الاثنين، 11 مايو 2026

العراق.. الأحواز الثانية في المخطط الإيراني (1)

 العراق.. الأحواز الثانية في المخطط الإيراني (1)
 

مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

 


يمكن تلخيص القضية العراقية بعبارة واحدة؛ (أن إيران قد وضعت خطتها المتكاملة لابتلاع العراق وجعله أحوازاً ثانية)

عدتها في ذلك؛ المليشيات المسلحة التي يديرها الحرس الثوري، وعمائم تنشر ثقافة الولاء المطلق للولي الفقيه، وسياسيون فاسدون ليس عندهم ما يردعهم عن تقديم العراق كله لإيران مقابل الكراسي.

أما التعامل الإيراني مع الشعب العراقي الرافض لهذا المخطط، فيتلخص باستخدام (العصا والجرّة) عصا القتل والتخريب والتدمير والاعتقالات والإعدامات، أو جرّة الأمن المخدّر والاستقرار المؤقت، وتسيير الحياة الشخصية من وظائف وحرية تنقل..الخ

لا شك أن الشعب العراقي والذي فيه من المخزون الحضاري والكفاءات الراقية والخبرات الطويلة مع هذا الجار، لا يمكن أن يستسلم مهما اختلت موازين القوى الآنية، من هنا تجد كثيرا من العلماء والمثقفين والكفاءات المختلفة (على اختلاف توجهاتها)تقف بكل ثقلها أمام هذا المشروع الاستئصالي الخطير، ولو لم تجد إلا الكلمة الصريحة. وهذا أقل الواجب.

الأسئلة الغبيّة

في معركة الوعي هذه، تثير الأبواق الإيرانية موجات من الحملات المضادة من أجل قتل هذا الوعي وتشتيت الجهود وصناعة حالة من القبول بالواقع، وقد اعتمدت هذه الحملات على مجموعة من المقولات التي لا يمكن أن تنطلي إلا على العقل المغيّب والمفصول عن الواقع تماما، ومن ذلك مثلا

1- لماذا كل هذا التركيز على الخطر الإيراني؟ أليس هناك مشاريع ومخططات تستحق الإنكار أيضا؟

الجواب ببساطة؛ لأن المشروع الإيراني هو المشروع الذي يمسك الآن برقبة العراق، سياسيا وثقافيا وأمنيا واقتصاديا، وهو ماض في تحويل العراق بالفعل إلى (أحواز ثانية) وعندنا من الأدلة ما يكفي.

٢- لماذا نسيتم غز ة والمذابح التي تحصل فيها؟

الجواب؛ غز ة في قلب كل مسلم، وأهلها أهلنا، وهي ثغر من ثغور هذه الأمة الجريحة، ولكن كيف تطلب من شعب يقع تحت احتلال مركب (أمريكي ثم إيراني) أن يهب لتحرير غز ة أو القدس؟ الشعب الذي لا يستطيع أن يحرر أبناءه المعتقلين وحرائره المعتقلات وهم عشرات الآلاف، كيف له أن يحرر إخوانه البعيدين؟ الشعب الذي يسمع بأذنيه شتم رموزه ومقدساته ولا يستطيع أن يفعل شيئا، كيف له أن يدفع الأذى عن الآخرين.

٣- لماذا يتم ذكر جرائم إيران ولا يتم ذكر جرائم (النظام السابق) و بعض (الأنظمة العربية) التي تمارس الاستبداد …الخ؟

الجواب؛ الظلم مدان في كل مكان وزمان، لكننا لسنا بصدد تأليف كتاب وثائقي عن الجرائم والأخطاء التي ارتكبت في كل زمان ومكان. ولا عقد محاكم لنحاسب فيها كل ظالم.

نحن نواجه الآن صراعا وجوديا يستهدف وجودنا واستقلالنا، ولا نملك فصلة من الطاقات والإمكانيات لنوزعها على مئات القضايا والمظالم على مستوى المنطقة أو العالم

هذا نوع من العته والجنون،

ولا يوجد صاحب قضية في الكون يفكر بهذه الطريقة إن كان صادقا في قضيته، أو يعرف على الأقل أن لديه قضية.

٤- لماذا التركيز على محاربة (المعتقدات الباطنية) التي يسوّق لها المشروع الإيراني، ولا يتم التطرق للمعتقدات المنحرفة الأخرى التي تعج بها مجتمعاتنا؟

الجواب؛ كل المعتقدات الباطلة هي منكرات ينبغي إنكارها، وبالأسلوب المناسب، لكننا بالنسبة للمشروع الإيراني لا نتكلم عن (عقائد باطنية مجردة) ولا مخالفات شرعية شخصية، وإنما نتكلم عن معتقدات تمارس عملية (العدوان) و(الاستفزاز) و (الإذلال) و (تصدير الثورة) بقوة السلاح.

نعم عندنا في بغداد من يقول مثلا: (المسيح ابن الله) وهذا شرك صريح، ولكن هؤلاء لا يشكلون خطرا مباشرا على عقيدتنا نحن ولا هويتنا ولا مستقبل بلادنا. فالذي يحكمنا في هذه الحالة (العدل) و (الحوار بالتي هي أحسن) أما حينما احتل الأمريكان البلاد وهم يقولون بهذه العقيدة أيضا فقد كانت الفتوى الشرعية الصريحة بوجوب مقاومتهم.

إن هناك فرقا جوهريا بين من (يستغيث بالقبر) ويطلب منه حاجته، وبين من يجعل القبر معسكرا موسميا للتجنيد ولشحن الأحقاد وطلب الثارات، فالأول نسعى لإقناعه بالحق الذي معنا، والثاني لابد أن نأخذ حذرنا منه، على أقل تقدير بمستوى التحصين ونشر الوعي اللازم.

يتبع لطفا 

مع آيات التوحيد في سورة الأنعام

مع آيات التوحيد في سورة الأنعام
21 شوال 1446 (20-04-2025)
 



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:



هذه المقال يعين المسلم على تدبّر كتاب الله تعالى، لأنّ التوحيد هو المقصد الأول في كتاب الله سبحانه، وسيجد المسلم معانيه مبثوثة من أوله إلى آخره، وحريّ بالمسلم أن يفهم حقيقة هذا التوحيد ودلالاته وآفاقه في الواقع الذي يعيشه، وقد جمع الله لنا في سورة الأنعام معالم هذا التوحيد بوضوح شديد، أوردها بترتيب ظهورها في السورة.

