الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

لمسات بيانية د. فاضل السامرائي

  لمسات بيانية د. فاضل السامرائي 



هيّا بنا نلعب

هيّا بنا نلعب


مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب 

نتذكّر تفاصيل مسلسلات كرتونية من طفولتنا، بل نستعيدها بالشجن ذاته، ونُردّد أغاني التتر، ونحن نقود سياراتنا أو نبتكّر أشياء في مطابخنا. نتذكّر ملامح الأبطال والأشرار، كأنّها البارحة. بل أكثر من ذلك، نتذكّر محاولاتنا لتعديل النهايات وتغيير أسماء الأبطال.

بمستطاعنا أن نحكي عن رواية قرأناها في طفولتنا، بما في ذلك روايات "التيار العام" التي تتشابه كلّها. قد نتعثّر قليلاً في تذكّر اسم بطلة في رواية كلاسيكية، غير أنّنا سنقول في النهاية "ماجدولين".

إذا نزلنا بضع درجات إلى الطفولة، وجلسنا لنتذكّر: سنرى القميص الذي حصلنا عليه في "ليلة الشعبانية"، الهدية التي أُعطيت لنا "في الوقفة"، والمطعم الذي زرناه بصحبة العمّة والشمس تحجبها الغيوم. كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.  

كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.

كان لكل منّا حبيبة واحدة، بدلة واحدة، كتاب واحد، أغنية واحدة، وقرية من الأصدقاء. كنّا ننتظر الغسق كلّ يوم لنجلس أمام التلفاز على الموعد. لم نكن قادرين على التحكّم بأيّ شيء، كان علينا الانتظار والامتثال، كلّ ذلك كان يعزّز من ذاكرتنا، ويربّي شبكة انفعالاتنا، ويعلّمنا احترام المواقيت والنظام.

نتذكّر الجزء من المسلسل حين ألقت الفتاة بنفسها في النهر، والكرة التي أصابت العارضة، وقفزت إلى الأعلى. نفكّر الليل كلّه، النهار كلّه: هل سينقذها الصياد، وهل سيقفز الكابتن وليد، رغم وجع ساقيه، خلف الكرة.

تتدافع السيناريوهات في خيالنا، وكان خيالنا يتسع، يصير أكثر ليونة وطراوة. الخيال هو الذي أعاننا، في تلك الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

عندما زارتنا العمّة من مكان بعيد كنّا قد فرغنا للتو من غدائنا، تناولنا الأرز بالصلصة والبطاطا، ووزّعت أمي نصف الدجاجة علينا. حصلتُ، في ذلك اليوم البعيد، على جزء من ظهر الدجاجة، كانت دجاجة بيضاء اشتريناها بكذا، وكان البائع يحكّ ذقنه، ويسأل: هل أذبحها لكم؟ عندما قال "لكم" رأينا ضروسه الناقصة، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره. كلّ هذا في الذاكرة، في الخيال، في الوجدان، في التجربة. لا يفلت منه شيء، يزداد اختماراً مع الأيّام، الماضي يُعيد إنتاج نفسه، ثم نعيد خلقه في النصوص والآداب، في الفنون والحيل والتجارب الجديدة. كان ساراماغو، الروائي البرتغالي، يقول "دع الطفل الذي بداخلك يتحدث"، وقال ماركيز إنّه عندما أراد أن يكتب على نحو مختلف قرّر أن يحكي كما كانت جدّته تحدّثه في طفولته.

أعاننا الخيال، في الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

تعلّمنا التاريخ على رويّة، بصرف النظر عن جودة المادة التي قُدِّمت لنا من وجهة نظر علمية. التاريخ، أو الحكاية، كان متعدّد الطبقات والأبطال والذرائع، فيه تحوّل البطل إلى شرير، وعاد الشرير ليلتحق بجيش الأخيار قبل المعركة بساعة. كانت الغجرية ترقص، وتغنّي عالياً، وكان "علي أحمد باكثير" يحيط برقصتها، وينقلها لنا حركة حركة. لا يزال صوتها يرنّ في الأذان، وكلّما شاهدنا فيلم "أحدب نوتردام"، ورأينا إزميرالادا هتفنا "نعرف هذه الغجرية، رأيناها في مكان آخر".

