الاثنين، 24 أغسطس 2026

المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

 المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

حمد حسن التميمي

هناك إنجازات تموت بعد ولادتها بدقائق. لا لأن أصحابها اكتشفوا أنها ناقصة، بل لأن اسماً آخر دخل الغرفة. يفرح موظف بترقيته حتى يعرف أن زميل دراسته أصبح مديراً، ويرضى رجل عن بيته حتى يرى بيت قريب انطلق معه من النقطة نفسها، ويعتز كاتب بكتابه حتى يسمع بالاحتفاء الذي حظي به من بدأ الكتابة معه. لم يخسر أحد منهم شيئاً، لكن نجاح الآخرين جعل إنجازاتهم تبدو في أعينهم أصغر مما كانت عليه.

فالغريب البعيد قد يُثير إعجابنا، أما الذي يشبهنا فيربكنا. لا نراه شخصاً نجح في طريقه، بل سؤالاً يمشي أمامنا: إذا بدأنا معاً، فلماذا وصل هو قبلي؟ ومن هذا السؤال لا تولد الغيرة وحدها، بل تبدأ محاكمة كاملة لحياتنا؛ نعيد فيها الحكم على أعمارنا ومواهبنا وقراراتنا، لا بما حققناه، بل بالمسافة التي تفصلنا عن شخص آخر.

في عام 1954، نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر بحثه «نظرية عمليات المقارنة الاجتماعية» في مجلة العلاقات الإنسانية العلمية. 

رأى أن لدى الإنسان دافعاً إلى تقييم آرائه وقدراته، وأنه حين لا يجد معياراً موضوعياً، يلجأ إلى الآخرين ليعرف موقعه. 

وبلغة أقرب إلى حياتنا، يستطيع المرء أن يقيس طوله بالمتر، لكنه لا يجد أداة تخبره أن كان ناجحاً بما يكفي، أو متقدماً في حياته، أو جديراً بالمكان الذي يطمح إليه. 

وحين يغيب المقياس، يصبح الناس وحدات قياس.

ومن بين ما افترضه فيستنغر أن ميل الإنسان إلى المقارنة يتراجع كلما اتسعت المسافة بينه وبين من يقارن نفسه به. 

لذلك قد لا تستفز الموظف ثروة رجل وُلد في عالم بعيد عنه، بقدر ما يستفزه منصب ناله زميل كان يجلس إلى جواره. 

البعيد حكاية، أما الشبيه فمرآة؛ لأنه يجعل الوصول يبدو ممكناً، ثم يحول تأخرنا عنه إلى سؤال شخصي لا نستطيع الهرب منه.

لكن المقارنة لم تبق وسيلة نفهم بها موقعنا، بل تحولت في مجتمعات كثيرة إلى سلطة توزع المواعيد على الأعمار. 

في سن معينة يجب أن تتخرج، ثم تعمل وتتزوج وتملك بيتاً، وتصل إلى منصب يليق بعدد السنوات التي مضت. 

ومن يتأخر عن هذا الجدول لا يُسأل عما اختاره، بل عما عطله. كأن للحياة ساعة واحدة، وكأن الناس خُلقوا ليصلوا إلى المحطات نفسها بالترتيب نفسه.

وتبدأ هذه السلطة مبكراً. 

يدخل الطفل بيته حاملاً درجة عالية، فيُسأل عن درجة ابن عمه قبل أن يسمع كلمة تقدير. 

هكذا يتعلم أن نجاحه لا يكفي في ذاته، وأن عليه أن يجد شخصاً يتفوق عليه قبل أن يسمح لنفسه بالفرح. ثم يكبر، وتأتي المنصات فتوسع دائرة المقارنة أمامه؛ يرى في جلسة واحدة نجاحات لا تنتهي لأشخاص يعرف بعضهم ولا يعرف أكثرهم. لا يرى الطرق التي قادت إليها، بل لحظات الوصول وحدها، فيخرج شاعراً بأن الجميع تقدموا وأنه وحده تأخر.

وقد تكون المقارنة دافعاً حين تكشف للإنسان ما يستطيع بلوغه، لكنها تصبح فخاً حين تتحول تجربة الآخر إلى حكم على تجربته. 

هناك فرق بين أن يقول: «إذا استطاع، فقد أستطيع»، وأن يقول: «لأنه استطاع، فأنا متأخر». عندها قد يختار تخصصاً لا يحبه، أو يستعجل زواجاً لم يستعد له، أو يشتري بيتاً لا يقدر على ثمنه، حتى لا يبدو أقل من أقرانه. وهنا تصبح المقارنة مميتة؛ لا لأنها تنهي حياته، بل لأنها تدفعه إلى أن يعيش حياة لم يخترها.

الاسم الآخر الذي دخل الغرفة لم يأخذ الترقية، ولم يسكن البيت، ولم يكتب الكتاب. جلس فقط في موضع الميزان، ونحن الذين وضعنا أمامه أعمارنا. ذلك هو فخ فيستنغر الاجتماعي: ألا تخسر إنجازك، بل تفقد القدرة على رؤيته؛ فبعض الأعمار لا تضيع لأنها أخفقت، بل لأنها ظلت تصل في مواعيد الآخرين.

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!

نقطة نظام 

رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!


في بيت النبي




أدهم شرقاوي




الحياءُ خُلُقُ القلوبِ الحيّة؛ تستحي لأنَّك تُحبّ، وتخجل لأنَّك تعلمُ أنَّ الله يراك. ليس حياءَ الهروب، بل حياءَ القُرب، حياءَ مَن لا يُحبّ أن يُقابِلَ النِّعمةَ بالجفاء، ولا الإحسانَ بالجُرأة على المعصية.


وما أجملَ الحياءَ حين يكونُ ميزانًا للأخلاق؛ يمنعُ اللِّسانَ من الأذى، والعينَ من الخيانة، والقلبَ من القسوة. هو الذي يجعلُ الإنسانَ جميلًا حتّى في صمتِه، نقيًّا حتّى في اختيارِه!


روى الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:

كان رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذَيْهِ أو ساقَيْهِ، فاستأذن أبو بكرٍ فأذِنَ له وهو على تلك الحال، فتحدَّث.