اتخاذ الله وليّا وموالاة المؤمنين

{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: ١٤).

توضح هذه الآية أنّ اتّخاذُ غير الله “وليّا” يُحَبُّ ويُستنصَر، سواء كان وثنًا أو غير ذلك، هو “شرك” منافٍ للإسلام. وهذا المعنى للولاء ينتظم سلوك المسلم في الحياة.

فكما أنّه يتّخذ اللهَ سبحانه وليًّا ويصبح من “أولياء” الله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يونس: ٦٢-٦٣)، فإنّ الله سبحانه يكون “وليّه” من أجْلِ ما حمله من الإيمان: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} (البقرة: ٢٥٧)، فإذا والى الله ونصر دينه تولّى الله نُصرتَه وهدايته.

ويمتدّ هذا المعنى للولاء المملوء بالمحبّة والنصرة والإعانة إلى العلاقة مع البشر، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض في الدنيا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: ٧٣).

والمؤمن لا يتّخذ من دونهم وليّا يحبّه ويناصره ويعينه: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران: ٢٨). وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: ٥١).

فهذا فعل المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النّار: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (النساء: ١٣٨-١٣٩).

وحين يتلو المسلم هذه الآيات المتعلّقة بالولاء وأمثالها في كتاب الله، ينشأ في صدره موقف عظيم أساسه محبّة الله وولايته ونصرته ونصرة دينه، ويمتدّ هذا الموقف إلى موالاة المسلمين ونصرتهم وإعانتهم. وهذا الموقف ليس موقفًا قلبيّا سكونيًّا، بل ينسحب على الواقع لتتشكّل “أمّة” ينتمي إليها ويحمل معها رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الدين عمومًا كما دلّت آية سورة التوبة أعلاه.

إنّ التوحيد في هذا المجال يحمل غاية تبدأ بما خفق في القلب من محبّة لله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وتنساب في آفاق الدنيا محبّةً للمؤمنين ونصرةً لهم وتعاونًا معهم على البرّ والتقوى وعلى حمل رسالة هذا الدين. فلا يتآمرُ المسلم مع غير المسلمين على المسلمين، ولا يناصر أعداءهم عليهم، ولا يوالي ويعادي على أُسس وطنية أو قومية، فالإسلام هو محور ولائه، والأمة الإسلامية هي الأمة التي ينتمي إليها بعظمه ولحمه، لا يفرّق بين أبنائها على أساس الانتماءات القُطرية أو القومية، بل يصل الناسَ بالحبّ والولاء والنصرة بقدْر ما فيهم من إيمان وإسلام.

قبول شرع الله ورفض ما سواه

يقول الله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا} (الأنعام: ١١٤)، وفي هذه الآية تتجلّى حاكمية الله العليا التي تتحقّق بانقياد المسلم لشريعة الله تعالى التي أنزلها في كتابه وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

وفي القرآن آيات عديدة تؤكّد هذا المعنى وتربطه بالتوحيد، فمن ذلك قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: ٤٠). ولئن كانت القضية في هذه الآية هي عبادة الأوثان، فإنّ المدخَل الذي دخل منه يوسف عليه السلام لنفي هذه العبادة هو مدخل اتّباع أمر الله وقبوله، فإذا كان الله قد أمر ألّا نعبدَ إلّا إيّاه، فإنّ علينا ألّا نخضع لشيء سواه، سواء كان هذه الأوثان أو القائمين عليها ممن يقدّسونها ويروّجون لها في أعين النّاس ويأمرون وينهون، فيضعون الشعائر والشرائع التي تُتَّبَع من دون الله.

ارتباط الانقياد للشريعة بالإيمان والتوحيد

ومع أنّ لفظ “العبادة” وحده يدلّ بوضوح على تضمُّنها للطاعة والانقياد والخضوع لشريعة الله كما أجمع أهل التفسير، فإنّ كتاب الله مليء بالآيات التي تؤكّد ارتباط الانقياد للشريعة بالإيمان والتوحيد:

 كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا * وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: ٦٠-٦٥).

 وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} (الأحزاب: ٣٦).

 وفي قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: ٥٠).

 وفي قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: ٣٢).

 وفي قوله تعالى عن المشركين: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الشورى: ٢١). فالتحليل والتحريم من دون الله هو من أفعال المشركين التي أخرجتْهم من عبادة الله وحده، فعبادته وحده تقتضي أن يُحلّوا ما أحلّ ويُحرّموا ما حرّم سبحانه.

 وقال تعالى عن أهل الكتاب: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: ٦٤). قال الإمام فخر الدين الرازي (نحو ٥٤٤-٦٠٦ هـ) خلال تفسيرها: “إذا كان الخالق والمنعم بجميع النِّعَم هو الله، وجبَ أن لا يُرجع في التحليل والتحريم والانقياد والطاعة إلّا إليه، دون الأحبار والرهبان”.

 وقال تعالى مخاطبًا نبيّه صلّى الله عليه وسلّم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (الجاثية: ١٨-١٩).

 وقال له صلّى الله عليه وسلّم في موضع آخر واصفًا كتاب الله بالحُكم العربيّ: {وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ} (الرعد: ٣٧).

 وقال مخاطبًا الأمّة جميعًا: {اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: ٣).

حقيقة العبادة ولُبابها

وهكذا، تؤكّد هذه الآيات وغيرها حقيقة العبادة ولُبابها، فهي انقياد وخضوع لأمر الله تعالى، أي لشريعته التي أنزلها في كتابه وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم. ومن ثم يتحدّد المنهج الذي ينبغي للمسلم اتّباعُه كي يُحقّق غاية وجوده في هذه الحياة.

كما أنّها تؤكّد نفيَ الشرك في الطاعة والاتباع والانقياد، فالمسلم لا ينقاد لهواه ولا يتّخذه إلهًا من دون الله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: ٢٣). قال الطبري ناقلا أحد الأقوال في تفسيرها: “معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يُحرِّم ما حَرَّمَ، ولا يُحلل ما حَلّلَ، إنما دينه ما هَوِيَتْه نفسُه يعمل به”.

