الأربعاء، 25 فبراير 2026

لماذا يريد سفير أمريكا منح النيل والفرات لإسرائيل؟

 لماذا يريد سفير أمريكا منح النيل والفرات لإسرائيل؟

محمد شعبان أيوب

لم يكن مايك هاكابي، القسيس المسيحي "المعمداني"، والسياسي اليميني الجمهوري الذي يشغل حاليا منصب السفير الأمريكي في إسرائيل، يدرك أن أصعب دقائق حياته التي جاوزت السبعين، سوف تكون في صحبة مذيع يميني أمريكي يسائله حول سياسة الولايات المتحدة في إسرائيل. فعلى مدار 160 دقيقة تقريبا، نصب تاكر كارلسون فخاخه لهاكابي ببراعة ليسقط في شراكها واحدا تلو الآخر، محولا المقابلة وكواليسها إلى دليل لا يقبل الشك على الانقسام المتزايد في صفوف اليمين الأمريكي حول إسرائيل ودعمها، وكشف حساب للسياسة الأمريكية تجاه الدولة العبرية، التي قدمها هاكابي في غلاف ديني لاهوتي مقدس، وليس ضمن إطار المصالح والتوجهات السياسية.

كانت بداية الإثارة مع شرح قدمه كارلسون لهاكابي من سفر التكوين يصف "أمر الله لبني إسرائيل بقتل كل رجل وامرأة وطفل"،  ما يراه كارلسون على أنه "دعوة إلهية" لإبادة العماليق (من أعداء بني إسرائيل). بعد ذلك أشار المذيع الأمريكي إلى استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخطاب ذاته في حديث مع الجنود الإسرائيليين في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قائلا: "تذكروا ما فعله عماليق بكم"، وهو ما يعد "دعوة صريحة للإبادة الجماعية" بحسب كارلسون. لكن هاكابي رفض هذه المقاربة، محتجا بأن إسرائيل لو كانت تنوي ارتكاب إبادة "لفعلت ذلك في غضون ساعتين ونصف" بسبب قوتها العسكرية، حسب زعمه.

صاعد التوتر إلى ذروته، حين طرح كارلسون النص الوارد في العهد القديم بشأن امتداد "أرض إسرائيل من نهر النيل إلى الفرات"، فأجاب هاكابي بتوتر: "سيكون من الجيد لو أخذوها كلها"، مضيفا أن "النقطة الأساسية هي أن هذه المنطقة التي نتحدث عنها الآن (إسرائيل)، هي أرض أعطاها الرب من خلال إبراهيم لشعبه المختار".

يعود النص الذي استشهد به كارلسون ووافقه عليه هاكابي إلى "سفر التكوين"، حيث يُذكر "العهد الذي أبرمه الله مع النبي إبراهيم، والذي يَعِد فيه بمنح الأرض لنسله لتشمل مساحة جغرافية واسعة تمتد من نهر مصر (نهر النيل) إلى النهر الكبير (نهر الفرات)". ووفق القراءة الجغرافية التي طُرحت خلال المقابلة، فإن هذا الامتداد يشمل فلسطين التاريخية والأردن ولبنان وسوريا وأجزاء واسعة من مصر والعراق والسعودية وجنوب تركيا، ما يعني إعادة رسم جذري لخريطة الشرق الأوسط.


هاكابي وإسرائيل.. 5 عقود من الإيمان

لفهم كيف انتهى الحال بمايك هاكابي "المسيحي الأمريكي" إلى الدفاع عن رؤية "توراتيّة" متطرفة للعالم، لا بد من معرفة مدى تغلغل إسرائيل في حياته الشخصية والسياسية. لقد زار هاكابي إسرائيل لأول مرة وهو في السابعة عشرة من عمره، ثم عاد إليها أكثر من 100 مرة، كثيرٌ منها بصفته قائدا لرحلات حجّ إنجيلية نظمتها شركة السفر التي يملكها، "بلو دايموند ترافل"، والتي نقلت عشرات الآلاف من الإنجيليين الأمريكيين "حجاجا" إلى الأراضي المحتلة.

على مدى عقود، تحوّلت هذه الرحلات التي كانت تسوَّق عادةً بوصفها "رحلات كتابية" تمرّ عبر مناطق مقدسة في "يهودا والسامرة" إلى مزيج من الدعوة الدينية والعمل السياسي، ورسّخت صورة هاكابي كأحد أكثر الأصوات دعما لإسرائيل في المعسكر الصهيوني المسيحي داخل الحزب الجمهوري. وقد وثقت تقارير صحفية مشاركته في بناء إحدى المستوطنات، وإدلائه بتصريحات حول رغبته في شراء منزل هناك، رافضا وصف المنطقة بأنها "محتلة" (وهو الوصف المعتمد للمستوطنات في القانون الدولي)، ومفضّلًا تسميتها بـ"أحياء ومدن إسرائيلية" شرعية، تستند  إلى "صك ملكية كتابي"، وفق زعمه.

على مدار سنوات، وضع هاكابي نفسه على يمين كثير من الساسة الإسرائيليين الأكثر تطرفا في ما يخصّ قيام دولة فلسطينية. فهو يرفض حل الدولتين (الصيغة المعترف بها دوليا لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي)، والأكثر من ذلك أنه طرح تصورا بديلا يقوم على إمكانية إنشاء دولة فلسطينية في "أراض بلاد مسلمة أخرى"، بدلا من الضفة الغربية وهي رؤية تضاهي رؤية أشد الصهاينة تطرفا. ولم يكتف هاكابي بذلك، بل وصل به الأمر إلى التصريح القاطع بأن "لا وجود لشيء اسمه فلسطيني"، في محاولة لمحو الهوية الفلسطينية تماما لخدمة أجندة دينية متشددة.