ثم استأذن عمرُ فأذِنَ له وهو كذلك، فتحدَّث.

ثم استأذن عثمانُ، فجلس رسولُ اللهِ ﷺ وسوّى ثيابَه، فدخل فتحدَّث.

فلما خرج قالتْ عائشةُ: دخل أبو بكرٍ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عمرُ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عثمانُ فجلستَ وسوَّيتَ ثيابَك؟

فقالَ: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ؟

هذا الحديثُ ليس حكايةَ موقفٍ عابر، بل درسُ تربيةٍ عميق، ومنه تُؤخَذُ معانٍ تُهذِّب القلوب قبل السلوك:

أوّلُ ما نتعلَّمه أنَّ الحياءَ خُلُقٌ يعلو مع علوِّ الإيمان. فالحياءُ ليس طباعًا بشريّةً فحسب، بل منزلةٌ روحيّة، يزداد صفاؤها كلّما ازداد القلبُ قربًا من الله. فإذا كان رسولُ الله ﷺ، وهو أكملُ الخلق، يستحي من عثمانَ رضي الله عنه، فكيف بمن دونه أن يستهين بهذا الخلق أو يراه ضعفًا؟

وفيه درسٌ في معرفة مراتب الناس وأقدارهم. لم يكن تعاملُ النبيِّ ﷺ واحدًا مع الجميع، لا تفضيلًا بشريًّا، بل مراعاةً لأحوال القلوب. فمَن عُرِفَ برقّة حيائه، أُكرِمَ بما يحفظ له هذا المقام، ومَن عُرِفَ بسعة صدره، وُسِعَ له في التعامل. وهكذا تُدار العلاقات بالحكمة، لا بالنسخ المتطابق.

ويُعلِّمنا الحديثُ أنَّ الحياءَ يُحبّه الله وتُجِلّه الملائكة. فإذا كانت الملائكةُ تستحي من عبدٍ، فذلك شرفٌ لا يُنال بكثرة الكلام، ولا بالمظاهر، بل بطهارة الباطن ونقاء السريرة. الحياءُ الحقيقيُّ عبادةٌ صامتة، لا يراها الناس، لكنّها تُرفَع إلى السَّماء.

ثمّ فيه تربيةٌ لنا جميعًا على حفظ الهيبة في الخلوة قبل الجلوة. فالنبيُّ ﷺ لم يكن في حال محرَّم، ومع ذلك غيَّر هيئتَه حياءً، ليعلِّم الأمّة أنَّ اكتمال الأخلاق يكون في أدقّ التفاصيل، وأنَّ المؤمن لا يستخفّ بما قد يجرح شعور غيره، ولو كان مباحًا في الأصل!


الأحد، 23 أغسطس 2026

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة

بياض الجزائر.. سردية أرض الذهاب والعودة


أحيانا ينتابنا الشعور بالعودة إلى الماضي، ذاك الذي لم نستطع التخلص منه، أو بالأحرى لا نملك القدرة على التصالح معه، لأننا آثرنا أن نختار ترحيل آلامه وآماله نحو مستقبل هو الآخر يرفض النظر إليه، إلا إذا اعترف بأن ثمة حاجة ملحة للتواصل مع ذواتنا، بغية سماع صوت الحقيقة، والحديث بلغة هي أقرب إلى الهامش منها إلى الخطاب السلطوي، حيث تتأتى معها اللحظات الأكثر جدلية في تاريخ المجتمعات.

ولعل ما كتب في نص آسيا جبار المعنون "بياض الجزائر"، سردية عن مواكب الهجرة، لا إلى الجنوب الكبير، أو الارتماء في أحضان تاريخ استعماري لم تطو صفحاته بعد، بل استدعاء لذاكرة لم تتآكل مع مرور سنوات التيه، ولم تستطع قوى الشر أن تغلق أبواب الشوق نحو جزائر صاغت هويتها ولغتها بما يحفظ للجغرافيا حضورا تاريخيا، واستمرارا للحياة في وجه موت غير مكتمل، يسعى جاهدا إلى إسكات الأصوات وتشويه الكتابة واغتيال الحقيقة.

إن سردية "بياض الجزائر" لآسيا جبار هي تعبير عن بحث في ذاكرة أرادت الإفلات من تشوهات الماضي، عبر استذكار جمالية الحضور لكتاب وثوريين وهامشيين، وقسوة الغياب الذي تركوه فجأة، ضمن صوت فني آمن بأن الكتابة خيار للتنوع، لا افتراضا لجدليات تنفخ في الانقسامات والهويات المستعصية. فالناجون، على قلة أسمائهم، من أكفان الموت البيضاء، ذاكرتهم لن تمحى لمجرد أن تبنى التماثيل، وتنشد عصبيات الماضي في مراسم التشييع الجنائزي. فالقصة ليست موتا يجتاح المكان، بل حكاية أرض تقاوم منافيها، لتعود أكثر بياضا ونقاء.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها

موت غير مكتمل

في سردها للأحداث التي عاينت جزءا مهما من حياة أصدقائها، تقترب آسيا بعمق من معنى أن يكون الموت ذا تفسير مغاير عن الطقوس الجنائزية والشعائر الدينية التي تتوارثها الأجيال فيما بينها، حيث تضع تصنيفا للموت حين تختصر نصفه في موت غير مكتمل، إذ كان استهداف النخبة والمثقفين من طرف من يدعون الحق في امتلاك الذاكرة والهوية، ويزعمون تمثيلهم التاريخي للغة والدين، صورة اختلفت عناوين حضورها السياسي والاجتماعي. فالخوف لم يستهدف الجغرافيا على امتداد تاريخها فحسب، بل طال اللباس والعادات والحرية، ليكون فكرة تجتاح اللغة والهوية والتنوع.

إعلان

إن الطقوس الجنائزية التي أوردتها آسيا في سيرتها، ضمن شخصيات مقربة كعبد القادر علولة، وأخرى نخبوية كفرانز فانون، وقائمة مفتوحة للثوريين تبدأ من عبان رمضان، ما هي إلا إحالة إلى رفضها تدارك التغييرات الطارئة وفهمها ضمن سياقها، ليس لأن الكاتبة لم تع جيدا طبيعة الصراع الثوري ومخلفات الانفتاح الأيديولوجي، في إطار يبعث على الخوف من كل شيء عدا الموت، إذ بعد عقدين من الزمن، تفتح آسيا نافذة نحو أسماء كانت أقرب إليها، في يومياتها وحواراتها وفرحها بالاستقلال الوطني.

