الاثنين، 28 سبتمبر 2026

عرض كتاب تجديد الخطاب الديني

 عرض كتاب تجديد الخطاب الديني



تنطلق دعوات تجديد الخطاب الديني؛ تحمل خبثا بحسب مصادرها يجب الحذر منه. وأما التجديد المشروع فمطلوب وله ضوابطه ومجالاته، وهو إحياء للدين وليس تبديلا له.

مقدمة

يختلف المقصود بمصطلح “تجديد الخطاب الديني” بحسب المصادر التي تقول به؛ فمصادر الغرب وأذنابه تعني به التحريف والانسلاخ مما جاء به رسول الله. بينما المقصود به شرعا إحياء ما اندرس وإقصاء البدع ونشر العلم وإقامة الحياة على وفق دين الله تعالى. ومن هنا اخترنا هذا الكتاب القيم لعرضه لتناله هذا الموضوع الحيوي.

اسم الكتاب: تجديد الخطاب الديني .. بين التأصيل والتحريف

المؤلف: الدكتور / الشيخ محمد بن شاكر الشريف

الناشر: مجلة البيان

الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ – ٢٠٠٥ م

عدد الأجزاء: ١

عدد الصفحات: ١٥٣

فكرة الكتاب

تدور فكرة الكتاب حول الإجابة عن مجموعة من التساؤلات:

ما معنى تجديد الخطاب الديني؟ وما مراد المتكلمين به الآن؟ ومتى كانت البدايات الحقيقية له؟ وما هي أهدافهم من وراء ذلك؟ وما هي وسائلهم لتحقيق تلك الأهداف، وما أثر ذلك على المسلمين في دينهم ودنياهم؟ وما هو مستقبل هذه الدعوة؟ وماهو دورنا نحن إزاء ذلك؟

محتويات الكتاب

مقدمة موجزة وفصلين: الأول التجديد من الناحية التأصيلية، الثاني التجديد من الناحية التحريفية.

الفصل الأول: التجديد من الناحية التأصيلية

يستهل الكاتب هذا الفصل بتعريف معنى كلمة “الجديد” لغويا واصطلاحيا، ويشير إلى أنه قد وردت في القرآن الكريم كلمة “الجديد”، في الحديث عن البعث بعد الموت، ويتبين له أن:

“تجديد الدين لا يعني تغييره أو تبديله، وإنما يعني المحافظة عليه”.

ويخلص إلى أن التجديد عملية إصلاحية وليس تخريبية؛ التجديد المشروع هو إعادة الدين إلى النحو الذي كان عليه في زمن النبوة، ويؤكد أن التجديد مطلوب شرعا وواقع قدرا..

أما طلبه الشرعي، ففيما جاء من التكليف بالعمل بما فيه وتبليغه للناس، وثمة آيات كثيرة تحث على التمسك بالدين والعمل به، فضلا عن أحاديث نبوية تشير إلى حاجتنا إلى الفهم والعمل، فالحفظ من غير فهم أو عمل به يضيع العلم، لذا يحتاج المسلمون إلى نشر علوم الدين والعمل بها، لا سيما وأن العلم ينقص بموت العلماء، مما يوقع في الجهل والضلالات ويؤدي إلى التهلكات، وبالتالي تعدد الفرق الدال على التباين الكبير في القدرة على الفهم الصحيح، مما يدل على الحاجة إلى التجديد من تلك الفرقة الناجية.

ضوابط التجديد المشروع

في مبحث آخر يتحدث الشيخ عن ضوابط التجديد المشروع، ومن أهمها:

١- صفات المجدد الحق، إذ من العبث أن يقوم بالتجديد أو من يدّعيه من لا تربطه بالدين إلا علاقة التضاد أو النقد له أو التهجم عليه، ثم يشرع في بيان هذه الصفات المؤهلة للتجديد المشروع.

٢- بيان الكتاب والسنة، والمقصود انطلاق التجديد من هذه القاعدة ومحكوما بها، فهُما حَوَيا بيان كل شيء.

٣- عموم الرسالة، فرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس عامة، شاملة للزمان كله وللمكان كله وهو الأرض جميعا.

٤- عصمة الأمة، من أن تجتمع على خطأ، فاتباع الإجماع يعصم من الوقوع في الخطأ في الفهم والاستدلال؛ وبالتالي فالتجديد مرتبط بموافقة الإجماع كما هو مرتبط بموافقة النصوص الشرعية.

٥- اتفاق الشرع الصريح مع العقل الصحيح.

