عاجل وخطير
النهاية ..إشعال آخر منفذ بحري… وبداية معادلة جديدة في الحرب
مكاوي الملك
باحث و محلل استراتيجي
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
عاجل وخطير
النهاية ..إشعال آخر منفذ بحري… وبداية معادلة جديدة في الحرب
مكاوي الملك
باحث و محلل استراتيجي
حميدتي".. هل الهزيمة باتت قريبة جدا؟

مع أول خيوط فجر يوم الأحد الماضي، أعلن الجيش السوداني استعادة عدد من المدن والمواقع المهمة بولاية شمال كردفان كانت في قبضة قوات الدعم السريع، وهي مدن: جبرة الشيخ، وبارا، وأم سيالة، وهي مدن ومناطق إستراتيجية للغاية، ويمثل استردادها مكسبا كبيرا للجيش السوداني، وخسارة فادحة للدعم السريع.
وكان لهذا الحدث وقعه الكبير في نفوس السودانيين، تمثل في خروجهم إلى الشوارع -خاصة في ولاية شمال كردفان- وهم يهتفون بهتافات تساند وتدعم الجيش؛ تعبيرا عن فرحتهم بما اعتبروه نصرا مؤزرا جاء بعد معاناة طويلة قضوها وهم تحت سيطرة وعسف قوات الدعم السريع، وانتهاكاتها بحقهم، وتنفس سكان مدينة الأبيض الصعداء بعد أسابيع تحت حصار الدعم السريع، والمخاوف من تكرار تجربة الفاشر.
حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطابه عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا
وجاء هذا التقدم الكبير للجيش السوداني والقوات المتحالفة معه بعد قتال عنيف مع الدعم السريع، سبقته معارك بأسابيع على محور إقليم النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي السودان، كبد فيها الجيش السوداني قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري.
وفي أعقاب هذا النصر الذي أحرزه الجيش السوداني والقوات المساندة له، وفي مساء الاثنين الماضي بُث خطاب عبر السوشيال ميديا لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي".
وقد حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطاب حميدتي عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا ولم يفلح، كذلك فقد سمى خطابه بـ"الرسالة"، وهو مسمى لا يستخدم في العرف العسكري من قبل قائد عسكري لقواته وهي في وضع القتال في الميدان، وقال لهم "ما قصرتوا" بمعنى أنكم أديتم واجبكم العسكري.
وهو ما يناقض الواقع على الأرض، حيث منيت هذه القوات بهزيمة مؤلمة، وفرّ من تبقى منها نجاةً بأنفسهم مخلفين وراءهم أسلحتهم وعتادهم العسكري المتقدم، حيث يتضمن صواريخ وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي وعربات قتالية مصفحة مع أنظمة اتصالات حديثة، وكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، والكثير من صناديق الذخيرة. كذلك من مفارقات خطابه مطالبته قواته بتغيير ما سمّاه "اللعبة"، بينما العسكريون يستخدمون لفظ الخطة.
وغني عن القول أن القادة العسكريين لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي قد لا يعرف الكثير في هذا المجال، وربما كان هذا هو السبب فيما لحق بقواته من هزائم ظلت تترى عليهم تباعا منذ إخراجهم من ولاية الجزيرة، وبعدها من العاصمة الخرطوم.
ترك حميدتي لقادة قواته الميدانيين أن يقوموا بتصفية من يشكون في ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع
وفيما يلي أبرز الإشارات الخطيرة التي حفل بها خطاب حميدتي ووردت في عبارات تبدو عفوية، لكنها انطوت على دلالات خطيرة:
"من اليوم فكينا الرسن"
وهي عبارة ربما يظن منها رفع القيود وإطلاق العنان، وقد تفسرها قواته تفسيرا خاصا بأن يقوموا بالهجوم ويجتاحوا المدن، ويطلقوا المسيرات بلا قيود ودون رجوع للقيادات، أو التزام بأي قواعد وضوابط عسكرية أو أخلاقية. فهل يفهم أنها "صك على بياض" للقتل والنهب والسلب والاغتصاب والإبادة الجماعية، والتصفية الجسدية للأسرى والمعتقلين، وتدمير الأعيان المدنية والمرافق الخدمية.
"غيروا الطريق الماشين فيه دا"
إن هذه الدعوة ربما تعني أن الخطط السابقة هي التي أوردتهم هذا المورد البائس، وهو ما قد يوحي بأنها لم تكن على المستوى المطلوب، وبالتالي فربما كان المقصود هو التصعيد للحدود القصوى، كما قد يكون إشارة تحمل في ثناياها تحريضا على الانتقام.
