السبت، 5 سبتمبر 2026

ما خطة تركيا؟.. تحولت «العزلة الثمينة» خلال عشر سنوات إلى «دولة لا غنى عنها»..

ما خطة تركيا؟.. تحولت «العزلة الثمينة» خلال عشر سنوات إلى «دولة لا غنى عنها».. 
أصبحت الدولة الوحيدة التي تتحاور مع جميع «الأقطاب».. 
شهد صيف 2026 خطوات هائلة في الداخل والخارج.. المحور الغربي، المحور الشرقي، المحور التركي

إبراهيم قراغول




بات العالم الآن «متعدد» الأقطاب. انتهى عصر العالم ثنائي القطب، ثم انهار مشروع العالم أحادي القطب الذي حاولت الولايات المتحدة إقامته. تراجع الغرب وصعد الشرق. وفي هذه الأثناء تحديدًا، بدأت تركيا تصعد بوصفها قوة حاسمة لا غنى عنها.


وتسعى تركيا إلى احتلال موقع مركزي داخل جميع هذه «الأقطاب» و«الجبهات»، أو أنها أصبحت عنصر الربط الأكثر تأثيرًا بين الجبهات، وربما الوحيد.

كانت تركيا «دولة جبهة» في العالم ثنائي القطب، ووُضعت في موقع «الشريك المنفّذ» ضمن مشروع العالم أحادي القطب الذي قادته الولايات المتحدة. أما في هذا العالم متعدد الأقطاب، فقد بدأت تؤسس لعبتها الخاصة، وتتحول بنفسها إلى مركز، وتحرك نطاقًا جغرافيًا واسعًا عبر محور تقوده بنفسها.

حاولوا عرقلتها أولًا، ثم قالوا: «لنكن شركاء»


عندما رأوا بلدًا وريثًا لإمبراطوريات يشق طريقه بنفسه بإصرار وشجاعة، حاولوا في البداية عرقلته.

نفذوا تدخلات من الداخل والخارج، وشكّلوا جبهات على المستويين العالمي والإقليمي، وحاولوا إيقاف تركيا. وهذا هو سبب جميع الصدمات التي عشناها خلال العشرين عامًا الماضية.

لكن أيًا من ذلك لم ينجح. وتحولت خطط «إيقاف تركيا» إلى محاولات «الشراكة مع تركيا» و«استمالة تركيا». وأصبحت تطلعات الغرب والشرق، وكذلك جميع المناطق التي تُجبر على الاختيار بينهما، تجاه تركيا واضحة ومتزايدة.


تركيا جعلت نفسها «قوة لا غنى عنها» للغرب والشرق

في أثناء ذلك، تخلصت تركيا من أدوات «التدخل الخارجي»، مثل تنظيم غولن الإرهابي وتنظيم بي كا كا الإرهابي. وصمدت وحدها في سوريا وحققت النتيجة التي أرادتها. والآن تتحرك تركيا وسوريا معًا كما لو أنهما محور واحد.

وامتد هذا النهج إلى لبنان والعراق والصومال والسودان وليبيا ودول أخرى كثيرة. وأعتقد أننا سنشهد خلال المرحلة المقبلة تغيرًا عميقًا في هذه البلدان أيضًا.

وبينما كانت تركيا تبني بإصرار محورًا جديدًا مع شركائها، كانت تعزز إلى أقصى حد علاقاتها مع كتلتي القوة الغربية والشرقية القائمتين.

فهي لم تكن تنأى بنفسها عن الشرق بحجة أنها تنتمي إلى الكتلة الغربية، ولم تكن تتخذ موقفًا من الغرب بالاستناد إلى الكتلة الشرقية. كما لم تكن تنظر إلى جميع الصراعات والأزمات في العالم من خلال «اختيار أحد الصفوف بسهولة»، بل كانت تدير علاقات أكثر تعقيدًا بكثير بطريقة عقلانية، وتجعل نفسها قوة «لا يمكن الاستغناء عنها».

«موضة تركيا» في قمة الناتو.. فما سبب هذا «المديح»؟


عُقدت قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يونيو. وشهدنا «موضة تركية» لدى الجميع، بدءًا من الرئيس الأميركي ترامب وصولًا إلى القادة والدول الأوروبية.

كانوا جميعًا يريدون التقرب من تركيا، ويعززون مكانتها داخل الحلف، ويحاولون من خلال إشادات استثنائية وضعها في قلب المحور الغربي. لم نشهد منذ سنوات قمة للناتو كهذه، ولم نشهد من قبل كل هذا المديح لتركيا.


والسبب أن الحرب الروسية-الأوروبية المستمرة في أوكرانيا جعلت الحدود الشرقية لأوروبا شديدة الخطورة. ولم يكن الدفاع الأوروبي بهذه الدرجة من «الإلحاح» منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت هناك حاجة كبيرة إلى تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو.

سندافع عن الغرب، لكننا لن نذهب إلى «الجبهات» من أجله

كانت تركيا مدركة للوضع. وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام إقامة جميع أشكال الشراكة مع أوروبا في مجال الدفاع. لكن ذلك لم يكن ليصل إلى حد «دفع تركيا وروسيا إلى خوض حرب».

كانت هذه هي النقطة الحاسمة. ستعزز تركيا علاقاتها مع الكتلة الغربية بصورة أكبر، لكن طبيعة هذه العلاقة ستتغير، وستتحول تركيا إلى قوة مركزية.

وكانت قمة الناتو في أنقرة بداية لهذا «النوع الجديد من الشراكة». لكن لن يكون بالإمكان، كما في السابق، دفع تركيا إلى الجبهة الروسية دفاعًا عن أوروبا، أو إرسالها من جبهة إلى أخرى، ولن يتكرر «نموذج أوكرانيا» إطلاقًا.

ستدافع أوروبا عن نفسها، وستقدم تركيا الدعم لها. لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه أوروبا تعيش في رخاء، بينما كانت تركيا تُرسل إلى الجبهات.

