الاثنين، 2 نوفمبر 2026

التوتر التركي الأذربيجاني.. ابحث عن «إسرائيل»

التوتر التركي الأذربيجاني.. ابحث عن «إسرائيل»

محلل سياسي

طالما وصفت الدوائر الرسمية والإعلامية التركية تركيا وأذربيجان بأنهما «شعب واحد في دولتين»، وهي صيغة مبالغة مقصودة للتعبير عن عمق العلاقة وقوتها بين الجانبين، لكن ذلك لا يعني أن البلدين كانا دائماً على وفاق تام في الرؤى والمواقف إزاء القضايا المختلفة، فضلاً عن الاختلافات الأيديولوجية وبعض السياسات الداخلية والخارجية.

والحقيقة أن الطرفين لديهما بعض الاختلافات، بل والخلافات، التي لم تظهر إلى السطح في حينها؛ بسبب الإرادة السياسية لدى كل من أنقرة وباكو للحد منها، أو على أقل تقدير إبقائها بعيداً عن التداول الإعلامي.

ويرجع ذلك إلى أهمية كل بلد من منظور الآخر؛ فتركيا داعم أساسي لأذربيجان في صراعها مع أرمينيا، وكان لها دور بارز وملموس في حرب استعادة إقليم ناغورنو قره باغ.. وفي المقابل، تمثل أذربيجان بالنسبة إلى تركيا مصدراً رئيساً للغاز الطبيعي، وشريكاً تجارياً مهماً، وصلة وصل مع «العالم التركي» أو الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى.

وخلال الأيام الأخيرة، توترت العلاقات بشكل مفاجئ بين أنقرة وباكو؛ إذ تسببت أزمة حظر الحجاب في أذربيجان بردود فعل متوقعة في تركيا على المستويين الشعبي والنخبوي، تمثلت في كتابات رافضة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومظاهرات منددة دعت إليها بعض مؤسسات المجتمع المدني التركية، بينما لم تصدر مواقف رسمية تركية تتعلق بالأمر مباشرة.

بيد أن رد فعل باكو كان غريباً جداً ومرتفع السقف؛ حيث كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في زيارة لأذربيجان للمشاركة في القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات الثقة في آسيا (سيكا)، حين اتهمته وسائل إعلام مقربة من الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بأنه التقى منظمات تسعى إلى إسقاط النظام في باكو، و«قدم لها توجيهات».

وردت السفارة التركية في أذربيجان على ادعاءات التدخل في الشأن الأذربيجاني، وعلى غير العادة، ببيان حاد النبرة ينفي تلك الاتهامات، ورغم ذلك، استمرت بعض وسائل الإعلام الأذربيجانية في توجيه اتهاماتها إلى أنقرة الرسمية.

والأخطر من ذلك أن النيابة العامة في أذربيجان أصدرت قراراً بالبحث الدولي والتوقيف الغيابي بحق 6 مواطنين أتراك، من بينهم إعلاميون ونشطاء في المجتمع المدني، وطلبت من أنقرة تسليمهم، على خلفية اتهامات بـ«الدعوة إلى تغيير النظام الدستوري بالقوة والتحريض على الكراهية والعداء الديني» في أذربيجان.

وباختصار، كان رد الفعل التركي شعبياً ونخبوياً، لا رسمياً، ونابعاً من دوافع دينية ومن تجربة تركيا نفسها في حظر الحجاب؛ لدرجة أن زعيم المعارضة السابق كمال كليجدار أوغلو وجه نصيحة إلى السلطات الأذربيجانية بأن تتجنب هذه الممارسات التي مرت بها بلاده سابقاً، بينما جاء رد الفعل الأذربيجاني في الإطار الرسمي؛ سياسياً وإعلامياً وقانونياً.

وقد تزامنت مع ذلك تصريحات أذربيجانية رسمية تحدثت عن أن معركة قره باغ خاضتها البلاد بجهود ذاتية، وأن الدول المساندة لم تقدم دعماً مجانياً، وإنما «باعتنا السلاح بسعر السوق»، وهو ما فُهم على أنه تقليل من الدور التركي في الحرب من جهة، ووضعه في سياق بيع السلاح لا الدعم من جهة أخرى.

ويُعد ذلك تطوراً لافتاً؛ إذ طالما كانت تركيا فاعلاً رئيساً في الحرب، حتى وفق الخطاب الأذربيجاني الرسمي، كما كانت شريكاً رئيساً في الاحتفالات السنوية بذكرى النصر في باكو، وليست مجرد ضيف مدعو إليها.

وسابقاً، كان الخلاف الرئيس بين الجانبين مرتبطاً بالعلاقة مع «إسرائيل»؛ حيث تربط أذربيجان بها علاقات تعاون وتحالف وتفاهمات أمنية، بما في ذلك إتاحة أراضيها للاستخدام الأمني والعسكري من جانب دولة الاحتلال ضد إيران، فضلاً عن تقديم الأخيرة دعماً لأذربيجان في حربها ضد أرمينيا، بينما تشهد العلاقات التركية مع «إسرائيل» مؤخراً حالة من التوتر، وصلت إلى حد المواجهة غير المباشرة في سورية، وتشكيل «إسرائيل» تحالفات تستهدف تركيا في المقام الأول، بالتعاون مع اليونان وقبرص ودول أخرى.

وكانت تقارير غير مؤكدة، لم يعلق عليها أي من الجانبين حينها، قد تحدثت عن وجود خلاف بينهما بسبب استمرار تصدير النفط الأذربيجاني إلى «إسرائيل» عبر الموانئ التركية خلال حرب الإبادة في غزة.

ومؤخراً، وعلى هامش القمة المذكورة أعلاه، سافر رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ على متن طائرة أذربيجانية للمشاركة في القمة، تجنباً لمنع تركيا مرور طائرته في أجوائها، كما حدث سابقاً، كما أن أذربيجان كانت من الدول الإسلامية القليلة التي لم تقاطع كلمة رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

بيد أن كل ذلك، مما يرتبط بخلافات سابقة على خلفية العلاقات التقليدية مع دولة الاحتلال، لا يوفر إطاراً تفسيرياً كافياً للتصعيد الأذربيجاني ضد تركيا، وتوتير العلاقات معها بهذا الشكل غير المسبوق.