ومن نافلة القول التأكيد أن الرجل الذي شارك بنفسه في بناء مستوطنة، يُعدّ من أبرز الأصوات الأمريكية التي قدّمت دفاعا غير مشروط عن المشروع الاستيطاني الصهيوني، وشككت في مشروعية القرارات الدولية التي تدين السياسات التوسعية الإسرائيلية. لا عجب إذن أنه حين بدأت إسرائيل حربها الإبادية في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حمل هاكابي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مسؤولية قيام الحرب، قائلا إن لإسرائيل الحق الكامل فيما تقوم به. وفي مقابلة له مع إذاعة "إن بي آر" الأمريكية بُعيد تعيينه سفيرا في إسرائيل في مايو/أيار 2025 زعم أن الإسرائيليين "تعرضوا لجرائم أبشع وأكثر تعمدا مما حدث أثناء الهولوكوست"، بحسب زعمه.

طوال فترة الحرب على غزة، ظل هاكابي متماهيا مع الطرح الإسرائيلي، وخادما وفيا لسياسات الاحتلال، حتى إنه طرح مبادرة ذات طابع إنساني تقوم -وفق ما جرى تداوله وقتها- على إنشاء آلية لإدخال المساعدات والإشراف عليها عبر قنوات تُستبعد منها حركة حماس، وتخضع لإدارة أو رقابة دولية أمريكية بالتنسيق مع إسرائيل، بما يضمن – بحسب تصوره – عدم توظيف الدعم الإنساني في الأغراض العسكرية. لكن تلك الخطوة هدفت حقيقة لإعادة هندسة المشهد الغزي سياسيًا عبر الإمساك بمفاتيح المساعدات، بما يعزّز مواقف إسرائيل ونفوذها على قطاع غزة أثناء الحرب، وبعدها.

فيما يتعلق بإيران، لا تكاد وجهات نظر هاكابي تختلف في تطرفها وحدتها. في عام 2015، وأثناء حملته الانتخابية لنيل بطاقة الترشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري (التي خسرها لصالح دونالد ترمب) هاجم هاكابي الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران قائلا إنه "سيأخذ الإسرائيليين إلى أبواب الأفران" في إشارة إلى الهولوكوست، قبل أن يضطر للتراجع بعد انتقادات لاذعة.

لاحقا في يونيو/حزيران 2025 (بعد تعيينه سفيرا في إسرائيل) نشر هاكابي رسالة اعتبر فيها أن ترمب "الرئيس الأكثر تأثيرًا في القرن"، داعيًا إياه إلى أن يسترشد بـ"الصوت الإلهي" في قراره بضرب إيران. وشبه هاكابي هذا القرار، بالخيار التاريخي الذي واجهه الرئيس الأمريكي هاري ترومان عام 1945، حين أجاز استخدام السلاح النووي ضد هيروشيما وناغازاكي، وهو القرار الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين وتدمير المدينتين بصورة شبه كاملة.

وبالنظر لما نعرفه الآن عن خلفية هاكابي الدينية، لم يكن ذلك الخطاب مجرد مجاز عابر، بل إشارة إلى رؤية لاهوتية تضفي على الصراع في الشرق الأوسط بعدا غير تقليدي. لقد تصور هاكابي السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وكل ما يتعلق بها (بما يشمل إيران)، لا على أنها نابعة من المصالح فحسب، ولكن على أساس كونها مؤطرة برؤية قدرية، تُحمّل القرار السياسي معنى استثنائيا يتجاوز الحسابات الاستراتيجية إلى ما يشبه التكليف الديني والتاريخي.

اللاهوت الصهيوني

هذه الرؤية التي تمزج بين السياسي والقدري، ولا تكاد تضع حدودا فاصلة بينها هي التي تصبغ عمل هاكابي كسفير اليوم، يرى نفسه أشبه بـ"مبعوث أمريكي إلى أرض الميعاد"، وليس مجرد دبلوماسي تقليدي. لقد حرص على تقديم عمله على أنه انعكاس لرؤية مزدوجة "أمريكية وكتابية في الآن ذاته" بدأت تظهر منذ ولايات ترمب الأولى في قرارات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، والتي يراها هاكابي دليلًا على أن واشنطن بدأت أخيرًا مواءمة سياساتها مع "تاريخ كتابي يمتد لـ3800 عام".

في مقابلة مع قناة "إن بي سي نيوز" في سبتمبر/أيلول الماضي 2025، قال هاكابي إن الولايات المتحدة وإسرائيل تتشاركان منظومة قيم متجذرة بعمق في "فهم كتابي – لاهوتي" للعالم. هذا التصريح وحده كاف لتفسير جميع المفاجآت التي أطلقها هاكابي في مقابلته مع كارلسون، وبخاصة استدعائه لنصوص العهد القديم للتهوين من شأن الحدود الحديثة للدول ومنح إسرائيل وعدا إلهيا، ليس فقط في الأراضي التي تحتلها حاليا ولكن أيضا في أراضي جيرانها.

تعد هذه الأفكار أشبه بـ"تلخيص مكثف للاهوت الصهيونية المسيحية"، وهي حركة دينية–سياسية، يتركّز ثقلها بين الإنجيليين الأمريكيين، ترى أن عودة الشعب اليهودي إلى "أرضه الموعودة في الكتاب المقدس" ووجود دولة إسرائيل شروطٌ مسبقة لسيناريو نهاية الزمان وعودة المسيح الثانية. ويكمن جوهر هذه الرواية في قراءة غير تقليدية لنصوص من العهد القديم في سفر التكوين خاصة عبارة "أبارك مباركيك، وألعن لاعنيك" التي يستشهد بها اليوم في أروقة الكونغرس وعلى منابر الكنائس على أنها توجيه للسياسة الخارجية الأمريكية بدعم إسرائيل.

تجد هذه القراءة جذورها فيما يعرف بـ "لاهوت التدبير" الذي انتشر في الأوساط الإنجيلية الأمريكية منذ القرن التاسع عشر، وفسر آيات الوعد بالأرض لإبراهيم على أنها صكوك ملكية حرفية ونهائية لا تزال سارية إلى اليوم، وأشار إلى دولة إسرائيل الحديثة بوصفها استمرارًا مباشرًا لتلك النبوءات، وهي قراءة تخالف السائد في القراءات المسيحية التي ترى أن سفر التكوين يشير إلى عهد إلى "إبراهيم"، وليس إلى دولة سياسية أُنشئت عام 1948. ومع ذلك، يصر أنصار هذا اللاهوت أن اليهود لا يزالون يتمتعون بعهد فريد ودائم مع الله، بينما للكنيسة دور موازٍ ومختلف في المسرح الإلهي.

