الخميس، 28 مايو 2026

مسافر على درب الأشواق.. ماذا رأى ابن بطوطة في منى وعرفات؟

 مسافر على درب الأشواق.. ماذا رأى ابن بطوطة في منى وعرفات؟

صحفي وباحث في التاريخ والتراث.

لم تكن مغادرة الشاب الطنجي "ابن بطوطة" لبلاده في عام 725هـ مجرد بداية لأسفار جابت الآفاق، بل كانت تلبية لنداء الحج الشريف الذي حرّك وجدانه، وسال به قلمه بلاغة وعاطفة. لقد خلّد "أمير الرحالين" في كتابه أدق تفاصيل المناسك ومشاعر الطواف وروحانية عرفة في العصر الوسيط، واصفا الكعبة كالعروس في جلالها. وفي هذا المقال، نبحر في أعماق رحلته الحجازية الفريدة، ونقارن مشاهداته برحلة البتنوني التي توثق الحج بعده بستة قرون.

الشوق إلى الحج عند المغاربة

ولم يكن خروج هذا الشاب الطنجي حدثا عابرا، بل كان ثمرة بيئة مغربية عاشت العصر الذهبي للرحلات الحجازية بين القرنين الخامس والثامن الهجريين، حيث حظي الحجاج والرحالة برعاية فائقة وتشجيع ملموس من القادة والحكام الذين سعوا لنقل معارف المشرق إلى قلب المغرب. ورغم أن وهج هذه الرحلات خبا قليلا في بعض الفترات بسبب طغيان وازع الجهاد في الأندلس لحماية ثغور المسلمين، تأثرا بفتوى ابن رشد الشهيرة التي آثرت الرباط على الحج، إلا أن الشوق المشتعل للديار المقدسة ظل يحدو قلوب الأعلام المغاربة، تاركا لنا سجلات خالدة من أدب الرحلات تضيق بها المكتبات.

"حظي الحجاج والرحالة برعاية فائقة وتشجيع ملموس من الحكام الذين سعوا لنقل معارف المشرق إلى قلب المغرب"

هكذا صِيغت سلسلة ذهبية من الرواد الذين مهدوا الطريق لابن بطوطة وساروا على درب الأشواق، فمنهم من طوت الأيام آثارهم، ومنهم من خُلِّد اسمه في الآفاق، كابن جبير الأندلسي الذي خطا بالرحلة خطواتها الواسعة الأولى، وابن رشيد الفهري صاحب "ملء العيبة"، والعبدري في رحلته المغربية، والتجيبي في "مستفاد الرحلة والاغتراب". ليتوج هذا العقد الفريد بظهور ابن بطوطة (عام 725هـ)، متبوعا بأعلام آخرين كالبلوي في "تاج المفرق"، وابن الحاج النّميري في "فيض العباب"، والرَّعيني في رحلته الحجازية المنظومة.

ولم تكن هذه الأسفار تقتصر على نيل البركات وأداء الفريضة فحسب، بل كانت رحلات علمية ودراسية بامتياز، تتوخى لقاء كبار الشيوخ والمحدثين في المشرق، والنهل من معارفهم، والعودة بأثمن الإجازات العلمية التي تُجيز لهم نقل مشاعل العلم ونشرها في ربوع المغرب.


ابن بطوطة في موسم الحج

غادر ابن بطوطة بلدته طنجة في المغرب الأقصى في بداية الأمر في عام 725هـ بقصد الحج. لكن بسبب تعذر الحج ذلك العام لما صادفه من صراعات بين البجا والمماليك على ساحل البحر الأحمر اضطر للانتظار سنة كاملة لحضور موسم الحج عام 726هـ/1326، وهو ما تم له بالفعل لكن عن طريق الشام والالتحاق بالركب الشامي هذه المرة بدلا من الركب المصري، فقد انطلق من مدينة دمشق في شوال من تلك السنة إلى المدينة المنورة ومنها إلى مكة المشرفة.

حين وطئت قدمه البيت العتيق في 20 ذي القعدة من ذلك العام، راح في بلاغة وجزالة يصف مشاعره حين شاهد الكعبة المشرفة لأول مرة في حياته قائلا: "وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيما وهي كالعروس تجلى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن، موصلة إلى جنة الرضوان".

"رأى ابن بطوطة عادة غريبة، فقد كانت تُضرب الطبول والدبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك"

وحين أتمَّ طواف القدوم والسعي بين الصفا والمروة راح يقول: "ومن عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبها متمكنا في القلوب فلا يحلها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ولا يفارقها إلا أسفا لفراقها، متولّها لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويا لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نصب الأعين، ومحبتها حشو القلوب حكمة من الله بالغة، وتصديقا لدعوة خليله عليه السلام، والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاق ويعانيه من العناء، وكم من ضعيف يرى الموت عيانا دونها، ويشاهد التلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة".

وإذا كان في 1 ذي الحجة رأى ابن بطوطة عادة غريبة، فقد كانت "تُضرب الطبول والدبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك، وما تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات، فإذا كان 7 ذي الحجة خطب الخطيب إثر صلاة الظهر خطبة بليغة يعلّم الناس فيها مناسكهم ويعلمهم بيوم الوقفة، فإذا كان 8 ذي الحجة بكّرَ الناس بالصعود إلى منى، وأمراء مصر والشام والعراق وأهل العلم يبيتون تلك الليلة بمنى، وتقع المباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، ولكن الفضل في ذلك لأهل الشام دائما، فإذا كان 9 ذي الحجة رحلوا من منى بعد صلاة الصبح إلى عرفة فيمرون في طريقهم بوادي محسّر، ويهرولون فيه، وتلك سنة".

"رأى ابن بطوطة في مكة بركة الأقوات، وتنوع الحاصلات على الرغم من كونها في أرض جدباء مقفرة"

لقد رأى ابن بطوطة في مكة بركة الأقوات، وتنوع الحاصلات على الرغم من كونها في أرض جدباء مقفرة، يقول: "ولقد أكلتُ بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرطب ما لا نظير له في الدنيا، وكذلك البطيخ المجلوب إليها لا يماثله سواه طيبا وحلاوة واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم، وكل ما يفترق في البلاد من السلع فيها اجتماعه، وتجلب لها الفواكه والخضر من الطائف ووادي نخلة وبطن مرّ، لطفا من الله بسكان حرمه الأمين ومجاوري بيته العتيق".


وفي يوم عرفة، يصف لنا ابن بطوطة صعيد عرفة وجبل الرحمة، وبعض الآثار التي كانت في هذه المنطقة في زمنه قائلا: "وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع، منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات، وفي قبليه جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها الناس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها".

ويضيف مستطردا: "وإذا حان وقت النفر، أشار الإمام بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتجّ لها الأرض وترجف الجبال فيا له موقفا كريما، ومشهدا عظيما، ترجو النفوس حسن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه، جعلنا الله ممن خصّه فيه برضاه".


وفي يوم النحر، يوم العيد، رأى ابن بطوطة كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تأتي في محمل الركب المصري وقد وُضعت في سطح الكعبة، وفي اليوم الثالث بعد النحر أخذ بنو شيبة سدنة الكعبة في إسبالها، وقد رأى ابن بطوطة في أعلاها طرازا مكتوب فيه بالبياض "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما (الآية) وفي سائر جهاتها طرز مكتوبة بالبياض فيها آيات من القرآن، وعليها نور لائح مشرق من سوادها". ولم يفت ابن بطوطة أن يشير أن السلطان المملوكي -وكان في زمنه الناصر محمد بن قلاوون- هو الذي كان يشرف على "كسوة الكعبة الكريمة ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقوامة وما يحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كل سنة".

"يوم العيد رأى ابن بطوطة كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تأتي في محمل الركب المصري"

وقد لاحظ ابن بطوطة كثرة تصدق الركب العراقي على فقراء مكة ومعوزيها بالذهب، حتى إن الأسعار قد رخصت في مكة بسبب كثرة ما أنفق من الذهب، وكانت العادة أن قوافل "ركاب" الحج تنقسم حينذاك إلى الركب المصري لأهل مصر والمغرب وأفريقيا ومن يأتي عليهم، والركب الشامي لأهل الشام وبلاد الروم والقوقاز ومن يأتي عليهم، والركب العراقي لأهل العراق وإيران ومن يأتي عليهم، وتنظيما للحج آنذاك فقد كان ينطلق الركب المصري في العودة ثم يليه الركب الشامي ثم يخرج الركب العراقي والخراساني في آخر الأمر.

أدى ابن بطوطة فريضة الحج، ثم انطلق مع الركب العراقي، وبدأت رحلته تتوسع في أقطار العالم حتى ظل سائحا في بلاد الله مدة بضعة وعشرين عاما متصلة كان نتاجها رحلته العظيمة التي استقبلها الشرق والغرب بالترجمة والقراءة بنهم وإعجاب، وقد أسماها "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وقد سُمي ابن بطوطة بسببها "أمير الرحالين المسلمين".