"من اليوم نوم ما في.. نكون أو لا نكون"
قد يصف هذا القول حال قواته بأنها قد انتقلت من طور الهجوم لكسب أراض ومواقع جديدة لتقوية وضعها العسكري والإستراتيجي إلى طور "الدفاع"، وهي نقلة كبرى ربما تعني في جوهرها الهزيمة، فالحرب الوجودية يكون فيها الخطر أو المهدد قاب قوسين أو أدنى، وأنه أصبح وشيكا وفي نطاق "المسافة صفر"، بحيث يصبح احتمال الوجود مساويا للعدم.
"نضفوا الطابور الخامس"
وربما كانت الدلالة الأكثر بؤسا في هذه الإشارات والأكثر خطورة، حيث قد يفهم منها أن حميدتي ترك لقادة قواته الميدانيين أن يقوموا بتصفية من يشكون في ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما قد يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع وتركيبتها القبلية التي تتسم بالتعقيد الشديد.
وهي ربما وصفة لوقوع مزيد من الشرخ والتصدع الداخلي وسط هذه القوات، خاصة أن كثيرا من العناصر داخل الدعم السريع أصبح لديها قناعة بعدم جدوى القتال، وتعيش هذه القوات منذ فترة حالة من التوهان، واعترت مجموعاتها القتالية حمى الانسلاخ من صفوف الدعم السريع، والانضمام للجيش السوداني، طواعية وبكامل عتادها العسكري.
وقد بدأت موجة الانشقاقات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 بانسلاخ القائد الميداني أبو عاقلة كيكل، ومعه قواته والذي كان له دور كبير بعد ذلك في تحرير العديد من المدن والمناطق، ومنها بارا وجبرة الشيخ، ولا يزال في الميدان.
وجاء انشقاق القائد الميداني اللواء النور القبة في أبريل/نيسان الماضي، وانضمامه للجيش السوداني ضربة قوية لقوات الدعم السريع هزت أركانها، ثم تبعه القائد الميداني "السافنا"، ولم يتوقف تدفق سيل المنشقين عن الدعم السريع حتى الأسبوع الماضي، حيث استسلم 280 عنصرا من هذه القوات بعتادهم للجيش.
القادة العسكريون لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي قد لا يعرف الكثير في هذا المجال
"اللعبة ستتغير وسأكون معكم في الخطوط الأمامية"
وهو وعد قد لا يستطيع حميدتي الوفاء به، ويأتي ربما في سياق رفع الروح المعنوية، وأنه يدرك فداحة الهزيمة التي تلقتها قواته وخسارته ترسانة أسلحة متطورة ومقاتلين لا يمكن تعويضهم، بعد أن نفدت وجفت الروافد التي كانت تمده، حيث التهمتهم الحرب وقضت عليهم إما بالقتل وإما بالإعاقة والعاهات المستديمة، ومعظمهم من الشباب صغار السن، وفيهم أطفال يافعون تم تجنيدهم قسرا وعلى عجل والزج بهم في أتون الحرب.
وبخصوص تغيير اللعبة فكل المؤشرات في الوقت الراهن لا تشير إلى إمكانية إحداث تغيير داخلي إيجابي. ويبقى السؤال ملحا يا ترى ماذا يعني بتغيير اللعبة؟ هل يعني أن الجهات الداعمة له ولقواته قد تعهدت بتصعيد أكبر وأشمل؟ أم ماذا؟
عموما ليست هذه هي المرة الأولى التي يلوح بها حميدتي بالتصعيد، فهو وعيد مكرر لم يستطع تحقيقه على مر سنوات تمرده على الدولة السودانية.
قراءة في كتاب"محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام
لندن ـ عربي21
ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟
في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟
الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.
من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر
منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.
غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟
منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.
في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.
هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.
"المحكمة" التي ليست محكمة
من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.
وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.
هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.
ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.
جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"
وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.
لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.
وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.
وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟
نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش
إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.
غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.
"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.
وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟
هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.
الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها
لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.
هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟
فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.
القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني
ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.
وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.
وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.
هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.
وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟
الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر
من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.
هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.
لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.
ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟
"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق
عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.
وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.
فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟
بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها
من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.
وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.
ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟
إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.
سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية
تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.
فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟
الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب
يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة. وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.
وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.
وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.
ما الذي يميز الكتاب؟
يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:
أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.
ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.
ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.
رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.
لكن ماذا عن نقاط الضعف؟
مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.
كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.
كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.
لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.
الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة
لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.
بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.
وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.
وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.
لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟
بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.
وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.
فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.
كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟
ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟
هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.
خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.
لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.
وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.
تفكيك العلمانية في تركيا
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا في ديسمبر ٢٠٠٢، وهو يخطو الخطى نحو إعادة تموضع تركيا في العالم، واستعادة دورها القديم وماضيها العثماني، والذي ظل ما يقرب عدة قرون يتبوأ المكانة العالمية الكبرى.هل تشهد تركيا نهاية قرن من الإرث الكمالي؟، حيث يجري في الداخل التركي معركة عنيفة صامتة لإعادة تشكيل هوية الدولة والمجتمع، عبر تفكيك البنية العلمانية بخطوات متدرجة لكنها في الوقت نفسه قومية وحاسمة.
علمانية على النموذج الفرنسي!
من الناحية العلمية والسياسية، نجد أن العلمانية التركية لم تتبنَّ النموذج الأنجلوسكسوني، والذي يكتفي بوقوف الدولة على مسافة واحدة من الأديان، بل تبنت النموذج اليعقوبي الفرنسي والذي يطلق عليه مصطلح اللائكية، والذي يقوم على هندسة اجتماعية تهدف إلى إخضاع الدين لسيطرة الدولة وتهميشه في الفضاء العام.
وبتتبع جذور تلك العلمانية، نجد أنها قد نمت في تركيا مع مرحلة تاريخية عرفت باسم حقبة التنظيمات العثمانية، والتي بدأت من عام 1839 وامتدت إلى عام 1876، وجاءت كرد فعل على تراجع الإمبراطورية العثمانية أمام أوروبا، حين ظن سلاطين آل عثمان أنهم بحاجة للتحديث لتجنب الانهيار.
ومثلهم مثل بعض العرب في ذلك التوقيت، ظنوا أن التحديث لا يتطلب استيراد النظم العسكرية والمجالات المدنية المادية فقط، ولكن صاحبه استيراد أفكار الغرب.
فتم استيراد قوانين تجارية وجنائية أوروبية، وإنشاء المحاكم النظامية المدنية إلى جانب المحاكم الشرعية. كما تم تأسيس مدارس عسكرية وطبية وهندسية بخبرات ومناهج غربية، مما اوجد جيلاً جديداً من النخب العسكرية والمدنية التي لا تخضع لسلطة المؤسسة الدينية (العلماء).
وفي مرحلة ثانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تشبعت النخب العثمانية الشابة المبتعثة إلى أوروبا بالفلسفات الغربية، فقام المفكر التركي البارز ضياء كوك ألب بنقل أفكار إميل دوركايم مؤسس علم الاجتماع الغربي، وأسس لنظرية تفصل بين الثقافة التي يجب أن تكون قومية تركية، والحضارة التي يجب أن تكون أوروبية غربية، مقترحاً حصر الإسلام في المجال الروحي والشخصي فقط.
وبعدها انتقلت تركيا إلى المرحلة الثالثة وهي الأخطر، فيما عرف بالثورة الكمالية، والتي امتدت من عام 1923 إلى عام 1938.
فبعد تأسيس الجمهورية، استخدم مصطفى كمال أتاتورك سلطته والشرعية التي اكتسبها من حرب الاستقلال، لتنفيذ جراحة جذرية في بنية الدولة والمجتمع. وتوالت الإجراءات والتي أرست دعائم العلمانية.
فكان إلغاء السلطنة عام 1922، ثم الخلافة في عام 1924.
ثم أتبعه بقانون توحيد التعليم عام 1924، حيث جرى بموجبه إغلاق المدارس الدينية وتم احتكار التعليم تحت مظلة وزارة التربية العلمانية.
وعلى نفس المنوال، تم إلغاء المحاكم الشرعية ومجلة الأحكام العدلية، واستبدالها بالقانون المدني السويسري في عام 1926.
وفي عام ١٩٣٧، جرى النص رسمياً على العلمانية كأحد المبادئ الأساسية للدولة في الدستور.
وكانت الخطوة التنفيذية الأهم، هي وضع آليات للسيطرة على مفاصل الدولة، لكي تضمن النخبة الكمالية بقاء وتجذر هذه المفاهيم في مجتمع محب للإسلام بطبعه.
فقام النظام التركي الجديد ببناء شبكة معقدة من الآليات للسيطرة على مفاصل الدولة أهمها:
السيطرة على المجال الديني، وعلى رأسها رئاسة الشؤون الدينية.