ولذلك، فإن السؤال المطروح: في أي سياق حالي أو مستقبلي يمكن تفسير هذا التوتر، أو بالأحرى هذا التصعيد المقصود من باكو ضد أنقرة؟

والسياق الذي يجعل هذا السؤال وجيهاً جداً اليوم ازدياد مستوى التوتر في شرق المتوسط بين تركيا و«إسرائيل»؛ حيث تعزز الأخيرة مؤخراً تحالفها مع اليونان وقبرص في مواجهة تركيا، بينما حققت أنقرة مكاسب إستراتيجية في ليبيا ومنطقة شرق المتوسط عموماً، بعد إقرار البرلمان الليبي في شرق ليبيا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي كانت أنقرة قد وقعتها عام 2019م مع حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج، وهو ما جاء عقب انفتاح تركي على قوى شرق ليبيا، مع الحفاظ على تحالفاتها مع قوى غربها.

فهل لدى باكو معلومات عن صدام وشيك بين الجانبين في شرق المتوسط؛ ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف تصعيدية اليوم تجاه أنقرة، تمهيداً لتسويغ عدم تقديم الدعم لها في أي صدام محتمل مع دولة الاحتلال؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك في دلالاته وخطورته، بحيث يشكل اصطفافاً أذربيجانياً رسمياً مع الأخيرة ضد تركيا، سواء وقع صدام أم لم يقع؟

ولا تزال المواقف الرسمية التركية تؤكد عمق العلاقات بين تركيا وأذربيجان، وإمكانية تجاوز أي ملفات خلافية عن طريق التواصل المباشر والحوار، وبشكل أخوي، على حد تعبير وزير الخارجية هاكان فيدان.


بيد أن التصريحات الرسمية والقرارات القانونية الصادرة عن باكو تشير إلى أن الأزمة الحالية أكبر من أن تكون مجرد زوبعة صغيرة ومؤقتة في فنجان العلاقات الثنائية بين البلدين، فضلاً عن أنها تأتي في ظل أزمات المنطقة المتفاقمة.

اقرأ أيضاً








المُؤنِسَاتُ الغاليات!

    نقطة نظام 

المُؤنِسَاتُ الغاليات!


أدهم شرقاوي

عندما تولدُ البنتُ، لا يُرزَقُ الأبُ طفلةً فحسب، بل يُرزَقُ قلبًا ثانيًا يمشي خارجَ صدرِه، يخافُ عليه أكثرَ ممَّا يخافُ على نفسِه، ويبتسمُ له كأنَّ الدُّنيا اعتذرتْ له عن كلِّ ما آلمَه.

هي الوحيدةُ التي يرى فيها ضعفَه فضيلةً لا نقصًا؛ أمامها يسقطُ ثِقَلُ الرُّجولةِ المُتعبةِ، ويجلسُ كما هو: إنسانًا يحتاجُ أن يُحَبّ.

قد يقفُ في وجهِ العالمِ كلِّه دون أن يرتجفَ، لكن دمعةً في عينِ ابنتِه تهزُّه من الداخلِ هزًّا لا تفعله الحروبُ؛ لأنَّها لا تُخاطبُ قوَّتَه، بل تُخاطبُ أبوَّتَه، وأبوَّةُ الرجلِ أرقُّ ما فيه.

وللبنتِ منزلةٌ تعلو على المُزاحمةِ، لا لأنَّ الأبَ يُفضِّلها ظلمًا، بل لأنَّ العلاقةَ بينهما لا تُقاسُ بميزانِ العدلِ الحسابيِّ، بل بميزانِ القلبِ. هي مأمنُ أسرارِه الصغيرةِ، ومستودعُ وجعِه الذي لا يليقُ به أن يقولَه بصوتٍ عالٍ.

قد يُشاركُ زوجتَه الحياةَ، لكنَّه يُشاركُ ابنتَه الجزءَ الطفوليَّ الذي بقي حيًّا فيه؛ الجزءَ الذي لا يريدُ أن يموتَ.

إنَّها الحبيبةُ الأولى في حياةِ الرجلِ بمعناها النقيِّ: حبٌّ لا خوفَ فيه، ولا منافسةَ، ولا شروطَ. ولهذا قد يخصُّها بما لا يخصُّ به أحدًا، لا سرًّا ضدَّ الآخرين، بل قُربًا منها؛ لأنَّ قلبَه يجدُ عندها سكينةً غريزيَّةً.

البنتُ لا تُزاحمُ أحدًا في بيتِ أبيها، لكنَّها تسكنُ مكانًا لا يصلُ إليه أحدٌ. تبقى ولو صارت امرأةً طفلته التي يخافُ عليها من الهواءِ، ويبقى ولو شاخ الجدارَ الذي تعرفُ أنَّه لا ينكسرُ!

روى البخاريُّ في صحيحِه من حديثِ أُمِّ المؤمنين عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت:

إنَّا كُنَّا أزواجَ النبيِّ ﷺ عندَه جميعًا، لم تُغادِرْ مِنَّا واحدةٌ، فأقبلتْ فاطمةُ تمشي، لا واللهِ ما تخفى مشيتُها من مشيةِ رسولِ الله ﷺ!

فلمَّا رآها رحَّبَ، قال: مرحبًا بابنتي!

ثم أجلسَها عن يمينِه أو عن شمالِه، ثم سارَّها فبكتْ بكاءً شديدًا!

فلمَّا رأى حزنَها سارَّها الثانيةَ، فإذا هي تضحكُ.

فقلتُ لها: أنا مِن بينِ نسائِه: خصَّكِ رسولُ الله ﷺ بالسِّرِّ مِن بينِنا، ثم أنتِ تبكين!

فلمَّا قام رسولُ الله ﷺ سألتُها عمَّا سارَّكِ؟ قالت: ما كنتُ لأفشيَ على رسولِ الله ﷺ سرَّه.

فلمَّا تُوفِّيَ قلتُ لها: عزمتُ عليكِ بما لي عليكِ مِن الحقِّ لَمَّا أخبرتِني.

قالت: أمَّا الآنَ فنعم.

فأخبرتْني، قالت: أمَّا حين سارَّني في الأمرِ الأوَّلِ فإنَّه أخبرني: أنَّ جبريلَ كان يعارضُه بالقرآنِ كلَّ سنةٍ مرَّةً، وإنَّه قد عارضني به العامَ مرَّتينِ، ولا أرى الأجلَ إلَّا قد اقتربَ، فاتَّقي اللهَ واصبري، فإنِّي نعمَ السَّلَفُ أنا لكِ. قالت: فبكيتُ بكائي الذي رأيتِ.

