السبت، 23 مايو 2026

إلى الدُّعاة الوُعاة..

 إلى الدُّعاة الوُعاة..


لو بذل كثير من الإسلاميين في مواجهة الفكر السرطاني العلماني عُشر مِعشار مايبذلونه في اختلافاتهم ومناظراتهم..
بل وتناحراتهم حول الوسائل والبدائل في العمل الإسلامي ..
لما تجبر أزلام العلمانيين عليهم عمليًا، ولما تكبروا عليهم فكريا، ولما تحولت العلمانية المتغلغلة والمتغولة خلال بضع عقود من فقاعات سياسية على المستويات النخبوية ..إلى قناعات شعبية لدى شرائح كبرى من الأمة المبتلاة بالجبرية ..
ولو أن ما يُنفق من الجهود والأوقات في مسببات التشاحن والتفريق.. بُذِل نصفه أو أقل؛ في موجبات التقريب والتوفيق لما كان هذا حالنا أمام عدو الله وعدونا..
حقًا.. نحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات في الاهتمامات والانشغالات والنقاشات ..
ولله الأمر من قبل ومن بعد

فخ ثيوسيديدس بين الصين والولايات المتحدة: هل المشكلة بالصعود أم بشكل النظام نفسه؟

فخ ثيوسيديدس بين الصين والولايات المتحدة: هل المشكلة بالصعود أم بشكل النظام نفسه؟
"الصين لا تمثل فقط قوة إنتاجية ضخمة، بل تقدم نموذجا اقتصاديا وسياسيا هجينا يصعب تصنيفه ضمن القوالب التقليدية"

منذ أن أعاد الباحث الأمريكي غراهام أليسون، وهو منظر سياسي أمريكي معاصر، إحياء مفهوم "فخ ثيوسيديدس" في كتابه الشهير "Destined for War"، أصبح المصطلح يُستخدم بكثرة لتفسير التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة، واستخدام الرئيس الصيني له ليس الأول لكنه الأكثر مناسبة في الزمان والمكان. الفكرة الأصلية تعود إلى المؤرخ الإغريقي "ثيوسيديدس"، مؤرخ يوناني قديم وصف كيف أدى صعود أثينا وخوف إسبرطة منها إلى حرب مدمرة، ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة: "إن صعود أثينا والخوف الذي زرعه ذلك في إسبرطة جعلا الحرب حتمية".

لكن تحويل هذا التفسير التاريخي إلى قانون ثابت لفهم كل صراع دولي قد يكون تبسيطا مخلا، فالعالم الحديث ليس نسخة مطابقة من المدن الإغريقية القديمة، والصراع الحالي لا يدور فقط بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة، بل بين نموذجين مختلفين في فهم الاقتصاد والمجتمع والإنسان نفسه.

ليست طروادة جديدة

الخطأ الذي يقع فيه كثير من المحللين هو النظر إلى الصين باعتبارها مجرد "أثينا جديدة" أو منافس اقتصادي طبيعي للولايات المتحدة، بينما الواقع أعمق من ذلك بكثير، فالصين لا تمثل فقط قوة إنتاجية ضخمة، بل تقدم نموذجا اقتصاديا وسياسيا هجينا يصعب تصنيفه ضمن القوالب التقليدية.

الصين لم تبقَ شيوعية بالمعنى الكلاسيكي، ولم تصبح رأسمالية ليبرالية بالكامل، بل بنت نظاما يمكن وصفه بأنه "رأسمالية منضبطة داخل إطار دولة مركزية"؛ السوق موجود، لكن الدولة لا تزال تمسك بالمفاصل الكبرى، الاستثمار موجود، لكن القرار الاستراتيجي ليس حرا بالكامل، القطاع الخاص يعمل، لكنه لا يتحول إلى سلطة أعلى من الدولة كما حدث في كثير من الاقتصادات الغربية.

وهنا يكمن الفارق الجوهري

في الثقافة الاقتصادية الصينية الحديثة، المتأثرة بمزيج من البراغماتية الآسيوية والتراث، فهناك تصور مختلف نسبيا، الاستقرار والوفرة الطويلة أهم من القفزات السريعة، ولهذا نرى استعدادا أكبر لقبول هوامش ربح أقل مقابل الحفاظ على البنية الصناعية والمجتمعية

فالولايات المتحدة نشأت ضمن فلسفة ترى أن السوق الحر قادر وحده على تصحيح نفسه، وأن تراكم الثروة دليل نجاح، لكن هذا التصور مع الزمن أدى إلى تضخم نفوذ الشركات العملاقة، وتحول المال تدريجيا إلى أداة تتحكم في السياسة والإعلام والانتخابات وحتى الثقافة العامة.

أما الصين، فقد رأت في ذلك خطرا وجوديا، ولهذا حاولت بناء صيغة مختلفة: السماح بالثروة، لكن دون السماح لها بابتلاع الدولة.

فلسفتان لا اقتصادان فقط

الخلاف بين الطرفين ليس مجرد تنافس على أشباه الموصلات أو الذكاء الاصطناعي أو الموانئ التجارية، إنه اختلاف في رؤية معنى النجاح نفسه.

في كثير من الأنظمة الرأسمالية الحديثة، يُنظر إلى الربح القليل باعتباره فشلا نسبيا، لأن منطق السوق يدفع دائما نحو نمو أكبر وعائد أعلى، المستثمر الذي يربح أقل من العام الماضي يشعر وكأنه خسر، حتى لو بقي غنيا جدا، ولهذا يتحول الاقتصاد إلى سباق دائم لا يعرف الاكتفاء.

أما في الثقافة الاقتصادية الصينية الحديثة، المتأثرة بمزيج من البراغماتية الآسيوية والتراث، فهناك تصور مختلف نسبيا، الاستقرار والوفرة الطويلة أهم من القفزات السريعة، ولهذا نرى استعدادا أكبر لقبول هوامش ربح أقل مقابل الحفاظ على البنية الصناعية والمجتمعية.

هذه ليست مسألة أخلاقية، النموذج الأمريكي الحديث يربط قيمة الإنسان غالبا بقدرته على المنافسة والربح والإنتاج الفردي، بينما النموذج الصيني، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، لا يزال يمنح الدولة دور "المنظم الأعلى" الذي يقرر الاتجاه العام حتى لو قيد السوق أحيانا.

هل تخاف أمريكا من الصين أم من نفسها؟

قد يكون السؤال الحقيقي ليس: 
هل ستتفوق الصين؟
بل: لماذا أصبحت الولايات المتحدة تشعر بهذا القلق أصلا؟

القوة الأمريكية لم تبدأ بالضعف بسبب الصين فقط، بل بسبب تراكم اختلالات داخلية طويلة: تضخم مالي، ديون هائلة، تآكل الطبقة الوسطى، انتقال الصناعات إلى الخارج، وتحول الاقتصاد من الإنتاج الحقيقي إلى المضاربات والخدمات المالية.

في العقود الأخيرة، بدا أحيانا أن النظام الأمريكي صار يعتمد على "استهلاك العالم" أكثر من إنتاجه، وعلى جذب العقول ورؤوس الأموال من الخارج لتعويض التراجع الداخلي، بل إن أجزاء صناعاتها تصنع خارجها وهذا ما يجعل التحدي الصيني مزعجا؛ لأن الصين لا تنافس أمريكا عسكريا فقط، بل تنافسها في فكرة الدولة القادرة على التخطيط طويل الأمد.

عندما تحدث رئيس الصين عن "النهضة الصينية" وعن ضرورة محاربة الفقر وإعادة بناء الصناعة المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج، فإنه كان يطرح رؤية تعتبر أن بقاء الدولة أهم من حرية السوق المطلقة.

في المقابل، كثير من النخب الغربية باتت تُنتج داخل بيئة سياسية تعتمد بصورة متزايدة على التمويل الإعلامي والاقتصادي، حيث يصبح الوصول إلى السلطة مرتبطا بالدعم المالي والحملات المكلفة وشبكات المصالح، وهنا يظهر التناقض الحاد بين رئيس صعد عبر مشروع طويل داخل حزب ودولة مركزية، وبين أنظمة انتخابية قد يتمكن فيها المال من صناعة الوجوه السياسية بسرعة كبيرة.

