الأربعاء، 20 مايو 2026

السفهاء

  السفهاء

 المفكر العربي الدكتور عزت السيد أحمد


عندما تفضح أبناء الحرام

من أفاقين أو منافقين أو مجرمين أو ضالين أو مضللين
وأشباههم في ولدنة الحرام
لا يدافعون أنفسهم بالحجة والدليل والبرهان لأنهم لا يمكنهم ذلك
لذلك هم يدافعون عن أنفسهم بالشتائم والاتهامات والإساءات والافتراءات الجديدة
يعني بدل التفكير والعمل للحصول على شيء من التعاطف والمسامحة يزيدون النار عليهم تأجيجا
هذا ليس غباء
هؤلاء هم الذين عميت قلوبهم و أسماعهم وأبصارهم
فهم كالبهائم وأضل سبيلا

وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس

 وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس

د. مالك الأحمد

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

لما طلب أبناء يعقوب عليه السلام أن يرسل معهم أخا يوسف، تذكّر ما وقع منهم قبل ذلك في شأن يوسف، فلم يركن إلى حفظهم وحده، وإنما فوّض الأمر إلى الله، وقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ والمعنى: أن حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس، وأن الأسباب البشرية مهما كانت مهمة تبقى محدودة، أما الحفظ الحقيقي فمن الله وحده.

وأما قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ففيه معنى الرجاء في رحمة الله عند الخوف والفقد والقلق؛ فكأن يعقوب عليه السلام لم يقف عند ألم التجربة السابقة، بل علّق قلبه برحمة الله، ورجا أن يكون حفظ الله أوسع من تقصير البشر وضعفهم.

بعد عزمي على إكمال دراسة الماجستير في بريطانيا، يمّمت وجهي تجاه لندن، وكان الغرض استكمال الإجراءات الرسمية لدى الملحقية في السفارة السعودية هناك. وكانت تلك أول مرة تطأ فيها قدماي لندن.

وعند الوصول استقللت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يوصلني إلى فندق متوسط في المدينة. وصلنا إلى الفندق، ووضعنا الحقائب في الغرفة، وكان الوقت عصرًا، والشارع مليئًا بالمحلات، والجو معتدلًا، فنزلت أنا وزوجتي بعد أن أحكمنا إغلاق الغرفة بالمفتاح الحديدي.

وبعد أقل من ساعة عدنا إلى الفندق، وما إن دخلت حتى أسرع إليّ موظف الاستقبال وقال: هل يمكن أن أتحدث معك على انفراد؟ قلت: بالطبع، ما الأمر؟ قال: للأسف، غرفتكما تعرضت للاقتحام في غيابكما، وأنا آسف لأنقل لك هذا الخبر. اصعد معي لتتفقد أغراضك، وقد اتصلت بالشرطة وهم في الطريق.

صعدت إلى الغرفة، فوجدت الحقائب كلها مفتوحة، والملابس منثورة في وسط الغرفة. قلت للموظف: كيف حصل هذا؟ فاعتذر بأنه لا يعرف، وأنه تفاجأ بالأمر كما تفاجأت.

كان المشهد محزنًا؛ قفل الباب محطم، والحقائب مفتوحة، ونفسي منكسرة. وصلت الشرطة، وبدأوا التحقيق، وأخذوا يرفعون البصمات، وسألوني عمّا فُقد، فقلت: كانت زوجتي تحمل معها ذهبها، ولا أرى له أثرًا. أخذوا إفادتي، ووعدوني خيرًا، وبالطبع لم أسمع منهم بعد ذلك شيئًا.

فزعت زوجتي عندما أخبرتها، ثم دخلت الغرفة لتتفقد الأمتعة، فإذا بها تصيح: الذهب لم يُسرق! قلت: كيف؟ قالت: وضعته أسفل هذه الشنطة، تحت أكياس البهارات، ويبدو أن السارق بعدما رمى الملابس ووصل إلى البهارات تأفف من رائحتها، فلم يكمل البحث.

قلت حينها بعفوية: المال الحلال لا يضيع.

ولم تكن هذه الكلمة عندي قاعدة مطلقة بأن المال الحلال لا يُبتلى صاحبه بفقده؛ فالدنيا دار ابتلاء، وقد يذهب المال الحلال لحكمة يعلمها الله. ولكني شعرت في تلك اللحظة أن الله لطف بنا لطفًا ظاهرًا، وحفظ لنا ما كدنا نجزم بضياعه من طريق لا يخطر على البال. فالأقفال والحذر والشرطة كلها أسباب، لكنها قد تعجز، ويبقى حفظ الله فوق كل سبب.



مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 . أحمد مصطفى الغر

  بينما ينشغل العالم بحروب المنطقة،     يمضي الكيان الصهيوني في قضم ما تبقى من القضية الفلسطينية سياسيا بدفن اتفاقية أوسلو نهائياً، وبينما يسعى لوضع نهاية للسلطة الفلسطينية فإنه يعطي الضوء الأخضر لطور جدد من المقاومة هي أشد مما واجهه من قبل.


يواجه المشروع الوطني الفلسطيني اليوم واحدة من أخطر لحظاته الوجودية منذ نكبة عام 1948، حيث تتكالب قوى اليمين الصهيوني المتطرف للإجهاز على ما تبقى من رماد اتفاقيات أوسلو، في محاولة محمومة لفرض واقع دولة الاحتلال الواحدة وتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.

ومع أن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو قد آثر تأجيل مناقشة مشروع قانون إلغاء هذه الاتفاقيات داخل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع بدعوى مزيد من الدراسة، إلا أن هذا الإرجاء ليس سوى مناورة تكتيكية لتجنب فتح جبهات دبلوماسية وأمنية جديدة في ظل انشغال حكومته بحروبها على جبهات أخرى كجنوب لبنان والتوتر مع إيران.

إن هذا التأجيل لا يلغي الخطر بل يضعه في غرفة انتظار استراتيجية، بينما تواصل الجرافات والتشريعات الأخرى قضم الأرض وتفكيك مؤسسات السلطة، مما يجعل "موت أوسلو" حقيقة ميدانية لا تنتظر سوى التوقيع القانوني الأخير لتكريس عودة الحكم العسكري المباشر.