بعد الناتو، تحالف مكة:
اقتصاد ضخم وجيوش ضخمة و«أغلى» جغرافيا في العالم...

بعد قمة الناتو مباشرة، تأسس في 7 أغسطس تحالف مكة الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان. وفي الظاهر، بدا هذا التحالف إجراءً لمواجهة الهجمات الإسرائيلية في المنطقة. وقد فسره بعضهم بهذه الطريقة، فيما استهان به آخرون انطلاقًا من فكرة مفادها أن «اتفاقات مماثلة تُبرم دائمًا بين الدول الإسلامية، لكنها لا تحقق أي فائدة».


لكن الأمر ليس كذلك. كان انضمام مصر وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا والجزائر ودول أخرى كثيرة إلى هذا الكيان مطروحًا. وكانت أسس شيء ما تُرسى في «أغلى» بقعة جغرافية في العالم، تسيطر على المحور المركزي للأرض، وتضم اقتصادًا هائلًا وتكنولوجيا عسكرية ضخمة وجيوشًا كبيرة جدًا.

الخطوة الأولى لـ«محور جديد» في عالم متعدد الأقطاب: 
ما الذي يُخطط له في قلب العالم؟

أعتقد أن هذه كانت الخطوة الأولى نحو إنشاء «قطب» جديد و«محور» جديد في «العالم متعدد الأقطاب». فمن سواحل المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، كان شيء ما يتحرك على امتداد المحور المركزي للعالم.

كانت جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط ووسط إفريقيا وشمالها تقع كلها ضمن هذه الجغرافيا. وكانت طرق التجارة البرية والبحرية هنا، وكذلك الممرات البحرية. وكانت هذه الجغرافيا أقوى سلاح في العالم.

فما الذي يدور في ذهن تركيا؟ 
وما الذي تخطط له في قلب العالم في ظل الحديث عن التحالف الغربي والتحالف الشرقي؟ 
وما معنى هذا التوجه الجديد بالتزامن مع تعزيز علاقاتها بالغرب والشرق؟

تحول التحالف الغربي إلى جبهة واضحة، وأصبح المحور الشرقي جبهة مشتركة. وفيما يضيّق الجميع نطاق تحركهم ويركزون على محاورهم الخاصة، تواصل تركيا وحدها حوارها مع جميع الجبهات، وتدير ذلك بمهارة مذهلة.

تحالف شنغهاي: ينبغي إخراج الهند وضم تركيا...

بعد قمة الناتو وتحالف مكة، عُقدت في الأول من سبتمبر قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك بقرغيزستان. 
تركيا ليست عضوًا كاملًا، بل «شريك حوار»، لكن علاقاتها قوية جدًا مع أعضاء المنظمة باستثناء الهند. وفي معادلة قوة عالمية ترجح فيها كفة الطرف الذي تتجه إليه تركيا، تشكّل هذه العلاقة أيضًا عنصر توازن في علاقات تركيا مع الغرب.

وبالنظر إلى الأضرار التي قد تلحقها بالمنظمة دولة مؤسسة مثل الهند، التي تحولت إلى لعبة في يد إسرائيل وتمتلك القدرة على نسف التحالف، يتضح أن علاقات تركيا بأعضاء المنظمة أكثر موثوقية بكثير، حتى وإن لم تكن عضوًا فيها.


ومن شأن عضوية تركيا أن تكون بناءة للغاية بالنسبة إلى المنظمة أيضًا، من ناحية علاقاتها بالغرب. وفي ظل هذا الوضع، يصبح إخراج الهند ومنح تركيا العضوية الكاملة، إذا أخذنا في الحسبان «اتساع جغرافيتنا المشتركة»، القضية التي ينبغي للمحور الشرقي التفكير فيها أكثر من أي قضية أخرى.

تلك الصورة الواردة من القمة تقول الكثير في الواقع...


إن نجاح تركيا، المتداخلة إلى هذا الحد مع التحالف الغربي، في إبقاء علاقاتها مع التحالف الشرقي عند هذا المستوى من الثقة والتوازن يُعد إنجازًا كبيرًا. ويشكّل ذلك، إلى جانب المناورات المرنة في لعبة القوة، مؤشرًا واضحًا على مدى الحاجة إلى تركيا.

وتكشف الصورة الواردة من القمة، التي يظهر فيها الرئيس الروسي بوتين ورئيس بيلاروسيا لوكاشينكو وهما يحاولان شرح شيء ما للرئيس أردوغان، هذه الحقيقة بوضوح.

حرب الشرق والغرب حتمية.. وإبقاء تركيا وجغرافيتنا خارجها...

إن حرب الشرق والغرب حتمية في مستقبل العالم. ولأن مجال القوة العالمية لم يُتقاسم بصورة عادلة، لم يبقَ سوى خيار اقتسامه عبر الحرب.

وتنصب جميع جهود تركيا على إبقاء نفسها وجغرافيتها المشتركة خارج هذا الصراع. وهذه أيضًا الطريقة الوحيدة لبناء القوة التي ستضع جغرافيتنا في قلب مجال القوة العالمية.

إن حسابات التقارب مع تحالفي الغرب والشرق، والرغبة في تعزيز العلاقات بصورة أكبر، وتحويل نفسها ومجالها الجغرافي الواسع إلى قوة مركزية، تنم عن حنكة مذهلة. وهذا صعب ومرهق ويتطلب جهودًا طويلة، لكنه يغيّر مسار التاريخ وخريطة القوة في العالم.


«الدول القومية» لا تجري حسابات كهذه.. فهذه ردود أفعال إمبراطورية

لا تجري الدول القومية حسابات كهذه، بل تتموضع داخل محور أو تحالف، وتنشئ لنفسها مساحة آمنة هناك، وتؤمّن ذاتها. وهذا هو الخيار الأنسب للأمم التي لا تحمل مثل هذا الطموح، لأن أي مسار آخر قد يؤدي إلى فنائها.