فخ ثيوسيديدس الحقيقي

ربما لا يكون "فخ ثيوسيديدس" الحقيقي هو خوف القوة القديمة من القوة الجديدة، بل عجز الأنظمة عن إصلاح نفسها قبل لحظة الانفجار.

الإمبراطوريات لا تسقط دائما بسبب الغزو الخارجي، بل كثيرا ما تنهار عندما تصبح غير قادرة على تصحيح اختلالاتها الداخلية، روما لم تسقط لأن البرابرة كانوا أقوى حضاريا، بل لأن البنية الداخلية نفسها كانت قد أصبحت هشة ومتآكلة.

أي محاولة أمريكية لمواجهة الصين عبر الاحتواء العسكري أو العقوبات فقط قد تؤخر المشكلة لكنها لن تحلها. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، إعادة بناء الصناعة، تقليل هيمنة المال على السياسة، إعادة الاعتبار للعمل والإنتاج الحقيقي، ومحاولة خلق توازن جديد بين السوق والمجتمع

والخطر على الولايات المتحدة اليوم ليس فقط في صعود الصين، بل في استمرار نموذج اقتصادي يجعل الإنسان وقته وصحته وعلاقاته مجرد وقود دائم لعجلة الاستهلاك والإنتاج. إذا تحولت المجتمعات إلى سباق لا نهائي من أجل الأرباح والأسواق والأسهم، فإن التآكل يصبح داخليا حتى لو بقيت القوة العسكرية ضخمة.

ما بعد الصراع

الصين نفسها ليست نموذجا مثاليا، ولديها مشكلاتها العميقة؛ مركزية السلطة، والرقابة العالية، والتفاوت الاجتماعي، وأزمات ديموغرافية واقتصادية محتملة، لكنها مع ذلك فرضت سؤالا مهما على العالم: الصين في نظر الغرب عملاق يجب أن يبقى نائما (مقولة نابليون بونابرت الشهيرة: "دعوا الصين تنام، فعندما تستيقظ، سيهتز العالم")، والصين تاريخيا ليست هكذا فحروبها داخلية ولم يسبق لها أن بادرت هجوما عبر التاريخ وبمساحتها الأكبر من الصين الحالية، لكن اليوم تريد العيش ومنعها سيواجه حتما بحرب وجود؛ فهل يمكن بناء نظام اقتصادي يستفيد من السوق دون أن يتحول الإنسان إلى مجرد رقم داخل السوق؟ هذا السؤال هو جوهر الصراع الحقيقي.

ولعل مستقبل العالم لن يُحسم بمن يملك حاملات طائرات أكثر، بل بمن ينجح في بناء نموذج يمنح الإنسان معنى للحياة خارج الاستهلاك الدائم والخوف الاقتصادي المستمر.

لهذا، فإن أي محاولة أمريكية لمواجهة الصين عبر الاحتواء العسكري أو العقوبات فقط قد تؤخر المشكلة لكنها لن تحلها. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، إعادة بناء الصناعة، تقليل هيمنة المال على السياسة، إعادة الاعتبار للعمل والإنتاج الحقيقي، ومحاولة خلق توازن جديد بين السوق والمجتمع.

ليست الأزمة محصورة في أحد النظامين، بل يعاني كلاهما من خلل داخلي بأشكال متعددة،ومع ذلك، فإن الصراع على الموارد والأسواق والتفوق التكنولوجي، إذا لم يُدار بحكمة وتفاهم متبادل، فإن "فخ ثيوسيديدس" سيبقى قائما، وستظل قصة أثينا وإسبرطة تتكرر بأدوات أكثر تدميرا.

إسرائيل تسْتتِر بورقة توت

 إسرائيل تسْتتِر بورقة توت

جعفر عباس

ليس من الغريب أن أمر الرقابة الصارمة على شبكات الإعلام في إسرائيل، 
ظل على الدوام في يد المؤسسة العسكرية، فهي وحدها الآمر الناهي الذي يحدد 
ما هو مباح وما هو محظور نقله وبثه ونشره من قِبل وسائل الإعلام..

باستشهاد الزميل محمد وشاح، ارتفع عدد شهداء الصحافة في قطاع غزة وحده، خلال 3 سنوات، الى 262 شهيدا. صعدت أرواح معظمهم برصاص القناصة والاستهداف المباشر، وهذا العدد من شهداء الكلمة والحقيقة يفوق عدد الصحفيين الذين قتلوا في ميادين الحروب في كل القارات منذ بداية تدوين التاريخ، وجاء في تقرير لجمعية حماية الصحفيين الدولية في عام 2025، أن إسرائيل هي أكثر دول العالم قتلا للصحفيين على مستوى العالم.

جاء ترتيب إسرائيل في المركز الـ 108 في قائمة الدول الأكثر قمعا للصحافة والصحفيين في عام 2025، وفيما يخص الصحافة الإسرائيلية وحدها، تقول مجلة +972 إن الرقابة العسكرية حظرت جزئيا او كليا، في عام 2024 نحو 7900 تقريرا صحفيا، وأن متوسط عدد التقارير التي تخضع للحظر بلغ العشرين يوميا منذ حرب غزة.

ولم يكن غريبا أن يكون صحفيو شبكة الجزيرة الإعلامية الأكثر استهدافا من قبل آلة الحرب الإسرائيلية، فالقانون الذي أصدره البرلمان الإسرائيلي في 1 نيسان/ ابريل من عام 2024 ويبيح للسلطات الإسرائيلية طرد وإبعاد شبكات الأخبار الأجنبية، ومصادرة ممتلكاتها، يحمل اسم "قانون الجزيرة"، وأجيز بأغلبية 71 صوتا مقابل 10 أصوات، وكان وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرحي، في منتهى الوضوح عندما قال أن القانون يستهدف الجزيرة تحديدا، وبعد صدور القانون بثلاثة أسابيع تمت إغلاق مكاتب وكالة أسوشيتد برس، بزعم أنها تقوم بتسريب الصور والمعلومات الى شبكة الجزيرة، وسبق في عام 2021، أن دمرت إسرائي مكتبي الجزيرة وأسوشيتد برس في غزة.

ليس من الغريب أن أمر الرقابة الصارمة على شبكات الإعلام في إسرائيل، ظل على الدوام في يد المؤسسة العسكرية، فهي وحدها الآمر الناهي الذي يحدد ما هو مباح وما هو محظور نقله وبثه ونشره من قِبل وسائل الإعلام، ذلك أن تاريخ إسرائيل كله سلسلة من الحروب والاعتداءات والاغتيالات، وفي الدول والمجتمعات المُعَسْكَرة، تكون هيئة الضباط في حالة هلع وجزع من انكشاف وافتضاح تجاوزاتهم، ومن ثم لم يكن مستغربا ان تنهال سياطهم الى صحيفة هآرتس الإسرائيلية نفسها، بحرمانها من العون والاعلانات الحكومية، لأنها نشرت تحقيقا عن فساد وتجاوزات المؤسسة العسكرية. وبإزاء هذا الشطط في الرقابة صارت بعض الصحف الإسرائيلية تلجأ الى حيلة ذكية، تتمثل في تسريب التقارير الى صحف أجنبية، ثم تعود وتنقل تلك التقارير عن تلك الصحف، بمنطق "ناقل الكفر ليس بكافر".

وهكذا جاء ترتيب إسرائيل في المركز الـ 108 في قائمة الدول الأكثر قمعا للصحافة والصحفيين في عام 2025، وفيما يخص الصحافة الإسرائيلية وحدها، تقول مجلة +972 إن الرقابة العسكرية حظرت جزئيا او كليا، في عام 2024 نحو 7900 تقريرا صحفيا، وأن متوسط عدد التقارير التي تخضع للحظر بلغ العشرين يوميا منذ حرب غزة.

أما في حرب حزيران/ يونيو 2025 التي أشعلتها إسرائيل بضرب العديد من الأهداف في ايران، فقد سمحت الرقابة لوسائل الإعلام بقول إن 29 إسرائيليا قتلوا بالقذائف الإيرانية، ولكنها لم تسمح بكلمة واحدة عن مواقع سقوط تلك القذائف، وعندما أشعلت إسرائيل حرب 28 شباط/ فبراير على ايران بالتواطؤ مع الولايات المتحدة، صار الصحفيون الأجانب والإسرائيليون ملزمين بعرض كل ما لديهم عنها على الرقيب العسكري، ومن ثم لا يعرف أحد سوى قادة الجيش الإسرائيلي حجم الخسائر التي تكبدتها إسرائيل، جراء الاستهداف الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيرة.