فلمَّا رأى جزعي سارَّني الثانيةَ، قال: يا فاطمةُ، ألا ترضينَ أن تكوني سيِّدةَ نساءِ المؤمنين، أو سيِّدةَ نساءِ هذه الأُمَّة؟

الدَّرسُ الأوَّلُ:

مكانةُ البنتِ عند أبيها!

في هذا المشهدِ تتجلّى صورةُ الأبِ الكاملِ: نبيٌّ ﷺ تُحيطُ به أزواجُه، وتدورُ حوله شؤونُ أُمَّةٍ، ومع ذلك إذا دخلتْ فاطمةُ قام لها قلبُه قبل أن يقوم مجلسُه. رحَّب بها، وأجلسَها قريبًا منه، وسارَّها دون الجميع.

هذه ليست مجرَّد عاطفةٍ عابرةٍ، بل إعلانٌ تربويٌّ أنَّ البنتَ ليست هامشًا في حياةِ أبيها، بل مركزُ دفئِه، وموضعُ ثقتِه، وامتدادُ روحِه. إنَّ تكريمَ البنتِ ليس خُلُقًا اجتماعيًّا فقط، بل سُنَّةٌ نبويةٌ تُربّي الآباءَ أنَّ الحنانَ قوَّةٌ، وأنَّ القربَ من الأبِ أمانٌ تبني به المرأةُ حياتَها كلَّها.

الدَّرسُ الثاني:

حفظُ السِّرِّ أمانةُ القلوبِ الكبيرةِ.

حين سألتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها فاطمةَ رضي الله عنها عن السِّرِّ، كان بوسعِها أن تتكلَّمَ، لكنَّها قالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسولِ الله ﷺ.

هذا هو ميزانُ النفوسِ العظيمةِ: أن تعرفَ متى تصمتُ.

وفي زمنٍ تُباعُ فيه الأسرارُ بثمنِ الانتباهِ، يُعيدُ الحديثُ تعريفَ النُّبلِ: أن تموتَ الكلماتُ في صدرِك ولا تخونَ.

الدَّرسُ الثالث:

تربيةُ القلوبِ على مواجهةِ الفقدِ.

أخبرها النَّبيُّ ﷺ باقترابِ أجلِه، ولم يُخفِ الحقيقةَ عن ابنتِه، لكنَّه لم يتركْها عاريةً أمام الألمِ؛ قال لها: فاتَّقي اللهَ واصبري.

هكذا يُربَّى المؤمنُ: لا على الهروبِ من المصائبِ، بل على استقبالِها بزادِ الإيمانِ. البكاءُ لم يكن ضعفًا، والضَّحكُ بعده لم يكن تناقضًا؛ كان انتقالًا من بشريَّةِ الحزنِ إلى يقينِ الرضا. فالإسلامُ لا يطلبُ قلوبًا حجريَّةً، بل قلوبًا تبكي ثم تثبتُ.

الدَّرسُ الرابع:

البشارةُ دواءُ الأحزانِ.

لم يتركْها النبيُّ ﷺ عند الخبرِ الأوَّلِ، بل عاد فمسحَ جرحَها ببشارةٍ عظيمةٍ: سيادةُ نساءِ المؤمنين.

كأنَّ الرسالةَ تقولُ: لا تُترَك القلوبُ عند الألمِ بلا نورٍ.

هذا الحديثُ لا يُرينا قائدًا تاريخيًّا فقط، بل أبًا يحتضنُ ابنتَه، يُواسيها، ويخافُ على قلبِها. فالنبوَّةُ هنا ليست خطبةً على منبرٍ، بل همسٌ في أذنِ ابنةٍ.

وهنا سرُّ التأثيرِ: أنَّ العظمةَ الحقيقيَّةَ لا تُلغي الإنسانيَّةَ، بل تُكمِلُها.

كلُّ بيتٍ يحتاجُ هذا النموذجَ: رجلٌ قويٌّ في الخارجِ، رحيمٌ في الداخلِ؛ لأنَّ الحضاراتِ لا تُبنى بالقراراتِ وحدها، بل بالقلوبِ التي تعودُ إلى بيوتِها آمنةً.

الدَّرسُ السادس: قيمةُ الصبرِ حين يصبحُ اختيارًا واعيًا.

الصبرُ في الحديثِ ليس استسلامًا، بل موقفٌ.

فاطمةُ بكتْ، ثم ضحكتْ، ثم حملتِ الخبرَ في صدرِها حتى وفاةِ أبيها ﷺ.

هذا صبرُ الكبارِ: أن تشعرَ بالألمِ كاملًا، ثم تختارَ أن تمشي رغمَه.

فالمؤمنُ لا يُمنَعُ عنه الحزنُ، لكن يُمنَعُ أن يتحوَّلَ الحزنُ إلى انهيارٍ. والصبرُ ليس غيابَ الدموعِ، بل حضورُ المعنى خلفَ


وجهة وطن: سوالف على هامش money tech

آخر كلام 
 وجهة وطن: سوالف على هامش money tech
 محمد البغلي
  
من يعرفني يعلم أنني لست مغرماً بالتقنيات المالية وتشعباتها المتعددة، وأفضل في معظم التعاملات سماع «طقة النوط» على أصوات إشعارات وتنبيهات التطبيقات مع كل عملية مالية. 
ومع ذلك أحرص للعام الخامس على التوالي على حضور مؤتمر money tech السنوي لأسباب متعددة، أهمها عملي في جريدة الجريدة، وكذلك التقاط الصورة السنوية مع الأخ الكبير والزميل العزيز مدير التحرير في الجريدة الأستاذ ياسر السعدي. 
غير أن المؤتمر هذا العام كان مختلفاً إلى حد كبير، ليس فقط من ناحية توسع محاوره، التي ناقشت ملفات أوسع مرتبطة بالتداعيات الاقتصادية واللوجستية لأزمة الحرب الإقليمية وتحديات التطورات التكنولوجية، بل لما لمسته من خلال حوارات جانبية ودية مع العديد من الزوار والحضور في المؤتمر. 

