الخميس، 26 مارس 2026

الإخوان المسلمون والمشهد المصري بين العدو الرمزي والفاعل الكامن.

 الإخوان المسلمون والمشهد المصري

 بين العدو الرمزي والفاعل الكامن.

أحمد هلال.. 

كاتب مصري وناشط حقوقي


 في ظل الأزمات الإقليمية، والمجال العام المغلق

تظل مصر اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والسياسية مع التوترات الإقليمية، لتخلق ما يسميه علماء السياسة، نوافذ الفرص التاريخية، وهي لحظات قد تعيد تشكيل موازين القوى داخل الدولة والمجتمع.

 وفي هذا المشهد، تظل جماعة الإخوان المسلمين محوراً لا يمكن تجاهله، ليس فقط كتنظيم سياسي واجتماعي، بل كفاعل كامن ينتظر اللحظة المناسبة للتموضع، وأيضاً كعدو رمزي حاضر في الخطاب الإعلامي والثقافي الرسمي.

الإخوان المسلمون كفاعل كامن والعدو الرمزي

منذ الانقلاب المصري 2013 على الرئيس المنتخب محمد مرسي، دخلت مصر مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تعريف السلطة وترسيخ قبضة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية والاقتصادية.

 في هذه المرحلة، تم إقصاء الإخوان من المجال السياسي الرسمي وكذلك الأحزاب السياسية المدنية، وتعرضت الجماعة ورموز العمل السياسي لضربات أمنية واسعة، شملت آلاف الاعتقالات وحملات تشويه إعلامية مستمرة.

ورغم ذلك، لم تغب الجماعة عن واجهة التحليل السياسي. فهي حاضرة بقوة كعدو سياسي يُستحضر من النظام العسكري باستمرار في الإعلام، سواء عبر البرامج الحوارية، الصحافة، أو الدراما مثل مسلسل رأس الأفعى، حيث تُصوَّر الجماعة كرمز للفوضى السياسية ومصدر فشل التغيير عبر الانتخابات، وتُستعمل لترويج فكرة عدم جدوى التغيير الشعبي.عبر آليات الديمقراطية.

هذا الحضور الرمزي للإخوان يعكس استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ الرواية الرسمية للماضي، وتعزيز شرعية النظام، وبناء الذاكرة السياسية للجمهور بطريقة تحدد فهمهم للأحداث منذ 2011.

 وفي الوقت نفسه، يبقى التنظيم كياناً كامناً يحتفظ بشبكاته الاجتماعية وخبراته التنظيمية، ما يجعله فاعلاً محتملًا إذا توفرت الظروف المناسبة.

الحروب والأزمات الإقليمية تُشكل عاملاً موازياً يمكن أن يخلق فجوات سياسية داخلية. فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر أو تراجع إيرادات قناة السويس، جنباً إلى جنب مع انخفاض الاستثمارات وارتفاع التضخم، يزيد الضغوط الاقتصادية على النظام.

كذلك ومن مسار موازي سوف تضغط تلك الحرب الحالية على حلفاء وداعمي النظام في مصر مما قد يكشف هشاشة النظام أمام أزماته الداخلية والتحولات الإقليمية واحتمالية الاستغناء عن عدد كبير من العمالة المصرية في دول الخليج التي ستبقى في حالة تقشف لمعالجة آثار الحرب الراهنة.

هذه الضغوط قد تدفع النظام إلى البحث عن أدوات لامتصاص الاحتقان الاجتماعي، وإعادة توزيع بعض المساحات السياسية بطريقة تدريجية.

 وهنا يمكن أن يظهر دور الإخوان كفاعل اجتماعي وتنظيمي، مستفيدين من شبكة علاقاتهم التاريخية في المجتمع، وقادرين على إعادة التموضع إذا توفرت فرصة سياسية مناسبة.

تظل مصر أمام تحدي إعادة تعريف دور الجيش في الحياة الاقتصادية والسياسية.

المؤسسة العسكرية التي لعبت دوراً تاريخياً منذ ثورة 1952، أصبحت لاعباً اقتصادياً وسياسياً واسع النفوذ وترسخت سيطرته السياسية والاقتصادية، ما أعاق تطور القطاع المدني والمجتمع السياسي الحر.

إعادة الجيش إلى دوره الدفاعي الأساسي، مع توسيع المجال السياسي للأحزاب والجماعات، قد يشكل جزءاً من أي تحول مستقبلي حقيقي.

 لكن هذه التحولات عادةً لا تحدث دفعة واحدة، إذ تتطلب تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتحولات إقليمية قد تضطر النظام لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية.

سيناريوهات مستقبلية محتملة للإخوان المسلمين

وحيث أن المنطقة يعاد رسم جغرافيتها السياسية الجديدة وفي ضوء الضغوط الداخلية والتحولات الإقليمية، يمكن تصور أربعة سيناريوهات محتملة:


السيناريو التدريجي: التهدئة والإفراج الجزئي

الإفراج عن معتقلين محددين، وتوسيع هامش العمل الاجتماعي والسياسي للجماعة، مع بقاء حضورهم الرسمي محدوداً. الجماعة تستعيد نشاط قوتها التنظيمية تدريجياً وتبني شبكاتها.


السيناريو التفاوضي: إعادة الدمج السياسي المحدود

في ظل أزمة اقتصادية أو تحولات إقليمية، قد يضطر النظام لعقد صفقة مع الجماعة، تسمح بمشاركة محدودة في الحياة العامة.

تصبح الجماعة شريكاً داخلياً لتخفيف الاحتقان الاجتماعي.

السيناريو التحولي: إعادة التموضع الاستراتيجي الكامل

إذا تراكمت الضغوط الاقتصادية والسياسية وظهرت اضطرابات شعبية، قد تتحول الجماعة إلى قوة فاعلة في دفع إصلاح سياسي شامل، بما يشمل انتخابات أوسع وتقليص هيمنة الجيش على الاقتصاد والسياسة.

السيناريو الرمزي: استمرار حالة العدو السياسي مع التأثير الخفي التي يستدعيها النظام في خطابه الإعلامي المكثف،

يبقى الإخوان حاضرون في الإعلام والثقافة كعدو رمزي، مستمرون في تشكيل الوعي العام حول مخاطر الفوضى والتغيير السياسي، مع إمكانية تفاعلهم تحت السطح لإعادة التموضع إذا تغيرت الظروف.

المشهد المصري اليوم يتشكل من شبكة معقدة من العوامل: أزمة اقتصادية تضغط على الاستقرار، حرب إقليمية تفتح فجوات سياسية، نظام عسكري يحاول الحفاظ على هيمنته، وجماعة الإخوان كيان كامن وفاعل محتمل.

بين الأزمة والتحول، وبين العدو الرمزي والفاعل الكامن، وبين الضغوط الاقتصادية والحروب الإقليمية، تنتظر مصر لحظة قد تعيد ترتيب الأولويات، وتخلق فرصة لإطلاق مساحات أوسع من المجال العام، وإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والكيانات الاجتماعية والسياسية التي ظلت لسنوات على هامش المشهد الرسمي.


أخيرا ويبقى السؤال المركزي مفتوحا، وفي ظل التغيرات القادمة بقوة

من يصنع التغيير في مصر في الأيام القادمة

إيران بعد المعركة الممثل الشرعي والوحيد لفلسطين! واجب إنقاذ الفكرة الإسلامية في فلسطين!