أما القوى الكبرى والدول ذات التقاليد الإمبراطورية، فتتحرك بعقل عالمي وطموحات كبرى. 
وهذه القوى لا تتحرك لحماية الدولة القومية فحسب، بل وفق خرائط قوة تمتد على نطاق جغرافي. ويمكن رؤية ذلك في الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا. وهذه القوى وأمثالها هي التي تشكّل مجال القوة العالمية.

كيف ستغيّر «عودة تركيا إلى المسرح» العالم؟

بعد غياب دام مئة عام، وفي أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، تعود تركيا إلى مسرح التاريخ بوصفها قوة كبرى. ولن تتصرف بعد الآن بمنطق «الدولة القومية» أو «دولة خط المواجهة». ولا ينبغي لأحد أن يتوقع منها ذلك.

تركيا هي الدولة الوحيدة التي تتابع بدقة حسابات العالم متعدد الأقطاب، وتقيم علاقات قوية مع جميع الأطراف، وتبني مع شركائها مجال قوة جديدًا. ونحن نسمي ذلك عودة «عقل الإمبراطوريات».

إن صيف 2026 والقمم الثلاث والصور التي أفرزتها تكتسي طابعًا «تاريخيًا». وبينما نتابع التطورات التي تتصدر الاهتمام، أقترح أن نتابع بعناية أيضًا «الخطوات الكبرى» لمسيرة التاريخ والجغرافيا.

الجمعة، 4 سبتمبر 2026

فوق السلطة 508 استغاثات من قاع الهامور

فوق السلطة 508 استغاثات من قاع الهامور


"فوق السلطة".. من حلم الدولة إلى القصر.. الشرع يعين مظلوم عبدي

حلقة “فوق السلطة” ترصد استنفار إسرائيل من طائرة ورقية بغزة، وهروب مصريين لعالم افتراضي “قاع الهامور” هربا من أزمات الواقع، بمفارقة بين ضخامة القوة وبساطة الرموز.


كما تتوقف الحلقة عند تحولات المشهد السوري، من إدخال اللغة الكردية إلى المدارس، وحل قوات سوريا الديمقراطية "قسد " واندماجها في مؤسسات الدولة، وصولا إلى تعيين قائدها السابق مظلوم عبدي مستشارا لدى رئاسة الجمهورية.

وسلطت حلقة (4 سبتمبر/أيلول 2026) من "فوق السلطة " -الذي يقدمه الإعلامي نزيه الأحدب- الضوء على التحولات السياسية والميدانية في سوريا ومصر والولايات المتحدة، متطرقة إلى مفارقات التعامل الإسرائيلي مع أطفال غزة.

وافتتحت الحلقة بقصة رمزية عن والٍ ظالم أرسل جنده فأحرقوا زرع رجل بسيط وأفسدوا أرضه وسجنوه، ثم أخرجه ليواجهه بصلف متسائلا عما يخافه، فأجابه الرجل بثبات: "أخاف من الذي لم يعد لديه شيء يخسره ".

وكشف الأحدب عن مفارقة لافتة، تتمثل في أن جيشا يملك أحدث الطائرات الحربية والمنظومات العسكرية والتكنولوجية، وجد نفسه في مواجهة طائرة تصنع من الورق والخيط، حتى بدا أن كل ما يحلق من غزة صار قابلا لأن يتحول في تل أبيب إلى ملف أمني كبير.

فقد هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بتكثيف العمليات واغتيال من يتهمونهم بإطلاق الطائرات الورقية والبالونات، بل وإخلاء مناطق في قطاع غزة، رغم إقرار الجيش الإسرائيلي بأن طائرات ورقية عثر عليها في مستوطنات محاذية للقطاع لم تحتوِ على مواد متفجرة أو مشبوهة.

وتوقفت الحلقة عند مشهد طفل فلسطيني يصنع طائرة ورقية من كيس بلاستيكي، في صورة تلخص المفارقة بين طفولة تحاول أن تنتزع لحظة لعب وسط الركام، وقوة احتلال تنظر إلى اللعبة بوصفها تهديدا يستوجب الرد. وحذرت الأمم المتحدة من تهديدات إسرائيل بإجلاء السكان بسبب إطلاق الأطفال طائرات ورقية، ووصفت هذا الخطاب بأنه "شائن ".
                  أطفال فلسطينيون يلعبون بطائرات ورقية في قطاع غزة. (الأناضول)


من حلم الدولة إلى القصر

وفي سوريا، أقرت وزارة التربية والتعليم إدخال اللغة الكردية رسميا إلى المناهج الدراسية بواقع 3 إلى 4 حصص أسبوعيا وتدريس التاريخ والجغرافيا بها.

ولم تتوقف التغيرات عند المناهج، بل امتدت إلى هرم السلطة مع إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع قرارا بتعيين قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي مستشارا لدى رئاسة الجمهورية، تزامنا مع الإعلان عن حلها كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة.

وعرضت الحلقة تعليقا يتساءل عن صلاحيات "المستشار الرئاسي " مقارنة بمختار الحارة الذي يملك ختما ورصيدا إداريا أوسع، متسائلا عما إذا كان هذا القرار يمثل طيا نهائيا لحلم الدولة الكردية المستقلة أم مجرد إعادة هيكلة سياسية لأقل الأضرار
.
مظلوم عبدي في قصر الشعب بدمشق


"قاع الهامور "

وانتقلت الحلقة إلى مصر، وتناولت قرار وزارة الخزانة الأمريكية فرض قيود وعقوبات على فروع "بنك مصر " في الإمارات بدعوى توفير منافذ مالية لإيران، وهو ما قابله البنك المركزي المصري ببيان يؤكد فيه متابعة الأمر مع الجانب الأمريكي بعيدا عن التصعيد.

وفي المقابل، وجد مئات الآلاف من المستخدمين في مدينة "قاع الهامور " الافتراضية مساحة للسخرية من تفاصيل حياتهم اليومية. فالمدينة المستوحاة من عالم "سبونج بوب " لم تعد مجرد خلفية كرتونية، بل تحولت إلى مجتمع رقمي يروي فيه الناس مشكلاتهم مع السكن والأسعار والعمل والخدمات، كما لو أنها تقع بالفعل في مدينة غارقة تحت البحر.