البتنوني والرحلة الحجازية

بعد ابن بطوطة بستة قرون، تحديدا في عام 1909، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني حاكم مصر أن يحج ويؤدي شعيرة الله، وهي الرحلة التي صار الخديوي يُلقّب بعدها بالحاج عباس حلمي الثاني، وقد اصطحب في حاشيته عددا من الوزراء وكبار رجال الديوان والعسكريين، وكان من جملتهم المؤرخ والرحالة المصري محمد لبيب بك البتنوني الذي كُلف بتدوين هذه الرحلة.

وقد عُرف البتنوني بهذا الاسم نسبة إلى "البتنون" وهي قرية في محافظة المنوفية المصرية نُسب إليها هذا الرحالة. وقد كان البتنوني محبا للرحلات والسفر، على درجة من الثقافة والوجاهة الاجتماعية، ألف في ذلك "رحلة إلى الأندلس"، و"رحلة الصيف إلى أوروبا"، وهذه الرحلة التي نحن بصددها والتي أسماها بـ"الرحلة الحجازية".

كتب البتنوني رحلته هذه، وطبعها بعد عودته في القاهرة، فاستُقبل الكتاب بين الناس آنذاك بالترحاب والحفاوة، حتى قررته وزارة المعارف "التعليم" على الطلبة في المدارس، وقد صدّر البتنوني كتابه برسالة الثناء التي أرسلها رئيس النظار "الوزراء" آنذاك محمد سعيد باشا إليه، وقد عد سعيد باشا هذا الكتاب عملا جليلا ومهما للغاية.


رأى البتنوني أن بلاد الحجاز لم تكن معروفة كما يجب لدى الناس في زمنه "مع أنه يقصدها سنويا أكثر من 200 ألف نفس (في عصره في بداية القرن العشرين) من المسلمين"، وأن كل ما كُتب عن رحلة الحج إليها لا يخرج عن بعض المناسك التي يضل المطلع في كثرة شعابها ووعورة طرقها ومجاهلها، مما يزيده ارتباكا وجهالة. ويعلق قائلا: "رأيتُ أن أضيف إلى الرحلة الخديوية كلمة عن المشاعر الدينية المقدسة، مبتعدًا عن الترّهات التي ألحقها بها مبالغة الوهم أو مغالبة الغرض، مما اتخذه أعداء المسلمين وسيلة للطعن عليهم في دينهم".

"جاءت رحلة البتنوني خليطا بين التاريخ والوصف الاجتماعي، وعرض الجوانب الفقهية والنوازل الملازمة للحج"

وقد جاءت رحلته المدونة خليطا بين التاريخ والوصف الاجتماعي، وعرض الجوانب الفقهية والنوازل الملازمة للحج، ثم أفرد الحديث عن خط سير الخديوي عباس حلمي الثاني وحاشيته منذ خروجه من مصر ووصوله إلى جدة عبر البحر الأحمر، وقد وصف الطريق من جدة إلى مكة، ثم وصف مكة وأيامه فيها قبل يوم عرفة.

ولم يفته الحديث عن أهل مكة في زمنه، وحكّامهم من الأشراف الهاشميين حينئذ، وهم يدينون بالولاء للدولة العثمانية التي كان لها والٍ على مكة أيضا، وقد دون مشاهداته عن بعض الآثار القديمة بها مثل دار خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ودار الأرقم المخزومي، وعين زبيدة، والتكايا والمدارس، والحرم ومساحته والزيادات التي حصلت فيه، والآثار التي في داخله، وكسوة الكعبة ومصاريفها، واختتم رحلته بالحديث عن القدس والمسجد الأقصى والآثار المتواجدة هناك، ومدينة الخليل وبيت لحم.

في 29 ذي القعدة 1327 (الموافق 11 ديسمبر/كانون الأول 1909) انطلق الركب من القاهرة بالقطار إلى السويس، ومن السويس ركبوا اليخت الخديوي "المحروسة" فوصلوا إلى رابغ، موضع الإحرام للمصريين، فأحرموا ثم انطلقوا بالباخرة مرة أخرى إلى جدة، وفي 1 ذي الحجة وصلوا إليها.

وقد وصف البتنوني جدة التي كان يحكمها الأشراف حينذاك عبر أحد وكلائهم وكانت تابعة للدولة العثمانية قائلا: "وفي موسم الحج ترى في جدة حركة مستديمة لا تنقطع ليلا ولا نهارا من الحجاج الذين إذا وصلوا إليها وجدوا على أبواب جمركها مطوفيهم أو وكلاءهم في انتظارهم وهم يُنادون: يا حاج فلان أو يا حجاج فلان (يعنون المطوّف)، فيعرف الحاج اسم مطوّفه فيُنادي عليه وهو في هذه الشدّة، فيُبادر إلى مساعدته ويأخذ منه ورقة جوازه ليُعلّم عليها من قلم الجوازات".

وبعد نزول الحجاج جدة وبقائهم فيها مدة يوم أو يومين للراحة والنظافة كانوا ينطلقون إلى مكة عن طريق الهجن أو الحمير أو الأحصنة، ولم تكن عربات أو سيارات حينذاك، كما يقول البتنوني.


وفي ليلة 3 ذي الحجة 1327 (الموافق 14 ديسمبر/كانون الأول 1909) وصل الخديوي عباس حلمي الثاني على صهوة جواده إلى مشارف مكة مع الركب المصري، وقد استقبله الشريف حسين وعلية القوم من أهل مكة وأكابر القوات العثمانية والمصرية، وبعد الاستقبال، دخل الخديوي عباس الحرم المكي الشريف، وطاف طواف القدوم، ووصف البتنوني مشاهد الاحتفاء والاحتفال بقدوم الخديوي.

وصف البتنوني مشهد يوم الجمعة في الحرم المكي قائلا: "لما صعد الخطيب المنبر صعد معه أحد الأغوات وجلس على الدرجة التي تلي قدميه، وهذه بلا شك عادة قديمة هدفها المحافظة على أمن الخطيب أثناء اشتغاله بإلقاء الخطبة حتى لا تتسرب إليه يد أثيمة.. وعقب هذه الخطبة أنعم الجناب العالي على الخطيب بخلعة سنية ألبسه إياها سعادة حسين محرم باشا، ثم صلى الخطيب بالناس تحت جدار الكعبة المكرمة".

"عاب البتنوني تخلف بعض وسائل الاتصال في مكة حينئذ مثل التلغراف والبريد"

عاب البتنوني تخلف بعض وسائل الاتصال في مكة حينئذ مثل التلغراف والبريد، وكانا قد بناهما الوالي العثماني عثمان باشا نوري في عصر السلطان عبد الحميد الثاني عام 1882، يقول: "والتلغراف في هذه المدينة لا نظام فيه بالمرة لعدم وصول غالب الإشارات التي تُرسل من وإلى أربابها، ولعل ذلك ناشئ من كثرة الأعمال زمن الحج. أما مكاتب البريد فشيء لا نظير له بالمرة في بوسطات العالم؛ فإن المكاتيب تحضر في زمن الموسم من جدة إلى مكة على الجمال في عدة زكايب، فتُلقى في طرقة مكتب البوستة الضيقة، ويأتي المطوفون أو صبيانهم أو الحجاج أنفسهم فيفرزونها ويأخذ كل ما يعثر عليه صدفة باسمه أو باسم معارفه، وعليه فأغلب الخطابات لا تصل إلى أربابها".

وكانت وما تزال التجارة من أكثر الأمور ذيوعا في موسم الحج وقد وصفها البتنوني بعناية قائلا: "وغالبها من صنف العطريات والسبح والسجاجيد والأقمشة الحرير الهندية والشامية، والصناعة فيها غير مهمة". وقد أسهب البتنوني في وصف أسواق مكة وما اشتملت عليه حينئذ، فمنها "سوق الشامية في شمال الحرم، وهي أشبه شيء بالأسواق التركية، ولها سقف من الخشب على مثال الخان الخليلي بمصر لولا أن شوارعها أضيق، وهذه السوق تضيق بالمارين خصوصا عند مرور الجمال بها. وفيها يبيعون السبح والأقمشة الهندية والتركية وغيرها، وفيها كثير من الفصوص الفيروز والياقوت والعقيق الذي يبيعه على الخصوص حجاج اليمن في شوارع المدينة بأثمان رخيصة جدا".

شاهد البتنوني وقوف الحجيج في عرفة، "وهم وإن انفصلوا في هياكلهم فإن قلوبهم مرتبطة ارتباط ذرّات الجسم الواحد ببعضها، وبعد صلاة العصر يتحرّك المحملان (المصري والشامي) بحرسهما إلى منحدر جبل الرحمة، وينهض خطيب عرفة (وهو في الغالب قاضي مكة الذي يتعين من قبل السلطان العثماني)، فيصعد بناقته إلى صدر هذا الجبل، ويخطب نيابة عن رسول الله خطبة يُعلّم الناس فيها مناسك الحج".

ويظل الناس يدعون ويلبون ويتضرعون إلى الله حتى إذا غابت شمس عرفة "أُطلق صاروخ من قِبل الخطيب إعلاماً بتمام الموقف، عندها تتحرك المحامل بين ضروب المدافع وعزف الموسيقات، وأصوات الابتهالات، وكثرة الدعوات، وانهمال العبرات، ويكون كل حاج قبل ذلك قد حمّل حمولة واستعد للإفاضة".


