السبت، 27 يونيو 2026

هل نعيش نفاقاً رقمياً؟!

 هل نعيش نفاقاً رقمياً؟!  

د. جاسم الجزاع *

في عصر هذه الشاشات التي لا تسقط من بيد أيدينا، نجد أنه أعيد تعريف مفهوم «العلاقات والصداقات» لينكمش في مساحات افتراضية جامدة، ويمكن أن نسميها بـ «العلاقات والصداقات الرقمية»، نتجت عنها علاقات مصلحية في المتابعة بين الطرفين في «السوشيال ميديا»، وهي حالة من النفعية الحديثة التي تنشأ وتزدهر خلف الستائر الإلكترونية، حيث تُقاس قيمة الفرد بمقدار ما يقدمه من دعم رقمي متبادل ورواج افتراضي وصناعة ترندات، وليس بعمق أثره الإنساني أو صدق معدنه، ففي هذا الفضاء الإلكتروني، يتحول الأصدقاء إلى مجرد أرقام صماء في قائمة المتابعين، وتصبح المشاعر الإنسانية مجرد تفاعلات عابرة ، من إعجاب، أو مشاركة، أو تعليق مقتضب، تدور كلها في حلقة مفرغة من تبادل المنافع السطحية ، فما دمت تُغذّي حضور الآخر الرقمي وتخدم وجوده وتدعم منصته، فستظل موجوداً في حساباته، وبمجرد أن يتوقف العطاء، تسقط من قائمة الاهتمام وكأنك لم تكن. 

وتتجلى مظاهر هذه المصلحة في سلوكيات يومية باتت مألوفة في أيامنا، ولعل أبرزها ما نراه في «مجاملات المنصات» المنافقة، حيث يُحتفى بالإنجازات ويُتضامن مع الأزمات بضغطة زر واحدة لا تكلف صاحِبها التفاتة قلب حقيقية ولا ثانية من وقته، فهي شبكات اجتماعية كثيفة المظهر، خاوية المخبر، تنفضّ فوراً وتضمحل بمجرد غياب المصلحة المشتركة أو توقف الحساب عن المتابعة والظهور، مما يكشف عن هشاشة الروابط الافتراضية التي تذوب كالملح عند أول اختبار حقيقي لعمقها ومصداقيتها. 

ولتحويل هذه العلاقات الافتراضية الجافة إلى علاقة إنسانية حقيقية ولها أثر، يتعين علينا نقل الروابط من وراء الشاشات الصامتة إلى أرض الواقع الحي، وتحريرها تماماً من قيد «المنفعة الفورية» والتبادل النفعي الرقمي، فيبدأ ذلك بـ «أنسنة» التواصل من خلال المبادرة بالسؤال الصادق وغير المشروط، ومشاركة اللحظات الحية والأحاديث المباشرة بعيداً عن أزرار الإعجاب، وبناء جسور متينة من التكافل المعنوي والمادي الذي يتجاوز حدود الفضاء الرقمي الضيق، فعندما نتحول بوعي من مجرد «متابعين» على منصة إلى «شركاء حقيقيين» في معترك الحياة مع الآخرين، فيدعم بعضنا بعضاً في العلن والخفاء دون انتظار عائد خوارزمي أو زيادة في عدد المشاهدات، حينها فقط نضمن أن هؤلاء الأصدقاء لن يكتفوا بوضع وسم تعزية بارد، بل ستجدهم أول الحاضرين لمواساتنا والوقوف في جنازاتنا. 

* باحث أكاديمي






اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟


في 15 يونيو/حزيران 1997، كنت أقف في حديقة قصر تشيراغان، أحد أجمل المباني المطلة على المضيق في إسطنبول. يومها مر أمامي رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان برفقة وفد كبير، متوجها إلى اجتماع بالغ الأهمية كان يعقد داخل القصر.

تحالف جديد يعلن للعالم
في قصر تشيراغان الذي يعود إلى الحقبة العثمانية ويستخدم اليوم فندقا، أُعلن تأسيس "منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي"، التي ضمت الدول المؤسسة: تركيا، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ومصر، ونيجيريا، وباكستان، ثم توسع التحالف بانضمام أذربيجان بعد قبولها من خلال تصويت جرى في 2024 بالقاهرة.

ومن خلال بيان حمل اسم "إعلان إسطنبول"، أعلنت الدول الثماني توحيد جهودها والعمل من أجل تحقيق التنمية. كما وقف قادة الدول في شرفة تطل على الحديقة الأمامية للقصر لالتقاط صورة جماعية أمام الصحفيين.

يعتبر هذا الاجتماع من أولى المحاولات الجادة للدول الإسلامية للاجتماع والتعاون فيما بينها، وحظي آنذاك باهتمام واسع، إذ انخرط الجميع في مناقشة مستقبل هذا التكتل الجديد المعروف باسم مجموعة الدول الثماني النامية  "D-8"

كنت شاهدا على الاجتماع في ذلك اليوم بصفتي صحفيا، وواصلت متابعة مساره لاحقا. وبعد يومين فقط من انعقاد الاجتماع، اضطر أربكان إلى الاستقالة من منصبه تحت ضغط العسكريين.

ومع استقالته بدأ هذا التكتل، الذي كان أربكان الأب الروحي لفكرته، يفقد زخمه وشعبيته تدريجيا. ثم تحول مع مرور الوقت إلى إطار رمزي وأصبحت تنظم اجتماعات سنوية لإحيائه من خلال فعاليات ثقافية. وأصبح من التقاليد المتبعة في هذه اللقاءات أن يلتقط المشاركون صورا تذكارية على الشرفة نفسها التي وقف عليها قادة الدول الثماني عام 1997.

لم تكن الظروف مواتية لمجموعة الدول الثماني النامية
بعد مرور 29 عاما، دعيت إلى اجتماع إحياء ذكرى المنظمة، وخلال متابعتي الفعاليات المنعقدة عادت إلى ذهني ذكريات يوم التأسيس الأول. وأثناء الكلمات التي ألقيت، جرى التأكيد على أن مجموعة الدول الثماني النامية (D-8) شكّلت أساسا بوصفها مماثلا لمجموعة السبع التي أسستها الدول الكبرى، وأنها تشكل أول خطوة مهمة اتخذتها الدول الإسلامية نحو التعاون والوحدة.

إعلان

كان جميع المشاركين من الوزراء والسفراء ورؤساء الحكومات ورؤساء الدول السابقين، فيما لم يحضر أي من المسؤولين الحاليين للدول المؤسسة. وتحدث الحاضرون جميعا عن أهمية هذا الكيان الذي يعود الفضل في تأسيسه إلى نجم الدين أربكان.

لقد كانت هذه المنظمة مبادرة مهمة تظهر مدى قوة رؤية أربكان وتصوره للمستقبل. لكن لا البنية السياسية في تركيا آنذاك، ولا الظروف الدولية السائدة، كانت مهيأة لتحويل هذا المشروع إلى واقع. كما أن الدول الغربية ونظيراتها في آسيا لم تكن ترغب بطبيعة الحال في ظهور تكتل مثل هذا ينافسها. بالإضافة لذلك، فإن القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الدول لم تكن كافية لفرض تأسيس كيان بديل في العالم رغم الدول الغربية.

تجدد الجدل حول تحالف جديد
ومنذ 29 عاما تنظم في تركيا فعاليات لإحياء ذكرى تأسيس مجموعة الدول الثماني النامية، إلا أن اجتماع هذا العام أثار جدالات من نوع مختلف، لأنه شهد مشاركة رؤساء أحزاب المعارضة المحافظة والرئيس التركي الحادي عشر عبد الله غول. وعندما اجتمع المشاركون- وفق التقليد المتبع- في شرفة القصر والتقطوا صورة جماعية، بدأت النقاشات بشأن ما إذا كانت تركيا تشهد تأسيس تحالف جديد في مواجهة الرئيس أردوغان.

