الأحد، 1 نوفمبر 2026

لماذا تأخرنا؟ ومن أين يبدأ طريق النهضة؟

 لماذا تأخرنا؟ ومن أين يبدأ طريق النهضة؟


إن مأساة الأمة الإسلامية المعاصرة لا تتمثل في أنها نسيت أمجادها؛ فما أكثر ما نستحضر تاريخنا، ونفاخر بعلمائنا، ونستعيد صور الحضارة التي أضاءت قرونًا من عمر الإنسانية؛ وإنما المأساة أن تتحول الذاكرة إلى عزاء عن العجز، وأن نكتفي بسرد ما صنعه الأجداد بدلًا من أن نسأل عما نصنعه نحن؛ فالحضارات لا تعيش طويلًا على رصيد الماضي، ولا تستعيد مكانتها بكثرة الحديث عن مجدها، وإنما تتجدد حين تمتلك أسباب القوة، وتراجع أخطاءها، وتؤسس لمستقبل يستحق أن يرثه أبناؤها.

ولم يكن سؤال التأخر طارئًا على الفكر الإسلامي الحديث، ولا شاغلًا لمصلح واحد؛ فقد أقلق أجيالًا من العلماء والمفكرين الذين اختلفت مناهجهم، واجتمع همُّهم على البحث عن أسباب الوهن وشروط النهوض؛ فطرح الأمير شكيب أرسلان سؤاله الشهير في كتابه «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»، متتبعًا أثر الجهل والجمود والتفرق وضعف الإرادة.

وبحث مالك بن نبي في «شروط النهضة» عن القوانين التي تحكم نشوء الحضارات، وعن بناء الإنسان وفاعلية الأفكار وتنظيم الطاقات؛ ثم جاء الشيخ محمد الغزالي في «سر تأخر العرب والمسلمين» ليواجه اختلالات الحكم والفكر والتدين، وما أصاب العقل المسلم من اضطراب في فهم الدين وترتيب الأولويات.

وعلى اختلاف هذه المقاربات، فإنها تكشف أن سؤال النهضة ظل مفتوحًا عبر الأجيال، وأن أزمة الأمة لم تكن يومًا نقصًا في تشخيص الداء وحده، بل في قدرتها على تحويل الوعي بأسبابه إلى إرادة إصلاح، ومؤسسات فاعلة، ومشروع حضاري يملك أدوات المستقبل.

والسؤال عن تأخر المسلمين ليس اتهامًا للإسلام، ولا إنكارًا للإنجازات التي حققتها مجتمعات إسلامية في مجالات شتى، وفي عصور مختلفة؛ بل هو مساءلة للفجوة بين قيم نؤمن بها وواقع لم نستطع دائمًا أن نجسدها فيه؛ فكيف يتراجع العلم في أمة افتُتح وحيُها بالأمر بالقراءة، ويشيع الظلم حيث أُمر الناس بالعدل، وتُهدر الكفاءات في مجتمعات جعل دينها الأمانة شرطًا للولاية والمسؤولية؟

إن الإجابة لا تستقيم بإلقاء التبعة كلها على الخارج، ولا بتحميل الداخل وحده أوزار التاريخ؛ وإنما تبدأ بتشخيص يضع الأسباب في مواضعها، ويصل إصلاح الإنسان بإصلاح المؤسسات، ويقرأ الحاضر بعين تستشرف المستقبل.

حين نفقد شجاعة مراجعة أنفسنا
أولى عقبات النهوض أن نخلط بين قداسة الوحي وتصرفات البشر، وبين أحكام الشريعة وعادات المجتمعات، وبين الاعتزاز بالتاريخ وتبرير أخطائه؛ فالإسلام ميزان نقوِّم به واقعنا، وليس غطاءً نستر به انحرافاتنا، والتراث خبرة ننتفع بها، لا سلطة تمنعنا من السؤال والاجتهاد.

وقد قرر القرآن أصلًا عظيمًا في سنن الإصلاح: 
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)؛ وليس المراد أن تنفصل إصلاحات النفوس عن إصلاحات الأنظمة، بل أن التغيير الحضاري يحتاج إلى تحول في الوعي والقيم والسلوك، تصاحبه مؤسساتٌ عادلة وسياسات رشيدة.

ولا تعني محاسبةُ الذات تبرئةَ الاستعمار والاحتلال من جرائمهما، أو تحميل المظلوم مسؤولية ما يقع عليه من ظلم؛ وإنما تعني ألا نستسلم لتفسيرٍ يُعفينا من مراجعة أخطائنا، حتى لا يصبح الاعترافُ بقوة الخصم حجةً لدوام ضعفنا.

فساد الحكم حين يصبح إهدارًا للمستقبل

ليس الاستبداد مجرد اعتداء على الحقوق السياسية؛ إنه إفساد لموازين المجتمع، وإضعاف لثقته في العدل، واستنزاف لقدراته العلمية والاقتصادية؛ فحين تُقدَّم الولاءات على الكفاءات، ويُقصى الناقد ويُكافأ المادح، ويُعامل المال العام كأنه غنيمة، تصبح الموهبة عبئًا على صاحبها، ويغدو النفاق طريقًا مختصرًا إلى المناصب.

وقد جمع القرآنُ أصولَ الحكم الرشيد في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)؛ وجاء التحذير النبوي بليغًا: «إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»(1).

ومن ثَم، فإن الإصلاحَ المؤسسي ليس شأنًا إداريًّا هامشيًّا، بل ضرورة مقاصدية لحفظ الحقوق والثروات والطاقات؛ يبدأ بإعلاء الكفاءة، واستقلال القضاء، وشفافية القرار، والمحاسبة العادلة، وتهيئة بيئة يستطيع فيها الإنسان أن ينجح بعمله، لا بقربه من أصحاب النفوذ.