لماذا أقول كلّ هذا؟

فيما بعد اعتقدنا أن تعدّد الخيارات في الدنيا سيصبّ في صالحنا. من الأفضل أن نجد عشرين نوعاً من الجبنة، وثلاثين نسخة من الموبايل، ومئة تصميم للفستان. هذا أفضل، لأنّه يحقّق في النهاية رفاهاً وسعادة. الاختيار بين "بضاعتَين" كان يعود علينا، في القديم، بشيء من القلق. نسأل أنفسنا في طريقنا إلى البيت، ما إذا كانت البضاعة الأخرى هي الأفضل، هل اخترنا الأسوأ؟ بيد أنّ الأمر بات مدمّراً الآن، على المستوى النفسي. يسأل المرء نفسه: لماذا اخترت هذه النسخة، وتركت الأخريات، ويفكّر بمئة نسخة استبعدها. ما إن يصل الفرد البشري إلى منزله حتى تكون علاقته بما اشتراه قد انهارت. الوفرة غمرتنا بالقلق، بالتوتّر، باللايقين، وأفقدت أشياءنا جاذبيتها، وهكذا جعلتنا غير قادرين على إنشاء علاقة اجتماعية- نفسية مع ما نملكه، من اللعبة إلى الحب، ومن جهاز الموبايل إلى الصداقة. 

أتذكر حكاية مع ابنتي، سبعة أعوام آنذاك، وهي تلقي بالآيباد على الأريكة قائلة "الآيباد خلص". تقصد أنّها شاهدت كلّ المواد المُتاحة للأطفال على تطبيق ديزني. الآن، بعد خمسة أعوام، لم تعد تتذكّر شيئاً من كلّ تلك البحيرة التي شاهدتها وعايشتها. تعيش بلا أبطال في الذاكرة، ويتداخل عليها الخيال، ولا تبدو قد استفادت عاطفياً من تجربتها المُبكّرة مع الفن، باستثناء الأعمال الكلاسيكية المركّبة.

كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال.

كانت رواية واحدة تجعل من المرء منّا كاتباً. وكانت قصيدة واحدة، ربّما بيت شعر واحد، يخلق عدداً من الشعراء. وكانت القبيلة يهنّئ بعضها بعض إذا نبغ فيها شاعرٌ أو وُلِدت لهم فرس. كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال. الخيال هو أعظم ما يملكه الإنسان، يقول بورخيس. هو كذلك، مع الحلم. الوفرة جعلتنا خائفين، قلقين، غير ناضجين، وأفسدت طبائعنا. كان ويلسون يتحدث عن الخيول التي جيء بها من البادية إلى المدينة، وقُدّمت لها العصيدة. يقول: أحبّت العصيدة اللينة السهلة، ومع الأيّام سقطت أسنانها.

أسنان الخيول للشوك والبريّة لا للعصيدة. هكذا صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مُكتشفة لم تعد تُخفي سرّاً، وحياة بلا غموض، وذاكرة يتسرّب منها كلّ شيء.

صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مكتشفة لم تعد تخفي سرّاً، وحياة بلا غموض.

ثم أضيف إلى كلّ هذه "المأساة" التعقيد البيروقراطي لحياتنا، الحصار القانوني، القيود، والنماذج السلطوية بالمعنى الذي يذهب إليه فيكون، السلطوية البنيوية الكامنة في كلّ التمظهرات. من الضحية؟ يجيب ماكس فيبر، قبل قرن من الآن: الخيال والإبداع. عندما مات مارادونا، وبكته الصحف، كتب المحرّر الرياضي في صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية الناطقة بالألمانية: دعوا الرجل يذهب، فلو كان يلعب الآن لأوقفه المدربون، وأجلسوه في دكّة البدلاء. 

نسمع هذا الأسى على لسان إدوارد غاليانو، الكاتب الأوروغواني، إذ يقول: في الماضي كان المدرب يجتمع مع لاعبيه قبل المباراة، ويقول لهم "هيا بنا نلعب". الآن يسمع اللاعبون جملة واحدة "هيا بنا نعمل". ليتنا، مثل زمان، نذهب لنلعب، ونقف في السوق، ولا نرى سوى شيئَين أو ثلاثة.

