة كبيرة؟

قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

 قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

فراس السقال


بعد صلح الحديبية دخلت خزاعة في عهد رسول الله، ودخل بنو بكر في حلف قريش، فصار أمن الحليف جزءاً من حرمة العهد. لكن بني بكر أغاروا على خزاعة ليلاً، وأعانت قريش حلفاءها، فسقط العهد وتغيّر ما بعده. وحين يتكرر الغدر تأتي لحظةٌ لا يعود فيها الصبر فضيلةً إذا تحول إلى تشجيع للغادر.


تذكرت هذه الحادثة وأنا أستمع إلى حكمت الهجري، لا تشبيهاً للأشخاص بأشخاص السيرة، بل لأن السؤال يتكرر: كم مرةً يمكن أن يُمد حبل التفاهم قبل أن يقطعه الطرف الآخر بيده؟

قال الهجري: "إن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، وإنهم مشتركون معها في "العقيدة والفكر". لكن أخطر كلمة في كلامه ليست "إسرائيل"، بل "نحن".

من تقصد بنحن يا شيخ؟ إن كنت تقصد نفسك فقل أنا، وإن كنت تقصد جماعتك فسمّها. أما أن تضع جبل العرب كله في جيبك، ثم تقرر باسم أهله هويتهم وعقيدتهم ومصيرهم، فهنا تصبح المسألة أكبر من تصريح سياسي.

عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟

ولعل أبلغ رد جاءه من الدروز أنفسهم. فمن السويداء وجرمانا ولبنان وفلسطين المحتلة خرجت أصوات ترفض أن يتحدث الهجري باسمها. أهالي جرمانا أعلنوا أن وجهتهم دمشق، ومشيخة العقل في لبنان رفضت وضع الدروز في "شراكة مصطنعة" مع إسرائيل، ومن داخل فلسطين المحتلة وُصف حديثه عن "العقيدة المشتركة" بأنه محض ترهات.

وهكذا وجد الهجري نفسه أمام مفارقة قاسية: كلما وسّع كلمة "نحن"، خرجت أصوات من "نحن" نفسها لتقول له: "لا تتحدث باسمنا".

ومن جبل العرب خرج سلطان باشا الأطرش، ومنه انطلقت الثورة السورية الكبرى عام 1925. لم تكن ثورةً من أجل كانتون درزي، بل من أجل سوريا. فكيف يراد لهذا الجبل بعد قرن أن يبحث عن مستقبله عند دولة تحتل الجولان السوري والأرض الفلسطينية؟

وعلى مدى عقود، ولا سيما منذ 2011، ذاق السوريون القتل والاعتقال والتغييب والتهجير، وضُربوا بمختلف صنوف السلاح حتى الكيماوي، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها. ومع كل هذا الوجع، لم يتحول طلب الخلاص من الاستبداد إلى دعوة لاقتطاع جزءٍ من سوريا وإلحاقه بإسرائيل. فما الذي تغيّر عند الهجري اليوم حتى رأى في المحتل خلاصاً لم يره السوريون فيه وهم في أشد ساعات محنتهم؟

وفي السياسة كما في غيرها، القيادة ليست لقباً ولا مقاماً، بل أمانة. وقد قال النبي ﷺ: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة."والمشكلة تبدأ حين يصبح مصير مجتمع كامل رهناً برأي رجل يصر على الحديث باسمه، بينما أصوات من ذلك المجتمع نفسه تقول له: "أنت لا تمثلنا".