٦- اتفاق الشرع الصريح مع المصلحة.

٧-  لا اختلاف في الشريعة، ولا تناقض، لأن الدين ليس من وضع البشر.

٨- الشريعة تُفهَم بلغتنا، فالتجديد المشروع هو الذي يتعامل مع الشريعة على أنها وحدة واحدة، فلا يأخذ البعض ويترك البعض الآخر، وينبغي أن يقوم على فهم الشريعة وتفسيرها، بلغة الضاد وأساليبها.

٩- تحقيق المقاصد الشرعية.

١٠- قبول الشريعة كلها.

ثم يتحدث عن أن “التجديد” ليس لفظا غريبا على لغتنا، ولا من مفردات العصر الحالي، بل هو لفظ أصيل في لغة العرب، وجاءت مادته في النصوص الشرعية.

حدود التجديد المشروع

ثم يذكر حدود التجديد المشروع في ثلاث دوائر رئيسية:

نشر العلم بين الناس، إزالة كل ما علَق بالدين مما ليس منه من أخطاء، التمسك بما ورد في الشرع كله والتقيد به.

ثم يعرض الكاتب لفوائد تجديد فهم الدين؛ كونه طريقة لحفظ الدين على صورته النقية بعيدا عن البدع أو الأقوال الباطلة التي نسبت إليه؛ وبذلك فهو دعوة المصلحين وعمل المخلصين ومنهاج المحافظين.

الفصل الثاني: التجديد من الناحية التحريفية

يستهل الكاتب هذا الفصل بالإشارة إلى وجود اتجاهين:

اتجاه ينادي به كما ورد في الفصل الأول وهم قِلة، وغالبيتهم من أهل الاختصاص، لكن صوتهم لا يسمع بسبب صخب الفريق الآخر؛ ذلك الاتجاه الذي ينادي بالتجديد، ويفهمه على أنه تغيير للمحتوى وليس تطويرا للأسلوب، ويرى أن التغيير يجب أن يطال أصول الدين وفروعه، ليتوافق ومتغيرات العصر. وتتجلى خطورة هذه الدعوة في إخضاع الدين للعقل البشري، مما يعرضه للتغيير المستمر، مما يفقد الأمة أهم مصادر عزتها، فتتحول إلى أمة بلا هوية ولا تاريخ، ولا دين، ذليلة تابعة، وهذا ما يتيح الفرصة لجمعيات التنصير التي تنشط في المجتمعات التي تجهل حقيقة الإسلام، فضلا عن قتل روح الجهاد في النفوس، والعبث بحاضر الأمة ومستقبلها، وإيجاد قطيعة مع السلف.

خطورة دعوة التجديد بصيغتها المحرفة

وبالنسبة للكاتب، فإن ما يقوّي خطورة دعوة التجديد بصيغتها المحرفة: مكانة المنادين بذلك، حيث تتاح لهم كل وسائل الإعلام، ثم مساندة الدول الصليبية لهم أدبيا وماديا، كذلك الضعف الشديد للمجتمعات المسلمة.

والمجددون المعاصرون مقلِدون، ويستندون على حالة الجهل والتخلف التي تتخبط فيها المجتمعات الإسلامية، وإن اتفق خطابهم ظاهريا ودعاوى الغيورين على الدين وأحوال الأمة، لكن الاختلاف بينهما يتجلى في الأساس الذين ينطلق منه المجددون المعاصرون، والمشروع التجديدي الذي يطرحونه؛ فهم يطمحون إلى تحويل الإسلام إلى نسخة من النصرانية المحرفة، ومشروعهم لا يحث على العلم للرقي بهذه الأمة، وإنما السعي إلى إلغاء أو تحوير بعض الأحكام الشرعية التي ينتقدها الغرب.

أما ملامح منهج التجديد العصري، فيمكن حصرها في تقدير العقل، العناية الزائدة عن الحد بالمصالح، تقديم الاجتهاد المقاصدي على الاجتهاد الشرعي التفصيلي، تعدد القراءات واختلافها، تاريخية الشريعة، الخروج على مصادر الحجة، اختراع علل الأحكام، التيسير والتخفيف، تقليل شروط الاجتهاد.

وهذا الاتجاه لكونه غير منضبط بقواعد صحيحة ينضوي تحته الكثيرون، ورغم ما يشيعون في خطاباتهم من قيم التسامح والحرية والاعتراف بالآخر، يتهمون الغيورين على الدين بالرجعية والظلامية والتزمت.