كان الموت يحيط بآسيا من كل جانب، لكن بعناوين قاسية ومربكة، لدرجة أنها منعتها من أن تصدق حقيقة الفقد الذي طالها. ففي لحظة، يغتال علولة، ويسقط فانون بعد أن أنهكته اللوكيميا، وتجتاح الخيبة عالم عبان رمضان، كأن الموت يريد أن يتركها لاختياراتها، لكنه يسلبها شغفها بالحياة، بالكتابة، وبالبحث المستمر عن الحقيقة، غير أن جبار استطاعت أن تنفذ ببراعة نحو الجزائر البيضاء، تلك الأرض بمروجها ومواكب حزنها وتقلبات ساستها، في مشهدية أطاحت بتعريف الموت كونه أكفانا تحملها ظلال ذاكرة تشبثت بوطنها الأم.

فانون مجددا

في بياض الجزائر، حضر فانون وكاتب ياسين وغيرهما من المثقفين الذين عرفت أرض الأمير عبد القادر كيف تحيي ذكراهم، فثمة ضرورة ملحة للبحث عن سؤال العودة، حينما يتعلق الأمر باستعادة جثامين ثوار قضوا في سبيل تحرير الأرض، من منازلهم التي اختاروا أن تكون موطنا لنعشهم. إذ كانت الحاجة إلى الإجابة عن سؤال: لماذا نستعيد رفات بعض الثوريين؟ مدعاة لفهم الفراغ الذي أراد البعض تسليطه على سرديات تاريخية، لمنح الشرعية للغة الواحدة. فآسيا لم تنبش قبور رفقاء الثورة، ولا راحت تهدم صروح أساطير تاريخية، إنما قدمت أسئلة في سرديتها، حيث يكون الاهتمام باستعادة ماذا؟ في وقت يهمش فيه الكثيرون ممن وقفوا في وجه السياسات الاستعمارية، من دون أن ينالوا اسما أو لافتة لشارع ما.

إن معذبي الأرض لم يموتوا برحيل فانون، بل ازدادوا شراسة حينما تعلق الأمر بترتيب البيت الوطني، فما كان بالأمس اختلافا في تعريف الثورة والاستقلال، أصبح بعد زمن بياضا يجتاح الجزائر بالاغتيال والتهديد والخوف، من دون معرفة الأسباب المقنعة التي تجعل شخصا ما يستهدف آخر، لقد عادوا مجددا ليطفئوا أنوار المعرفة في تكريماتهم الباهتة.

تجيب آسيا في سرديتها عن الأسئلة المقلقة التي أطلقتها في بداية رحلة الكلمات، ليس من منطلق نظرة تشاؤمية، أو اختزال للماضي في زاوية التضاد، بل لأنها اختارت أن تنحاز إلى الاعتراف، وإلى المصارحة، وإلى الكتابة التي تنقذها من بقايا الموت واليأس الذي حول الحياة إلى غربة موحشة. فما عاد المسرح يعرف عبد القادر، لكنه بات يحسن التصفيق عند كل استحقاق انتخابي، بينما تتوالى مشاهد التمثيل الجنائزي ليعم الصمت.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة

مسرح الكلمات

خلصت آسيا إلى حتمية مفادها أن الكتابة تشكل خطرا وجوديا، ليس على السرديات المضللة والخطابات السلطوية فحسب، بل تهدد أساطير ظلت جاثمة على قمة التقديس، حيث تعجز اللغة عن تفكيكها ومساءلتها، بل ترفض الإحالة إليها، كونها شخصيات مربكة، معتبرة إياها صورا تعيد إلى الذاكرة مفارقات بين أن يعود الأمير إلى الأرض، ويظل أوغسطين عالقا في منفاه.

إعلان

ففي هذا السرد الغني لجبار، بقي حضور الأحبة والتاريخ واللغة حاضرا بنفس تعبيري ونقدي مؤسس، فهي لم تسقط في غياهب الكتابة الإقصائية، ولم تفرض وصاية على سردية تاريخية، بل قالت بوضوح تام إنها تقترب من أحبتها، ومن وطنها، ولغتها، بكل ما تحمل عبارات الأسى لاستكمال رحلة الذاكرة.

تعود آسيا من الماضي بعبارات لا تحمل الوجع والحزن فحسب، بل تريد أن تمنحنا فسحة من الأمل حينما يتعلق الأمر بأن نكتب، وأن نتكلم، وأن نعبر عن خصوصياتنا، تلك التعبيرات التي تهدد اللون الواحد المفروض على جغرافيا متنوعة، سرعان ما استطاعت لغتا المستعمِر والمستعمَر أن تلبسا وشاح الشرعية.

إن بياض الجزائر ليس ذاكرة عابرة، ولا سردية عن موت يزحف بعنف نحو المستقبل، بل طوق نجاة ترسمه الكلمات في مسرح الحياة، فآسيا جبار وقفت تتأمل لحظات ما قبل الرحيل، حيث نكون نحن جميعا، دون استثناء، لسنا على موعد مع النسيان، بل مع ميلاد جديد لوطن متنوع.

قفزة نظر!

 قفزة نظر!



د. أسامة الأشقر

فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ

1- عندما تفاوض عدوّاً متكبّراً لا يعرف معنى الالتزام بالعهود، ويستخدم كل مفاوضة لتسديد لكمات جديدة إليك مستغلّاً وضعَك أو ضعفَك فإنه يمكنك أن تمارس خداعاً استراتيجياً عليه باستدراجه إلى الفخ الذي ينصبه لك، وذلك يكون بتجهيز خطة إعداد متصلة، وسحب العدوّ إلى ساحة أخرى، وعدم تقديم أي موقف سياسي فيه تنازل عن ثوابتك التي تأسّستَ عليها، والمناورة في الوسائل والأدوات والتكتيكات مع محاولة تخفيف الخسائر قدر المستطاع وانتزاع أي مكسب لضمان حياة كريمة لأرواح هذا الشعب الصابر الفذّ.