تنوعت الحوارات على هامش المؤتمر مع أصدقاء وزملاء ومعارف و«مصادر صحافية» حول الأوضاع العامة الخارجية والداخلية والمخاوف والتوقعات والتنبؤات المستقبلية التي تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم المترتبة على الأعمال والتجارة، وأيضاً المشاريع الصغيرة والمتوسطة. 
في ممرات المؤتمر و«سوالفه» الجانبية تحدثت مع شرائح متعددة من أصحاب الأعمال، الثري منهم والمبادر وكذلك المضارب أو الذي «يطقطق بالسوق» وأيضاً الموظف، عن قضايا وقصص يصعب سردها بشكل مفهوم في المكالمات الهاتفية السريعة والمرتبكة أو رسائل الواتساب المختصرة والتي قد توصل الفكرة ناقصة أو مبتورة. 

الثري يخشى انقلاباً مفاجئاً في الأحوال واستمرار حالة اللاسلم واللاحرب في المنطقة، والمضارب يشكو ارتفاع هوامش المخاطرة، والمبادر يعاني ويلات ارتفاع تكاليف الاستيراد وتعاظم أسعار الإيجارات، فضلاً عن تناقض التصريحات الحكومية تجاه الإجراءات البيروقراطية مع الحقيقة على أرض الواقع، وكذلك الموظف الذي بات الدينار الواحد «يفرق» في تنظيم مصروفاته الشهرية. 
من يرى في الواقع فرصة؟ ومن يخشى من تحولات المستقبل؟ وهل الحرب الإقليمية ستفضي إلى واقع جديد للحياة أو العمل أو التجارة والأعمال؟ وما شكل هذا الواقع؟ هل سيكون أسوأ أم أفضل؟ هل الإجراءات والسياسات والقوانين المتسارعة أخيراً ستدعم الأوضاع الاقتصادية في البلاد أم لا؟ ماذا عن التضخم، سهولة الأعمال، الفرص؟ 
في الحقيقة لم تكن هناك إجابات وافية لجميع الأسئلة، بل إن بعضها حمل إجابات متناقضة سيطرت عليها حالة الضبابية وعدم اليقين، وكان معظمها يأتي على شكل مخاوف أو انعكاس لقلق وتوجس، لكن اللافت كان شفافية النقاشات ووضوح الحوارات والقدرة على التعبير عن المخاوف بنفس قدرة الآخرين على التعبير عن ارتياحهم ورضاهم. 
لا تزال فكرة لقاء أعداد كبيرة من الناس بشكل مباشر دون قيود وسائل التواصل وجمود التكنولوجيا لها جاذبيتها ومصداقيتها وأيضاً شفافيتها، عندما تسمعها من شرائح متعددة من الناس.

الأحد، 1 نوفمبر 2026

لماذا تأخرنا؟ ومن أين يبدأ طريق النهضة؟

 لماذا تأخرنا؟ ومن أين يبدأ طريق النهضة؟


إن مأساة الأمة الإسلامية المعاصرة لا تتمثل في أنها نسيت أمجادها؛ فما أكثر ما نستحضر تاريخنا، ونفاخر بعلمائنا، ونستعيد صور الحضارة التي أضاءت قرونًا من عمر الإنسانية؛ وإنما المأساة أن تتحول الذاكرة إلى عزاء عن العجز، وأن نكتفي بسرد ما صنعه الأجداد بدلًا من أن نسأل عما نصنعه نحن؛ فالحضارات لا تعيش طويلًا على رصيد الماضي، ولا تستعيد مكانتها بكثرة الحديث عن مجدها، وإنما تتجدد حين تمتلك أسباب القوة، وتراجع أخطاءها، وتؤسس لمستقبل يستحق أن يرثه أبناؤها.

ولم يكن سؤال التأخر طارئًا على الفكر الإسلامي الحديث، ولا شاغلًا لمصلح واحد؛ فقد أقلق أجيالًا من العلماء والمفكرين الذين اختلفت مناهجهم، واجتمع همُّهم على البحث عن أسباب الوهن وشروط النهوض؛ فطرح الأمير شكيب أرسلان سؤاله الشهير في كتابه «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»، متتبعًا أثر الجهل والجمود والتفرق وضعف الإرادة.

وبحث مالك بن نبي في «شروط النهضة» عن القوانين التي تحكم نشوء الحضارات، وعن بناء الإنسان وفاعلية الأفكار وتنظيم الطاقات؛ ثم جاء الشيخ محمد الغزالي في «سر تأخر العرب والمسلمين» ليواجه اختلالات الحكم والفكر والتدين، وما أصاب العقل المسلم من اضطراب في فهم الدين وترتيب الأولويات.

وعلى اختلاف هذه المقاربات، فإنها تكشف أن سؤال النهضة ظل مفتوحًا عبر الأجيال، وأن أزمة الأمة لم تكن يومًا نقصًا في تشخيص الداء وحده، بل في قدرتها على تحويل الوعي بأسبابه إلى إرادة إصلاح، ومؤسسات فاعلة، ومشروع حضاري يملك أدوات المستقبل.

والسؤال عن تأخر المسلمين ليس اتهامًا للإسلام، ولا إنكارًا للإنجازات التي حققتها مجتمعات إسلامية في مجالات شتى، وفي عصور مختلفة؛ بل هو مساءلة للفجوة بين قيم نؤمن بها وواقع لم نستطع دائمًا أن نجسدها فيه؛ فكيف يتراجع العلم في أمة افتُتح وحيُها بالأمر بالقراءة، ويشيع الظلم حيث أُمر الناس بالعدل، وتُهدر الكفاءات في مجتمعات جعل دينها الأمانة شرطًا للولاية والمسؤولية؟

إن الإجابة لا تستقيم بإلقاء التبعة كلها على الخارج، ولا بتحميل الداخل وحده أوزار التاريخ؛ وإنما تبدأ بتشخيص يضع الأسباب في مواضعها، ويصل إصلاح الإنسان بإصلاح المؤسسات، ويقرأ الحاضر بعين تستشرف المستقبل.

حين نفقد شجاعة مراجعة أنفسنا
أولى عقبات النهوض أن نخلط بين قداسة الوحي وتصرفات البشر، وبين أحكام الشريعة وعادات المجتمعات، وبين الاعتزاز بالتاريخ وتبرير أخطائه؛ فالإسلام ميزان نقوِّم به واقعنا، وليس غطاءً نستر به انحرافاتنا، والتراث خبرة ننتفع بها، لا سلطة تمنعنا من السؤال والاجتهاد.

