الدرة
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الجمعة، 1 مايو 2026
إني كنت من الظالمين
أرض الشام منحة العلماء لإعادة صياغة الهوية رؤية منهجية لإعادة صياغة الهوية
مضر أبو الهيجاء لقد منَّ الله على المجاهدين والثوار وأهل الشام الكرام، وشفى صدورهم بالقبض على المجرم عاطف نجيب، ابن خال بشار الأسد، قاتلِ السوريين. كما شفى غليل المكلومين بالقبض على السفّاح أمجد يوسف، تلميذ فادي صقر.
إن نماذج الإجرام السورية تشبه نماذج إجرام بن غفير وسموتريتش الإسرائيلية، إذ يجمع بينها العداء لله وللرسول ولدينه وللمؤمنين، كما يجمعها ارتكاب الأفعال القبيحة من قتل الآمنين، واستباحة الأعراض، وسرقة الأموال، وتهجير أصحاب الأرض، وتدنيس كل مقدّس.
بن غفير السوري وعاطف نجيب الإسرائيلي!
نجح المشروع الغربي العلماني الليبرالي في إتلاف الهوية العربية الإسلامية التي شكّلت الشخصية المسلمة منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى آلت إلى شخصية هجينة على يد القوميين والعلمانيين. فمنذ أن تمكّن القوميون العرب من حكم الأقاليم العربية والإسلامية برعاية غربية صليبية، حدث مسخ كبير في الهوية العربية الإسلامية، كما وقع ظلم كبير على الأعراق المسلمة -غير العربية- التي أسهمت إسهامًا عظيمًا في بناء الحضارة العربية الإسلامية.
ظلم اللسان!
وفي الوقت ذاته، تعرّضت اللغة العربية لظلم بيّن، حيث جرى اختطافها لصالح مفاهيم عرقية، رغم أنها مفردة إسلامية أصيلة، وهي لغة القرآن الكريم، ولم تكن يومًا معبّرة عن العرق العربي وحده. بل إن من خدمها من غير العرب كان لهم إسهام كبير في رعاية العلوم الإسلامية وحفظ النصوص القرآنية والحديثية، انطلاقًا من كونها لسان القرآن العظيم. علاوةً على كذب القوميين العرب في توصيفهم وتفسيرهم للعروبة والعربية، حيث خالفوا رؤية الإسلام وفهم نبيّه الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال: «من تكلّم العربية فهو عربي، وإنما العربية اللسان»، فنفى عنها العقيدة العرقية البغيضة.
فتح الشام وواجب الوقت لدى العلماء.
بعيدًا عن السلطة الحاكمة في سوريا الجديدة، وما تخضع له من إكراهات سياسية، وما يشوبها من إرث إشكالات ثورية، وعُقد اللون الواحد، والتنافس والندية السياسية، فإن مساحة العمل الدعوي والبناء والإصلاح والتغيير أمام العلماء اليوم كبيرة. وهذا من ثمار التحرير الذي جاء نتيجة تضحيات جسام، قدّمها ملايين الشهداء الكرام عبر عقود طويلة، وكان من أبرز محطاتها ما وقع في حماة عام 1982.
إعادة تشكيل الهوية وفق المنهج القرآني لا صنم القطرية.
إن واجب الوقت بين أيدي العلماء اليوم هو إعادة بلورة الهوية الجمعية لأهل الشام، كما كانت منذ أن فُتحت على أيدي الصحابة الكرام؛ فهي هوية قائمة على معاني الدين، ورابطتها أخوة إسلامية عقدية، وليست انتماءً قطريًا ضيقًا. وقد أسهمت القومية العربية في تحويل الانتماء إلى إطار عرقي جاهلي، مما أضعف الوعي الديني، وأدى إلى نتائج سياسية ومظالم اجتماعية، فيما غُيّبت استحقاقات ودلالات الهوية الإسلامية.
إن الهوية السورية، انطلاقًا من الرؤية الإسلامية، تختلف في جوهرها وآثارها عن الهوية المبنية على المفهوم الوطني الضيق. فالأولى تستوعب الجميع ضمن إطار قيمي منضبط يحقق العدالة ويحفظ حقوق الموافقين والمخالفين، بينما الثانية تفتح المجال لعودة أنماط من الاستبداد بعد أن يتسلل لمواطن القرار الطائفيون ووكلاء الغرب وأتباع دين العلمانية من أبناء الوطن الواحد، إذا لم تُضبط بقيم عليا حاكمة مستمدة من الوحي، واعية بالواقع والعصر.
الهوية الوطنية وإشكالية المفهوم.
إن الهوية الوطنية ثقب أسود يبتلع حاضر المسلمين ويمنع نهضتهم عندما تنفصل عن القيم والأحكام الإسلامية، بل قد تتحول إلى إطار هش لا يمنع التناقضات، بل يسهم في إنتاجها ويعيد منح الفرصة لتسلل المجرمين والطائفيين المعادين لثقافة المسلمين، لا سيما وأن المفاهيم الوطنية الجاهلية الحديثة وليدة التجربة الغربية ومختلفة عن تجارب المسلمين منذ بعثة النبي وحتى زوال دولة الإسلام. ومن هنا، فإن الحاجة ملحّة إلى بناء تصور متوازن للهوية يجمع بين المنطلقات والأحكام وبين الانتماء الجغرافي والقبلي المضبوط بقيم إسلامية وأخلاق إنسانية ورؤية سياسية ناضجة وواعية.