تعليم يكثر فيه الحفظ ويقل فيه الإنتاج
ومن أشد أمراض التأخر أن تنفصل المعرفةُ عن وظيفتها الحضارية؛ فتكثر الشهادات ولا يتناسب معها الإنتاج، وتتسع المؤسساتُ التعليمية دون أن تتجذر فيها ثقافةُ البحث، وتستغرق العقول في خصومات جزئية بينما تنتظر قضايا المجتمع من يدرسها ويعالجها.

وليس المطلوبُ إقصاء العلوم الشرعية والإنسانية لحساب العلوم التقنية، بل وصل هذه العلوم جميعًا بأسئلة الحياة، وتحقيق التكامل بينها؛ فالمجتمع يحتاج إلى من يفهم الإنسان وقيمه وتاريخه، كما يحتاج إلى من يطور دواءه وغذاءه وصناعته.

والعلاج يبدأ بإصلاح مناهج التعليم، وتحرير البحث من المحاباة، ورعاية المواهب، وربط الجامعات بمشكلات المجتمع، وتقديم جودة المعرفة على أعداد الشهادات؛ فالجامعة التي لا تعلم طلابها كيف يسألون وينقدون ويبتكرون، مهما ازدحمت قاعاتها، لم تؤدِّ رسالتها كاملة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تتضاعف المسؤولية؛ إذ لم تعد الندرة في الحصول على المعلومات، وإنما في القدرة على تمحيصها وتوظيفها، والتمييز بين الحقيقة والتضليل؛ ولهذا يصبح بناء العقل النقدي والأمانة العلمية من أهم استثمارات المستقبل.

تديُّن لا يثمر عملًا وعدلًا
ولا يكتمل التشخيص دون مواجهة خلل آخر؛ أن تنفصل مظاهر التدين عن مقاصدها الأخلاقية والعمرانية؛ فنحرص على بعض الشعائر، ثم نتساهل في الأمانة والإتقان وحقوق الناس، مع أن العبادة جاءت لتزكية الإنسان، وإصلاح علاقته بربه وبالمجتمع.

وليس العلاج في إضعاف الشعائر، وإنما في استعادة روحها وآثارها؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يربي التقوى، والزكاة تحقق التكافل، والإيمان الصادق يدفع صاحبه إلى الصدق والعدل وإحسان العمل.

ومن أخطر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن يتحول التوكل إلى انتظار بلا سعي، والرضا بالقضاء إلى قبول بالعجز؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»(2).

وهذه الكلمات النبوية ترسم منهجًا كاملًا: معرفة النافع، وطلبه بجد، والاستعانة بالله، ومقاومة العجز؛ فلا تعارض بين صدق الإيمان وإتقان الأسباب، بل إن تعطيل الأسباب باسم التوكل إساءة إلى حقيقة التوكل نفسها.

وحدة المصالح وقوة المؤسسات

ولا يجوز أن نغفل أثر التفرق والصراعات الداخلية، وما تُتيحه من فرص للتدخل الخارجي وإدامة التبعية؛ فالأمة التي تستنزف قوتها في خصوماتها، وتعجز عن التعاون في العلم والاقتصاد، تضعف قدرتها على حماية مصالحها ومواجهة التحديات.

وقد قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)؛ فالوحدة المطلوبة ليست إلغاءً للتنوع، ولا شعارًا يعلو في المناسبات، وإنما تعاون مؤسسي يحول الروابط المشتركة إلى مشروعات علمية واقتصادية وإنسانية، ويحفظ الاختلاف المشروع دون أن يسمح له بتبديد المصالح الكبرى.

المستقبل لا ينتظر المترددين

تدخل الإنسانية مرحلة تعيد فيها التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي وتحولات الطاقة والمناخ والأمن الغذائي رسم موازين القوة؛ ومن يكتفِ باستهلاك المعرفة سيجد نفسه أشد اعتمادًا على من ينتجها، ومن يؤخر إصلاح التعليم والإدارة سيورث أبناءه فجوات يصعب ردمها.

ومن هنا ينبغي أن ينتقل تفكيرنا من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد لها قبل حلولها؛ ببناء مراكز للدراسات المستقبلية، وربط السياسات بالبحث العلمي، والاستثمار في الإنسان، وتأهيل الشباب والفتيات لمهارات العصر، وتوسيع التعاون بين الجامعات ومؤسسات الإنتاج.

ولا يحمل الشباب وحدهم مسؤولية الإصلاح؛ فالدول والمؤسسات مطالبة بتوفير العدل والفرص والبيئات الحاضنة للكفاءة، لكن على الجيل الجديد أن يجمع بين رسوخ القيم ومرونة التعلم، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على المعرفة، وبين قوة التخصص وحسن التعاون.

إن أخطر ما يهدد الأمة ليس أن تتأخر في مرحلة من تاريخها، بل أن تألف التأخر حتى تراه قدرًا لا يُقاوَم؛ فالأمم قد تتعثر ثم تنهض، لكنها لا تنهض بالأماني، وإنما بوعي يكشف الخلل، وعدل يطلق الطاقات، وعلم ينتج الحلول، وإيمان يبعث على العمل.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: لماذا تأخرنا؟ وإنما ماذا سنغير في تعليمنا وحكمنا وأخلاقنا ومؤسساتنا حتى لا نورث أبناءَنا أسبابَ التأخر نفسها؟ فالمستقبل لا يُصنع بتمجيد ما كان، وإنما بإحسان ما ينبغي أن يكون.

الهوامش
1 رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، في صحيحه، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة (6496). 
2 رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، في صحيحه، كتاب القدر (2664).



شوف التاريخ!

شوف التاريخ!


مصطفى العبسي
كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية.


وصلتني الصورة مرتين في أسبوع واحد. صفحة من جريدة قديمة، ورقها أصفر، وعنوانها يتحدث عن نهاية العالم. 

وتحتها كتب أحدهما سطراً واحداً: "شوف التاريخ". 

