السبت، 14 مارس 2026

الأحلام الصهيو ـ أمريكية الزلوطية

 الأحلام الصهيو ـ أمريكية الزلوطية

جعفر عباس

ستنتهي هذه الحرب يوما ما، ليس بالبعيد جدا، دون أن ينجح التحالف الصهيو ـ أمريكي في تغيير النظام الحاكم في ايران، أو احتلال شبر من أراضي إيران

زلوط هو أحد الديوك المشهورة في الثقافة الشعبية السُّودانية، وكان هزيل البنية، وكلما حاول مغازلة دجاجة حسناء، هجمت عليه الديوك القوية ونتفت ريشه، فصار "مزلوطا" أي قليل الريش، وذات مساء نام زلوط على حبل مشدود، فوق سرير كانت تنام فيه صاحبته أم الحسن، ورأى في المنام أنه صار وسيماً، وتزوج بدجاجة جميلة، تمشي الهوينى أمامه هي وصغارها، ثم رأى في ذات الحلم نسراً كبيراً، يهم باختطاف كتكوت، فما كان منه إلا أن قفز عليه مدافعا عن مملكته، فوقع من الحبل على رأس أم الحسن، التي استيقظت فزعة، وضربته ونتفت ما تبقى له من ريش، فصار زلوط مثلا لمن يحول رغباته إلى أحلام غير قابلة للتحقيق.

يقف نفر ليس بالقليل من المسلمين والعرب، موقف المتعاطف مع ايران، وهي تواجه اعتداء غاشما من التحالف الصهيو ـ أمريكي، وهناك أيضا شرائح من العرب والمسلمين يطربها دوي الانفجارات هنا وهناك في إيران، ولكن وبصفة عامة، يمكن القول إن معظم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يجدون صعوبة في التعاطف مع أي من أطراف الحرب الثلاثة، ورغم أن هناك شبه إجماع بين شعوب العالم، على أن رئيس حكومة إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو، سفاح يقود دولة بنت سفاح، وأن شريكه في الحرب الحالية على إيران، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثور يعاني من عمى الألوان السياسي، وينطح الأقارب والأباعد، مهشما الخزف في كل القارات، وأن هذا الثنائي بسجلهما الإجرامي، هما من أشعلا النيران المدمرة حاليا في الشرق الأوسط، بذرائع كاذبة، إلا أن إيران وبرغم أنها الضحية والمجني عليها، ذات سجل حافل بصنع العداوات، وقد نشرت لي "عربي21" في 19/11/2023، مقالا بعنوان "ملالي إيران وصناعة الأعداء حد الإتقان".

إن معظم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم يجدون صعوبة في التعاطف مع أي من أطراف الحرب الثلاثة، ورغم أن هناك شبه إجماع بين شعوب العالم، على أن رئيس حكومة إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو، سفاح يقود دولة بنت سفاح، وأن شريكه في الحرب الحالية على إيران، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثور يعاني من عمى الألوان السياسي، وينطح الأقارب والأباعد، مهشما الخزف في كل القارات، وأن هذا الثنائي بسجلهما الإجرامي، هما من أشعلا النيران المدمرة حاليا في الشرق الأوسط، بذرائع كاذبة، إلا أن إيران وبرغم أنها الضحية والمجني عليها، ذات سجل حافل بصنع العداوات

قلت في ذلك المقال فيما قلت: "ولأن الكلام ببلاش، فقد ظل ملالي إيران يقولون ما لا يفعلون، وما لا قدرة لهم على تنزيله إلى أرض الواقع، ويوزعون التهديدات بسخاء في كل الاتجاهات، حتى لم يعد لبلادهم حبيب في المجتمع الدولي، فلأن ثورة عام 1979 الإيرانية بهرت العالم ونالت الاستحسان والإعجاب الجماهيري في الدول المسلمة، وأرعبت العديد من الطواويس في الشرق الأوسط، فقد حسب الملالي أن الثورة بصيغتها الإيرانية سلعة قابلة للترويج والتصدير والنجاح، فتصبح طهران مركز الكون، وأم قرى العالم الإسلامي، فيحج إليها المسلمون أفواجا ضاربين أكباد البوينغ والإيرباص". وبعد أن خلخلوا الأوضاع عبر جماعات تولوا كفالتها في لبنان واليمن والعراق وسوريا، ها هم اليوم وفي سياق الحرب الحالية يرتكبون خطأ استراتيجيا بقصف دول الخليج العربية على الشط الغربي من الخليج.

