الخميس، 18 يونيو 2026

سورة الكهف ومنصّات الإقلاع الحضاريّ

سورة الكهف ومنصّات الإقلاع الحضاريّ


د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية


من المؤكد أنّ سورة الكهف مكيّة، ومن المرجح أنّها مكيّةٌ كلُّها وأنّها نزلت جملة واحدة، وممّا هو جدير بالذكر هنا أنّها من أواخر ما نزل في مكة، وهذا يعني أنّها نزلت في سياق إعداد الأمة الإسلامية الوليدة لمرحلة جديدة؛ فعمّا قريب ستقع الهجرة، وستكون منطلقَ التمكين الحضاري القائم على الإيمان والتوحيد، وسيتبعها بناء المجتمع السياسيّ الرشيد، وإقامة أركان دولة العدل والحقّ، ثم الانطلاق في الآفاق بالدعوة والبيان ثمّ بالسيف والسنان؛ من أجل تحرير الإنسان من الطغيان، وتعريفه بربّهِ الرحمن؛ فكيف جاء التمهيد والتوطيد لهذه الانطلاقة العملاقة ولهذا الإقلاع الوثّاب؟ وما هو الدور الذي قامت به سورة الكهف؟ ما هي منصّات ومُنطلَقات الانبعاث الحضاريّ الإسلاميّ؟

القواعد الأولية للمنهجية العلمية

لم يكن الخضر أعلم من موسى بشريعة التوراة التي بُعث بها، ولو كان موسى يجهل من أمر دينه شيئًا لعاد به إلى مصدره؛ فهو كليم الله ورسولُه الذي يوحي إليه، وإنّما كان الخضر أعلم من موسى في تخصص دقيق عميق، ربما كان في زاوية ضبط العلاقة بين الأمر الشرعيّ والأمر القدريّ، وهي زاوية تحتاج علمًا من غير طريق الرسالة، وهنا يتجلّى مبدأ التخصصيّة واحترام التخصّصات، فالأمة الإسلامية -وإن كانت أعلم من كلّ الأمم بموضوع الرسالة وتفاصيل المنهج الربّانيّ- فإنّها بحاجة فيما هو خارج هذا النطاق إلى الاستفادة من الآخرين، بما لا يعود على المنهج بالنقض أو النقص، هذا درس كبير في المنهجية العلمية، يأتي في سياق القصة محفوفًا بجملة من الدروس المنهجية كالرحلة في التماس العلوم من مظانّها، وآداب التلمذة، والحرص والدأب والصبر والمثابرة وطول النفس.

وقد جاءت قصة صاحب الجنّتين في سورة الكهف؛ لترسيخ قيمة جوهرية مخالفة تمامًا للقيمة الجوهرية في الحضارة المعاصرة، فالقيمة الجوهرية في منظومة القيم الحداثية هي الدنيوية، أمّا في الإسلام فإنّ الإنسان له من هذه الدنيا نصيب، لكنّ الدنيا ليست سوى مزرعة للآخرة، ومع ذلك فإنّ سياق القصّة اشتمل على أحد ملامح المنهجية العلمية، فقد سمى السياق ما دار بينهما حوارًا: {فَقالَ لِصاحِبِهِ ‌وَهُوَ ‌يُحاوِرُهُ}، {قالَ لَهُ صاحِبُهُ ‌وَهُوَ ‌يُحاوِرُهُ}، لكن انظر إلى المقدمات التي بنى عليها كلٌّ منهما تصوراته، فأمّا الكافر الذي أنعم الله عليه بهاتين الجنتين الباهرتين فقد بنى تصوراته -ومن ثمّ أقام حواره- على مقدمات هشّة غير متماسكة، جميعُها مبنيّة على الظنون، بينما المؤمن بنى على الحقائق المحكمة الثابتة: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}، وهي سلسلة متصلة من الحقائق التي يُبني بعضها على بعض، والتي تثمر في النهاية ضرورة التسليم للخالق، وضرورة أن يكون الإنسان مسؤولا عن أعماله في يوم يقوم فيه الحساب العادل ولا مكان فيه لمحاباة الأثرياء ولا الوجهاء.

