قرى الكوابيس والرعب
محمد صالح البدراني
صراع الكوابيس والأوهام:
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
قرى الكوابيس والرعب
محمد صالح البدراني
صراع الكوابيس والأوهام:
– في الثالث والعشرين من أبريل.. تمرّ ذكرى لا تُروَى لمجرد التأريخ، بل لتُستعاد فيها العِبَر وتُقرأ سطور النهاية.
– الدولة الأموية.. الصرح الذي ملأ الدنيا فتوحات، وأوصل راية الإسلام من أقصى الشرق إلى أبواب الغرب، لم يُسقطها سيف عدوٍ ظاهر، ولم تقوّضها مؤامرة عابرة.. بل أنهكها الطاعون، ذلك الرعب الصامت القادم من الأزمنة البعيدة ينشر الموت ويملأ القبور.
– وَمَرَّت 1276 سنة ميلادية، على السقوط الكبير لدولة بني أمية التي حَكَمَت العالم
– دولة بني أمية: أُول أُسرة حاكمة مسلمة، وبداية الحُكم العضود، إذ حكموا من سنة41هـ (662م) إلى 132هـ (750م)، (88 سنة)
وكانت العاصمة:
1- دمشق (661م–744م)
2- حرَّان (مدينة تركيّة) (744م–750م)
1- معاوية بن أبي سفيان (661م إلى 680م)
2- يزيد بن معاوية (680م إلى 683م)
3- معاوية بن يزيد (683م إلى 684م)
4- مروان بن الحَكَم (683م إلى 685م)
5- عبد الملك بن مروان (685م إلى 705م)
6- الوليد بن عبد الملك (705م إلى 715م)
7- سليمان بن عبد الملك (715م إلى 717م)
8- عمر بن عبد العزيز (717م إلى 720م)
9- يزيد بن عبد الملك (720م إلى 724م)
10- هشام بن عبد الملك (724م إلى 743م)
11- الوليد بن يزيد (743م إلى 744م)
12- يزيد بن الوليد (744م إلى 744م)
13- إبراهيم بن الوليد (744م إلى 745م)
14- مروان بن محمد (745م إلى 750م)
تُعدّ دولة بني أمية دولة الفتوحات الإسلامية بامتياز؛ فقد كان العصر الأموي من أكثر العصور زخمًا بالامتداد شرقًا وغربًا، حتى بلغت فيه الدولة الإسلامية أقصى اتساعٍ جغرافي في تاريخها.
بلغت الخلافة الأموية ذروة اتساعها في عهد الخليفة العاشر هشام بن عبد الملك؛ إذ امتدت حدودها من أطراف الصين شرقًا حتى جنوب فرنسا غربًا. وقد شهد كل عهد من عهود خلفاء بني أمية موجاتٍ من الفتوحات، من أبرزها:
قاد قتيبة جيش المشرق الأموي، ففتح بلاد ما وراء النهر، وكان يطمح إلى مواصلة الفتح شرقًا.
دخل مدنًا كخوارزم، وسجستان، وسمرقند، وبخارى، حتى خضعت له تلك البلاد، ووصل إلى أسوار الصين، ثم توغّل داخل أراضيها حتى بلغ مدينة كاشغر، وجعلها قاعدةً إسلامية. ويُعدّ هذا أقصى ما بلغته الجيوش الإسلامية في آسيا شرقًا، ولم يتجاوزه أحد بعدها.
وكان يطمح إلى فتح الصين لولا عزله ثم مقتله.
أمير أموي، كنيته أبو حرب.. عبر نهر جيحون، وهزم الترك، وتوغّل في بلاد التبت، محققًا تقدمًا لافتًا في تلك الجبهة.
افتتح بلاد السند (باكستان الحالية)، ثم واصل القادة من بعده التقدم داخل شبه القارة الهندية، فدخلوا مناطق واسعة من غرب ووسط وشمال الهند، بما فيها إقليم راجبوت.
قاد حملات عسكرية حين كان أميرًا على أرمينية وأذربيجان، بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك، ضد إمبراطورية الخزر وممالك جورجيا وأبخازيا.
وتمكّن من فتح مدن عدة، وفرض الجزية، وبسط النفوذ الإسلامي في القوقاز بعد إخضاع ممالكه.
