الاثنين، 4 مايو 2026

تدريجيًا ثم على نحو مفاجئ.. الهيمنة المفترسة وتآكل القوة الأميركية

تدريجيًا ثم على نحو مفاجئ.. الهيمنة المفترسة وتآكل القوة الأميركية

 قدير أوستون 

نُشرت في مجلة فورين أفيرز مقال بقلم أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية ستيفن م. والت بعنوان «الهيمنة المفترسة: طريقة ترامب في استخدام السلطة»، وهي تقدم منظورًا مهمًا ومفسرًا لفهم مقاربة ترامب في السياسة الخارجية. 
 يرى والت أن وصف السياسة الخارجية لترامب بأنها قومية وواقعية ومركنتيلية وإمبريالية وانعزالية هو وصف صحيح جزئيًا، لكنه يجادل بأن الولاية الثانية لترامب يمكن فهمها عبر مفهوم «الهيمنة المفترسة». ووفقًا له، فإن استخدام واشنطن لموقعها المميز لانتزاع تنازلات من الحلفاء والخصوم قد يحقق نجاحًا جزئيًا على المدى القصير، لكنه على المدى الطويل لن يخدم المصلحة الوطنية الأميركية، بل سيُضعف موقع الهيمنة ويُسرّع تراجعه. 

 مراحل الهيمنة الأميركية 

 يقسّم والت تجليات القوة الأميركية إلى ثلاث مراحل: 
 «الهيمنة الودودة» خلال الحرب الباردة 
 «الهيمنة المتعجرفة» في مرحلة القطب الواحد «الهيمنة المفترسة» في فترة ترامب الثانية 

 في الحرب الباردة، ورغم تعاملها الحازم مع حلفائها، فإن الولايات المتحدة لم تكن تسعى إلى إضعاف شركائها بشكل أساسي. أما في مرحلة القطب الواحد، فقد أدت الثقة المفرطة إلى سياسات خاطئة مثل حربَي أفغانستان والعراق، لكن هذه السياسات العدوانية كانت موجهة أساسًا ضد «أنظمة مارقة» ولم تستهدف الحلفاء. 

 أما في رؤية ترامب، فالمسألة تختلف؛ إذ يفضل الدخول في مفاوضات ثنائية مع جميع الأطراف دون تمييز بين صديق وعدو، بهدف الحصول على أقصى قدر من التنازلات والمكاسب. هذه السياسة لا تقوم على علاقات مستقرة أو تعاون متبادل المنفعة، بل على تحقيق أقصى ربح للولايات المتحدة وإضعاف الطرف الآخر قدر الإمكان.

 وهي تنظر إلى العلاقات الدولية بمنطق «صفرية» حيث مكسب طرف يعني خسارة الآخر. 

 منطق الهيمنة المفترسة 
 هذه السياسة تدفع الولايات المتحدة إلى الضغط على حلفائها مثل أوروبا وكندا، وفي الوقت نفسه البحث عن صفقات تجارية مع خصوم أقوياء مثل الصين. كما تستخدم العقوبات والرسوم الجمركية كسلاح اقتصادي، وتربط الحماية العسكرية بتنازلات اقتصادية. 
 ويرى والت أن الفرق الأساسي بين هذه الهيمنة وبين سلوك القوى الكبرى التقليدي تجاه الدول الضعيفة هو أن الولايات المتحدة لا تسعى دائمًا لإضعاف حلفائها، لكنها في المقابل لا تتردد في مطالب قد تضرهم عند الضرورة، مع اعتبار أن ازدهار الحلفاء قد يكون أحيانًا في مصلحة القوة المهيمنة. 
 لكن في جوهر هذه الرؤية، تبقى الفكرة أن القوة الكبرى تسعى دائمًا إلى تعظيم مكاسبها، بينما خسارة الآخرين هي نتيجة طبيعية لهذا النظام التنافسي. 

 مفارقة الهيمنة المفترسة 
 يشير والت إلى أن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها خطر تآكل ذاتي. فسياسات ترامب الضاغطة تدفع حلفاء مثل كندا وأوروبا إلى البحث عن شركاء بديلين مثل إندونيسيا والهند والصين. 

 كما أن تحويل التزامات الأمن التقليدية في إطار الناتو أو أوكرانيا أو تايوان إلى أدوات تفاوض اقتصادية يزيد من عدم الاستقرار في النظام الدولي، ويعزز حالة عدم اليقين. 

 وتؤدي التصرفات «المفترسة» مثل المطالبة بضم غرينلاند أو عمليات فنزويلا إلى إضعاف مصداقية الهيمنة الأميركية، لأنها تتجاهل القانون الدولي.

 إضافة إلى ذلك، فإن عدم تنفيذ ترامب لتهديداته يجعل الدول الأخرى تعتبره «يُطلق تهديدات بلا تنفيذ»، وهو ما يقلل من قوة الردع الأميركية. 

 أزمة المصداقية 
 يرى المقال أن هذا النهج يخلق مفارقة: ترامب قد يحقق بعض المكاسب قصيرة المدى، لكنه يفقد على المدى الطويل المصداقية والشرعية والقدرة على الردع. 
 ومع بحث الحلفاء عن بدائل، وعدم خوف الخصوم من واشنطن كما في السابق، تضعف الهيمنة الأميركية تدريجيًا. 

 الانتقادات والتحفظات 
 يشير والت إلى أن بعض منتقدي تحليله قد يرون أن سياسات ترامب التجارية ساعدت جزئيًا في تعزيز القدرات الوطنية الأميركية، خصوصًا في مواجهة الصين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وأن السياسة لم تكن «مفترسة فقط» بل حملت أيضًا بُعدًا جيو-اقتصاديًا. 
 كما يُقال إن ضغط ترامب أدى إلى زيادة الإنفاق الدفاعي داخل الناتو، وربط الحلفاء الآسيويين مثل اليابان وكوريا الجنوبية بشكل أكبر بالولايات المتحدة. 