سنوات من دعم ترامب انهارت خلال 15 دقيقة

 سنوات من دعم ترامب انهارت خلال 15 دقيقة

د. خليل العناني 

قصة لافتة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز 17 أغسطس 2026 تكشف ان الانسان يصبح عدواً لنفسه عندما يتواطأ مع القبح والظلم…

برنت جيندرا، أمريكي يعمل في قطاع التكنولوجيا، صوّت لترامب ثلاث مرات، وكان يعتبر نفسه من أنصار MAGA، ومؤيدًا بقوة لسياسات ترامب المتشددة تجاه الهجرة. لكنه لم يتخيل أن يدفع ثمن هذه السياسات المجحفة!

 

ايه الحكاية؟

اخونا برنت تزوج قبل كام شهر من شابة روسية اسمها غالينا بوبرينيفا، تبلغ 40 عاما، سافروا يقضوا عطلة زوجية في شهر يوليو الماضي وعند عودتهم في احدى مطارات كاليفورنيا أوقفهما عنصر أمني تابع لسلطات الهجرة الأمريكية، التي نشرها حبيبه ترامب في المطارات للمرازية والعكننة على خلق الله.

تم استجواب العروس الروسية لمدة 15 دقيقة بعدها تم اقتيادها مكبلة اليدين إلى سيارة لا تحمل أي علامات رسمية، وتم وضعها في مركز احتجاز للمهاجرين بدعوى تجاوز مدة تأشيرتها…

قضت العروس 16 يوما على أرضية زنزانة احتجاز في قبو وسط لوس أنجلوس، ثم أسبوعين في مركز احتجاز بصحراء موهافي وفي النهاية، أُفرج عنها بكفالة قدرها 35 ألف دولار، مع تثبيت جهاز مراقبة إلكتروني حول كاحلها. وهي الآن تخوض معركة للبقاء في الولايات المتحدة، في مواجهة اتهامات فيدرالية بتجاوز مدة تأشيرتها.

اللافت ان العروس دخلت أمريكا بشكل قانوني بتأشيرة سياحية عام 2021، ثم تقدمت بطلب لجوء، وبعد زواجها من جيندرا تقدم الأخير بطلب للحصول لها على الغرين كارد، وكان الطلب قيد النظر بالفعل. كما انه ليس لديها أي سجل جنائي.

أما زوجها، الذي صوّت لترامب ثلاث مرات، فيقول الآن:

«هي لم تقفز فوق جدار، ولم تسبح عبر نهر… لقد دخلت من باب ترامب الأمامي الكبير والجميل».

الزوج الاحمق الذي صوّت لترامب ثلاث مرات من أجل تشديد الهجرة، احتاج إلى 15 دقيقة فقط كي يرى الوجه الآخر للسياسة التي ظل يؤيدها لسنوات والان يذوق من نفس الكأس الذي ظل يدافع عنه وبسببه وصل العجل الأصفر للبيت الأبيض.

#علم_نافع

الاثنين، 17 أغسطس 2026

الصليبيون الجدد (15)

الصليبيون الجدد (15)

عود على بدء:

كيف كانت البداية؟ 
ماهي دوافع الخطو الأول في الحروب الصليبية؟ 

تفكيك المفردات سيجيب على الكثير من الأسئلة وبها يتم محو الزيف الممنهج الذي مورس على الوعي الجمعي من قبل المستشرقين وذيولهم في بلادنا، وحتى لا يخرج علينا مأفون ليشكك فيما نقول زاعما أننا غارقون في نظرية المؤامرة فإننا نذكره بأن الحياة على الأرض قامت على الصراع بين آدم وذريته مع الشيطان وذريته، بمعنى أن الصراع بين الحق والباطل في ديمومة لا تتوقف ما يعني أن الشيطان وحوارييه لن يتوقفوا عن التآمر إلى قيام الساعة وهذه سنة الله في أرضه.