وفق هذه القراءة، ينبغي لليهود أن يسيطروا فعليًا على كامل مساحة "إسرائيل الكتابية" من أجل تهيئة المسرح لحدوث "الاختطاف" (الذي يشير لعودة المسيح سرا لأخذ المؤمنين الحقيقيين من الأرض إلى السماء) ثم فترة الضيق العظيم (وهي فترة اضطرابات تلي الاختطاف وتسبق العودة العلنية للمسيح)، وصولًا إلى عودة المسيح الثانية. هذه النظرة اللاهوتية تتعارض بالقطع مع أي صيغ محتملة للسلام، أو الاعتراف بسيادة فلسطينية، وتجعلها تبدو نوعًا من عصيان الله لا مجرّد تسوية دبلوماسية براغماتية.

تتناقض هذه النظرة تماما مع رؤية المؤمنين بما يعرف بـ"لاهوت الاستبدال" الذي يعتنقه معظم المسيحيين (مع بعض الاختلافات)، خاصّة خارج الأوساط الإنجيلية اليمينية الأمريكية. والاستبدال هو عقيدة لاهوتية مسيحية تقليدية تقول إن الكنيسة المسيحية قد حلّت محل الشعب اليهودي كـ"شعب الله المختار"، وأن الوعود الواردة في العهد القديم (مثل أرض الميعاد) أصبحت تتحقق روحيًا في الكنيسة لا في إسرائيل ككيان قومي.

ولكن رغم ما تظهره المسيحية الصهيونية من تقدير ودعم ظاهري لليهود، فإن الفلسفة اللاهوتية وراء هذا الدعم تكاد تستبطن أكثر النسخ تشددا من "معاداة السامية" وفق رؤية الصهاينة أنفسهم. فاليهود هنا يُنظر إليهم كأدوات قدرية في سيناريو أبوكاليبسي ينتهي إما باعتناقهم المسيحية جماعيًا أو بهلاكهم ضمن مشهد النهاية، في انتظار اللحظة المنتظرة لقدوم المسيح.

الجذور الأولى للصهيونية المسيحية

بمد الخطوط على استقامتها، يمكن تتبع الجذور التاريخية لهذا التحول الديني والسياسي للعديد من أعضاء الطبقة السياسية الأمريكية إلى قرون قديمة ولا سيما إلى ما أفرزته حركة الإصلاح الديني الأوروبية في القرن السادس عشر. وقتها، شكّل تمرد القس الألماني مارتن لوثر على السلطة البابوية الكاثوليكية في روما لحظة فاصلة في التاريخ الديني الأوروبي، إذ دعا إلى إصلاح جذري يحدّ من الهيمنة اللاهوتية والسياسية للكنيسة، وينهي احتكارها تفسير النص المقدس ومنع تداوله بلغات الشعوب الأوروبية، كما انتقد ممارسات رآها انحرافا عن روح الكتاب المقدس، وفي مقدمتها منح صكوك الغفران مقابل مبالغ مالية، وهو ما اعتبره إخضاعا للخلاص الديني لمنطق السلطة والمال.

أصدر لوثر عام 1523 كتابه المعنون "عيسى وُلد يهوديا"، الذي مثّل مراجعة لقرون طويلة من العداء المسيحي لليهود، إذ دعا فيه إلى إعادة الاعتبار للجذور اليهودية للمسيحية. ورغم أن لوثر عاد لاحقا إلى مواقف أكثر تشددا تجاه اليهود، فإن بعض أطروحاته المبكرة تركت أثرا في التيار البروتستانتي الناشئ، ولا سيما لدى جون كالفن، ومع اتساع انتشار الإصلاح في المجال الأنجلوساكسوني، تعززت النزعة الانفصالية للإصلاحيين الإنجيليين عن الكنيسة الكاثوليكية في روما إلى أن أعلنت الكنيسة الإنجليزية انفصالها الرسمي عام 1534.

ومع انتقال مركز الثقل السياسي والديني إلى العالم الجديد عقب اكتشاف الأمريكيتين في أواخر القرن الخامس عشر، دخلت القوى الأوروبية في صراع محتدم للسيطرة على أمريكا الشمالية، وقد أفضت الغلبة البريطانية في نهاية المطاف إلى تدفق موجات واسعة من البروتستانت نحو الأرض الجديدة، حيث أسسوا مجتمعاتهم على قاعدة دينية متجانسة. وحين أعلنت المستعمرات الأمريكية استقلالها عن بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر، كان الانفصال سياسيا في المقام الأول فيما ظلت البنية العقدية البروتستانتية عنصرا ثابتا في تشكيل الهوية الأمريكية الناشئة.

يرى عدد من مؤرخي الأديان مثل بول تشارلز ميركلي و ستيفن سايزر وغريس هالسل وغيرهم أن البروتستانتية، وخاصة تيار المسيحية الصهيونية الذي تبلور لاحقا،  كانت أشبه بعودة لاهوتية نحو عناصر يهودية توراتية، مع التركيز الشديد على العهد القديم والأرض الموعودة، مما يُشبه "تهويدًا" لجوانب من المسيحية الحديثة. لقد رسخ هذا التيار قناعة مفادها أن العهد الجديد لا يستقيم بمعزل عن العودة إلى العهد القديم واستيعاب بنيته اللاهوتية والتاريخية، معتبرا أن الترابط النصي بين القسمين يشكّل وحدة تفسيرية لا يمكن فصلها.

