صراع على زعامة جماعة إسماعيل آغا الداعمة للحكومة التركية
إسماعيل ياشا
تشهد الأوساط الإسلامية في تركيا نقاشا ساخنا في الأيام الأخيرة حول ما ذكره الداعية الصوفي أحمد محمود أونلو، المعروف إعلاميا باسم "جُبَّلي أحمد"، في إحدى محاضراته حول علاقته مع شيخ جماعة إسماعيل آغا النقشبندية الراحل، محمود أوسطا عثمان أوغلو أو "محمود أفندي" كما يسميه مريدوه. وادعى "جبلي أحمد" في تلك المحاضرة المثيرة بأن "محمود أفندي" لم يمت، بل هو حي يرزق في قبره، وأنه متصل به على مدار الساعة ويلتقيه شخصيا بين حين وآخر، وأن ما يفعله ما هو إلا استجابة لتوجيهاته وأوامره. وبعبارة أخرى، يقول إن الشيخ الراحل يستمر في إدارة شؤون الجماعة عن طريقه.
المدعو "جبلي أحمد" كان ينشط منذ صغره داخل جماعة إسماعيل آغا، إلا أنه ترك الجماعة بعد وفاة "محمود أفندي" في حزيران/ يونيو 2022، ليؤسس في أيار/ مايو 2024 جماعة جديدة باسم "جماعة خضرة المجدد محمود أفندي"، ولم يعترف بزعامة الشيخين اللذين تم اختيارهما على التوالي من قبل كبار الجماعة، لأنه كان يتوقع أن يعلن هو نفسه شيخا لجماعة إسماعيل آغا. ومن المؤكد أن ادعاءه بخلافة "محمود أفندي" وأنه يدير شؤون أتباعه بموافقته، يهدف إلى كسب شرعية لدى المنتمين إلى جماعة إسماعيل آغا التي تعد من الجماعات الدينية الكبرى في البلاد.
ظاهرة الانقسامات في الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية بعد وفاة شيوخها ليست جديدة
ظاهرة الانقسامات في الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية بعد وفاة شيوخها ليست جديدة. وانقسمت جماعة "مَنزِل" النقشبندية، على سبيل المثال، إلى ثلاث جماعات، وأعلن كل واحد من أبناء الشيخ الثلاثة أنه هو شيخ الجماعة بعد وفاة والدهم؛ لأن تلك الجماعات والطرق الصوفية كشركات قابضة تملك مشاريع اقتصادية عديدة وقوة مالية كبيرة، وعند وفاة شيخ الجماعة أو الطريقة يطمح أبناؤه أو طلابه المقربون في الحصول على نصيب الأسد من التركة الغنية.
جماعة إسماعيل آغا أصدرت بيانا قالت فيه إن الادعاء بأن "محمود أفندي" يدير شؤون جماعته من قبره، يتعارض مع عقيدة أهل السنة والجماعة وأصول التصوف. كما رد عليه دعاة وأساتذة، وبينوا أن ما يقوله "جبلي أحمد" باطل لا أساس له في الإسلام، إلا أن هذا الأخير يصف كل من ينتقده بأنه "وهابي"، على الرغم من أن معظم هؤلاء من أشد المدافعين عن التصوف والمذهب الحنفي والعقيدة الماتريدية.
البروفيسور مهمت علي بويوك كارا، أستاذ المذاهب الإسلامية في جامعة مرمرة، يشبه "جبلي أحمد" وجماعته بالبريلوية وغلوها، ويحذر من مساعي تشكيل جماعات في تركيا على غرار القاديانية الباطنية لإبعاد المسلمين عن الجهاد في الوقت الذي يحوم على المنطقة بما فيها تركيا شبح الحروب الساخنة، ويقول إن الإنجليز هم من يقفون وراء ذاك المخطط، فيما يلفت آخرون إلى وجود جذور الآراء التي يدافع عنها "جبلي أحمد" في الفكر الصوفي وأدبياته.