وبعيدا عن الاعتبارات السياسية والدينية فإن الموقف الأخلاقي السليم من العدوان الصهيو ـ أمريكي الحالي على إيران، هو مناصرة المظلوم الذي هو إيران، ولو باللسان، مقرونا بإدراك أن الجناة (أمريكا وإسرائيل) لا يكنون كثير وُد لعموم دول المنطقة، وبأن الحرب على إيران تحولت إلى حرب إقليمية تنذر بخطر ساحق وماحق على الشرق الأوسط برمته، فالعصابة الحاكمة في إسرائيل ترى أنها مكلفة بتحقيق الوعد الإلهي، الذي يجعل دولتهم تمتد إلى ما وراء دجلة والفرات، بينما طاف مبشرون من غلاة المسيحيين على وحدات الجيش الأمريكي قائلين إن الحرب على إيران وعد من السماء، في سياق أرماغيدون، التي هي المعركة النهائية والحاسمة بين قوى الخير والشر في نهاية الزمان، والتي ستمهد للعودة الثانية للمسيح.

كان الهدف المعلن لحرب التحالف الصهيو ـ أمريكي على إيران في حزيران/ يونيو من العام الماضي، هو تدمير المنشآت النووية الإيرانية، ثم أعلن ترامب ان تلك المهمة تمت بنجاح تام، أما في الحرب التي بدأت في 28 شباط /فبراير المنصرم، فقد رفع الحليفان سقف مطالبهما، وقالا إن الحرب ستستمر حتى الاستسلام الإيراني غير المشروط، وإسقاط الحكم القائم في طهران، وفتح شهيتهما أن الموجة الهجومية الأولى صرعت مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، ومعه العشرات من رجال الصفين الأول والثاني في النظام الإيراني، وكما قرر تنصيب نفسه رئيسا لفنزويلا بعد أن اختطف رئيسها، فقد أعلن ترامب أنه من سيختار المرشد الجديد في إيران، وأنه قد يرسل قوات مشاة ومدرعات إلى إيران لإسقاط النظام، وذلك بعد أن أدرك ان التعويل على أكراد إيران المعسكرين في شمال العراق للقيام بتلك المهمة، سينتهي بفضيحة عسكرية.

رغم أن شرائح كبيرة من الشعب الإيراني ترفض حكم الملالي، إلا أن الشعوب تقف متحدة وراء السلطة الحاكمة أمام العدو الخارجي، وإيران ليست دولة رسمت حدودها قوى استعمارية كما هو حال الكثير من دول العالم، ولم تخضع قط لاستعمار مباشر، بل هي امتداد لإمبراطورية ضخمة، ولها تاريخ يمتد الى خمسة آلاف سنة، وشعب يتكئ على مثل هذا الإرث، لا يمكن أن ينحني أمام عدو قام سلفا بتحطيم كافة المرافق المدنية والخدمية ويطمح في ثروته النفطية، استنادا الى حسابات غبية بأن ايران وفنزويلا سيان.

قال نتنياهو إنه ظل يحلم طوال 40 سنة باليوم الذي يتم فيه تدمير إيران، أي أن ذلك الحلم كان في زمان لم تكن فيه إيران قادرة حتى تشطير نواة التمر، ثم كان من حسن حظه أن وصل ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن، وتحالف معه لتحقيق ذلك الحلم، متجاهلا نصائح هيئة أركان قواته المسلحة، وقد اتفق عدد من المحللين العسكريين والسياسيين ذوي الوزن والدراية، على أن نتنياهو جر ترامب من أُذنه إلى الحرب الأخيرة بابتزازه بملفات ابستين، القواد الذي كان متخصصا في غواية أهل الحكم والمال لإقامة علاقات فراش مع فتيات قاصرات.