التاريخ هو الجمعة، الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أي بعد أقل من أسبوعَين. اللذان أرسلا الصورة شخصان لا يعرف أحدهما الآخر، وكلاهما أضاف في النهاية وجهاً ضاحكاً. لا يريدان أن يبدوا جادّين أكثر من اللازم. وأحدهما لم يسأل عنّي منذ أشهر، ثم تذكّرني من أجل نهاية العالم.

أصل الحكاية ورقة علمية. في عام 1960، نشر الفيزيائي هاينز فون فورستر، مع باتريشيا مورا ولورانس أميوت، دراسة في مجلة "ساينس" العلمية. أخذوا تقديرات عدد سكان الأرض على مدى ألفَي سنة، ورسموا الاتجاه، وسألوا سؤالاً بسيطاً: ماذا لو استمر هذا النمو على حاله؟

أجابت المعادلة بما يشبه المزحة. عدد البشر يقترب من اللانهاية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. واللانهاية رقم لا يصلح للحياة ولا لجدول مواعيد.فقد عرف الباحثون أن النتيجة مستحيلة، وأن استحالتها هي الفكرة. هكذا تنتهي توقعات المستقبل حين نفترض أنّ الماضي سيكرّر نفسه إلى الأبد.

ثم فعلوا شيئاً سيدفع العالم ثمنه ستة عقود.

سمّوا الورقة "يوم القيامة: الجمعة 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2026". جمعة، و13. كان هذا نكتة. أتخيّلهم في المكتب وهم يختارون العنوان. وأحدهم يقول: ولماذا لا نجعلها الجمعة 13؟ ثم يضحكون ويذهبون إلى الغداء. ولم يكن في حسابهم أن مزحتهم ستُرسَل بعد ستة عقود في مجموعات واتساب. سافرت النكتة، وبقي الشرط الذي بُنيت عليه في مكانه.

بعد سنوات قليلة، عبرت الفكرة إلى الصحافة العربية. ثم مرّت عقود، وجاءت الهواتف، وصارت صورة الصفحة القديمة تتنقل بين المجموعات كأنها وثيقة سرّية أُفرج عنها قبل موعدها بأسبوعين. هكذا تخرج الأفكار من سياقها دون أن تفقد قدرتها على إخافتنا. وربما تزداد قوة كلما ابتعدت عن تفاصيلها، لأن ما يبقى في الذاكرة هو ما توقظه الحكاية فينا.

أما ما حدث فعلاً فأقل إثارة. تغيّرت معدلات الخصوبة. تغيّرت أنماط الحياة. وأخذ النمو السكاني طريقاً غير الذي رسمته المعادلة. تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024 تقول إننا بلغنا 8.2 مليارات نسمة، وقد نصل إلى نحو 10.3 مليارات في منتصف الثمانينيات من هذا القرن، ثم يبدأ العدد في الانخفاض. لا نهاية ولا لانهاية. ذروة ثم هبوط. وهذا عنوان لا يصلح لصورة تُرسَل عبر واتساب.

القلق على الموارد باقٍ. أما الموعد فلا. والذي يشغلني في هذه الحكاية هو السهولة التي ننتقل بها من احتمال إلى موعد.

في التواريخ المحدّدة راحة لا نعترف بها. الخوف من خطر له يوم أهون من الخوف من مستقبل مفتوح

في التواريخ المحدّدة راحة لا نعترف بها. الخوف من خطر له يوم أهون من الخوف من مستقبل مفتوح. في الأول نعدّ الأيام، ونراقب التقويم، وننتظر أن يمرّ الموعد كي نعود إلى حياتنا. أما في الثاني، فلا توجد أمامنا صفحة نطويها.

ونحن نفعل هذا بأنفسنا كل يوم على نطاق أصغر. نضع مواعيد لحياتنا كما وضع فون فورستر معادلته. ونؤجل. بعد هذا المشروع. حين تخف المسؤوليات. في السنة القادمة. نؤجل الراحة إلى موعد، والقرب ممن نحب إلى موعد، والأشياء التي كانت تمتعنا بلا مقابل إلى موعد. ثم نصل إلى الموعد، فنجد أن الحياة لم تنتظرنا في المكان نفسه. وأنا أكتب هذا، أتذكر أنني أؤجل كتاباً بدأته منذ أكثر من عقد من الزمن، وأضع له موعداً جديداً مع كل بداية سنة.

في يوم الجمعة، 13 من نوفمبر/تشرين الثاني، سيمضي اليوم كما تمضي الأيام. ستفتح المقاهي أبوابها. وستتأخر قطارات. وسيجلس أحدهم أمام نافذته يفكر في قرار لم يتخذه بعد. ومعظم الناس لن يلتفتوا إلى التاريخ أصلاً.

وفي اليوم نفسه، ستُنشر أرقام قتلى الصراعات كما تُنشر كل صباح. وستُوزع خيام في مكان لم يكن قبل ثلاث سنوات مخيّماً. وستبكي امرأة على رصيف لا نعرف في أي بلد. ولن يسمي أحد هذا نهاية العالم، لأنّ النهايات التي تحدث فعلاً لا تأتي بموعد، ولا يكتبها أحد في عنوان دراسة.

النهايات التي تحدث فعلاً لا تأتي بموعد، ولا يكتبها أحد في عنوان دراسة

العالم الذي ننتظر نهايته انتهى بالفعل عند كثيرين، دون أن يلتفت إليهم تقويم. وبين النهايات الكبيرة التي تحدث لغيرنا، والنهاية التي ننتظرها في التقويم، تمرّ نهاية ثالثة صغيرة وصامتة: أن تمرّ السنوات ونحن نعيش كأن الحياة الحقيقية ستبدأ لاحقاً.

العالم لا يحتاج إلى أن يبلغ اللانهاية حتى يعجز الإنسان عن العثور على مكانه فيه. يكفي أن ينشغل طويلاً بما سيحدث غداً.


مصطفى العبسي


كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية. يهتم في كتاباته بالتجربة الإنسانية في لحظات التحول، خصوصًا ما يتصل بالزمن، والهوية، والعلاقة بين الجسد والنفس. تجمع نصوصه بين الحس الأدبي والتأمل النفسي، وتركّز على الأسئلة الهادئة التي تطرحها مراحل النضج.  