مراحل تحريف الدين في تاريخنا الحديث

وفي مبحث تشريحي هام، يقسم الشيخ محمد بن شاكر الشريف مراحل تحريف الدين في تاريخنا الحديث باسم التجديد والإصلاح إلى خمس مراحل:

١- البداية: كانت ظهرت مع بشائر القرن الثالث عشر الهجري، مع الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية، فدعوا إلى التقريب بين الأديان، وتفسير “الجهاد” على أنه دفاع عن الأوطان فقط، وإنكار جهاد الطلب، وتقديم شروح لبعض الأمور الغيبية من منظور العلم التجريبي، وبالتالي إنكار حقيقتها. وأطلق على هذه المرحلة “مدرسة الإصلاح” وشخصيتها الأبرز الشيخ محمد عبده.

٢- التغريب: وتبدأ تقريبا من الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري، والتغريب حركة فكرية قامت على اتخاذ الغرب النصراني قدوة في كل المجالات، ويمثله في الجانب الاجتماعي “قاسم أمين”، حامل لواء تحرير المرأة، وسياسيا الشيخ “علي عبد الرزاق”، وثقافيا الدكتور “طه حسين”.

٣- العصرانية: ظهرت مع منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وتدعو إلى قراءة جديدة للنصوص الشرعية، وإعادة تفسيرها، وفقا لمنجزات العصر العلمية والفكرية، ممّا يُفقدها قدسيتها.

ومن الأساليب المتبَعة في تمرير خطابهم التحريفي: الادعاء بأن العبرة بالقيمة والمضمون لا بالشكل والقالب (فهم يحاربون ستر المرأة جسدها وعفتها، وكذلك العودة إلى النظام السياسي الإسلامي).

ومن أساليبهم المتبعة: دعوتهم إلى الاجتهاد وترك التقليد، استحداث قواعد جديدة للفهم والاستنباط؛ الغرض منها وضع فقه تابع لمتغيرات الواقع المعاصر.

ثم هناك الدعوة إلى التعددية (الهدف منها إهدار الأحكام الشرعية المتعلقة بعلاقة المسلم بالكافر وإلغاء الفروق بينهما، لذا يروج المجددون في كتاباتهم لفظ “الآخر” بدل الكافر، والجانب الآخر للتعددية هو استدعاء النموذج الديموقراطي الغربي، وتصديره لبلاد المسلمين والتبشير به). وأخيرا، ادعاؤهم بأن الأحكام الشرعية تتغير بتغير الزمان.

٤- العولمة: بعد انهيار المعسكر الشرقي، في نهاية ثمانينات القرن العشرين، وانفردت أمريكا بقيادة العالم، وروَّجَت مصطلح “العولمة”، لصهر كل الشعوب في منظومتها الفكرية والثقافية والأخلاقية. وفي ظل صخب صوت العولمة الهادر، سيبدأ النداء بقوة بالدعوة لتجديد (تحريف) الخطاب الديني، بدعوى أنه لن يعود لأي شعب هوية ذاتية أو استقلال فكري وحضاري وثقافي.

علمنة المناهج التعليمية وخطورته

أما أخطر الوسائل المتبعة لتجديد الخطاب الديني في ظل العولمة، فهي تحوير المناهج التعليمية وعلمنتها، تزييف التاريخ، وحذف بعض الآيات والمواضيع نهائيا من المقررات المدرسية، ومساهمة بعض الأمريكيين في تعديل المناهج، بالإضافة إلى التضييق على المدارس والمعاهد الدينية، واستخدام القروض والمنح في الترغيب والترهيب.

فالمطلوب من المناهج التعليمية ـ حسب المفهوم العولمي ـ أن تخدم مفهوم السلام العالمي، وألّا تقدم الإسلام كدين متميز عن باقي الأديان المحرفة. كما يتم استخدام وسائل الإعلام وخطبة الجمعة، ولأن هذه الأخيرة أقوى تأثيرا من كل وسائل الإعلام، تحدد نوعية الخطب، وتنتهج سياسة “تجفيف المنابع”؛ منابع التدين عند الناس، فتفصل الدين عن الحياة، وتركز على الشعائر التعبدية والأخلاق والسلوكيات الحسنة والعلم الدنيوي، ويمنع الخطباء للتعرض لكفر اليهود والنصارى، وكشف تحريفات كتبهم المنزلة. كما تجرى دورات تدريبية مكثفة للخطباء لتعريفهم بمتطلبات تجديد/تحريف الخطاب الديني، وبعضها يتم في الولايات المتحدة الأمريكية. ويتم إغراق الناس بالنتاج الفني، الذي يحرض على الوقوع في الرذيلة والتفسخ الأخلاقي، ويساعد على ذلك الوضع الاقتصادي المتردي وتأخر سن الزواج.