وبالنظر إلى أصل النزاع القائم فإننا نجد أن الصليبيين أقاموا مملكتهم في الشرق وقسمت القيادة بين مجموعتين بما يسمى الصقور والحمائم، بينهما فروق بسيطة لكن الهدف والمقصد واحد، حدثت بينهما خلافات كادت أن تصل إلى حرب أهلية في الوقت الذي أسس فيه صلاح الدين كتلة متماسكة في مواجهة الكتلة الصليبية في زمن الخلافة العباسية في فترة من التداعي تستشعر معها أن منصب الخليفة العباسي أصبح شرفيا أكثر منه قيادة مؤثرة في مقابل علو كعب صلاح الدين لدى عوام المسلمين الذين اصطفوا خلفه.

أما الصقور والحمائم فقد أصابهم غرورهم بالعمه ما جعل رينو دو شاتيون أو البرنس أرناط كما يسميه العرب واحد من الصقور أن يهاجم قوافل الحجيج المتجهة إلى المدينة المنورة عازما المضي قدما لمهاجمة المدينة ومكة “مدينة الكفار” والذي كان يقول عنها أن مرآها يمثل له إغراء لا يقاوم وينوي سحب النبي “راعي الإبل اللعين” من قبره والزحف على مكة وتسوية الكعبة بالأرض

(عندما احتل الانجليز مصر كان اللورد كرومر يقول جئت إلى مصر للقضاء على القرآن والأزهر والكعبة)

في الوقت الذين أبرموا اتفاق مسبق لهدنة مع صلاح الدين وهاهم قد نقضوا العهد بفعلهم هذا واتبعوه بالمزيد، وقد وصفت كارين فعل رينو بالقول:

“وبإمكاننا أن نرى في رينو دو شاتيون تجسيدا بليغا لمخاطر المتطرفين الدينيين في دولة إسرائيل الحالية، الذين يعتبرون السلام مع العرب خطيئة آثمة، والذين لا ينفكون يخوضون حربا مقدسة علي الإسلام”
وردا على إغارة الصليبيين على الحجاج المتجهين إلى المدينة وأخذهم الغنائم قام صلاح الدين باحتجاز سفينة لحجاج مسيحيين تقل 150 حاجا ولم يعرف مصيرهم هل تحولوا إلى أرقاء وهاجم المسلمون ممالك الصليبيين وأغاروا عليها واستولوا على قلعة حبيس جلدك المسيحية نتيجة صلف رينو دو شاتيون.

واعتبرت كارين مجيء سيف الدين العادل أخا صلاح الدين انقذ الجانبين من مجزرة محققة لا يعلم متى ولا كيف ستنتهي فقالت:

“ومن حسن الحظ أن سيف الدين العادل، أخا صلاح الدين حضر على عجل من مصر للنجدة، فسحق الأسطول المسيحي، وساق الأسرى إلى المدينة وهم مقيدون إلى ظهور الأبعرة، وقطعت رؤوس القراصنة، ونجا رينو من هذا المصير لأنه تراجع إلى مؤاب”

وأقسم صلاح الدين أن يقتل رينو بيديه، أما غي دو لوزينيان وهو واحد من الحمائم والذي تصدى بجنوده لحصار صلاح الدين لهم في إحدى الممالك الصليبية مما جعل صلاح الدين يعود بجيشه دون أن يهاجمهم وعد هذا نصر لغي بينما هو نصر ليس له أي فائدة لغي تذكر وفي ذلك تقول كارين:

“فعدا أنه تشاجر مع الصقور، وازدري من قبل الجنود العاديين بسبب وقفته الخانعة أمام الإسلام”
ما بين الوضيع رينو والبرنس صلاح الدين:

في قصر رينو بالكرك أقيم حفل زفاف إيزابيلا وهمفواي، عد هذا الزواج معاهدة صلح بين الحمائم والصقور مما يعضد من الصليبيين ككتلة موحدة، كان صلاح الدين مازال على عهده بقتل رينو فحاصر القصر بجيشه وقام المدعوون للحفل بإرسال بعض الأطعمة الخاصة بحفل الزفاف لصلاح الدين لإخباره بأن هنا حفل زفاف فتراجع صلاح الدين ورفض مهاجمتهم، بينما حضر بالدوين بجيشه للذود عن القلعة المحصنة فانصرف المدعوون للحفل وهم منقسمون بين الانتماء للحمائم والصقور.