وفي صبيحة يوم النحر وهو يوم العيد الأكبر يكون عموم الحجاج قد وصلوا إلى منى، وقد كان المحمل المصري يخيم في "شمال المصطبة التي فيها مخيم الشريف (حسين)، والمحمل الشامي إلى جوار مسجد الخيف، وهو مسجد كبير ذو فضاء واسع مربع.. وبمجرد وصول الحجاج إلى منى يقصدون من فورهم جمرة العقبة فيرمونها وينحرون ويحلقون أو يقصّرون ثم يلبسون ملابسهم، وعندها يحل لهم كل شيء ما عدا النساء والطيب".

وفي منى شاهد البتنوني مراسم قراءة الفرمان العثماني، وهذا الفرمان كان يُرسل كل عام من إسطنبول إلى مكة يوصي فيه السلطان العثماني شريف مكة وحاكمها بالحجيج، ويرسل معه خِلعة سنية، وصرة المال، وهي جبة أو عباءة مطرزّة تقديرا لدوره، وكان لقراءة هذا الفرمان طقوس حيث تجتمع الحامية التركية وأشراف مكة وفق مراسم معينة، وفي هذا العام اجتمع معهم الخديوي عباس حلمي الثاني.

"في منى شاهد البتنوني مراسم قراءة الفرمان العثماني الذي يُرسل كل عام من إسطنبول إلى مكة"

يصف البتنوني ذلك المشهد قائلا: "أخذ في تلاوة الفرمان الذي كان يمسك بطرفيه اثنان من التشريفاتية، فتلاه بالتركية.. وبعد تلاوة الفرمان قام كاتب يد الشريف وتلا ترجمته المرسلة معه بالعربية وفحواها: أن مولانا السلطان حفظه الله (محمد الخامس العثماني).. يرجوه على الدوام مساعدة حجاج بيت الله الحرام، والقيام بكل ما فيه راحتهم وصحتهم، مع تأمين الطرق، وتسهيل المواصلات، والضرب على أيدي الخارجين من الأعراب عن الصراط السوي المستقيم". وقد لفت المرسوم النظر أيضا إلى الدقة في صرف المرتبات، وتوزيع الصدقات على أربابها بكل ضبط، مع مساعدة مأموري الدولة من عسكريين وملكيين على أداء وظائفهم.

وهكذا تظل "الرحلة الحجازية" مرآة حية لروح الأمة الإسلامية، تتجاوز حدود الزمن لتؤكد أن شعائر الحج مقدسة وثابتة، بينما تتغير من حولها تفاصيل السياسة والمجتمع ووسائل الاتصال، فمن فيض عاطفة ابن بطوطة وبلاغته في العصر الوسيط، إلى دقة توثيق البتنوني وملاحظاته الاجتماعية في مطلع العصر الحديث، نلمس الشوق ذاته الذي يربط مغرب العالم بمشرقه، لقد نجح كلاهما في تخليد مشاهداته ليتركا لنا إرثا ملهما يُثبت أن أدب الرحلة إلى الحرمين الشريفين سيظل نبعا متجددا، يترقب دائما أقلاما مبدعة تكمل مسيرته الطويلة عبر الأجيال.




الأربعاء، 27 مايو 2026

باحثة من غزة: استمعوا إلى قصص نساء القطاع لتدركوا أهوال "إسرائيل"

 باحثة من غزة:استمعوا إلى قصص نساء غزة لتفهموا تماماً الأهوال التي ترتكبها إسرائيل بحقنا

ألفت الكرد



نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للباحثة الميدانية في غزة لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسيلم"، ألفت الكرد، التي فقدت 16 من أفراد عائلتها في قصف إسرائيل لمنزلهم في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وفيما يلي النص الكامل للمقال كما ترجمته "عربي21":

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فقدتُ والدي، وشقيقي، وزوجته، وابنتهما. ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض. دُمّر منزلي، حيث كنا نعيش مع عائلة زوجي، جراء القصف الإسرائيلي. في عام 2024، وبعد شهور من القصف والنزوح، تمكنتُ من الفرار مع عائلتي إلى مصر. أعيش هنا منذ ذلك الحين، لكن ذكريات الحياة في غزة لا تفارقني. ما حدث لي يعكس الواقع الذي لا تزال تواجهه النساء الفلسطينيات في غزة خلال الإبادة الجماعية.

نجوتُ من شهور من القصف قبل أن أتمكن من الفرار. منذ بداية الحرب، أصبحت العديد من النساء في غزة المعيلات الوحيدات. وتشرّد عدد لا يُحصى منهن بلا مأوى أو حماية، وفقدت الكثيرات أطفالهن أو عائلاتهن بأكملها. وأظهر تقرير حديث للأمم المتحدة أن إسرائيل قتلت أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة خلال هذه الحرب، بالإضافة إلى إصابة 11 ألفا أخريات بجروح تسببت لهن بإعاقات دائمة.

كنت أعيش في حي الشجاعية بمدينة غزة مع عائلتي المكونة من ستة أفراد. كانت الحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي تتسم بالعنف والخوف وعدم اليقين الدائم. ومع ذلك، وفي خضم هذا الواقع، بنينا حياة كريمة ومستقرة، مع لحظات من الفرح. وأصبح صمودنا في وجه العنف المتواصل شكلا من أشكال المقاومة.

بالنسبة لي، تمثلت هذه المقاومة في العمل كباحثة ميدانية لدى منظمة بتسيلم، المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، حيث كنت أوثق انتهاكات حقوق الإنسان في غزة قبل الإبادة الجماعية بفترة طويلة. بالنسبة لعائلتي، كان ذلك يعني التمسك ببعض مظاهر الحياة اليومية الطبيعية: نزهات على شاطئ غزة، وزيارات نهاية الأسبوع لوالديّ في مخيم جباليا للاجئين، وزيارة حقول بيت لاهيا وبيت حانون. أماكن وأوقات ما زلت أحتفظ بذكريات حية عنها، دمرها إسرائيل جميعها الآن.

نزحتُ ست مرات قبل أن أضطر للفرار إلى مصر في نيسان/ أبريل 2024. في تشرين الأول/ أكتوبر  2023، غادرتُ أنا وعائلتي منزلنا وقضينا أياما نتنقل تحت قصف عنيف. لجأنا أولا إلى مستشفى الشفاء، وسط أعداد هائلة من الجرحى والقتلى. لاحقا، وبعد صدور أوامر بإخلاء شمال غزة، انتقلنا إلى المغراقة ثم إلى خانيونس، حيث عشنا في مأوى مكتظ تابع للأونورا، ننام في خيمة تحت المطر الغزير، ونكافح من أجل الماء والطعام والحطب. أصبحت طوابير الانتظار الطويلة أمام دورات المياه جزءا من حياتنا اليومية. ومن هناك، انتقلنا إلى رفح، قبل أن نضطر في النهاية إلى الفرار إلى مصر.

في اليوم الذي تمكنّا فيه أخيرا من الفرار، غمرتني مشاعر مختلطة من الفرح والحزن: فرح لأنني وعائلتي نجونا من الإبادة الجماعية، وحزن لأنني لم أتخيل يوما أنني سأغادر غزة في ظل هذه الظروف المؤلمة والمدمرة. نساء غزة يناضلن من أجل البقاء. بدلا من الأمن، يعشن في خوف؛ بدلا من المساواة والعدالة، يتم طمس هويتهن؛ بدلا من مستقبل مشرق، يواجهن حالة من عدم اليقين الوجودي. إنه واقع تُدمر فيه أبسط مقومات الحياة بشكل ممنهج، وتُسلب فيه الإنسانية. هذه هي النظرة التي يُفهم من خلالها ما يحدث في قطاع غزة: تدمير شامل للمجتمع الفلسطيني، حيث تقف النساء في طليعة المتضررين، وفي الوقت نفسه في طليعة الساعين للبقاء.

جمعتُ مؤخرا شهادات من نساء ما زلن يعشن في غزة لإعداد تقرير عن معاناة النساء الفلسطينيات في ظل الإبادة الجماعية. ترسم رواياتهن صورة لمعاناة تتجاوز مجرد تلبية الاحتياجات العاجلة، فهي تمسّ عقولهن، وأمومتهن، وخصوبتهن، وقدرتهن على البقاء.

لن أنسى أبدا قصة صفاء الفرماوي، التي قُتلت ابنتها غزال، البالغة من العمر 15 عاما، في مركز لتوزيع المساعدات في رفح. خلال المجاعة، كانت صفاء تذهب يوميا مع أطفالها إلى مراكز الإغاثة هذه على أمل الحصول على طرد غذائي أو دقيق. أطلق الجيش النار على ابنتها وقتلها أمام عينيها بينما كانت تحاول الحصول على المساعدة الغذائية.

