زيارة الرئيس أردوغان إلى مصر: منطق الدولة وحدود المعارضة
لماذا تفشل المقارنة بين براغماتية الحكم وخيارات المنفى السياسي؟
أعادت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ولقاؤه بـ عبد الفتاح السيسي فتح نقاش واسع في الأوساط السياسية والإعلامية العربية، لا حول دلالات الزيارة وحدها، بل
حول ما اعتُبر تناقضًا، بين مواقف سابقة لأنقرة رافضة للانقلاب العسكري في مصر، وبين هذا الانفتاح السياسي رفيع المستوى.
وذهب بعض المنتقدين إلى أبعد من ذلك، حين عقدوا مقارنة بين ما فعله أردوغان، وما كان ينبغي، في رأيهم، أن تفعله المعارضة المصرية في الخارج، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
غير أن هذه المقارنة، على شيوعها، تفتقر إلى الدقة السياسية، وتتجاهل الفوارق البنيوية بين منطق الدولة وحدود المعارضة.
أول ما ينبغي التأكيد عليه أن زيارة أردوغان إلى مصر لا تمثل قطيعة مع الماضي ولا تراجعًا صريحًا عن موقف مبدئي تبنته تركيا منذ عام 2013.
أنقرة لم تصدر إعلانًا سياسيًا يعيد توصيف ما جرى في مصر، ولم تدخل في مراجعة خطابية علنية تعترف بشرعية الانقلاب.
ما حدث، في جوهره، هو تحول في إدارة الخلاف لا في أصل الخلاف. وهذا فارق أساسي في فهم سلوك الدول، خصوصًا الدول الإقليمية الصاعدة.
السياسة الخارجية لا تُدار بمنطق الشعارات أو الثبات الخطابي، بل بمنطق المصلحة وتوازن الكلفة والعائد.
ومع تغيّر السياق الإقليمي والدولي خلال العقد الأخير، من تراجع موجة الثورات العربية، إلى اشتداد الاستقطاب الإقليمي، وصولًا إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا والضغوط الاقتصادية العالمية، والحدود الملتهبة في سوريا وشرق المتوسط وليبيا واليمن والسودان، والصومال، وكلها مناطق لا تؤثر على الامن القومي لمصر وتركيا فقط بل منطقة الشرق الأوسط بكامله.
أعادت تركيا تقييم أدواتها، لا مبادئها. فالصدام المفتوح، مهما كان مبررًا أخلاقيًا، لم يعد يحقق المكاسب نفسها، بينما بات فتح القنوات وتخفيف التوتر وسيلة لاختراق الجمود وخلق هوامش حركة جديدة.
التحول التركي تجاه مصر لم يكن قفزة مفاجئة، بل مسارًا تدريجيًا ومحسوبًا: تخفيض في النبرة، قنوات أمنية واستخباراتية، تفاهمات أولية، ثم انفتاح دبلوماسي متدرج، إلى أن تهيأت الظروف للقاء رئاسي.
هذا النمط من السلوك معروف في أدبيات العلاقات الدولية، ويعكس منطق إدارة التناقضات بدل الاصطدام بها.
لكن الإشكالية الكبرى تظهر حين تُسحب هذه التجربة على المعارضة المصرية في الخارج. فالمقارنة هنا تتجاهل حقيقة جوهرية:
أردوغان يتحرك بصفته رئيس دولة ذات سيادة، تمتلك أدوات القوة والتأثير، بينما تتحرك المعارضة من موقع مختلف تمامًا.
الدولة تملك اقتصادًا، وجيشًا، وشبكة علاقات دولية، وقدرة على فرض كلفة على الخصوم أو تقديم حوافز لهم.
أما المعارضة، فهي بلا سيادة، بلا اعتراف دولي رسمي، وبلا أدوات ضغط حقيقية.
من هذا المنطلق، فإن السؤال ليس: لماذا لم، تتصالح، المعارضة كما فعل أردوغان؟ بل: هل كانت تملك أصلًا شروط التصالح؟
فالتصالح في السياسة ليس فعل نوايا، بل عملية تبادلية تقوم على التوازن والضمانات.
الدول تتصالح لأنها تخشى كلفة القطيعة، أما الأنظمة السلطوية، فلا تتصالح عادة مع معارضة ضعيفة، بل تطلب منها التفكك والتنازل دون مقابل.
ثم إن ما فعله أردوغان هو تعديل في تكتيك السياسة الخارجية، لا تغيير في جوهر الرواية أو شرعية الموقع.
لم يُطلب منه أن يتنكر لتاريخه، أو أن يتخلى عن قاعدته الشعبية، أو أن يعيد تعريف خصومه بوصفهم شركاء. في المقابل، كان يُطلب من المعارضة المصرية، صراحة أو ضمنًا، أن تتجاوز الانقلاب، وتغلق ملف العدالة، وتتعامل مع الواقع بوصفه قدرًا نهائيًا.
هنا لا نتحدث عن براغماتية، بل عن إلغاء للذات السياسية.
الفارق بين الحالتين هو الفارق بين من يغيّر أداة، ومن يُطلب منه تغيير هويته. الدولة تستطيع أن تكون براغماتية دون أن تفقد شرعيتها، أما المعارضة، فإذا مارست البراغماتية بلا ضمانات، فإنها تفقد سبب وجودها.
مع فرضية جدلية هل لو اجتمعت المعارضة المصرية في الخارج وتقدمت بكل التنازلات ما هي المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها في المقابل؟
وهل يمكن لنظام سلطوي راسخ استولى على الحكم بالانقلاب ان يفرج عن المعتقلين ويقبل المصالحة ويتقبل عودة الدولة المصرية لشيء من الانفتاح السياسي والحرية؟!
لهذا، فإن تحميل المعارضة مسؤولية عدم سلوك مسار لم يكن متاحًا لها أصلًا، هو قراءة غير منصفة، وتبسيط مخلّ لتعقيدات المشهد.
البراغماتية ليست قيمة مطلقة، بل وظيفة للموقع والقوة. ما يكون أداة إدارة لدى الدولة، قد يتحول إلى تفريغ للقضية من معناها لدى المعارضة.
في الخلاصة، زيارة أردوغان إلى مصر تعبير عن منطق الدولة حين تعيد التموضع في إقليم مضطرب، لا عن تخليها عن مبادئها. أما المعارضة المصرية، فلا يمكن قياسها على هذا النموذج، لأن اختلاف الموقع يفرض اختلاف السلوك، واختلاف الأدوات يحدد سقف الخيارات. وفي السياسة، لا تُقاس الأفعال بتشابه الصور، بل بتشابه الشروط.
ليست تلك الرؤية تبريرا لمواقف او انحيازا لطرف أو فتحا لممر آمن لمن يبحث عن التنصل من مواقفه، إنما هي تأصيلا للتفكير والمنهجية والمنطقية لفتح مسارات الإنجاز حسب التموضع والقدرة والمسؤولية