عدت كارين هذا السلوك من المسلمين والمسيحيين راقيا مبهرا بينما المتعصبون هم دائما ما يقودون المشهد إلى الجنون.
استنفار عام:

عاد رينو للاستفزاز مجددا وأطلق طاقته العدوانية من عقالها وهاجم قافلة أخرى للتجار والحجيج فذبح جميع الرجال وساق الباقين أسرى إلى الكرك ومن بينهم شقيقة صلاح الدين ولما ذكره أحد الأسرى بالهدنة المعقودة بينه وبين صلاح الدين قال رينو في هزء وتهكم:

“ليأت محمدكم إذن لفك أسراكم”

فأعلن الاستنفار العام للجهاد المقدس ضد الفرنجة واستجاب المسلمون من كافة الثغور حتى بدت المدينة غارقة في بحر من الخوذات اللامعة والبيارق المتماوجة، تحف بها عدد لا حصر لها من الخيام المصنوعة من وبر الجمال يتقي بها العساكر حر الشمس، ولأول مرة منذ قرون يتم تعبئة الإسلام في حرب مقدسة وناجحة على هذا النحو، ولم يستطع الصقور والحمائم تقدير الخطر الماحق بهم فظلت خلافاتهم في تصاعد، وحدث النزال الذي انتهى بنصر ساحق للمسلمين تبادل الصقور والحمائم في أعقابه الاتهامات، كل يلقي باللائمة على الآخر فيما سمي بمجزرة عين الأقحوانة.

ولنا هنا وقفة:

عندما يحتدم الأمر كان الصليبيون يقولون عن خصمهم “الإسلام” دون تسمية القائد أو جيشه الذي خرج جنده من ثغور شتى مدفوعا فقط بنصرة الإسلام الذي يناوئه العدو ولا يرى أمامه سوى الإسلام بغض النظر عن جنسية جنده، كلهم ممثلون للإسلام، ولي سؤال ملح هل المترفون الذين يعيثون في بلادنا فسادا ويتصدرون المشهد يمثلون الإسلام! 
الذي لا يرى عدونا سواه، هل عراة الساحل الشرير مواطني إيجيبت يمثلون الإسلام؟ هل لو أعلن الاستنفار العام لمواجهة عدو صائل لا يرى فينا سوى الإسلام سيواجهونه؟ أم أنهم سيطيرون إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط أو المحيط ويتركوننا بإسلامنا المزعج!! نقبض على الجمر بأيدينا.

هل الوجوه التي تتصدر مختلف الوسائط الجديدة والتي تقدم محتوى ما بفراغ عقولهم ومحتواهم المبتذل ووجوههم وأشكالهم الغريبة بل ومفرداتهم وطريقتهم في التعبير ومنطقهم الأسوأ تمثل الإسلام؟
فمن أين هبطوا علينا إذن؟

هبطوا من الانقسامات التي مارسها المحتل منذ أن حل نابليون بخيله ورجله إلى بلادنا وقد فجر الأرض بأعراقها وقومياتها ولغاتها ليقطعنا شراذم متضادة، ويأتي كل جيل ليكمل المسيرة حتى بلغنا منعطفا خطيرا من كوننا أصبحنا دوائر مغلقة على نفسها لا تتماس ولا تلتقي في نقطة إلا لتبادل السباب والاتهامات، تجمعات سكنية بأسوار عالية ومدارس تنتمي إلى لغات وثقافات شتى لا يوجد رابط بينها، هي ليست إلا مزيد من الانقسامات والتغريب وضياع الهوية والدين واللغة فيكون منتوجها في النهاية مسوخ ضعيفة في كل شيء، ولا تشبه الإسلام في شيء ولا تشبه حتى الثقافات التي تربت عليها، فأي هوان أصبحنا فيه.

