الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

حين تطغى الخصومة على الهداية!

 حين تطغى الخصومة على الهداية!

كيف تتحول الغيرة على الدين من طريق للهداية إلى خصومة تستنزف صاحبها، حين يطغى التصنيف والتبديع على العلم والعدل، وما الذي يعيد طالب العلم إلى الإنصاف، وحفظ اللسان، والانشغال بإصلاح نفسه قبل الآخرين في كل خلاف؟


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:



قد يبدأ الشاب رحلة استقامته مُحِبًّا للسُّنة، حريصًا

 على سلامة اعتقاده، مُقبِلًا على العلم، ثم يجد نفسه

 بعد مدة مشغولًا بتصنيف الناس، مُتتبِّعًا عثرات

 العلماء، مستوحشًا ممن كان يَنتفع بعلمهم، وتتّسع

 قائمة المُحذَّر منهم، وتضيق دائرة المقبولين، ويكثر

 حديثه عن أخطاء الآخرين، بينما يقل نصيبه من

 إصلاح نفسه.

هذا التحوّل يستحق وقفة تربوية صادقة
؛

 

فكيف تنقلب الغيرة على الدّين إلى خصومة تستنزف صاحبها؟ 


وما الذي يساعد على انتشار خطاب يجعل الهدم أقرب

 إلى النفوس من البناء؟


تظهر في بعض الأوساط ظاهرة الغلو في التبديع والتضليل، والتوسُّع في إسقاط العلماء والدعاة، وامتحان الناس بمواقفهم من الأشخاص، وليست المشكلة في بيان الخطأ؛ فحماية الاعتقاد، وردّ الشبهات، والنصيحة للمسلمين من مهمّات الدين، وإنما تبدأ المشكلة حين تنفصل هذه الأعمال عن ضوابط العلم والعدل، ويصبح التصنيف غاية تتقدّم على التعليم، وتتحوّل المخالفة الجزئية إلى حكم شامل على دين الإنسان ومنهجه، ثم يمتدّ الحكم إلى مَن انتفع به، أو أنصفه، أو توقف في إدانته.

ومما يساعد على انتشار هذه الظاهرة أنها تخاطب عاطفة نبيلة:
مَحبّة الحق ونُصْرته، والخوف من الانحراف؛ لكنها قد تُقدّم لهذه العاطفة طريقًا مختصرًا موهمًا؛ فيشعر المتلقّي أنه يحرس الدين كلما اشتد في العبارة، وأن كثرة المُحذَّر منهم دليل على دقة بصيرته، وحين تقترن الغيرة بقلة العلم، يسهل توجيهها إلى معارك لا يَعرف صاحبها مقدّماتها ولا عواقبها؛ ولذلك تحتاج الحماسة إلى تربية تصحبها، وتُعلِّم صاحبها أنّ صِدْق المقصد لا يُغني عن صحة الفهم وسلامة العمل.

ويزيد الأمرَ قوةً ما تمنحه الأحكام القاطعة من شعور سريع بالوضوح والتفوق؛ فالمسائل العلمية تحتاج إلى صبر، وجَمْع للنصوص، وتَمييز بين مَراتب الخلاف؛ أما الخطاب المتعجّل فيختصرها في أسماء وقوائم: هؤلاء معنا، وأولئك ضالون مُبتدِعون. وقد يستريح المبتدئ إلى هذا التقسيم؛ لأنه يُعفيه من مشقة البحث، ويمنحه موقع الحكم قبل استكمال أدواته.

وتتيح وسائل التواصل لهذا الخطاب فرصًا واسعة للظهور؛ فالمقطع القصير والعنوان المثير قادران على نَقْل حكم كبير دون أسبابه وقيوده، وقد يسمع المتلقّي عبارة مبتورة لعالم، يَتبعها تعليق جازم، فيظنّ أنه أحاط بالقضية، ومع تكرار الرسالة من حسابات متشابهة، قد يلتبس عليه تكرار الدعوى بتعدُّد أدلتها.

وهنا تبرز مسؤولية المسلم عن سَمْعه ولسانه: 
أن يَتثبّت قبل التصديق، وأن يسأل عن السياق قبل الحكم، وألّا يجعل انتشار المقطع شهادة بصحة مضمونه.

ومن أسباب التأثر أيضًا: ضَعْف التلقّي المتدرّج عن أهل العلم، والانشغال بالردود قبل معرفة الأصول؛ فمن لم يتعلم كيف يَفهم النص، ويجمع بين الأدلة، ويميّز العام من الخاص؛ قد تخدعه كثرة النقول وأسماء الكتب، وربما ظنّ أن العثور على عبارة شديدة في كتاب قديم يكفي لتنزيلها على كل مُخالف.

والعلم أوسع من جمع المقتطفات؛ إذ لا بد من صحة النقل، وفهم دلالته، ومعرفة محل تطبيقه، والرجوع إلى كلام العالم كله في المسألة.