وتكثر في السورة الكريمة ملامح المنهجية العلمية، وتنبثّ بين ثنايا القصص بشكل لافت للنظر، لكنّ أشدّ هذه الملامح ظهورًا هو عدم بناء التصورات -أو حتى القرارات- على الخرص والرجم بالغيب دون تحقُّقٍ يقوم بسلطان البرهان، فتأمّل: 

{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ}، {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ}، {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ}، {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ}، {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا}، فلا يصحّ في منهج العلم والنظر المسارعة إلى إثبات شيء أو نفيه -والنفي هنا كالإثبات سواء بسواء- إلا بعد قيام الدليل على الإثبات أو النفي؛ لذلك يُعَدُّ دعاة الإلحاد مخالفين لأبسط قواعد المنهج العلميّ؛ لأنّهم سارعوا إلى نفي وجود الله بلا برهان، فإنّهم -ولو فرضنا أنّهم يفتقدون الدليل على وجود الله- لا يملكون الدليل على عدم وجوده، فهم إذَنْ واقعون في وصف “الجلافة المنهجية” بكل ما تقوم عليه من مكابرة ومجازفة وتجديف.

الأبعاد الثلاثة للتمكين الحضاري

يتجلّى في قصة ذي القرنين -الملك المسلم الذي بلغ غاية التمكين- ثلاثة أبعاد للتمكين الحضاري الشامل الكامل، الأول: البعد العمرانيّ بعناصره الثلاثة (الجغرافي والديموغرافيّ والرساليّ)، فقد انطلق شرقًا وغربًا وشمالا وجنوبًا، ولامس بدعوته ورسالته أهل المشرق وأهل المغرب وأهل السدّين، والبعد الثانيّ هو البعد العلميّ التقنيّ: فقد تمكن من بناء السدّ بطريقة صناعية متقنة، حيث قام برصف قطع الحديد حتى بلغ بها قمة الجبلين ثم صبّ عليه النحاس المذاب: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}، أمّا البعد الثالث فهو البعد القِيَميّ، وقد تجلى هذا البعد في قيمتَي العدل والرحمة، العدل الذي يفرق بحزم بين الصالح والطالح: {قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا}، والرحمة التي تمتد بالعون ولا تضنّ بالمدد: {قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}، فلم يستثمر قوته في ابتزاز ثرواتهم، وإنّما أعانهم.

المنظومة القيمية المتماسكة

هذه القيم التي سبقت الإشارة إليها ليست مجرد قيم متناثرة، وإنّما هي منظومة قيمية متماسكة متكاملة، ففي سياق السورة وردت قيم محورية تشدّ إليه المنظومة كلّها، ففي البعد الإنساني: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}، وفي البعد الإلهيّ الربانيّ: {وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا}.

التفسيرالسنن الإلهية

الاختناق المتصاعد والمنعرج القادم والإدارة الأمريكية المضطربة رؤية تفحُّصية واستشرافات مرحلية

الاختناق المتصاعد والمنعرج القادم والإدارة الأمريكية المضطربة
رؤية تفحُّصية واستشرافات مرحلية
 

يزداد المشهدُ الإقليميُّ والدوليُّ قتامةً في ظلِّ حالةِ اللا حربِ واللا سلم، مع ما تشهده المنطقةُ من علوٍّ صهيوني، وحلولٍ أمريكي، وتشذيبٍ للمشروع الإيراني، ومحاولاتٍ لتجيير حركة الشعوب ومواقف الدول العربية.

ومع تزايدِ الردِّ والردِّ المقابل بين حلفاءِ الأمس وأندادِ اليوم، الكيان الإسرائيلي والنظام الإيراني، يزداد المشهدُ ضبابيةً، مما يمنع العقولَ من الفهمِ الواسعِ والعميقِ لما يجري، كما يضعفُ بعضَ العقولِ عن التوصيفِ الصحيحِ للكياناتِ والمشاريعِ القائمة.

القواعد الإسرائيلية في حضن المشروع الشيعي الإيراني!

بدأت غزة معركتها في السابع من أكتوبر، ولم تمضِ سنتان حتى قُضي عليها عن بكرة أبيها، فيما لا يزال القتل قائمًا للسنة الثالثة من طرفٍ واحد. وقد جرى هذا في ظل إصرارٍ إيراني وتصريحاتٍ متكررة خلال عامين عن ضمانٍ إيراني لأمريكا وإسرائيل بعدم توسيع الحرب إقليميًّا، الأمر الذي منح الإسرائيليين فرصةً كاملة للإجهاز على غزة ومجاهديها وجميع أهلها وحجرها وشجرها، حتى أصبحت قاحلةً لا تصلح للعيش.

وفي الوقت الذي شهد فيه العالم كله بوضوح الموقفَ السياسي والعسكري الإيراني تجاه غزة، فإن إيران تقوم اليوم بقصف الكيان الصهيوني ردًّا على القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية، معقل حزبها اللبناني في بيروت!

