السبت، 4 أبريل 2026

وسوسة الإنسان وصروف الزمان

 وسوسة الإنسان وصروف الزمان

محمد صالح البدراني


أعماق الإنسان


وأنا أجول مستعرضا الناس وتقلباتهم والزمان، وقامات فقدت انتماءها لشحة المتشدقين بالقيم، أو أناسا أضحوا غير مبالين بمشاعر الآخرين؛ فأحزن على البشر الذين يهربون من الذنب الصغير بالكبير ولعلني أعذره مضطرا، وأدعو له بالفرج، وما يحزن أكثر هو الإصرار عندما يزعم أن ما يقترفه من نفاق هو نصرة للمبادئ والقيم، بينما هو يسيء إلى المبادئ والقيم.. أهو الخوف. أهو ضعف الثقة بالله؟ إنها لقمة العيش المرة زمن الفساد وضيق عيش القابضين على القيم، أم هو تنقله مع رحلة تكسير القيم في دكاكين النفوذ والفساد التي تستعين بالشريف لتبييض سمعتها ثم يسيء هو لسمعته مع وسوسة فقدان الرزق وضياع نمط العيش وانهيار جدار الصمود؟

تعريف الوسوسة

ما بين الأمل والخوف، ينبض صوت خفي يُدعى الوسوسة، ليست مجرد همسة عابرة، وصفها أرسطو بأنها خلل في التخيل، حيث يطغى الوهم على الحقيقة لدرجة يُصدقها العقل، وعرفها الغزالي بأنها "حجاب يشغل القلب عن الحق"، ومهما رأى الفلاسفة في الوسوسة من الشر، أراها قلقا وجوديا وتصورا يولد الخوف مما ينتج عن الأحداث وحالة من التفكير لحل ما لا معطيات لحله.

في هذا المأزق الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية

تبدأ الوسوسة بنبض صغير: "ماذا لو خسرت الرزق؟ ماذا لو انهار مستوى عيشي؟ ماذا لو عجزت عن حماية من أحب؟ وهذه لحظة فشل في اختبار الإيمان وتحميل النفس ما ليس عليها.

كلما حاول الإنسان مواجهة الوسوسة بالتفكير فيها أو تجنبها، ازدادت قوتها، لأن القلق نفسه يُفرز دوبامينا خفيا يحوّل الخوف إلى إدمان، هكذا تتحول الوسوسة إلى حلقة مفرغة: خوف، تضخيم كارثي، تنازل مؤقت؛ قد يستديم، إحساس بالذنب، وسوسة.. وهكذا.

في هذا المأزق الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية.

الوسوسة في الفكر الإسلامي

وفي التراث الإسلامي، يصف ابن القيم الوسوسة بأنها "حديث نفس يهجم على القلب بغير اختيار"، ويبدو أنه يعدها من اللمم؛ "أن الله يتجاوز عنها ما لم يُعمل بها أو يتكلم"، لكن المشكلة ليست في مجرد الوسوسة، بل في الاسترسال معها حتى يصبح التنازل والتخلي عادة، أو القلق سمة.

الخلط بين حالة مرضية وأن تكون من سمات الشخصية هو الإصرار، وفقدان الموازنة العقلية في السلوك، ومعاملة الاضطرار وكأنه حالة طبيعية، والوسوسة أحيانا تخوين النفس ربما لأنه يتصور أن هنالك خيانة لمبادئه من أجل حماية عزيز عليه، وهو واقعا قدم التضحية من أجل كتم شر أكبر.. سؤالان يثبتان أن الأمر داخل النفس، فالوسوسة هنا ضعف تمييز بين التوازن والهدر، هو مضطر اضطرارا وجوديا، الوسوسة جعلته يرى الرزق رهينة نقلته إلى الخوف بل الرعب، وأصبح التوكل وهما، والصدق رفاهية لا يقدر عليها إلا الأقوياء.

هو يحمل على كتفيه أسرة وأحلاما ومسؤولية ثقيلة، فيصبح التخلي عن مبادئه "حلا" يبدو منطقيا داخل سجن القلق وتخلي من عليه واجب دعمه عن دعمه، فتضيع الطاقات بالمثاليات وما أيسر انتقاد فراغ صبر الجائع وأنت شبعان، فيأخذ الناقد دور القاضي بدل أن يعين.

الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق

لعل المتخلي يُعذر فليس كل التخلي عن عزم، لأن القلق الوجودي ليس اختيارا، بل هو جزء أصيل من كينونة الإنسان. بعض الناس يصمدون كما قال كيركغارد: "كلما ازداد الإنسان عمقا في القلق، ازدادت إمكانية عظمته.. إن استطاع أن يحوله إلى إيمان وشجاعة"، لكن هذا ليس القاعدة ويبدو كلاما مثاليا والواقع يتطلب التكاتف والبذل من المتمكن لغير المتمكن، من اجل نظافة الطاقات وعدم تحولها إلى طاقات تبدع في السلبية. فحل مشكلة هذا النوع من الكفاءات هو دعمها من المتمكنين الصالحين، فإن بخلوا أو أرفقوا عطاءهم بالمن وشحنات الشح السلبية، فيفضل العيش منتحرا بالتخلي على أن يبدو مغفلا حين وثق بهذا النوع من الذين لن يهتم لجلدهم له باسم القيم.

الأمل لا يموت

لا تجد عزيمة عند محتار؛ فعندما يثبط الأمل في النفوس فهي تسير ميتة، الأمم السائرة ميتة لا ينقذها إلا هؤلاء الذين يتساقطون اليوم تحت وطأة العيش ويغرقون في طغيان الفساد، الصالحون قولا الغافلون عن واجبهم في تثبيت هؤلاء هم من يجرم بحق هذه الطاقات، وبدل أن يستعيدهم يحمل مذرات تبعدهم عن ساحل النجاة، لا بد من حماية سلام النفس ونقاء الضمير في صروف الزمان.

لكن! الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق، فليقطع كل واحد منا هذه الحلقة قبل أن تغتاله، ففي تهذيب القلق الوجودي تكمن عظمة الإنسان، وفي الثبات على المبادئ تكمن العزيمة، فثق بالله ربك.

وقفات مع آيات (15).. الدعوة إلى الله في القرآن

 وقفات مع آيات (15).. الدعوة إلى الله في القرآن

  د. مالك الأحمد

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾.

الدعوة إلى الله في القرآن ليست مجرد نشاط وعظي، ولا خطابًا عابرًا، بل هي رسالة تستهدف الهداية لا الغلبة، والإقناع لا الإكراه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾. فهي دعوة إلى الله وحده، بعيدًا عن الأهواء الشخصية، ومعيارها الحق، ومنهجها الحكمة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. ومن الحكمة مراعاة حال المخاطب، واختيار الوقت والأسلوب المناسبين، وأن تكون الدعوة في لين ورحمة، ورغبة صادقة في الهداية، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾؛ لأن القلوب تُفتح بالرفق، ولا تستجيب للحق إذا قُدِّم في قالب منفّر. وطريق الدعوة لا يخلو من ابتلاء، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾، من إعراض، وسخرية، ورفض؛ فلا بد للداعية من الصبر.

إن الدوافع الداخلية هي المحرّك الأساس للإنسان نحو البذل، والعطاء، والتضحية. 

وأتذكر مستكشفًا غربيًا صعد إلى إحدى أعلى القمم في البيرو، واتجه مع فريقه لاستكشاف واحدة من أغرب البحيرات في العالم، وهي بحيرة مقدسة لدى شعب الإنكا، وتضم بعض آثارهم الشعائرية.

انطلق الفريق بحماس، لكن الظروف البيئية كانت قاسية؛ فالضغط المنخفض على سطح الماء، والاختلاف الكبير في الضغط تحت الماء، شكّلا تحديًا شديدًا لعملية الغوص، وهي عملية غير معهودة في بيئة بهذا الارتفاع الشاهق الذي يقترب من ستة آلاف متر. 

وقد تعرّض اثنان من الغواصين المحترفين لمشكلة خطيرة تحت الماء، إذ انفجرت أسطوانة الهواء، فتوفي أحدهما، ونجا الآخر بصعوبة، لكنه أصيب بضرر شديد نتيجة تغيّر الضغط المفاجئ، أثّر في عموده الفقري، فأصبح مقعدًا.

ومع ذلك، لم يستسلم هذا الرجل، بل قضى ثلاث سنوات في تأهيل شاق حتى استطاع المشي من جديد، وكان هدفه الذي لا يفارقه هو العودة إلى تلك البحيرة، والمشاركة مرة أخرى مع الفريق العلمي. 

وقد رأيته بعيني، والابتسامة تملأ وجهه، فرحًا بالعودة، ومصممًا على تعويض ما فاته، رغم غياب أي عائد مادي؛ إذ تكفلت الجهة المنظمة فقط بتغطية تكاليف الرحلة والمعدات.

فتأملت حاله وقلت: سبحان الله الذي أودع في الإنسان هذه الطاقة العجيبة! 