ويتّصل بذلك الخلطُ بين الحكم على القول والحكم على قائله. فقد يكون القول باطلًا، ثم يحتاج الحكم على الشخص إلى تفصيل لا يُحْسنه كل أحد، بحسب المسألة وشروط الحكم وموانعه، كما أن إنصاف عالِم في موضع لا يعني تصحيح أخطائه، والانتفاع بكتابه لا يساوي الموافقة على جميع آرائه، وحين تضيع هذه الفروق، تنشأ سلسلة من الإدانة لا تكاد تنتهي: يخطئ شخص، فيُسقَط، ثم يُسقَط مَن لم يُسقِطه، وتتَّسع الخصومة حتى تلتهم أصحابها.

وقد يساعد على اتساع الظاهرة غياب الجواب العلمي القريب من الناس؛ فالشاب الذي يسمع شبهة مؤثرة يحتاج إلى مَن يُنصت لسؤاله، ويفكّك الإشكال بلغةٍ يفهمها. فإذا قُوبِل بالتوبيخ، أو بطلب الصمت، أو باتهامه لمجرد السؤال؛ بقيت الشُّبهة تعمل في نفسه.

والمسؤولية هنا مشتركة؛ على العلماء والمربين أن يُقرِّبوا العلم، وأن يفتحوا مجال المراجعة، وأن يُبيِّنوا مواضع الخطأ بأدلتها، مع رعاية حال السائل، وعدم دَفْعه إلى أحضان خطاب أشد اضطرابًا.

وأخطر آثار هذا المسار أنه يُبدِّل صورة التديُّن في قلب صاحبه؛ فبدل أن يقوده العلم إلى خشية الله، وصيانة اللسان، والعدل مع المُخالِف، قد يقوده الجدل إلى التربُّص وسوء الظن وقسوة القلب، وربما صار يتساهل في أعراض المسلمين باسم الذَّبّ عن السُّنة، ويستثقل النصيحة إذا تعلقت بأسلوبه، والميزان القرآني واضح؛ ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]؛ فالعدل واجب في حال الرضا والخصومة جميعًا.

ويمتدّ الضرر إلى علاقة الناشئة بالعلماء والتراث؛ فإذا رأى الشابّ أن كل إمام يمكن إسقاطه بزلة، وأن كل كتاب يمكن هَجْره بسبب خطأ، فمِمَّن يتعلم؟ وقد ينتهي إلى الارتهان لصاحب خطاب واحد جاهل جهلًا مُركبًا، بعد أن أُضْعِفت ثقته بسائر المصادر.

واحترام العلماء لا يقتضي عِصْمتهم، ونَقْد أخطائهم لا يُبيح إهدار عِلْمهم وفَضْلهم، والتربية الراشدة تُعلِّم الطالب أن يَزِن الأقوال بالدليل، وأن يَحْفظ لأهل العلم حقوقهم، وأن يجمع بين الاتباع والإنصاف.

وقد تستنزف هذه الخصومات جهود الدعاة والمُربّين أنفسهم؛ فيصبح يومهم متابعة للمقاطع، ومُلاحَقة للاعتراضات، واستعدادًا لردّ جديد، بينما تتراجَع دروس التأصيل ومجالس التربية ومشروعات النفع؛ ولهذا يحتاج المُصلِح إلى فقه الأولويات: 
ما الشبهة التي تستحق البيان؟ 
ومن يحتاج إليه؟ 
وما القَدْر الكافي لرفع الالتباس؟ 
فالرد النافع يؤدي وظيفة مُحدّدة، ثم يُفسح الطريق للتعليم والعمل.

ويبدأ العلاج بإعادة طالب العلم إلى بناء نفسه: نصيب ثابت من القرآن، وعبادة يُصلِح الله بها قلبه، وتعلُّم متدرّج على أيدي الثقات، وعمل نافع يُخرجه من مُراقبة الناس إلى دعوتهم والرفق بهم.

وعلى المربّي أن يُقدِّم البديل مع التحذير؛ يدل على درس نافع، ويصحب الناشئ في قراءة كتاب، ويُعلِّمه كيف يُراجِع نقلًا ويُحرِّر مسألةً، كما يحتاج إلى أن يُريه الإنصاف ممارسةً حيةً؛ يعترف بخطئه، ويَقبل الصواب من مُخالِفه، ويَذْكُر فَضْل مَن ينتقده حيث يقتضي المقام. فمشهد واحد من العدل قد يُصلِح ما تُفسِده مواعظ كثيرة لا يُصدِّقها السلوك، ومَن تأثَّر بهذا الخطاب أَوْلَى بالنصح والصبر، ولا ينبغي أن تُعالَج حدّته بإغلاق باب الرجوع أمامه.

أمّا مَن يتصدَّى للرد؛ فلْيجعل غايته هداية المتلقّي وكشف الخطأ، ولْيضبط عبارته بقَدْر الحاجة، ويتجنَّب السخرية وقراءة النيات والتعميم، ولْيتذكر أن التعاون على خير معلوم لا يقتضي تزكية كل أحوال المتعاونين، وأن حِفظ حقوق المسلم لا يمنع بيان مُخالفته، ومتى أمكن تحويل النزاع إلى تعليم قاعدة نافعة، كان ذلك أبقى أثرًا من ملاحقة الأشخاص؛ إذ يتعلم القارئ كيف يُميِّز بنفسه، وتقلّ حاجته إلى وصاية الأصوات المُتنافِسة على حُكمه.