ومن شكاوى السكان إلى إعلانات المطاعم ومشكلات الجيران، شارك المستخدمون في بناء عالم ساخر له لغته وشخصياته وتفاصيله الخاصة، قبل أن يتسع حضوره إلى أكثر من مليون عضو في فترة قصيرة.

لكن المفارقة، كما عرضتها الحلقة، أن هذا المخرج الجماعي إلى الخيال لم يسلم بدوره من الواقع، بعدما وصل الجدل بشأن المجموعة إلى بلاغ قُدم إلى النائب العام، قبل أن يتوقف نشاطها مؤقتا.

"مركز شكاوى قاع الهامور ".


حظر "فلسطين أكشن "

وعالميا، استعرض البرنامج توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمرا تنفيذيا لإنشاء "أكاديمية الفضاء الأمريكية "، في وقت يواجه فيه جمارك متضاربة على الطائرات المسيرة، وصراعا قضائيا حول مشروع بقيمة 400 مليون دولار داخل البيت الأبيض.

كما أدرجت الخزانة الأمريكية حركة "فلسطين أكشن " البريطانية على قائمة الإرهاب بسبب استهدافها لمصانع السلاح التي تزود إسرائيل، في خطوة اعتبرتها الحركة محاولة لتكميم العمل المباشر المناهض للحرب.

وتناولت الحلقة:صفقة النفط الفنزويلي: اتفاق بين واشنطن وكراكاس للسيطرة على 65 مليار برميل نفط، وسط رفض من المعارضة الفنزويلية التي وصفتها بـ "الصفقة تحت تهديد السلاح ".
التصعيد الهندي الباكستاني: أزمة مياه نهر السند تعود للواجهة بعد تهديدات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورد نيو دلهي.
الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي: رصدت الحلقة اتهامات أمريكية لمجموعات قرصنة صينية باستهداف مؤسسات وبنى تحتية حساسة، إلى جانب هجمات إلكترونية نسبت إلى مجموعات روسية ضد مواقع بريطانية، في عالم أصبحت فيه الحروب تدار من خلف الشاشات، ويضاعف الذكاء الاصطناعي قدرتها وسرعتها.
حكمة الختام: لغز اللص الذي طلب مقابلة الوالي ليخبره بحرص أن المدينة أصبحت 
"مزدحمة باللصوص ".

الحكم الخفي والاحتلال غير المباشر: كيف تنهب فرنسا خيرات أفريقيا

 الحكم الخفي والاحتلال غير المباشر: كيف تنهب فرنسا خيرات أفريقيا 

صورة عبد الحفيظ علي تهليل

عبد الحفيظ علي تهليل

طالب جامعي مهتم بقضايا الأمة الإسلامية.

لم تخرج فرنسا من أفريقيا بإعلان استقلال الدول الأفريقية التي احتلتها لعقود، بل تحولت لاحتلال غير مباشر لا يزال مستمرًا إلى اليوم. ويتضمن النفوذ الفرنسي عبر العالم جزرًا في المحيط الأطلسي، والهادئ، والهندي وإقليمًا في شاطئ أمريكا الجنوبية، كما يضم جزءًا من أنتاركتيكا، 11 إقليمًا منها مأهول ونحو 5 جزر أو أرخبيلات غير مأهولة.

فضلًا عن الدول الأفريقية التي قبعت تحت وطأة الاحتلال الفرنسي، وتعاني جميعها من استغلال عسكري بشع، وتحتضن بعضها مراكز الموت وتغذي الأخرى العنصرية، وتشترك جميعها في استحواذ فرنسا على ثرواتها.

فدولة “غايانا” تقع في جنوب القارة الأمريكية مثالٌ حيٌ للاحتلال الفرنسي، الذي حوّلها لمراكز لنفي المعارضين لفرنسا وحلفائها، وحَوَت متحفًا لتعذيب العبيد، الذين أرسلتهم باريس لبناء مستوطنات لها.

و”المارتينيك” شرق بحر الكاريبي، موطن قصب السكر الذي سال له لعاب المحتل الفرنسي، فأباد شعبها لأجل تحويل أرضهم لمصدر دخل لفرنسا.

وتلك “بولينيزيا” حقل تجارب فرنسا النووية بعد الجزائر، حيث أجرت فرنسا 193 تجربة نووية في جنوب المحيط الهادئ شرقي أستراليا بين عامي 1966 و1996. وكانت فرنسا قد احتلت بولينيزيا منذ القرن السابع عشر الميلادي.

ولا يزال تاريخ 1960 يشهد تحويل فرنسا للشعب الجزائري حقلًا للتجارب النووية، ففجرت القنبلة الأولى هناك، تحت اسم “اليربوع الأزرق”.

ولا يزال الاحتلال الفرنسي مستمرًا بشكل غير مباشر تعكسه الأرقام المرتفعة لأرباح الفرنسيين من ثروات غيرهم!

ففرنسا تجني سنويًا 16 مليون يورو من ثروات السمك والسلطعون، وقواعدها العسكرية تنتشر في مستعمراتها القديمة أين تجري قيادة الهيمنة الفرنسية وجني الأرباح وإجراء الأبحاث السرية والرصد.

وها هي فرنسا بعد 4 قرون من الاحتلال المباشر تحكم قبضتها على واقع أفريقيا باحتلال غير مباشر.

ما هو الاحتلال غير المباشر؟

فرنسا

هو الاحتلال والسيطرة على بلد ما من خلف الستار سياسيًا واقتصاديًا، وتسخير البلاد المحتلة لنهب وسرقة ثرواتها بطريقة غير مباشرة، بل وبشكل يكفله القانون الوضعي.

وقد استخدمت  العديد من الدول الاحتلال غير المباشر مثل الهولنديون في جزر الهند الشرقية، والبرتغاليون في أنغولا وموزمبيق، والبلجيكيون في بوروندي، والفرنسيون في الجزائر وتونس، وهذه الدول تسمى التبعيات “المحميات”.