فإذا كان هذا الجهد يُبذل لمجرد شغف علمي، فكيف لو كان الهدف دعوة الناس إلى الله، وهدايتهم إلى الحق؟

وتذكرت بقعة نائية في إندونيسيا، الوصول إليها شاق جدًا؛ إذ تحتاج الرحلة إليها طيرانًا من العاصمة جاكرتا، ثم قاربًا لساعات، ثم مركبة ليوم كامل، ثم مسيرًا على الأقدام لساعات طويلة، حتى يصل الإنسان إلى قبيلة وثنية معزولة عن العالم. وقد حدثني قبل سنوات أحد الإخوة الفضلاء، وهو إندونيسي، أنه وصل إليهم ودعاهم إلى الإسلام، فوجد استجابة طيبة.

اصطفاف الغساسنة والمناذرة لا يليق بالمسلمين

اصطفاف الغساسنة والمناذرة لا يليق بالمسلمين

إضاءات شرعية سياسية أخلاقية

  مضر أبو الهيجاء



قامت مملكتا الغساسنة والمناذرة قبل الإسلام في القرن الثاني الميلادي، وزالتا في القرن السابع الميلادي، ورغم أنهما ترجعان في نسبهما لقحطان في اليمن الأصيل والعريق، إلا أنهما قد انقسمتا بسبب توزّع ولاءاتهما على الفرس والروم المتنافسين على النفوذ آنذاك.

إن الاستخذاءَ السياسيَّ من قبل قبائل عربية أصيلة تجاه الفرس والروم كان سببًا في تفرّقها وتنازعها، حيث كانت مملكة المناذرة العربية مواليةً للفرس، فيما كانت مملكة الغساسنة مواليةً للروم، وهو ما آل إلى توسّع الشرخ بينهما لحدّ الاصطراع الذي جعلهما يقتتلان لصالح الصراع بين متنافسين هما الروم والساسانيون الفرس.

لا شك بأن هذه الصورة التاريخية تتكرر في سياقها العام في عصرنا وواقع اليوم، حيث يتنافس المشروع الإيراني الطائفي الشيعي مع المشروع الإسرائيلي الطائفي اليهودي حول النفوذ الأوسع في عموم المنطقة العربية والإسلامية، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي جعلهما تتسابقان على رضا الإدارة الأمريكية، القطب الوحيد الذي يتحكم بالأقاليم والدول.

معركة مشاريع الباطل المتنافسة هل تُشرخ الأمة الواحدة؟

إن ما حدث مع العرب الجاهليين الكفار قبل الإسلام، لا يجوز أن يحصل مع العرب بعد أن انتقلوا لدين التوحيد، كما أنه لا يليق بالمسلمين اليوم أن يتوزعوا على اصطفافات بين مشاريع كفر جميعها معادية للأمة والدين وكارهة لرسالة الإسلام، حيث تسعى أمريكا اليوم -وإيران- لصناعة فريق من العرب والمسلمين يصطف مع كل منهما، فيعود التناحر بين الغساسنة والمناذرة في ثوب سياسي جديد.

اصطراع الكفار منحة تسرّ المؤمنين وليست محنة تقض مضاجعهم.

ليس صحيحًا ولا هو صحيٌّ حجمُ الترويج لتفكك الأمة وزوال دولها في حال تفكك النظام الإيراني، ففي هذا عدمُ إدراكٍ لسنن الله في التدافع الذي يمنع استشراء الفساد في الأرض، والله سبحانه وتعالى يقول: {ولولا دفعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} 

(البقرة: 251).

إن حالة الاصطراع القائم بين الإدارة الأمريكية وبين حليف الأمس الإيراني ليست كارثةً على الأمة كما يصوّرها ضعيفو تناول الوحي، الجاهلون بتاريخ صراعات الأمم والدول، بل هي منحة عظيمة إذا ما أحسن استغلالها المسلمون المستضعفون المقهورون من كلا المشروعين المعاديين للأمة والدين.

مشروع الأمة المستقل سياسيًا هو الحل.

إن واجب الوقت أن يستفيد المسلمون من حالة الاصطراع في معسكر الباطل، حيث ستوجد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية فراغاتٍ حقيقية -وفق سنن التدافع- يمكن للعرب والمسلمين أن ينفذوا من خلالها لبناء مشروعهم المستقل الذي طال انتظاره، منذ أن حلّ الغرب الصليبي المتصهين ثقيلًا في بلادنا وقام بالتخريب والهدم الواسع فيها.

الموقف العربي والإسلامي الواجب إزاء الأطراف والمشاريع المتصارعة المعادية.

إن التوقفَ السياسيَّ بحد ذاته موقفٌ واعٍ ومتقدم، وذلك عندما يكون منطلقًا في حكمه من تصور صحيح هو نتاج قراءة صحيحة من الناحيتين الشرعية والسياسية، وليست قراءة حزبية بغيضة ولا قطرية أنانية عليلة.