إنّ حماية السُّنة أمانة تَستلزم رسوخًا في العلم، وعدلًا في الحُكْم، ورحمةً في الدعوة. ومَن صدَق في ذلك أحبَّ أن يهتدي المُخطِئ، وأن ينتفع الناس، وأن تستقيم قلوبهم وأعمالهم. فلْتَتوجّه الجهود إلى تعظيم الدليل، والتثبُّت في النقل، وحفظ الأعراض، وشجاعة الرجوع إلى الحق، ولْنجعل من ظهور هذه الظواهر فرصة لإحياء التعليم الرصين والتربية الصادقة؛ فإن الضجيج قد يشغل الأسماع زمنًا، ولكن يبقى أثر العلم النافع والعمل الصالح؛ ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧].

الجبهة الأمريكية لـ7 أكتوبر: انهيار «إيباك»

الجبهة الأمريكية لـ7 أكتوبر: انهيار «إيباك»

ياسين أقطاي
قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لـ7 أكتوبر/تشرين الأول، قلنا في مقالنا الأخير، ونحن نستعرض الحصيلة التي تكشفت بعد ثلاث سنوات، إن إسرائيل لم تخرج رابحة من هذه الحرب، رغم الثمن المروّع الذي جعل غزة تدفعه. بل على العكس، دمرت إسرائيل غزة بعد 7 أكتوبر، وفي الوقت نفسه دمرت التصور العالمي الذي بنته حول نفسها. 

فعلى مدى ثلاث سنوات، استهلكت إلى حد كبير ما راكمته من رصيد، بدءاً من قدرتها على الردع العسكري، مروراً بشرعيتها الأخلاقية، وصولاً إلى صورتها بوصفها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، وانتهاءً بحصانتها من المساءلة في العالم.

وفي عشية الذكرى السنوية الثالثة لـ7 أكتوبر تحديداً، كشف مقال نُشر في صحيفة نيويورك تايمز بقلم إريك ألترمان عن المدى الذي بلغه هذا التراجع في واحدة من أكثر جبهاته الاستراتيجية أهمية، وربما الأهم:

 لم يعد لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة، المعروف باسم «إيباك» (AIPAC)، هو إيباك الذي عرفناه سابقاً. ويكفي عنوان مقال ألترمان للدلالة على ذلك، إذ جاء بعنوان: «كيف فشلت إيباك، وكيف يمكنها التعافي؟».

لا نتحدث هنا عن جماعة ضغط عادية، فإيباك تُعد منذ عقود إحدى أهم آليات الحصانة السياسية التي تتمتع بها إسرائيل في الولايات المتحدة. 

نحن نتحدث عن مؤسسة وصفها حتى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، جاي ويليام فولبرايت، عام 1963، بأنها «أقوى جماعة ضغط وأكثرها تأثيراً في السياسة الخارجية الأمريكية». 

إنها شبكة نفوذ هائلة قادرة على حشد أعضاء الكونغرس والمرشحين للرئاسة ووسائل الإعلام، بل وحتى الخطاب الديني، لصالح إسرائيل.

والآن، بدأت هذه الآلية تتصدع.

تشير الأرقام التي أوردها ألترمان، من أي زاوية نظرنا إليها، إلى تحول تاريخي. فعلى سبيل المثال، كان نحو 80 بالمئة من الأمريكيين ينظرون بإيجابية إلى إسرائيل عام 1991، لكن هذه النسبة انخفضت إلى 32 بالمئة في عام 2026. والأكثر إثارة للانتباه أن نسبة من ينظرون بإيجابية إلى إسرائيل بين الناخبين الديمقراطيين لا تتجاوز 13 بالمئة.

ولا يقتصر التراجع على الرأي العام الأمريكي عموماً، بل يشمل أيضاً انقساماً كبيراً داخل أوساط اليهود الأمريكيين الذين اعتادت إسرائيل اعتبارهم داعمين طبيعيين لها، ودون شروط. وقد تناولنا هذا الأمر سابقاً في هذه الزاوية، إذ أظهر استطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست عام 2025 أن 61 بالمئة من اليهود الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، فيما يصف نحو 40 بالمئة ما ارتكبته بأنه إبادة جماعية. أما بين اليهود الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً، فإن ما يقرب من النصف لم يعودوا يؤيدون مجرد حل الدولتين، بل يؤيدون إقامة دولة واحدة ثنائية القومية يعيش فيها الإسرائيليون والفلسطينيون معاً. وهكذا، فإن فكرة كانت تُعد حتى وقت قريب هامشية، ولم يدافع عنها سوى أسماء قليلة مثل إدوارد سعيد، تكاد تصبح توجهاً سائداً بين أوساط الشباب من اليهود الأمريكيين.

