الأحد، 27 سبتمبر 2026

في زيارتي للشام التقيت في الطائرة بالشيطان!

في زيارتي للشام التقيت في الطائرة بالشيطان!
أَشْواكٌ فِي طريقِ الدّعْوةِ وَعراقِيلُ في طَريقِ النَّهْضَة
 

في زيارتي الأولى إلى الديار الشامية بعد التحرير النسبي الذي تحقق فيها، عقدت العزم، على عجل، أن أمضي إليها مسرعًا، وأن أسبق إليها ما استطعت؛ لأكون في الصفوف الأولى، مصلّيًا خلف علمائها، ومطمئنًا على أهلها، ومساندًا لدعاتها، وداعمًا لدولتها، ومخففًا عن أهلها جراحهم، وساعيًا، ما استطعت، إلى مداواتها.

 

وقبل أن أرحل، توضأت وصليت ركعتين، ورفعت يدي إلى الله أدعوه أن يجعلها رحلة مباركة، وأن يرزقني فيها السداد والتجرد والتوفيق، وأن لا يجعل فيها للنفس حظًا، ولا للهوى سلطانًا.

 

فالشام، في وجداننا، من خير ديار الدعوة والإصلاح والجهاد، والجهاد أوسع من أن يُحصر في القتال، فله شُعَبٌ كثيرة، أولها مجاهدة النفس وأهوائها، وآخرها مجاهدة العدو والمحتل الغاصب، وبين ذلك ميادين واسعة من جهاد الدعوة والإصلاح ونشر العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للحاكم، ونصرة المظلوم، وتعزيز كل خير، ودفع كل شر، وبناء ما تهدّم، وإحياء ما خبا، وجمع الكلمة على ما فيه صلاح البلاد والعباد.

 

وفي الصباح الباكر، بين صلاة الفجر وقبيل شروق الشمس، أقلعت الطائرة في طريقها إلى الديار الشامية، لتحطّ في دمشق، وتبدأ من هناك رحلتي.

 

وما إن استقررت في مقعدي، حتى انتابني شعور غريب تجاه الشخص الجالس إلى جواري. كان وجهه غضبان ومنزوع الرحمة والإيمان، وعيناه تطوفان في كل زاوية ومكان.

 

كان الناس، وسائر الركاب، يأخذون نصيبهم من الراحة؛ فهذا يغفو، وذاك يتأمل، وآخر ينظر بسعادة من نافذة الطائرة إلى ما تحتها من مشاهد، إلا هذا الكائن الجالس إلى جانبي؛ فقد كان منشغلًا عن كل ذلك، لا يكف عن مراقبة الناس، ويتابع حركاتهم ونظراتهم وكأن عينه لا تعرف السكون.

 

أثار ذلك حفيظتي، ودفعني إلى أن أتوجه إليه بالسؤال:

— من أنت؟ وما الذي دهاك؟

 

فردّ عليّ بهدوء:

— أنا الشيطان، يا عبد الله.

فما كان مني إلا أن استعذت بالله منه، وقلت:

— أيها الملعون! وما الذي تصنعه هنا؟

ابتسم، وقال:

— أنا في طريقي إلى الشام. أريد أن أسبق الجميع، وأن أكون القائد والربّان!

فأجبته قائلًا:

— خسئتَ يا عدوَّ الله! لقد تحررت الشام من الطاغوت، وعاد إليها عباد الرحمن من العلماء والدعاة والمجاهدين الأبرار، وها هي مآذنها تصدح في اليوم خمس مرات بالأذان: «حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح». فلم يعد لك في تلك الديار مكان!

 

قال لي، وهو يبتسم ابتسامةً باردة:

— ومن قال لك إن الطاغوت قد رحل عن الشام؟! الذي رحل إنما هو أحد عمالي الصغار، بشار الأسد، وقد كافأته على خدماته الجليلة مكافآتٍ عظيمة؛ فقد أطاعني في قتل أهل الشام وهدم كل خير، ومحاربة الفضيلة، ونشر كل رذيلة، ومنع الأذان، وغير ذلك مما كان.