تشريعات الاستئصال

لم يعد الحديث عن إلغاء اتفاق أوسلو مجرد صرخات غوغائية يطلقها المستوطنون في شوارع القدس، بل استحال إلى مشروع قانون رسمي يتقدم به حزب "القوة اليهودية" المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير وليمور سون هار ميليخ. وينص هذا المشروع بوضوح لا لبس فيه على إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بما في ذلك اتفاق الخليل ومذكرة "واي ريفر"، واعتبارها غير ملزمة لدولة الاحتلال بأي شكل من الأشكال. إن الغاية الجوهرية من هذا القانون هي إعادة الوضع القانوني والأمن في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل عام 1993، أي تحويلها إلى أراضٍ تخضع للحكم العسكري المباشر دون أي وسيط سياسي فلسطيني، وهو ما يعني عملياً تدمير الغطاء القانوني الذي قامت عليه السلطة الفلسطينية.

ويبرر مروجو القانون خطوتهم بأن هذه الاتفاقيات كانت خطأ تاريخياً ورسالة ضعف لم تجلب إلا الإرهاب ـ على حد وصفهم، مدعين أنها وفرت البنية التحتية التي قادت إلى أحداث السابع من أكتوبر. غير أن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن اليمين الصهيوني يسعى لاستخدام هذا التشريع كأداة لسحق الدولة الفلسطينية ديموغرافياً وجغرافياً، ومنع أي فرصة مستقبلية لإقامتها. فإلغاء الاتفاقية يزيل القيود القانونية (ولو كانت شكلية) التي وضعتها أوسلو بشأن التوسع الاستيطاني في المناطق المصنفة "أ" و"ب"، ويفتح الباب أمام ضمٍ رسمي وشرعنةٍ شاملة لكل البؤر الاستيطانية المنتشرة في جسد الضفة.

 

إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان

إن هذا التوجه التشريعي يعكس إجماعاً متزايداً داخل الائتلاف الحاكم على ضرورة التحلل من الالتزامات الدولية والتعاقدية السابقة، فالأمر لم يعد يتعلق بتعديل بنود أو تحسين ظروف التفاوض، بل بالانتقال إلى مرحلة الحسم التي ترفض الاعتراف بوجود شريك فلسطيني أو كينونة وطنية مستقلة. وبذلك، يتحول القانون المقترح إلى إعلان حرب سياسية تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من صفتهم السياسية وتحويلهم إلى مجرد سكان تحت إدارة أمنية محضة.

مناورات نتنياهو

جاء قرار نتنياهو بتأجيل المصادقة على مشروع القانون ليعكس حالة من البراغماتية المتوحشة التي يجيدها، حيث فضل عدم الصدام المبكر مع المجتمع الدولي في توقيت عسكري حساس. فالتقارير الإعلامية تشير إلى أن التأجيل نبع من تقديرات أمنية ودبلوماسية تخشى انفجار الضفة الغربية بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وتجنباً لفتح جبهة إضافية بينما تتركز الجهود العسكرية في جبهات أخرى. ومع ذلك، فإن هذا التأجيل لا يمثل رفضاً لمضمون المشروع، بل هو إدارة للوقت بانتظار الظروف المواتية للانقضاض النهائي.

وقد أكد وزير القضاء الإسرائيلي ياريف ليفين هذا التوجه حين صرح علانية بأنه يؤيد التقدم بالقانون بشكل مدروس ومسؤول، معتبراً أن العودة إلى المستوطنات التي أُخليت سابقاً هي الهدف القادم. إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان. وهذا التكتيك يسمح للاحتلال بمواصلة القضم المتدرج للأرض دون تحمل التكاليف القانونية والسياسية الفورية لإلغاء الاتفاقات الدولية.

وبينما يتصارع أقطاب اليمين مثل بن غفير، الذي يطالب بالدفع بالقانون فوراً باعتبارها فرصة نادرة، وبين نتنياهو الذي يفضل التأجيل المدروس، يظل الفلسطيني هو الضحية الوحيدة لهذه اللعبة السياسية. فالاحتلال يستخدم فزاعة الإلغاء القانوني كأداة ابتزاز سياسي دائمة، بينما يطبق على الأرض كل بنود الإلغاء عبر الاستيطان والاقتحامات وخنق السلطة مالياً. إن التأجيل ليس طوق نجاة للسلطة، بل هو حبل مشنقة يزداد ضيقاً بانتظار اللحظة التي يرى فيها الاحتلال أن كلفة البقاء على الوضع الحالي أصبحت أكبر من كلفة الانهيار الشامل.

سراب التسوية

عند النظر بعمق في مآلات ثلاثة عقود من "أوسلو"، يتضح أن الاتفاقية كانت منذ لحظة ولادتها في حديقة البيت الأبيض عام 1993 فخاً استراتيجياً أعده الاحتلال ببراعة. فبينما كان الفلسطينيون يأملون في أن يقود المسار الانتقالي إلى استقلال ناجز، كانت إسرائيل تستخدم الاتفاقية كغطاء لتعميق سيطرتها الأمنية والاقتصادية. والواقع أن الاتفاقية بدأت تموت فعلياً مع اغتيال إسحاق رابين عام 1995، ثم استكمل شارون ومن بعده نتنياهو مهمة تمزيق بنودها عبر سياسة القضم المتدرج للأرض وعزل التجمعات الفلسطينية.

وباتت اتفاقية أوسلو اليوم جثة سياسية تعيش حالة موت سريري، وما يفعله اليمين المتطرف الآن هو مجرد محاولة لدفن هذه الجثة رسمياً. فمنذ عام 1999، أصبح واضحاً أن إسرائيل لم تلتزم بأي من قضايا الوضع النهائي كالقدس واللاجئين والحدود. بل على العكس، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو سبع مرات منذ توقيع الاتفاق، ليرتفع من 111 ألفاً إلى قرابة 750 ألف مستوطن حالياً، مما حول فكرة الدولة المتصلة جغرافياً إلى مستحيل واقعي.

