الثلاثاء، 17 فبراير 2026

أحمد الشرع أم صدام حسين؟!

  أحمد الشرع أم صدام حسين؟!

الدكتور محمد عباس

كنت واحدا من أشرس من هاجموا صدام حسين وكتبت عشرات المقالات في صحيفة الشعب مهاجما له بشدة بالغة، لذلك فوجئت بشدة في نهاية التسعينينات عندما زارني طبيب عراقي كبير

يعمل في أحد فروع الأمم المتحدة، رحبت بالطبيب الذي لا أعرفه والذي جاء لي من مكان بعيد، وفوجئت به يقول أنه يضع حياته أمانة بين يديّ! ثم أردف قائلا: أنه معارض لصدام ومحكوم عليه بالاعدام في العراق وأنه هارب منها منذ عشرين عاما،ولكن ما جدّ الآن أنهم أخبروه أن أمه في العراق تموت وأنه سيذهب للعراق ليراها قبل أن تموت حتى لو أعدموه، ولهذا أتى إلى. 

فقد كنت أكتب أيامها مقالات دامية دفاعا عن الاسلام وعن شعب العراق:صدرت بعد ذلك في كتاب ضخم : بغداد عروس عروبتكم. كنت أنزف في كل حرف فيه دما. قال الطبيب: أنا أعلم أنهم في العراق يتابعونك وأن صدام حسين نفسه يتابعك، وسوف أخطط مع أحد إخواني في العراق أن يتصلوا بك فورا عند القبض عليّ هناك، والمطلوب منك حينها أن تكتب مقالا تعلن فيه أنك تجيرني كمسلم عربي (بالمناسبة ذلك الطبيب كان يساريا) نظرت إليه بذهول متسائلا: وهل تغامر بحياتك تحت غطاء هذا الامل الواهي؟ قال لي: ليس أملا واهيا، فبرغم كل عيوب صدام حسين إلا أنني أعرف أنه يحترم ويقدر دفاعك عن العراق، ثم أنه عربي أصيل يعرف ويقدس تقاليد الإجارة ولن يرفض إجارتك لي.

قبل ذلك كان قد حدث اتصال بي من مسئول عراقي دعاني على العشاء وعرض عليّ رئاسة مشروع إعلامي تحت رئاستي يصدر من لندن وميزانيته مفتوحة وليس مطلوبا مني إلا أن أكتب وأنشر هناك ما أنشره في صحيفة الشعب. كنت حادا جدا وأخبرته أن قلمي غير معروض للبيع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وكنت غاضبا فتركت المكان رافضا دعوته على العشاء الذي كان قد حضر بالفعل. وقد كتبت هذه الوقائع كلها في الشعب أيامها

سافر الرجل إلى العراق،وظللت لمدة شهر لا أكاد أنام فقد أمّنني الرجل على حياته. إلى أن فوجئت بعودته ويقول أن أحدا لم يمسه بسوء فحمدت الله كثيرا.

أتذكر كراهيتي لصدام وهجومي عليه طيلة عشرين عاما

ثم ينفتح في القلب جرح لا يندمل أبدا فينبثق النزيف مع السؤال: 

أيهما أفضل: صدام حسين بكل عيوبه وجرائمه أم ملوكنا وأمراؤنا في عصر طوفان الأقصى.

وينبثق التساؤل أيضا:
أحمد الشرع أم صدام حسين أيهما أفضل؟

يا أحمد الشرع..يا سيادة الرئيس أحمد الشرع: أنا أجير ذلك الناشط الاماراتي الذي اعتقلتموه ظلما وبهتانا وعدوانا، كما أجير كل من خذلتموهم قبله وأجير عبد الرحمن يوسف القرضاوي الذي أظن أن سوريا متورطة بصورة ما في أسره

والآن يظل السؤال محلقا ينتظر الإجابة:

أيهما أفضل وأقرب للإسلام والعروبة

أحمد الشرع أم صدام حسين

أنتظر الاجابة ياسيادة الرئيس - المجاهد سابقا-



الشورى بين المسلمين خلق منسي وسلوك غائب!

 الشورى بين المسلمين خلق منسي وسلوك غائب!

إضاءات منهجية شرعية أخلاقية ،،،

مضر أبو الهيجاء


مع الانفجار الإعلامي الذي جسدته ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، سادت أشكال من الخلل بين البشر، لاسيما وأن شياطين الإنس هي التي تدير وتوجه وتتحكم بشكل متقدم بتلك الوسائل، وتحاول أن تصبغها بكل مدنس، كما تحاول أن تحاصر وتتهم وتشكك بكل مقدس.

 

الشورى وسيلة للهدى واستكمال للهداية!

لم يأمر الله سبحانه وتعالى خير الأنبياء والمرسلين بالشورى مع أصحابه الثقات العدول المنتمين ترفا -حاشاه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا-!

