السبت، 22 أغسطس 2026

عوج وعرج الديمقراطية الأمريكية

عوج وعرج الديمقراطية الأمريكية




جعفر عباس


 

الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده..


 بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر من عام 2001 الدامية، شنت حكومة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، هجمات عسكرية على أفغانستان والعراق، وهجوما ثقافيا على العرب والمسلمين، وصل درجة المطالبة بحذف بعض الآيات القرآنية من المناهج المدرسية، بحسبان أنها تدعو للعنف، ثم غشت بوش سحابة من حياء، فقال إن العنف مستشر في العالم العربي، لغياب الممارسة الديمقراطية (بينما الأمريكان ـ اسم الله عليهم ـ قوم مسالمون).


ومن ثم صار بوش حاتم طائي القرن الـ 21 وخصص 25 مليون دولار لغرس الديمقراطية في العالم العربي! تخيّل 25 مليون على 22 دولة، فتحصل كل واحدة منها على مبلغ لا يكفي لإجراء انتخابات في دائرة انتخابية واحدة.

والشاهد هنا هو ليس استخفاف الحكومة الأمريكية بالعرب فحسب، بل استخفافها بالديمقراطية، لأن الأمريكان لا يعرفون منها سوى "الشكل".

يتمثل اعتلال النظام الديمقراطي الأمريكي في تراجع الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب الحزبي الحاد، والدوس على القانون، كما يفعل ترامب حاليا بتحدي قرارات المحاكم، وشن حرب دون ضوء أخضر من الكونغرس، والتلاعب بأسواق الأوراق المالية، لصالح نفسه وولديه وكبار أنصاره.
وربما يقول قائل إنني كعربيقي (عربي ـ أفريقي)، كالناقة التي تعاير غيرها من الحيوانات باعوجاج الرقبة، لأن علاقة بني قومي في آسيا وأفريقيا بالديمقراطية شفاهية وافتراضية، فالعالم العربي هو من ابتدع خوض رئيس الجمهورية للانتخابات ضد نفسه، تحت مسمى الاستفتاء: ناصر مصر ضد ناصر مصر، وأسد سوريا الأول والثاني، ضد أسد سوريا الأول والثاني، وقس على ذلك في اليمن والسودان والعراق. ولكن العرب لا يزعمون بأنهم سدنة الديمقراطية في العالم كما يفعل الأمريكان، بينما التاريخ المعاصر متخم بالأدلة المادية التي تؤكد أن الولايات المتحدة ظلت على مدى الـ 75 سنة الماضية، راعية الأنظمة الديكتاتورية في كل القارات.

في انتخابات عام 2016 الرئاسية، التي خاضها دونالد ترامب ضد هيلاري كلينتون، فازت الأخيرة بغالبية أصوات الناخبين، ومع هذا خسرت الانتخابات، لأن ترامب تقدم عليها بأصوات ما يسمى بالمجمع الانتخابي (306 ـ 232)، ونظام المجمع هذا يهزم جوهر الديمقراطية، فعندما يهزم 538 صوتا من هذا المجمع، ملايين الأصوات "الشعبية"، تصبح الأغلبية عمليا بلا صوت أو وزن، ومن ثم فالديمقراطية الأمريكية تعاني من خلل بنيوي، لأن مرشحا ما قد يفوز بالرئاسة، دون الفوز بأصوات الناخبين، ويكمن جوهر هذا الاعتلال في أن نظام المجمع الانتخابي يقوم على أن كل ولاية أمريكية لديها مقعدان في مجلس الشيوخ. تستوي في ذلك ولاية تعداد سكانها 25 مليون، وأخرى تعداد سكانها 3 ملايين.

وعلى مستوى مجلس النواب، الذي يفوز أعضاؤه بالانتخاب المباشر، فإن الحزب الحاكم، وقبل كل دورة انتخابية يعيد تقسيم الدوائر بحيث يخلق دوائر جديدة في مناطق نفوذه، وهذا عين ما ظل ترامب يفعله طوال الأشهر الأخيرة في الولايات الجنوبية حيث ثِقَل انصار حزبه الجمهوري. والأدهى من كل ذلك ان نواب الأقلية في مجلس الشيوخ من حقهم تعطيل أي اجراء او قانون، بما يسمى فليبستر filibuster (والكلمة في الأصل تعني قرصنة)، فيبقى شاعرنا الفيلسوف إيليا أبو ماضي يتميَّز غيظا في قبره:

نرضى بحكم الأكثرية مثلما

يرضى الوليد الظلم من أبويه

ويتمثل اعتلال النظام الديمقراطي الأمريكي في تراجع الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب الحزبي الحاد، والدوس على القانون، كما يفعل ترامب حاليا بتحدي قرارات المحاكم، وشن حرب دون ضوء أخضر من الكونغرس، والتلاعب بأسواق الأوراق المالية، لصالح نفسه وولديه وكبار أنصاره. كما يتجلى في الجفوة السياسية الحادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بما يعطل عمل المؤسسات. ويعطل مصالح المواطنين الذين يفقدون الثقة في نزاهة الانتخابات، بل وجدوى الديمقراطية.