إن الموقف الواجب تجاه المعركة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية هو التوقف الواعي، والدعاء عليهم جميعًا بالهلاك -وذلك باعتبارهم جميعًا مشاريع ظالمة ومعادية ومعتدية-، وبنفس الوقت إطلاق نواة مشروع عربي إسلامي مستقل في رؤيته وقراره السياسي.

إن ضعفَ وتفكك وتراجع قوة وفاعلية تلك المشاريع المتعددة والمعادية فيه رحمة للعالمين وفرجة حقيقية ستصنع وتتيح للمسلمين فرصًا جديدة وفجواتٍ مفيدة.

وأؤكد وأقول:

إن تفكك النظام الإيراني وتراجع مشروع ولي الفقيه شرطٌ لتحقق الوحدة العربية والمشروع الإسلامي الذي سيتصدى للكيان الصهيوني، لاسيما وأن إيران تشكل أكبر عوائق تحقق الوحدة في المنطقة العربية والأقاليم الإسلامية وبين شعوبها، وذلك نتيجة منظومتها القائمة على تصدير ثورتها الملالية واستباحة دماء وثروات وبلاد المسلمين، الأمر الذي مكّنها من تفتيت شعوب المنطقة المنسجمة والمتعايشة والمتآلفة، وذلك من منطلق ثقافي معادٍ لثقافة الأمة المسلمة، مما أنتج شروخا بين شعوب المنطقة الواحدة وهدم بناها المجتمعية واحتلالها، تمامًا كما هي نتائج مشروعي العداء الصهيوني التوراتي والصهيوني الإنجيلي المعاديين للأمة وثقافتها.

وأخيرًا أوضح وأقول:

لقد تاهت مسطرةُ كثيرٍ من المنتمين في قياس المشاريع المعادية والصديقة والحليفة حتى فقدت التمييز بينها، وذلك للدرجة التي لم تعد تفرق فيها بين المشاريع المخالفة في المذهب والدين -وهذه لا إشكال في التعايش معها سياسياً والإحسان إليها أخلاقيا- وبين المشاريع المعادية والمعتدية.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 1/4/2026

الجمعة، 3 أبريل 2026

نماذج واقعية من التقسيم الحديث للعالم الإسلامي

 نماذج واقعية من التقسيم الحديث للعالم الإسلامي

مفكر إسلامي .رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي


الدعوة الإسلامية عقد أساس من المشروع الإسلامي، وهي أولاً فريضة شرعية، وثانياً ضرورة للصعود الحضاري الإسلامي ولحماية الأمة من أعدائها، وضرورة أيضاً لتحقيق أكبر قدر من المنجزات العمرانية ورقي الأخلاق والسلوك لدى أفراد هذه الأمة.


والأمة الإسلامية طالما كانت موحدة كانت قوية وقادرة على تحقيق رسالتها، وطالما كانت مفككة كانت ضعيفة وغير قادرة على أداء رسالتها أو حماية نفسها من الأعداء، وغير قادرة على تحقيق إنجاز عمراني ذي شأن، ومنحطة أخلاقياً وسلوكياً واجتماعياً، ويمكننا أن نرصد بسهولة ذلك التلازم الحيوي بين الوحدة والصعود الحضاري للأمة الإسلامية.


الوحدة الإسلامية فريضة شرعية:

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: ٢٩].


{وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: ٢٥].


{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101].


{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].


ونلاحظ في الآيات المذكورة سابقاً أن هناك ارتباطاً بين الوحدة والأمة الواحدة وبين عبادة الله في الأولى وتقواه في الثانية، وفي الثالثة وضع الوحدة والاعتصام كمقابل للكفر،  وحبل الوحدة والاعتصام هو الطريق إلى الصراط المستقيم.

وفي الآية الرابعة نرى أن الله تعالى جعل الوحدة والاعتصام وعدم التفريق نوعاً من النعمة، وهي بلا شك نعمة عظيمة، وجعلها أيضاً طرائق لتجنب الهلاك.

ويقول الله تعالى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].


ولأن للوحدة هذا الشأن العظيم في الدنيا والآخرة، فإن الأعداء تربصوا دائماً بنا بهدف تفكيك بلادنا على أسس طائفية أو عرقية أو جغرافية أو ثقافية، واستخدموا في ذلك كل أساليب التآمر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحركوا جيوشاً، ودعموا زعماء وكُتّاباً وأحزاباً وحركات تمرد وغيرها لتحقيق هذا الهدف المريب.