إن الإبادة الجماعية الإسرائيلية تعني أيضا التدمير الممنهج لجميع جوانب الحياة، وجعل مستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة مستحيلا، من خلال تدمير البنية التحتية والأسس الاجتماعية اللازمة لبقاء الأجيال القادمة ونموها. أما العائلات التي نجت من العنف، فقد تعرضت لمستويات مروعة من الأذى. تقضي النساء ساعات في الطهي على نار مكشوفة، وغسل الملابس يدويا، والبحث عن الحطب، في محاولة لإعالة أسرهن.

كل هذا بعد انهيار نظامي الرعاية الصحية والتعليم في قطاع غزة تماما نتيجة للهجمات الإسرائيلية. توفي العديد من الأطفال بسبب سوء التغذية الحاد. أما بالنسبة للنساء الحوامل، فمعظمهن لم يتمكنّ من حضور الفحوصات الطبية أو متابعة حملهن مع الأطباء. كما عانت الكثيرات من نقص الغذاء الكافي والفيتامينات الأساسية، مما أدى بدوره إلى سوء تغذية أطفالهن حديثي الولادة. لم تتمكن العديد من النساء من إرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية بسبب سوء حالتهن التغذوية، مما جعل أطفالهن يعتمدون على الحليب الصناعي، الذي كان نادرا وغير متوفر في كثير من الأحيان.

يؤثر العيش في الخيام على العلاقات الأسرية. تعيش عائلات بأكملها في مكان واحد. لا توجد مرافق صحية أساسية، والحياة اليومية تعني مواجهة نقص حاد في المياه ومنتجات النظافة الشخصية أثناء الدورة الشهرية. قالت لي إحدى الأمهات، وهي أم لستة أطفال: "كان الحل الوحيد هو استخدام قطع من القماش أو ملابس صغيرة نقطعها ونطويها مثل الفوط الصحية، وهو وضع صعب للغاية ومقزز".

تواجه النساء في غزة ظروفا لا إنسانية، فضلا عن وطأة التجارب المؤلمة. تقول نبيلة عبد النبي، 50 عاما، وهي أم لستة أطفال من شمال غرب مدينة غزة: "لقد دُمرت حياتي وتحولت إلى مأساة مستمرة. روحي منهكة، وقلبي يعتصر ألما. أبكي على نفسي، على الجحيم الذي سقطت فيه. أتمنى لو كان هذا مجرد كابوس، وأن أستيقظ منه قريبا".

إن معاملة النساء أمر بالغ الأهمية لفهم الإبادة الجماعية في غزة. فهي لا تقتصر على قتل النساء اللواتي يحملن الجيل القادم من الفلسطينيين فحسب، بل تتعداها إلى التفكيك الممنهج لقدرة المرأة على إعالة نفسها - إطعام أطفالها ورعايتهم وحمايتهم.

ومع ذلك، تواصل نساء غزة نضالهن من أجل حياة طبيعية. إنهن يناضلن من أجل بقائهن وإنسانيتهن وأنوثتهن وهويتهن، حتى مع استمرار الإبادة الجماعية وتدمير المجتمع الغزي.

عودة كليتشدار أوغلو بالقوة القضائية تشعل تركيا وتربك المعارضة

 عودة كليتشدار أوغلو بالقوة القضائية تشعل تركيا وتربك المعارضة

 

في خطوة شكلت زلازلا سياسيا في تركيا، أتى الحكم القضائي ببطلان انتخابات حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية، ليخلط أوراق المعارضة في تركيا، ويحفز الحزب الحاكم لاستثمار في فشل المعارضة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

في المشهد السياسي التركي، لا تأتي الهزات الكبرى دائماً من صناديق الاقتراع أو الأزمات الطبيعية؛ فكثيراً ما تنطلق من أروقة القضاء وقاعات المحاكم. وبينما كانت المعارضة التركية تحاول استثمار مكاسبها التاريخية في الانتخابات البلدية الأخيرة تمهيدًا لمعركة الرئاسة المقبلة، جاء القرار القضائي بعزل أوزغور أوزال وإعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري ليقلب المشهد رأسًا على عقب، ويفتح الباب أمام واحدة من أعقد الأزمات التي عرفها الحزب منذ سنوات طويلة، لم يكن الأمر مجرد خلاف تنظيمي داخلي أو نزاع قانوني على مؤتمر حزبي، بل بدا وكأنه معركة مفتوحة على مستقبل المعارضة التركية بأكملها في لحظة سياسية شديدة الحساسية تعيشها البلاد، فما الخطب وإلى أين ستسير الأمور وسط هذا التخبط غير المشهود للمعارضة؟!

حكم قضائي بعزل أوزال وإعادة كليتشدار أوغلو

بدأت الأزمة تعود إلى المؤتمر العام الـ38 لحزب الشعب الجمهوري الذي عُقد في أنقرة خلال نوفمبر 2023، حين نجح أوزغور أوزال في الإطاحة بزعيم الحزب التاريخي كمال كليتشدار أوغلو بعد 13 عامًا من قيادة الحزب، مستفيدًا من حالة الغضب الداخلي عقب خسارة الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس رجب طيب أردوغان في مايو من العام نفسه، ووقتها بدا أن الحزب دخل مرحلة جديدة عنوانها تجديد الدماء والبحث عن خطاب سياسي أكثر قدرة على منافسة حزب العدالة والتنمية.

حصل أوزغور أوزال في الجولة الثانية من التصويت على 812 صوتًا مقابل 536 لكمال كليتشدار أوغلو، في نتيجة اعتبرها كثيرون لحظة تحول تاريخية داخل الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، لكن هذا التحول لم يكن هادئًا كما بدا في حينه، إذ بدأت منذ الأيام الأولى تظهر اعتراضات من قيادات محسوبة على فريق كليتشدار أوغلو تحدثت عن مخالفات تنظيمية وتجاوزات شابت العملية الانتخابية داخل المؤتمر.

وفي 21 مايو الجاري أصدرت محكمة الاستئناف في أنقرة قرارًا اعتبرته المعارضة بمثابة “الزلزال السياسي”، بعدما قضت بإلغاء نتائج مؤتمر 2023 وعزل أوزغور أوزال من رئاسة الحزب وإعادة كمال كليتشدار أوغلو رئيسًا مؤقتًا يتولى إدارة الحزب والدعوة إلى مؤتمر عام جديد خلال 40 يومًا.

القرار لم يكن مجرد إجراء تنظيمي داخلي بل حمل دلالات سياسية ضخمة؛ لأن حزب الشعب الجمهوري لا يمثل حزبًا عاديًا في تركيا بل يُعد أكبر أحزاب المعارضة ووريث الحركة الكمالية التي أسست الجمهورية التركية الحديثة، ولذلك بدا الحكم وكأنه يعيد خلط أوراق المشهد السياسي التركي بالكامل في توقيت شديد الحساسية.

انقسام المعارضة إلى جبهتين متصارعتين

ما إن صدر الحكم حتى دخل حزب الشعب الجمهوري مرحلة من الفوضى غير المسبوقة، أوزغور أوزال رفض الاعتراف بشرعية القرار ووصفه بأنه “انقلاب قضائي” يستهدف القضاء على المعارضة التركية بعد النجاحات التي حققتها في الانتخابات البلدية الأخيرة، كما أعلن تمسكه بمنصبه مؤكدًا أنه سيبقى داخل مقر الحزب الرئيسي في أنقرة “ليل نهار”.
 

بكلمات أخرى أكثر وضوحًا فإن من يصف القضية بأنها سياسية بحتة يتجاهل الوقائع القانونية الموجودة بالفعل، ومن يصفها بأنها قضائية خالصة يتجاهل طبيعة الصراع السياسي في تركيا وحجم المكاسب التي يمكن أن يجنيها حزب العدالة والتنمية


في المقابل تحرك فريق كمال كليتشدار أوغلو بسرعة لاستعادة السيطرة على الحزب مستندًا إلى الحكم القضائي، فيما بدأ محاموه اتخاذ خطوات قانونية وإدارية لتسلم المقر العام للحزب وتنفيذ القرار بالقوة إذا لزم الأمر.

تحول مقر حزب الشعب الجمهوري في أنقرة خلال ساعات إلى ما يشبه ساحة اشتباك سياسي مفتوح، حيث احتشد أنصار أوزغور أوزال أمام المقر رافضين تسليمه بينما تجمع أنصار كمال كليتشدار أوغلو مطالبين بتنفيذ الحكم واحترام القضاء، وسرعان ما تصاعد التوتر إلى تراشق بالحجارة واشتباكات محدودة بالأيدي بين الفريقين وسط انتشار كثيف لقوات الأمن التركية.

وفي خطوة دفاعية سريعة سعى أوزغور أوزال إلى تثبيت نفوذه داخل المؤسسات الحزبية والبرلمانية، فنجحت الكتلة البرلمانية للحزب في انتخابه رئيسًا للكتلة النيابية خلال اجتماع مغلق، في محاولة لتأكيد استمرار شرعيته السياسية رغم الحكم القضائي الذي عزله من منصب رئاسة الحزب.

لكن المعركة كانت تتجه نحو الحسم الأمني أكثر من السياسي، فقد طلب محامو كمال كليتشدار أوغلو رسميًا من والي أنقرة إرسال قوات الشرطة لتنفيذ قرار المحكمة وتسليم المقر العام للحزب، وبعد ساعات من التوتر والاحتكاكات تدخلت قوات الأمن وأخلت المقر بالقوة وسلمته إلى كمال كليتشدار أوغلو.

