الثلاثاء، 30 يونيو 2026

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

كُنْهُ المشروع الشيعي بلا تقيّة.. غيث التميمي نموذجًا
إضاءات شرعية فكرية سياسية أخلاقية

 

غيث التميمي أحد مشايخ القبائل العربية العراقية الشيعية، وصاحب مواقف جريئة وقبيحة، يتحدث عن كنه المشروع الشيعي بلا تقية، وهو ما ألجأه اليه واقع التدافع القائم، وطموحه السياسي المتعاظم، الأمر الذي لم يدع له فسحة أو هامشا للتقية أمام حجم المغارم التي يتوقعها، والمغانم التي يسعى لتحقيقها على المستويين الشخصي والجماعي.

إن مضمون حديث غيث التميمي، والممتد على مدى ثمانين دقيقة، لا يمكن عرضه أو تلخيصه في هذا المقام. غير أنني أدعو كل من يريد استيعاب بعض الزوايا المعتمة المتعلقة بالشخصية والمشروع الشيعي السياسي بلا تقية، الى الاستماع للحلقة كاملة؛ ففيها إضافات تكشف جوانب من الصورة ليست بهذا الوضوح عند عموم الناس وكثير من النخب.

سأترك للمهتمين تقييم المضامين بعد الاستماع إلى هذه الحلقة الكاشفة، غير أنني سأقف عند بعض الملاحظات الرئيسة التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذا اللقاء، وأضعها في نقاط:

1- إن حجم الجاهلية والعبث المتضمنين في مشاريع الدولة الوطنية لا بد ان ينتهيا الى مواقف سيئة، لا تحفظ البعد الأخلاقي عدا عن تعارضها الصريح مع مفهوم الامة، وتعويقها القاطع لتمكين رسالة الإسلام في الأرض، وتهديدها الدائم لمشروع الوحدة وهدرها القائم لقضايا العالمين العربي والإسلامي.

الأمر الذي يستدعي من العلماء ورثة الأنبياء -بل ورثة المواقف المتقدمة- بناء تصورات واسعة وعميقة لحقيقة وكنه مشاريع الدول الوطنية -التي تم استيرادها من التجربة الغربية في القرن التاسع عشر الميلادي- والتعامل معها بوعي يتجاوز الشعارات السطحية والمقاربات الضيقة والعصبية الحزبية والمشاريع المرحلية.

2- لم يعرف تاريخ العرب والمسلمين ولا أقاليمهم سيرة وسلوكا يعبر عن المقاومة والجهاد في تاريخ الأمم وسِيَر الحقب الشيعية، وإن ما يتحدث عنه بوضوح غيث التميمي كطموح سياسي في سياق معادلات ومقاربات جريئة ومفاجئة تجاه الكيان الإسرائيلي اليوم هي وقائع تعكس حقائق وتعبر عن كنه وحقيقة التصور والموقف والسلوك السياسي للشيعة عبر التاريخ.

غير أن المشروع الإيراني الطائفي انتزع فكرة المقاومة ليخدع قطيع المغفلين من أمتنا الذين يتصفون بهشاشة البناء العقدي.

3- لم يعرف التاريخ الإسلامي مواقف على المستوى الفردي والجماعي في مواجهة الباطل سواء أكان احتلالا خارجيا أم استبدادا داخليا أم منكرا قائما إلا عند المسلمين من أهل السنة والجماعة. وهو نتاج طبيعي يعكس جوهر التوحيد الذي لا ينحصر في التصورات العقلية والأعمال القلبية بل يترجم إلى واقع سلوكي فردي وجماعي سياسي -وهي ثلمة في مدارس التصوف-.

وقد جسدت شعوب الأمة دلالات التوحيد، وكان آخرها الجهاد في فلسطين، والذي سبقه جهاد في سوريا والعراق واليمن ومصر والمغرب والسودان والشيشان وأفغانستان وتركيا وكردستان، ولم تخل منه بقعة إسلامية.

4- إن الأدوار المشبوهة التي يمارسها رجالات الشيعة من السياسيين تجاه أمريكا وبريطانيا وإسرائيل ليست مواقف خارج الشرعية، فقد عبر عنها غيث التميمي -بلا تقية- وكشف إتصالها بالمرجعية الشيعية، حتى لو حملت المرجعية خطابا مغايرا بتقية، لينخدع خلفها المغفلين في الأمة.

5- إن فلسطين من أعظم وأقدس قضايا الأمة، والأقصى سبب يدفع نحو تحقيق الوحدة الاسلامية، كما أن احتلاله سبب لتثوير الشعوب ضد الظلم والاستبداد ورفض الاستخذاء أمام القوى الغربية.