الصراعات الداخلية التي تشهدها الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية في تركيا تلقي بظلالها على الساحة السياسية؛ لأن بعض تلك الجماعات الكبرى ينتمي إليها مئات الآلاف من الناخبين، وهو ما يجعلها "مخازن أصوات" يسعى كثير من الاحزاب للسيطرة عليها، سواء عن طريق استمالة زعمائها أو إبرام صفقات معها
الصراعات الداخلية التي تشهدها الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية في تركيا تلقي بظلالها على الساحة السياسية؛ لأن بعض تلك الجماعات الكبرى ينتمي إليها مئات الآلاف من الناخبين، وهو ما يجعلها "مخازن أصوات" يسعى كثير من الاحزاب للسيطرة عليها، سواء عن طريق استمالة زعمائها أو إبرام صفقات معها لشراء أصوات المنتمين إليها في مقابل وعود وامتيازات تقدم لها. وتتفاوض بعض تلك الجماعات والطرق الصوفية مع الأحزاب، وتطالب بترشيح عدد من المنتمين إليها في الانتخابات البرلمانية أو المحلية أو تعيينهم في مناصب رفيعة. ومن المؤكد أن دعم تلك الجماعات لهذا المرشح أو ذاك يلعب دورا كبيرا في الفوز في حال كانت نسب الأصوات التي يمكن أن يحصل عليها المتنافسون متقاربة.
جماعة إسماعيل آغا تدعم تحالف الجمهور الذي يشكله حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، كما يدعم "جبلي أحمد" ذات التحالف المؤيد للحكومة. وبعد تصريحاته المثيرة، استقبل رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان "جبلي أحمد"، يوم الجمعة الماضي، في مكتبه بقصر دولما بهتشة في إسطنبول. ونشر "جبلي أحمد" صورته مع أردوغان في حسابه بمنصة "إكس"، داعيا له بالصحة والعافية. ولم يصدر أي بيان من جانب أردوغان، إلا أن تكهنات مطلعين على موقف أردوغان من "جبلي أحمد" تقول إن رئيس الجمهورية ربما وبَّخ "جبلي أحمد" وحذَّره من مغبة تكرار خزعبلاته.
"جبلي أحمد" يقول إن "الله تلبس بلحم ودم وظهر في صورة محمود أفندي"، ويقول إن "محمود أفندي إن قال في حديثه "إن شاء الله" فهو كلامه، وإن لم يقل فذلك كلام الله"، أي أن الله سبحانه وتعالى يكلم الناس بواسطته، تعالى الله عما يقول. وعلى رئاسة الشؤون الدينية التركية أن توضح حقيقة هذا المعتقد الفاسد، بغض النظر عن الحسابات السياسية، لحماية المواطنين من المعتقدات المنحرفة والأفكار الضالة، وأن لا تكتفي بتحذير "جبلي أحمد" خلف الأبواب المغلقة.
«تدمير «تدمير الجغرافيا» لدى الغرب، و«بناء الجغرافيا» لدى تركياالجغرافيا» لدى الغرب، و«بناء الجغرافيا» لدى تركيا
إبراهيم قراغول
- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لقد وضعتُ مقولة «الجغرافيا سلاح» منذ زمن طويل في صدارة عالمي الفكري. وعندما أنظر إلى تركيا، وإلى المنطقة التي نعيش فيها، وإلى العالم، فقد جعلت من النظر عبر قوة الجغرافيا ومصائر الأمم مبدأً أساسياً.
ومن هذه الزاوية رأيت كيف أن الصورة الظاهرة لا تحدد حاضر تركيا وفرصها فحسب، بل كيف تصوغ أيضاً تشكل التاريخ السياسي، وترسم ملامح المستقبل، وتحدد لنا الطريق الذي ينبغي أن نسلكه.