وكيف لا يشكك المواطنون الأمريكان، والمواطنون في كل مكان، في جدوى الديمقراطية، وهم يرون أفعال ترامب وأقواله، فترامب لم يصل الى الحكم بالوراثة، او نتيجة انقلاب عسكري، بل فاز بملايين الأصوات، ولكنه يدوس آناء الليل واطراف النهار على كل مفاهيم الحكم الديمقراطي بالفعل واللسان، لأنه معني فقط ب"مجده" الشخصي، الذي يتحقق في تقديره بتمكين إمَّعات من حزبه الجمهوري، من المناصب القيادية في الخدمة المدنية والعسكرية، وأنفق على حرب بلا طائل على ايران مبالغ كانت تكفي لتوفير تأمين صحي لملايين الأمريكان، الذين لا يجدون سبيلا الى المشافي، ولإقالة عثرة النظام التعليمي في بلاده الذي ينهار عموديا، مقارنة ببقية الدول الصناعية.

رغم أن حكومة ترامب تنحاز على المكشوف إلى الأغنياء، إلا أن مؤسسة يو بي إس المتخصصة في إدارة الثروات على مستوى العالم، تفيد بأن 31 من أصل 87 مليارديرا أمريكيا من عملائها، نقلوا أنشطتهم خارج الأراضي الأمريكية، بينما يرتب آخرون منهم للانتقال إلى بلدان تشجع الاستثمار وتمنح جوازات السفر والجنسيات بعد مهل قصيرة.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تشهد الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي، بينما تسود المخاوف بشأن نزاهة العملية الديمقراطية في ظل مناخ سياسي وإعلامي واقتصادي مرتبك، تسبب فيه ترامب، مما جعل مجلة ذا إيكونوميست البريطانية الرصينة تقول إن هناك شكوكا في قدرة لديمقراطية الأمريكية على الصمود. وإن ترهيب الناخبين بتدخل قوات إدارة الهجرة والجمارك (آيس)، سيئة السمعة في مراكز الاقتراع ،كفيل بجعل أعداد كبيرة من الناخبين من غير البيض يحجمون عن التصويت طلبا للسلامة.

مع بداية ولاية ترامب الثانية في مطلع 2025، شهد ذلك العام اقتراع 180 ألف أمريكي بأرجلهم، أي هاجروا طوعا واستقروا في دول الاتحاد الأوربي (ايرلندا كانت الوجهة المفضلة لمعظمهم)، بينما قامت حكومة ترامب في عام 2025 بالتهجير القسري ل657,000 شخص، من بينهم 50 ألف من ذوي الأصول المكسيكية المولودين في أمريكا، ومن ثم "أمريكان بالميلاد"، واختار 2.2 شخص الرحيل الاختياري عن الأراضي الأمريكية تفاديا للملاحقات العنيفة ذات الطابع العنصري من جماعة آيس. ومعظم هؤلاء أمريكيون ولكن مزودون بلون البشرة "الخطأ"، وبهجرتهم العكسية ضاعت أصواتهم الانتخابية، ومن ثم فإن ولايتان مثل فلوريدا وتكساس التين كانتا نقطتي انطلاق تلك الهجرات، ستجعل بضعة آلاف تقرر مصير المرشحين في انتخابات الكونغرس.

ورغم أن حكومة ترامب تنحاز على المكشوف إلى الأغنياء، إلا أن مؤسسة يو بي إس المتخصصة في إدارة الثروات على مستوى العالم، تفيد بأن 31 من أصل 87 مليارديرا أمريكيا من عملائها، نقلوا أنشطتهم خارج الأراضي الأمريكية، بينما يرتب آخرون منهم للانتقال إلى بلدان تشجع الاستثمار وتمنح جوازات السفر والجنسيات بعد مهل قصيرة. ومن جهة أخرى فإن وقف ترامب تمويل البحث العلمي حمل 32% من العلماء الأمريكان على الهجرة الى بلدان أخرى خلال ال18 شهرا الماضية.

وهكذا بتنا نرى كيف أن الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده.

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون. ولنضرب مثلاً بـ"التي شيرت" (T-Shirt) الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضي لستر عورة الإنسان ووقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة "التي شيرت" بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة.

ثم توظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال)، وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن "التي شيرت" أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.

"
ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، يأكله المرء وهو يسير أو يجري، ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولا بد أن نتنبه إلى الرؤي ة الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة
"

ويمكن قول الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو بريء، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه وتصبغ وجدانه، شاء أم أبى.

فإن قَطَنَ الإنسان المسلم في منزل بُنيَ على الطراز المعماري العربي والإسلامي فلا شك أن هذا سيزيده من ثقة في نفسه واعتزازه بهويته وتراثه. ولكننا لا نرى في كثير من المدن من العالم الإسلامي أي مظاهر أو آثار للرؤية العربية الإسلامية (إلا في المسجد)، وبدلاً من ذلك أصبح المنزل -عملياً وظيفياً- يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية، أي أنه مثل "التي شيرت" أصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق.

وأثاث هذا المنزل عادة وظيفي، يلفظ أي خصوصية باسم الوظيفية والبساطة. ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية (الرؤية المادية تفضل البساطة على الجمال المركب، ومن هنا عبارة "خليك طبيعي").

ونفس الشيء ينطبق على طعام "التيك أواي" أو السفاري، فهو الآخر يعيد صياغة وجدان الإنسان. الناس هم الذين  يعدون طعامهم بأنفسهم، ثم يتناولونه سوياً. هذا ما كان سائداً في كل أرجاء العالم بما في ذلك الغرب.

أما ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، ويأكله المرء وهو يسير أو يجري، فهذه ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولابد أن نتنبه إلى الرؤية الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي، مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة.

إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة، مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأنس بغيره.

ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا" (أي سوياً) تشير إلى مجموعة القيم هذه. وأنا لست من الغباء بحيث أطالب بتحريم أو تجريم هذه الوجبات، فأنا أدرك تماما ضرورة اللجوء إلى كثير من الإجراءات ذات الطابع المادي (الاقتصادي السياسي) في حياة الإنسان اليومية، والوجبة السريعة كثيرا ما تكون ضرورية، بل وحتمية.

ولكن عندما تتحرك هذه الإجراءات المادية إلى المركز وتصبح هي القاعدة والمعيار، نكون قد سقطنا في العلمانية الشاملة. وقد قرأت مؤخراً أن عدد الأقواس الصفراء (علامة ماكدونالد) يفوق عدد الصلبان في العالم الغربي!

وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة (فهي معظمها حلال)، تؤثر في وجداننا وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة!

"
تصر بعض الصحف على أن فلانة المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة، مع أنه لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها 
"

وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، ما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً هيمنة النموذج المادي على الوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟

ومع هذا، تُصر بعض الصحف على أن "فلانة" المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. والمسكينة لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة ولا أي مطلقية، إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون فاتناً، ولكنه -لا شك- محدود ونسبي.

كما أن خبراتها مع أزواجها -رغم أنها قد تكون مثيرة- لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية، إلا إذا كانت رؤية مادية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية.

وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة!

وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع، ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.

ولنتخيل الآن إنساناً يلبس "التي شيرت"، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة "البريفاب" (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (همبورغر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية)، وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام "التيك أواي" ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأميركية (الإباحية أو غير الإباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات..

ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار.. إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟

قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية، رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.

ونحن حين نتحدث عن الحضارة المادية فنحن عادة ما نتصور أننا نتحدث عن الحضارة الغربية وحدها، وهذا خلل ما بعده خلل، ففي الغرب يوجد كثير من المظاهر الإنسانية المتجاوزة لسطح المادة، ففي الغرب موزارت وبتهوفن والطعام الفرنسي وكثير من المظاهر المحتفظة بأصالتها وخصوصيتها.

إن المنتجات المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية.. ألخصوصية الغربية والخصوصية الإنسانية. ولنقارن موسيقى الديسكو بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، و"التي شيرت" برداء الإنسان الغربي، ستجد أن منتجات هذه الحضارة المادية -التي أسميها "ضد الحضارة"- غير منتمية لأي تشكيل حضاري أو اجتماعي.

"
الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان
"

هي حقا بدأت في الولايات المتحدة لكنها ليست أميركية، لأن الحضارة الأميركية الحقيقية حضارة لها سماتها الفريدة، وهناك تقاليد حضارية أميركية قامت هذه الحضارة الجديدة الضد بتقويضها.

ولكن المشكلة أن كل هذه التقاليد وكل هذه الخصوصيات آخذة في التآكل بسبب المد الجارف للحضارة المادية. وهذه الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.

كل هذا مقدمة لما حدث في عالم الرياضة. إن الرؤية المادية قد تغلغلت في كل مجالات الحياة. خذ على سبيل المثال عالم الرياضة.. كانت ممارسة الرياضة في الماضي تهدف إلى تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وتسليتهم في الوقت ذاته، بحيث يقضون وقت الفراغ بطريقة متحضرة.

كما أنها على مستوى آخر كانت تدريبا على الصراع الرقيق لتفريغ نزعات البشر العدوانية من خلال قنوات متحضرة..

حينما كنت في مدرسة دمنهور الثانوية كان فريق كرة السلة من أهم الفرق على مستوى الجمهورية، وكنا نصل إلى المركز الأول في بعض البطولات إن لم تخنّي الذاكرة..

ولكن ما أذكره جيداً هو أن الأستاذ الحبروك -المشرف على الفرق الرياضية آنذاك- كان ينصحنا بأنه حينما كان يأتي فريق من المراكز المجاورة لنا -وكانوا عادةً أدنى منا في المستوى- كان يطلب منا ألا نهزمهم هزيمة ساحقة، بل أن ندعهم يحرزون بعض الأهداف حتى لا يشعروا بالإحباط.

وكنا نشجع فريق كرة القدم الخاص بدمنهور، ولكننا في الوقت ذاته كنا نشجع "اللعبة الحلوة" بغض النظر عن مصدرها. إن ما كان يهيمن علينا ليس النموذج المادي ولا النموذج الدارويني الصارم حيث يكون كل الناس إما منتصراً أو مهزوما، ولا نموذج السوق وآليات العرض والطلب التي لا تعرف الله أو الإنسان، وإنما نموذج إنساني يقبل حتمية الاختلاف والصراع، ولكنه لا يجعلها مرجعيته النهائية، إذ توجد قيم أخرى مثل التراحم والإيمان بإنسانيتنا المشتركة.

ولكن الرياضة انفصلت تدريجيا عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية ذاتها، ومنفصلة عن القيمة وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد. ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماما للرياضة واحترافهم. والاحتراف يتناقض تماما مع فكرة التسلية وتزجية وقت الفراغ واللعب بطريقة إنسانية متحضرة، فهي تجعل الرياضة مركز الحياة.

