الأحد، 24 مايو 2026

وقفات مع آيات (29).. مصيبة الموت

 وقفات مع آيات (29).. مصيبة الموت

د. مالك الأحمد


قال تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106].

وُصف الموت بأنه مصيبة لما فيه من انقطاع الإنسان عن دنياه، وفراقه أهله وماله، وانقطاع عمله في الدنيا إلا ما أبقى الله له من أثر صالح، وانتقاله إلى البرزخ، ثم إلى الحساب والجزاء. فهو مصيبة من جهة أثره على الإنسان وأهله ومن يحبونه، لا من جهة الاعتراض على قدر الله، فالمؤمن يرضى بقضاء الله ويسلم.

وفي قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ﴾ معنى النزول والمباغتة؛ فالإنسان قد يكون في سفر أو عمل أو سعي، منشغلًا بخططه وآماله، ثم تفجؤه مصيبة الموت. وهذا يربي المؤمن على دوام الاستعداد، وألا يؤخر ما ينبغي تقديمه من توبة، أو وصية، أو أداء حق، أو صلة رحم.

وليس من السهل الحديث عن الأموات، فكيف إذا كان الميت قريبًا منك؟ وكيف إذا كنت قد التقيت به قريبًا، وأطلت معه الحديث عن شؤونه الخاصة، وآماله القادمة، ومشاريعه المستقبلية؟ وكيف إذا كان في صحة وعافية، لا يشكو مرضًا ظاهرًا، ولا يلوح عليه ما ينذر بقرب الرحيل؟

إن موت الفجأة صعب ومؤلم على أحباب الميت، غير أن المؤمن لا يملك أمام قدر الله إلا الرضا والتسليم، فـلله ما أعطى، ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى. والموت طريق لا بد أن يسلكه الجميع، وإن اختلفت الأزمنة والأسباب.

وكان الفقد الأعظم هو فقد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا أذكر أني قرأت قصة وفاته إلا فاضت العين بالدمع، كأني حاضر مع أصحابه في آخر أيامه، وكأني أرى وجوههم وقد نزل بهم أعظم مصاب عرفته الأمة. ومع ذلك مضت سنة الله في خلقه؛ فالدنيا ليست دار بقاء، وإنما هي ممر إلى دار القرار، فالعاقل من يتخفف من أثقالها ما استطاع، ويتطلع إلى الباقية، ولا تستهلكه الفانية.

والمشكلة أن أمر الموت لا يخفى على أحد؛ فكل الناس يعلمون أنه آتٍ لا محالة، والمؤمنون يوقنون أنه واقع على الجميع، لكن العلم بحقيقته لا يرفع ألم الفقد، ولا يمنع حزن القلب. وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم، ودمعت عيناه، وقال ما يرضي ربه. فنحن نحزن، ونسكب الدمع على أحبابنا، لكننا لا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون.


وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس


لذة العيش «بلا ظل ولا أثر»!

 خواطر صعلوك

لذة العيش «بلا ظل ولا أثر»!




كان يجلس دائماً في الصف الأخير من المسجد النبوي، في تلك البقعة المعتمة التي لا تصلها أضواء القناديل ولا التفاتات الوجهاء.

شيخٌ طاعنٌ في السن، يرتدي ثوباً نظيفاً لكنه متهالك، ينهي صلاته بصمت، يطوي سجادته الوهمية في قلبه، ويمضي في أزقة المدينة المنورة ماشياً بجوار الجدران لكي لا يزاحم أحداً، ويدعو الله ألا يراه أحد.

مرت بجواره قافلة التابعين الجدد، أولئك الشباب المتحمسون الذين جاءوا من أقاصي الأرض يبحثون عن أي شخص رأى رسول الله ﷺ ليأخذوا عنه الحديث. نظروا إليه، فرأوا مجرد «رجل عجوز عابر»، لم يلتفتوا إليه، ولم يلتفت هو إليهم.