غير أن حقبتنا المعاصرة قد شهدت وجود قيادات نافذة قادت فلسطين إلى مسارات خاطئة وخدعت أمة التوحيد وغررت بالمسلمين لصالح رؤية حزبية ضيقة. وهو ما يوجب عليها إعلان توبة من كبيرة الكبائر السياسية لتكَفِّر عن إثمها الكبير وتعالج آثار تجربتها ودعاويها المضطربة وترويجها المضلل الذي شوّه الجهاد ولوّثه وأفسد معنى النصر في أذهان المسلمين بلوثة إيرانية طائفية شيعية.

6- إن تعري المشروع السياسي الشيعي تجاه المسألة الفلسطينية وانكشاف خداعه يضع القضية برمتها أمام تحدي السقوط المرحلي، وذلك لأنها بنت استراتيجيتها خلال العقود الأخيرة على الحلف مع المشروع الشيعي الإيراني الذي أصبح جزءا رئيسيا من عمادها الحزبي التنظيمي المالي العسكري والسياسي.

وهو ما يوجب على المنتمين -الذين لا يعبدون فلسطين ولكن يعبدون رب فلسطين ويؤمنون برسالة المعراج ويهتدون بمن عرج من الأقصى للقاء ربه في السماء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم- أن يعيدوا صياغة تصور جديد ومختلف يعترف بالأخطاء ويحددها بوضوح دون كبر مفض إلى الخسارة والاستبدال، ليتمكنوا من بناء تصور جديد ومقاربة سياسية وجهادية ومجتمعية مختلفة تنطلق من هوية الأمة الثقافية القائمة على الدين، وترتكز على شعوب الأمة بديلا عن السرداب الأسود الذي تاهوا فيه تحت مسمى وحدة الساحات الإيرانية الشيعية.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 12/6/2026

لماذا ينكر يوسف زيدان حادثة الفيل؟!

 لماذا ينكر يوسف زيدان حادثة الفيل؟!

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي


لم تكن الحملات الصليبية التي هبّت على العالم الإسلاميّ في أواخر العهد الوسيط في أوروبّا إلّا بعضًا من إفراز الحقد الصليبي على أمّة الإسلام، وإذا كانت تسمية هذه الحملات بالحملات الصليبية قد ارتبطت بزمن معين رفعت فيه جيوش أوروبا شعار الصليب؛ فإنّ استمرار الحملات ذاتها بعد ذلك بالدوافع ذاتها وبالحقد ذاته يعني أنّها -وإن لم ترفع الصليب شعارًا- حملاتٌ صليبية.

فحملاتُ ما يسمى بالاستعمار الغربيّ الحديث على العالم العربي والإسلامي تُعَدُّ حملاتٍ صليبيةً وإن لم ترفع الشعار، والغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان حملة صليبية قد أفصحت عن نفسها بسلوكها وأدائها قبل أن تفصح عن نفسها في تصريحات جورج بوش، ولا تزال أمريكا تمارس عدوانها الصليبيّ بتحالفها مع الكيان الصهيونيّ.

أمّا أول وأبكر حملة صليبية على الأمة الإسلامية، فهي تلك التي استهدفت البيت العتيق -والأمة لا تزال جنينًا في الرحم المكرم لمكة المكرمة- تلك الحملة هي التي سميت بحادث الفيل، وهو الحادث الذي وقع في عام الفيل، الذي أخذ اسمه من الحادث نفسه وما وقع فيه، والذي صار يؤرخ به للحوادث، فيقال مثلاً: وقعت «حرب الفجار الثانية» بعد عشرين سنة من عام الفيل، وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أربعين سنة من عام الفيل، ومن المعلوم تاريخيًّا أنّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولد عام الفيل، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «وُلِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌عَامَ ‌الْفِيلِ»(1).

وكونها حملة صليبية مبكرة يعد أمراً واضحاً لا يفتقر إلى دليل؛ فليس مطلوبًا إثبات أنّها كانت ترفع الصليب شعارًا ورايةً لها لكي توصف بأنّها حملة صليبية، ألا يكفي أن يكون الذي قادها قائد صليبيّ متدين (أبرهة) إلى حدّ أنّه قيل: إنّه كان في أصله قسًّا؟ وأنّ الذي حرضه عليها حاكم الحبشة الصليبيّ (كالب) نجاشي الحبشة آنذاك أحد ملوك أكسيم؟ وأنّه هو الذي كلّف أرياط وأبرهة بغزو اليمن ونجران؟