إيران بعد المعركة الممثل الشرعي والوحيد لفلسطين!

واجب إنقاذ الفكرة الإسلامية في فلسطين!

 

رغم فظاعة وهول ما أحدثه النظام الإيراني – نظام ومشروع ولي الفقيه الذي يقوده الملالي – من تخريب في عموم الدول العربية والإسلامية، وخصوص إقليمي الشام والعراق واليمن الحزين، إلا أن إيران نجحت في اختطاف المسألة الفلسطينية وجوهرة الأقصى من حضن المسلمين، وذلك نتيجة:

1/ وعي هش ومضطرب لدى عموم الشعوب – وخصوص الفلسطينيين – حول حقيقة مشروع الولي الفقيه.

2/ مواقف سياسية مختلة تجاه إيران كمشروع معادٍ يقوم بعدوان مشهود على الدول والشعوب والهوية الثقافية.

3/ حلف سياسي آثم ومدان وقعت به قيادة المقاومة الفلسطينية، وشرعنته بتبريرات واهية غير شرعية ولا أخلاقية.

4/ موقف بعض العلماء الضعيف والمضطرب في البيان الواجب للحق والهدى، وعدم وصف الأمور كما هي حقيقتها، وعدم إصدار الأحكام القويمة تجاهها.

5/ خفوت الدور العربي الرسمي، ووقوع بعض الأنظمة في التطبيع الحرام مع العدو الغاصب والمحتل.

النظام الإيراني الممثل الوحيد للمسألة الفلسطينية!

من المؤسف القول إن كارثة ومحرقة غزة لم تكن سببا في مراجعة المسار الفلسطيني المنحرف سياسيا، وذلك بسبب منع وامتناع عموم قيادات غزة المقاومة للمراجعة – والتي إن حصلت فستؤدي لنسف علاقتها القائمة مع نظام ملالي إيران -، ومع اندلاع الحرب المنضبطة بين أمريكا وإسرائيل وشريكهم السابق النظام الإيراني، فقد طارت كثير من عقول العرب والمسلمين مع الصواريخ الإيرانية وفارقت الرؤوس!

إن أمريكا لن تغامر بالمنظومة الإيرانية التي يقودها الملالي، ولذلك لن تسحقها كما سحقت العراق، فهي منظومة ومشروع أكثر نجاعة في الهدم والتخريب من إسرائيل، لاسيما وقد أثبتت القيادات الإيرانية لأمريكا والغرب قدرتها على تفتيت شعوب المنطقة من مدخل ثقافي ينحر كالسكين، وهو ما تعجز عنه إسرائيل!

لن يتوانى ملالي إيران، كما لن يتأخر أتباعهم من الجرذان في الأمة، عن ترويج صورة إيران الناصر الوحيد للقضية الفلسطينية، في ظل واقع عربي رسمي خاضع ومغلوب على أمره، الأمر الذي سينتهي بإيران لتصبح الأمل والممثل والناطق الوحيد باسم القضية الفلسطينية، لاسيما والسلطة الفلسطينية في رام الله باتت هشة ولا تزن جناح ذبابة، كما أن قيادات المقاومة الفلسطينية باتت مرهونة ومرتهنة لملالي إيران لحد الخضوع المقيت الذليل والمهين!

من نافلة القول أن حركة حماس باتت في حكم الحركات المنتهية الصلاحية، وذلك نتيجة أخطائها المنهجية وأحلافها وحساباتها السياسية، ومغامراتها العسكرية، ولكن موت حركة حماس – كسابقتها وأختها الكبرى حركة فتح – لا يعني موت فلسطين، والسؤال يقول: ما هو واجب الوقت الآن؟

إنقاذ الفكرة الإسلامية في فلسطين!

لم تكن فلسطين في يوم من الأيام دولة، كما لم يكن الأقصى ملكا للفلسطينيين – كحال مكة والمدينة -، وإن شعوب الأمة العربية والإسلامية لن تتخلى عن فلسطين تماما كما لن تتخلى عن مصر المتماسكة والعراق الأصيل والجزيرة العربية المنتمية، ولا يزال الأمل واعدا في ظل القيادة التركية وشعبها المسلم، وفي ظل افتكاك الثوار الأحرار لشام الرسول – أم فلسطين وعمقها المبارك -.

إن فائض القوة المادية الذي تمتلكه أمريكا المعتدية يمنعنا في المرحلة الحالية من المواجهة المفتوحة معها – وإسرائيل ذراع تنفيذي لها -، ولكن سنن الله ماضية في التدافع الخارجي الذي سيضعفها، والداخلي الذي سيخلخلها، وهو ما يلزمنا بإعداد متقدم لا يهرق قواه في معارك محسومة وفاشلة، كما لا يخطو خطوات استراتيجية بمعزل عن جسمه وحضنه المنتمي والمتصل به – وليس بأن يتحالف مع أعداء الأمة وشعوب المنطقة -، وحتى تحين الفرصة القادمة لا محالة، فعلينا أن نحافظ على الفكرة الإسلامية في فلسطين الجوهرة، الأمر الذي يقضي بوجوب تنقيتها وتطهيرها من روث المشروع الإيراني ولوثات الملالي الفاجعة.

خالد مشعل محاولة غير يائسة!

وحتى يحين الوقت الذي تنضج فيه النخبة الفلسطينية المنتمية النزيهة الواعية والصادقة لتصحح المسار وتأخذ المبادرة، فإن الأخ خالد مشعل لا يزال حيا من بين الرعيل الأول والمؤسس لحركة المقاومة الإسلامية حماس، الأمر الذي يوجب عليه ديانة القيام بتصحيح المسار الإسلامي في فلسطين قبل أن تصبح إيران الممثل الشرعي والوحيد – لا سيما وقيادة حماس والجهاد مسؤولتان أمام الله والأمة عن حجم الانحراف الذي تسببتا فيه بعد أن أوغلتا في التحالفات المحرمة -!

والسؤال يقول:

كيف يمكن لخالد مشعل المستضعف أن ينقذ الفكرة الإسلامية في فلسطين؟

لن يستطيع ولن ينجح خالد مشعل في إحداث منعرج هام في المسار الإسلامي في فلسطين دون أن يحيط به العلماء ويؤيدوه وينصروه في خطوة لازمة بعد تيه مميت وقع لفلسطين.

فهل سيتحرك علماء العراق واليمن والشام ومصر والسودان والمغرب وليبيا ولبنان والخليج ويقوموا بواجبهم تكفيرا عن خفوت دورهم في الماضي القريب؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 22/3/2026


تمنيت لو عايَنْتَ زمن الاستعمار الأوروبي لأفريقيا؟ ترامب يُحييه في غزة

 

تمنيت لو عايَنْتَ زمن الاستعمار الأوروبي لأفريقيا؟ ترامب يُحييه في غزة


إذا أردنا أن نفهم ما يجري اليوم في غزة، فعلينا أن نفتح سجل التاريخ الاستعماري الأوروبي لأفريقيا، فالتاريخ ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو شبكة من الأنماط المكررة التي تتخذ أشكالًا جديدة في كل مرحلة. منذ أن وطأت أقدام الأوروبيين القارة الأفريقية، وحتى اللحظة التي تُدَكُّ فيها غزة بصواريخ الاحتلال الإسرائيلي، يمكننا أن نرى ذات المنطق الاستعماري يعمل، وإن اختلفت الأدوات والشعارات.