قاد حملات متواصلة على الإمبراطورية البيزنطية وقبائل البلغار، فغزا الأناضول مرارًا، حتى بلغ أسوار القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) سنة 717م، وعبر إلى الجانب الأوروبي في محاولة لعزلها، حيث خاض مواجهات مع البلغار.
افتتح عقبة مناطق واسعة من شمال إفريقيا، شملت ليبيا وتونس والجزائر، حتى بلغ المغرب، وأسس مدينة القيروان لتكون قاعدةً عسكرية للمسلمين.
ورغم استشهاده، فقد مهّد الطريق لمواصلة الفتوحات في عمق إفريقيا، حيث توغّل الأمويون في مناطق واسعة، ونشروا الإسلام بين سكانها.
تمكّنت الدولة الأموية من فتح الأندلس (إسبانيا والبرتغال)، ثم واصل الولاة التقدم إلى ما وراء جبال البرينيه، فدخلوا جنوب فرنسا، وتساقطت أمامهم الحصون. ورغم هزيمتهم في معركة بلاط الشهداء، فقد استمر وجودهم العسكري، ففتحوا مدنًا مثل ليون وجرينوبل، وحاصروا جنيف ولوزان، وسيطروا قرابة قرن على ممرات جبال الألب الإستراتيجية.
بهذا الامتداد الواسع، شكّلت الفتوحات الأموية مرحلة مفصلية في التاريخ الإسلامي، حيث لم تكن مجرد توسّع جغرافي، بل أسهمت في نشر الثقافة الإسلامية، وفتح آفاق حضارية جديدة امتدت آثارها لقرون طويلة.
– يقول ابن حجر العسقلاني: لم تتوقف الأوبئة والطاعون طوال حُكم الأمويين (662م – 750م)، وضربَ الطاعون الدولة الأموية منذ أن تولّى معاوية بن أبي سفيان، حتى انتهاء الخلافة الأموية بنهاية آخر خليفة أموي: (مروان بن محمد) سنة 750م
– كان الاستثناء الوحيد في تاريخ الدولة الأموية من الأمراض والأوبئة؛ هي مُدّة: (سنتان و5 شهور و4 أيام) التي حكمَ فيها الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبد العزيز (معجزة الإسلام)، وحفيد الفاروق عمر بن الخطاب.. سبحان الله!!!
– ويقول الثعالبي في كتابه (ثمار القلوب): أدّت الطواعين (جمع طاعون) المتعاقبة إلى إنهاك الدولة الأموية فساهمت في سقوطها على أيدي العباسيين.
– يقول ابن تغري بردي (تُوُفي سنة 1470م) في كتابه: “النجوم الزاهرة” إنه أحصى 20 طاعونا في تاريخ الدولة الأموية، بمعدل طاعون في كل 4 سنوات ونصف سنة، وأن الطاعون هو الذي قضى على الدولة الأموية، وأتى بالعباسيين.
– ويذكر لنا المؤرخ أبو العباس محمد بن يزيد، المعروف بالمُبَرِّد (تُوُفي سنة 899م) في كتابه: “التعازي والمراثي” مقتطفاتٍ من فتك هذا الطاعون الجارف؛ فيقول: “هلك في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفاً”
– ويذكر ابن قتيبة (مات سنة 889م) في موسوعة “الشعر والشعراء” : (لم يكن يحضر صلاة الجمعة سوى سبعة رجال) وعندما سُئِل ابن عامر إمام الجامع: أين الناس؟ قال: تحت التراب”!!
بلغت الدولة الإسلامية أكبر مساحة لها بعد الفتوحات التي قامت بها الدولة الأموية، ورغم أن المؤرخين يطلقون عليها (دولة الحُكم العضود) ودولة الطاغية الحجاج الثقفي، إلا أنها صاحبة معظم الفتوحات الإسلامية، فهي حَقًا (دولة الفتوحات والانتصارات) حيث وصلت مساحتها من الصين شرقًا إلى فرنسا غربًا، ونجح الأمويون في القضاء علي الفتن والقلاقل، وتوحيد رُقعة العالم الإسلامي تحت راية واحدة، ورغم تعاطف معظم الناس مع العباسيين الذين حكموا حوالي (5 قرون)، إلا أن فتوحاتهم لا تساوي عُشر فتوحات الأمويين الذين حكموا (88 عاما) فقط.
