الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!
سليم عزوز
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!
سليم عزوز
متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

مصطفى البرغوثي
في خطوة تكشف بوضوح الطبيعة الحقيقية للمخططات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، قراره احتلال 70% من قطاع غزّة، في تصعيد خطير لا يمكن وصفه إلا بأنه تجديدٌ مباشرٌ لحرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أبناء شعبنا أكثر من عامين. لا يمثّل هذا القرار مجرّد إجراء عسكري أو تكتيكاً حربياً، بل يشكل جزءاً من مشروع متكامل للتطهير العرقي، يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتدمير مقوّمات حياتهم الوطنية والإنسانية.
تتضاعف خطورة هذا الإعلان لأنه يأتي مترافقاً مع تصريحات سابقة لوزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، عمّا سمّاها "الهجرة الطوعية" لسكان غزّة، وهي تسمية مضللة لعملية تهجير قسري ممنهجة، ترقى إلى مستوى جريمة حرب مكتملة الأركان. فالحديث عن السيطرة على غالبية مساحة القطاع يعني عملياً دفع أكثر من مليوني فلسطيني إلى مزيدٍ من الحصار والتجويع والتشريد، وتحويل غزّة إلى منطقة غير قابلة للحياة، في محاولةٍ لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية والإرهاب الجماعي، خصوصاً بعد أن أقدمت حكومة نتنياهو على مسح كل وجود للحياة أو البناء في المناطق التي تحتلها من قطاع غزّة، والتي وصلت نسبتها حتى إعلان نتنياهو إلى 64% من مساحة القطاع، في ما يمثل تكراراً حرفياً للتدمير الذي قامت به عصابات الحركة الصهيونية وحكومة إسرائيل في ما لا يقل عن 523 قرية وبلدة فلسطينية عام 1948، وينتمي إليها كثيرون من سكان قطاع غزّة اللاجئين، الذين تطاردهم إسرائيل بالتطهير العرقي المرّة تلو الأخرى.
أثبتت الشهور الماضية أن حكومة نتنياهو لا تعبأ بأي قانون دولي أو اعتبارات إنسانية، بل تستند إلى شعور كامل بالإفلات من العقاب نتيجة التواطؤ الأميركي والصمت الدولي المخزي. فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتكب جيش الاحتلال ما يقارب ثلاثة آلاف خرق موثق للاتفاق، أدّت إلى استشهاد نحو 930 فلسطينياً وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف، رغم أن الجانب الفلسطيني لم يقابل هذه الخروق بأي ردٍّ عسكري. ومع هذا، لم نشهد أي تحرّك دولي جدّي لمحاسبة إسرائيل، أو حتى ممارسة ضغط فعلي عليها لوقف جرائمها.
يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية
شجّع هذا الصمت الدولي نتنياهو على المضي في سياسات التوسع والاحتلال وتجديد العدوان. بل إن نتنياهو، من خلال إعلاناته المتكرّرة وخروقه المتواصلة، لم يتردّد في إهانة جميع الوسطاء الدوليين والعرب، بما فيهم الإدارة الأميركية نفسها، والرئيس دونالد ترامب، وكل الجهات التي تحدثت عن ترتيبات لوقف الحرب أو ما يسمّى "مجلس السلام". ورغم هذا، ما زال الموقف الأميركي يفتقر إلى أي إجراءات رادعة حقيقية، بينما تواصل بعض الدول الغربية تقديم الغطاءين، السياسي والعسكري، لحكومة الاحتلال.
لا يمكن فصل ما يجري في قطاع غزّة عما يحدث في الضفة الغربية، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين الإرهابيين وعمليات التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية اليومية، في إطار مشروع استعماري واحد، هدفه تكريس الاحتلال ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم أكثر القوى تطرّفاً وعنصرية في تاريخ إسرائيل، تسعى إلى استغلال حالة العجز الدولي لفرض وقائع نهائية على الأرض عبر القوة العسكرية والإرهاب المنظم، مضمونها الضم والتهويد والتطهير العرقي.