إن المقارنة بين المشهدين تستدعي وعيًا يقينيًّا بأن إيران الملالي تستخدم القضية الفلسطينية وتستهلك دماء مجاهديها في معارك نفوذها بشكلٍ ماكر وخبيثٍ، ودون أي انتماء حقيقي للقضية الفلسطينية ولا انحياز لقضايا الأمة، وهو ما يوجب على الحمقى والمغفلين في عموم الحالة العربية والإسلامية، وخصوص الحالة الفلسطينية، تغيير تصوراتهم وأفكارهم ومواقفهم تجاه المسألة الإيرانية المرتبطة زورًا بقضية الأقصى وفلسطين عبر نافذة المقاومة الغزية المخدوعة بحقيقة المشروع الإيراني.

ترامب يؤيُّد الضربات الإيرانية لإسرائيل!

كما يعزز الوعيَ المتقدمَ بحقيقة المشروع الإيراني وتخادمه مع المشروع الصهيوني الصليبي في نحر الأمة موقفُ وإعلانُ ترامب عن تأييده لقصف إيران لإسرائيل في هذا اليوم ردًّا على القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية في بيروت.

ويزيد الأمرَ تعزيزًا ما تم اكتشافه مؤخرًا من القاعدة الإسرائيلية في أرض العراق، وتحديدًا في حضن الميليشيات الشيعية الإيرانية، التي وفرت لإسرائيل أماكن آمنة تنطلق منها لقصف وضرب المحيط العربي والإسلامي!

إن العلاقات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية أعمق وأعقد مما قد يتصوره بعض السطحيين الظاهريين الذين تصوغ عقولَهم المشاهدُ العلنيةُ والصياغاتُ المخادعةُ التي تعرضها قناة الجزيرة وأمثالها.

أمريكا هل تستبدل الكيان السنِّي بالكيان الشيعي؟

وإذا كانت أمريكا تملك قدرةً رهيبةً على استخدام الأطراف والمشاريع في سياق هندستها الجديدة للمنطقة، فعلى المسلمين ألَّا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم، وألَّا يكونوا أدواتٍ مرحليةً للاستخدام -كما النظام الإيراني-، أو أن يضعوا دماء شعوبهم وقواهم العسكرية في الاتجاه الذي يخدم المشروع الأمريكي والصهيوني، حتى وإن كانت عناوينه براقةً وإسلاميةً وصحيحة.

وفي هذا المقام نعيد ونكرر التنبيه والتحذير -الذي أطلقناه في الشهور الأولى من تحرير سورية- من انزلاق سورية الحرة في الحرب اللبنانية لصالح الرؤية الأمريكية في صنع الفوضى الخلاقة عبر احترافها الحروب الطائفية المدمرة للجميع.

سورية الجديدة هي الصاعق الكبير بين البناء أو التدمير!

كانت وستبقى أرضُ الشام المباركة نقطةَ تأثيرٍ عظيم، وسببًا في منعطفاتٍ كبرى؛ فكما يمكن أن تخدم أوضاعَ الأمة، يمكن أن تدمرها، وهو ما حصل في حقبة نظام الأسد الطائفي.

وحتى لا يستمرَّ مسارُ استخدام سورية من قبل الصهاينة والصليبيين المتمثلين في المشروع الأمريكي اليوم -كما كان في حقبة الأسدين-، فعلى سورية الحرة وحكامها الجدد ألَّا يُستدرجوا إلى حربٍ تخدم الرؤية الأمريكية، وأولُ مظاهر ذلك ما يُطرح في لبنان بذريعة قتال حزب اللات الإيراني.

مَطْلَبُ تْرَامْبَ مُقْتَلَةٌ لِلسُّورِيِّينَ الجُدُدِ!

إنَّ مطلب ترامب بدخول سورية إلى لبنان غايةٌ في الحساسية والخطورة، ويمكن أن يستهلك أنهارًا من دماء المجاهدين الذين يسعون لبناء دولةٍ قوية ويُعِدُّون أنفسهم لتحرير القدس، فيجدون أنفسهم صاعقًا يُفجِّر الحروب الطائفية من جديد على مستوى الدول، وذلك لصالح الرؤية الأمريكية المتجددة.

