الأحد، 16 أغسطس 2026

مصر الجائزة (٢)

مصر الجائزة (٢)
د. عبد العزيز كامل
رياح التغيير
مشاريع بلا مشروعية.. ومشروعية بلا مشاريع


لأول مرة بعد انتهاء العهد الاشتراكي في مصر، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية راغبة في إجراء تغيير حقيقي في ذلك البلد، وهو ما يدخل ضمن التوجه نحو التغيير الجذري في المنطقة كلها. والتغيير الذي ترمي إليه الولايات المتحدة قد لا يكون عاجلاً، ولكنها تريده شاملاً ومفتوحاً على النواحي السياسية والثقافية والإعلامية والتعليمية. وقد وقع الاختيار على مصر ـ كما تشير التطورات والتصريحات ـ لتكون محوراً لبناء نظام عربي جديد، يتواءم مع النظام العالمي الجديد، القائم على هيمنة أمريكية على المستوى الدولي، وهيمنة إسرائيلية على المستوى الإقليمي.

وهذا التغيير، لن يكون كله بالضرورة في ظل المرحلة الراهنة، بل إن المؤشرات تشير إلى توجه نحو إنشاء أو تقوية جهات أو منظمات أو أحزاب علمانية أو ليبرالية جديدة تقبل التعامل المباشر مع الأوامر العليا والتوجهات الخاصة للولايات المتحدة، دونما تحرج أو استحياء. وهناك العديد من منتديات وفعاليات العمل السياسي، تعرض نفسها للقيام بهذا الدور، وقد تشجعها أكثر تلك الإشارات التي بعثت بها الولايات المتحدة عن طريق وزيرة خارجيتها كوندليزا رايس، حيث طلبت من لجنة بالكونجرس الأمريكي أن تدرس تحويل المعونة الأمريكية السنوية التي تتسلمها الحكومة المصرية منذ إبرام معاهدة السلام مع (إسرائيل) والبالغة ملياري دولار، إلى منظمات المجتمع المدني والفعاليات السياسية المتطلعة إلى التغيير، وهو ما سيدفع ـ إن حدث ـ تلك الأحزاب والمنظمات المدنية إلى التنافس فيما بينها لاسترضاء أمريكا لأجل الحصول على حصتها من هذه (المعونة) .

إلا أن التغيير المرجو عن طريق تبني قوى جديدة، قد يستغرق وقتاً؛ ولهذا فإن الخيارات الأمريكية تظل محدودة في الوقت الحاضر، وهو ما يفسر التضارب بين إشاراتها بتبني هذه الجهة أو تلك، في المرحلة الحالية.

وأياً كانت الرهانات الراهنة للموقف الأمريكي؛ فإن الولايات المتحدة تريد أن تضمن استمرار وتطوير مصالحها التي ظلت تجنيها منذ التحول المصري إلى المعسكر الغربي بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م، وإبرام معاهدة السلام مع الدولة اليهودية. 

وهذه المصالح تتلخص في:

١ - الحفاظ على نظام علماني خالص، قوي أمنياً، وضعيف اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، بما يضمن بقاء مصر بعيدة عن احتمال التحول إلى طليعة نهضة إسلامية أو عربية من أي نوع: اقتصادي أو سياسي أو عسكري أو حتى اجتماعي.

٢ - استمرار الأوضاع الضامنة لأمن (إسرائيل) ، بحيث لا تصل أي قوة إلى السلطة تنقض ما فرضته الولايات المتحدة من (سلام) ثنائي راهنت أمريكا ـ ولا تزال ـ على تحويله إلى استسلام عام يحول دون الوقوف أمام مشاريع الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية.

٣ -
الإبقاء على الدولة المصرية، شريكاً فعالاً في حرب أمريكا العالمية على ما تسميه بالإرهاب، وهي الحرب التي يُنتظر من النظام القادم في مصر ـ أياً كان ـ أن يقوم بدور بارز فيها على المستوى الإقليمي لفترة ربما تطول، لشمول هذه الحرب، وكونها تستهدف تغييراً عميقاً في بنية الشعوب العربية، لا يقوى على التعاون الفعال فيه إلا بلد مؤثر كمصر.

٤ - استمرار الاستفادة من إمكانات مصر الاستراتيجية، جغرافياً وعسكرياً لخدمة مشروعات الهيمنة العالمية لأمريكا، والإقليمية لـ (إسرائيل) .

٥ - ضمان الإبقاء على حالة العجز والوهن العربي والإسلامي الراهن، الناتج عن عزل دول الريادة ـ ومنها مصر ـ بعضها عن بعض، وإشغالها بهموم داخلية وقضايا هامشية تأخذها بعيداً عن أي تحرك فاعل تجاه أي تطورات جادة تطرأ في المنطقة في المستقبل المنظور: (السودان ـ سوريا ـ لبنان ـ ليبيا ـ دول الخليج ـ اليمن) .

ولكن أكثر الناس في مصر ـ فيما يبدو ـ تستغرقهم تفاصيل اللحظة، وربما غاصوا في فرعيات وجزئيات تلهيهم عما وراء التحرش الأمريكي الذي تحركه نوازع الهيمنة الإمبراطورية التي تضع مصر في قلب حركة التغيير ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهو المشروع الذي لن يقوم إلا على ذلك التحالف غير المقدس، بين العلمانيين وأعداء المسلمين.

- العلمانية في المشهد المصري الراهن:

ألقت مأساة غزو العراق أول حجر في البِِركة السياسية الراكدة في مصر، مثلما ألقتها في بِرك عربية عديدة أخرى، حيث حركت تلك المأساة الضمائر وأيقظت المشاعر ليتساءل الناس: ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك الوضيع..؟ 
وما السبب في تتابع الهزائم في ظل أنظمة جاءت لأجل التحرر والاستقلال؟ 
وهل هذه الأنظمة مستقلة حقاً؟.. 
وهل كانت مشاركتها في صنع هذا الهوان مشاركة اضطرار أم اختيار؟! 
وهل كانت كلها في غفلة نائمة ... أم أن بعضها كانت في يقظتها خائنة؟ 
وهل استفادت واعتبرت.. أم أنها تمادت واغترت؟! هل هناك متسع للتدارك والإصلاح والتغيير ... أم كل ذلك لا يُنتظر إلا على يد الغير؟!

وقد أضافت ضغوط المشكلات في الداخل ـ في مصر وغيرها ـ جرعات من الشعور بالضيم تجاه التحديات من الخارج، فأصبحت كل التساؤلات تؤول إلى التنادي بالتغيير والتطلع للإصلاح. وصادف هذا تنادياً وتطلعاً أمريكياً إلى «الإصلاح» والتغيير، ولكن وفق برامج معادية في أجندة مغايرة، عرف الجميع الآن معالمها الرامية إلى تغيير القيم وتوطين الوهن.

ولكن طرفاً ثالثاً وجد في شعار الإصلاح والتغيير مناسبة سانحة للقيام بدور ما، وهذا الطرف هو قوى العلمانية المهمشة، التي لم تجد طريقها بعد إلى القوة والسلطة، وهى قوىً؛ بعضها هرمة تجاوزها الزمن، وبعضها فتية تراهن على تقلبات الزمن. 
وبين هذه وتلك، لا يكاد المرء يرى اهتماماً بما وراء شعارات الإصلاح والتغيير الأمريكي ـ مما سبق ذكره ـ ولا يكاد يسمع حديثاً عن الهوية المستهدفة لهذه الأمة باسم ذلك الإصلاح والتغيير وهي الهوية الإسلامية.

في مصر الآن ٢١ حزباً رسمياً، ونحو ١٥ حركة سياسية غير رسمية، كلها تنادي بالتغيير والإصلاح، والغالب عليها كلها، أنها ذات منطلقات علمانية، ليبرالية أو يسارية أو ناصرية أو قومية أو شيوعية، وكلها ـ باستثناء حزب العمل والإخوان المسلمين ـ يعملون للوصول إلى السلطة القادمة أو المشاركة فيها لصنع المتغيرات، بنَفَس علماني، وفكر لا ديني، مع أن هذا التيار العلماني يعلم علم اليقين، أنه مجرد «تيار» يسير عكس طوفان بشري لا يزال مخلصاً لدينه، متشبثاً بشريعته، راغباً في حمايتها والحياة تحت مظلتها، غير رهَّاب من إرهاب الحرب الأمريكية، ولا هيَّاب من مواجهة خطتها التغييرية الشريرة التي تستهدف فرائض الشريعة وثوابت العقيدة وأمهات القيم والأخلاق، إضافة إلى استهداف كل ثمين وغالٍ قي الثروات والمقدرات.

إننا أمام منظومات فكرية علمانية جديدة، لا ندري ماذا ستفعل في المرحلة المقبلة، إلا أننا نعلم أن أمثالها درج على امتداد عقود متطاولة مضت ـ في مصر وغيرها ـ على احتكار السلطة، والاستئثار بالثروة، والانتداب لتحديات ليست لها ولا أهلها، مع إصرار فظيع على (نفي الآخر) إذا كان إسلامياً، وعدم القبول بـ (التعددية) مع أي توجهات دينية، وهي منظومة طالما مارست (الإرهاب) بكل معانيه الجسدية والنفسية والفكرية، مع كل الاتجاهات الإسلامية، التي لم تحظ يوماً بكامل (حقوق المواطنة) أو أقل فرص (حرية التعبير) أو أدنى حدود التمتع بما تكفله ـ حتى الدساتير العلمانية ـ من حرية تكوين الأحزاب وإنشاء الجمعيات والمنتديات والصحف والمجلات.

ونحن أمام حراك حقيقي في مصر، ولكنه قد يكون حراكاً نحو مزيد من الخصومة بين الدين والسياسة، ومن ثم بين السياسة ومصالح الأمة، إذا استمر هذا الحراك على صورته الحالية، شبه الخالية من المشروعات التغييرية الإسلامية التي تعكس القدر الحقيقي لثقل مصر الإسلامي.

إن الليبراليين والعلمانيين ـ في مصر وغيرها ـ أصبحوا من حيث يدرون أو لا يدرون، واقفين في خندق واحد مع الموقف الأمريكي المعادي للأمة، والذي ينطلق من رؤى هنتنجتون وفوكوياما، وبرنارد لويس التي تعد الإسلام هو «الأيديولوجية» الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه المنظومة الفكرية الغربية في صيغتها وصبغتها الإمبريالية الأمريكية. وهؤلاء الليبراليون والعلمانيون الذين ينحازون اليوم إلى المنظومة الفكرية الغربية في تجلياتها الأمريكية، لن يجدوا تجسيداً لهذا الانحياز إلا بالوقوف في وجه التوجهات الإسلامية نحو العودة إلى الهوية؛ ذلك أن مناطحة الإسلام اليوم ـ كما كانت بالأمس ـ تسير على محورين: أحدهما: محاولة الإخضاع السياسي والأمني، وهي ما أسمته أمريكا الآن (حرب الإرهاب) . والثاني: هو محاولة الاختراق الفكري والقيمي، عبر ما أسمته أمريكا أيضاً (حرب الأفكار) .