وهنا سؤال لا يمكن القفز فوقه. عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟ وما الذي تغير حتى أصبحت إسرائيل ضامناً وممراً إلى "الاستقلال"؟ وهل لتوقيت التصعيد علاقة بسقوط رهانات أخرى؟ فمع حل "قسد" واندماجها في الدولة، وجد من راهن على تشظي سوريا واحداً من أكبر ملفاتها يُغلق بالتسوية. فهل ما نسمعه اليوم هو الرجفة الأخيرة لمشروع يرى أوراقه تتساقط، فلم يجد صاحبه سوى إسرائيل حبلاً أخيراً يتعلق به؟

ثم لنفترض أن الانفصال تحقق غداً. ماذا بعد؟ السويداء محافظة داخلية بلا بحر ولا ميناء، وإمكاناتها الاقتصادية محدودة، وترتبط ببقية سوريا بالطاقة والأسواق والنقل والخدمات. الدول لا تُبنى براية وخطاب حماسي، بل باقتصاد ومؤسسات وموارد وعمق جغرافي. وقبل السؤال متى ننفصل، هناك سؤال أبسط: على ماذا ننفصل، وبماذا نعيش؟ وأي استقلال هذا الذي يخرج من دمشق ليضع مصيره عند إسرائيل؟

أما في الداخل، فالصورة لا تشبه كثيراً وعود "الاستقلال"، وسط انقسام وفوضى وانتشار للسلاح والجريمة، وفي مناطق نفوذ فصائل مرتبطة بالهجري برز ملف المخدرات بصورةٍ خطيرة، حتى استهدف الطيران الأردني مواقع ومستودعات مرتبطة بتصنيعها وتهريبها. وتلاحق بعض فصائل "الحرس الوطني" اتهامات بالتورط في شبكات التهريب. فأي دولةٍ يراد بناؤها إذا كانت البيئة التي يفترض أن تكون نواتها تعاني أصلاً من اقتصاد السلاح والفوضى والمخدرات؟

وفي المقابل، لم تكتفِ دمشق بخطوةٍ أو خطوتين، بل أبقت أبواب الحل السياسي والدبلوماسي مفتوحةً، وقدمت التطمينات والمبادرات، ودخل الأردن على خط الوساطات بحثاً عن تسوية توقف التصعيد، لكن العناد ورفض التسويات ظلا عقبةً أمام الوصول إلى حل.

وحتى حين وصل الأمر إلى مستقبل الطلاب، لم تجعل الدولة أبناء السويداء رهائن للخلاف، بل منحتهم دورةً امتحانيةً استثنائيةً وجهزت المراكز لهم. فإذا كانت أبواب السياسة والوساطة والتسوية ما تزال مفتوحةً، فلماذا الإصرار على البحث عن الحل عند إسرائيل؟

حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

ثم يبقى السؤال الديني والفكري الذي فتحه الهجري بنفسه. حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

وهنا يحضر البيت القديم:

وإن سفاه الشيخ لا حلم بعدهُ    وإن الفتى بعد السفاهة يحلمُ

فالمشكلة ليست في رأي شخصي يملكه صاحبه، بل في أن يصدر هذا الرأي عمن يريد لجماعةٍ كاملة أن تحمل تبعاته. المعارضة حق، وانتقاد الأخطاء حق، والمطالبة بحقوق السويداء وأمنها حق. أما الاستقواء بإسرائيل ومشروع الانفصال فشيء آخر تماماً.

وقد يبقى باب العفو والتسوية مفتوحاً إن تراجع الهجري وعاد إلى مظلة الوطن، فالدولة لا تحتاج إلى خصومة دائمة مع أحد، لكن التساهل مع مشروع انفصال يستقوي بإسرائيل بات أمراً مختلفاً بعد تصريحاته الأخيرة.

قد تبقي دمشق شعرة معاوية ممدودةً، لكن السؤال هو: هل أبقى الهجري في يده طرفاً منها، أم قطعها بنفسه؟ ولعل تصريحه الأخير كان بالفعل الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

ولهذا لا يحتاج الرد إلى شتيمة، بل إلى جملة واحدة: قل أنا يا حكمت الهجري ولا تقل نحن.. قل أنا أريد إسرائيل. أنا أراها ضامناً. أنا أريد الانفصال. وأنا أتحمل نتيجة خياري.