كانت جميع الأحزاب السياسية المشاركة في الاجتماع هي أحزاب انبثقت عن الحركة التي أسسها نجم الدين أربكان التي تسمى "الرؤية الوطنية". وضمت الصورة كلا من مستضيف الاجتماع رئيس حزب السعادة محمود أريكان، ورئيس حزب "الرفاه الجديد" فاتح أربكان نجل نجم الدين أربكان، ورئيس حزب المستقبل ورئيس الوزراء السابق عن حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب الديمقراطية والتقدم (ديفا) ونائب رئيس الوزراء السابق عن العدالة والتنمية علي باباجان، إضافة إلى الرئيس التركي السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عبد الله غول. وقد أسهمت الأجواء الودية التي عكستها الصورة في إثراء النقاشات التي ترجح تشكل تحالف جديد.

تحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة

هل يمكن تشكيل تحالف جديد؟
مارست جميع هذه الشخصيات العمل السياسي في الأحزاب التي أسسها أربكان وتلاميذه. ومع ذلك لم يستطيعوا في الانتخابات الأخيرة أن يجتمعوا على كلمة سواء أو يشكلوا تحالفا أو يتفقوا على مرشح مشترك. فعلى الرغم من تشابه أفكارهم وخلفياتهم السياسية المشتركة، بل وحتى علاقات الصداقة التي تجمع بينهم، فإنهم لم يتمكنوا من تأسيس حزب واحد، أو التحرك بشكل مشترك.

واليوم يوجد في تركيا خمسة أحزاب سياسية مختلفة- وُلدت من رحم الحركة التي أطلقها أربكان- تمارس السياسة بشكل نشط، ولا يمكن القول إنها متوافقة فيما بينها. ويعد حزب العدالة والتنمية الأكبر بينها، وهو الحزب الحاكم. وتدور الآن في تركيا نقاشات حول ما إذا كان تلاميذ أربكان سيشكلون تحالفا بديلا في مواجهة حزب العدالة والتنمية وأردوغان.

إعلان

ورغم عدم وجود شخصيات تقدم تحليلات سياسية بارزة من بين المشاركين، حول القضية موضع النقاش، فإن ما يجري تداوله على الساحة لاقى اهتماما واضحا. وربما أسهمت مشاركة عبد الله غول بشكل خاص في إعطاء المداخلات والحوار إثارة وعمقا. لكن ممثلي الأحزاب الذين تحدثت إليهم أثناء انعقاد  هناك لم يكونوا يعتقدون إطلاقا بإمكانية تشكيل هيكل تحالف هنا. مع اتساع وانتشار هذه التحليلات، تحدثت إليهم مجددا، فقالوا إن الأخبار والتعليقات كانت موجهة إلى حد ما، وأنها صادرة عن أشخاص لا يعرفون حقيقة ما يجري.

باختصار، لن يخرج من هنا مرشح ضد أردوغان، كما أن تشكيلهم تحالفا يبدو أمرا صعبا، ويعود ذلك إلى المواقف والرؤى التي تبناها هؤلاء السياسيون حتى اليوم.

معارضة أردوغان لا تحظى باهتمام شعبي
في الانتخابات الرئاسية عام 2023، اتخذ قادة الأحزاب الذين يقفون اليوم جنبا إلى جنب في الصورة مواقف مختلفة تماما. فقد دعم فاتح أربكان، الرئيس أردوغان. بينما أعلن عبد الله غول أنه لن يترشح على قائمة أي حزب. أما علي باباجان وأحمد داود أوغلو ومحمود أريكان فقد دعموا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، الذي يعد أبرز خصومهم السياسيين.

ورغم كل المحاولات لم يتمكنوا من توحيد أحزابهم، بل إن أحزاب السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم (ديفا) خاضت الانتخابات البرلمانية ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري. وكان ذلك أكبر خطأ سياسي ارتكبوه؛ لأن قواعد "الرؤية الوطنية" أبدت رد فعل قوي تجاه التحالف مع حزب الشعب الجمهوري ذي الجذور اليسارية. كما أن التحالفات التي تقوم على معارضة أردوغان لم تحظ باهتمام شعبي في أي وقت.

وفي الانتخابات البلدية التي أجريت لاحقا، لم يفز أي من هذه الأحزاب برئاسة أي بلدية باستثناء حزب الرفاه الجديد الذي يدعم أردوغان، وبقيت نسبة أصواتها في حدود 1%. وفي الواقع، تعرضت هذه الأحزاب لهزيمة سياسية كبيرة. ورغم أن نتائج الانتخابات أظهرت سوء تقدير السياسات التي اتبعتها، وارتكابها أخطاء جسيمة، فإن أيا منهم لم يتحمل المسؤولية أو يقدم استقالته. وعلى إثر ذلك استقال عدد كبير من الشخصيات السياسية من هذه الأحزاب.

وفي المحصلة، فإن مجموع أصوات الأحزاب السياسية الأربعة التي اجتمعت خلال ذكرى تأسيس مجموعة الثماني في شرفة قصر تشيراغان لا يصل اليوم إلى 4%.

المرشح المشترك لن يخرج من تلك الصورة
عندما سألت عما إذا كان ترشح عبد الله غول أو علي باباجان يمكن أن يوحد هذه الأحزاب، أبدى كثير من مسؤولي الأحزاب اعتراضهم على الفور. فبحكم سنه، لا يتوقع أحد أن يخوض عبد الله غول مغامرة جديدة. أما باباجان فيبدو أنه استنفد رصيده لدى المجتمع.

ومع ذلك لا أعتقد أن هذه الأحزاب- المنبثقة من حركة "الرؤية الوطنية" التي أسسها نجم الدين أربكان- ستدعم مرة أخرى مرشحا ينظر إليه على أنه خصم لأربكان، كما فعلت في الانتخابات السابقة. ويبدو أنها تعلمت من أخطائها. وبدلا من ذلك ستحاول الآن طرح مرشح محافظ مشترك.

وتبدو مهمتها في الانتخابات الرئاسية صعبة للغاية؛ لأن المناخ السياسي في تركيا والعالم تغير كثيرا. وتحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة. كما ينظر إلى أردوغان على أنه سيفوز بالانتخابات مع تحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ولهذا السبب لا تبدو التعليقات التي تتحدث عن خروج تحالف جديد أو تحديد مرشح مشترك من فعالية إحياء ذكرى مجموعة الدول الثماني النامية ذات أهمية كبيرة؛ نظرا للأسباب التي تم شرحها في ثنايا هذا المقال.

المعركة مع المنظّمات الدولية في السودان

 المعركة مع المنظّمات الدولية في السودان




حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


ما أن أعلن قرار المحكمة الجنائية الدولية توقيف الرئيس السوداني السابق عمر البشير، في مارس/ آذار 2008، حتى خرج مؤيدوه إلى الشوارع مندّدين بالقرار، محتفين بالرجل ولقبه "أسد أفريقيا". 

بعد ساعاتٍ، أغلقت الحكومة السودانية مكاتب 13 منظمة إغاثة دولية، وطرد العاملون فيها من الأجانب خارج البلاد.

تلك كانت منظمات تقدّم الخدمات والطعام والمعونات الصحية لملايين المتضرّرين في دارفور. 

وقتها أعلن النظام أنه سيسودن العمل الإنساني، وأن السودانيين قادرون على إعانة أنفسهم. 

وقال أسد أفريقيا إن المنظمات الدولية يمكنها ترك المساعدات الإنسانية في الميناء وسيتولى السودانيون توزيعها.

حذّرت، حينها، الأمم المتحدة من كارثة إنسانية وشيكة. وأنذرت منظمات الإغاثة أن ملايين قد يفقدون الوصول إلى الغذاء والخدمات الطبية. 