لا شك أن هناك طوائف وطوابير لن تتردد في الوقوف خلف برامج الحرب الأمريكية، بشقيها، دون أدنى تحرج أو حياء(كما حدث في أفغانستان والعراق) وهنا سيحتاج الأمر إلى رفع شعارات خادعة، تتغنى بالإصلاح وتمني بالتغيير.

-العلمانيون و «الإصلاح»:إجماع المختلفين:

بالرغم من أن الغرب يصنف مصر ضمن النظم العلمانية، وبالرغم من أن الممارسات القولية والعملية منذ إلغاء المحاكم الشرعية عام ١٩٥٤م لا تنفي ذلك؛ فإن هناك جيلاً من العلمانيين غاضب على ما يعتبره مسلكاً مهادناً للدين؛ فهم يريدونها علمانية متطرفة تعلن الحرب على الدين ولا تتسامح مع نشاط المتدينين، كعلمانية أتاتورك أو عبد الناصر.

ومن العجيب أن الأطياف العلمانية في مصر، تختلف فيما بينها حول أمور جوهرية كثيرة، إلا أنها تكاد تتفق على استبعاد الإسلام من أي برنامج إصلاحي.

وفي الأجواء المحمومة المنادية بالتغيير في الآونة الأخيرة، انبرى الشيوعيون اليساريون الذين يحظون دون الإسلاميين بحزب رسمي معترف به للآن في مصر الإسلام؛ للمناداة بـ (الإصلاح) وأصدروا في ذلك مبادرة تتضمن ستة بنود: ثلاثة منها تتعلق بقضايا: (تجديد الخطاب الديني) و (حقوق النساء) و (التجديد الثقافي) والباقي عن الإصلاح السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية. وحديثهم عنها ـ لمن تأمل ـ هو مجرد صدى شيوعي مهزوم، لدعوات الإصلاح الأمريكي المزعوم.

وما يهمنا هنا من هذه المبادرة، هو البنود الثلاثة الأولى، حيث يتساءل المرء: ما عسى أن يكون «الإصلاح» الشيوعي في قضايا مثل: تجديد الخطاب الديني، وحقوق المرأة، والتجديد الثقافي؟! وهم الذين أجرموا في حق الأمة ـ في مصر وغيرها ـ بشأن تلك القضايا على وجه الخصوص؛ إنهم ـ وفيما يتعلق بتجديد الخطاب الديني ـ ينادون بـ «تجديد المضمون الديني» نفسه لكي يصبح ـ كما تنص مبادرتهم ـ قادراً على تنشيط الاجتهاد الإنساني في تفسير وتأويل النصوص. وينادي اليساريون أيضاً بـ «حرية العقيدة» التي تعني عندهم: «رفض أي تمييز على أساس الدين» وتعني: «التمسك بالطابع المدني للنظام والحكومة المدنية و (التشريع المدني) وهو ما يعني صراحة: استبعاد الدين عن النظام والحكومة والتشريع؛ فهذا هو المقصود بتعبير (المدني) في الخطاب اللاديني، وكأن هذه المعاني غائبة حتى يطالبوا باستدعائها.

أما بالنسبة لما وصفوه بـ (حقوق النساء) فإن اليساريين ـ باسم الإصلاح ـ ينادون بتنقية قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية (الوضعية) وكذلك تشريعات الأحوال الشخصية مما أسموه بـ «قيم الثقافة الرجعية المعادية للنساء» !

وينعى اليساريون الطامحون إلى حكم مصر أو المشاركة في حكمها من جديد، على من وصفوهم بـ «الظلاميين المتسترين بالدين» أنهم ينظرون إلى المرأة على أنها عورة، في مقابل نظرة «الانفتاحيين» من غير الشيوعيين، الذين ينظرون إليها على أنها سلعة. 
وفي الحالتين ـ كما تقول المبادرة ـ يجري قهر المرأة معنوياً وجسدياً وقانونياً. 
وتخلص المبادرة إلى ضرورة مساندة الحركة النسائية المصرية، من أجل: 
«تعديل فلسفة التشريع» وإصدار قانون جديد يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث وفي المناصب العامة، بما فيها بالطبع، الولاية العامة!

أما في المجال الثقافي، فهم ينادون ـ في لمز واضح بالصحوة الإسلامية ـ بتضييق الفجوة بين النخبة المبشرة بالعقلانية والمنهج النقدي، وبين القاعدة الشعبية، ويطالبون بالحد من «ثقافة التخلف» التي روجت لها «مطبوعات الرصيف الرخيصة» وكذلك: «ثقافة التعصب والكراهية التي شقت لنفسها مجرى عميقاً في نسيج المجتمع» . 
وطالب اليساريون بوضع خطة شاملة لمقاومة ما أسموه «ثقافة التخلف» ونقد ومواجهة «كل ما هو قائم على تخلف ورجعية، بفضح آلياته، وخاصة في وسائل الاتصال الجماهيري» ونادوا برفع «كل الخطوط الحمراء» عن حرية الثقافة والإبداع الأدبي والفني والعلمي. والسؤال هنا: هل هذه مبادرة إصلاحية، أم جولة «إعادة» ثأرية مع الصحوة الإسلامية؟ وما الفارق بين هذه البرامج والشعارات الشيوعية، وبين ما تطرحه برامج «الإصلاح» الأمريكية..؟!

لم ينسَ الشيوعيون واليساريون الذين تجاوزهم التاريخ وقزَّمتهم الجغرافيا، أن يُضمِّنوا خطتهم للإصلاح أطروحات وشعارات «ثورية» ، تحاول تذكير الناس بأنهم شيء مختلف عن «عملاء أمريكا» ، مثل: دعم المقاومة.. تفعيل المقاطعة.. تطوير الجامعة العربية.. النهوض بالتنمية.. بعث (الوحدة) العربية.. إلخ، وهي كلها شنشنة نعرفها من أخزم، الذي ملك فأضاع.. وحكم فظلم.. وحارب فانهزم.

لا تزال لهؤلاء منابرهم (الرسمية) ولا يزالون ـ دون سائر الإسلاميين ـ مسموحاً لهم، بأن يمارسوا السياسة على أعلى مستوياتها، من خلال حزب وصحيفة ودعم حكومي.

هذا عن العلمانية اليسارية.

أما العلمانية الليبرالية (١) ، التي تحاول احتكار شعار (الإصلاح) ؛ فإن الليبراليين يعبِّرون عن هذا عن طريق نشاطهم الحزبي أو الفردي، وهناك خلافات بينهم؛ فمنهم من يعتقد أنه سيكون له الدور الرئيس في قيادة الدفة من خلال «الليبرالية الجديدة» التي تتبناها أمريكا الآن في العالم الإسلامي، وهناك من يعتقد ـ كحزب الوفد الليبرالي القديم ـ أنه صاحب أكبر تجربة علمانية حكمت مصر حكماً ليبرالياً في العهد الملكي.

وهناك تيارات علمانية أخرى مثل مركز ابن خلدون للدراسات، الذي يترأسه الدكتور سعد الدين إبراهيم. ولهذا المركز دور مشبوه تقف وراءه دون مواربة الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهو يقوم بتكليف منها بتنظيم ملتقيات تهدف إلى إرساء ما أسموه (الإسلام التنويري) يشارك فيها مفكرون متهمون في دينهم، ويطلقون على أنفسهم وصف (الإسلاميين التنويريين) من أمثال سيد القمني، وجمال البنا، ومحمد شحرور، ومحمد عبد الكريم، وغيرهم؛ حيث تتركز طروحاتهم حول العديد من أفكار الزندقة الواضحة، كاللمز في الرسالة، والتشكيك في الوحي، والطعن في الصحابة، وتجهيل علماء الأمة، وتشوبه التاريخ، ويطالب هؤلاء بوضع أطر جديدة لما يوصف بـ (تجديد الفكر الديني) و (مراجعة التراث الإسلامي) ، ليكون ذلك فتحاً لباب «الاجتهاد حسب المتغيرات» . وتمخضت لقاءاتهم عن دعوات جريئة لـ «تغيير الإسلام» من الداخل، تطبيقاً لما جاء في تقرير (دولارات وعقول وقلوب) ، فصدرت عنهم دعوات مباشرة لإيقاف الجهاد وإلغاء الحجاب وحد الردة بدعوى (مناقضتها للشريعة) . ومن المشروعات الفكرية لسعد الدين إبراهيم إيجاد تيار إسلامي يقتصر على القرآن فقط دون السنة، وهو ما دعا إليه تقرير معهد (راند عن الإسلام المدني الديمقراطي) .

وقد أعلن سعد الدين إبراهيم نيته ترشيح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية في نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠٠٤م، ولكنه تراجع بعد الشروط التعجيزية التي فرضها تعديل المادة ٧٦ من الدستور، والتي فُرغت من مضمونها لضمان عدم إيجاد فرص لأحد من خارج الحزب الوطني للمنافسة في منصب الرئاسة.

ولا شك أن (نموذج) سعد الدين إبراهيم، أحد الخيارات الأمريكية في المرحلة المقبلة، وهو وإن تقلصت فرصته شخصياً في الرئاسة؛ فإن المجال مفتوح أمامه لتفريخ المزيد من الكوادر العلمانية القادرة على التأثير مستقبلاً من خلال ما يلقاه من دعم مادي ومعنوي لمركز الأبحاث التابع له.

وما يقال عن سعد الدين إبراهيم، يقال قريباً منه ـ من حيث النموذج ـ عن نوال السعداوي، التي أعلنت منذ مدة أنها سترشح نفسها للرئاسة، إلا أن أحلامها تبخرت، وبقي من ذاكرة هذه الأحلام أن الدستور المصري لا يمانع من أن يكون منصب الرئاسة لامرأة، لا تملك من مؤهلات الولاية الشرعية أي شرط!

وبالمناسبة فإن هذا الدستور لا يضع قيوداً على أن يتولى الرئاسة أشخاص معارضين صراحة وعلناً لشريعة الإسلام، من أمثال رؤساء الأحزاب اليسارية والشيوعية، الذين لا يمنعهم من التقدم لمنصب الرئاسة إلا قلة المؤيدين!