أولًا: نزع الشرعية عن السكان الأصليين – “أراضٍ بلا شعب”
لم يبدأ الاستعمار الأوروبي لأفريقيا بالمدافع والبنادق، بل بدأ بخطاب فكري يشرعن الاحتلال، حيث جرى تصوير الأفارقة على أنهم شعوب غير متحضرة، غير قادرة على إدارة أراضيها، بل حتى غير مستحقة لها. نظرية “الأراضي الفارغة”، التي استخدمها الاستعمار البريطاني والفرنسي، اعتمدت على فكرة أن وجود السكان الأصليين لا يعني أنهم أصحاب السيادة، فالأرض وفق المنظور الأوروبي تحتاج إلى “تطوير” و”تمدين”، وهو ما لا يستطيع السكان الأصليون القيام به، وعليه، فإن من يملك الحق في هذه الأراضي هو المستعمر، الذي لديه القدرة على “إعمارها”.

وفي فلسطين، أو بالأحرى في غزة اليوم، هناك أيضًا قصة الأرض المحتلة و”الفراغ السكاني” المُفتَعل، ولا يختلف الأمر كثيرًا عن حال أفريقيا. فمنذ وعد بلفور (1917)، جرت محاولة لتصوير فلسطين على أنها أرض بلا شعب، رغم أن واقعها السكاني كان واضحًا تمامًا. هذا المنطق ذاته نراه اليوم في محاولات تهجير سكان غزة، سواء بالقصف المتواصل أو من خلال تصريحات تدعو إلى “إخلاء القطاع”. التصريحات الأخيرة لدونالد ترامب، التي طرح فيها فكرة شراء غزة وتحويلها إلى مشاريع عقارية، ليست مجرد تصريح عابر، بل امتداد للمنطق الاستعماري الذي ينزع عن السكان الأصليين شرعيتهم في أرضهم، تمامًا كما اعتُبر الأفارقة غير جديرين بأفريقيا.


ثانيًا: التهجير القسري وإحلال مستوطنين جدد
كان الاستيطان الأوروبي في أفريقيا عملية مدروسة لإحلال المستعمرين محل السكان الأصليين عبر التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي، كما حدث في جنوب أفريقيا، حيث فُرِض نظام الأبارتهايد، وفي ناميبيا، حيث ارتكب الألمان إبادة جماعية بحق شعبي الهيريرو والناما. أما في زيمبابوي (روديسيا سابقًا)، فقد تم طرد السكان الأصليين من أراضيهم لصالح المستوطنين البريطانيين، في حين شهدت كينيا استعمارًا قاسيًا أدى إلى ثورة الماو ماو ضد البريطانيين، الذين استخدموا معسكرات الاعتقال الجماعية. وفي الجزائر، صادرت فرنسا الأراضي لصالح الأوروبيين، وقمعت المقاومة بعنف، بينما استمر البرتغاليون في أنغولا وموزمبيق في حكم استيطاني دام أكثر من أربعة قرون. كل هذه النماذج تتقاطع مع ما يحدث في فلسطين اليوم.

فإسرائيل تقدم وجهًا آخر لنفس الاستراتيجية، لكن في سياق مختلف. اليوم، لا يقتصر الاستيطان على الضفة الغربية فحسب، بل يمتد التفكير الصهيوني إلى غزة، التي يُنظر إليها على أنها “مكان مثالي” لتوسيع المستوطنات. تصريحات مسؤولين إسرائيليين مثل بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن مؤخرًا مصادرة 24 ألف دونم في الضفة الغربية، تكشف استمرار مشروع الاستيطان على حساب الفلسطينيين. بل وأكثر من ذلك، لم يعد القادة الإسرائيليون يتحدثون عن صفقة ترامب كخيارٍ مطروح فحسب، بل كـ”الحل الأمثل” الذي لا مجال لرفضه. أما من يرفضه؟ فليتحمّل إذًا وجود الفلسطينيين على أرضهم! تارةً في السعودية، وأخرى في الأردن ومصر، وأحيانًا حتى في الصومال!


ثالثًا: تدمير البُنى التحتية لإخضاع الشعوب
كان أحد الأساليب الاستعمارية في أفريقيا هو تدمير البُنى التحتية التي بناها السكان الأصليون، لإبقائهم في حالة تبعية دائمة. بريطانيا وفرنسا، أثناء استعمار أفريقيا، لم تبنيا سككًا حديدية ولا موانئ ولا مدارس لخدمة الأفارقة، بل لخدمة مشروعهما الاقتصادي. وعندما بدأت حركات التحرر، لجأت القوى الاستعمارية إلى سياسة الأرض المحروقة، حيث دُمّرت المدن والبُنى التحتية لضمان بقاء المستعمرات في حالة ضعف حتى بعد رحيل الاستعمار.

اليوم، تُطبَّق السياسة ذاتها في غزة، لكن بطريقة أشد وحشية. فإسرائيل لا تكتفي بالحصار، بل تلجأ إلى القصف المستمر للبُنى التحتية، من المستشفيات والمدارس إلى محطات الكهرباء. هذه ليست عمليات عسكرية بقدر ما هي استراتيجية ممنهجة لإبقاء القطاع في حالة دمار دائم، مما يجعل أي مشروع وطني فلسطيني مستحيلًا. لا تختلف هذه السياسة عن تلك التي استخدمتها القوى الاستعمارية في أفريقيا لضمان عدم قدرة الدول المستعمَرة على النهوض بعد استقلالها. لكن ما يتكشف يومًا بعد يوم في حالة غزة، ولاحقًا في الضفة الغربية، هو أن الغاية من هذا الدمار ليست فقط شلّ قدرة الفلسطينيين على النهوض مجددًا، بل إحداث خراب يجعل العودة مستحيلة أو شبه متعذرة. وعندها، تمامًا كما اقترح ترامب، يأتي الحديث عن “إعادة الإعمار”، لكن ليس لأهلها، بل لتسليمها للمستعمرين وحلفائهم، كأرضٍ مطهّرة من أصحابها الأصليين.

رابعًا: استخدام القوة العسكرية لتأبيد السيطرة
في أفريقيا، كان الاستعمار يستند إلى قوة عسكرية ساحقة لضمان هيمنته. فرنسا استخدمت جيشها في الجزائر لقتل مئات الآلاف، وبريطانيا فعلت الشيء نفسه في كينيا أثناء قمع ثورة الماو ماو. القاسم المشترك في كل هذه الجرائم كان التبرير: فالمستعمر يرى دائمًا أنه لا يتعامل مع شعب له حقوق، بل مع “بشر أدنى” يجب القضاء عليهم.

اليوم، تمارس إسرائيل النهج ذاته ضد غزة، لكنها تمتلك ترسانة أكثر تطورًا. عمليات القصف، التي تدّعي إسرائيل أنها “دفاعية”، هي في الواقع جزء من استراتيجية مدروسة، والقتل الجماعي للمدنيين، الذي تُبرره إسرائيل دائمًا بوجود “إرهابيين” بين السكان، لا يختلف عن ممارسات فرنسا، أو بريطانيا في كينيا، حينما كان كل أفريقي مقاتلًا محتملاً، وكل فلسطيني اليوم هو “تهديد أمني” محتمل.