والاحتلال غير المباشر أخطر من الاحتلال المباشر؛ لأن المحتل سيواجه المقاومة والمعارضة في الاحتلال المباشر بينما لا يواجه المحتل غالبًا أي مقاومة للاحتلال غير المباشر، ثم أي حركة تريد الإصلاح السياسي فستنخرط في الحرب على الوكالة وتتحول الحرب إلى مواجهة بين أبناء البلد الواحد بمساعدة وتوصيات المحتل الذي لن يتحمل إلا القليل جدًا من الخسائر المادية والبشرية.

وقد أدركت دول أوروبا مثل فرنسا أهمية الاحتلال غير المباشر وطبّقته في أفريقيا، وحتى الآن فرنسا تحتل كثيرًا من الدول الأفريقية بشكل غير مباشر وهي تسرق ثرواتها وتراقب من يحكمها، فمثلًا؛ جاك فوكار كان مهندس الاحتلال الفرنسي في أفريقيا وله القدرة على تعيين ومراقبة وإقالة رؤساء أفريقيا بعد الاستقلال المعلن، ويراقب الرؤساء الأفارقة عن كثب.

ومن أعمال فوكار التي تؤكد ذلك؛ الإطاحة بمن يهدد مصالح فرنسا الخبيثة وأيضًا تثبيت من يساعد سياستها الهمجية في السلطة.

سرقة فرنسا ثروات أفريقيا



دخلت فرنسا إلى أفريقيا كغيرها من دول الاحتلال الغربي، وعند بداية دخول القارة الأفريقية خطب الأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوغو مشجعًا ومحرضًا الفرنسيين على احتلال أفريقيا وهو يقول:

“هيا أيها الناس، استولوا على هذه الأرض، احصلوا عليها، لمن تعود ملكيتها؟ إنها ليست ملكًا لأحد، اذهبوا واحصلوا على هذه الأرض لأجل الرب، إنه هو الذي يهب الأرض للناس، والرب أهدى أفريقيا لأوروبا”.

وأيضًا كان يقول بذلك جول فيري؛ أحد المنظرين للاحتلال الفرنسي وهو يعتقد الفكرة العنصرية ويؤمن أن السيطرة على أفريقيا ستجلب لفرنسا فوائد اقتصادية كبيرة.

ويقول جول فيري:

إن سبب التوجه إلى استعمار أفريقيا هو أن العرقيات المتفوقة لديها حقوق على حساب العرقيات السفلى.

ثم إن قارة أفريقيا هي من أغنى القارات في العالم من حيث الموارد الطبيعية مثل النفط والمعادن وغيرها من ثروات كثيرة، وقبل التدخل الغربي كانت قارة متطورة ومتقدمة ولها مؤسسات قوية إلا أنها أصبحت قارة الفقر والجوع بعد الاحتلال الغربي!

ويكفي المقارنة بين كيف كانت أفريقيا قبل دخول الاحتلال الغربي، وكيف أصبحت بعد الاحتلال المباشر وغير المباشر؟

إن الحديث عن الاحتلال الغربي في أفريقيا يحتاج إلى مؤلفات لعرضه بكامل تفاصيله، لكننا نختصر بعضه في هذا المقال لنسلط الضوء على بشاعة المحتل الأوروبي وتدميره لفرص نهوض الأفارقة منذ تاريخ طويل.

ويعود تاريخ الاحتلال الفرنسي في أفريقيا إلى الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي، حيث احتل أكثر من 20 دولة أفريقية، وبعد تدمير هذه الدول وقتل علمائها وتفكيك مؤسساتها استمر هذا الاحتلال المباشر 300 سنة تقريبًا ليتحول اليوم إلى احتلال غير مباشر بعد مسرحية ما يسمى (الاستقلال) وفي الواقع لم يكن هذا استقلالًا إلا صوريًا مخادعًا.

وها هي اعترافات الأوروبيين تلخص لنا حقيقة هذا الاحتلال اللامباشر البشع، إذ يتحدث ميشيل كولون وهو كاتب وصحافي بلجيكي عن جرائم فرنسا في أفريقيا وسرقة ثرواتها وقتل وتشريد علمائها حتى أصبحت قارة الجوع والأمراض، فيقول ميشيل في إحدى محاضراته:

“في عام 1200، كانت توجد إمبراطورية في مالي. أسسها (سونجاتا كيتا)، إمبراطورية مالي كانت دولة اتحادية منظمة ذات برلمان ولكم أن تتخيلوا برلمان في عام 1200، في أوروبا انتظرنا 6 أو 7 قرون لنصل لذلك.

وكانت دولة منظمة لديها جيش ونظام تعليمي وخزانة عامة، وكانت الدولة تسير استخراج وبيع الذهب بطريقة منتظمة وطورت زراعة القطن والفول السوداني. وكانت توجد مراكز جامعية مشهورة في تمبكتو وجنه وسيغو. وكان أحد الملوك الذين سبقوا كيتا، اسمه بوبكر الثاني، وذلك لقرنين قبل المستكشف كولومبوس قد أطلق رحلتين بحريتين لاستكشاف أمريكا.

إذًا بالنسبة لأناس لم يصنعوا التاريخ، فهذا أمر جيد. وما يهم حقيقة هو أنه كان يوجد اقتصاد متكامل في أفريقيا وفي مالي، وكان يوجد اقتصاد مع تجارة القوافل القادمة من غامبيا، ثم غرب أفريقيا، إلى منطقة البحر المتوسط. وقد تم تسييره بفعالية وانتظام من طرف الطوارق وكانت تجارة مزدهرة لأقصى حد. وحين وصل المستعمر الفرنسي إلى هناك يجذبه الاهتمام بالمواد الخام، ماذا فعل؟ قام بتحييد وتعطيل هذه التجارة، ومن أجل إدارة هذه التجارة والاقتصاد؛ جلب اللبنانيين واليونانيين.