 

ثم أردف قائلًا:

— أما الآن، فعندي عمّالٌ كُثر، وأفكارٌ فظيعة، سأستخدمها لإهلاك الشام وأهلها، والعبث بجميع أوراقها، وتلويث عقول أهلها من جديد، ونزع الرحمة من قلوبهم، حتى يعود الأمر أسوأ مما كان.

 

ثم سكت لحظة، وكأن في جعبته كلامًا أكثر

وفي مفاجأة عنيفة، اهتزّت الطائرة اهتزازًا شديدًا بفعل مطبّاتٍ جويةٍ عنيفة، فاستيقظ جميع الركاب، وتعالت أصواتهم وهم يصرخون:

 

— يا الله!

 

نظرتُ إلى وجه الشيطان، فإذا به قد امتقع، واصفرّ لونه، وبدت عليه علامات الخوف والارتجاف. فقلت له، وقد رأيت فيه غير ما كان عليه قبل لحظات:

 

— ما بالك أيها الملعون؟! لقد كنت قبل قليل مستكبرًا في حديثك، متبجحًا بجنودك وأعوانك، فما الذي أصابك الآن؟

 

فقال، وقد بدا عليه الاضطراب:

 

— دعني الآن! فإن سقطت الطائرة فمآلي إلى الجحيم، وهذا وعدٌ من ربٍّ صادقٍ عظيم.

 

فقلت له:

 

— أفلا تدعوه؟

 

فقال:

 

— وكيف لي أن أدعوه، وأنا موقنٌ أنني من العصاة؟ فكيف يستجيب دعاء شيطانٍ رجيم؟

 

فقلت له:

 

— يا إبليس اللعين، سأدعو ربي أن ينجينا جميعًا حتى نصل إلى شاطئ الأمان في شام الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن أستحلفك بالله أن تصدقني القول:

 

ماذا تنوي أن تفعل في الشام؟ وما الذي يجعلك حريصًا على أن تكون فاعلًا قويًا في تحقيق الهدم والتخريب الذي تسعى إليه؟

 

سكت الشيطان لحظات، ثم نظر إليّ نظرةً مختلفة، كأن السؤال أصابه في موضعٍ لم يكن يتوقع أن يُسأل عنه. ثم قال:

 

— أتريد أن تعرف سرّ قوتي في الشام؟

 

إنني لا أحتاج إلى جيشٍ جرّار، ولا إلى سلاحٍ فتاك، ولا إلى أعوانٍ كثيرين؛ يكفيني أن أجعل أهلها يختلفون، وأن أجعل كل فريقٍ منهم يرى نفسه وحده على الحق، ويرى مخالفيه خصومًا يجب إسكاتهم وإقصاؤهم.

 

قلت له:

 

— ولكن أهل الشام قد ذاقوا مرارة التفرّق والقتل والتهجير، وأدركوا إلى أين تقود الفتن.

 

فضحك وقال:

 

— هذا ما تظنه أنت! لقد تعلمتُ من البشر أن الذاكرة قصيرة، وأن الجراح، مهما كانت عميقة، يمكن أن تُنسى إذا أُشعلت في النفوس نارُ التعصب. لا أحتاج إلى أن أختلق لهم عدوًا جديدًا؛ يكفيني أن أجعلهم يختلفون في قضية صغيرة كمسألة السلفيين والأشاعرة، ثم أقنع كل فريق بأن هذه القضية هي أمُّ القضايا وأصلُ الدين.

 

قلت:

 

— وكيف تفعل ذلك؟

 

قال:

 

— أبدأ بالعلماء والدعاة؛ فإن وجدت بينهم اختلافًا في مسألة اجتهادية، نفخت فيها حتى تصبح معركةً كبرى، ومنحت كل واحد منهم منبرا ومسجدا. ثم أنتقل إلى أتباعهم، فأجعل كل واحدٍ منهم يظن أن انتصاره لمذهبه لا يتحقق إلا بإسقاط أخيه، وأن الدفاع عن الحق لا يكون إلا بالتشهير والاتهام والتبديع والتخوين.