يمثل هذا المنظور قطيعة مع القراءة الكنسية التقليدية التي سادت قبل عصر الإصلاح، والتي كانت تنظر إلى المسيحية بوصفها الوريث الشرعي لليهودية، وصاحبة العهد الجديد الذي تجاوز العهد القديم وأتمّه، بل وحمّلت اليهود مسؤولية التخلي عن الرسالة حين رفضوا المسيح وصلبوه وفق الاعتقاد المسيحي. أما في التصور الإصلاحي (وبخاصة نسخة المسيحية الصهيونية) فقد أعيد الاعتبار إلى الجذور العبرية للنص المسيحي، بما أفضى إلى إعادة صياغة العلاقة اللاهوتية بين العهدين وإعادة تقييم موقع التراث اليهودي في الوعي المسيحي الحديث، وترسيخ قناعة أن وجود اليهود مصلحة دينية ولاهوتية حتمية لخلاص العالم من خلال تسريع نزول المسيح المخلّص.

ومع انتشار العقيدة البروتستانتية الإنجيلية في بريطانيا وإسكندنافيا، والتي حملها المهاجرون الإنجيليون إلى القارة المكتشفة الجديدة، تلك التي خرجت من عزلتها ومشاكلها الداخلية مع نهاية القرن التاسع عشر وصعدت إلى صدارة الساحة الدولية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، فإن قسما كبيرا من الساسة الأمريكيين كانوا ولا يزالون يدينون بهذه الأفكار ويعملون اليوم على تحقيقها.

يربط هؤلاء الساسة المتدينون عودة المسيح بسلسلة من الأحداث السياسية والعسكرية يُفترض أن تبلغ ذروتها في معركة فاصلة تُسمّى "هرمجدون"، ووفق هذا التصور فإن تحقق النبوءة مشروط بعودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولتهم القومية، وتوسيع حدود تلك الدولة إلى الجغرافيا التوراتية، باعتبار ذلك خطوة تأسيسية في المخطط الإلهي لنهاية التاريخ.


وتذهب بعض التيارات المنتمية إلى هذا الاتجاه إلى أبعد من ذلك، حين ترى أن بناء الهيكل في موضع المسجد الأقصى وقبة الصخرة سيكون الحدث المفجّر للصراع، انطلاقا من فرضية أن مثل هذه الخطوة سوف تستدعي مواجهة حتمية مع "العالم الإسلامي". وتُقدَّم هذه المعركة في الخطاب الأخروي بوصفها مواجهة كونية دامية تمهد لمرحلة الخلاص النهائي.

وقد تناولت الصحفية والباحثة الأمريكية غريس هالسل هذه الرؤية بالنقد والتحليل في كتابها الشهير "النبوءة والسياسة" ، حيث ربطت بين انتشار هذا الفكر خلال القرنين الأخيرين وصعود التيار الإنجيلي التدبيري ذي النزعة القدرية الجبرية، الذي يفسر التحولات الدولية باعتبارها تنفيذا لإرادة إلهية محتومة.

وتوضح هالسل أن هذه القراءة بلغت ذروة تأثيرها مع إصدار ما يُعرف بـ"الإنجيل المرجعي" للقس الأمريكي سايروس سكوفيلد في مطلع القرن العشرين، وهو الإصدار الذي ضمّن النص الكتابي تعليقات تفسيرية تؤطر أحداث العالم ضمن سردية تتمحور حول إعادة قيام إسرائيل كشرط لعودة المسيح.  ومنذ نشره عام 1909، أصبح هذا المرجع أحد أكثر الطبعات الإنجيلية انتشارا، وأسهم في ترسيخ تصور لاهوتي يربط بين الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط والرؤية الأخروية في الوعي الإنجيلي المعاصر.

بالمثل، وفي تأريخه للعلاقة المبكرة بين الصهيونية اليهودية ونظيرتها المسيحية في العصر الحديث يشير أستاذ الدراسات الدينية والأمريكية بول ميركلي في كتابه "الصهيونية المسيحية 1891–1948" إلى محطة مفصلية تعود إلى عام 1896، حين عُقد أول لقاء بارز بين رمزين يمثلان التيارين الأكثر تأثيرا في هذا المسار، ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية السياسية، والقس الانجليكاني البريطاني الألماني الأصل وليام هنري هتشلر، الذي كان يشغل آنذاك منصب قسيس السفارة البريطانية في فيينا.

ويُبرز ميركلي هذا الاجتماع بوصفها لحظة تقاطع مبكرة بين المشروع القومي اليهودي الناشئ والدعم اللاهوتي البروتستانتي الذي رأى في عودة اليهود إلى فلسطين تحقيقا لنبوءات كتابية، ومن خلال هذا اللقاء بدأت تتشكل ملامح تحالف غير رسمي بين فاعلين دينيين وسياسيين، أسهم لاحقا في إضفاء بعدٍ ديني على مشروع سياسي، وفي فتح قنوات اتصال أثرت في دوائر القرار الغربية منذ مطلع القرن العشرين.

وفي سياق تأكيد الترابط بين الرؤية الأخروية البروتستانتية والسياسات الغربية تجاه فلسطين، يكتسب خطاب بنيامين نتنياهو الذي ألقاه في عام 1985 أثناء توليه منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، دلالة خاصة؛ فقد أقرّ فيه صراحة بأن كتابات وأدبيات المسيحيين الصهاينة في بريطانيا والولايات المتحدة تركت أثرا مباشرا في تفكير عدد من القادة الغربيين في مطلع القرن العشرين، ومن بينهم لويد جورج، وآرثر بلفور، وودرو ويلسون، وبذلك أشار إلى أن الدعم السياسي لإقامة دولة يهودية لم يكن نتاج حسابات استراتيجية بحتة، بل تأثر أيضا بخلفيات دينية وفكرية ترسخت في الأوساط البروتستانتية الإنجيلية.

ويمضي نتنياهو في خطابه إلى تأطير هذا التأثير ضمن سردية تاريخية أوسع، حين يقول إن "حلم اللقاء العظيم أضاء شعلة خيال هؤلاء الرجال الذين لعبوا دورا رئيسيا في إرساء القواعد السياسية والدولية لإحياء الدولة اليهودية"، مضيفًا أن الشوق اليهودي التاريخي للعودة إلى أرض إسرائيل، الممتد على مدى ألفي عام، وجد لحظة انفجاره السياسي من خلال دعم المسيحيين الصهاينة، ويكشف هذا التصريح عن تلاقٍ بين المخيال الديني البروتستانتي والرغبة القومية اليهودية، بما أسهم في تحويل النبوءة اللاهوتية إلى مشروع ذي آثار جيوسياسية مستمرة.