وليست لدى المسلم معايير “حقوقية” أو “أخلاقية” وضعها البشر بأهوائهم يتلقّى منها الأحكام والقيم والأخلاق الصالحة سوى الشريعة وما حُمّل عليها، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية “سيداو” المتعلقة بالمرأة، ومعايير الصوابية السياسية (Political correctness) المستندة إلى المبادئ الليبرالية وغيرها مما يضعه البشر بأهوائهم بمعزل عن شريعة الله.

وهو لا يوزّع قلبَه على “شركاء متشاكسين” يتنازعون سُلطة القيَم في حسّه؛ فتارةً يأخذ قِيمَه من مصادر بشرية، وتارة يأخذها من الوحي! ولا يرضى عن التشريعات الوضعية التي تخالف ما أحلّ الله وحرّم، بل يسعى متعاونًا مع أمّته إلى تغييرها وإعادة باب التشريع والقوانين والأعراف العامة إلى الانضباط بما أنزل الله سبحانه، ولا يتغافل عن هذه القضية فقد ذمّ الله أقوامًا من أهل الكتاب فرّطوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر فوصفهم سبحانه قائلًا: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة: ٧٩).

وإنّ آفاق الشريعة كما تبدو في الكتاب والسنّة لَتتّسع لتشمل الحياة بأسرِها، من أحكام الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحجّ وسائر الشعائر، وأحكام العلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية، وأحكام الأموال بمختلف أنواعها، وأحكام السياسة والعلاقة مع الدول والمجتمعات الأخرى، والأخلاق والقيم، ومجالات الثقافة والتعليم والمعرفة وغيرها.

شعائر التعبُّد وأعمال القلوب

قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} (الأنعام: ١٦٢-١٦٤).

يقول الإمام الطبري في تفسير الآية الثالثة هنا: “يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم: {قُل} يا محمد لهؤلاء العادلين بربّهم الأوثان، الداعيكَ إلى عبادة الأصنام واتّباع خطوات الشيطان: {أغير الله أبغي ربًّا} يقول: أَسِوى الله أَطلُبُ سيّدًا يَسودني؟ {وهو رَبُّ كلّ شيء} يقول: وهو سيّدُ كلّ شيءٍ دونَه ومدبّرُه ومُصلحُه”.

وقد ذكرت الآية الأولى هنا “الصلاة”، وهي أبرز الشعائر التعبّدية في الإسلام. وذكرت “النُّسُك”، وهو الذبح، والمقصود الذبحُ لله وحده، لا للأصنام أو الموتى أو الجنّ مما كان يذبح له المشركون.

والصلاة والنُّسُك شعيرتان من شعائر الله، وما ينطبق عليهما فيما يتعلّق بالتوحيد ينطبق على سائر الشعائر التعبّدية التي تحمل معنى التقرّب إلى الله أو دعائه وطلبه بوجهٍ غيبيٍّ غير معقول المعنى، أي بما لا نفهمه في إطار معاملاتنا الدنيوية مع البشر وأشياء هذا العالم المحسوسة، وتشتمل على أعمال القلوب كالدعاء والاستعانة والاستعاذة والنَّذر والذبح والسجود والتوكّل والرغبة والرهبة والخوف والرجاء والخشية وما إلى ذلك، فصَرْفُ أيٍّ من هذه العبادات إلى غير الله قادح بالتوحيد، سواء كان شركًا مخرجًا من الإسلام أو “شركًا أصغر” يتجنّبه المؤمن ويَحذر من الوقوع فيه؛ لأنّه يخدش التوحيد ويُشتّت قلبَه ويُضعف إيمانه.

لقد صنع منهاج العبادة في القرآن القلبَ القويّ الذي تنبع قوّته من تعلّقه بالله وحده ودعائه وحده وتوكّله عليه وحده وخشيته منه وحده. وهذه المعاني القلبية وغيرها وإنْ كانت من عبادة الله وحده بلا شريك، فإنّها تُعين الإنسان أيضًا على احتمال هذه الرحلة الأرضية الشاقّة قبل بلوغه الجنّة، ففي هذه الدنيا صوارف ومنغّصات هي من صلب الابتلاء، من شهواتٍ وأهواءٍ وشياطين، ولا بدّ له من ركن مكين يلجأ إليه ويسند به قلبَه إلى أن يبلغ برّ النجاة.

والآيات التي تتناول باب الشعائر من صلاة وسجود ودعاء وما يتبعها من أعمال القلوب كثيرة جدًّا، نظرًا إلى أنّها كانت مشكلة المشكلات في المجتمعات الوثنية التي نزلت عليها الرسالة، وفي المجتمعات الوثنية السابقة التي حكى القرآن قصصها مع رُسُلها وأنبيائها عليهم السلام.

فقد كان المشركون يسجدون لغير الله تعالى فقال لهم: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (فصلت: ٣٧).

وكانوا يدعون غير الله من الأرباب المزعومة: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الإسراء: ٥٦-٥٧). فأرشدهم – بعد بيانه فسادَ دعاء غير الله –  إلى عبادة التوسّل والرجاء والخوف التي كان يقوم بها مَن جعلوا منهم أربابًا وهم أهل إيمان بالله تعالى.

وقال عزّ وجلّ ناهيًا عن دعاء غيره: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص: ٨٨). وقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن: ١٨). قال الإمام الطبري في تفسيرها: “ولا تُشركوا به فيها شيئا، ولكنْ أَفرِدوا له التوحيد، وأَخلِصوا له العبادة”.

وقال تعالى في مواجهة عبادة المشركين لأربابهم من أوثان وغير ذلك مما يعبدونه من دون الله: {تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الزمر: ١-٣).

وقال سبحانه داعيًا عباده إلى دعائه وحده: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر: ٦٠). وقال مرغّبًا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: ١٨٦).

وقال عن الاستعانة: {إيَّاكَ نعبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: ٥). وممّا ذكره الإمام أبو المظفّر السمعاني في سبب تقديم {إيَّاكَ نعبُدُ} على {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قوله: “لأنّ الاستعانة نوعُ تعبُّد، فكأنه ذكر جملة العبادة، ثم ذكر ما هو من تفاصيلها”.