وكان المشهد الرمزي الأكثر دلالة حين بدأ أنصار كليتشدار أوغلو فور دخولهم المقر بإزالة صور ولافتات أوزغور أوزال التي كانت تحمل شعارات مثل “لا تراجع للوراء” و”سنواصل النضال”، في رسالة واضحة بأن مرحلة كاملة داخل الحزب انتهت بالقوة القضائية والأمنية معًا.

البداية كانت من الفساد داخل بلديات المعارضة

لم تأتِ أزمة حزب الشعب الجمهوري من فراغ بل جاءت في سياق سلسلة من الضربات السياسية والقضائية التي تعرضت لها المعارضة التركية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد فوزها الكبير في الانتخابات المحلية لعام 2024.

فقد تمكن الحزب من تعزيز سلطته على بلديات استراتيجية كبرى أبرزها إسطنبول وأنقرة، وهو ما اعتبره كثيرون بداية تحول حقيقي في التوازن السياسي داخل تركيا، لكن هذا الصعود السريع تبعه أيضًا سيل من التحقيقات القضائية التي طالت رؤساء بلديات ومسؤولين محليين محسوبين على المعارضة.

القضية الأبرز كانت اعتقال رئيس بلدية إسطنبول "أكرم إمام أوغلو" الذي يُنظر إليه باعتباره المنافس الرئاسي الأخطر للرئيس أردوغان في أي انتخابات مقبلة، فإمام أوغلو يواجه اتهامات تتعلق بالفساد وسوء استخدام السلطة وهي الاتهامات التي ينفيها بشكل كامل مؤكدًا أنها ذات دوافع سياسية.

كما شهدت عدة بلديات أخرى تابعة لحزب الشعب الجمهوري تحقيقات واعتقالات وملاحقات قضائية ما أضعف صورة الحزب أمام جزء من الرأي العام، وأدخل المعارضة في حالة دفاع دائم بدلًا من الاستمرار في استثمار مكاسبها الانتخابية.

الحكومة التركية تؤكد أن هذه القضايا قانونية بحتة وتتعلق بمخالفات حقيقية ووثائق وتحقيقات رسمية، بينما ترى المعارضة أن السلطة تستخدم القضاء لإضعاف خصومها السياسيين وتفكيك البنية التنظيمية للمعارضة قبل الانتخابات المقبلة.

خسارة المعارضة رؤساء بلدياتها لصالح العدالة والتنمية

بدأت المعارضة تواجه نزيفًا سياسيًا متزايدًا داخل البلديات والإدارات المحلية في موازاة الضغوط القضائية، فقد شهدت الأشهر الأخيرة انتقال عدد كبير من رؤساء البلديات من أحزاب المعارضة إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، في تطور اعتبره كثيرون مؤشرًا على تصدع داخلي داخل معسكر المعارضة.

أحدث هذه التطورات كان انضمام رئيسة بلدية أفيون قره حصار "بورجو كوكسال" - المعروفة بمواقفها السابقة المعادية للاجئين - إلى حزب العدالة والتنمية، إلى جانب رئيس بلدية دينار "فيصل توبجو"، وقد استقبلهما الرئيس أردوغان بنفسه خلال فعالية رسمية وسلمهما شارة الحزب الحاكم في مشهد حمل رسائل سياسية واضحة.

وبانضمامهما ارتفع عدد رؤساء البلديات الذين غيّروا انتماءاتهم الحزبية منذ انتخابات 2024 إلى 76 رئيس بلدية، بينهم 17 انتقلوا مباشرة من حزب الشعب الجمهوري إلى حزب العدالة والتنمية.

هذه التحولات لم تكن مجرد أرقام إدارية بل كشفت عن أزمة ثقة حقيقية داخل المعارضة، خصوصًا مع تصاعد الصراعات الداخلية والانقسامات بين أجنحة الحزب المختلفة، كما أنها منحت حزب العدالة والتنمية فرصة لتقديم نفسه باعتباره الطرف الأكثر استقرارًا وتنظيمًا في المشهد السياسي التركي، في مقابل معارضة تعاني من التفكك والانقسام والصدامات الداخلية.

هل حكم عزل أوزال قضائي أم سياسي؟

يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا وإثارة للجدل: هل ما حدث مع حزب الشعب الجمهوري قضية قضائية خالصة أم عملية سياسية مغلفة بالقانون؟

الحقيقة أن المشهد التركي يجعل الفصل الكامل بين السياسي والقضائي أمرًا شديد الصعوبة، فمن جهة لا يمكن تجاهل أن أصل القضية بدأ من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه، إذ إن الشكاوى والطعون والاعترافات المتعلقة بمخالفات المؤتمر جاءت من قيادات وكوادر محسوبة على فريق كمال كليتشدار أوغلو بعد خسارتهم الانتخابات الداخلية.

وهذا يعني أن الحديث عن “مؤامرة ملفقة بالكامل” يتجاهل وجود نزاع داخلي حقيقي ووثائق وشهادات قدمها أعضاء في الحزب ذاته، لكن في المقابل يبدو من الصعب أيضًا إنكار البعد السياسي الهائل للقضية، خاصة أن توقيت الحكم جاء في لحظة تشهد فيها المعارضة التركية صعودًا ملحوظًا بعد الانتخابات البلدية، إلى جانب وجود سوابق عديدة في تركيا لتداخل القانوني والسياسي في ملفات حساسة.

بكلمات أخرى أكثر وضوحًا فإن من يصف القضية بأنها سياسية بحتة يتجاهل الوقائع القانونية الموجودة بالفعل، ومن يصفها بأنها قضائية خالصة يتجاهل طبيعة الصراع السياسي في تركيا وحجم المكاسب التي يمكن أن يجنيها حزب العدالة والتنمية من إضعاف خصمه الأكبر.

ولعل الأهم من كل ذلك أن النتيجة العملية واحدة في النهاية وهي أن المعارضة التركية دخلت في واحدة من أعنف أزماتها الداخلية، بينما وجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام خصم مشتت ومنقسم وفي حالة دفاع مستمر.

كلمة أخيرة


تكشف أزمة حزب الشعب الجمهوري أن الصراع في تركيا لم يعد مجرد تنافس انتخابي تقليدي بين حكومة ومعارضة بل أصبح معركة معقدة تتداخل فيها المؤسسات القضائية والأمنية والحزبية والإعلامية في آن واحد، وما جرى بين أوزغور أوزال وكمال كليتشدار أوغلو لا يمثل فقط خلافًا على رئاسة حزب بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل المعارضة التركية وقدرتها على البقاء موحدة في مواجهة حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الحزب الذي تأسس قبل أكثر من قرن على يد مصطفى كمال أتاتورك ليقود الجمهورية التركية، يجد نفسه اليوم غارقًا في معركة داخلية تهدد تماسكه في لحظة تبدو فيها تركيا مقبلة على واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية، وبينما تتواصل الطعون والاحتجاجات والانقسامات، يبقى السؤال الأهم مفتوحًا: 
هل يستطيع حزب الشعب الجمهوري تجاوز هذا الزلزال السياسي واستعادة توازنه أم أن ما جرى ليس سوى بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة المعارضة التركية بالكامل؟

في بيتِ النَّبيِّ ﷺ!

 في بيتِ النَّبيِّ ﷺ!

أدهم شرقاوي



دخل أبو بكرٍ يستأذنُ على رسولِ اللّه ﷺ، فوجدَ النّاسَ جلوسًا ببابه، لم يُؤذَنْ لأحدٍ منهم، فأُذِنَ لأبي بكرٍ، فدخل.

ثمّ أقبلَ عمرُ، فاستأذن، فأُذِنَ له، فوجدَ النّبيَّ ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا،

قال: فقال: لأقولنَّ شيئًا أُضحكُ النبيَّ ﷺ،

فقال: يا رسولَ اللّه، لو رأيتَ بنتَ خارجة، سألتني النّفقة، فقمتُ إليها، فوجأتُ عنقها،

فضحكَ رسولُ اللّه ﷺ، وقال: هنَّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة!

فقام أبو بكرٍ إلى عائشةَ يجأُ عنقها، وقام عمرُ إلى حفصةَ يجأُ عنقها، كلاهما يقول: تسألنَ رسولَ اللّه ﷺ ما ليس عنده؟!

فقلن: واللّهِ لا نسألُ رسولَ الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده!

ثمّ اعتزلهنَّ شهرًا، أو تسعًا وعشرين، ثم نزلتْ عليه هذه الآية: 
“يا أيّها النبيُّ قل لأزواجك إن كُنتنَّ تُردنَ الحياةَ الدنيا وزينتها فتعالينَ أُمتعكنَّ وأُسرِّحكنَّ سراحًا جميلًا، وإن كُنتنَّ تُردنَ اللّهَ ورسوله والدارَ الآخرة فإنَّ اللّه أعدَّ للمحسناتِ منكنَّ أجرًا عظيمًا”

فبدأ بعائشة، فقال: يا عائشةُ، إنّي أريدُ أن أعرِضَ عليكِ أمرًا، أحبُّ أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويكِ!