ألا يكفي أنّ أبرهة حين بنى كنيسة «القليس» أعلن أنه بناها للملك النجاشيّ؟ وأنّه عزم أن يصرف العرب عن كعبتهم المشرفة إليها؟ ألا يكفي أنّ السبب في ذلك كله أنّ الناجي الوحيد من المجزرة التي ارتكبها ذو يزن الحميري في حقّ نصارى نجران قد لاذ أولاً بقيصر الروم الذي أحاله إلى نجاشيّ الحبشة(2

ألأنّ سياق الرواية ذكر قصة -يبدو أنّها مدرجة ومقحمة على السياق- أنّ بعض الأعراب قضى حاجته في كنيستهم يُختزل السبب الضخم لهذا الحدث الهائل في هذه الواقعة الجزئية العارضة؟! كيف وقد ورد أنّ أبرهة -كما في سياق الروايات- عندما بناها كان عازمًا على صرف العرب عن قبلتهم؟ وأنّه إنّما بناها باسم الملك؟

وعندما عزم أبرهة على ذلك وأعدّ جيشًا عظيمًا دعمه بالأفيال الأفريقية يتقدمها فيل عظيم؛ «سمعت بذلك العرب فأعظموه وقطعوا به ورأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وإلى مجاهدته عن بيت الله الحرام وما يريد من هدمه وإخراجه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر.. ومضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان في أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبائل خثعم شهران وناهس ومن اتبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة.

حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون.. وبعثوا معه أبا رغال يدله على مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزلهم بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قبره، فهو قبره الذي يرجم بالمغمس، وهو الذي يقول فيه جرير:

إذا مات الفرزدق فارجموه    

                 كما ترمون قبر أبي رغال»(3)

«وبعث أبرهة يسأل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، فقيل: عبدالمطلب بن هاشم، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه ونزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتي أن يرد عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي؛ فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا ربُّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه.

وانصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رؤوس الجبال، ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة
:

لا همّ إنّ العبد يمــــــــــــــنع رحله فامنع رحالك..

لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدرا محالك..

إن كنت تاركهم وقبـــــــــــلتنا فأمر ما بدا لك..

ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو

 ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون

 فيها فينتظرون ما أبرهة فاعل فلما أصبح أبرهة

 تهيأ لدخول مكة»(4) ولمهاجمة البيت العتيق،

 فوقع ما حكته سورة الفيل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ

 رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ {1} أَلَمْ يَجْعَلْ


 كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ {2} وَأَرْسَلَ


 عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ {3} تَرْمِيهِم


 بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ {4} فَجَعَلَهُمْ


 كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) (الفيل).



وليس ها هنا مجال لإنكار قصة حكاها التاريخ الإسلاميّ، فكتب التاريخ الإسلاميّ -على الرغم من تأخرها كثيرًا عن رتبة كتب الحديث- تُعَدُّ من أوثق كتب التاريخ في العالم كله القديم والجديد؛ لأسباب، من أهمها أنّ أكثرها لا يخلو من الأسانيد، وهي -وإن كانت لم ترتق إلى أسانيد كتب الحديث- تُعَدُّ من فخر العلوم الإسلامية؛ إذ لم تحظ كتب تنسب إلى السماء بسند لو كان كسند الرواية الضعيفة في تراث المسلمين؛ فكيف إذا كان القرآن الكريم نفسه قد حكى بإيجاز وإنجاز وإعجاز هذه القصة العظيمة؟

وليس بوسع أحد أن ينكر ما حكاه القرآن؛ ليس -فقط- لأنّ القرآن الكريم معصوم مِنْ أنْ يُرَدّّ عليه شيءٌ، أمرًا كان أو خبرًا، لكنْ لذلك ولأمر آخر غفل عنه يوسف زيدان وأضرابه، وهو أنّ القرآن ذكر حادثةً وأخبر بأنّها وقعت للبيت العتيق في قلب مكة، ذكرها وذكّر بها المخاطبين بالقرآن من المكيين والعرب، وهم قوم أصحاب أدب وشعر وأنساب، يتناقلون ذلك كله مع الأخبار في بيئة صحراوية أمّية يعتمد فيها العربي على ذاكرته التي لا تزور ولا تزيف، فليس واردًا ولو بنسبة واحد بالمئة أن يكون حدث بهذا المستوى قد وقع ثم نُسِي ومحيَ من ذاكرة الناس، أو لم يقع ثم تحدث عنه متحدثٌ والناس لا يذكرون أَوَقَعَ كما يخبر المتحدث أم لم يقع؟ فلو كان محمد - وحاشاه - مختلقًا لهذه القصة لكان راكبًا متن المجازفة الكفيلة بنسف دعوته من جذورها؛ وإذْ لم يُنقل اعتراض من مؤمن أو كافر؛ فهذا أقوى دليل، ليس على صحة الحادثة وحسب، بل على أنّها نقلت فيهم جميعا نقلًا متواترًا إلى وقت نزول القرآن.

