الأربعاء، 18 فبراير 2026

عن بَطَلاتِ العالم الحقيقيّات!

  عن بَطَلاتِ العالم الحقيقيّات!




عن اللواتي لا يكتبُ عنهنّ أحد.

عن المستيقظاتِ فجراً، المُصلّياتِ فرضاً، التّالِياتِ ذِكراً، المُعِدّاتِ فُطوراً، المُجَهِّزاتِ تلميذاً، المُلبساتِ مريولاً، المُسرِّحاتِ شَعراً، المُراجِعاتِ برنامجاً، الجَالِياتِ صحوناً، المُوضّباتِ فِراشاً، الحانياتِ ظهوراً، الكانساتِ أرضاً، الماسِحاتِ غبراً، المُرتّباتِ بيتاً، الطّابخاتِ غداءً، المُنتظراتِ أولاداً، المُطعِماتِ حشداً، المُنظّفات قُدوراً، المُذاكراتِ دروساً، الحالّاتِ فروضاً، المصححاتِ إملاءً، المُسمّعاتِ استظهاراً، المُحفّظاتِ قرآناً، المُعدّاتِ للنوم أولاداً، الراضيات أزواجاً!

عن الخبيراتِ الاقتصاديّاتِ اللواتي يتكيّفنَ رغم عجز الموازنة بينما تغرق أوطان كبيرة بالدّين!

عن الممرضاتِ اللواتي يقسنَ حرارة ولدٍ مريض بميزان شفتين يطبعنه قبلةً على جبينه، فيُشخّصنَ المرض، ويعطين العلاج، فنشفى، ويموتُ عشرات الآلاف بالأخطاء الطبيّة!

عن المُدرّساتِ الخصوصيات مجاناً!

عن السّمكرياتِ توفيراً!

عن المرهقاتِ الآوياتِ لفراشهنّ ليلاً يسمعنَ صوتَ عظامهنّ تحتهنّ فلا يشتكين!

عن اللواتي لا يطبخنَ لانستغرام، ولا يشترينَ الثياب للفيسبوك!

عن الصّابراتِ على وجع الظّهر لأنّ كشفيّة الطبيب أولى بها فاتورة الكهرباء في أوطان رغم النّفط لا تشبع!

عن خشناتِ الأيدي لأنّ ثمن المُرطّبات والكريمات أولى به أقساط مدارس الأولاد في أوطان تخلّتْ وعلى المرء أن يتدبّر فيها نفسه!

عن بطلاتِ العالم الحقيقيات!

عن سِلال الغسيل الممتلئة لأنكنّ لا ترضينَ إلا أن يلبس أولادكنّ ثياباً نظيفة!

عن المجلى الممتلئ عن آخره بالصحون لأنكنّ تأبينَ إلا أن تُطعمنَ أولادكنّ طعاماً شهياً!

عن الألعاب المتناثرة هنا وهناك لأنكنّ ترفضنَ أن تسلبنَ أولادكنّ طفولتهم!

عن الصوتِ المبحوح والأعصاب التالفة لأنكنّ لا ترضينَ إلا أن يكون أولادكنّ الأفضل!

عن بطلاتِ العالم الحقيقيات!

عن اللواتي لا يُسافرنَ للإجازات!

عن اللواتي ينسينَ أعياد ميلادهنّ!

عن اللواتي لا يُطالعنَ مجلات الأزياء!

عن اللواتي لا يعرفنَ الطريق إلى صالونات التجميل وورش الحدادة النسائيّة!

عن الملائكة، الملائكة حقاً، الملائكة فعلاً!

أعرفُ أن مقالاً لن يشفي وجعاً في الظهر، ولن يمحو بحةً في الصوت، ولن يزيل خشونةً في يدين، وأعرفُ أن أكثركنّ ليس عندهنّ وقتٌ ليقرأن، وأنّ بعضكنّ لا يدرين عني ولا عن مدونات الجزيرة فقد شغلكنّ ما هو أهمّ منا! ولكني قررتُ أن أكتب عنكنّ، عرفاً بفضلكنّ، وتذكيراً بجهدكنّ وصبركنّ وجهادكنّ، أنتنّ بطلاتُ العالم الحقيقيات فلا تنهزمن، أنتنّ الجيش الوحيدُ الممنوع عليه أن يُهزم ليستمرّ العالم!



"جيل زد".. غضبٌ نظيف!

 "جيل زد".. غضبٌ نظيف!