 

ثم اقترب مني قليلًا ورائحته النتنة تفوح، وقال:

 

— وبعد ذلك أتركهم يتشاجرون طويلًا، بينما تتسلل الأخطار الحقيقية من خلف ظهورهم وتتعاظم حتى تصل إلى عقر ديارهم وتمس واقع ومستقبل أجيالهم، وهم في غفلة ساهون.

 

قلت له:

 

— أهذه هي خطتك إذن؟ أن تشغلهم بالصغائر عن الكبائر؟

 

فقال:

 

— بل أكثر من ذلك. أريد أن أجعلهم يفقدون القدرة على ترتيب أولوياتهم؛ فيرون الخطر البعيد قريبًا، والخطر القريب بعيدًا، ويجعلون الفرع أصلًا، والأصل فرعًا، والمختلف فيه قضية حياة أو موت، وأقنعهم بشكل واسع وعميق أن أكبر إشكاليات سورية هي المذهبية، لأصرف عقولهم تجاه الإشكالية الحقيقية والتي هي سياسية بامتياز.

 

ثم أضاف، وقد عاد شيء من ابتسامته الخبيثة القديمة:

 

— وأخطر ما أفعله أنني لا آتيهم دائمًا بالباطل في صورته الصريحة، بل أمزج شيئًا من الحق بكثير من الباطل، وأضع الغلو في ثوب الغيرة على الدين، والخصومة في ثوب الغيرة على العقيدة، والقطيعة في ثوب الولاء والبراء، وهو مشروعي الذي بدأته وأعواني فور التحرير، وقد سبقت الثوار وكنت قبلهم في دمشق.

 

فقلت له:

 

— ولكن هذا كله لا ينجح إلا إذا وجد في الناس من يستجيب لك.

 

فأجابني دون تردد:

 

— صدقت. ولهذا فأنا لا أبحث عن أتباعٍ يعرفون أنهم أتباعي، بل أبحث عن غافلين يظنون أنهم يحاربونني، وهم في الحقيقة ينفذون ما أريد، وقد أعانني على ذلك كثيرا ضعف الوعي عند كثير من علماء ودعاة ووجهاء الشام، من الذين لا يجيدون ترتيب الأولويات ولا نظم الخطوات، فهم لا يملكون مشروعاً ناضجا وقويما، وحالهم تفاعل سطحي مع واقع يومي كتاجر بسطة على قارعة الطريق، وليس صناعة وقائع تبدل الحال، رغم امتلاكهم لسلطان ودولة ونفوذ وشعب محبّ مضحٍّ وعلاقات وأموال.

 

عندها سكتُّ طويلًا، ونظرت من نافذة الطائرة إلى الشام التي بدأت تلوح من بعيد، والدموع تجري على خدي وأنا أرى قرب المسافة بين دمشق والقدس، ثم قلت له:

 

— إذن فأخطر ما تخشاه الشام ليس عدوًا يقف على حدودها فحسب، وإنما شيطانٌ يجد له طريقًا إلى عقول أبنائها وقلوبهم.

 

فقال:

 

— الآن بدأت تفهم لماذا أسرعتُ إليها قبلكم، ولماذا سبقت الثوار، ولماذا تلحفت قبلهم بالرداء الأموي رغم أنني أنا الشيطان!

 

وما إن بدأتُ أُكثر من الحوقلة والاستغفار والتسبيح، حتى سمعت صوت قائد الطائرة يبشّرنا بقرب الهبوط في دمشق الفيحاء.

 

ما إن حطّت الطائرة في أرض دمشق الحرة، حتى خرج إبليس الرجيم مسرعًا، قبل جميع الركاب، في مشهدٍ أثار في نفسي شيئًا من الريبة والاستغراب.

 

ثم نزلنا إلى صالة المطار لنستلم أمتعتنا ونختم جوازاتنا، وإذا بي ألمح الشيطان من بعيد، يمضي مسرعًا في طريقه، متجاوزًا الناس بطريقة مريبة.

