الأحد، 12 أبريل 2026

هل ينقذ خالدِ مشعلٍ المسار الإسلامي في فلسطين؟

 هل ينقذ خالدِ مشعلٍ المسار الإسلامي في فلسطين؟

نداءٌ مفتوحٌ لأبي الوليدِ المنتمي والأصيل
 مضر أبو الهيجاء

لا شكَّ بأنَّ حركةَ حماس في طريقها إلى الاندثار كما اندثرت حركةُ فتح، وخرجت من دائرة الفعل والتأثير. وهكذا هي حركةُ حماس، حيث خضعت –ولا تزال– لسننِ الله في الاستبدال، وسيأتي خيرٌ منها، ممَّن لا يكون مثلَها في جوانب الزيغ السياسي، والإصرار على الأخطاء، والاستكبار على نصح العلماء والدعاة الغيورين والمجاهدين المشفقين.

من الواضح أنَّ سننَ الله قضت أن تكون إيرانُ الضالّةُ الباغيةُ المجرمةُ أحدَ منعرجاتِ الفرز، حيث سقطت حركةُ حماس وقيادتُها الثالثةُ والأخيرةُ في الاختبار، وهي اليوم ماضيةٌ نحو حتفها من خلال تصادمٍ مع جبهةٍ عريضةٍ من المسلمين وثقافتهم الإسلامية المرتبطة بالوحي والأحكام الشرعية.

خالدُ مشعلٍ تلميذُ الشيخِ عمرَ الأشقرِ.

لكنَّ خالدَ مشعلٍ مختلفٌ عن الرائجين؛ فهو تلميذُ الشيخ السلفي عمر الأشقر، وهو سليلُ مدرسةِ الشيخ عبد الله عزام، وهو متصلٌ بعلماء المسلمين باستمرار، الأمرُ الذي ظهر تميّزُه في تصريحه المعلن حول إيران، حيث صدقَ الأمةَ وتحدّث بشجاعةٍ كبيرة، مبيِّنًا خلفيةَ الدعم الإيراني وأهدافَه دون مواربة، وهي:

1/ تجميلُ صورةِ نظامِ ملالي إيران لدى الشعوب العربية والإسلامية، مما يصنع أرضيةً تسمح بتوسّع مشروع التشيّع.

2/ المتاجرةُ بورقة فلسطين والمقاومة لدى الغرب، وذلك بهدف تحصيل نفوذٍ أكبر، وحماية مصالحَ إيرانيةٍ أعلى.

نِداءُ الاستغاثةِ.

أوجّه نداءَ الاستغاثة للأخ خالد مشعل، لإنقاذ الفكرة الإسلامية والمسار الإسلامي في فلسطين، وذلك باعتباره من تلامذة الشيخ الكبير عمر الأشقر، وباعتباره سليلَ مدرسةِ العلماء وروّادِ حفظ القرآن الكريم، وباعتباره من مؤسسي العمل الجهادي المعاصر في فلسطين، وباعتباره ابنًا بارًّا للمسار الإسلامي الذي ينشد بناء دولة الإسلام والمسلمين.

ولأخي أبي الوليد أقول:

يا خالدُ مشعل، بالأمس حملتَ على كتفك شيخَك وأستاذَك عمر الأشقر، وغدًا –وليس ببعيد– سنحملك على الأكتاف ونُدفنك، وترحلُ عنّا، لتقفَ أمام الله الواحد الجبّار، فيحاسبك عن دينه وشريعته قبل أن يحاسبك عن غزة والضفة وفلسطين.. فماذا ستقول لله الواحد الذي بعث الرسل والأنبياء بدعوةٍ واحدة: «يا قومِ اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيرُه»، وها أنت اليوم ترى بأمّ عينك كم انصرف بعض الناس، وفُتن كثير من الخلق، وباتوا يعبدون ملالي إيران ومن يكفرون بالله، وذلك بعد أن مجَّدت قيادةُ حماس الثالثةُ والأخيرةُ النظامَ الإيراني، وجعلته أزكى المشاريع وأرقى القيادات وأحسن الشهداء!

فهل تظنُّ أن تلك الفتنة التي يعيشها المسلمون ليست بسبب حركةٍ كنتَ ترأسها ولا تزال؟

آنَ الأوانُ لتصحيحِ المسارِ والعودةِ إلى الصراطِ المستقيمِ..

يا خالد، انجُ بنفسك قبل الرحيل، وإذا احترقت الورقتان فلا يزال بين يديك ورقة ثالثة ناجعة وآخر العلاج الكي، وما بقي لديك من نفوذ وهمة وجهد وطاقة، فصوّبه باتجاه ما يُرضي الله ويُبيّن الحق لعباده المؤمنين. فأنت ونحن لن نُنقذ الآن فلسطين، فهناك جيلٌ عظيمٌ يتهيأ للنصر في مصر واليمن والعراق والشام وكردستان وتركيا وكل بلاد المسلمين. وقيمتك الحقيقية اليوم هي في تنقية الفكرة وبيان الحق والحقيقة، والعودة بالمسار الإسلامي في فلسطين ليسير على الصراط المستقيم. وكن واثقًا أن النصر من عند الله، وهو مرتبطٌ بسننٍ وقوانين، وأن الله أقام عليكم الحجة منذ أن رأيتم وسمعتم وشاهدتم وعاينتم كفر النظام الإيراني وبطشه وإجرامه بالموحدين واحتلاله لبلاد العرب والمسلمين.