وماذا فعلت الديمقراطية الفرنسية العظيمة بعد ذلك؟ قامت بقتل آلاف مدرسي اللغة العربية، لماذا؟ لأن التجارة بين كل تلك الدول كانت تحتاج للغة يفهمها كل أحد؛ التي هي حاليًا اللغة الإنجليزية، لكن في ذلك الوقت كانت اللغة العربية. لهذا من أجل القضاء على هذه التجارة ولتصدير كل شيء إلى فرنسا، قتلت آلاف مدرسي اللغة العربية في تلك الفترة.”

وهذه حقيقة فإن الغرب دائمًا ينظر إلى القارة الأفريقية على أنها قارة الفرص لذلك بقيت أفريقيا جريحة منذ مئات السنين بخنجر الاحتلال الغربي وانتهاك حقوق الأفارقة وسرقة ثرواتهم.

وتؤكد الإحصائيات على سبيل المثال أن فرنسا تسرق اليورانيوم من دولة النيجر على مدى 4 قرون الماضية لأجل تلبية نحو 75% من احتياجاتها من الكهرباء في مجال الطاقة النووية.

وتشير بعض التقارير إلى أن شركة أريفا الفرنسية (Areva) هي المسؤولة عن سرقة اليورانيوم في النيجر.

ومع ذلك تبقى النيجر دولة فقيرة و90% من سكانها يعيشون بدون كهرباء وثرواتها تحت رحمة الاحتلال الفرنسي الذي استغل ثروات النيجر والدول الأفريقية الأخرى لأجل تطوير قدرته الاقتصادية.

ومقابل ذلك، لا يزال حتى الآن عدد القتلى على يد الإجرام الفرنسي في الجزائر والسنغال والنيجر وموريتانيا وتونس وبوركينا فاسو والغابون وغينيا وكثير من الدول الأفريقية غير معروف. فكان هذا جزاء نهب ثرواتهم لصناعة المجد الفرنسي! القتل بلا محاسبة.

ومما يجدر الإشارة إليه أن فرنسا قد استهدفت كل أسباب النهضة والتحرر للأفارقة، من ذلك استهداف الفرنسيين -كغيرهم من قوى الاحتلال الغربي- العلماء والقادة في المجتمع؛ حيث قامت قواتهم على سبيل المثال بقتل نحو 400 عالم مسلم بمجزرة كبكب خلال مؤتمر في تشاد عام 1917.

واليوم تنزعج فرنسا من حركة الهجرة إلى السواحل الأوروبية ولكن هذه الأزمة كشفت اعترافات جديرة بالاهتمام، حيث إنه في مطلع سنة 2019 ظهرت أزمة بين فرنسا وإيطاليا بسبب هذه الهجرة، والمعروف أن أبناء أفريقيا يهربون من أوطانهم لأسباب كثيرة ومن أهمها فشل الدول الأفريقية في كل المجالات اقتصاديًا وسياسيًا. إنهم يهربون من بلدانهم بسبب الحروب الأهلية وعدم الاستقرار والفقر والبطالة مما يستوجب طرح السؤال: من تسبب في فشل قارة أفريقيا؟

تجيب على هذا السؤال السياسية الإيطالية جورجيا ميلوني وهي تفضح دور فرنسا في نهب ثروات أفريقيا حيث قالت:

“إيمانويل ماكرون وصفنا بأننا مقرفون ويجب إنهاؤنا وأننا غير مسؤولين ثم الصحافة الإيطالية تقول آه قال ماكرون أنكم السبب….. هذا عار.. غير المسؤولين يا إيمانويل ماكرون هم أولئك الذين قاموا بقصف ليبيا لأنه يقلقهم أن تكون لإيطاليا علاقات خاصة في مجالات الطاقة مع القذافي في نفس الوقت الذي نجد فيه أنفسنا أمام موجات الهجرة التي جعلتنا على هذه الحالة.

وبما أن فرنسا تواصل استغلال أفريقيا عبر طباعة العملات لنحو 14 بلدًا وتضع عليها ختمها، وعبر استغلال وتشغيل الأطفال في المناجم، وعبر الاستحواذ على المواد الأولية مثلما يحدث في النيجر أين تستخرج فرنسا 30% من مخزون اليورانيوم الذي تستعمله في تسجيل مفاعلاتها النووية و%90 من سكان النيجر يعيشون بدون كهرباء لا تقدم لنا الدروس يا ماكرون.

لأن الأفارقة يهجرون قارتهم بسببكم وبسبب سياساتكم والحل ليس تهجير الأفارقة إلى أوروبا بل تحرير أفريقيا من بعض الأوروبيين، لا نقبل الدروس منكم، هذا واضح؟!”

وتكفي هذه الكلمات لتلخص لنا حقيقة الاحتلال الفرنسي غير المباشر ومدى بشاعته. ولابد أن صراع المصالح بين دول أوروبا في أفريقيا يكشف لنا دائمًا معلومات مهمة عن همجية الاحتلال الغربي.

فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطاب ألقاه أمام طلبة جامعة العاصمة البوركينابية واغادوغو: إن “جرائم الاستعمار الأوروبي في أفريقيا لا جدال فيها”. داعيًا إلى إرساء علاقة جديدة مع القارة السمراء.

وقال أيضًا: “إن الاستعمار الفرنسي كان خطأ جسيمًا ارتكبته الجمهورية”، وكان هذا اعترافًا تاريخيًا من الدولة الفرنسية.

ومع ذلك لا يزال جشع الاحتلال يقود فرنسا فحتى الآن سنة 2021 لاتزال فرنسا تقصف المدنيين العزّل في مالي بشكل متعمد ولا إنساني، وتستمر في سرقة ونهب ثروات بلادهم وبلاد أفريقية أخرى، ثم رغم اعتراف ماكرون بالمجازر والانتهاكات التي تسببت فيها بلاده لا يزال يتحدث عن حقوق الإنسان في أفريقيا!