٥- فرض التجديد (التحريف) بالقوة: في هذه المرحلة الأخيرة، لجأت أمريكا وحلفاؤها الصليبيين إلى توفير الدعم السخي للمتعاونين معهم من المسلمين، فتتغاضى عما ترتكبه حكومات البلدان الموالية لها في حق شعوبها.

وقد لجأ الصليبيون إلى فرض التغيير بالقوة، والتهديد تارة وباستخدامها تارة أخرى.. للحيلولة دون نشوء جيل جديد يتمسك بفهم السلف الصالح للدين. تدفعهم عدة عوامل إلى ذلك منها: انهيار توازن القوى وانفراد أمريكا بالقوة، طول الطريق وبطؤه، والتي قد تمتد عقودا أو قرونا، والخوف أثناءها من استعادة الأمة الإسلامية عافيتها، ثم هناك وجود معوقات حقيقية منها طبيعة الإسلام العصية على التحريف، ووجود فئة قيض لها الله عز وجل حفظ الدين. كذلك ضعف الأمة العربية والإسلامية، الاستعجال الشديد لإحداث التغيير، واستغلال أحداث “الحادي عشر من سبتمبر” للإعلان عن حقدهم على المسلمين، والترويج لمصطلح “الإرهاب” وإلصاقه بالإسلام والمسلمين. وشنت الحرب الشرسة على الإسلام، وحورب في المدارس والمساجد، بالاستعانة بالأئمة المضللين، لأنه دين يفرخ الإرهابيين، حسب المفهوم الأمريكي.

وتتمثل دوافعهم في إزالة العوائق أمام الخطط الاستعمارية، الاستعداد والتجهيز للمعركة الفاصلة، إيقاف مقاومة العولمة، والاستمرار في الانفراد بقيادة العالم، مع نهب ثروات البلدان وسرقة خيراتها.

والهدف الرئيس إفقاد الإسلام خاصية ثبات الأحكام الشرعية، التمكين للحداثة والعلمانية، وضمان عدم عودة الإسلام إلى موقع الريادة، وتمكين الجمعيات والمؤسسات التبشيرية من العمل في بلاد المسلمين، مع فرض هيمنة الثقافة الأمريكية.

وهذا ما يؤكده انطلاق هذه الدعوة بقوة مع إعلان أمريكا الحرب على بعض البلاد الإسلامية، مما يدل على وجود علاقة بين الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني والحرب الأمريكية الصليبية على الإسلام والمسلمين، والدعوى بأن تجديد الخطاب الديني علاج للتطرف والإرهاب.

ويهدف المشروع الأمريكي لتطوير الخطاب الديني إلى عزل الإسلام عن الحياة وتكريس العلمانية في بلاد المسلمين، وربط ذلك التجاوب بالمعونات الأمريكية.

الخاتمة

مستقبل دعوة التجديد

في خاتمة كتابه، يتفاءل الكاتب بأن هذه الدعوى ستُطوَى كغيرها من الدعوات الباطلة لما حوَتْه من فساد ذاتي، ويرى أن خطرها يستفحل إذا ما التزمت بها الدول، وحاولت فرضها بالقوة، ومَنَعت أهل العلم من بيان فسادها، وترَكَت تلك الدعوة تعرض نفسها في سوق الفكر والثقافة.

دور المسلمين في مواجهة التجديد التحريفي

رأى أنه على كل مسلم بحسب وضعه ومكانته وتخصصه دور في مقاومة هذا الاتجاه، ويدعو أصحاب القرار السياسي إلى الصمود والمقاومة، والحرص على تلاحم الشعوب.

المصادر:
  • تجديد الخطاب الديني.. بيرابط ن التأصيل والتحريف.
  • قراءة في كتاب “تجديد الخطاب الديني.. بين التأصيل والتحريف” لمحمد بن شاكر الشريف / هشام بن الشاوي.
رابط تحميل الكتاب كاملا
تجديد الخطاب الديني .. بين التأصيل والتحريف

نتنياهو يقاضي أردوغان.. وقاحة أبعد من تكتيك انتخابي

 نتنياهو يقاضي أردوغان.. وقاحة أبعد من تكتيك انتخابي

د.سعيد الحاج
"الأمر لا يرتبط بنتنياهو وحده، وإنما يتعلق بالرؤية الأمنية الجديدة لدولة الاحتلال"-

قالت وسائل إعلام "إسرائيلية" إن رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو وجّه فريقاً مشتركاً بين عدة وزارات إضافة لمدير قسم القانون الدولي في وزارة العدل؛ "بإعداد ملف قانوني شامل" ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وذكر الخبر أن الملف القانوني سيركز بشكل أساسي على اتهامات لتركيا بخصوص سياساتها تجاه الأكراد، إضافة لـ"علاقاتها بحركة حماس ودعمها المالي" للحركة الفلسطينية.