النُّزولُ الكريمُ إلى أرضِ الشَّامِ المباركةِ والمحرَّرةِ.

يا خالد مشعل، انزل إلى الشام الكريم، فأهلها يحبّونك، وعلماؤها يعرفونك وينصرونك، وهم عونٌ لك على الاستقامة وتصحيح المسار، والعودة بالمسار الفلسطيني إلى الصراط المستقيم، وقد من الله على المسلمين بتحرير الشام من الطائفيين والمحتلين والحكام الطواغيت، وأرض فلسطين لم تكن يوما دولة بل هي أرض مباركة وجزء من الشام المبارك والكبير.

التوبةُ السياسيّةُ القويمةُ تَجُبُّ ما قبلَها.

يا أبا الوليد… أمامك فرصةٌ أخيرةٌ وحقيقية لتُعلن عن توبةٍ سياسية، وتُصحّح المسار الأعوج في فلسطين، وذلك بإعلان الطلاق البائن بينونة كبرى بين القضية الفلسطينية ونظام الملالي ومشروع ولي الفقيه الإيراني، قبل أن ترحل كمن سبقوك –رحمهم الله أجمعين– دون أن تستغل حياتك قبل موتك فيما سيسألك الله عنه.

يا خالد عبد الرحيم.. اللهُ رحمنٌ رحيم، وسعت رحمته كلَّ شيء، فلا تُضيّع أسبابها. وموقفك ومواجهتك اليوم أمام الأنظمة والناس أهونُ من وقفتك أمام الله في عتمة قبرٍ سيتركك الجميع فيه ويرحلون عنك.

أخيرا أجدد ندائي القديم والمتكرر للعلماء للقيام بواجبهم بدعم وإسناد خالد مشعل ليتجاوز النهر وينجح.

اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.
مضر أبو الهيجاء فلسطين/جنين 7/4/2026

ميشيل سرڤيه أو جبروت التعصب الكنسي


ميشيل سرڤيه
أو جبروت التعصب الكنسي

أ. د. زينب عبد العزيز 
أستاذة الحضارة الفرنسية



كتاب نقد الثالوث

وُلد ميشيل سرڤيه يوم 29/9/1511 في اسبانيا، بمقاطعة أراجون، وتوفي في سويسرا يوم 27/10/1553 حرقا بقرار من محكمة التفتيش في جنيف، جاء نصه كالآتي: "نحكم عليك، ميشيل سرڤيه، بأن تُوثق وتُسحل حتى ميدان شامبيل وتُربط على عامود الفضائح وتحرق حياً، انت وكتبك المطبوعة والمخطوطة، تحرق على نار هادئة حتى يمتد عذابك ويتحول جسدك إلى رماد. وهكذا ستنتهي أيامك لتكون عبرة لمن يسلك طريقك".. 
وكان من الأسباب الرئيسية لهذا الحكم اللا إنساني ان ميشيل سرڤيه قد استشهد بما جاء بالقرآن الكريم لتفنيد كلا من بدعة الثالوث وبدعة تأليه السيد المسيح..

وقد كتب المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون (1737ـ1794) قائلا: "أشعر بالخزي والفضيحة حتى الأعماق من حرق ميشيل سرڤيه، أكثر مما يمكن أن تثيره الجبّانات الآدمية لكل من تم حرقهم في محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال".. وكم من عبقري أحرقتهم الكنيسة للحفاظ على ما قامت ولا تزال تقوم به من تحريف، إلا انه ما من ضحية في التاريخ قد أدانت مرتكبيها بالقدر الذي أدانه حرق ميشيل سرڤيه ومؤلفاته.

ويا لها من فضيحة، في قمة ما يزعمون أنه "عصر النهضة الإنسانية والفكرية"، يتم حرق إنسان عالم لاهوتي وطبيب، في الثانية والأربعين من عمره، لآرائه المخالفة للتحريف السائد والثابت فعلا، وتسحقه أعنف آلة لاهوتية وبوليسية في ذلك العصر.. وعلى الرغم من مرور خمسمائة وستة أعوام على حرق ميشيل سرڤيه حياً، "على نار هادئة ليمتد عذابه"، فقد أثبتت الأيام وكل ما تم من أبحاث كنسيين أو مدنيين شرفاء أن كل ما جاء به ميشيل سرڤيه ثبتت صحته، وهو ما أدى الى عصر التنوير وكل ما بعده من أحداث كاشفة.. ولا يزال حرقه حيا يمثل وصمة عار على جبين أكبر كنيستين، الكاثوليكية والبروتستانتية. 