وقد برز في الآونة الأخيرة من بين الليبراليين اسم الكاتب الصحفي (أيمن نور) الذي استطاع بعد حصوله على الموافقة القضائية أن يؤسس (حزب الغد) منشقاً بذلك عن حزب الوفد العلماني الليبرالي القديم، وقد انفصل أيمن نور عن الوفد بعد وفاة زعيمه فؤاد سراج الدين، واختلافه مع الزعامة الجديدة للحزب، وقد انحاز إليه فريق من شباب حزب الوفد، وتصاعد نجمه بعد أن أعلن عزمه على الترشيح لرئاسة الجمهورية، ولم يجد الحزب الحاكم وسيلة للحد من لمعانه إلا باتهامه رسمياً بتزوير مئات التوكيلات لتأسيس حزبه، وبالرغم من أن هذه التهمة تقدح في (الشرف) الديمقراطي؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعاطفت معه بشكل رسمي؛ حيث تكررت تصريحات الخارجية الأمريكية بضرورة الإفراج عنه، وقابلته كونداليزا رايس خلال زيارتها للقاهرة، وكذلك تعاطف معه الاتحاد الأوروبي وعدَّه رمزاً من رموز الإصلاح في مصر؛ هذا مع أن كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صمتا صمت القبور عن اعتقال رموز إسلامية لمجرد الإعلان عن تنظيم مظاهرات سلمية، بل خرست كذلك عن مجرد التنديد باعتقال المئات بل الآلاف في بعض تلك المظاهرات التي سقط فيها قتلى.

قد يكون أيمن نور شخصاً عادياً لا يحمل مؤهلات الزعامة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر، ولكن متى كان الزعماء في بلاد العرب والمسلمين يحملون تلك المؤهلات في كل الحالات؟

لقد طرح أيمن نور شعاراً مضاداً لشعار الإسلاميين في مصر: (الإسلام هو الحل) .. فأطلق شعاراً مخالفاً هو (الليبرلية هي الحل) ! والوصف الرسمي لحزبه هو (حزب الغد الليبرالي) . ومن غريب اهتمامات أيمن نور أنه درس تفاصيل العمل الإسلامي، من خلال رسالته في الماجستير عن نشاط الجماعات الإسلامية في مصر، من عام ١٩٨٠ إلى ١٩٩٠م، وهو ما يجعله خصماً عليماً للإسلاميين، إذا ظل على عصبيته الليبرالية، وهو لا يخفي اختلافه الجذري معهم؛ فقد قال في لقاء مع صحيفة نيوزويك الأمريكية: «ليس بيننا وبين الإسلاميين شيء مشترك، ولن نشكل تحالفاً معهم» وقال: «إن الإسلاميين لن يصعدوا أبداً إلى السلطة في مصر، حتى لو كانت هناك ديمقراطية» !

وقد حرص على إدخال السرور على الأمريكيين بإسماعهم ما يحبون فقال: «إذا أصبحت رئيساً للبلاد، فسوف يتوقف المصريون عن الحديث عن المسائل التي لا تمت لمصر بصلة» وقال: «لقد أهدرنا ٧٥% من وقتنا نتحدث عن العراق وفلسطين» !

أياً كان المستقبل السياسي لأبرز المنافسين في الرئاسة حتى اليوم ـ أيمن نور ـ فإن احتفاء الأمريكيين والأوروبيين به؛ يعطي إشارات لا ينبغي إغفالها عن المستقبل الذي تريده أمريكا لمصر، ومن ثم للعالم العربي كله.

- التغيير.. نعم.. ولكن!

إضافة إلى الواحد وعشرين حزباً رسمياً؛ يتتابع في الآونة الأخيرة الإعلان عن حركات عديدة تنادي بالتغيير، والقاسم المشترك بينها، أنها تريد تغيير الوجوه والسياسات التي (اكتفى) الناس منها في مصر، بعد نحو ربع قرن من الرتابة التي لا تلائم أبداً التسارع المذهل للتطورات في العالم على كل صعيد.

ولعل اتفاق غالبية الناس على هذا الاكتفاء، هو الذي أعطى للحركة المصرية من أجل التغيير المشهورة بـ (كفاية) ذلك القبول وتلك الشهرة داخلياً وخارجياً، فقد اختصرت في كلمة واحدة معانيَ تُملأ بها الصفحات وتطول البيانات، ولكن تلك الحركة مع ذلك لا تملك برنامجاً للتغيير، ولا تنوي أن تتحول إلى حزب، ولكنها مجرد ائتلاف من عدد من الأفراد المختلفين في التوجهات، على مطلب عدم التجديد أو التوريث. وقد اختارت الحركة (جورج إسحاق) أمين المدارس الكاثوليكية في مصر، منسقاً لها، وهي تضم في قيادتها أفراداً من اتجاهات شتى (ماركسيين ـ قوميين ـ ناصريين ـ نصارى ـ مستقلين ـ إخوان مسلمين ـ منشقين عن الإخوان المسلمين) ، وهو ما يدل على عدم وجود انسجام فكري بينهم، ومن ثم فلا برنامج لهم إلا مجرد الرغبة في التغيير.

في النهاية لن تكون حركة كفاية ـ رغم صوتها العالي ـ إلا مجرد صرخة أُطلقت في وادي الصمت، أو حجر أُلقي في بِركة الركود، ولهذا تتابعت بعدها الحركات المطالبة بالتغيير وتداول السلطة واستقلال القضاء وتعديل الحياة الحزبية وإلغاء القوانين الاستثنائية، فأُعلن عن حركة: (صحفيون من أجل التغيير) و (أطباء من أجل التغيير) و (المنظمات المدنية من أجل التغيير) و (شباب من أجل التغيير) و (مهنيون من أجل التغيير) و (فنانون من أجل التغيير) ، و (الحملة الشعبية من أجل التغيير) .

ثم نشأت تحالفات بين بعض الأحزاب والحركات، منها: (التحالف الوطني من أجل الإصلاح) وهو تحالف دعا إليه الإخوان المسلمون، وهدفه ممارسة الضغط السلمي للاستجابة لمطالب الإصلاح، وقد رفضت أغلب الأحزاب الرسمية الاشتراك في هذا التحالف إلا بتمثيل شخصي من بعض أعضائها، دون الانضمام بصفة حزبية رسمية، وأصبح مفهوماً أن التباعد العلماني يهدف إلى إضعاف هذا التحالف الذي جاء بمبادرة من طرف إسلامي، وهو ما يؤشر إلى استنكاف غالبية العلمانيين عن مجرد التعاون في المتفق عليه مع الإسلاميين، وهو ما يثير الشك في جدوى الدعوى التي دعا إليها الكاتب المشهور (فهمي هويدي) إلى ضرورة إنشاء (حلف فضول) بين الإسلاميين والعلمانيين!

ومن التحالفات التي أُعلن عنها مؤخراً أيضاً: (التجمع الوطني للتحول الديمقراطي) وأبرز رموز هذا التجمع رئيس الوزراء المصري الأسبق (عزيز صدقي) الذي شغل هذا المنصب في عهد عبد الناصر، ومن رموزه أيضاً وزير الإسكان الأسبق (حسب الله الكفراوي) وأستاذ القانون (يحيى الجمل) ، ويهدف هذا التجمع إلى فتح الباب أمام التحول الديمقراطي في مصر، وهي دعوة تجيء متزامنة ومتناسبة مع الدعوات التي أُطلقت من الولايات المتحدة بضرورة قيادة مصر للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية. لكن أهم ما ينوي هذا التجمع فعله، هو تشكيل لجنة للاتصال بمختلف القيادات والقوى السياسية المصرية لعقد مؤتمر وطني عام تكون مهمته صياغة دستور جديد للبلاد.

الغالب إذن على هوية تلك التجمعات ومطالبها، هو الطابع المدني الدنيوي الجاف، وهو طابع قد تكون فرضته طبيعة المطالب في هذه المرحلة، وغالبية الإسلاميين يقرون بهذه المطالب، ولكن المحذور هنا أمران:

الأول:
التغافل عن الهوية الفكرية لغالبية الرموز الداعية للتغيير.

الثاني: عدم التساؤل عن نوعية هذا التغيير؛ فلم يقل أحد أن التغيير مطلوب لذاته، أو أن الإصلاح يحدث لمجرد وصفه بأنه إصلاح ... فالسؤال ينبغي أن يُطرح عن كل مفردة من مفردات ذلك التغيير، فإذا كان ثمة مطلب بتغيير الدستور مثلاً، 
فالسؤال هو: تغيير: إلى ماذا..؟ وعلى أية أسس، وبأية مرجعية وعلى يد مَنْ؟! 
فإذا كان الدستور القائم فاسداً؛ فقد يكون الدستور القادم ـ الذي تريده أمريكا ـ أفسد وأسوأ (مثلما يحدث في العراق وما حدث في أفغانستان) ! 
وأيضاً: إذا كانت هناك مطالبة بتغيير الوجوه والبرامج في هرم السلطة؛ فما هي الوجوه الجديدة وما هي برامجها في التغيير؟ فقد يبشر البديل (الجديد) بمستقبل غير سعيد. أيضاً (مثلما يحدث في العراق وما حدث في أفغانستان) !.. 
وهكذا يمكن أن يقال في العديد من المطالب الجوهرية في التغيير والإصلاح مثل (إصلاح الاقتصاد) و (إصلاح التعليم) و (الإصلاح الاجتماعي) 
فهل سيكون إصلاحاً بالفعل، أم أنه مزيد من الإفساد على طريقة الذين قالوا: 
{إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: ١١] 
في حين أن حقيقتهم كما قال الله: {أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}[البقرة: ١٢] ؟.

ومن الناحية الواقعية؛ فإن بعض البدائل المطروحة في ظل علمانية أو ليبرالية أو شيوعية أصحابها، هي بالفعل أسوأ، وهي بالفعل أفسد.

لكن:
 
هل يعني هذا السكوت عن المطالبة بالإصلاح الحقيقي الآن ... ؟ بالطبع لا.. وبالقطع لا.. وإنما المطلوب هو أن يقترن باقتراحات التغيير؛ للبرامج أو على الأقل الضوابط المصاحبة لها، والتي ينبغي ألا تخرج عن ثوابت الدين الذي تدين به الغالبية الساحقة من الأمة، وإلا فإن كل حديث عن حكم الأغلبية واحترام رأي الأكثرية سيكون مجرد وهم أو هراء.

وهنا تبرز أهمية الموقف العام للإسلاميين مما يحدث في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ مصر، وهنا تتأكد أهمية بلورة طرح إسلامي واضح، إن لم يكن في برامج وبدائل التغيير والإصلاح. فعلى الأقل في مراقبة ضوابطها والأسس التي تُبنى عليها.