قابلت مرة أحد كبار لاعبي كرة القدم في الولايات المتحدة وهي مختلفة عن كرة القدم في بقية العالم، واللاعبون لابد أن يتمتعوا بلياقة بدنية فائقة، وأجسامهم يجب أن تكون ضخمة وعضلاتهم بارزة حتى يمكنهم تحمل الصدمات. المهم.. فتح لي قلبه وتحدث عن بؤسه، وكيف يراقب المدرب كل جوانب حياته العامة والخاصة، فهو يراقب وجباته اليومية ويطلب منه أن يأكل كذا من البروتين وكذا من الخضراوات، كما يراقب حياته العاطفية بل والجنسية، فهو لا يمكنه أن يخرج مع صديقته قبل المباراة بأسبوع، ولا يمكنه مضاجعتها أو مضاجعة زوجته.

هو لم يستخدم مصطلح "تشيّؤ"، أي أن يتحول الإنسان إلى شيء، ولكن هذا هو أدق وصف لما حدث له.

"
أخلاقيات السوق اقتحمت عالم الرياضة فيتم بيع لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة, لذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال المحرك الأول للإنسان الاقتصادي
"

في المدارس الثانوية بالولايات المتحدة، تقوم فرق كرة القدم بدراسة تكتيكات الفريق الذي سينازلهم من خلال أفلام فيديو يصورونها لمباراة سابقة له، كما يدرسون أداءهم بنفس الطريقة.

هل هذا له علاقة بالتسلية واللعب، أم أنه ينبع من نموذج مادي صراعي يجعل الفوز وهزيمة الآخر هو الهدف الوحيد؟ ومن هنا تدفع المكافآت السخية لأعضاء الفريق الفائز. وتنتهي المباريات في الآونة الأخيرة بمعارك يُجرح فيها بعض الناس، بل وقُتل ضابط شرطة في إيطاليا بعد مباراة حامية الوطيس.. كل هذا يعني هيمنة النموذج الصراعي وتراجع النموذج الإنساني التراحمي.

وقد اقتحمت أخلاقيات السوق عالم الرياضة فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة.

ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال، المحرك الأول للإنسان الاقتصادي. ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات والأدوية المنشطة الممنوعة لتحقيق النصر. ويتقاضى أعضاء الفريق الفائز مبالغ طائلة مكافأة لهم، وهى مكافآت سخية على أدائهم، قد تصل إلى مرتب أستاذ جامعي لعدة سنوات.

بل في إحدى الجولات الرياضية حصل كل عضو من أعضاء الفريق الفائز على سيارة "بي.أم.دبليو" وهذه قمة الأحلام العلمانية! أين كل هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟ لقد اقتحمت اقتصاديات السوق هذا القطاع تماما، وسيطرت عليه قوانين العرض والطلب والمادية وتم تشييء الإنسان ونزع القداسة عنه، وتحوّل إلى مادة استعمالية مرنة ليس فيها من الإنسانية سوى الاسم، أي أن النموذج المادي الصراعي الدارويني قد ساد تماماً.

هذه هي مأساة الحضري الذي وقع صريع هذا النموذج، وسلك سلوكاً متسقاً معه، فهاجت الدنيا ضده؟ والسؤال هو: لماذا هذا الهيجان والتهيج؟ أليست المسألة مسألة عرض وطلب لا مسألة انتماء وطني وإنساني؟!

وعلى أية حال، بعد الهيجان استقرت الأمور داخل إطار الخصخصة وقبل النادي الأهلي التعويض المالي المناسب عن فقدانه إحدى أشيائه الثمينة.. والله أعلم.


عبد الوهاب المسيري

المصدر: موقع الجزيرة نت

أسئلة الهوية

أسئلة الهوية


كي نفهم قضية الهوية حق الفهم لا بد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية مطلقة سلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني -كما أشرت- عقل توليدي يبقي ويستبعد ويضخم ويهمش ويضيف ويحذف، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان وهو في صميم رؤية للكون.

المنهج المادي يودي بالهوية تماما لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها

فهوية شعب ما تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه (فعقولهم التوليدية تبقي وتستبعد وتضخم وتهمش)، فإن هويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم. ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي.

ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها "علمية"، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب. واستخدام النموذج المادي يعني استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية.

ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تماماً، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها.

وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره "الإنسان الطبيعي"، بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة "أضيفت" إليها الحضارة، أي أنها ليست أصيلة فيه.

وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليا، مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.

وهذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية (التي نصفها بأنها عقلانية مادية) كما تعبر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هي في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي الذي لا يعرف الحدود ولا الهوية ولا الخصوصية، وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والوطن والتضحية.

ولذا نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولا يذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة.

وحيث إن الإنسان الطبيعي هو ذاته الإنسان الاقتصادي، لذا فكل مطالبه وتطلعاته تظل داخل السقف المادي، وتظل الخلافات التي تنشأ بين الدول خلافات اقتصادية عامة يمكن التفاهم بشأنها وحلها داخل الإطار الاقتصادي المادي.

ونتيجة لهذا الفهم المادي المعاصر نجد أن الإدراك الغربي (والإدراك الذي ساد في العالم العربي) للهوية يتأرجح بين نقطتين ماديتين متناقضتين: الأولى نقطة صلبة تقوم على ثنائية قطبية حادة (أنا في مقابل الآخر) كما فعل النازيون والصهاينة في الغرب، وبعض السلفيين والقوميين المتعصبين وبعض دعاة القومية العربية، بعض الوقت.

أما الثانية فهي نقطة سائلة تذوب فيها الحدود والهويات، كما هو الحال الآن في إطار النظام العالمي الجديد.