ففي قمة عصر الإصلاح، في القرن السادس عشر، وبينما كانت محاكم التفتيش لا تزال تسيطر على أوروبا، واتته الشجاعة والثقة في النفس والإيمان الراسخ فيما يقوله من حقائق، أن يواجه المؤسسة الكنسية ويفضح ما قامت به من تحريف للعقيدة.

ويقول جورج هالداس في كتابه عن "محنة ووفاة ميشيل سرڤيه"، أنه كان طالبا أكثر من موهوب، درس اللغة العبرية واليونانية واللاتينية الى درجة الإجادة، وكرس حياته منذ الخامسة عشر لدراسة اللاهوت. 

لم يكن سرڤيه أول او آخر الذين تعرضوا للكنيسة ولكل ما تقوم به من تغيير للعقيدة، حتى طغت الرقع على النسيج الأصلي، لكنه استطاع التوصل في كشفه إلى النصوص الأولي وتتبع كيفية تحريفها لغويا بفضل إجادته لغاتها.

كتاب "أخطاء الثالوث"
يقع كتاب "أخطاء الثالوث" في 119 صفحة، وأراد ميشيل سرڤيه أن يبرز من خلاله التعاليم الأصلية الأولى حول المسيح. وقد تمكن بفضل إجادته للغات القديمة أن يقرأ النسخ الأولى للكتاب المقدس ويقارن العقائد السائدة في زمنه، القرن السادس عشر، ووجد أن عقيدة الثالوث التي تم اختلاقها في القرن الرابع بحاجة الى مراجعة بغية إلغائها تماما. وذلك من خلال النصوص الأولى والعودة الى الآباء الأقرب من الرسل والاستعانة بتحليل تطور اللغة وما تم بها من تغيير من أجل التحريف. وتأكيد أن الثالوث غير موجود بالأناجيل الأولي يعني يقينا أن الثالوث الوارد في آخر انجيل متّى (19 : 24) تمت إضافته بعد مجمع القسطنطينية الذي أقره سنة 381..

ومن أهم ما كشف عنه أن ثورة الإصلاح التي قام بها كلا من كالڤين ولوثر، تحاشت المساس بهذه العقيدة بزعم "أنها ثانوية ولا أهمية لها بالنسبة للإيمان". ولم يكن كل ما يعنى سرڤيه ابتداع عقيدة جديدة وإنما العودة إلى أصل المسيحية كما احتفظ بها وقدمها لنا القرآن الكريم. فبإنكار الثالوث وألوهية المسيح والخطيئة الأولى فقد دعّم فكر العالم اللاهوتي الإيطالي فاوستو سوسين المعاصر له والرافض أيضا للثالوث على أنه غير وارد بالأناجيل الأولى وإنما قد تم اختلاقه وفرضه لفصل المسيحية عن اليهودية التي كان يعتنقها المسيح والحواريين.

وكان ميشيل سرڤيه يصف من يؤمنون بالثالوث بأنهم "ملاحدة"، ويصف الثالوث بأنه "شيطان ذو ثلاثة رؤوس"، وأن تعميد الأطفال "شعوذة شيطانية".. فقد كان قريبا من أنصار أريوس والأريوسية الرافضة لتأليه السيد المسيح وللثالوث. وعل عكس ما تشيعه المؤسسة الكنسية حول أريوس ومذهبه الأريوسية وأنها قضت عليهما في حينها، فقد امتدت قديما حتى إسبانيا، وهناك، كما في مصر، الأريسيون هم الذين مهدوا الطريق للفتح الإسلامي لأنهم وجدوا أن المسلمين موحدون بالله ولا يشركون به أحدا..

ويقول سرڤيه عن الثالوث: "إن ثالوثكم عمل هش وجنون أو قلة عقل. تحدثوننا عن إله ذو ثلاثة أقانيم أو في ثلاثة أشخاص. ما معنى هذا الكلام؟ فلا أثر له في الأناجيل. إن الآباء القدامى غرباء عن هذه الاقوال. تقولون "ثلاثة أشخاص"، تقولون إن الله الآب يؤثر على الله الابن؛ وأن الله الابن يؤثر مع اباه أو بمفرده على الروح القدس! أي إن الله يؤثر على نفسه. يا لها من هاوية للمتناقضات.. يا لها من تركيبة من الغموض: إله يلد، وآخر مولود لكنه لا يلد، وثالث لا يلد ولم يولد !؟ وفوق هذه الآلهة الثلاثة أحدهم جعل نفسه رجلا، والآخران ظلا آلهة. احدهما تألم والآخران لم يمسهما شيء ؛ أحدهم مات والآخران ظلا على قيد الحياة.. يا لها من تركيبة غريبة لإله مكون من عدة آلهة: اله بالإضافة واله محطم واله تم تكسيره أجزاء ؛ اله مسخرة يعود بنا الى الوثنية والى "سيربير" ذو الثلاثة رؤوس في الأساطير القديمة"..