ومن المعلوم لدى الكافة أن غزوات ونزوات ترامب في أوكار ابستين للرذيلة، مذكورة بالتفصيل بالكلمة والصور الحية في تلك الملفات، ومعلوم أيضا أن ابستين ظل يحتفظ بكل كبيرة وصغيرة عن ممارسات عملائه الكبار والصغار في سجلات الكترونية ضخمة، وأنه كان يبيع قسما من أسرار تلك الممارسات لجهاز الموساد الإسرائيلي، فكان أن نجح نتنياهو في لي ذراع ترامب: إما أن تشاركنا في الحرب على ايران، أو لن أضمن سكوت الموساد على ما يخصك من ملفات ابستين. وقد أثبتت الوقائع خلال الشهور القليلة الماضية ان ترامب سيظل يخوض المغامرة تلو الأخرى للتعتيم على ملفات ابستين، وقد أعلن سلفا أن الحرب التالية ستكون على كوبا.

على كل حال ستنتهي هذه الحرب يوما ما، ليس بالبعيد جدا، دون أن ينجح التحالف الصهيو ـ أمريكي في تغيير النظام الحاكم في ايران، أو احتلال شبر من أراضي إيران. فرغم أن شرائح كبيرة من الشعب الإيراني ترفض حكم الملالي، إلا أن الشعوب تقف متحدة وراء السلطة الحاكمة أمام العدو الخارجي، وإيران ليست دولة رسمت حدودها قوى استعمارية كما هو حال الكثير من دول العالم، ولم تخضع قط لاستعمار مباشر، بل هي امتداد لإمبراطورية ضخمة، ولها تاريخ يمتد الى خمسة آلاف سنة، وشعب يتكئ على مثل هذا الإرث، لا يمكن أن ينحني أمام عدو قام سلفا بتحطيم كافة المرافق المدنية والخدمية ويطمح في ثروته النفطية، استنادا الى حسابات غبية بأن ايران وفنزويلا سيان.

وهكذا فمن المؤكد أن حلم نتنياهو وترامب بتقرير مصير إيران سيصبح نموذجا كلاسيكيا لأحلام زلوط.

مصر.. وإعادة التدوير

 مصر.. وإعادة التدوير

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما فيموكلية الإعلام بجامعة مرمرة,

في العصور المُظلمة من حياة الشعوب، حين يتولى أمورها من تلفظه حلوق أهلها، وتتقيّؤه رمالها وبحارها، يشي كلّ شيء في المكان بأنّ ثمّة غريباً يعبث هنا. فالدخيل يبين من أثر وجوده، لا يفهم المكان، فيحوّله إلى مسخ، ولا ينتمي إليه فيعامله بجهالة. كلّ شيء من تحت يديه يدعو إلى النفور؛ فالعاصمة لا تليق أن تكون عاصمةً لهذا المكان، عساها تكون ملائمة جدّاً، ولكن ربّما في جزيرة أخرى، في قارة نائية، أو في مسلسل فانتازي، أو في رواية رديئة متردية على أسفل الأرصفة وأزفت نواصي الطرق، والعمران لا يشبه السكان، لأنه انعكاس لرؤية طالبٍ متبلّد كان يحلم بدخول هندسة العمارة، وفشل في ذلك، فآلت به الأمور إلى سجن كلّ المهندسين، والانفراد بالقلم، والمسطرة، وبرنامج "الأوتوكاد".

مع الوقت، تترسّخ بصمة القبح أكثر. ومع تلاشي آخر ما تبقى للناس من جمال، يودّعون بكلّ أسى ما كانوا يعرفونه في بلادهم، الشجر والحجر والبشر. وها هي القباحات الجديدة تعود، شوارع بلا شجر، ونيل بلا كورنيش، وميادين بلا فراغات، كتل أسمنتية تعبّئ الفضاء العام، وسجون بيضاء تتوسّط الصحراوات المتباعدة، كأنّك غططت في أقذر كابوس رأيته في حياتك، لسببين: تارةً لأنّ كلّ تفاصيله مزعجة وصاعقة، والسبب الثاني أنّه لم يكن كابوساً، وإنما واقعاً متلبساً بهيئة حلم مزعج. أبقيت عينيك مفتوحتين ثلاث عشرة سنة ولم ينقضِ الكابوس ولم تعد للنوم من جديد. 