لن أغوص في قضية الحكم على من كذّب القرآن، فلا وقت نضيعه في أمر معلوم للعامة، وإنّما الذي أريد أن ألفت النظر إليه هنا أمران، الأول: أنّ يوسف زيدان كاتب وأديب فاشل، ثبتت عليه سرقات كثيرة من كتاب عالميين، وأغلب ما كَتَبَ ودَوّن من قصص مأخوذٌ من أدباء وكتاب آخرين، فهو شخص يحترف السرقات العلمية والأدبية؛ فكيف لمثل هذا أن يعترض على الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟! أم إنّه الزمن الذي يتحدث فيه الرويبضة في الأمور العامة الهامّة، الأمر الثاني: لماذا يُفتح المجال اليوم لأمثال هؤلاء بينما يضيّق على الدعاة والعلماء الربانيين؟ أهي حملة صليبية جديدة؟!
الهوامش
  • 1 «المستدرك على الصحيحين للحاكم» (2/ 658) برقم (4180) - «مسند البزار = البحر الزخار» (11/ 240) (5017) - «تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري» (٢/ 155) - وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وقال الذهبي في تعليقه: صحيح على شرط مسلم. 
  • 2 راجع في ذلك كله كتب التاريخ، ومنها على سبيل المثال: «أخبار مكة للأزرقي» (1/ 134-145). 
  • 3 «أخبار مكة للأزرقي» (1/ 134-145) بإيجاز شديد وتصرف بسيط. 
  • 4 البداية والنهاية ط إحياء التراث» (2/ 214) بإيجاز وتصرف. 


هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

 هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

د. عبدالله معروف


أثار تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني في نهاية الشهر الماضي اهتماماً واسعاً بعدما كشف عن وجود خطة أمريكية جرى إبلاغ عدد من دول المنطقة بها، تقوم على إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى، وحل مجلس الأوقاف الإسلامية، وإنشاء هيئة دولية تشارك فيها دولة الاحتلال للإشراف على المسجد بدلاً من دائرة الأوقاف الإسلامية.

ارتباك أمريكي

اللافت بالنسبة لي لم يكن التقرير نفسه، بل رد فعل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عندما وُجه إليه سؤال مباشر من عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الديمقراطي كريس فان هولين حول هذا الموضوع خلال جلسة استجواب، فقد بدا الرجل مرتبكاً، ورفض التعليق على التقرير، مكتفياً بالقول: إنه لم يطلع عليه وإنها المرة الأولى التي يسمع فيها بمثل هذه المعلومات.

في تقديري، لا يمكن اعتبار هذا الرد دليلاً على عدم صحة ما ورد في التقرير، على العكس من ذلك، فإن طبيعة الإجابة توحي بوجود أساس حقيقي للمعلومات المتداولة، وأن المشكلة ربما كانت في توقيت كشفها أكثر من مضمونها، فالمسجد الأقصى يتمتع بحساسية استثنائية، وأي حديث عن تغيير وضعه القانوني أو الإداري يمكن أن يشعل المنطقة بأسرها ويفتح الباب أمام مواجهة دينية تتجاوز حدود فلسطين.

لكن الحكم الحقيقي على صدقية هذه المعلومات لا يكون من خلال التصريحات السياسية، بل من خلال مراقبة ما يجري على الأرض، وعند النظر إلى السلوك «الإسرائيلي» في القدس خلال الأشهر الأخيرة، تظهر مجموعة من المؤشرات التي يصعب تجاهلها.

تهويد صامت

أول هذه المؤشرات يتمثل في طبيعة الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس منذ شهر رمضان الماضي، واستمرار هذه الإجراءات خلال فترة الحرب مع إيران، فالمتابع يلاحظ تصعيداً واضحاً في التعامل مع المؤسسة التي تمثل عملياً الجهة المشرفة على المسجد الأقصى.

أما المؤشر الثاني فيتعلق بالرسائل المتكررة التي تصدر عن قيادات جماعات المعبد المتطرفة ورموز تيار الصهيونية الدينية، التي تتحدث بصورة متزايدة عن تغييرات كبيرة وقريبة في المسجد الأقصى، وهذه الرسائل لا تبدو منفصلة عن الواقع السياسي، بل توحي بأن أصحابها يتوقعون أو يعلمون بوجود تحولات يجري الإعداد لها.