2- في هذا الوقت فإن انتظارك الحيويّ لن يكون دون جدوى لأنّك أوقعتَ بعدوك في جولاتك السابقة، وتسببتَ له بخسائر استراتيجية سيعاني منها كثيراً، ويفقد توازنه بتسارع، وستنفتح عليه المشكلات الداخلية والخارجية، في ظل نمو قناعة قوية بضرورة تحييد نفوذ هذا العدوّ في المنطقة وعزلِه بعد ثبوت إمكانية هزيمته عملياً، وثبوت خطره على الجميع وعدم إمكانية التعاطي الإيجابي معه بثقة في ظل التزامه المطلق برؤيته الإحلالية الدينية العميقة.

3- لقد بنى أهل الثغر في السنوات القاسية الأخيرة عليهم ملحمة أسطورية ملهمة أعادت إحياء مشاريع التحرر، وغيّرت خريطة العالم، والمدى القريب سيتحدّث عن تكوينات نشطة ستدفع المنطقة نحو رفع سقوفها السياسية طوعاً أو كرهاً.

وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

مسلمون خلف الذاكرة الإسلام والمسلمون في لاوس ( 4-4 )

مسلمون خلف الذاكرة الإسلام  والمسلمون في لاوس ( 4-4 )

 المسلمون في بلاد اللاو... قطرة في بحر وورقة في غابة كثيفة من المعتقدات الغريبة !

- يعتبرون الدين فتنة تزعزع الا ستقرار.! وحقوق من تتم إدانته بتهم تتعلق بالدين شبه معدومة !

شعبان عبدالرحمن 

متخصص في شئون العالم الإسلامي والأقليات


 استعرضنا في المقالات السابقة قصة " لاوس" مع البوذية والشيوعية والإلحاد وغيرها من المعتقدات الغريبة الشاذة التي تغلغلت فيها، ونتوقف في هذا المقال الأخير بشيئ من التفصيل مع قصة الإسلام والمسلمين هناك ، وكيف شق الإسلام  طريقه وسط تلك الغابة الكثيفة من المعتقدات الباطلة التي تناصبه العداء  .

كانت بدايات وصول الإسلام  إلي هذه البلاد  من عند سواحلها ، حيث قامت محطات للنشاط التجاري في القرن الخامس الهجري ( الحادي عشر الميلادي ) ، ثم أخذ  يشق  طريقه إلى الداخل خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين ( 14م – 15م ) بجهود أهل الملايو ، فوصل إلى كمبوديا في منتصف القرن العاشر الهجري ( السادس عشر الميلادي )، لكن المسلمين ظلوا أكثر عددا علي السواحل ويقلون في الداخل .  وتبلغ نسبة المسلمين الي مجموع السكان في منطقة  الهند الصينية 3% إذ تبلغ في كمبوديا 2%، أما في لاوس وهي منطقة داخلية ف"لا يزيد عدد المسلمين فيها عن عدة آلاف( بمعدل 1%) ويتركزون حول العاصمة ( فينتيان ) حيث يعملون في التجارة ، ولهم جمعية معترف بها من السلطات الحكومية ..غير أن وضع المسلمين بها - كما هو في عموم منطقة  الهند الصينية - تأثر بالحكم الشيوعي مثلما حدث في سائر الأقطار التي وصل فيها الشيوعيون للسلطة . وليس لدينا أرقاما دقيقة عن تعداد المسلمين وجمعياتهم هناك نظرا للأحوال التي سادت منطقتهم بسبب الصراع الذي دار في البلاد إبان الحرب الأهلية وما أعقبها من صراع بعد انتهاء هذه الحرب بين الشيوعيين وغيرهم ".( الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا ص 79-80- أ.د. مصطفى رمضان ). لكن بعض الاحصاءات غير الرسمية قدرت تعدادهم بمعدل أقل من  1% تقريبا ويتركزون حول العاصمة ( فيانتيان ) حيث يعملون بالتجارة ولهم جمعية معترف بها من السلطات الحكومية .

ويوجد في لاوس مسجدان فقط بالعاصمة ( فيانتيان )  هما : مسجد الأزهر ومسجد فينتيان الجامع الذي يقع  في قلب العاصمة ، ويتبعان لأهل السنة والجماعة ، ولا يمانع القائمون عليهما من أداء المسلمين الشيعة صلواتهم فيهما .                              

ويعيش مسلمو لاوس غالبًا في المناطق الحضرية، ويتجمعون بصفة أساسية  في العاصمة، ووفقًا لتقرير الحريات الدينية الدولي الصادر عام  2008م  عن " مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان" بالخارجية الأمريكية فإن معظم مسلمي العاصمة يقيمون إقامة دائمة وهم من أصول أجنبية من جنوب شرق آسيا وكمبوديا. وتؤوي لاوس جالية صغيرة من المسلمين من عرقية "تشام"  التي نزحت من كمبوديا فرارًا من حملات الخمير الحمرالوحشية ضد الإسلام والمسلمين .

في دستورها الصادر عام 1991م اعترفت حكومة لاوس رسمياً بالإسلام وتسمح لمواطنيها المسلمين بممارسة شعائرهم الدينية بحرية.

الطعام الحلال

ويعمل معظم مسلمي لاوس في التجارة ويديرون متاجر للحوم الحلال، ورغم تعداد المسلمين القليل في لاوس فإن الطعام الحلال متوفر في مدنها الكبرى مثل فينتيان ولوانغ برابانغ ، حيث تتواجد مطاعم حاصلة على شهادة "الحلال" ومطاعم صديقة للمسلمين، ويتميز الطعام الحلال في لاوس بتجربة فريدة فهو طعام غني بالنكهات التي تجمع بين احترام تعاليم الإسلام والمذاق التقليدي للبلاد ، وهي تتميز بالأعشاب العطرية مثل عشبة الليمون، والخولنجان، وأوراق الليمون الكافيري - مع ضمان أن جميع المكونات، من اللحوم إلى التوابل، تتبع معايير الحلال بدقة.