هذه حقيقة "وعد هاكابي" أو لنقل "نبوءته". فالرجل يمزج بوضوح بين منصبه السياسي وبين خلفيته اللاهوتية التي تجعل دعم إسرائيل واجبا دينيا أكبر من مجرد وظيفة. هو شخص يؤمن ببساطة بضرورة إراقة المزيد من الدماء في الشرق الأوسط للعبور إلى نهاية الزمان. وفي الطريق إلى تلك النبوءة، يعد الحديث عن القانون الدولي أو احترام أراضي الدول أو حتى قتل الأطفال هامشا على متن القول، بالنسبة إلى رجل يرى نفسه مبعوثا في مهمة مقدسة إلى أرض الميعاد."

يسألني حفيدي عن الطوفان.. ولكن في طهران!

يسألني حفيدي عن الطوفان.. ولكن في طهران!

اهدنا الصراط المستقيم
مضر أبو الهيجاء

يسألني حفيدي في رمضان عن موعد الطوفان القادم في طهران ويقول:

يا جدي لقد طال الزمان وامتلأ المكان وأحاطت بإيران بوارج وطائرات الأمريكان من كل زاوية وفي كل مكان.. فمتى ستقوم إيران بعمل الطوفان ضد الشيطان الأكبر لتقتلع إسرائيل ويتحرر الأقصى وننعم بالسلام، وقد رحل قادتنا العظام ولا زلنا ننتظر ما وعدونا به وصدقوه وبنوا عليه خطة وإعداد؟

فقلت: يا حفيدي ما بك فقدت صبرك؟ فالأمر معقد ومتشابك وليس فيه رهان واضح راجح حتى الآن.

فقال: يا جدي أنا أستمع لإذاعة طهران في الصباح والمساء وعندما يكون الناس نيامًا، ولا أجد في طهران إلا حديثًا وتمجيدًا لطوفان غزة وجهاد شعب فلسطين، وحديثًا عن ذكاء وبعد نظر المقاومين الذين سبقوا الإسرائيليين وعاجلوهم بضربة وزحف أفشل نوايا الاحتلال.. وأترحم ليل نهار على والديَّ وأعمامي وأخوالي وإخواني وجيراني وزملائي الشهداء.

فلماذا لا تقوم إيران أم المقاومة والممانعة بضربة استباقية وطوفان ينطلق من طهران ليسبق القوات الأمريكية المحتشدة برًا وجوًا وبحرًا في كل محيط إيران، الأمر الذي لم يعد فيه قيمة لقراءة النوايا المخفية؟ فإذا كانت قراءتنا العسكرية الأمنية في فلسطين ظنية فالقراءة العسكرية في إيران يقين لا يحتاج إلى برهان، والحمد لله فقد جلب الله القوات الأمريكية من أذنيها فأصبحت لصيقة بإيران وحانت الفرصة أمام الملالي المقاومين وأبناء ولي الفقيه الممانعين الذين كانوا ينتظرون وينظرون لتلك اللحظة منذ خمسين عامًا.

فأجبت حفيدي الغضبان قائلًا: يا عزيزي إن إيران تراهن حتى آخر ساعة ولحظة على طوفان المفاوضات السرية لتحفظ بلادها وشعبها وقواتها العسكرية من احتمالات الخسارة والتدمير، حيث جحافل الأمريكان وصناعاتها العسكرية ستوقع بطهران أذى كبيرًا لا يطاق، في ظل معادلة دولية وإقليمية تميل لصالح إسرائيل والإدارة الأمريكية.

وفجأة قاطعني حفيدي وقال: إذا كان هذا موقف ملالي إيران وهم المحاطون بتهديد صريح من الأمريكان، فلماذا يتغنون كل صباح ومساء بطوفان غزة وجهاد شعب فلسطين، ثم يقومون بطوفان من المفاوضات السرية مع الإدارة الأمريكية بهدف حماية بلادهم ومدنهم وقواتهم وشعبهم من القصف والدمار؟

ثم لماذا تركونا في غزة وجنين حتى آخر طلقة في يد المجاهدين، ولمن بقي في الأنفاق من الأبطال الثابتين، قائلين: أكملوا الطريق واثبتوا على طريق الجهاد وها نحن إليكم قادمون لاقتلاع إسرائيل، ولا تهتموا لأحجام الدمار فهو ثمن الانتصار؟

طأطأت رأسي ولم أدرِ كيف أجيب الفتى الذي فقد والديه وإخوته وجميع أعمامه وأخواله، واحترقت دياره وتهدمت مدرسته وفقد زملاءه.. ولا يزال ينتظر جنود إيران أبناء الملالي المحررين الكبار!

ثم أجبته قائلًا: يا حفيدي رحم الله والديك، وتقبل الله أعمامك وأخوالك المجاهدين الشجعان، فقد كانوا لدينهم أوفياء وقد أفضوا إلى رب كريم رحيم جواد هو الله، وأما أنت فقد آن لك أن تعيد النظر والقراءة، وتعلم بأن الله يميز الخبيث من الطيب، وأن المسلم الواعي الناضج والمتدبر لا يراهن على مشاريع الأعداء الذين يعادون الله ورسوله ويقتلون عباده ويهدمون بيوته ويلعنون أتباعه الأوفياء المشهود لهم بالعدالة في الكتاب.