 مستقبل الهيمنة الأميركية 
 حتى مع اعتبار الولايات المتحدة أقل قابلية للتنبؤ، فإن هذا لا يعني أن الصين بديل أكثر موثوقية. كما أن الحكم على فشل استراتيجية «الهيمنة المفترسة» ما يزال مبكرًا. 
 ومع ذلك، فإن مساهمة والت الأساسية تكمن في توضيح كيف تختلف سياسة ترامب عن أنماط الهيمنة الأميركية السابقة. 
 فترامب يركز على موازين القوة دون تمييز بين الحلفاء والخصوم، ويسعى إلى تعظيم المصلحة الأميركية على حساب الآخرين. 
 ويختتم والت باقتباس من همنغواي، مشيرًا إلى أن القوة الأميركية قد لا تنهار فجأة، بل «تتراجع تدريجيًا ثم بشكل مفاجئ»، ما يعكس تراجع الثقة بفكرة أن الولايات المتحدة ستبقى دائمًا في موقع المنتصر المتأخر الذي يعود ويكسب في النهاية.

سَلُوا اللهَ العافية!

 نقطة نظام

سَلُوا اللهَ العافية!

أدهم شرقاوي


روى ابن كثير في البداية والنهاية، وابن عساكر في تاريخ دمشق،وابن الجوزي في صفة الصفوة:

إنَّ عبد الوهاب بن سعيد قال: حجَّ الحَجَّاجُ فنزلَ بين مكة والمدينة، ودعا بالغداء،

وقال لحاجبه: انظرْ من يتغدى معي، وأسألهُ عن بعض الأمر!

فنظر نحو الجبل، فرأى أعرابياً، فذهبَ إليه، وقال له: إئْتِ الأمير.

فأتاه، فقال له الحجاج: اغسِلْ يديكَ وتغدَّ معي.

فقال: إنه قد دعاني من هو خير منكَ فأجبته!

قال: من هو؟

قال: الله تعالى، دعاني إلى صوم النافلة، فأجبته!

فقال له: في الحرَّ الشديد؟

فقال: صمتُ ليومٍ هو أشدُّ حراً من هذا اليوم!

فقال له: فأفطِرْ اليوم، وصُمْ غداً!

فقال: إن ضمنتَ لي البقاء إلى غد!

فقال له: ليس ذلكَ إليَّ.

فقال: فكيف تسألني عاجلاً بآجلٍ لا تقدِرُ عليه؟

فقال له الحجاج: إنه طعامٌ طيِّب!

فقال الأعرابي: لم تُطيبه أنتَ ولا الطباخ، ولكن طيبَه العافية!

تأملوها بعمق: ولكن طيَّبَه العافية!

إن قيمة النعم تكمن في القدرة على الاستمتاع بها، وليس بمج رد امتلاكها فقط!

فكم من صاحب نعمة ينظرُ الناسُ إليه بعضهم بالغبطة، وبعضهم بالحسد،

وهو في الحقيقة محرومٌ!

كثير من الأغنياء يملكون مالاً يستطيعون به شراء طعام يكفي مدينةً،

ولكن أحدهم لمرضٍ نزلَ به لا يستطيع أن يأكل ما هو قادر على أن يشتريه!

كنتُ أستمع مرةً إلى محاضرة للدكتور محمد النابلسي،

وروى فيها عن غنيٍّ يعرفه، أنه لا يستطيع أن يأكل إلا الخضار المسلوقة،

ولو أكل شيئاً آخر لمات!

ما طابت لهذا ولأمثاله الدنيا وهي بين أيديهم، إلا لأنهم حُرموا العافية في البدن!

وكم من قصر منيف، ينظرُ إليه الناس من بعيد، ويتمنون أن يكونوا من أهله،

وما هو في الحقيقة إلا قبر دُفن فيه الأحياء،

فيه زوجة مهملة كأنها أثاث،

وأولاد شغلت آباءهم التجارة والدنيا عنهم،

حياة فيها ترف المظاهر وقسوة الواقع،

كجثة هامدة لامرأة حسناء، ينظرُ إليها الرائي ويحسبها نائمة فيتمنى أنها له،

فإذا عرف أنها ميتة انصرف بكله عنها!

ذاك أنه بيت نُزعت منه عافية المودة والرحمة!

فإذا سألتم الله تعالى شيئاً فاسألوه أن يعطيكم إياه مع العافية،

فإنها متى نُزعتْ من شيء صار لا قيمة له!


الأحد، 3 مايو 2026

«المثقف» الذي لا يرتدي نظارة للتعالي على البشر!

 خواطر صعلوك

«المثقف» الذي لا يرتدي نظارة للتعالي على البشر!


دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ... 

لقد أفسدت الحداثة المشوهة مصطلح «المثقف» في أذهاننا، حتى باتت الكلمة تستدعي فوراً صورة ذلك الشخص المكتئب العابس، الذي يمسك بغليون أو فنجان قهوة مرة، وينظر للناس من علٍ... متشدقاً بمصطلحات معقدة لا يفهمها هو نفسه، وظيفته الأساسية هي التنظير واستعراض العضلات المعرفية في الفضائيات والمجالس والمقالات والصالونات الأدبية.

لكن، لو تركنا فلاسفة المقاهي مثل خيري ورشاد وبدوي جانباً، وعدنا إلى النص القرآني لنبحث عن مصطلح «المثقف» بلفظه المعاصر، فلن نجده، لم يرد في القرآن لفظ المثقف.

