الاثنين، 1 يونيو 2026

السِّباحة عكس التَّيار !

نقطة نظام


أدهم شرقاوي

وُلدَ الكاتِب المناهض للعبودية «فريدريك دوغلاس»، عبداً في «ماريلاند» عام 1817، كان قد كتب في كتابه الشهير «عبوديتي وحريتي»: العبودية منظومة مبنية على خلق مستويات عميقة من الخوف! 

كان دوغلاس يسير دوماً عكس التيار! 

علَّمَ نفسه القراءة والكتابة، رغم خطر العقوبة المشدد! وحين جُلِدَ عقاباً على سلوكه المتمرد، هربَ إلى الولايات الشمالية في أميركا، في سن العشرين دون أي أموال أو علاقات! 

ولكنّه سرعان ما صار قيادياً في حركة مناهضة العبودية، يجوب الولايات الشمالية، سارداً على الجماهير عن شرور العبودية. 

أراد منه مناهضو العبودية أن يظلَّ في دائرة محاضراته، ليكرر نفس الحكايات مراراً وتكراراً، ولكنه أراد لنفسه أكثر من ذلك، فتمرَّدَ مرَّةً أخرى، وأسس جريدته الخاصة المناهضة للعبودية، وهو تصرف غير مسبوق من عبدٍ سابق! وحققت الجريدة نجاحاً ساحقاً!

أحياناً على المرء أن يخطو خُطوةً أبعد، لأن الخطوة الوحيدة المتاحة، أو التي يبدو أنها كذلك، في الغالب لا تُؤدي إلى نتائج مرجُوَّة! 

كان أمام دوغلاس أمران لا ثالث لهما، أن يتحمل عذاب الجلد كل مرَّة، أو أن يهرب، فاختار أن يهرب! لقد رأى أن المجهول الذي فيه حرية ومغامرة، أفضل من العبودية المبنية على السلامة إن هو أطاع! وبالمناسبة العبودية هي العبودية، ليس لها اسم آخر، ومهما كان طول الحبل الذي يُربطُ به المرء! المرءُ إما أن يكون حُراً أو يكون عبداً، لا يوجد منطقة وسطى!

الحياة في الغالب لمن يجرؤ فقط، ولمن يستطيع المواجهة، ولمن يرفض أن يكون في عنقه سلسلة ولو كانت من ذهب، ولكنها جرأة متعقلة، وإلا صار الأمر تهوراً، وجرأة منبثقة من قيمة عليا ومبدأ، وإلا صار الأمر انحلالاً!

بلال بن رباح تخلَّد في التاريخ لأنه، ثار على منظومة العبودية التي أرستها الجاهلية، العبدُ ملكٌ لسيده، هكذا كانت تقول شريعتهم، ليس له أن يختار ديناً، ولا رأياً، ولا حتى عاطفة بخلاف ما يأمر به السيد! أما بلال فكان له مع كل هذا شأن آخر، كانت أعلى أيامه في سلَّم الحرية حين رُبطَ على رمال مكة الملتهبة، ووضعت الصخرة على صدره! 

كان موثقاً في الظاهر طليقاً في حقيقة الأمر، لقد هزَّ منظومة العبودية كلها!

سعد بن أبي وقاص تخلَّد في التاريخ لأنه أخذ موقفاً مغايراً لما تعرفه مكة، بل لما تعرفه العربُ جميعاً! العقيدة أهم من العائلة! هذا كان عنوان ثورته، وحين أقسمت أمه أن تقف في الشمس، فلا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه، قال لها: يا أماه، لو كانت لك مائة نفس، خرجتْ نفساً نفساً ما تركتُ هذا الدين!

صهيب الرومي تخلَّد في التاريخ لأنه قلبَ مفهوم المُلكية! المال صنو الروح، هذا ما تقوله العرب، ولكنه عندما خرج مهاجراً يريدُ المدينة، لحقت به قريش تحاول إرجاعه، فلما عجزتْ ساومته على ماله، كيف تأتينا صعلوكاً لا مال لكَ وتريدُ أن تُغادرنا ثرياً؟! هذا ما قالوه له! ولكنه دلَّهم على موضع ماله، فأخذوه، ومضى هو إلى حيث حبيبه، وفي المدينة تلقاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بابتسامة عذبة، وكان جبريلُ قد أطلعه على ما كان بين صهيبٍ وقريش، فقال له: ربح البيعُ أبا يحيى!

البلياتشو الباكي وقناع شارلي شابلن

 البلياتشو الباكي وقناع شارلي شابلن

حمد حسن التميمي


هل لاحظت يوماً أن أكثر الناس إضحاكاً في محيطك هم أكثرهم صمتاً حين ينصرف الجميع؟ 

هذا التناقض ليس مصادفة ولا استثناء، بل هو نمط إنساني رصده الفن منذ أوبرا «بلياتشي» الإيطالية عام 1892، حين صورت لأول مرة المهرج الذي يُضحك الجمهور بينما ينكسر من الداخل. 

هذا ما يُعرف بالبلياتشو الباكي، الإنسان الذي يحمل أثقل الأوجاع خلف أخف الابتسامات. 

وما من نموذج في التاريخ جسد هذا التناقض بصدق أكثر من رجل أضحك العالم كله بينما كان يبكي وحده.

في إنجلترا الفيكتورية وُلد طفل في أحياء لندن القاسية لأم مريضة عقلياً وأب غائب، ووجد نفسه وحيداً في ملجأ للأيتام وهو لم يتجاوز السابعة. 

لم يكن لديه ما يحميه من قسوة العالم سوى شيء واحد اكتشفه مبكراً: أن يضحك الناس. حين يضحكون لا يسألون، وحين يضحكون لا يرون ما خلف القناع. كان اسمه شارلي شابلن، وأصبح لاحقاً الرجل الذي أضحك الملايين بينما كان يحمل في داخله ما لا يعرف أحد ثقله. 