إن الحقيقة التي لم يعرفها هؤلاء التابعون، ولم يسجلها الطبري، ولم تذكرها موسوعة «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني، هي أن هذا العجوز المجهول ربما كان ممن رأوا النبي ﷺ، وربما صلى خلفه، وربما شارك في غزوة، لكنه، ومنذ اليوم الأول الذي نطق فيه بالشهادتين، اتخذ قراراً إستراتيجياً صارماً وهو أن يمر في هذه الدنيا بسلام، دون ضجيج، دون منصب، والأهم... دون أن يترك ظلاً أو أثراً يُذكر في كتب التاريخ.

أنا أعلم عزيزي القارئ! أنك تود أن تعرف اسمه، الذي لم تسمع عنه من قبل، ولكن دعني أكمل قصة هذا الرجل الذي عاش في الظل وسأخبرك باسمه في نهاية المقال... ففي زمن كانت فيه الصحبة «شرفاً» يرفع الأنساب، ومكانة تمنح صاحبها الصدارة في المجالس والجيوش وشرف أن يكون لك تلاميذ وأتباع، قرر أن ينسحب من كل هذا الضجيج.

لم يقف يوماً في حلقة ليقول: «سمعت، ولم يذهب إلى الخليفة ليذكره بأيامه في مكة... كان يعتقد يقيناً أن صفقته وهويته لا تحتاج إلى «تصديق» أو «ختم» من أهل الأرض.

هذا الرجل العادي جداً، الذي كان يمشي في الأسواق، ويمرض ويفرح ويحزن ويضحك. ويلاعب أبناءه، أدرك مبكراً حقيقة فلسفية مهمة، وهي أن الشهرة تقصم الظهور، وأن الأضواء تحرق من يقترب منها... لذلك اختار أن يكون رقماً صفرياً في حسابات البشر.

تخيل يا عزيزي القارئ! لو أن مثل هذا الرجل بُعث اليوم، ومشى في شوارع مدننا الحديثة، ليرى ما فعلناه بأنفسنا في عصر «المجتمع الشبكي»، واللهاث خلف «الترند».

نحن في زمن أصبح فيه الإنسان مستعداً لبيع كليته، أو شتم أقربائه، أو الرقص كالمهرج في الشارع، فقط... لكي يحصل على «لايك»، أو إشادة من شخص لا يعرفه.

نحن أُصبنا بمرض «فوبيا التهميش»؛ نعتقد أننا إن لم نُوثق إفطارنا في المطعم، أو دمعتنا في المأتم، أو ركعتينا في الحرم المكي بالصورة والصوت والموقع الجغرافي، فإننا غير موجودين أصلاً!

لقد حولنا حياتنا إلى «شاشة عرض» مفتوحة 24 ساعة، نلهث لإثبات وجودنا في عيون الآخرين... 

أما صاحبنا المجهول، فقد كان يملك «حصانة» ضد هذه الهشاشة... لم يكن يحتاج لعيون الناس لكي يرى نفسه، لأنه كان يرى نفسه بوضوح من الداخل.

لقد أرهقنا أنفسنا في معارك إثبات الذات، وصرفنا أعمارنا في الدفاع عن «وجهة نظرنا»، وفي الرد على من شتمنا، وفي محاولة حفر أسمائنا على صخرة التاريخ، متناسين أن التاريخ نفسه سيصبح تراباً في النهاية.

هذا الرجل المجهول يقدم لنا اليوم أعظم «روشتة» نفسية لعلاج قلقنا الوجودي، جرب أن تكون لا شيء في عيون الناس، بلا ذكر أو أوراق أو حسابات أو ممتلكات... لتكون كل شيء في عين الحقيقة.

جرب أن تتصدق دون أن تخبر زوجتك، أن تبكي في غرفتك دون أن تكتب تغريدة عن حزنك، أن تقرأ كتاباً دون أن تصور غلافه، أن تمضي في هذه الحياة كـ«نسمة هواء» تبرد على قلوب من حولها، ثم تمضي دون أن تترك حتى «ظلاً» يدل عليها.