القرآن الكريم لم يستخدم هذه الكلمة الاستهلاكية، بل صاغ توصيفات أدق، وأعمق، وأثقل وزناً لهذه الشخصية؛ فسماهم: «أُولُو الْأَلْبَابِ» وهم أصحاب العقول الصافية التي لم تتلوث بالتعصب، و«الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»، ووضع لهم رتبة عليا أسماها «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».

ومن خلال تتبع دقيق لهذه الأوصاف القرآنية، بعيداً عن ضجيج «باعة الكلام» وصناع المحتوى بالدولار، تبرز لنا الملامح الحقيقية للمثقف كما يجب أن يكون، وتكتمل صورته عبر خمس محطات رئيسية تكشف زيف مثقفي الأضواء:

1. الإنصات الواعي:

المثقف في زماننا هو كائن يعاني من «الصمم الاختياري»؛ فهو يستمع فقط لمن يطبل له، ويقرأ فقط ما يعزز انحيازاته المسبقة... أما المثقف في القرآن، فهو منفتح بشجاعة على كل مصادر المعرفة، يمتلك «فلتر» نقدياً دقيقاً، يسمع الآراء كلها، ثم يضعها على ميزان العقل ليفرز الغث من السمين ويتبع الأصوب.

يقول تعالى واصفاً إياهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «الزمر: 18».

2. التفكر العميق... لا «حشو» المعلومات:

بعض من يُحسبون على الثقافة اليوم هم مجرد «فلاش ميموري» (USB) بشرية؛ يمتلكون حشواً هائلاً من المعلومات الميتة لسردها في المجالس وكلوب هاوس ومنصة «إكس». في المقابل، المعرفة عند المثقف القرآني ليست تجميعاً للبيانات، بل هي «منهجية تفكير» مستمرة، تغوص خلف قشرة الأشياء، وتربط بين حركة الكون والحياة والإنسان بوعي مدهش.

يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً﴾ «آل عمران: 191».

3. الخشية والتواضع:

كلما قرأ المثقف المزيف كتابين، انتفخ كالطاووس وظن أنه أحاط بالكون خُبراً، وأنه أصيب بلعنة الوعي التي تجعله يرتدي نظارة يتعالى بها على البشر.

أما في المنظور القرآني، فالمعادلة عكسية تماماً... فكلما اتسعت مساحة وعيك، زادت خشيتك، وأدركت حجم جهلك ومحدودية عقلك أمام عظمة الخالق واتساع الكون... المعرفة القرآنية تورث صاحبها الانكسار والتواضع، لا الاستعلاء والغطرسة.

اقرأ إن شئت: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ «فاطر: 28».. 

وتأمل التذكير الإلهي الصارم: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ «الإسراء: 85».

4.هواة «الصيد في الماء العكر»:

المثقف «التريند» يعشق إثارة الجدل؛ يبحث عن المتشابهات، والغرائب، والآراء الشاذة ليصنع لنفسه هالة من الاختلاف، لدّي صديق قرأ كل تاريخ الشام ومصر وأوروبا بحثاً عن الغرائب دون أن يصقل ذلك في شخصيته أو تفكيره شيء... أما المثقف القرآني فهو «الراسخ في العلم»؛ جذوره ضاربة في الأرض، يمتلك رؤية كلية تمنعه من الغرق في التفاصيل الخلافية المربكة أو توظيف المعرفة لإشعال الحرائق الفكرية، بل يرد الفروع المعقدة إلى الأصول الواضحة ليصنع طمأنينة اليقين.

﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «آل عمران: 7».

5. «الحكمة»... ذروة سنام الوعي:

القرآن يخبرنا بوضوح أن حيازة الشهادات العليا وتكديس النظريات ليسا ذروة الثقافة، بل الذروة الحقيقية تكمن في بلوغ مرتبة «الحكمة». والحكمة ببساطة هي أن تضع معرفتك في مكانها الصحيح، وأن تحول هذا المخزون العقلي إلى «سلوك راشد» ينفعك وينفع الناس، لا أن يبقى تنظيراً أجوف لا يطعم جائعاً ولا يبني وطناً.

يقول عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «البقرة: 269».

عزيزي القارئ، المثقف في شرع القرآن ليس كائناً صوتياً يزعجنا في وسائل التواصل، بل هو إنسان متواضع، واسع الأفق، ناقد بصير لا يخدعه بريق الكلمات، كما أنه شخص يربط بين الظواهر بعمق، ويترجم معرفته إلى حكمة في التصرف وخشية للخالق، مترفعاً عن الجدل العقيم واستعراض الذات.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل علم وثقافة لا يُراد بها وجه الله... تضمحل.

العاطفةُ الإسلاميةُ بينَ بناءِ النفسِ وإتلافِ العقلِ! رؤيةٌ نقديةٌ لبنيةِ العقلِ الإسلاميِّ

العاطفةُ الإسلاميةُ بينَ بناءِ النفسِ وإتلافِ العقلِ!
رؤيةٌ نقديةٌ لبنيةِ العقلِ الإسلاميِّ
مضر أبو الهيجاء

لطالما وَجَدَ الخطابُ الإسلاميُّ المضطربُ عقولًا ضعيفةً وهشَّةً سواءٌ أكانَ في الاتجاهِ الصحيحِ أم الخطأ، وهي سمةٌ بارزةٌ من سماتِ الذهنيةِ والعقلِ الإسلاميِّ المعاصر، تمسُّ بعضَ العلماءِ والدعاةِ والقادةِ السياسيينَ كما العوام!