قالت: وما هو يا رسولَ اللّه؟

فتلا عليها الآية،

قالت: أفيكَ يا رسولَ الله أستشيرُ أبويَّ؟! بل أختارُ اللّهَ ورسوله، والدارَ الآخرة، وأسألك أن لا تُخبر امرأةً من نسائك بالذي قلتُ!

قال: لا تسألني امرأةٌ منهنَّ إلا أخبرتُها،

إنَّ اللّه لم يبعثني معنِّتًا، ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا!

الدَّرسُ الأول:

لم يكن النّبيُّ ﷺ قليلَ المالِ دومًا، ولكنّه كان أجودَ النّاسِ في فقره وغِناه، وقد بلغَ به الجودُ أن يُنفقَ على النّاسِ أكثرَ ماله، ولا يُبقي لنفسه وأهله إلا القليل، وقد شعرتْ أمهاتُنا بضيقِ العيش، والمالُ عجلةُ الحياةِ للنّاسِ جميعًا مؤمنهم وفاجرهم! وما من أحدٍ إلا ويُحبُّ رغدَ العيش، وهذا لا مسبّةَ فيه ولا منقصة، ولكن لا أحدَ له إيمانُ النّبيِّ ﷺ ولا قلبُه، فلم تُطِقْ زوجاتُه ما كان يُطيقُ هو، فطالبْنه أن يُكثرَ لهنَّ من النّفقة، وقد أرادَ أن يكونَ لأهلِ بيته ما له من اليقينِ باللّه، والصدقةِ في سبيله، وهذا ما أدخلَ الهمَّ عليه، بأبي هو وأمي كان كلُّه لله!

الدَّرسُ الثاني:


الخلافاتُ الزوجية تقعُ في كلِّ البيوت، نحن بشر، طباعٌ وأهواء، نفسياتٌ وأمزجة، والحياة مهما كانت سعيدة، من الطبيعيِّ أن يتخللها بعضُ لحظاتِ الكدر! ولسنا ننادي ببيوتٍ لا تقعُ فيها المشكلات، فلو عُصِمَ منها بيتٌ لعُصِمَ بيتُ النّبيِّ ﷺ وأصحابه، فهم أعلى الناسِ إيمانًا وأخلاقًا، وإنّما ننادي أن نختلفَ بنُبلٍ، فلا نطغى ولا نفجُر، ولا نُريقُ كرامةً، ونحفظُ ماءَ الوجوه!

الدَّرسُ الثالث:


الحياةُ شاقّةٌ على الجميع أزواجًا وزوجاتٍ، ولا نملكُ إلا أن نُهوِّنَ على بعضنا الطريق، أن أحملها مرّةً وتحملني مرّةً، أن تُشفِقَ عليَّ في جهادي لتحصيلِ لقمةِ العيش، وأن أُشفِقَ عليها في جهادها مع الأولاد، والقيامِ بأعباءِ البيت! الحياةُ المثاليةُ الخاليةُ من التعبِ والكدرِ والمشقّةِ في الجنّة، أمّا هذه فدنيا، دارُ الكدِّ والتّعب، وليس أمامنا من خيارٍ إلا أن نُهوِّنها بحناننا وأخلاقنا، أو نزيدها قسوةً بأنانيتنا وقسوةِ قلوبنا!

الدَّرسُ الرابع:

البيوتُ الهادئةُ السعيدةُ المستقرة ليست التي لا تحدثُ فيها المشكلات، وإنّما هي تلك التي تمرُّ فيها المشكلاتُ مرورًا عابرًا، أيامٌ طويلةٌ من الحبِّ فيها قليلُ جفوة! ولحظاتٌ كثيرةٌ من الطمأنينة تتخللها لحظةُ فزع! وعمرٌ مليءٌ بالدلال يشوبه أيامُ إعراض! وتاريخٌ حافلٌ باللطف تُنغِّصه سويعاتٌ من القسوة! هكذا هي بيوتُ الصالحين، وسيِّدُ الصالحين نبينا ﷺ!

الدَّرسُ الخامس:

بنتُ الأصول تصبرُ على زوجها وتكونُ معه على الدنيا، وقليلةُ الأصل، كثيرةُ الشكوى، تكونُ مع الدنيا على زوجها! وإنَّ معادنَ الناس لا تظهرُ في الرخاءِ وفي الوفاق، هذه لحظاتٌ يكونُ الناسُ فيها جميعًا نبلاء! وإنّما إذا أدبرتِ الدنيا تباينوا، وظهرَ الخبيثُ من الطيب، وإنَّ الحياةَ نهايةَ المطافِ مواقف!

الدَّرسُ السادس:

لم يأذنِ النّبيُّ ﷺ بدخولِ النّاسِ عليه، لأنّه ليس في مزاجٍ يسمحُ له برؤيةِ النّاس، فهل قدَّرنا نحن أنَّ المرءَ يحتاجُ أحيانًا وقتًا مع نفسه، يستريحُ به من وعثاءِ الحياة! ولكنّه أذِنَ لأبي بكرٍ وعمر لأنَّ المشكلةَ كانت مشكلةً عائلية، وكلاهما حمىً له، فأبو بكرٍ والدُ عائشة، وعمرُ والدُ حفصة، وهذا درسٌ بليغ ألا يجعلَ أحدُنا مشاكلَ بيته مشاعًا للناس.

الدَّرسُ السابع:


لم يهُنْ على عمرَ بنِ الخطاب هذا الحزنُ الذي رآه على وجهِ النبيِّ ﷺ فأرادَ أن يُضحكه، فأخبره طرفةً هي من نوعِ المشكلةِ الراهنة، أي طلبُ أمهاتِ المؤمنين النفقةَ من النبيِّ ﷺ، ولم يكن وقتها يملكُ مالًا، ومن فقهِ التسليةِ عن الناسِ في المشاكل، أن تُخبرهم أنَّ كلَّ البيوت تقعُ فيها الخلافات.

الدَّرسُ الثامن:


لم يرضَ أبو بكرٍ وعمر أن تطلبَ ابنتاهما نفقةً ليست عند النبيِّ ﷺ، وهذا نُبلُ الآباء، فإذا عرفَ الأهلُ وضعَ الزوجِ وقلةَ ذاتِ يده، يجبُ عليهم أن يأخذوا على يدِ ابنتهم، وأن تعيشَ بما قسمَ اللّهُ لها، لأنَّ كثرةَ الطلباتِ من زوجٍ لا يجدُ مالًا كثيرًا، تُثقلُ كاهله، وتُشعره بالعجز، وهو مدعاةٌ للنفورِ بين الزوجين، وخرابِ الأسرة، فترفَّقوا!

صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٧٨) عن زهير بن حرب، حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا زكريا بن إسحاق، حدّثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله فذكره.

يؤلمهم العيد

يؤلمهم العيد



عبدالرحمن الشمري

في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة على شكل واحد للسعادة. الشوارع مزدحمة، المحلات مضاءة، الرسائل المتكررة لا تتوقف، والناس يتبادلون الأمنيات ذاتها بوجوه أكثر إشراقاً من المعتاد. حتى مواقع التواصل تتحول إلى معرض كبير للضحكات والزيارات وصور المجالس وثياب الأطفال الجديدة.

لكن هناك جانباً آخر للعيد لا يتحدث عنه أحد كثيراً. جانب صامت، يمشي بين الناس دون أن يراه أحد.

فليس كل من ابتسم في العيد كان سعيداً فعلاً، وليس كل من نشر صورة مع عائلته كان يشعر بالدفء الذي تبدو عليه الصورة. بعض الناس يدخلون العيد بقلوب متعبة، لكنهم يتقنون إخفاء ذلك، لأن الحزن في مواسم الفرح يبدو وكأنه ممنوع ولا يسمح به.

العيد يملك قدرة غريبة على إيقاظ الغياب.

كرسي فارغ على طاولة المائدة يكفي أحياناً ليغيّر معالم اليوم كله.

صوت اعتدنا سماعه كل عيد لكنه اختفى.

رسالة كانت تصل دائماً انقطعت.

أم تنتظر ابناً لن يعود هذا العام.

أب يحاول أن يبدو قوياً أمام عائلته رغم أن شيئاً داخله منكسر.

ومغترب يضحك في مكالمة الفيديو كي لا تقلق أمه، ثم يغلق الهاتف ويجلس وحيداً في غرفة صامتة وربما بكى.

هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر في الصور، لكنها الحقيقة التي يعيشها كثير من الناس كل عيد.

المشكلة أننا تعودنا أن نتعامل مع العيد وكأنه اختبار جماعي للسعادة.

يجب أن تكون سعيداً، متحمساً، مبتسماً، وإلا بدوت غريباً وسط الجميع.

لذلك يتعب كثير من الناس وهم يحاولون تمثيل الفرح فقط حتى لا يفسدوا مزاج الآخرين. يذهبون إلى الزيارات يلتقطون الصور يرددون عبارات التهنئة ذاتها ثم يعودون إلى غرفهم منهكين من كل هذا التظاهر.