ولعلك عزيزي القارئ قد شعرت أني خدعتك عندما أخبرتك بأنني سأذكر اسم هذا الرجل، ولكني صدقني لو كان هو يرغب بذلك لكان على الأقل لفت الانتباه في وقته... ولكن هذا قراره وأنا أحترمه.

عندما تقرأ عن هذا الرجل الذي افترضنا وجوده (وهو حتماً موجود بالمئات بل بالآلاف ضمن الرعيل الأول الذين لم تصلنا أسماؤهم)، تشعر بضآلة مضحكة أمام حجم الإزعاج الذي نسببه لأنفسنا وللآخرين.

رحم الله صاحبنا المجهول... الذي عاش ومات، وهو يعلمنا أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان، هو أن يغادر بسلام، وبصمت، والأهم... بشرف!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

السبت، 23 مايو 2026

أردوغان وإعادة هندسة النظام السياسي

 أردوغان وإعادة هندسة النظام السياسي

 . حسن الرشيدي


لم تكن تحولات تركيا في عهد أردوغان مجرد إصلاحات سياسية عابرة، بل مشروعاً متكاملاً لإعادة صياغة الدولة والهوية وموازين القوة. فمنذ 2002، تخوض أنقرة واحدة من أعمق عمليات إعادة هندسة النظام السياسي في تاريخ الجمهورية الحديثة، في معركة لم تنتهِ بعد.


منذ وصول حزب العدالة والتنمية، والذي يرمز له اختصارا ب(AKP) بقيادة رجب طيب أردوغان إلى السلطة في أواخر عام 2002، شهد النظام السياسي التركي أعمق عملية إعادة هندسة، وتغيير هيكلي منذ تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923.

لقد استهدفت هذه الهندسة، طوال ما يقرب من ربع قرن، محاولة تعديل ما أحدثه اتاتورك فيما يزيد عن ٧٥ عامًا من تغييرات عميقة في المجتمع التركي المحافظ، وفي توجهات النظام السياسي ومن تغييرات في دوره الاقليمي والعالمي، مقارنة ما كانت تتمتع به تركيا في عصر الدولة العثمانية.

ولكن كيف نفهم هندسة النظام التي أجراها ولا يزال أردوغان يجريها في السياسة التركية؟

إعادة تشكيل النظام السياسي

لفهم إشكالية إعادة هندسة النظام السياسي وتغيير هياكل الدولة وتوازناتها، يُعد الاقتراب المؤسسي الجديد من أنسب المداخل التحليلية في العلوم السياسية.

ظهر هذا الاقتراب كتطور للاقتراب المؤسسي التقليدي (الذي كان يكتفي بالوصف القانوني المجرد لهياكل الدولة). فالاقتراب المؤسسي الجديد ينطلق من فرضية أساسية وهي أن المؤسسات ليست مجرد مباني أو هياكل جامدة، بل هي ترجمة أو محصلة لقواعد اللعبة السياسية.

وتكمن أهمية هذا الاقتراب في رؤيته والتي تقوم على أن الفاعلين السياسيين يسعون دائماً لإعادة صياغة هندسة المؤسسات والقواعد لتعظيم مكاسبهم، وتغيير موازين القوى، وتهميش الخصوم.

وهذه المؤسسية يمكن وصفها بالمتكاملة، فهذا التوجه يرفض عزل المصالح المادية العقلانية عن الأفكار والأيديولوجيا، بل يدمجهما معاً بحيث نستطيع من خلال هذا الدمج أن نفهم كيف تُصنع هندسة النظم السياسية.

وبناءً على ذلك، يقدم الاقتراب إطار تحليلي خماسي مطوّر، يدمج الفكرة، والمصلحة، والهيكل في منظومة واحدة.

هذا التطبيق هو الثمرة الحقيقية للمزاوجة بين عمق الفكرة وبراغماتية السياسة.