- لسنا تياراً.. بل نحن أمة:

لا يُعقل أبداً، ولا يليق مطلقاً، أن يظل المعبرون عن الأغلبية الصامتة من الأمة صامتين أيضاً، وأعني بذلك النخب الإسلامية من أهل العلم والدعوة، ورموز الفكر والثقافة والاختصاص من حملة المنهج الإسلامي؛ فهؤلاء هم في الحقيقة طليعة الأمة بحسب تصوراتنا الإسلامية، هم ولاة الأمر إذا مرج الأمر.. وهم أصحاب الفكر إذا شذ أو تضارب أو عُدم الفكر، وهم أهل المشروعية إذا فقدت المشروعية، ولذلك فهم الأوْلى بأن تكون لهم مشاريعهم التي تسندها مشروعيتهم، وهم الأوْلى بالعمل والنشاط والتحرك من كل أصحاب الاتجاهات المنحرفة في العمل والنشاط والتحرك. فإذا كان للشيوعيين واليساريين والقوميين والليبراليين ولسائر العلمانيين مبادراتهم أو برامجهم للإصلاح من منطلقات علمانية، وإذا كان للحزب الحاكم نفسه (استجابة للضغط الأمريكي) رؤيته أيضاً للإصلاح؛ فأين الصوت الإسلامي العام المعبر عن سائر الأمة في هذه الملمة..؟! وأين مشاريعه في التآلف والتحالف، وفي تقديم البرامج وتقويم المناهج؟

قد يُقال إن الإخوان المسلمين يتحركون.. والجواب أن الإخوان المسلمين، ليسوا كل المسلمين، مع الاعتراف لهم بفضل السبق في التحرك من بين الإسلاميين، وحفظ الحق لهم في التحدث وفق برامجهم ورؤاهم التكتيكية أو الاستراتيجية.

إن الإخوان المسلمين ـ مع ثقلهم في الشارع الإسلامي ـ ليسوا إلا فصيلاً من فصائل العمل الإسلامي، يمثلون طيفاً في شعاعه أو عرقاً في دماغه، ولهم ـ ما داموا على هذا ـ كامل الولاء ... وتام الانتماء للجسد الإسلامي العام. أما بقية الإسلاميين والمتدينين من فصائل أهل السنة في مصر ـ والإخوان معهم ـ فليسوا مجرد تيار، بل هم الأمة، والخارجون عن نهجهم العام من بقية الشعب ما هم إلا «تيارات» .. «تيار شيوعي» .. 
«تيار ليبرالي» .. 
«تيار ناصري» 
«تيار ساداتي» .. 
«تيار وطني» 
و.. «تيار قبطي» (١) 
«تيار قومي» .

إن عامة المسلمين وفي طليعتهم الإسلاميون العاملون هم جمهور الأمة في مصر، وهم الأوْلى بالرعاية والنظر في مطالب التغيير لو صدق الديمقراطيون؛ لأن هذا التغيير سينصب حولهم وسيقع عليهم وعلى أجيالهم؛ فمن غير المعقول ولا المقبول أن يفرض العلمانيون أو أحد تياراتهم عليهم واقعاً تغييرياً جديداً تحت ضغط التحرش الأمريكي، سواء كان هذا الواقع في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي أو التعليمي أو الاجتماعي، ومن هنا تظهر دقة المرحلة، وخطورة المواقف العملية المتعلقة بها.

وبالنظر إلى أن الأمر جد ليس بالهزل، فلنا في ذلك الشأن عدد من الوقفات، أهمها:

أولاًِ:
الموقف الأمريكي واضح ومحسوم في تجديد دماء العلمانية والليبرالية في مصر في السنوات والعقود المقبلة، لحساب أمريكا ومشاريعها في المنطقة؛ حيث لن ترضى أبداً بقبول «آليات» الديمقراطية دون «قيمها» التي هي نفسها «قيم» الحضارة الغربية ونمطها في الحياة، وإن استمرار الإعلاء من شأن هذه (القيم) في تجاهل مؤسف لمبادئ الشريعة المناقضة لها، يُعد ـ بقصد أو بدون قصد ـ مشاركة في إنجاح المشروع الأمريكي الهادف إلى محو الشخصية الإسلامية و (تغيير) الدين الإسلامي. والإسلاميون أوْلى الناس في هذه المرحلة باستقلال الشخصية ووضوح الهوية ومواجهة الهجمة الجديدة عليها.

ثانياً: لسنا ملزمين بأن نعد الديمقراطية ـ كأحد تجليات العلمانية ـ ركناً سابعاً في الإيمان، أو سادساً في الإسلام، وشدة انبطاح العلمانيين أمام هجمة الأمريكيين! لا تسوِّغ تحويل الديمقراطية عندنا إلى ما يشبه الفريضة الدينية؛ فبعض «قيم» هذه الديمقراطية المفروضة قسراً، مرفوضة عندنا قطعاً، بل مجمع على رفضها وتحريمها مثل «حاكمية الشعب» دون حاكمية الشريعة، وقبول الآخر «الكافر» بإطلاق إلى حد إيصاله إلى منصب الولاية العامة (٢) والمناداة بـ (التشريع المدني) المنافي للشرع الديني، حتى في الأحوال الشخصية، إلى غير ذلك من المخالفات.

ثالثاً: آليات الديمقراطية من الانتخابات والبرلمانات؛ برغم وجود بدائل عنها في الإسلام؛ فإن ما لا يتعارض منها مع شريعتنا، لا ينبغي أن يُخلط بينه وبين تلك «القيم» الديمقراطية المرفوضة، ولا ينبغي أن يطأطئ الإسلاميون الرأس إجلالاً لها ولا لآلياتها، وبخاصة أن أكثر مفرداتها تعاديهم فـ «التعددية» تقصيهم وحدهم، و «حكم الأغلبية» يتجاهلهم، و «الحريات» محبوسة عنهم، و «حقوق الإنسان» تبحث عن كل إنسان غيرهم، و «قبول الآخر» يتجهمهم، و «المجتمع المدني» لا يتعامل بالعسكرية الصارمة إلا معهم.

رابعاً: ليست هناك علمانية أصيلة وأخرى عميلة، فالعلمانية كلها نقيضة للإسلام، وإضفاء المشروعية على أي علمانية، هو ـ بقصد أو بغير قصد ـ إضفاء للمشروعية على الخطة التغييرية الأمريكية؛ لأن العلمانية في ثوبها الجديد (الليبرالية) هي الأداة الأمريكية المفضلة للتغيير في الشرق الأوسط الكبير، وإضفاء الشرعية على العلمانية المعارضة أيضاً، لا يقل خطأ أو خطراً عن إضفاء الشرعية على العلمانية المتسلطة، أو العلمانية الأمريكية المستوردة.

خامساً: لا يعني عدم إضفاء الشرعية على العلمانية كمناهج وبرامج، الوقوف ضد بعض رموزها وتياراتها ـ غير المعادية ـ في قضايا الحقوق والحريات وغير ذلك من القضايا الإنسانية العامة، بل التعاون في ذلك ـ إن أمكن ـ على شاكلة (حلف الفضول) جائز على ألا يمنع هذا التعاونُ على البر من التناهي عن الإثم.

سادساً: تشكيل ملامح المرحلة القادمة، تدخل فيه عوامل كثيرة، من أهمها الضغوطات الخارجية، وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الضغوطات الداخلية من فصائل التيارات العلمانية. وإذا كان التغيير واقعاً على الأغلب، وكان التأثير الأكبر فيه للضغط الأكبر، فلماذا يكون التغيير بضغط خارجي أمريكي أو داخلي علماني فقط؟! ولماذا يضغط هؤلاء من أجل مصالحهم وبرامجهم وفلسفاتهم، ولا يوجد من أصحاب الشأن وملاَّك الوطن من أهل الإسلام الضغط المماثل أو الأشد ضمن آليات سلمية وأساليب حضارية؟

سابعاً: الأمريكيون أزالوا جدار الصمت، والعلمانيون كسروا حاجز الخوف، من أجل مشاريع لا مشروعية لأصحابها، فلا أقل من أن يتجاوز الإسلاميون حواجز «عدم المشروعية» لضبط دفة التغيير، حتى لا تجور أمواجه على ما تبقى من آثار للشريعة في حياة الناس، وحتى لا تنحسر تلك الأمواج عن واقع مغاير، على صعيد دعوة الإسلام بوجه عام.

ثامناً:
التوجه الإسلامي السني الذي تمثله جميع فصائل أهل السنة والجماعة في مصر وغيرها هو مركز استهداف الصائل الأمريكي، الذي يعلم أنهم هم الوحيدون الذين سيبقون صامدين في وجه الهجمة التغييرية الجائحة، ولهذا فإنه يشجع ويصنِّع البدائل، لتقَدَّم للأمة على أنها الدين الصحيح والمنهج المختار، سواء كان شطحاً صوفياً، أو تسطيحاً عصرانياً أو انتهازية شيعية، وخطط الأمريكيين المعلنة في ذلك لا ينبغي تجاهلها في مراقبة التغيير على المسار الديني.

تاسعاً: المراهنات تتفاوت بين البدء بالإصلاح السياسي أو البدء بالإصلاح الاقتصادي أو الاجتماعي، وفي مفهومنا الإسلامي، لا إصلاح على الحقيقة إلا بمنهج الصلاح المتمثل في الشريعة، وهنا تكمن المفارقة المفرِّقة بين موقف العلمانيين المناهضين للشريعة، وبين الإسلاميين المنادين بجعلها المرجعية الوحيدة في التشريع، وإذا ظل صوت الشريعة وأهلها غائباً في أي تغيير قادم، فقد تُتجاوز الشريعة بالمرة حتى في اعتبارها «مصدراً أساسياً (من) مصادر التشريع» كما ينص الدستور الحالي، لا بل قد تُرسِي (قيم) الديمقراطية أسساً وقواعد جديدة، تجرِّم الدعوة لها والتحاكم إليها والتحالف لأجلها، باعتبارها المنهج الوحيد الباقي على الأرض، القادر على صياغة حياة أكثر احتراماً للإنسان ولقيمة الإنسان في مصر أو في غير مصر.