في لحظةٍ ما، يكون القبح قد وصل إلى أعمق قيعانه، وحينها تحدث نقطة ارتداد إلى الأعلى قليلًا، فالذي قطع الأشجار سيزرع غيرها في مكان آخر، وحين أغلق الكورنيش فعساه يفتتح حديقة عامة "صورية"، والذي غلّق المساحات ربما كان يفكّر بمساحة أكبر، لكن أحيانًا تتعطّل المعادلة، بفعل فاعل، وتكون الخيارات أضيق من منخاريه، إثر إدمانه القبح لدرجة إعادة تدويره، فلا يكتفي ذلك العياث في الأرض فسادًا بأن يقطع الشجر العتيق، بل سيضع مكانه شجرًا بلاستيكيًّا، ولن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين، ولا يكتفي بأن يهدم الآثار العتيقة، والمقابر التاريخية، بل سيريد أن يقتلع الترام من قضبانه ويبيعه خردة، بصدأ 150 عاماً تكوّن بفعل الزمان والإنسان عليه.

لن ولا يكتفي بأن يغلق الميادين، بل سيقبض على كلّ اثنين يجتمعان في مترين

ثم إنه لن يكتفي بالاختيار 1 و2 و3 و9، ولن يكتفي بالممرّ وكلّ حماقات محاربة "الأشرار"، بل سيدعو إلى "رأس الأفعى"، وما قبلها وبعدها، حيث لا يجب أن ينسى الناس قبح الزمن الذي يعيشون فيه، نحو مزيد من الإفلاس الأخلاقي والقيمي والدرامي والفني والإنساني والاقتصادي والسياسي، قبحٌ من فوقه قبحٌ، في المشاهد، والأفكار، والنقلات، والحبكة، كأنّ أحدهم قرّر أنه يجيد فعل كلّ شيء، فيلسوف الحكمة، وشاهين السينما، وعكاشة الدراما، كأنّما يكتب كلّ شيء، ويجيد كلّ فن، ويهب نفسه أهلاً لكلّ عيب، حيث "إن خرج العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب".

مصر، التي أبدعها الله آية في الجمال، وجمالًا لكلّ آية، أينما وجّهت عينك لا تأتي إلا بخير، بضحكة، بدفء، بيُسر، بجلال، لم تعد تجد في آفاقها إلا ياسر جلال، ورامز جلال، وبرنامج المقالب الأسوأ في حياتنا جميعاً، المستمر منذ 13 سنة، ولم يستأذن أحداً قبل أن يقول "ذِيع"، ومنذ ذلك الوقت ونحن نصرخ، افتح بنموت، وهو يضحك، ويتقافز في وجوهنا، كرامز، أخيه. 

مضيق هرمز.. العقدة التي قد تنهي الحرب لصالح إيران

  مضيق هرمز.. العقدة التي قد تنهي الحرب لصالح إيران


بحلول اليوم الحادي عشر من الحرب على إيران، برزت المعركة البحرية في مضيق هرمز كساحة قلبت حسابات القوة التقليدية رأساً على عقب. فرغم التفوق الجوي للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي، استطاعت إيران – عبر ذراعها البحري غير التقليدي في الحرس الثوري – أن تفرض واقعاً ميدانياً مختلفاً تماماً، مستفيدة من الجغرافيا الضيقة للمضيق ومن تكتيكات الحرب غير المتناظرة.


لم يكن التفوق الإيراني نتيجة مواجهة مباشرة مع الأساطيل، بل عبر العمل داخل المنطقة الرمادية وحرب غير متناظرة asymmetry war: ألغام بحرية ذكية، زوارق سريعة انتحارية، وطائرات مسيرة بحرية صغيرة، حولت المضيق إلى ما يشبه كميناً استراتيجياً دائماً.

ونتيجة لذلك توقفت حركة الملاحة فعلياً، وتعطل عبور أكثر من 150 ناقلة نفط، في مشهد يعكس كيف يمكن لقوة إقليمية أن تشل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي دون امتلاك أسطول تقليدي ضخم.

النتيجة أن واشنطن وتل أبيب تواجهان الآن معضلة استراتيجية حقيقية: إما القبول بواقع أن إيران قادرة على خنق الشريان النفطي العالمي متى أرادت وبالتالي التسبب في ازمة نفطية واقتصادية عالمية عبر استراتيجية “الاكراه الاقتصادي” economic coercion أو الانزلاق نحو عملية برية خطرة لتطهير السواحل والجزر الممتدة على طول المضيق – وهي مهمة لم يستطع القصف الجوي وحده تحقيقها حتى الآن.