ولعل الحصيلة الحقيقية لـ7 أكتوبر بالنسبة إلى إسرائيل ينبغي البحث عنها هنا تحديداً.

فقد تمكنت إسرائيل من قتل عشرات الآلاف من الأشخاص في غزة، وتدمير المدن، وتهجير ملايين البشر. لكنها، في خضم كل ذلك، لم تستطع إنهاء القضية الفلسطينية. بل على العكس تماماً، نقلت فلسطين إلى ضمير العالم، وإلى الجامعات والساحات، والآن إلى قلب السياسة الأمريكية نفسها.


7 أكتوبر... أفق الحرية الذي فتحه شعب بتضحيته بنفسه للإنسانية

 


﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾... دلالات الإيمان والنجاة في قصة قوم يونس

 ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾... دلالات الإيمان والنجاة في قصة قوم يونس

د. علي محمد الصلّابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


قد يمرّ المؤمن في حياته بأوقات من الضيق والابتلاء، فيثقل قلبه، وتضيق به الأسباب، وربما ظن أن الفرج قد ابتعد. 

وهنا تأتي قصة قوم يونس عليه السلام لتذكّره بأن أعظم ما يملكه في أوقات الشدة هو الرجوع إلى الله، والتمسك بالإيمان، وحسن الظن برحمته.

لقد رجع قوم يونس إلى الله وآمنوا، فكشف عنهم العذاب ومتعهم إلى حين.

 قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾. 

وفي قصتهم رسالة لكل مؤمن: 

لا تجعل البلاء يحجبك عن ربك، ولا تجعل تأخر الفرج يضعف يقينك؛ فقد يكون الرجوع إلى الله هو بداية التغيير، وقد يفتح الصدق معه أبوابًا لم تكن تراها.

وإنّ قوم يونس (عليه السلام) نموذج لقوم كانوا في تيه وضلال وعصيان لله (عزّ وجل)، فضلالهم وعصيانهم وظلمهم أوردهم موارد التهلكة، فاستحقّوا به العذاب الأليم، عذاب الخزي في الحياة الدنيا، فلمّا تابوا وآمنوا؛ كشفنا ما بهم من ضرّ (تفسير النابلسي، (5/567))، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾؛ أي: أنعمناهم ومددنا لهم فسحة العمر ليتمتّعوا بهذه الدنيا ومتاعها إلى حين آجالهم فرداً فرداً.

وإذا أُريد بهذه الآية قوم يونس، فإنّها تنطبق على كلّ مسلم في أيّ مكان وزمان، فكلّ إنسان معذّب دخله قليل، وعنده أمراض، وفي بيته شقاق زوجيّ، وبين أولاده من هو عاق، ولديه منغّصات في العمل، ويعاني من متاعب صحيّة، ومتاعب اجتماعيّة مع الجيران مثلاً، ومن أزمات خانقة، فتاب توبة نصوحاً، وأخلص لله إخلاصاً تامّاً، واستقام على أمره، وفعل الصالحات؛ فعندئذ لابدّ أن يبدلّ الله له حياته تبديلاً جذريّاً، فهؤلاء الذين يلتصقون بالدين التصاقاً شديداً، ويتمسّكون به، ويحرصون عليه، لماذا هم كذلك؟

لا لأنّهم متيقّنون أنّ ما جاء به الدين هو الحقّ فحسب، بل لأنّهم رأوا رأي العين النتائج الباهرة لمن يتّبع قواعد الدين. (تفسير سورة يونس، د. أحمد نوفل، ص323)

فعندما يستقيم المؤمن على أمر الله، ويتّبع قواعد الدين يجد البركة والحياة الطيّبة والسكينة والتوفيق الربانيّ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ ‌حَيَاةً ‌طَيِّبَةً﴾.

فالمؤمن لديه وعد من ربّ العالمين، عندما يحقّق التوحيد ويفرد العبادة لله وينبذ الشرك والكفر بأنواعه، أن يمتّعه إلى حين بصحّته، وسمعه وبصره، وبعقله، وبعمله، وقوم يونس مثلٌ لكلّ قوم ضاقت بهم السبل، وأصابهم ما أصابهم، وعانوا من عذابات شتّى، ومن أزمات مختلفة لو فعلوا كما فعل قوم يونس لكشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولمتّعهم إلى حين، فهذه الآية تنطبق على الجماعات كما تنطبق على الأفراد. 

(تفسير النابلسي، مرجع سابق، (5/567))

والمعنى العام للآية الكريمة في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا ‌قَوْمَ ‌يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ۝٩٨﴾ [يونس: 98].

إنّ الله يذمّ الكفّار السابقين لعدم إيمانهم، وبيّن أنّهم لو آمنوا لرفع العذاب عنهم، لأنّ الإيمان ينفع أصحابه برفع العذاب.