 وقد أفرغ الاحتلال الاتفاق من جوهره عبر تقسيم الضفة إلى مناطق (أ، ب، ج)، وهي تقسيمات فقدت معناها العملي مع الاجتياحات اليومية المتكررة للمدن الفلسطينية وسيطرة جيش الاحتلال المطلقة على الحدود والمعابر. وفي هذا السياق، تبرز المأساة في أن السلطة الفلسطينية تحولت بفعل هذه الاتفاقيات إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات تقع تحت هيمنة الاحتلال الكاملة. إسرائيل تستفيد من بقاء هذا الهيكل المشوه لأنه يزيح عنها عبء تأمين حياة الفلسطينيين كدولة احتلال، بينما تحتفظ هي بالسيطرة العسكرية والسيادية المطلقة.

حرب المقاصة

تتجلى سياسة الخنق الصهيونية من خلال استخدام الاقتصاد كسلاح فتاك لتفكيك السلطة الفلسطينية من الداخل، وهي سياسة يقودها الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش. وتعتمد هذه السياسة على سرقة إيرادات المقاصة (أموال الضرائب الفلسطينية) ومنع العمال من العمل داخل الأراضي المحتلة. إن الهدف المعلن هو إيصال السلطة إلى حالة الانهيار المالي الشامل، مما يؤدي إلى فوضى عارمة وشلل في مؤسسات التعليم والصحة والخدمة المدنية.

 

إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم

ويمكن رصد محاور هذه الحرب المالية في النقاط التالية:

* احتجاز مبالغ خيالية من أموال المقاصة الفلسطينية بحجج واهية تتعلق برواتب الأسرى والشهداء.

* تحويل جزء من الأموال الفلسطينية المسروقة لتمويل مشاريع بديلة أو ما يسمى بـ "مجلس السلام" لخدمة أجندات الاحتلال.

* تراكم الديون والفوائد الوهمية لصالح شركات الكهرباء والمياه الإسرائيلية لاستنزاف ميزانية السلطة.

* دفع السكان نحو اليأس والهجرة القسرية عبر تجفيف منابع العيش الكريم وضرب الاقتصاد المحلي.

هذا التدهور الاقتصادي المخطط له يهدف إلى دفع السكان للتمرد على قيادتهم أو الهجرة، وتحويل المسؤولين الفلسطينيين إلى مجرد باحثين عن سبل البقاء بدل الانشغال بالحقوق الوطنية. وهي خطة تنسجم تماماً مع خطة الحسم التي طرحها سموتريتش، والتي ترى في السلطة الفلسطينية عبئاً يجب التخلص منه لصالح حكم عسكري صريح أو إدارة محلية تفتقر لأي طابع سياسي.

هندسة الجغرافيا

على الأرض، تترجم دولة الاحتلال الإسرائيلي نواياها بإلغاء أوسلو من خلال تغييرات جغرافية وهيكلية عميقة، خاصة في شمال الضفة الغربية ومحافظة جنين. فقرار مصادرة آلاف الأمتار المربعة في حي الجابريات بمدينة جنين لإنشاء قاعدة عسكرية داخل المنطقة المصنفة "أ" هو خرق فاضح لآخر ما تبقى من سيادة فلسطينية اسمية. وكذلك إنشاء أبراج مراقبة تطل مباشرة على مخيم جنين يعكس عودة جيش الاحتلال للتمركز في قلب المدن الفلسطينية، وهو وضع يهدف لإعادة هندسة المنطقة ديموغرافيا.

ولا تتوقف الهندسة الجغرافية عند القواعد العسكرية، بل تمتد لتشمل إعادة بناء المستوطنات التي أُخليت عام 2005 مثل "صانور" و"غانيم" و"كديم". وتعد المصادقة على بناء وحدات سكنية جديدة في هذه المواقع بمثابة تصحيح لجريمة الإخلاء في نظر قادة المستوطنين، وخطوة عملية نحو إلغاء تقسيمات المناطق (أ، ب، ج) ودمجها تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة. إن هذا الواقع الجديد يهدف إلى عزل المدن الفلسطينية وتحويلها إلى جزر معزولة وسط بحر من الاستيطان والسيطرة العسكرية المباشرة.

وتترافق هذه التحركات مع تدمير ممنهج للبنية التحتية في مخيمات الشمال ضمن عملية السور الحديدي، مما أدى إلى نزوح الآلاف وإغلاق مئات المنشآت التجارية. إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم التي ترفض أي وجود لمؤسسات فلسطينية ذات سيادة، وتعيد تعريف الأرض كساحة حرب مفتوحة تتجاوز كل الاتفاقيات السابقة.

اختبار الوجود

في حال إقرار قانون إلغاء أوسلو، ستدخل القضية الفلسطينية في نفق مظلم من الفراغ القانوني والسياسي، حيث ستتحول السلطة الفلسطينية في نظر الاحتلال من شريك تعاقدي إلى كيان غير شرعي. وسيعني ذلك سقوط شرعية الأجهزة الأمنية الفلسطينية، واعتبار أي سلاح في يدها غير قانوني، مما يفتح الباب أمام جيش الاحتلال للعمل في قلب المناطق (أ) دون أدنى تنسيق. إن هذا السيناريو سيضع ملايين الفلسطينيين أمام مواجهة مباشرة مع آلة القمع الصهيونية دون أي غطاء مؤسسي.

وعلى الرغم من اعتراف العديد من دول العالم بالدولة الفلسطينية، إلا أن هذا الاعتراف يبقى رمزياً ويفتقر لآليات التنفيذ التي تحميه من الوقائع المفروضة على الأرض. إن الفجوة تتسع باستمرار بين النصوص التي تصاغ في قاعات الأمم المتحدة وبين الجرافات التي تنهش الأرض الفلسطينية. كما أن إلغاء أوسلو سيضع القوى الإقليمية والدولية أمام اختبار حقيقي حول جدوى الرهان على حل الدولتين الذي تعمل إسرائيل على دفنه يومياً عبر مخططات الضم وشرعنة البؤر الاستيطانية.

ومع ذلك، يرى البعض في هذا الانهيار الحتمي لاتفاقيات أوسلو فرصة استراتيجية للشعب الفلسطيني للتحلل من القيود الأمنية والاقتصادية المهينة. فإلغاء الاتفاق من جانب واحد قد يعني تفكيك الغطاء الذي استخدمه الاحتلال لإدارة الصراع بدل حله، مما قد يمهد الطريق لعمل المقاومة الفلسطينية واستعادة الروح النضالية، أو العودة إلى إعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988 كمرجعية أساسية، وتدويل القضية كحركة تحرر وطني تواجه نظام فصل عنصري واحتلال مباشر.