وقفات مع آيات (40).. الداعية لا يلجأ إلى العزلة في السجن

وقفات مع آيات (40).. الداعية لا يلجأ إلى العزلة في السجن

د. مالك الأحمد

 قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.

في قصة يوسف أمر عجب؛ حين أُودع السجن ظلمًا، بعدما استعصى على المرأة التي راودته، ولم يطاوع رغباتها الآثمة.

في السجن يميل الإنسان إلى العزلة والانكفاء على الذات، حتى لو كان يستحق هذا العقاب، فما بالك إن كان بريئًا؟

كان يوسف يحمل رسالة، وقلبه مليء بالإيمان. عندما جاءه الرجلان ليسألاه عن الرؤيا، لم يتأفف ولم يعتذر بحاله، بل وجدها فرصة للدعوة وبيان حقيقة التوحيد والإيمان بالله. لم يجبهما مباشرة، بل بادر بدعوتهما إلى الحق، ثم فسّر لهما رؤياهما.

صاحب الحق والداعية يحمل رسالة الإسلام أينما حلّ. أعرف أحدهم منذ سنين طويلة، وقد أُودع الحبس لمخالفة مرورية، في زمن كان النظام فيه يقضي بالتوقيف يومًا وليلة. عندما دخل صاحبنا السجن، وجد عددًا كبيرًا ممن هم في مثل حاله، فبادر وقت الصلاة بإمامتهم، ثم صار يحدّثهم ويعظهم بعد كل صلاة، وفي أثناء الطعام يجيب عن أسئلتهم الدينية، خصوصًا أن أغلبهم من العامة. 

وعندما حان وقت خروجه في اليوم التالي، تمسّك بعضهم بتلابيبه، طالبين منه البقاء لمزيد من الاستفادة من علمه! ويتداول الناس قصصًا متعددة لبعض المسلمين ممن سُجنوا في أمريكا، وكان لهم جهد طيب في الدعوة، وأسلم على أيديهم عدد لا بأس به من المساجين.

المسلم، ولا سيما من آتاه الله شيئًا من العلم والفهم، يحمل رسالة الإسلام معه أينما حلّ. ليس بالضرورة أن تكون داعية متفرغًا، بل تكفي نصيحة هنا، وكلمة طيبة هناك، وتذكير في موضعه. أذكر أحدهم، لا يكاد يجلس في مجلس إلا ويوجّه الحديث إلى أمر نافع للحضور، دون تكلّف، ينفع إخوانه بما آتاه الله من علم وفهم.


حكومة أقلية مع الفلسطينيين

حكومة أقلية مع الفلسطينيين
يقول النائب الفلسطيني إن الأحزاب العربية مستعدة لدعم حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت، مؤكداً أن التعاون ضروري لإنهاء حكم نتنياهو.

النائب الفلسطيني أحمد الطيبي يحضر مؤتمراً صحفياً في تل أبيب،
 إسرائيل، 5 أكتوبر 2026 (عمار عوض/رويترز)

ديفيد هيرست

حث النائب الفلسطيني أحمد الطيبي زعيم المعارضة الإسرائيلية غادي آيزنكوت على إظهار الشجاعة السياسية والعمل مع الأحزاب العربية لإنهاء حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وفي مقابلة مع موقع "ميدل إيست آي" يوم الجمعة، دعا طيبي أيزنكوت إلى استحضار "شجاعة [رئيس الوزراء السابق] إسحاق رابين".

في عام 1993، اعتمدت حكومة رابين الأقلية المكونة من 56 مقعدًا على الأحزاب التي يقودها الفلسطينيون للحصول على الدعم البرلماني، وسط الضغط من أجل دفع اتفاقيات أوسلو.

قال طيبي، مؤسس وزعيم حزب "الحركة العربية للتجديد"، إنه لا يوجد مبرر ديمقراطي لاستبعاد التعاون مع الممثلين الفلسطينيين في الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، هذه المرة.

وقال طيبي: "آمل أن يكون آيزنكوت شجاعاً بما يكفي للمضي قدماً وتشكيل حكومة أقلية، الأمر الذي سينهي حكومة نتنياهو هذه على الفور".




تتشكل حكومة الأقلية عندما يمتلك الائتلاف الحاكم أقل من 61 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست. وتستمر هذه الحكومة من خلال تأمين اتفاق "شبكة أمان"، معتمدًا على تصويت الأحزاب الخارجية ضد اقتراحات حجب الثقة من المعارضة دون الانضمام رسميًا إلى مجلس الوزراء.

ينتمي حزب الطيبي إلى القائمة المشتركة، إلى جانب حزبين فلسطينيين آخرين هما الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) وحزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد). وقد فازوا مجتمعين بـ 11 مقعداً. كما حصل حزب الرعام الفلسطيني على ثمانية مقاعد، ليصبح مجموع مقاعد القائمتين 19 مقعداً، وهو رقم قياسي للأحزاب الفلسطينية في البرلمان.

وتعني هذه النتائج أنه لا يمكن لأي كتلة بقيادة نتنياهو أو كتلة بقيادة أيزنكوت أن تضمن أغلبية 61 مقعداً بدون أحزاب فلسطينية.

"نحن نفضل حكومة جديدة بقيادة آيزنكوت، كحكومة أقلية، ونحن على استعداد للمساعدة".

- أحمد الطيبي، عضو مجلس النواب الفلسطيني







قال طيبي إن استراتيجية القائمة المشتركة تتمثل في

 دعم أي شخص مستعد لإزاحة نتنياهو من منصبه

 وتمهيد الطريق لتشكيل حكومة بديلة.

رفض السياسي المخضرم مقترحات تشكيل حكومة

 وحدة وطنية. من شأن هذا الترتيب أن يجمع حزب

 الليكود بزعامة نتنياهو، وهو أكبر الأحزاب في

 البرلمان، مع أحزاب المعارضة لضمان الأغلبية، مع

 استبعاد شخصيات اليمين المتطرف مثل بتسلئيل

 سموتريتش وإيتامار بن غفير.