لقد بات واضحاً أن الحركة الصهيونية لا تريد سلاماً ولا حلاً سياسياً، بل تسعى إلى فرض معادلةٍ تقوم على التهجير والإخضاع بالقوة العارية. وما يجري اليوم في غزّة يمثل أخطر مرحلة في المشروع الإسرائيلي منذ عقود، لأن الهدف ليس فقط إخضاع الفلسطينيين، بل محاولة اقتلاعهم بالكامل وتصفية القضية الفلسطينية ومحاولة تحويل ما يتبقى منها إلى مسألة إنسانية بلا أبعاد سياسية أو وطنية. وقد تجاوزت وقاحة نتنياهو كل الحدود، عندما أعلن تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم ليس فقط كل فلسطين والأردن ولبنان، بل ثلثي سورية ونصف العراق وجميع الكويت وثلث السعودية ونصف مصر. وللأسف لم يسمع نتنياهو ردّاً حاسماً على هذه الوقاحة.
ستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة إليه
ومن هنا، تقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وخصوصاً الدول العربية والإسلامية ودول الاتحاد الأوروبي، التي لا يجوز لها الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة الشكلية. المطلوب اليوم اتخاذ خطوات عملية وفورية لوقف هذا الانحدار الخطير نحو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. فقد أصبح فرض مقاطعة شاملة وعقوبات فورية على حكومة نتنياهو ضرورة ملحة، بما في ذلك فرض حظر عسكري كامل ووقف كل أشكال التعاون التي تساهم في استمرار العدوان، فالتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تمارس الاحتلال والعنصرية والأبارتهايد لا تتراجع إلا تحت ضغط حقيقي وعزلة دولية شاملة، كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كذلك إن القوى الحية في العالم، من حركات التضامن والنقابات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبة اليوم بتصعيد حملات المقاطعة والعزل السياسي والأكاديمي والاقتصادي لإسرائيل، دفاعاً عن القيم الإنسانية وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والاستقلال.
يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية. وكل محاولات كسر إرادته أو تهجيره ستفشل كما فشلت كل المشاريع الاستعمارية السابقة. فغزة، التي أصبحت رمزاً عالمياً للصمود والمقاومة الإنسانية، ستبقى شاهدة على فشل القوة العسكرية في إخضاع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها.
وإذا لم يتحرّك العالم اليوم لوقف هذه الجرائم، لن تتوانى إسرائيل عن تجديد حرب الإبادة وستجر المنطقة بأسرها إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية الكاملة عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة بكاملها إليه. ... فمتى يأتي الردّ على نتنياهو؟
وقفات مع آيات (30).. النجاة في القرآن
وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن النجاة، لا بوصفها حادثة عابرة، بل بوصفها سنّة من سنن الله في عباده؛ فهو سبحانه ينجي من يشاء برحمته، ويفتح لعباده أبواب الفرج حين تضيق عليهم الأسباب.
ويتكرر هذا المعنى في قصص الأنبياء، ومن ذلك قوله تعالى في شأن يونس عليه السلام:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
فقد كان في ظلمات متراكبة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فنادى ربه بقلب منكسر: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فجاءت الاستجابة، وجاء معها هذا الوعد الواسع: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فكأن الآية تقول: ليست هذه النجاة خاصة بيونس وحده، بل باب الله مفتوح لكل مؤمن صدق في لجوئه، وأخلص في دعائه، واعترف بضعفه وتقصيره.
والنجاة في القرآن لها معنيان كبيران:
نجاة خاصة بأهل الإيمان والتقوى، وهي نجاة نصر ورحمة وتثبيت ومآل حسن، ونجاة عامة قد تقع لبعض الناس في الدنيا، رحمةً وإمهالًا وفتحًا لباب الرجوع. غير أن أعظم النجاة أن ينجو العبد بدينه وقلبه، وأن يردّه الخوف إلى ربه، لا أن يخرجه من خطر عارض فحسب.
وقد عرفت معنى النجاة معرفة قريبة حين اقتربت يومًا من الموت. كان ذلك في ماليزيا، قبل أكثر من ربع قرن، في أول سفرة لي إلى شرق آسيا. كنت مع أحد أقاربي، وذهبنا إلى شلال يبعد بضع ساعات عن كوالالمبور. نزلنا نسبح في النهر، في موضع ظننته غير عميق؛ فأنا لا أتقن السباحة، وإن كنت أستطيع التحرك داخل الماء دقائق معدودة.
اقتربت قليلًا من الشلال، وفجأة شعرت بشيء يجذبني إلى الأسفل. حاولت الابتعاد، لكن الشد كان يزداد، وقوتي تضعف. كنت أقاوم لأبقى على سطح الماء، ثم أغيب، ثم أعود، ثم تغلبني الدوامة من جديد. أدركت حينها أن الأمر ليس خوفًا عابرًا؛ لقد كنت في قبضة دوامة مائية لا ترحم.