 

إن تشاور النبي صلى الله عليه وسلم -الذي يوحى إليه ويتنزل عليه روح القدس جبريل- مع أصحابه -الذين لا يوحى إليهم، وهم معرضون ككل البشر للخطأ والزلل- هو سلوك أخلاقي له مردود عملي ينعكس على حياة البشر والعمران والسياسات، فيكون سببا في تحصيل الخير وتكثيره، كما يكون سببا في اجتناب الشر وتقليل آثاره.

 

وإذا كانت الشورى واجبة في حق النبي الذي يوحى إليه مع أصحابه الذين لا يوحى إليهم، فكيف يجب أن يكون مقدار وجوبها على البشر الذين لا يوحى إليهم تجاه العلماء والساسة الأوفياء وأصحاب الفكر السوي؟

 

وبدون شك فإن وسائل التواصل قد فتحت أبوابا لتعزيز الفردية والاستئثار والتألق بالرأي لكل من لا يرى نفسه إلا من خلال مرآته الخاصة التي تعكس أهواءه وشهواته الخفية.

 

اللهم نسألك أن تلطف بنا وأن تجعلنا من الذين يتواضعون للعلم والعلماء ويستشيرون إخوانهم ومن هم محل الثقة والفهم والسوية والخلق.

 

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 2/2/2026


السورة القرآنية الأكثر تهديدًا للمشروع الصهيونيّ

 السورة القرآنية الأكثر تهديدًا للمشروع الصهيونيّ



ما يبدو للكثيرين هو أنّ سورة بني إسرائيل (الإسراء) هي السورة الأكثر إزعاجًا للصهاينة، والأكثر تهديدًا للمشروع الصهيونيّ، وعلى الرغم مما حملته السورة من معان وحقائق، ابتداءً من خبر الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بما يحمله من دلالات ذات أبعاد عميقة في الصراع، ومرورًا بالحديث عن علوّ بني إسرائيل الأول والثاني والمآل الذي يفضي إليه كل منهما، وانتهاءً بذلك الخبر الذي أراه -على وجه من وجوه تفسيره- أشدّ وقعًا: {وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا ‌بِكُمْ ‌لَفِيفًا}، على الرغم من ذلك كله فإنّ السورة الأكثر إزعاجًا وتهديدًا للصهاينة ولمشروعهم ليست الإسراء، وإنّما سورة أخرى يغفل عنها الكثيرون.

الوعد الإبراهيمي بين الحقيقة والافتراء

إذا عدنا إلى التوراة التي في أيدي الصهاينة اليوم وجدنا في سفر التكوين منها أصلًا لمشروعهم، يتمثل في الوعد الذي صدر بالأصالة عن إبراهيم، لكنّه أُعقب بتأكيد من يعقوب وسُبق بتوطيد من نوح، على هذا النحو: في الإصحاح التاسع: 

“فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لأخويه، وقال: مبارك الرب إله سام، وقال: ليكن كنعان عبدًا لهم”، وفي الإصحاح الثاني عشر: “قال الرب لإبرام اذهب من أرضك، ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك، إلى الأرض التي أُريك… وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض وظهر الرب لإبرام وقال: لِنَسْلِكَ أُعطي هذه الأرض”، وفي الإصحاح الثامن والعشرين: “أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق، الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك، ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبًا، ويتبارك فيك وفي نسلك جميعا لقبائل الأرض”، وكنعان في زعمهم جدّ العرب، بينما المعلوم بالضرورة من التاريخ والأنساب أنّ العرب من الشعوب السامية، لكنّها المكابرة الإسرائيلية.

ذلكم هو الوعد المفترى الذي يبني عليه الصهاينة مشروعهم، أمّا الوعد الحقّ الذي جاء في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو هذا الذي جاء في سورة البقرة: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ ‌بِكَلِماتٍ ‌فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، فالذي جرى بموجب هذه الآية أنّ الله امتحن إبراهيم عليه السلام بأحكام شريعته، فأتمّها وقام بها خير قيام؛ فكان مما عجله الله له من الأجر أن أعطاه شرف الإمامة على البشرية والحراسة لمنهج الله، فتطلع إبراهيم إلى استمرار هذا الشرف في ذريته، ودعا ربه بذلك، فأعطاه الله وعدًا مشروطًا بأنّ من انحرف من ذريته وظلم لا يناله هذا الوعد، فالوعد في أصله وعد بالإمامة أمّا الأرض فليست أصلًا في صميم الوعد، وإن كان استحقاقها يأتي مترتبًا على القيام بمهام هذه الإمامة، فلمّا انحرف بنو إسرائيل ذهب عنهم ما فُضِّلوا به على عالمي زمانهم، وذهب معه شرف الإمامة.

الوارثون للوعد في آخر الزمان

ولم تكتف السورة بهذا التقرير الخطير؛ بل أتبعته بالإشارة إلى الأحقّ بهذا الوعد في هذا الزمان وإلى يوم الدين، حيث انعطف السياق مباشرة بعد الحديث عن الوعد الحقّ إلى الحديث عن البيت العتيق والبلد الحرام ثم إلى الحديث عن الأمة الإسلامية على هذا النحو التأسيسيّ الذي يحمل المعنى المقصود وزيادة: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ مما يؤكد أنّ الأمة الإسلامية هي التي ورثت الوعد بالإمامة، وورثت معه كل التركة.