وللأسف، ففي تركيا، بلد النقاشات اليومية العابرة، لا يُتناول هذا المنظور الذي يحمل في طياته شيفرات قرون طويلة بالقدر الكافي. وبدلاً من الانطلاق من هذه الرؤية السهلة والواضحة، فإننا نظل نتخبط في متاهات تعتم الأذهان وتشُلّ العقول. وعند رسم توجهات تركيا اليوم، فإننا لا نتبع كثيراً هذه الحقائق التي لا جدال فيها.
تركيا – السعودية: من الأناضول إلى البحر الأحمر...
قبل يومين، تم توقيع مذكرة تفاهم بين تركيا والسعودية لإنشاء خط سكة حديد يربط تركيا وسوريا والأردن والسعودية ببعضها البعض.
هذا الاتفاق الواسع النطاق، الذي يشمل أيضاً إعادة إعمار سوريا، لا يقتصر على احتضان إمكانات تجارية بقيمة خمسمائة مليار دولار، بل يشكل خطوة عملاقة نحو تكامل جغرافي أكثر رسوخاً واستدامة.
فبعد مشروع «الممر الجنوبي» الذي يربط تركيا بالخليج العربي، سيؤدي هذا المشروع إلى ربط تركيا بشبه الجزيرة العربية حتى البحر الأحمر. كما أن مشروع الشراكات الذي تنفذه تركيا في الجانب الشرقي من البحر الأحمر، في دول مثل الصومال والسودان، بات اليوم يندمج أيضاً مع اليابسة العربية.
توحيد القارات والبحار... نحن العمود الفقري لجميع المشاريع!
وهكذا يتحول البحر الأحمر والخليج العربي والأناضول إلى حوض اقتصادي مشترك. وإلى جانب الاقتصاد، تُتخذ أيضاً الخطوات الأولى لتخطيط مستقبلي قائم على الجيوسياسة والأمن.
وبات بإمكاننا أن نقول بوضوح إن حوضاً اقتصادياً يمتد من الحدود الإيرانية إلى شرق أفريقيا، ويربط بين البحر المتوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، قد بدأ بالتشكل فعلاً.
فلنوسّع هذه الخريطة قليلاً:
إن «الممر الأوسط» الممتد من الصين إلى لندن سيصبح الشريان اللوجستي للعالم، وربما يكون الخط الوحيد الذي يستطيع الغرب أن يتنفس من خلاله.
وعلى الرغم من أن شرق هذا الممر هو الصين وغربه لندن، فإن محطاته الأساسية هي تركستان. أما عموده الفقري وقوامه الرئيسي فهو الدول التركية؛ أي جغرافيتنا نحن. إنها آسيا الوسطى، والقوقاز، والأناضول.
نحن نشاهد منذ مئتي عام هذا النهب، وهذا «التدمير»
ستة من أصل ثمانية ممرات ومضائق بحرية استراتيجية في العالم تقع ضمن «جغرافيتنا».
كما أن معظم ممرات التجارة البرية تقع في هذه الجغرافيا أيضاً. ذلك لأن الجغرافيا التي يعيش فيها المسلمون تشكل محور الأرض.
فليست الموارد الاقتصادية وحدها هي المهمة، بل إن النظريات الجيوسياسية والأمنية المعروفة في العالم صيغت أساساً وفقاً لهذا الحزام الجغرافي.
لقد شهدنا طوال مئتي عام نهب هذه الجغرافيا وتفكيكها وغرقها في الكوارث. فالعالم الغربي ينهب هذه الجغرافيا منذ قرنين من الزمن، بل يكاد يدمرها تدميراً.
وكان آخر فصول ذلك تفكيك الدولة العثمانية، بما أتاح لهم فرض سيطرة كاملة على الجغرافيا. ثم تولوا إدارة الأنظمة والدول والقادة بأنفسهم. واستمر الاستعمار والاحتلال على حالهما.
تدمير الجغرافيا وبناء الجغرافيا... صراع متواصل منذ مئتي عام: وإسرائيل تواصل هذا التقليد
لقد كانت أوروبا، ثم الولايات المتحدة لاحقاً، تدرك أن السيطرة على هذا الحزام الجغرافي هي الطريق الوحيد للهيمنة العالمية.