لخص شابلن هذه المعادلة بنفسه حين قال: 

«الحياة مأساة حين تراها عن قرب، لكنها كوميديا حين تراها من بعيد»، وهو الذي عاش المأساة عن قرب شديد وقرر أن يعرضها للعالم من بعيد.

كارل يونغ سمى هذا الثقل بالظل، ذلك الجانب المظلم من الشخصية الذي يدفنه الإنسان تحت القناع الذي يعرضه للعالم. 

منذ عام 1912 لاحظ يونغ من خلال تحليل أحلام مرضاه أن كل إنسان يحمل جانباً مظلماً يدفنه تحت القناع الاجتماعي، وكلما كان القناع أكثر بهجة كلما كان الظل في الداخل أكثر كثافة وخطورة. 

والأخطر في نظرية الظل أن الكبت لا يُضعف الظل بل يُضخمه، كل ما تدفنه يكبر في الظلام حتى يصبح أثقل مما تستطيع حمله.

والمجتمع بطبيعته لا يساعد البلياتشو على مواجهة ظله، بل يُعمق الكبت ويكافئه. 

المجتمع لا يسأل البلياتشو كيف حاله لأنه يعرف الإجابة المعلبة مسبقاً. من يُضحك الناس لا يُسمح له بالحزن، لأن حزنه يكسر الدور المنوط به ويُربك الجمهور الذي اعتاد على العرض. 

وهكذا يجد نفسه أمام معادلة قاسية: إما أن تستمر في تقديم ما يتوقعه منك الآخرون، أو أن تخلع القناع وتواجه نظرات الاستغراب والخيبة. وكثيرون يختارون الاستمرار لأن خيبة الآخرين أقل إيلاماً من مواجهة أنفسهم.

والأكثر مرارة أن القناع لا يبقى قناعاً إلى الأبد. 

حين تؤدي دوراً لسنوات طويلة يبدأ الحد بين الدور والإنسان يذوب، تماماً كما رصد يونغ حين قال إن الشخصية التي نعرضها للعالم تبدأ تأكل الشخصية الحقيقية إذا أطعمت طويلاً. 

البلياتشو الذي بدأ يضحك حماية لنفسه يجد يوماً أنه لم يعد يعرف كيف يبكي، ليس لأن الألم اختفى بل لأن القناع التصق بالجلد حتى أصبح استئصاله جراحة لا يطيقها.

ثمة لحظة يصل إليها كل بلياتشو، لحظة يُغلق فيها الباب خلفه بعد أن أضحك الجميع، ويجلس وحده في صمت لا يشبه الراحة. 

هذا الصمت ليس استراحة بل فاتورة، تُدفع وحيداً بعيداً عن الجمهور الذي لا يعرف أن العرض له ثمن. الرمادي الموحش الذي يسكن حياة كثيرين ممن نعتبرهم مصدر الفرح في محيطهم ليس تناقضاً غريباً بل منطق حتمي، لأن من يُنفق طاقته على إضاءة حياة الآخرين يعيش في العتمة حين ينصرفون.

حين تفكر في أكثر شخص يُضحكك في حياتك، هل سألته يوماً كيف حاله فعلاً، أم أنك اكتفيت بالضحكة ومضيت؟

حمد التميمي

«الضو»... في زمن «الفراويلة»!

 خواطر صعلوك

«الضو»... في زمن «الفراويلة»!


عزيزي القارئ، هل أنت من حزب سلامة فراويلة، أم من حزب عباس الضو؟

وإذا كنت شاهدت مسلسل «المال والبنون»، فبأي الشخصيتين أعجبت؟

هل المبادئ والقيم تسبّب الفقر، أم الفقر هو سلاح الشيطان؟

لكي نجيب عن هذه الأسئلة دعنا نغوص في تحليل السرديات الإعلامية والدرامية، ونفكك كيفية صناعتها لتشكيل الوعي وتمرير القيم الأخلاقية الكبرى، فإننا نادراً ما نصطدم بشخصية نجحت في اختزال صراع الأجيال وأزمة الضمير البشري كما فعلت شخصية «عباس الضو» في رائعة «المال والبنون».

هذا الرجل، الذي جسّده الراحل عبدالله غيث، رحمه الله (ثم أكمله شقيقه حمدي غيث، في الجزء الثاني)، لم يكن مجرد دور في مسلسل تلفزيوني، بل كان وثيقة بصرية و«بوصلة أخلاقية» تمشي على قدمين، تفضح هشاشة المبرّرات التي يسوقها الفاسدون لسرقة الأوطان والأعمار، وتُعرّي بشاعة النفاق المجتمعي.

تتجلّى عزيزي القارئ عبقرية السرد في هذا العمل في مشهد المواجهة التأسيسي بين الصديقين الفقيرين... عباس الضو، وسلامة فراويلة... كلاهما يعمل لدى «خواجة» يهرّب الآثار ويسرق تاريخ البلد... يموت الخواجة وتُترك الثروة الحرام بلا صاحب. هنا، يقف العقل البشري أمام اختبار «اللحظة الفاصلة».

سلامة فراويلة، ينظر إلى الذهب المكدس وكأنه هبة، ويبرّر جريمته فيقول منتشياً ومبرّراً سرقته: «المالُ والبنونَ زينةُ الحياة الدنيا»... في تلك اللحظة، لا ينفعل عباس الضو، ولا يصرخ ولا يلقي خطبة عصماء.

إذا كنت شاهدت هذا المسلسل التسعيناتي، فلا بد أنك أدركت أن المأساة الحقيقية لعباس الضو، والتي تجعله شخصية واقعية موجعة لا مجرد ملاك بأجنحة خيالية، هي أنه دفع ضريبة نقائه كاملة، نقداً، ومن لحم حيّه وحياة أبنائه.

صُناع العمل لم يجاملوا «الضو»، ولم يمنحوه نهاية سعيدة سريعة مكافأةً على أمانته... بل تركوه يعاني شظف العيش، يكابد الفقر، ويرى ابنيه (يوسف وعبدالمنعم) يتمزقان بين مبادئ أبيهما النبيلة، وبين بريق ثروة «فراويلة» التي تتضخم يوماً بعد يوم، وتمنحه النفوذ والوجاهة الاجتماعية...