وقد قرر القرآن أصلًا عظيمًا في سنن الإصلاح: 
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)؛ وليس المراد أن تنفصل إصلاحات النفوس عن إصلاحات الأنظمة، بل أن التغيير الحضاري يحتاج إلى تحول في الوعي والقيم والسلوك، تصاحبه مؤسساتٌ عادلة وسياسات رشيدة.

ولا تعني محاسبةُ الذات تبرئةَ الاستعمار والاحتلال من جرائمهما، أو تحميل المظلوم مسؤولية ما يقع عليه من ظلم؛ وإنما تعني ألا نستسلم لتفسيرٍ يُعفينا من مراجعة أخطائنا، حتى لا يصبح الاعترافُ بقوة الخصم حجةً لدوام ضعفنا.

فساد الحكم حين يصبح إهدارًا للمستقبل

ليس الاستبداد مجرد اعتداء على الحقوق السياسية؛ إنه إفساد لموازين المجتمع، وإضعاف لثقته في العدل، واستنزاف لقدراته العلمية والاقتصادية؛ فحين تُقدَّم الولاءات على الكفاءات، ويُقصى الناقد ويُكافأ المادح، ويُعامل المال العام كأنه غنيمة، تصبح الموهبة عبئًا على صاحبها، ويغدو النفاق طريقًا مختصرًا إلى المناصب.

وقد جمع القرآنُ أصولَ الحكم الرشيد في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)؛ وجاء التحذير النبوي بليغًا: «إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»(1).

ومن ثَم، فإن الإصلاحَ المؤسسي ليس شأنًا إداريًّا هامشيًّا، بل ضرورة مقاصدية لحفظ الحقوق والثروات والطاقات؛ يبدأ بإعلاء الكفاءة، واستقلال القضاء، وشفافية القرار، والمحاسبة العادلة، وتهيئة بيئة يستطيع فيها الإنسان أن ينجح بعمله، لا بقربه من أصحاب النفوذ.

تعليم يكثر فيه الحفظ ويقل فيه الإنتاج
ومن أشد أمراض التأخر أن تنفصل المعرفةُ عن وظيفتها الحضارية؛ فتكثر الشهادات ولا يتناسب معها الإنتاج، وتتسع المؤسساتُ التعليمية دون أن تتجذر فيها ثقافةُ البحث، وتستغرق العقول في خصومات جزئية بينما تنتظر قضايا المجتمع من يدرسها ويعالجها.

وليس المطلوبُ إقصاء العلوم الشرعية والإنسانية لحساب العلوم التقنية، بل وصل هذه العلوم جميعًا بأسئلة الحياة، وتحقيق التكامل بينها؛ فالمجتمع يحتاج إلى من يفهم الإنسان وقيمه وتاريخه، كما يحتاج إلى من يطور دواءه وغذاءه وصناعته.

والعلاج يبدأ بإصلاح مناهج التعليم، وتحرير البحث من المحاباة، ورعاية المواهب، وربط الجامعات بمشكلات المجتمع، وتقديم جودة المعرفة على أعداد الشهادات؛ فالجامعة التي لا تعلم طلابها كيف يسألون وينقدون ويبتكرون، مهما ازدحمت قاعاتها، لم تؤدِّ رسالتها كاملة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تتضاعف المسؤولية؛ إذ لم تعد الندرة في الحصول على المعلومات، وإنما في القدرة على تمحيصها وتوظيفها، والتمييز بين الحقيقة والتضليل؛ ولهذا يصبح بناء العقل النقدي والأمانة العلمية من أهم استثمارات المستقبل.

تديُّن لا يثمر عملًا وعدلًا
ولا يكتمل التشخيص دون مواجهة خلل آخر؛ أن تنفصل مظاهر التدين عن مقاصدها الأخلاقية والعمرانية؛ فنحرص على بعض الشعائر، ثم نتساهل في الأمانة والإتقان وحقوق الناس، مع أن العبادة جاءت لتزكية الإنسان، وإصلاح علاقته بربه وبالمجتمع.

وليس العلاج في إضعاف الشعائر، وإنما في استعادة روحها وآثارها؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام يربي التقوى، والزكاة تحقق التكافل، والإيمان الصادق يدفع صاحبه إلى الصدق والعدل وإحسان العمل.

ومن أخطر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن يتحول التوكل إلى انتظار بلا سعي، والرضا بالقضاء إلى قبول بالعجز؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»(2).

وهذه الكلمات النبوية ترسم منهجًا كاملًا: معرفة النافع، وطلبه بجد، والاستعانة بالله، ومقاومة العجز؛ فلا تعارض بين صدق الإيمان وإتقان الأسباب، بل إن تعطيل الأسباب باسم التوكل إساءة إلى حقيقة التوكل نفسها.

وحدة المصالح وقوة المؤسسات

ولا يجوز أن نغفل أثر التفرق والصراعات الداخلية، وما تُتيحه من فرص للتدخل الخارجي وإدامة التبعية؛ فالأمة التي تستنزف قوتها في خصوماتها، وتعجز عن التعاون في العلم والاقتصاد، تضعف قدرتها على حماية مصالحها ومواجهة التحديات.

وقد قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)؛ فالوحدة المطلوبة ليست إلغاءً للتنوع، ولا شعارًا يعلو في المناسبات، وإنما تعاون مؤسسي يحول الروابط المشتركة إلى مشروعات علمية واقتصادية وإنسانية، ويحفظ الاختلاف المشروع دون أن يسمح له بتبديد المصالح الكبرى.

المستقبل لا ينتظر المترددين

تدخل الإنسانية مرحلة تعيد فيها التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي وتحولات الطاقة والمناخ والأمن الغذائي رسم موازين القوة؛ ومن يكتفِ باستهلاك المعرفة سيجد نفسه أشد اعتمادًا على من ينتجها، ومن يؤخر إصلاح التعليم والإدارة سيورث أبناءه فجوات يصعب ردمها.

ومن هنا ينبغي أن ينتقل تفكيرنا من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الاستعداد لها قبل حلولها؛ ببناء مراكز للدراسات المستقبلية، وربط السياسات بالبحث العلمي، والاستثمار في الإنسان، وتأهيل الشباب والفتيات لمهارات العصر، وتوسيع التعاون بين الجامعات ومؤسسات الإنتاج.