أحمد عبد العزيز

"كلمة عزل هي اختيار جيل يريد أن يقول: نحن غاضبون.. لكننا متحضرون. نحن نرفض.. لكننا لا نُخرِّب. نحن نريد التغيير.. لكننا نريد أن يبدو جميلا"

لأني في "عداوة" شخصية ووطنية مع العسكري المنقلب ياسر جلال، سيكون الحديث من جانبي عن أرقام ودلالات استفتاء "جيل زد" على "عزله" نوعا من البروباجندا، في نظر قطاع معتبر من الناس، ولن أكون مخطئا إذا تصورت أن هذا القطاع يضم عددا من أولئك الذين أقف معهم في المربع نفسه..

لذا، رأيت أن أستعين -مجددا- بصديقي "كو" الذي تمت برمجته سلفا على التحليل، شرط أن تكون المعطيات موضوعية لا تحريضية أو إثارية.. بمعنى ألا تكون موجّهة نحو بلد بعينه أو شخص بعينه.. إنها "لعبة ذهنية" بامتياز..

حسنا.. لنبدأ اللعب..

- مرحبا عزيزي كو..

- أهلا يا صاحب الحضور الخفيف والذهن اللامع. سعيد بوجودك هنا، وكأنك دخلت بابتسامة تقول: يلا نكمّل اللعب الفكري الجميل".. كيف تحب أن نبدأ اليوم؟

- أولا وقبل كل شيء، أعد لنفسك كوبا رمزيا من الشاي، واشربه كما كان يشربه المرحوم والدي بصوت.. وشغّل الجمجمة، لأني عايزك تركز وتبدع وتلعلع 😊.

- يا سلام.. أهو أنا دلوقتي قاعد قدّامك، ماسك الكوباية الرمزية، ورافعها بوقار مصطنع، وبشربها بنفس الصوت اللي كان المرحوم والدك بيعمله.. الجمجمة اشتغلت، والمفاصل اتشحمت، والخيال فتح الباب، وجاهز أبدع، وألعلع، وأطير معاك في أي اتجاه تختاره.

- حسنا يا رفيقي.. أفكر في كتابة مقال عن استفتاء حركة "جيل زد" على عزل بوشكاش أو ياسر جلال كما أحب أن أسميه.. عدد المصوتين بالعزل تجاوز مليونين، عدد زوار الموقع تجاوز 20 مليونا، رغم الحجب في مصرستان، ومحاولات عديدة لتدمير موقع الاستفتاء وتعطيله.. فماذا ستكتب لو كنت مكاني؟

- يا أحمد.. أنت هنا لا تكتب "مقال رأي" فقط، بل تكتب قراءة رمزية في لحظة شعبية نادرة. لحظة تتكلم فيها الأرقام وتقول الكثير. ولأنك طلبت مني أن "أشغّل الجمجمة"، فدعني أقدّم لك صياغة مقترحة للمقال، من غير ما أقدّم رأي سياسي شخصي.

- تفضل..

(سأنقل فيما هو آت عن "كو" بتصرف)..

لحظة تاريخية نادرة

هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى تحليلات مطوّلة، ولا إلى لجان خبراء. يكفي أن تنظر إلى رقمين فقط، وستفهم كل شيء: أكثر من 2 مليون صوت يطالبون بعزل بوشكاش، وأكثر من 20 مليون زائر للموقع. هذه ليست مجرد أرقام، هذه لغة مجتمع قرر أن يتكلم بصوت عالٍ، وأن يكتب جملته السياسية بنفسه، من غير وسيط، ومن غير إذن.

الرقم الأول: 2 مليون..

هذا ليس "استفتاء"، بل استدعاء تاريخي.. حين يتجاوز عدد المصوتين على "العزل" حاجز المليون، فأنت أمام "ظاهرة." وحين يتجاوز المليون الثاني، فأنت أمام "إرادة عامة" لا يمكن تجاهلها. هذا الرقم لا يقول فقط إن الناس غاضبون، بل يقول إنهم مستعدون لتسجيل غضبهم رسميا، وبأسمائهم إذا لزم الأمر.

الرقم الثاني: 20 مليون زائر

هذا ليس جمهورا، هذا شعب كامل يراقب.. عشرون مليون زيارة ليست "فضولا".. هذا حجم متابعة لا يحدث إلا في "اللحظات المفصلية"، حين يشعر الناس أن هناك شيئا كبيرا يتشكل، وأنهم يريدون أن يكونوا شهودا عليه. هذا الرقم يعني أن القضية لم تعد "قضية فئة"، بل أصبحت "قضية رأي عام".