ثم رأيت وجه حفيدي شاحبًا وقد غصَّ بالكلام، فقال وهو يبلع ريقه:

يا سيدي قل لي بالله عليك، أي طوفان كان أصوب؟ هل هو طوفان القتال في فلسطين أم طوفان المفاوضات في إيران؟ ولماذا يصر الملالي على تمجيد طوفان غزة ليل نهار فيما يمارسون طوفان المفاوضات بإلحاح ويبتعدون عن القتال ويتحاشون الدمار؟

فقلت: يا حفيدي إن جهادنا مشروع، وقتال المحتلين فرض وواجب، ولكن الجهاد فقه رشيد ودين مضبوط بأحكام، وليس مغامرة ولا مقامرة تراهن على مشروع معادٍ لله وللرسول وقاتل لأوليائه.. ولعلك قد استفدت من الدرس المؤلم والكبير، ولا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، فامضِ على بركة الله وابذل جهدك ببناء جيل جديد، فقد رحل الجيل السابق وجاء دورك يا صلاح الدين.

مضر أبو الهيجاء فلسطين/جنين 25/2/2026

شعاب بعل السامة

شعاب بعل السامة
د. عبدالله الخاطر


تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. 

تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. 
أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام.

تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران.

جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات.

وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.

صراع الإنسان والحضارة: بين القيم والهيمنة

صراع الإنسان والحضارة: بين القيم والهيمنة
الكاتب: نحن بالكاد جزء من تلك الأطوار المنحنية كالعرجون القديم 

إن أعمال البشر في ميزان لا تبغي أي من كفتيه على الأخرى؛ حيث توضع تارة في دلالات التكليف التي هي محل الاختبار، وتارة أخرى في كفة الإيمان الذي ينخل الأعمال، كل على شاكلته، وبنو آدم على تكليفهم ضمن عالم تتقاطع فيه الرغبة في الأبدية مع خوف الفقد، حيث تصوغ الطبيعة البشرية ماضيها.

ونحن إذ نسبر تلك الحياة المفعمة بالسكون والانحناء، ونتوارى خلف الكلمات بوصفها عناوين تشيخ لها المسافات، وتطوي قصص المحبين وآلام المهمشين، فإننا نعود إلى داخلنا، كأطوار العرجون القديم، حيث تكون الحرب صامتة، والمعاني وافرة؛ لكننا لا نستطيع التعبير عنها ما لم تجرِ الألسنة بالزلل، أو تكتنف الخطايا العمل. فمن كمال البشر أن يقروا بالعجز، ويفتحوا نوافذ الاعتذار والصفح على عتبات شهر رمضان؛ فمثلما للجوارح مواقف، فإن للقلوب عوالم متخيلة وحضارات متباينة.

وهذه الأسطر تنظر في مرابط الأفئدة ومناهل الرغبة، وتقترب بحذر نحو ما تجول به الخواطر وما تصول به السرائر؛ ليس ضربا من ادعاء الغيب، ولا توهما بمعرفته، وإنما استقراء لما توافر من حسن الظن بحضارات البشر، واقترن به من سوء التأويل.

وما هي إلا مقالة تتفقد كلماتها الأحوال، وتعرض صورها كثيرا من الجمال، فلا تنكر حروفها عظيم الأهوال بقدر ما تخبر مقام الاتصال بين الإنسان والإمبراطور في الترك والوصال، وتطرق أبوابا كسرت بها الأقفال، لأولئك الذين أبصروا الود دون إقبال.

قد نتفاضل في اعتقاداتنا والتزاماتنا ومصالحنا، لكنها لا تخرج عن دائرة القيم المشتركة المتعلقة بالطبائع البشرية؛ إذ إن الخوف والجزع، وطلب الأشياء على عجلة، ونكران الفضل فيما بيننا، جبلة رهنت لها ذواتنا

أطوار الأفئدة

من أيسر الأمور أن يتستر بنو آدم بأفعالهم، تلك التي تظهر على جوارحهم، كأنها قدر مكتوب خطه الزمان، وما تلك الأعمال في ظاهرها إلا صورة من أحوالهم، تقص على الآخر سيرة من يتودد إليهم.


عندما نجنح إلى ذواتنا، نتمعن فيمن يتملك أفئدتنا ويتفرد بشغفنا وحبنا؛ إذ ثمة عالم مستتر، مجهول عن كل فاقد ومعتذر.

فالناس في حل ما لم ترابط القلوب مواضع السهر، وتنزل في مقامات جلت معانيها بحسن الأثر، واعتقاد النفس بما يلزمها من واجب، ويدفعها نحوه حقا، إنما هو ارتباط اختياري، متعلق بالرغبة والخوف معا، حيث تتلخص معاني الاشتياق والفقد، واستدعاء ذكريات لا ترسم سوى عبارات الأسى والحسرة، نحو من كان مدعاة للفرح والبهجة.

وحين نعتقد أننا ضمن دائرة تحيط بنا من كل الجوانب، فهذا لا يعني أننا في مركز العالم، أو أننا استحوذنا على خصوصيات الآخر؛ فنحن بالكاد جزء من تلك الأطوار المنحنية كالعرجون القديم، والتي تبدو في ظاهرها مادية تختزل المشاعر في هدايا ولقاءات حميمية، أو تبادل للابتسامات والعبارات الجميلة.

لكنها في حقيقتها- والحقيقة هنا لا تعني قيمة محددة- تفصل بين جوهر الفعل البشري المتعلق بإنسانيته، وتلك الحالات الآدمية المفتعلة للحروب والضغائن والصراعات البدائية.

قد نتفاضل في اعتقاداتنا والتزاماتنا ومصالحنا، لكنها لا تخرج عن دائرة القيم المشتركة المتعلقة بالطبائع البشرية؛ إذ إن الخوف والجزع، وطلب الأشياء على عجلة، ونكران الفضل فيما بيننا، جبلة رهنت لها ذواتنا، وتاريخنا، وحضارتنا.

ربما ندرك أننا جميعا مرهونون لشيء يدعى الماضي؛ ذلك التاريخ الذي يحدد مصائرنا، ويسجن مستقبلنا، ويجعل منا نسخا مشوهة من سردياته الكبرى ومعضلاته.

ولأننا ولدنا عراة، نتلحف الحياة أولا دون النظر إلى مصائر الموت المترصد أزلا، فإن لغتنا الوحيدة في تواصلنا هي تاريخ يمتنع عن صرف ذاكرته نحو الاعتراف بالفشل، والخيبة، والأنانية المفرطة، لمعالجة ما تبقى من مسائل.