ولأن الجميع مشغولون بإظهار فرحتهم لا أحد ينتبه غالباً لأولئك الذين يحاولون النجاة والهرب سريعاً من هذا اليوم.

لهذا لا يحتاج بعض الناس في العيد إلى هدية بقدر حاجتهم إلى انتباه حقيقي.

فغاية مرادهم أن يلاحظهم أحد فقط.

أن يسألهم شخص بصدق “أنت طيب ؟” دون أن تكون سؤالاً عابراً يُقال بحكم العادة.

أن يجلس أحد معهم دون استعجال.

أن يتذكرهم اتصال غير متوقع.

أن يشعروا أن وجودهم لا يزال مهماً وسط هذا الزحام الكبير.

أحياناً كلمة صادقة تفعل ما لا تفعله كل مظاهر العيد.

نحن نبالغ كثيراً في الاحتفاء بكل ما هو ظاهر في العيد وننسى المعاني الصغيرة التي تمنحه روحه الحقيقية. ليس العيد في عدد الزيارات ولا في الصور ولا حتى في الملابس الجديدة. العيد الحقيقي ربما يكون في قدرتنا على أن نكون أكثر لطفاً مع بعضنا وأكثر انتباهاً للقلوب التي تخفي تعبها خلف قناع الابتسامات.

ليس مطلوباً من الناس أن يكونوا سعداء طوال الوقت كي يستحقوا العيد.

يكفي أحياناً أن يجد الإنسان من يخفف عنه شعوره بالوحدة.

ولهذا قبل أن تنشغل هذا العيد بإرسال الرسائل المعتادة والمكررة أو ترتيب الصور أو متابعة تفاصيل اليوم الطويلة حاول أن تتذكر شخصاً قد يمر العيد عليه ثقيلاً دون أن يبوح بذلك لأحد.

اتصل به، اقترب منه، امنحه بعض الوقت الصادق في دعوة لمنزلك او لمكان تجتمع معه.

فالناس لا ينقصهم الفرح بقدر ما ينقصهم أن يشعروا بأنهم غير منسيين وأن هناك من يسأل عنهم ويفتقدهم ويهتم لحالهم.

حين يحرق «كومودوس» روما هرباً من مرآة «ماكسيموس»!

 خواطر صعلوك

حين يحرق «كومودوس» روما هرباً من مرآة «ماكسيموس»!

محمد ناصر العطوان

حين تنطفئ أضواء قاعة العرض، وتتلاشى هموم اليوم العادية في زحام مقاعد سينما «ويرهاوس»، يجد المرء نفسه –بفطرته كـ «صعلوك» يتأمل مفارقات الحياة بصمت– أمام الشاشة الفضية، لا ليبحث عن التسلية البصرية المعتادة، بل ليبحث عن مرآة ضخمة تعكس تشوهاتنا البشرية المعقدة... ولعل أعقد هذه التشوهات على الإطلاق، هو ما يفعله «الغضب الناجم عن الفشل».

الفشل يا سادة، حين لا يتم استيعابه بشجاعة، لا يتحول إلى حزن، بل يتحول إلى «غضب سام»، وهذا الغضب عزيزي القارئ لا يكتفي بتدمير صاحبه، بل يخرج ليعيد هندسة العلاقات بين البشر، ويشوه التصورات، ويقلب الموازين، لسبب نفسي بسيط وهو أن الفاشل لا يطيق رؤية الناجح، لأن كل نجاح يحققه الآخر، هو بمثابة صفعة تذكره بعجزه ونقصه.

ولكي نفهم هذه «الكيمياء» المدمرة أو ما يمكن تسميتها كيمياء «الغل» البشري، لا يوجد مختبر درامي أعظم من الجزء الأول من التحفة السينمائية «المصارع» (Gladiator) للمخرج ريدلي سكوت.

ففي قلب الإمبراطورية الرومانية، يقف «كومودوس»، ابن الإمبراطور والفيلسوف ماركوس أوريليوس... بحسابات الورق والأختام، كومودوس، يملك كل شيء بدءاً من الثروة، والعرش المنتظر، وانتهاءاً بالأناقة والقوة الجسدية... لكنه في الحقيقة يفتقد للشيء الوحيد الذي كان يتسوله طيلة حياته وهو رضا أبيه وإعجابه.

كومودوس، كان «فاشلاً» بمقاييس الفضيلة الرومانية؛ كان ضعيفاً، طامعاً، ومفتقراً للشجاعة والحكمة. وفي المقابل، يلمع نجم «ماكسيموس»، قائد جيوش الشمال والجنرال الذي يملك كل ما يفتقده كومودوس... الشجاعة، النبل، الرضا، والأهم من ذلك كله... الحب العميق والثقة المطلقة من ماركوس أوريليوس، الذي رأى في ماكسيموس، الابن الذي تمنى أن ينجبه.

غضب كومودوس، هنا لم يكن غضباً سياسياً من منافس، بل كان غضباً «وجودياً» نابعاً من الفشل الذاتي... فنجاحات ماكسيموس، المتتالية في ساحات القتال، وفي ساحات الأخلاق، كانت بمثابة مرآة يومية تعكس قبح كومودوس، وضحالته.

هذا الغضب عزيزي القارئ أعاد هندسة وجه «روما» بالكامل، حيث حولها كومودوس، من حلم «الجمهورية الفاضلة» التي أرادها والده، إلى مسلخ دموي تحكمه المكائد والمصارعات الرخيصة لجمهور يرغب أن يشاهد المماليك وهم يموتون ويقتلون وتتم إهانتهم والبصق عليهم... الغضب من الفشل جعل الابن يقتل أباه، ويذبح عائلة منافسه، ويدمر إمبراطورية بأكملها، فقط لكي يكسر تلك «المرآة» التي تفضحه!

المخرج العبقري لم يتركنا وحدنا لنستوعب هذا الصراع النفسي المعقد، بل سلم حواسنا لأسطورة الموسيقى التصويرية هانز زيمر، والمغنية ليزا جيرارد، ليترجما هذا الغضب وهذا النبل إلى لغة لا تكذب.

أدخل عزيزي القارئ إلى اليوتيوب الآن، واستمع إلى موسيقى الفيلم... ثم عد لإكمال المقال وبصحبتك كوب من الشاي بالنعناع... موسيقى فيلم «المصارع» ليست مجرد إيقاعات حماسية للحرب، بل هي –كما يصفها النقاد– مبنية بالكامل على بنية «السؤال والجواب».

إذا أرهفت السمع للمقطوعات الخالدة في الفيلم، ستجد آلة الدودوك (الناي الأرميني) الحزينة تبدأ دائماً بـ «سؤال» وجودي موجع ومليء بالشجن وهو لماذا يُعاقب النبل ويُكافأ الغدر؟ أين يذهب هذا الألم البشري؟

ثم تأتي الموسيقى بـ«الجواب»، ولكنه جواب ينقسم إلى شقين، يعكسان هندسة العلاقات المشوهة في الفيلم، الأول هو جواب الغضب من (كومودوس)، حين تتدخل الآلات النحاسية والوتريات العنيفة، لتعلن عن إجابة الحقد الذي يحرق الأرض ومن عليها... 

أما الشق الثاني فهو جواب السكينة (ماكسيموس) حين ترتفع حنجرة ليزا جيرارد، بصوتها الأثيري العميق، الخالي من الكلمات والممتلئ بالمعاني. 

هذا الصوت يأتي كجواب يقول إن النجاح الحقيقي لا يكمن في البقاء على قيد الحياة، بل في الحفاظ على شرف الروح حتى لو دُفنت تحت تراب الكولوسيوم.

موسيقى الفيلم تخبرنا أن الغضب يصرخ دائماً ليثبت وجوده، بينما النجاح والسلام الداخلي يهمس بهدوء لأنه واثق من نفسه.

يا سادة، نحن لا نحتاج للعودة إلى روما القديمة لنرى كيف يعيد الغضب من الفشل تشكيل حياتنا. نحن نرى «كومودوس» كل يوم.

نراه في ذلك المدير الفاشل الذي يتفنن في تدمير وتهميش الموظف الناجح والمبتكر، لأن نجاحه يفضحه. ونراه في الصديق الذي يغتاب صديقه لكي يبرر تعثره الشخصي... ونراه في الفنان الذي ينتقد زملاءه دائماً على أعمالهم... ونراه في المجتمعات المتأخرة التي تصب غضبها على كل فكرة تنويرية ناجحة، لكي لا تعترف بفشلها التنموي... 

إن غضب الفاشلين، حين يمتلك الصوت العالي، قادر على حرق وتخريب كل شيء، تماماً كما أحرق كومودوس حلم روما.