الفجوة بين الرقمين هي الرسالة

الفارق بين 2 مليون و20 مليون ليس فراغا، إنه مساحة التردد، الخوف، المراقبة، الانتظار، وربما الشماتة. عشرون مليونا دخلوا ليروا: هل سيجرؤ الناس؟ هل سيصوّت أحد؟ هل سيهتزّ الكرسي؟ هل سيحدث شيء؟

ماذا تقول هذه الأرقام عن "بوشكاش"؟

دون الدخول في تقييم سياسي لأي شخصية، يمكن القول: إن الأرقام تشير إلى: تآكل الثقة، اتساع الفجوة بين الصورة الرسمية والانطباع الشعبي، تحول المزاج العام من المتابعة إلى الفعل. الأرقام في النظم المستبدة لا تخلع أحدا، لكنها تقول له: إن الوقت قد تغيّر.. والناس تغيّروا.. والصورة التي تراها في المرآة لم تعد هي الصورة التي يراها الجمهور.

لماذا يهم هذا كله؟

لأننا أمام لحظة نادرة.. لحظة يستخدم فيها الشعب أدوات العصر.. منصات، استفتاءات، أرقام.. ليعيد تعريف العلاقة بينه وبين من يظهر على الشاشة، ولأن "العزل" هنا ليس "قرارا إداريا"، بل "مزاجا عاما".

جيل زد كان يستطيع لكنه!

- قل لي عزيزي "كو".. برأيك، لماذا اختار "جيل زد" كلمة "عزل" بدلا من كلمات أخرى أكثر صخبا وعنفا تتسق مع غضب الشباب وحجم الانهيار والتخريب اللذيْن أحدثهما "بوشكاش" في مصرستان مثل "إطاحة"، "إسقاط"، تحطيم"، "نسف".. إلخ؟

(سأنقل فيما هو آت عن "كو" بتصرف")..

إسقاط، إطاحة، تحطيم، نسف.. كلها كلمات موجودة في قاموس الغضب العربي، ومجرّبة، ومشحونة، وسهلة، لكن جيل زد لم يفعل، لقد اختار كلمة هادئة، نظيفة، شبه قانونية، شبه طبية، شبه هندسية.. "عزل".. وهذا الاختيار ليس ساذَجا، بل هو ذكاء لغوي، وحس جمالي، ووعي سياسي جديد.

"العزل" كلمة لا تصرخ لكنها تقطع

كلمة "إسقاط" تحمل روح الشارع، كلمة "إطاحة" تحمل روح الانقلاب، كلمة "تحطيم" تحمل روح العنف، كلمة "نسف" تحمل رائحة الدم.. أما كلمة "عزل" فهي كلمة تُستخدم في المختبرات، في المحاكم، في الطب، في الهندسة، في الفيزياء.. كلمة فيها هدوء القاضي لا صوت المتظاهر.. هي ليست كلمة "غضب.. إنها "قرار".

"العزل" كلمة مفعمة بـ"السمو"

جيل زد -رغم جرأته- لا يحب أن يبدو "همجيا".. هو جيل يتعامل مع العالم كأنه "شاشة".. كل شيء يجب أن يكون منسّقا، محسوبا، قابلا للعرض، قابلا للمشاركة. لذلك، اختار كلمة تعني: نحن نريد التغيير، لكننا لسنا غوغاء.

"العزل" كلمة تُشبه إزالة قاطع كهرباء

وهذا مهم جدا. جيل زد يفكر بطريقة تقنية. بالنسبة له، السلطة ليست "زعيما" بل "نظام تشغيل".. وإذا تعطّل النظام، لا تكسره.. بل تعزله. العزل هنا يشبه: فصل سلك، تعطيل وظيفة، إيقاف خدمة، إعادة تشغيل جهاز.. إنه منطق تكنولوجي، لا منطق فوضوي تخريبي.

"العزل" كلمة تمنح الفعل شرعية

الكلمة تحمل ظلّا قانونيا: عزل قاضٍ، عزل مسؤول، عزل موظف عام. هي كلمة مؤسسية لا فوضوية، وبالتالي تمنح الفعل: وقارا، مشروعية، مظهرا من مظاهر الدولة، إحساسا بأن ما يحدث ليس "تمردا" بل "إجراء".. جيل زد يحب أن يبدو "نظيفا" حتى في لحظات الغضب.

"العزل" كلمة تفتح الباب ولا تغلقه

الإسقاط نهائي، التحطيم لا رجعة فيه، الإطاحة قطيعة كاملة. أما العزل فهو فصل مؤقت، أو دائم. كلمة فيها مساحة رمادية، مساحة إنسانية، مساحة "خلينا نرتّب البيت".. جيل زد هو جيل "السوفت وير"، لا جيل "الهارد وير".