تقول منظمة صحفيون بلا حدود إن الصحفيين الفلسطينيين في غزة، والضفة الغربية بشقيها المحتل و"المختل"، يحظون بمعاملة "خاصة جدا" من الرقيب الإسرائيلي، تتسم بالعداء المفرط، وتأليب وسائل الإعلام الإسرائيلية عليهم، بإلصاق اتهامات مخزية بهم، وترويعهم بتشجيع المستوطنين على استهدافهم، حتى صار بعض أولئك الصحفيين مرغمين على الاستعانة بحراس شخصيين، بل وبلغ العسف أن حرمت إسرائيل، في عام 2021، أكثر من 20 صحفيا فلسطينيا من مغادرة غزة والضفة الغربية الى وجهات خارجية، ثم أغلقت في آب/ أغسطس 2022، مكاتب سبع جمعيات فلسطينية لحقوق الإنسان، بزعم أنها تتواصل مع منظمات إرهابية.

إسرائيل ظلت تمارس قمع الحريات الصحفية لتتستّر على جرائمها، ولكن ديمقراطية تداول المعلومات التي أتاحتها منصات التواصل التكنولوجية أسقط عنها ورقة التوت، فبات الرأي العام العالمي يراها على حقيقتها، بلا مكياج.

استمرأت إسرائيل قمع الحريات الإعلامية لأنها ظلت تجد المؤازرة في ذلك من الحكومات ووسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية، بـ "التواطؤ والصمت"، بل وترديد أن إسرائيل هي قلعة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ومن ثم فهي حليف الغرب المؤتمن، وذراعه في ترويض وتدجين حكومات المنطقة. ولهذا لم يرتفع صوت رسمي أو صحفي أوروبي أو أمريكي يستنكر اختطاف إسرائيل، للخبير النووي مردخاي فعنونو من إيطاليا، وهو الذي كشف تفاصيل برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي للصحافة البريطانية عام 1986، ثم الزج به في السجن ل18 سنة، وحتى بعد الإفراج عنه عام 2004 ما زال فعنونو محروما من حرية الحركة والكلام، بل إن صحفيا بريطانيا تواصل مع فعنونو لإجراء حوار معه، بات ممنوعا من دخول إسرائيل "نهائيا".

كل هذا الهلع والجزع من التقارير الصحفية، يجعل من إسرائيل "المريب الذي يكاد يقول خذوني"، فهي تعلم ان سجلها في مجال حقوق الانسان مخزٍ ودموي، ومن ثم فهي تخاف من الكلمة والصورة، بدرجة أنها حظرت استخدام كلمة النكبة في وسائل الإعلام عند الإشارة لأحداث عام 1948، باعتبار أن بها حمولة دعائية معادية لإسرائيل. ومنذ عام 2016، صارت هناك إدارة خاصة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تراقب وتلاحق المدونات وصفحات منصة فيسبوك التي تخص مواطنين إسرائيليين. وإسرائيل وعبر أصحاب الملايين الأمريكان اليهود، هي من تسعى لانتزاع حصة كبيرة من تطبيق تيك توك من الصين، لأن محتواه في السنوات الأخيرة، هو ما أدى إلى فضح جرائم الإبادة في غزة، ومن ثم تأليب الرأي العام الغربي عموما على إسرائيل.

والشاهد هو أن إسرائيل ظلت تمارس قمع الحريات الصحفية لتتستّر على جرائمها، ولكن ديمقراطية تداول المعلومات التي أتاحتها منصات التواصل التكنولوجية أسقط عنها ورقة التوت، فبات الرأي العام العالمي يراها على حقيقتها، بلا مكياج.

المزيد حول هذا الموضوع

عباس وفتح وحماس: قراءة في التوجهات


الجمعة، 22 مايو 2026

فوق السلطة 493 تسريبات صادمة - هل تعرضت غزة للخيانة من حزب الله وإيران؟

فوق السلطة 493 تسريبات صادمة - هل تعرضت غزة للخيانة من حزب الله وإيران؟




تخلصوا من الهواتف والهدايا.. "فوق السلطة" يكشف كواليس زيارة ترمب إلى الصين
تناولت حلقة (22 مايو/أيار 2026) من برنامج “فوق السلطة” التي يقدمها نزيه الأحدب ملفات سياسية وإقليمية متشابكة، بدأت بقمة أمريكية صينية وُصفت بأنها قمة انعدام ثقة بامتياز.

وكشف البرنامج عن إجراءات أمنية مشددة رافقت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين، شملت منع إدخال الهواتف الشخصية والتخلص من كل الأجهزة والهدايا الإلكترونية الصينية عقب انتهاء الزيارة، في ظل مخاوف متبادلة من عمليات التجسس بين القوتين.

وسلطت الحلقة الضوء على التصريحات المتناقضة لترمب بشأن الملف النووي الإيراني، بعدما تحدث عن قبول وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني لمدة 20 عاما، قبل أن يربط موافقته على وقف إطلاق النار مع إيران باعتبارات تتعلق بباكستان، فيما رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي باتهام واشنطن بإطلاق "تناقضات وأكاذيب" تعرقل المسار الدبلوماسي.

وفي الملف الفلسطيني، تناول البرنامج الجدل الذي أثاره اللاعب لامين يامال بعد رفعه علم فلسطين خلال احتفالات جماهيرية لنادي برشلونة، وهو ما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس للمطالبة بموقف من النادي، قبل أن يعيد برشلونة نشر المقطع، بينما دافع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن اللاعب، معتبرا أن اعتبار رفع العلم "تحريضا" يعكس أزمة أخلاقية وسياسية.

عز الدين الحداد

كما تطرقت الحلقة إلى إعلان إسرائيل استهداف القيادي في كتائب القسام عز الدين الحداد داخل غزة، وربطت ذلك بتسريبات إسرائيلية تحدثت عن رسالة بعث بها قادة حركة حماس إلى الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصر الله صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تضمنت طلبا مباشرا لمشاركة الحزب في الهجوم، وسط تساؤلات بشأن حجم الدعم الذي تلقته الحركة من حلفائها خلال الحرب.

وتوقفت الحلقة أيضا عند المخاوف الإسرائيلية من هجوم إيراني محتمل، بعد تقارير عن إخلاء سيارات كهربائية من ميناء أسدود خشية اشتعال بطاريات الليثيوم جراء أي قصف صاروخي أو هجمات بالمسيرات، بالتزامن مع مناورات عسكرية إسرائيلية حملت اسم "النار والكبريت" على الحدود مع مصر والأردن وصفقات لتعزيز قدرات طائرات "إف-35″.

وفي العراق، تناول البرنامج الجدل الذي أثارته رواية متداولة عن اكتشاف قاعدة عسكرية قرب النجف بواسطة راع وغنمه، في مشهد ساخر ربطه البرنامج بحالة الجدل السياسي والأمني في البلاد، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا حيث ناقش إدراج رموز مثل البطيخ وخريطة فلسطين ضمن مواد مرتبطة بما تصفه السلطات بـ"التطرف الفلسطيني".

واختتمت الحلقة بملف "نظام الطيبات" الغذائي الذي أثار جدلا واسعا في مصر، بعد وفاة الطبيب ضياء العوضي، حيث استعرض البرنامج الانتقادات الطبية للنظام الغذائي الذي يروج لمنع بعض الأطعمة والأدوية، إلى جانب شهادات لعائلات قالت إن أقاربها تضرروا بعد إيقاف علاجاتهم التقليدية استنادا إلى نصائح مرتبطة بالنظام.

أمريكا متراجعة.. ولهذا السبب تتأخر الصين عن قيادة العالم

 أمريكا متراجعة.. ولهذا السبب تتأخر الصين عن قيادة العالم

كاتب وصحفي تركي.

ماذا حدث بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والوفد الضخم المرافق له إلى الصين؟ وما الذي تغير في العالم عقب لقاء القوتين العظميين؟ 

الجواب باختصار: لم يتغير شيء.