وما سنقوم به، هو تشريح الحالة التركية منذ أواخر عام 2002، عبر عدسة الأدوات الخمس للاقتراب المؤسسي الجديد.

الأداة الأولى، البوصلة والدافع

تحاول هذه الأداة تحديد الأطر الفكرية وتحديد المصالح، ومن هنا نبدأ بالبنية الفكرية لحزب العدالة والتنمية وقائده أردوغان.

فالرؤية الكونية للحزب تنطلق من إرث الحركة الإسلامية المحافظة في تركيا؛ إرث نجم الدين أربكان مع إعادة صياغته. هذه الرؤية ترى أن العلمانية الصلبة الكمالية التي فُرضت على الدولة، والانصياع الأعمى للغرب، هما السببان الرئيسيان وراء تقزيم تركيا وعزلها عن عمقها الحضاري العثماني والإسلامي.

وبناءً على هذه الخلفية، لم تكن المصلحة مجرد الفوز بالانتخابات للبقاء في السلطة، بل كانت مهمة تاريخية ورسالية لإنهاء هذا التقزيم. البقاء في السلطة هنا هو الوسيلة العقلانية، أما الغاية الفكرية فهي استعادة السيادة الكاملة وإعادة صياغة هوية الدولة.

الأداة الثانية المناورة الاستراتيجية

ففي الفترة ما بين (20022007)، واجه حزب العدالة معضلة: كيف يحقق غايته الفكرية دون أن يتعرض للحل والسحق من قِبل الدولة العميقة والتي على رأسها الجيش والقضاء العلماني المهيمن؟ هنا تظهر المناورة العقلانية لخدمة الفكرة.

لذلك تقدم الحزب للمجتمع وللغرب ليس كحزب إسلامي، بل كنسخة إسلامية من الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا.

كما عمل على ارتداء درع الاتحاد الأوروبي، فتبنى الحزب بحماس معايير كوبنهاغن للإصلاح السياسي المؤهل لعضوية الاتحاد الأوروبي. فكانت هذه مواءمة استراتيجية عبقرية؛ فالإصلاحات الأوروبية كانت تطالب بتقليص نفوذ الجيش في السياسة. واستخدم الحزب مطالب الغرب كدرع قانوني وشرعي لتفكيك أنياب خصومه الداخليين من العلمانيين، دون أن يتمكنوا من اتهامه بالأسلمة.

الأداة الثالث، تفكيك الدولة العميقة

وكان أكبر ركنين فيهما هما: القضاء والجيش.

فاتجه الى القضاة الذي لم تكن قياداتهم مجرد عقبات قانونية، بل كانوا بمثابة حراس العقيدة العلمانية الأتاتوركية.

وتم تفكيك شبكة القضاء العلماني عبر آليتين:

1-                 استخدام الغطاء القانوني، بتسويق التعديلات الدستورية، خاصة استفتاء عام 2010، وقام بتسويق هذا الاستفتاء على أنه ضرورة قانونية لدمقرطة القضاء، وجعله متوافقاً مع المعايير القانونية للاتحاد الأوروبي، ولإنهاء ما سُمي بوصاية الأقلية القضائية على الإرادة الشعبية.

2-                 تجديد النخبة القضائية، وتمت إعادة هندسة آليات التعيين في المحكمة الدستورية العليا. هذا التغيير الهيكلي سمح بإزاحة القضاة الكماليين وإحلال نخب جديدة، سواء كانت محافظة أو تكنوقراطية متصالحة مع التوجه الفكري الجديد للحزب، مما أنهى تدخل القضاء الذي طالما هدد الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية.

أما تفكيك شبكة الجيش العلمانية، فتم استخدام المحاكمات الشهيرة (مثل أرغينيكون والمطرقة) ليس فقط لعزل جنرالات، بل لضرب العقيدة العسكرية القديمة، وتم تصوير الجيش في الإعلام الموالي للحزب في حقيقته كجهاز يحمي الدولة العميقة والفاسدة، وليس كحارس للوطن.