عباس الضو، يمثل تلك «اللعنة النبيلة» التي تصيب كل شريف يقرر أن يمشي مستقيماً في عالم أعوج؛ حيث يُتهم بالسذاجة، والتخلف والجمود وتضييع الفرص الذهبية التي لا تأتي في العمر إلّا مرة واحدة.

انظر حولك عزيزي القارئ كم عباس الضو، تعرف وكم سلامة فرويلة، تعرف؟ إذا أسقطنا هذه الشخصية على واقعنا المعاصر، متجاوزين حقبة التسعينات، فسنجد أن معركة «الضو» لا تزال مستمرة وبشراسة أكبر... في زمننا هذا، الذي تتسيده ثقافة الاستهلاك، والنجاح السريع، وتغليف الانتهازية بمصطلحات برّاقة مثل «الشطارة»، «القفز على الفرص»، و«المرونة الإستراتيجية» وإذا ما أخذتها أنا راح يأخذها غيري...

يبدو عباس الضو، وكأنه كائن منقرض يغرّد خارج السرب.

كم سلامة فراويلة، نلتقيه اليوم؟

يسرق المال العام أو يحتكر السلع أو يصعد على أكتاف زملائه أو حتى يرقص على جراح إخوانه...، ثم يذهب ليجلس في الصفوف الأولى في المناسبات، مبرّراً ذلك بأنه «رزق...»؟

وفي المقابل، كم عباس ضو، منسي في زوايا المكاتب، يعض على مبادئه بالنواجذ، يرفض الرشوة والتكسب غير المشروع، ويأبى الانخراط في «شلة» الفساد، ليعود إلى بيته مرهقاً، خالي الوفاض، لا يملك من حطام الدنيا إلّا شرفه وضميراً حياً وروحاً خفيفة لم تتلوّث بمال حرام؟

شخصية عباس الضو، ليست مجرد حنين لدراما الزمن الجميل، بل هي «مقياس جودة» لا يصدأ، نقيس به مدى صلابة الإنسان أمام فتنة المال والسلطة. لقد كان «الضو» يدرك بوعي فطري عميق أن المال الحرام يشبه ماء البحر؛ كلما شربت منه ازددت عطشاً، وأن الأوطان والمجتمعات لا تُبنى بعقلية «فراويلة» الذي يسرق تاريخها لبناء مجده الشخصي، بل تُبنى بعقلية «عباس» الذي يرضى بالقليل، ليحفظ للبلد شرفه.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

صورة السعادة

 خلجات

صورة السعادة


في لحظة فرحٍ تغمرها الضحكات والابتسامات العفوية، والقهقهة المصطنعة، والأسنان البراقة، وكلمات التراحيب المتكلفة، ومشاهدة الحاضرين المشاركين والمُغبَطين والحاسدين، وما إن تنتهي المناسبة أو اللحظة المأمولة حتى يغزو شعور التعب والثقل والخذلان قلب المحتفل، وكأن الفرح جُعل ليجلب الحزن، والابتسامة ما رُسمت إلا لتلحق بها الدمعة. ولم يبقَ لتلك اللحظات إلا ذكرياتها، وقد تكون آلامها تغطي على ذكرياتها، فلا يعود الإنسان يطيق تذكر فرحتها ولحظاتها.

فلو كان يصحب تلك اللحظات من الابتسامات التكلفُ والغرورُ والزهوُ بالنفس، وإدخالُ الغيظ على نفوس بعض الحاضرين، أو الخوفُ من حسد بعض الناظرين، والتكلفُ المادي والمعنوي أثناء تلك اللحظات، والأصعب من ذلك التكلفُ في إظهار الفرح، لكانت الفرحة البسيطة أجمل وأبهج للنفس. وكأن الفرحين جاءهم نبأ الموت وانتهاء الحياة، مع العلم أنه أمر طبيعي، بل هو نبأ حقيقي واقعي لا محالة، لا نكران له ولا تكذيب. 

فإذاً، فلِمَ تبدو السعادة والفرح مخذولين رغم جمالهما وقصر لحظتهما؟

يعيش الإنسان الحياة بما فيها من ألم وأفراح وأتراح، وصعود وهبوط، وصدق وخذلان، بمفاهيم أظنها مغلوطة، بل هي مغلوطة لا أشك في ذلك، وإن قلت: «أظن»، فإنما أرقق الكلام ووقعه. فلم يعد له صبر على الفرح والحصول عليه، ويعطي اللحظة أكبر مما تحتمل، ويتوقع من الآخرين الالتفات إليها، باحثاً عن الملفت للأنظار والجديد الفريد. وربما يكون صاحب الفرحة، في قرارة نفسه، يرى أنه لا يستحق هذه الفرحة، ولم يلتزم بما فيها من مهمات، ولا بما عليها من مسؤوليات، وما يترتب عليها من ضغوطات، ومع ذلك يريد أن يفرح بها كأي شخص طبيعي يرى أنه ارتقى من مقام إلى مقام.

لكنه يحب أن يعيش دون أدنى شعور بما يجب عليه أن يشعر به؛ فمع زيادة المسؤولية تزيد الفرحة، والعكس كذلك، حتى يصبح الأمر طبيعياً عنده، ونعمةً يعيش بها، يفرح بوجودها وأثرها، لا فرحةً يترف بها دون استشعار معناها والمراد منها.

خلق الله الإنسان وله مهمة في الحياة يؤديها، وقد يعيش السنين ضائعاً لا يعرف له غاية ولا وجهة ولا مقصداً، متنقلاً بين الأفكار والمرادات، يطرق أبواب الحياة حتى يُفتح له الباب المراد له أن يُفتح. ولكن إذا كان أثناء تقلباته وتخبطاته وطرقه وضياعه مستشعراً سيره ليجد مراد الله منه ومهمته في الحياة، كان ألم التوهان والضياع فرحاً قلبياً روحياً. وإن طرق الباب المطلوب وفُتح له، وعرف غايته ومقصده، كانت الفرحة فرحتين: فرحة البلاغ، وفرحة السعي.