جادل طيبي بأن هذا سيسمح لسياسات نتنياهو

 بالاستمرار مع إعطاء زعيم سياسي آخر مهمة

 تقديمها بشكل أكثر ملاءمة للحكومات الغربية.

وقال: "نحن لا نحب حكومة الوحدة الوطنية، لأن أحد

 الجانبين سيواصل سياسته الوحشية، بينما سيساعده

 الجانب الآخر في تسويق هذه السياسة".

وأضاف: "نحن نفضل حكومة جديدة بقيادة آيزنكوت،

 كحكومة أقلية، ونحن على استعداد للمساعدة".

يبرز التصويت الفلسطيني كعامل حاسم في صنع الملوك

أشاد طيبي بالتصويت الفلسطيني ووصفه بأنه حاسم، قائلاً إن الإقبال غير المسبوق حال دون حصول نتنياهو على أغلبية أخرى.

فاز تحالف نتنياهو بـ 64 مقعدًا في انتخابات 2022، مما مهد الطريق لما وُصف على نطاق واسع بأنه أحد أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل. وقد فاز التحالف بـ 53 مقعدًا في انتخابات الثلاثاء.

شهدت الحكومة المنتهية ولايتها الإبادة الجماعية في غزة، والتهجير الجماعي والعنف في الضفة الغربية المحتلة، فضلاً عن سلسلة من الحروب الإقليمية. كما شهدت فترة حكمها تصاعداً في التمييز والتحريض ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

ينحدر المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل من السكان العرب الأصليين لفلسطين التاريخية. وقد نجت عائلاتهم من التهجير الجماعي والتطهير العرقي الذي تعرضت له فلسطين على يد الميليشيات الصهيونية عام 1948، وبقيت داخل الأراضي التي أصبحت فيما بعد إسرائيل.

يبلغ عددهم اليوم حوالي مليوني نسمة، وهو ما يمثل ما يقرب من خُمس سكان إسرائيل.

أشاد طيبي بالمواطنين الفلسطينيين الذين شاركوا في التصويت رغم كبر سنهم ومرضهم وصعوبة حركتهم، ووصف مشاركتهم بأنها إنجاز تاريخي.

وقال إن الأولوية العاجلة هي استخدام هذه المكاسب الانتخابية لإسقاط ما وصفه بحكومة نتنياهو الإجرامية وتحسين وضع المواطنين الفلسطينيين.

كما نفى طيبي مزاعم تمويل قطر لجهود تهدف إلى زيادة نسبة المشاركة بين المواطنين الفلسطينيين. ووصف هذه المزاعم بأنها ذات دوافع سياسية، وتوقع أن تتلاشى هذه الضجة سريعاً دون أن تؤثر على نتائج الانتخابات.

وقال: "بعد يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أيام، سيزول كل شيء. ستكون مشكلة بسيطة؛ ولن يكون لها أي تأثير على النتائج أو على العملية".

واتهم نتنياهو باستخدام هذه الادعاءات لترهيب الناخبين الفلسطينيين وتثبيط عزيمة آيزنكوت عن التعاون مع الأحزاب الفلسطينية.

دافع تيبي عن الإقبال الكبير على التصويت باعتباره عملاً من أعمال الدفاع السياسي عن النفس ضد العنصرية والتحريض.

كما رفض محاولات نتنياهو للتشكيك في شرعية التصويت العربي، مشيراً بدلاً من ذلك إلى مزاعم التمويل الأجنبي المحيطة بمكتب رئيس الوزراء نفسه.

وقال: "الطرف الفاسد الوحيد هنا هو رئيس الوزراء ومكتب رئيس الوزراء".

كما دعا طيبي أحزاب المعارضة إلى الإسراع في استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا، وهو نائب عن حزب الليكود. واتهم طيبي أوحانا بتحويل البرلمان إلى مؤسسة عنصرية وتأجيج العداء تجاه النواب الفلسطينيين.

قال طيبي: "لقد جعل أمير أوهانا الكنيست عنصرياً"، واصفاً إياه بأنه عامل رئيسي في تدهور العلاقات، لا سيما فيما يتعلق بالتمثيل الفلسطيني ومعاملته في البرلمان.

وحث أحزاب المعارضة على ترشيح بديل، متعهداً بأن النواب الفلسطينيين سيدعمون مرشحهم.

وقال: "إن أفضل خطوة عملية هي إقالة أمير أوهانا، رئيس البرلمان، والتصويت لمرشح المعارضة. يجب القيام بذلك دون تردد".

وقال طيبي إن مقاعد المعارضة البالغ عددها 67 مقعداً - بما في ذلك مقاعد الأحزاب الفلسطينية - تمثل أغلبية ديمقراطية.

وجادل بأن المواطنين الفلسطينيين، الذين يشكلون حوالي 20 بالمائة من سكان إسرائيل، لديهم حق مشروع في المساعدة على تحديد الحكومة المقبلة للبلاد.

هل نحن في عصر المهارات أم عصر الشهادات؟

هل نحن في عصر المهارات أم عصر الشهادات؟

الحبر الأصفر

أحمد عبدالرحمن العرفج


نعيشُ زمنًا يسألُ فيه سوقُ العمل: ماذَا تُحسِن؟ بينما يصرُّ بعضُنا على الإجابة: ماذَا درست؟ كأنَّ الوظيفة مقعدٌ في مجلسٍ، يتقدَّم إليه صاحبُ اللَّقب الأطول! وبين الحصولِ على الشهادةِ، وإجادةِ المهارةِ مسافةٌ لا يقطعُها حفلُ التخرُّج.