التناقض المثير للسخرية

التناقض في سياسات ترامب واليمين الشعبوي المتطرف في الكيان الإسرائيلي يكشف عن منطق استعماري فجّ لم يتغير. فمن جهة، يعتبر ترامب أنّ من “الطبيعي” تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وحرمانهم من حق العودة، ولا يرى في ذلك جريمة ضد الإنسانية، بل يسوّقها على أنها “فرصة” للفلسطينيين للعيش في “أماكن أكثر أمانًا وجمالًا”. في الوقت ذاته، يقود ترامب حملة شرسة ضد جنوب أفريقيا لحماية أراضي تحت سيطرة البيض المستوطنين.

في المحصلة، ما يحدث اليوم في غزة هو إعادة إنتاج لمنظومة استعمارية عميقة الجذور. كما سعت القوى الاستعمارية الأوروبية إلى القضاء على الهوية الأفريقية، تمضي إسرائيل على النهج ذاته، محاولةً محو الهوية الفلسطينية من خلال القتل، التهجير، والاستيطان. لكن، كما خرج المستعمر الأوروبي من أفريقيا تحت ضربات المقاومة، فإن مشروع الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين لن يكون استثناءً.

الخاسر والرابح بحرب الاستنزاف الأميركية: قراءة أولية

 آخر كلام 

 الخاسر والرابح بحرب الاستنزاف الأميركية: قراءة أولية 



د. محمد المقاطع

دخلت منطقة الشرق الأوسط حرباً أشعل شرارتها الكيان الصهيوني والأميركيون في مواجهة إيران، بعد تضليل نتنياهو لترامب بمعلومات مغلوطة أن قدرات إيران متهالكة، وأنها تشكل تهديداً وشيكاً، على أمنهما، وهو ما نفاه مسؤول أميركي سابق، وأنه يمكن القضاء عليها وتغيير نظامها في غضون أيامٍ معدودات لن تتجاوز أسبوعاً. 

واليوم وبعد مضي 25 يوماً على الحرب اتضح أن كل الأطراف المتحاربة منهكةٌ مستنزفةٌ أو مجروحةٌ، وأن بعضها ينزف دماراً هائلاً في بنيته التحتية وقدراته العسكرية ومكانته السياسية والشعبية (إيران - الكيان الصهيوني)، مما فتح باباً للمفاوضات، وهناك حقائق هي: 

إيران تهالكت قوتها العسكرية واستُنزِفت لمرحلة يُعتقد أنها بلغت أكثر من 85 في المئة، وقد دمرت العديد من البنى التحتية فيها بنحو 70 في المئة ومن المدن والمناطق المهمة الإيرانية، وفقدت إيران معظم قيادات الصف الأول وبعض الثاني سياسياً وعسكرياً، ويبقى النظام الإيراني قائماً لكنه متداعٍ. 

وبقاء النظام يمثل لإيران انتصاراً في حربه بمواجهة أكبر قوة في العالم وقوة ضاربة بالمنطقة، وتحتاج ربما إلى عشر سنوات، على أقل تقدير، لتستعيد عافيتها وبنيتها وقدراتها. 

واتضح أيضاً أن إيران تُكنّ عداوة عميقة لدول الخليج والمنطقة عموماً، نابعة من عزلتها الطبيعية عن مكونات محيطها العرقية والدينية، وقد ظهرت هذه العداوة جليّة في هذه الحرب في حجم ونوعية الاستهدافات التي قامت بها إيران على دول الخليج والمنطقة غير المتحاربة معها، وستؤدي حتماً، إلى عزلة إقليمية أكبر وأكثر إيلاماً في مستويات عديدة. 

الكيان الصهيوني في حالة إنهاك لقوّته العسكرية المستنزفة، وضعف قدراته منفرداً، وهزال سياسي بانقسام داخلي وعزلة مركبة من أطراف كانت حوله بصفة دائمة، وحالة ارتباك بسبب تهوره وعدوانيته، التي أفقدته ثقة حلفائه وتوجّس في نظرة أصدقائه والقائمين بحمايته المستمرة، وهي عزلة ستكشف هشاشته وتتركه شبه منفرد مستقبلاً في مواجهة دول المنطقة التي أدركت قوتها وضعفه ومداخل إيلامه وهزيمته، ويضاف إلى ذلك فقدانه للحاضنة الشعبية الداخلية التي ستتعمّق حالة عدم ثقتها باستمرارية الكيان وتزايد موجات الهجرة العكسية. وخارجياً فقدانه للحاضنة الشعبية الأميركية التي بدأت في التضاؤل والأوروبية التي دخلت حقبة التآكل السريع. أميركا، تعيش حالة من الصدمة والذهول الآني كونها خسرت سمعتها وهيبتها كدولة عظمى بعد أن خاضت أكبر حرب لها منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تتمكن من حسمها بنصر سريع ومدوٍّ يليق بمكانتها، بل صارت تبحث عن مخارج لإنهاء الحرب والاكتفاء بأي قدر من النصر ولو كان شكلياً أو هامشياً، وبوادره المفاوضات في باكستان، ووضعها سيُحدث حالة إعادة وعي عالمي مثير لقلقها وتخوفاتها خصوصاً من قبل خصومها ومنافسيها الطبيعيين (روسيا - الصين - كوريا) مما يعني قطبية متعددة، وربما يصبح هناك شعور مماثل بعدم الحاجة لها من حلفائها التقليديين وخصوصاً الأوربيين واليابانيين الذين أفصحوا عن امتناعهم عن مشاركتها في حربها ضد إيران، بل وحتى في أقل وهو تأمين مضيق هرمز. 

واكتشف ترامب والأميركيون أنهم خاضوا حرباً ليست حربهم استنزفت قدراتهم وذخائرهم ونزفت معها أسواقهم، وتداعت معها أسواق الطاقة، وتململ حاضنة ترامب الشعبية، في مرحلة انتخابية تدنت فيها شعبيته إلى أقل من 40 في المئة. 

دول الخليج والمنطقة: تصرّفت بحكمة متناهية وبحذر ذكي، مكّنها من امتصاص الضغوط الأميركية والتصدي الفعّال للعدوان الإيراني بالصواريخ والمسيّرات، وحافظت على رباطة الجأش واليقظة، وأثبتت أنها تملك قدرات عسكرية ذاتية فعّالة ومتقدمة، بل وقدرة أكبر جماعية ككتلة واحدة، وهو ما سيتبلور ويعزز في قادم الأيام، بعد أن أدركت حتمية ذودها عن دولها وشعوبها ذاتياً وأنها قادرة، فهذه الحرب رفعت من قدراتها وجاهزيتها وحصّنت جبهتها الداخلية بعد تجربة عسكرية عملية فُرضت عليها في هذه الحرب. وعلى الرغم من الخسائر المالية والاقتصادية الكبيرة وبعض التدمير الذي لحق ببعض مرافقها ومحطات الطاقة النفطية فيها، لكن قدرتها على التعافي واستئناف عجلة الإنتاج والتنمية ستكون ميسرة وسريعة. واستفادت من معرفة منطق التحالف والتماسك الملح والتعرف على الصداقات والتقارب لضمان أمنها المستقبلي بمحور سعودي ــ تركي ــ باكستاني ــ مصري ودول مجلس التعاون الخليجي. باختصار كل طرف من الأطراف المتحاربة خسر ويبحث عن مخرج، وهو ما بدأ، وربحه محدود جداً! 