صرخت بأقوى ما أستطيع. وكان بالقرب مني شاب ماليزي، يبدو أنه سباح ماهر، فانتبه إلى حالي، وأسرع نحوي، وأمسك بي، ثم أخذ يسحبني بعيدًا عن موضع الدوامات حتى أوصلني إلى الضفة. خرجت من الماء منهكًا، وسقطت شبه مغشيٍّ عليّ من هول الصدمة والخوف.
في تلك اللحظة رأيت الموت أمام عيني، وشعرت بمعنى أن يكون الإنسان عاجزًا تمامًا، لا يملك من أمره شيئًا. كنت أدفع عن نفسي، وأحاول النجاة، لكن النجاة لم تكن بقوتي ولا بحيلتي، وإنما بلطف الله الذي سخّر لي ذلك الشاب في اللحظة المناسبة.
حمدت الله كثيرًا، وبقي ذلك الموقف درسًا لا أنساه: أن الإنسان قد يكون بينه وبين الهلاك لحظات، ثم يفتح الله له باب نجاة من حيث لا يحتسب.
ومن عرف ضعفه في مثل تلك اللحظات، أدرك أن المنجي على الحقيقة هو الله، وأن العبد مهما أخذ بالأسباب، فلا نجاة إلا برحمته ولطفه.
لم يعد هتلر وألمانيا وحدهما
- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
يقول دانييل مارفيكي في مقدمة كتابه «ألمانيا وإسرائيل»:
«يُظهر هذا الكتاب، من بين أمور أخرى، أنّ الداعم الأهم للدولة اليهودية الناشئة في الشرق الأوسط قبل حرب العرب وإسرائيل الحاسمة عام 1967 لم يكن الولايات المتحدة، بل ألمانيا الغربية. فقد ساعدت التعويضات الألمانية بعد الحرب، والمساعدات المالية، والدعم العسكري، في تحويل إسرائيل من مشروع محفوف بالمخاطر يتكوّن من لاجئين فقراء ومستوطِنين مصممين، إلى قوة إقليمية».
وبعد هذا الاستنتاج يحاول مارفيكي أن يكشف مبررات دعم ألمانيا لإسرائيل. وفي هذا السياق يتم التركيز على أنّ ألمانيا عادت إلى الساحة السياسية من خلال هذا الدعم.
ومع ظهور منشورات مهمة تتعلق بالدعم الألماني الاستثنائي وغير المشروط لإسرائيل، يمكننا أن نتوقع انقشاع ستار الضباب الذي يغلّف الأحداث.
وكما هو معروف، هناك في بلادنا اعتقاد واسع بأن ألمانيا أيضاً خضعت للصهيونية ضمن إطار الهيمنة اليهودية على العالم. وقد تكوّن هذا الضباب تحديداً من خلال الدعايات التي سمحت بتشكّل مثل هذه الأفكار. وبعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بدأت هذه الستائر الضبابية تنقشع أيضاً.
وقد ذُكر سابقاً أنّ كتاب أنتوني لوينشتاين «مختبر فلسطين: كيف تصدّر إسرائيل تكنولوجيا الاحتلال إلى العالم؟» أظهر أيضاً الأعمال المتعلقة بتطوير تقنيات الاحتلال في ألمانيا. كما حاول الأكاديمي يورغن ماكرت أن يبيّن أنّ الدعم الألماني الاستثنائي لإسرائيل لا يرتبط بالخضوع للقوة اليهودية.
وفي الحقيقة فإن استنتاج دانييل مارفيكي المتعلق برغبة ألمانيا في العودة إلى الساحة السياسية بوصفها فاعلاً شرعياً يمتلك القدرة على تبديد طبقة الضباب التي ما تزال قائمة بالكامل.
واليوم، حوكِمت إسرائيل بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فقد قامت المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية بمحاكمة إسرائيل من خلال بعض الشخصيات، وخلصتا إلى أنّ جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب قد ارتُكبت.
وكان الألمان بالطبع يعلمون بجرائم الإبادة وجرائم الحرب الإسرائيلية. لكنهم شجعوا إسرائيل بشكل واضح، وبذلك تسببوا، عبر الصهيونية بوصفها أيديولوجيا استعمارية، في انخراط بريطانيا والولايات المتحدة بصورة مفرطة في جرائم الإبادة وجرائم الحرب. واليوم أصبحت بريطانيا والولايات المتحدة أيضاً طرفاً واضحاً في جرائم الإبادة.