الآفات التي استوجبت نزع الحقّ

الجرأةُ على الله وعلى رُسُلِ الله.. الحنينُ إلى الجاهلية.. نكثُ العهود ونقضُ العقود.. التحريفُ والتزييف للوحي الإلهيّ.. التلبيسُ على الناس وكتمان الحقيقة.. تركُ العمل إلى اللجاج والجدل.. الادعاء الفارغ واتباع الأماني.. استباحة الدماء.. الحسد الأسود.. التهالك على الدنيا.. اتباع السحر والخرافة.. اعتمادُ الحيلة للالتفاف على التكليف. تلك هي الآفات التي أفضت إلى نزع شرف الإمامة على البشرية والخلافة على منهج الله من بني إسرائيل، تلك هي الأفعال التي وضعتهم في دائرة الظلم الذي يزيل النعم ويجلب النقم ويمنع النَّيْلَ الأعظم: {لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، ولقد كشفت سورة البقرة عن تلك السوءات؛ ليكون ذلك الكشف والفضح تأسيسًا للحدث الهائل، وليكون كذلك تنبيها لهذه الأمة وتحذيرًا لها من المزالق التي انحدر فيها بنو إسرائيل، وذلك قبل أن تنخرط السورة الكريمة في بناء التشريع المتماسك الرشيد الذي يهيئ الأمة الإسلامية للقيام بهذا الواجب الكبير.

مقامنا ومقامهم بين الماهية والهوية

ثمّ لم تكتف السورة بهذا كلِّهِ بل أكدت أنّ الإسلام هو دين إبراهيم، مَن رغب عنه فقد سفه نفسه، هو دينه الذي أوصى به بنيه؛ فكان هو دين جميع أنبياء بني إسرائيل، وذلك قبل أن تقرر السورة أنّ هذا الإسلام هو {صِبْغَةَ ‌اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}، ولأنّ الأمر على هذا النحو من العمق والتميز كان لا بد من تمايز الهويات التي تعبر عن تمايز الماهيات، فجاء تحويل القبلة؛ لأنّ الأمة الوسط لا يصح أن تذوب هويتها في هوية الساقطين؛ 

فالبقرة -إذن- هي الأكثر تهديدًا، والله أعلم.

الاثنين، 16 فبراير 2026

حسب الأصول المرعية

آخر كلام       

حسب الأصول المرعية 

حسن العيسى 

هل يحق للكتاب والمثقفين العرب أن «يفشوا خلقهم» بالكلام عن الاستبداد والدولة التسلطية في دول سبقت الأنظمة العربية بأشواط طويلة في الديموقراطية والتنمية، ولكن مع ذلك يطفح على السطح فيها نوع من صور الاستبداد رغم وجود مجالس نيابية وقضاء مستقل؟ 

هذا يحدث دائماً في وسائل الإعلام العربية التي في الأغلب تحت سيطرة كاملة للدولة، ففيها يسمح بالحديث عن مساوئ تلك الأنظمة «الأفضل» من الواقع العربي، إلا أنه في النهاية يصبح لسان حال السلطات في أنظمتنا كأنه يقول «ليس نحن فقط» شوفوا حتى في تلك الدول المتقدمة عنا. 

أيضاً يجد المثقفون والكتاب في عالمنا الكئيب وهم يحيون بزنازين الخوف والتهديد بالملاحقة القضائية ضالتهم وعزاءهم حين يرون في أي انحراف بمفاهيم حقوق الإنسان والحريات بالدول التي هامش الحرية فيها لا يمكن مقارنته بحالنا كل الأسباب لعرض سلبيات ممارسة السلطة هناك. مثلاً: انظروا ما يفعل الرئيس الأميركي مع المقيمين الأجانب المخالفين لقوانين الإقامة، انظروا كيف منع عرض برامج انتقادية ساخرة من محطات كبرى بسبب شدة انتقاداتها للرئيس ونهج إدارته المتقلب. 

مقالات وآراء كثيرة من كتابنا نجد فيها كل العزاء ليس من أبواب المجاز بمعنى «إياك أعني واسمعي يا جارة»، وإنما يمارس فيها نوعاً من الهروب للأمام وممارسة شكل من أشكال الوعي الكاذب حين يقنعون أنفسهم وهم تحت طائلة سيف العقوبة المصلت على الرقاب بأن هذا كل ما يمكن أن يقال في مثل حالنا، أكثر من هذا ليس لنا غير الصمت. 

ففي النهاية فقد أدينا واجبنا حسب الأصول المرعية.



تمرد الهلال.. هل تفعلها تركيا وشركاؤها؟

تمرد الهلال.. هل تفعلها تركيا وشركاؤها؟
كاتب وصحفي تركي.