الأتراك عندهم مثلٌ شَعبيٌّ جميل يقول:إذا وصل المُهرِّجُ إلى القصر فإنَّه لا يتحوَّلُ إلى مَلِك، ولكنَّ القصرَ هو الذي يتحوّل إلى سيرك!
عزيزي القارئ... تخيل معي هذا المشهد العبثي الذي يتكرر في بيتي هذه الأيام.
الساعة تشير إلى منتصف الليل، «العيال ناموا» (وتلك في حد ذاتها معجزة)، والهدوء يلف المنزل لدرجة أنك تستطيع سماع دقات قلب النملة.
وفجأة، تنتفض زوجتي من مكانها كمن لدغتها عقرب، تتسع عيناها، وتتجمد ملامحها، ثم تهمس بصوت يرتجف رعباً: «هل سمعت؟ ما هذا الصوت؟ صاروخ؟ صفارة إنذار صح؟».
أرهف السمع بكل ما أوتيت من قدرة فسيولوجية، فلا أسمع سوى صوت غسالة الملابس وهي تعتصر ما تبقى من جوارب الأطفال.
أنظر إليها بابتسامة بلهاء، وأقول: «يا بنت الحلال، الحرب وقفت، والصواريخ نامت، والسياسيون ذهبوا لقصورهم، وهذا الذي تسمعينه هو صوت جارنا في الدور العلوي يسحب كرسياً حديدياً على البلاط!».
لكنها لا تقتنع... وتظل عيناها معلقتين بالسقف بانتظار الانفجار.
هنا يا صديقي، يجب أن نتوقف قليلاً لنفهم ما يحدث.
عزيزي القارئ... إن مخ الإنسان هذا كائن «دراما كوين» بامتياز، يحب الأكشن ويصنع أفلاماً من لا شيء...
في علم النفس والطب، هناك ظاهرة مشهورة جداً وطريفة تُسمى «متلازمة طالب الطب»، طالب الطب المسكين في السنة الثالثة، بمجرد أن يفتح المراجع الطبية ويقرأ عن أعراض مرض نادر يصيب الكبد لدى قبائل الأمازون، يبدأ فجأة في الشعور بألم حاد في كبده! يقرأ عن تساقط الشعر، فيجد نفسه أصلع في المرآة. دماغه يقوم بعمل تحميل (Download) للأعراض، ويطبقها فوراً على جسده السليم وكأنه في غرفة العناية المركزة.
وليس الأطباء وحدهم من يهلوسون، بل حتى عشاق التاريخ!
هناك ما يُعرف بـ «متلازمة قرع حوافر الخيول»... حيث تجد القارئ المهووس بالتاريخ يندمج في قراءة كتاب عن الفتوحات أو غزوات المغول، وبمجرد أن يغلق الكتاب ويطفئ النور لينام، يُقسم بأغلظ الأيمان أنه يسمع صهيل الخيول، وقرع حوافرها، وصرير السيوف يتردد في سقف غرفة نومه!
الدماغ هنا لا يكتفي بالقراءة، بل يقوم بـ «مكساج» صوتي ويشغل المؤثرات في الخلفية.
عودة إلى «أم العيال» حفظها الله... نحن يا سادة لم نعد نقرأ التاريخ، بل نحن «نُطحن» فيه... لقد أنتج لنا هذا الشرق الأوسط البائس المليء بالميلشيات متلازمتنا العصبية الخاصة «متلازمة صفارات الإنذار الوهمية».
الحرب توقفت سياسياً؟ نعم.
التصريحات هدأت؟ صحيح.
لكن «اللوزة الدماغية» المسؤولة عن الخوف والإنذار المبكر في أدمغتنا، لم يصلها «الإيميل» الرسمي بوقف إطلاق النار... هذه اللوزة ما زالت ترتدي الخوذة، وتجلس في الخندق، وتنتظر الغارة!
لقد تبرمجت أجهزتنا العصبية على مدار الأيام الماضية على «الوضع الكارثي»... أصبحنا مصابين بـ «شلل إدراكي سمعي»؛ فصوت إغلاق باب الثلاجة بقوة يعادل اختراق جدار الصوت، وصوت دراجة نارية مسرعة في الشارع هو طائرة مسيرة مفخخة، وصوت الخلاط الكهربائي هو إنذار مبكر لهجوم جوي!