ومن هنا فإنَّ الوعي بطبيعة المرحلة، وفهم مسارات الصراع، والتمييز بين ما يخدم مصالح الأمة وما يخدم مشاريع الآخرين، يُعد ضرورةً كبرى حتى لا تتحول التضحيات والبطولات إلى وقودٍ في معارك لا تحقق أهداف أصحابها، بل تصب في خدمة مشاريع أخرى تتقاطع مصالحها على حساب شعوب المنطقة وأمنها ومستقبلها.

الاخْتِنَاقُ الدُّوَلِيُّ القَائِمُ وَالحَلُّ الأَمْرِيكِيُّ الرَّاجِحُ

إنَّ حالة الاختناق القائمة في المنطقة، من خلال معادلة اللا حرب واللا سلم القائمة بين مشروعين متخادمين مع المشروع الأمريكي الغربي الصهيوني، وهما الكيان الإسرائيلي والنظام الإيراني الطائفي، هي حالةٌ تخلق أزمةً دوليةً وإقليمية، كما تضع أمريكا أمام حقيقةٍ موجعة بعد فشلها في إدارة الصراع، الأمر الذي يشير إلى انتهاء أو أفول مرحلة القطب الواحد الحاكم.

ومع طول عمر الأزمة القائمة بين حلفاء الأمس، الأنداد والمتنافسين بخشونةٍ اليوم، فإن أمريكا ستكون أمام خيارٍ وحيد إذا تصلب حكام إسرائيل وحكام طهران؛ فإما أن تقوم بإحباط إسرائيل، أو أن تقوم بإخصاء إيران، وهو الاحتمال الراجح لدي.

الفُرْصَةُ الذَّهَبِيَّةُ سَانِحَةٌ أَمَامَ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، فإن استمرار حالة الاستنزاف المتبادل وغياب الحسم يضاعف من حجم الاضطراب الإقليمي، ويفتح الباب أمام تحولاتٍ كبرى قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة على نحوٍ لم تعتده خلال العقود الماضية. وهنا تكمن فرصة العرب والمسلمين بإطلاق مشروعٍ عربيٍّ إسلامي، قوامه الكتلة العربية المنتمية، وعماده الشوكة التركية المسلمة، الأمر الذي يوجب على عموم السياسيين العرب والمسلمين، وخصوصًا الحكام السوريين والأتراك ومصر والخليجيين رفض الانجرار إلى أي معركةٍ في سياق الرؤية الأمريكية، والإصرار على الحياد، واستثمار كل دقيقةٍ في البناء الداخلي وتعزيز التقارب العربي التركي، مستفيدين من أرض الشام المباركة والمحررة، ومستثمرين حالة التناحر بين مشاريع الأعداء النظام الإيراني وإسرائيل.

سوريةُ الحُرَّةُ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا تُرْكِيَا وَإِمَّا إِسْرَائِيلُ

إن الخيار الوحيد الصحيح أمام سورية الحرة هو التوجه نحو تركيا بكتلةٍ عربيةٍ منسجمة معها في المصالح والتحديات، وخلاف ذلك لا يعني إلا هيمنةً إسرائيليةً قادمةً ستجتاح سورية لا سمح الله.

وكما صنع أهل الشام الكرام مجدًا عظيمًا في هدم المنظومة الأمنية الأسدية التي أقامها على أرض الشام الأمريكان وعززها كيسنجر، فإنهم يستطيعون اليوم -كنسيج سوري جماعي بعيدا عن عقدة اللون الواحد- القيام بواجب البناء الضروري للكتلة العربية المنسجمة في عناوينها، والمدركة لقيمة الحلف الاستراتيجي مع تركيا المسلمة والمنتمية، وذلك في سياق تشكل النظام العالمي الجديد، والذي لن يكون فيه للعرب والمسلمين حبةُ قمحٍ ولا شعير إذا لم يقوموا بواجبهم السياسي خارج منظومة الهيمنة الدولية التي تشهد حالةَ خلخلةٍ مفيدةٍ ونافعة.

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 8/6/2026

الأوروبيون آكلو لحوم البشر

 الأوروبيون آكلو لحوم البشر

 . إعداد مجلة البيان 


الأوروبيون آكلو لحوم البشر، في الأكيد من يقرأ هذه العبارة سيجد مجالا رحبا لتصديقها، وفي الأغلب سيكون المعنى المجازي للعبارة هو الأقرب، فسينصرف عقله مباشرة إلى الاحتلال وفظائعه والاستيلاء على خيرات البلاد وقتل الشعوب أصحاب الأرض أو سجنهم وتعذبيهم.