ويمكن للمسافرين الاستمتاع بوجبات حلال من الأطباق اللاوية الشهيرة، مثل اللاب (سلطة اللحم المفروم)، وكاو بياك سين (حساء النودلز اللاوي)، وموك با (السمك المطهو ​​على البخار في أوراق الموز)، وكلها تم تحضيرها  من لحوم حلال معتمدة وخالية من الكحول أو أي مكونات غير حلال. كما تتوفر الخضراوات الطازجة والأرز  والفواكه الاستوائية بكثرة، مما يجعل الوجبات صحية ومتنوعة.

ومع وجود عدد قليل ولكنه يتزايد من المطاعم الحاصلة على شهادة الحلال، أصبحت لاوس وجهة ترحيبية حيث يمكن للمسافرين المسلمين الاستمتاع بالنكهات الأصيلة للمطبخ اللاوي دون أي نقص .

الوضع الراهن

واليوم ..وعلى الرغم من النمو الاقتصادي المستمر، لا تزال لاوس من أفقر دول جنوب شرق آسيا، وتواجه تحديات كبيرة فيما يتعلق بالحد من الفقر، لا سيما في المناطق الريفية.

 

ورغم أن دستور البلاد الصادر عام 1991م ينص في المادة 30  على حرية الدين-وهي حقيقة كثيراً ما يستشهد بها المسؤولون عند الحديث عن التسامح الديني، إلا أن الحكومة قيّدت هذا الحق عملياً ، ومازال الإلحاد والبوذية  يسيطران ، ويرتكب بعض  المسئولين وخاصة السلطات المحلية انتهاكات بحق حرية المواطنين الدينية ، مستندين إلى المادة ٩ من الدستور التي تحذر من جميع الأفعال والممارسات الدينية التي تُحدث – في زعمهم - انقسامات بين الجماعات والأفراد.. وهكذا الحكومات الشيوعية المخاصمة للدين (أي دين) تعتبر الدين يشعل الفتن في المجتمعات وتنظرلمن يمارسون شعائر دينهم بأنهم يمارسون الفتن ، وقد فسرت الحكومة  المادة 9 من الدستور تفسيراً مقيداً للحريات الدينية، ويستشهد بها مسؤولو الحكومة المركزية والمحلية على نطاق واسع كمبرر لفرض القيود على الممارسات الدينية، ولا سيما التنصير ونشر البروتستانتية بين الأقليات ، ناهيك عن الإسلام بالطبع ، ذلك رغم أن التصريحات الرسمية تُقر بوجود جماعات دينية مختلفة، إلا أنها تحذرمن قدرة الدين على إحداث انقسامات وتشتيت الانتباه وزعزعة الاستقرار.!

وفي لاوس لا تتوفر لأي شخص يتهم أو يقبض عليه أو يدان في تهم تتعلق بالدين - كما هو الحال مع معظم انتهاكات الحريات المدنية الأخرى المزعومة- سوى حماية قانونية ضئيلة ، كما أن حقوق الأشخاص من هذا النوع  في الدفاع عن أنفسهم ضئيلة ،وبناء عليه فقد يُحتجز الأشخاص لفترات طويلة دون محاكمة.!

في هذه الأجواء الخانقة لكل الممارسات الدينية بما فيها البوذية تمارس جميع الجماعات الدينية، بما فيها البوذيون، شعائرها في جوٍّ يتسم بالتعسف في تطبيق القانون ، وقد يتم فرض عقوبات قاسية على بعض الأفعال التي يفسرها المسؤولون على أنها تهديد للأمن ، والحالة الوحيدة التي يسمح فيها بحرية الممارسة الدينية تتمثل في التزام الممارسين بإرشادات ضمنية مقبولة لدى الحكومة.

تلك " لاوس" الدولة الشيوعية الصغيرة الغارقة في الإلحاد والبوذية والمعتقدات الغريبة والتي يخوض فيها الإسلام والمسلمون ملحمة كفاح  مريرة ونادرة ويقدمون تضحيات كبيرة حتي يحافظوا علي وجودهم ودينهم وعقيدتهم، لكن العالم الإسلامي لا يشعر بهم كثيرا فضلا عن العالم الغربي الذي يميل إلى التخلص منهم رغم جعجعته عن حقوق الإنسان وحرية الاعتقاد... ولا بواكي لهم ..لهم الله .

---------------------------

مدير تحرير مجلة المجتمع سابقا - متخصص في شئون العالم الإسلامي والأقليات المسلمة

المصادر :

        1- تقرير الحريات الدينية الدولي لعام 2008م  -صادرعن " مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان      - الخارجية الأمريكية.

 تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2022 م .
ويكيبيديا.
مركز بيو للأبحاث عام 2015 م -  نسخة محفوظة على موقع واي باك مشين.
المستودع الدعوي .
الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا ص 79-80- أ.د. مصطفى رمضان.




مسلمون خلف الذاكرة الإسلام والمسلمون في "لاوس" ... (1-4)

مسلمون خلف الذاكرة ( الإسلام والمسلمون ف الإسلام والمسلمون في "لاوس" (2-4)


مسلمون خلف الذاكرة الإسلام والمسلمون في لاوس ( 4-3)

السبت، 22 أغسطس 2026

عوج وعرج الديمقراطية الأمريكية

عوج وعرج الديمقراطية الأمريكية




جعفر عباس


 

الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده..


 بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر من عام 2001 الدامية، شنت حكومة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، هجمات عسكرية على أفغانستان والعراق، وهجوما ثقافيا على العرب والمسلمين، وصل درجة المطالبة بحذف بعض الآيات القرآنية من المناهج المدرسية، بحسبان أنها تدعو للعنف، ثم غشت بوش سحابة من حياء، فقال إن العنف مستشر في العالم العربي، لغياب الممارسة الديمقراطية (بينما الأمريكان ـ اسم الله عليهم ـ قوم مسالمون).


ومن ثم صار بوش حاتم طائي القرن الـ 21 وخصص 25 مليون دولار لغرس الديمقراطية في العالم العربي! تخيّل 25 مليون على 22 دولة، فتحصل كل واحدة منها على مبلغ لا يكفي لإجراء انتخابات في دائرة انتخابية واحدة.

والشاهد هنا هو ليس استخفاف الحكومة الأمريكية بالعرب فحسب، بل استخفافها بالديمقراطية، لأن الأمريكان لا يعرفون منها سوى "الشكل".