زوجتي يا سادة لا تتدلل، ولا تدعي الخوف، بل هي ضحية دماغ قرر أن يحميها بطريقة مبالغ فيها... الدماغ العربي المنهك يقول لها باستمرار: «لا تصدقي نشرات الأخبار، ولا تصدقي الهدوء الإستراتيجي، نحن في الشرق الأوسط يا سيدتي، كوني مستعدة للركض نحو الملاجئ في أي لحظة!».
إنها باختصار، أزمة شعوب كاملة، خرجت من الحرب جسدياً، لكنها بقيت عالقة فيها نفسياً. شعوب فقدت القدرة على التمييز بين صوت «مفرقعات الأفراح» وصوت «البراميل المتفجرة». نحن بحاجة إلى إعادة ضبط مصنع (Format) لـ «السوفت وير» العصبي المضروب الذي ورثناه من متابعة الأخبار العاجلة ليل نهار.
لذا، كلما سألتني زوجتي برعب ووجل: «هل سمعت هذا الصوت؟»، لن أسخر منها بعد اليوم. سأبتسم وأحتوي هذا الرعب الآتي من أقبية اللاوعي، وأقول لها بهدوء: «هذا مجرد صوت جدر الضغط في المطبخ يا حبيبتي، نامي قريرة العين، فالإمبريالية والخمينية لا تستهدف عشاءنا الليلة».
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله.. يضمحل.
مذهل وصعب ذلك المشهد للمستوطنين، وهم يقيمون طقوسهم علنا في المسجد الأقصى المبارك، ويعلنون رقصاتهم الاستفزازية داخله مع أغنية شهيرة لهم تقول: (سيُبنى المعبد)، وذلك منذ إعادة فتحه للمصلين بعد إغلاق دام أربعين يوما، وهو الأطول منذ أكثر من ثمانية قرون.
ذلك أن فتح المسجد بعد كل هذه المدة لم يكن فعليا بقرار السلطات الإسلامية الممثلة بدائرة الأوقاف، وإنما كان بقرار شرطة الاحتلال وجبهته الداخلية، تماما كما كان إغلاقه بقرار الاحتلال المنفرد. ولذلك لم نر الفرحة في وجوه الناس.
واللافت هنا أن وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير حرص على اقتحام الأقصى بنفسه مرتين منذ افتتاحه، وكانت المرة الثانية بهدف إقامة صلاة علنية لأول مرة، وبشكل يختلف عن كل المرات التي كان فيها يقتحم المسجد سابقا.
وبالرغم من هذه الصورة السوداوية القاتمة لما يجري في الأقصى منذ أسابيع، وهي صورة حقيقية وليست من باب المبالغة، فإن جانبا إيجابيا خفيا يكمن في تفاصيل هذا المشهد.
وهذا المقال يأتي للفت نظر المقدسيين إلى طبيعة الحدث بالكامل، وإمكانية تغيير هذا الواقع البائس وقلب الطاولة على الاحتلال، وإعطاء المرابطين فكرة عن قدراتهم الحقيقية الكامنة.
هناك عدة ملحوظات سنشير إليها تتعلق بسياق هذه الأحداث، قد تعطينا صورة مختلفة، أو فكرة مغايرة عما كان الاحتلال الإسرائيلي يريد إيصاله:
أولى هذه الملحوظات، أن الوجود الإسلامي في المسجد ازداد بعد فتح المسجد بشكل جلي، وكأن المقدسيين أدركوا خلال الأربعين يوما التي أغلق فيها المسجد ماذا يعني أن يعيشوا دون الأقصى، وهذا أمر لم يعتادوه أبدا، ولعلهم لم يكونوا يتوقعون أن يروه حقيقة ماثلة طوال الستين عاما الماضية.
ولهذا ربما جاء الإغلاق بنتيجة عكسية على إسرائيل، فبدلا من أن ينجح الاحتلال في ترويض المقدسيين وتعويدهم على فقدان الأقصى، دون أن يكون جزءا من حياتهم، فقد كان الإغلاق صفعة أيقظت المقدسيين ونبهتهم لما يمكن أن يحدث، وما يمكن أن تكون عليه الحياة في القدس دون المسجد، مما زاد بالتالي ارتباطهم به بشكل أعمق.