ويضاف إلى ذلك حملة إعلامية «إسرائيلية» منسقة تستهدف دائرة الأوقاف الإسلامية، وتسعى إلى ربطها بحركة «حماس»، فقد بدأت مواقع اليمين «الإسرائيلي» تنقل خبر الخلاف بين الشرطة «الإسرائيلية» ودائرة الأوقاف على خلفية رفض رئيس مجلس الأوقاف الذهاب للقاء شرطة الاحتلال في مخفر القشلة بالبلدة القديمة في القدس بشكل واسع، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر على هذا الحدث، بالتزامن مع نشر مقالات وتصريحات تتهم الأوقاف بأنها تمثل امتداداً لحماس داخل القدس، وهذا النمط يذكرنا بما جرى سابقاً مع وكالة «الأونروا»، حيث سبقت عملية تجريمها وإضعافها حملة إعلامية وسياسية واسعة هدفت إلى شيطنتها ونزع الشرعية عنها، ومن الصعب تجاهل أوجه الشبه بين الحالتين.

ومن المؤشرات المهمة أيضاً ما تشهده بعض المعالم داخل المسجد الأقصى من تغييرات ميدانية، فقد تم إفراغ عدد من المواقع الأساسية وإخراجها من الخدمة، ومنها قبة موسى (مركز تحفيظ القرآن الكريم) قرب باب السلسلة غربي المسجد الأقصى، وقبة سليمان شمالي المسجد، ودار الحديث، وزاوية الغزالي، وكلاهما يقعان شرقي المسجد، واللافت أن المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى هي المنطقة التي يكثر الحديث في أوساط جماعات المعبد عن إمكانية تحويل أجزاء منها إلى كنيس يهودي.

توظيف سياسي وديني

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن الدور الذي تؤديه شخصيات نافذة داخل تيارات اليمين الديني «الإسرائيلي»، ومن أبرز هذه الشخصيات الحاخام المتطرف شموئيل إلياهو، الذي يقود منذ فترة حملة علنية للدعوة إلى إقامة كنيس داخل المسجد الأقصى، كما انتشر له مؤخراً تسجيل مصور برفقة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يتحدث فيه الأخير عن بناء كنيس داخل المسجد.

وتزداد أهمية هذه التصريحات إذا أخذنا في الاعتبار الأجواء السياسية والانتخابية داخل «إسرائيل»، حيث يسعى بن غفير إلى تعزيز موقعه لدى قواعد اليمين الديني المتطرف، وفي مثل هذه الظروف تصبح القضايا المرتبطة بالمسجد الأقصى أداة تعبئة سياسية وانتخابية بالغة التأثير.

كما شهد الأسبوع الماضي جدلاً واسعاً حول الإعلان عن ولادة بقرة حمراء في الجليل الأعلى، وهو حدث أعاد إلى الواجهة مرة أخرى الخطاب الديني المرتبط بمشروع المعبد، بما يعكس تزاوجاً متزايداً بين البعد الديني والبعد السياسي في الخطاب الذي يرافق هذه التحركات.

وعلى الجانب الآخر، فإن غياب النفي العربي الواضح لما ورد في التقرير، إلى جانب استدعاء الدعم الدولي للدور الأردني في المسجد الأقصى وإيجاد زخمٍ واضحٍ على الساحة الدولية في هذا السياق، يوحي بأن هناك إدراكاً رسمياً لوجود أخطار حقيقية تتعلق بمستقبل الوضع القائم في المسجد، وهو ما يعطي مصداقية لتقرير «ميدل إيست آي».

مجمل هذه المؤشرات لا يسمح بالتعامل مع ما ورد في التقرير باعتباره مجرد تكهنات أو تسريبات إعلامية عابرة، بل إن تراكم الشواهد السياسية والإعلامية والميدانية يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك خطة يجري العمل على تنفيذها بصورة تدريجية، هدفها إعادة تشكيل الواقع الإداري والسيادي في المسجد الأقصى.

ومن الواضح أن هذه الخطة تعد استمراراً لخطة «صفقة القرن» التي كان جاريد كوشنر عرّابَها خلال الفترة الأولى للإدارة الأمريكية الحالية، إذ كان كوشنر قد صرح عام 2017م خلال الاحتفال لاعتبار إدارة ترمب الأولى بالقدس عاصمةً لـ«إسرائيل» ونقل سفارتها إليها أن السيادة «الإسرائيلية» على القدس يجب أن تمتد لكل ما فيها بما فيها المواقع المقدسة، وأضاف يومها أنه يجب إيجاد صيغة ما لفتح «جبل المعبد» لجميع المؤمنين، وهذا بحد ذاته إعلانٌ مسبق للخطة التي كشف النقاب عنها مؤخراً.