لكن المسألة لم تكن إنسانية متعلقة بالمرضى والنازحين والمتضرّرين، إنما بالسيادة والكرامة الوطنية والمؤامرات على السودان. ... 

كانت المنظّمات تتحدّث بلغة الأرقام عن المحتاجين، وكان النظام ينظر إليها باتهامٍ لأنها جزء من مؤامرة دولية تهدف لإسقاطه.

رغم مرور سنوات، وتبدّل الحكام، لا تزال علاقة الدولة السودانية بالمنظّمات الأجنبية تقوم على الاتهام والعداء. 

قبل نشوب الحرب بوقت طويل، حذّرت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون أفريقيا مولي في 

من مجاعة تهدّد المنطقة، وحثت الفرقاء السودانيين على الحوار من أجل تسليم السلطة للمدنيين. 

ومنذ اندلاع الحرب في إبريل/ نيسان 2023 ظل برنامج الغذاء العالمي والأمم المتحدة يطلقان التحذير تلو الآخر من دون استجابة، وظلت أعداد الملايين المهدّدين بانعدام الأمن الغذائي تزداد. 

في 2024، وصفت تقارير برنامج الغذاء السودان بأنه يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم. 

ثم في تقريري 2025 و2026 حذرت من مواجهة ملايين السودانيين الجوع الحادّ، ووصول بعض المناطق إلى مرحلة المجاعة.

ظلت الأصوات المؤيدة للجيش السوداني تصف هذه التحذيرات بالمبالغة والتسييس، وأنها تريد إحراج السلطة العسكرية القائمة. 

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، طرد النظام العسكري الحاكم المدير القُطري لبرنامج الغذاء العالمي ومنسّقة الطوارئ في البرنامج. 

ما زالت الاتهامات المعبأة على عجل منذ عهد نظام عمر البشير صالحة، فقال النظام العسكري إن المبعدين تجاوزوا أدوارهم الإنسانية للقيام بدور سياسي.

وعلى الجانب الآخر، لا تبدو الحكومة الموازية التابعة للدعم السريع مختلفة عن شقيقتها الكبرى في الخرطوم. 

فقد تعرّضت المنظمات الإغاثية لتهديدات وقيود ومضايقات من مليشيا الدعم السريع أكثر مما فعلت حكومة الجيش. 

وأعلنت منظمة أطباء بلا حدود مرّات تعليق أنشطتها أو تقليصها لانعدام الأمن أو تدخل السلطات في عملها. ودخلت المنظّمة في نزاعات علنية مع قوات الدعم السريع أكثر من مرّة، مثلما حدث في بداية العام الجاري (2026) عندما اتهم تقرير للمنظمة المليشيا باستخدام العنف الجنسي في دارفور. 

لذلك ربما استغلت الحكومة الموازية في نيالا اتهام موظفين في المنظّمة بالاعتداء الجنسي على نازحات سودانيات في تشاد، وطردت المنظّمة ومنعت عملها في مناطق سيطرتها.

عندما تتعارض متطلبات الإغاثة مع حسابات حملة السلاح، يلجأون إلى تفسير كل شيء بالمؤامرة. ... لم يتعلم أحد من تجربة زيمبابوي عندما أوقف نظام روبرت موغابي عام 2008 عمل معظم المنظّمات الدولية واتهمها بالتدخل السياسي في الانتخابات. 

لم تلتفت السلطة الغاضبة إلى تعطّل برامج المياه والصحة والإغاثة في وقت انهيار اقتصادي حاد. 

ثم جاء تفشي وباء الكوليرا بعد أشهر ليجد بلاداً عاجزة وليس لديها من يعينها. توفي آلاف، وقالت الأمم المتحدة إن تقييد عمل المنظّمات كان أحد العوامل التي أضعفت الاستجابة لمواجهة الوباء. 

ولكن من يهتم بموت الآلاف طالما النظام ما زال على قمة السلطة. لا أهمية لعدد ضحايا الحروب أو المؤامرات أو الكوارث الطبيعية طالما نجا الحاكم.

يواجه السودان كارثة إنسانية كبرى، لا تجد استجابة متوافقة من العالم. 

لكن المنظّمات الدولية القليلة التي تنذر بالخطر، وتقدّم بعض العون للناجين من محرقة الحرب تواجه بالشك والتهديد والتضييق والمنع. 

مثلما حدث في صراع المعابر الحدودية لإدخال الإغاثة من قبل، عندما رفض قائد الجيش مرور الإغاثة إلى مناطق سيطرة "الدعم السريع"، ثم تراجع عقب أخذ ورد مع المجتمع الدولي. 

اليوم وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحرب وتزايد أعداد المحتاجين وعلو أجراس الخطر، ما زالت المنظمات الدولية تعامل على أساس أنها ذراع إنساني لمؤامرة دولية ضد البلد الذي أدمن قتال نفسه وطواحين الهواء


الجمعة، 26 يونيو 2026

السودان يدخل مرحلة الحسم الفعلي

السودان يدخل مرحلة الحسم الفعلي
مكّاوي الملك

 الله اكبر ولله الحمد | جواً وبحراً… السودان يدخل مرحلة الحسم الفعلي..المؤشرات تتسارع والمرحلة تغيّرت
أبشروا بالخير…وكونوا على استعداد لمرحلة مختلفة تماما خلال الأسابيع القادمة بإذن الله
ما كان يُقرأ بالأمس كتحليل..أصبح اليوم واقعا يتحرك على الأرض: وتيرة الاستعدادات بلغت ذروتها..وحجم التجهيزات يؤكد أننا أمام انتقال فعلي إلى مرحلة الحسم
خلال 24 ساعة فقط: 
تصاعد واضح في حركة الإمداد..
تكثيف في خطوط الدعم اللوجستي..
وتدفق متسارع يعكس قرارا أكبر من مجرد عمليات ميدانية
5 رحلات شحن عسكرية بين إسطنبول وبورتسودان في يوم واحد فقط ليست تفصيلا عابرا..بل مؤشر مباشر على أن ما يجري الآن هو بناء زخم كامل لمرحلة فاصلة.. 
وليس ذلك فقط..بل بالتوازي مع ذلك:نشاط بحري متزايد في خطوط الإمداد..وصول شحنات عبر البحر الأحمر..وحركة لوجستية صامتة تعزز العمق الاستراتيجي للعملية القادم
هذا التكامل (جوي + بحري) لا يحدث في الظروف العادية..بل يظهر فقط عندما تكتمل صورة العملية الكبرى
المعنى الواضح:المرحلة لم تعد تجهيز..بل ما قبل التنفيذ مباشرة
(بل إعادة تشكيل للميزان على الأرض..وفق توقيت محسوب بدقة )
المشهد الآن يمكن تلخيصه في كلمة واحدة:
(جاهزية)
جاهزية ميدانية..
جاهزية لوجستية..
وجاهزية لمرحلة ما بعد المعركة أيضا..
الرسالة الأهم:
الأسابيع القادمة لن تكون عادية..
وما يتم ترتيبه الآن سيتضح أثره سريعاً على الأرض بإذن الله
تنبيه:ثباتكم وثقتكم ودعمكم لابطالنا في هذه المرحلة مهم..لأن ما يُبنى الآن..هو ما سيحدد شكل المرحلة القادمة بالكامل
أبشروا… القادم يحمل تحولاً كبيراً بإذن الله
والايام بيننا
 المصدر صفحة مكّاوي الملك|Makkawi Elmalik


فوق السلطة 498

فوق السلطة 498 

تقديم: نزيةالاحدب

فوق السلطة
مباراة فوق الأنقاض.. "فوق السلطة" يسخر من مقترح الفيفا بشأن فلسطين وإسرائيل
تناول برنامج “فوق السلطة” -الذي يقدمه نزيه الأحدب على شاشة الجزيرة- بسخرية مقترحا متداولا بشأن إقامة مباراة كروية بين منتخبي فلسطين وإسرائيل لفئة تحت 15 عاما.