كفانا الله شر الحروب وسعارها. 

العقل العربي... حال مستعصية!

 ربيع الكلمات

العقل العربي... حال مستعصية!

عبدالعزيز الكندري

عن قريب ستنتهي الحرب بإذن الله تعالى، لكن كيف سيكون شكل الثقة مع إيران، سنوات ودول الخليج كانت تقدم السلام لأن لديها خططاً تنموية طموحة لشعوبها، وتمد يدها للجميع للتعاون، ولكن ماذا فعل النظام الإيراني خلال هذه السنوات في الدول العربية غير زعزعة استقرارها وإيجاد الميليشيات التي تهدّد استقرارها، ومنذ ميلاد النظام الإيراني لم يفعل الخير لا لوطنه ولا لشعبه ولا لجيرانه.

إيران تعتدي على دول الخليج وبعض الدول العربية واستهدفتها بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، وكانت الأهداف مع كل أسف المطارات والأماكن المدنية وبعض المنشآت الحيوية، وبعد كل هذه الاعتداءات الإيرانية الآثمة كان المفترض من الدول العربية أن تدين هذا الاعتداء الإيراني على دول الخليج والتي لا تحتاج إلا إلى موقف معنوي وأخلاقي، ولكن مع كل أسف نجد من يبرر هذا الأمر الخطأ والسلوك المشين، وفي بعض الأحيان يتشفى ويشمت!، بحجج وقصص سردية مخالفة للواقع والعصر والتفكير السوي السليم.

وحال هذه المواقف تذكّرني بقصة تروى بالتاريخ كما في «تاريخ الأمم والملوك» للطبري، قصة طلحة النميري، حين سأل عن مسيلمة، فقيل له: «هو رسول الله»، فقال: «لا أصدق حتى أراه». فلما التقى به، سأله: «من يأتيك بالوحي؟»، قال مسيلمة: «رحمن»، فسأله طلحة: «أفي نور أم في ظلمة؟»، فأجابه: «في ظلمة»، عندها قال طلحة قولته الشهيرة: «أشهد أنك كذاب، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر»، لقد ادّعى مسيلمة النبوة كذباً، ومع ذلك وجد مناصرين كثراً، ليس لاقتناعهم بصدقه، بل الحمية والتعصب الأعمى كما هو حاصل اليوم، إذ لم يكن طلحة، غافلاً عن كذب مسيلمة، لكنه فضّله على الصادق الأمين، محمد، صلى الله عليه وسلم، فقط لأنه من قومه! 

وهكذا، تغلّبت العصبية على العقل، وتقدم الهوى على الحقيقة وهذا ما هو حاصل اليوم.

وتبرير بعض الدول والتيارات للنظام الإيراني هو امتداد لنمط التفكير العربي التبريري، حيث إن العقلية العربية عقلية مؤدلجة، والمؤدلج لا يفهم ما يجري بوضوح، لأنها عقلية غير موضوعية، ولعل ما حصل سنة 1990 من غزو الكويت ووقوف البعض وما زال إلى اليوم يبرّر لأفعال صدام حسين، خير مثال وشاهد، وكل أحاديثهم بأن هناك مؤامرة تحاك في الخفاء، ولكن الصحيح هو خلل في التفكير وفي بنية العقلية العربية التي تفسر الأحداث الجسام تفسيراً عاطفياً شعورياً.

وكما يقول المثل «اللي يده في الماء ما هو مثل اللي يده في النار»، إخواننا العرب وبعض التيارات

لماذا يتناسون ما فعلته إيران في سوريا من مجازر تشيب لها الرؤوس على يد قاسم سليماني، وفرق الموت، ألا يرون أذرع إيران في المنطقة ماذا تفعل، مثل «حزب الله» في لبنان وغيره، وما زالت إلى اليوم، وجار إيران هو من يشعر بخطرها الحقيقي عليه.


لقد عانت المنطقة خلال 47 عاماً من النظام الإيراني صراعاً طويلاً، وجاء الوقت لينتهي دوره كقوة إقليمية عسكرية، الأمر الذي سيعطي المنطقة استراحة طويلة، ويتشكل واقع جديد، شعوب المنطقة بأمس الحاجة إليه، وستكون هناك فرص كبيرة للاستقرار والنمو، بعد معاناة الحروب والميليشيات عابرة القارات.

إيران من خلال سلوكها واعتداءاتها خسرت جيرانها، الرئيس الإيراني ‫مسعود بزشكيان، يعتذر للدول العربية الخليجية لعدوان بلاده عليها ويعلن توقف العدوان ما لم تنطلق هجمات من أراضيها على بلاده، وخلال ساعات تنطلق المسيّرات والصواريخ على دول الخليج!

ونفت إيران صلتها بالصاروخ الذي سقط داخل تركيا، لكن أنقرة قدّمت أدلة وحدّدت موقع الإطلاق داخل مجمع عسكري إيراني، بعدها جاء الاعتذار الإيراني، بإنكار أولاً ثم تراجع، هذا هو تلاعب النظام الإيراني، وهو ليس خطأً عابراً، بل هو سلوك متكرّر.

قراءة في كتاب أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق

قراءة في كتاب  أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق



كتاب أزمة الخليج - العرب و إيران 

المؤلف:فهمي هويدي

نبذة عن الكتاب:
دول الخليج العربى  
العالم العربي  إيران 
اسرائيل  التعاون الاقتصادى

يرى الكاتب في النهاية أن الحل يكمن في مقاربة السلام والتعايش المصلحي الضروري، وذلك بتغليب لغة الحوار: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إدارة المصالح".

قراءة ونيس المبروك*

بين وهم الصراع ووهم الوفاق: قراءة في رؤية فهمي هويدي للعلاقات العربية الإيرانية

قراءة مختصرة في أهم افكار كتاب "أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق" للمفكر والصفحي المعروف فهمي هويدي، بتصرف يسير في التعبير عنها مع التأكيد بأن هذه الأفكار لا تغني بأي حال عن مطالعة الكتاب من مقدمته لخاتمته، والتأكيد أيضا بأن تشجيعي على مطالعة الكتاب لا تعني موافقتي لماجاء فيه بخاصة بعض استنتاجاته وتحليلاته، ولكني أراه كتابا مهما، ولعله يعين في إضاءة زوايا مهمة في الوعي ببعض جذور هذه العلاقة المعقدة.

الكتاب صدر عن دار الشروق وكانت طبعته الأولى عام 1991م، وقد كتبه بعد تكليف من مركز دراسات العالم الإسلامي في مالطا عام 89م ، ثم تم تقديمه في ندوة بطرابلس، ثم طور الكتاب وزاده حتى خرج في نسخته الأخيرة، وهو من الكتب المهمة في متابعة سردية وحقائق الصراع من خلال رصد محطات رئيسة، ويحاول في هذا الكتاب شرح العلاقة المُركبة بين دولة إيران وجيرانها.