من المفزعِ اليومَ وبعدَ انقضاءِ مائةِ عامٍ على زوالِ الخلافةِ والمحاولاتِ الإسلاميةِ لإعادتها وإنقاذِ شعوبِ الأمةِ مما حلَّ بها -من عذاباتٍ وآلامٍ وتشريدٍ وقهرٍ نتيجةَ مشاريعِ الطواغيتِ العربيةِ الإسلاميةِ الوضعيةِ والغربيةِ الصليبيةِ المتصهينةِ- أن يبقى العقلُ العربيُّ والإسلاميُّ متصفًا بذهنيةٍ ضعيفةٍ تصوغها العواطفُ، الأمرُ الذي يسوقُ كثيرًا من العامةِ وجزءًا مهمًّا من العلماءِ والدعاةِ للموقفِ والمكانِ الخاطئِ في حالينِ متناقضين.

الموقفُ العربيُّ والإسلاميُّ تجاهَ مشروعِ وليِّ الفقيهِ يكشفُ تهافتَ البنيةِ العقليةِ الإسلاميةِ!

منذُ حلولِ الخميني في طهرانَ برعايةٍ غربيةٍ أمريكيةٍ، ومنذُ أن توافقَ الغربُ على تسليمِ مفاتيحِ الحكمِ في إيران لملالي إيران أصحابِ مشروعِ ودينِ وليِّ الفقيهِ، لم يُخفِ الملالي كفرَهم ولا عداوتَهم للمسلمين، بل إن منطقتنا العربيةَ وأعراقها المسلمةَ جميعًا ذاقت ولا تزالُ تذوقُ حجمًا من العذاباتِ والآلامِ والضياعِ والتشتيتِ والاستنزافِ للعقولِ والأموالِ والأرواحِ نتيجةَ امتلاكِ الملالي لدولة، بحيثُ فاقت شرورُ إيرانَ وليِّ الفقيهِ شرورَ الكيانِ الإسرائيليِّ الغاصبِ لأراضي فلسطين وسوريا ومصر ولبنان.

وبعدَ إتلافِ العراقِ العظيمِ وحرقِ الشامِ المباركِ وتجريفِ اليمنِ السعيدِ وتهديدِ الخليجِ المستقرِّ والعبثِ الدائمِ بلبنان والكيدِ العميقِ لتركيا المسلمة، جاءت معاركُ غزة وفلسطين لتمسحَ بصاروخٍ هلاميٍّ -أصاب العقولَ فأحدثَ فيها عطبًا- آثامَ المشروعِ الإيراني ثم تستعلي قيادته المجرمة على عرشِ الجهادِ والمقاومةِ للمشروعينِ الإسرائيليِّ والأمريكيِّ -المتخادمين والمتعاونين معها طيلة أربعة عقود- بسببِ موقفِ قيادةِ المقاومة الإسلامية المتحالفة والمروِّجة لقيادات إيران المعادية والمعتدية على الأمة.

والسؤالُ يقول:

إذا كانت قيادةُ المقاومةِ الفلسطينيةِ مأزومةً من النواحي السياسيةِ الماديةِ الأمرُ الذي دفعها لاتخاذِ مواقفَ مختلةٍ وخاطئةٍ تحت ضغطِ الحاجةِ وإكراهاتِ الواقعِ وهشاشةِ تصوراتها لمشروعِ التغيير، فما الذي ألجأ جزءًا مهمًّا من علماءِ المسلمين ودعاتهم وقياداتهم ونشطائهم لتبني نفسِ الموقفِ الخاطئِ والضال تجاه النظامِ الإيراني ومشروعِ الملالي؟

والجوابُ الاستفهامي يقول:

إذا كانت العاطفةُ المنزوعةُ عن الهدى والرشاد هي الدافعَ للمواقفِ المضطربةِ -التي تبناها بعض العلماء وكثير من القيادات الحركية وجموع من الجماهير العربية والإسلامية- تجاه النظام والمنظومة الإيرانية المعتدية، فكيف يمكن تفسيرُ الانقلاب في الموقف اليوم عندما علا صوتُ نباح رؤوس الشياطين الشيعية الطائفية في النيل من جميع رموز المسلمين والصحابة المعدلين وأم المؤمنين؟

فهل حقًا علم وعرف هؤلاء اليوم أن مشروع ودين ولي الفقيه الإيراني يستهدف هوية ودين ودماء المسلمين؟

ومن أين جاء الفهم الهش والمقاربة المضطربة وتهافت التهافت في القول، حين اعتبر البعض أنه يمكن تجاوز أنهار من الدماء المسفوكة ظلمًا بأيدي ملالي إيران وميليشياتهم لأجل عيون غزة وفلسطين، ولكن لا يمكن ولا يجوز أبدًا السكوت حين يُمس الدين؟ أوليس هذا فهمًا دخيلًا على من يدينون بالقرآن الكريم ويعلمون أحكام الشريعة؟

تهافت التهافت الإسلامي تجاه المشروع الإيراني!

إن موقف بعض العلماء وجماهيرهم من الذين وقفوا مع إيران انطلاقًا من حبهم لفلسطين موقفٌ خاطئٌ ومرفوض، وهو موقف غير شرعي ولا أخلاقي.

وإن موقف العلماء في التهليل لمن يتجاوب مع فعل الشيعة الطائفيين المحرضين فيقوم بالرد التحريضي، موقفٌ مضطرب وضعيف يشير إلى اهتراء سياسي ويشكل أرضية خصبة للانزلاق نحو مخطط الغرب الصليبي الصهيوني المعلن في جر المنطقة والشعوب إلى حروب طائفية سيخسر فيها الجميع.