عاشراً: بما أن الإسلاميين هم أصحاب الشرعية الحقيقية التي فُتحت بها مصر، وظلت وستظل ـ بإذن الله ـ وطناً إسلامياً؛ فإن أضعف الإيمان، وأقل واجب الآن (وأعظمه في الوقت نفسه) أن ينافح أصحاب تلك المشروعية عن أصل مشروعيتهم، وهي شريعة الإسلام الخالدة، والحد الأدنى في نصرتها وحماية جنابها من هجمة التغيير الأمريكية العلمانية؛ هو أن يقال للأمريكان وأوليائهم، بلسان القادة والنخبة: ها هنا أمة لا ترضى بمحادَّة الشريعة في أي تغيير دستوري أو قضائي أو سياسي أو اقتصادي أو إعلامي أو تعليمي؛ فإن كنتم أيها المشمرون لسلطة جديدة غير قادرين على

المصدر مجلة البيان  مقالات إسلامية  الموقع  (العدد رقم 215)  الخميس 01-01-1970 

مصر «الجائزة» (1)

   مصر «الجائزة» (1)

تحرش أمريكي..تحرك علماني..وتحرق إسلامي 

د.عبد العزيز كامل 

منذ أن مَنَّ الله ـ تعالى ـ على مصر وأهلها بالإسلام، بدخول الفاتحين المسلمين إليها في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في العام الثامن عشر للهجرة، وهي تحظى بدور بارز في صنع التاريخ الإسلامي، وبخاصة إذا كانت الشام عضدًا لها، أو كانت هي عضدًا للشام، ولا عجب في ذلك؛ فقد سرت كلمات الوحي في كتاب الله وعلى لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بالثناء على تلك البلاد وساكنيها الذين اختار الله منهم ـ على مر العصور ـ أتباعًا وأجنادًا للعشرات من الأنبياء، وعلى رأسهم الأربعة العظام من أولي العزم من الرسل إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ـ عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه.
فالشام جاء الثناء عليها في مواضع عديدة من كتاب الله بوصف: الأرض المباركة والأرض المقدسة.
ومصر ذُكرت باسمها الصريح في خمس مواضع من القرآن، وذكرت بالكناية عنها في ما يقرب من ثلاثين موضعًا (1) ، وخصت منها أرض سيناء بوصف القداسة مرتين (2) ، فقد شهدت الشطر الأهم والأعظم من حياة موسى ـ عليه السلام ـ حيث تنزلت عليه فيها التوراة، وتكاثرت معجزاته حتى جاءت وفاته فدفن فيها ـ عليه السلام ـ على قدر رمية حجر من الأرض المقدسة بالشام.
وكانت سيناء أيضًا معبرًا لعيسى ـ عليه السلام ـ، إلى داخل مصر؛ حيث عاش فيها مدة قبل عودته إلى الشام.
ووطئ تراب مصر من الأنبياء غير موسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ إبراهيم ويعقوب والأسباط ويوسف وهارون ـ عليهم صلوات الله وسلامه.
وسوف تكون سيناء ملاذًا في آخر الزمان للمؤمنين مع عيسى ـ عليه السلام ـ عندما ينزل؛ حيث يوحي الله تعالى إليه أن يحرز عباده في طور سيناء للنجاة من شرور القوم المفسدين (يأجوج ومأجوج) . ومنذ بداية التاريخ الإسلامي، وأعداء هذه الأمة يدركون أن تقويض قوة المسلمين في مصر والشام، ينعكس ضعفًا على بقية الجسد الإسلامي، وقد تجلى ذلك في حملات الصليبيين التي تناوبت على بلاد الشام ومصر، ثم حملات التتار التي اجتاحت بلاد الشام، ثم انكسرت على صخرة التلاحم بين جند الشام ومصر. وفي العصور المتأخرة، لم تُغفِل مشاريع السيطرة على الشرق الإسلامي خطر مصر والشام على مستقبل التطلعات الإمبراطورية، فتناوب نصارى فرنسا (الكاثوليك) ونصارى إنجلترا (البروتستانت) التآمر على تلك البلاد، لأجل الانطلاق منها إلى مشاريع استقطاب إمبراطوري عالمي، فرنسي أو بريطاني، ليتحول هذا التآمر بعد أفول نجم الإمبراطوريتين؛ إلى تنافس بين القطبين الوريثين (روسيا وأمريكا) على المنطقة نفسها، بغية الانطلاق منها إلى مشاريع إمبراطورية جديدة، حتى انتهى الأمر إلى مشروع إمبراطوري أمريكي واحد لا يجد من ينافسه أو يوقفه. والأمر يحتاج ـ قبل الوصول إلى المرحلة الأمريكية الراهنة ـ إلى تعريج سريع على المرحلتين السابقتين، لندرك أن استهداف مصر والشام كان جزءًا لا يتجزأ من أي حسابات إمبراطورية في الشرق الإسلامي؛ هكذا كان الشأن مع المشروع الفرنسي، وهكذا كان مع المشروع الإمبراطوري الإنجليزي، ثم مؤخرًا مع المشروع الإمبراطوري الأمريكي الجديد.
(إمبراطورية القرن الحادي والعشرين) كما يسمونها. ولكني سأركز الحديث على الجانب المتعلق بمصر من هذا الاستهداف، نظرًا لتعلق ذلك بموضوع هذا المقال، حول التطورات الراهنة في مصر. - مصر في المشروع الإمبراطوري الفرنسي: بعدما استرد الأيوبيون بقيادة صلاح الدين الأيوبي ممالك المسلمين من براثن الصليبيين إبَّان حملاتهم على الشام، عاد هؤلاء الصليبيون لإعادة الكرَّة مرة أخرى، فجهزوا حملتين صليبيتين لغزو مصر، التي أصبحت قاعدة للحكم الأيوبي المظفر، وقد تولت فرنسا قيادة هاتين الحملتين، حيث عُرفت إحداهما بالحملة الصليبية الخامسة بقيادة (جان دي برس) وعُرفت الأخرى بالحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع.
لكن الحملتين هزمتا هزيمة مرة، المرة الأولى عام (618هـ ـ 1221م) والثانية عام (648هـ ـ 1250م) .
وتطهرت مصر من أدرانهما وشرهما. غير أن الفرنسيين (الفرنجة) ظلت أعينهم مسمَّرة صوب مصر للعودة إليها في حملة صليبية جديدة، ضمن مشروع إمبراطوري خاص بفرنسا، ظل يراود قادتها، ولا يردهم عنه إلا شدة بأس العثمانيين الأتراك، الذين قيضم الله لحماية العالم الإسلامي من الاجتياح الصليبي أزمنة متطاولة. وبضعف هؤلاء العثمانيين، قوي رجاء الفرنسيين في البروز على المسرح العالمي كقوة دولية ضاربة، فبدؤوا يجهزون لشن حملة على العالم الإسلامي، تنطلق من مصر، لتعبر إلى الشام، وتنازل التطلع البريطاني الطامح إلى الغرض نفسه، وصدر القرار من فرنسا بإسناد قيادة ما سُمي بـ (جيش الشرق) إلى الجنرال (نابليون بونابرت) في 12 /4/ 1798م، في حملة ترمي إلى اجتياح مصر، وسلبها من يد المماليك وخلع الغطاء العثماني عنها، وأيضًا بقصد محو هويتها الإسلامية على المدى البعيد وفرنستها (مثلما حاولوا في الجزائر) ، ولهذا لم تكن الحملة عسكرية فقط، بل كانت حملة تغيير شامل ركز على الجانب الثقافي والحضاري، وهو ما يشبه الآن محاولات التغيير الأمريكي في بلدان العالم الإسلامي باسم (الإصلاح) . لكن الأعداء اللدودين للفرنسيين ـ وهم الإنجليز ـ تيقظوا للأمر، وبدؤوا التحرك لاستباق الفرنسيين إلى مصر، واستطاع (نيلسون) قائد الأسطول الإنجليزي الوصول إلى ميناء الإسكندرية قبل وصول الفرنسيين بثلاثة أيام، وحاول من خلال وفد أرسله أن يتفاهم مع حاكم الإسكندرية (محمد كُريِّم) للتعاون في مواجهة الفرنسيين القادمين لاحتلال مصر، ولكن الرجل لم يصدق الإنجليز ولم يحسن الظن بهم، ورفض التعاون معهم، وتمكن الفرنسيون في النهاية من غزو مصر، ولم يكن ميزان القوى متكافئًا مع المماليك حكامها باسم العثمانيين، فسقطت في حبائل الاحتلال الفرنسي، لينفذ الفرنسيون عمليًا ما اقتنعوا به نظريًا من ضرورة إخضاع هذه البلاد أولًا، للانتقال منها إلى ما جاورها، وبخاصة بلاد الشام.
وهو ما كان؛ لولا أن الله ـ تعالى ـ تدارك المصريين والشوام، بأن سلط على الفرنسيين ـ إلى جانب بأس المجاهدين ـ بؤس الطاعون، الذي انتشر في جند الطاغوت الفرنسي (نابليون) ، إضافة إلى تقاطع مصالح البريطانيين مع العثمانيين في ضرورة خلع الأنياب الفرنسية من الكيان الإسلامي في مصر والشام. - مصر في المشروع الإمبراطوري البريطاني: باستمرار الإمبراطورية العثمانية في الضعف والتلاشي، كانت بريطانيا تعد نفسها للتمدد محلها بوراثه أملاكها، وسبْق فرنسا إلى مواطن نفوذ الأتراك، وبخاصة في الكتلة العربية الجامعة لجزيرة العرب وما حولها، إلا أن نجاح الفرنسيين الفعلي في السبق إلى مصر والشام، أعطى الإنجليز دوافع أخرى إضافية، حولت الاهتمام البريطاني بالاستيلاء على مصر والشام إلى مسألة حياة أو موت، وهو ما تُرجم إلى تغير في سياسة بريطانيا برمتها، حيث بدأت تركز وجودها في أطراف الجزيرة العربية من عدن إلى الكويت، وأمعنت في فرض وجود استراتيجي واقتصادي مناوئ لفرنسا حتى لا تتمدد شرقًا إلى حيث التاج الإمبراطوري البريطاني في الهند، ولم تكتف بذلك؛ بل عملت على مطاردة الوجود الفرنسي في مصر بالتعاون (التكتيكي) مع الأتراك العثمانيين، إلى أن تم الهدف الاستراتيجي بجلاء الفرنسيين عن مصر عام 1801م، بعد احتلال دام ثلاث سنوات، وقد ظل الإنجليز يتحرشون بها لاحتلالها بعد الفرنسيين، وهذا ما حدث بعد خروج فرنسا بست سنوات؛ إذ سيرت إنجلترا حملة عسكرية بقيادة الجنرال (فريزر) إلى مصر، إلا أنها انتهت إلى هزيمة منكرة أوقعتها المقاومة المصرية بالإنجليز في ذلك الوقت في مدينة رشيد، ولم يستطع الإنجليز أن ينقذوا قواتهم بمدد أكبر، نظرًا لتزايد الخطر الفرنسي داخل أوروبا نفسها، حيث كانت جيوش نابليون تسقط المدائن الواحدة تلو الأخرى، وهو ما كان يحتاج إلى احتفاظ بريطانيا بأكبر عدد