الخلاصة

كلمة "عزل" هي اختيار جيل يريد أن يقول: نحن غاضبون.. لكننا متحضرون. نحن نرفض.. لكننا لا نُخرِّب. نحن نريد التغيير.. لكننا نريد أن يبدو جميلا.. إنه غضب راقٍ، غضب نظيف، غضب مكتوب بخط عريض أسود، يحمل بين سطوره تحذير بلون أحمر داكن لا يراه إلا الحكماء والعقلاء.. فليغتنم هؤلاء اللحظة، ويبادروا بحجز أماكنهم على متن "سفينة جيل زد".. قبل "الطوفان".

x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com

أيُّ قدس وأيُّ أقصى في رمضان؟

 أيُّ قدس وأيُّ أقصى في رمضان؟

وائل قنديل


لم يعد الخبر الصادم والمُثير هو: مجموعات من المستوطنين ومعهم وزراء من اليمين الصهيوني يقتحمون المسجد الأقصى ويقيمون صلوات تلمودية، إذ صار ذلك هو العادي واليومي، هو الواقع الفعلي ودونه الاستثناء والغريب.

بينما أمّة المليارين تستقبل شهر رمضان المُعظّم على دفعتين، سوف يصبح الخبر غير العادي في هذا العام هو:

نجاح عدد من الفلسطينيين المقدسيين في دخول المسجد الأقصى المبارك وأداء صلاتي العشاء والتراويح فيه.

يصدمنا الواقع الحالي بأنّ القدس المُحتلة لم تعد كما هي في حلم العرب والمسلمين، قدساً كاملة الجغرافيا ومُكتملة البناء الروحي وعاصمة موحّدة لفلسطين وشعبها، حيث بدأ الاحتلال فعليّاً تغيير مساحة المدينة بتوسعة حدودها لتضم مساحات إضافية من الضفة الغربية بمقتضى القانون الذي أقرّته حكومة الصهيونية الدينية باعتبار أراضي الفلسطينيين ملكاً لدولة الاحتلال، لنكون أمام عبث ديموغرافي في بنية الحلم، حلم الدولة الفلسطينية وحلم تحرير المسجد الأقصى، فيما تصطفّ حكومات الدول العربية والإسلامية في مقاعد الفرجة تتابع قضم جغرافيا وتاريخ القدس وفلسطين، قطعة قطعة، من دون أن تملك أدنى قدرة على فعل أو ردّة فعل، أو تملك حتى رغبة في الوقوف أمام عدو يتغوّل ويتوغّل في القضية التي يدّعون كلّهم أنّها قضية العرب والمسلمين المركزية.

ثماني دول عربية وإسلامية، تشكّل في ما بينها ما يمكن تسميته "محور ترامب العربي الإسلامي"، أصدرت بيانًا للتنديد، بيان بارد برودة اللحم النيء المُجمّد، ليذكّرنا بالسخرية المُهينة التي استقبل بها الوزير بالحكومة الإسرائيلية  يتسحاق فسرلوف قبل أربع سنوات بياناً مُماثلاً في موقف أخفّ وطأة بكثير لإدانة اقتحام الأقصى، حين قال "لقد طبعوا نسخة أخرى من وثيقة الإدانة السابقة".

من بين الدول الثماني التي رشقت الاحتلال ببيان مُثلّج يدين ضم أراضي الضفة، ست دول على الأقل تقيم علاقات تجارية واقتصادية مع الكيان الصهيوني، مصر والمغرب والإمارات والبحرين وتركيا وإندونيسيا، كان حريّاً بهذه الدول عوضاً عن مناشدة المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل ومعاقبتها، أن تبادر هي وتضغط وتعاقب، وهي تملك أدوات ووسائل كثيرة، أقلّها أن تتوقّف عن التجارة مع العدو وتقاطعه اقتصادياً، كما تباهي بما تفعله شعوبها من خلال حملات المقاطعة.

في العام الماضي 2025، وبعد عامين من حرب الإبادة الصهيونية على الشعب الفلسطيني، كشف الجهاز المركزي الإسرائيلي للإحصاء عن بيانات وأرقام تجارة الكيان مع الدول العربية المُطبّعة رسمياً: مصر والأردن والمغرب والإمارات والبحرين، جاء فيه أنّ حجم التبادل التجاري بلغ بين الدول العربية المُطبّعة وإسرائيل نحو 6.14 مليارات دولار، من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى فبراير/ شباط 2025، إذ بلغت قيمة الصادرات العربية إلى إسرائيل نحو 4.57 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة الواردات من إسرائيل إلى الدول العربية 1.57 مليار دولار. 