فمتى وكيف يكون الخلاص من خطاب إسلامي يُحرّف المؤمنين عن معارك الحق في مواجهة الباطل والسعي لتمكين الدين وعز المؤمنين، إلى معارك تيوس وحمير تنقاد خلف كاهن وشيطان رجيم يتنقل بين واشنطن وتل أبيب؟

وهل فكّر أحد من هؤلاء أن يستفيد من مدرسة الشيخ حارث الضاري وخطاب هيئة علماء المسلمين في العراق والمقاربات السياسية التي يطرحها رئيس القسم السياسي في الهيئة الدكتور مثنى حارث الضاري؟

 أم أن مزمار أهل الحي لا يُطرب؟

المدرسة العراقية رائد الخطاب الإسلامي المعاصر تجاه مشروع ولي الفقيه والمنظومة الإيرانية ونظامها الحاكم

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/5/2026


الإنس والجان في سوريا

 الإنس والجان في سوريا

أحمد عمر

تقول سيرة سيف بن ذي يزن الشعبية، أو أي سيرة شعبية يشارك فيها الإنسُ والجان في المسالك والممالك، إنه ما إن حكّ التاجر الخاتم حتى انتصب أمامه مارد، يداه كالمذاري ورجلاه كالصواري؛ لكن أمجد سوري يشبهنا، ليس ماردا أو عفريتا، فما اقترفه يدفعنا إلى الاستعارة الأدبية لفهم ما حصل، بل قد يراه البعض وسيما، بل لطيفا وصاحب دعابة، وتظهر صفحته التواصلية بعضا من جوانب سيرته العاطفية، وحبه لأهله ولصاحبته، مثله مثل توفيق جركس في فيلم البريء لعاطف الطيب، يعذب المعتقلين ثم يلهو مع الأطفال!

لقد رأينا أمجد يوسف الذي خلق من نار السموم، وهو يقتل "أهله من السوريين"، لكن من الطائفة الأخرى، الطائفة التي خُلقت من طين، قتلا يشبه اللهو في أفلام الرعب الكوميدية أو أفلام المافيا.

هو بشر مثل بقية البشر، ليس ماردا، لكن العصمة القضائية والسلاح والحقد المعتق، والفرادة الدينية، جعلته ماردا، يقتل وهو يبتسم للكاميرا، كان يقتل ضحاياه من السنّة المدنيين معصوبي الأعين، فالتعمية عقوبة إلهية استعارها البشر المتألهون لعقاب خصومهم. 

"قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا"، "وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" (سورة طه).

يمكن أن نسمي ما رأيناه من عجائب القصاص والتحقيق غير البوليسي، والقبض على أمجد يوسف في قريته الوادعة، باسمه وزيّه، ليس متنكرا في زي شيخ في مسجد، أو راهب في كنيسة نائية في أعماق الصحراء، أو زي فلاحة في أعالي الجبال


إن اعتقال أمجد يوسف كان يشبه صيد القرد العملاق كينغ كونغ، أو صيد الأقزام لجلفر في رحلات جوناثان سويفت، فماذا لو رأينا كبيرهم الذي تعلم السحّر بشار الأسد في القفص غير الذهبي.

يمكن أن نسمي ما رأيناه من عجائب القصاص والتحقيق غير البوليسي، والقبض على أمجد يوسف في قريته الوادعة، باسمه وزيّه، ليس متنكرا في زي شيخ في مسجد، أو راهب في كنيسة نائية في أعماق الصحراء، أو زي فلاحة في أعالي الجبال.

ولم يرَ السوريون مشهدا في محكمة علنية قط، منذ القبض على مجموعة من قادة الإخوان سنة 1978. قال الله تعالى في كتابه الكريم: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، لكن لأنّ حياتنا خلت من القصاص، بل لأنَّ القصاص كان من الضعفاء دون الشرفاء، انتهت بمقتلة قلّ نظيرها في الأمم، فلم يكن قصاص، وفيه حياة، سوى مشاهد مسموعة من الإذاعة لسلسلة تمثيلية اسمها حكم العدالة، أو مشاهد المذيع كولومبو نظام الأسد السيد الأيوبي، وهو يسأل المجرمين والجناة سؤاله متضمنا الجواب: أين الأموال المسروقة؟ ثم يجيب عنه جوابا حكيما فيقول: صرفتها على ملذاتك الشخصية؟

فالنظام السابق غفِل عن أمر وهو أنَّ العدالة ركن ركين من أركان الدولة، ومضاف إليه أنه جنس أدبي وفني وسينمائي وحياتي، ففاته ففات.

أما عجائب القبض على أول قاتل غير "متسلسل" من مائة ألف أو مائتي ألف قاتل غير متسلسل، فأولها أنه اعتقل في بيت أهله، ومشهد الاعتقال أثار الناس، فالناس يتماهون مع العواطف وصاحب الصورة. وقيل في الاعتقال لدى معارضي الحكم الجديد: إنه ذر للرماد في العيون، لصرف النظر عن فساده، وقيل إنه معتقل منذ زمن، لكن هذا لا يثبت في ميزان أو ينزل في قبان. والعجيبة الثانية هي ردود فعل أهله، أمه وأخواته، الذين ظنّوا أنَّ مرور ثلاث سنوات على قتل 40 ضحية مدني معصوبي الأعين، وحرقهم -والعدد المقتول أكبر بعشرات الأضعاف- سقوط للتهمة بتقادم العهد وتعاور الزمان، فهم من المؤمنين بعقيدة الأبد الأسدي. وقياس الزمن عند الموالين غير الزمن عن المعارضين، فزمنهم زمن نسبي غير إينشتايني، فهو عندهم بريء، كان يطلق النار على المسلحين أو الدواعش، أو يقوم بواجبه الوطني، من غير برهان أو تحقيق.

كان يمكن أن يبقى بطلا في نظر أهله وطائفته ونظامه، وقد يبقى، ربما ينال وساما علنا أو سرا، أو واحدا من حاشية أمير النحل، لكن نزع الله ملكا، وأعزّ جندا.