الكاتب: إذا كان العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، فعلينا أن نبني نظامنا الخاص. هذا ليس حلما، بل ضرورة

تحدثت مع الدكتور نوزات تشيليك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون بفرنسا، حول مستقبل أوروبا. وعندما سألته عن توقعاته، أجاب "أوروبا ستنهار في وقت أقرب مما تتوقعون، وأولها فرنسا".

وبعد فترة وجيزة من مقابلتنا، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "إذا لم نتخذ تدابير، فإن أوروبا ستغرق خلال خمس سنوات".

أما الولايات المتحدة، فتمضي في ممارسة ضغوط على أوروبا تسرع من وتيرة هذا الانهيار. في المقابل، يرى بعض المثقفين الأمريكيين أن "القرن الأمريكي" قد انتهى، وأن الإدارة الأمريكية تعتمد سياسات عدوانية لأنها تدرك هذه الحقيقة.

فيما يتعلق بالتوقعات التي ترجح أن ينتهي التنافس الصيني-الأمريكي بصدام، ناقشت هذا الأمر مع الدكتور مراد أوزتونا، المتخصص في الشأن الصيني في مركز أبحاث الشرق الأوسط (ORSAM) في أنقرة، فقال إن "الصين والولايات المتحدة ستتوصلان في نهاية المطاف إلى تفاهم ما، ولا أعتقد أن صداما سيقع. لكن العالم يبالغ في تقدير قوة الصين".

سألته "كيف ذلك؟ ألن نشهد في المستقبل نظاما عالميا تتمحور قيادته حول الصين؟". فأجاب "لا. فبنية الصين لا تؤهلها لإدارة نظام كهذا على غرار الولايات المتحدة، كما أنها لا تمتلك القوة الكافية لذلك". لماذا أسرد كل هذا؟ لأن علينا أن ندرك بدقة طبيعة المشهد الذي نواجهه في ظل التحولات الكبرى التي تعصف بالنظام العالمي.

مرحلة انتقالية بلا قواعد ونزعة عدوانية

إلى أي قانون استندت الولايات المتحدة عندما أقدمت ليلا على اختطاف رئيس فنزويلا وزوجته من منزلهما؟ وإلى أي قاعدة أممية استندت عندما هاجمت إسرائيل قطر؟ إلى لا شيء.

تعرضت إيران، ولبنان، وغزة، واليمن، وسوريا لهجمات لا تستند إلى قانون أو قاعدة. إننا نعيش مرحلة انتقالية في النظام العالمي تتسم بغياب القواعد والقانون وتصاعد النزعة العدوانية.

وهذا يعني أنه إذا أراد ترامب الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، أو عادت إسرائيل إلى قصف إيران، فمن سيمنعهما؟ وإذا استغلت الصين هذه الفوضى القانونية لضم تايوان، أو حاولت روسيا احتلال أوكرانيا بالكامل، فماذا ستكون النتيجة؟الخلاصة أن النظام العالمي يشهد تحولا يفرز بيئة فوضوية، والفوضى تعني غياب القانون والقواعد. فكيف ستتصرف الدول الإسلامية في ظل هذا المناخ؟

اليوم، مع انهيار النظام العالمي وبروز نظام جديد، ينبغي إعادة التفكير في موقعنا. فإذا كان نظام متعدد الأقطاب في طور التشكل، فعلينا أن نؤسس نحن أيضا مركزا قطبيا

إلى أي نظام عالمي نتجه؟

في الثاني من فبراير/شباط، وأثناء استضافته رئيس أوروغواي، عرض الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤيته للنظام العالمي المقبل بقوله: "علينا أن نتعاون من أجل التقدم نحو عالم متعدد الأقطاب عادل ومنظم، ونحو عولمة اقتصادية قائمة على المنفعة المتبادلة…".

وبعد الاستماع إلى الدكتور مراد أوزتونا، الذي يرى أن الصين غير قادرة على إدارة نظام عالمي متمركز حولها بمفردها، بدت تصريحات شي أكثر وضوحا من حيث دلالاتها.

وهنا يبرز سؤال آخر: في نظام عالمي متعدد الأقطاب، من سيقود هذه الأقطاب؟ وكم عددها؟

يمكن طرح العديد من الاحتمالات للإجابة عن هذا السؤال المعقد، فقد تكون الهند وروسيا والصين والبرازيل من بين الدول المرشحة لقيادة أقطاب. لكن لنركز قليلا على منطقتنا.

لماذا لا يكون للشرق الأوسط مركز جذب؟

في عالم متعدد الأقطاب، لم يعد كافيا للشرق الأوسط والعالم الإسلامي الانضمام إلى قطب شرقي أو غربي، بل بات من الضروري تأسيس قطب خاص بهما.

فمنذ تحالفاتنا مع بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، كانت الدول الإسلامية الأكثر تضررا، ولم تغب عن بلداننا الحروب والصراعات والإرهاب والانقسامات والفقر والاستغلال.