كيف تحوّلت «أنا أخوك» إلى أعظم خيمة لجوء في التاريخ؟

 خواطر صعلوك

كيف تحوّلت «أنا أخوك» إلى أعظم خيمة لجوء في التاريخ؟




حين يُخبرنا القرآن الكريم أن قصة يوسف، عليه السلام، هي «أحسن القصص»، فنحن هنا لسنا أمام نهاية سعيدة ينتصر فيها الخير على الشر كما في حكايات الجدات... نحن هنا أمام «تشريح نفسي» عميق للنفس البشرية في أضعف حالاتها وأقواها، وفي أسوأ قيعانها وأعلى عروشها.

ولكن، وسط كل هذه الأحداث الجِسام، من الجب المظلم، إلى فتنة قصر العزيز، إلى ظلمة السجن، ثم الجلوس على خزائن الأرض... هناك لقطة تحمل كثافة عاطفية تكفي لإذابة جبال من الجليد. 

إنها يا سادة اللحظة التي التقى فيها «الضحية القديمة» بـ«الضحية الجديدة»... اللحظة التي قرّر فيها يوسف، أن يرفع الستار الحديدي للسلطة، ليضم شقيقه الأصغر بنیامين... مظلوم يؤوي مظلوماً.

تخيل معي المشهد يا سيدي القارئ...

نحن الآن في أروقة قصر الحكم في مصر. الجدران شاهقة، الحراس مدججون بالسلاح، البروتوكول صارم لا يسمح بالأنفاس العالية... يقف الإخوة القادمون في حالة من الانبهار الممزوج بالرعب وفي وسطهم يقف «بنيامين»، الأخ الأصغر، والشقيق الوحيد ليوسف من أمه وأبيه.

هذا الفتى عاش حياته كلها كتعويض مكسور لأب فقد بصره من الحزن، عاش تحت رحمة إخوة كبار يحملون في قلوبهم قسوة أثبتتها الأيام، هو، كشقيقه الغائب، كان يحمل جينات المغضوب عليهم في تلك العائلة... جاء إلى مصر خائفاً، مسلوب الإرادة، ومحاصراً بنظرات إخوته الذين لا يثقون به ولا يثق بهم، ورغم ذلك سار معهم كما سار يوسف من قبل.

وفي اللحظة التي دبّر فيها يوسف الحيلة ليختلي بشقيقه الأصغر بعيداً عن عيون الإخوة (قبل ترتيب مشهد السرقة الشهير لاحقاً للإبقاء عليه)، انهار جدار «عزيز مصر»، وظهر «يوسف الإنسان».

القرآن لا يستخدم الكلمات عبثاً. لم يقل «عانق أخاه» أو «ضم أخاه» أو «احتضنه». بل قال تعبيراً يحمل ثقل الجبال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وكلمة «آوى» هنا هي مفتاح المشهد كله... 

المأوى لا يُطلب إلا في حالات التشرد والخوف الشديد والبرد القارس، ويوسف هنا لم يكن يقدم عناقاً جسدياً فقط، بل كان يفتح «خيمة لجوء» روحية ونفسية لأخيه... كأنه يسحبه من عاصفة رملية استمرت لسنوات طويلة، ليدخله في دفء الأمان المطلق.

الضحية الذي رُمي في البئر وحيداً، أصبح اليوم يملك السلطة والقدرة على أن يكون هو «البئر الآمنة» لشقيقه المستضعف... إنها لحظة تبادل للأدوار الكونية؛ مَنْ كان بالأمس يبحث عن يد تنتشله من الجُب، أصبح اليوم هو اليد التي تنتشل شقيقه من جُب الغربة والخوف.

وعندما أصبح بنیامين، في هذا المأوى، همس يوسف في أذنه بالسر الأعظم: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تأمل معي ترتيب الجملة؛ «أنا أخوك»... إعلان هوية ينسف كل المسافات ويسقط كل الألقاب، ولم يقل له «أنا عزيز مصر»، بل عاد إلى نقطة الصفر، نقطة الدم والرحم التي طالما حاول الإخوة قطعها، ليقدم العلاج النفسي قبل الحل السياسي.

ثم تأتي الجملة الأهم: «فلا تبتئس بما كانوا يعملون».

يوسف، وهو الخبير بلوعة الظلم، يعرف أن أشد ما ينهش روح بنیامين، ليس خوفه من المستقبل، بل تراكمات الماضي... الحزن المكتوم، الإهانات اليومية، الشعور الدائم بأنه «ثقيل» على إخوته... يوسف، هنا يمسح على قلبه المكدوم ويقول له: توقف عن الحزن، لقد انتهت اللعبة، وآن أوان الجبر.

في هذا العناق السري في زوايا القصر، تلخصت حكاية الظلم البشري والعدل الإلهي.

الإخوة في الخارج يظنون أنهم يتحكمون في المشهد، يخططون ويتآمرون، بينما في الغرفة المجاورة، تدير السماء مشهد الجبر الأعظم... المظلوم القوي يربت على كتف المظلوم الضعيف، ويخططان معاً لقلب الطاولة بذكاء وشرعية (عبر حيلة الصواع لاحقاً) ليظل بنیامين، في هذا المأوى ولا يعود إلى جلاديه.

هذه اللحظة التاريخية تخبرنا بأصدق حقيقة إنسانية... وهي أنه حين يُمكّن الله للمظلوم، فإنه لا يتحوّل إلى جلاد قاسي القلب، بل يتحوّل إلى «مأوى» لكل مَنْ ذاق نفس الكأس.

يوسف، لم يستعرض عضلات سلطته على أخيه الأصغر ليعوض نقص طفولته، بل اختزل كل سلطانه ونفوذه في ضمة دافئة، وهمسة أعادت ترتيب نبضات قلب كان يرتعد من الخوف.

هكذا عزيزي القارئ تُصاغ «أحسن القصص»... ليس بالسيوف والجيوش الجرارة، بل بتلك اللحظات الهشة، المليئة بالدموع، التي يستند فيها الخائف على كتف المظلوم الذي أصبح عزيزاً، ليجدا معاً أن الله... كان دائماً هو المأوى الأول والأخير... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... إبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الثلاثاء، 19 مايو 2026

إنَّ التَّشبه بالكرامِ فلاحُ!