في ظل حالة العجز العربي والإسلامي غير المسبوقة، يبقى العامل الشعبي العنصر الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث، فالقضايا الكبرى المرتبطة بالقدس والمسجد الأقصى لم تُحسم يوماً بالإجراءات الرسمية وحدها، بل كانت دائماً مرتبطة بقدرة الشعوب على إبقاء هذه القضية حية في الوعي والاهتمام والحضور، فهل يعي الشعب الفلسطيني ذلك؟

ردا على الأفّاك إبراهيم عيسى..شبهة تحلُّل جسد رسول الله ﷺ

 ردا على الأفّاك إبراهيم عيسى..شبهة تحلُّل جسد رسول الله






محمود القاعود
دأب إبراهيم عيسى منذ سنوات على النيل من الإسلام العظيم، حتى بلغت به الجرأة والحماقة أن يعتدي على مقام سيد الكائنات ﷺ بالاشتراك مع الكاتبة التونسية هالة الوردي والزعم بـ «تعفن الجسد الشريف».. وهنا أجيب في نقاط على هذه الفرية الشنعاء.
- لو كان التحلل أمرًا حتميًا مطلقًا لكل جسد بشري بغض النظر عن المقام والرسالة، لفقدت المعجزات النبوية معناها الأساسي.. فرسول الله ﷺ الذي شقَّ الله له القمر، وأنطق له الذئب، وأجرى له الماء من بين أصابعه، وشهدت له السماء والأرض بصدقه.. كيف يُترك جسده الشريف لقوانين الطبيعة العادية دون استثناء يليق بمقامه؟!
هذا تناقض منطقي صارخ: إما أن تكون الرسالة خاصة فتكون العناية الإلهية خاصة، وإما أن تكون عامة فلا داعي للتمييز بين الأنبياء وسائر البشر.. والواقع التاريخي يشهد أن الله عز وجل يُعطي أنبياءه ما يليق بهم من الخوارق حتى بعد الموت.. كما في قصة أصحاب الكهف، أو حفظ يونس في بطن الحوت.
- زمن الوفاة والدفن:

يستغلُّ إبراهيم عيسى وهالة الوردي وأمثالهما الفجوةَ الزمنيةَ بين وفاته ﷺ يوم الاثنين 12 ربيع الأول 11هـ ودفنه ليلة الأربعاء - ويُوهمون أنها كانت لإهمالٍ أو انشغالٍ أفضى إلى تحلُّل..

وهذا كذبٌ صريح من وجوه:

- سببُ التأخير موثَّقٌ بإجماع المؤرِّخين.. كان الصحابة رضوان الله عليهم في خضمِّ الخلاف على مَن يُصلِّي عليه، ومَن يُدخله قبره، وأين يُدفن، وليس إهمالًا للجثمان الشريف.
وروى ابن سعد في الطبقات أنَّ الغسلَ تمَّ سريعًا وأنَّ الجثمانَ الشريف كان في حُجرة عائشة رضي الله عنها، مُصَوَّنًا مُعطَّرًا.
- ثبت في صحيح البخاري أن الصحابة صلَّوا عليه ﷺ أفواجًا فرادى دون إمام تعظيمًا وتشريفًا، وهذا لا يُتصوَّر مع جثمانٍ «متعفِّن» كما قالت هالة الوردي فض الله فاها وأخزاها.
- شهادة أهل البيت والصحابة الذين باشروا الغسلَ والتكفينَ والدفن لم تُنقَل منها كلمةٌ واحدة تُشير إلى رائحةٍ كريهة.. بل ثبت عكسُ ذلك كما سيأتي.
- الصحابة الذين كانوا يُقاتلون المرتدين ويُدافعون عن الدين بأرواحهم لو رأوا أي شيء في جسد النبي ﷺ فكانوا سيذكرونه في الروايات كما ذكروا كل تفصيلة أخرى.. وصمتهم الجماعي دليل قاطع على عدم وجود الظاهرة المزعومة.
الأحاديث الصحيحة الصريحة في صَون جسد سيد الكائنات ﷺ
- حديث عدم أكل الأرض لأجساد الأنبياء
روى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان:
«إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادَ الأنبياء»
وهذا الحديث نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل بأن الأرضُ بما فيها من جراثيم وعوامل تحلُّل لا تعمل في جسد رسول الله ﷺ بأمرٍ ربَّاني. فكيف بالهواء والحرارة؟! إنَّ منطق الشبهة يقتضي أن يتحلَّل الجسد تحت الأرض، لكنَّ الحديث يُغلق هذا الباب إغلاقًا تامًا.
- الروائح الطيبة التي شهد بها من حضروا
روى ابن سعد في الطبقات الكبرى بسند معتبر عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: «ما شممتُ قطُّ رائحةً أطيبَ من رائحة رسول الله ﷺ حيًَّاوميِّتًا»
وروى جابر بن سمرة رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ لا يمسُّ شيئاً قطُّ فيُشمَّ إلا وُجدت له رائحةٌ أطيبُ من المسك» وهذه السمةُ لم تنقطع بالوفاة كما شهد الحاضرون.
- حديث طِيب جسده في الغسل
روى أبو نعيم في «دلائل النبوة» وابن عساكر أنَّ الصحابة الذين تولَّوا غسله ﷺ - وكانوا: عليٌّ والعباس والفضل وقُثَم وأسامة بن زيد وشقران - لم يُنقَل عن أحدٍ منهم حرفٌ يُشير إلى رائحةٍ غير طيبة، بل جاء في الروايات أنَّ طِيبَه ﷺ كان بائنًا.
-تفنيد الروايات التي تذرَّعت بها هالة الوردي وإبراهيم عيسى
ثلاثة مصادر رئيسية يستند إليها إبراهيم عيسى وهالة الوردي:
- روايةٌ منسوبة إلى ابن سعد في الطبقات تُشير إلى تأخُّر الدفن مع إيحاء بتغيُّر الحال.
- ما نُسب إلى بعض كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير من ذِكر المدة الزمنية بدون السياق الكامل.
- رواياتٌ واهية لا سند لها في كتب الحديث المعتمدة.