وقد حكموا علينا بتاريخ بالغ القسوة والانحطاط والوحشية، إلى درجة أنهم نجحوا في تحويل عقولنا وجعلونا أعداء لأنفسنا.
وها هي إسرائيل اليوم تواصل هذا التقليد. فمن خلال الغزو والإرهاب اللذين تسوّقهما باسم «الغرب»، تتسبب في الدمار في كل أنحاء هذه الجغرافيا الكبرى.
كما أنها تخدع الغرب بقولها: «نحن نحارب من أجلكم»، فيظل الغرب أسيراً لأمراضه القديمة، عاجزاً عن رؤية العالم على حقيقته، مستمراً في عملية تفتيت الجغرافيا.
لقد استمر الصدام بين «تدمير الجغرافيا» و«بناء الجغرافيا» دون انقطاع طوال مئتي عام. لكننا لم نكن قادرين حتى على التدخل في هذا الصراع بسبب ما فقدناه من قوة.
إسرائيل لا تستطيع حمل هذا العبء التاريخي... ولذلك سيتغير التاريخ والجغرافيا معاً
لكن معادلات القوة العالمية تغيرت اليوم بصورة عميقة ومزلزلة. ففي الوقت الذي يفقد فيه الغرب قوته، تكتسب مناطق أخرى من العالم مزيداً من القوة. وكانت تركيا الدولة المفاجأة في هذه القفزة الجديدة للقوة.
وعليه، فإن التاريخ سيتغير، وكذلك الجغرافيا. لقد وصلنا إلى اللحظة التي ستشهد تحولاً جذرياً في مسار المئتي عام الماضية.
وفي الصراع بين تدمير الجغرافيا الذي مارسه الغرب وما زالت إسرائيل تواصله، وبين بناء الجغرافيا الذي تقوده تركيا وتقترح له المسارات، ستتبدل الأدوار.
فالغرب وإسرائيل لم يعودا يمتلكان القدرة على مواصلة التدمير.
إسرائيل اليوم تقصف غزة... وتقصف سوريا، وتقصف اليمن، وتقصف إيران. وتهدد مصر. وتهدد تركيا.
كما أنها تهاجم جميع المبادرات التركية الرامية إلى «بناء الجغرافيا». وتحاول إقامة جبهات مناوئة لتركيا في قبرص واليونان وشرق المتوسط والبحر الأدرياتيكي والقوقاز وآسيا الوسطى.
كيف يعمّون الغرب ويشلّونه!
والعالم الغربي يصفق لذلك، معتقداً أن هذا سيضمن استمرار تاريخه الاستعماري التقليدي.
إن إسرائيل تعمي أبصارهم، وتشُلّ عقولهم، وتنصب لهم الفخاخ، وتقودهم نحو تاريخ خاطئ للغاية.
وهم عاجزون عن رؤية أنهم لن يتمكنوا من مواصلة هذا المسار بالاعتماد على إسرائيل وحدها، وأنهم لن يستطيعوا إعادة فرض السيطرة على هذه الجغرافيا من خلال الغزو والحروب فقط.
لقد بدأ تاريخ بناة الجغرافيا... من الأناضول إلى المحيط الهندي
لم يعد لدى الغرب مثل هذه القوة، ولن تكون لديه مستقبلاً. فجميع أدواته وأطروحاته وأساليبه الموجهة نحو تدمير الجغرافيا قد شاخت واستنفدت أغراضها.
وها هو الآن تاريخ بناة الجغرافيا يبدأ.
فتركيا تدعو منذ عقود جميع دول المنطقة إلى هذا المسار.
وتقول لهم:«احموا دولكم وشعوبكم ومواردكم، ولا تسمحوا بنهب ثرواتكم».