الرهاب الطائفي وسيف العلمانية مسلطان على رقاب العلماء!
لم تعرف الحضارات البشرية نموذجًا في استيعاب التنوع كالنموذج الذي قدّمته الحضارة الإسلامية في التاريخ، حيث أسهمت شعوب المسلمين من العرب والترك والكرد والأمازيغ وغيرهم في بناء منظومة حضارية متكاملة. وقد كان هذا الانصهار الفريد مصدر قوة، لا عامل ضعف، لأنه قام على قاعدة قيمية مشتركة عمادها توحيد الله.
إن استعادة هذا التوازن تظل مرهونة بقدرة النخب العلمية والفكرية والدعوية على إعادة بناء الوعي، وترسيخ المفاهيم الجامعة التي تحفظ الدين وترعى الإنسان، وتؤسس لمجتمع متماسك، وهو ما يتحقق عندما يكون منهج التوحيد ممثلًا في السلطة والمجتمع، يرعاه العلماء ويسهر على حمايته الحكام دون خضوع للغرب.
مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 27/4/2026
د. أسامة الأشقر يكتب: الكرامة على هيئة قطّة!
الكرامة على هيئة قطّة!
د. أسامة الأشقر
تأتيني دائماً أنباء الكرامات التي كان عليها أهل الثغر، وتصلني من مصادر عديدة، وكثيرون لا أعرفهم، وأحسب أنهم من الصادقين، ولكنني ألزمتُ نفسي ألّا أكتب هنا إلا ما علمتُ مصدره عن يقين، وعرفتُ راويه، وتكاملتْ عندي القناعة بثقة روايته.
وقد ورَدَني من بعضهم عجيبة من العجائب، إذْ يحكي لي صاحبي الثقة عمّن كان في هذه الواقعة، أنهم كانوا خمسة من المقاتلين قد ألجأتهم المعركةُ إلى منزل خالٍ، فتسلّلوا إليه خفية، ثم استتروا في سدّة “علّية” هذا المنزل فوق مطبخ مشرف على صالة المعيشة، وهي بمساحة مترين في متر، فإذا بمجموعة من جنود العدو تدخل هذا المنزل، وتحوّله إلى مركز عمليات ميدانية، يراقبون فيه، وينامون، ويطبخون، على مدار الساعة لا يغادرونه.
يقول محدّثي: بقينا في هذا المنزل وفي هذه العلية ثلاثة عشر يوماً، نأكل من مخزون العلّيّة الذي تركه الناس فيها قبل نزوحهم، وبالقليل من الماء الذي نحمله معنا، والذي لا يكفينا إلا لأيام قليلة برشفة صغيرة نبلّل بها شفاهنا ورِيقَنا، ونتبلّغ بالقليل إلى جوفنا حتى انتهى ما لدينا، فغامر أحدُنا بالنزول من العلّيّة، فكان أكثرُ الجنود راقدين، وبعضهم يلعب في جوّاله لكنّ عينه إلى النوافذ يراقب ما هو خارج المنزل، فنزل، وحمل قليلاً من الماء، فصدر صوتٌ من القارورة البلاستيكية التي حملها، فاختبأ سريعاً، فخشينا أن يكشفه العدوّ، فتجهّزنا للموت، فإذا بقطّة صغيرة تموء في المكان، فضحك الجنود لذلك، ونسَبوا إليها هذه الضوضاء، وعادوا إلى أحوالهم، وعجِبنا من أمر هذه القطّة التي جاءت في هذا التوقيت لإنقاذنا بأمرٍ من ربّنا سبحانه.
وقد كنا نتهامس فيما بيننا، ونقرأ القرآن، وندعو الله كثيراً، ونصلّي على رسول الله كثيراً رجاء أن يُكفى همّنا كما في حديث أبيّ بن كعب: إذنْ تُكفى همَّكَ، ويُغفرَ لك ذنبُك؛ وكان هؤلاء الجنود قد جلبوا معهم مولِّدين للكهرباء لهما صوتٍ عالٍ مزعج، فلم يكونوا يسمعوا من همسنا أو حركتنا شيئاً.
وقد كنا نحرص على التيمّم، ولا نكاد نخرج من أجوافنا شيئاً إلا كل بضعة أيام، ونحن محصورون في تلك العلية، فطعامنا قليل، وماؤنا عزيزٌ.
وقد وقعت عين أحدِنا على عيني جندي أثناء تريّضه بتمارين الضغط وهو رافعٌ رأسه، والعجيبُ أنّه لم يره، وقد تكرّر ذلك عدة مرات.