وانتقد البرنامج في حلقة (26 يونيو/حزيران 2026) ما وصفه بمحاولات اختزال الصراعات السياسية والإنسانية المعقدة في مبادرات رياضية.

واقترح مقدم البرنامج نزيه الأحدب منح "جائزة أكثر أهل الأرض اطمئنانا" لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، معتبرا أنه يتعامل مع الأزمات العالمية وكأن مباراة لكرة القدم قادرة على حل الحروب والنزاعات والأوبئة.

وأشارت الحلقة إلى أن الفيفا يدرس، في ظل الزخم المصاحب للبطولات العالمية الحالية، فكرة تنظيم مباراة تجمع المنتخبين الفلسطيني والإسرائيلي لفئة الناشئين تحت 15 عاما، ووصفت الفكرة بأنها تبدو على الورق مبادرة رياضية تحمل رسائل عن المستقبل، لكنها على أرض الواقع لا تعكس حجم وتعقيد الصراع القائم.

ورأى مقدم البرنامج أن مباراة واحدة، مهما حملت من رمزية، لا يمكن أن تمحو تاريخا طويلا من الصراع والاحتلال والعنف، مضيفا أن الأزمات السياسية لا تحل بالمباريات الرياضية وحدها.

كما طرح تساؤلات بشأن إمكانية تنفيذ مثل هذه المبادرة في ظل الواقع الميداني، متسائلا عن مشاركة أطفال فلسطينيين تعرضوا لإصابات جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية، وعن طبيعة الأجواء الجماهيرية المحتملة إذا أقيمت المباراة بحضور مشجعين من الجانبين، معتبرا أن هذه التحديات تعكس صعوبة فصل الرياضة عن السياق السياسي والأمني القائم.

"اختبار غريب"

وفي قضية أخرى، قدم مقدم البرنامج نزيه الأحدب قراءة ساخرة للعلاقة بين الأردن وإسرائيل، معتبرا أن عمّان تواجه "اختبارا غريبا" لمفهوم حسن الجوار، إذ تسعى إلى منع اتساع رقعة التصعيد عبر اعتراض ما يعبر أجواءها حفاظا على الاستقرار، لكنها تجد نفسها في النهاية متضررة من تداعيات الصراع.

واستعرضت الحلقة مشاهد لحرائق طالت مزارع في منطقة الأغوار، ثم عرضت شهادة أحد المزارعين الذي ظهر في تسجيل مصور وهو يردد: "يا رب سلّم الزرع يا الله، يا الله".

وأشار الأحدب إلى أن المزارع الأردني "ليس طرفا في النقاش السياسي، ولا يجلس على طاولة تفاوض، ولا يراجع التحالفات"، بل يسعى فقط إلى الحفاظ على مصدر رزقه، قبل أن يضيف أنه بعد أشهر من اعتراض الأردن صواريخ ومسيّرات إيرانية كانت تعبر أجواءه باتجاه إسرائيل، وجد بعض المزارعين أنفسهم أمام موسم زراعي تحول إلى رماد.

وانتقد ما وصفه بازدواجية المعايير في مفهوم حسن الجوار، معتبرا أن إسرائيل تطالب دائما بضمان أمنها، لكنها "لا تبدو منشغلة بالقدر نفسه بأمن جارها"، في حين يتحمل الأردن أعباء ضبط حدوده وأجوائه ومواقفه السياسية، إلى جانب تداعيات الحرائق والأحداث الأمنية التي تمتد إلى أراضيه.

وانتقلت الحلقة إلى ملف الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، معتبرة أن "النار الأخرى" التي تواجه الأردن لا تقتصر على الحرائق الميدانية، بل تمتد إلى محاولات المساس بدوره التاريخي في إدارة المقدسات.

ورأى الأحدب أن محاولات التشكيك في الوصاية الأردنية تأتي في وقت تواصل فيه إسرائيل اقتحاماتها للمسجد الأقصى، متسائلا عن دوافع السعي إلى سحب هذا الدور من الأردن الذي يتولى رعاية المقدسات منذ عقود.

"الصندوق الأسود"

وسلط البرنامج الضوء على تصريحات أثارت جدلا في الولايات المتحدة، بعدما أعلنت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية السابقة تولسي غابارد أنها كشفت، في الأيام الأخيرة من توليها منصبها، ما وصفته بـ"الصندوق الأسود" المرتبط بملف جائحة كورونا والأبحاث البيولوجية.

ونقلت الحلقة عن غابارد قولها إنها توصلت، بعد أشهر من مراجعة ملفات ومقتنيات مجتمع الاستخبارات الأمريكي، إلى "أدلة جديدة على تمويل حكومي أمريكي طويل الأمد لأكثر من 120 مختبرا بيولوجيا في أكثر من 30 دولة".

وأشارت إلى أن الاتهامات تتعلق بالطبيب الأمريكي أنتوني فاوتشي، الذي قاد المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية لسنوات، وكان أبرز الوجوه الطبية في البيت الأبيض خلال جائحة كورونا. ولفتت إلى أن هذه الاتهامات، رغم ثقلها، تقابلها حالة من "غياب المحاكم، وغياب لجان التحقيق، وغياب أي آلية محاسبة فعلية".

ووفق الحلقة، فإن الشكوك بشأن احتمال أن يكون فيروس كورونا قد خرج من مختبر ليست جديدة، فالمؤشرات بهذا الاتجاه ظهرت منذ السنوات الأولى للجائحة، مع تداول رسائل بريد إلكتروني كشفت نقاشات حول منشأ الفيروس، كما أشارت الحلقة إلى تصريح سابق لفاوتشي قال فيه إنه لم يكن مقتنعا بأن الفيروس تطور بصورة طبيعية.

وأوضح البرنامج أن أبرز ما يستند إليه مؤيدو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في حملتهم ضد فاوتشي يتمثل في رسالة متبادلة بينه وبين مسؤول في جمعية خيرية أمريكية تمول أنشطة مختبر الفيروسات في مدينة ووهان الصينية بأموال مصدرها مؤسسة صحية أمريكية، حيث تضمنت الرسالة شكر المسؤول لفاوتشي على عدم انضمامه إلى الادعاءات التي تقول إن الصين صنعت الفيروس داخل مختبر ووهان.

تركيا على أعتاب تحول تاريخي قد يغير وجه المنطقة للمرة الثانية

 تركيا على أعتاب تحول تاريخي قد يغير وجه المنطقة للمرة الثانية


إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق حقيقي خلال المحادثات الجارية في سويسرا، فكيف سيُعاد رسم خريطة موازين القوى في المنطقة؟

الكاتب التركي إبراهيم قراغول

إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق حقيقي خلال المباحثات الجارية في سويسرا، فكيف ستكون خريطة موازين القوى في المنطقة؟


هل ستستعيد إيران، التي أضعفتها الحرب وتراجع نفوذها الإقليمي، شيئًا من قوتها؟ أم ستظل دولة أكثر ضعفًا، منحصرة داخل حدودها الجغرافية؟ أم سيُسوَّق لها باعتبارها دولة «حققت انتصارًا على الولايات المتحدة»؟


وماذا سيكون مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية عنيفة؟ وهل ستدرك الدول العربية الخليجية أن الولايات المتحدة لن تحميها، وأنها لم تتمكن حتى من حماية قواعدها العسكرية، وأن مسار السلام مع إسرائيل لم يُصمَّم إلا لتعزيز قوة إسرائيل وحدها؟ وهل ستتجه بصورة كاملة نحو شراكة إقليمية جديدة بدأت مؤشراتها بالظهور بالفعل؟