وأقترح أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهرا صلباً ثابتاً، وأطرح فكرة الإنسانية المشتركة بدلا من فكرة الإنسانية الواحدة التي يطرحونها في الغرب، إذ الإنسانية المشتركة تذهب إلى أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل الزمان والمكان، وهي في تحققها تكتسب قسمات وهوية محددة!

فالإمكانية الإنسانية الكامنة حينما تتحقق في الزمان والمكان الصينيين فإنها تثمر الإنسان الصيني والإنسانية الصينية، وإن تحققت في الزمان والمكان الغربيَين أثمرت الإنسان الغربي والإنسانية الغربية.

وتحقق الإمكانية ليس أمراً حتمياً، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها.

وثمة علاقة بين الهوية والإبداع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لأنه لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته وأصبح عقله في أذنيه، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم، ويبدع داخل إطارهم، بحيث يتحقق إبداعه من داخل تشكيلهم الحضاري، كما يحدث لكثير من العلماء العرب الذين يهاجرون إلى الغرب.

وهذا ما أدركه السياسي والكاتب الإنجليزي لورد ماكولي، ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي يوم 2 فبراير/ شباط 1835 قال "لقد سافرت في الهند طولا وعرضا، ولم أر شخصا واحدا يتسول أو يسرق. لقد وجدت هذا البلد ثريا إلى درجة كبيرة، ويتمتع أهله بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى أنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي.

ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم، لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تمكن الهيمنة عليها تماما".

"
ثمة علاقة بين الهوية والإبداع وهي أن الإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، إذ الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين
"

هذه هي الخطة الشيطانية التي لا يزال الاستعمار الغربي يستخدمها ضدنا، ولذا علينا أن نحتفظ بهويتنا وندافع عنها ونفعّلها ونعبر عنها من خلال أعمال إبداعية تخرج من بيئتنا وتعود إليها.

فمثلا هل يمكن أن نطور مدنا لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عام جيد، السيارات فيه تسير بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بكل سلبياته، الذي يكلفنا الكثير من الناحية الصحية والاقتصادية؟

لماذا لا نطور تقنية الطاقة الشمسية ومساقط المياه في منطقة معروف أنها ستواجه شحا في المياه، حتى أنهم يقولون إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تقنية تحلية المياه ونخلصها من مشاكلها؟

لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذي لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز.

هذا ما فعله اليابانيون وطوروا اقتصادا على مستويين، فهناك الاقتصاد المتقدم الذي يستفيد بكل منجزات العلم والتقنية، ولكن هناك مستوى آخر وهو ما يمكن تسميته الاقتصاد الشعبي.

فشركة مثل سوني على سبيل المثال تستخدم آخر ما توصلت إليه التقنية، ولكن هناك أعمال أخرى يمكن إنجازها يدويا، فترسل بها إلى الريف الياباني فيقوم الفلاحون بإعدادها في منازلهم.

ويدعي البعض أن التمسك بالهوية يؤدي إلى الحروب والمجازر، وهذه مبالغة غير مقبولة، فهل الحربان (العالميتان) الأولى والثانية، تمتا باسم الهوية أم باسم المصالح الاستعمارية؟

وماذا عن فيتنام وغزو العراق وأفغانستان والحرب الباردة؟ هل التشكيل الاستعماري الغربي الذي أحرق الأخضر واليابس وأباد الملايين ونهب ثروات الشعوب.. هل تم تعبيراً عن الهوية الغربية أم تعبيراً عن طمع وجشع الطبقات الحاكمة؟

وتفعيل الهوية شيء أساسي في عملية النهوض الحضاري، فهويتنا قد تشكلت –كما أسلفت- عبر تاريخنا حتى أصبحت منا وأصبحنا منها.

وعملية التنمية لا يمكن أن تتم من خلال برنامج اقتصادي وسياسي عام، فالبشر لا يتحركون في إطار العام، وإنما يتحركون في إطار الخاص الذي يعرف احتياجاتهم ويأخذ في الاعتبار توجهاتهم وأشواقهم وأحزانهم.

وأعتقد أن ظهور ما يسمى النظام العالمي الجديد والنزعة الاستهلاكية الشرسة يزيد من أهمية قضية الهوية وضرورة التمسك بها.

إن ظهور الهوية في القرن العشرين مسألة لها دلالة، فهي حماية الإنسان ضد عمليات التنميط الزاحفة، وضد العولمة التي كانت توجد بشكل جنيني في بداية القرن وأصبحت الآن مسيطرة ومهيمنة.

إن الهوية في الواقع شكل أساسي من أشكال المقاومة، شرط أن لا تتحول إلى "غيتو" يدخل فيه الإنسان ويتخندق.

هذا لا يعني أن تمسكنا بهويتنا العربية الإسلامية سيفصلنا عن الآخرين، ويمنحنا حقوقا مطلقة كما فعلوا في ألمانيا النازية وفي التشكيل الاستعماري الغربي.

الهوية العربية الإسلامية مجموعة من السمات الإنسانية المختلفة التي قد تسم جماعات إنسانية أخرى، ولكنها توجد بشكل معين وبترتيب محدد يعطي الهوية العربية فرادتها، إذ في الدولة الإسلامية مثلاً كانت توجد هويات مختلفة، لكن رغم ذلك كانت غير متنازعة.