وليس واضحاً بعد كيف وأين ستستخدم حكومة الاحتلال هذا الملف القانوني ضد أردوغان، لكن بعض التقارير ذكرت أنها ستدرس تفعيله ضد أردوغان في المحافل الدولية، وربما أمام محكمة الجنايات الدولية، مباشرة أو عبر طرف ثالث.

يأتي هذا التحرك من نتنياهو وحكومته بعد ساعات من خطابه من على منبر الأمم المتحدة والذي هاجم في أردوغان بشدة، واصفاً إياه بـ"الطاغية" الذي "يستضيف قادة حركة حماس الإرهابية"، إضافة "لاستهداف الأكراد وسجن المعارضة والصحافيين"، ومتهماً تركيا بأنها "أحدث دولة أصبحت بؤرة لنشر الأكاذيب المعادية للسامية".

العامل الانتخابي لا يكفي لوحده إطاراً تفسيرياً للهجوم، لا سيما حين يتعلق الأمر بملف قانوني يحتمل تفعيله أمام المحاكم الدولية، وليس مجرد صورة معلقة أو خطاب سياسي


وقد ردت أنقرة عبر دبلوماسي تركي برتبة سكرتير ثالث في وزارة الخارجية (في تعمّد واضح للتقليل من شأنه)، أكد على أن هجوم نتنياهو على تركيا وأردوغان يمثل "محاولات يائسة وفارغة تهدف للتغطية على حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة والعدوان المستمر في الضفة الغربية المحتلة ولبنان وسوريا ومناطق أخرى".

أول ما يتبادر للذهن من هذا الهجوم ثم الملف القانوني هو استخدام نتنياهو له في سياق حملته الانتخابية، حيث بنى جزءاً منها على أن من يرغبون بخسارته الانتخابات هم "أعداء إسرائيل"، من قبيل المرشد الأعلى الإيراني والرئيس التركي وعمدة نيويورك والأمين العام لحزب الله اللبناني، وهو ما كثّفته صورة كبيرة رفعت في تل أبيب. ويركز نتنياهو على الرئيس أردوغان بشكل أكبر، موجهاً له اتهامات من قبيل دعم الإرهاب (الممثل في حماس والفصائل الفلسطينية وفق ادعائه) والانتماء للإخوان المسلمين إضافة لمعاداة السامية وكره اليهود.

بيد أن العامل الانتخابي لا يكفي لوحده إطاراً تفسيرياً للهجوم، لا سيما حين يتعلق الأمر بملف قانوني يحتمل تفعيله أمام المحاكم الدولية، وليس مجرد صورة معلقة أو خطاب سياسي.

السبب الثاني الذي لا ينبغي إغفاله يتجاوز نتنياهو نحو دولة الاحتلال، التي تحتاج لتماسك جبهتها الداخلية إلى البحث الدائم عن عدو جديد، وهو ما أشار له وزير خارجية تركيا هاكان فيدان حين أكد على أن "إسرائيل ستبحث عن عدو بعد إيران" وأن هذا العدو سيكون سوريا ثم تركيا.

ثم هناك مبدأ "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، لا سيما إذا ما اقترن بالكذب والافتراء، وهو أسلوب "إسرائيلي" دائم ومتكرر ومقترن بمبدأ الإنكار. في هذا السياق يمكن فهم هجوم نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة على دول مثل فرنسا وبريطانيا بأنهما "من صكتا مصطلح الاستعمار" لنفي هذه التهمة عن "إسرائيل"، واتهام تركيا بارتكاب إبادة ضد الأرمن في معرض نفي ارتكاب حكومته الإبادة في غزة، وهكذا.

الأهم أن الأمر لا يرتبط بنتنياهو وحده، وإنما يتعلق بالرؤية الأمنية الجديدة لدولة الاحتلال بعد السابع من أكتوبر 2023 (حين تداعت النظرية السابقة)، والتي تهدف لوأد التهديدات قبل نشوئها، والتي ترى -حين تدمج مع بعض عناصر النظرية السابقة- أن كل دولة قوية ومستقرة في المنطقة هي بالضرورة منافس، وكل منافس هو بالضرورة خصم، وكل خصم هو تهديد ينبغي مواجهته مباشرة.