فبدلاً من ترك الدين حراً، ألغت الجمهورية وزارة الأوقاف وأسست رئاسة الشؤون الدينية عام 1924، وأُلحقت هذه المؤسسة برئاسة الوزراء مباشرة، وبعدها أصبحت الحكومة هي التي توظف الأئمة، وتدفع رواتبهم، وتوحد خطب الجمعة. هذه الآلية تمنع ظهور أي مرجعية دينية مستقلة أو شبكات تمويل إسلامية خارج سيطرة وعين الدولة العلمانية.
وأعقب ذلك خطوة مهمة تمثلت في إغلاق الزوايا والتكايا الصوفية عام 1925، لتفكيك أي تجمعات دينية أهلية ذات نفوذ سياسي أو اجتماعي.
ثم استدارت الدولة إلى المؤسسة العسكرية، فجعلتها كضامن وحارس لتلك العلمانية المتوحشة.
وجرى صياغة العقيدة القتالية للجيش التركي بحيث لا يكون مهمته فقط حماية الحدود الجغرافية، بل حماية هوية الجمهورية العلمانية من التهديدات الداخلية، والتي أطلق عليها الرجعية الدينية.
وتُرجم هذا عملياً عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية العنيفة أو الناعمة، في أعوام (1960، 1971، 1980، 1997)، قامت بها المؤسسة العسكرية، كلما شعرت أن السياسيين المنتخبين يميلون نحو تقديم تنازلات للمد الديني أو يحيدون عن المبادئ الكمالية.
ثم انتقل فرض العلمانية إلى المؤسسة القضائية.
فتم إنشاء المحكمة الدستورية ومحكمة النقض، كجناح مدني موازٍ للجيش في حراسة العلمانية.
وتحولت المحكمة الدستورية إلى مقصلة للأحزاب السياسية. حيث تم إغلاق وحظر العديد من الأحزاب ذات التوجه الإسلامي مثل: حزب النظام الوطني، حزب السلامة الوطني، حزب الرفاه، وحزب الفضيلة، بمجرد استخدامها لخطاب يتعارض مع العلمانية المتطرفة للدولة.
وعلى مسار آخر تم التحكم الصارم في الوظائف الحكومية والترقيات في الجيش والجامعات والقضاء؛ حيث كان إبداء أي تعاطف ديني علني بمثابة عائق للترقي أو سبباً للفصل.
وفي هذا الاتجاه جرى فرض حظر صارم على ارتداء الرموز الدينية مثل الحجاب في الجامعات والمؤسسات الحكومية والبرلمان لعقود طويلة، تكريساً لمبدأ أن الفضاء العام يجب أن يكون علمانياً صرفاً.
بهذه الشبكة المتشابكة (قضاء حازم، جيش متحفز، بيروقراطية وتعليم موجه، وسيطرة تامة على تعيين ورواتب الأئمة والمساجد)، تمكنت العلمانية من السيطرة التامة على هيكل الدولة التركية لعقود طويلة.
تأجج الصراع بين العلمانية والإسلام
منذ محاولة فرض العلمانية في تركيا مع عشرينات القرن الماضي، سعت النخب المتدينة إلى مقاومة تلك الحملة العلمانية.
ولكن جهودها ذهبت أدراج الرياح مع القبضة العسكرية الأمنية للأتاتوركيين، وغياب المؤسسية للمتدينين في مواجهة العلمانية الحكومية.
ولكن مع منتصف التسعينات، أدرك الجناح الشاب في حركة أربكان (بقيادة رجب طيب أردوغان وعبد الله غول) أن الصدام مع البنية العلمانية للدولة ينتهي دائماً بخسارة السياسي أمام العسكري والقاضي.
لذلك عند تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001، تم تغيير الاستراتيجية جذرياً، فتم تبني أسس ثلاثة:
1. إعادة تعريف العلمانية (اللعب بقواعد الخصم):
لم يهاجم الحزب العلمانية، بل تبنى التفسير الأنجلوسكسوني لها (وقوف الدولة على حياد تجاه كل المعتقدات) رافضاً التفسير الفرنسي (تدخل الدولة لمنع التدين في الفضاء العام). هذا التكتيك جرد المحكمة الدستورية من مبررات حظر الحزب.
2. توظيف المعايير الأوروبية لتقليم أظافر الجيش:
استخدم الحزب بذكاء بالغ ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي.