واليوم، مع انهيار النظام العالمي وبروز نظام جديد، ينبغي إعادة التفكير في موقعنا. فإذا كان نظام متعدد الأقطاب في طور التشكل، فعلينا أن نؤسس نحن أيضا مركزا قطبيا.

وقد تشكل المباحثات الجارية بين تركيا، والسعودية، وباكستان نواة لهذا التوجه. ويمكن، بقيادة دولة أو عدة دول، إنشاء قطب يحقق توازنا مهما على الساحة الدولية.

لدينا الموارد البشرية، والطاقة الشبابية، والقدرات العسكرية، والقوة النووية، ومصادر الطاقة، والإمكانات المالية. ما الذي ينقصنا لنكون مركز جذب وقوة مؤثرة؟ لا ينقصنا سوى الإيمان بهذه الفكرة، وتجاوز الخلافات، وتحقيق الوحدة.

مركز قوة جديد: تحالف البحر الأبيض المتوسط

ماذا ستفعل دول الاتحاد الأوروبي إذا تفكك؟ ألن تحتاج إلى تحالفات جديدة لتلبية احتياجاتها من الموارد البشرية والطاقة والأمن والاقتصاد؟ ليس الحل في الصين البعيدة جغرافيا، بل إن تعاون أوروبا مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد يفتح لها أفقا جديدا.

فالثقافة المشتركة في حوض المتوسط، والموارد البشرية في الدول الإسلامية، ومصادر الطاقة، إضافة إلى القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية والموارد المالية لتركيا وباكستان، تمثل عناصر تحتاجها أوروبا بشدة. وعندما تنضم إسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وفرنسا، أي دول المتوسط، إلى القطب المزمع إنشاؤه، سيبرز في العالم مركز قوة مختلف.

انظروا إلى تأثير التقارب بين تركيا وباكستان والسعودية، وتصوروا انضمام بقية الدول الإسلامية إلى هذا المسار. فإذا كان العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، فعلينا أن نبني نظامنا الخاص. هذا ليس حلما، بل ضرورة.


ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟

 ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟


كاتب سوداني متخصص في العلاقات الدولية.

الكاتب: وظفت إسرائيل اتفاقيات التطبيع لتسريع تنفيذ مخططها بمحاصرة الدول العربية الكبرى من أجل إضعافها وخنقها إستراتيجيا وتكتيكيا 

مهما كان رأي الشارع العربي سلبيا تجاه الجامعة العربية منذ تأسيسها في مارس/آذار 1945، ورؤيته أنها مقصرة تجاه الملفات التي كان يمكن أن تنجزها كملف الوحدة العربية، وإدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وتسوية الخلافات بين الدول العربية، بجانب تبني مشروع متكامل للنهضة الشاملة في العالم العربي، فإن الجامعة- وبغض النظر عن تقييم نجاحاتها وإخفاقاتها- ظلت رمزا لوجود أمة عربية تتفق في الحد الأدنى على قضاياها الإستراتيجية، وذلك على الأقل قبل الغزو العراقي لدولة الكويت 1990، حيث يرى الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى، أن تلك النقطة هي بداية (تصدع النظام العربي).

وخلف اتفاق الحد الأدنى ذاك، كان مفهوم الدولة بكل شروطه الحديثة- كما يقرره عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، بضرورة احتكار القوة، ومن قبله الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي يرى أن وجود حكومة قوية شرط للاجتماع الإنساني- يرقى لأن يكون مقدسا عند كل أعضاء الجامعة العربية.

وعلى الرغم من تراجع الطموحات الشعبية تجاه دولة ما بعد الاستعمار، فإن هناك اتفاقا شبه إجماعي بين الشعوب والحكومات على السواء للمحافظة على بنية الدولة باعتبارها الحاضنة التي تعبر عن هوية الشعب، والرمز الذي يشير لوجود الأمة.

على أن هذا المفهوم الذي استقر عقودا طويلة ستغيره رياح التغيير التي عصفت بثوابت كثيرة في مفهوم العمل العربي المشترك الذي كان عماده- بعد احترام الدولة كشرط للوجود- التوافق على عدالة القضية الفلسطينية، واتخاذ موقف جماعي منها، يحفظ الحقوق، ويردع المعتدي، ولكن الثورات الشعبية التي شهدتها بعض البلدان العربية منذ 2010 خلقت انقساما حادا في الرؤى الإستراتيجية بين الأشقاء العرب.

وكان من نتيجة هذا الانقسام هو تبني رؤى أحادية للتطبيع مع إسرائيل، وإن جاز للبعض القول إن التطبيع مع إسرائيل قديم وسابق للحراك الشعبي في الدول العربية، فهم غير مخطئين، ولكن التطبيع الذي جرى مع إسرائيل سابقا ظل في حدوده الدنيا، اتفاقا بين حكومات، ولم يتسلل إلى الوعي الشعبي.