كتاب "تصويب المسيحية"
يقع كتاب "تصويب المسيحية" في 734 صفحة، ولم يكن ثورة فردية بقدر ما كان أحد النتائج الحتمية للموار الفكري والديني الذي اعترى القرن السادس عشر، والتيارات الفلسفية للقدامى وخاصة الأفلاطونية وحركة الإصلاح التي قام بها كلا من لوثر وكالڤين. وإن كانا قد قاما بتغيير القداس، وألغيا عبادة القديسين، وحرما عبادة الصور، كما ألغيا خمسة طقوس، وصكوك الغفران والمطهر. ومهما بدت هذه الإصلاحات "ثورية" شكلا، إلا أنها لم تمس عقيدة تأليه السيد المسيح ولا بدعة الثالوث، وعقيدة الخلق. وعقيدة التجسد هي أكثر أهمية مما قاما بتغييره. وقد كتبه سرڤيه ردا على كتاب كالڤين "المؤسسة المسيحية" الذي تحدث فيه كأحد آباء الكاثوليكية. أي إن حركة الإصلاح لم تأت بإصلاح حقيقي. وميشيل سرڤيه هو أول من تجرأ فعلا لتصويب العقيدة والرجوع بها إلى الأصول التي تحدث عنها السيد المسيح، ذلك النبي المقتدر الذي زيفوا حياته ورسالته.

ولم يكن ميشيل سرڤيه بدعة متفردة وما أكثر الذين اعترضوا على ما تقوم به المؤسسة الكنسية. فلقد سبقه قديما على سبيل المثال لا الحصر، كلا من سابليوس وبركسيه وأوطيخي وأوريچين أو آموري دي شارتر ودافيد دينان في العصور الأقرب. وما أكثرهم فعلا وجميعهم مهدوا الطريق لميشيل سرڤيه. 

وفي هذا الكتاب يدعو ميشيل سرڤيه المسيحيين لإعادة بناء مسيحيتهم وإيمانهم بناء على المعرفة الحقة بالله وبالسيد المسيح اعتمادا على النص الأول للمسيحية وليس على عقائد نسجتها السلطة الكنسية، اعتمادا على اللغات الأصلية للنصوص والتاريخ. وقد اعترض على تعاليم لوثر وكالڤين، متناولا عرضا جديدا للخطيئة الأولى والتعميد والختان. كما انتقد سرڤيه فكرة "الأرض الموعودة لبني إسرائيل". وهو ما اعتبره كالڤين أثناء المحاكمة "تجديفا ضد الكتاب المقدس".. وإن كان يكشف منذ أي وقت تقف الكنيسة بجانب الصهاينة.. 
كما ان كافة النقاط الواردة في كتاب "تصويب المسيحية" تناقض فكر كالڤين وتفنده، اعتمادا على ما جاء في القرآن لتفنيد عقيدة "الخطيئة الأولى". وقد قدم عشرون دليلا من الكتاب المقدس تفند "تعميد الأطفال"، كما رفض أن يكون للكنيسة أية سلطة دنيوية، على عكس ما كانت تقوم به المؤسسة الكنسية ولا تزال " تقوم بغرس الكنائس في كل مكان". فكلمة كنيسة غير واردة بالأناجيل الأولي، والسيد المسيح قال ان تكون الصلاة في الغرفة (متّى 6: 6).. وتحوير كلمة "الجمعية" (إكليزيا) معروف وثابت لغويا لاختلاق كلمة "كنيسة" التي لا يعرف عنها السيد المسيح شيئا.. 
ولقد أوضح ميشيل سرڤيه قائلا: "على المسيحية أن تصحح خطأها الذي امتد لأكثر من ألف عام وتعود للحقيقة التي احتفظ بها القرآن حول الله الواحد الأحد وحول المسيح". ولم يتراجع أبدا عن أن بدعة الثالوث من "تعاليم الشيطان" والتي لا علاقة لها بتعاليم يسوع والحواريين. ويقول فيليب باربي في بحث بعنوان "شهود يهوه، ميشيل سرڤيه، والإسلام": "لقد درس النصوص القديمة ولم يجد أي أثر لتأليه المسيح أو لبدعة الثالوث، التي لا أثر لها في العهد القديم أو الجديد. فلقد كان المسيح يهوديا، أي موحدا بالله، وكان يبشر بملكوت الله وليس بملكوته هو. والثالوث بدعة اضافتها المجامع الكاثوليكية من ضمن ما أدخلته من بدع في مجمع نيقية الأول سنة 325 والمجامع التالية لفصل المسيحية عن أصولها اليهودية". 

ومن أهم ما أوضحه ميشيل سرڤيه في هذا الكتاب: "ان يسوع لم يطلب من الأتباع الإيمان بأن دمه كان فداء لهم، أو أنه سوف يموت من أجل أخطائهم، أو بأنه المسيح ؛ ولم يقل أبدا أنه الأقنوم الثاني من أقانيم الثالوث ؛ ولا أن يعترفوا أو يصوموا أو حتى يلتزموا بيوم السبت ؛ كما لم يتوعدهم بالجحيم أو يعدهم بالسماء ؛ ولم يقل أبدا أنه سوف يُبعث يعد موته بثلاثة أيام ؛ ولم يطلب من الأتباع الإيمان بأنه وُلد من عذراء ؛ أو الإيمان بأن النصوص منزلة أو أنها خالية من الأخطاء والمتناقضات".. كل ذلك غير وارد بالنصوص الأولى.