وللشهادة قيمتُها في التأهيلِ والبحثِ والمهنِ المتخصِّصة، لكنَّ الماجستير والدكتوراة قد يتحوَّلان إلى وجاهةٍ اجتماعيَّةٍ، أو تأجيل لمواجهة العمل. 
ومن يقول: أدرسهُما طلبًا للعلم، نذكِّره بقولهِ تعَالى: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا»؛ فالمعرفةُ أوسع من الجامعة، وأبوابُها الكتبُ والمكتباتُ والمنصَّاتُ ودروسُ المتخصِّصين.
وقد يحمل إنسانٌ ماجستيرًا في الرِّياضيَّات، ويعمل سائق أجرة؛ لملاءمة الفرصة ظروفه؛ فالاحتياطيُّ الفيدراليُّ بنيويورك يرصدُ خرِّيجين يعملُون بوظائف لا تتطلَّب شهادةً جامعيَّةً. المثالُ لا ينتقص من الرِّياضيَّات، لكنَّه يسأل عن الطَّريق بين المعرفة والعمل.
أما وقد قلنَا هذا، فنعود إلى المهاراتِ. 
ومن الحِكم المنسوبةِ إلى عليٍّ بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «قيمةُ كلِّ امرئٍ مَا يُحسِنهُ». 
وقيمتُكَ تحتاجُ برهانًا يتجاوز الورق: عملًا تنجزُه، ومعضلةً تحلُّها، وأثرًا يثبتُ قدرتَك على تحويل ما تعلَّمته إلى منفعةٍ يحتاجها النَّاسُ.
ومن الرسائل الجامعيَّة «ظاهرة الحزن في دواوين شعراء المعلَّقات: دراسة موضوعيَّة فنيَّة»، و«التَّراكيب العربيَّة البسيطة: دراسة نحويَّة - معلَّقة امرئ القيس أنموذجًا». لها قيمتها الأدبيَّة، لكن طالب العمل في تحليل البيانات، أو إنترنت الأشياء، أو التسويق بالذكاء الاصطناعيِّ يحتاج أدوات مهنته؛ فقد يعرفُ لماذا بكى الشَّاعرُ، ويجهلُ لماذا لا يشترِي الزبونُ!
وفي ٢٦ يونيو ٢٠٢٠، وقَّع ترامب أمرًا لتطوير التوظيف الفيدراليِّ بتقييم المهارات والكفاءة، وتقليص المؤهِّلات غير الضروريَّة، مع إبقاء المتطلَّبات التعليميَّة اللازمة. وأكَّد سموُّ وليِّ العهدِ الأميرُ محمد بن سلمان غاية «بناء اقتصادٍ متينٍ قائمٍ على المهارات والمعرفةِ، وأساسه رأس المال البشري».
ويتوقَّع أصحابُ العمل، وفق تقريرِ المنتدى الاقتصاديِّ العالميِّ لعام ٢٠٢٥، تغيُّر، أو تقادم ٣٩٪ من المهارات الحاليَّة بحلول ٢٠٣٠، وتتوقَّع ٧٠٪ من الجهات توظيف أصحاب مهارات جديدة، مع تصاعد الطَّلب على الذكاء الاصطناعيِّ، والبيانات، والأمن السيبرانيِّ. لكن تقرير هارفارد، وبرنينغ غلاس لعام ٢٠٢٤ يرصدُ فجوةً بين إعلان التَّوظيف بالمهارات وتطبيقه؛ فقد تغادر الشِّهادة الإعلان، وتبقى في رأس الموظِّف!
وللمهارة شاهد منزلي: عند التسرُّب تطلبُ سبَّاكًا، وعند العطل كهربائيًّا، ولا تسألهما عن الرِّسالة الجامعيَّة. وبحسب مكتب إحصاءات العمل الأمريكيِّ، بلغ وسيط أجور السبَّاكين ٦٣.٨٠٠ دولارٍ، مقابل ٥٠.٩٨٠ لجميع المهن، في مايو ٢٠٢٥، ويُتوقَّع نمو توظيف الكهربائيِّين ٩٪ بين ٢٠٢٥ و٢٠٣٥.
والفرق بين المعرفة والإجادة، كمن يؤلِّف خمسة كتب عن السِّباحة، ثمَّ يحتاج مَن ينقذه! الماءُ يختبرُ الذراعَ، والعملُ يختبرُ المعرفةَ.
حسنًا، ماذا بقي؟
بقي القول:
إذا أردتَ زيادةَ فرص توظيفِك، فابحث عمَّا يحتاجه السُّوقُ، ثمَّ تعلَّمه وأثبته بإنجازٍ، فالرَّغبة في لقبٍ لا تصنعُ طلبًا على صاحبهِ. والتعلُّم والتقدُّم كالمبتدأ والخبر، يكتملُ المعنى باجتماعِهمَا؛ 
لذلك نقول: تعلَّم حتَّى تتقدَّم.

الصوفية المعاصرة وكوارث الحرب على السنة والسلفية

الصوفية المعاصرة وكوارث الحرب على السنة والسلفية
عبد المنعم إسماعيل

السلفية هي تحقيق المثلية في الاعتقاد والعبادة والفهم والعمل والسلوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قال تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .

وهنا نقول هل أفعال الطرق الصوفية القبورية في الواقع المعاصر تتوافق مع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟
..
السلفية وتحقيق المثلية مع جيل الصحابة رضوان الله عليهم هي الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
...
التطبيل للتصوف القبوري ودعم الطرق الصوفية مرض خطير معدي ضرب الهاربون من رياض السنة والسلفية الشاملة التي تستهدف الإصلاح العقدي ثم التعبدي ثم الأخلاقي والسلوكي الشامل .
..
إن جريمة دعاة القبورية والصوفية المعاصرين هي تربية جيل من الناس لا يرون القدوة في الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ويذهبون إلى متاخري المذاهب الفقهية المخالفين للأصول التي جاء بها الأعلام متعللين بظاهر المذهب ويجعلوا منه سبب لمخالفة أهل الشريعة الإسلامية وعموم النصوص الصحيحة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
..
هل من العقل الفطري الاستسلام لمثل هوس القبورية الجدد في الواقع المعاصر ؟