الأداة الرابعة، استخدام سياسة المنعطفات الحرجة

يستخدم علم السياسة مصطلح (المنعطف الحرج)، ويعني به: فترة زمنية قصيرة تقع فيها أزمة كبرى أو صدمة عنيفة وغير متوقعة بداخل الدولة مثل: (حرب مفاجئة، انقلاب عسكري، انهيار اقتصادي حاد، ثورة شعبية).

هذا المنعطف الحرج يحدث تغييرا كان متجذرافي الأوقات العادية، خاصة حين تكون مؤسسات الدولة وقوانينها قوية وصارمة، تمنع الحاكم من تغيير قواعد اللعبة. لكن عند حدوث هذه الصدمة العنيفة، تدخل الدولة في حالة سيولة شديدة وتنهار القيود القديمة مؤقتاً، وتُفتح نافذة فرصة استثنائية أمام الفاعل السياسي لإجراء تغييرات جذرية وهندسة للنظام، لم يكن يحلم بتمريرها في الأوقات العادية.

وقد مثّلت محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، المنعطف الحرج الأكبر، سواء كان حادثا جرى استثماره كما يبدو ظاهريا، أو مدبرا كما تقول المعارضة التركية وله شواهده.

وبصرف النظر عن هذه الجدلية، فقد جرى استخدام هذا الحدث، وإحداث الهزة المطلوبة للتخلص من أكبر مانع يحول بين التغيير المطلوب وهو إبعاد قيادات الجيش، أكبر أداة كعائق أمام استعادة الدور التركي.

لم يتم تصوير الانقلاب إعلاميا من قبل حكومة العدالة والتنمية كمجرد تمرد عسكري، بل صُبغ بصبغة ملحمية.

ورُفعت تكبيرات الآذان من مآذن المساجد طوال ليلة الانقلاب بأمر من القيادة السياسية لتعبئة الجماهير.

وتم الترويج لسردية إفشال الانقلاب على أنه دفاع عن الإرادة الوطنية وصون للهوية الأصيلة في وجه مؤامرة مدعومة من الخارج لتقزيم تركيا مجدداً.

هذا الشحن الفكري الكبير، مَنح أردوغان تفويضاً شعبياً مطلقاً لإعلان حالة الطوارئ، وتطهير مؤسسات الدولة بالكامل، وتمرير التعديل الدستوري الجذري في 2017 دون معارضة تذكر.

الأداة الخامسة بدء مرحلة صب الفكرة في قالب الدولة

بعد أن تم تحييد أكبر عقبتين (الجيش والقضاء) والتي تحول دون تطبيق الفكرة، بدأت خطوات الحزب تسرع في اتجاه تنفيذ المشروع.

ففي عام 2018، تم إنجاز هندسة جديدة للدولة، وإعادة إنتاج دولة عميقة موالية للرؤية الفكرية ووجهة نظر التي يتبناها الحزب، وذلك بتغيير الدستور.

فتم إنتاج النظام الرئاسي التنفيذي، لتتمركز كل السلطات في رئاسة الجمهورية، لإنهاء تشتت السلطة البرلمانية الذي كان يتيح للنخب القديمة المناورة.

ولم تقتصر الهندسة على الدستور، بل جرى ترسيخها مجتمعياً ومؤسسياً، بتوسيع صلاحيات وميزانية رئاسة الشؤون الدينية، لتصبح لاعباً مركزياً في السياسات العامة والتعليم.

كما تم إعادة صياغة المناهج التعليمية والتوسع في مدارس (إمام خطيب) لإيجاد الجيل الجديد الذي يؤمن بالفكرة.

وفي نفس الوقت جرت إعادة هيكلة عقيدة الجيش والأجهزة الأمنية للنظام الجديد.