ومن «الممر الأوسط» إلى «الممر الجنوبي»، ومن اتفاقيات السكك الحديدية إلى ربط الخط السوري–اللبناني، ومن تكامل الأناضول مع الشرق الأوسط إلى إعادة فتح أبواب الأناضول نحو آسيا الوسطى، ومن ربط المتوسط بالبحر الأحمر والبحر الأسود بالمحيط الهندي، وصولاً من آسيا الوسطى إلى أفريقيا، فإننا نشهد بناء جغرافيا قائمة على الشراكات.
أكبر مشروع في القرن الحادي والعشرين: عولمة الجغرافيا!
سأقول ذلك بصراحة: هذا هو أكبر مشروع في القرن الحادي والعشرين.
إنه إعادة الجغرافيا المركزية للعالم إلى هويتها الأصلية، وثروتها، وقوتها، وتاريخها.
ونحن نشهد خطوة خطوة، وغرزة غرزة، تشييد واحد من أكبر مشاريع التاريخ الإنساني. وتركيا هي المهندس الرئيسي لهذا المشروع.
وليس الأمر مقتصراً على خطوط السكك الحديدية فحسب، بل إن جميع خطوط النقل ومشاريع أنابيب النفط والغاز يعاد تعريفها في اليابسة العربية.
فالأمة العربية، التي ترى في العدوانية الإسرائيلية وفي عدم الاستقرار الإيراني تهديداً لها، تحاول فتح ثرواتها على العالم عبر تركيا، التي يتحسب منها البلدان معاً.
وكل ذلك ليس هدفاً محصوراً في هوية أيديولوجية معينة، بل هو محاولة لضمان مستقبل الدول والشعوب.
وقد يبدو الأمر اقتصادياً، لكنه في الحقيقة حسابات مرتبطة ببناء القوة.
وفي مثل هذه الجغرافيا، لن تكون هناك فرصة لبقاء دولة عدوانية مثل إسرائيل. فالجغرافيا لن تتقبلها، بل ستلفظها.
ولهذا السبب ينبغي للأمة العربية أن تحدد جيداً جواب السؤال:
«لماذا تقع جميع الحروب على الأراضي العربية؟».
هذا بالضبط ما تقوله لهم تركيا.
فهي توجه نداءً إلى جميع الأمم، من سور الصين العظيم إلى جنوب آسيا وأفريقيا، من أجل «صحوة القرن الحادي والعشرين».
كما أنها تتخذ خطوات من أجل «عولمة الجغرافيا»، خطوات من شأنها أن تعيد تشكيل القرون القادمة.
نحن هنا لألف عام أخرى! وهذه مواجهة كبرى للغاية...
نحن موجودون في هذه الجغرافيا منذ أكثر من ألف عام، وسنبقى فيها آلاف السنين الأخرى.
فليست الممرات البحرية وحدها ملكنا، بل إن لدينا مدناً أقدم من الإمبراطوريات نفسها، وهي اليوم ترشدنا إلى الطريق.
وهذه المدن أقدم من تاريخ الغرب بأسره، وهي تعلمنا الحكمة.
إننا نعيش فترة تاريخية لا يجوز إهدارها في نقاشات صغيرة.
إنه سيكون تاريخ الادعاءات الكبرى.
هناك صدام هائل بين خطط الغرب الرامية إلى «تدمير الجغرافيا» وبين خططنا الهادفة إلى «بناء الجغرافيا».
وللمرة الأولى منذ مئتي عام، أصبحنا في وضع يمكّننا من الانتصار في هذا الصدام.
من ملاعب العالم إلى حدود السياسة: هل بدأت النسخة الأمريكية من كأس العالم بأزمة قيم؟
أحمد هلال
"البطولة التي تجمع شعوباً من عشرات الثقافات والأديان والأعراق يفترض أن تكون لحظة إنسانية نادرة يتراجع فيها منطق الجوازات والخرائط أمام منطق المشاركة الإنسانية"
لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة، فمنذ أن تحولت إلى اللغة المشتركة للبشرية، أصبحت الملاعب مرآة تعكس ما يجري خارجها من صراعات وأفكار وتوازنات قوة. وفي كل نسخة من كأس العالم لا تتنافس المنتخبات فقط على الكأس، بل تتنافس الدول أيضاً على تقديم صورة عن نفسها أمام مليارات البشر الذين يتابعون الحدث الأكبر في عالم الرياضة.