والثالثة هي الصورة التي بثّها العهد الجديد، والذي يظهر فيها وزير الداخلية، الذي لم يفوّت فرصة الظهور مع كينغ كونغ، فتصدر وجه الكاميرا مع المجرم الذي كان يقوم بواجبه، ويطرح عليه السؤال الذي قد نجد أمثاله في السينما الهندية الواعظة، فلم يفوّت المشهد القصير في تحصيل المجد و"الترند"، أو لمواساة الثكالى والأيتام في تحقيق القصاص والشماتة بالمجرم.

وشكل القفص العجيب الذي حبس فيه المتهم عاطف نجيب ببدلة العيد المخططة، يشبه أقفاص الشرفات السورية، وقد جلس فيه وديعا مثل طفل، حليقا، وهو صاحب الجملة الشهيرة التي قالها القاتل الفحل لذوي معتقلي أطفال درعا: عودوا إلى دياركم وأنجبوا غيرهم، وإن لم تقدروا على ذلك، فسنفعل ذلك.

شكل القفص العجيب الذي حبس فيه المتهم عاطف نجيب ببدلة العيد المخططة، يشبه أقفاص الشرفات السورية، وقد جلس فيه وديعا مثل طفل، حليقا، وهو صاحب الجملة الشهيرة التي قالها القاتل الفحل لذوي معتقلي أطفال درعا


البدلة الجديدة تدل على رغبة العهد الجديد في مرحلة جديدة، والاتساء بدول العالم التي تعمم زيا واحدا على السجناء، ولا تسجنهم بزيهم المدني. ثم العجب بالفرحة الوطنية والدينية والتاريخية العارمة لدى السوريين باعتقاله، منهم من تذكّر معركة بدر، وتذكر خطاب النبي عليه الصلاة والسلام للقتلى الكفار: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم.. أما هبل، فهرب إلى روسيا.

سنقرأ آلاف التعليقات التي تعيب إجراءات المحاكمة، وتظهر نواقصها، لأنها لا تشبه محاكمات أوروبا. إنّ قضاتنا يلبسون عباءات سوداء، كما في محاكم الغرب، لكنهم لا يضعون باروكات بيضاء كما في فيلم التقرير، وهو زي متخذ في محاكم بريطانيا، لكن الإجراءات مختلفة عنها في أوروبا، وسنرى كثيرين يصفقون لورود اسم بشار بين المطلوبين، فهي وقائع أول زفّة شعبية إلى العدالة الغائبة.

يظهر في الصور والفيديوهات اعتقال أمجد يوسف من بيته، ولحظة اعتقاله وضبطه ودسّه في السيارة، وانعكاس مستطيل للضوء على وجهه، وخلفه جندي في قبعة عسكرية تشبه قبعة الكاوبوي، وعلى وجه المجرم الهارب آثار دماء، كأنها لوحة الإعدام لفرانثيسكو غويا، وقد صورت بكاميرا حيّة. فيما بعد سنرى عاطف نجيب في القفص، والناس حوله يهتفون، كأننا في محاكمة من محاكمات القرون الوسطى من روايات فيكتور هيجو، وسمعت حوارات طريفة تدور بين أهالي ضحاياه وبين المجرم.

إن أكبر أسباب الإلحاد هو أنّ الملحدين يقيسون الله بقدرات البشر وطاقاتهم المحدودة، أما أكبر أسباب النقد الذي يوجه إلى العهد الجديد من الناقدين الأفاضل، في مدن وسائل التواصل الاجتماعي، فهو أنهم يريدون عدالة سويسرية في سوريا.

يروي فيلم 12 رجلا غاضبا، وقائع محاكمة قضية جنائية يتحول فيها المتهم المدان إلى بريء بعد إجلائها وإعادة النظر فيها، ويستطيع محام ماهر حاذق أن يجعلنا نبكي على أمجد يوسف الضابط المسكين، المغرر به، الذي لم يجد سوى القتل لأنه كان بلا عمل؛ المساعد أول في سرايا الدفاع الوطني، الذي نفذ أوامر رؤسائه، وكان يثأر لدم أخيه، ويراسل حبيبته برسائل غرام.. ويستطع محام ماهر أن يدين اقتحام الأمن لبيت أهله وترويع أمه، وإخوته وأبيه، في وضح النهار، وضربه ولكمه وإسالة الدماء من وجهه، من غير إذن النيابة، وقد يحصل على تخفيفات في الحكم، وربما على البراءة.

لنتذكر أنَّ الأنبياء جميعا كانوا صابئة، وأن أبا جهل كان مواطنا صالحا يعذّب الصابئين الذي خرجوا على الوحدة الوطنية في قريش، وشقّوا الصف، وغيروا دين قومهم وآبائهم. ولم يقتل سوى امرأة واحدة في موضع عفتها، وكان يعذب بلالا، من غير أن يعصب عينيه.

المحاكمة على عيوبها الكثيرة، سند من أسانيد الشرعية السياسية، وجنس سينمائي وإعلامي أيضا، وشفاء لصدور قوم مؤمنين.

لو لم يهرب العفريت الأزرق بشار الأسد الذي خُلق من حمأ مسنون، للبثنا في العذاب المهين.


x.com/OmarImaromar


أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.. مكانتها العلمية وفضائلها

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.. مكانتها العلمية وفضائلها
علي محمد الصلابي
الكاتب: 
اسمها الذي عرفت به عائشة ولقبها الصديقة كانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله 
  • مقام رفيع وفضل عظيم وعلم راسخ وأثر خالد

حبيبة رسول الله وزوجته، وبنت خليفته أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، أم المؤمنين، أفقه نساء الأمة، العالمة الفصيحة، العين الراصدة ليوميات صاحب الدعوة ، والأذن الواعية للعلم النبوي، التلميذة النجيبة الأولى في مدرسة النبوة، يعينها على ذلك استعداد فطري لسرعة الحفظ وحسن الفهم وجودة التعبير عن نفسها؛ مما أهلها بجدارة لأن تعيش حياة حافلة بالنشاط العلمي، والعمل لخدمة الدين والأمة، فخلفت لأبنائها المسلمين تركة غنية من مناهج النظر في مصادر التشريع وصياغة الفتوى، والتعامل المتزن مع النصوص.