فلم تنتهِ الحروب في أوكرانيا وإيران، التي تعد أخطر الأزمات العالمية، ولم تُطو أزمة الطاقة، ولم يعلن حتى عن أي جهود جدية في هذا الاتجاه.

كما لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن تايوان، التي تمثل بؤرة توتر، ولم نشهد كذلك أي جهود رامية إلى نظام عالمي أكثر عدالة، أو توزيع أكثر إنصافا للدخل، أو انفتاحٍ تجاه الدول الفقيرة، أو (مبادرات) لصالح المحتاجين.

بينما تنهار القوة القديمة، لا تولد قوة جديدة

إن عبارات المجاملة المبالغ فيها التي صدرت عن ترمب خلال الزيارة، وكلماته التي تمجد الصين ورئيسها شي جين بينغ، إضافة إلى التصريحات الصادرة، تعكس أن الولايات المتحدة هي الطرف الأضعف على الطاولة.

ويبدو أن واشنطن تدرك تراجع نفوذها المهيمن بالتوازي مع تناقص قوتها في الاقتصاد العالمي.

ولا شك أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية العظمى في العالم، بيد أن ذلك لم يعد كافيا وحده لفرض كلمتها في النظام الدولي.

فما القيم التي تقدمها؟ وكيف توجه السياسة العالمية المتأزمة؟ وما هو البديل الذي تقدمه في مواجهة تآكل القيم الإنسانية؟ وأي رؤية اجتماعية أو ثقافية تطرحها؟

وعند المقارنة بين الولايات المتحدة اليوم وبين مكانتها قبل ثلاثين عاما، يتجلى الفارق بوضوح، ويمكن القول إن واشنطن تفقد قوتها وتتجه نحو التراجع.

ولهذا السبب تتبنى الإدارة الأمريكية سلوكا عدوانيا وهجوميا ومزعزعا للاستقرار وتبالغ في استعراض القوة، فلا توجد دولة تثق بإمكاناتها وتبلغ ذروة قوتها تتصرف بهذه الطريقة.

ومن الحديث عن شراء غرينلاند، إلى محاولة السيطرة على نفط فنزويلا، ومن السعي لإخضاع كوبا إلى تهديد أوروبا، تعكس هذه التحركات دولة تشعر بأن زمام القوة يفلت من يدها وتتصرف بردود فعل عشوائية.

وفي مقابل ذلك، (يبرز السؤال التالي): هل ستملأ الصين مكان الولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد؟

الصين ليست قوة مهيمنة

ومثلما أن الجيش الأمريكي القوي لا يكفي وحده لضمان النظام العالمي، فإن القوة الاقتصادية الهائلة التي وصلت إليها الصين لا تكفي هي الأخرى لتأسيس نظام دولي.

وتاريخيا، لم تكن الصين راغبة يوما في دور صانع قواعد اللعبة في النظام العالمي، ولم تكن لديها أي نية لذلك. وفي الحقيقة إن سور الصين العظيم الذي أحاطت به نفسها يمكن أن يفسر لنا منهجية بكين وفلسفتها بعدم الرغبة في الانخراط في أي شكل من أشكال الصراعات.

لكن الصين سلكت طريقا آخر تمثل في الاندماج بالاقتصاد العالمي وتحقيق معدلات نمو سريعة وعالية تتماشى مع ارتفاع معدلات نمو السكان الضخم، لذا فإن بكين خرجت من محيطها لتتمدد اقتصاديا في أرجاء الكرة الأرضية، لتحقيق أهدافها الاقتصادية، لخدمة شعبها، ولذلك تركزت جميع تصريحات الرئيس شي على ضمان استمرار التجارة، وتجنب الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، لتأمين احتياجات هذا العدد الضخم من السكان.

وباستثناء ملف تايوان، لم نر في التصريحات الرسمية مواقف حادة، بينما كانت الأطروحات المدافعة عن نظام عالمي متعدد الأقطاب بدلا من نظام عالمي أحادي القطب حاضرة في كل الخطابات.

وكما التزمت الصين الصمت تجاه الاضطرابات الجيوسياسية التي دمرت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، فهي لم تقدم حتى اللحظة مقاربات سياسية أو جيوسياسية واضحة لمعالجة تلك الأزمات.

فالصين لم تسع لتقديم تصور جاد لإرساء نظام في المنطقة خارج حدود شراء النفط من دولها وبيع البضائع لها. وعلى نطاق أعم وأشمل، لا تقترح أي منظومة أو ثقافة بديلة لمعالجة التوزيع غير العادل للدخل.

ولهذا السبب تحديدا، لا يمكن للصين- إذا لم تغير نهجها- ضمان النظام العالمي. ولعلها بدافع سياسة "الصبر الإستراتيجي" الشهيرة التي تنتهجها قد تنتظر مئة عام أخرى من أجل تحقيق ذلك، لست أدري.

الدخول في عهد الفترة
أما أوروبا، فحالها يُرثى لها؛ إذ تعجز دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) حتى عن التوافق فيما بينها بشأن الجهود الرامية إلى منع التفكك، أو صياغة عقل جمعي مشترك أو إيجاد أي مخرج لأزماتهم.

كما أنها تكاد تكون قد انسحبت من سباق التكنولوجيا، في حين تواصل اقتصاداتها التراجع، وأصبحت غير قادرة على حماية بلادها عسكريا دون دعم الولايات المتحدة.

وأجزم بأن الجميع أدرك أنه من غير الواقعي التعويل على دور أوروبي مؤثر في السياسة الدولية. وفي ظل تراجع القوة الأمريكية، وخروج أوروبا من اللعبة، وبقاء الصين بعيدة عن الاضطلاع بدور الضامن للنظام، كيف سينجو العالم من هذا الاضطراب الذي سقط في جوفه؟

ويبدو أن العالم قد دخل بالفعل في عهد الفترة تمهيدا لصياغة نظامه الجديد، ويمكن تسمية هذه المرحلة أيضا بعصر الغموض واللايقين.

فلا أحد يملك القدرة على التنبؤ، ولا أحد يجد مخرجا، ولا يمكن لأحد تخمين ما سيحدث بدقة، ولذلك سيمر العالم بما يسمى بعهد الاضطراب، وبعدها ستبني البشرية لنفسها نظاما جديدا.

ولعل الذكاء الاصطناعي سيهرع لنجدتنا حينها، لست أدري. وفي هذا السياق، فلنطرح سؤالا أخيرا على أنفسنا: ماذا ستفعل الدول المسلمة خلال هذه المرحلة؟

في انكشاف لعبة سرديات الصهاينة الزائفة وانهيارها

في انكشاف لعبة سرديات الصهاينة الزائفة وانهيارها

نيقولاوس فان دام

خلال سنوات عملي في وزارة الخارجية الهولندية، نشرتُ القليل عن فلسطين وإسرائيل، ليس أقلّه لأن هذا لم يكن ليُقبل في ظل القواعد السائدة آنذاك. فعلى الرغم من أن النشر كان مسموحاً به رسميّاً، كان على المرء أن يأخذ في الحسبان العواقب السلبية المحتملة، سيما عندما تنحرف النصوص عن السياسة الرسمية. وقد رأى بعض المسؤولين أن مسيرتهم المهنية تضرّرت بعد نشر مقالات اعتُبرت شديدة الانتقاد، بينما نجا آخرون، بمن فيهم أنا، من مثل هذه التداعيات.

في بداياتي داخل الوزارة، كان عليّ أن أعتاد على حقيقة أن التعبير عن التعاطف مع القضية الفلسطينية لم يكن أمراً بديهيّاً، حتى وإن كان مبررّاً بالكامل. ففي أحد الاجتماعات المنعقدة في إطار الحوار الأوروبي- العربي في لاهاي، ألقى ممثل جامعة الدول العربية خطاباً حماسيّاً دعم فيه الفلسطينيين. وانفجر الحضور بالتصفيق، فانضممتُ إليهم بحماس. غير أنني، عندما التفتُّ بضع مقاعد إلى يساري، حيث كان يجلس رئيسي المباشر، رأيته ينظر إليّ بنظرة عتاب، فتصفيقي لم يكن يعكس سياسة الحكومة الهولندية، ولذلك ما كان له أن يحدُث.

