حدود أمن تركيا وحدود قوتها
إسماعيل ياشا
"لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق"-
صرح رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان بأن أمن تركيا لا يبدأ من محافظة هاتاي، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت. وقال في كلمته، الأربعاء الماضي، أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، إن تركيا لن تسمح بفرض أمر واقع في الدول الشقيقة ولن تتغاضى عن أي هجمات تستهدفها، مؤكدا أن بلاده لن تسمح بأوهام "أرض الميعاد". وحذَّر من "نار الفتنة التي يراد إشعالها في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في جزيرة قبرص"، مشيرا إلى أن أنقرة تتابع التطورات عن كثب.
التصريحات التي وردت في كلمة أردوغان حول حدود الأمن القومي التركي موجهة بالدرجة الأولى إلى إسرائيل، وترى أنقرة أن المخططات الإسرائيلية التوسعية تستهدف أمن تركيا وأراضيها، كما تستهدف سوريا ولبنان. إلا أن هذه التصريحات التي جاءت في الوقت الذي يشن الجيش الإسرائيلي هجمات على أماكن مختلفة في لبنان بما فيها عاصمتها بيروت، تطرح هذا السؤال: "إن كان أمن تركيا يبدأ من بيروت، فماذا يمكن أن تعمله أنقرة لحمايتها؟".
تركيا قادرة على استخدام كل ما تملك من قوة بما فيها القوة العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية، وهو من حقها وفقا للقانون الدولي كدولة ذات سيادة، ولكن حماية أمنها القومي ومصالحها خارج حدودها بحاجة إلى أساليب أخرى ووسائل مختلفة مبنية على القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة مع الدول المعنية، مع الاحترام لسيادة تلك الدول؛ لأن تركيا لا تنشئ مليشيات تابعة لها في الدول الأخرى ولا تتدخل في شؤونها الداخلية.
أمن سوريا واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن تركيا واستقرارها، وأظهرت التطورات التي شهدتها سوريا بعد اندلاع الثورة هذه الحقيقة، مع سيطرة تنظيمات إرهابية مثل داعش وحزب العمال الكردستاني على أجزاء من الأراضي السورية المجاورة للأراضي التركية، لتشكل خطرا على الأمن القومي التركي. وقام الجيش التركي بعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية لإبعاد ذاك الخطر عن الحدود، في ظل الفراغ الأمني وفقدان دمشق سيطرتها على تلك الأراضي. وبعد نجاح الثوار في إسقاط النظام وسيطرة الجيش السوري على كامل الأراضي السورية، باستثناء جزء بسيط بعيد عن الحدود التركية، لا تحتاج تركيا إلى تدخل عسكري مباشر في الأراضي السورية لحماية أمنها القومي، بل يكفيها التعاون والتنسيق مع دمشق وتعزيز قدرات الجيش السوري كيلا يسمح بتهديد تركيا انطلاقا من الأراضي السورية.
سوريا تستعيد عافيتها يوما بعد يوم وتضمد جراحها بدعم تركيا ودول صديقة أخرى لها، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، كما تؤسّس جيشا وطنيا لحماية شعبها وأراضيها. وتعمل تركيا لتعزيز قدرات الجيش السوري من خلال برامج التدريب والتسليح، والمناورات المشتركة، وفقا للتفاهمات والاتفاقيات المبرمة بين دمشق وأنقرة. وفي هذا الأطار ولأول مرة، شارك الجيش السوري الشهر الماضي في مناورات "أفس 2026" التركية لتعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات مع الجيش التركي والجيوش المشاركة الأخرى.
توسع الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية لا ينتهك سيادة لبنان فحسب، بل يهدد أمن سوريا ويشكل خطرا على الأمن القومي التركي، إلا أن حماية أمن بيروت أعقد من حماية أمن دمشق، بسبب اختلاف رؤى الحكومة اللبنانية وحزب الله في الحرب والسلم والتعامل مع مواجهة الاحتلال، إضافة إلى المشاكل التي أفرزها نظام المحاصصة. ومن المؤكد أن تركيا مستعدة لدعم الجهود الدبلوماسية اللبنانية الهادفة إلى إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولكن تلك الجهود قد لا تكفي للجم حكومة نتنياهو، ودفعها إلى الخضوع لوقف الحرب وسحب جيش الاحتلال من لبنان.
تركيا ومعها قوى إقليمية أخرى بذلت جهودا دبلوماسية لإنهاء الحرب على إيران ولبنان، وأدت تلك الجهود إلى قبول مذكرة تفاهم لوقف الحرب. إلا أن تصريحات قادة إسرائيل تشير إلى أن تل أبيب لن تلتزم بوقف إطلاق النار، ولا نية لها في الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في "المنطقة الأمنية العازلة" في لبنان، مضيفا أنهم يعملون على الاحتفاظ بــ"حرية العمل العسكري" ودوام التمتع بها.
وإن استمرّ الجيش الإسرائيلي في شن الهجمات على أنحاء متفرقة في لبنان بما فيها العاصمة بيروت بحجة حرية العمل العسكري، فإن تركيا لا تملك في الوقت الراهن غير إدانة العدوان الإسرائيلي، وإرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني، ومطالبة إدارة ترامب والمجتمع الدولي بالتحرك والتدخل لوقف العدوان.
x.com/ismail_yasa