هذا الترسيخ أوجد واقعاً متجذرا معقداً، يجعل أي محاولة من المعارضة مستقبلاً للعودة إلى النظام البرلماني القديم أشبه بمحاولة يشبهها البعض، بمحاولة تفكيك طائرة أثناء الطيران؛ نظراً لأن كل مفاصل الدولة والبيروقراطية باتت مبرمجة على المسار الرئاسي الجديد.

وكما قلنا، هناك دولة عميقة جديدة تكونت، وحلت مكان الدولة السابقة.

دولة وضعت نصب أعينها أهداف حزب العدالة ورسالته.

وكمرحلة أخيرة من الهندسة السياسية؛ فالنظام بعد أن نجح في صياغة "الدولة العميقة الجديدة" وربط مفاصلها برئاسة الجمهورية، انتقل إلى هندسة المجال العام.

والهدف هنا ليس إلغاء الانتخابات لأن النظام يحتاج لشرعيتها الصندوقية، بل هندسة البيئة المحيطة بالانتخابات، بحيث يدخلها الخصوم وهم ممزقون، ومخترقون، ومجردون من مراكز القوة، مما يضمن بقاء هيكل السلطة الحالية في مساره المرسوم مهما تغيرت أمزجة الناخبين.

الكعبة منتصرة فقد كان ستالين يريد أن ينسينا الله

الكعبة منتصرة فقد كان ستالين يريد أن ينسينا الله


روسلان قربانوف
باحث أول في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين..

تاريخ الحج الإسلامي الروسي هو رحلة تمتد لقرون، من رحلات شاقة كانت تستغرق شهورا سيرا على الأقدام وبحرا، إلى الخدمات اللوجيستية الجوية الحديثة.

نشأت شعائر الحج في المناطق الإسلامية في روسيا المعاصرة في القرنين السابع والثامن الميلاديين في داغستان، لكنها اكتسبت شعبية واسعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع وصول التجار المسلمين الأثرياء من التتار.

توجد في روسيا منطقتان رئيسيتان يسكنهما المسلمون: شمال القوقاز، والأراضي الممتدة من نهر الفولغا إلى سيبيريا، والتي يسكنها التتار.

بدأت هذه القصة بأربعة أحداث تاريخية مهمة، تتيح للقارئ تكوين صورة واضحة عن كيفية امتداد الإسلام في الأراضي التي أصبحت فيما بعد جزءا من روسيا.

المراحل الرئيسية لاعتناق الإسلام

ترتبط المرحلة الأولى بوصول أول المسلمين إلى أراضي روسيا الحالية عام 642 للميلاد، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. حدث ذلك في داغستان، وهي منطقة مسلمة تقع على سواحل بحر قزوين. وقد اشتهرت داغستان عالميا بفضل انتصارات (بطل العالم في السامبو) حبيب نورمحمدوف.

لكن في البداية، دخل الإسلام إلى داغستان على يد صحابة النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- الذين وصلوا إلى داغستان بعد عشر سنوات من وفاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومباشرة بعد هزيمة الإمبراطورية الفارسية.

وأطلقوا على هذه المناطق الجديدة اسم الجبال. كان يقود الجيوش المسلمة التي وطأت أرض داغستان شقيقان: عبد الرحمن، وسلمان ابنا ربيعة الباهلي.

ومع وصول صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- سمع الأذان لأول مرة في داغستان، وبني أول مسجد فيها.

واليوم، يعد هذا المسجد أقدم مسجد في روسيا، ويقع في مدينة دربند التي أطلق عليها صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- اسم باب الأبواب. ومن هنا بدأ الإسلام ينتشر بين شعوب شمال القوقاز.

أما الفصل الثاني فيتعلق باعتناق التتار- الذين كانوا يسكنون نهر الفولغا- الإسلام.

حدث ذلك عام 922 للميلاد، عندما وصل أحمد بن فضلان سفير الخليفة العباسي إلى أراضي التتار. لم يكن أحمد دبلوماسيا فحسب، بل كان أيضا شاعرا ومؤرخا.