لكن لا تقل إن الدروز يريدون، ولا تقل إن جبل العرب يريد. فجبل العرب أكبر من الهجري ومن توجهاته ومشروعه وفكره الأعوج، وتاريخه الوطني أكبر من أن يختزله رجل أو تبدده مغامرةٌ سياسية. وسيبقى جبل العرب جزءاً لا يتجزأ من سوريا، لا تفصله عنها رغبة شيخ، ولا أوهام كانتون، ولا وعود إسرائيل.

المثقف المطاط

المثقف المطاط

كاتب وباحث سوداني

هناك الكائن المعروف باسم المثقف المطاط، يتمدد في كل مكان كما يتمدد بطنه بعد وجبة دسمة من المعارف السطحية. 
اليوم يعرف السياسة، غدا الفلسفة، وبعد غد كرة القدم وكرة السلة، وبعدها سيصبح ناقدا للأفلام، خبيرا بالموسيقى، مرشدا نفسيا، وربما متنبئا بحالة الطقس. كل شيء عنده ممكن، إلا معرفة حدوده.

المثقف المطاط
يقرأ مقالة واحدة عن الاقتصاد فيصبح خبيرا عالميا في سوق الأسهم ويشاهد تقريرا عن تغذية الطيور فيبدأ بإصدار نصائح صحية للأطفال وكبار السن كلامه سلس مليء بالمصطلحات الأجنبية التي تثير الاعجاب لكنه غالبا لا يعرف معنى نصفها المهم ان يظهر وكأنه واحد فاهم الدنيا كلها.

هذا المثقف يحب كل المنابر من القهوة في المقهى الى المجموعات على وسائل التواصل ومن جلسات الأصدقاء الى البرامج الحوارية أي مكان يذهب اليه يصبح مسرحا له واي نقاش يتحول الى فرصة لإظهار قدراته المعرفية إذا صمت مرة يشعر بالقلق هل سأفقد الفرصة لأكون حاضرا في كل موضوع.

التمدد عند المثقف المطاط يشبه بطنه بعد وليمة ضخمة كلما اكل أكثر ازداد تمركزه في المكان ولكن كل هذا التمدد يأتي على حساب العمق رأيه يصل الى كل شيء لكن غالبا بلا أساس ويصبح حديثه مادة للسخرية والضحك من قبل من يعرفون حقيقته المثقف الحقيقي لا يركض وراء كل مجال ولا يحاول ان يكون صاحب كل رأي اما المثقف المطاط فهو مثال حي على من يحاول ان يغطي كل شيء في النهاية يترك أثره السطحي ويصبح مادة للقصص المضحكة كما لو ان العلم عنده لعبة مطاطية يمكن فردها وطيها بحسب الموقف والمصلحة

المثقف المطاط
يعلمنا درسا مهما لا تحاول ان تكون في كل مكان والا ستصبح مثل بطنه كبير ممتد لكن بلا أي معنى حقيقي المعرفة ليست وجبة دسمة تأكلها على عجل بل رحلة تذوق صمت فهم واستمتاع بعالمنا دون الحاجة للتظاهر بانك تعرف كل شيء عن كل شيء.

العرب ليسوا أعداء أفريقيا العرب جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الأفريقي

  العرب ليسوا أعداء أفريقيا

العرب جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الأفريقي

لن تنهض أفريقيا ما لم تُحسن تشخيص أسباب

 أزماتها؛ فالتشخيص الصحيح يقود إلى العلاج

 الصحيح، أما تشخيص العلة خطأً فلا ينتج إلا مزيدًا

 من الإخفاق.