يتمثل اعتلال النظام الديمقراطي الأمريكي في تراجع الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب الحزبي الحاد، والدوس على القانون، كما يفعل ترامب حاليا بتحدي قرارات المحاكم، وشن حرب دون ضوء أخضر من الكونغرس، والتلاعب بأسواق الأوراق المالية، لصالح نفسه وولديه وكبار أنصاره.
وربما يقول قائل إنني كعربيقي (عربي ـ أفريقي)، كالناقة التي تعاير غيرها من الحيوانات باعوجاج الرقبة، لأن علاقة بني قومي في آسيا وأفريقيا بالديمقراطية شفاهية وافتراضية، فالعالم العربي هو من ابتدع خوض رئيس الجمهورية للانتخابات ضد نفسه، تحت مسمى الاستفتاء: ناصر مصر ضد ناصر مصر، وأسد سوريا الأول والثاني، ضد أسد سوريا الأول والثاني، وقس على ذلك في اليمن والسودان والعراق. ولكن العرب لا يزعمون بأنهم سدنة الديمقراطية في العالم كما يفعل الأمريكان، بينما التاريخ المعاصر متخم بالأدلة المادية التي تؤكد أن الولايات المتحدة ظلت على مدى الـ 75 سنة الماضية، راعية الأنظمة الديكتاتورية في كل القارات.

في انتخابات عام 2016 الرئاسية، التي خاضها دونالد ترامب ضد هيلاري كلينتون، فازت الأخيرة بغالبية أصوات الناخبين، ومع هذا خسرت الانتخابات، لأن ترامب تقدم عليها بأصوات ما يسمى بالمجمع الانتخابي (306 ـ 232)، ونظام المجمع هذا يهزم جوهر الديمقراطية، فعندما يهزم 538 صوتا من هذا المجمع، ملايين الأصوات "الشعبية"، تصبح الأغلبية عمليا بلا صوت أو وزن، ومن ثم فالديمقراطية الأمريكية تعاني من خلل بنيوي، لأن مرشحا ما قد يفوز بالرئاسة، دون الفوز بأصوات الناخبين، ويكمن جوهر هذا الاعتلال في أن نظام المجمع الانتخابي يقوم على أن كل ولاية أمريكية لديها مقعدان في مجلس الشيوخ. تستوي في ذلك ولاية تعداد سكانها 25 مليون، وأخرى تعداد سكانها 3 ملايين.

وعلى مستوى مجلس النواب، الذي يفوز أعضاؤه بالانتخاب المباشر، فإن الحزب الحاكم، وقبل كل دورة انتخابية يعيد تقسيم الدوائر بحيث يخلق دوائر جديدة في مناطق نفوذه، وهذا عين ما ظل ترامب يفعله طوال الأشهر الأخيرة في الولايات الجنوبية حيث ثِقَل انصار حزبه الجمهوري. والأدهى من كل ذلك ان نواب الأقلية في مجلس الشيوخ من حقهم تعطيل أي اجراء او قانون، بما يسمى فليبستر filibuster (والكلمة في الأصل تعني قرصنة)، فيبقى شاعرنا الفيلسوف إيليا أبو ماضي يتميَّز غيظا في قبره:

نرضى بحكم الأكثرية مثلما

يرضى الوليد الظلم من أبويه

ويتمثل اعتلال النظام الديمقراطي الأمريكي في تراجع الثقة بالمؤسسات، والاستقطاب الحزبي الحاد، والدوس على القانون، كما يفعل ترامب حاليا بتحدي قرارات المحاكم، وشن حرب دون ضوء أخضر من الكونغرس، والتلاعب بأسواق الأوراق المالية، لصالح نفسه وولديه وكبار أنصاره. كما يتجلى في الجفوة السياسية الحادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بما يعطل عمل المؤسسات. ويعطل مصالح المواطنين الذين يفقدون الثقة في نزاهة الانتخابات، بل وجدوى الديمقراطية.

وكيف لا يشكك المواطنون الأمريكان، والمواطنون في كل مكان، في جدوى الديمقراطية، وهم يرون أفعال ترامب وأقواله، فترامب لم يصل الى الحكم بالوراثة، او نتيجة انقلاب عسكري، بل فاز بملايين الأصوات، ولكنه يدوس آناء الليل واطراف النهار على كل مفاهيم الحكم الديمقراطي بالفعل واللسان، لأنه معني فقط ب"مجده" الشخصي، الذي يتحقق في تقديره بتمكين إمَّعات من حزبه الجمهوري، من المناصب القيادية في الخدمة المدنية والعسكرية، وأنفق على حرب بلا طائل على ايران مبالغ كانت تكفي لتوفير تأمين صحي لملايين الأمريكان، الذين لا يجدون سبيلا الى المشافي، ولإقالة عثرة النظام التعليمي في بلاده الذي ينهار عموديا، مقارنة ببقية الدول الصناعية.

رغم أن حكومة ترامب تنحاز على المكشوف إلى الأغنياء، إلا أن مؤسسة يو بي إس المتخصصة في إدارة الثروات على مستوى العالم، تفيد بأن 31 من أصل 87 مليارديرا أمريكيا من عملائها، نقلوا أنشطتهم خارج الأراضي الأمريكية، بينما يرتب آخرون منهم للانتقال إلى بلدان تشجع الاستثمار وتمنح جوازات السفر والجنسيات بعد مهل قصيرة.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تشهد الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي، بينما تسود المخاوف بشأن نزاهة العملية الديمقراطية في ظل مناخ سياسي وإعلامي واقتصادي مرتبك، تسبب فيه ترامب، مما جعل مجلة ذا إيكونوميست البريطانية الرصينة تقول إن هناك شكوكا في قدرة لديمقراطية الأمريكية على الصمود. وإن ترهيب الناخبين بتدخل قوات إدارة الهجرة والجمارك (آيس)، سيئة السمعة في مراكز الاقتراع ،كفيل بجعل أعداد كبيرة من الناخبين من غير البيض يحجمون عن التصويت طلبا للسلامة.