ميشيل سرڤيه والإسلام 
في محاضرة ألقاها چوم دي ماركوس، يوم 27/10/2007، بدأ بتوضيح "ان ميشيل سرڤيه لم يكن ينظر إلى القرآن على أنه خطأ في حد ذاته أو عقيدة يجب محاربتها واقتلاعها، بل على العكس، وجد أنه يعكس صورة صادقة عن المسيح والمسيحية الأولى. الأمر الذي اثار طوفان الكنائس ضده".
كما أشار إلى "أنه حدد بوضوح أن المسيحية هي التي دفعت بنفسها الى الحضيض بتركها الحق والغوص في هاوية الثالوث، بينما ظل الإسلام وفيا للحق فيما يتعلق بالله، وهي عبارة كاسحة لا يمكن لأوروبا عصره أن تتقبلها وقادته إلى الحرق حيّا"..
ويوضح چوم دي ماركوس أن السنة التي تم فيها طباعة كتاب "تصويب المسيحية" تصادف أنه كان "ذكرى مرور مائة عام على سقوط القسطنطينية. 
وهو ما كان له آثار جمة في أوروبا وأدى إلى عصر النهضة. 

أما في اسبانيا فكانت ذكرى استردادها في الأذهان بينما المد الإسلامي في أوروبا قد أدى بالكنيسة الى ضرورة التأكيد على مهاجمة الإسلام وشيطنته لتثبيت المسيحية في ذهن أتباعها. وبالتالي كان لا بد للمؤسسة الكنسية التأكيد على اختلاق ما أطلقوا عليه "الجانب المتدني للإسلام"، إن لم تكن شيطنته لتثبيت إيمان أتباعها. وتزايد تشويه صورة النبي محمد، وهو ما كان قد بدأه يوحنا الدمشقي في القرن الثامن". 

ويضيف دي ماركوس أن ظهور التيار البروتستانتي لم يبدل من الصورة المعادية للإسلام موضحا: "فقد خشي مارتن لوثر على المسيحية أن تُسحق أمام المد الإسلامي". واتبع كالڤين نفس الموقف المعادي للإسلام ووصف المسلمين بأنهم "منحلون ويتسببون في ضياع العديد من البشر بعقائدهم لذلك لا بد من قتلهم". 
وعلى العكس من ذلك فإن اللاهوتي الهولندي إيرازموس دي روتردام (1467ـ1536)، كتب قائلا: "إن المسيحيين لا يمكنهم أن يعطوا دروسا للمسلمين فيما يتعلق بالدين، بما ان المسيحيين يخلّون بالتزاماتهم بالوصايا ويقومون بأعمال بشعة"، مؤكدا أنه "يفضل مسلما مخلصا على المسيحي المزيّف" (مارسيل باتايون: "إيرازموس وإسبانيا"، ص 96 ط 2000). 

وتمر الأيام والقرون كالموج الكاسح، وتجرف الحروب الصليبية المتعصبة ملايين المسلمين منذ أن أنزل الله الإسلام، تصويبا للتحريف الذي تم في الرسالتين السابقتين، وبدأ ينتشر. فمنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا تتواصل الحروب الصليبية بمسميات مختلفة دون أن تتوقف.. 

ويبقي السؤال ثابتا مدوّيا: الي متي ستظل تلك الأيادي التي حرّفت النصوص وزوّرتها وبدّلت رسالة السيد المسيح، الذي قال بوضوح إنه لم يأت إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة (متّى 15: 24) ثم حولت أقواله وفكره الى جريمة "تنصير العالم".. ومن "نبي مقتدر" كما تقول الأناجيل عدة مرات، جعلته إلاها، ثم "إلاها بثلاثة رؤوس"، كما يقول ميشيل سرڤيه.. فإلى متى ستظل تلك الأيادي العابثة الآثمة تحارب الإسلام وتحاول بتر الحق لتفرض الضلال والأكاذيب على العالم، وأتباعها صامتون ؟!


زينب عبد العزيز
28 مارس 2017


حين تجلس النوايا على طاولة المفاوضات

 حين تجلس النوايا على طاولة المفاوضات

سيلين ساري

"     ربما لن يخرج العالم من هذه الطاولة باتفاقٍ تاريخي، وربما لن تندلع  حربٌ في اليوم التالي، لكن المؤكد أن ما بعد إسلام آباد لن يكون كما قبلها"


 في مدينةٍ لا تعرف الهدوء إلا كهدنةٍ مؤقتة، تُنصب الطاولة؛ ليست طاولة عادية من الخشب، بل منصةٌ من الفولاذ البارد تتقاطع فوقها خرائط النار، وأنفاس الأسواق، وأعصاب الجيوش. هناك، في قلب إسلام آباد، لا يجلس رجالٌ فقط.. بل تجلس خلفهم دولٌ بكامل قلقها، وتاريخٌ بكامل شكوكه، ونوايا بكامل ريبتها.