ممكن من قواتها في أوروبا للتصدي لهذا الخطر. لكن بريطانيا لم تتخل عن فكرة احتلال مصر ضمن برنامجها الإمبراطوري، وبخاصة عندما ظهرت طموحات (محمد علي) ، في إنشاء قوة عربية في الشرق الأوسط مركزها مصر، فبدأ الإنجليز في التعاون مع العثمانيين الذين تمرد عليهم محمد علي، لتحطيم مشروعه الطموح، وبالفعل نجح الإنجليز في تقليص أحلامه وإخراجه من الشام، وكفه عن الجزيرة العربية، ليظل محصورًا في مصر تحت رقابة إنجليزية صارمة، عليه وعلى أبنائه من بعده، حتى صاروا ألعوبة في يد الإنجليز، انتهى المطاف بها إلى استدعاء إنجلترا لاحتلال مصر بدعوى حفظ الأمن وإطفاء الثورة التي قام بها أحمد عرابي سنة 1882م، وعملت إنجلترا بعد احتلال مصر على تأمين مصالحها تحت قوة السلاح، واستطاعت أن ترتب أوضاعها في الشام، فاحتلت الأردن وفلسطين، لتخرج بعد ذلك بعسكرها من كل تلك الأراضي، وتحتفظ بفلسطين فقط لتسلمها لعسكر اليهود، ليقوموا ـ نيابة عنها ـ بكل ما تريد في حقبة ما بعد الانسحاب. وقد كان الإنجليز مدركين منذ البداية أهمية إضعاف الدور العربي والإسلامي في كلٍ من مصر والشام، لإنجاح واستمرار مشروعهم الإمبراطوري في الشرق الإسلامي؛ فقد كتب ذئب الإمبريالية الإنجليزية الحديثة، ورئيس وزراء بريطانيا في تلك الحقبة (اللورد بالمرستون) رسالة إلى السفير الإنجليزي في إيطاليا، بتاريخ 12/3/1833م، يقول فيها: «إن هدف محمد علي الحقيقي كان إقامة مملكة عربية تضم جميع البلاد التي تتكلم العربية، وهذا كان سيؤدي إلى تفكيك قوة تركيا ليحل هو محلها، ونحن لا نرى سببًا يبرر إحلال مُلك عربي محل مُلك تركي، يقطع الطريق أمام امبراطورية إنجلترا في الشرق» (1) . لكن الله الذي كف بأس الإمبراطورية الفرنسية عن المسلمين، فك عُرى الإمبراطورية الإنجليزية بعدها، وها نحن الآن أمام مشروع إمبراطوري صليبي جديد، يروم إحياء روما القيصرية، في صياغة صهيونية تجمع بين النصرانية واليهودية.
وتتكرر القصة باستهداف مصر والشام معًا لتكون الهيمنة عليهما إحدى الركائز المفصلية في مشروع الإمبراطورية الأمريكية الجديد. ولكني أيضًا سأركز على ما يتعلق بالملف المصري في هذا الصدد لطبيعة موضوع المقال. - مصر في المشروع الإمبراطوري الأمريكي: بعدما ورثت الولايات المتحدة الأمريكية من أوروبا توجهاتها الإمبراطورية الاستعمارية، بعد الحرب العالمية الثانية، ظلت أمريكا قلقة من أوروبا الغربية (العجوز) ، ومتخوفة من أن تسلك هذه سبلًا خاصة ومنفردة لهيمنة جديدة، ترتكز على الثورة الصناعية والمالية لكل من ألمانيا وفرنسا، ولهذا حاولت جاهدة أن تستعمل الثورات والتغييرات في أوروبا الشرقية (الجديدة) كحصان طروادة لخدمة مصالحها في أوروبا القديمة، ولتجهض جهودها في البروز كقوة مستقلة في العالم، وهكذا سارت أمريكا في تحدي روسيا أيضًا، حتى سقط الاتحاد السوفييتي وتفكك ليبدأ الأمريكيون بعد ذلك في رسم مسار استراتيجي جديد يقوم على شن حروب وقائية على هواهم، لإزالة أي تهديد محتمل أو حتى مختلق يمكن أن يعرقل انتظام سير التمدد الأمريكي في العالم.
والحقيقة أن هذه التهديدات المحتملة أو المختلقة، تركزت في النهاية على العالم الإسلامي، بعد أن سارعت أمريكا (البروتستانتية) إلى لملمة الخلاف مع أوروبا الغربية (الكاثوليكية) وتسوية الأوضاع مع روسيا وأوروبا الشرقية (الأرثوذكسية) وتسكين الأحوال حتى من الصين (الشيوعية) .
وأصبحت للدول العربية والإسلامية وحدها أوضاعًا خاصة في نظر الأمريكيين؛ إذ أضحت في نظرهم تمثل أخطر المعوقات للمشروع الإمبراطوري الأمريكي، مع كونها تمثل في الوقت نفسه أهم المنطلقات لهذا المشروع. وقد أوجدت أمريكا معايير جديدة للتدخل في شؤون العالم الإسلامي لإحداث خلخلة في أركانه، تمنع من جهة قدرته على مقاومة الهيمنة، وتسهل من جهة أخرى اختراقه باللين تارة وبالعنف تارة، فالتدخلات العسكرية والعودة الفجة لأساليب الاستعمار القديم، أعادتها أمريكا جذعة في أفغانستان والعراق، والتدخل بذرائع إنسانية؛ ابتكرته ونفذته في الصومال والبوسنة وكوسوفا، أما التدخل بالضغوط السياسية والدبلوماسية؛ فهو المتبع الآن مع كل من إيران ولبنان وسوريا والسودان ...
وأخيرًا..
مصر، مع عدم استبعاد الأساليب والمعايير الأخرى معها من عسكرية أو إنسانية، والهدف من كل ذلك في مصر وغيرها، إحداث نظام إقليمي جديد يضمن استمرار سير مشروع الهيمنة الأمريكية العالمية إلى جانب مشروع الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية. والأمر لا يجري ـ بحسب ظن بعض الناس ـ كمجرد تطورات وتداعيات (بريئة) للأحداث، وإنما يسير وفق برامج وخطط، رسمت معالمها الاستراتيجية خلال العقد المنصرم؛ فمنذ أكثر من عشر سنوات، وُضعت الخطوط العريضة لمشروعي الهيمنة الأمريكي والإسرائيلي، في مؤسسة (هريتاج) التي تعد أهم مراكز البحوث الفعالة والمتخصصة في الفكر والتخطيط السياسي في الولايات المتحدة، وهي ذات توجه يميني متشدد، ومعروفة بارتباطها الوثيق بتيار المحافظين اليهود الجدد في الحزب الجمهوري الحاكم في أمريكا؛ حيث وضعت استراتيجية للتغيير في الشرق الأوسط، بانتظار ما يسمى في علم الاستراتيجية بـ (لحظة الاقتناص) والتي تعني الاستمرار في تهيئة الظروف للخطط ـ ولو لعقود ـ حتى يجيء وقت تنفيذها.
ومعروف أن هناك (لحظات اقتناص) كثيرة، جرى استغلال بعضها وتجري تهيئة الظروف لبعضها الآخر، فكما كانت لأفغانستان لحظتها وللعراق لحظتها؛ فالظروف تتهيأ الآن للحظة الاقتناص في كل من سوريا ولبنان، والصومال والسودان، ومصر وغيرها. لكن لحظات القنص هذه لا يدري النسر الأمريكي، أنها تقرب لحظة قنصه هو، والتي ستأتي لا محالة ـ بإذن الله ـ حيث تهيئ أمريكا بنفسها الظروف من أجل تقريبها. إن التهيئة الأمريكية الجاري تحقيقها في البلدان المستهدفة، يدور معظمها حول شعار (الإصلاح) وإحلال «القيم» الديمقراطية، إما بإغراء العملاء للتحرك تحت هذا الشعار، وإما بالتدخل المباشر تحت زعم صعوبة التغيير السلمي. وفي الحالة المصرية، وبالرغم من رغبة الجميع في التغيير واسترجاع الحقوق، فإن الأمريكيين يلعبون على هذا الوتر، بعد فترة طويلة وثقيلة من (التهيئة) لما يجري الآن، كانوا يتعمدون خلالها ترك الأمور على ما هي، حتى سنحت الفرصة، وأطلق جورج بوش دعوته إلي التحول الديمقراطي في مصر. فقد كرر جورج بوش أكثر من مرة تمنياته، أو بالأحرى تعليماته، بأن تتولى مصر قيادة المنطقة إلى «قيم» الديمقراطية الأمريكية كما قادتها إلى «روح» السلام الأمريكي؛ فقد قال في خطاب حالة الاتحاد: في 3/2/2005م «الأمة المصرية، بادرت بنهج السلام، وكانت منارة على طريقه في الشرق الأوسط، وهي تستطيع الآن أن تأخذ زمام المبادرة نحو الديمقراطية، تنهج نهجها وتدل عليها وتكون رائدتها في الشرق الأوسط» وأضاف قائلًا: «إن الولايات المتحدة، ستقف مع حلفاء الحرية لدعم التحركات نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط، لإنهاء الاستبداد في عالمنا» .
فهو إذن يخاطب الشعب المصري مباشرة، أو «حلفاء الحرية» فيه، بأن يأخذوا المبادرة إلى التغيير نحو الديمقراطية، لا كآليات تتعلق بالانتخابات والتعددية ونحو ذلك فحسب؛ ولكن كقيم ومنهج يؤصل للعلمانية ويوصل لإقصاء الدين بشكل نهائي، وكأن أمريكا لم تقنع بمظاهر العلمنة التي تضرب بأطنابها في مصر منذ الاحتلال الفرنسي ثم الإنجليزي، حتى تسعى الآن إلى إعادة صياغة المجتمع المصري في قالب أكثر علمانية وأكثر جفافًا في القيم وجفاءً للدين، لتقود بذلك بقية دول المنطقة إلى تبعية أمريكية كما سبق أن قادتها إلى الشعارات الثورية والقومية باسم النضال الاشتراكي العربي، ثم قادتها إلى السلام مع العدو الغاصب المحارب تحت شعارات المحبة وحسن الجوار بين الشعوب. ولكن «تأهيل» مصر للقيام بهذا الدور يحتاج إلى ترويضها حكومة وشعبًا، لتتقبل أوهام بوش وتخضع لأحلامه الإمبراطورية، بالترغيب حينًا والترهيب أحيانًا ...