مع بداية ولاية ترامب الثانية في مطلع 2025، شهد ذلك العام اقتراع 180 ألف أمريكي بأرجلهم، أي هاجروا طوعا واستقروا في دول الاتحاد الأوربي (ايرلندا كانت الوجهة المفضلة لمعظمهم)، بينما قامت حكومة ترامب في عام 2025 بالتهجير القسري ل657,000 شخص، من بينهم 50 ألف من ذوي الأصول المكسيكية المولودين في أمريكا، ومن ثم "أمريكان بالميلاد"، واختار 2.2 شخص الرحيل الاختياري عن الأراضي الأمريكية تفاديا للملاحقات العنيفة ذات الطابع العنصري من جماعة آيس. ومعظم هؤلاء أمريكيون ولكن مزودون بلون البشرة "الخطأ"، وبهجرتهم العكسية ضاعت أصواتهم الانتخابية، ومن ثم فإن ولايتان مثل فلوريدا وتكساس التين كانتا نقطتي انطلاق تلك الهجرات، ستجعل بضعة آلاف تقرر مصير المرشحين في انتخابات الكونغرس.

ورغم أن حكومة ترامب تنحاز على المكشوف إلى الأغنياء، إلا أن مؤسسة يو بي إس المتخصصة في إدارة الثروات على مستوى العالم، تفيد بأن 31 من أصل 87 مليارديرا أمريكيا من عملائها، نقلوا أنشطتهم خارج الأراضي الأمريكية، بينما يرتب آخرون منهم للانتقال إلى بلدان تشجع الاستثمار وتمنح جوازات السفر والجنسيات بعد مهل قصيرة. ومن جهة أخرى فإن وقف ترامب تمويل البحث العلمي حمل 32% من العلماء الأمريكان على الهجرة الى بلدان أخرى خلال ال18 شهرا الماضية.

وهكذا بتنا نرى كيف أن الاعتلال الديمقراطي في أمريكا يقود إلى الاختلال الاقتصادي والسياسي والعلمي والإنساني، وبهذا يكون ترامب هو الجاهل الذي هو عدو نفسه وبلده.

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون. ولنضرب مثلاً بـ"التي شيرت" (T-Shirt) الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضي لستر عورة الإنسان ووقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة "التي شيرت" بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة.

ثم توظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال)، وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن "التي شيرت" أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.

"
ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، يأكله المرء وهو يسير أو يجري، ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولا بد أن نتنبه إلى الرؤي ة الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة
"

ويمكن قول الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو بريء، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه وتصبغ وجدانه، شاء أم أبى.

فإن قَطَنَ الإنسان المسلم في منزل بُنيَ على الطراز المعماري العربي والإسلامي فلا شك أن هذا سيزيده من ثقة في نفسه واعتزازه بهويته وتراثه. ولكننا لا نرى في كثير من المدن من العالم الإسلامي أي مظاهر أو آثار للرؤية العربية الإسلامية (إلا في المسجد)، وبدلاً من ذلك أصبح المنزل -عملياً وظيفياً- يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية، أي أنه مثل "التي شيرت" أصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق.

وأثاث هذا المنزل عادة وظيفي، يلفظ أي خصوصية باسم الوظيفية والبساطة. ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية (الرؤية المادية تفضل البساطة على الجمال المركب، ومن هنا عبارة "خليك طبيعي").

ونفس الشيء ينطبق على طعام "التيك أواي" أو السفاري، فهو الآخر يعيد صياغة وجدان الإنسان. الناس هم الذين  يعدون طعامهم بأنفسهم، ثم يتناولونه سوياً. هذا ما كان سائداً في كل أرجاء العالم بما في ذلك الغرب.

أما ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، ويأكله المرء وهو يسير أو يجري، فهذه ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولابد أن نتنبه إلى الرؤية الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي، مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة.

إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة، مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأنس بغيره.

ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا" (أي سوياً) تشير إلى مجموعة القيم هذه. وأنا لست من الغباء بحيث أطالب بتحريم أو تجريم هذه الوجبات، فأنا أدرك تماما ضرورة اللجوء إلى كثير من الإجراءات ذات الطابع المادي (الاقتصادي السياسي) في حياة الإنسان اليومية، والوجبة السريعة كثيرا ما تكون ضرورية، بل وحتمية.

ولكن عندما تتحرك هذه الإجراءات المادية إلى المركز وتصبح هي القاعدة والمعيار، نكون قد سقطنا في العلمانية الشاملة. وقد قرأت مؤخراً أن عدد الأقواس الصفراء (علامة ماكدونالد) يفوق عدد الصلبان في العالم الغربي!

وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة (فهي معظمها حلال)، تؤثر في وجداننا وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة!

"
تصر بعض الصحف على أن فلانة المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة، مع أنه لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها 
"

وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، ما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً هيمنة النموذج المادي على الوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟

ومع هذا، تُصر بعض الصحف على أن "فلانة" المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. والمسكينة لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة ولا أي مطلقية، إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون فاتناً، ولكنه -لا شك- محدود ونسبي.

كما أن خبراتها مع أزواجها -رغم أنها قد تكون مثيرة- لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية، إلا إذا كانت رؤية مادية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية.

وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة!

وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع، ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.

ولنتخيل الآن إنساناً يلبس "التي شيرت"، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة "البريفاب" (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (همبورغر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية)، وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام "التيك أواي" ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأميركية (الإباحية أو غير الإباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات..

ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار.. إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟

قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية، رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.

ونحن حين نتحدث عن الحضارة المادية فنحن عادة ما نتصور أننا نتحدث عن الحضارة الغربية وحدها، وهذا خلل ما بعده خلل، ففي الغرب يوجد كثير من المظاهر الإنسانية المتجاوزة لسطح المادة، ففي الغرب موزارت وبتهوفن والطعام الفرنسي وكثير من المظاهر المحتفظة بأصالتها وخصوصيتها.

إن المنتجات المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية.. ألخصوصية الغربية والخصوصية الإنسانية. ولنقارن موسيقى الديسكو بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، و"التي شيرت" برداء الإنسان الغربي، ستجد أن منتجات هذه الحضارة المادية -التي أسميها "ضد الحضارة"- غير منتمية لأي تشكيل حضاري أو اجتماعي.