جنود الحملات الصليبية خرجوا من بلادهم لمواجهة الإسلام، أما نابليون وجنوده وما تلاهم فقد حرصوا على طمس الرؤية علينا فلا نرى الحقيقة بمساعدة التغريبين الذين مازالوا يقومون بدورهم على أكمل وجه فمتى نستفيق؟


وللحديث بقية إن شاء الله

MAGA Mike في مأزق… وترامب يقترب من امتحان نوفمبر

عاجل
MAGA Mike في مأزق… وترامب يقترب من امتحان نوفمبر
مكاوي الملك


المشهد الأمريكي دخل مرحلة مختلفة: حرب إيران بدأت تتحول من ملف خارجي إلى فاتورة سياسية داخلية. ارتفاع أسعار الطاقة، طول أمد الحرب، استنزاف الموارد العسكرية، وتراجع الثقة بالإدارة، كلها تتجه إلى نقطة واحدة: انتخابات التجديد النصفي..
ولهذا تبدو تصريحات رئيس مجلس النواب مايك جونسون أكثر من مجرد دفاع عن ترامب؛ إنها محاولة لشراء الوقت.
حين يصبح السؤال داخل الحزب الجمهوري: كيف سنصل إلى نوفمبر إذا بقيت الحرب والأسعار والتوتر كما هي؟
فالمشكلة تتحول من إدارة أزمة إلى أزمة إدارة…
الأخطر استراتيجياً أن واشنطن تواجه معادلة صعبة: إنهاء الحرب قد يُقدَّم كتنازل، واستمرارها يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وكل يوم إضافي يضيّق مساحة المناورة أمام البيت الأبيض..
أما هرمز، فقد أصبح قلب المعادلة: إذا كان فتح المضيق هو معيار النصر الجديد، فهذا يعني أن سقف الأهداف الأمريكية انخفض من إعادة تشكيل إيران إلى إدارة نتائج الحرب…
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى:القوة الأمريكية ما زالت هائلة، لكن قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية حاسمة هي التي أصبحت موضع الاختبار..
نوفمبر لن يكون مجرد انتخابات؛ قد يكون أول استفتاء أمريكي على كلفة حرب إيران نفسها
✍️ صفحةمكاوي الملك | Makkawi Elmalik

الراتب لا يكفي.. فالجمهور يأخذ حصته

 الراتب لا يكفي.. فالجمهور يأخذ حصته



حمد حسن التميمي



ينزل الراتب وحده، لكنه يُصرف بحضور جمهور كامل. جمهور يراقب السيارة، ويقارن العرس ويسأل عن وجهة الصيف، ويمنح الأشياء أسعاراً تتجاوز قيمتها الحقيقية. وبينما ينشغل صاحب الراتب بتوزيعه على البيت والمدرسة والسيارة والفواتير، يجلس ذلك الجمهور في زاوية خفية من الحساب، ينتظر نصيبه من دون أن يدفع ريالاً واحداً.


في بيوت كثيرة، عبارة «الراتب لا يكفي» وصف صادق لوجع يومي؛ فالإيجار والتعليم يلتهمان الدخل، والأقساط تؤمن أحياناً بيتاً أو سيارة تفرضها الحياة.

 لكن بجوار هذا العجز الحقيقي ينمو عجز آخر بصمت: راتب يكفي الإنسان، ثم يعجز أمام النسخة التي يعتقد أن المجتمع ينتظرها منه.

هذه الحيرة أقدم من تطبيقات البنوك. في بحث نشره عالم الأنثروبولوجيا غرانت مكراكن في «مجلة أبحاث المستهلك» عام 1986، استعاد حكاية الفيلسوف الفرنسي ديني ديدرو، الذي تلقى رداء فاخراً، ثم بدا له أثاث غرفته متواضعاً أمامه؛ فاستبدل مقتنياته تباعاً حتى جره الرداء إلى إنفاق لم يخطر له.

 سمى مكراكن ذلك «تأثير ديدرو»: 

شيء واحد يرفع سقف الصورة، فتبدأ بقية الأشياء في المطالبة بأن تلحق به.

يحدث الأمر حولنا بالطريقة نفسها. سيارة تتجاوز الحاجة، فتستدعي ساعة ومطاعم ورحلات تناسب صاحبها الجديد. وعرس يبدأ فرحاً، ثم يتحول إلى امتحان لاسم العائلة وعدد المدعوين وحجم القاعة؛ يغادر الضيوف في ليلة واحدة، ويبقى الزوجان سنوات يسددان ثمن المشهد. وبعض الهدايا تُشترى لحماية المكانة أكثر مما تُشترى تعبيراً عن المحبة.

الرفاهية في حدود القدرة متعة مستحقة، والإنسان أدرى بما يسعده. 