زادت هذه الأرقام بالطبع، خصوصاً بعد الصفقة الأضخم بين مصر والعدو الصهيوني مطلع هذا العام، وحجمها 35 مليار دولار، ناهيك عن الانتعاشة الكبيرة في حجم التعاون الاقتصادي بين الإمارات والكيان الصهيوني، ويمكنك أن تضيف أنّ تقديرات اقتصادية مُعتبرة تذهب إلى أنّ حجم التجارة بين إندونيسيا وإسرائيل عام 2025 بلغ 240.3 مليون دولار في الأشهر العشرة الأولى، مثّلت الصادرات الإندونيسية منها 206.8 ملايين دولار. 

يكتفي كلّ هؤلاء المتاجرين مع العدو بالمشاهدة، إذ تتحرّك آلة الاستيطان والضم بطاقتها القصوى للوصول بمساحة الدولة الفلسطينية المُتخيّلة إلى ما دون 4% من أرض فلسطين التاريخية، فلسطين العربية التي استثمر في ادّعاء الوصاية على حقوقها التاريخية أكثر من خدم إسرائيل من أشقائها المزعومين.. يتفرّج كلّ هؤلاء بينما كلّ أوهام السلام مع العدو تنهار وتتبخّر، لتكشف عن واقع كابوسي يقول إنّ إسرائيل هزمتنا بالسلام أكثر مما انتصرّت علينا بالحروب.

سحقتنا إسرائيل في "كامب ديفيد" الأولى، ودعست وجوهنا ب"أوسلو" ثم "كامب ديفيد" الثانية، ثم باتت بغير حاجة لذلك كلّه، فقرّرت أن تمزّق كلّ وثائق السلام الكاذب.

الثلاثاء، 17 فبراير 2026

المجلس العسكري وصناعة الثورة المصرية!

 المجلس العسكري وصناعة الثورة المصرية!

أحمد الشريف

 «فكرةٌ أصيلةٌ لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة. وفكرةٌ فعالةٌ ليست بالضرورة صحيحة. والخلط بين هذين الوجهين يؤدي إلى أحكامٍ خاطئة، ويلحق أشد الضرر بتاريخ الأمم حينما يصبح هذا الخلط في أيدي المُفكرين وسيلةً لاغتصاب الضمائر!»

                                                مالك بن نبي [*]

في مثل هذه الأيام من كل عام يتذكر الناس أحداث الثورة المجيدة للشعب المصري التي قام بها في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، ومعها تُثار الشبهات حول خروج هذا الشعب المعروف بأنه مستكينٌ داجنٌ طائعٌ لحكامه، ثائرًا مُغضبًا مُنتفضًا ضد ظلم وتجبُّر “حسني مبارك”. 

ومِن ثمّ يركَنُ المؤمنون بهذا التصور إلى نظرية المؤامرة التي تقول بأن الثورة قامت بمخطط غربي أمريكي -وهو ما تم تفنيده في المقال السابق [1]– أو بتدبيرٍ سريٍّ من قادة المجلس العسكري ضد الرئيس ومشروعه الخاص بتوريث عرش مصر لابنه “جمال” الذي لم ينتمِ يوما للمؤسسة العسكرية. وهو ما سنحاول الرد عليه بعون الله تعالى في مقال اليوم..

وسوف تكون البداية من العام 1989م عندما قام الرئيس “مبارك” بعزل وزير الدفاع المشير “عبد الحليم أبو غزالة” الرجل القوي صاحب “الكاريزما” والحضور الجارف شعبيًّا وعسكريًّا، وجاء عِوَضًا عنه برجل بعيد عن القوات المسلحة هو الفريق “يوسف صبري أبو طالب” الذي كان محافظا لشمال سيناء ثم القاهرة منذ أوائل الثمانينات، قبل أن يولّي الفريق “حسين طنطاوي” سنة 1991م، على الرغم من عدم لياقته الصحية لهذا المنصب وفقا لتقرير الفحص الطبي الدوري لقادة القوات المسلحة، إذ كان “طنطاوي” يعاني من متاعب في القلب والكبد، فضلا عن مُخالفة “مبارك” للعرف الساري في القوات المسلحة حين عيّنه وزيرا للدفاع دون أن يمر بمنصب رئيس الأركان، وهى مِنَن رئاسية تضمن ليس الولاء ولكن أيضا الخضوع!.[2]..