ويُقرّر الله حقيقة تاريخيّة: لم يؤمن أهل قرية بكاملها من قرى الكافرين السابقين، ولو آمنوا بكاملهم لنفعهم، ورفع العذاب عنهم، ولا يستثنى من هؤلاء إلّا قوم يونس، فقد كانوا كفّاراً وهدّدهم الله بالعذاب، ولكنّهم آمنوا بكاملهم جميعاً قبل انتهاء المهلة، وقبل وقوع العذاب، وبذلك نفعهم إيمانهم، فرفع الله العذاب عنهم في الدنيا والآخرة، وجعلهم يعيشون حياتهم في سعادة إلى حين انتهاء أعمارهم، ومجيء آجالهم.

هذا هو الراجح في معنى الآية، وهذا ما ذكره المحقّقون من المفسّرين. (نبي الله يونس، د. علي الصلابي، ص184)

المراجع:

نبي الله يونس (عليه السلام)، د. علي محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1448ه – 2026م.
تفسير القرآن الكريم، محمد راتب النابلسي، 2022م.
تفسير سورة يونس، د. أحمد نوفل، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، 2000م.

رواية "شعلة المايدة".. ذاكرة الجزائر ومقاومة الاحتلال الإسباني

رواية "شعلة المايدة".. ذاكرة الجزائر ومقاومة الاحتلال الإسباني

نور الدين قدور رافع

  • ذاكرة الجزائر: التاريخ والهامش في رواية "شعلة المايدة"

حين ندرك أن الرواية، على مختلف صنوفها، فن إنساني جامع، فإننا نعي جيدا أهمية قراءة عناوين تحرك التساؤلات، ليس نحو الماضي، كونه تاريخا وذاكرة يجب معالجتها، ولا حتمية جمالية تصوغ عبارات باذخة لتشبع الآخر المهووس بالهيمنة، بل نافذة نحو ذوات صيغت باعتبارها أساطير، وأمكنة تشهد على حضور تاريخي، يعاد تشكيلها في قالب فني يختبر التاريخ.

وما بين يدي رواية تاريخية تعود بنا إلى ما قبل الاستعمار الفرنسي، حيث وجدت جماعات وسكان في فضاء جغرافي شهد احتلالا إسبانيا، وتحالفا عثمانيا، وثورات أطاحت بالنظرة الاستشراقية للمغرب الكبير. فرواية "شعلة المايدة" للكاتب الجزائري محمد مفلاح درب يمكن أن يسلكه القارئ للاستمتاع بسرد جمالي يتربع على أحداث تاريخية حقيقية، وشخصيات كان لها أثر في تحرير وهران، واستعادة بطولات أمة جزائرية. وهذه مقدمة نقدية لرواية "شعلة المايدة"، التي تنظر إلى التاريخ من أسفل، وإلى الهوية هامشا لا مركزا، وإلى ذاكرة استطاعت أن تفلت من إقصاءات الاستعمار نحو جماليات فن الرواية.

تقدم رواية "شعلة المايدة" التاريخ لا بوصفه موضوعا، بل لحظة مفصلية غيب فيها الإنساني والهامشي

ما قبل التاريخ

ثمة حاجة ملحة إلى قراءة نصوص أدبية تتجاوز الخطابات السائدة، لتحرك التاريخ نحو مراكز همشت، كان لها الأثر في صياغة ثورات الإنسان. ورواية "شعلة المايدة" لمفلاح من تلك النصوص التي سلطت الضوء فنيا على حقبة تاريخية حملت معاني عن المقاومة والعدالة والحرية، لا من منطلق كتابة سردية عالمية تثقلها كلمات الحضارة والاعتراف، ولا تماهيا مع تاريخ سلطوي تغافل عن أطلال لا تزال شاهدة على الحضور الوطني لقبائل حاربت الاحتلال الإسباني في وهران.

استطاع مفلاح أن يفتح كتابا عنوانه "التاريخ العثماني في الجزائر"، ليس من منطلق جدلية سياسية أسالت حبرا حول نظام البايلك في الجزائر، بل من زاوية التاريخ المنسي؛ ذاك الذي أحياه في شخصية راشد ووالده الطاهر، وقبيلة فليتة، وغيرها من اللحظات التي اتسمت بمعاني حلم تحرير مدينة وهران. فأحداث الرواية وقعت قبل عام 1792، في منطقة جغرافية أثبتت القبائل، بتمردها ورفضها للضرائب المجحفة، أنها فاعل تاريخي، لا مجرد امتداد لسلطة عثمانية. وهنا تسوق الرواية إجابة ضمنية عن سؤال بالغ الحساسية: من نحن؟

سؤال كان -بالأمس القريب- يصعب تحديد ضرورات طرحه وتبعات الإجابة عنه، لكن مع محاولات الاختزال التي قادها الفرنسيون لنفي حضور جماعات وسكان تشكلوا داخل فضاء جغرافي مهد لتشكل الجزائر الحديثة، ومع عودة هذا الجدل إلى الخطاب السياسي المعاصر، حيث شكك إيمانويل ماكرون في وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، كان عمل مفلاح سبقا جماليا وإضاءة نوعية في سرديات تاريخية أخرجت فنيا؛ إذ نقد أكثر الأساطير التي اعتمدتها المؤسسة الاستشراقية الفرنسية لنفي الجذور التاريخية التي أسهمت -فيما بعد- في ترسخ الأمة الجزائرية.