كما أنه كان بين إسرائيل وبعض الدول العربية سابقة حرب مباشرة مع الدولة العبرية، على أن التطبيع الحديث الذي سُمي بـ"الاتفاقيات الأبراهامية"، هدف إلى إدماج إسرائيل ضمن المنظومة القيمية الدينية لمنطقة الشرق الأوسط، واعتبارها دولة صديقة للعرب، على الرغم من أنها لم تتخلّ مطلقا عن عقيدتها الصهيونية التوسعية. كما أنها لم تتنازل مطلقا عن خططها المعلنة بتجزئة العالمين: الإسلامي والعربي، بل أثبتت التجربة أنها وظفت هذه الاتفاقيات لتسريع تنفيذ مخططها الأكبر بمحاصرة الدول الكبرى من أطرافها- مثل السعودية، ومصر- من أجل إضعافها وخنقها إستراتيجيا وتكتيكيا.

ملامح مشروع التجزئة

في الشهور القليلة الماضية تفجرت الأحداث بصورة متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الرغم من المآسي التي خلفتها والتعقيدات التي أضافتها لدول المنطقة، فإنها يسرت تجميع المبعثر من الخطط لتمكين المراقبين من رؤية اللوحة بصورة كاملة، وتأكيد ترابط الأحداث التي تجري في أكثر من منطقة، إذ لم تفرغ إسرائيل من عدوانها على قطاع غزة حتى شنت حربا على إيران، ثم أردفت ذلك بالاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وخلال كل ذلك كانت الحرب تجري في السودان على أشد ما يكون العدوان وتهديد الوحدة الوطنية، وفي نفس الوقت كانت المساعي تمضي قدما لتقسيم اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول، الذي تمدد في المحافظات الجنوبية. بيد أن أخطر ما يحيط بكل تلك التحركات، هو اصطفاف أطراف عربية مع هذا المشروع.

وهو اصطفاف كيّفته بنود هذه الاتفاقيات، وصاغت مبرراته مخاوف غير منطقية ولا واقعية، فانتهت بهذه الأطراف العربية إلى أن ترى أن إسرائيل أقرب لها من أشقائها العرب، وأن المصالح التي صنعت صنعا، أولى من رباط الدم، والتاريخ المشترك.

لقد أبانت الأحداث في اليمن وبصورة جلية، أن الذي يجري هناك هو عينه الذي يجري في السودان، فالداعمون للطرفين هم أنفسهم، والساعون لتمكين المليشيات هم ذاتهم، وأن السلاح الذي يشحن لمليشيا الدعم السريع، هو ذاته السلاح الذي تملكه مليشيات المجلس الانتقالي المحلول في اليمن.

ولا يحتاج المتابع الحصيف كثير جهد ليتبين أن المشروع الذي يستهدف وحدة السودان وإضعاف مؤسساته الشرعية، هو ذاته الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مآربه في اليمن.

ويلزمنا هنا تفصيل بعض النقاط للوقوف على طبيعة هذا المشروع في البلدين، فبعد الاتفاق على أن هذا المشروع هو مشروع إسرائيلي قديم- ولكنه تسارع بموجب التطورات التي شهدتها المنطقة، وأدت إلى تغييرات جوهرية في مفهوم الأمن القومي المشترك بين البلدان العربية- يلزم القول إن السودان واليمن دفعا أثمانا باهظة في هذا المشروع، وإن ما يجري فيهما وإن كان مقصودا لذاته في إطار حرب الموارد والموانئ والهندسة الاجتماعية والسياسية، لكنه يخدم كذلك الخطة الكبرى لخنق دول عربية أخرى من أجل ابتزازها، والتضييق عليها ضمن صراع النفوذ وخنق مجالها الحيوي الإستراتيجي أمنيا واقتصاديا.

ما تناور به مليشيا الدعم السريع هو نفسه الذي وقف قائد المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول ليعلنه على الملأ بأنه سيسعى للاعتراف المتبادل مع إسرائيل حال تحقيق الانفصال

وهذه أبرز النقاط التي يمكن استخلاصها فيما تم تطبيقه في السودان واليمن:

  • الدولة مقابل المليشيات: وضح منذ البداية أن الداعمين الإقليميين كانوا يراهنون على خلق مليشيات موازية للدولة وأجهزتها، والعمل على تمكين هذه المليشيات عسكريا واقتصاديا؛ استغلالا لحالة الضعف والانقسام الداخلي، ومن ثم محاولة فرض هذه المليشيات كأمر واقع بالقوة المسلحة؛ من أجل تغيير المسلمات الوطنية، وإزاحة القوى التي لا تتوافق مع هذا المشروع.

وفي هذا الإطار جاء دعم مليشيا الدعم السريع دعما غير محدود صمّ الآذان عن كل الإدانات الدولية، وصرف البصر عن حجم المآسي التي خلفها ذلك الدعم، وهو ما حدث بالكربون في اليمن مع تجربة المجلس الانتقالي.