وما نحن إلا بشر بألوان الدنيا الزاهية، ولغات الفردوس المنزلة، وحضارات تعاقبت على جور الإنسان من أجل صناعة ماضٍ يتأله فيه التاريخ، وتنفى منه القيم الإنسانية.

حين نعيش واقعا مثخنا بتعابير الحياة العنيفة، أو بالأحرى نشاهد صور خيام أهل غزة كيف تذروها قسوة البشر نحو العدم، أو صراع السياسيين على ما تبقى من طموحات السودانيين، فإننا ندرك يقينا أن معضلتنا الحقيقية مع ذواتنا، حيث صراع الخوف والرغبة يتجاذبان مع انهزامات أكثر قتامة من ذي قبل

من الإنسانية إلى الإمبراطورية

يسبق الفعل ماهية التعريف به؛ فهو يبني لغته الخاصة دون الحاجة إلى مفردات تعيره المعنى، حيث يكون التواصل مرادفا للرغبة المتوارية، وظلا متسامحا مع قسوة الرفض والتخلي.

ولعل حضورنا في مواضع التقارب امتحان لنا، وتقييم، وتحديد لماهيتنا، لا يخرج عن كونه لغة موجهة نحو عالم يصارع لنيل شيء من خصوصيته، ويسعى، بما أوتي من صور مباغتة، إلى تحرير ذاته من الثنائيات المختزلة والتعريفات الجاهزة.

لسنا عنوانا واحدا حشرت فيه الذكريات والتاريخ والهويات، حتى وإن كنا- كما يعتقد البعض- متشابهين لدرجة التطابق؛ لكننا نلتقي في النهايات، حيث تقسو المصائر على هشاشتنا، فتجعل من الذات منتجات يعاد تصنيعها وتصنيفها ضمن لوائح حضارية تدين للسوق أكثر مما تلتزم باستمرارية الجنس البشري.



ولا يفوتنا أن نستذكر المآسي التي تربك الحضارة؛ فحين تستجلب القيم، تتأتى معها الخطابات الأكثر صلابة تجاه الإنسانية، بوصفها الفضاء الخصب لتجريدنا من تاريخنا وهويتنا. ولتحقيق ذلك، تعرض لوحات من قبيل العدالة والحرية والكرامة في مسرح الحضارة المصبوغ بالخداع والاستغلال الموحش.

وعندما يتعلق الأمر بالحضارة، تكون الإنسانية -أعني تلك الذات المتشابكة مع ماضيها الصدئ وذاكرتها المجروحة- في حال إعادة جرد وتقييم ونقد، من أجل الوصول إلى مفاتيح تفك بها لغز الحياة الأبدية؛ حيث يكون الخلود ذكرا لوعي الإنسان تجاه المنفيين والمهمشين.

تتعلق مفاتيح الأفئدة، وتعبيراتها الوافرة- كونها ذاتا أو تاريخا أو حضارة- بحساسيتنا تجاه ذاكرتنا ووعينا وابتكاراتنا؛ فنحن نرفض النظر إلى مستقبل تحدد فيه مصائر شعوب تباد في فلسطين وميانمار وغيرهما، لكننا ننحني عند ضعفنا للماضي، نحفره بمعاول ألسنة الكراهية والحقد لتعزيز تفوق الآخر.

كما أننا لا نخوض أطوار الوعي التي تسمح بفتح مسارات جادة نحو ابتكار يمنح حياتنا لغتها الخاصة، دون الحاجة إلى تأميم التاريخ وتكميم ذاكرتنا. فالبدايات قاسية لاحتمالات النهايات المتباينة، لكنها بالضرورة مفتاح مهم لأعقد المسائل حساسية للحضارة الإنسانية.

حين نعيش واقعا مثخنا بتعابير الحياة العنيفة، أو بالأحرى نشاهد صور خيام أهل غزة كيف تذروها قسوة البشر نحو العدم، أو صراع السياسيين على ما تبقى من طموحات السودانيين، فإننا ندرك يقينا أن معضلتنا الحقيقية مع ذواتنا، حيث صراع الخوف والرغبة يتجاذبان مع انهزامات أكثر قتامة من ذي قبل.

فالإمبراطوريات ما هي إلا ذوات منتفخة بالتاريخ والاقتصاد وصناعة الآخر عدوا، وتتجلى صورتها التأليهية عند اختبار حضاري، تحيد عنه بقيمها المهيمنة القائمة على القهر والاستغلال.

إن الخلاص تفسير نهائي لمفاتيح ما يعتقده الإنسان النجاة؛ فنحن نريد ما بعد الموت لا الحياة فحسب، تلك البعدية- على جمالية تأويلاتها- معلقة بتعريفنا لسؤال المصير؛ حيث الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أهي ما يصلح أن يكون عالما استثنائيا لأولئك الذين انعزلوا في صوامع وبيع وصلوات، أم إنها رهان يتحدى به الإنسان ذاته؟



الثلاثاء، 24 فبراير 2026

من وحي الحرم الشريف.. من أجل الأمة يتألم الكبار

من وحي الحرم الشريف..

من أجل الأمة يتألم الكبار


آمال الأمة كبيرة وكثيرة كما أن آلامها كبيرة وكثيرة، وقد

 تشترك الآمال والآلام في مسألة واحدة في أمور تخص الأمة،

 وفي أمور تخص الأفراد كذلك فتربية الأبناء، مسألة تشغل

 كل من عنده شعور بالمسئولية من ولاة الأمر والمصلحين

 والآباء والأمهات، ولم لا؟ وأولادنا أكبادنا تمشي على

 الأرض، وهم الامتداد الحقيقي للإنسان «إذا مات ابن آدم

 انقطع عمله إلا من ثلاث منها «ولد صالح يدعو له»

 والأولاد ملح الأمة ففي الغد يكون منهم الأمير والخفير

 والطبيب والمهندس، فإذا صلحوا وهم صغار أصلحوا وهم

 كبار، والعكس صحيح فزوال الأمم بزوال أبنائها عن الطريق الصحيح (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، ومن هنا يتضح أن الأنبياء كانوا مصدر أمل لأممهم حين عملوا

 على تغيير واقعها السيء القبيح إلى واقع صالح حسن.