في ذلك الوقت، كنت أعتقد أن ما هو سليم علميّاً أو أكاديميّاً لا يمكن الطعن فيه بصورة معقولة لأسباب سياسية. وقد تبيّن أن هذا الافتراض كان ساذجاً، فالتقارير التي كانت تُكتب بصفة مراقب يُفترض فيه الموضوعية حول تطورات الشرق الأوسط لم تكن تلقى دائماً ترحيباً عندما لا تنسجم مع الخط السياسي للوزير أو الحكومة. ولطالما واجهتُ صعوبةً مع الحالات التي لا تُبدي فيها الحكومة استعداداً للإصغاء بجدّية إلى آراء الخبراء. ففي هذه الحالات، كان الجهل يميل إلى أن يسود. أو ربما كان الأمر مجرّد تجاهل متعمّدٍ تدفعه دوافع سياسية أو انتهازية سياسية. وأحياناً ربما لم يكن المسؤولون الحكوميون مدركين جهلهم هم أنفسهم، إذ كان تفكيرهم مدفوعاً أكثر بالتعاطف والانحياز منه بالتحليل العقلاني. وقد تناولتُ لاحقاً هذا التوتر في محاضرة ألقيتها في جامعة لايدن بعنوان: "عدم أهمية البحث الأكاديمي في صنع السياسة الخارجية".

التعاطف مع القضية الفلسطينية لم يكن أمراً بديهيّاً، حتى وإن كان مبررّاً بالكامل

وأتذكر سفيراً هولنديّاً في بيروت كان، في سبعينيات القرن الماضي، يرفع تقارير موضوعية عن القصف الإسرائيلي للبنان. وكانت ردة فعل بعض الشخصيات الأساسية في الوزارة ساخرةً ومستخفّةً: "لقد فقد هذا الرجل صوابه تماماً". وعن دبلوماسي آخر كان قد زار مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، قيل: "كأنه أصبح فلسطينياً بالكامل!".

في سنواتي الأولى في لاهاي، حين كنت أعمل في الإدارة السياسية لشؤون الشرق الأوسط، تلقّى وزير الخارجية مرّة طلباً غير مألوف. فقد سعى مهندس هولندي إلى الحصول على دعم مالي لمشروع يتعلق بغزّة، قدّمه بوصفه "مساهمة عملية" في حل القضية الفلسطينية. وبحكم شهرة الهولنديين في أعمال استصلاح الأراضي وتجفيف البحار، رأى أن بإمكانهم أن يؤدّوا دوراً خاصّاً في هذا المجال. وكان اقتراحه بسيطاً بقدر ما كان لافتاً: لماذا لا يتم إنشاء مساحة من الأراضي المستصلحة، تمتد على عدة كيلومترات مربعة، في البحر قبالة ساحل غزّة؟ ويمكن نقل فلسطينيي قطاع غزّة إلى هذه الجزيرة الاصطناعية الجديدة، ما يخفف الضغط السكاني، بينما يحصل المستوطنون اليهود في غزّة على مساحة أكبر.

وقد طُلب من إدارتنا إعداد ردٍّ على هذا المقترح. وتبعاً لقاعدة عامة، كانت كل رسالة تُوجَّه إلى الوزير، مهما بدت غير مألوفة، تستحق جواباً، ولو مجرّد إشعار مهذّب باستلامها. لكنني، بحكم قلة خبرتي الإدارية آنذاك، شعرتُ بأن هذا الاقتراح، الذي بدا لي غير واقعي تماماً، إن لم يكن مُشيناً، لا يستحق أي ردّ، وربما كان من الأفضل أن يُودَع بهدوء في أحد الملفات. ومن الناحية التقنية، ربما كان الاقتراح مثيراً للاهتمام، أما سياسيّاً فكان غير مقبول إطلاقاً. وكان يكفي فقط عكس المنظور. تخيّلوا اقتراحاً يقضي بنقل جميع اليهود الإسرائيليين إلى جزيرة اصطناعية قبالة سواحل إسرائيل لكي يتخلص الفلسطينيون منهم. عندئذٍ كان من المؤكد أن يُتَّهم صاحب الاقتراح بمعاداة السامية، بغض النظر عن حسن نياته أو افتقاره إلى الوعي السياسي.

غير أن رئيسي الأكثر خبرة كان له رأي مختلف. فقد اعتبرها فكرة مبتكرة تستحق ردّاً مهذباً، مقترحاً أن نشكر المهندس على ابتكاره، مع توضيح أن الوزارة لا تملك الموارد المالية اللازمة لتنفيذ هذا المشروع. وهكذا، وفي الوقت المناسب، أُرسلت رسالة مهذّبة بهذا المعنى باسم وزير الخارجية.

وفي عام 1978 وقع توغل عسكري إسرائيلي واسع في لبنان، وقد استخدمتُ في مذكرة داخلية مصطلح "الغزو" الإسرائيلي. غير أن رئيسي غيّره إلى "عملية"، لإعطاء الانطباع بأن ما يجري أقل خطورة مما هو عليه. وجدير بالذكر أن هذه "العملية" (مع بعض فترات الانقطاع) لا تزال مستمرّة، مترافقة مع عمليات قتل ودمار إسرائيلية واسعة. ولم يكن حزب الله موجوداً في ذلك الوقت؛ إذ لم يظهر إلا لاحقاً نتيجة الغزو الإسرائيلي لبنان عام 1982، تماماً كما تأسّست حركة حماس في ديسمبر/ كانون الأول 1987، بعد فترة قصيرة من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي.

المصطلحات مهمّة بطبيعة الحال، فقد كانت الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 تُوصَف في البداية في إسرائيل بأنها "الأراضي المحتلة"، ثم أصبحت تُسمّى "الأراضي المُدارة" أو "الأراضي المحتجزة"، ثم اختُزلت التسمية لاحقاً إلى مجرّد "الأراضي"، وكأن الاحتلال لم يعد قائماً. وفي الوقت نفسه، بدأ يُشار إلى الضفة الغربية المحتلة بأسمائها التوراتية: يهودا والسامرة. بل جادل رئيس الوزراء مناحيم بيغن، في اجتماعنا مع وزير الخارجية الهولندي كريس فان دير كلاو عام 1981، بأن الأمر لا يتعلق أصلًا بـ"احتلال"، قائلًا: "كيف يمكن لكم الحديث عن احتلال شيء هو ملك لكم أصلاً؟".

تخيّلوا اقتراحاً يقضي بنقل جميع اليهود الإسرائيليين إلى جزيرة اصطناعية قبالة سواحل إسرائيل لكي يتخلص الفلسطينيون منهم

أما النسخة الإنكليزية من قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242 لعام 1967، فتتحدّث عن "انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراضٍ احتُلّت في النزاع الأخير". فهي لا تشير إلى "الأراضي المحتلة" بصيغة التعريف، بل تستخدم تعبيراً عاماً ومبهماً هو "أراضٍ احتُلّت"، ما أحدث، في البداية، انطباعاً بأن إسرائيل قد لا تكون مطالبة بالانسحاب من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967. ومع ذلك، وبما أن القرار نفسه شدّد على "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب"، فقد كان واضحاً أن المقصود هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل. وفي حل وسط، أُدخل غموض متعمَّد (ما يسمى الغموض البنّاء)، لأنه لولا هذا لما كان القرار قد اعتُمد.

ومن خلال الإبقاء سنوات على هذا الغموض بشأن ما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تنسحب بالكامل إلى حدود ما قبل 1967، أُتيحت لها تدريجيّاً فرصة الاستيلاء على الأراضي بصورة غير قانونية وإقامة المستوطنات من دون إثارة احتجاجات واضحة من المجتمع الدولي الغربي. وقد تجلّت حساسية هذه القضية في هولندا عندما جرى، في أوائل 1974، تعليق مهام الناطق باسم وزير الخارجية الهولندي، كريستيان توركوف، لأنه قدّم علناً تفسيراً غير مطابق للسياسة الهولندية، حين أوحى بأن على إسرائيل الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة، الأمر الذي أثار انتقاداتٍ داخل مجلس النواب الهولندي.