نقطة نظام 

إنَّ التَّشبه بالكرامِ فلاحُ!



قال معاذُ بن جبل: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحرُّ، فتفرَّقَ القومُ، فنظرت فإذا رسول اللّه ﷺ، أقربهم منّي، فدنوتُ منه فقلت: يا رسول اللّه، أنبئني بعمل يُدخلني الجنَّةَ ويُباعدني من النَّار!
قال: لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره الله تعالى عليه! تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيم الصَّلاة المكتوبةَ، وتؤدي الزَّكاةَ المفروضة، وتصوم رمضان، وإن شئتَ أنبأتُكَ بأبواب الخير كلّها!

قلتُ: أجل يا رسول اللّه!
قال: الصوم جُنَّة، والصَّدقة تكفّرُ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه اللّه تعالى، ثم قرأ: “تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”.



الدَّرسُ الأوّل:


الصَّومُ جُنَّة، أي وقاية من النَّار!

جاء رجلان من اليمن إلى النبيِّ ﷺ، وأسلما بين يديه معاً، وكان أحدهما أشدُّ اجتهاداً من الآخر في العبادة، وغزا مع النبيِّ ﷺ فاستشهد، ثمّ مكثَ الآخر بعده سنةً ثمّ مات.

فرأى طلحة بن عبيد الله في منامه أنّه عند باب الجنة، وإذا الرجلان هناك، فجاء مَلَكٌ وأمرَ الذي توفي حديثاً بأن يدخل الجنَّة. ثمّ خرج مرةً أخرى وأمر الذي استشهدَ أولاً أن يدخل الجنّة. ثمّ خرج فقال لطلحة: أمّا أنتَ فارجعْ، فإنّكَ قد بقيَ لك عُمر!

فأصبح طلحة يُحدث الناس بما رأى فتعَجبوا! فبلغ ذلك النبيُّ ﷺ، فقال لهم: من أيّ شيءٍ تعجبون؟

فقالوا: يا رسول اللّه، كان هذا أشدَّ الرجلين اجتهاداً، ثمّ استشهد، ودخلَ الآخرُ قبله الجنة!

فقال النبي ﷺ: أليسَ قد مكثَ هذا بعده سنةً؟

قالوا: بلى.

فقال: وأدركَ رمضان، فصامَ وصلى؟

قالوا: بلى.

فقال: فما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض!

إنّه الصّيام الذي صامه الصحابيُّ في القصة، فسبقَ بصيامه وقيامه صاحبه الذي استشهد قبله!

فسابِقُوا، فإنّ عُمْر المؤمن لا يزيده إلا خيراً!

فيا مرحباً بالجوع والعطش في سبيل اللهِ فإنّها سُويعات تمضي، تمتلئ بعدها الأمعاء، وترتوى الحناجر ويثبتُ الأجر إن شاء اللّه.

يا مرحباً بقراءة القرآن، ضمَّاد القلوب المجروحة، وسلوى النفوس المحزونة، وجبال من الحسنات، ولا أقول ألم حرف، وإنّما ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف!

الدَّرسُ الثّاني:

والصَّدقة تُكفِّرُ الخطيئة!

لما حضرتْ أبا موسى الأشعري الوفاة، قال: يا بَنِيَّ، اذكروا صاحبَ الرَّغيف.

إنّه رجل عبد الله في صومعته سبعين سنة، لا ينزلُ في العام إلى الناس إلا يوماً واحداً، فزيَّنَ الشّيطانُ في عينه امرأةً، فكان معها بالحرام سبعة أيام، ثم تذكّر عبادته وصلاحه، فتركَ بلده وخرجَ تائباً، وكان كلّما خطا قليلاً صلّى وسجد.

فآواه الليل إلى مكانٍ فيه اثنا عشر مسكيناً، فأدركه التعب، فرمى نفسه بين رجلين منهم.

وكان هناك راهبٌ يمرُّ بهم كلّ ليلةٍ ويعطي كلّ واحدٍ منهم رغيفاً، ومرَّ عليهم، فحسبَ التائب منهم، فأعطاه رغيفاً.

فقال الذي لم يأخذ رغيفاً للراهب: ما لكَ لم تعطنِي رغيفي الليلة؟

فقال له: أتراني أمسكته عنكَ، سَلْ أصحابكَ هل أعطيتُ أحداً منهم رغيفين؟

فقالوا: لا.

فقال: واللهِ ما معي أرغفة إلا بعددكم!

فعمدَ التائبُ إلى الرَّغيف الذي دفعه إليه الرَّاهب، فأعطاه إلى الرجل الذي لم يأخذ.

وأصبحَ التائبُ ميتاً!

فوُزِنت السبعون سنةً في العبادة بالليالي السَّبع في الزِّنى، فرجحتْ بهنَّ ليالي الزنى، ثمّ وُزنتْ ليالي الزنى بالرغيف، فرجح بهنَّ الرغيف.

فقال أبو موسى: اذكروا صاحبَ الرَّغيف!

ما أدراكَ كيف تكون الموازين غداً، وأيُّ شيءٍ يرجحُ، وأيُّ شيءٍ يذهبُ هباءً!

ما أدراكَ أنّ عُلبة الدَّواء تشتريها لمريضٍ فقير كلّ شهرٍ بالسِّر، لا تُطلعُ أحداً عليها، ترجحُ بالميزان بكلّ معاصيكَ!

ما أدراكَ
أنّ الدَّين الذي تقضيه عن متعثرٍ في الدنيا، وليس في قلبكَ من نيَّةٍ غير أن يقضيَ اللّهُ تعالى دينكَ عنده، تشتري به جنةً عرضها السماوات والأرض!

ما أدراكَ
أنّ معصية فلانةٍ التي وصلتكَ فسترتها، وليس في قلبكَ إلا أنّكَ ترجو ألا يفضحكَ يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيعطيكَ ما ترجو، ويكون موقف واحدٌ هو فكاك رقبتكَ من النَّار!