نحن بالطبع ندعو ونسعى إلى توحيد العالم الإسلامي باعتبار ذلك فريضة، ونعرف أن ذلك ممكن ومتاح؛ لأنه رغم سقوط الخلافة الإسلامية كأسمى تعبير عن الوحدة الإسلامية، فإن الظاهرة الوحدوية في وجدان الشعوب الإسلامية ما زالت قوية، فنحن جميعاً نؤمن بإله واحد وكتاب واحد ورسول واحد، ونتجه جميعاً إلى قِبلة واحدة، والإحساس بمشاكل المسلمين موجود والحمد لله في كل مكان، ولولا هذا الشعور الوحدوي القوي لدى الجماهير لما رأينا التعاطف الشعبي الواسع مع القضية الفلسطينية في كل مكان من العالم الإسلامي من تركيا إلى جنوب إفريقيا، ومن طنجة إلى جاكرتا؛ وكذا ظهر هذا التعاطف في دعم الجهاد الأفغاني ضد الروس، ثم ضد حلف الناتو، وكذلك التعاطف مع مسلمي البوسنة والهرسك، ثم كوسوفو... وغيرها من المظاهر العدوانية التي عبّرت عن وجدان وحدوي قوي لدى جماهير المسلمين.. وحتى المسلمون في الغربة أو في دول الأقليات الإسلامية يتعاطفون مع قضايا العالم الإسلامي ويدافعون عنها.


وعلينا أن نبيّن هذا الشعور الوحدوي بكل وسيلة ممكنة، وعلينا أن نسعى إلى توحيد التقويم على الأساس الهجري مثلاً في كل البلاد الإسلامية، وتوحيد بدء الصوم والأعياد في كل العالم، وعلينا الاهتمام باتساع مؤسسات إعلامية ذات طابع عالمي إسلامي ونشر المواد الإعلامية التي تؤكد قيمة الوحدة، وعلينا أن نحقق اتحادات للمنظمات المهنية في العالم الإسلامي، وكذا اتحادات الهيئات الشعبية والنقابات وغيرها، وعلينا أن ندعم أي تنسيق وتعاون في أي مجال بين الشعوب الإسلامية، بل الحكومات الإسلامية إذا أمكن.


التقسيم والتفكيك جزءٌ من صراع شامل:

لأسباب ذاتية وموضوعية فإن مساحة - كبيرة جداً - من تاريخنا الإسلامي شهدت صراعاً طويلاً في الزمان والمكان بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ويخطئ من يتصور أن الحروب الصليبية على الشرق 1095 - 1295 هي المحطة الوحيدة في هذا الصراع؛ فلقد كانت الحروب الصليبية قبل هذه المحطة وبعدها، ونقصد هنا بكلمة الصليبية «المسيحية الشمالية» كما عرّفها الأستاذ محمود محمد شاكر في كتابه «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»، كتاب الهلال، القاهرة 1991، العدد 489؛ وهي مسيحية وثنية تستند إلى التراث اليوناني والروماني أكثر ما تستند إلى المسيحية المحرفة، ذلك أن القيصر الروماني قسطنطين حين دخل في المسيحية فإنه أدخلها في الوثنية الرومانية، ومع الاحتكاك بين الحضارة الإسلامية وأوروبا اكتشف الأوروبيون أن هناك منظومة فكرية وثقافية إسلامية شديدة التماسك، وأن المواجهة الصريحة والمباشرة مع الحضارة الإسلامية ستؤدي إلى هزيمة أوروبية لا شك فيها، ومن ثم فلا بد من اكتشاف وسائل لإضعاف القلعة الإسلامية من داخلها، وهذه الفكرة راودت لويس الرابع أثناء أسره في المنصورة بعد هزيمة الحملة الفرنجية على مصر، فقرّر إنشاء عين من الباحثين «المستشرقين» للبحث في وسائل إضعاف القلعة الإسلامية من داخلها، عن طريق عدد من الوسائل، منها: 

التجزئة والتقسيم عن طريق الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية، وقد تطورت تلك الوسائل فيما بعد، إلا أنها تظل فكرة قديمة حديثة.


تقول الدكتورة سوسن إسماعيل في كتابها 

«الجذور التاريخية للأزمة اللبنانية - مكتبة نهضة الشرق - القاهرة 1988»، إن السياسة الأوروبية عهدت إلى ترشيح قدمها عن طريق غرس بذور الخلاف بين الطوائف مستعينة بالإرساليات والتآمر السياسي والثقافي والاقتصادي.


بل إن القوى الاستعمارية استخدمت موضوع الأقليات كثيراً للغزو والعدوان والاحتلال.


التقسيم والتفرقة عن طريق الأعراق:

الإسلام لا يفرق بين المسلمين على أساس اللون والعرق واللغة، وبالنسبة للتجمعات غير الإسلامية فقد استحدثت الشريعة الإسلامية لفظ أهل الذمة، وهو يختلف اختلافاً بيّناً في الأحكام والدلالات الأخلاقية والحقوق عن لفظ الأقليات.