بعد فترة قصيرة من حرب الأيام الستة، كان الموقف السائد في سورية على النقيض، ففي 1970، تحدثتُ في حلب مع أحد أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأشرتُ إلى "الأراضي المحتلة". ولأنه استنتج من كلامي أنني أعترف بإسرائيل، ردّ عليّ بشيء من الانزعاج قائلًا: "أي أراضٍ محتلة تقصد بالضبط: أراضي 1948 أم أراضي 1967؟". في ذلك الوقت، كانت وسائل الإعلام السورية تتحدث فقط عن "فلسطين المحتلة" و"الكيان الصهيوني". ثم ظهرت لاحقاً كلمة "إسرائيل" بين علامتي تنصيص. وفي نهاية المطاف، اختفت حتى هاتان العلامتان من الصحافة السورية. وكان هذا يعكس عملية تدريجية من تقبّل إسرائيل ضمن حدود ما قبل 1967.

وعندما رافقتُ وزير خارجيتنا فان دير كلاو إلى سورية عام 1978، سأل وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام نظيره الهولندي عمّا إذا كان يؤيد فكرة قيام دولة فلسطينية إذا كان الفلسطينيون أنفسهم يريدون هذا. 

وأضاف: أليست هولندا تعترف بحق الشعوب في تقرير المصير؟ فأجاب فان دير كلاو بالإيجاب، مؤكدًا أنه يؤيد فكرة الدولة الفلسطينية في تلك الحالة، وكان يعني ما قاله فعلًا. وقد دوّنتُ ذلك بأمانة في التقرير، غير أن رئيسي في الوزارة حذف هذه الفقرة "لأنه كان عليك أن تحمي الوزير من نفسه". 

فبحسب رأي رئيسي، على الأقل، كان من المفترض أن يأخذ الوزير في الاعتبار بالكامل الرأي العام الهولندي المؤيد بقوة لإسرائيل، رغم أنه كان يمتلك السلطة السياسية التي تخوّله اتباع خط مختلف. لكن رئيسي كان محقّاً من زاوية معيّنة، إذ كان يمكن أن يضرّ الاعتراف العلني، في ذلك الوقت، بفكرة الدولة الفلسطينية بصورة خطيرة بالموقع السياسي الداخلي للوزير في هولندا.

المشكلة لا تكمن في نقص بيانات الإدانة، بل في غياب القوة، أو بالأحرى غياب الإرادة لاستخدامها

وخلال فترة عملي في وزارة الخارجية، نشرتُ دراسات عن سورية والعراق، رغم أن القضايا التي تناولتها (الطائفية والعشائرية والإقليمية، وهي موضوعات أطروحتي للدكتوراه)، كانت شديدة الحساسية. وغالباً ما تُعدّ من المحرّمات في تلك البلدان. ومع هذا، بدا أن هذه المنشورات مرّت إلى حدّ كبير من دون أن تُلاحظ داخل وزارة الخارجية في لاهاي. أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فكان الوضع مختلفاً؛ إذ لم يكن النقد يُقبَل بسهولة، سيما في العلن. أما داخليّاً، فقد تناولتُ القضية بصورة أكثر مباشرة. ففي مؤتمر للسفراء عام 1984، ألقيتُ محاضرة عن السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس طائفية وإثنية، وهي سياسات تدميرية أصبح من الواضح بصورة متزايدة، خلال العقود الأربعة الماضية، حجم آثارها، بينما كانت في ذلك الوقت تُعتبر إلى حد كبير أمراً مسلّماً به.

في 1981، وفي أثناء عملي في بيروت، عُيّنتُ أميناً لبعثة الشرق الأوسط التابعة للرئاسة الأوروبية الهولندية، وأُتيحت لي فرصة فريدة لمرافقة وزير خارجيتنا، فان دير كلاو، نحو خمسة أشهر في زيارات إلى إسرائيل و14 دولة عربية. وكانت تلك تجربة فريدة ومثيرة، وأعتقد أنها كانت أوسع بعثة أوروبية إلى الشرق الأوسط. وقد أجرينا محادثاتٍ مهمّة مع ملوك وأمراء ورؤساء وشيوخ وسلاطين وأمراء، إضافة إلى رؤساء حكوماتهم ووزراء خارجيتهم وغيرهم من المسؤولين الحكوميين. والسؤال المطروح: ماذا بقي من هذه الجهود الأوروبية، ومن الجهود اللاحقة، للمساعدة في التوصّل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي بعد نحو 45 عاماً؟ أخشى أن الجواب: لا شيء إيجابي. ... فقد ظلت التصوّرات الإسرائيلية لمفهوم "العدالة" متعارضة جذريّاً مع ما يراه معظم العرب عدالة، الأمر الذي جعل التوصل إلى تسوية وسط أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

لا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمرّاً بلا هوادة، من دون أي حل مُرضٍ يلوح في الأفق؛ بل على العكس، يزداد الوضع سوءاً

وبالنظر إلى الماضي، يمكن للمرء أن يتساءل عن جدوى هذه البعثة والعديد من الجهود الأوروبية الأخرى. لقد مرّ ما يقرب من 60 عاماً على حرب 1967. فما الذي تغيّر؟ أو بالأحرى: ما الذي تحسّن؟ في الواقع، لا شيء يُذكر بالمعنى الإيجابي. فمن وجهة النظر الفلسطينية والعربية، تدهور الوضع بشكل خطير، والسبب الرئيسي أن كل ما قامت به إسرائيل تقريباً جرى التسامح معه، بل وتشجيعه أحياناً.

ولطالما تساءلتُ عمّا إذا كان من الممكن ألا نكون قد رأينا ذلك كله قادماً منذ عقود. ففي بعثتنا عام 1981، أخذنا الإسرائيليين على محمل الجد، وكنا نأمل، بسذاجة تبدو واضحة عند النظر إلى الماضي، أن يصبحوا أكثر "قابلية للاحتكام إلى العقل" خدمةً للسلام. ولكن يمكن القول أيضاً إننا لم نأخذ الإسرائيليين على محمل الجد إطلاقاً، لأننا كنّا نأمل أن يفعلوا شيئاً مختلفاً عمّا كانوا يعلنونه باستمرار. لقد اعتقدنا أن مفهوم "العدالة" سينتصر في نهاية المطاف داخل إسرائيل، ولا يزال بعضهم يعتقد هذا. غير أن التفكير القائم على التمنيات كان متفشياً آنذاك، ولا يزال.

ولا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمرّاً بلا هوادة، من دون أي حل مُرضٍ يلوح في الأفق؛ بل على العكس، يزداد الوضع سوءاً. وتتحمل معظم الدول الغربية مسؤولية مشتركة عن هذا بسبب سياستها، عقوداً، القائمة على التسامح مع إسرائيل ودعمها، وبسبب عدم استعدادها لتطبيق المبادئ والمعاهدات التي أعلنت هي نفسها التزامها بها ووقّعتها. ففي هذه القضية، ثبت بوضوح أن "عدم القيام بأي شيء"، باستثناء إطلاق تصريحات فارغة لا تُحصى، كان خطأً فادحاً، فالمشكلة لا تكمن في نقص بيانات الإدانة، بل في غياب القوة، أو بالأحرى غياب الإرادة لاستخدامها.

ظلّ جزءٌ كبيرٌ من العالم الغربي خاضعاً، أكثر من 80 عاماً، لتأثير دعاية "الهسبارا" الإسرائيلية، والعنصرية الاستعمارية

في 1998، وفي أثناء عملي سفيراً في تركيا، نشرتُ كتاب "السلام الذي لم يتحقّق" بالاشتراك مع الصحافي الهولندي يان كويلِن. تناول الكتاب فلسطين وإسرائيل، إضافة إلى تجاربي في لبنان والأردن وفلسطين وليبيا والعراق ومصر. وقبيل صدور الكتاب، أجريتُ عدة مقابلات نُشرت في الصحف والمجلات يوم صدوره الرسمي. وقد اخترتُ عدم عرض المخطوطة مسبقاً على الوزارة، لأنني توقّعت أن يُطلب إجراء اقتطاعات جوهرية منها، كانت ستجعل من الصعب عليّ تحمّل المسؤولية الشخصية الكاملة عن النص النهائي. فضلًا عن هذا، كان العرض المسبق سيعني ضمناً تقاسم المسؤولية مع الوزارة، وهو ما فضّلت تجنّبه.