التفاصيل الكاملة والتحليل الاستراتيجي.. شاهد الفيديو



الجمعة، 13 مارس 2026

وقفات مع آيات (9) ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

وقفات مع آيات (9) ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

العسر واليسر كلاهما من ثلاثة أحرف: (ع س ر) و(ي س ر)، والاختلاف في الحرف الأول فحسب. 

فالعسر يلازمه اليسر فيخفف منه، والشدة مهما كانت لا تخلو من يسر يلطّفها ويخففها. 

وبهذا تهون المصيبة وتخفّ البلية، فيعيش الإنسان في شيء من التوازن، فتغدو الحياة سائغة ومقبولة، رحمةً من الخالق ولطفًا منه.

لم يقل سبحانه: بعد العسر، بل قال: مع العسر؛ أي إن اليسر موجود بجانبه، حتى لو لم نره فورًا. ويقول المفسرون: لن يغلب عسرٌ يُسرين؛ لأن العسر جاء معرفًا، بينما جاء اليسر منكّرًا.

مررتُ بأوقات عصيبة، لكن هذه الآية ما انفكت تلازمني حقيقةً، لا مجرد قراءة أو معنى. 

ففي كل ضيق تجد سعة، وفي كل شدة تجد شيئًا من التيسير؛ فلا عسر دائم، ولا شدة مستمرة، بل تلازم دائم بين كل عسر ويسر.

جاء أحدهم إلى السعودية للدراسة، للحصول على الماجستير والدكتوراه، مبتعثًا من بلده. 

عايشته وتعرفت على ما مرّ به من محن وابتلاءات لا أكاد أحصيها. 

تعثّر في الدراسة، وتأخر عن الموعد المحدد، وتعرّض لتهديد بقطع البعثة ومكافأتها اليسيرة جدًا، التي بالكاد تكفي الشاب، فكيف بمن كان معه زوجة وأطفال؟ 

عانى من الجامعة وبيروقراطية القرارات، رغم جده واجتهاده.

وكان وحيد أمه، التي جاءت للإقامة معه رغم صغر مسكنه. ثم كانت الطامة أن أصيبت بمرض شديد نقلها إلى مستشفى أهلي، بحكم أنه غير سعودي. وكان يتناوب المبيت عندها مع زوجته، بالكاد يغفو قرب سريرها، والمشرف يطالبه بإنجاز البحث، والأطفال يحتاجون إلى رعاية، فأكبرهم لا يتجاوز السابعة.

اشتد المرض على الأم، ثم جاءت الطامة الأخرى؛ إذ طلب المستشفى مستحقات العلاج، وكانت فاتورة هائلة يستحيل عليه تغطيتها. 

سألته مرة: ماذا تفعل أمام هذه المصائب المتلاحقة؟ 

فقال: “أقوم الليل، وأناجي ربي، وأدعوه بحرارة.” كان يستحضر ضعفه بين يدي خالقه، وحاجته إلى معونته ونصرته في هذا البلاء الشديد. 

لكن الله رحيم؛ فكل عقدة كانت تنفك بعد حين. كتب إلى وزير الصحة يشرح وضعه، ويطلب النظر في مطالبة المستشفى بالمستحقات، فسخّر الله له الوزير الذي أمر بأن تتحمل الوزارة كامل التكاليف، وهو أمر لم يكن مألوفًا.

تيسرت أمور البعثة، ومددت الجامعة التي ابتعثته مدة دراسته، وبمعاونة بعض زملائه استطاع أن يجد عملًا في وقت الفراغ يساعده في تغطية تكاليف المعيشة.

ثم توفيت الأم، وأصرت أخواته في بلده على أن تُدفن هناك. 

قال لي:من أين لي أن أدفع تكاليف نقل الجثمان بالطائرة؟ سارع إلى الدعاء والابتهال، فوافقت السفارة على تحمل التكلفة، رغم أن ذلك ليس من المعتاد.