وفيما يلي أهم أفكار الكتاب

1 ـ يرى الأستاذ فهمي أن الشرق الأوسط يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى وهي مصر وتركيا وإيران، وأن أعمدة منطقة الخليج هي السعودية والعراق وإيران، فإيران قاسم مشترك بين هذه الأعمدة، وكيف أدت الحرب العراقية الإيرانية والعراقية الكويتية إلى إعادة توازن القوى في المنطقة، وأن "جوهر" الخلاف ليس خلافا سنيا شيعيا، بمعنى أنه ليس خلافا طائفيا بالأساس، ولكنه صراع سياسي بالدرجة الأولى ثم تم إلباسه ثوبا دينيا طائفيا، كعادة بعض الأنظمة في استخدام واستجلاب التاريخ (الذي يعتبره هويدي حمّال أوجه فيمكن لكل فريق جلب حجج تاريخية لمناصرة رأيه) وكذلك استعمال المذاهب العقدية لتعبئة الجماهير وتبرير الصراع والصدام، كما فعل صدام عندما أسمى معركته ضد إيران "القادسية" التي كانت بين المسلمين و(الفرس)، وما تبع ذلك من تأليف كتاب "وجاء دور المجوس" وكتاب عبد الله القصيمي بعنوان "الصراع بين الإسلام والوثنية" مشيرا إلى الصراع العربي الإيراني!!

يرى الأستاذ فهمي أن الشرق الأوسط يقوم على ثلاثة أعمدة كبرى وهي مصر وتركيا وإيران، وأن أعمدة منطقة الخليج هي السعودية والعراق وإيران، فإيران قاسم مشترك بين هذه الأعمدة، وكيف أدت الحرب العراقية الإيرانية والعراقية الكويتية إلى إعادة توازن القوى في المنطقة، وأن "جوهر" الخلاف ليس خلافا سنيا شيعيا، بمعنى أنه ليس خلافا طائفيا بالأساس، ولكنه صراع سياسي بالدرجة الأولى ثم تم إلباسه ثوبا دينيا طائفيا،
 بينما يرى هويدي أن المحرك الأساسي للصراع هو تقاطع المصالح والنفوذ والتوسع الإقليمي، وقد أشار هويدي إلى أربعة عوامل ساعدت في ذلك،  وأن علاقات الأمم بعد نضوج التجربة الإنسانية تجاوز طور القبيلة إلى منطق الدولة التي لا تحكمها خصومات الماضي وثاراته ومراراته، إنما تنهض على أساس حسابات المصالح وطموح المستقبل.

2 ـ عند شرحه للمقصود بمصطلح "وهم الصراع" بيّن أن التسليم بأبدية الصراع الصفري وحتمية الحرب هي فكرة خطيرة تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تخدم كل شعوب المنطقة من المسلمين وغيرهم، وفي الوقت نفسه فإنه يرى أن هناك تخوف من "وهم الوفاق" ويقصد  تلك النظرة السطحية العاطفية التي تتجاهل أو تتغافل عن الملفات الاستراتيجية المعقدة بين إيران وجيرانها، مثل الجزر، والتوسع، والتدخل في الشأن الداخلي عبر وكيل طائفي، وقد طرح هويدي سؤالا: أين تكمن الإشكالية؟ ووضع أربعة احتمالات لهذا الإشكال وناقشها، وخلص بأن الصراع سياسي استراتيجي، ويمكن مراجعة تلك الاحتمالات في الكتاب .

3 ـ تعرض الكتاب في أحد مباحثه للعلاقة التاريخية بين مصر وإيران، منذ عصر الإخمينيين في القرن السابع قبل الميلاد، مرورا بظهور الإسلام، ثم العهد الفاطمي والأيوبي والعثماني، ثم تجربة تقريب المذاهب التي توجت بقرار شيخ الأزهر شلتوت بالاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب فقهي معتبر، ثم أزمة العلاقة المصرية الإيرانية بعدها، ويؤكد هويدي على بعض المحددات في هذه العلاقة، ومنها: أن إيران بلد جار ولا يمكن جغرافيا تجاوز هذه الحقيقة والتعامل معها، كما أن هناك تراثا وإرثا حضاريا وإسلاميا مشتركا يربط الشعوب العربية بالشعب الإيراني أعمق بكثير من الخلافات السياسية العارضة، وأن الأمن في منطقة الخليج لا يمكن تحقيقه باستبعاد إيران أو بالتحالف ضدها مع قوى دولية، وأن هذا الأمن الاستراتيجي لا يتم إلا عبر نظام أمن إقليمي يشترك ويشارك فيه الجميع .

4 ـ أفرد الكاتب جزءا من كتابه للحديث عن الثورة الإيرانية 79م، وكيف أحدثت زلزالاً في المنطقة، حيث تحولت إيران من "شرطي المنطقة" المتحالف مع الغرب في عهد الشاه، إلى قوة توسعية تسعى لتصدير الثورة وتحدي الأنظمة القائمة، مما أدى إلى حالة من الخوف والتحفظ الشديد من الجانب العربي وزادت الفجوة في العلاقة العربية الإيرانية، مع ملاحظة أن الكاتب لم يواكب ما جرى من أحداث في الآونة الأخيرة من الأعمال التي قامت بها إيران في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، وضربها لدول الخليج الآن، لاشك أن كل تلك الأحداث والوقائع تعيد تشكيل صورة الصراع وأبعاده، مع تأكيد هويدي على أن لإيران القومية العلمانية مشروعها ورؤيتها، ولإيران الإسلامية مشروعها ورؤيتها، وعلينا فهم الفروق والبناء عليها.

5 ـ يرى الكاتب في النهاية أن الحل يكمن في مقاربة السلام والتعايش المصلحي الضروري، وذلك بتغليب لغة الحوار: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إدارة المصالح". ومحاولة تحجيم البعد الطائفي: وذلك بالتوقف عن شحن النفوس مذهبياً والتركيز على القضايا السياسية والقانونية القابلة للتفاوض. وكذلك الاستقلالية: بأن يمتلك العرب وإيران إرادة سياسية مستقلة لحل نزاعهم وإدارة مصالحهم، بعيداً عن التدخلات الدولية التي تقتات على استمرار النزاع.

سبق لي زيارة الأستاذ فهمي في بيته بالقاهرة وحاورته طويلا عن منهجيته وعلاقته بالفكر والصحافة، ثم التقينا في أكثر من مناسبة ومؤتمر، وهو رجل يحترم قلمه فلا يجريه في موضوع لم يستوف حقه، كما يحترم عقل القارىء، فلايقدم له غثا، ويبذل جهدا مضنيا في جمع المعلومات وتبويبها وتنقيحها بنفسه، ولا يكتفي بمنهجية "تكديس الشظايا" ثم تمريرها عبر بيان يخفي عيبها، وهذا جهد يستحق ـ بل يستوجب ـ المطالعة وإن اختلفنا معه  .

*كاتب وباحث ليبي

 كتاب  أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق 

قراءة اونلاين

 


الأربعاء، 25 مارس 2026

أوه، لقد دمرنا دولة أخرى

أوه، لقد دمرنا دولة أخرى

يحذر محمد البرادعي من أن الحرب مع إيران ليست مجرد تكرار للتاريخ، بل هي تضخيم للتاريخ نفسه.


مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني، تتصاعد أصوات من أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة وإسرائيل معلنة معارضتها للمشروع برمته.