مع ذلك، طلبتُ من صحافي صديق أن يراجع المخطوطة بهدف إزالة أي حساسيات غير ضرورية. وقد قدّم لي عدة اقتراحات مفيدة. وبعد ظهور التغطية الإعلامية الأولى، تلقيتُ اتصالاً عاجلاً من قسم الصحافة في الوزارة يسألني عن سبب تقديمي الكتاب مسبقاً إلى الوزارة. فأجبت: "كونوا سعداء لأنني لم أرسله إليكم مسبقاً، وإلا لكنتم الآن مضطرّين إلى التعليق عليه". ولم تنشأ بعد ذلك أي مشكلات. وبعد فترة قصيرة، تم ترشيحي سفيراً لدى ألمانيا، وهي من أهم البعثات الدبلوماسية الهولندية في الخارج.

ومن المذهل حقّاً كيف أن الجزء الأكبر من العالم الغربي استطاع أن يكون أعمى إلى هذا الحد، ولا يزال يتظاهر بهذا، تجاه سلسلة متواصلة من جرائم الحرب الإسرائيلية، والاحتلال، وانتهاكات حقوق الإنسان، والتطهير العرقي، والتمييز العنصري، وانتهاكات القانون الدولي، والخداع والأكاذيب. لقد ظلّ جزءٌ كبيرٌ من العالم الغربي خاضعاً، أكثر من 80 عاماً، لتأثير دعاية "الهسبارا" الإسرائيلية، والعنصرية الاستعمارية، وشعور مضلِّل بالذنب. وقد لعب الصهاينة هذه اللعبة بمهارة، لكن سرديّاتهم الزائفة بدأت تتهاوى تدريجيّاً.




سفير هولندي سابق لدى العراق ومصر وتركيا وألمانيا وإندونيسيا، ومبعوث خاص إلى سورية. عمل دبلوماسياً في لبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة وليبيا. مؤلف كتابي "الصراع على السلطة في سورية" و"تدمير وطن. الحرب الأهلية في سورية".                                                                           

الخميس، 21 مايو 2026

أفول بن غوريون .. ومملكة الحشمونائيم قريبا في إسرائيل

 أفول بن غوريون .. ومملكة الحشمونائيم قريبا في إسرائيل


عبد الله معروف


كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لطالما كانت إسرائيل وداعموها يتغنون بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وهذه العبارة الدعائية كانت على الدوام المحور الأساسي لأي نقاش حول طبيعة إسرائيل وكونها عنصرا غريبا على الإقليم، والمنطقة العربية المحيطة بها.

هذه العبارة التي تغنى بها السياسيون الإسرائيليون- ولا يزالون كذلك للمفارقة- كان الهدف منها المزايدة على العالم العربي بغياب الديمقراطية الحقيقية فيه، وادعاء غياب حرية التعبير والرأي في أنظمة الحكم الشمولية في منطقة الشرق الأوسط ككل، كما يدعي ساسة الاحتلال.

وذلك في مقابل "واحة الديمقراطية والحرية" التي يتم فيها تداول السلطة بشكل حقيقي بالاحتكام إلى الشعب، والتي يمكن لأي شخص فيها أن يقول ما يشاء أو يفعل ما يشاء دون محاسبة. وكأن بقية العالم العربي ليس أكثر من سجون وخرائب لا تعرف من الحضارة شيئا.

غير أن السنوات الأخيرة التي شهدت ذلك الصعود التاريخي لليمين القومي ثم لتيار الصهيونية الدينية في إسرائيل كشفت عن صورة مختلفة تماما باتت تعيشها هذه الدولة، إذ لم يعد لأحد فيها اليوم أن يدعي أصلا أن إسرائيل ديمقراطية ليبرالية غربية كحال الديمقراطيات الغربية اليوم.

وإنما بات الاستقطاب الحاد في المجتمع الإسرائيلي ينحصر اليوم بين اليمين القومي من جهة واليمين الديني من جهة أخرى، فيما لم يعد فيها للأحزاب والأفكار الليبرالية الغربية التي أنشأت الدولة عام 1948 مكان تقريبا في خريطة القوى الفاعلة في إسرائيل.

لم تعد إسرائيل تبدو، في ظل صعود تيار الصهيونية الدينية، تلك الدولة الليبرالية الغربية التي سعت طويلا إلى تقديم نفسها بها، بل باتت تقترب بشكل متسارع من نموذج "المملكة الثيوقراطية" التي تدار فيها السياسة باعتبارها امتدادا للعقيدة الدينية والقومية، لا باعتبارها عقدا مدنيا بين مواطنين متساوين.

فالأزمة الإسرائيلية الراهنة لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر بين حكومة ومعارضة، ولا مجرد انقسام حول شخصية بنيامين نتنياهو أو مستقبله السياسي، وإنما تحولت إلى صراع عميق حول طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى دولة ذات مؤسسات ليبرالية حديثة كما أرادها مؤسسوها وقدموها للعالم (ولا سيما ديفيد بن غوريون)، أم تتحول إلى كيان تعاد فيه صياغة القانون والسيادة والهوية العامة وفق تصورات دينية وقومية مغلقة؟

منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية عام 2022، بدا أن التيار الصهيوني الديني لم يعد مجرد شريك داخل النظام الإسرائيلي، بل أصبح القوة الأكثر تأثيرا في إعادة تعريف الدولة ومؤسساتها ووظائفها السياسية والاجتماعية، وانتقلت رؤيته الفكرية من هامش السياسة الإسرائيلية إلى مركز صناعة القرار.

فقد كانت الصهيونية الدينية، لعقود طويلة، تقدم داخل إسرائيل باعتبارها تيارا أيديولوجيا محدود التأثير والحضور، يتركز حضوره الأساسي في بعض المستوطنات في الضفة الغربية والبيئات الدينية القومية المتشددة.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه الرؤية هي الإطار الناظم لسياسات الدولة في ملفات مركزية مثل القضاء، والاستيطان، والتعليم، والهوية العامة، وحتى تعريف العلاقة بين الدين والدولة.

هذا التيار اليوم بات يسيطر تقريبا على جميع مؤسسات الدولة، ليس بالضرورة من خلال أحزابه مباشرة، بل حتى من خلال أعضاء يتبعون فكريا لهذا التيار في قلب حزب الليكود الحاكم نفسه.

وربما لم يعد هناك جهاز لم يتمكن هذا التيار من السيطرة عليه بعد إلا السلك القضائي الذي لا يزال حتى الآن عصيا على السيطرة- بالرغم من جهود نتنياهو لإضعافه.

فالمحكمة العليا الإسرائيلية كانت بالنسبة للتيارات اليمينية والدينية المتشددة تمثل إحدى آخر المؤسسات القادرة على الحد من اندفاع المشروع القومي الديني، سواء فيما يتعلق بالاستيطان أو صلاحيات الحكومة أو حقوق الأقليات.

ولذلك لم يكن مستغربا أن يتحول الصراع حول القضاء إلى معركة وجودية داخل المجتمع الإسرائيلي حتى قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

هذه المسألة ليست تفصيلا إداريا، ففي الدولة الليبرالية حسب التعريف الغربي، لا تكفي الانتخابات وحدها لصناعة الديمقراطية؛ إذ لا بد من قضاء مستقل، وحقوق أقليات، ومؤسسات قادرة على تقييد السلطة.

أما حين تصبح المحكمة العليا والنيابة العامة وأجهزة الرقابة عوائق أمام إرادة ائتلاف ديني قومي، فإن "الديمقراطية" تتحول إلى مجرد آلية عددية تمنح الأغلبية حق إعادة تشكيل الدولة وفق تصور أيديولوجي واحد، وهو ما يجري حاليا في إسرائيل.

في المقابل، لا تخفي قيادات الصهيونية الدينية موقفها الحقيقي من فكرة "الديمقراطية الليبرالية" ذاتها. ففي خطاب هذا التيار لا تعرف الديمقراطية باعتبارها منظومة لحماية الحقوق والحريات والتوازن بين السلطات كما هو المتعارف عليه في الديمقراطيات الغربية عموما، وإنما باعتبارها حكما للأغلبية اليهودية فقط، يحق لها إعادة تشكيل الدولة وفق هويتها العقدية والقومية.

ومن هنا يصبح القضاء المستقل، وحرية الإعلام، وحقوق الأقليات، وحتى بعض القيم الغربية الحديثة، عقبات ينبغي تقييدها أو تجاوزها، لا ركائز أساسية للدولة حسب رؤية أتباع هذا التيار.