زرته بعد مدة في بلده، فإذا هو في خير حال أسريًا واجتماعيًا وتعليميًا. وكان من أبرّ الناس بوالديه. وكان ما رأيته من قصته من أعجب ما مرّ بي، ولولا خشية الإطالة لسردت تفاصيل أكثر مما رأيت من احواله وما تعرض له ثم ما فتح الله عليه بعد تلك الشدائد.

برنامج "موازين"

برنامج  موازين  



النفيسي: هدف إسقاط النظام الإيراني غير واقعي لأنه مؤسساتي

اندلعت الحرب على إيران، مستهدفة بنيتها القيادية، فيما اختير مجتبى خامنئي مرشدا جديدا في لحظة مشحونة بالقلق والثأر، لتثير تساؤلات حول مدى تماسك النظام وقدرته على مواجهة الضربات، وإعادة ترتيب نفسه.

 

وفي هذا الإطار، يرى المفكر الإستراتيجي عبد الله النفيسي أن أهداف الحرب على إيران متعددة، تتجاوز الضربة العسكرية المباشرة، وتهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

ويفرق النفيسي، في حديثه لبرنامج "موازين" في حلقته بتاريخ (2026/3/13)، بين طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرا إلى أن الأول يسعى للهيمنة الدولية وضرب الصين عبر التحكم في النفط الإيراني.

أما نتنياهو فيسعى لإخراج إيران من معادلة التوازن الإقليمي، وتدمير برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية، وتعطيل شبكات وكلائها الإقليميين مثل حزب الله والحشد الشعبي في العراق وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن.

ويؤكد المفكر الإستراتيجي أن فرضية إسقاط النظام الإيراني غير واقعية، مشيرا إلى أن "الأمريكيين يعلمون أنه غير واقعي، والإسرائيليين يعلمون أنه غير حقيقي".

ويشير إلى أن النظام الإيراني مؤسساتي منذ الثورة، بحيث يضمن استمرار الدولة ومؤسساتها في مواجهة أي اغتيالات، لافتا إلى أن اختيار مجتبى خامنئي مرشدا جديدا جاء في هذا الإطار، وليكون أيضا تحت جناح النواة الأمنية الصلبة للنظام، المتمثلة في الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات.

وحسب النفيسي، فإن مجتبى "لا يستطيع ملء فراغ والده بالكامل، لكن الظروف الحالية أعطته تأثيرا عاطفيا وسياسيا".

صورة بثها التلفزيون الإيراني ل مجتبى خامنئي
صورة بثها التلفزيون الإيراني للمرشد الجديد مجتبى خامنئي

ويصف النفيسي اختيار مجتبى بأنه رسالة تؤكد قدرة النظام على الصمود، رغم فقدان قيادته العليا، وأن أي تحجيم للنظام سيكون محدودا، إذ إن مجتبى يمثل التيار المتشدد والحرس الثوري، مما يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد تركيزا على الداخل الإيراني.

وكان مجتبى قد انتُخب مرشدا إيرانيا جديدا خلفا لوالده علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من الحرب في 28 فبراير/شباط 2026. 

وبعد إعلان انتخابه، بث التلفزيون الرسمي الإيراني تقريرا عن أبرز محطات حياته، واصفا إياه بأنه "جريح حرب رمضان" الجارية.

ومنذ ذلك الوقت، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجمات واسعة على إيران، أسفرت عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوري وقادة عسكريون آخرون.

جمهورية الحرس؟

كما استعرض النفيسي تجربة النظام الإيراني مع الحروب السابقة، مثل صمود الدولة خلال الحرب مع العراق، مشددا على أن الضربات الحالية رغم قسوتها، لم تؤدِ إلى تصدع النظام، ولا مؤشرات أيضا على انشقاق داخلي أو تحرك الأقليات بشكل يهدد استقرار الدولة.

ويرى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تعزيز النظام بدلا من تفكيكه، بينما التوقف عنها قد يُغلق باب الأزمات المؤقتة، مع إبقاء إيران متمسكة بثأرها وإستراتيجيتها الداخلية والخارجية.

من جانب آخر، يرى النفيسي أن هناك محاولات إسرائيلية لتوريط دول الخليج كشريك صغير في الحرب، وهو ما يحذّر منه بالنظر إلى التجارب السابقة مع العراق، فالولايات المتحدة تهدف فقط لتحجيم النظام الإيراني ومنع تمدد الحرب، بينما المخاطر الكبرى في المنطقة تقع على دول الخليج إذا دخلت المعركة بشكل مباشر.