 

فالتفتُّ إلى موظف الجوازات وسألته:

 

— من هذا الرجل؟ ومن هذا الشخص الذي تجاوز الجميع؟

 

فقال لي:

 

— ادنُ مني.

 

فلما دنوت منه، قال بصوت خافت:

 

— منذ ثلاثين عامًا وأنا أعمل في هذا المطار، وأنا من أقدم موظفيه. وقد رأيت هذا الكائن المريب ينزل هنا ويمرّ بطريقة عجيبة، وكان يحظى باستقبالٍ مهيب في زمن المجرم حافظ الأسد، وكذلك من بعده ابنه الفار بشار.

 

فقلت له:

 

— ولكن سوريا اليوم قد تحررت، فما باله لا يزال يمرّ بهذا الشكل المريب؟

 

فقال:

 

— لا يزال له عمالٌ يخدمونه، ولا ندري كيف تتقدم خطواتهم في كل صعيد، يحضرون معه ويغيبون عندما يغيب!

 

قلت:

 

— لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

ثم مضيتُ أكمل طريقي، وأخرج من المطار، متشوقًا لأن أستنشق هواء دمشق، وأشمّ رائحة الياسمين، وأرى الشام بعيني بعد خروجي من فلسطين.

 

وما إن خرجتُ من بوابة المطار حتى فوجئت بمشهدٍ أصابني بالذهول الكبير، فتوقفتُ لحظات، وقلت:

 

— لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله!

 

لم أصدّق عينيّ! فقد رأيت الشيطان الرجيم يُستقبل أمام المطار بموكبٍ مهيب. ولم يكن الموكب من جنود بشار، ولا من فلول المنافقين، بل كان يجمع، في مشهدٍ أشدّ إيلامًا، بين كثير من السلفيين الذين أحبهم، وكذلك من الصوفيين الذين أودّهم.

 

قلت في نفسي: كيف يكون هذا في شام الرسول، بعد أن تحررت من الطاغوت، وعاد إليها الدعاة والعلماء الذين غابوا عنها عقودًا؟

 

وكيف يُستقبل الشيطان الرجيم في أرض دمشق، التي ارتوى كل شبرٍ منها بدماء الثوار الأحرار، من أحفاد أولئك الصحابة الكرام والتابعين العظام؟

 

وما إن سجدت لله باكيًا داعيًا، ثم رفعت رأسي، حتى رأيت ما زادني دهشةً وذهولًا.

 

لقد تبدّل شكل الشيطان!

 

ها هو يلبس عمامةً بيضاء، وجبّةً خضراء، وفي يده اليمنى كتبُ ابن تيمية، وفي يده اليسرى كتبُ أعلام الصوفية، وعنقه تتدلّى منه مسبحة من لؤلؤ ومرجان.

 

وقفتُ في ذهول، ثم صرخت بأعلى صوتي:

 

— يا الله! ما لنا غيرك يا الله! فانصر الحق وأهله، ومكّن لدينك واهدِ يا رب علماء الشام الكرام ونوِّر عقول دعاتها الأبرار، واكشف يا رب المنافقين واخزِ شياطين الإنس قبل هذا الشيطان الرجيم!

 

فإذا بالشيطان يرمقني بنظرةٍ ماكرة، ثم يبتسم ابتسامةً مُرّة، يلمع فيها نابُه، وتسقط من فمه قطرة دمٍ إثر قطرة.

 

فهمت رسالته وكأنه يقول لي:

 

— انتظر قليلًا، فسترى كم سأشرب من دماء هؤلاء المغفلين! لا فرق عندي بين سلفي وصوفي، فكلاهما من عباد الرحمن، وكلاهما فريسة أرجو أن أضلّهما، وقد عاهدتُ ربي أن أغويهم أجمعين قبل أن أدخل لمستقري في الجحيم.

 

فقلت في نفسي:

 

— إلا عبادك منهم المخلصين، الواعين، الهداة المهديين؛ فلن تقدر عليهم، أيها الرجيم.