أولًا نقد السند:

لا توجد في كتب الصحاح الستة - البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه - رواية واحدة صحيحة أو حسنة تُشير إلى تغيُّر جسد النبي ﷺ أو تحلُّله.. وهذا وحده كافٍ للردِّ.
أمَّا ما يستشهد به المشككون فيأتي من طرق:
- مقطوعة السند: لا تصل إلى صحابيٍّ شاهد عيان.
- فيها رواة مجهولون أو متروكون: وهذا يسقطها من الاعتبار أصلاً.
- مُنتزَعة من سياقها:إذ يُستشهَد بجزء من رواية تصفُ المدة الزمنية دون ذِكر ما يُثبت أنَّ هذه المدة أفضت إلى تحلُّل.
ثانيًا نقد المتن:

أي رواية تزعم تحلُّلَ جسد النبي ﷺ هي منكرة المتن لأسباب منهجية:
- تعارُضها مع الحديث الصحيح الصريح: «إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وقاعدة الحديثيين: «إذا تعارضَ حديثٌ صحيح مع رواية ضعيفة، ضُرب بالضعيفة عُرض الحائط».
- تعارُضها مع شهادة عشرات الصحابة الذين كانوا حاضرين ولم يُنقَل عن أيٍّ منهم ما يُثبت هذه الدعوى.
- تعارُضها مع السنة العلمية الثابتة في صفاته ﷺ إذ لم يكن يمسُّه أذىً في حياته كما يُصيب سواه من الناس، فعرَقه ﷺ كان طيِّبًا يُجمعه الصحابة، وهذا مرويٌّ عند مسلم والبخاري.

ثالثًا نقد التوظيف:
حتى لو افترضنا - جدلاً لا تسليمًا - أنَّ بعض روايات الطبقات أو تاريخ الطبري ذكرت المدةَ الزمنية، فإنَّ انتزاع هذا الذِّكر ليُبنى عليه زعمُ التحلُّل هو استخدام السياق المبتور.. وهذا يُشبه أن يأخذ المرء آية قرآنية كريمة جزئية ويبني عليها حكمًا معاكسًا للسياق الكامل.. مثل هذا المنهج يُبطل كل معرفة تاريخية.. لأن أي حدث تاريخي يمكن تشويهه بانتزاع فقرة منه.
رابعًا: مزاعم هالة الوردي وإبراهيم عيسى
إبراهيم عيسى كاتبٌ يكره الإسلام.. فيأخذ من الروايات ما يخدم أطروحته التشكيكية ويترك ما يُعارضها..
وسؤالٌ واحد يخرسه: إن كنتَ تستند إلى الروايات فاعرض علينا السند كاملًا ورجاله، وندرسه معًا.. وهذا ما لا يفعله ولا يستطيعه.
وهالة الوردي تسير على النهج ذاته.. نقلٌ من غير تمحيص.. وتهويلٌ من غير دليل.. والمنهج العلمي يقتضي أنَّ مَن ادَّعى وجود رواية صحيحة تثبت تحلُّلَ الجسد الشريف فعليه إثبات ذلك بعرض السند كاملًا.. وحينئذٍ نُطبِّق عليه قواعد علم الحديث بكل دقة.. أمَّا الكلام المُرسَل فليس دليلًا.