ومن هذا المنطلق انتقلت "إسرائيل" سريعاً من مربع التحريض والتهديد، إلى نسج التحالفات المحاصرة لتركيا، ثم إلى استهداف مصالح الأخيرة ووجودها في سوريا كما حصل في مطار أبو الظهور العسكري مؤخراً.

مشكلة تركيا والمنطقة وربما العالم ليست فقط في نتنياهو ومعه، بل في العقلية الدموية المتطرفة والعدوانية العابرة للأحزاب والتيارات السياسية في "إسرائيل"، والتي هي في نهاية المطاف انعكاس لحالة التطرف الجامح التي وصلها المجتمع "الإسرائيلي"


واللافت أن تركيا، وإن وضعت جزءاً من هذه التوجهات في إطار الدعاية الانتخابية لنتنياهو لمنع خسارته الانتخابات، ولذلك تضبط نبرة ردات فعلها عليه كي لا تخدم مساعيه، إلا أنها تأخذ هذه التهديدات والاستهدافات على محمل الجد كما أكد فيدان مؤخراً. بل إن الأخير لم يستبعد أن تلجأ "إسرائيل" لمهاجمة تركيا مباشرة في المستقبل، حين أكد -في معرض رده على سؤال حول هذا الأمر- على أن "من يقودونها مجانين".

وأخيراً، من المفيد التذكير بأن هذا الهجوم على تركيا وأردوغان، كما الإبادة والعدوان في المنطقة، ليس حكراً على نتنياهو ولا حتى على ائتلافه الحكومي فقط، بل تشاطره أركان المعارضة الرأي والموقف. فنفتالي بينيت، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبرز رموز المعارضة اليوم، هو الذي كتب مقالاً حرض فيه على تركيا من باب أنها "أخطر على إسرائيل من إيران"، وأن مواجهتها أصعب من إيران بسبب قوتها وعلاقاتها الغربية وعضويتها في حلف الناتو، وهو ما يتناغم إلى حد كبير مع حديث نتنياهو عن مواجهة "المحور السني الناشئ مع المحور الشيعي المتداعي".

هذه الوقاحة، التي يتحمل جزءاً من مسؤوليتها من أتاح لمجرم الحرب نتنياهو منبراً يخاطب به العالم من الأمم المتحدة، والذي قاطعه معظم العالم للمفارقة، إنما هي تعبير عن حالة الغطرسة والإنكار التي تعيشها دولة الاحتلال بعد سنوات من الإبادة والعدوان على عدة دول عربية وتهديد غيرها من دول المنطقة بلا حسيب أو رقيب.

إن مشكلة تركيا والمنطقة وربما العالم ليست فقط في نتنياهو ومعه، بل في العقلية الدموية المتطرفة والعدوانية العابرة للأحزاب والتيارات السياسية في "إسرائيل"، والتي هي في نهاية المطاف انعكاس لحالة التطرف الجامح التي وصلها المجتمع "الإسرائيلي" اليوم ومرشّح لأن يستمر مستقبلاً لأمد غير قصير.

x.com/saidelhaj


قبيلة بن لاكن يخربون المحاسن..!

قبيلة بن لاكن يخربون المحاسن..!

فائدة حرف "لكن" الأساسية هي الاستدراك، أي منع الفهم الخاطئ أو إزالة التوهم بعد الكلام السابق.

نعم؛ "لكن" حرف من حروف اللغة، ولكن قبيلة "بن لاكن " اللغوية، قاموا باستغلال هذا الحرف، لكي يمرروا نقل المعاني من حقل الإيجابية إلى حقل السلبية، وحتى تتضح الأمور إليكم هذه الأمثلة الستة:

أولاً: طلب مني أحد الجيران أن أشتري له بعض المقاضي، وعندما اشترينا وانتهينا ؛ جاء وشكرني وقال: يا أحمد؛ شكراً لك ، لكنني لم أشتر كل ما أحتاج من المقاضي.!

"لاحظوا كلمة "لكن". !

ثانياً: كنت ذات مرة أصور و أتمتع في زيارة المدينة المنيرة على ساكن ثراها الصلاة والسلام، فقال لي أحدهم: رحلة سعيدة يا أحمد في المدينة، ولكن لو كانت في مكة لكانت أفضل.!