الدَّرسُ الثّالث:


وقيامُ الرَّجل في جوف الليل يبتغي وجه اللّه تعالى!

قال سعيد بن المسيب: إنّ الرجل ليصلي بالليل، فيجعل اللّه في وجهه نوراً يحبه عليه كلّ مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إنّي لأحبُ هذا الرجل!

وقيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن النّاس وُجوهاً؟

فقال: لأنّهم خَلَوا بالرّحمن فألبسهم من نوره!

وكان ثابتُ البنانِيُّ يقول: كابدتُ نفسي على القيام عشرين سنة، وتلذذتُ به بعد ذلك عشرين سنة!

وكان عبد العزيز بن أبي روّاد يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش فيتحسَّسه ثمّ يقول: ما ألينك! ولكن فراش الجنة ألين منك! ثمّ يقوم إلى صلاته!

وقال رجلٌ لإبراهيم بن أدهم: إنّي لا أقدر على قيام الليل فصِفْ لي دواءً؟

فقال: لا تعصِه بالنَّهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإنّ وقوفكَ بين يديه في الليل من أعظم الشَّرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف!

وقال رجل للحسن البصريِّ: يا أبا سعيد، إنّي أبيتُ معافى وأحبُّ قيام الليل، وأعدُّ طهوري فما بالي لا أقوم؟!

فقال الحسن: ذنوبك قيّدتكَ!

وكان العابدُ عمرو بن عتبة بن فرقد يخرجُ للغزو في سبيل اللّه، فإذا جاء الليلُ صفَّ قدميه يناجي ربَّه ويبكي بين يديه.

وكان أهل الجيش الذين خرج معهم عمرو لا يُكلّفون أحداً من الجيش بالحراسة، لأنّ عمرو قد كفاهم ذلك بصلاته طوال الليل.

وذات ليلة وبينما عمرو بن عتبة يصلي من الليل والجيشُ نائم، إذ سمعوا زئير أسدٍ فهربوا وبقي عمرو في مكانه يصلي!

فلمّا انصرفَ الأسدُ عنهم رجعوا لعمرو فقالوا له: أمَا خفتَ الأسدَ وأنت تصلي؟!

فقال: إنّي لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه!

ودخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعيّ، فرأتْ بللاً في موضع سجوده، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتْكِ أمُّكِ! أراكِ غفلتِ عن بعض الصبيان حتى بالَ في مُصلّى الشيخ!

فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحكِ، هكذا يُصبح كلّ ليلةٍ من أثر دموع الشيخ في سجوده!

وقال أبو يزيد المعَّنى: كان سفيان الثوري إذا أصبح، مدَّ رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض، كي يرجع الدَّم إلى مكانه من قيام الليل!

وكان أبو مسلم الخولانيِّ يُصلّي من الليل، فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه:

أيظنُّ أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا عليه، واللّه لأزاحمنَّهُم عليه، حتى يعلموا أنّهم خلفوا بعدهم رجالاً!

ثمّ يصلي إلى الفجر!

قصصٌ هي واللهِ كأنّها ضربٌ من ضروب الخيال! فتشبَّهوا، فإنَّ التشبه بالكرام فلاحُ!

المسمار البارز.. وفخ الرغبة المحاكاتية

 المسمار البارز.. وفخ الرغبة المحاكاتية


المسمار البارز وفخ الرغبة المحاكاتية حين تفعل شيئاً مختلفاً في بيئة متجانسة، لا تحتاج أن ترتكب خطأ لكي تُعاقب، يكفي أن تبرز.

 المسمار البارز يُطرق، هذا المثل الياباني القديم ليس وصفاً للحكمة، بل اعتراف صريح بآلية قمع يمارسها المجتمع بانتظام وبلا خجل. 

غير أن ما رصده رينيه جيرار في نظرية الرغبة المحاكاتية يذهب أعمق من ذلك: 

نحن لا نكره المتميز لأنه أخطأ، بل لأن تميزه يكشف أن رغباتنا ليست ملكنا، بل انعكاس لما يريده الآخرون. والإنسان الذي يجرؤ على الاختلاف يهدد هذا الوهم الجماعي فيتحول إلى كبش فداء لا لذنب اقترفه، بل لحقيقة جسدها. 

لكن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه إذا كان المجتمع يعاقب التميز لأنه يكشف زيف رغباته الجماعية، فهل المتميز الذي يصمد ويرفض الانصياع يحرر نفسه فعلاً، أم أنه يتحول بدوره إلى نموذج يُحاكيه الآخرون ويفقد بذلك جوهر تميزه؟

في بيئات بعينها لا في كل مكان، المجتمع لا يقول لك صراحة لا تتميز، بل يبني منظومة دقيقة من الإشارات غير المرئية تُعلمك أين الحد الآمن. الإعجاب المشروط الذي يتحول إلى نقد حين تتجاوز سقفاً معيناً، والمديح الممزوج بتحذير مبطن، والنجاح الذي يُستقبل بابتسامة لا تصل إلى العيون. 

هذه الإشارات تتراكم في صمت حتى تتعلم أن البقاء في المنتصف أكثر أماناً من الصعود، وأن الاختلاف ثمنه عزلة لا تستحق. 

وما يجعل هذا التدجين ناجحاً هو أنه لا يحتاج إلى أوامر صريحة، يكفي أن تشعر بالبرود حين تبرز وبالدفء حين تنسجم.

وهكذا يكتمل الفخ الحقيقي للرغبة المحاكاتية: مجتمع يصفق للتميز في خطاباته ويطرقه في ممارساته، ويجعلك تؤمن أن الاختلاف فضيلة بينما يعاقبك عليها بصمت. والأكثر مرارة أن كثيراً من المتميزين الذين دفعوا الثمن ووصلوا يتحولون تدريجياً إلى أدوات قمع لمن يأتي بعدهم، يحملون جرح الطريق ويصبحون أقل تسامحاً مع من يختلف، كأن اللاوعي يقول أنا دفعت الثمن فلماذا لا تدفعه أنت؟ وهكذا تتكرر الدائرة، والمسمار البارز يُطرق بمطرقة مسمار بارز سابق.

الخسارة الحقيقية ليست ما يدفعه المتميز حين يُضرب، بل ما يخسره المجتمع حين يُطرق كل مسمار يبرز. 