ولا يحمل الشباب وحدهم مسؤولية الإصلاح؛ فالدول والمؤسسات مطالبة بتوفير العدل والفرص والبيئات الحاضنة للكفاءة، لكن على الجيل الجديد أن يجمع بين رسوخ القيم ومرونة التعلم، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على المعرفة، وبين قوة التخصص وحسن التعاون.

إن أخطر ما يهدد الأمة ليس أن تتأخر في مرحلة من تاريخها، بل أن تألف التأخر حتى تراه قدرًا لا يُقاوَم؛ فالأمم قد تتعثر ثم تنهض، لكنها لا تنهض بالأماني، وإنما بوعي يكشف الخلل، وعدل يطلق الطاقات، وعلم ينتج الحلول، وإيمان يبعث على العمل.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: لماذا تأخرنا؟ وإنما ماذا سنغير في تعليمنا وحكمنا وأخلاقنا ومؤسساتنا حتى لا نورث أبناءَنا أسبابَ التأخر نفسها؟ فالمستقبل لا يُصنع بتمجيد ما كان، وإنما بإحسان ما ينبغي أن يكون.

الهوامش
1 رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، في صحيحه، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة (6496). 
2 رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، في صحيحه، كتاب القدر (2664).



شوف التاريخ!

شوف التاريخ!


مصطفى العبسي
كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية.


وصلتني الصورة مرتين في أسبوع واحد. صفحة من جريدة قديمة، ورقها أصفر، وعنوانها يتحدث عن نهاية العالم. 

وتحتها كتب أحدهما سطراً واحداً: "شوف التاريخ". 

التاريخ هو الجمعة، الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أي بعد أقل من أسبوعَين. اللذان أرسلا الصورة شخصان لا يعرف أحدهما الآخر، وكلاهما أضاف في النهاية وجهاً ضاحكاً. لا يريدان أن يبدوا جادّين أكثر من اللازم. وأحدهما لم يسأل عنّي منذ أشهر، ثم تذكّرني من أجل نهاية العالم.

أصل الحكاية ورقة علمية. في عام 1960، نشر الفيزيائي هاينز فون فورستر، مع باتريشيا مورا ولورانس أميوت، دراسة في مجلة "ساينس" العلمية. أخذوا تقديرات عدد سكان الأرض على مدى ألفَي سنة، ورسموا الاتجاه، وسألوا سؤالاً بسيطاً: ماذا لو استمر هذا النمو على حاله؟

أجابت المعادلة بما يشبه المزحة. عدد البشر يقترب من اللانهاية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. واللانهاية رقم لا يصلح للحياة ولا لجدول مواعيد.فقد عرف الباحثون أن النتيجة مستحيلة، وأن استحالتها هي الفكرة. هكذا تنتهي توقعات المستقبل حين نفترض أنّ الماضي سيكرّر نفسه إلى الأبد.

ثم فعلوا شيئاً سيدفع العالم ثمنه ستة عقود.

سمّوا الورقة "يوم القيامة: الجمعة 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2026". جمعة، و13. كان هذا نكتة. أتخيّلهم في المكتب وهم يختارون العنوان. وأحدهم يقول: ولماذا لا نجعلها الجمعة 13؟ ثم يضحكون ويذهبون إلى الغداء. ولم يكن في حسابهم أن مزحتهم ستُرسَل بعد ستة عقود في مجموعات واتساب. سافرت النكتة، وبقي الشرط الذي بُنيت عليه في مكانه.

بعد سنوات قليلة، عبرت الفكرة إلى الصحافة العربية. ثم مرّت عقود، وجاءت الهواتف، وصارت صورة الصفحة القديمة تتنقل بين المجموعات كأنها وثيقة سرّية أُفرج عنها قبل موعدها بأسبوعين. هكذا تخرج الأفكار من سياقها دون أن تفقد قدرتها على إخافتنا. وربما تزداد قوة كلما ابتعدت عن تفاصيلها، لأن ما يبقى في الذاكرة هو ما توقظه الحكاية فينا.

أما ما حدث فعلاً فأقل إثارة. تغيّرت معدلات الخصوبة. تغيّرت أنماط الحياة. وأخذ النمو السكاني طريقاً غير الذي رسمته المعادلة. تقديرات الأمم المتحدة لعام 2024 تقول إننا بلغنا 8.2 مليارات نسمة، وقد نصل إلى نحو 10.3 مليارات في منتصف الثمانينيات من هذا القرن، ثم يبدأ العدد في الانخفاض. لا نهاية ولا لانهاية. ذروة ثم هبوط. وهذا عنوان لا يصلح لصورة تُرسَل عبر واتساب.

القلق على الموارد باقٍ. أما الموعد فلا. والذي يشغلني في هذه الحكاية هو السهولة التي ننتقل بها من احتمال إلى موعد.

في التواريخ المحدّدة راحة لا نعترف بها. الخوف من خطر له يوم أهون من الخوف من مستقبل مفتوح

في التواريخ المحدّدة راحة لا نعترف بها. الخوف من خطر له يوم أهون من الخوف من مستقبل مفتوح. في الأول نعدّ الأيام، ونراقب التقويم، وننتظر أن يمرّ الموعد كي نعود إلى حياتنا. أما في الثاني، فلا توجد أمامنا صفحة نطويها.

ونحن نفعل هذا بأنفسنا كل يوم على نطاق أصغر. نضع مواعيد لحياتنا كما وضع فون فورستر معادلته. ونؤجل. بعد هذا المشروع. حين تخف المسؤوليات. في السنة القادمة. نؤجل الراحة إلى موعد، والقرب ممن نحب إلى موعد، والأشياء التي كانت تمتعنا بلا مقابل إلى موعد. ثم نصل إلى الموعد، فنجد أن الحياة لم تنتظرنا في المكان نفسه. وأنا أكتب هذا، أتذكر أنني أؤجل كتاباً بدأته منذ أكثر من عقد من الزمن، وأضع له موعداً جديداً مع كل بداية سنة.

في يوم الجمعة، 13 من نوفمبر/تشرين الثاني، سيمضي اليوم كما تمضي الأيام. ستفتح المقاهي أبوابها. وستتأخر قطارات. وسيجلس أحدهم أمام نافذته يفكر في قرار لم يتخذه بعد. ومعظم الناس لن يلتفتوا إلى التاريخ أصلاً.