ونتيجة لذلك، تتكشف المزيد من التفاصيل حول قرار شن الهجوم في فبراير. آنذاك، لم يكن للأمر علاقة تذكر بالمفاوضات مع إيران في مسقط وجنيف، كما هو الحال اليوم.

بينما كان الرئيس دونالد ترامب يتحدث عن الاتصالات مع إيران - وهو مفهوم رفضه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووصفه بأنه "أخبار كاذبة" - تُظهر بيانات الرحلات الجوية أنه أمر في الوقت نفسه بنقل أعداد كبيرة من القوات الأمريكية إلى إسرائيل والأردن ، على ما يبدو استعدادًا لهجوم بري والمرحلة التالية من الحرب.

لا، العنصر الأساسي في قرار مهاجمة إيران للمرة الثانية خلال عام واحد كان عبارة عن تقرير استخباراتي تبين أنه كاذب تماماً. وقد كتب هذا الملف المشكوك فيه، الذي أدى إلى هذه الهجمة، مدير الموساد ديفيد بارنيا .

وادعى في إحاطة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الموساد قوي جداً على الأرض في إيران لدرجة أنه سيكون قادراً على حشد قوى المعارضة الإيرانية للإطاحة بحكومتها بمجرد بدء الحرب الجوية.

إن ثقة بارنيا هي تأكيد، إن كانت هناك حاجة إلى تأكيد، على أن الموساد كان له دور كبير في تحويل مظاهرة يناير التي نظمها تجار العملات في طهران إلى تمرد مسلح قُتل فيه آلاف المتظاهرين بالرصاص.

كان وعد بارنيا محورياً في عرض نتنياهو لترامب بأن الجمهورية الإسلامية ضعيفة للغاية، ولا تحتاج إلا إلى دفعة أخيرة لتنهار. ورغم أن توقعات بارنيا قوبلت بتحديات من وكالات استخبارات منافسة في إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنها أقنعت ترامب الساذج.

اتضحت الحقيقة في غضون ساعة من الهجوم الجوي الذي أودى بحياة المرشد الأعلى الإيراني السابق، آية الله علي خامنئي ، وأصاب ابنه مجتبى بجروح خطيرة، وقتل أكثر من أربعين من كبار جنرالات إيران. ففي غضون ساعة من تلك الضربة الأولى، بدأت إيران بالرد، ولم تتوقف منذ ذلك الحين.

الحرب غير المتكافئة

لقد أوفت إيران بوعودها بمهاجمة إسرائيل والقواعد الأمريكية وناقلات النفط ومصافي النفط والغاز، وإغلاق مضيق هرمز ، مما أدى إلى شلّ خُمس التجارة العالمية في النفط والغاز الطبيعي.

في الأسبوع الرابع من هذه الحرب، يبدو أن إيران لا تقل قدرة على الحفاظ على تدفق مستمر من الصواريخ والطائرات المسيرة عما كانت عليه في الساعات الأولى من الصراع.

لقد تعرضت إيران بالتأكيد لضربات جوية قوية، وفقدت أسطولها البحري ، والعديد من مراكز قيادة الحرس الثوري ، وجزءاً كبيراً من قواتها الجوية وأنظمة الدفاع الجوي - لكن إيران ككل لا تزال تدافع عن نفسها.

وكما وعدت، كان ردها غير متكافئ. فقد نجحت في توسيع النطاق الجغرافي لهذه الحرب من خلال ضمان عدم وجود أي متفرجين يأملون في البقاء على الحياد.

"إنهم يقولون بشكل أساسي إن التحالف الغربي عبر الأطلسي، أو الأوروبيين على وجه الخصوص، قد خدعونا - والآن علينا أن ندافع عن أنفسنا."

- محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية
يواجه ترامب ونتنياهو الآن حرباً إقليمية، يصعب عليهما إنهاؤها. ويُقدّر باحثون من جامعة براون أن ما يصل إلى 4.7 مليون شخص لقوا حتفهم، بشكل مباشر وغير مباشر، نتيجة سلسلة الصراعات التي أشعلها قرار الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بغزو أفغانستان والعراق في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

قد تكون عواقب الحرب على إيران أوسع نطاقًا، لا سيما إذا استمرت كغزو بري. وإذا بدا كل هذا مألوفًا بشكلٍ مروع لما حدث عندما هاجم بوش ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير العراق عام 2003، فذلك لأنه كذلك بالفعل.

لمعرفة المزيد، ذهبت للتحدث إلى الرجل الذي يعرف: محمد البرادعي .

ترأس البرادعي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لثلاث فترات متتالية. وكان هو وكبير مفتشي الأمم المتحدة للأسلحة آنذاك، هانز بليكس، متواجدين في قلب الأحداث في العراق عندما قامت وكالة المخابرات المركزية وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) بإعداد ملف بناءً على معلومات استخباراتية كاذبة تزعم امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل.

اليوم، لا يسع البرادعي إلا أن يبرز أوجه التشابه مع ما يحدث الآن في إيران.

"لقد مررت أنا وهانز بليكس بوقت عصيب للغاية، عندما رأينا خداعاً كاملاً. كنا على الأرض، ولم نرَ أي برنامج للأسلحة النووية أو الكيميائية أو البيولوجية في العراق آنذاك. ومع ذلك، استمرت إدارة بوش في تقديم هذا العرض البراق في مجلس الأمن"، كما قال.

لقد شنّوا حربًا، ودمروا بلدًا. مات مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء بسبب نقص الأدوية والغذاء، ثم قالوا لاحقًا: "أوه، لم يكن هناك شيء". أرى تشابهًا كبيرًا هنا عندما أسمع السيد ترامب يقول إن إيران على بُعد أسبوعين من امتلاك سلاح نووي. أشعر بالاكتئاب، بصراحة، لأنني أعرف معنى ذلك: سيموت مدنيون أبرياء.

تجاهل القانون الدولي

قدّم لي البرادعي بعض الإجابات التي لم أتوقع سماعها. فقد أيّد المدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي ، الذي قال بعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي إن إيران قد تبدأ تخصيب اليورانيوم في غضون أشهر، وهو ما يناقض موقف ترامب بأنه فجّر المنشآت النووية الإيرانية "بشكل كامل" .

قال البرادعي لي: "من الصعب للغاية أن تكون موضوعيًا في بيئة ذاتية، فالجميع يريد تفسير الأدلة بالطريقة التي تناسبه". 
وأضاف: "قال غروسي إنه لا يوجد برنامج أسلحة منظم أو منهجي... ليست الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي التي تفقد حيادها، بل إن مجلس الأمن هو المشلول تمامًا".

كما كان البرادعي، وهو محامٍ دولي مخضرم، يعرف ويتفاوض مع علي لاريجاني ، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي قُتل هذا الشهر في غارة إسرائيلية.



يقول البرادعي عن لاريجاني: "لقد كان من الأشخاص الطيبين. لقد فهم بعمق القضايا وما يريد تحقيقه. وقد خسرناه بمعنى أننا فقدنا محاوراً".

لكن بعد غزة ، بل وقبلها بكثير، أصبح اغتيال المفاوضين والسياسيين والفلاسفة والصحفيين جزءاً مقبولاً من الحرب. لقد أصبحت الإبادة الجماعية أداة من أدوات الحرب الحديثة.