حمل «عبء إسرائيل» سيصبح انتحارًا للولايات المتحدة وأوروبا


هل سيتقلص المجال الذي تتحرك فيه إسرائيل، أم ستزيد من هجماتها على فلسطين ولبنان وسوريا؟ أم أن الولايات المتحدة وأوروبا ستدركان أن استمرارهما في دعم إسرائيل يعني خسارة المنطقة، وأن ذلك سيشكل بالنسبة إليهما انتحارًا سياسيًا واستراتيجيًا؟


وهل تكفي الخطوات التي تتخذها تركيا ودول المنطقة للحد من نفوذ إسرائيل، من أجل إيصال هذه الرسالة إلى الولايات المتحدة وأوروبا؟ أم أنهما ستواصلان حمل «عبء إسرائيل»، وتغرقان في ذلك العمى الذي سيؤدي بهما إلى خسارة العالم؟


وهل ستدرك الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت إعادة تشكيل المنطقة عبر إسرائيل أمرًا غير ممكن، أن خريطة إقليمية تقودها تركيا أصبحت أكثر انسجامًا مع مصالحها، فتتجه نحو هذا الخيار؟ وهل يمكنها، إلى جانب إسرائيل، أن تتخلص من صورة «الدولة المحاصرة في مساحة ضيقة»؟ وهل تستطيع التحرر من التعصب الأيديولوجي الذي يقيد سياساتها؟


هل تصبح الشراكة الإقليمية الجديدة مصدر أمل؟


هل سيدفع التعاون الأمني بين تركيا وسوريا والعراق والسعودية ومصر وباكستان المنطقة، وكذلك القوى الخارجية المتدخلة فيها، إلى واقع جديد؟


وحتى إن لم ترغب تلك القوى بذلك، فهل ستضطر إلى الإقرار بأن هذه هي الحقيقة الجديدة للعالم، فتبدأ باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه؟


لقد أفرز الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران حقائق جديدة تمامًا في المنطقة. فجميع الدول تعيد اليوم تحديد مواقعها، كما ستُعاد صياغة علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. وأصبح الحد من النفوذ الإسرائيلي أولوية قصوى بالنسبة إلى جميع الدول.


لقد انهار ذلك الوضع القائم... وسقطت خطط إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة


على الولايات المتحدة وأوروبا أن تعلما أن النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية قد انهار، وأن خريطة النفوذ التي بُنيت على التفوق الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي قد سقطت.


لقد انتهى الشعور بالدونية تجاه الغرب، وانتهت عقدة النقص أمامه. فالمنطقة تستعيد قوتها التاريخية، وتتحول إلى فضاء يرفض بصورة قاطعة أن يُعاد تشكيله أو التحكم به من الخارج.


كما يجب على الولايات المتحدة وأوروبا أن تدركا أن عصر إخضاع الأنظمة والدول عبر التخويف بإسرائيل قد انتهى. وانتهى أيضًا الخوف من ردود فعل الولايات المتحدة وأوروبا تجاه مواجهة العدوان الإسرائيلي. كما انتهى عهد احتلال الدول وتقسيمها، أو إخضاعها بواسطة التنظيمات الإرهابية المدعومة بالسلاح الأمريكي والأوروبي.


وانتهى كذلك عهد بناء العلاقات مع تركيا ودول المنطقة عبر البوابة الإسرائيلية، أو رسم خرائط المنطقة وفق الأولويات الإسرائيلية. فلم يعد لهذا النهج أي قدرة على الردع. ومن الآن فصاعدًا، ستدفع الولايات المتحدة وأوروبا ثمن استمرار وجود إسرائيل بهذا الشكل، وستكون الفاتورة باهظة للغاية.


لا بد من الجلوس إلى الطاولة مع تركيا... فجميع الطاولات التي قامت على إسرائيل قد انهارت


إذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا الحفاظ على وجودهما في المنطقة، فعليهما الجلوس إلى طاولة الحوار مع تركيا، والدول العربية، وإيران.


أما إذا استمرتا في تجاهل هذه الدول، ومواصلتا إقامة التفاهمات مع إسرائيل وحدها، فستخسران إلى الأبد.


ولم تعد المنطقة وحدها ترى في «الفائض الإسرائيلي» عبئًا، بل أصبح العالم بأسره يعاني من هذا العبء، وأصبح إنهاء دور هذا «الكيان الحصين» مصلحة مشتركة للجميع.


وأيًا كانت الوسائل التي ستجربها الولايات المتحدة وأوروبا، فإنهما ستواصلان الخسارة ما داما متمسكتين بإسرائيل. وهذا أمر لا مفر منه.


إن نهضة تركيا، ونهضة المنطقة بأسرها، تتحول إلى عاصفة كبرى تمتد من سواحل المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادئ، بينما يصر الغرب على التمسك برواياته القديمة، وهو ما قد يشكل أقسى ضربة يتعرض لها تفوقه العالمي.

انتهى عصر التراجع والوصاية والدمار... ولن يتمكنوا بعد اليوم من رسم خرائطنا

لقد انتهى بالنسبة إلى منطقتنا عصر الدمار، وعصر التراجع، وعصر الوصاية. كما انتهى زمن إخضاع الدول عبر شراء القادة والأنظمة، وانتهى أيضًا عصر الترهيب بالقوة العسكرية أو بإسرائيل لإجبار الشعوب والدول على الاستسلام.


وانتهى كذلك عهد الاستيلاء على موارد المنطقة وثرواتها وأنظمتها وأراضيها. وانقضى عصر الهيمنة الغربية الذي استمر قرنين من الزمن. ووصل التاريخ الذي كانت فيه معايير القوة والدفاع والاستقلال والسيادة والحدود الوطنية تُحدَّد من قبل الغرب إلى نهايته.


«الأفكار الجديدة» تنبت لدينا... وهم يمثلون «العالم القديم»


لقد استيقظنا على عالم جديد، لكنهم لم يستيقظوا بعد.


نحن كرسنا أنفسنا لقوة جديدة، بينما بدأوا هم يفقدون قوتهم.


نحن بدأنا نفكر في خريطة جيوسياسية كبرى، بينما لا يزالون يدورون حول الخرائط القديمة.


نسعى، بعد خمسة قرون، إلى العودة إلى مركز خريطة القوة العالمية، بينما هم يحاولون فقط الحفاظ على ما تبقى لديهم.


إن الجديد ينبت في منطقتنا، بينما يمثلون هم عالمًا شاخ وتجاوزته الأحداث.


لقد رفعت البشرية راية التمرد على قرون من الهيمنة الأطلسية، بينما يزداد الغرب انكفاءً على ذاته يومًا بعد يوم.


ولو أنهم استطاعوا فهم تركيا وحدها، لكان ذلك كافيًا. لكنهم وثقوا بغرورهم، وبأسلحتهم، وثرواتهم، وتقنياتهم، حتى أصيبوا بما يشبه نشوة القوة.


لقد استهانوا بتركيا، مع أنها تمتلك جينات سياسية قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا. واعتادوا طوال قرن كامل على إبقائها تحت سيطرتهم، بينما كانت في الحقيقة وريثة لخريطة نفوذ تمتد من سور الصين العظيم إلى فيينا.


لم يتمكنوا من إيقاف تركيا... وسيحاولون قريبًا التقرب منها


ها هي تركيا اليوم، بعد مرور قرن كامل، تعود مرة أخرى إلى خريطتها الخاصة، وإلى تاريخها، وإلى جيناتها السياسية.


ويخبرنا التاريخ أن عودتنا الواحدة قادرة على إعادة تشكيل قرون كاملة. أما الذين يعدّون هذا مجرد خطاب حماسي، فهم لم يستوعبوا تاريخ الإمبراطوريات.