وفي اليوم نفسه، ستُنشر أرقام قتلى الصراعات كما تُنشر كل صباح. وستُوزع خيام في مكان لم يكن قبل ثلاث سنوات مخيّماً. وستبكي امرأة على رصيف لا نعرف في أي بلد. ولن يسمي أحد هذا نهاية العالم، لأنّ النهايات التي تحدث فعلاً لا تأتي بموعد، ولا يكتبها أحد في عنوان دراسة.

النهايات التي تحدث فعلاً لا تأتي بموعد، ولا يكتبها أحد في عنوان دراسة

العالم الذي ننتظر نهايته انتهى بالفعل عند كثيرين، دون أن يلتفت إليهم تقويم. وبين النهايات الكبيرة التي تحدث لغيرنا، والنهاية التي ننتظرها في التقويم، تمرّ نهاية ثالثة صغيرة وصامتة: أن تمرّ السنوات ونحن نعيش كأن الحياة الحقيقية ستبدأ لاحقاً.

العالم لا يحتاج إلى أن يبلغ اللانهاية حتى يعجز الإنسان عن العثور على مكانه فيه. يكفي أن ينشغل طويلاً بما سيحدث غداً.


مصطفى العبسي


كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية. يهتم في كتاباته بالتجربة الإنسانية في لحظات التحول، خصوصًا ما يتصل بالزمن، والهوية، والعلاقة بين الجسد والنفس. تجمع نصوصه بين الحس الأدبي والتأمل النفسي، وتركّز على الأسئلة الهادئة التي تطرحها مراحل النضج.  

وقفات مع آيات (40).. الداعية لا يلجأ إلى العزلة في السجن

وقفات مع آيات (40).. الداعية لا يلجأ إلى العزلة في السجن

د. مالك الأحمد

 قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.

في قصة يوسف أمر عجب؛ حين أُودع السجن ظلمًا، بعدما استعصى على المرأة التي راودته، ولم يطاوع رغباتها الآثمة.

في السجن يميل الإنسان إلى العزلة والانكفاء على الذات، حتى لو كان يستحق هذا العقاب، فما بالك إن كان بريئًا؟

كان يوسف يحمل رسالة، وقلبه مليء بالإيمان. عندما جاءه الرجلان ليسألاه عن الرؤيا، لم يتأفف ولم يعتذر بحاله، بل وجدها فرصة للدعوة وبيان حقيقة التوحيد والإيمان بالله. لم يجبهما مباشرة، بل بادر بدعوتهما إلى الحق، ثم فسّر لهما رؤياهما.

صاحب الحق والداعية يحمل رسالة الإسلام أينما حلّ. أعرف أحدهم منذ سنين طويلة، وقد أُودع الحبس لمخالفة مرورية، في زمن كان النظام فيه يقضي بالتوقيف يومًا وليلة. عندما دخل صاحبنا السجن، وجد عددًا كبيرًا ممن هم في مثل حاله، فبادر وقت الصلاة بإمامتهم، ثم صار يحدّثهم ويعظهم بعد كل صلاة، وفي أثناء الطعام يجيب عن أسئلتهم الدينية، خصوصًا أن أغلبهم من العامة. 

وعندما حان وقت خروجه في اليوم التالي، تمسّك بعضهم بتلابيبه، طالبين منه البقاء لمزيد من الاستفادة من علمه! ويتداول الناس قصصًا متعددة لبعض المسلمين ممن سُجنوا في أمريكا، وكان لهم جهد طيب في الدعوة، وأسلم على أيديهم عدد لا بأس به من المساجين.

المسلم، ولا سيما من آتاه الله شيئًا من العلم والفهم، يحمل رسالة الإسلام معه أينما حلّ. ليس بالضرورة أن تكون داعية متفرغًا، بل تكفي نصيحة هنا، وكلمة طيبة هناك، وتذكير في موضعه. أذكر أحدهم، لا يكاد يجلس في مجلس إلا ويوجّه الحديث إلى أمر نافع للحضور، دون تكلّف، ينفع إخوانه بما آتاه الله من علم وفهم.


حكومة أقلية مع الفلسطينيين

حكومة أقلية مع الفلسطينيين
يقول النائب الفلسطيني إن الأحزاب العربية مستعدة لدعم حكومة أقلية بقيادة آيزنكوت، مؤكداً أن التعاون ضروري لإنهاء حكم نتنياهو.

النائب الفلسطيني أحمد الطيبي يحضر مؤتمراً صحفياً في تل أبيب،
 إسرائيل، 5 أكتوبر 2026 (عمار عوض/رويترز)

ديفيد هيرست

حث النائب الفلسطيني أحمد الطيبي زعيم المعارضة الإسرائيلية غادي آيزنكوت على إظهار الشجاعة السياسية والعمل مع الأحزاب العربية لإنهاء حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وفي مقابلة مع موقع "ميدل إيست آي" يوم الجمعة، دعا طيبي أيزنكوت إلى استحضار "شجاعة [رئيس الوزراء السابق] إسحاق رابين".

في عام 1993، اعتمدت حكومة رابين الأقلية المكونة من 56 مقعدًا على الأحزاب التي يقودها الفلسطينيون للحصول على الدعم البرلماني، وسط الضغط من أجل دفع اتفاقيات أوسلو.

قال طيبي، مؤسس وزعيم حزب "الحركة العربية للتجديد"، إنه لا يوجد مبرر ديمقراطي لاستبعاد التعاون مع الممثلين الفلسطينيين في الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، هذه المرة.

وقال طيبي: "آمل أن يكون آيزنكوت شجاعاً بما يكفي للمضي قدماً وتشكيل حكومة أقلية، الأمر الذي سينهي حكومة نتنياهو هذه على الفور".




تتشكل حكومة الأقلية عندما يمتلك الائتلاف الحاكم أقل من 61 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست. وتستمر هذه الحكومة من خلال تأمين اتفاق "شبكة أمان"، معتمدًا على تصويت الأحزاب الخارجية ضد اقتراحات حجب الثقة من المعارضة دون الانضمام رسميًا إلى مجلس الوزراء.