والاختلاف بين الناس في الشكل واللون والجنس والعرق واللغة، بل في المفاهيم والتصورات؛ حقيقة لا يمكن القفز فوقها، ولكن استخدام هذا الاختلاف في تأسيس مفاهيم الصراع والتطاحن هو المشكلة، فالإسلام يدعو إلى التعارف {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وكان هذا التنوع مصدر ثراء في المجتمعات التي تقوم على العدل.


والمجتمع الإسلامي في ذاته كان مصدر ثراء كبيراً طالما كان هناك التزام بالشريعة الإسلامية الغراء التي تحقق الإنصاف، وإذا حدث انحراف من الشريعة الإسلامية، وكان هناك نوع من الظلم والتهميش، فإن ذلك كان يقع على المجتمع كله وليس على الأقليات فقط.. ومع سقوط الخلافة وتشوشر أفكار النخبة، فإن المشكلة برزت إلى السطح، ليس كحقيقة موضوعية، ولكن كطريق لتحقيق أهداف سياسية، أو استخدام خارجي، بل نكاد نقول إن المجتمع الإسلامي هو الذي صك التجربة التاريخية والحضارية بأفضل أنواع التعاون والثراء عن طريق التنوع، فالأسود والأبيض والأحمر والعربي والتركي والإفريقي وغير المسلم أيضاً؛ أسهموا وسُمح لهم بأن يسهموا في البناء الحضاري الإسلامي.


في يونيو 2006 نشرت مجلة القوات المسلحة الأمريكية تقريراً كتبه «رالف بيترز»، وهو كولونيل سابق في الجيش الأمريكي خدم في شعبة الاستخبارات العسكرية؛ 

تحدث فيه عن تقسيم الشرق الأوسط من جديد واقترح إقامة دولة شيعية في جنوب العراق وإيران ومناطق من السعودية والإمارات والكويت والبحرين، أو دولة مارونية درزية في جبل لبنان، وتفكيك إيران والسعودية وتركيا، ثم يأتي بعد ذلك الدور على مصر ليتم تفكيكها مع تفكيك السودان، والمغرب والجزائر... إلخ.


التقسيم على الأساس العرقي مثلاً يمكن أن يتضح من خلال الأكراد والأمازيج، والأكراد هم الشعب الكردي الذي يقطن في أجزاء متجاورة من العراق وتركيا وإيران وسورية، وهناك حركات انفصالية كردية موجودة وبقوة في العراق وإيران وتركيا، بل حتى في سورية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد استخدمت الورقة الكردية بقوة وخاصة منذ عام 1991 وسمحت بإقامة مناطق أمنية كردية في العراق تمهيداً للتقسيم والتفكيك في أي لحظة، أو استخدامها كورقة ضغط إذا لزم الأمر مع تركيا وإيران والعراق وسورية.


أما الأمازيج، فهم مسلمون سنة لكنهم جنس عاش في بلاد البربر في شمال إفريقيا في المنطقة الجغرافية الممتدة من غرب مصر إلى جزر الكناري، ومن ساحل البحر المتوسط جنوب إلى أعماق الصحراء الكبرى في النيجر ومالي. 

ومع حلول الإسلام في إفريقيا استعربت غالبية الأمازيج بتبنّيها اللغة العربية بلهجاتها الأمازيجية.


والمتحدثون حالياً باللغة الأمازيجية ينتشرون في جميع الحواضر الكبرى وعلى شكل تكتلات قبلية أو عائلية في البوادي، وفي المغرب مثلاً فإن 30% من السكان يتكلمون اللغة الأمازيجية، وفي الجزائر20%، وفي ليبيا 2%، ويوجد أمازيج بنسبة قليلة في كل من تونس وموريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو ومصر.

  منذ أن دخل الأمازيج في الإسلام قاموا      بدور كبير في نشر الدين والجهاد في سبيله، حتى إن أول المسلمين الذين فتحوا الأندلس  كان معظمهم من الأمازيج بقيادة الشاب الأمازيجي طارق بن زياد.            


وقد ظل الأمازيج جزءاً لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، إلى أن حدثت اختراقات غربية، وبالذات فرنسية، تدعو إلى إقامة دولة أمازيجية وثقافة أمازيجية على حساب العرب والمسلمين.


التقسيم عن طريق البُعد الجغرافي:

يمكن أن تكون بنجلاديش مثلاً واضحاً في هذا الصدد، وبنجلاديش هي سادس دولة في العالم من حيث عدد السكان «160 مليون نسمة»، وفي الترتيب 94 على العالم من حيث المساحة «144 ألف كيلو متر مربع»، ويشكل المسلمون فيها نحو 99 ٪؛ 96 ٪ سنة، 3 ٪ شيعة، والباقي بوذيون أو مسيحيون أو غيرهما، ولغتها هي اللغة البنغالية، وعاصمتها دكا.