اجتمع في عائشة (رضي الله عنها) أكرم الصفات الحسان، وكان من أبرز الصفات التي اتصفت بها، الصدق والذكاء، فقد ورثت من أبيها هاتين الصفتين النادرتين، فكانت متحررة في نقد الحديث، وحريصة على نقله على الوجه الذي جاء به

اسمها ونسبها وكنيتها

كان اسمها الذي عرفت به عائشة، ولقبها الصديقة، كانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله، وأحيانا تلقب بالحميراء، والمبرأة، والطيبة، وحبيبة النبي ، بنت أبي بكر الصديق، عثمان بن أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك، ويلتقي نسبها مع نسب رسول الله في الجد السابع ومن قبل الأم في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر.

مناقبها وفضائلها

صفاتها الخلقية: لقد اجتمع في عائشة (رضي الله عنها) أكرم الصفات الحسان، وكان من أبرز الصفات التي اتصفت بها، الصدق والذكاء، فقد ورثت من أبيها هاتين الصفتين النادرتين، فكانت متحررة في نقد الحديث، وحريصة على نقله على الوجه الذي جاء به، من غير تبديل ولا تنقيص، ومع ذلك فقد كانت متوقدة الذكاء، حاضرة الذهن، عذبة الحديث، على جانب عظيم من الحكمة والفكاهة.

بالإضافة إلى أنها أوتيت مقدرة كبيرة على الفهم الفقهي والاستنباط الشرعي، والزهد والورع؛ فقد عاشت معيشة الكفاف، وذاقت ضيق الحياة، يلامسها الرضا والسعادة، وجادت ببذل من لا يخشى الفقر، وأكرمت كرم صاحبة ملك وجاه، فكانت تنفق على الفقراء، والمساكين، وترعى الأرامل واليتامى، وإلى جانب ذلك، فقد كانت ذات عزة وإيثار على النفس، وجود وسخاء، وإكرام الضيف، وكانت بهية الطلعة، وضاءة الجبين، زاهية الشباب، تقية ورعة عابدة متواضعة، تبجل الصحابة، وتحفظ لهم قدرهم، وكانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

كانت (رضي الله عنها) شديدة الحياء، ومن دلائل ذلك ما ذكرته عن نفسها: قالت: (كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله وأبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته، إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر)

رقة قلبها

وكانت (رضي الله عنها) رقيقة القلب، خاشعة قانتة، لا ترى لنفسها فضلا، ولا تتكئ على قربها لرسول الله، وقد علم عنها هذا السمت الخاشع كأبيها (رضي الله عنهما)، وتوافرت الآثار الدالة على ذلك الخشوع القانت، حالا ومقالا، فمما يؤثر عنها قولها: (يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة).

حياؤها

كما أنها كانت (رضي الله عنها) شديدة الحياء، ومن دلائل ذلك ما ذكرته عن نفسها: قالت: (كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته، إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر).

جهادها وشجاعتها

كانت عائشة (رضي الله عنها) من ذوات الشجاعة النادرة، تمشي إلى البقيع في الليل، دون أن يصدها خوف أو تردد، وتنزل في ساحات المعارك، وتشارك المسلمين جهادهم ضد المشركين، وتقوم على خدمتهم، وفي غزوة الخندق تقول (رضي الله عنها): (خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي).

اتبعت (رضي الله عنها) منهجا علميا واضح المعالم، ومن صوره توثيق المسائل بما ورد في الكتاب والسنة، وكانت تتورع عن الكلام بغير علم، وتعتمد على الجمع بين الأدلة وفهم مقاصد الشريعة وعلوم اللغة العربية

مكانتها العلمية

تبوأت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مكانة علمية رفيعة، جعلتها عالمة من علماء عصرها والمرجع العلمي الأصيل الذي يرجعون إليه فيما يغمض عليهم، أو يستشكل أمامهم من مسائل في القرآن والحديث والفقه، فيجدون الجواب الشافي لجميع تساؤلاتهم واستفساراتهم.

يقول عنها أبو موسى الأشعري واصفا علمها رضي الله عنها: (ما أشكل علينا حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما). والذهبي رحمه الله قال: (لا أعلم في أمة محمد بل ولا في النساء مطلقا، امرأة أعلم منها).

وثمة عوامل مكنت السيدة أن تتبوأ هذه المكانة العلمية الرفيعة، أهمها، حدة ذكائها وقوة ذاكرتها وحفظها، وزواجها من النبي في سن مبكرة، وحياتها في كنفه ورعايته لها، بإرشادها وتعليمها، وأيضا كثرة ما نزل من الوحي في حجرتها حتى سميت مهبط الوحي، وكذلك لسانها السؤول فقلما تسمع شيئا تستشكله، أو ترى أمرا لا تعرفه، إلا وتسأل مستفسرة عنه.

فكم أفادت الأمة من أسئلتها للنبي ومراجعاتها واستفصالها في بعض الأمور الشرعية، وهذه الميزة جعلت السيدة تنفرد برواية الكثير الطيب من الأحاديث النبوية التي لم يسمعها غيرها منه عليه الصلاة والسلام، واتبعت (رضي الله عنها) منهجا علميا واضح المعالم، ومن صوره توثيق المسائل بما ورد في الكتاب والسنة، وكانت تتورع عن الكلام بغير علم، وتعتمد على الجمع بين الأدلة وفهم مقاصد الشريعة وعلوم اللغة العربية، فاجتمع لها من حفظ الآثار حسن التفقه فيها والاجتهاد.