وبموجب معايير كوبنهاغن الديمقراطية، تمكنت الحكومة المدنية من تمرير إصلاحات هيكلية قلصت دور العسكر، مثل: إخراج ممثلي الجيش من المؤسسات المدنية (كالمجلس الأعلى للتعليم والإذاعة والتلفزيون)، وتقليص صلاحيات محاكم أمن الدولة. في حين لم يستطع الجيش الاعتراض بشدة لأن الانضمام لأوروبا كان حلماً أتاتوركياً بالأساس.
3. الهندسة المؤسسية المضادة (السيطرة على القضاء):
للقضاء على فيتو المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة، لجأ الحزب إلى أداة الاستفتاءات الشعبية، فعبر استفتاء عام 2010، تم تغيير طريقة تعيين القضاة وزيادة عددهم، مما سمح للحكومة بتعيين قضاة محافظين، لتنتهي بذلك هيمنة النخبة العلمانية المتصلبة على أعلى هرم قضائي.
وبذلك التدرج، نجح أردوغان وحزبه في تحييد أدوات العلمانية الخشنة.
تسريع التفكيك الكلي للعلمانية
لم تعد استراتيجية السلطة في تركيا تقتصر على المطالبة بحرية التدين كما كان الحال قبل عقدين، بل تحولت في الشهور الأخيرة إلى مسار هيكلي يهدف لتجريد الدولة من طابعها العلماني المرجعي، ولضمان استمرار الفكر المحافظ حتى لو تغيرت القيادة السياسية لاحقاً.
فأصبح الهدف لما يجري الآن هو جعل التحول الفكري من العلمانية الكمالية الصارمة إلى العثمانية الجديدة عملية غير قابلة للعكس.
تتجلى هذه التسارعات في عدة مسارات إجرائية ومؤسسية حدثت مؤخراً:
أولا الهندسة الاجتماعية في مجال التعليم
ويعد تطبيق المنهج التعليمي الجديد المعروف بنموذج (معارف قرن تركيا) هو أخطر وأهم الإجراءات مؤخراً، والذي بدأ تطبيقه التدريجي في المدارس اعتباراً من العام الدراسي 2024 - 2025.
فالمنهج الجديد يقلص بشكل واضح المساحة المخصصة لتدريس المبادئ العلمانية لمؤسس الجمهورية أتاتورك. في المقابل، تم تضخيم السردية التي تمجد الماضي العثماني والتاريخ السلجوقي على حساب تاريخ الجمهورية الحديثة.
كما تم تهميش تدريس بعض النظريات العلمية الجدلية (كنظرية التطور) لصالح تعزيز الحصص الدينية، وإدراج مفاهيم مثل الجهاد كقيم مركزية في بعض المقررات التعليمية.
وهذا يمثل انتقالاً صريحاً من فكرة حياد الدولة إلى استخدام آليات الدولة لإنتاج جيل متدين.
ثانيًا الاندفاع نحو دستور جديد خالٍ من الإرث العلماني
ففي أواخر 2025 وبدايات 2026، كثف التحالف الحاكم ضغوطه السياسية لصياغة دستور جديد بالكامل، حيث صرح رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، أن الهدف هو إقرار هذا الدستور خلال الفترة بين عامي 2026 و 2027).
ورغم أن التبرير الرسمي هو التخلص من دستور انقلاب ١٩٨٠ العسكري، إلا أن الأوساط السياسية والقانونية المعارضة ترى فيه محاولة لتفكيك المواد الأربعة الأولى المحصنة في الدستور الحالي، والتي تنص صراحة على علمانية الدولة غير القابلة للتعديل.
ثالثا، محاولات تفكيك المعارضة
فلحماية وتسريع هذا التحول، استمرت وتيرة استخدام أجهزة الدولة لتحجيم المعارضة العلمانية التي قد تعيق هذا المشروع. وفي أواخر 2025، ومارس 2026، تم تكثيف الضغوط القانونية والقضائية بشكل استثنائي على شخصيات المعارضة البارزة، وعلى رأسهم عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، عبر لوائح اتهام موسعة تصل عقوباتها لمدد طويلة. والهدف الوظيفي من ذلك هو تفريغ الساحة السياسية من أي تحدٍ جدي قد يعيق مشروع الهندسة الدستورية والاجتماعية القادم.
كذلك كان هناك دور خفي للحكومة في تحريك الخلافات والانقسامات داخل أكبر حزب علماني ويحمل إرث أتاتورك وهو حزب الشعب.
الخلاصة
يبدو أن حزب العدالة التركي يتجه بالبلاد في خطوات سريعة لتمتين وضعه الداخلي بالتوازي مع التطورات المتصاعدة في المنطقة، والتي يطمح فيها الحزب إلى الدفع بتركيا لتكون اللاعب الأقليمي الأكبر.