بوعود الديمقراطية مرة، وبالتلويح بالحرب مرات، في إيقاع تتناغم فيه حماقات قطيع شارون، مع تحرشات عصابة بوش من الإنجيليين والمحافظين اليهود الجدد. وقد تكاثرت في الآونة الأخيرة رسائل التحرش بمصر من الطرف الصهيوني ـ أمريكيًا كان أو إسرائيليًا: | فقد أوردت صحيفة (يو إس إيه توداي) الأمريكية في عددها الصادر في (4/1/2005م) معلومات تحذيرية من أن مصر تمتلك برنامجًا نوويًا سريًا، وأنها أجرت تجارب قد تؤدي إلى إنتاج أسلحة نووية. | ونقلت محطة (CNN) في 4/4/2005م عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تقريرًا تتهم فيه مصر بأنها زودت الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، بأسلحة كيماوية أثناء حربه ضد إيران في حقبة الثمانينيات، وأكد التقرير المذكور أن الحكومة المصرية دعمت الجيش العراقي بخبراء عسكريين طوال تلك الحرب، وأنها أمدت ذلك الجيش بالغازات السامة» . والسؤال هنا هو: لماذا يثار هذا الاتهام الذي مر عليه أكثر من عقدين من الزمان في هذا التوقيت بالذات؟! وهل كانت أمريكا غافلة عن ذلك التعاون ـ إن صح ـ أم أنها كانت وراء ذلك؟ | وانتقدت صحيفة نيوزويك الأمريكية الصادرة في (16/6/2004م) الإدارة الأمريكية لبدئها بغزو العراق للتركيز عليه في مشروع التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط، مع أنه كان الأجدر بتلك الإدارة ـ بحسب الصحيفة ـ أن تكثف الجهود تجاه مصر، إذا ما أرادت تغييرًا حقيقيًا في المنطقة يوصل إلى صياغة عملية لمشروع الشرق الأوسط الكبير؛ لأنها ـ أي مصر ـ ستظل عقبة في تحقيقه إذا استمرت على وضعها الراهن الرافض للإصلاح بأجندة أمريكية. | في مناظرة كبرى نظمها اتحاد الطلبة في جامعة أكسفورد البريطانية قبل مدة، أدلى (جيمس وولسي) الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي.
آي.
إيه)
بتصريح قال فيه: «حان الوقت لاستبدال جميع الأنظمة المستبدة، وإصلاح الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة» وأضاف: «ما أن ننتهي من الصداميين، حتى ننتقل إلى المباركيين» وقال: «إن الولايات المتحدة عازمة على تكرار تجربة التغيير في أوروبا الشرقية في دول الشرق الأوسط» . | وفي معرض حديثها عن الطريقة التي ستتبعها أمريكا لفرض التغيير في المنطقة، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندليزا رايس) : «سنعتمد طريق (الفوضى البناءة) لتغيير الأوضاع» وقد رددت ذلك في مناسبات متعددة، معبرة عن قناعات جورج بوش بأن ذلك هو النهج الذي ينبغي اتباعه في تسخين بعض الساحات على الترتيب، وهو ما حدث في أوروبا الشرقية في أوائل التسعينيات، ويحدث الآن في بلدان آسيا الوسطى. | وكان (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكي السابق، قد تحدث صراحة عن أنه آن الأوان لتغيير نظم الحكم في منطقة الشرق الأوسط، وذلك ضمن خطابه عن سياسة الاصلاح الأمريكي المقررة لهذه المنطقة أمام صندوق دعم الديمقراطية. إن هذا التصريحات ـ وغيرها كثير ـ هي رسائل موجهة للحكومة المصرية وغيرها، وهي لا تعني فقط جذب المعنيين للارتماء في الأحضان الأمريكية بلا تحفظ، بل تهدف إلى إبطال مفعول صمام الأمان في القنابل الأمريكية الموقوتة المزروعة هنا وهناك، بحيث يظل الخوف من مصير شاوشسكو أو سلوبودان ميلوسوفيتش أو صدام حسين أو الملا عمر، هو الهاجس الأكبر عند كل من يفكر في أن يقول (لا) للطغيان الأمريكي. ورسائل التحرش والابتزاز هذه، لا تقتصر على الجانب الأمريكي، بل تعضدها وتساندها رسائل أكثر فجاحة من الجانب الإسرائيلي؛ فعندما نشرت صحيفة (يو إس إيه تودي) الأمريكية في عددها الصادر في (4/1/2005م) تحذيرها المذكور سابقًا من أن مصر تمتلك برنامجًا نوويًا، سارعت صحيفة (ها آرتس) الإسرائيلية في اليوم التالي مباشرة إلى إضافة «معلومات» جديدة، لصب الزيت على النار قبل أن تخبو، فذكرت في (5/1/2005م) أن مصر أنتجت بالفعل بضعة كيلو جرامات من عنصر اليورانيوم المستخدم في صناعة الإسلحة النووية! ولم تمض أسابيع على نشر تلك «الأدلة» التآمرية، حتى اتهم (مائير دوغان) رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) كلًا من مصر والسعودية وسورية بامتلاك برامج نووية، وقال: «إن في حوزة إسرائيل معلومات استخباراتية حول امتلاك تلك الدول برامج نووية» ، وقال «إن هناك مؤشرات على أن سورية تطور خططها في المجال النووي أسوة بمصر، وكذلك فإن السعودية ـ كما ادعى ـ أجرت اتفاقات مع دول أخرى للحصول على التكنولوجيا النووية» ! وقد صدرت تلك التصريحات منه أمام جلسة عقدتها لجنة الأمن الخارجي بالكنيست الإسرائيلي. وفي حملة مشابهة، نقلت صحيفة (جيروزاليم بوست) الإسرائيلية في (4/1/2005م) عن مصادر عسكرية إسرائيلية زعمها أن إحدى تلك الدول الثلاث، قد حققت بالفعل قفزة نوعية في المجال النووي، ونقلت الصحيفة نفسها عن رئيس الموساد السابق ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي الحالي (إفرايم هاليفي) إعرابه عن القلق من أن تكون إحدى تلك الدول قد حصلت بالفعل على مكونات نووية، وقال: «ربما كان الأنسب صرف النظر الآن عن إيران، للتركيز على الخطر الظاهر للعيان في أماكن أخرى» . أما أكثر رسائل التحرش والابتزاز وقاحة، والتي استقيت منها عنوان هذا المقال؛ فهي العبارة التي صدرت واشتهرت في لقاء دعا إليه (ريتشارد بيرل) أحد أبرز رموز المحافظين اليهود الجدد، وأقوى صقور البنتاجون وهي: «العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر هي الجائزة» ! ولا أريد أن أقف طويلًا أمام هذا الترتيب الغامض في وضوحه، أو الواضح في غموضه؛ لأن المخزون المكنون من العداء على ألسنة هؤلاء قد طفح خارج كيلهم، وما تخفي صدورهم أكبر.
لكن مغزى كلمة «الجائزة» يشير إلى مدلولات خطيرة، ويشي بمعان كبيرة، ليس أقلها أن عملية عزل مصر وفصلها عن محيطها، كان ولا يزال هو الأسلوب المتبع لإبطال مفعول الدور الذي كان ينبغي أن تقوم به، حتى تضعف في محيطها، ويضعف محيطها بها، وتكون في النهاية كالفريسة التي استفردت بها الذئاب، بعد أن أقصتها عن أخواتها، لتلقى مصيرها دون مدافع أو منقذ. لا يعني ذلك بالضرورة أن تخاض حرب مباشرة ضد مصر في مرحلة قريبة، ولكن بالتأكيد فإن حروب التجويع والإفقار المادي والروحي، ومعارك التهييج والإلهاء وتسييد التفهاء، ستدور رحاها بمكر كُبَّار؛ لأن الصيد سمين، والهدف ثمين، والخصم كبير؛ يستحق التأني والتريث لإيقاعه في شباك إمبراطورية الدجل القادم، ولهذا يجري استثمار أوضاعها الراهنة الواهنة، لتثبيت هذا الوهن بعد طلائه بألوان الخديعة الفاقعة. - الأوضاع الراهنة ...
والفرص السانحة: يبدو أن المعادلات الدولية والإقليمية بالحسابات الأمريكية، كانت تستدعى إطالة الحالة التي غلبت على الأوضاع في مصر بعد إخراجها من دائرة ما كان يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي، بتوقيع اتفاق سلام «نهائي» مع دولة اليهود؛ فقد استغرق العهد الأخير في حكم مصر نحو ربع قرن (يقارب مجموع عهدي عبد الناصر والسادات) ، تقلبت فيه البلاد في أزمات عديدة كان معظمها داخلي، وقد تضافرت عدة مؤثرات طيلة تلك المدة، لتوصل البلاد إلى حالة الانسداد الحالية، التي يجري استغلالها بدقة واستثمارها بذكاء من قِبَل القوى المتربصة في الداخل والخارج كي تحتل مكانها في الخريطة المستقبلية لمصر. وأحوال البلاد المتردية تعطي مسوغًا للجميع كي ينادي بالتغيير، ليس بالضرورة تغيير النظام، ولكن تغيير النظام الذي يسير عليه.
فعلى الصعيد الاقتصادي ذي التأثير المباشر على الناس، تتضارب التقارير الحكومية وغير الحكومية في تقدير الحالة الحالية، فبينما تتسم التقديرات الحكومية بمضامين مطمئنة دائمًا تحت شعار (لا داعي للقلق) ؛ فإن التقديرات والتقريرات غير الحكومية تصل بالصورة إلى حد الأزمة المعضلة والمأزق الخانق؛ فهي تتحدث عن نسبة بطالة بلغت ما بين 20 إلى 30% من مجموع القوى العاملة، بينما تقصرها التقديرات الحكومية على نحو 8% فقط، وهو ما يتنافى مع ما تؤكده مصادر غير حكومية من وجود أكثر من 3.5 ملايين عاطل عن العمل من خريجي الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة، بحيث لا يستطيع إلا نحو 10% من مجموع الخريجين أن يجدوا وظيفة، وهؤلاء الذين يفترض أن يكونوا عدة للنهوض وسواعد للبناء؛ أصبحوا يمثلون وقودًا محتملًا في أي محاولات تسخين متعمد؛ فمثل هذه الشريحة المهمة التي تعتمد علىها مشروعات التنمية؛ هي التي تجري عليها رهانات أطراف الأزمة الحالية على اختلاف مشاربهم. إن ضمور معدلات التنمية قد انعكس بشكل واضح على الموازنة العامة في البلاد؛ حيث أصبحت تعاني من عجز كبير تشير التقديرات الإحصائية إلى أنه قد بلغ في العام الحالي (2004/2005) مبلغ 52.356 مليار جنيه وبلغ عجز الميزان التجاري 3.8 مليارات دولار، بما يساوي 40 مليار جنيه، وبلغت الديون الخارجية 1.27 مليار دولار، أي 2.124 مليار جنيه وهو ما يمثل 8.27% من الناتج المحلي، بينما بلغ الدين العام الداخلي 1.74 مليار دولار، أي 6.344 مليار جنيه، وهو ما يعادل 3.77% من الناتج المحلي. كل هذا في ظل حزب يحرص على الظهور بمظهر الصلاحية النادرة، التي جعلته يقتنع بأهليته لاحتكار إدارة البلاد بأغلبية برلمانية مطلقة مصنوعة، تتوالى عليه طوال الدورات البرلمانية التي مرت على البلاد خلال ربع قرن؛ فقد بلغ ذروة الشعبية (التسعينية) في أواسط التسعينيات، حيث سيطر الحزب الحاكم على 95% من مقاعد مجلسي الشعب والشورى، بعد أن كان قد (فاز) بنسبة 80% من تلك المقاعد في أول انتخابات بعد عهد السادات عام 1984م، ثم حظي بنسبة 77% من المقاعد عام 1987، لتزداد النسبة بعد ذلك إلى 80% في آخر انتخابات برلمانية عام 2000م. وهذه الهيمنة الحزبية البرلمانية؛ تسبقها وتقود إليها هيمنة حزبية بلدية، فسيطرة الحزب الوطني على مقاعد البلديات في المدن والقرى تصل إلى 97%.