ثالثاً: كنت في مرة من المرات أصور و أقرأ في كتاب "حياة قلم" للعقاد، فأرسل لي أحدهم وقال:

يا أحمد؛ القراءة جميلة .. ولكن لو تنشغل بقراءة القرآن لكان أفضل لك.!

رابعاً: كنت مرة في سطح منزلي بجُدة بضم الجيم، فقال لي أحدهم:

يا أحمد؛ سطوحك ممتع .. ولكن لو وضعت فيه بعض الزرع لكان أكثر جمالا .!

خامساً: كنت أتجول ذات مرة في حي البطحاء العريق بعاصمتنا الحبيبة الرياض فقال لي أحدهم: يا أحمد؛ هذا الحي جميل .. ولكنه شعبي وفيه عمالة كثيرة.!

سادساً: كلما تجولت في شوارع جدة بضم الجيم، كتب لي أحدهم: يا أحمد؛ جدة مدينة ساحرة .، ولكن الرطوبة تفسد هذا السحر.!

🔴 بالله عليكم تأملوا هذه الجمل، و كيف أن المعنى الثاني ينسف المعنى الأول.

لقد كان صديقي "بكر أبو دمعة" من قبيلة "بن لكن" ؛ لأنني كلما قلت له: يا بكر؛ إنني بحاجة إلى مبلغ مالي ، فهل من الممكن أن تقرضني هذا المبلغ قرضة حسنة لمده شهر..!؟

في هذه الحالة ؛ ينظر اليّ نظرة كلها ابتسامة ويقول:

"والله يا أحمد؛ نفسي أخدمك، وأنا أحب أساعدك وأساعد المحتاجين، لكن ما عندي.

والزبدة هنا هي "لكن ما عندي".!

و أخيرا ؛ لقد قال الانجليز في أمثالهم:

Give me after but

بمعنى "اعطني ما بعد لكن".!

لأن أي كلمات قبل لكن ؛ هي مجرد منصة للركوب عليها، من أجل هدمها، فمثلاً من يمدحك ثم يقول: "لكن" ركز على ما بعد لكن ؛ لأنه هو المراد، أما ما قبلها فهو تمهيد لنقض الكلمات التي وردت قبل " لاكن" .!

#قاله_العرفج

كتابات د. عبدالوهاب المسيري

 كتابات د. عبدالوهاب المسيري

د.عبد الوهاب المسيري

الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، مفكر عربي إسلامي




الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله







الشرق الأوسط الجديد في التصور الأميركي الصهيوني







المُجَاملةُ شيءٌ، والنِّفاقُ شيءٌ آخر!

  نقطة نظام

 المُجَاملةُ شيءٌ، والنِّفاقُ شيءٌ آخر!

في بيت النبي

أدهم شرقاوي




الأخلاقُ ليست امتحانًا مع الأحبّةِ فقط، ولا تظهرُ المروءةُ حين تكونُ النُّفوسُ متآلفةً سهلةً، إنّما يُعرَفُ جوهرُ الإنسانِ حين يلقى من لا يودُّه، ويُخالطُ من لا يستريحُ إليه، فتكونُ القيمُ أقوى من الانفعالِ، والحكمةُ أسبقَ من الرغبةِ في الرَّدِّ.

وفي مدرسةِ النبوّةِ لم تكنِ الأخلاقُ ردَّ فعلٍ، بل اختيارًا واعيًا يُدارُ به الموقفُ، وتُصانُ به الجماعةُ، ويُغلَقُ به بابُ الشَّرِّ دونَ أن يُفتَحَ بابُ الإساءةِ!

كان النَّبيُّ ﷺ يومًا جالسًا في بيتِ عائشةَ رضي الله عنها، فاستأذنَ رجلٌ في الدُّخولِ عليه، فقالَ: ائْذَنوا له، بئسَ أخو العشيرةِ!

فلمّا دخلَ عليه ابتسمَ في وجهِه، وألانَ له الكلامَ، فلمّا غادرَ الرَّجلُ قالتْ له عائشةُ: يا رسولَ اللهِ، حين استأذنَ عليك قلتَ الذي قلتَ، ثمّ تبسَّمتَ له وانبسطتَ إليه!

فقالَ لها: يا عائشةُ، متى عهدتِني فحّاشًا؟ إنَّ شرَّ النّاسِ عندَ اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ مَن تركَه النّاسُ اتِّقاءَ شرِّه!

خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 6131


كلُّ كلامِه حكمةٌ، وكلُّ موقفٍ له درسٌ، وكلُّ لحظةٍ من لحظاتِ عمرِه يجبُ أن تُدوَّنَ بحبرٍ من ذهبٍ على صحائفَ من فضّةٍ؛ هو الرَّجلُ الذي لا يوجدُ منه في تاريخِ البشريّةِ إلّا نسخةٌ واحدةٌ، وهذه حكمةٌ أُخرى، ودرسٌ آخرُ، ولحظةٌ يجبُ أن تُدوَّنَ!


هذا درسٌ بليغٌ في المُداراةِ، ويخلطُ السَّاذجونَ بين المُداراةِ والنِّفاقِ، وهذا خلطٌ مذمومٌ، وفهمٌ عقيمٌ لأدبيّاتِ التَّعاملِ مع النّاسِ.


هناك تصرّفاتٌ متشابهةٌ قد تبدو للوهلةِ الأولى متطابقةً، ولكن إذا ما تأمّلناها بعينِ ألفَراسة بدا لنا البونُ شاسعًا، وأنَّ بينهما شَعرةً رقيقةً؛ يا لحظِّ من أدركَها فقد فهمَ الحياةَ.


إنَّ مَن يخلطُ بين المُداراةِ والنِّفاقِ كمن يخلطُ بين البخيلِ والاقتصاديِّ، وبين الجبانِ والحَذِرِ، وبين المتهوّرِ والشُّجاعِ، وبين الوقحِ والجريءِ، وبين المُبذِّرِ والكريمِ.


قد يمنعُك ظرفٌ ما أن تقولَ للظّالمِ إنَّه ظالمٌ، وهذه مُداراةٌ، ولكنَّ النِّفاقَ أن تُصفِّقَ لظُلمه!


عدمُ قولِ الحقِّ لا يعني الرِّضا بالباطلِ، والرِّضا بالباطلِ هو التَّصفيقُ له، والشَّدُّ على يدِ أهلِه، على أنَّ الأصلَ هو قولُ الحقِّ، ولكنَّ اللهَ أعلمُ بظروفِ العبادِ.

والأهمُّ من هذا كلِّه: 

احذرْ أن تكونَ أنتَ بئسَ أخو العشيرةِ!

أن يُداريَك أبواكَ وينتقيا كلامَهما معك خوفًا من سلاطةِ لسانِك، وسوءِ طبعِك، وقلّةِ أدبِك!

وأن تُداريَك زوجتُك لطولِ يدِك!

وأن يُداريَك أولادُك لسوءِ خُلُقِك!

وأن يُداريَك جارُك لأنَّه يعرفُ أنّك كالعبوةِ الموقوتةِ لا أحدَ يدري متى تنفجرُ في وجهِه!

وأن يُداريَك زملاؤك في العملِ لأنّك مؤذٍ وشريرٌ لا يُؤتمنُ جانبُك!

وأن يُداريَك جلساؤك خوفًا من كلمةٍ قد تصدرُ منهم عن أحدٍ، فتحملُها إليه؛ لأنّهم عهدوا فيك أنّك تمشي بالنّميمةِ بين النّاسِ!


عندما يتحدّثُ معك أبواكَ بأريحيّةٍ، وتُجادلُك زوجتُك بأمانٍ، ويُناقشُك أولادُك بسلامٍ، ويتعاملُ معك جارُك بتلقائيّةٍ، ويتصرّفُ معك زملاؤك ببساطةٍ، فأنتَ إنسانٌ عظيمٌ؛ وما كان هذا منهم إلّا لأنّهم علموا حُسنَ أخلاقِك!

المُهابُ أحياناً سيِّئ الخُلق!

هنا تتجلّى المُداراةُ خُلُقًا راقيًا لا ضعفًا، وحكمةً تُغلِقُ أبوابَ الشَّرِّ دون أن تفتحَ أبوابَ النِّفاقِ. فليس كلُّ صمتٍ تخلّيًا، ولا كلُّ لينٍ تنازلًا، بل قد يكون الرِّفقُ أصدقَ وسائل الإصلاحِ، وأحكمَ طرق التعايشِ. 

ومن فهمَ المُداراةَ على هَدْي النبوّةِ، عرفَ متى يُلينُ القولَ ليحفظَ السِّلمَ، ومتى يقولُ الحقَّ ليقيمَ العدلَ، وبذلك يجتمعُ الخُلُقُ والحكمةُ في ميزانٍ واحدٍ، وتبقى القلوبُ آمنةً دون أن تُدنَّسَ القيمُ!