ماذا لو تم عرض فتاوى القبوريين على علماء الأزهر امثال الشيخ على محفوظ صاحب كتاب الابداع في مضار الابتداع والشيخ عطية صقر رحمهم الله تعالى رحمة واسعة ؟؟
..
هل قامت دعوة الانبياء والمرسلين جميعا وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم على دعوة الناس الى الطواف بالقبور والاستغاثة بالمقبور؟
لماذا يأبى الصوفية والقبورية دعاء الله عزوجل باسمائه الحسنى والصفات العلى لله رب العالمين؟
لماذا يجعلون الدين والتوحيد هو طلب الشفاء ممن مات ويتركون الحي القيوم؟
..
ماذا يبقى من الإسلام إذا استسلم أهل السنة والجماعة حملة منهج السلفية الصالح لدعاة الصوفية وجميع الطرق البدعية والمدارس العلمانية؟؟

ماذا يبقى من التوحيد الخالص لله رب العالمين إذا توجه الناس إلى قبور الأنبياء والمرسلين والاولياء وعموم الاموات من ظنوا فيهم الصلاح ؟
كيف قبلت أو توافقت عقول المنتسبين إلى الدراسات الأكاديمية في جامعة الأزهر أو عموم المدارس والطرف الصوفية على الخضوع لمتوالية الفكر البدعي أو الباطني المخالف السنة المحمدية الصحيحة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟
كيف استسلم قادة الدراسات العقدية والتاريخية لاكاذيب ألدجل الصوفي حول شخصية البدوى أو الخميني أو عموم الوهم حول اكاذيب الطرق الصوفية القبورية المختلة التي ذكرها الشعراني في الطبقات حيث ذكر حكايات وقصص لا يتخيلها عقل ؟
...
القبورية والصوفية لا يكرهون السلفيين بل يكرهون النصوص الشرعية الموروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ويفهمون فهما محدثا لم يسبقهم إليه نبي أو رسول أو صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
..
فلم يرد في السنة المحمدية الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سال الله بحق خليل الله ابراهيم ابو الانبياء .
ولم يرد في السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سال الله بحق والديه .
ولم يرد في السنة أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين سالوا الله بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم بحق الرسول صلى الله عليه وسلم أو بجاهه فكل هذه أمور محدثة فلماذا ترك القبوريون سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وبدأوا هم في اختراع أدعية من عقولهم وكانهم اعلم بمراد الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
..
هل القبورية اعلم بمراد الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
..
هل القبورية اشد حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من امهات المؤمنين ؟
..
هل قامت أمهات المؤمنين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بما يقوم به القبورية عند القبور من بدع وضلالات؟
...
هل القبورية الجدد المعاصرين اعلم من أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين وعموم الصحابة رضوان الله عليهم؟
هل يدين القبورية المعاصرين باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والافعال ام أنهم يعتقدون إمكانية الخروج عن الموروث النبوي لمجرد هوس الحب الوهمي أو البدعي ؟

ماذا يبقى من الإسلام إذا تمكن الهوس القبوري والصوفي من عقول الجماهير المسلمة؟
هل يبقى مهابة لنصوص التوحيد الخالص لله رب العالمين؟
هل تبقى مهابة لنصوص السنة المحمدية وتطبيق الصحابة رضوان الله عليهم لها ؟

السلفية 
السيد البدوي 
الصوفية المعاصرة
عبد المنعم إسماعيل
 
..

"البيت" الذي لم يعد وطناً

 "البيت" الذي لم يعد وطناً

حلمي الأسمر

ليس سهلاً على إنسان أن يبيع بيته، فالبيت ليس جدراناً وسقفاً وعنواناً في سجل العقارات؛ إنه ذاكرة شخصية، وتفاصيل عمر، وأشياء صغيرة لا يعرف قيمتها إلا أصحابها. وحين يبيع الإنسان بيته، ويغلق الباب وراءه، ثم يعلن أنه لن يعود إلى المكان الذي كان يعدّه جزءاً من حياته، فإننا لا نكون أمام صفقة عقارية عابرة، بل أمام لحظة إنسانية تختزن معنى أعمق من الكلمات.

هذا ما فعله رون لاودر؛ الرجل الذي أمضى سنوات طويلة مرتبطاً بالكيان الصهيوني، أعلن أنه باع أو تبرع بممتلكاته كلها فيها، وأنه يشعر بمشاعر متضاربة تجاه بيع شقته في تل أبيب، قبل أن يقول عبارته الحاسمة: "ليست لدي أي نية للعودة إلى إسرائيل إطلاقاً". 

كان يقضي فيها أسابيع كل عام، لكنه قرر أن يقطع ما تبقى من روابطه العقارية بها. 

وهذه مفارقة تستحق التوقف: رجل لا يزال يعلن أنه صهيوني، وأنه يحب إسرائيل ويريد لها النجاح، لكنه لم يعد يريد أن يكون فيها، ولو زائراً.

ما ورد جاء في المقابلة الطويلة والمهمة التي نشرتها هآرتس في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وتناولت، علاقة لاودر القديمة بنتنياهو، وانهيار تلك العلاقة، والمفاوضات السرية مع سوريا، ومخاوفه من مستقبل إسرائيل وعلاقاتها بالولايات المتحدة والجاليات اليهودية في الخارج.

ولأن أهمية الموقف تتصل بمكانة صاحبه، لا بد من السؤال: من هو رون لاودر؟ إنه ليس من مؤسسي إسرائيل التاريخيين، لكنه واحد من أبرز وجوه النخبة الصهيونية الأمريكية. فهو دبلوماسي سابق عيّنه رونالد ريغان سفيراً للولايات المتحدة في النمسا، ورجل أعمال وفاعل في المؤسسات اليهودية الدولية، ويرأس المؤتمر اليهودي العالمي منذ عام 2007، كما تولى رئاسة الصندوق القومي اليهودي. وهو وريث إمبراطورية "إستي لودر للتجميل" وأحد أهم رعاة المشروع الصهيوني، أي أنه ليس مراقباً من خارج المشهد، بل شخصية نافذة في شبكة العلاقات السياسية والمؤسساتية التي دافعت عن إسرائيل وعملت على تعزيز مكانتها في العالم.