ولذلك لاحظ المراقبون زيادة واضحة في أعداد المصلين المقدسيين، خاصة في صلاتي الظهر والعصر اللتين كانت الأعداد فيهما قليلة نسبيا قبل إغلاق المسجد، مقارنة بهذه الأيام.
كما لوحظ أن الانتشار المقدسي الشعبي داخل المسجد، وتكثيف الوجود في ساحاته في مختلف الأوقات، أصبح واضحا بعد إعادة فتحه، في مقابل غياب هذا المشهد قبل الإغلاق.
وبينما كانت بعض أوساط جماعات المعبد المتطرفة تراهن على أن هذا المشهد مؤقت ولن يتجاوز بضعة أيام، إلا أنه ما زال مستمرا حتى لحظة كتابة هذه السطور، مما يبين أن الارتباط العاطفي والديني بين المقدسيين والأقصى ليس من السهل فكه أو إضعافه بالقوة القاهرة، كما كان الإسرائيليون يأملون.
ملحوظة أخرى تظهر في هذا الشأن؛ وهي أن اقتحام الوزير المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى في المرة الثانية- والذي أدى فيه صلاة علنية- لم يكن فيه منفردا كعادته، وإنما لوحظ الوجود الشعبي المقدسي على مسافة قريبة جدا منه، إذ كان المقدسيون يقفون أعلى درجات ساحة قبة الصخرة المشرفة، ورفضوا الابتعاد مسافات كبيرة عن بن غفير وحراساته، رغم تنبيهات شرطة الاحتلال.
إضافة إلى ذلك تناهت إلى مسامع بعض المراقبين أن الاحتلال حوّل بعض موظفي دائرة الأوقاف إلى التحقيق، ومنع بعضهم من دخول الأقصى، فقط لأنهم تناقلوا خبر اقتحام بن غفير المسجد، زعما أن تداول هذا الخبر قد يشكل خطرا على حياته، وعلى الأوضاع داخل المسجد! وذلك بالرغم من أن الاقتحام كان معلنا ومصوّرا.
وهذا الأمر يعني أن الاحتلال ما زال يشعر بعقدة الخوف من الأقصى، وأن الحاجز النفسي بين الاحتلال والمسجد ما زال موجودا بالرغم من أن بن غفير كان يتبجح قبل أيام فقط بأنه "يشعر بأنه مالك المكان" في مقابلة مع أحد الحاخامات من جماعات المعبد المتطرفة داخل المسجد.
والآن، نجد بن غفير يخشى على نفسه من انتشار خبر دخوله المسجد الأقصى، فهو نفسه لا يستطيع أن يسيطر على المكان ولم يتمكن من تقليل أعداد المسلمين فيه، على الرغم من كل إجراءاته وأفعاله في المنطقة.
وتحضر هنا ملحوظة أخرى، وهي أن الاحتلال ما زال حتى اللحظة يحاول بكل وسيلة أن يبدو مسيطرا على إدارة المسجد بالقوة عبر رفع أعلامه وصوته، ومحاولة تخفيف صوت الأذان في الأقصى.
وحتى في احتفالات ما يسمى "يوم الاستقلال"، حاول بعض المستوطنين رفع الصوت عاليا عما جرى سابقا، ولكنهم لم يتمكنوا- بالرغم من كل جهودهم هذا العام- من إبداء نفس الصورة التي أبرزوها العام الماضي في الأقصى، خلال حرب الإبادة على غزة.
وهذه الإجراءات فعليا تعني أن إسرائيل تعاني من عقدة معاندة الواقع والحقائق التاريخية والسياسية والاجتماعية في القدس، والتي يشكل المواطن المقدسي عنوانها.
فقد تبين لنا أن المقدسي برغم صمته الذي ربما كان نتيجة طبيعية لصدمة الترويع التي تسببت بها أعمال الاحتلال في حرب الإبادة على قطاع غزة، وجرائم بن غفير بحق الأسرى في السجون، فإنه لم يترك المسجد وحده في هذه المعركة، وما زال الأقصى هو الهم الأكبر لديه ومسؤوليته الأولى، ومركز حياته في القدس.