التجانس الذي يحرص عليه الجميع ليس استقراراً، بل تعفن بطيء، لأن المجتمعات لا تتقدم بمن ينسجم بل بمن يجرؤ على الاختلاف ويدفع ثمنه صامتاً. والثمن الأعمق لهذا الفخ ليس العقاب الاجتماعي، بل اللحظة التي يبدأ فيها المتميز بالشك في نفسه، حين يتساءل إن كان تميزه فعلاً موهبة أم مجرد عناد يستحق الطرق.

حين تفكر في آخر مرة أخفيت فيها شيئاً يميزك؛ خوفاً من نظرة المحيط، هل كنت تحمي نفسك فعلاً، أم كنت تساعد المجتمع على قمع ما فيك؟​​​​​​​​​​​​​​​​

ومن رماد هذه الحرب قد تستيقظ أفريقيا

ومن رماد هذه الحرب قد تستيقظ أفريقيا

دبلوماسى سودانى سابق وباحث فى الشئون الأفريقية.

أحدثت حرب الأربعين يوما على إيران، تداعيات هائلة تأثرت بها كل دول العالم، ربما بقدر لم يكن يتوقعه كثير من الدارسين والإستراتيجيين، فقد أنشبت الحرب أظفارها على جسد الاقتصاد العالمي المتهالك أصلا، وكادت أن ترديه، وكشفت عن كثير من الندوب القاتلة في خارطة العلاقات الدولية بفعل صراع القوى الكبرى الشرس على موارد قوى الهامش.

وما إن انقضى الأسبوع الأول للحرب حتى بدأت قوى المركز في أوروبا وآسيا تتململ؛ خوفا من مآلات الحرب وتأثيراتها السالبة، وكُتب الكثير من المقالات عن آثار الحرب على دول المركز في أوروبا وآسيا، في مجالات الاقتصاد والسياسة والتحولات الاجتماعية، ولعل ذلك مما أسهم في رجحان كفة العقل لوقف تلك الحرب المجنونة.

ولكن في واقع الأمر فإن حرب الأربعين يوما قد أثرت على كل دول العالم وليس دول المركز فحسب، وسيكون لها تداعيات ارتدادية ستظهر بعد نهاية الحرب، وهذا شأن كل الأحداث الكبرى، تولد آثارا هي أشبه بكرة الثلج كلما تدحرجت عظمت وكبرت.

يناقش هذا المقال تداعيات وآثار حرب إيران على القارة الأفريقية، وهو موضوع مهم لم يجد حظه المطلوب من النقاش، يستعرض المقال الآثار السياسية والإستراتيجية والاقتصادية للحرب على أفريقيا، ويجادل بأنه ورغم التحديات السالبة التي فرضتها الحرب على دول القارة الأفريقية، فإنها ولدت فرصا سانحة يمكن أن تفتح أبوابا كبيرة لدول القارة لمزيد من التكامل الإقليمي والقاري، وجذب كثير من المستثمرين لأحضان قارة بكر تمثل مستقبل العالم الاقتصادي.

تحدي الطاقة وسلاسل الغذاء

تأثرت اقتصادات معظم الدول الأفريقية بشكل مباشر، أو غير مباشر بإغلاق مضيق هرمز، حيث ضرب إغلاق المضيق أهم قطاعين وهما قطاع الطاقة وقطاع سلاسل الغذاء، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل رأسي لم يكن في حسابات ميزانيات هذه الدول، وبالتالي اضطرت الدول لرفع أسعار الوقود مما أثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن.

أما التأثير الأكثر ضررا، فقد تمثل في توقف صادرات الأسمدة والأمونيا، وهي العمود الفقري للزراعة، وتعتبر دول الخليج وإيران من أكبر المنتجين للأسمدة، ويشير موقع الجزيرة إلى أن إنتاج هذه الدول يقدر بحوالي ثلث الإنتاج العالمي لهذه السلعة الضرورية للزراعة.

وتمر سلسلة الأسمدة عبر مضيق هرمز إلى الدول الأفريقية، وشكل توقفها أكبر مهدد للموسم الزراعي الوشيك في القارة. وللتذكير فقط، فإن الدول الأفريقية سبق أن واجهت أزمة غذاء كبيرة عند اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في العام 2022، بسبب الاعتماد الكبير على القمح المستورد من الدولتين، والأسمدة التي تستورد أساسا من روسيا.

ومع تطاول الحرب الروسية الأوكرانية، تضاعف الاعتماد على الأسمدة المصنعة في دول الخليج وإيران، ولذلك فإن انقطاع سلسلة توريد الأسمدة بتوقف الحركة عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكلفة النقل والتأمين، يشكلان كارثة غذائية كبيرة تنذر بفشل الموسم الزراعي للعام 2026-2027، وبالتالي تزايد معدلات الجوع وأزمة الغذاء في الدول الأفريقية.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن شح الغذاء وارتفاع الأسعار لهما تداعيات مباشرة على الأمن والاستقرار الاجتماعي، لأنهما يفرضان عبئا ماليا إضافيا على ميزانية العائلة المحدودة أصلا، ويضعفان القوة الشرائية للقطاعات الهشة في المجتمع، فتزداد مساحة الفقر والحاجة، وانعدام الأمن الغذائي.

وغالبا ما تستغل النقابات العمالية هذه الحالة للثورة على الحكومات عبر الإضرابات والوقفات الاحتجاجية. وبالمقابل تقوم الحكومة باستخدام القوة والقمع لفرض الأمن والنظام، مما يضيق مساحة الحريات العامة، ويغذي محركات الثورة والتمرد.

حالة الشد والجذب بين الدولة والنقابات، وتصاعد أزمات الغذاء وندرة الحاجيات الأساسية، تمثل البيئة المناسبة لثورة جيل "زد"، وقد شهدت القارة ثورات عارمة لهذا الجيل المتمرد في السنوات الأخيرة، كان محركها الأساسي الحاجة للمأكل والعمل والحرية، وأحدثت تحولات سياسية واجتماعية هائلة في دول مثل المغرب، وكينيا، وتنزانيا، ومدغشقر، وغيرها.