ولكن، تماماً كما انتهى الفيلم، يبقى أثر «ماكسيموس» خالداً، وتبقى موسيقاه تتردد في الآفاق، بينما يُنسى غضب الفاشلين في مزبلة التاريخ، بمجرد أن تنطفئ الكاميرا... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الثلاثاء، 26 مايو 2026

حصى مِنى.. درسُ اليدِ الواحدة

 حصى مِنى.. درسُ اليدِ الواحدة

محمد خير موسى

"أشدُّ رسالةٍ في رمي الجمار هي ضرورة أن يكون معك على الدوام ميزانٌ تفحص به عقلك وتتفقّد به فكرك قبل حصاتك"


إذا وطئتَ مِنى أحسستَ أنك دخلتَ ساحة تنهض فيها الفكرة تمشي على قدمين، وترى الجموع تأتي من كل فجٍّ بلغاتٍ شتّى وملامح متباينة وطبائع مختلفة ثم تذوب الفوارق في لحظة واحدة كأنّ يدا خفيّة تمسحها من الوجوه وتمحوها من الألقاب، فيستقيم الصفّ على مقصدٍ واحد وتستقيم القلوب على وجهة واحدة.

ثم ترى الحصى في الأكفّ صغيرة وديعة وترى الكفّ ترتفع في انتظامٍ يأسرُ القلب قبل العين، وكأنّ السّماء تعلّم الأرض درس الاصطفاف لتقديم درسٍ فكريٍّ مهيبٍ تحضره البشريّة كلّها، ثم تنطلق الحصيّات نحو هدفٍ واحد فتشعر لحظَتَها أنّ الأمّة تستعيد نَفَسَها المشترك وصوتَها الواحد، ويظهر الرمي صورة من دورة فكريّة وتربويّة مكثّفة تقول للمسلم بأسلوبٍ واضحٍ لا يخطئه سمع القلب والعقل: اجعل عدوّك واضحا في قلبك، واجعل وجهتك واضحة في عقلك، واجعل يدك صادقة مع إعلانها وضوح العدوّ، واختر معركتك بعناية حتى لا تخبو قوّتك مع غير عدوّك.

أيُّ عدوٍّ هذا الذي ترى الأيدي كلَّها تتّجه نحوه في لحظةٍ واحدةٍ، فتلتقي الحصى في الهواء كما تلتقي القلوب على قصدٍ واحدٍِ ثم تهوي على جمرةٍ واحدة كأنّها تقول للناس جميعا: ههنا موضع العداوة وههنا جهة الرمي وههنا امتحان البوصلة؟


أيُّ عدوٍّ هذا الذي ترى الأيدي كلَّها تتّجه نحوه في لحظةٍ واحدةٍ، فتلتقي الحصى في الهواء كما تلتقي القلوب على قصدٍ واحدٍِ ثم تهوي على جمرةٍ واحدة كأنّها تقول للناس جميعا: ههنا موضع العداوة وههنا جهة الرمي وههنا امتحان البوصلة؟

إنه عدوّ المعنى والفكرة الذي يسرق من الإنسان إنسانيته حين يبدّل المقاصد، وعدوّ الروح حين تُستدرج إلى عبودية الشهوة والغرور والرياء، وعدوّ الأمّة حين تُستدرج إلى المعارك الصغيرة أو المطاحنات البينيّة حتى تنفلت منها وجهتها الكبرى؛ فالشيطان حين يُذكر في هذا المقام يُذكر بوصفه عنوانا جامعا لكل طريق يشتّت الصّفّ ويُذيب الحقّ ويُجمّل الباطل، ويعتدي على الحرمات ويدنّس المقدّسات ويستعبد الإنسان ويجعل السهم ينحرف عن هدفه، وتجيء الجمرات في هذا المشهد خريطة مصغّرة لمعركة الوعي والفكر؛ حجرٌ صغير يعلن أنّ القوّة حين ترتبط بالحق تكبر قيمتها، وأنّ اليد حين تستقيم على مقصدها تكون مسدّدة الهدف موجعة للمستهدَف، وأنّ الهزيمة تبتدئ يوم يضيع العدوّ في ضبابٍ كثيفٍ من التشويش والتّبديل فتضيع معه دلالة الرّمي ومعنى الاجتماع.

ثم تأمّل هذا الحصى في الكفّ؛ قطعةٌ من الأرض لا يُأبَه لها في الأرض؛ غير أنّها تتحوّل في يد الحاجّ إلى بيانٍ كاملٍ يوقظ البصيرة بوضوح أنواره ويحرّر القلب من سلطان الرموز الباطلة ببلاغة صراحته، وانظر إليها كيف تستحيلُ في لحظة الرمي سهما مقصودا فتتعلّم اليد أن المعاني الكبرى قد تُبنى بأداةٍ صغيرة حين يثبت الاتجاه وتصفو النيّة ويستقيم المقصد. ثم تغادر الحصاة الكفّ في قوسٍ واحد نحو جمرةٍ واحدة، فيتجسّد أمام العين أن قيمة الفعل في وضوح الهدف وحسن التوجيه، وأن اجتماع الحصيّات على نقطةٍ واحدة يدرّب القلب والعقلَ على اجتماع العزائم على عدوٍّ واحد، وأنّ تكرار الرمي يربّي الإرادة على قطع علائق الهوى وتهذيب نزعة التفرّق والمداومة على جبهة مواجهة العدوّ الواضح، فيغدو رمي الجمار درسا عمليا في توحيد الوجهة ومراجعة النفس كلما مالت إلى رمزٍ زائف أو معركةٍ جانبية مع غير العدوّ الحقيقيّ.

تكرار الرمي يربّي الإرادة على قطع علائق الهوى وتهذيب نزعة التفرّق والمداومة على جبهة مواجهة العدوّ الواضح، فيغدو رمي الجمار درسا عمليا في توحيد الوجهة ومراجعة النفس كلما مالت إلى رمزٍ زائف أو معركةٍ جانبية مع غير العدوّ الحقيقيّ


ويجيء التّكبير مع كلّ حصاةٍ كأنّه توقيع الغيب على حركة اليد؛ فتخرج "الله أكبر" من أفواهٍ تجرّدت في منى فتملأ الفضاء جلالا وتردّ القلب إلى مقامه الأول؛ عندها يحس الحاجّ ومن يتابع الحاجّ والحجّ أن كل عظمةٍ دون عظمة الله تعالى تذوب في هذا النداء، وأنّ اليد حين تقذف الحصاة تقذف معها هوى يتخفّى في النفس، وأنّ هذا التّكبير إعلان مواجهةٍ صريح شعاره وهدفه وغايته "الله أكبر طاعة للرحمن وإرغاما للشيطان"، فتثبت اليد في جبهتها ويستقيم الفكر على وجهته ويستقر القلب على عهدٍ المواجهة، وتغدو الجمرات درسا مقيما في أن التّحرر يبدأ من الدّاخل يوم ينتصر هذا النداء على نوازع الهوى.

وهنا تبدأ رسالة رمي الجمار لغير الحاجّ من أبناء المسلمين؛ رسالةٌ تتجاوز حدود مِنى وتطرق أبواب المدن والأسواق والبيوت، وتلفت أنظار العقول إلى أن توحيد الجهد على عدو واحد يلدُ الفاعليّة، وأنّ تشعّب ساحات الصّراع في الدّاخل يهدرُ الأعمار في المناوشات ويترك جوهر المعركة في مأمن، وأنّ اليد حين تتعدد أهدافها تتكسّر قوّتها. ثم يرسم رمي الجمار خطر الانقلاب في الوظيفة حين تتحول اليد التي خُلقت لتقذف حصاها في وجه العدو إلى يدٍ تصافحه وتبارك الطّريق نفسه الذي جاءت الحصيّات لتقطعه، وحين تنحرف اليد التي جاءت لتّتجه إلى عدوٍّ واحد فتقذف أخاها بحصى الاتّهام والتّخوين، وتنسج حول العدوّ حزاما من الأعذار وتفتح له طريقا في الوعي الجمعيّ يغيّر صفته من عدوٍّ إلى صديقٍ أو حليف، عندها ينقلب الرّمي إلى معنى مقلوب، وتصير الحصى أداةَ تمزيقٍ بعد أن كانت تربيةَ توحيد الفكرة وتوحيد الوجهة وتوحيد الأيدي الرّامية، ويصير الموقف دفاعا عن العدو بشعاراتٍ برّاقة، وينقلبُ الأخ عدوا إذ تضطرب المعايير وتنحرف البوصلة عن يدها الأولى.

أشدُّ رسالةٍ في رمي الجمار هي ضرورة أن يكون معك على الدوام ميزانٌ تفحص به عقلك وتتفقّد به فكرك قبل حصاتك؛ تتفقّد عقلك هل ما يزال يوحد الاتّجاه إلى العدو أم بدأ يغيّر الوجهة، وتتأمّل كيف تتسلّل صناعة التبرير فتبدّل المعايير وتستدرج المعارك الجانبية حتى تغدو خدمة للعدو الحقيقي؛ لأنها تستهلك طاقة الصّف وتفتح له أبوابا من الدّاخل، ثم تتفقّد يدك هل ما تزال مرفوعة في المواجهة أم كلّت وتعبت، أم غيّرت الوجهة، أم صافحت العدو، أم طعنت أخاها لأجل العدو، وعند هذا الفحص يستقيم معنى الجمرات درسا دائما في حراسة البوصلة وحراسة اليد وحراسة الصف وحراسة سلاحك.

x.com/muhammadkhm