وخلص النفيسي إلى أن الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، لكنها قد تحوله من "جمهورية الفقهاء إلى جمهورية الحرس"، مع تركيز سلطة القرار في أيدي الحرس الثوري، والحد من دور الفقهاء والنخبة السياسية، في مسار يعكس تحجيم المشروع الإيراني إقليميا دون القضاء عليه.

لم يعد أمام الرئيس الأمريكي الكثير من الوقت

 لم يعد أمام الرئيس الأمريكي الكثير من الوقت

عامر عبد المنعم

لم يعد أمام الرئيس الأمريكي الكثير من الوقت لإعلان وقف الحرب، ولكنه يبحث عن تفاهم مع الإيرانيين لحفظ ماء الوجه وتحسين صورته التي اهتزت أمام الشعب الأمريكي، وفي المقابل يبدو أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يصر على استمرار القتال حتى يعلن ترامب الاستسلام ورفع الراية البيضاء ويحصل على اتفاق يمنع تكرار العدوان ويرفع العقوبات.
لقد استطاع الجيش الأمريكي وسلاح الجو الإسرائيلي تدمير الكثير من الأهداف داخل إيران، ومعظمها أهداف مدنية، وتم قصف جزء كبير من الأصول البحرية الإيرانية ومقدرات الدولة الظاهرة، لكن مازال السلاح الصاروخي الإيراني فعالا، ويطلق الحرس الثوري الهجمات بدون توقف، ومازالت البحرية الإيرانية قادرة على إغلاق مضيق هرمز.
منذ بداية الحرب نجح الإيرانيون في توجيه ضربات دقيقة لشبكة الرادارات الأمريكية المتطورة، والمحطات الأرضية التي تتعامل مع الأقمار الاصطناعية، مما تسبب في إضعاف القدرة الأمريكية على إدارة المعركة بنسبة كبيرة، وجعلوها في حالة عماء، ولم يستطع الأمريكيون التعويض بطائرات الاستطلاع الأمريكية MQ9 والإسرائيلية هرميس، حيث أسقط الإيرانيون الكثير منها بمنظومات دفاع جوي فعالة.
لقد خسر الأمريكيون 17 قاعدة ومنشأة عسكرية في دول الخليج –وفق الإعلام الأمريكي- وابتعدت المدمرات الأمريكية وحاملة الطائرات أبراهام لينكولن المتواجدة إلى مسافات بعيدة خشية الاستهداف المباشر، وتقتصر عمليات الجيش الأمريكي على سلاح الجو الذي لم يستطع القضاء على منصات الصواريخ المتحركة التي يبدو أنها تعمل بكل حرية ليلا ونهارا.
في كلمته الأولى بعد تنصيبه أكد المرشد الجديد خامنئي على الثأر واستمرار إغلاق مضيق هرمز، وألمح إلى استعداد الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، أي أنه يضغط على ترامب بكل قوة مستخدما سلاح النفط، وهو نقطة ضعف الرئيس الأمريكي الذي لا يتحمل نتائج استمرار الحرب لمدة طويلة على الأسواق وأسعار النفط والطاقة، لأمريكا وحلفائها.
بالنسبة لنتنياهو الذي يعيش أسوأ أيامه، بعد أن ظن أن الأرض ممهدة لإقامة إسرائيل الكبرى وإعادة رسم الخرائط وابتلاع الدول المحيطة، فقد وجد نفسه هو والإسرائيليون في مصيدة مرعبة يرون الموت كل ساعة، وتتساقط عليهم الصواريخ طوال اليوم، ولم تعد منظومات الدفاع الجوي تعمل بكفاءة أمام الصواريخ الانشطارية والفرط صوتية والصواريخ التي يزيد وزنها عن الطن والطنين.
بعد فشل خطط ترامب ونتنياهو في إشعال الحرب الأهلية داخل إيران وتراجع قدرة المعارضة على الحركة الان فكروا في استخدام الأكراد لكن هذه الورقة أيضا فشلت؛ لضرب قواعد الأكراد المعارضين في أربيل، ولرفض تركيا وتحذيرها من اللعب بهذه الورقة.
بقيت الورقة الأخيرة التي يفكرون فيها ويعملون على تنفيذها، وهي إشعال الحرب بين الشيعة والسنة، بتحريض دول الخليج لدخول الحرب بجانب الأمريكيين والإسرائيليين، لكن حتى الآن فشل التحريض لإشعال الفتيل، وقد عبر قادة ومفكرون خليجيون عن رفضهم لهذا السيناريو الذي يورطهم في حرب ليست حربهم (اقرأ تصريحات حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري الأسبق).
في حال استمرار الحرب هناك خطر من جهتين لإشعال هذه الحرب الطائفية؛ الجهة الأولى: هي العمليات العسكرية المدروسة التي يرتكبها الإسرائيليون ضد أهداف منتقاة للتحريض على الفتنة ولاتهام الإيرانيين بقصف الأهداف المدنية، في الخليج أو باتجاه تركيا وبشكل خاص الموانئ وخزانات النفط.
والجهة الثانية: هي أطراف إيرانية وعراقية تفكر بشكل طائفي تتعامل مع دول الخليج كلها على أنها عدو، وأنهم لن يخسروا في الحرب وحدهم، وأن التدمير سيطال الجميع، لكن من الجيد صدور التصريحات المتكررة من القادة الإيرانيين عن حرصهم على العلاقات مع دول الجوار، وآخرها كلمة المرشد مجتبى التي أشار فيها إلى أن إيران لا تسعى إلى فرض الهيمنة أو الاستعمار في المنطقة، وأنه "مستعد تماماً لإقامة علاقات قائمة على الاتحاد والتعاون الودي والصادق مع جميع جيرانه" وننتظر أن يتم هذا الأمر عمليا.
الخطة الأخيرة لنتنياهو هي إشعال الحروب الطائفية والعرقية بين دول المنطقة وتخريبها، لتفلت إسرائيل من التدمير، وليمهد الطريق لنجاته وتحقيق حلمه التوراتي، وإذا كان قد بدأ بالمحور الشيعي فقد أعلن أيضا رغبته في تدمير المحور السني بعد ذلك، وهذا يقتضي من الدول السنية أن لا تنتظر حتى يجرها الإسرائيليون لحروب حرام، وعلى قلب العالمين العربي والإسلامي (مصر وتركيا والسعودية وباكستان) أن يتحرك ككتلة وليس فرادى، وأن تمتلك هذه الدول زمام المبادرة لإطفاء النيران التي يشعلها نتنياهو، قبل أن تجد نفسها وقد دفعت دفعا في دائرة النار.
صفحة الكاتب عامر عبد المنعم