والأجمل في قلبه أنه لا يشاركه فرحته حاسد ولا مجامل؛ لأنهم لا يرون في وصوله فرحاً، ولن يدعو أحداً إليه، لأنه قد وجد من الفرح ما لا يُعبَّر عنه إلا باستشعار النعمة وفضل المنعم. وتساوت بذلك الدنيا والآخرة، وأصبح الفرح الصوري الذي اعتاده الناس صورياً يفرح به لاعتياد الناس على الفرح به، ولكنه يفرح لمعنى ما يفرح به الآخرون، ولإدراكه الحقيقة الخفية عما يظنه الناس فرحاً قائماً على التباهي والمجاملات وكيد الآخرين.

للسعادة صورة، وللحزن صورة، ولو أدرك الفرح ساعة المصاب لما حزن، ولو أدرك السعادة وقت الحزن لتصبر على الحزن والبلاء. والحياة ساعة وساعة. ولو طرح كل ذلك جانباً، وعاش بقلب وذهن معلقين بالمعنى الحقيقي لما هو كائن وما سيكون، وبالجزاء، لأظهر الحزن والفرح صورةً ليست للمجاملة، ولكن لمعرفته أن الحياة كلها صورة زائلة، وأن البقاء ببقاء لب الاتصال القلبي والروحي بالمعنى و المراد من الدنيا.

الأحد، 31 مايو 2026

أفراح مؤجلة حتى حين

 أفراح مؤجلة حتى حين

نور الدين العلوي


نجمِّع اللحظة أكبر قدر من الغباء الروحي لنقدم أضحية ولا نلتفت إلى غزة أو السودان ولا لأي بقعة عربية مسلمة تحترق. نرصّف التبريرات من قبيل أن الحياة لا يجب أن تتوق، وأن ألم البعض لا يمنع فرح آخرين، ونزيد: هل علينا أن نقيم مناحة أبدية؟ لقد أسعفنا الدعاء في السوشيال ميديا فخفف عنا وزر غزة وأخواتها؛ نحن ندعو لهم وهذا سيحررهم فلنحتفل. نحن لم ندرك معنى الطوفان لذلك فنحن نقدم الأضاحي ونُتْخَم أحيانا، لنخفف وزر غزة بوزر آخر(كآلية دفاع ضد تأنيب الضمير).


نحن لا نفلح في تجميع ثمن أضحية، ذهب كثير منا إلى الأسواق وتأمل الأسعار والخرفان وعاد باكيا. لقد صارت الأضحية حكرا على طبقة ضيقة بينما تراقب الغالبية بحرقة. هناك خبر يقين يمكن أن ينجينا من الغم؛ سوريا تصدر الخرفان للجزائر وقد تثبتُّ فوجدت الخبر صحيحا. عجبي، الدولة الخارجة من حرب أهلية دمرت كل شيء تستعيد عافيتنا لتصدر فائض إنتاج حيواني لبلد مستقر منذ سبعين عاما ونفطي فوق البيعة؟ يبدو أننا سنصاب بالجنون.

لنفرح لسوريا
كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق نشطة قبل أن تفكر في التصدير

أخبار سوريا تسر النفس؛ وهذه جملة تخفى ببراعة أن أخبار تونس تصيب بالغم. كيف استطاع الفلاح السوري ترميم القطيع في سنة واحدة وإنتاج فائض أزعج به جاره الأردني فاتخذ رسوما جمركية ليحمي سوقه، ثم يصدر السوري إلى العراق وإلى الخليج العربي ثم يفاجئنا بالتصدير إلى الجزائر. ما تزال النقاشات في تونس تدور حتى الآن حول لماذا لم يشن أحمد الشرع حرب تحرير الجولان؟ يبدو أن الشرع خاض حرب تحرير الفلاح السوري، لقد التقطنا أخبارا عن احتمال تحقيق الاكتفاء الذاتي السوري من الحنطة بعد سنة مطيرة واحدة، لننتظر نهاية موسم الحصاد، بينما تعيش الدول المستقر مثل تونس والجزائر وقد قيل المغرب أيضا أزمة أضاحي. كأن الفلاح في هذه البلدان توقف عن تربية الحيوان؟ كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق نشطة قبل أن تفكر في التصدير.

لا أدري بدقة ما فعل السوري بقطيعه فنما فأفاض، ولكن أعرف أن السياسات الزراعية في بلدي لا تستجيب لحاجة السوق المحلي فضلا عن التفكير في التصدير. هناك خبرة تاريخية متراكمة في تربية الحيوان في تونس (لقد كنا ذات يوم مجتمعا رعويا يعيش من قطيع ويكتفي)، لكن يبدو أننا بقينا في الأسلوب القديم ولم نطور النشاط رغم ما يحيط بنا من تجارب ناجحة. هنا ينفتح الحديث عن السياسات الزراعية في تونس، فنجد أن النشاط بقي نشاطا ثانويا ضمن اهتمامات الدولة، وكل ما فعلته هو تقنين توزيع الأعلاف المدعومة، لذلك وجد الفلاح دوما صعوبات جمة في زيادة عدد الرؤوس. وقد عانى لوحده أثر الجفاف في السنوات الماضية، وهذا سبب رئيسي لتقلص العدد، لقد كان مربي الأغنام يبيع النصف ليعلف بثمنه النصف الباقي، في عملية تراجع مستمر أقرب إلى حفظ الوجود الأدنى من التطور الذاتي.