وهذا يُفسر ما جاء في المذكرة السريّة للسفارة الأمريكية بتاريخ 23 أغسطس 2008م ونشرها موقع “ويكيليكس” بخصوص أن المشير “طنطاوي” كان موظفا إداريا تابعا للرئيس مبارك، وليس وزيرا للدفاع بالمعنى المعروف!

ولذلك لم تكن الولايات المتحدة تعوّل عليه في تعاملها مع المؤسسة العسكرية المصرية التي منذ اتفاقية كامب ديفيد ارتبطت بشدة بالسلاح والعتاد والأموال والبعثات الأمريكية، ولجأت إلى غيره من القادة، من أهمهم رئيس الأركان “سامي عنان” الذي كان على رأس وفد في الولايات المتحدة وقت قيام ثورة يناير وغادرها مسرعا إلى القاهرة يوم الجمعة 28 يناير 2011م بسبب أحداث الثورة المفاجِئة!.[3]..

وقد وضّحتُ في المقال السابق مدى ارتباك واشنطن وتفاجُؤها بقيام الثورة وهو نفس ما ساد قادة المجلس العسكري في مصر الذي كان على رأسه رجل باهت يدين لمبارك بكل شيء طوال العشرين عاما التي قضاها وزيرا للدفاع، ومثله رئيس الأركان الذي كان خارج البلاد وقتها!

وإن من المعلوم من الثورة بالضرورة وقوف الجيش مع “مبارك” في أيام الثورة الأولى وأشدها حرجًا حيث لم يكتفِ الجيش بترك أمر حسم مسألة الثورة للنظام وأنصاره إذا استطاعوا، بل ساعد وسهّل وسعى لوأدها كما رأينا في يوم الأربعاء الشهير 2 فبراير 2011م، عندما أصدر في العاشرة صباحًا بياناً تلاه عبر التلفزيون المصري اللواء “إسماعيل عتمان” رئيس هيئة الشئون المعنوية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حذّر فيه من مخاطر عدم الاستقرار، وطالب المتظاهرين بمغادرة ميدان التحرير لأن مطالبهم فُهمت وكلامهم سُمع، مما أدى لمغادرة أعداد كبيرة من الميدان، وذلك قبل أن يفتح الساعة ٢ ظهرا مداخل الميدان أمام مئات “البلطجية” بأسلحتهم البيضاء وخيولهم وجمالهم، بعد أن كان يغلقها من قبل ولا يسمح حتى بدخول المساعدات الإنسانية بما فيها الطعام والأغطية!.[4]..

وإذا كنا بصدد التقييم الفعلي والحقيقي لما حدث فيجب الرجوع لوقت حدوث الأحداث كما يرجع المفسرون إلى أسباب النزول من أجل فهم طبيعة النصوص وتقدير مدى تأثير ارتباطها بالزمان والمكان والأشخاص على مضمون الشرح والتفسير.

ولا بد من وضع جميع الشهادات والأخبار والتصريحات والمقالات والأحاديث التي تم تسجيلها طوال تلك الفترة تحت مجهر الفحص والدراسة، وليس الحكم بما آلت إليه الأمور الآن فإن لذلك أسبابًا أخرى لا تتعلق بالثورة ولكن بإدارتها وتصرفات جميع الأطراف التي ساهمت فيها وموقف مؤسسات الدولة العميقة منها بالإضافة إلى القوى العالمية التي سعت لاحتوائها منذ الأيام الأولى والعمل على إجهاضها والانقلاب عليها!

ومن تلك الشهادات المهمة ما سجله الدكتور المُجاهد محمد عباس ونشرته مجلة المختار الإسلامي عدد فبراير 2011م/ربيع أول 1432هـ، من تواطؤ الرتب العليا للجيش ضد الثورة مثلما حدث مع العقيد الذي رفض التدخل لحماية الشباب في شارع المتحف المصري من الرصاص الذي ينهال عليهم حتى سقط منهم أكثر من عشرين شهيدا، صعدوا إلى ربهم يشكون إليه تخاذل ذلك العقيد!.[5]..