"
الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان
"

هي حقا بدأت في الولايات المتحدة لكنها ليست أميركية، لأن الحضارة الأميركية الحقيقية حضارة لها سماتها الفريدة، وهناك تقاليد حضارية أميركية قامت هذه الحضارة الجديدة الضد بتقويضها.

ولكن المشكلة أن كل هذه التقاليد وكل هذه الخصوصيات آخذة في التآكل بسبب المد الجارف للحضارة المادية. وهذه الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.

كل هذا مقدمة لما حدث في عالم الرياضة. إن الرؤية المادية قد تغلغلت في كل مجالات الحياة. خذ على سبيل المثال عالم الرياضة.. كانت ممارسة الرياضة في الماضي تهدف إلى تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وتسليتهم في الوقت ذاته، بحيث يقضون وقت الفراغ بطريقة متحضرة.

كما أنها على مستوى آخر كانت تدريبا على الصراع الرقيق لتفريغ نزعات البشر العدوانية من خلال قنوات متحضرة..

حينما كنت في مدرسة دمنهور الثانوية كان فريق كرة السلة من أهم الفرق على مستوى الجمهورية، وكنا نصل إلى المركز الأول في بعض البطولات إن لم تخنّي الذاكرة..

ولكن ما أذكره جيداً هو أن الأستاذ الحبروك -المشرف على الفرق الرياضية آنذاك- كان ينصحنا بأنه حينما كان يأتي فريق من المراكز المجاورة لنا -وكانوا عادةً أدنى منا في المستوى- كان يطلب منا ألا نهزمهم هزيمة ساحقة، بل أن ندعهم يحرزون بعض الأهداف حتى لا يشعروا بالإحباط.

وكنا نشجع فريق كرة القدم الخاص بدمنهور، ولكننا في الوقت ذاته كنا نشجع "اللعبة الحلوة" بغض النظر عن مصدرها. إن ما كان يهيمن علينا ليس النموذج المادي ولا النموذج الدارويني الصارم حيث يكون كل الناس إما منتصراً أو مهزوما، ولا نموذج السوق وآليات العرض والطلب التي لا تعرف الله أو الإنسان، وإنما نموذج إنساني يقبل حتمية الاختلاف والصراع، ولكنه لا يجعلها مرجعيته النهائية، إذ توجد قيم أخرى مثل التراحم والإيمان بإنسانيتنا المشتركة.

ولكن الرياضة انفصلت تدريجيا عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية ذاتها، ومنفصلة عن القيمة وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد. ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماما للرياضة واحترافهم. والاحتراف يتناقض تماما مع فكرة التسلية وتزجية وقت الفراغ واللعب بطريقة إنسانية متحضرة، فهي تجعل الرياضة مركز الحياة.

قابلت مرة أحد كبار لاعبي كرة القدم في الولايات المتحدة وهي مختلفة عن كرة القدم في بقية العالم، واللاعبون لابد أن يتمتعوا بلياقة بدنية فائقة، وأجسامهم يجب أن تكون ضخمة وعضلاتهم بارزة حتى يمكنهم تحمل الصدمات. المهم.. فتح لي قلبه وتحدث عن بؤسه، وكيف يراقب المدرب كل جوانب حياته العامة والخاصة، فهو يراقب وجباته اليومية ويطلب منه أن يأكل كذا من البروتين وكذا من الخضراوات، كما يراقب حياته العاطفية بل والجنسية، فهو لا يمكنه أن يخرج مع صديقته قبل المباراة بأسبوع، ولا يمكنه مضاجعتها أو مضاجعة زوجته.

هو لم يستخدم مصطلح "تشيّؤ"، أي أن يتحول الإنسان إلى شيء، ولكن هذا هو أدق وصف لما حدث له.

"
أخلاقيات السوق اقتحمت عالم الرياضة فيتم بيع لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة, لذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال المحرك الأول للإنسان الاقتصادي
"

في المدارس الثانوية بالولايات المتحدة، تقوم فرق كرة القدم بدراسة تكتيكات الفريق الذي سينازلهم من خلال أفلام فيديو يصورونها لمباراة سابقة له، كما يدرسون أداءهم بنفس الطريقة.

هل هذا له علاقة بالتسلية واللعب، أم أنه ينبع من نموذج مادي صراعي يجعل الفوز وهزيمة الآخر هو الهدف الوحيد؟ ومن هنا تدفع المكافآت السخية لأعضاء الفريق الفائز. وتنتهي المباريات في الآونة الأخيرة بمعارك يُجرح فيها بعض الناس، بل وقُتل ضابط شرطة في إيطاليا بعد مباراة حامية الوطيس.. كل هذا يعني هيمنة النموذج الصراعي وتراجع النموذج الإنساني التراحمي.

وقد اقتحمت أخلاقيات السوق عالم الرياضة فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة.

ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال، المحرك الأول للإنسان الاقتصادي. ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات والأدوية المنشطة الممنوعة لتحقيق النصر. ويتقاضى أعضاء الفريق الفائز مبالغ طائلة مكافأة لهم، وهى مكافآت سخية على أدائهم، قد تصل إلى مرتب أستاذ جامعي لعدة سنوات.

بل في إحدى الجولات الرياضية حصل كل عضو من أعضاء الفريق الفائز على سيارة "بي.أم.دبليو" وهذه قمة الأحلام العلمانية! أين كل هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟ لقد اقتحمت اقتصاديات السوق هذا القطاع تماما، وسيطرت عليه قوانين العرض والطلب والمادية وتم تشييء الإنسان ونزع القداسة عنه، وتحوّل إلى مادة استعمالية مرنة ليس فيها من الإنسانية سوى الاسم، أي أن النموذج المادي الصراعي الدارويني قد ساد تماماً.

هذه هي مأساة الحضري الذي وقع صريع هذا النموذج، وسلك سلوكاً متسقاً معه، فهاجت الدنيا ضده؟ والسؤال هو: لماذا هذا الهيجان والتهيج؟ أليست المسألة مسألة عرض وطلب لا مسألة انتماء وطني وإنساني؟!

وعلى أية حال، بعد الهيجان استقرت الأمور داخل إطار الخصخصة وقبل النادي الأهلي التعويض المالي المناسب عن فقدانه إحدى أشيائه الثمينة.. والله أعلم.


عبد الوهاب المسيري

المصدر: موقع الجزيرة نت