تقوم الجزائر -بجوار تونس لمن يجهل الجغرافيا- خلال هذه الصائفة بتوريد ثلاثين ألف بقرة حلوب ضمن نشاط شركة "بلدنا" القطرية الجزائرية. هذا عبور عملاق لتطوير قطاع تربية الحيوان، وهو غير بعيد عن تونس ويمكن استراق النظر إليه. لماذا استثمر القطري في الجزائر وقد كان مر بتونس ذات يوم؟ هنا نعود إلى النقاش المركزي في تونس والذي يستغرق كل الجهد وكل التفكيرالماذا لم يقم أحمد الشرع بتحرير الجولان؟

نخبة المعارك الخاطئة هي السبب

كيف يمكن بناء هذا الربط اللاسلكي بين تحرير الجولان وتربية الخرفان؟ لا يحتاج الأمر إلى إطالة السجع، يحتاج إلى متابعة اهتمامات النخبة التونسية الغارقة في قضاياها المزيفة منذ سبعين عاما. تتميز هذه النخبة بقدرة عالية على صرف الأنظار عن عجزها باختلاق قضايا لا تهمها، وهي تعيش مما تختلق وتكرر. فالشرع هنا ليس شخصا بل هو احتمال سياسي يرعب النخبة التونسية، فهو تجربة جديدة في ترتيب الأولويات فيقدم الضروري الحيوي ويعتبره استراتيجيا قبل خوض معارك ضرورية ولكنها قابلة للتأجيل. ومقالنا في الأصل ليس عن الشرع وسياساته، بل عن نقيضه الذي يبذل جهدا جبارا في المزايدة عليه ويغفل في الأثناء أزماته الحيوية.

إن تربية الحيوان وتوفير أضاحٍ كافية وكسر أسعار اللحوم لتكون في متناول الفقراء ليس من النانوتكنوجيا، إنه أبسط من ذلك، يكفي الدولة فيه أن تتحرك في سوق الأعلاف العالمية لتوفر للفلاح كفايته في سنوات الجفاف، ويكفي أن ترافقه بالبيطرة في حفظ صحة قطيعه ليجمع خبرته مع الدعم فيكون نماء. هنا تفقد النخبة مواضيعها الأثيرة، فهي لم تتدرب على خطاب التنمية بل ظلت تحبس نفسها وتقتات من قضايا مثل تحرير الجولان من تونس.

هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في العيد، وسواء كان حزنه تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون

لنواصل الربط اللاسلكي، عدم تحرير الجولان يعني أن حاكم سوريا الإسلامي خائن وعميل للاستعمار، وهذا ينسحب على كل إسلامي سواء كان مع الشرع أم ضده ويخالفه الرأي والفتوى. هو نفس موقف النخبة التونسية التي تقول الآن أن الكيان الصهيوني خلق حركة حماس ليحارب بها حركة فتح الثورية، أي والله هذا الكلام يكتب في تونس وهو موقف علني. (لم ننس مثقفا تونسيا كتب من قلب باريس في حرب 2014 أن حماس تمارس البرنوغرافيا السياسية بعرض صور شهدائها).

هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في العيد، وسواء كان حزنه تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون. لقد تجاوز الفلاح التونسي المجهول والذي أنقذ نفسه من الغرق في قضايا النخبة كل المحاذير الرسمية وانطلق يغرس الزيتون؛ لم يقتصد في ماء الطبقات الجوفية ولم يخضع لشركة الكهرباء العمومية. يثقب الأرض في الليل يستخرج الماء بالطاقة الشمسية، ويغرس الزيتون ويدخل أسواق الزيت في العالم بنفس الإرادة الحرة، ويستعيد مكانة تونس في بورصة الزيت العالمية متغلبا على الطليان والإسبان واليونان. سيفعل نفس الشيء في قطاع تربية الحيوان وهذه سبب كاف للفرح، لا لجهة توفير الأضاحي فهذا تحصيل حاصل، بل لقدرة عبقرية على تجاوز النخبة المشغولة بلحية أحمد الشرع.

فرحنا القليل قادم من فعل هذا الفلاح المجهول، إنه أقرب بروفايل مواطني يمكن أن يقارن بالمواطن الغزاوي صاحب الطوفان، إنه عبقري الاعتماد على الذات الناحت من لحمه مستقبل بلد ضيعته النخب.

نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

 نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

حلمي الأسمر

   الطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى  
  من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" 
                              في التوسع رغم كل هذا التقدم.                                               



كيف تحوّل نظام غذائي بسيط إلى أحد أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في العالم العربي؟

تخيّل أنك أخبرت إنسانًا قبل مئة عام أن حبة بطاطا (أو صحن أرز مثلا!) قد تساعد بعض الناس على استعادة صحتهم. غالبًا لن يستغرب كثيرًا، فالبشر عاشوا آلاف السنين وهم يرون الطعام جزءًا من الحياة وجزءًا من الشفاء في الوقت نفسه. لكن جرّب أن تقول الشيء ذاته اليوم، في عصر المختبرات العملاقة والمستشفيات الذكية وشركات الدواء العابرة للقارات، وستجد نفسك متهمًا بالشعبوية أو الجهل أو الترويج للخرافة والهرطقة العلمية. والسؤال الذي يستحق التأمل ليس إن كانت البطاطا تشفي أم لا، ولا إن كان الأرز دواءً أم مجرد طعام، بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

نحن نعيش في أكثر العصور تقدمًا من الناحية الطبية في تاريخ البشرية. لم يمتلك الإنسان يومًا هذا العدد الهائل من الأطباء والمستشفيات والأجهزة التشخيصية والعقاقير المتطورة. ينفق العالم اليوم أكثر من عشرة تريليونات دولار سنويًا على الصحة، وتقترب قيمة سوق الدواء العالمية من تريليوني دولار، وتُضخ مئات المليارات في الأجهزة والمستلزمات الطبية ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا الحيوية.

