قراءة في كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة»
• اسم الكتاب: النكير على منكري النعمة؛ من الدين والخلافة والأمة.
• المؤلف: شيخ الإسلام: مصطفى صبري.
• تحقيق: د. مصطفى حلمي.
• سنة النشر: 2004م.
• دار النشر: دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان.
• عدد الصفحات: 222.
قراءة جمال خطاب
كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة» لآخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، العلامة المحقق مصطفى صبري (1373هـ/ 1953م)، وثيقة فكرية وتاريخية بالغة الأهمية، فالمصنف، رحمه الله، لم يكتب من برج
عاجي، بل سطر كلمات كتابه هذا بدموعه بعد سقوط الخلافة
العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك.
ويأتي هذا التلخيص الشامل ليعيد صياغة أطروحات
الكتاب ومضامينه التي تقع في 222 صفحة من
تحقيق د. مصطفى حلمي، مسلطًا الضوء على الأبعاد
السياسية والعقدية والاجتماعية التي ناقشها المؤلف،
مع توثيق المتن بالاقتباسات الحية التي تعكس حرقة
الشيخ على أمته وبصيرته النافذة.
واقع مرير ونخب متخاذلة
يفتتح شيخ الإسلام كتابه بتحليل دقيق وبائس لواقع الأمة الإسلامية عقب زوال مرجعيتها السياسية والدينية، معبرًا عن أسفه الشديد من استسلام الجماهير
والنخب الفكرية والدينية لهذا الواقع الجديد.
ويصف هذا التخاذل بقوله: «ثم إنِّي قبل الشُّروع في
المقصود، أرى من الواجب أن أَذكر بالأسف كونَ
أمر المسلمين منذ زمنٍ بعيد بِيَد غيرهم؛ فأكثَرُ من
خمسة وتسعين في المائة منهم في حكم الأجانب،
والباقي الأقلُّ من خمسة في المائة، وهو من تعدُّ
أزِمَّتُهم بأيديهم تحت غلبة اللادينيِّين، ممن تَسمَّى
بأسماء المسلمين».
نخب تستجير من الرمضاء بالنار
فرية فصل السلطة عن الخلافة
ببصيرة فكرية سابقة لعصره، استطاع الشيخ صبري أن يدرك أن الخطوة الكمالية الأولى المتمثلة في فصل السلطة الزمنية عن الخلافة الروحية ونزع الصلاحيات التنفيذية من الخليفة عبد المجيد، لم تكن مجرد إجراء إداري لإصلاح هيكل الدولة، بل كانت مقدمة تكتيكية خبيثة لاستئصال الدين من الحياة العامة وفصله عن السياسة.
ويحدد الشيخ المرامي الحقيقية للكماليين بقوله: «وليس مرمى الكماليِّين فيما فعَلوه سوى غَرضين، أحدهما: نَشْل (سرقة) السُّلطة من آل عثمان، ونَقْلها إلى مصطفى كمال.. والغرَض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التَّدريج، ورَمي لإخراج حكومتهم من أن تكون حكومةً إسلاميَّة».
ويشرح الشيخ الآلية الفلسفية والواقعية التي تحول بها فصل السلطة عن الخلافة إلى إخراج كلي للدين من الدولة، لأن النفوذ الفعلي يتبع القوة التنفيذية، فإذا جُردت الخلافةمنها صارت صفة هلامية بلا قيمة: «وإذا كانت الحكومة هي القوَّةَ العاملة، والخلافة عبارة عن اتِّصاف تلك الحكومة بصفة دينيَّة، فلا جرم صار إخراجُ الحكومة عن الخلافة إخراجًا لها عن الدين.. لأنَّهم نقلوا الحكومة النَّافذة إلى مجلسهم الذي سمَّوه مجلسًا وطنيًّا، واختاروها لأنفسهم، وتركوا الشَّريعة الإسلاميَّة مع الخلافة في الخليفة مجرَّدةً عن النُّفوذ».