وقال عن الاستعاذة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} {الفلق: ١}، وقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} (الناس: ١).

وقال عن الخشية: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} (المائدة: ٣).

وقال عن التوكّل والصبر: {وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (إبراهيم: ١٢). وقال عزّ وجلّ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة: ٢٣).

وقال عن الخوف: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران: ١٧٥).

وقال عن الرغبة والرهبة والخشوع في وصف زكريا وزوجه ويحيى عليهم السلام: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: ٩٠).

قيمة الإنسان تتحدّد بإيمانه وعبادته لله سبحانه

ومن أجمل ما علّمنا ربُّنا جلّ جلاله في كتابه قوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} (الفرقان: ٧٧).

يُعْلِمنا أنّ قيمة الإنسان تتحدّد بإنجازه الأهم، وهو إيمانه وعبادته لله سبحانه، فلا قيمة للإنسان حين يتجرّد عن رسالته وغاية وجوده في هذه الدنيا.

وإذا كان الإنسانُ يجزع من ألّا يعبأ به أحدٌ من الخَلْق الهالكين، فكيف وقد سقط من بال ربّ العالمين؟!

وكم غفلَ الناس اليوم عن هذا المعنى الذي تُقرّره الآية، وهو أنّ أول من ينبغي أن تسعى إلى رضاه وذكره (و”اهتمامه” و”تقديره” بلسان أهل هذا العصر) هو الخالق سبحانه الذي امتنّ عليك بفرحة وجودك بعد أن كنت في العدم، وببُشرى أبديّة النعيم في جنان الخُلد لو اجتزتَ هذا الابتلاء الدنيويّ منغمسًا بسعادة التوحيد.

ولكنّ الإنسان ينسى، فيطلب بالَ الناس واهتمامهم وتقديرهم، وتنفرج أساريره بآرائهم وتصفيقهم، ثمّ يغترّ بخالقه الكريم!

فاللهمّ أَخرجنا من عتمة بال الخَلْق إلى ضياء بالك، ومن “قلق السعي إلى المكانة” بين ظَهرانيهم إلى شرف السعي في مرضاتك ودفء التلفّع بذكرك.

المصدر

صفحة شريف محمد جابر

 اقرأ أيضا  

سورة الأنعام وأضواء على ركن من أركان التوحيد

سورة الأنعام .. البدء بالعقيدة وأثره العملي

حدود الولاء المكفر .. حفظا للأمة ومنعا للغلو

من أخطر صور الشرك.. شرك الطاعة والاتباع

الإسلام توحيد المشرِّع ومتابعة المبلِّغ

المصدر
شريف محمد جابر
21 شوال 1446 (20-04-2025)


السودان وإثيوبيا على شفا حرب رهيبة

 السودان وإثيوبيا على شفا حرب رهيبة

صحفي وكاتب سوداني.


نُذر مواجهة تبدو وشيكة بين السودان وإثيوبيا على خلفية اعتداءات إثيوبية على مناطق وبلدات ومنشآت داخل العمق السوداني، من بينها مطار الخرطوم الدولي.

وقد أعلن السودان على لسان وزير خارجيته محيي الدين سالم في مؤتمر صحفي 5 مايو/أيار 2026 عن استدعاء سفيره لدى إثيوبيا للتشاور؛ متهما أديس أبابا بالضلوع في هجوم بطائرات مسيرة استهدف مطار الخرطوم الدولي، يوم الاثنين 4 مايو/أيار الجاري.

وأكد الوزير السوداني أن مطار الخرطوم الدولي منشأة مدنية محمية بموجب القانون الدولي، واستهدافه يشكل انتهاكا صريحا للقانون الدولي، مضيفا أن لدى السودان أدلة قاطعة تثبت أن الهجوم على المطار انطلق من داخل الأراضي الإثيوبية، معتبرا ذلك "سلوكا عدائيا من دولة يفترض أن تكون شقيقة".

وفي السياق ذاته، أعلن الجيش السوداني امتلاكه أدلة موثقة على تورط أديس أبابا في الهجوم، وقال الناطق الرسمي باسم الجيش إن مسيرات انطلقت من مطار "بحر دار" الإثيوبي، منفذة طلعات عدائية داخل الأجواء السودانية، استهدفت مواقع عسكرية ومدنية من ضمنها مطار الخرطوم الدولي، مؤكدا أن الهجوم يمثل عدوانا مباشرا على سيادة السودان و"لن يمر دون رد".

وبالمقابل فقد أصدرت وزارة الخارجية الإثيوبية بيانا يوم الثلاثاء 5 مايو/أيار، ردا على الاتهامات السودانية نفت فيه صحتها، معتبرة أنها لا أساس لها، ومضت أبعد من النفي ووجهت اتهامات صريحة للسودان بتقديم الأسلحة والدعم المالي لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي" الإثيوبية المعارضة للنظام الإثيوبي، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن السودان أصبح "مركزا للعديد من القوى المعادية لإثيوبيا"، على حد تعبير البيان.

ويأتي هذا التصعيد من الجانب الإثيوبي متزامنا مع تقدم الجيش السوداني والقوات المساندة له على جبهة القتال ضد قوات الدعم السريع التي تشهد تصدعا وانهيارا وخلافات داخلية وانشقاق قيادات عسكرية ميدانية رفيعة، أضعفت موقفها القتالي بشكل غير مسبوق.

كذلك يأتي هذا التصعيد في وقت شهدت فيه العاصمة السودانية الخرطوم استقرارا وتطبيعا للحياة فيها، وعودة الأمن وتلاشي مظاهر وآثار الحرب، وتزايد عودة المواطنين السودانيين إليها من داخل السودان وخارجه، وفتح مطار الخرطوم أمام الملاحة الدولية.

وكانت طائرة تابعة للخطوط الجوية الكويتية قد هبطت بمطار الخرطوم  في 28 أبريل/نيسان الماضي، وهي تقل على متنها أكثر من 300 مواطن عائدين إلى السودان، وكانت هي أول رحلة دولية تحط بالمطار منذ بدء الحرب.