فرنسا تسرق ثروات أفريقيا بدعم الحكام المستبدين

فرنسا

ورغم إعلان بعض الدول الأفريقية ما يسمى “الاستقلال” من الاحتلال الفرنسي إلا أن واقع هذه البلاد أنها لا تزال تقبع تحت الاحتلال الذي تعرفه فرنسا بطريقة مختلفة بعد إقامة حكومات وكيلة غلب عليها الاستبداد والولاء لفرنسا.

فقد منحت فرنسا الدول الأفريقية التي احتلتها الاستقلال مقابل شروط واتضح حتى الآن أن بعض الشروط خطيرة جدًا ومن أهمها وضع نسبة 85% من مدخولات هذه الدول تحت مراقبة البنك المركزي الفرنسي، ووصف الرئيس الفرنسي السابق ديغول أنها نوع من المقابل للبنية التحتية التي يزعم احتلال الفرنسي تشييدها، وتشير التقارير أن فرنسا تجلب بموجب هذا الاتفاق قرابة 500 مليار دولار كل عام بينما يعيش الأفارقة تحت وطأة الفقر والجوع والأمراض والتخلف.

وهذا الباحث والمحلل السياسي والأستاذ بالجامعة التونسية الأمين البوعزيزي يرى أن فرنسا “لا تزال تتعامل مع ما يعرف بمستعمراتها السابقة باعتبار أنها مستعمرات قديمة حتى إنّ لديها وزارة حتى اليوم تسمّى وزارة المستعمرات القديمة، فتتعامل مع أفريقيا إلى اليوم على أنها مجالها الحيوي، ومستعدة في أيّ لحظة للتدخل بالسلاح لإسقاط أنظمة، وتنصيب أخرى؛ دفاعًا عن نهبها للقارة الأفريقية” على حدّ قوله.

ومن يتأمل تصريح الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند: “فرنسا، مع أوروبا، تود أن تكون أكثر مشاركة في مصير أفريقيا”. سيدرك أن المعنى الحقيقي لهذا التصريح هو أن الاحتلال الغربي ما زال يمارس الحكم غير المباشر في أفريقيا، والذي يتم وفق آليات مدروسة؛ منها شبكة “فرانس أفريك”.

فقد حاولت فرنسا إنشاء شبكات عديدة أشهرها شبكة “فرانس-أفريك” وبدأ استخدام هذا المصطلح سنة 1955 ومهمة هذه الشبكة الاستمرار في نهب خيرات أفريقيا بشكل غير مباشر، والدفاع عن المصالح الفرنسية في القارة السمراء وخاصة في الجانب الاقتصادي، ومن استراتيجية هذه الشبكة والشركات المتعددة الفرنسية ضمان بقاء القواعد العسكرية لأجل حماية مصالحها في أفريقيا وهذه القواعد العسكرية تساعد في استمرار سرقاتها ونشر الفتن بين الشعوب المحتلة، وأيضًا تساعد في التخطيط للانقلابات والتدخلات العسكرية.

وقد أضحت هذه حقيقة متعارف عليها، يظهر ذلك في تصريحات “لويجي دي مايو” الذي اتهم فرنسا بـ ”إفقار قارة أفريقيا”، ولويجي هو نائب رئيس الحكومة الإيطالية حيث قال:

 ”إن اتفاقيات ما يُعرف بالاستقلال تجعل من فرنسا خامس اقتصاد في العالم، ولولا هذا الاستغلال الفرنسي الفاحش لثروات الدول الأفريقية لكان اقتصادها في المرتبة 15 عالمیًا”، ودعا أيضًا الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على باريس بسبب سياساتها تجاه أفريقيا.

وفي سنة 2017 أكدت الأمم المتحدة وجود 9 دول من منطقة الفرنك الإفريقي ضمن قائمة الدول الأقل نموًا في العالم.

فمثلًا دولة جابون هي دولة غنية بالموارد الطبيعية وخاصة النفط، وشركة (الف) المعروفة حاليًا بـ “توتال” وهي شركة البترول الوطنية الفرنسية حصلت على 70% من عائداتها النفطية باتفاق مع الحكومة الجابون وبعد انقلاب الضباط الصغار سنة 1964 على الرئيس الجابون “ليون أمبا” وهو رجل يعمل لصالح الاحتلال الفرنسي أعادت فرنسا حليفها إلى موقعه بعد يومين فقط بعملية إنزال في ليبرفيل.

وفي سنة 1989 تم اغتيال بوب دينار رئيس دولة جزر القمر، ودينار كان يعمل كمرتزق ومعروف باسم “ملك المرتزقة” وحظي بدعم فرنسا بشكل سري ونفذ كثيرًا من الاغتيالات والانقلابات في أفريقيا.

وأيضًا اغتالت فرنسا “فليكس مونيه” وهو المعارض الكاميروني الشهير في فيينا لأجل ماذا؟ فقط لأجل تثبيت حكم الرئيس “احجو” لأنه اشتهر بكونه (دمية فرنسا).

وأيضًا حاولت فرنسا إسقاط نظام “ماثيو كريكو” في بنين لكن القوات المسلحة البنينية أحبطت هذه العملية.

وهكذا لعبت فرنسا دور الشرطي المراقب في أفريقيا فاغتالت وأطاحت من لا يوافق سياستها الهمجية بنهب ثروات بلاده، وأيضًا ثبتت وساعدت بقاء من يساعدها في نهب ثروات بلاده.

وبعض التقارير تشير إلى أن فرنسا تدخلت عسكريًا في أفريقيا أكثر من 50 مرة منذ 1960 واغتالت وأطاحت بما يقارب من 22 رئيسًا في أفريقيا.

ومن هنا نوضح أن فرنسا لا تحب الانتخابات الحرة كما تزعم، ولا تبادل السلطة على الطريقة التي يعرفها الغرب كما تروج؛ لأنها تهدد مصالح فرنسا وتغيير رؤساء من الممكن أن يتسبب في إيقاف بعض مشاريع فرنسا وسرقاتها لخيرات أفريقيا ولأجل هذا تبذل ما في وسعها لمساعدة الحكم الدكتاتوري في أفريقيا.