كلمة صغيرة الهباء المنثور

كلمة صغيرة
الهباء المنثور

قـلـم الـتحـرير 
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا مُحمَّد وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وبعدُ:

يمرّ العالَم حاليًّا في فترة اضطراب شاملة، جعلت حتى الإنجليز يتصرّفون بعصبية وردّات فِعْل غير متوقَّعة؛ فالمَلِك يُجرّد شقيقه «أندرو» من ألقابه المَلَكية، ويطرده من قصره المَلَكي؛ في خطوة استباقية لتقليل تداعيات الفشل في منع نشر وثائق «إبستين»؛ التي تكشف عن عمل مُنظَّم استمر لعقودٍ، الهدف منه السيطرة الشاملة على أصحاب السلطة والنفوذ، والتأثير في أمريكا بصفة خاصة، وفي المناطق الحيوية حول العالم بصفة عامة.

وإذا كانت بصمة اليهود بارزة؛ فإن دور الموساد، وعلاقة إسرائيل بالمشروع، يصعب إخفاؤه وطَمْسه؛ فالكلّ يُتابع الصراع المحتدِم بين أصحاب المشروع الساعين لتقليل آثاره بتقريب القرابين، وبين مَن يريد اجتثاث الجميع، فلا فرق بين كلينتون وترامب؛ مما يعني انهيار وتلاشي طبقة كاملة من النُّخَب التي تم تجنيدها والسيطرة عليها حول العالَم، وهو تدبير رباني ذَكَره الله -سبحانه وتعالى- في قوله: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنثُورًا} [الفرقان: 23].

نعم، إن عصر سيطرة الحركة الصهيونية قد قارب على النهاية والأفول.