وشهدت العلاقات السودانية الإثيوبية محطات عديدة من الخلافات والمواجهات العسكرية منذ تولي آبي أحمد منصب رئيس وزراء إثيوبيا، 2 أبريل/نيسان 2018.

وقد تركزت الخلافات بين البلدين في عهد آبي أحمد حول ثلاث قضايا رئيسية، هي قضية النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة السودانية، وقضية سد النهضة الإثيوبي وموقف السودان منه، والقضية الثالثة هي الموقف الإثيوبي المنحاز لقوات الدعم السريع في الحرب بالسودان.

ولطالما اتهم السودان إثيوبيا بالتدخل في الشأن الداخلي دعما لقوات الدعم السريع، عبر فتح أراضيها لقادتها العسكريين والسياسيين، وتوغلات الجيش الإثيوبي داخل الأراضي السودانية على الحدود.

ومنذ بداية الحرب منتصف أبريل/نيسان 2023، دائما ما كانت إثيوبيا ترد على اتهامات السودان لها بمساندة قوات الدعم السريع بالنفي، رغم أن الوقائع على الأرض تؤكد الاتهامات السودانية.

بيد أن إثيوبيا كثيرا ما كانت تلوذ بالعبارات الدبلوماسية الناعمة من قبيل عمق العلاقات بين البلدين، ومتانة الروابط التاريخية والثقافية بين الشعبين الشقيقين، وغيرها من القوالب الجاهزة التي تغلف بها إنكارها الاتهامات السودانية.

ودائما ما كان السودان يتقبل الاعتذارات الإثيوبية ويتجاوز عنها؛ تفاديا للتصعيد، وحفاظا على أمن واستقرار المنطقة من عواقب مواجهات يمكن أن تدخل القرن الأفريقي كله في أتون حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر.

وقد جاءت زيارة رئيس الوزراء آبي أحمد للسودان في يوليو/تموز من العام 2024 في هذا السياق، حيث جدد حينها ما ظل يردده من قبلُ: أن بلاده تنظر بعين الاعتبار لعلاقاتها مع السودان، وأنه يتطلع إلى بناء علاقات تعاون مشترك بين البلدين في مختلف المجالات.

ويومها استبشر السودانيون والجالية الإثيوبية الكبيرة بالسودان خيرا بالزيارة وتصريحات آبي أحمد وتعهداته باتخاذ موقف حيادي إيجابي تجاه الحرب في السودان، على أمل أن تكون نقطة انطلاق نحو علاقات طيبة تضع حدا للتوترات المتكررة بين البلدين.

ولكن لا شيء مما تعهد به تم، ولم يحدث أي تغير في موقف إثيوبيا المنحاز لقوات الدعم السريع، وما لبثت أن عادت التوترات بين البلدين إلى الواجهة مرة أخرى.

وفي فبراير/شباط من هذا العام كشفت وكالة "رويترز" عن تقارير استخبارية وصور أقمار صناعية عن معسكر سري في إقليم "بني شنقول" الإثيوبي المتاخم للسودان (32 كيلومترا) من الحدود السودانية لتدريب حوالي 4300 مقاتل تابعين لقوات الدعم السريع.

وبحسب التقارير التي نشرتها "رويترز"، فإن أعمال إنشاء المعسكر بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ويضم بداخله مركز تحكم بطائرات مسيرة في مطار "أصوصا" القريب من المعسكر.

ويقول التقرير إن المعسكر يتسع لتدريب نحو 10 آلاف مقاتل، ويضم فنيين أجانب في تشغيل أنظمة إطلاق الطائرات المسيرة، ووفقا لـ"رويترز" فإن المعسكر يوفر خطوط إمداد عسكري ولوجيستي مستمر لقوات الدعم السريع، التي تربطها روابط تعاون وتحالف مع "الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال" (جناح الحلو)، وهي حركة متمردة على الدولة السودانية، ومنشقة عن الحركة الأم بقيادة زعيمها الجنوبي الراحل جون قرنق.

ورغم وضوح الوثائق وصور الأقمار التي أوردتها "رويترز"، فإن الحكومة الإثيوبية نفت ذلك، ووصفت التقارير بأنها عارية من الصحة.

لكن ما أعلنت عنه الحكومة والجيش السوداني أخيرا يتطابق إلى حد كبير مع محتوى تلك التقارير، حيث يقول الجيش السوداني إن الطائرات المسيرة التي استهدفت مطار الخرطوم ومناطق عدة بالعاصمة، انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، وتحديدا من إقليم "بني شنقول"، وهو الإقليم الذي يقع فيه المعسكر الذي كشفت عنه "رويترز" قبل أكثر من شهرين.

وتعد هذه الواقعة التطور الأبرز على صعيد التوتر الحادث في العلاقات السودانية الإثيوبية والأكثر سخونة فيها، ويتوقع أن يأخذ التصعيد منحى تصاعديا لم تشهده علاقات البلدين من قبل، وينذر بتوسع النزاع وتحوله ليأخذ طابعا إقليميا، فيما لو وقع أحد السيناريوهات الثلاثة التي من المحتمل أن تترتب على هذا التطور الخطير.

السيناريو الأول: 

الحرب بين البلدين وهو سيناريو، وإن بدا بعيدا بعض الشيء في الوقت الراهن، إلا أنه لا يمكن استبعاده في التحليل لعدة أسباب:

  • أولا، أن الهجوم انطلق مباشرة من داخل الأراضي الإثيوبية مستهدفا بصورة متعمدة العاصمة السودانية ومطار الخرطوم الدولي، إذ إن نظام إطلاق الطائرات المسيرة يقوم على تحديد الأهداف مسبقا.

وطبقا لما ذكره الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني فإن الدفاعات الجوية للجيش أسقطت إحدى الطائرات المسيرة، وبتحليل بياناتها اتضح أنها انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، مما يشكل عدوانا مباشرا.

  • ثانيا، تأكيد الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني أن "العدوان الإثيوبي لن يمر دون رد"، ورغم أنه لم يذكر ماهية الرد بصورة محددة، لكن يرجح أن يكون الرد عسكريا بناء على الحق الذي يكفله القانون الدولي في مثل هذه الحالات.
  • ثالثا، أن السودان ظل يقود حملة عسكرية قوية ومتواصلة ضد قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب، وتوشك هذه الحملة أن تبلغ منتهاها بالقضاء على تمرد الدعم السريع.