 

ثم استعذت بالله وتمتمت بلساني وشفتاي والشيطان برقبتي وتلوت:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الحجر: 42

 

وما أن أنهيت تلاوة الآيات حتى فرَّ الشيطان من أمامي وله صوت ضراط، والناس من حوله تتساءل ببلاهة وتقول أين ذهب الشيخ الجليل والعلامة الكبير؟

 

أسرعتُ الخطى، ودخلت بين الجموع، مبتسمًا، مصافحًا، مقبلًا على إخواني، ومناشدا لهم:

 

— احذروا وانتبهوا! إن بينكم شيطانًا رجيمًا قد يخدعكم بعنوانٍ سليم، ومظهرٍ جميل، وكلماتٍ براقة، غير أن خطواته ستقودكم إلى نحر بلادكم، وإشاعة الفحشاء والبغضاء والمنكر بينكم.

 

فاستعيذوا بالله من شياطين الإنس وأفكارهم وخطواتهم، قبل أن تستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم؛ فإن الشيطان لا يملك إلا الوسوسة في الصدور، وليس له سلطانٌ على البشر، وهذا من عدل الله الذي سيحاسبكم على اختياراتكم، ويجازيكم عليها سعادة أو تعاسة وإن كنتم في الفجر في أول صفوف المصلين، وجنةً أو جحيمًا بحسب ما في قلوبكم وهو لا يخفى على الله وإن خفي عن جميع الخلق.

 

كونوا واعين بأن مشروع البناء والإصلاح والتغيير لا ينهض به لون واحد، ولا يكتمل بإقصاء مكوّنٍ من المسلمين، وإنما يحتاج إلى اجتماع المؤمنين من أهل السنة والجماعة في صفٍّ واحد وتعاونهم وتكاتفهم كالبنيان المرصوص، وإلى خطابٍ إسلاميٍّ جامع يتحول من مجرد شعارات وكلمات إلى إطارٍ عملي يصنع الوقائع.

 

فلا يكفي أن نصوغ وحدة الخطاب الإسلامي، بل علينا أن نصوغ معها وحدة العمل، ووحدة المقصد، ووحدة المسؤولية، حتى لا يجد الشيطان بيننا منفذًا ينفذ منه إلى عقولنا وقلوبنا وبلادنا.

 

فتقدّم إليّ أحد الشباب، ووجهه يفيض نورًا، وكان من السلفيين، وقال:

 

— يا شيخ، هلا تفضّلت فجلست مع بعض علمائنا ومشايخنا، وطرحت عليهم مشروعًا ينقذنا مما تستشرفه من محارق ومهالك في أرض الشام المباركة؟

 

فقلت له:

 

— نعم، وألف نعم. ما جئت إليكم إلا لأكون لبنةً في هذا البناء، سائرا معكم يدي في يدكم في مشروع الإسلام العظيم الذي يجمعنا جميعًا.

 

ثم تقدّم إليّ نفرٌ من الصوفيين، وقالوا:

 

— يا شيخ، والله إننا بحاجة إلى أمثالك، وإلى خطابك ووعيك. فقد ظللنا قرنًا من الزمن على أنفسنا منغلقين، وكان يرهقنا طواغيت طائفيون، حتى منَّ الله علينا بتفكيك منظومة اللئام بعد أن سقط شهداء من طلابنا بعشرات الألوف، فهلّا أتيت إلى مساجدنا، لنسمع منك، وليسمع منك شيوخنا وقادتنا وأهل الرأي فينا؟

 

فقلت لهم:

 

— نعم، وألف نعم. لست إلا واحدًا منكم وإليكم، نسعى جميعًا في خدمة رسالة الإسلام العظيم، وإقامة العدل في هذه الديار المباركة التي أشار إليها النبي الأمين، فجاء إليها الصحابة والتابعون، واتخذوها دارًا للدعوة، ومسكنًا ومعاشًا، ومات كثير منهم فيها غير نادمين.