إننا نشهد اليوم تلك العودة التاريخية. ولسنا وحدنا من يراها، بل أوروبا والولايات المتحدة أيضًا.


لقد أمضوا العقدين الماضيين في محاولات إيقاف تركيا، عبر هجمات وضغوط داخلية وخارجية، لكنهم فشلوا.


ولم يكتفوا بالفشل، بل لم يتمكنوا حتى من إبطاء اندفاع تركيا.


ولذلك، لم يبق أمامهم سوى خيار واحد: التقرب من تركيا.


وأعتقد أن الولايات المتحدة وأوروبا ستجعلان من التقارب مع تركيا أولوية في سياساتهما خلال المرحلة المقبلة.


وفي هذه المنطقة، ستكون رؤية تركيا، وأولوياتها، ونظرتها إلى التاريخ والجغرافيا، وخريطة الشراكات التي تعمل على بنائها، هي الأساس الذي ستُبنى عليه المرحلة المقبلة.


ولن يمتلك أحد القدرة على منع ذلك.


فمن يحاول عرقلته سيخسر، أما من يسير مع تركيا فسيزداد قوة.


«الحامية الإسرائيلية» ستُزال... والحروب ستُدفع إلى خارج المنطقة


في تصورنا الجديد للمنطقة، تمثل «الحامية الإسرائيلية» تهديدًا يجب التخلص منه.


كما يجب القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية، لأنها – بحسب هذا التصور – جميعها ذات منشأ إسرائيلي وغربي.


وسيُطوى نهائيًا عصر غزو الدول واحتلال أراضيها.


كما ستُنقل الحروب والصراعات إلى خارج المنطقة بصورة كاملة.


وستُغلق جميع الأبواب المؤدية إلى تحويل الخلافات المذهبية أو العرقية إلى حروب وصراعات.


وفي إطار هذا التصور الجغرافي الجديد، فإن جميع الممرات الاستراتيجية؛ من مضيق ملقا إلى قناة السويس، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيقي الدردنيل والبوسفور إلى شرق البحر المتوسط والبحر الأسود، مرورًا بالممرات التجارية البرية والبحرية، ستكون مغلقة أمام أي تدخل أو إدارة خارجية.


وستخضع جميع هذه المناطق لسيادة ورقابة صارمة من قبل دول المنطقة وحدها.


«الجغرافيا الجديدة» تحتاج إلى حزامٍ عملاق

في إطار التصور الجديد للمنطقة، سيُنشأ حزام اقتصادي عملاق يمتد من آسيا الوسطى إلى شرق إفريقيا، ومن جنوب آسيا إلى كامل غرب آسيا، ليشكّل منطقة اقتصادية وسطى كبرى. وسيُنتزع هذا الفضاء الجغرافي من خرائط الهيمنة والاحتلال الغربية.


وسيُستفاد من الإرث التاريخي والخبرة المتراكمة للمدن الحضارية التي تجاوز تأثيرها حدود الدول، وستُنقل تلك الخبرات إلى الحاضر، كما ستُنشأ منظومات دفاعية مشتركة على امتداد هذه الرقعة الواسعة، وستكون ثروات المنطقة ومواردها ملكًا لشعوبها.


وقد تشكل شبكة العلاقات الجديدة بين تركيا وباكستان ومصر والسعودية، والتي تحظى أيضًا باهتمام متزايد من دول أخرى، نواةً لهذا العالم الجديد. وإذا لم تستطع الإرادة السياسية تحقيق هذا الهدف، فإن التهديدات القائمة، والتحولات في موازين القوى العالمية، قد تفرضه فرضًا. وعلى الدول الكبرى في المنطقة أن تدرك أنه لم يعد أمامها خيار آخر.


يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل


ينبغي للجميع أن يدركوا أن إسرائيل، رغم محدودية قدراتها الذاتية، تشكل تهديدًا لكلٍّ من تركيا ومصر، وأنها ستصبح تهديدًا للسعودية أيضًا، وأن الخيار الوحيد المتبقي أمام الجغرافيا الكبرى هو إزالة إسرائيل من خريطة المنطقة، إذ لا يوجد أي مسار آخر يمكن أن يضمن الأمن والاستقرار لدولها.


ويجب الإسراع في إنشاء مظلة دفاعية مشتركة بين تركيا وسوريا والعراق ولبنان.


وعلى سبيل المثال، ينبغي بناء تقارب، بل وشراكة، بين سوريا ولبنان في أسرع وقت.


كما يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل، سواء عبر سوريا أو عبر لبنان.


وقد حان الوقت لاتخاذ خطوات كبرى من أجل إغلاق جميع الحدود البرية لإسرائيل، بحيث لا يبقى لها سوى واجهتها البحرية على البحر الأبيض المتوسط.


العثمانيون غيّروا مجرى التاريخ... وتركيا ستغيّره مرة أخرى


سواء توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق في المباحثات الجارية في سويسرا أم لم تتوصلا إليه، فإن تاريخًا جديدًا قد بدأ يتشكل في هذه المنطقة، ولن يتغير المسار الذي فُتح أمامها.


لقد بدأت ملامح مصير المنطقة وشعوبها بالتبلور، ولم يعد من الممكن الاستسلام لحالة الغموض أو التردد، بل أصبح من الضروري السير في الطريق الذي انفتح أمامها، لأن ذلك سيشكل منعطفًا تاريخيًا جديدًا.


لقد غيّر العثمانيون مجرى التاريخ عندما هزموا الإمبراطورية البيزنطية، وأسقطوا أكبر إمبراطورية في العالم المسيحي، فغيّروا بذلك تاريخ أوروبا والعالم.


ستعرف تركيا كيف تُحدث تحولًا تاريخيًا جديدًا بإخراج إسرائيل من خريطة المنطقة، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ.


فالحامية التي زُرعت في قلب المنطقة وتسببت في كوارث جسيمة، سيتم إنهاء دورها.


ولا ينبغي أبدًا الاستهانة بالتاريخ، ولا بالجينات السياسية للشعوب، ولا بقوة الجغرافيا.


وكل ما ينبغي فعله هو إخراج الصراعات من داخل المنطقة إلى خارجها، وما بعد ذلك سيأتي تلقائيًا.


حان الوقت لكي يجري الجميع حساباتهم الصحيحة


لا أحد يعلم ما ستسفر عنه المباحثات في سويسرا.


فقد يتم التوصل إلى اتفاق، وقد تعمل إسرائيل على إفشاله.


لكن، أياً تكن النتيجة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لن تكونا قادرتين بعد اليوم على تحمل عبء إسرائيل، كما لن تمتلكا القدرة على مواجهة جميع دول المنطقة دفاعًا عنها.


لقد بدأت ملامح خريطة القوة الإقليمية الجديدة تتضح، وهذه التحولات قد تستمر لقرون طويلة.


ونحن، بطبيعة الحال، نجري حساباتنا وفق هذه المعطيات.


أما الولايات المتحدة وأوروبا، فقد حان الوقت أيضًا لكي تجريا حساباتهما الصحيحة.


فإن لم تفعلا، فستخسران العالم الذي بدأتا تخسرانه بالفعل بوتيرة متسارعة، وسيتعرض نفوذهما في هذه المنطقة لتراجع غير مسبوق.
ما وراء الضغوط الأمريكية على سوريا لدخول لبنان

لماذا يصرّ دونالد ترامب على تكرار دعوته لسوريا للتعامل مع   حزب الله؟ وهل هي مجرد تصريحات عابرة، أم أنها تخفي مشروعاً أمريكياً أكبر لإعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق؟ خلف الكلمات تبدو حسابات معقدة تتجاوز لبنان إلى مستقبل المنطقة بأسرها.


خلال الأسابيع القليلة الماضية، توالت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي يحمل مضمونها شيئًا واحدًا، وهي دعوته لتدخل سوريا العسكري في لبنان للقضاء على حزب الله، أو نزع سلاحه.