ولعل هذه الرؤية تظهر الآن بوضوح أكبر في ملف الضفة الغربية والاستيطان. فحكومة الصهيونية الدينية الحالية لا تتعامل مع الاستيطان باعتباره قضية أمنية أو تفاوضية قابلة للنقاش السياسي كما كان الحال عليه في العقود الماضية، بل باعتباره واجبا دينيا وقوميا مرتبطا بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة".

ولذلك لم يعد الحديث يدور فقط حول توسيع المستوطنات، بل حول فرض "السيادة اليهودية" الكاملة على الضفة الغربية، وإعادة صياغة الواقع القانوني والإداري بما يجعل الاحتلال أقرب إلى الضم الدائم غير المعلن.

هذا يعني أن المشروع لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال، بل يسعى إلى تحويله إلى نظام دائم: سيادة لليهود، وإدارة أمنية مؤقتة للفلسطينيين ريثما يتم التخلص منهم جميعا بالترانسفير، وتوسيع الاستيطان باعتباره رسالة دينية وقومية.

وبهذا المعنى، تفقد إسرائيل الآن قدرتها على تسويق نفسها بوصفها نموذجا ليبراليا غربيا في محيط "شرقي" غير ديمقراطي؛ لأنها تقترب في بنيتها السياسية من أنظمة تجعل الهوية الدينية أساس الشرعية، وتجعل المساواة المدنية مسألة ثانوية أو مؤجلة أو مشروطة.

وهنا تحديدا تتجلى الطبيعة الثيوقراطية للمشروع الجديد: فالأرض هنا لا تدار وفق القانون الدولي أو الاعتبارات السياسية الحديثة، بل باعتبارها وعدا دينيا وتاريخيا غير قابل للتنازل.

إذا كانت إسرائيل قد نجحت لعقود في تسويق نفسها بوصفها "جزيرة غربية" ليبرالية داخل شرق أوسط مضطرب، فإن صورتها الحالية أخذت تتآكل بصورة متسارعة حتى داخل الدوائر الغربية نفسها.

فالكثير من التحليلات في الصحافة ومراكز الدراسات الغربية لم تعد تتحدث عن أزمة سياسية عابرة، بل عن تغير بنيوي في طبيعة الدولة الإسرائيلية.

وهذا ما يفسر اتساع الانتقادات القادمة من شخصيات يهودية وغربية كانت تاريخيا من أكثر المدافعين عن إسرائيل، لكنها بدأت ترى أن المشروع الذي يتشكل حاليا يبتعد تدريجيا عن النموذج الليبرالي الذي طالما ادعت إسرائيل أنها تمثله في المنطقة والإقليم.

هذا الأمر لا يتعلق الأمر فقط بالسياسات تجاه الفلسطينيين، رغم أن هذا الملف يمثل المجال الأكثر وضوحا لهذا التحول، وإنما يمتد أيضا إلى الداخل الإسرائيلي نفسه؛ فتصاعد نفوذ الأحزاب الحريدية والدينية المتشددة انعكس على قضايا التعليم والحريات العامة ودور الدين في الحياة المدنية والخدمة العسكرية وقوانين الأحوال الشخصية. ولا أدل على ذلك من أزمة قانون تجنيد الحريديم التي أطاحت بحكومة نتنياهو بالكامل أخيرا.

ومن الواضح في ظل هذه الحكومة أن الدولة تبدو أقل استعدادا لفصل المجال السياسي عن المرجعيات الدينية، وأكثر ميلا إلى منح الشرعية السياسية للتصورات الأيديولوجية الدينية لأتباع هذه التيارات.

المفارقة هنا أن إسرائيل التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها نقيضا لـ"الدول الدينية" و"الممالك الثيوقراطية" في المنطقة كما كانت تصفها، صارت الآن تقترب بشكل متسارع جدا إلى الخصائص البنيوية للممالك الثيوقراطية القديمة.

فحين تصبح الهوية الدينية أساس الشرعية السياسية، وحين تعاد صياغة القوانين لخدمة مشروع ديني قومي، وحين يجري التعامل مع الأرض والسيادة باعتبارهما امتدادا لنصوص مقدسة لا لمبادئ القانون الدولي الحديث، فإن الفارق بين "الدولة القومية الدينية" و"المملكة الثيوقراطية" يصبح أضيق بكثير مما تحاول الخطابات الرسمية الإسرائيلية الإقرار به مهما حاولت.

لا تخفي المرجعيات الدينية للتيارات الحريدية وتيار الصهيونية الدينية رغبتها في أن تتحول إسرائيل إلى "دولة الحاخامات" أو "دولة الشريعة"، وهي في ذلك تتحاشى ذكر كلمة "مملكة" ما أمكنها.

ولكن الحقيقة هي أن النموذج الأقرب الذي تريده هذه المرجعيات هو في الحقيقة شكل من الملكية الدينية، بمعنى إلغاء فكرة الجمهورية والانتخابات بالكامل، وتحويل إسرائيل إلى نموذج معاصر من "مملكة الحشمونائيم" التاريخية، وهذه المملكة هي النموذج التاريخي الراسخ في الذهنية الإسرائيلية للمملكة الدينية التي حكمها رجال الدين بقوة شريعة التوراة بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد.

وهذا هو الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل حاليا حسب ما يريده أتباع التيارات اليمينية الدينية.

نقول ذلك بالرغم من أن لا أحد من المراجع الدينية والسياسية للتيارات اليمينية الدينية يجرؤ اليوم على ذكر كلمة "مملكة" في الخطاب المعادي لفكرة الجمهورية الديمقراطية التي قامت عليها إسرائيل الغربية، وإنما يكتفي بذكر ضرورة "تحكيم التوراة" في الحياة بالكامل.

ولعل عدم جرأة هذه التيارات على ذكر توصيف (مملكة) المطلوب لإسرائيل يرجع إلى أن من الثابت في العقلية الدينية التوراتية أن فكرة "المملكة" مرتبطة بقدوم المسيح المخلص، لأن هذا المسيح هو "ملك إسرائيل"، ولا يجوز لأحد بالتالي أن يدعو إلى ملكية أو نظام ملكي ثيوقراطي قبل ظهور هذا المسيح المنتظر.

ولذلك يذهب هؤلاء إلى البحث عن تثبيت الجوهر بدلا من التركيز على المظهر والاسم، فتصبح إسرائيل "مملكة دينية" وإن كانت باسم "دولة ديمقراطية".

صحيح أن إسرائيل لا تزال تحتفظ نظريا بانتخابات وتعددية حزبية ومؤسسات مدنية وصحافة نشطة، لكن الاتجاه العام يشير إلى تراجع مستمر في الوزن الفعلي- داخل بنية الدولة- للقيم الليبرالية الغربية التي تفاخر بها الإسرائيليون منذ إنشاء إسرائيل عشية النكبة حتى اليوم.

فالصراع الدائر اليوم في إسرائيل اليوم ليس صراعا على حكومة فقط، بل على تعريف إسرائيل نفسها: 

هل هي دولة غربية "حديثة" تحاول التوفيق بين هويتها اليهودية ومبادئ الدولة المدنية، أم تتحول بصورة متسارعة إلى كيان ملكي حاخامي تحكمه العقيدة القومية الدينية بوصفها المرجعية العليا للدولة والمجتمع والسيادة؟

الخلاصة أن إسرائيل الآن لم تتحول فقط إلى يمين أكثر تشددا، بل تحولت إلى كيان يعيد تعريف نفسه بلا رجعة: فإسرائيل انتقلت الآن من نموذج الجمهورية الليبرالية الغربية إلى نموذج مملكة قومية دينية متشددة، ترى في الدين والهوية الجماعية أساس الشرعية السياسية، حتى وإن أدى ذلك إلى تقويض الأسس الليبرالية التي قامت عليها صورة إسرائيل التقليدية أمام العالم.

وهذا هو التناقض الأكبر في خطابها التاريخي اليوم: الدولة التي طالما قدمت نفسها بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط صارت- تحت زعامة الصهيونية الدينية واليمين المتطرف- تمثل النموذج التي طالما زعمت أنها نقيضه.