وعلى وجه الخصوص، قام النخب البريطانيون والأمريكيون بإغراق النخب والجماهير في بلدانهم مراراً وتكراراً في جرائم الإبادة وجرائم الحرب الإسرائيلية. ولم يعد هتلر والألمان في الحرب العالمية الثانية وحدهم الآن. ومن المعروف إلى أي حد تحظى الصهيونية، بوصفها أيديولوجيا، بقبول واسع في بريطانيا والولايات المتحدة من خلال الجماعات الدينية الصهيونية. وفوق ذلك فإن الصهيونية، باعتبارها أيديولوجيا استعمارية، ذات جذور أنغلوساكسونية.
وقد بدأت تظهر لدينا أيضاً دراسات جيدة جداً حول الجذور الأنغلوساكسونية للصهيونية. وفي هذا الإطار، ركّز فضل دويغون في كتابه «من صهين اليهود؟» على دور بريطانيا والولايات المتحدة في ظهور الأيديولوجيا الصهيونية. كما انخرطت فرنسا أيضاً في جرائم الإبادة وجرائم الحرب في الجغرافيا الإسلامية.
وخلافاً للحرب العالمية الثانية، فإن السبب الأهم لعدم بروز نتنياهو، وستارمر، وبايدن، وترامب بقدر بروز هتلر، لا يعود إلى مشاكلهم الشخصية؛ بل إلى القبول الواسع للصهيونية في إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة، سواء من قبل النخب أو عبر الجماعات الدينية. إن العمق الاجتماعي للصهيونية في هذه البلدان وصل إلى مستويات مخيفة. وبفضل هذا العمق نجح الألمان في جذب إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة إلى جانبهم.
بل يمكن القول، بمعنى ما، إنهم انتقموا من خلال تعميم جرائم الإبادة وجرائم الحرب الخاصة بالحرب العالمية الثانية.
ومن المهم جداً أنهم، عبر تقديم دعم مفرط لإسرائيل الصهيونية في جرائم الإبادة وجرائم الحرب، جعلوا بريطانيا والولايات المتحدة في الواجهة.
إن المفاهيم الأساسية مثل «القوة اليهودية» و«الهيمنة اليهودية على العالم» كانت تجعل الحقائق التي نطرحها اليوم غير مرئية. وقد منحت مقاومة فلسطين-غزة الإنسانية كلها وقتاً لكشف هذه الحقائق. وللأسف، ذهب الفلسطينيون، كشعب كامل، جماعياً إلى الموت، وتعرضوا لكوارث عظيمة شبيهة بتلك التي وردت أمثلتها في الكتب المقدسة. ولا يمكن التستر على هذه الحقائق. إنها مقاومة مذهلة.
ومن اللافت للنظر أنّ أكثر النتائج إحداثاً للصدمة بدأت تظهر أولاً في أوروبا. ويمكننا أن نتوقع أنّ اصطفاف فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، من حيث الانخراط في جرائم الإبادة وجرائم الحرب، سيؤدي إلى ظهور أشكال جديدة تماماً من الخصومات. وسنحاول في المقالات القادمة تقييم التطورات في هذا الاتجاه.
صعود الرؤساء الأمريكيين.. من بوش إلى ترمب
لا يمكن فهم صعود الرؤساء الأمريكيين في العقود الأخيرة باعتباره مجرد نتيجة لصندوق الاقتراع أو مهارة الحملات الانتخابية، بل يجب النظر إليه بوصفه نتيجة تفاعل معقد بين تحولات عميقة في المجتمع الأمريكي وبنية الدولة ومراكز القوة الخفية؛ فكل رئيس يصل إلى البيت الأبيض هو في الحقيقة تعبير عن لحظة تاريخية مركبة، تتقاطع فيها أزمات الداخل مع تحولات الخارج، ويتداخل فيها الاقتصادي مع الديني، والاجتماعي مع الجيوسياسي.
منذ وصول جورج دبليو بوش وصولًا بصعود باراك أوباما وصولًا إلى انتخاب دونالد ترمب تتكشف مسارات متشابكة تكشف تآكل الإجماع الأمريكي التقليدي، وصعود صراعات هوية، وتبدّل في أدوات الهيمنة.
مثّل عهد بوش لحظة فارقة في إعادة تعريف السياسة الأمريكية بعد 11 سبتمبر الذي لم يكن صعوده مجرد فوز انتخابي بل كان تتويجاً لتحالف فكري – سياسي عميق بين تيارين رئيسين.