 

ثم قلت لهم:

 

— إن الشام أوسع من أن تختزل في جماعة، وأعظم من أن يحتكرها مذهب، وأكرم من أن تتحول إلى ساحة خصومة بين أبنائها. وما نحتاجه اليوم ليس أن ينتصر السلفي على الصوفي، ولا أن ينتصر الصوفي على السلفي، وإنما أن ينتصر الحق، وأن تنتصر الشام، وأن يجتمع أبناؤها على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وهو معنى الكلمة السواء.

 

وطرحت على الفريقين سؤالا كبيرا فسألتهم:

 

— هل اجتمع أهل الشام، من المسلمين ومن مختلف مدارس أهل السنة والجماعة ومذاهبهم، على كلمةٍ سواء؟

 

فأجابني أحدهم:

 

— نعم، لقد وحّدنا الخطاب الإسلامي في مؤتمرٍ جمعنا.

 

فقلت له:

 

— يا بني، لست أقصد هذا. فهذا، في أحسن أحواله، يحتل عنصرًا واحدًا من بين عشرة عناصر تُصاغ بها ملامح المشروع بصورة متكاملة. إنما أقصد بالكلمة السواء مرتكزاتٍ ناظمةً لمشروعٍ قويم، تنبع من تصوّرٍ واسعٍ وعميق، ولا يمكن أن تنضج إلا بالتباحث والتشاور مع أولي الأمر من أهل العلم والبصيرة.

 

ثم قلت مبيِّنا:

 

— وأعني بأولي الأمر هنا ما أشار إليه القرآن من أهل العلم والرأي والاختصاص، لا ما جرى في أذهان العوام من حصر المصطلح في الحكام وحدهم. فالمشروع الذي يراد له أن يبني بلدًا ويجمع أمةً لا يصاغ بمؤتمر عابر، وإنما يحتاج إلى علمٍ عميق، وتشاورٍ واسع، وبصيرةٍ بالواقع، واتفاقٍ على الأصول والغايات، ثم تحويل ذلك كله إلى عملٍ ومؤسساتٍ وسياساتٍ تحفظ للناس دينهم ودنياهم.

 

فقال أحدهم:

 

— وما هي هذه المرتكزات التي تقصدها؟

 

فقلت:

 

— هنا تبدأ الحكاية، وهنا تحديدًا ما جئت لأجله وكنت أريد أن أسبق الشيطان، وأن أجلس مع علمائكم ودعاتكم وأهل الرأي فيكم، لأن الشام لا تحتاج اليوم إلى أن نتفق فقط على أن الإسلام يجمعنا، بل تحتاج إلى أن نجيب معًا عن السؤال الأصعب:

 

ماذا يعني أن يجمعنا الإسلام في بناء دولةٍ ومجتمعٍ وأمة؟

 

فقال أحدهم بصوتٍ مرتفع:

 

— يا شيخ، بالله عليك، تعالَ لنجلس مع مشايخنا في مساجدنا.

 

وقال آخر:

 

— نعم يا شيخ، ننتظرك في مساجدنا، وبين علمائنا.

 

وحينها أدركت أن ثمّة طامّةً كبرى في الشام تحول دون الانتقال من وحدة الخطاب الإسلامي إلى وحدة الإطار الإسلامي، وهي أن للسلفيين مساجدهم، وللصوفيين مساجدهم، وأن أحدًا منهم لا يكاد يجالس الآخر في مجاله العلمي والدعوي ولا حتى الشبابي الكشافي والرياضي، بل ينفرد كل فريقٍ بأتباعه، ويصوغ لهم عالمًا مغلقًا لا يكادون يرون خارجه، حتى يصبحوا كالقطيع المميَّز بعلامة والمتشابه.

 

والأخطر من ذلك أن يتحول العالم أو الشيخ أو الإمام، في وعي أتباعه، من عالمٍ يُحترم ويُستفاد منه إلى مرجعيةٍ حصرية، يُظن فيها الكمال في العلم والصواب في كل اجتهاد، حتى يصبح نقد قوله أو مخالفته في مسألةٍ اجتهادية كأنه طعنٌ في الدين نفسه، وخروج من الولاء لشيخ الطريقة وإمام الجماعة إلى براء من دين الله.