تقدم رواية "شعلة المايدة" التاريخ لا بوصفه موضوعا، بل لحظة مفصلية غيب فيها الإنساني والهامشي. فهي تعود إلى دروب ما قبل التاريخ الذي أراد أن يفرض سردياته الكولونيالية ليبرر احتلاله. واستطاع مفلاح أن يمنح التاريخ نفسا إبداعيا، حين ألبسه برنوس الهامشي، وأقعده على زرابي خيمة راشد، وقلب بيديه سبحة الشيخ الطاهر، لينظر كيف كان الباي الأكحل مولعا هو الآخر بقبائل لها من التراث والثقافة ما يميزها عن الجسد الجمعي التركي.

راح الروائي يستطرد جماليا في استحضار أهم الأحداث التي غيرت مجريات التاريخ؛ فزيارات الأكحل المتكررة للمنطقة، وانتفاضة فليتة ضد الحامية التركية، ورغبة القبائل في تحرير مدينة وهران، كلها كانت ترسم معنى الانتماء إلى الأرض

مختبر الذاكرة

في رواية "شعلة المايدة"، تلخصت فكرة حساسة عن جوهر الوجود العثماني في الجزائر، حيث استطاع مفلاح أن يبرز التفاوت في الممارسات السياسية بين مكونات الحكم؛ فالباي كان ينظر إلى القبائل -وخاصة فليتة- بوصفها مركزا مهما للتحالف، بينما كانت الحامية التركية وقادتها يعيثون فيها تسلطا، خاصة بعدما عجزت قبائل بايلك الغرب عن دفع الضرائب بسبب قلة الحصاد.

لذلك راح الروائي يستطرد جماليا في استحضار أهم الأحداث التي غيرت مجريات التاريخ؛ فزيارات الأكحل المتكررة للمنطقة، وانتفاضة فليتة ضد الحامية التركية، ورغبة القبائل في تحرير مدينة وهران، كلها كانت ترسم معنى الانتماء إلى الأرض وإلى الجغرافيا التي تحمل بذاتها هوية وثقافة جزائرية.

ما استحضره مفلاح في مختبر الذاكرة هو سؤال التمثيل التاريخي للأمة الجزائرية وامتدادها الثقافي واللغوي؛ فهو لم يدون الأحداث ولم يسرد خيالا فحسب، بل نقد فكرة الهوية المركزية، ليفتح نقاشا معرفيا حول ذاكرة عزلت سياسيا. ولعل حوارات محمد الشلفي مع راشد حول الوجود العثماني تعد من تلك الأصوات التي مثلت الحضور المحلي الرافض للتمييز الحاصل بين قبائل الرعية وقبائل المخزن.

ربما امتنع مفلاح عن الاستثمار الجمالي والفني للذاكرة الشفهية؛ إذ اختار عدم الاحتجاج بالشعر المحلي الذي كانت أسماء شخصياته تلقى بين سطور الرواية، وهو أمر كان من شأنه أن يعزز موقفه في استنطاق الأماكن والشخصيات. فالذاكرة مختبر تتفاعل فيه قوى التمثيل التاريخي لصياغة حضورها، ورواية "شعلة المايدة" أبانت عن قدرة القبائل على حفظ موروثها الثقافي والهوياتي ضمن ذاكرة هامشية كانت -ولا تزال- تفرض تمثيلها الحضاري.

استطاعت الرواية أن تقدم مشهدا تاريخيا مفعما بالهامشي، حيا بتفاصيل بسيطة احتضنتها شجرة البلوط في قبيلة فليتة، وعمامة سي الطاهر، والعباءات الفضفاضة التي تسمى محليا بالعربية

جماليات هامشية

تعود أحداث النهاية في الرواية إلى تحرير مدينة وهران من الاحتلال الإسباني. وقبيل ذلك الحدث العظيم الذي ابتدأه مفلاح برؤيا للشيخ جلول، إمام زاوية مينه، غاص الكاتب في أدق تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات الرئيسية والهامشية للرواية؛ حيث أبان سرده الفني، من خلال عائلة راشد وصديقه الشلفي والباي الأكحل وغيرهم، عن نفس إبداعي ملم بالإنساني.

كما أن الأمكنة كانت لها هوية واضحة وصورة جمالية أعادت تشكيل الفضاء السردي، وجددت فيه روح القراءة؛ فمن الكاف الأزرق، حيث التقى الأكحل بالقبائل، مرورا بموضع الدنوش العظيم، وصولا إلى رباط جبل المايدة العتيق، لم تكن هذه الأمكنة خلفية للأحداث فحسب، بل كانت ذاكرة فاعلة في تشكيل الصورة الجمالية للأرض. ولم ينس مفلاح هموم الهامش البسيطة، وأحلام الشاب راشد ووالدته.