كانت بنجلاديش جزءاً من دولة باكستان التي استقلت عن الهند عام 1947، وكلها كانت تبعد عن باكستان الغربية نحو 1600 كيلو متر، ولعل إدارة المسألة بهذه الطريقة كانت تؤكد إمكانية انفصالها في أي لحظة، خاصة مع اختلاف اللغة عن باكستان الغربية، وكذلك وجود مشاكل اقتصادية وثقافية، ثم تآمر واضح من الهند والولايات المتحدة، حتى تم الانفصال عام 1971 بعد حرب دموية شارك فيها الهند ضد باكستان.


التقسيم على أساس ثقافي وعِرقي:

يمكن أن نأخذ جنوب السودان نموذجاً في هذا الصدد، وفي الحقيقة كان انفصال جنوب السودان عام 2011 محصلة تآمر إنجليزي منذ احتلال الإنجليز لمصر عام 1882، وتوقيع اتفاقية السودان عام 1899 التي أطلقت يد الإنجليز في السودان على حساب مصر، ومن يومها تم منع دخول الشماليين إلى الجنوب إلا بتأشيرة وكأنهم أجانب، وتم عمل غزو ثقافي وديني ولغوي لجنوب السودان، واستمر الدعم الكنسي للجنوب في إطار دفعه إلى التمرد، ثم دخلت أمريكا على الخط وكذا الاتحاد الأوروبي و«إسرائيل»، لكن الحقيقة الواضحة للعيان أن انفصال جنوب السودان تم عندما فُصل السودان عن مصر، وستتفاقم مشاكل التقسيم في شمال السودان وجنوبه إلى عشرات الدول والقبائل والأقاليم، ولن تُحل هذه المشكلة إلا بعودة الوحدة بين مصر والسودان.


التقسيم عن طريق المذاهب والطوائف:


تسعى الولايات المتحدة و«إسرائيل» إلى اختراق العالم الإسلامي عن طريق الأقليات المذهبية والطائفية، مثل الشيعة في العراق والبحرين والسعودية ولبنان، أو العلوية «شيعة أيضاً» في سورية، أو الزيدية في اليمن، أو حتى طوائف غير مسلمة مثل الموارنة في لبنان، فالشيعة مثلاً يتواجدون في إيران والعراق وأذربيجان والبحرين والكويت ولبنان والسعودية بنسب متفاوتة، وهؤلاء من الشيعة الإثني عشرية.


أما الشيعة الإسماعيلية فتتواجد في الهند، والزيدية في اليمن، وبخصوص الموارنة مثلاً فتتواجد في لبنان أساساً، ويبلغ عدد الموارنة في العالم ستة ملايين نسمة، منهم نحو مليون في لبنان وحده، وقد هاجر عدد كبير من الموارنة إلى مختلف بقاع العالم، لا سيما كندا وفرنسا.


:: مجلة البيان العدد 305 محرم 1434هـ، نوفمبر 2012م.



الإيمان والإرادة أقوى من الطائرة والدبابة





القلوب وقت الفتن

القلوب وقت الفتن

 د. عبدالله العمادي

الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات، حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة من الالتباس شديدة. 
قد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثير البيئة التي يكون أحدنا فيها، وتنوع المؤثرات من حوله.

ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر مثلاً، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً نردد دعاء تثبيت القلوب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة - كما هي الآن - صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيران. 
ومن هنا تأتي أهمية ترديد دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من قول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك) 
فقالَتْ له عائشة: «إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك، 
عليه الصلاة والسلام:» وما يُؤمّنّي ؟ (بمعنى أيُّ شيء يجعلني لا أخاف ويُعطيني الأمان) وإنما قلوب العباد بين إصبعي الرحمن، إذا أراد أنْ يَقلبَ قلب عبد قَلَبَه.

الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين. 
التنظير فيه والحديث حوله كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه؟

مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد مثلاً، وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها ها هنا.

إنّ من تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية الأقوام، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة..

لكن بفعل ظروف حياتية معينة طارئة لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسراً والعياذ بالله!.

الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر. بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع الحق ليكون ضده، أو العكس من ذلك، حدث كثيراً عبر تاريخ البشر، بل وما زال يحدث حتى يوم الناس هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون.

بالتالي وكخاتمة لهذا الحديث الموجز،
أجد أنّ اغترار أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو علم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من مستجدات وأحداث وتطورات، خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، وكثرة الأخبار وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها من هذا وذاك وتلك، قد يغرقنا في بحر متلاطم الأمواج ﴿ أَو كظُلُماتٍ في بحر لُجّيّ يغْشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوْقه سحابٌ ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعض إِذا أَخرجَ يدهُ لم يكد يراها ومن لم يَجعلِ الله لهُ نوراً فما له من نور﴾.