"
أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث كان الانتفاضة التي استدرجت الإسرائيليين إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي الإسرائيلي التعامل معها بكفاءة، فلم يجد الصهاينة حلا إلا بالالتفاف عليها فكانت اتفاقية أوسلو
"

كان يمكن أن يأتي الإنسان من خراسان إلى مصر فيُرحّب به، وكذلك أهل المغرب الذين وجدوا في مصر وطناً لهم من دون أي مشكلة.

ولعل الفن الإسلامي أكبر دليل على التنوّع والاختلاف إلى درجة أن بعض المؤرخين الغربيين ينفون وجود فن إسلامي بسبب تنوعه. وفي الواقع هناك فن إسلامي هندي، وإسلامي عربي ينقسم بدوره إلى إسلامي مصري (فاطمي وأيوبي ومملوكي) وإسلامي دمشقي وهكذا.

الإسلام قد قبل التنوع داخل إطار شامل من الوحدة، وحدة ليست عضوية وإنما فضفاضة. وهذا التنوع قد سمح للجماعات الدينية والإثنية المختلفة بأن تبدع من خلاله مثل إبداع الأكراد وإبداع العرب المسيحيين واليهود.

وقد كان هذا النموذج من الهوية مرفوضاً في الغرب حتى عهد قريب، لأن التعريف الغربي للهوية كان تعريفاً عضوياً، أي يرى الهوية باعتبارها كيانا متماسكا تماما وكأنها النبات أو الحيوان أو كيان عضوي لا يمكن أن تفصل منه أجزاء ثم يكتب له البقاء.

أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة في الستينيات، كانوا دائماً يسألونني هل أنت عربي أم مصري أم مسلم، ويشيرون إلى هذا باعتباره اختلاطاً في الهوية ومن ثم نقطة سلبية؟ فكنت أشير إلى جون ميلتون الشاعر الإنجليزي الذي عاش في عصر النهضة، وكان يكتب بالإنجليزية واللاتينية ويعد نفسه إنجليزياً وأوروبياً ومسيحياً في الوقت ذاته، وكان يتحدث باللاتينية مثلاً مع أصدقائه حين ينتقل في أرجاء أوروبا.

وكانت تواريخ الأدب ترى هذا دليلا على عظمة عصر النهضة الغربية، فكنت أقول لهم أنا أيضا دمنهوري عربي مسلم، وفي بداية الأمر ونهايته إنسان، فإنسانيتي العامة المشتركة لا تتناقض مع انتماءاتي المتعددة.

إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية مادية عضوية مصمتة تجعل الإنسان صاحب الهوية الذي يعيش على أرضه القومية ومجاله الحيوي، موضع الحلول ومرجعية ذاته، ولذا لا يمكن استئناف أحكامه، ثم فرضوا هذه الرؤية على الواقع بالقوة، فظهرت فكرة الدولة القومية العضوية وكل هذه المفاهيم العنصرية.

وقد أدى هذا إلى أن الحدود الديمغرافية والدينية والسكانية لهذه الدولة العضوية تماثلت مع الحدود الجغرافية، وبالتالي تم القضاء على معظم الأقليات.

فالثورة الفرنسية قضت على كثير من الأقليات، وعلى مجموعة من اللهجات مثل لهجة "الأوكستانيان" و"البريتون"، وهذه صفة في أوروبا منذ القدم.

وأذهب إلى أن أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث هو الانتفاضة الفلسطينية التي استدرجت "الإسرائيليين" إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي "الإسرائيلي" أن يتعامل معها بكفاءة، فلم يجد الصهاينة حلا لهذه الورطة إلا بالالتفاف حول الانتفاضة لكبح جماحها، ومن هنا كانت اتفاقية أوسلو.

وهناك محاولات أخرى لتفعيل الهوية مثل قيام الدكتور حامد الموصلي بعدة مشاريع ناجحة نابعة من تفعيل الهوية، مثل صنع الخشب من سعف النخيل. وهناك محاولات الدكتور عبد الحليم إبراهيم وراسم بدران لتطوير معمار إسلامي حديث.

كما يمكننا تفعيل مؤسسات وسيطة مثل الأسرة والجيرة، بحيث يمكن إدارة مجتمعنا بطريقة إنسانية.


المصدر: موقع «الجزيرة نت».





الجمعة، 21 أغسطس 2026

البرنامج النووي الليبي من الطموح إلى الأفول والتسليم

 البرنامج النووي الليبي من الطموح إلى الأفول والتسليم

 

رغم صدور قانون رقم 32 لسنة 1968 م في شأن

 انضمام ليبيا إلى معاهدة حظر تجارب الأسلحة

 النووية في الجو والفضاء الخارجي وتحت الماء الي

 تم نشره في الجريدة الرسمية

برقم 32 لسنة 1968 م في شأن انضمام ليبيا إلى

 معاهدة حظر تجارب الأسلحة النووية في الجو

 والفضاء الخارجي وتحت الماء

نحن ادريس الاول ملك المملكة الليبية،

قرر مجلس الشيوخ ومجلس النواب القانون الآتي نصه

وقد صدقنا عليه واصدرناه:

مادة 1

ووفق على انضمام ليبيا إلى معاهدة حظر تجارب

 الأسلحة النووية في الجو وفي الفضاء الخارجي

 وتحت الماء المبرمة في موسكو بتاريخ 5 أغسطس

 1963 والمرافقة لهذا القانون.