الأول: المحافظون الجدد: الذين تبنوا فكرة أن الولايات المتحدة يجب أن تعيد تشكيل العالم عبر القوة العسكرية المباشرة.
الثاني: اليمين الإنجيلي: الذي أعطى السياسة بعدًا أخلاقيًا ودينيًا، مؤطرًا الصراع العالمي في ثنائية الخير والشر.
في هذا السياق، تحولت الحرب إلى أداة أيديولوجية، لا مجرد وسيلة أمنية، وبرز دور «المجمع الصناعي العسكري» كمحرك مركزي في قرارات الحرب، مدعومًا بتأثير منظمات ضغط مؤثرة التي رأت في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية فرصة لتعزيز الأمن.
جاء صعود أوباما بوصفه رد فعل اجتماعي ونفسي على مرحلة بوش، لا مجرد تحول حزبي؛ فقد مثّل تحالفًا جديدًا ضم العرقية والشباب والطبقة المتعلمة في المدن الرئيسة الكبرى.
كان انتخابه رمزًا لتحول ديموغرافي عميق في المجتمع الأمريكي، حيث بدأ تراجع الأغلبية البيضاء ككتلة انتخابية مهيمنة.
لكن المفارقة أن خطابه التغييري اصطدم بصلابة بنية الدولة العميقة، فبينما رفع شعار التغيير، استمرت السياسات الخارجية الكبرى في جوهرها، وإن بأسلوب مختلف، القيادة من الخلف بدل التدخل المباشر.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة زرع بذور إحباط عميق لدى قطاعات واسعة من الناخبين، وهو ما مهّد لاحقًا لصعود موجة احتجاجية غير مسبوقة.
جاء ترمب من خارج المنظومة السياسية التقليدية، مستثمرًا شعورًا متراكمًا بالغضب لدى قطاعات واسعة من الطبقة العاملة، خاصة فيما يُعرف بـ«Rust Belt».
لم يكن ترمب نتاج النخب، وإنما تعبير عن رفضها، وقد اعتمد على سردية قوية تقوم على استعادة الهوية الوطنية ورفض العولمة ومعاداة النخب السياسية والإعلامية.
لقد حوّل الانقسام الاجتماعي إلى وقود سياسي، مستخدمًا خطابًا مباشرًا يتحدى المؤسسات، ومعتمدًا على تحالفات مع قوى اقتصادية متضررة من العولمة، إضافة إلى استثمار فعال في الإعلام الرقمي والتواصل المباشر مع الجمهور.
لا يمكن فهم صعود أي رئيس أمريكي دون تفكيك منظومة القوى غير المرئية التي تصنع القرار، فالانتخابات ليست سوى الواجهة، أما العمق فيتمثل في «اللوبيات» المالية والصناعية، ومراكز التفكير وصناعة السياسات، وشبكات التمويل السياسي.
وتودي شركات السلاح والطاقة والتكنولوجيا أدواراً محورية في توجيه السياسات، عبر أدوات مثل التمويل الانتخابي، والتأثير الإعلامي، وتوجيه النقاش العام.
وفق منهج تحليلي يربط بين التاريخ والبنية الاجتماعية والجغرافيا السياسية، يمكن تحديد 3 مسارات كبرى:
1- تراجع منظومة القيم الليبرالية التقليدية لصالح الشعبوية وصراعات الهوية.
2- انتقال مركز التأثير من النخب التقليدية إلى الشارع والمنصات الرقمية.
3- اختلاف الأدوات مع بقاء الهدف ثابتاً، وهو الحفاظ على التفوق الأمريكي، سواء عبر التدخل العسكري، أو القوة الناعمة، أو الحمائية الاقتصادية.
تكشف تجربة الرؤساء الأمريكيين في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أن الرئاسة ليست مركز القرار المطلق، وإنما موقع تقاطع لقوى متعددة؛ فالرئيس، أياً كان اسمه يعمل ضمن بنية معقدة من القيود والضغوط، حيث تتفاعل المصالح الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية، والتحولات الاجتماعية.
وهكذا، فإن فهم السياسة الأمريكية لا يمر فقط عبر تتبع الرؤساء، بل عبر قراءة القوى التي تصنعهم، والظروف التي تفرضهم، واللحظات التاريخية التي تجعل منهم تعبيراً عن مرحلة كاملة من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.