وبالتالي فإن الحكومة السودانية على الأرجح لن تسمح بفتح جبهة عدوان على حدودها الشرقية تساند تمرد قوات الدعم السريع، وتساعدها على توسيع نطاق عملياتها واستمرار معاناة الشعب السوداني من فظائع هذه القوات التي شهد عليها العالم كله.

السيناريو الثاني:

هو أن تلجأ الحكومة السودانية إلى التعاطي مع الحدث عبر الوسائل الدبلوماسية في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين.

وهو سيناريو ضعيف وغير مرجح، فما بين البلدين ما صنع الحداد، وقد أعلنت الخارجية السودانية عن استدعاء سفير السودان في أديس أبابا للتشاور، وهو إجراء دبلوماسي يعبر به عن بالغ الاستياء من موقف معين صادر من الدولة المضيفة، وإن كان في جوهره لا يعني بالضرورة قطع العلاقات، ولكن يعتبر مقدمة لاتخاذ إجراءات أكثر حدة، وهو ما لا يوفر مناخا مناسبا لمعالجة دبلوماسية في الإطار الثنائي.

السيناريو الثالث:

يزاحم السيناريو الأول في الأرجحية، وهو أن تلجأ الحكومة السودانية إلى المسار القانوني عبر المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، خاصة أنها تؤكد أن بحوزتها الكثير من الأدلة الموثقة الكافية لإقامة الحجة على إثيوبيا وإثبات تورطها وعدوانها، وتثبيت حق السودان في اتخاذ ما هو مكفول له بالقانون الدولي من رد يراه مناسبا ومحققا لصون سيادته، ورد كرامته.


وهذا السيناريو هو الأقرب إلى التحقق في تقديري بالنظر إلى السلوك الذي انتهجته الحكومة السودانية في السابق في ملفات أخرى شبيهة وفرت لها خبرة في إدارة الأزمات بالأدوات القانونية، فضلا عن كون هذا المسار القانوني يوفر مرجعية صلبة فيما لو اختارت الحكومة السودانية السيناريو الأول؛ سيناريو الحرب.

ورغم النجاحات التي حققتها الحكومة السودانية في ملفات أخرى بهذا المسار، فإن الحقيقة التي تظل الماثلة للعيان أن العدالة الدولية أصبحت بعيدة المنال، وأن كثيرا من قواعد القانون الدولي قد انتهكت ولم تعد لها القدرة على تحقيق العدالة، وأن السائد في الوقت الراهن العدالة الانتقائية وقانون الغاب، حيث البقاء للأقوى، والقوي هو من يحدد قواعد العدالة بحسب رؤيته ومصالحه، وأن أجهزة العدالة الدولية أصبحت نمورا ورقية!

غير أن هذا السيناريو الثالث محكوم بسلوك الجانب الإثيوبي، بمعنى أنه لو تمادت أديس أبابا في توجيه الضربات إلى الأراضي السودانية وإرسال المسيرات واستهداف المنشآت السودانية فإن السودان بطبيعة الحال- وحسبما أكد الناطق الرسمي باسم الجيش- سيرد، وهو رد عسكري بالضرورة.

أما إذا توقفت إثيوبيا عن توجيه طائراتها المسيرة، فإن ذلك أدعى إلى التهدئة والسير في المسار القانوني، وامتصاص التصعيد، وخفض التوتر.

وهو اتجاه يعزز من فرص الوصول إلى حلول دبلوماسية تجنب البلدين الانزلاق في مواجهة وحرب استنزاف لن تعود على الشعبين إلا بمزيد من الخراب، والدمار، وعلى المنطقة بالاضطراب، وعدم الاستقرار.

إن ضبط النفس الحالي الذي التزمت به الحكومة السودانية إزاء الضربات الإثيوبية، وعدم تسرعها في الرد بنفس الطريقة وبصورة مباشرة، يعطي إشارة إيجابية، وعلى أديس أبابا التقاطها على الفور، وإلا فإن الحرب ستكون حتما مقضيا.. والكرة في الملعب الإثيوبي.

برنامج المقابلة مع الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني

برنامج المقابلة - مع الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني

كيف يعاد تشكيل العلاقات في المنطقة؟


المقابلة
حمد بن جاسم: أكبر خطر على الخليج ليس إيران ولا إسرائيل بل انقسامنا
حذر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني من أن أخطر نتائج الحرب تمثلت في أزمة مضيق هرمز، معتبراً أن نتنياهو استفاد من المواجهة لإعادة تشكيل المنطقة، وداعياً إلى وحدة خليجية وبناء مشروع دفاعي وسياسي خليجي مشترك.


في حوار استثنائي اتسم بالصراحة والوضوح وكشف كثيرا من الكواليس السياسية المتعلقة بأخطر ملفات المنطقة، قدم الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الأسبق، رؤية مطولة ومتشعبة حول الحرب على إيران، ومستقبل الخليج، وأدوار الولايات المتحدة وإسرائيل، والعلاقة مع طهران، إضافة إلى قراءته لملفات فلسطين ولبنان وسوريا، مؤكدا أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل كبرى، وأن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة بل تحول إستراتيجي قد يرسم شكل الشرق الأوسط لعقود مقبلة.

وخلال ظهوره في برنامج "المقابلة" مع الإعلامي علي الظفيري، قال الشيخ حمد بن جاسم إن الحرب ضد إيران لم تكن مفاجئة بالنسبة له، موضحا أنه سبق أن حذر منها في تغريدة نشرها العام الماضي، ودعا حينها دول الخليج إلى التحرك لمنعها عبر الضغط باتجاه الحلول السياسية والتفاوض، لكنه أشار إلى أن التحذير لم يؤخذ بالجدية الكافية حتى انفجرت المواجهة بالفعل.

وأكد أن المشروع العسكري ضد إيران لم يكن وليد اللحظة، بل جزء من أجندة طويلة الأمد تبناها ما وصفه بـ"الفرع المتشدد" داخل إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، مضيفا أن إسرائيل حاولت منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون دفع الولايات المتحدة نحو عمل عسكري ضد إيران بذريعة برنامجها النووي.