"آكلو لحوم البشر" لقد تم صنع تصور ذهني جمعي 

لدى العالم أجمع أن تلك الصفة المرذولة لا تنسحب إلا 

على الشعوب والقبائل الإفريقية حصريا لأنهم أمم 

متخلفة بحسب الزعم الغربي، أما الأوربيون فهم أهل 

الحضارة والتقدم والرقي  فلن تصدر عنهم أمثال هذه 

الشنائع.

على كل حال سيعرض هذا المقال لجملة من الأحداث 

التاريخية في أوروبا وربما تختلف الصورة بعدها.

فقد أورد الصحفيان الفرنسيان ضمن تقرير منشور في

 صحيفة "لي بوين" تحت عنوان "12 ديسمبر

 1098.. يوم التهم الصليبيون لحوم سكان معرة

 النعمان".[1]

في هذا التقرير يؤكد الصحفيان أن غذاء أفراد جيش

 الصليبيين في حملته للاستيلاء على القدس لم يكن

 سوى لحوم المسلمين من سكان المدن التي يتم

 الاستيلاء عليها، وركز التقرير على المجزرة التي

 راح ضحيتها 20 ألفا من سكان مدينة معرة النعمان

 يوم دخول الصليبيين إليها في 12 ديسمبر/كانون

 الأول 1098 ميلادي.

وينقل التقرير عن أحد المشاركين في تلك الحملة أنهم

 قاموا "بغلي المسلمين في القدور، وحوّلوا لحوم

 الأطفال إلى أسياخ لالتهامها مشوية"، ويصف آخر ما

 حدث بقوله "كنا نقطع قطعة أو قطعتين من جثة أحد

 المسلمين، ومنا من لا ينتظر حتى يحمصها بل يبادر

 إلى نهشها بأسنانه الوحشية".

ونوغل في التاريخ أكثر لنرى هل كانت ظاهرة أكل

 لحوم البشر طارئة حياة الأوروبيين أم متجذرة في

 تاريخهم.

 

 عاشت أوروبا خلال القرون الماضية على وقع حالة هستيرية، حيث اتجه كثيرون لحضور تنفيذ عمليات الإعدام قبل أن يبدأوا بتقديم مبالغ مالية طائلة للحصول على أجزاء من الجثث

حتى نهاية القرن الثامن عشر، لم يكن من غير

 المألوف بالنسبة للأوروبيين أن يبحثوا عن لحم

 الإنسان الميت للاستهلاك الدوائي.

خلال القرن السابع عشر، أقبل الأوروبيون بشكل

 مكثف على استهلاك اللحم البشري، إيمانا منهم بقدرته

 على علاج مختلف الأمراض.

وامتدت هذه الممارسة لتشمل جميع شرائح المجتمع،

 حيث لم يتردد رجال الكنيسة، وأفراد العائلات الملكية

 في دفع مبالغ طائلة للحصول على أجزاء من أجساد

 الموتى.

وعلى الرغم من سهولة الحصول على أجزاء من

 الجثث حديثة الوفاة قبل دفنها، إلا أن الأوروبيين

 اتجهوا غالبا نحو إنفاق مبالغ مالية طائلة للتزود

 بالمومياوات، والتي لم يتردد الأطباء في طحنها

 وسحقها وتحويلها لفتات قبل تقديمها للمرضى على

 أنها دواء فعّال قادر على وقف أي نزيف داخلي،

 بحسب اعتقادهم.

ولعلاج الصداع وآلام الرأس، عمد الأوروبيون إلى

 سحق جمجمة رأس المومياء وجعلها بودرة قبل

 خلطها مع بعض المشروبات الأخرى. وابتكر ملك

 إنجلترا تشارلز الثاني (Charles II) وصفته الطبية

 الخاصة، والتي تكونت أساسا من مسحوق جماجم

 رؤوس الموتى المخلوطة بالكحول.

ولم يقتصر استخدام الأوروبيين للحم البشر عند هذا

 الحد، حيث اتجه الأطباء حينها لتقديم وصفات غنية

 بهذه المكونات من أجل علاج عدد من الإصابات

 الخارجية.

ولعل علاج الجروح المفتوحة، وتسهيل عملية التئامها،

 هو ما دعا الأطباء الأوروبيين إلى غمس قطع القماش

 في الشحوم البشرية قبل لفها حول مكان الإصابة، كما

 قدّم العلاج نفسه لمواجهة الالتهابات الخارجية، وإنهاء معاناة مرضى النقرس.

 إضافة إلى كل ذلك، مثّل الدم البشري عنصرا قادرا

 على علاج جميع الأمراض بالنسبة للأطباء

 الأوروبيين الذين لم يترددوا في وصفه لأغلب مرضاهم.