الارتداد إلى اللادينية
1- إلغاء المحاكم الشرعية:
وهو الإجراء الذي عدّه الشيخ ضربة قاضية لهوية
الدولة الإسلامية ومستتبَعًا طبيعيًا لفصل السلطة:
«فلا جرم التزموا إلغاء المحاكم الشرعية الممثِّلة
لحاكمية الدِّين في المَمْلكة».
2- سن القوانين المناقضة للشريعة وإفساد الأخلاق:
يوثق الشيخ اتخاذ الكماليين إجراءات تمس صلب النظام الاجتماعي الإسلامي، كمنع تعدد الزوجات، وتغيير سن الزواج، وإلغاء الحواجز بين الجنسين في وسائل النقل والمحافل العامة، حيث يذكر متهكمًا على مبررات وزير الداخلية اللاديني: «إنَّ الحكومة لاحظَتْ في رفع الستائر فائدةً صحِّية».3- إحياء العصبية الطورانية والرموز الوثنية:
حيث عمل النظام الجديد على استبدال رابطة عرقية ضيقة بالرابطة الإسلامية الجامعة، وإحياء شعارات وثنية قديمة مثل «الذئب الأبيض» ووضعه على طوابع البريد، ويعلق الشيخ على هذا السلوك الإحلالي بقوله: «إنَّما مَرْماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القُدَماء الذين قطعَ الإسلامُ انتسابَنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمَّة -بأيَّ صورة كانت- عن شعائرها الإسلاميَّة».
صناعة أبطال من ورق
تطرق الشيخ بنقد لاذع إلى الانتصارات العسكرية المزعومة التي اتخذها أتاتورك غطاءً تمريريًا لتنفيذ أجندته اللادينية، حيث صُور للعامة كبطل ومنقذ للإسلام (كحال صناعة الأبطال القوميين في التاريخ الحديث)، ويرى الشيخ أن هذا الفتح كان وبالًا على الدين؛ إذ منح العسكر الجرأة على افتراس مقدسات الأمة: ومن فرط ألمه على ضياع الدين مقابل هذا المجد الدنيوي الزائف.
ويطلق الشيخ صرخته المدوية التي تعكس عمق ولائه العقدي الذي يقدم فيه رابطة الدين على رابطة الدم والوطن: «لئن كانت أزميرُ شرَّ ذريعة وشرَّ قوة في أيدي الكماليِّين لِهَدم ما كان للدِّين من الحُكْم على الحكومة في تركيا، فلعنة الله على أزمير وعلى فَتْحها واستردادها».
يا حسرة على الخلافة التي فرطنا فيها!
ويضع الشيخ في الصفحات الأخيرة مقارنة إحصائية وحضارية مؤلمة بين ما كانت عليه الدولة العثمانية قبل تسلط الاتحاديين والكماليين وما آلت إليه بعدهم، مستنهضًا عقول القراء لإدراك حجم الخسارة: «فارْجِع البصَر إلى ما قبلها؛ كيف تجدها عند القياس بحالتها التي هي عليها اليوم من حيثُ فسحةُ المَمْلكة وضيقُها، وعَمارُها وخَرابُها.. ثم ارجِع البصر كرَّتين؛ حتَّى تهتدي إلى إدراك الفرق بين ما كانت عليه الدولة؛ أَعنِي: الدَّولة المعظَّمة الجامعة للسَّلطنة العثمانية والخلافة الكبرى الإسلاميَّة، مقترنة إحداهما بالأخرى.. وبين ما آلت إليه اليوم، وأعني به الدَّولة الصغيرة اللادينيَّة القوميَّة!».
لم يكن كتاب «النكير» مجرد سرد لتاريخ انقضى، بل هو صرخة ألم ونذير، وقراءة استشرافية دقيقة لآثار التغريب وفصل الدين عن واقع الحياة، تجعل منه مرجعًا دائم الخضرة لكل باحث عن أسباب النهوض والانتشال من وهدة السقوط.