وفي واحدة من أبرز محطات الحوار، كشف الشيخ حمد بن جاسم للمرة الأولى أنه ذهب بنفسه إلى إيران في أواخر تسعينيات القرن الماضي بتكليف من القيادة القطرية لنقل رسالة أمريكية إلى الإيرانيين بشأن برنامجهم النووي. وقال إن الأمريكيين أبلغوا قطر آنذاك أنهم يعتقدون بوجود نية إيرانية لتطوير برنامج نووي، وإنهم يريدون من طهران التخلص من هذا الملف خلال فترة قصيرة، إما عبر تسليمه لروسيا أو إخضاعه لترتيبات دولية محددة.

وأوضح أن قطر قامت حينها بدور الوسيط ونقلت الرسالة للإيرانيين، إلا أن طهران اعتبرت الدوحة متبنية للموقف الأمريكي، رغم أن قطر – بحسب قوله – كانت تنقل فقط ما طلب منها نقله.

وأشار إلى أن إسرائيل وأذرعها داخل الولايات المتحدة واصلت خلال العقود الماضية تهيئة الرأي العام الأمريكي لأي مواجهة عسكرية مع إيران، مؤكدا أن الإدارات الأمريكية السابقة، رغم تعاطفها مع إسرائيل، لم تكن متحمسة لحرب شاملة، بما في ذلك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ولايته الأولى، حيث كان هناك تردد واضح داخل البيت الأبيض، حتى مع وجود شخصيات متشددة مثل جون بولتون.

لكن نتنياهو – وفق الشيخ حمد – نجح هذه المرة في إقناع الإدارة الأمريكية بأن الحرب ستكون قصيرة وسريعة، وأن النظام الإيراني سيسقط خلال أسابيع قليلة، مستفيدا من تجارب سابقة مثل ما حدث في فنزويلا، ومن تصورات داخل واشنطن بأن إسقاط الأنظمة بات ممكنا عبر الضربات العسكرية والضغوط المركزة.
الخاسر الأكبر

ورأى الشيخ حمد أن الولايات المتحدة أخطأت عندما لجأت إلى القوة العسكرية، قائلا إن قوة أمريكا الحقيقية كانت دائما في قدرتها على تجنب استخدام القوة، لا في استخدامها. وأضاف أن الحرب أعادت الجميع في النهاية إلى طاولة التفاوض نفسها التي كانت قائمة قبل اندلاع المواجهة، معتبرا أن استمرار مفاوضات جنيف لأسبوعين إضافيين ربما كان سيجنب المنطقة الكارثة.

وأكد أن الخاسر الأكبر من الحرب كان الخليج وأوروبا وآسيا، بينما خرج نتنياهو بأكبر المكاسب السياسية، لأنه استطاع – بحسب تعبيره – تسويق مشروعه القائم على إعادة تشكيل المنطقة وفرض تحالفات جديدة بالقوة.

وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتحدث علنا عن "خارطة جديدة" للمنطقة وعن تحالفات إجبارية وعن مشروع "إسرائيل الكبرى"، معتبرا أن الحرب خدمت هذا التصور بشكل مباشر.

وفي تقييمه لسلوك إيران خلال الحرب، قال الشيخ حمد إن طهران نجحت في امتصاص الضربة الأولى، ثم بدأت تماطل في الذهاب إلى تسوية لأنها وجدت مكاسب جديدة نتجت عن الأزمة، أهمها إدخال مضيق هرمز إلى قلب الصراع.

ووصف ملف مضيق هرمز بأنه أخطر ما أفرزته الحرب الحالية، قائلا إن الأزمة لم تبدأ من المضيق، لكنها انتهت بجعل المضيق محورا دوليا جديدا للنزاع، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لدول الخليج واقتصادات العالم.

وأضاف أن إيران تتحدث الآن عن المضيق وكأنه جزء سيادي خاص بها وليس ممرا دوليا، معتبرا أن ذلك يفتح الباب أمام أزمة أخطر من الملف النووي نفسه.
إغلاق المضيق

وشدد على أن دول الخليج كانت الأكثر تضررا من إغلاق المضيق، لا الولايات المتحدة، لأن اقتصادات الخليج تعتمد على استقرار الملاحة والطاقة، بينما استفادت شركات النفط الكبرى من ارتفاع الأسعار.

وانتقد بشدة الهجمات الإيرانية على دول الخليج تحت ذريعة استهداف المصالح الأمريكية، قائلا إن إيران ضربت منشآت نفطية وغازية ومناطق مدنية وصناعية في دول كانت أصلا ترفض الحرب عليها.

واعتبر أن طهران خسرت كثيرا من رصيدها داخل الخليج، وأن الشعوب الخليجية باتت تنظر إليها بعين الغضب بسبب الخسائر الاقتصادية وتعطيل حياة الناس والمساس بأمنهم المباشر.

ومع ذلك، شدد الشيخ حمد على أن الخليج لا يستطيع الدخول في قطيعة دائمة مع إيران، لأن الجغرافيا تفرض التعايش، مضيفا أن المطلوب ليس "فتح صفحة جديدة" بشكل عاطفي، بل إجراء مراجعة حقيقية وصريحة للعلاقة مع طهران.

وأكد أن أي حوار مستقبلي مع إيران يجب أن يكون جماعيا وخليجيا، لا عبر اتصالات منفردة ومتفرقة، لأن غياب الموقف الخليجي الموحد هو ما سمح – بحسب رأيه – لإسرائيل باختراق المنطقة وإقناع واشنطن بالحرب.

وفي واحدة من أكثر العبارات وضوحا في الحوار، قال الشيخ حمد إن الخطر الأكبر على الخليج ليس إيران ولا إسرائيل ولا حتى القواعد الأمريكية، بل الخلافات الخليجية نفسها.

وأوضح أن دول الخليج لو كانت موحدة بشكل حقيقي، لما استطاعت أي قوة دولية تجاوز مصالحها أو تجاهلها في القرارات الكبرى.