استطاعت الرواية أن تقدم مشهدا تاريخيا مفعما بالهامشي، حيا بتفاصيل بسيطة احتضنتها شجرة البلوط في قبيلة فليتة، وعمامة سي الطاهر، والعباءات الفضفاضة التي تسمى محليا بالعربية. كما أن مشهد الجلوس حول طعام الكسكسي وسقيه بعسل غابة زمورة كان يوحي إلينا بأن ثمة جمالا منسيا بين خطابات ملفقة عن أولئك الذين مثلوا شعلة الحضور التاريخي، حيث استعاد مفلاح كل ما أبعدته السرديات المركزية من لباس وطعام ومكان وذاكرة شفهية، ضمن حس فني باذخ.

سلكت الرواية طريقا وعرا، بداية من فتحها مسارا تاريخيا لفترة غاب فيها الهامشي، لتسأل، بكل جرأة فنية، عن الشعلة التي أضاءت دروب العودة لتحرير وهران: أكانت أحلام راشد، أم مقاومة القبائل، أم شعلة الجزائر في امتداد رباطها التاريخي؟

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

كيف تصنع أفكارنا وكلماتنا تفاصيل واقعنا؟

كيف تصنع أفكارنا وكلماتنا تفاصيل واقعنا؟

الحبر الأصفر
أحمد عبدالرحمن العرفج


يعتقد الكثيرُ من النَّاس أنَّ الحياة معركةٌ شرسةٌ يجبُ خوضها بالصِّراع والمشقَة، لكن في المقابل، هناك فلسفة نفسيَّة وعميقة ترى الحياة من منظورٍ مختلفٍ تمامًا، تراها كـ»لعبةٍ» دقيقةٍ ومحكومةٍ بقوانين صارمةٍ، الفائز فيها هو مَن يفهم كيف يرسل إشاراته لتعود إليه بالخير.

هذا المفهوم هو ما يُعرف عالميًّا بـ»قانون البومرنج»، ونحن نصيغُه هنا -لأوَّل مرة- بتعريبٍ أدقَّ وأعمقَّ يعبِّر عن جوهره: «لعبة الارتداد الحياتي»، وهو المبدأ الذي أسست له الكاتبةُ الشَّهيرة فلورنس سكوفيل شين في كتابها العالميِّ الأكثر مبيعًا «لعبة الحياة، وكيف تلعبها؟».

ما هي لعبة «الارتداد الحياتي»؟

تقوم اللعبة على فكرة هندسيَّة وحركيَّة بسيطة:

كل ما تقذفه في الفضاء يعود إليك محلِّقًا في مسار دائريٍّ ليستقر في يدك مجددًا.

الفلسفة النفسيَّة هنا تؤكِّد أنَّ أفكارنا، كلماتنا، وأعمالنا ليست مجرَّد أشياء عابرة نطلقها وننساها، بل هي طاقات نرسلها في فضاء حياتنا، وعاجلًا أم آجلًا، ستسلك طريقها الدائري؛ لترتد إلينا بنفس القوة والنوع.

في هذه اللعبة، لا يوجد شيء يذهب هباءً:

* ارتداد الكلمات:

الكلمة التي تنطق بها ليست مجرَّد صوت، بل هي أمر غير مرئي يلتقطه وعيُك وعقلُك الباطن؛ ليعيد تشكيله في واقعك.

كلمات الثناء والتشجيع والخير، تعود إليك في صورة مواقف مبهجة، بينما الشكوى المستمرّة والكلمات الجارحة والتشاؤم تعود إليك على شكل أزمات ومتاعب.

* ارتداد الأفعال: 

كل تصرف تقوم به تجاه شخص آخر، سواء كان مساعدة خفيَّة أو خذلانًا، هو قذيفة أطلقتها في فضاء الارتداد. سينسى النَّاسُ ما فعلته، لكن الحياة لا تنسى، وسترتد إليك نفس المعاملة تمامًا من أشخاص آخرين وفي أوقات قد لا تتوقعها.

* ارتداد الأفكار والنوايا: 

حتى المشاعر الداخليَّة المخفيَّة مثل الحسد أو الحب، الخوف أو الاطمئنان، تعمل كالمغناطيس الذي يجذب الأحداث الشَّبيهة بها إلى عالمك؛ فالنوايا الطَّيبة ترتدُّ توفيقًا، والنوايا السيئة ترتد تعثُّرًا.

والسؤال الأهم هنا هو: كيف تفوز في هذه اللعبة؟

الفوز في لعبة الارتداد الحياتي لا يتطلَّب قتالًا أو صراعًا مع الظروف الخارجيَّة، بل يتطلَّب ضبطًا صارمًا ونقيًّا للمدخلات.

لكي تضمن ارتدادًا جميلًا يُسعدك، عليك أولًا أنْ تراقب ما تقذفه؛ درِّب لسانك على الكلمات الإيجابيَّة والامتنان، ونظَّف نيتك تجاه الآخرين، وتصرَّف بالخير حتى لو لم تجد تقديرًا فوريًّا؛ لأنَّ إشاراتك في طريقها للعودة إليك محملة بما أرسلته.

حسنًا، ماذا بقي؟!