يدخل الوفد الأمريكي، وعلى رأسه جي دي فانس، محاطا برجالٍ لا يشبهون الدبلوماسيين بقدر ما يشبهون صناع المعادلات؛ إلى جواره جاريد كوشنر، الاسم الذي لا يُقرأ في طهران إلا بوصفه توقيعا على انحيازٍ صريح للصهيونية، ومعه ستيف ويتكوف، رجل الظل الذي يتحرك في المساحات الرمادية، بينما يقف في الخلف جنرالٌ يعرف جيدا خرائط البحر أكثر مما يعرف لغة المصافحات: براد كوبر.

وفي الجهة المقابلة، لا تأتي إيران بوفدٍ تفاوضي.. بل بمنظومة دولة؛ محمد باقر قاليباف، السياسي الذي يحمل في صوته صدى المؤسسة، ومعه عباس عراقجي، الذي يتقن هندسة الكلمات كما تُهندس الصواريخ، 
هل هذه مفاوضات حقا؟ أم أنها مسرحٌ تُعرض عليه نوايا لا تُقال؟ الحقيقة أن الطاولة نفسها تُجيب: حين يجلس السياسي بجوار الجنرال، وحين يدخل رجل الصفقات إلى غرفة الدبلوماسية، فاعلم أن ما يُناقش ليس اتفاقا.. بل مستقبل صراع
ويجلس إلى جواره مجيد تخت روانشي، حامل الملفات الثقيلة، بينما يراقب من العمق رجال الأمن والاقتصاد، حيث لا تُفصل السياسة عن العقوبات، ولا تُفصل الابتسامة عن الحساب.

أما الوسيط، فليس مجرد ناقل رسائل؛ باكستان تحضر بثقلها الكامل: شهباز شريف، وعاصم منير، في مشهدٍ يقول إن الوساطة هنا ليست مجاملة.. بل محاولة لإبقاء الحريق خارج حدودها.

لكن، هل هذه مفاوضات حقا؟ أم أنها مسرحٌ تُعرض عليه نوايا لا تُقال؟ الحقيقة أن الطاولة نفسها تُجيب: حين يجلس السياسي بجوار الجنرال، وحين يدخل رجل الصفقات إلى غرفة الدبلوماسية، فاعلم أن ما يُناقش ليس اتفاقا.. بل مستقبل صراع.

السيناريو الأول، وهو الأكثر إغراء للعقل، أن تنجح هذه المفاوضات، لكن نجاحا يشبه الإسعافات الأولية؛ اتفاقٌ مؤقت، تهدئةٌ محسوبة، ربما تخفيف للعقوبات مقابل خطوات إيرانية محدودة. هنا، لا أحد ينتصر، لكن الجميع يربح الوقت. النفط يهدأ، الأسواق تتنفس، والعالم يلتقط أنفاسه من حافة انفجار. لكن هذا النجاح إن حدث لن يكون سلاما، بل تأجيلا أنيقا للحرب.

السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية، أن تفشل المفاوضات دون إعلان الفشل؛ تصريحات دبلوماسية، كلمات مرنة، وصور مصافحة.. بينما الحقيقة أن كل طرف خرج أكثر يقينا بعدم جدوى الآخر. هنا، تتحول إسلام آباد من منصة تفاوض إلى مجرد محطة في طريق التصعيد. وجود جاريد كوشنر تحديدا، ليس تفصيلا عابرا، بالنسبة لإيران، هو رسالة تقول إن واشنطن لم تغيّر جلدها، بل فقط غيّرت لهجتها. ووجود ستيف ويتكوف يعمّق هذا الشعور، كأن الطاولة بُنيت أصلا على أرضٍ زلقة.

أما السيناريو الثالث، فهو الأخطر.. والأكثر إثارة للقلق؛ أن تكون هذه المفاوضات مجرد "ستار حريري" لخشبة مسرحٍ آخر؛ في هذا السيناريو، لا يكون الهدف اتفاقا، بل تهدئة مؤقتة لضبط أسعار النفط، وإعادة تموضع عسكري أمريكي، 
"اختبار توازن"؛ واشنطن تريد أن تعرف إلى أي مدى يمكن الضغط دون انفجار، وطهران تريد أن تختبر إلى أي حد يمكن الصمود دون تنازل
واختبار ردود الفعل الإيرانية، وربما رسم بنك أهداف أكثر دقة. هنا، تتحول الكلمات إلى أدوات استطلاع، وتصبح الابتسامات وسائل قياس، ويغدو الصمت أحيانا أخطر من التهديد.

لكن، هل يمكن أن يصل الأمر إلى استدراجٍ مباشر لضربات نوعية أو اغتيالات تطال شخصيات حساسة مثل مجتبى خامنئي؟ هذا الاحتمال، رغم جاذبيته في التحليل، يظل الأقل واقعية؛ ليس لأن الصراع لا يحتمل ذلك، بل لأن كلفته تتجاوز الحسابات التقليدية. اغتيال بهذا الحجم لن يكون ضربة.. بل إعلان حرب مفتوحة، وإيران ليست ساحة رخوة تُستدرج بهذه السهولة.