يقول بيير فيوما وهو وزير المحروقات الفرنسي الأسبق: “تستغرق الدورة بين اكتشاف النفط في منطقة ما وبداية إنتاجه نحو ثماني سنوات، والسماح بحدوث تغيرات في السلطة كل عام يضر بمصالح الطاقة الخاصة بنا، لذا فإننا نبحث دومًا عن الاستقرار”. بمعنى نفضل الحكم العسكري الديكتاتوري!

وكثير من رؤساء فرنسا يعبرون عن أهمية سرقة أفريقيا وبعضهم قالوا لا وجود لفرنسا دون أفريقيا.

يقول الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتيران عام 1957:

دون أفريقيا، فرنسا لن تملك أي تاريخ في القرن الواحد والعشرين. 

وكذلك اعترف الرئيس الفرنسي السابق “جاك شيراك” أن فرنسا تنهب ثروات أفريقيا حيث قال: “لكننا نسينا شيئًا واحدًا فقط؛ وهو جزء كبير من الأموال الموجودة في خزانتنا تأتي على وجه التحديد من الاستغلال لقرون لقارة أفريقيا.

ليس حصريًا ولكن الكثير منها يأتي من استغلال أفريقيا لذلك يجب أن يكون لدينا القليل من الحس السليم. أنا لا أعني الكرم، بل شعور مشترك بالعدالة لإعادة ما أخذناه من الأفارقة، سأقول ما أخذناه منهم بقدر ذلك ضروري، إذا أردنا تجنب أسوأ التشنجات أو الصعوبات ذات العواقب السياسية التي ستترتب على ذلك في المستقبل القريب”.

وعلى غرار هذه الصراحة كشف برلماني فرنسي تم تصويره بينما لا يعلم ذلك وهو يقول مختصر الحقيقة الفرنسية مع أفريقيا، حيث قال: “الزنجي مختلف، إنه مختلف، لأنها حقيقة من هذا القبيل، لا يتم مناقشتها، لأننا نحن من يقرر. نحن الذين نقرر، نحن باختصار تسلطيون”.

وفي الإجابة عن سؤال: لماذا أنتم المهيمنون؟

أجاب البرلماني الفرنسي: “دمرنا الجميع، قبل 200 سنة أو 300 سنة، العرب الصينيين…، قتلنا لديهم المعرفة، دمرنا لديهم كل شيء”.

وعن سؤال: لكن الآن الزنوج أبرياء.

أجاب البرلماني الفرنسي: “ليس لدي الحق أن أقول لك هذا ولا يهمني أمرهم. يجب أن نلعب لعبة الأبيض والأسود، لا تخبر أحدًا بهذا، بيني وبينك لا أحد يسمعنا، نحن الرابحون، لعبنا هو لعب الفائزين.”

وعن تساؤل، هل الزنوج هم الخاسرون؟

قال البرلماني: “آه.. نعم. هنالك بعض الزنوج”. وبعد إلحاح المراسل قال البرلماني: “آه سيدي لا أستطيع أن أصرح بهذا، إن الزنوج لديهم نقص في الصبغيات (الكروموسومات) وعلل ذلك بقوله: “نعم لديهم أراضي واسعة شاسعة وغنية كيف لم يهيمنوا على العالم قط؟ كيف هذا؟ لم يكن وليس لديهم حدود مثل الصين، هذا ليس طبيعيًا مستحيل، بالتأكيد لديهم مشكلة”.

وعن سبب ذلك قال البرلماني: “أنا لا أعرف أننا قبل 500 سنة عملنا بشكل جيد. لقد تخلصنا من كل العباقرة والعلماء وخيار الناس لديهم، ذلك أكيد”.

وعن سؤال المراسل: إذا الزنوج الباقين هم الأراذل؟ بقي أراذل الزنوج؟

فقال البرلماني: “لا، لقد وضعنا أو خلقنا الجراثيم “ميكروبات” (في إشارة إلى المشاكل) هناك”.

فقال المراسل: آه قتلتم كل خيار الناس؟

فقال البرلماني الفرنسي: “آه أكيد كل النابغين”.

وعن كيف تم ذلك، قال البرلماني: “الحرب، الحروب خلقت مشاكل هناك. انظر إلى نموذج الصومال كيف فعلنا بهم!”.

وعن سؤال المراسل، لماذا الأبيض دائمًا أمام الأسود في إشارة للعنصرية؟

فرد البرلماني: “لأنها من هذا القبيل لا يتم مناقشتها، أعلم أنه ليس من العدل لكن هي من هذا القبيل. الحياة قاسية، الحياة قاسية”.

نعم بهذه الكلمات اختصر البرلماني الفرنسي قصة الجشع والعدوان والاحتلال الفرنسي في أفريقيا “الحياة قاسية” بحسب القيم الفرنسية التي يسعى اليوم ماكرون لفرضها على المسلمين في أرضه وغيرهم في مناطق الهيمنة الفرنسية. على أنها الأسمى والأعدل!

ختامًا

لقد آن الأوان أن تنتفض الدول الأفريقية وتكسر أغلال الاحتلال الفرنسي وتفيق من غفلتها وتقرأ التصريحات الصريحة للساسة الأوروبيين التي تضمنت الاعتراف المباشر بهذا الاحتلال والجشع الفرنسي الذي لا ينتهي قبل أن تلعنها الأجيال المقبلة.

المصادر

  1. يجب تحرير أفريقيا منك سيد ماكرون!
  2. الرئيس الفرنسي السابق “جاك شيراك” يعترف, ننهب ونستغل ثروات إفريقيا منذ قرون
  3. إجرام الاستعمار الفرنسي في افريقيا
  4. فيديو مسرب لنائب برلماني فرنسي يشرح فيه كيف يهيمنون على إفريقيا بإبادة المعرفة والعلماء فيها
  5. فرنسا الدموية .. الوجه الحقيقي لبلاد العدل والمساواة