بقي القول: إنَّ القرآن الكريم قد سبق المؤلِّفة بقرون طويلة، حين وصف الحياة الدنيا في مواضع عديدة بأنَّها لعبٌ ولهوٌ، كما في قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}. وفي حين صاغت الكاتبةُ الغربيَّةُ هذا المفهوم في العصر الحديث على أنَّه «لعبةٌ» تحتاج لقوانين ذكيَّة للعيش بسلام، كان كتاب الله قد حسم هذه الحقيقة قبل أكثر من 1400 عام، مبينًا طبيعة هذه الدنيا اللاهية، ومؤكدًا في ذات الوقت على نفس قانون الارتداد الجزائيِّ العادل في قوله تعالى: 

{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. 

فالحياة في جوهرها وبأمر الله ليست سوى انعكاس دقيق لما تقدِّمه يداك وعقلك.

مسؤولية العلماء في أيام الفتن

 مسؤولية العلماء في أيام الفتن

د. محمد عياش الكبيسي
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

إن مسؤولية العالم في هذه النوازل تكمن بالأساس في بيان الحق الملتبس بالباطل، وردّ الشبهات، وحماية الأجيال من مزالق الدعايات المضللات.

أما أن ينشغل العالم فقط بتوضيح الواضحات وتأكيد البديهيات، وتدبيج الموعظات، فهذا لا شك هروب من المسؤولية، والواجب التكليفي الذي كلف الله به العلماء.

إن سكوت العالم عن أعتى موجة باطنية تستهدف أصول الإسلام وثوابته ومصادره -إن لم يكن تحت الإكراه- فهذا خيانة لأمانة العلم، ومسؤولية الإرث النبوي.

إننا لا نتكلم عن شخص يسب الله ورسوله أو يحرق نسخة من القرآن مثلا تعبيرا عن حقده، أو غضبه، أو سفاهته، بل نتكلم عن مشروع متكامل الأركان ومدروس الخطوات مع الإمكانات الضخمة والهائلة لإقناع الناس بإسلام مسخ لا يمت إلى إسلامنا بصلة،

ونحن نرى مدنا بأكملها قد تحولت مع مرور الزمن، ودخلت هذه اللوثة بمستوى أو بآخر في كثير ممن كنا نحسن الظن بهم من مثقفين ودعاة، وصناع للمحتوى.

فوا عجبي أن أرى (العالم) الذي يثور أمام سفاهة سفيه معروف بكفره، ثم يسكت عن هذا الوباء الأسود الذي يخطط جادا ومجتهدا للوصول إلى إندونيسيا شرقا، والجزائر والمغرب العربي غربا، يساعده في ذلك حالة من الخدر والترهل، وربما المجاملات التي وصلت إلى حد تزيين الباطل وتبييض وجهه، وتغرير عامة الناس به.

وهم يرون بأعينهم أن هذا المشروع لا يقف عند (التبشير الديني) فقط، بل ينتقل بسرعة إلى (التجنيد) وتشكيل المليشيات المسلحة، كما حصل في العراق ولبنان واليمن.

فهل يرضيكم يا (علماءنا) أن تخربوا بلدانكم بأيديكم، وأن تفتنوا بسكوتكم شبابكم؟ أما تتعظون بما جرى ويجري لإخوانكم؟

هل يرضيكم أن تروا في عواصمكم مواكب التطبير والتطيين، ورفع الأصوات بشتم المهاجرين والأنصار والطعن في عرض النبي المختار -روحي له الفداء-عليه الصلاة والسلام؟

إن الله تعالى توعد صنفا من (أهل العلم) بما لم يتوعد به غيرهم فقال سبحانه:

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)} (سورة البقرة)

وحدد سبحانه طريق التوبة لهؤلاء فقال: {(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} (سورة البقرة)

إن تحول (العالم) إلى (دبلوماسي) يجامل هذا، ولا يريد أن يقطع صلته بذاك، ويسعى ليكون مقبولا أو محبوبا عند (أولياء الرحمن) و (أولياء الشيطان) فهذه والله هي الفتنة التي لا ينبغي لمن آتاه الله العلم أن يسقط فيها. وقد حذرنا سبحانه من التشبث بهذه المودة فقال:

{وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ (25)} (سورة العنكبوت)

لقد عرف الإمام أحمد بموقفه الحازم تجاه (شبهة واحدة تتعلق بالقرآن الكريم) مع أنه بكل تأكيد كان يرى أصناف الكافرين والظالمين والفاسقين، ممن يعرفهم كل الناس، فلماذا جند نفسه لدفع هذه الشبهة بالذات؟ لأن هذه الشبهة لبست الحق بالباطل، فاستوجبت البيان، فهذه هي مهمة العالم الأساس، أما إنكار المنكرات الواضحات فهذا واجب الجميع. وواجب الإنكار شيء، وواجب البيان شيء آخر.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد

من العصبية إلى الغلبة: ابن خلدون وأزمة استقرار الدولة

من العصبية إلى الغلبة: ابن خلدون وأزمة استقرار الدولة