خامسًا: ماذا يقول العلم؟

- عامل درجة الحرارة لا يعمل منفردًا
ذكر إبراهيم عيسى «الحر القائظ» في جزيرة العرب، غير أنَّ علم الطب الشرعي يُثبت أنَّ التحلُّل الكامل في درجات الحرارة العالية يتطلَّب عدة عوامل:
- التعرُّض المباشر للهواء والرطوبة.
- عدم وجود إجراءات الحفظ كالغسل والتكفين.
- مرور ساعات أو أيام في ظروف بعينها.
أمَّا الجسد المُغسَّل المُكفَّن في حُجرة مغلقة، فحكمُه مختلفٌ تمامًا.. حتى بالمعطيات العلمية البحتة.
- الطب الشرعي الحديث يَعرِف حالات «التحلل المؤجل» (delayed decomposition) حتى في بيئات حارة.. بسبب الجفاف.. أو المواد الطيبة الطبيعية (كالعطور والحنوط)، أو التركيب الجسدي الفريد.. جسد النبي ﷺ الذي كان عرقه طيبًا (كما في الصحيحين) يشبه حالات الحفظ الطبيعي الموثقة في بعض الجثث المقدسة تاريخيًا.. إضافة إلى ذلك، المعجزة الإلهية لا تناقض العلم؛ إنما تُعلِّق قوانينه في حالات استثنائية، كما في إحياء الموتى أو شق البحر.
- شهادة مَن باشروا الغسل.. الدليل الأقوى
المباشِرون لغُسله ﷺ هم الدليل العلمي الميداني الأول. وإجماعهم الضمني - عبر الصمت التام عن أي رائحة أو أي تغيُّر - هو أقوى ردٍّ على هذه الشبهة.. إذ لو كان ما يدَّعيه إبراهيم عيسى وصاحبته صحيحًا لكان ذلك أوَّلَ ما يُروى وأشيعُ ما يُنقل.. ولأثار ضجةً تاريخية كبرى.

سادسًا: القاعدة المنهجية الفاصلة

يُقرِّر علماء الحديث قاعدةً ذهبية: «الحاضرُ يغيب عنه ما لا يغيب عن الشاهد» وشهود الوفاة والتجهيز والدفن كانوا عشرات الصحابة الموثوقين، الذين نقلوا كل صغيرة وكبيرة بأمانة علمية لا مثيل لها في التاريخ الإنساني. ولو كان ثمة تحلُّلٌ أو رائحة لكان هذا من أوائل ما يُروى.
سابعًا الإعجاز الإلهي في حماية جسد سيد الكائنات ﷺ
- التوافق مع سنن الله في الأنبياء: كل الأنبياء لهم خصائص جسدية وروحية استثنائية كعدم أكل الأرض لأجسادهم.. هذا حكمة إلهية ليكون جسد رسول الله ﷺ شاهدًا على استمرار بركته حتى بعد التحاقه بالرفيق الأعلى كما في زيارة قبره الشريف ﷺ اليوم.
- إذا كان التحلل «طبيعيًا» فلمَ لا يذكره أحد من الرواة الثقات الذين وصفوا حتى أدق التفاصيل (مثل مكان الدفن، والغسل، والكفن)؟ الغياب التام لأي إشارة سلبية هو دليل على كذب هذه الترهات.
- جثث بعض القديسين أو الأجساد في بيئات جافة حارة (مثل مومياوات) حُفظت قرونًا بدون تحنيط صناعي.. فكيف بجسد هو معجزة إلهية مباشرة؟!
- تذكر وقائع التاريخ كيف أن الجسد الشريف تعرض لمحاولات اختطاف وتم إحباط هذه المؤامرات الشنيعة وأشهرها كان في عهد السلطان نور الدين محمود رضي الله عنه
إن الجسد النبوي الشريف صانَه الله تعالى بأمرٍ ربَّاني وهذا ثابت بالحديث الصحيح، وشهدت له أقوال الصحابة المتواترة.. وتعضِّده المعطيات التاريخية الموثَّقة.. أمَّا ما يُروِّجه إبراهيم عيسى وهالة الوردي وأشباههما فهو حقد أعمى واستدلال من الروايات الضعيفة المنتزَعة من سياقها.. مع الإخفاق الكامل في تقديم سندٍ واحد صحيح يُثبت ما يدَّعون.
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.