ومع ذلك، فإن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كنا نعيش العصر الذهبي للطب، فلماذا يبدو أننا نعيش أيضًا العصر الذهبي للمرض؟ هل هناك سر في الأمر؟ أهي مؤامرة كونية لاستعباد المريض لحبة الدواء كي يبقى طيلة حياته ملزما بدفع "اشتراك شهري" لمنتجي أدوية الأمراض "المزمنة"؟ أم أن هناك عنصرا خطرا في المشهد يجعل كل من يقترب من فهمه خطرا على استثمارات بمليارات الدولارت؟

هذا السؤال هو الذي منح الجدل حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي رحمه الله كل هذه الحرارة. فالرجل لم يأتِ بعقار جديد، ولم يكتشف عضوًا مجهولًا في جسم الإنسان، ولم يقدّم معادلة سحرية لإطالة العمر. كل ما فعله أنه أعاد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي نعدّها اليوم قدرًا محتومًا مرتبطة بالطريقة التي نأكل بها أكثر مما نتصور؟ وماذا لو كان جزء من الحل (وربما كله) موجودًا في المطبخ قبل أن يكون موجودًا في الصيدلية؟

ولأن السؤال كان كبيرًا ومزعجًا، جاءت ردود الفعل متطرفة بالقدر نفسه. فريق رأى فيه ثورة صحية تعيد الاعتبار لحكمة الجسد وقدرته على التعافي، وذهب أكثر من هذا، حين تحول محبو العوضي والمؤمنون به إلى "طائفة!" عقائدية متعصبة لا تطيق نقده أو رميه ولو بوردة، وفريق آخر اعتبره تبسيطًا مخلًا لمشكلات معقدة لا يمكن حلها بطبق أرز أو حبة بطاطا. بل إنه تحول إلى رمز للسخرية لدي كثيرين، فسمى نظامه نظام النوتيلا، وصاحب نظرية: تناولوا نصف كيلو من السكر(!) والأخطر من كل هذا رأينا مئات الفيديوهات التي يعلن أصحابها على منصات الإعلام الشعبي أنهم تعافوا من أمراض مستعصية فور تطبيقهم لنظام الطيبات، ويقابلهم في هذا من يسرد حالات وفاة أو انهيار صحي خطير تسبب فيها النظام، لكن المدهش أن الفكرة التي أثارت كل هذا الجدل ليست جديدة أصلًا.

 ففي عام 1939، وبينما كانت خيارات علاج ارتفاع ضغط الدم الخبيث والفشل الكلوي وقصور القلب محدودة للغاية، كان الطبيب الأمريكي والتر كيمبنر في جامعة ديوك يحقق نتائج أذهلت المجتمع الطبي من خلال نظام غذائي بسيط قائم أساسًا على الأرز والفواكه مع خفض شديد للملح والدهون. لم يكن الرجل مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يكن يبيع مكملات غذائية أو دورات تدريبية، بل كان أستاذًا في واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية. ومع ذلك فقد شهد مرضاه تحسنًا ملحوظًا في ضغط الدم ووظائف الكلى وحجم القلب وضبط السكر والوزن، ودخلت تجربته التاريخ الطبي باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الغذائية إثارة للجدل والاهتمام.

وبعد عقود جاء الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال ليطرح سؤالًا لا يقل إحراجًا: إذا كانت البطاطا والأرز والذرة والشوفان قد شكلت عبر التاريخ الغذاء الأساسي لشعوب كاملة، فكيف تحولت فجأة إلى متهمين على موائدنا الحديثة؟ وكيف أصبح الإنسان الذي عاش أجداده قرونًا على هذه الأطعمة يخاف منها أكثر مما يخاف من المنتجات فائقة التصنيع التي لم يعرفها أي جيل سابق؟ لم يكن ماكدوغال يدافع عن البطاطا بوصفها معجزة، بل كان يذكّر العالم بحقيقة بسيطة: أن كثيرًا من الأمراض الحديثة لم تظهر في الفراغ، بل ظهرت بالتوازي مع التحول الجذري في طبيعة الغذاء نفسه، وفي الحقيقة كان لي تجربة شخصية مع حمية البطاطا فقد طبقتها قبل سنوات لضبط وزني، حتى أن أحد الأصدقاء الصحفيين ظل يدعوني لسنوات بأبي البطاطا، لكثرة ما كان يراني آكل البطاطا!

وهنا ربما نقترب من جوهر المشكلة. فالقصة ليست قصة الأرز ولا البطاطا ولا حتى نظام الطيبات. القصة أن الإنسان المعاصر يعيش داخل أكبر تجربة غذائية في تاريخ البشرية دون أن يشعر. آلاف المواد المضافة، ومئات المنكهات والمثبتات والمحسنات، وزيوت صناعية لم يعرفها أجدادنا، وسكريات فائقة التركيز، وأطعمة مصنعة لا تشبه أصلها الطبيعي إلا بالاسم. ثم نقف بعد ذلك أمام الارتفاع المتواصل في معدلات الأمراض ونتساءل بدهشة: لماذا يمرض الناس أكثر من أي وقت مضى؟

والأكثر غرابة أننا أصبحنا نتعامل مع الطعام الطبيعي وكأنه المتهم الذي يجب أن يثبت براءته، بينما لا يثير استغرابنا أن يقضي إنسان نصف عمره متنقلًا بين العيادات والصيدليات. ويحمل في حقيبته حيثما حل "صرة" من الأدوية، بل يندر أن تجد إنسانا اليوم تجاوز الثلاثين لا يتناول يوميا قرصا أو أكثر من الأدوية والمكلمات الغذائية (وتلك قصة أخرى!) لقد اعتدنا رؤية المرض إلى درجة أننا بدأنا نعتبره جزءًا طبيعيًا من التقدم. بل إن كثيرًا من الناس باتوا يعتقدون أن الشيخوخة تعني بالضرورة قائمة طويلة من الأدوية، وأن الصحة استثناء مؤقت لا أكثر.

هناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

ولكي نكون منصفين، فإن الطب الحديث ليس خصمًا مطلقا في هذه القصة. فاللقاحات والمضادات الحيوية والجراحات الدقيقة وزراعة الأعضاء وتقنيات التصوير المتقدمة أنقذت ملايين الأرواح ولا يستطيع عاقل إنكار ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين إنقاذ الحياة وصناعة الصحة، بين رسالة الطب السامية وبين شهوة وجشع المستثمرين،. فالطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" في التوسع رغم كل هذا التقدم. وهنا يعود الغذاء ونمط الحياة والنوم والحركة والضغوط النفسية إلى الواجهة بوصفها عناصر لا تقل أهمية عن الدواء نفسه.