وعندما يتحكم حزب الحكومة في هذه النسبة المخيفة من المقاعد في المدن والقرى، فلا شك أن ذلك سيمكنه من تصنيع ما يكفي من الأصوات والأدوات التي تسهل له حشد وحصد الأصوات التي تتكون بها «الأغلبية» بطريقة تلقائية، وهو ما جعل بقية الأحزاب الرسمية التسعة عشر مقطوعة الأمل عن الوصول أو المشاركة في إدارة البلاد، مما ورثها بلادة وفتورًا، وحولها إلى قوى هامشية غير فاعلة طيلة السنوات الماضية، حتى أصبحت أكثر تلك الأحزاب لا تعدو أن تكون نوعًا من (الديكور) الدكتقراطي.
وما يقال عن الأوضاع الاقتصادية؛ يقال أسوأ منه عن الأوضاع الاجتماعية والأمنية، وكل ما يتعلق بالحريات والحقوق العامة، وهو ما لا يتسع المجال لذكره هنا. وقد فاقم الأمر، أن هذه الوضعية الشاذة، باتت مرشحة للاستمرار والدوام، بسبب حراسة (قانون الطوارئ) لها؛ فهذا القانون يحول بين القوى السياسية في البلاد ـ باستثناء الحزب الحاكم ـ وبين التحول إلى قوى منافسة يمكن أن تصلح أو تقوِّم. قانون الطوارئ ينفذ في مصر ـ كأصل وليس استثناء ـ منذ عام 1914م؛ فقد فرضه الاستعمار الإنجليزي في أعقاب اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ حيث أعلنه الجنرال ماكسويل، ثم جرى تعميمه ـ بعد مصر ـ في معظم أنحاء العالم العربي، لظروف لا تخص العرب، ولكن تخص الإنجليز لحماية قواتهم في تلك الحرب العالمية الأولى، ولم يرفع العمل به إلا بعد نهايتها، ثم أعاد الإنجليز العمل به بعد نشوب الحرب العالمية الثانية حتى انتهائها عام 1945م، ولم تطل المدة حتى فُرض مرة أخرى عام 1948م بسبب ظروف الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948م، ثم ألغي بعدها بعامين في ظل حكومة الوفد في العهد الملكي، إلا أنه أعيد العمل به بعد قيام انقلاب عبد الناصر، ليتحول هذا القانون في عهد الثورة إلى ما يشبه الدستور في ظل ما يسمى بـ (الشرعية الثورية) التي كان يريد صاحبها ألا يُسأَل عما يفعل، صحيح أنه قد تواردت على مصر أحداث كبيرة، جعلت الحديث عن إلغاء حالة الطوارئ مجرد أمانٍ، إلا أن تلك الأحداث لم تكن متواصلة، ومع ذلك ظل هذا القانون مفروضًا على سائر البلاد بعد حرب 1967م، وظل مفروضًا بقية عهد عبد الناصر، وبداية عهد السادات، الذي قام «بثورة» أخرى في 10/5/1970م أسماها: ثورة التصحيح، وقد ألغى بعدها ذلك القانون، وبعد اغتياله في 6/10/1980م أعيد العمل بقانون الطوارئ ليظل معمولًا به طيلة ربع القرن الماضي، مع أن تلك المدة الطويلة لم تنطبق عليها حالة من الحالات التي تستدعي فرض قانون الطوارئ ـ بحسب الدستور ـ وهي: (حالة الحرب ـ حالة التهديد بالحرب ـ حالة الكوارث الطبيعية) .
إنما كان السبب الوحيد لفرضه هو الإبقاء على ما أُطلق عليه (المواجهة الشاملة) ضد بعض الإسلاميين. والمواجهة الشاملة هذه لم تقتصر على أعمال العنف، وإنما ظلت مسلطة على سائر أشكال العمل الإسلامي، فكان هذا القانون اللعين شبه المقصور على الإسلاميين؛ يتجدد العمل به لثلاث سنوات كلما انتهت مدته بذرائع جديدة، ومن العجيب أن آخر تمديد له كانت حجته: استعداد التحالف الغربي لغزو العراق! ولكن، ماذا يعني تطبيق قانون الطوارئ؟ إنه وفقًا لهذا القانون، تتكدس الصلاحيات في يد السلطة التنفيذية؛ حيث تتصرف بمعزل عن السلطة القضائية في كافة ما تراه، من فرض للقيود على حرية الأفراد والكيانات في حقوقهم القانونية، فتحت ذلك القانون؛ تقيد الحرية في الاجتماع والانتقال والإقامة، وتوسع صلاحيات الضبط والإيقاف والاعتقال والتفتيش للأماكن والأشخاص بمجرد الشبهة، كما يهدد هذا القانون الالتزامات المنصوص عليها في المعاهدات الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، مثل الحريات الشخصية وحرية التنقل والتعبير والاجتماع. وفي ظله ـ لا أدام الله ظله ـ تعطي صلاحيات واسعة للحاكم العسكري أو نائبه، لمراقبة الرسائل والصحف والمطبوعات والاتصالات، وكافة وسائل التعبير والإعلام؛ حيث تخضع لإمكانية الضبط أو المصادرة أو الإيقاف، وبما أن الحكم تحت الطوارئ يأخذ الصبغة العسكرية؛ فإن القضاء نفسه يحيَّد عندما تشكل المحاكم العسكرية التي جرى إخضاع أكثر قضايا الإسلاميين لها، وهكذا تسير الأحوال في مصر وكأنها ـ بل إنها ـ «حالة حرب» مستمرة.
ومن المضحكات المبكيات، أن العدو الحقيقي لمصر والمصريين والعرب وسائر المسلمين، وهم اليهود الإسرائيليون؛ يُتغاضى عن خطرهم الجسيم على المستوى المحلي والإقليمي ليفرض (التطبيع) معهم ويقدم (السلام) إليهم، بينما تظل حالة «حرب الطوارئ» مفروضة على سائر المصريين، وبخاصة الإسلاميين، ومن الأعجب والأنكى أن دول العالم (الحر) تسكت على كل ذلك بدعوى دعم الاستقرار. - مفترق الطرق: اكتشفت أمريكا أن التغاضي عن الاستبداد والفساد بدعوى الاستقرار في العالمين العربي والإسلامي، ولَّد الأحقاد وورث الضغائن ضد الغرب ومن يحمي مصالحه، وهو ما ترجم في العقود الأخيرة إلى ثورات عنف مسلح هنا وهناك، ظلت تتوسع رقعتها وعملياتها حتى طالت أمريكا نفسها في الداخل، وهنا ...
هنا فقط، شعر الأمريكان أنه آن الأوان لإيقاف الاستبداد المدعوم لأجل الاستقرار المزعوم؛ وذلك انطلاقًا من مصالحها أيضًا، وليس مصالح الشعوب. فذهبت تدعو إلى (الإصلاح) وإلى (الديمقراطية) وإلى (إعادة حقوق الإنسان) وهي كلها دعوات تنسجم مع خوف الأمريكيين من تزايد التوجهات العنيفة من جهة، وتتلاءم من جهة أخرى مع ما قررت أمريكا المضي فيه، وهو استكمال مشروعها الإمبراطوري العالمي، انطلاقًا من شرقنا الأوسط (الكبير) . وقد اتضح أنها تهدف من خلال الدعوة إلى إحلال الديمقراطية لإحراج الأنظمة بتهييج الشعوب عليها إذا لم تستجب أكثر للمزيد من التنازلات الخادمة للمشروع الإمبراطوري، وتهدف أيضًا إلى استبعاد من يستعصي على تقديم هذه التنازلات تحت دعوى التجديد والإصلاح، ليأتي آخرون أكثر استعدادًا للولاء والاستخذاء، وتهدف أخيرًا إلى تحسين صورتها القبيحة التي أظهرتها التصرفات الهمجية ضد العرب والمسلمين في السنوات الأخيرة، ليبدو الأمريكان في نظر المغفلين أنهم هم قوى (الكاوبوي) المنقذ ...
والمقاتلون الرحماء من أجل حقوق الضعفاء. وإزاء هذه الخلفية الأمريكية للأحداث الجارية، تتطور الأمور في مصر، ليتبلور المشهد الراهن في صورة مواجهة حتمية، لا أراها بين الإدارتين الأمريكية والمصرية، بقدر ما أراها بين الإرادتين العلمانية والإسلامية في مصر؛ فالعلمانية القديمة الشائهة، تتطلع إلى وراثتها علمانية فتية جَلدة، تريد أن تفتك بما تبقى من عُرى الإسلام في مصر، ليجد الإسلاميون أنفسهم ـ مهما كان شكل التغيير القادم ـ أمام علمانية جديدة وعنيدة، مسنودة بعداء الأمريكان وأطماعهم وأحقادهم كجزء من حربهم ضد العالم الإسلامي. والمستقبل المصري المقدم على التغيير لا محالة؛ تتنازعه هاتان الإرادتان اللتان اصطرعتا طيلة قرنٍ ماض، احتمى العلمانيون فيه على اختلاف راياتهم ـ بالقوى الخارجية لفرض رؤاهم وسلطتهم وسطوتهم، لتدور رحى أطول معركة بين أهل الإيمان وأتباع الشيطان في العصر الحديث، انتهت بنجاح أهل النفاق في إيقاع الافتراق بين السلطان والقرآن. وها هي المعركة ذاتها، بنفس أطرافها ...
ونفس شعاراتها ...
ونفس قضاياها؛ توشك أن تشب في جولة جديدة بين العلمانيين المتوثبين للسطو على السلطة في ثوب جديد لإجهاض مكتسبات الصحوة تحت حماية أمريكا؛ وبين الإسلاميين الذين يناضلون لأجل حماية تلك المكتسبات، التي أوجدت ـ في أقل نتائجها ـ تعاطفًا جارفًا بين جموع الشعب مع الإسلام وقضاياه وقيمه ونظامه في الحياة. فلمن تكون (الجائزة) مصر، ومن هو الذي سيفوز بالسهم الأهم في توجيه مسير تها وفرض إرادتها؟ إن الأمر يحتاج إلى مزيد إيضاح، عن هوية التحرك العلماني في مصر وطبيعة التحرق الإسلامي في مواجهته، ومواجهة من يقف خلفه هذه المرة ...
وهذا ما سأحاول معالجته في عدد قادم بإذن الله.
 __________ 
(1) ذكر ذلك السيوطي في كتابه (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة)
(2) في قوله ـ تعالى ـ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ} [التين: 1 - 2] ، وقوله: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ} [المؤمنون: 20] . (1) كتاب (يقظه العرب) تأليف جورج أنطونيوس، تعريب على الركابي ص 21.