  • الوحدة الوطنية مقابل التجزئة: تتبنى المليشيات المصنوعة منها أو المدعومة مشاريع انفصالية حين يفشل مشروعها الأساسي، وهو إخضاع الدولة لسلطانها الغاشم.

وهذا ما يفسر النزعة الانفصالية في اليمن وفي احتلال مليشيا الدعم السريع مناطق واسعة في غرب السودان، بل وفي الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وهو ما يفسر كذلك إنشاء كيانات موازية والتمرد على الدولة، ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة المسلحة.

  • عسكرة العمل السياسي والتضييق على الفضاء المدني: منذ ما قبل قيام الحرب كان يصعب على المراقب الحصيف تصنيف طبيعة الدعم السريع بعد تضخمها الكبير في السنوات الأخيرة، هل هي قوة مسلحة مساندة للجيش تأتمر بأمره، كما يقول القانون، أم قوة سياسية تسعى للنفوذ من خلال ترسانتها العسكرية، أم مؤسسة استثمارية تعمل في مجال التنقيب عن الذهب، واستيراد السلع الإستراتيجية، أم منظمة خيرية تعمل في قطاعات المجتمع الأهلية والمنظمات الفئوية؛ لتكسب ولاءها، أم وزارة خارجية مستقلة لها عقيدتها الخاصة في إقامة علاقاتها الخارجية بمعزل عن سلطان الدولة؟

لقد كانت الدعم السريع كل ذلك وهي تعمل تحت غطاء مشروع إقليمي يسعى للسيطرة على الموارد عبر عسكرة الفضاء المدني (وتسليح الاستثمار)، وعقد الاتفاقيات الاستثمارية تحت حراسة القوى الوظيفية المحلية، وما جرى في السودان كان هو عينه الذي حدث في اليمن.

  • البحث عن الشرعية عبر المرور ببطاقة التعريف الإسرائيلية: على الرغم من أن السودان نظريا يعتبر من الدول التي التحقت بقطار التطبيع، ولكنه لم يدرج ضمن الدول التي ترى فيها الدولة العبرية حليفا تطمئن له، خاصة أنها ترى أن العقيدة القتالية لجيشه الوطني قائمة على احترام الخيار الوطني، ونبذ التدخل الأجنبي، ورفض العدوان على المظلومين.

ولذلك سعت مليشيا الدعم السريع منذ ما قبل الحرب للتواصل مع إسرائيل سرا وجهرا، وبعد احتلالها إقليم دارفور، زادت أهميتها لدى الدولة العبرية التي تمتلك حلما معلنا بفصل إقليم دارفور، إن عجزت تكتيكيا في السيطرة على كل السودان.

وما تناور به مليشيا الدعم السريع هو نفسه الذي وقف قائد المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول ليعلنه على الملأ بأنه سيسعى للاعتراف المتبادل مع إسرائيل حال تحقيق الانفصال.

تبرز هذه الحقائق أن هناك مشروعا متكاملا يتم تنفيذه بعناية في الدولتين من أجل إضعاف الدولة عبر دعم مليشيا موازية، ومن أجل هدف أكبر هو تنفيذ الخطة المعلومة بخنق الدول العربية من أطرافها، لأن الذين يتولون تنفيذ المشروع يعلمون أن الأمن القومي المصري يمتد إلى آخر حدود الدولة السودانية وما بعدها، وذلك في ظل تصاعد اختلاف وجهات النظر حول سد النهضة مع إثيوبيا.

كما أن وجود إسرائيل على متون باب المندب والبحر الأحمر يمس بصورة مباشرة الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، هذه المخاوف هي التي دفعت هذه الدول للتحرك الجاد لإجهاض هذا المشروع الذي يستهدف قوة الدولة مقابل التمكين للمليشيات الانفصالية.

ولكن المطلوب حاليا هو التحرك في أكثر من اتجاه، فعلى المستوى القريب هناك حاجة لدعم الهياكل الشرعية في كل من اليمن، والسودان؛ من أجل استكمال هزيمة مشاريع التجزئة، واستعادة الدولة القوية والقادرة على فرض نفوذها على أراضيها، بما يحقق السيادة، ويحافظ على الوحدة الوطنية.

وعلى المستوى الإستراتيجي تحتاج الدول العربية للعمل الهادئ طويل النفس والمدى؛ من أجل تقوية هياكل العمل العربي المشترك، وإعادة تعريف أمنها القومي بصورة جماعية بما يقود إلى إحياء المبادرات العربية المعترف بها ضمن إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وفي نفس الوقت العمل على توسيع مظلة التعاون مع القوى الصاعدة حول العالم، والعمل معها من أجل صياغة رواية واحدة تخدم مصالح جميع الأطراف في السلم، والأمن، والتنمية.