الخطر يبدأ عندما ينتقل القرار من الداخل إلى عيون الآخرين، فيصبح ثمن الشيء أقل أهمية من الرسالة التي يبعثها. عندها تفقد السيارة وظيفتها، ويفقد السفر راحته، ويفقد العرس فرحته؛ فكلها تتحول إلى لغة يتحدث بها الإنسان كي يثبت مكانته، حتى وهو يعرف أن المستمعين سينسونها سريعاً، ويبحثون عن مشهد جديد في اليوم التالي.

في مجتمعاتنا، يصعب فصل الكرم عن الضغط الاجتماعي؛ فالمناسبة تحمل واجبها، والاسم يحمل توقعاته، وعبارة «ماذا سيقول الناس؟» تملك سلطة تفوق أحياناً قدرة صاحب القرار. ولهذا يدخل كثيرون السباق وهم يعرفون كلفته، ثم يواصلونه لأن التراجع أمام العيون يبدو أشد قسوة من القسط أمام البنك.

أما المنصات، فقد وضعت مضمار السباق في جيوبنا. 

تعرض مقعد الطائرة وتخفي القرض، وتعرض مفتاح السيارة وتخفي القلق عند موعد السداد. نرى لحظة الوصول ونقارنها بطريقنا كله، فتبدو حياة الآخرين مكتملة، وتبدو حياتنا ناقصة مهما امتلأت. الصورة تحتفظ بالتصفيق، وترسل الفاتورة إلى صاحبها وحده.

وهنا يتجاوز الثمن كشف الحساب. 

من يعيش لحماية صورته يتحول تدريجياً إلى حارس لها؛ يعمل أكثر، ويقلق أكثر، ويحمل توتره إلى بيته، لأن المستوى الذي صنعه يحتاج دائماً إلى دليل جديد. يبدأ الترف متعة، ثم يصبح وظيفة ثانية بلا راتب ولا إجازة، ويصبح الإنسان ضيفاً في حياة بناها لإقناع الآخرين.

والمترف بهذا المعنى حالة قد تسكن الغني ومتوسط الدخل معاً؛ تبدأ حين تتحول الكماليات إلى حقوق، وحين نقترض المسافة بين حقيقتنا والصورة التي نعرضها. عندها نشتري مع الشيء قبولاً وهيبة وشهادة بأننا نجحنا، مع أن الجهة التي تصدر هذه الشهادة تلغيها فور ظهور شيء أحدث.

في الشهر المقبل، ستصل رسالة الإيداع نفسها، وسيبدأ توزيع الراتب من جديد. 

وسيبقى السؤال الذي لا يظهر في كشف الحساب: كم أنفقنا على حياتنا، وكم أنفقنا على الجمهور؟ 

كان الراتب يكفي الإنسان أحياناً، لكنه لم يكن قادراً على إطعام كل الأقنعة التي ارتداها.

الأحد، 16 أغسطس 2026

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ ﷺ!

نقطة نظام

مَهْرُ ابنةِ النَّبيِّ !

في بيت النبي



أدهم شرقاوي


البيوتُ التي تُؤسَّسُ على كثرةِ ما يُقدَّمُ ليست أَرسخَ بقاءً، ولا الزيجاتُ التي تبدأُ بضجيجِ المظاهرِ أصدقَ مودّةً، فالقيمةُ في مدرسةِ النبوّةِ لم تكن يومًا فيما يُرى، بل فيما يُعاشُ. هناك، حيثُ يُعادُ تعريفُ الشرفِ، لم يكنِ المهرُ استعراضَ قدرةٍ، ولا إعلانَ ثراءٍ، بل إشارةَ صدقٍ، وعهدَ مسؤوليّةٍ، وبدايةَ حياةٍ تُبنى على الكفافِ واليقينِ لا على التكلّفِ والمقارنةِ. 

وفي ذلك الأفقِ النقيِّ، كانتِ البساطةُ خُلُقًا لا عجزًا، وكان السموُّ يُقاسُ بخفّةِ الحملِ على القلوبِ لا بثِقَلِ ما يُوضَعُ في الأيدي، ومن هذا الميزانِ العادلِ يأتينا مشهدٌ صغيرٌ في حجمِه، كبيرٌ في معناهِ، ليقولَ للدُّنيا كلِّها: 

إنَّ أعظمَ البداياتِ هي تلك التي تبدأُ بلا ادِّعاءٍ!