فمن هو المسؤول الحقيقي عن تأخر أفريقيا ونهب

 ثرواتها وزرع فوضى الإرهاب المسلح فيها؟

1- من الذي استعمر معظم بلداننا قرونًا طويلة،

 وفرض علينا لغته وثقافته وأنظمته بالقوة؟ 

أهو العرب أم القوى الاستعمارية الغربية؟

2- ما اللغة الأجنبية التي ما تزال لغة الإدارة والتعليم

 والثقافة في معظم دولنا؟ أهي العربية أم اللغات

 الغربية؟

3- ما اللغة الأجنبية التي تُكتب بها الوثائق الرسمية،

 ويتحدث بها كثير من الساسة والنخب والمثقفين

 ورجال الدولة؟ أهي العربية أم اللغات الغربية؟

4- من الذي فرض على عدد من الدول الأفريقية

 عملات وأنظمة نقدية ظلت محل انتقاد واسع بسبب

 آثارها الاقتصادية؟ أهو العرب أم القوى الاستعمارية

 السابقة؟

5- من الذي أنشأ مراكز احتجاز ملايين الأفارقة قبل

 ترحيلهم عبر الأطلسي في تجارة الرقيق؟ ومن كانت

 له المسؤولية الأكبر عن تلك التجارة التي استمرت

 قرونًا؟

6- من الذي نقل ملايين الأفارقة عبر المحيطات في

 ظروف مأساوية أودت بحياة ملايين منهم ؟ ومن كان

 المستفيد الأكبر من تلك التجارة؟

7- من الذي استنزف ثروات أفريقيا منذ قرون، ولا

 تزال شركاته ومصالحه الاقتصادية تتمتع بنفوذ واسع

 في القارة تنهب الذهب والنفط والغاز واليورانيوم

 وغيرها؟

8- من الذي دعم أو تدخل في انقلابات وإسقاط

 حكومات وقادة أفارقة، كانوا ضد الاستعمار الغربي،

 خلال العقود الماضية خدمةً لمصالحه الجيوسياسية؟

 وهل توجد شواهد مماثلة على تدخل عربي بالحجم

 نفسه؟

9- من أكبر منتجي ومصدري السلاح في أفريقيا؟

 ومن هي القوى التي ارتبط اسمها، وفق تقارير

 ودراسات متعددة، بتغذية الصراعات المسلحة في

 أفريقيا؟ أهم العرب أو الغرب؟

10- أي مشروع كان أثره الأعمق في تغيير هوية

 أفريقيا الثقافية واللغوية والاقتصادية: مشروع

 التغريب أم الإسلام؟ وأين هي الحضارات

 والمؤسسات الأفريقية التي هدمها الإسلام مقارنة بما

 أحدثه الاستعمار الأوروبي؟

11- يعيش في أفريقيا اليوم مئات الملايين من

 العرب، فوق 300 مليون نسمة، والعربية إحدى

 اللغات المعترف بها داخل الاتحاد الأفريقي. فلماذا

 يُقبل استمرار هيمنة اللغات الغربية بوصفها لغات

 رسمية وهم ليسوا بيننا، بينما تُستهدف اللغة العربية

 وتُصوَّر وكأنها جسم غريب عن القارة بينما فينا

 عرب يعيشون معنا؟

إن العرب اليوم جزء أصيل من النسيج الأفريقي، كما

 أن الإسلام مكوّن رئيس من هوية شعوب أفريقية

 كثيرة منذ قرون. أما اختزال أزمات أفريقيا في

 الإسلام أو العرب، فهو تبسيط مخلّ يتجاهل حقائق

 التاريخ والواقع، ويصرف الأنظار عن الأسباب

 الحقيقية للتخلف والتبعية.

إن نهضة أفريقيا لن تتحقق بصناعة عدو وهمي،

 وإنما بقراءة التاريخ بإنصاف، وفهم مكامن الخلل،

 وبناء مشاريع حضارية واقتصادية مستقلة تعيد للقارة

 سيادتها وكرامتها.

حفظ الله أفريقيا من كل سوء ومكروه …وألف بين

 قلوب الأفارقة…