وضرب مثالا على ذلك بعدم توقيع اتفاقية تجارة حرة مع أوروبا منذ عقود، لأن الأوروبيين – بحسب روايته – لا يرون موقفا خليجيا موحدا يجبرهم على تقديم تنازلات حقيقية.
ناتو خليجي

ودعا الشيخ حمد إلى بناء "ناتو خليجي" يبدأ بعدد محدود من الدول المتفقة سياسيا وإستراتيجيا، ثم يتوسع تدريجيا، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي نفسه بدأ بعدد صغير من الدول قبل أن يتوسع.

وأكد أن نجاح أي مشروع خليجي مشترك يتطلب نظاما قانونيا ومؤسساتيا ثابتا يحترمه الجميع، الكبير قبل الصغير، وأن السعودية تمثل العمود الفقري الطبيعي لهذا المشروع.

كما دعا إلى تطوير شراكات إستراتيجية طويلة الأمد مع دول مثل تركيا وباكستان ومصر، على أساس المصالح المتبادلة، لا التحالفات الموسمية العابرة.

وفي حديثه عن الوجود الأمريكي في الخليج، قال الشيخ حمد إن القواعد الأمريكية وفرت ردعا مهما خلال العقود الماضية، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة لن تبقى مهتمة بالمنطقة إلى الأبد، لأن أولوياتها الإستراتيجية تتجه تدريجيا نحو آسيا والمحيط الهادئ ومواجهة الصين.

وأضاف أن الحرب الأخيرة كشفت نجاح الدفاعات الخليجية في حماية دولها، لكنها أظهرت أيضا وجود ثغرات تحتاج إلى معالجة عاجلة.

وفي تقييمه للوضع الداخلي الإيراني، قال الشيخ حمد إن النظام الإيراني خرج أقوى سياسيا بعد الحرب، وإن أي محاولة لإسقاطه بالقوة العسكرية كانت وهما منذ البداية.

وأضاف أن الإيرانيين سيستفيدون من الحرب لتطوير قدراتهم العسكرية والتكنولوجية، تماما كما يجب على دول الخليج أن تفعل.

كما أشار إلى أن إيران تفاوض منذ سنوات طويلة وفق إستراتيجية "التفاوض من أجل التفاوض"، حيث تمنح الغرب انطباعا دائما بوجود تقدم بينما تواصل كسب الوقت.

وقال إن الإيرانيين يمتلكون فهما عميقا للطرف الآخر ويعرفون كيف يديرون المفاوضات، مؤكدا أن القرار داخل إيران ليس فرديا بل جماعي، تشارك فيه مؤسسات متعددة بينها الرئاسة والحرس الثوري والمرشد الأعلى.
كارثة أخلاقية وسياسية

وفي الملف الفلسطيني، قدم الشيخ حمد قراءة مطولة لأحداث السابع من أكتوبر، قائلا إنه ضد قتل المدنيين من أي طرف، لكنه اعتبر أن إسرائيل ارتكبت كارثة أخلاقية وسياسية بردها الوحشي على غزة.

وأوضح أن ما جرى منح الفلسطينيين تعاطفا عالميا غير مسبوق، خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة، حيث بدأت الرواية الإسرائيلية تتآكل بسبب حجم الدمار والقتل الذي طال المدنيين والأطفال والنساء.

لكنه في المقابل رأى أن الفلسطينيين، وخاصة حركة حماس، يجب أن يحسبوا الربح والخسارة، لأن الكلفة الإنسانية للحرب كانت هائلة.

وقال إن إسرائيل كان يمكنها التعامل مع الهجوم بطريقة سياسية وأمنية مختلفة، كما فعلت الهند بعد هجمات مومباي، لكنها اختارت الانتقام الشامل والتدمير الجماعي.

واتهم المجتمع الدولي بالتخلي عن القضية الفلسطينية، قائلا إن الجامعة العربية أصبحت غائبة بالكامل، وإن القيادة الفلسطينية نفسها تبدو منفصلة عن الواقع الجاري في غزة.

كما حذر من تحول غزة إلى مشروع تهجير وعقار، مشيرا إلى معلومات عن وجود أموال تدفع لتشجيع السكان على مغادرة القطاع.

ورفض الشيخ حمد الطرح القائم على نزع سلاح حماس دون وجود أفق سياسي حقيقي، مؤكدا أن القانون الدولي نفسه يعترف بحق مقاومة الاحتلال.

وأضاف أن أي حديث عن نزع السلاح يجب أن يقابله حديث واضح عن الدولة الفلسطينية والحدود والحقوق السياسية.

وأشاد بالموقف السعودي الرافض للتطبيع مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية، معتبرا أن الرياض اتخذت موقفا مهما أربك حسابات نتنياهو الذي كان يراهن على اتفاق قريب مع السعودية.
حرب أهلية لبنانية

أما في الملف اللبناني، فقال إن حزب الله يواجه تحديا حقيقيا، لأن استمرار امتلاكه للسلاح واتخاذه قرارات الحرب والسلم سيؤدي إلى خسائر سياسية داخلية متزايدة.

لكنه استبعد اندلاع حرب أهلية لبنانية واسعة، مؤكدا أن هناك قوى لبنانية تدرك خطورة الانفجار الداخلي.

كما رأى أن إسرائيل لم تلتزم فعليا بأي هدنة في لبنان، وأنها تستخدم كل الملفات لخدمة مشروعها السياسي والعسكري.

وفي حديثه عن سوريا، عبر الشيخ حمد عن ارتياحه لسقوط نظام بشار الأسد، مؤكدا أنه لم يفاجأ بما حدث، لأنه كان يرى منذ سنوات أن النظام قائم على القمع والمصالح الضيقة.

وكشف أنه التقى الأسد أكثر من مرة بعد اندلاع الثورة السورية، ونصحه بالاستجابة لمطالب شعبه، لكنه رفض الاستماع لأي نصائح.

وأشاد بالأداء السياسي للقيادة السورية الجديدة، قائلا إنها تتعامل بذكاء مع الاستفزازات الإسرائيلية وتتجنب الانجرار إلى معارك غير محسوبة.

كما دعا إلى التركيز على بناء مؤسسات الدولة السورية والاقتصاد والصناعة وتوفير فرص العمل، معتبرا أن سقوط النظام السابق لم يكن نتيجة الظلم فقط، بل أيضا نتيجة انهيار المؤسسات والفقر والجوع.