هذا النور هو المطلوب في مثل تلكم الأوقات، ليرى بنور الله وهو يفسر ويفكك الأحداث من حوله. 
ولن يتأتّى للإنسان مثل هذا النور إلا إذا ارتبط بالله ولجأ إليه، لأن هذا الارتباط، أو هذا اللجوء، هو كذلك حبل النجاة والثبات على الحق، لا غيره من الأحبال، وهي غالباً أحبال شيطانية..

فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الجهاز الصغير الذي أعاد تشكيل الأحداث والخرائط

الجهاز الصغير الذي أعاد تشكيل الأحداث والخرائط
 

1- لم يكن ذلك الجهاز الصغير، مجرد أداة للاتصال، بل (انقلاب صامت) أعاد ترتيب العالم من أطرافه إلى مركزه.

2- قبل أن يرنّ أول هاتف محمول، كانت المسافات تفرض هيبتها، وكانت الأخبار تسير على مهلٍ يليق بزمنٍ أبطأ، وكانت العلاقات تُبنى على الانتظار.

3- فجأة، انكسر هذا الإيقاع، وصار العالم حارة في قرية صغيرة.

4- لم يكن مجرد اختراع جديد، بل كان إعلانًا غير مباشر عن ولادة إنسانٍ جديد، وجيل جديد أصبحت السيطرة عليه من المستحيلات.

5- هنا.. بدأت الحكاية الحقيقية؛ حكاية جهازٍ قرّب البعيد، لكنه باعد بين القريبين، لأنه أحد أكثر مفارقات العصر إدهاشًا: نعمةٌ لا يمكن الاستغناء عنها، وعبءٌ لا يمكن تجاهله.

6- هكذا دخل الهاتف المحمول حياتنا، لا كضيفٍ عابر، بل كحقيقةٍ دائمة، أعادت تعريف الزمن، والخصوصية، وحتى معنى أن تكون حاضرًا.

7- تخيّل معي.. لو أنّ الهاتف المحمول كان حاضرًا في قلب الحكايات القديمة، وفي ذروة مشاهد الأفلام، والمسلسلات الإذاعية والتليفزيونية القديمة، وبين مفاصل التاريخ نفسه.. كم من لقاءٍ ضاع لأن الطريق طال؟

وكم من مأساةٍ اشتعلت لأن رسالةً لم تصل في وقتها؟

معظم ما نراه من دراما، وما نقرأه من قصص، بل وحتى ما ندرسه من أحداث، يقوم على تلك الفجوات الصغيرة:

تأخّر

غياب

سوء فهم

لقاء أفلت بلحظة..

بطلٌ يصل بعد أن تغادر البطلة، أو رسالةٌ تضيع فتُبنى عليها كارثة، أو جيوشٌ تتحرّك بناءً على خبرٍ لم يكن دقيقًا..

كل الأحداثٌ كانت تقوم على العجز عن الوصول..

لو كان الهاتف المحمول موجودا لتغيّرَت أحداث كثيرة في الحياة، وفي الدراما والحكايات..

البداية:

8- في يوم 3 أبريل 1973م، تم الإعلان عن اختراع التليفون المحمول (الموبايل)، لكنه لم يظهر رسميا، إلا بعد حوالي 10 سنوات، في آخر 1982م، وبدايات 1983م، على يد (شركة موتورولا) وكان للمليارديرات، والمؤسسات السيادية الكبرى في الدول الغربية.

9- الإمارات هي أول دولة عربية يدخلها الموبايل، نهاية سنة 1982م، وكان للأمراء، وكبار المسؤولين فقط، في البداية.

(تونس هي أول دولة عربية يدخلها النت، وذلك في سنة 1991م)

10- أما مصر فقد ظهر الهاتف المحمول فيها سنة 1996م، ولم ينتشر إلا بعد سنة 2005م.

11- مخترع الموبايل، المهندس الأمريكي “مارتن كوبر”، مولود في 26 ديسمبر 1928م، بشيكاغو، الولايات المتحدة الأمريكية، ويبلغ من العمر الآن 98 عاما، وما زال في كامل لياقته الذهنية والصحية، يدير الندوات، ويرأس المؤتمرات، ويشارك في جميع المؤتمرات التكنولوجية في جميع بلدان العالم.

12- (يا باشمهندس «مارتن كوبر» يا طويل العُمر، يا مخترع المحمول.. واللهِ.. مش عارفين نشكرك واللّا ندعِي عليك؟!)