ففي السادس عشر من شهر يونيو الحالي، نقلت وكالات الأنباء، عن ترامب قوله خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا، إنه اقترح على الكيان الصهيوني السماح لسوريا بالتعامل مع حزب الله. وقال ترامب نصاً: "اقترحت على "إسرائيل" أن تدع سوريا تتعامل مع حزب الله، لأنني بصراحة أعتقد أن سوريا ستؤدي عملاً أفضل".

وكان ترامب قبل القمة، قد صرح ما مضمونه، أنه إذا لم يستطع الكيان الصهيوني القيام بالمهمة دون قتل الجميع، فإن أحمد الشرع سيقوم بالمهمة، مؤكداً أنه أخبر الصهاينة بضرورة السماح لسوريا بتولي هذا الملف.

وفي مقابلة مع شبكة NBC الاخبارية، أشار ترامب إلى رغبته في رؤية هجوم أكثر جراحية على حزب الله، مضيفاً: يمكننا مساعدتهم في ذلك، أو يمكننا أن نوصي بسوريا. سوريا تقوم بعمل جيد جداً في تنظيف أوضاعها... وهو (الرئيس السوري) يود المساعدة، على حد تعبيره.

ثم ختم ترامب سلسلة تصريحاته تلك بحديثه مع شبكة فوكس نيوز الإخبارية، عندما قال: أقترب من تسليم ملف حزب الله إلى سوريا، ومنح القوة للرئيس السوري أحمد الشرع.

ورغم أن ترامب لم يستخدم عبارة اجتياح عسكري صراحة، إلا أن الألفاظ التي استعملها، جاءت بمعنى أن تتولى القوات السورية التعامل مع حزب الله بدقة أكبر، وهو ما أثار جدلاً واسعاً باعتباره دعوة ضمنية لتدخل عسكري سوري في لبنان.

ولكن ماذا يريد ترامب بالضبط من هذه التصريحات المتوالية؟

هل يريد منها مناورة مع إيران كورقة في مفاوضاته معها، لينزع من يديها ورقة ذراعها القوي في المنطقة، وأنه قادر بالفعل على قطعه؟

أم أنه يود أن يغرق النظام السوري الجديد في المستنقع اللبناني؟

وهناك احتمال ثالث، وهو أن ترامب يريد بالفعل إغلاق ملف سلاح حزب الله، بعد أن عجز الجيش الصهيوني عن هزيمته، وهو واثق بالفعل في قدرة الشرع على إنهاء هذا الملف؟

وثمة احتمال رابع، بأن تصريحات ترامب تلك بمثابة ضغط على رئيس وزراء دولة الكيان، حيث يمكن أن تعبر عن عدم رضا ترامب عن الطريقة التي يدير بها بنيامين نتنياهو الحرب، وكأنه يقول إذا لم تنهوا هذه الحرب سريعاً ووفق المخطط الزمني الأمريكي، فإننا سننقل ملف الترتيبات الأمنية الإقليمية إلى أطراف أخرى، ولن تظلوا اللاعب الوحيد المدعوم مطلقاً.

وهناك ربما احتمال أخير، يتعلق بإعادة هندسة الشرق الأوسط، حيثيعتمد ترامب على مبدأ كسر القواعد التقليدية.  فترامب يرى في النظام السوري الجديد صفحة بيضاء يمكن تشكيلها. وهو يعرض على سوريا صفقة القرن الخاصة بها.

وسنبدأ بتفنيد كل احتمال من الاحتمالات الخمسة، ومدى واقعية كل منها.

الاحتمال الأول: المناورة مع إيران والضغط الإستراتيجي

يبدو الأمر متناقضاً بشكل صارخ؛ فكيف للرئيس الأمريكي الذي وقع لتوّه في 17 يونيو الجاري، مذكرة تفاهم مؤقتة مع إيران لإنهاء الحصار البحري وإعادة فتح مضيق هرمز بهدف خفض أسعار النفط، أن يستمر في تحريض دمشق لقطع ذراع طهران الأقوى حزب الله؟

ألا يهدد هذا بنسف التهدئة الهشة وإعادة النفط للتحليق مجدداً، وهو ما يخشاه ترامب بشدة قُبيل الانتخابات النصفية؟

المفتاح لحل هذا اللغز يكمن في فهم عقلية الصفقة عند ترامب، والتي تعتمد على منطق المقاول الإقليمي.

فترامب لا يرى تعارضاً لأنه يحاول فصل مسار المواجهة المباشرة مع إيران عن مسار الترتيبات الإقليمية.

فالاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير ركّز على حركة الملاحة، والممرات المائية، وبرنامج اليورانيوم، دون الإشارة لملف الصواريخ الباليستية أو الأذرع الإقليمية.

فترامب يريد إخلاء طرف أمريكا عسكرياً لحماية الاقتصاد، ولكنه في الوقت نفسه يفوّض قوى إقليمية صاعدة، مثل سوريا بقيادة الشرع، وبغطاء تركي للقيام بالمهمة البرية.

وبذلك يرسل ترامب إشارة لإيران مفادها، نحن التزمنا بوقف الحصار والضربات الأمريكية، لكن الصراع في الشام هو شأن سوري لبناني داخلي لا علاقة لنا به.

وفي نفس الوقت يلوح ترامب بهذه العصا لخدمة مفاوضات الـ 60 يوماً.

فهو يرسل رسالة لإيران بأن بدائل تفكيك نفوذها جاهزة ومتحفزة، وأن عليها الانصياع للشروط الصارمة في الاتفاق النهائي (مثل تسليم مخزون اليورانيوم) وإلا فإن أدواتها الإقليمية ستُسحق بغطاء دولي.

الاحتمال الثاني: فخ المستنقع اللبناني للنظام السوري الجديد

ينطلق هذا الاحتمال من فرضية كلاسيكية في العلاقات الدولية ترتبط باستدراج القوى الإقليمية الصاعدة إلى صراعات مستنزفة تنهك قدراتها العسكرية. وتعتبر واقعية هذا الطرح منخفضة من منظور تفكير ترامب الشخصي، فالرئيس الأمريكي لا يمتلك صبراً إستراتيجياً كافياً للتخطيط لمؤامرات طويلة الأمد أو التورط في سياسات الاحتواء المعقدة.

فالرجل يبحث دائماً عن انتصارات سريعة وحلول تجارية مباشرة. ومع ذلك، تظل الواقعية قائمة إذا نظرنا للأمر كاستراتيجية خفية تدفع نحوها مؤسسات الأمن القومي الأمريكي ودوائر الصقور في العاصمة الأمريكية، خاصة المرتبطين باللوبي الصهيوني في أمريكا، والذي يعدون نظام الشرع عدوا مؤجلا.

ولكن لماذا يعتبر هؤلاء أن تدخل الشرع في لبنان بمثابة فخ له؟

الساحة اللبنانية تمثل تاريخياً حقل ألغام لأي قوة خارجية، وتدخل سوريا هناك سيعني حتماً مواجهة دموية ومباشرة مع بيئة حزب الله الحاضنة، وهي الطائفة الشيعية، مما يؤدي لاستنزاف موارد الدولة السورية الناشئة.

هذا السيناريو سيجعل القيادة السورية الجديدة غارقة في أزمة أمنية لا تنتهي، ويجبرها على الاعتماد الكامل على الدعم والغطاء الأمريكي، ويحرمها من فرصة بناء اقتصادها الوطني الداخلي. غير أن القيادة في سوريا تدرك هذا الفخ جيداً، ولذلك سارعت لنفي الشكل المطلوب أمريكيا للتدخل، مؤكدة رفضها القاطع لتكرار أخطاء الماضي، مما يضعف من فرص تحقق هذا الاحتمال على النحو الذي تريده أمريكا على أرض الواقع. فالسوريون يركزون اليوم على ترتيب بيتهم الداخلي وتجنب الصراعات الإقليمية التي قد تطيح بمكاسبهم السياسية والسيادية المحققة مؤخراً، ويفضلون الدبلوماسية على خوض مغامرات عسكرية غير مأمونة العواقب في الجوار اللبناني المعقد أمنياً وطائفياً وعسكرياً طوال العقود الماضية، وربما لهم ترتيبات دخول الى لبنان، ولكن ليس بالطريقة التي يريدها ترامب.