في النهاية، ما يحدث في إسلام آباد ليس مفاوضات بالمعنى الكلاسيكي.. بل "اختبار توازن"؛ واشنطن تريد أن تعرف إلى أي مدى يمكن الضغط دون انفجار، وطهران تريد أن تختبر إلى أي حد يمكن الصمود دون تنازل، وبين السؤالين تجلس باكستان تحاول أن تمنع الإجابة من التحول إلى صاروخ.

ربما لن يخرج العالم من هذه الطاولة باتفاقٍ تاريخي، وربما لن تندلع حربٌ في اليوم التالي، لكن المؤكد أن ما بعد إسلام آباد.. لن يكون كما قبلها؛ لأن أخطر ما في هذه اللحظة ليس ما يُقال على الطاولة، بل ما يُفكَّر فيه خارجها.

                                                     


حقائق حول الصراع (١)

 حقائق حول الصراع (١)

المشروعات المعادية..انتصار أم انكسار؟

                         د.عبدالعزيز كامل 


لاشك أن المشروعات الثلاثة التي تقاتلت لأربعين يوما مضت؛ يعمل أصحاب كل منها لحسابهم هم.. وعلى حسابنا نحن المسلمين من عامة وخاصة، إلا في بعض مايختلط على البعض من قضية فلسطين التي سيأتي الكلام عنها..
● وبوجه عام؛ فهذه المشروعات الثلاثة المتصارعة، ليست معادية للموحدين فحسب؛ بل هي موغلة في حربهم، ووالغة إلى حد الثمالة في دمائهم، ومتعدية كل الحدود في استباحة أراضيهم ومقدراتهم ومقدساتهم ومستقبل أجيالهم.
والتاريخ الماضي والحاضر يشهد بشهادة الشاهدين على ذلك.
● فمن ذا الذي يهون من شأن المشروع اليهودي الحقود المتربص بعالم المسلمين دينيًا ودنيويًا..؟! ومن يجادل في دفع المشروع الصليبي له سياسيًا وعسكريًا واقتصاديا..؟! .
ثم .. من هذا الذي لا يزال يجادل في عداوة وحرابة طائفة الأقلية الرافضية السبأية على مر التاريخ للسواد الأعظم من الأمة الإسلامية، ممثلة في الطائفة السنية بمعناها العام أو معناها الخاص..؟
● ولأنني لست محللًا عسكريًا، ولا معلقًا صحفيا؛ فقد قَلًّت تعليقاتي حول الأحداث خلال تلك الحرب، رغم توقعي لها قبل وقوعها، بل لِما يمكن أن يكون بعدها، وذلك في كتابات عديدة، بل في كتاب خاص بالمشروع الإيراني وطموحاته الشيعية الفارسية ، تحت عنوان: (حتى لا يُستباح الحرم )، وهو منشور متاح على شبكة الانترنت.
● كما كان لي الكثير من الكتب والكتابات حول مشروعات الصهيونيتين (اليهودية والصليبية)، وهو ما أوجد إلمامًا بأبعاد المشروعات الثلاثة المعادية، وأنشأ قناعة راسخة بأنها بقدر ما تتعارض مشروعاتها ؛ فإنها تتعاضد فيما بينها، إذا كان العدو المشترك لهؤلاء المتصارعين؛ يمثله أهل السنة الموحدون ..
● ولذلك فإني أعُد هذا الفصل من الصراع بين المشروعات الثلاثة المتنافسة مجرد معركة عارضة في حرب مديدة بين فارس والروم المعاصرتين، وفي الذيل منهما مَنْ كُتبت عليهم الذلة الأبدية من عصابات شر البرية..
● فنرجو الله أن يكون صراع الفرس والروم اليوم وأحلافهما؛ على غرار ما كان بينهما أيام غربة الإسلام الأولى، حيث أنهكت القوتان بعضهما؛ لتتهيأ الساحة لمن قدر الله أن يأتوا بعدهما، فتعلو راية الحق على يد المستضعفين الآخرين، كما كان الشأن مع المستضعفين الأولين ..{ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(٧).} [ من سورة الروم ]
يُتبع بإذن الله..

استئناف الحرب في هرمز تراجع

استئناف الحرب في هرمز تراجع

عامر عبد المنعم

 احتمال استئناف الحرب في هرمز تراجع، فلا إيران تريد استمرار العدوان عليها وتحمل المزيد من التدمير، ولا ترامب يرغب في مواصلة معركة لن يحقق فيها أكثر مما تم، ولم يعد قادرا على تحمل المزيد من الخسائر الاستراتيجية والضغوط الداخلية التي وصلت إلى هجوم إعلامي غير مسبوق، ومطالبات داخل الكونجرس بعزله.