وهي تعرف بأدب الخلاف، كيف لا وقد تعلمت على يدي نبي هذه الأمة ومعلمها ، وقد  تميزت بأسلوب علمي متين في التعليم، فكانت تتأنى في الكلام حتى يسهل استيعابه، وتنكر على من يسرع في كلامه، ولا تكتفي بالتعليم النظري، بل كانت أحيانا تلجأ للتعليم العملي، ببيان كيفية الوضوء والغسل، ولم يمنعها حياؤها من تعليم الناس أمور دينهم، حتى في أخص شؤونهم، وكان لها الحظ الأوفر من تلقي العقيدة من منبعها الصافي، أضف إلى ذلك أنها تربت في بيت مسلم، ولم يخالط عقيدتها شيء من الشرك أو ضلالات الجاهلية.

قامت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بدور كبير في رواية السنة النبوية وفي توثيقها، وتعتبر رائدة في هذا المجال، لقربها من النبي فقد كانت زوجة شديدة اللصوق به، تسمع منه مالا يسمعه غيرها، وترى من أحواله ما لا يراه غيرها

علمها بالقرآن وعلومه

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من كبار مفسري عصرها، ساعدها على ذلك سماعها للقرآن الكريم منذ نعومة أظافرها، وزواجها وعيشها في كنف رسول الله جعلها تظفر بحضور نزول الكثير من القرآن الكريم، إذ عاشت تسع سنوات في مهبط الوحي، ولم يكن يتنزل الوحي على رسول الله وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها، ولم تكن رضي الله عنها تكتفي بمجرد الحفظ، وإنما كانت إذا غمض عليها شيء لا تتردد في طرحه على الرسول لتتعرف على معاني الآيات القرآنية ومراد الله عز وجل بها، وهذا ما جعلها على معرفة تامة بالقرآن الكريم، بأسباب نزوله وموضوعاته وقضاياه، وكان نزول بعض الآيات بسببها، وكانت تفسره وتجتهد.

علمها بالسنة النبوية

قامت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بدور كبير في رواية السنة النبوية وفي توثيقها، وتعتبر رائدة في هذا المجال، لقربها من النبي فقد كانت زوجة شديدة اللصوق به، تسمع منه مالا يسمعه غيرها، وترى من أحواله ما لا يراه غيرها، وتفهم عنه، وتسأله عما يغمض عليها، ولذلك جاءت روايتها للسنة النبوية المطهرة متميزة، لإتيانها على السماع والقرب من رسول الله، ونشأتها وترعرعها في بيت النبوة وتحت توجيهه ﷺ.

قد بلغت مرويات عائشة رضي الله عنها عن رسول الله 2210 أحاديث، منها 174 حديثا متفقا عليها عن الشيخين، وانفرد البخاري بـ54 حديثا، ومسلم بـ 69 حديثا، والباقي في الصحاح، والسنن والمعاجم والمسانيد، وقد عدها ابن حزم في المرتبة الرابعة بين الصحابة المكثرين للرواية. قال ابن كثير رحمه الله وهو يتحدث عن عائشة رضي الله عنها: ( ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله من الأحاديث بقدر روايتها رضي الله عنها).

حضرتها الوفاة في ليلة الثلاثاء 17 رمضان 57 هـ وقيل 58 هـ وقيل 59 هـ، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر

علمها بالفقه والفتوى

تعد (رضي الله عنها) بحق أفقه نساء الأمة وأعلمهن، بل من أفقه وأعلم الصحابة، قال عطاء رحمه الله: (كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة)، ومما يؤكد علمها بشأن الفتوى والفقه أن أكابر الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، فيجدون علمه عندها، قال مسروق رحمه الله: (لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله يسألونها عن الفرائض)، ولم تقف (رضي الله عنها) عند رواية النصوص وفقهها والإفتاء بها، بل كانت (رضي الله عنها) صاحبة ملكة فقهية تستطيع من خلالها استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وعندها العلم بأسرار الشريعة، والحكم والمصالح، ولم تكن تقف عند ظواهر النصوص.

علمها الواسع بالعلوم المختلفة

كانت عائشة (رضي الله عنها)  على قدر كبير من المعرفة بالتاريخ وأيام العرب وسيرة الرسول  وقد عاصرت الخلفاء الأربعة، وقد جاءت عنها روايات تعرف فيها بأحوال أهل الجاهلية، وعاداتهم وأخبارهم الاجتماعية، وطقوسهم وعبادتهم وحروبهم، أضف إلى ذلك أنها كانت على درجة عالية من الفصاحة والبلاغة، ومعرفة الشعر، فعن موسى بن طلحة قال: (ما رأيت أحدا أفصح من عائشة)، ومن فصاحتها وبلاغتها أنها إذا استثيرت يعلو كلامها ويفخم، كأنما تصدر به عن ثقافتها الأصلية وعلومها الوفيرة، كما أنها كانت حافظة للشعر، وتقبل الشعر الحسن وترويه، وكان رسول الله يسر لسماعه منها، ويستزيدها منه، وملكة الشعر عندها وراثية، فأبوها كان يحفظ الشعر ويصحح أوزانه، وكانت توصي الناس أن يعلموا أولادهم الشعر، لتعذب ألسنتهم، وما كان ينزل بها أمر إلا أنشدت فيه شعرا.

وفاتها

حضرتها الوفاة في ليلة الثلاثاء 17 رمضان 57 هـ وقيل 58 هـ وقيل 59 هـ، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، ونزل في قبرها عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام من أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم وعبد الله ابني محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ودفنت في البقيع.