بعد رحلته إلى أراضي التتار والروس، ترك وراءه سجلا تاريخيا قيما للغاية يعرف باسم "الرسالة" المعروفة بـ"رحلة ابن فضلان".

ومن المثير للاهتمام أن منتجي أفلام هوليود استخدموا صورة أحمد بن فضلان في فيلم "المحارب الثالث عشر". يستند هذا الفيلم إلى الملاحم الإسكندنافية التي تحكي قصص الفايكنغ الذين حاربوا الوحوش ولم يتمكنوا من التغلب عليها حتى انضم إليهم المحارب المسلم أحمد بن فضلان، الذي جسد شخصيته أنطونيو بانديراس في الفيلم.

أما المرحلة الثالثة، فترتبط بافتتاح الوزير الأعظم للسلاجقة في العهد العباسي، نظام الملك الطوسي، عام 1075، فرعا للمدرسة النظامية في بغداد، في جبال داغستان. وطبقا لمصادرنا التاريخية الداغستانية كانت هذه المدرسة تعد بمثابة أول جامعة كلاسيكية في أوروبا، نظرا لأن داغستان تقع جغرافيا ضمن أوروبا.

واليوم، تعتبر الجامعة النظامية أول جامعة في روسيا.

ومن الفترات المهمة الأخرى في تاريخ المسلمين في روسيا القرنان الرابع عشر والسادس عشر.

ففي هذه الفترة، أصبح المماليك، من عداد الشركس- وهم أكبر مجموعة عرقية في شمال القوقاز- قوة مؤثرة للغاية في مصر.

وقد حكم المماليك البرجية- وهم سلالة من المماليك الشركس- مصر فعليا من عام 1382 إلى 1517، ولعبوا دورا محوريا في الحياة السياسية، إذ شغلوا أعلى المناصب الحكومية ودافعوا عن المنطقة، بما في ذلك ضد الصليبيين.

وشكل المماليك الشركس نواة النخبة الحاكمة، تاركين بصمة واضحة في تاريخ العالم العربي.

الخطوات الأولى نحو مكة

تظهر هذه اللمحة التاريخية الموجزة كيف أن الشعوب في مناطق القوقاز والتتر اعتنقوا الإسلام في وقت مبكر.

وفي تلك السنوات الأولى، بدؤوا أداء فريضة الحج إلى مكة. وكان المسلمون في تلك الحقبة يسافرون إلى الجزيرة العربية سيرا على الأقدام وعلى ظهور الخيل عبر أذربيجان وخراسان.

كانت هذه الرحلة الطويلة تستغرق في ذلك الزمان عدة أشهر، وأحيانا عدة سنوات.

بعد انتصارات القياصرة الروس، ضُمت مناطق التتار إلى الدولة الروسية في القرن السادس عشر، وأراضي الشعوب المسلمة في شمال القوقاز في القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الحين، بدأ القياصرة في فرض نظام سيطرة على حياة المسلمين في روسيا.

في القرون الأولى، حاول القياصرة الروس إجبار المسلمين على اعتناق المسيحية، فقاوم المسلمون هذه المحاولات بانتفاضات واسعة النطاق. لاحقا، أدركوا ضرورة الاعتراف رسميا بحق المسلمين في ممارسة الإسلام وأداء الشعائر الإسلامية الأساسية.

من التنظيم الحكومي إلى الحظر التام للحج

خلال هذه الفترة، أنشئ النظام الحكومي الروسي لتنظيم الحج. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأ عدد المسلمين في روسيا، الذين يؤدون فريضة الحج، في الازدياد.

في تلك السنوات، كانت رحلة الحج من الأراضي الإسلامية في روسيا تستغرق من ستة أشهر إلى أكثر من سنة.

كان الناس يسافرون على ظهور الخيل أو الجمال أو سيرا على الأقدام إلى موانئ البحر الأسود وبحر قزوين، ثم عبر السفن البخارية.