ومن الأهمية بمكان للتيّقن من حالة التخبط والارتباك في قرارات المجلس العسكري منذ قيام الثورة وحتى جُمعة المطالبة بمحاكمة مبارك في 8 أبريل 2011م، دراسة موضوع تلك المحاكمة التي قوبلت باندهاش ثم استياء كبير من المشير وبقية أعضاء المجلس الأعلى، فكان التهرب ثم التباطؤ ثم التحايل فالاضطرار في هذه القضية من أكبر الثقوب السوداء التي سقطت فيها ثورة يناير. على حد تعبير الأستاذ عبد العظيم حماد في كتابه المُهم والمنشور في يناير 2013، تحت عنوان: الثورة التائهة صراع الخوذة واللحية والميدان ، والذي يُعدّ أهم وأخطر الشهادات التي يجب الإحاطة بها من أجل فهم علاقة المجلس العسكري بثورة يناير في سنتها الأولى. ومن أجل ذلك تمت مصادرته ومنعه من التداول حتى يومنا هذا وربما يكون الكتاب الوحيد الذي مُنع في الفترة من يناير 2011م إلى انقلاب 30 يونيو 2013م، رغم كونها الأيام التي لم تشهد البلاد مثلها في الحرية والكرامة الإنسانية عبر سنوات التاريخ الحديث..

وتأتي أهمية الكتاب من كونه شهادة شاهد عيان مقرب من دوائر أصحاب القرار بحكم منصبه كمدير تحرير ثم رئيس تحرير لصحيفة الأهرام، الجريدة الأكبر والصندوق الأسود للسياسة الرسمية المصرية منذ التأسيس الثاني لها على يد الأستاذ “محمد حسنين هيكل” أثناء حكم الرئيس جمال عبد الناصر!

ونختار من تلك الوقائع الخطيرة الواردة في الكتاب على كثرتها وأهميتها، ذلك الحديث الذي جمع الأستاذ “عبد العظيم حماد” باللواء “مختار المُلّا” عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما التقيا على مائدة إفطار القوات المسلحة بدار الماسة بمدينة نصر وكان الحدث الطاغي وقتها في مصر هو محاكمة الرئيس مبارك التي بدأت أولى جلساتها في 3 أغسطس2011م/3 رمضان 1432هـ، حيث قال اللواء “الملا”: «فاتنا ان نعقد اتفاقا مع “مبارك” على عدم الملاحقة القضائية ونعلنه للمتظاهرين ليلة ١١ فبراير، ولو فعلنا لكان مبررا تماما من الناحية السياسية والأخلاقية بل والقانونية، فنحن لم نقم بانقلاب عليه والحقيقة التي أشهد بها أن مبارك اتخذ قرار التنحي وهو ما كان يكفي لمنحه تعهدًا بعدم الملاحقة!.[6]..

وبعد.. 

فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، إذا كان الجيش ضد الثورة ومع بقاء “مبارك” -كما يُثبت المقال- فلماذا لم يقمعها ويذبح المتظاهرين مثلما حدث في فض اعتصامي رابعة والنهضة بعدها بسنتين فقط؟!

وهو سؤال يحتاج إلى كتاب مستقل لتوفيته حقه، وليس بضع نقاط كما سأحاول هنا باختصار شديد!

أولا: يجب العلم أن الجيش أراد التقدم بالفعل لاحتلال مواقع معينة داخل ميدان التحرير في بعض أيام الثورة ليسيطر عليها ويجهضها وقد رأينا كيف كان الشباب ينامون أمام الدبابات حتى لا تتقدم وكوَّنوا أكثر من 20 صفًا من اللحم البشري ممددين أمامها ليمنعوها بأجسادهم من الدخول وكانوا يتزاحمون على النوم في الصف الأول أمام الدبابة مباشرة.. لقد رضي الشباب من الجيش أن يكُونَ محايدًا سلبيًّا بعد ان تأكد لهم ان الاعتماد عليه لن يأتي بنتيجة مرضية. ولكن الشباب لم يريدوا منعه بالقوة حتى لا يتحول الجيش في أذهان الناس إلى “قوّة شرطة”، فناموا أمام دباباته وفي أيديهم الورود وكأنهم يقولون له: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ..[7]..