الأكثر دلالة أن لاودر لم يكن يوماً خصماً لنتنياهو؛ كان من المقربين إليه، وساهم في فتح قنوات سياسية له، بل حمل في التسعينيات ملف اتصالات سرية مع الرئيس السوري حافظ الأسد بحثاً عن تسوية بشأن الجولان. لكنه يقول اليوم إن نتنياهو تراجع عن المضي في الاتفاق، وإنه اختار حساباته السياسية على حساب فرصة للسلام. ومنذ ذلك الوقت، كما يروي لاودر، لم تعد علاقتهما كما كانت. هنا لا نتحدث عن خصومة تقليدية بين زعيم ومعارض، بل عن قطيعة بين رجل كان من داخل دائرة الثقة، ورئيس وزراء بات يُرى أن سلوكه أضر بإسرائيل ومستقبلها.

ويذهب لاودر أبعد من نقد نتنياهو؛ فهو يحذر من تراجع الدعم لإسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة وداخل أوساط يهود الشتات، ويتحدث عن خسارة الحزب الديمقراطي الأمريكي، وعن تآكل التأييد داخل الحزب الجمهوري أيضاً. قد لا يكون كلامه ممثلاً لكل يهود العالم، لكنه يصدر عن رئيس مؤسسة دولية واسعة العلاقات، يعرف من موقعه طبيعة التحولات في هذه البيئات. وحين يقول رجل من هذا الموقع إن إسرائيل تخسر حلفاءها، فإن كلامه يستحق أن يُقرأ بوصفه إنذاراً من داخل إحدى دوائر الدعم التقليدية لها.

وتأتي الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة لتضيف إلى هذه الصورة مؤشراً سياسياً واضحاً: كتلة نتنياهو حصلت على 53 مقعداً، والمعارضة على 48، فيما حصدت القوائم العربية 19 مقعداً، من دون أن يمتلك أي معسكر بمفرده أغلبية الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة. لقد تراجعت كتلة نتنياهو من 68 مقعداً في الكنيست السابق إلى 53، وباتت الحسابات الحكومية رهينة مفاوضات تكشف عمق الانقسام، كما تكشف المأزق الذي يواجه قوى ترفض التعاون مع الأحزاب العربية، لكنها تحتاج إلى أصواتها لتغيير موازين الحكم. الأسوأ أن نتنياهو ومعسكره يحاولان نزع الشرعية عن 20 في المائة من أصحاب حق الاقتراع في الكيان، وهم العرب، حيث يشن حملة مسعورة لإبعادهم عن دائرة التأثير، سواء في السلطة التشريعية (الكنيست) أو في تشكيل الحكومة، مدفوعا بحسابات شخصية ورعب على مستقبله السياسي والشخصي، دون أي نظر لمستقبل كيانه!

هكذا تتجمع أمامنا صورتان متكاملتان: رجل من قلب النخبة المؤيدة لإسرائيل يبيع بيته ويعلن أنه لن يعود، ومجتمع منقسم لا تستطيع انتخاباته أن تنتج أغلبية مستقرة، و"زعيم" يحارب من أجل حماية شخصه.لا تكفي أي من الصورتين وحدها للحديث عن انهيار وشيك، لكن اجتماعهما يكشف أزمة ثقة تتجاوز شخص نتنياهو وحكومته، وتمتد إلى سؤال أعمق عن طبيعة الكيان ومستقبله.

ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن فلسطين، فالاحتلال ليس ملفاً خارجياً يمكن إبعاده عن صورة إسرائيل في العالم، ولا الحرب على الفلسطينيين تفصيل يمكن تجاوزه في حسابات الشرعية والعلاقات الدولية. إن إصرار المشروع الصهيوني على الجمع بين السيطرة على شعب آخر، والحفاظ في الوقت نفسه على صورة الدولة الديمقراطية التي تحظى بتأييد العالم، يضعه أمام تناقض يتسع عاماً بعد عام. وغزة، بما كشفته من حقائق القوة والدم والدمار، جعلت هذا التناقض مرئياً أمام مجتمعات لم تعد تقبل الرواية القديمة بلا مساءلة.

قد لا يكون رحيل لاودر من إسرائيل هجرة بالمعنى التقليدي، وقد لا يمثل بداية موجة جماعية شاملة، لكنه يحمل دلالة تتجاوز صاحبه: حين يعلن رجل لا يزال صهيونياً أنه لا يريد العودة إلى المكان الذي يقول إنه يحبه، فإن السؤال لا يتعلق سبب بيعه بيته فحسب، بل عن الذي جرى لذلك "الوطن!" حتى صار البيت فيه، بالنسبة إلى واحد من أبرز داعميه، مكاناً يفضّل أن يبقى بعيداً عنه!

وبحسب ما عثرت عليه حتى الآن، لا يظهر أن رون لاودر أصدر تعليقاً مباشراً معلناً على نتائج الانتخابات، لكنه في المقابلة المنشورة قبل إجراء الانتخابات، حذّر من إعادة انتخاب نتنياهو، وقال إن إسرائيل ستخسر كثيراً إذا عاد إلى الحكم، وأعلن أنه لو اضطر للاختيار فسيؤيد غادي آيزنكوت. 

والأهم أن التغطية الصحفية التي أعقبت الانتخابات، أعادت نشر تحذيراته السابقة، لكنها لم تنقل عنه موقفاً جديداً من النتيجة أو من مأزق تشكيل الحكومة.

أخطر ما في الحكاية لا يتمثل في أن رون لاودر باع بيته؛ بل في أن "البيت" الذي ظل يدافع عنه طوال عقود لم يعد قادراً على إقناعه بالعودة إليه!