الاحتمال الثالث: البحث عن حسم عجز عنه الكيان الصهيوني

يستند هذا الاحتمال إلى القراءة البراغماتية المباشرة لتصريحات ترامب، الذي يبدو مقتنعاً بعدم كفاءة جيش دولة الكيان الصهيوني في حسم المعركة.

تكمن وجاهة هذا السيناريو في توافقه مع الاستراتيجيات التي يتبعها ترامب، والذي يفضل المقاولين المحليين لإنجاز المهام.

فهذا الرجل يرى أن الجيش السوري يمتلك ميزة جغرافية واستخباراتية هائلة في لبنان تفوق الكيان الصهيوني.

ومبررات تدخل ترامب في غزة لإيقاف الحرب عندما عجز جيش الكيان الصهيوني عن القضاء على حماس، حيث لا يزال ماثلا أمام ترامب، وربما يود تجربته في الجنوب اللبناني ولكن بآليات عملية أكثر.

لكن حتى من تلك الناحية العملياتية، يفتقر هذا الطرح في أحد جوانبه للواقعية؛ فالجيش السوري خرج لتوه من سنوات صراع مدمرة، وهو يعاد هيكلته وبناؤه، فالاستراتيجية العسكرية السورية الحالية لا تضع صداماً كهذا في أولوياتها.

كما أن الكيان نفسه، رغم تعثره في لبنان، لن يقبل برؤية عودة القوات السورية إلى لبنان، لما يشكله ذلك من تهديد استراتيجي طويل المدى على حدوده الشمالية، ففي السابق قبل بوجود جيش الأسد في لبنان، بل كان مطلبا منه لإخراج قوات المقاومة الفلسطينية، فالنظام السابق قد اختبره الصهاينة ما يقرب من نصف قرن، وهو يعتمد على دعم أقلية طائفية سورية، وهذه استراتيجية صهيونية منذ تأسيسه، حيث يسعى إلى تمكين الأقليات العرقية والدينية والطائفية في دول الجوار كوسيلة لتثبيت دولته المغتصبة، وتوسيع دائرة نفوذها.

بناءً على هذه المعطيات، فإن اعتقاد ترامب بالشكل الذي يريده، يمثل تبسيطاً مخلاً لتعقيدات المشهد والتركيبة التاريخية والسكانية للمنطقة، ويعكس فجوة واضحة بين التصورات السياسية للنخبة الحاكمة في البيت الأبيض والقدرات الفعلية للأطراف على الأرض.

الاحتمال الرابع: الضغط الداخلي على نتنياهو

يركز الاحتمال الرابع على البعد التكتيكي في علاقة ترامب المعقدة بـ بنيامين نتنياهو، وتعتبر واقعية هذا التفسير مرتفعة جداً. فترامب يشعر بالاستياء من الاستنزاف العسكري الصهيوني المستمر وتأثيره السلبي على صورته السياسية. فالتلويح بالبديل السوري يمثل ورقة ضغط نفسية وسياسية لإجبار دولة الكيان الصهيوني على إنهاء الحرب وفق جدول زمني أمريكي.

فالتلويح بالتدخل السوري، يبعث به ترامب رسالة حاسمة مفادها، أن الدعم الأمريكي ليس شيكاً على بياض، وأن أمريكا مستعدة للبحث عن ترتيبات أمنية بديلة تتجاوز الرغبات الصهيونية إذا استمر المأزق الحالي.

وتتأكد واقعية هذا الطرح بالنظر إلى رغبة ترامب المعلنة في تصفير الأزمات الخارجية للتفرغ للملفات الاقتصادية الداخلية. هو يدرك أن إطالة أمد الصراع تخدم مصالح نتنياهو الشخصية وتضر بالإستراتيجية الأمريكية الكبرى. لذلك، يستخدم تصريحاته كصدمة سياسية لخلط الأوراق وإجبار الحكومة الإسرائيلية على تقديم تنازلات في مفاوضات التسوية. ومن هنا، تنجح هذه السياسة في إحداث شرخ في المواقف السياسية الصهيونية، وخاصة داخل المعارضة، حيث بدأت بعض الأوساط العسكرية والسياسية الصهيونية هناك تبدي قلقاً حقيقياً من إمكانية تحول الموقف الأمريكي نحو مقاربات أكثر راديكالية وتجاهلاً للمصالح الحيوية للكيان. إنها استراتيجية واضحة لابتزاز الحليف وتوجيهه نحو المسار الذي يخدم الأجندة الرئاسية لترامب، مما يجعل هذا الاحتمال واقعيا لخلفيات هذه التصريحات المتكررة التي صدمت الدوائر السياسية العبرية ودفعتها لإعادة حساباتها العسكرية بدقة خوفاً من خسارة الحليف الإستراتيجي الأكبر للكيان الصهيوني.

الاحتمال الخامس: إعادة هندسة الشرق الأوسط عبر البراغماتية الصادمة

يرى ترامب في النظام السوري الجديد فرصة لكسر جمود المعادلات القديمة.

يقوم هذا الطرح على تقديم صفقة متكاملة لسوريا: الدعم السياسي، رفع العقوبات، والمساهمة في إعادة الإعمار، مقابل قطع الصلة بإيران وتحجيم حزب الله. تعتمد واقعية هذا المسار على مدى استعداد القيادة السورية للمغامرة بمكانتها الإقليمية. فرغم المغريات الاقتصادية الكبيرة التي يقدمها الغرب، تواجه سوريا عوائق ضخمة تمنعها من التجاوب الكامل مع هذا العرض بالشكل المطروح عليها أمريكيا.

فالنظام الجديد يحتاج لتثبيت أركانه داخلياً أولاً، والدخول في مواجهة مع قوى إقليمية كإيران قد يهدد استقراره الهش. 

وبالتالي، يظل هذا السيناريو طموحاً ونظرياً أكثر من كونه خطة قابلة للتنفيذ الفوري، لأن شروطه الإقليمية والمعقدة لم تنضج بعد، ولأن الثقة المتبادلة بين أمريكا وسوريا لم ترق بعد إلى درجة التحالف الوثيق، وتتطلب سنوات من بناء جسور التفاهم المشترك.

الخلاصة

هكذا نرى أن أفكار ترامب تصطدم دوماً بصخرة الواقع والتعقيدات الجيوسياسية المتجذرة في الشرق الأوسط، لتظل هذه المقاربة مجرد رؤية نظرية تعكس أسلوب الإدارة الحالية في إدارة العلاقات الدولية والملفات الساخنة بعيداً عن الالتزام بالثوابت والتحالفات التقليدية السابقة للقوى العظمى.

ويبقى أن الطرف الوحيد الذي يستطيع أن يقلب الطرح النظري لترامب، والذي يتعلق بالرغبة الأمريكية بدخول سوريا إلى لبنان لحسم ملف حزب الله، بصرف النظر عن الدوافع الأمريكية، هو الطرف السوري، خاصة أنه في رفضه الدخول لم يغلق الباب كاملا في وجه ترامب، ولكنه أبقاه مواربا، لحين تحقق شروطه سواء بقطع دعم الخارج للتمرد في الداخل السوري، أو في طبيعة التدخل السوري المرتقب في لبنان ليسير وفق أجندة سورية، وليس وفق أجندة صهيونية.