هذه الفكرة هي التي تظهرها لنا الأحداث الأخيرة، وهذا ليس من قبيل المبالغة، إذ إن الكثير من هذه الملحوظات التي تظهر بين السطور تحمل الكثير من الحقائق التي تفسر لنا ما يجري، وتبين ما وراء الأحداث.
فالسؤال الذي يطرحه البعض حول سبب عدم تمكن إسرائيل حتى اللحظة من إعلان سيطرتها الكاملة على الأقصى والتعامل معه بوصفه "ملكية إسرائيلية"، بالرغم من التقدم الهائل الذي حصلت عليه في مجال السيطرة على إدارته، وتهميش دائرة الأوقاف الإسلامية، فالسبب ببساطة: أن هناك عائقا وحاجزا نفسيا يسيطران على الاحتلال حتى اللحظة.
وهنا ينبغي أن نشير إلى نقطة مركزية خطيرة يجب على شعوبنا العربية والإسلامية فهمها جيدا؛ فمسألة حصرية الملكية الإسلامية للمسجد الأقصى هي محل إجماع فلسطيني وعربي وإسلامي.
ولكن الدخول والصلاة في المسجد حتى اليوم ليسا محل إجماع لدى الأطياف الإسرائيلية ولا سيما الأحزاب والقوى الدينية اليهودية، خاصة الحريدية والمراجع الدينية اليهودية التقليدية التي تحرّم على اليهود دخول الأقصى، ولا سيما الحاخامية الكبرى لإسرائيل، حتى تحقيق الطهارة الدينية المنتظرة برماد البقرة الحمراء المفترضة.
وحتى البقرات الحمراء الثلاث الباقية في مستوطنة "شيلو" التي جاء بها الحاخام المتطرف تساحي مامو من تكساس بالولايات المتحدة، لم تحظ حتى الآن باعتراف وموافقة المراجع الحريدية والحاخامية الرسمية، وذلك لأنها لم تولد "في أرض إسرائيل"، حسب النصوص الدينية التي تؤمن بها هذه المرجعيات.
إذن، قضية الاقتحامات والسيطرة الكاملة على المسجد ليست مسألة إجماع في إسرائيل على الأقل في الوقت الحالي، بالرغم من وجود شبه إجماع لدى المجتمع الإسرائيلي، عموما، على ضرورة ضمان ما يسمى "حق الصلاة" لليهود بشكل عام.
وينبغي هنا أن نفرق بين المسألتين، فما يريده تيار الصهيونية الدينية وحاخامات الضفة الغربية المتطرفون هو السيطرة الكاملة على الأقصى الآن وفورا كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل، والبدء ببناء المعبد الثالث المزعوم، قبل أن تنتهي الفرصة التاريخية التي يعيشونها هذه الفترة مع تسلمهم مقاليد الحكم في إسرائيل في حكومة نتنياهو الحالية، ودعم ترمب وتياره الإنجيلي، وهذا الأمر هو المسألة الخلافية الأبرز في الوقت الحالي بين الأطياف الإسرائيلية المختلفة.
وللعلم، فإن سبب رفض بعض الأطياف الإسرائيلية هذا الأمر هو الخوف من تبعاته الأمنية على إسرائيل، أي الحاجز النفسي بينهم وبين المسجد الأقصى الذي ذكرناه سابقا.
وهذا يعيدنا إلى نقطة أساسية ذكرناها آنفا، وهي أن اللاعب الحاضر الغائب في هذه العملية هم المقدسيون بلا شك، مما يرتب عليهم دورا كبيرا ومسؤولية هائلة بضرورة الحفاظ على صورة هذا السياج الذي يحمي المسجد الأقصى من إجراءات الاحتلال، بل ورفع وتيرة الردع الشعبي في وجهه بشكل يتناسب طرديا مع رفع مستوى شراسة الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة.
فإسرائيل تراهن على ضرورة كسر المقدسيين لتتمكن من الوصول إلى الأقصى وتسيطر عليه بالكامل، وبالتالي فالكرة تبقى دائما في ملعب المقدسيين لتأخير مشروع الاحتلال بالوقوف في وجهه بحزم لحماية المسجد، والوقت اليوم أصبح في صالحنا وليس في صالح الاحتلال، فليفهم شعبنا الفلسطيني هذه المعادلة.
وكما قال أبو العلاء المعري:
تقفون والفلك المسخّر دائرٌ…وتقدّرون فتضحك الأقدار