 

وهنا أدركت أن المشكلة أعمق من اختلافٍ بين السلفية والتصوف، وأبعد من مجرد تعدد المدارس والمذاهب؛ إنها مشكلة الانغلاق داخل الدائرة الواحدة، وتحويل الاختلاف العلمي الطبيعي إلى قطيعةٍ اجتماعية ودعوية، بحيث يعيش المسلم مع أخيه في المدينة نفسها، وربما في الحي نفسه، لكنه لا يصلي معه، ولا يجلس إلى علمه، ولا يتحاور معه، ولا يعرف عنه إلا ما ينقله إليه أتباع فريقه، وهي جريمة كبرى اقترفها بعض علماء السلفية ومشايخ الطرق الصوفية، فصاغوا أتباعا قاصرين ومعاقين في المدرستين.

 

وفجأة، لمحتُ بين الجموع الشيطان الذي التقيتُ به في الطائرة.

 

فصرخت، فإذا به يلتفت بوجهه القبيح، ويرمقني بنظرةٍ سامة، متوعدا بإيماءاته أن لن أسمح بتوحيد صفوف المسلمين، وسأعود.

 

وفي صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت أذان الفجر في وسط دمشق. فتوضأت، وهرعت إلى المسجد الأموي الكبير، حيث عبق التاريخ المجيد، وحيث تشعر أن جدران المكان ما زالت تحمل شيئًا من أصوات العلماء والعبّاد الذين مرّوا من هنا عبر القرون.

 

وما إن فرغت من الصلاة والتسبيح والدعاء، حتى بدأت أصافح الناس عن يميني وشمالي، أسأل عن أحوالهم، وأستفسر عن أوضاعهم، وأتحاور معهم حول همومهم وما يشغلهم. واستمر بي الحال حتى صلينا الضحى.

 

ثم انطلقت أبحث عن المساجد التي يجتمع فيها العلماء وطلاب العلم، وعن حلقات الدروس ومجالس الفقه والحديث والعقيدة والتزكية.

 

وهناك كانت المفاجأة!

فبعد ثلاثة أيام من التنقل والسؤال والمجالسة والبحث، اكتشفت أن للسلفيين مساجدَ وحلقاتٍ يتعلمون فيها علوم الشريعة على أيدي علماء ومحدّثين وأئمة، وأن للمريدين من الصوفية كذلك مساجدَ ومجالس يتعلمون فيها العلم الشرعي، ويهتمون بالسلوك القلبي والأخلاق والتزكية بين يدي مشايخهم.

 

فقلت في نفسي: لعل هذا شأن دمشق وحدها.

 

فعزمت أن أتنقل بين عدد من المدن في الديار الشامية، لأرى الصورة على اتساعها.

 

فوجدت، في الجملة، أن أحوال أهل هذه الديار الطيبة على نحوٍ قريب من ذلك: حلقات علمية متميزة، ومنابر عامرة، ومجالس دعوية، لكنها في الغالب موزعة بين دوائر السلفية والأشاعرة، لكل مدرسة مساجدها، وعلماؤها، وطلابها، ومجالسها.

 

ولم أجد نشاطًا علميًا أو دعويًا أو طلابيًا جامعًا يجمع في حلقات العلم نفسها بين أتباع مدرسة الحديث والأشاعرة، أو يفتح المجال بصورة منتظمة للجلوس المشترك، والتباحث العلمي، والتعارف بين طلاب المدارس المختلفة، أو حتى نشاط رياضي مشترك بين روّاد المدارس المذهبية يكسر الحواجز القلبية.

 

وهنا انكشف لي جانب من سرّ ضعف أثر مؤتمر ووثيقة توحيد الخطاب الإسلامي، رغم جلالة مضمونه، ونبل مقصده، وصواب أهدافه.