إن أقوى ما يطرحه البرادعي ليس عن تكرار التاريخ لنفسه، بل عن تضخيم التاريخ لنفسه.

على الأقل، حاولت إدارة بوش تبرير هجماتها بالقانون الدولي . أما ترامب، فلا يبذل أي جهد في هذا الصدد؛ فبالنسبة له، القانون الدولي غير موجود. الأمم المتحدة مجرد منتدى فارغ لا يسعى إلا لإذلاله بتعطيل السلالم المتحركة
وجهاز التلقين أثناء حديثه.
   لم تعد الولايات المتحدة       تسعى، بالقوة الغاشمة، إلى    مجرد تفتيت الدول وإعادة      تشكيلها، بل إن طموحاتها       أوسع من ذلك: فهي تسعى    في  هذه الحرب إلى تفتيت      منطقة بأكملها وإعادة تشكيلها.
لم تعد الولايات المتحدة تسعى، بالقوة الغاشمة، إلى مجرد تفتيت الدول وإعادة تشكيلها، بل إن طموحاتها أوسع من ذلك: فهي تسعى في هذه الحرب إلى تفتيت منطقة بأكملها وإعادة تشكيلها. ولتحقيق هذا الهدف، تخلت عن جميع قواعد القانون الدولي التي تدرب عليها البرادعي.

"لقد تلقيت تعليمي وتدريبي في الولايات المتحدة، في الغرب. لقد عشت أكثر من نصف حياتي في الغرب. لطالما اعتقدت أن [الديمقراطية الغربية] ليست مثالية، لكنها كانت الطريق الأمثل"، هكذا قال.

وأضاف البرادعي: "لكن مع استمرار القادة الأوروبيين والدول الغربية مثل ألمانيا في الدفاع عن إسرائيل - حتى مع قرار محكمة العدل الدولية بوجود قضية معقولة للإبادة الجماعية في غزة، وإصدار المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق كبار القادة الإسرائيليين - فإن الغرب "يفقد صوابه" بشكل واضح".

"اسأل أي شخص في الجنوب العالمي الآن... سيقولون بشكل أساسي إن التحالف الغربي عبر الأطلسي، أو الأوروبيين على وجه الخصوص، قد خدعونا - والآن علينا أن نعتمد على أنفسنا فيما يتعلق بالأمن، والتنمية الاقتصادية، والقيم. هل هذا جيد للعالم؟ بالتأكيد لا."

تقويض النظام

منذ مقابلتي مع البرادعي في فيينا، كشف موقع ميدل إيست آي أن كريم خان، المدعي العام الذي أصدر أوامر اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق، يوآف غالانت، قد تمت تبرئته من جميع تهم سوء السلوك الجنسي من قبل القضاة الذين اطلعوا على الأدلة.

مع ذلك، يُصرّ بعض أعضاء مكتب جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية على مواصلة مساعيهم لمنع خان من استئناف مهامه. ويسعون إلى عرقلة تقرير القضاة وإعادة صياغة النتائج بناءً على تقييمهم الخاص لتقرير صادر عن مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، وفقًا لما أفاد به مصدران دبلوماسيان رفيعا المستوى مطلعان على اجتماع عُقد مؤخرًا في المكتب لموقع ميدل إيست آي.

هذا هو أوضح مثال على الرسالة الأساسية للبرادعي. فالغرب، الذي ابتكر المفهوم الحديث للقانون الدولي وأنشأ محاكم مثل المحكمة الجنائية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، عازم الآن على تخريبه وتقويضه.


لا يقتصر الهجوم الغربي على النظام الدولي القائم على القواعد على العدالة فحسب. يشير البرادعي إلى أن الولايات المتحدة انسحبت من منظمة الصحة العالمية في الوقت الذي تعمل فيه على منع جائحة أخرى، وتخلت عن اتفاقية باريس للمناخ : "إنهم يحاربون العلم... عندما تنظرون إلى غزة، عندما تنظرون إلى إيران، عندما تنظرون إلى أوكرانيا، أين مجلس الأمن؟ إنه غير موجود".

كان هناك حزن عميق في عيني البرادعي عندما تحدثت إليه في شقته في فيينا.

"عندما تتجول وتحطم كل قاعدة وكل توقع، ثم تقول للناس: "لقد أصبحتم إرهابيين" - عندما يغضب الناس، عندما يشعر الناس بالظلم، ماذا تتوقع منهم أن يفعلوا؟ هل يذهبون لتناول كأس من النبيذ معك؟" قال.

لكنه متأكد من شيء واحد: الثورة قادمة في العالم العربي. غادر البرادعي، الذي كان شخصية محورية في ثورة مصر الديمقراطية في ميدان التحرير، البلاد بعد مجزرة ميدان رابعة عام 2013 ، التي مثّلت بداية ثورة عسكرية مضادة سحقت الديمقراطية والانتخابات الحرة، على ما يبدو إلى الأبد.

قال البرادعي بثقة: " الربيع العربي لم يمت على الإطلاق. ما الذي طالب به الربيع العربي؟ العدالة، والتنمية الاقتصادية، والحرية السياسية - هذه أمور لا تزال غائبة في معظم الدول العربية... التاريخ بطيء، لكن الأسباب الجذرية موجودة، عندما يرى الناس الآن أراضيهم تُسلب منهم، وعندما يرون أنهم يُعاملون بازدراء، وعندما يُطلق عليهم النار."

عدم أهمية أوروبا

بعد حرب العراق، استذكر البرادعي قول الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما: "نحن بحاجة إلى أن نتعلم متى نطلق النار، أن نصوب".

وأضاف البرادعي: "على الأقل كان صادقاً في قوله ذلك، لكن الوقت كان متأخراً بعض الشيء، لأنه بعد ذلك ظهر تنظيم داعش".




إلى من نلجأ عندما يطبق علينا
أعداؤنا المستقبليون نفس قواعد الحرب التي نطبقها عليهم؟

لدينا الآن رئيس أمريكي لا يتظاهر حتى باستشارة المجتمع الدولي قبل شن الحرب. لقد تلاشى القانون الدولي في عهده، وكذلك المعاهدات الدولية، وأصبحت المفاوضات في أحسن الأحوال مجرد فترات توقف مؤقتة ريثما يتم حشد المزيد من القوة والمزيد من القوات.

سنندم على اليوم الذي سمحنا فيه بحدوث هذا. لأنه عندما تنهار الإمبراطورية الأمريكية نهائياً، سنحتاج نحن في أوروبا إلى القانون والمؤسسات الدولية، إذ لن نملك القوة العسكرية الكافية لحماية أنفسنا. لقد جعلت أوروبا نفسها هامشية في غزة، ثم لبنان ، والآن إيران. وسيعود هذا ليطاردها.

وإلى من نلجأ حين يطبق علينا أعداؤنا المستقبليون نفس قواعد الحرب التي نطبقها عليهم؟ 
إلى من نلجأ حين يغتالون مفاوضينا وسياسيينا وصحفيينا؛ حين يقصفون مستشفياتنا ويصفونها بمخابئ إرهابية؟

ترامب ونتنياهو يبذلان قصارى جهدهما، وعندما ينتهي حكمهما في النهاية، سيدفع الجميع الثمن غالياً.