ولعل من أكثر المفارقات إثارة أن جائزة نوبل في الطب عام 2016 ذهبت إلى العالم الياباني يوشينوري أوسومي بسبب أبحاثه حول الالتهام الذاتي عن طريق الصوم، وهو عنصر أساس في نظام الطيبات، وهي الآلية التي تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها والتخلص من مكوناتها التالفة وإعادة تدويرها. فجأة عاد العلم ليتحدث بلغة بدت مألوفة للكثيرين ممن آمنوا طويلًا بقدرة الجسم على الإصلاح الذاتي. لم يعد الجسد يُنظر إليه بوصفه آلة معطلة تحتاج دائمًا إلى تدخل خارجي، بل منظومة ذكية تمتلك أدواتها الخاصة في التجدد والصيانة إذا توافرت لها الظروف المناسبة. وهنا تلتقي أبحاث أوسومي مع أفكار أطباء وباحثين كثر، من والتر كيمبنر إلى جون ماكدوغال، ومن الدكتور محمد العبيدي إلى الدكتور ضياء العوضي، رغم اختلاف المدارس والمناهج والأزمان.

غير أن المشكلة الحقيقية أن بعض الناس حوّلوا هذه الفكرة إلى عقيدة، بينما حوّلها آخرون إلى تهمة. فهناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

وربما لهذا السبب لم يكن الجدل حول ضياء العوضي في جوهره جدلًا حول الأرز أو البطاطا أو اللحوم أو الخضروات أو النوتيلا والسكر. لقد كان جدلًا حول شيء أعمق بكثير: حول الطريقة التي نفهم بها الصحة نفسها. لقد تعود الإنسان الحديث أن يثق بحبة الدواء أكثر مما يثق بخلاياه، وبالوصفة الطبية أكثر مما يثق بقدرته على التغيير، وبالصيدليات أكثر مما يثق بالمطبخ. ولذلك لم يكن السؤال الذي طرحه العوضي مزعجًا لأنه يتعلق بالطعام، بل لأنه أعاد فتح ملف ظل مغلقًا لعقود: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي ننفق المليارات لإدارتها تبدأ أصلًا من الأشياء التي نضعها في أفواهنا كل يوم؟

هذا السؤال لا يعني أن الطعام سيغني عن الطب، ولا أن الأدوية مؤامرة بحتة، ولا أن كل مريض يستطيع التخلي عن علاجه والاعتماد على نظام غذائي معين. لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية وربما أكثر إزعاجًا: أننا قد نكون أصبحنا بارعين جدًا في علاج المرض (أو بالأحرى  إدارته!)، إلى درجة أننا نسينا كيف نصنع الصحة، ونزيد قائمة الأدوية التي نتناولها بشكل يومي وطيلة العمر، مع أننا لا نشفى بل نزداد مرضا، والغريب هنا واللافت، أن كثيرا من الأدوية تعالج أو تتعامل مع عرض لمرض ما، فيما تسبب أمراضا أخرى يسميها الأطباء وشركات الأدوية: "أعراضا جانبية!"، وغالبا ما يكتب الطبيب دواء للسيطرة على هذه الأعراض الجانبية(!) فنأخذ دواء للسيطرة على المرض، ودواء آخر للمرض الذي يسببه الدواء المفترض فيها أن يشفيني!

قبل أن نرفض أطروحة ضياء العوضي، فليحاكمها ثلة محكمة من العلماء وليخضعوها للتجربة السريرية العلمية تمام كما تفعل الأبحاث الصيدلانية من الأدوية والعقاقير الجديدة، فربما يكون فيها شفاء فعليا لكثير من الأمراض المستعصية، وإن ثبت عكس هذا، فسيكون ردا مفحما على من اعتبروه "مخلصا" ومنقذا لهم من الاستعباد لحبة الدواء طيلة حياتهم.


رانيا العباسي وأطفالها.. كبدُ الأمةِ المستباح! إضاءاتٌ إنسانيةٌ أخلاقيةٌ ومُقارباتٍ سياسيةٌ


رانيا العباسي وأطفالها.. كبدُ الأمةِ المستباح!
إضاءاتٌ إنسانيةٌ أخلاقيةٌ ومُقارباتٍ سياسيةٌ
مضر أبو الهيجاء

تعيشُ شرائحُ واسعةٌ من الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ حالةً من المرارةِ في عيدِ الأضحى المبارك، نتيجةَ استمرارِ المعاناةِ وتكاثرِ الضحايا المسلمين الذين يتساقطون في أكثرَ من ساحةٍ وميدان، في ظلِّ مشاهدَ متواصلةٍ من القتلِ والتشريدِ والاعتقالِ والفقدان في غزة واليمن ومصر والسودان ولبنان وسورية والعراق.

ومن بين هذه القضايا تبرزُ قضيةُ الدكتورةِ رانيا العباسي وأطفالِها، بوصفِها واحدةً من أكثرِ القضايا إيلامًا في الذاكرةِ السوريةِ المعاصرة، لما أحاط بها من غموض، وما ارتبط بها من أسئلةٍ إنسانيةٍ موجعةٍ لم تجد إلى اليوم إجاباتٍ شافية، إلا عند من يدركون تاريخَ وجوهرَ وطبيعةَ أهدافِ المشاريعِ الطائفيةِ المجرمة التي زادها الغربُ قوةً وصلابةً، ومكَّنها من وسائلِ القوةِ الخشنةِ والأرضيةِ السياسيةِ المصطنعة.