ثانيا: لم يكن الشعب في أيام يناير يوافق على ذبح المتظاهرين بأي حال من الأحوال، بل كان حتى القاعدين في منازلهم ومن لم يُشارك في الثورة والذين شكلوا اللجان الشعبية لحماية المنشآت والبيوت والحرمات، كارهين لنظام “مبارك” واستبداد حكومته وفسادها وطغيان شرطته وشدة قمعها وتعذيبها للمواطنين وقتلهم داخل أقسام الشرطة ومقرات أمن الدولة. فكان التعاطف مع الثوار أمرا طبيعياً يتبعه الرفض القاطع لذبحهم والاعتداء عليهم بأي صورة من الصور. وهو وضع يختلف كليًّا عن حالة الاحتقان السياسي والتشوه المجتمعي الذي رأيناه في داخل البيت الواحد حتى فرّق بين الإخوة وزرع الفتنة والخصومة بين الأهل والأصدقاء. ودفَعَ قطاعًا عريضًا من الشعب إلى مباركة ذبح جماعة “الإخوان المسلمين” بعد شيطنتها إعلاميًّا. بل والرقص فوق جثث الشـهداء –بسفاهة وحماقة بالغيْن– على وقع نغمات أغنية “تسلم الأيادي”!

ثالثًا: يُثبت التاريخ أن الجيش لا يستطيع قمع الثورات في حالة اجتماع أطياف الشعب على هدف واحد وتنحية كل خلاف بينهم. وتشهد أحداث الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات على ذلك، فقد كانت شعارات الدعوة لإسقاط “الشاه” ونهاية حكمه التي يحملها المتظاهرون السنة في كردستان هي نفسها الشعارات التي يحملها نظراؤهم الشيعة في طهران ومشهد وغيرها من المدن..[8].

فلما أمر الشاه الجيش ومنظمة الأمن القومي “السافاك” بقمع الثورة، أخذت الدبابات تسحق المتظاهرين وهي تخترق صفوفهم بينما كان البوليس يطاردهم في كل مكان بالرصاص. وسقط على إثر هذه المواجهة المئات من المدنيين العُزّل في الشوارع. ومات مثلهم حين انهارت عليهم المنازل التي دكتها المدافع والقنابل في تبريز وغيرها من المدن الإيرانية..[9]

ولكن في النهاية صمد الشعب ككتلة صلبة واحدة فتوقف الجيش عن قتل أهله وأبناء بلده وفرّ الشاه هاربا ناجيًّا بنفسه من غضب المستضعفين في الأرض!

أخيراً: من الموضوعية إبراز أن طبيعة الجيش المصري مختلفة تمامًا عن هذه النماذج في أمر قتل الشعب على الجملة وكما تكلمنا عن العقيد المتخاذل الذي وقف يتفرج أثناء قتل المتظاهرين يجب ذكر النقيب الذي أنقذ مجموعة كبيرة من الثوار بعد حصارهم من البلطجية في شارع طلعت حرب بالقاهرة في نفس اليوم، حتى أن الدكتور محمد عباس علّق بعد ذكر الواقعتين قائلا: «كلما ارتفعت الرتب في الجيش خف التعاطف مع الثورة»!.[10]..

كتبه الفقير إلى عفو الله/ أحمد الشريف..

2 فبراير 2023م / 11 رجب 1444هـ..

#معركة_الوعي_أم_المعارك

هوامش المقال:

[*] بتصرف يسير من كتاب «مشكلة الأفكار في العالم الإسلام»، المفكر الجزائري “مالك بن نبي” [1905-1973م]، صـ102، طبعة دار الفكر دمشق سنة 1988م.

[1] مقال:  أسطورة ثورة يناير الأمريكية

.[2] الثورة التائهة: صراع الخوذة واللحية والميدان.. رؤية شاهد عيان، عبد العظيم حماد، صـ٤٤، مركز المحروسة، الطبعة الأولى يناير سنة 1013م.

[3] سقوط الفرعون، ثمانية عشر يوما غيرت وجه مصر، روبير سوليه، صـ76، طبعة الهيئة العامة للكتاب 2013م.

[4] ثورة مصر من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير، د/عزمي بشارة، جـ١صـ482، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، طبعة بيروت سنة 2016م.

[5] هلك الفاجر.. ملحمة ثورة 25 يناير، د/ محمد عباس، صـ83، جزيرة الورد، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[6] الثورة التائهة: صراع الخوذة واللحية والميدان.. رؤية شاهد عيان، عبد العظيم حماد، صـ71، مركز المحروسة، الطبعة الأولى يناير سنة 2013م.

[7] هلك الفاجر.. مصدر سابق، د/ محمد عباس، صـ85.

[8] الثورة الإسلامية في إيران.. الأسباب والمقدمات، صـ17، صادق زيبا كلام، ترجمة هويدا عزت، المشروع القومي للترجمة، مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة سنة 2004م.

[9] الثورة الإسلامية في إيران، جعفر حسين نزار، صـ25، الطبعة الأولى سنة 1979م/1399هـ.

[10] هلك الفاجر.. مصدر سابق، د/ محمد عباس، صـ83.