تداعيات سياسية وإستراتيجية

أعادت الحرب على إيران دول القارة الأفريقية إلى عهد الانحياز القهري والمحاور التي عرفتها إبان الحرب الباردة، إذ عمدت الولايات المتحدة إلى استخدام الضغط السياسي، عبر أذرعها الطويلة؛ لكسب الدول الأفريقية في حربها مع إيران.

ووجدت دول القارة نفسها أمام معادلة بالغة الحساسية بين علاقاتها مع القوى الكبرى، وبين تجنبها الدخول في صراع لا يعنيها مباشرة. ورغم الضغوط الأمريكية القوية، فإن القادة الأفارقة يمكنهم الاستفادة من السياسة الحكيمة التي اتخذوها إبان الحرب الروسية الأوكرانية، والتي جنبت القارة الوقوع في براثن الاستقطاب والبلقنة.

من جانب آخر، فإن التوتر الراهن في مضيق هرمز، سيؤدي بالضرورة إلى توترات مشابهة على شواطئ البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وحتى السواحل الأفريقية على المحيط الهندي، لا سيما بعد مهاجمة إيران قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية البريطانية، الواقعة في جزر "تشاغوس" في عرض المحيط الهندي.

وربما تمتد حالة التوتر حتى خليج غينيا الذي يشهد منذ مدة مواجهات متجددة مع قراصنة النفط وتجار المخدرات والبشر.

من أجل ذلك سيزداد نهم القوى الكبرى، والقوى الصاعدة مثل تركيا والهند، لإيجاد مزيد من القواعد على هذه الشواطئ الإستراتيجية المهمة، بالذات على البحر الأحمر وباب المندب، وقد شهدنا نهاية العام الماضي الحراك السياسي والعسكري الضخم في المنطقة بعد اعتراف إسرائيل الأحادي بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وسبق أن شهدت المنطقة حراكا كبيرا بشأن الطلب الروسي لإيجاد قاعدة على الشاطئ السوداني بالبحر الأحمر، وقد رشحت معلومات مؤخرا أن الولايات المتحدة تواصلت من الحكومة السودانية، للحصول على قاعدة بحرية على البحر الأحمر كذلك.

وليست إرتيريا، وجيبوتي، بمعزل عن هذا التدافع.

كل ذلك يعكس احتدام التنافس الدولي المعلن والخفي للحصول على موضع قدم على شاطئ البحر الأحمر الذي تزداد أهميته الإستراتيجية بسبب أحداث مضيق هرمز.

وهذا التسابق الدولي على هذا الممر الهام يجب أن تستغله الدول المطلة على البحر الأحمر، والاستفادة القصوى من ميزة الموقع في تحسين شروط الشراكات لأقصى درجة ممكنة، باعتباره ورقة رابحة في يدها، عندما تفاوض أية دولة طامحة في الحصول على موطئ قدم إستراتيجي على شواطئها.

وفي ذات الوقت على هذه الدول أن تتحسب للآثار السالبة لوجود قواعد أجنبية على أراضيها، إذ يمكن استغلالها للهجوم على دول أخرى، ما من شأنه تهديد الأمن القومي للدول المضيفة للقواعد، وتهديد الأمن الإقليمي كله.

فرص أمام التكامل الأفريقي

في مقابل هذه التحديات الماثلة، فإن الحرب على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، كشفا عن فرص كبيرة أمام الدول الأفريقية، سواء على المستوى القُطري، أم على المستوى الإقليمي والقاري، ونستعرض أهم هذه الفرص:

  • أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط والوقود إلى مكاسب كبيرة للدول الأفريقية المنتجة للنفط، مثل نيجيريا، وأنغولا، والغابون، وليبيا، والجزائر، مما ساعد هذه الدول في تغطية العجز ومواجهة الزيادة غير المحسوبة في أسعار الغذاء والمواد الأساسية، دون أن تضطر لزيادة الإنتاج.

ولكن المكسب الأكبر هو زيادة اهتمام الشركات العالمية بالاستثمار في تطوير صناعة النفط وموارد الطاقة التقليدية والنظيفة في أفريقيا، وهو اتجاه يمكن أن تستفيد منه دول أفريقية لديها مخزون كبير من النفط، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة، مثل تشاد، والنيجر، والسودان، والسنغال، وموريتانيا، وأوغندا، وغيرها.

ومن المتوقع أن يعجل هذا الاهتمام الدولي بتحريك التمويل لمشروعات ضخمة جرى الحديث عنها منذ عدة سنوات مثل مشروع أنبوب الغاز من نيجيريا عبر الجزائر إلى أوروبا، ومشروع تصدير النفط الأفريقي إلى الأمريكتين بحكم القرب الجغرافي، وغيرها.

  • أدركت الدول الأفريقية خطورة وهشاشة الاعتماد على الممرات البحرية البعيدة، وسلاسل الغذاء العالمية التي يمكن أن تتوقف في أية لحظة، ودون سابق إنذار، ومن شأن هذا الفهم أن يعجل الخطى نحو التكامل الإقليمي والقاري وتشجيع التجارة البينية، وتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية وشبه الإقليمية في مجالات الطاقة والأسمدة والسلع الاستهلاكية، بدلا من الارتهان إلى الأسواق البعيدة المضطربة.
  • أمام الاتحاد الأفريقي الآن فرصة سانحة للدفع قدما بخطط التكامل الاقتصادي القاري، واتفاقية التجارة الحرة، ومراجعة إستراتيجيات الطاقة والأمن الغذائي ودعم القطاع الخاص. وذلك عبر إحكام التنسيق والتعاون مع المنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية الأفريقية مثل "الكوميسا" والمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا و"السادك" و"الإيغاد" وغيرها.
  • وأخيرا فإن الفرصة تبدو سانحة الآن أمام الدول الأفريقية، لاستغلال حالة التردد والارتباك لدى الشركات الكبرى من الاستثمار في الشرق الأوسط، واستقطابها للاستثمار في أفريقيا في المجالات الكبرى مثل الطاقة المتجددة والأسمدة والصناعات الغذائية، والتكنولوجيا، وهي مجالات مهمة لبناء نموذج اقتصادي أفريقي، يحقق التنمية المتكاملة ويمنع صدمات الأسواق؛ بسبب التبعية الاقتصادية والارتهان للخارج.