إنَّ استحضارَ هذه القضايا في مواسمِ الأعيادِ ليس استدعاءً للأحزانِ بقدرِ ما هو تذكيرٌ بواجبِ الوفاءِ للضحايا، ورفضِ النسيان، والتأكيدِ على أنَّ كرامةَ الإنسانِ وحقَّه في الحياةِ والأمنِ والعدالةِ ليست قضايا عابرة، بل هي من أعظمِ القيمِ التي ينبغي أن تجتمعَ عليها ضمائرُ الأحرار، كما يجب أن تؤيدَها الحكوماتُ النزيهةُ المنحازةُ لشعوبها.

إنَّ قضيةَ رانيا العباسي وزوجِها وأطفالِها ليست قضيةً سوريةً فحسب، بل هي قضيةٌ فلسطينيةٌ غزِّية، ويمنيةٌ صنعانية، وسودانيةٌ بامتياز، وكرديةٌ واسعة، وعراقيةٌ يعيها شعبُ العراق الذي تناهزُ آلامُه الصامتةُ مجموعَ آلامِ الأمةِ المعلنة.

وأمام أيقونةِ رانيا العباسي وأسرتِها، وهي صورةٌ شائعةٌ ومكررةٌ في أرجاءِ بلادِنا العربيةِ وأقاليمِنا الإسلامية، لا بدَّ من طرحِ سؤالِ الوقتِ الجادِّ، وهو:

كيف تخرجُ شعوبُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ من حالةِ الذلِّ واستباحةِ أعراضِها ودمائِها على نطاقٍ واسع، في واقعٍ تداخلت فيه مشاريعُ الهيمنةِ والصراعاتِ المتعددة، حتى باتت المآسي تتكررُ في غزة وجنين ودمشق وحمص وصنعاء والخرطوم وبغداد، على نحوٍ جعل سقطَ المتاعِ وحطبَ جهنم يمارسون إجرامَهم بلا حسيبٍ ولا رقيب، ولا خوفٍ ولا وجل؟

الجواب:

لن تتوقفَ المذابحُ في شعوبِ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ ما دامت لا تملك مشروعًا سياسيًّا يعبرُ عن مجموعِها، لا سيما بعدما زال الإطارُ السياسيُّ الذي كان يعبرُ عن هويتها الثقافية. وفي ظلِّ وجودِ الدولِ الوطنيةِ التي صنعها الغربُ عن وعيٍ كبديلٍ عن الإطارِ السياسيِّ المعبرِ عن الأمةِ والجامعِ لها، فإنَّ المشروعَ الإسلاميَّ النهضويَّ يحتاجُ إلى عقولٍ فذَّةٍ، ونفوسٍ راقيةٍ، ومواقفَ جريئةٍ، يُغبِّشُ عليه اليومَ شريحةٌ من النخبِ التي ربطت على خصرِها زنارَ الرقص، وبدأت تميِّعُ شكلَ الواجبِ في سياقِ تزلُّفِها الرخيصِ لحكامِ الوقتِ العابرين.

وبكلمةٍ يمكنُ القولُ:

إنَّ واجبَ الوقتِ هو بلورةُ مشروعٍ سياسيٍّ عمليٍّ واقعيٍّ معبِّرٍ عن الأمةِ التي تجمعُها وحدةٌ ثقافيةٌ قائمةٌ على القرآنِ والسنة. ولعلَّ ما تعيشُه الأمةُ من ظروفٍ يجعلُ الأرضَ غايةً في الخصوبةِ لمثلِ هذا المشروعِ الذي تتعطشُ له الشعوب، وهي مستعدةٌ لأن تقدِّمَ أضعافَ ما قدَّمته في حقبةِ الربيعِ العربي، على أن ترى مشروعًا قويمًا واضحًا، وقيادةً تتميزُ بالفهمِ والصدقِ وشجاعةِ الموقفِ والانحيازِ لعمومِ الأمة.

الأمرُ الذي يشيرُ إلى موطنِ العَوَرِ الحقيقي، وهو عدمُ تشكُّلِ تلك القيادةِ كخطوةٍ رئيسيةٍ نحو مشروعٍ واعد، وأمةٍ تنتظرُه بشوقٍ كبير، ودماؤُها المسفوكةُ ما تزالُ تسيل.

أَزْمَةُ الأُمَّةِ في القِيادَةِ وَضَعْفُهَا فِي المَشْرُوعِ

أمام حجمِ الدماءِ المهدورةِ والأعراضِ المنتهكةِ في دمشقَ وغزةَ والخرطومِ وصنعاءَ وبغدادَ وكردستانَ وشرق الصين وبنغلاديش ومواطنِ الشدةِ الأخرى، لم تَعُدْ هناك مساحةٌ للمجاملةِ أو التراخي في قولِ الحقيقة. وأقولُ بكلِّ وضوحٍ:

إنَّ الجرأةَ والنَّباهة في طرحِ مشروعٍ نهضويٍّ عمليٍّ واقعيٍّ تراكميٍّ مسألةٌ واجبة، وهي في متناولِ كوكبةٍ متوفرةٍ من نخبِ الأمةِ الواعيةِ وعلمائِها الصادقين، غيرَ أنَّ الرقمَ الصعبَ في المعادلةِ هو تشكُّلُ القيادةِ المؤمنةِ الواعية التي لا بدَّ أن تتهيأَ لدفعِ الثمن بتجاوزها للأصنام الفكرية والحظوظ الدنيوية، ابتداءً من تجاوزِها لصنمِ القُطرية، وترفُّعِها عن الدونيةِ المالية، وتمسُّكِها بعزتِها واستقلالِ قرارِها أمام النُّظم الحاكمةِ وأمام ضغط واغراءات الأجنداتِ الخارجية.

وهنا فإننا سنجدُ أنفسَنا أمامَ نموذجين ربانيين: أصحابِ الكهفِ، وأتباعِ طالوتَ عليه السلام، وقد تجسَّدت معانيهما في أكملِ صورها في سيرةِ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وصحبِه الكرام المعدلين بنص القرآن الكريم. فهل نهتدي بهديهم، ونقتدي بهم من جديد؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 31/5/2026