عندما خطبَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فاطمةَ من النَّبيِّ ﷺ، ووافقَ ﷺ على هذه الخِطبةِ، قالَ لعليٍّ: أعطِها شيئا!

فقالَ عليٌّ: ما عندي من شيءٍ!

فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: فأينَ دِرعُكَ؟

قالَ: هي عندي!

فقالَ له: فأعطِها إيّاه! (1)


هذا هو مَهرُ بنتِ النَّبيِّ ﷺ، وسيّدةِ نساءِ أهلِ الجنّةِ: دِرعٌ!

وما يفعله النّاسُ اليومَ من المُغالاةِ في المُهورِ، وتكليفِ الخاطبِ فوقَ ما يُطيقُ، ليس من سُنّةِ النَّبيِّ ﷺ في شيءٍ، ويعتقدُ الأهلُ خطأً أنَّ رفعَ المهرِ هو رفعٌ من قيمةِ البنتِ، وهو في الحقيقةِ، فضلًا عن كونِه خلافَ هديِ النُّبوّةِ، تسليعٌ للبناتِ، ونوعٌ من التِّجارةِ بهنَّ.

وعندما زفَّ النَّبيُّ ﷺ فاطمةَ رضي الله عنها إلى عليٍّ، بعثَ معها ثوبًا، ووسادةً من جلدٍ محشوةً باللِّيفِ، ورَحًى لتطحنَ حبوبَها، وقِربةً لتستقيَ بها الماءَ، وجرَّتينِ: واحدةً للماءِ، وواحدةً للخَلِّ.

وانظُرْ إلى فعلِ النَّبيِّ ﷺ في زواجِ ابنتِه؛ فهو لم يُيسِّرِ المهرَ على عليٍّ رضي الله عنه فحسب عندَ الخِطبةِ، وإنّما شاركَ في جِهازِها، لِما يعلمُ من فقرِ صِهرِه.


لذلك فإنَّ مساهمةَ الأهلِ في جهازِ ابنتِهم اتِّباعٌ للسُّنّةِ المُطهَّرةِ، وإرساءٌ لمبدأِ التَّكافلِ والتَّراحُمِ بين النّاسِ، وهو من المعروفِ الذي يُثمِرُ عند الصِّهرِ إذا كان أصيلًا. وكم من الأزواجِ صبروا على زوجاتِهم كُرمى لعيونِ أهاليهنَّ، لما رأَوا فيهم من حُسنِ الخُلُقِ وتيسيرِ أمرِ الزَّواجِ. فالخاطبُ في أغلبِ الأحوالِ شابٌّ في مُقتبلِ العمرِ، حديثُ عهدٍ بوظيفةٍ، عليه مساعدةُ أهلِه، وعليه تأمينُ أمورِ زواجِه، فإن كان الأهلُ في حالٍ ميسورةٍ فالسُّنّةُ المُساهمةُ، وإن لم يُساهِموا، فعلى الأقلِّ ألّا يُطالِبوا!


يعلِّمُنا النَّبيُّ ﷺ من موقف تزويجِ ابنته أنَّ العظمةَ لا تحتاجُ إلى زينةٍ، وأنَّ الكرامةَ لا تُشترى بثِقَلِ الأثمانِ، فحين تكونُ القلوبُ صادقةً، يكفيها القليلُ ليصيرَ كثيرًا، وتغنيها البساطةُ عن المظاهرِ كلِّها. 

لم يكنِ المهرُ درعًا في حقيقتِه، بل كان إعلانًا صامتًا أنَّ البيوتَ التي تُبنى على الصدقِ، وتُحمَلُ على المعنى، هي الأقدرُ على البقاءِ، وأنَّ ما يُبارَكُ من اللهِ لا يفتقرُ إلى بهرجةٍ، بل إلى قلبٍ يعرفُ أين يضعُ قيمتَه!


 (1)الراوي:عبدالله بن عباس المحدث:ابن حبان المصدر:صحيح ابن حبان الجزء أو الصفحة:٦٩٤٥ حكم المحدث:أخرجه في صحيحه