من هذه الحقيقة كان تألم الكبار في الحرم المكي، وفي هذا

 المكان كان الألم يعتصر قلب إمامنا- الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم- في صلاة الفجر من السابع والعشرين

 من شهر شعبان حيث قرأ من سورة هود حتى وصل إلى قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب

 مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ {42} قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ

 يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود)، فلم

 يستطع أن يكمل من شدة بكائه، فقلت في نفسي: وهكذا

 الكبار يتألمون حين يرون أجيالاً من هذه الأمة يعصف بها

 التغريب في أخلاقها وقيمها وسلوكها ومعاشها ليدفع بهم

 إلى الفرق على حين يناديهم أهل الإصلاح وينادون

 الأجيال معهم: يا أبناءنا اركبوا معنا.

وفي غرة رمضان يصعد على المنبر لصلاة الجمعة صاحب

القلب الكبير الشيخ سعود ليتكلم عن استقبال رمضان،

 ويذكر جانبًا من ضياع تربية الأبناء، فيصومون وليس لهم

 من صيامهم إلا الجوع والعطش، ثم يطيل في بيان ذلك

 ليذكر بعد ذلك الركن الكبير في العملية التربوية الأم فهي

 مدرسة الأجيال:

الأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعبًا طيب الأعراق

وبلغة جميلة يبين مكانة المرأة في العملية التربوية في المجتمع فيقول «المرأة نصف المجتمع وهي تلد النصف

 الثاني»، نعم إنها المجتمع ومحضن الأجيال المسلمة، فالمرأة

 نبع حنان يفيض، وإذا كان في الرجال من يفيض على غيره

 بالمودة والرحمة، فإن صاحب الفضل عليه بعد الله من هذا

 الخلق العظيم امرأة هي «أمه».. هل ترجع المرأة إلى مهمتها

 الأساسية في تربية الأبناء؟ وهي مهيأة لذلك فقد خلقت

 المرأة لتكون أمًا!

والمتتبع لأقوال الشهيرات في ميادين التهتك والفجور الذي

 يسمونه فنًا، هؤلاء كلهن يقلن بعد أن يصلن إلى سن

 الأربعين خذوا ما عندنا وأعطونا بيتًا وزوجًا وأبناء وهكذا

 حنين المرأة للابن لتمارس معه مهمتها الأساسية «أن تكون

 أمًا».

وفي ليالي رمضان بقيامها يقرأ الشيخ سعود حفظه الله من

 سورة آل عمران فيصل إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران: 36)، وعند هذه الآية يتأثر الشيخ فيبكي

 في الآية التي بعدها!

ولِما لا يكون هذا التأثر وهو يتعلق بالصنف الثاني من

 أجيال الأمة «البنت»؟

وهكذا تكتمل المسألة التربوية الأم والأبناء والذكور

 والإناث، إنها قضية الألم والأمل في أهم جزء من حياة

 الإنسان بعد تقوى الله وطاعته وفي هذا الذي ذكرنا شواهد

 كثيرة نراها في الحرم، فالآباء من كل بقاع الأرض جاءوا

 بأولادهم إلى العمرة وأرض الحرم، وتكلفوا مشقة المال

 والسفر من أجل أن يطهروا نفوسهم ويأخذوا بأيديهم إلى

 طاعة الله، وكذلك الدعاة من كل البلاد اصطحبوا شباب

الصحوة حيث القلوب تتعلق بما عند الله، وكل واحد منهم يريد البناء الإيجابي لهذه الأجيال ولسان حالهم يقول: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّه) (هود: 88).

وهناك في زاوية في المسجد الحرام رأيت إنسانًا ينظر

 إلى مئذنة وإلى جموع الطائفين والراكعين والقائمين والساجين

 وتدمع عيناه بدموع حارقة، فقربت منه وحاورته عن سبب

 أحزانه فقال نحن -المغتربين- خرجنا من ديارنا قهرًا ونحن

 شباب إلى بلاد الغرب وتعلمنا واشتغلنا، واكتسبنا الأموال

 وشاركنا في الحياة فمنا أستاذ الجامعة ومنا التاجر ومنا

 صاحب المؤسسة، ولكن هذا لا قيمة له عند مئذنة يراها

 أولادنا ويتربون تحت قبتها في مجتمع عربي مسلم ونحن على

 استعداد لأن نضحي بنصف ما نملك وما نكتسب لنجد

 عملاً في بلاد المسلمين والله المستعان.

وهكذا أحبتي يتألم الكبار، فالتربية هي العاصم بعد الله من

 الفتن كلها فمع كل الجنسيات التي كنا نلتقي معها في الحرم

 كان الطلب الوحيد أن تهتم الحركات الإسلامية بالتربية من

 بعد ما غرقت في بحر العمل السياسي والجماهيرية

 الحماسية، فهذا الصوت تسمعه من القادمين من تونس

 الجريحة وليبيا الضائعة والجزائر المحترقة ومن أرض الصومال

 المشتتة، وإفريقيا المنهكة، ومن أرض الكنانة مصر ومن

 أرض الخليج المنفقة، وهكذا الحرص على التربية في كل

 وقت ومكان فليس هناك زمن تنتهي فيه الحاجة للتربية.

وهكذا يتألم الكبار إذا ضاعت العملية التربوية وضلت

 طريقها وهي تبحث عن منهج غير الإسلام الذي يجب

 الاعتصام بحبله والاستمساك بمنهجه وحده وطرح ما

 عداه([^1])

   للمزيد:    

 

المشهد السوري بين ليبية التغيير أويمنية التعديل أوأفغانية التهجير


الدولة المثالية في عيون الإدارة الأمريكية






الهوامش
  • 1 نُشر بالعدد (1236)، 19 رمضان 1417هـ/ 28 يناير 1997م، ص66.