وفي اليوم الثالث عشر أذِن الله بالفرَج، ورفع عنهم الحرج، فكان أنْ صلى أحدُهم الفجرَ، ثم رقد، فرأى والده وكان قائداً كبيراً ارتقى في هذه المعركة، فقال له مُبشّراً: ستُفرَج اليومَ، ولكن الزموا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأيقظ رفاقه، وبدأوا معاً يصلّون على النبيّ، فلم تمض ساعات قليلة حتّى حزم العدوّ متاعه، وانسحب من المنطقة كلها، فعاد المقاتلون سالمين جميعاً إلى محالّهم.
وقفات مع آيات (23).. الغافلون عن الآخرة

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
يعلّق ابن كثير على هذه الآية بأنهم حذّاق أذكياء في تحصيل شؤون الدنيا، غير أنهم مع ذلك غافلون عن الآخرة. فلديهم معرفة دقيقة بظواهر الحياة ومعايشها: من تجارة، وزراعة، وصناعة، وعلوم مادية، وتنظيم إداري، وتقدم تقني وحضاري؛ غير أن ذلك كله لا يلزم منه أن يكونوا على هدى في أمر الغاية الكبرى، ولا في معرفة الله، ولا في الإيمان بالآخرة وما ينفعهم فيها.
وقد رأيت في طوكيو مشهدًا لافتًا يختصر هذا المعنى. كنت أسير في أحد الأسواق المكتظة، فرأيت بين المحلات الصغيرة مدخلًا ضيقًا، فدخلت منه لأتعرّف ما وراءه، فإذا هو معبد بوذي. وهناك استوقفني مشهد أحد كبار السن وهو يدخل المكان؛ إذ انحنى أمام تمثال بوذا انحناءً شديدًا، في هيئة خضوع ظاهرة، ثم وضع بعض النقود في موضع مخصص لذلك، وسحب حبلًا مربوطًا بناقوس فأصدر صوتًا، ثم أنهى طقسه وخرج متراجعًا إلى الوراء، ووجهه إلى التمثال، في هيئة توحي بالتوقير والتقديس.
وهذا المشهد يكشف مقدار الخلل في جهة التعبد؛ إذ قد يبلغ الإنسان شأوًا عظيمًا في التنظيم، والدقة، والتهذيب الشكلي، ثم يضل في أعظم قضية: لمن يكون الخضوع؟ ولمن تُصرف العبادة؟
والبوذية ذات حضور تاريخي وثقافي قوي في اليابان، غير أن هذا لا يعني دائمًا التزامًا فرديًا يوميًا أو اعتقادًا صارمًا، لأن الانتماء الديني هناك كثيرًا ما يكون في جانب الطقوس والانتماء الثقافي أكثر من كونه عقديًا خالصًا.
ورغم التقدم الياباني الكبير في التقنية والعلم والتنظيم، فلا يصح أن يظن ظان أن هذا التقدم المادي يكفي وحده لصناعة الهداية.
فالتفوق العلمي شيء، والهداية إلى التوحيد شيء آخر. وقد ترى مجتمعًا بلغ الغاية في الإتقان الصناعي والنظام الحضاري، ثم بقي في باب الدين بين طقوس موروثة، أو تدين ثقافي شكلي، أو لا مبالاة أصلًا بالدين وقضاياه الكبرى.
ولا تقف آثار الغفلة عن الآخرة عند باب التصورات والطقوس، بل قد تمتد – حين تضعف المرجعية الإيمانية – إلى باب القيم والسلوك، وإن اختلف ذلك من فرد إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى.
وقد حدّثني أحد الفضلاء، ممن عاش في طوكيو زمنًا غير يسير، عن بروز بعض الأنماط الاجتماعية والأخلاقية الغريبة في بعض البيئات، وأن النزعة المادية صارت عند بعض الفئات ظاهرة لافتة، ولو كان ذلك على حساب القيم، والحياء، والاستقامة.
يقول: “تنتشر الآن في أوساط بعض الطالبات في الثانوية والجامعة علاقات عابرة مع أغراب بمقابل مادي، من أجل تحسين الدخل وزيادة الرفاهية الشخصية. وهن لسن ممن يمتهنّ الدعارة؛ فذلك عالم آخر، ولسن يفعلن ذلك مع أصدقاء كما هو منتشر في بعض المجتمعات الغربية، لكنها سلوكيات جديدة وشاذة، تعبّر عن غلبة حب المال، ولو تطلّب الأمر معاشرة الغريب”.
وأوضح صاحبي أنه وزملاءه تعرّضوا لمواقف كثيرة من فتيات في سن الدراسة، كنّ يعرضن أنفسهن بصورة واضحة ومباشرة، دون حياء أو تردد.
إن مثل هذه السلوكيات تمثل شاهدًا على أن التقدم المادي لا يمنع بالضرورة الانحدار الأخلاقي، وأن الحضارة التقنية لا تعني حتمًا سلامة الروح، ولا استقامة الفطرة.
فالآية تكشف محدودية العلم الدنيوي إذا انفصل عن الإيمان، وان الانسان قد يعرف كثيرًا من قوانين المادة، ويبرع في الصناعة والتنظيم، ثم يجهل أعظم الحقائق: من ربّه؟ ولماذا خُلق؟ وإلى أين المصير؟