في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الحكومة القيصرية، خوفا من تأثير صعود الإسلام في روسيا، بتشديد الرقابة على الحج.

وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، بدأت الدولة الروسية بتنظيم حصص الحج، وإصدار التذاكر، وإنشاء شبكة من القنصليات، وتوفير الرعاية الطبية للحجاج.

وخلال تلك السنوات نفسها، بدأ تجار مسلمون أثرياء من بلاد التتار بإنشاء أوقاف وفنادق ونُزل على طول الطريق من روسيا إلى الجزيرة العربية.

بعد ذلك، حلت كارثة مروعة بمسلمي روسيا مع قيام الحكم الشيوعي في مناطقهم بعد الإطاحة بالقيصر عام 1917. فقد شنت السلطات الشيوعية الجديدة بقيادة جوزيف ستالين حملة ضد الدين في جميع أنحاء البلاد، مطالبة المسلمين والمسيحيين واليهود في روسيا بنسيان الله تماما.

علاوة على ذلك، أعدم العديد من القادة المسلمين والأئمة وعامة المؤمنين، وسجن بعضهم، ورحّل بعض سكان القوقاز إلى آسيا الوسطى.

خلال الحملات المعادية للدين في عهد ستالين، أصبح أداء فريضة الحج مستحيلا. فقد أغلقت حدود البلاد تماما، وتعرض المسلمون للقمع، وهدمت العديد من المساجد، وأحرقت المصاحف والكتب الإسلامية على نطاق واسع.

لم يبدأ الوضع بالتغير إلا في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين مع إنشاء مجلس الشؤون الدينية. لم يسمح بفريضة الحج إلا لعدد قليل من الوفود الرسمية من الأئمة والمفتين، الخاضعة تماما لسيطرة الحزب الشيوعي، وجهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي).

وحتى انهيار النظام الشيوعي في روسيا، كان كل وفد من المسلمين يؤدي فريضة الحج يرافقه ضباط من جهاز المخابرات السوفياتية في الإحرام. وذلك خشية وقوع المسلمين الروس تحت تأثير المسلمين العرب، أو تجنيدهم من قبل أجهزة المخابرات الأجنبية.

إحياء الحج في روسيا

بعد انهيار النظام الشيوعي عام 1991، فُتحت حدود روسيا، وعادت الرغبة في أداء فريضة الحج إلى الظهور بين المسلمين الروس. وتم استقبال الحجاج الروس الأوائل استقبالا حافلا، وكأنهم رواد فضاء ينطلقون إلى عوالم مجهولة.

منذ مطلع الألفية الثانية، يتولى مجلس الدولة للحج تنسيق رحلات الحج، حيث يوزع المجلس سنويا حصصا على المناطق ذات الأغلبية المسلمة في روسيا، بالتوافق مع المملكة العربية السعودية.

خلال هذه السنوات، ازدادت شعبية الحج بشكل ملحوظ، حتى إن نوابا مسلمين في مجلس الدوما الروسي وقادة جمهوريات إسلامية- مثل رمضان قديروف من الشيشان ورستم مينيخانوف من تتارستان- باتوا يحرصون على السفر إلى مكة المكرمة.

اليوم، أصبح أداء فريضة الحج في روسيا مريحا وسريعا قدر الإمكان للمسلمين. ففي كل عام، يؤدي آلاف المسلمين الروس فريضة الحج على متن رحلات طيران مستأجرة مريحة من موسكو وداغستان والشيشان وتتارستان، ليصلوا إلى المملكة العربية السعودية في غضون ساعات قليلة.

حاليا، يسافر نحو 25 ألف شخص من روسيا سنويا لأداء فريضة الحج، ومئات الآلاف غيرهم لأداء العمرة. ويعد البطل الرياضي حبيب نورمحمدوف أشهر مسلم روسي على مستوى العالم ممن يؤدون فريضة الحج بانتظام.