مادة 2

على وزيري الدفاع والخارجية تنفيذ هذا القانون

 ويعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

صدر بأمر الملك إدريس السنوسي بمدينة البيضاء في

 1 صفر 1388

الموافق 29 ابريل 1968

 وجاء هذ القانون تلبيه واستجابة دولة ليبيا لمعاهدة

 حظر تجارب الأسلحة النووية في الجو وفي الفضاء

 الخارجي وتحت الماء.

 والذي جاد فيه إن حكومات الولايات المتحدة

 الأمريكية، والمملكة المتحدة بريطانيا العظمى وشمال

 أيرلندا واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية،

 المشار إليها فيما بعد بالأطراف الاصلية.

إذ تعلن أن هدفها الأساسي هو الوصول الى اتفاق في

 أسرع وقت ممكن بشأن نزع السلاح العام الكامل

 تحت إشراف دولي دقيق طبقا لأهداف الأمم المتحدة،

 الأمر الذي سيضع حدا لسباق التسلح ويقضى على

 الحوافز لإنتاج جميع انواع الاسلحة وتجربتها بما في

 ذلك الأسلحة النووية

وسعيا منها لتحقيق عدم استمرار جميع تجارب

 تفجيرات الأسلحة النووية في جميع الأوقات،

 وتصميما منها على الاستمرار في المفاوضات لهذا

 الغرض، ورغبة منها في وضع حد للتلوث البيئة

 البشرية بمواد الإشعاع

قد اتفقت على ما يأتي

مادة 1

١- يتعهد كل طرف في هذه المعاهدة بالتوقف

 والامتناع عن إجراء أي تفجير لاختبار السلاح

 النووي أو أي تفجير نووي آخر في أي مكان تحت

 سيادته أو إشرافه وذلك

أ- في الجو، وفيما وراء حدوده بما في ذلك طبقات

 الجو الخارجي أو تحت الماء بما في ذلك المياه

 الإقليمية وأعالي البحار.

ب- أو في أي مكان آخر إذا كان هذا التفجير يسبب

 في وجود فضلات اشعاعية خارج الحدود الاقليمية

 للدولة التي تجرى عليه مثل هذه التفجيرات تحت

 سيادتها أو إشرافها ويفهم في هذا الخصوص أن

 أحكام هذه الفقرة الفرعية لا تخل بعقد معاهدة حظر

 تجارب الأسلحة معاهدة لحظر تجارب التفجيرات

 النووية حظرا مستديما بما في ذلك التفجيرات التي

 تجرى تحت الأرض، والتي يسعى الأطراف لعقدها،

 كما جاء في ديباجة هذه المعاهدة.

يتعهد كل طرف في هذه المعاهدة، علاوة على ما

 ذكر، بالامتناع عن أحداث، أو تشجيع أو المساهمة

 بأي شكل من الأشكال في إجراء أي تجربة لسلاح

 في الفقرة الأولى من هذه المادة، أو يكون له الأثر

 المشار إليه فيها

مادة 3

١- هذه المعاهدة ستكون مفتوحة لتوقيع جميع الدول،

 و يجوز لأية دولة لم توقع على هذه المعاهدة قبل

 نفاذها بموجب الفقرة الثالثة من هذه المادة أن تنضم

 إليها في أي وقت

١- تخضع هذه المعاهدة لتصديق الدول الموقعة

 عليها، وتودع وثائق التصديق والانضمام لدى

 حكومات الاطراف الاصلية أي الولايات المتحدة

 الأمريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال

 أيرلندا، واتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية،

 المسماة هنا الحكومات المودع لديها

تكون هذه المعاهدة نافذة المفعول بعد أن تصدق عليها

 جميع بين الأطراف الأصلية وتودع وثائق تصديقها.

وبالنسبة للدول التي تودع وثائق التصديق أو

 الانضمام الى هذه المعاهدة بعد نفاذها يكون سريانها

 بالنسبة لها اعتبارا من تاريخ إيداع وثائق التصديق

 أو الانضمام

تتولى الحكومات المودع لديها إبلاغ جميع الدول

 الموقعة والمنضمة على الفور عن تاريخ كل توقيع

 وتاريخ إيداع أي وثيقة تصديق أو انضمام لهذه

 المعاهدة وتاريخ العمل بها وتاريخ استلام الطلبات

 لعقد المؤتمرات أو أي إشعار آخر

تقوم الحكومات المودع لديها بتسجيل هذه المعاهدة

 طبقا لأحكام المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة.

ووفقا للقانون الصادر في ليبيا بتاريخ ٢٩ أبريل

 ١٩٦٨ أصبحت ليبيا من ضمن الدول الموقعة على

 اتفاقية عام ١٩٦٣ التي تمنع الانتشار النووي.

الا انه بعد نجاح الانقلاب العسكري عام ١٩٦٩ في ليبيا

 ظهرت فكرة مشروع البرنامج الليبي في بدايات

 السبعينات من القرن الماضي من منطلق سياسي

 عسكري يعبر عن أفكار اعضاء الانقلاب المتأثرين

 بأفكار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر

 وكرد فعل لهزيمة العرب امام العدوان الإسرائيلي

 عقب هزيمة ١٩٦٧م التي أظهرت مدى التفوق

 العسكري الاسرائيل على الدول العربية مجتمعه حين

 حطمت الجيوش العربية واحتلت أضاعف الأراضي

 التي احتلتها في حرب ١٩٤٨.

استطاعت ليبيا   في عقد الثمانينات الحصول على

 معمل بحثي يعالج المواد الانشطارية القائمة على

 البلوتونيوم وفي التسعينات تحولت إلى العمل بشكل

 أساسي بالطرد المركزي عن طريق مفاعل يعمل

 بقدرة 10 ميغاوات.