جوهر الموقف الإيراني الآن هو الخروج بأقل الخسائر، وجوهر الموقف الأمريكي هو الخروج بأقصى المكاسب.
إيران خرجت من المعركة حتى وقف إطلاق النار بنظام حكم متماسك، وقوة عسكرية مازالت قادرة على الصمود، وتمتلك القدرة العسكرية اللازمة للسيطرة على مضيق هرمز، الذي أصبح الورقة الأهم في يد الإيرانيين التي تعطيهم الشعور بالنفوذ، وتظهر ضعف الطرف الآخر.
ترامب خرج بدون تحقيق أي هدف من الأهداف التي أعلنها في بداية الحرب، ولم تستطع القوة العسكرية الأمريكية تحقيق الانتصار الذي أعلنه أكثر من مرة ولم يقنع أحدا، مما أدى إلى اهتزاز صورة القيادة الأمريكية العالمية، وأضعف موقف الإدارة في الداخل، وأظهر عجزها عن الإقناع بصوابية ما تفعله.
في البداية، وافق ترامب على النقاط العشر التي أعلنتها إيران بوساطة باكستان، وقال أنها أساس يمكن البناء عليه؛ لكن رفض الإسرائيليين جعله ينقلب على نفسه، ويتراجع عن ضم لبنان لاتفاق وقف إطلاق النار، ويرفض الموافقة على حق الإيرانيين في التخصيب، لكن عدم رد الإيرانيين على قصف جنوب لبنان والهجمات على الضاحية في بيروت، وعدم رد الأمريكيين من جهتهم على إغلاق إيران لهرمز الذي عطل الاتفاق؛ يؤكد أن هناك قنوات سرية تعمل على التهدئة.
الموقف الإسرائيلي عرقل الاتفاق وأحرج الرئيس الأمريكي، لكن الخيارات المتاحة أمام ترامب بعد النتائج الميدانية التي استمرت 39 يوما تصب لصالح إيران وتقف ضد رغبات نتنياهو، الذي يريد فصل جبهة لبنان عن إيران، ولا يبالي بإغلاق هرمز ووقف الملاحة وتعطيل الامدادات لدول العالم، ولا يهمه غير تفكيك وتدمير المشروع النووي الإيراني.
الحلول المتوقعة من المفاوضات محدودة، لأن التنازلات المطلوبة من الطرفين صعبة، ومن المتوقع تقسيم التنازلات على مراحل تحفظ لكل منهما صورته كمنتصر أو بمعنى أدق غير مهزوم، وهذا يحتاج إلى تهدئة وتهيئة، لذا فإن لقاء باكستان مجرد جولة تليها جولات أخرى، تستنزف الوقت حتى يصل الطرفان إلى النقاط التي لا يمكن تجاوزها.
سيترتب على المعركة في هرمز تحولات عالمية كبرى؛ ولهذا فلن تكون كل موضوعات التفاوض معلنة، ولذلك سنرى بيانات للإعلام غير تلك التي يجري عليها الاتفاق في السر.

آفة التسويف..

آفة التسويف..

إحسان الفقيه

كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة.

قديمًا كانوا يقولون:
"أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة.

الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: 
"المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا".
 المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه.

وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته.

ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت.

وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان.

وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي.

مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال:
لماذا التسويف؟ 
ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته.

وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة.

وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت.

وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.

هل تلاعب ترامب بإيران مجددا؟!

 هل تلاعب ترامب بإيران مجددا؟!

د. خليل العناني 


واضح أن النية الأمريكية لم تكن تتجه أصلا نحو التوصل إلى اتفاق حقيقي لإنهاء الحرب مع إيران، بل إن مسار الأحداث خلال الأيام الماضية يكشف عن توجه معاكس تماما، ويمكن تلخيص ذلك في عدة مؤشرات:

▪️ أولا: تراجع ترامب عن موافقته السابقة على المقترح الإيراني، وهو ما يعكس غياب الجدية في المفاوضات منذ البداية.

▪️ ثانيا: ذهاب واشنطن إلى طاولة التفاوض بنفس الشروط التي سبقت الحرب، وكأن شيئًا لم يتغير ميدانيا أو سياسيا، وهو طرح غير منطقي في سياق صراع شهد تحولات كبيرة.

▪️ ثالثا: إرسال قوات أمريكية إضافية إلى المنطقة خلال اليومين الماضيين، في خطوة تحمل دلالات تصعيدية واضحة، لا تنسجم مع مسار تهدئة أو تسوية.

▪️ رابعا: استمرار الكيان في ضرب لبنان منذ بدء الهدنة، في ظل صمت — بل وضوء أخضر — أمريكي، ما يقوض أي حديث عن وقف فعلي للتصعيد.

▪️ خامسا: إرسال كوشنير وويتكوف ضمن وفد التفاوض رغم أنهما السبب في فشل الجولات السابقة ورغم رفض إيران لوجودهما من الأساس.

◾️سادسا: تسريبات شبكة CNN حول استعداد الصين لتزويد إيران بأنظمة دفاع جوي، وهي تسريبات تبدو وكأنها تُستخدم لتهيئة الرأي العام لعودة التصعيد وتبرير انهيار التهدئة.

الخلاصة أننا أمام مسار تفاوضي شكلي، يُستخدم كغطاء للتحضير لمزيد من التصعيد لا لإنهائه.

الشياطين مصرين على إحراق المنطقة.

لننتظر ونرى.