وبالتزامن مع انتشار هذه الممارسات الطبية الغريبة،

 فقد عاشت أوروبا خلال القرون الماضية على وقع

 حالة هستيرية، حيث اتجه كثيرون لحضور تنفيذ

 عمليات الإعدام قبل أن يبدأوا بتقديم مبالغ مالية طائلة

 للحصول على أجزاء من الجثث.

كما تزايدت عمليات نبش القبور ونهب محتوياتها بشكل ملحوظ، حيث عمد سارقو القبور إلى استخراج الجثث حديثة الدفن لانتزاع أعضائها وبيعها.

وأقدم الفقراء بكثافة على بيع كميات من دمهم للأطباء مقابل حصولهم على مبالغ مالية ضئيلة.

وسجلت عادة تناول أجزاء من جثث الموتى انتشارها

 بسبب معتقد خاطئ آمن الكثيرون به، حين ظن

 الجميع أن تناول اللحم البشري كاف لمنحهم حيوية

 ونشاط صاحب الجثة، ولهذا السبب بلغت أسعار جثث الشباب أرقاما قياسية.

وتواصلت عملية استعمال بقايا الجثث البشرية كأدوية

لعلاج المرضى طيلة القرن التاسع عشر، حيث لم

 يتردد الأطباء في اعتمادها لعلاج عدد من الأمراض كالصرع.

كشفت دراسة جديدة حقيقة "صادمة"، حول ممارسة

 طقوس أكل لحوم البشر لدى الشعوب الأوروبية، قبل

 آلاف السنين، على عكس ما كان شائعا، أن هذه

 الممارسات تكثر في إفريقيا وأميركا الجنوبية فقط.

كما أظهرت دراسات تاريخية أن أكل لحوم البشر كان

 ممارسة جنائزية روتينية في أوروبا منذ حوالي 15

 ألف عام، حيث كان الناس يأكلون موتاهم ليس بسبب

 الضرورة بل كجزء من ثقافتهم.

وبينما عثر الباحثون سابقا على عظام وجماجم بشرية

 تم تعديلها إلى أكواب في كهف غوف في إنجلترا،

 تشير دراسة نشرت في مجلة Quaternary

Science Review إلى أن هذا لم يكن حادثا منعزلا.[2]

وركزت أبحاثهم على الفترة المجدلية في أواخر

 العصر الحجري القديم.

قام الخبراء في متحف التاريخ الوطني بلندن بمراجعة

 الأدبيات لتحديد 59 موقعا مجدلينيا يحتوي على بقايا

 بشرية. وكان معظمها في فرنسا، مع وجود مواقع

 أيضا في ألمانيا وإسبانيا وروسيا وبريطانيا وبلجيكا

 وبولندا وجمهورية التشيك والبرتغال.

وأظهر 15 دليلا على بقايا بشرية عليها علامات

 مضغ، وعظام جمجمة عليها علامات قطع، وعظام

 مكسورة عمدا بنمط مرتبط باستخراج نخاع العظم

 للحصول على العناصر الغذائية، مما يشير إلى

 ممارسة أكل لحوم البشر.

وكانت هناك أيا أدلة تشير إلى أنه في بعض الحالات

 تم خلط الرفات البشرية مع بقايا الحيوانات.

وقال الباحثون إن التلاعب الشعائري بالرفات البشرية

 وتكرار ذلك في مواقع عبر شمال وغرب أوروبا

 يشير إلى أن أكل لحوم البشر كان ممارسة دفن.

والخشية هنا أن يكتشف الأوروبيون تاريخهم

 ويحاولون إعادة تلك الشعائر المقززة فيصبح الرجل

 وقد أكل لحم أخيه وربما أبيه، ثم يشرعون في فرضها

 على شعوب العالم بدعوى الحرية والحضارة، ولا

 عجب في ذلك فمن كان يظن أن يأتي على البشرية

 يوم ينكح الرجل الرجل وتنكح المرأة المرأة ويتحول

 الذكر إلى أنثى والأنثى إلى رجل وتسمى هذه الدناءة

 حرية وحضارة، ويصبح رافضو هذا الشذوذ والتردي

 البشري متخلفين.


 

[1] يوم التهم الصليبيون لحوم سكان معرة النعمان، موقع الجزيرة نت.

[2] تفاصيل صادمة.. دراسة تكشف عادات أكل لحوم البشر في أوروبا، موقع سكاي نيوز.