 

فقد يكون الخطاب موحّدًا في المقال، ولكنه مغاير في واقع الحال، ودليل ذلك غياب بنية مشتركة بين أتباع المدرستين. وحينها أدركت أن وحدة الخطاب لا تكفي لتحقيق وحدة الصفّ، فالخطاب يحتاج إلى بيئةٍ تحتضنه، ومؤسساتٍ تحمله، وتواصل أخوي يجسّده، ومجالسَ تجمع المختلفين على العلم والحوار والعمل المشترك، الأمر الذي يفضي لتحوّل الوحدة في الخطاب إلى وحدة في الإطار.

 

وفي ليلةٍ حزينة، قررت أن أصعد مسرعًا إلى جبل قاسيون، لأستنشق شيئًا من هواء دمشق، وأرفع يدي إلى الله، أدعوه أن يفرّج الكرب، ويكشف الغمة، ويمكّن لدينه وشريعته في تلك الديار المباركة.

 

وإذا بي ألتقي مرةً أخرى بالشيطان نفسه الذي لقيته في الطائرة!

 

وما إن رآني حتى ضحك ضحكةً مستهزئة، وقال:

 

— أراك يائسًا الآن، بعد أن كنت متحمسًا في الطائرة!

 

فقلت له:

 

— إن المسلم لا ييأس، وإن القنوط من رحمة الله ينافي حسن الظن به، ونحن قوم لا نستقيل من العمل لله سبحانه وتعالى. وكلما واجهتنا الصعاب في الواقع، أو نزلت بنا الأحزان في القلب، لجأنا إلى الله، فوجدنا عنده من السكينة والطمأنينة والعزيمة ما لا يعرف طعمه أمثالك من أهل النار.

 

ثم قلت له:

 

— اذهب عن وجهي يا عدو الله! وخذ مني عهدًا: لن أغادر هذه الأرض حتى أبذل ما أستطيع في جمع عباد الرحمن من أهل الحديث والأشاعرة، في أطرٍ مشتركة، ودروسٍ شرعية وعلمية، ومجالسَ تجمعهم في المكان نفسه، ليتعارفوا ويتحاوروا ويتعاونوا على ما فيه خير للشام وأهلها وما يحقق تمكين الدين.

 

وأما أنت، فلن يكون لك مقامٌ ولا مستقرٌّ، بإذن الله، في تلك الديار المباركة، ما دام فيها مؤمنون صادقون يعرفون ربهم، ويحفظون أخوّتهم، ويقدّمون مصالح الأمة على عصبياتهم.

 

فاذهب إلى حيث ألقت بك الريح، فلا عون لك من الله، وإنما العون كل العون لعباده المؤمنين الصادقين.

 

إن من أعظم صور الانتصار على الشيطان أن يرى السلفي أخاه الأشعري في مجلس علمٍ واحد، وأن يرى الأشعري أخاه السلفي في ميدان إصلاحٍ واحد، وأن يتعاون الجميع على ما اتفقوا عليه، ويعذر بعضهم بعضًا فيما وسعهم فيه الاجتهاد.

 

وهناك، فقط، تتحول وحدة الخطاب الإسلامي إلى وحدة إطار إسلامي، ووحدة الإطار إلى وحدة عمل، ووحدة العمل إلى قوةٍ تحمي الشام من أعدائها ومن الفتن التي تتربص بها.

 

فهل سيسمع ندائي كرام علماء الشام ودعاتها والعاملون في طريق التمكين؟

 

وهل سنرى يوما من الأيام أحد علماء السلفية يخطب الجمعة في مسجد عبدالكريم الرفاعي بحضور المفتي وصاحب المنبر هناك الشيخ أسامة الرفاعي؟

 

وهل سنرى علماء ودعاة الأشاعرة يلقون محاضراتهم ودروسهم في مساجد ومجالس أهل الحديث والسلفيين؟

 

ندائي المتكرر لعلماء الشام من السلفيين والأشاعرة وللشيخ المفتي الرفاعي، أن يدعو كبار علماء السلفية ليحاضروا في مسجده الحالي، فيكسر بذلك معادلة الشيطان المتربع في سورية.

مضر أبو الهيجاء فلسطين، جنين 24/9/2026