  كان مركز بحوث الطاقة النووية هو الكيان الذي

 يشرف على المشروع الليبي للطاقة النووية التي

 ترغب وتعمل السلطات الليبية لإنتاجه والحصول

 عليه؛ كما كانت هناك قنوات سرية وشبكات خارجية

 دولية تساهم في تزويد المشروع الليبي بالمعدات

 والخبرات النووية تسير جنب إلى جنب مع

 المؤسسات الرسمية دون أن يكون لها ارتباط مباشر

 بالمؤسسات الرسمية لاعتبارات سياسية ومالية

 واستخباراتية.

ومما كشفت عنه المصادر الليبية حين عقدت صفقة

 رفع الحصار الغربي علي ليبيا فيما عرف بحل ازمة

 لوكربي هو عدة مواقع سرية لتطوير واختبار

 الأجهزة للطرد المركزي، وكذلك كشفت عن مواقع

 تخزين وأنشطة لتحويل اليورانيوم افصحت عنها

 عقب إعلانها التخلي عن مشروعها النووي بعد عام

 2003م. قدمها النظام الليبي للوكالة الدولية للطاقة

 النووية.

ساهم تعامل ليبيا مع شبكة من الموردين للمواد التي

 تحتاجها في برنامجها من تصاميم أجهزة للطرد

 ومعلومات عن تصميم رؤوس نووية في أواخر

 التسعينات وفرها لها صانع القنبلة النووية الباكستانية

 العالم النووي عبد القدير خان؛ كما تحصل مفاعل

 تاجوراء على دعم من بعض الشركات السوفيتية 

  وحصلت على أجزاء من شريكات ماليزية

 وسنغافورية ودول أخرى.

لم تتمكن ليبيا من الوصول إلى انتاج سلاح نووي

 كامل رغم حصولها على مخططات وتصاميم لبعض

 القطع والآلات التي لها علاقة بإنتاج الطرد المركزي

 ولكنها لا تكفي لصنع راس او قنبلة نووية؛ بل إن

 وكالة الطاقة اعتبرت المشروع في مراحل أولية، ولم

 يكن قريب من صنع السلاح النووي.

في إطار محاولات ليبيا لحل أزمة لوكربي خاصة بعد

 إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين عام

 2003 وبعد تهديد مباشر من الرئيس الأمريكي

 جورج بوش في رسالة شفوية أرسلها للقذافي عبر

 الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة ذكرها

 وزير خارجية القذافي ومندوبة الدائم في الأمم

 المتحدة عبد الرحمن شلقم في لقاء متلفز على قناة

 العربية قال لي بوتفليقة (أخبر القذافي أن يزيل شوي

 الخردة اللي عنده او نزيلها أنا). وفور هذه الرسالة

 الحاسمة من بوش أدرك القذافي خطورة الامر.

لم تمض عدة أشهر حتى أعلن البريطانيين

 والأميركيين في ديسمبر 2003 أنهم تمكنوا من

 إقناع العقيد معمر القذافي بالتخلي عن خططه

 للأسلحة النووية مقابل رفع العقوبات

سمحت ليبيا للوكالة الدولية بالتفتيش عن برنامجها

 النووي بعد أن قدمت لها قوائم المواقع وسلمت

 معدات ومستندات للولايات المتحدة الامريكية

وقررت التخلي عن برامج تطوير أسلحة الدمار

 الشامل، نتيجة مفاوضات سرية  جرت على مدى

 تسعة أشهر بين طرابلس وكل من واشنطن ولندن،

 وكان مبرر الليبيين أن القرار سيجنب ليبيا أي

 تهديدات غربية وأميركية على وجه الخصوص، مع

 نفيهم امتلاك ليبيا لأسلحة الدمار الشامل

دافع العقيد القذافي عن موقف بلاده من التخلي عن

 برامجها في مجال أسلحة الدمار الشامل في بيان

 وزعته وكالة الأنباء الليبية الرسمية أن ليبيا ستتخلى

 عن جميع المواد والمعدات التي لها علاقة ببرامج

 التسلح النووي وأنها سوف تلتزم بمعاهدات الحد من

 انتشار الأسلحة دون الإشارة الي القانون الذي صدر

 في العهد الملكي عام ١٩٦٨، وتسمح بعمليات

 التفتيش من قبل الوكالات الدولية.

وفور إعلان القرار رحب الرئيس الأميركي جورج

 بوش به، معتبرا أنه وضع ليبيا على طريق العودة

 إلى المجتمع الدولي.

 فيما قال رئيس الوزراء البريطاني (وقتذاك) توني

 بلير إن القذافي تعهد بالتعاون التام وبشفافية مع

 المؤسسات الدولية التي ستبحث في أسلحة الدمار

 الشامل الليبية، وقال إن طرابلس أعربت عن رغبتها

 في التعاون لإيجاد حل لقضية أسلحة الدمار الشامل

 بنفس طريقة حل قضية لوكيربي.

وبذلك القرار تخلت ليبيا فن المشروع النووي الذي

 دفعت فيه الملايين وربما المليارات من الدولات التي

 لو صرفت على مشاريع التنمية لكان وضع ليبيا

 أفضل مما كانت عليه في أواخر أيام القذافي بكثير

 في صفقة سياسية ترفع الحصار عن النظام وتمكنه

 من العودة للنظام الدولي وربما تساهم في تمديد بقائه

 إلى حين وهذا ما حدث.