ينتمي حزب الطيبي إلى القائمة المشتركة، إلى جانب حزبين فلسطينيين آخرين هما الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) وحزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد). وقد فازوا مجتمعين بـ 11 مقعداً. كما حصل حزب الرعام الفلسطيني على ثمانية مقاعد، ليصبح مجموع مقاعد القائمتين 19 مقعداً، وهو رقم قياسي للأحزاب الفلسطينية في البرلمان.

وتعني هذه النتائج أنه لا يمكن لأي كتلة بقيادة نتنياهو أو كتلة بقيادة أيزنكوت أن تضمن أغلبية 61 مقعداً بدون أحزاب فلسطينية.

"نحن نفضل حكومة جديدة بقيادة آيزنكوت، كحكومة أقلية، ونحن على استعداد للمساعدة".

- أحمد الطيبي، عضو مجلس النواب الفلسطيني







قال طيبي إن استراتيجية القائمة المشتركة تتمثل في

 دعم أي شخص مستعد لإزاحة نتنياهو من منصبه

 وتمهيد الطريق لتشكيل حكومة بديلة.

رفض السياسي المخضرم مقترحات تشكيل حكومة

 وحدة وطنية. من شأن هذا الترتيب أن يجمع حزب

 الليكود بزعامة نتنياهو، وهو أكبر الأحزاب في

 البرلمان، مع أحزاب المعارضة لضمان الأغلبية، مع

 استبعاد شخصيات اليمين المتطرف مثل بتسلئيل

 سموتريتش وإيتامار بن غفير.

جادل طيبي بأن هذا سيسمح لسياسات نتنياهو

 بالاستمرار مع إعطاء زعيم سياسي آخر مهمة

 تقديمها بشكل أكثر ملاءمة للحكومات الغربية.

وقال: "نحن لا نحب حكومة الوحدة الوطنية، لأن أحد

 الجانبين سيواصل سياسته الوحشية، بينما سيساعده

 الجانب الآخر في تسويق هذه السياسة".

وأضاف: "نحن نفضل حكومة جديدة بقيادة آيزنكوت،

 كحكومة أقلية، ونحن على استعداد للمساعدة".

يبرز التصويت الفلسطيني كعامل حاسم في صنع الملوك

أشاد طيبي بالتصويت الفلسطيني ووصفه بأنه حاسم، قائلاً إن الإقبال غير المسبوق حال دون حصول نتنياهو على أغلبية أخرى.

فاز تحالف نتنياهو بـ 64 مقعدًا في انتخابات 2022، مما مهد الطريق لما وُصف على نطاق واسع بأنه أحد أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل. وقد فاز التحالف بـ 53 مقعدًا في انتخابات الثلاثاء.

شهدت الحكومة المنتهية ولايتها الإبادة الجماعية في غزة، والتهجير الجماعي والعنف في الضفة الغربية المحتلة، فضلاً عن سلسلة من الحروب الإقليمية. كما شهدت فترة حكمها تصاعداً في التمييز والتحريض ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

ينحدر المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل من السكان العرب الأصليين لفلسطين التاريخية. وقد نجت عائلاتهم من التهجير الجماعي والتطهير العرقي الذي تعرضت له فلسطين على يد الميليشيات الصهيونية عام 1948، وبقيت داخل الأراضي التي أصبحت فيما بعد إسرائيل.

يبلغ عددهم اليوم حوالي مليوني نسمة، وهو ما يمثل ما يقرب من خُمس سكان إسرائيل.

أشاد طيبي بالمواطنين الفلسطينيين الذين شاركوا في التصويت رغم كبر سنهم ومرضهم وصعوبة حركتهم، ووصف مشاركتهم بأنها إنجاز تاريخي.

وقال إن الأولوية العاجلة هي استخدام هذه المكاسب الانتخابية لإسقاط ما وصفه بحكومة نتنياهو الإجرامية وتحسين وضع المواطنين الفلسطينيين.

كما نفى طيبي مزاعم تمويل قطر لجهود تهدف إلى زيادة نسبة المشاركة بين المواطنين الفلسطينيين. ووصف هذه المزاعم بأنها ذات دوافع سياسية، وتوقع أن تتلاشى هذه الضجة سريعاً دون أن تؤثر على نتائج الانتخابات.

وقال: "بعد يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أيام، سيزول كل شيء. ستكون مشكلة بسيطة؛ ولن يكون لها أي تأثير على النتائج أو على العملية".

واتهم نتنياهو باستخدام هذه الادعاءات لترهيب الناخبين الفلسطينيين وتثبيط عزيمة آيزنكوت عن التعاون مع الأحزاب الفلسطينية.

دافع تيبي عن الإقبال الكبير على التصويت باعتباره عملاً من أعمال الدفاع السياسي عن النفس ضد العنصرية والتحريض.

كما رفض محاولات نتنياهو للتشكيك في شرعية التصويت العربي، مشيراً بدلاً من ذلك إلى مزاعم التمويل الأجنبي المحيطة بمكتب رئيس الوزراء نفسه.

وقال: "الطرف الفاسد الوحيد هنا هو رئيس الوزراء ومكتب رئيس الوزراء".

كما دعا طيبي أحزاب المعارضة إلى الإسراع في استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا، وهو نائب عن حزب الليكود. واتهم طيبي أوحانا بتحويل البرلمان إلى مؤسسة عنصرية وتأجيج العداء تجاه النواب الفلسطينيين.

قال طيبي: "لقد جعل أمير أوهانا الكنيست عنصرياً"، واصفاً إياه بأنه عامل رئيسي في تدهور العلاقات، لا سيما فيما يتعلق بالتمثيل الفلسطيني ومعاملته في البرلمان.

وحث أحزاب المعارضة على ترشيح بديل، متعهداً بأن النواب الفلسطينيين سيدعمون مرشحهم.

وقال: "إن أفضل خطوة عملية هي إقالة أمير أوهانا، رئيس البرلمان، والتصويت لمرشح المعارضة. يجب القيام بذلك دون تردد".

وقال طيبي إن مقاعد المعارضة البالغ عددها 67 مقعداً - بما في ذلك مقاعد الأحزاب الفلسطينية - تمثل أغلبية ديمقراطية.

وجادل بأن المواطنين الفلسطينيين، الذين يشكلون حوالي 20 بالمائة من سكان إسرائيل، لديهم حق مشروع في المساعدة على تحديد الحكومة المقبلة للبلاد.