ولا مناص أمام الدول العربية في ظل التحولات العميقة التي تجري أمامنا في العلاقات الدولية سوى استعادة الوحدة في المواقف والأفكار، والاتفاق على الخطوط العريضة للقضايا الكبرى ونبذ الشقاق الذي لن يؤدي إلا إلى البوار والتشتت فـ(إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).

لماذا يقلق الخلفاء قديماً من سوق الوراقين؟

 لماذا يقلق الخلفاء قديماً من سوق الوراقين؟

جاسم الجزاع

أكاديمي كويتي



عندما نعود بالذاكرة الى زمن ازدهار بغداد العباسية، نجد أنّه لم يكن “السوق” الذي نفهمه في مخيلتنا مجرّد مكان تتبادل فيه السلع والبضائع التي تأتي إلى العراق من شتى أنحاء العالم كالصين والهند و أوروبا ومصر و السودان وغيرها، بل كان السوق في ذلك الزمان البعيد فضاءً تتشكّل فيه الأفكار والعقليات و الرؤى، وسوق “الوراقين” على وجه الخصوص –وهو المحلات المتخصصة ببيع الكتب ونسخها وتجليدها-  لم يكن صفًا من الدكاكين المزدحمة بالورق والحبر، بل كان مساحة يتحرك فيها الفكر بين الناس كما تتحرك النقود بين أيدي الشارين والبائعين، فهناك لم يكن الناس يشترون كتبًا فقط، بل كانوا يقتربون من المعرفة نفسها، ويتعلّمون كيف يناقشون ويختلفون.


فدكاكين الورّاقين لم تقتصر على النسخ والبيع، بل أصبحت مجالس مفتوحة، يجلس فيها عالم إلى جانب تاجر، ويقف شاعر يقرأ قصيدته أمام طلاب علم اللغة والأدب، وتدور مناقشات في اللغة والفقه والأدب والفلسفة والطب والجغرافيا والرحلات، فلم يكن العلم معزولًا في المسجد وحده، بل خرج إلى الشارع، إلى قلب الحياة اليومية وعلى الأرصفة. ومع هذا الخروج تغيّر موقع المعرفة في المجتمع العباسي القديم، فلم تعد شأنًا خاصًا بطبقةٍ محدّدة، بل صارت أقرب إلى الناس وبسطائهم .


فانتشار صناعة الورق في بغداد كان نقطة تحوّل حقيقية في مسيرة المعرفة الشعبوية في تاريخنا العربي ، والكتاب لم يعد نادرًا أو باهظًا كما كان من قبل، وأصبح من الممكن نسخه بسرعةٍ أكبر وتداوله على نطاق أوسع بين الناس، وهذا التطور البسيط في ظاهره غيّر علاقة الناس بالعلم، فلم يعد التلقي شفهيًا فقط، بل أصبح قائمًا على القراءة والمقارنة والتفكير والمطالعة، لأنّ النص المكتوب منح الناس فرصة أن يعودوا إليه متى شاؤوا، وأن يناقشوه، وأن يقارنوه بين الآراء المختلفة.


ومع الوقت، لم يعد أهل السوق مجرّد باعة، وأعني به سوق الورّاقين، فكثيرٌ من الباعة في ذلك السوق  كانوا علماء و شعراء  ورواة حديث وأدباء، وبعضهم وصل إلى مناصب مؤثرة في الدولة العباسية، والتاجر يمكن أن يكون قارئًا، والورّاق يمكن أن يكون صاحب رأي سياسي، وصاحب الحرفة يمكن أن يشارك في نقاشٍ فكري عميق جداً، و هكذا تشكّلت طبقة واسعة تهتم بالعلم وتشارك في الحياة الثقافية العباسية.


ولكن لمن يتأمل المشهد بعدسةٍ أوسع يجد أنّ هذا الاتّساع في النطاق العلمي والمعرفي بين عامة الناس لم يكن مريحًا دائمًا، فأحياناً نجد أنّ بعض الكتب أثارت جدلًا واسعًا، فتدخّل بعض الخلفاء والسياسيين خوفًا من وقوعه ومنعوا بيع أنواع معينة من الكتب، وهذا يكشف أنّ السوق لم يكن مجرّد مكان اقتصادي فيه بيع وشراء، بل كان يؤثر في تشكيل عقول عامة الناس في بغداد، وعندما تخشى السلطة السياسية كتابًا، فهذا يعني أنّ القراءة أصبحت مؤثرة، وأنّ الأفكار خرجت من الدوائر الضيقة إلى فضاءٍ أوسع مثير للحركة.


فتجربة سوق الورّاقين الفكري في العصر العباسي تبيّن أنّ المعرفة تزدهر حين تختلط بالحياة اليومية. وخصوصاً حين يكون الكتاب قريبًا من يد الناس، وحين يصبح النقاش جزءًا من الروتين اليومي، ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه .. مع وفرة النسخ والكتب و توفرها ورقيًّا وإلكترونيًّا في زماننا  .. 

لماذا لم تعد الحصيلة المعرفية لدى شعوبنا العربية تفي بالغرض وتشفي الغليل؟