لهذا السبب تحديداً تبدو المقارنات بين كأس العالم 2022 فيقطر وكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أكثر من مجرد مقارنة تنظيمية أو رياضية؛ إنها مقارنة بين سرديتين حضاريتين مختلفتين، وبين رؤيتين لدور الرياضة في عالم مضطرب سياسياً وثقافياً.
منذ الأسابيع الأولى للبطولة الأمريكية، برزت أخبار تتعلق بصعوبات التأشيرات، ومنع دخول بعض الشخصيات الرياضية، والانتقادات الموجهة للإجراءات الأمنية المشددة بحق بعض الوفود القادمة من أفريقيا والشرق الأوسط. وبينما قد تكون بعض هذه الحالات مرتبطة بقوانين الهجرة والأمن القومي كما تقول السلطات الأمريكية، فإن الصورة التي تشكلت في الوعي العام كانت مختلفة تماماً: صورة بطولة عالمية تقف عند أبواب الحدود، وتخضع لمعايير السياسة قبل أن تفتح أبواب الرياضة. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
تبدو المقارنات بين كأس العالم 2022 في قطر وكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أكثر من مجرد مقارنة تنظيمية أو رياضية؛ إنها مقارنة بين سرديتين حضاريتين مختلفتين، وبين رؤيتين لدور الرياضة في عالم مضطرب سياسياً وثقافياً
فكرة كأس العالم تقوم أساساً على تجاوز الحدود لا على تعزيزها، والبطولة التي تجمع شعوباً من عشرات الثقافات والأديان والأعراق يفترض أن تكون لحظة إنسانية نادرة يتراجع فيها منطق الجوازات والخرائط أمام منطق المشاركة الإنسانية. لكن عندما يصبح الحديث عن التأشيرات أكثر حضوراً من الحديث عن المباريات، فإن شيئاً ما يكون قد اختل في الرسالة الأساسية للحدث.
لا يمكن الجزم بسهولة بأن ما جرى يعكس سياسة عنصرية أمريكية ممنهجة ضد القارة الأفريقية أو ضد شعوب بعينها، فالعنصرية مصطلح خطير يحتاج إلى أدلة واضحة ومستمرة تتجاوز الحوادث الفردية لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيراً من الانتقادات جاءت من دول ومؤسسات وشخصيات شعرت بأن هناك تفاوتاً في المعاملة بين جنسيات مختلفة، وأن بعض الوفود القادمة من الجنوب العالمي واجهت عراقيل لم تواجهها وفود أخرى.
وفي السياسة الدولية، لا تهم الوقائع وحدها؛ بل تهم أيضاً الانطباعات التي تخلقها تلك الوقائع. لقد أمضت الولايات المتحدة عقوداً طويلة تقدم نفسها بوصفها نموذجاً للتعددية والانفتاح والهجرة والتنوع الثقافي، لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً واضحاً في الخطاب المرتبط بالحدود والهجرة والهوية الوطنية، وهو خطاب انعكس على صورة البلاد في نظر كثيرين حول العالم. وعندما تستضيف دولة تحمل هذا الجدل الداخلي بطولة بحجم كأس العالم، فإن كل حادثة مرتبطة بالدخول أو التفتيش أو التأشيرات تتحول تلقائياً إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي.
في المقابل، لا يزال كثيرون يستحضرون تجربة قطر 2022 باعتبارها نموذجاً مختلفاً. فبرغم الحملات السياسية والإعلامية التي سبقت البطولة، نجحت قطر في تقديم نسخة اتسمت بدرجة عالية من الانفتاح الاجتماعي والثقافي. وصل مشجعون من مختلف الأديان والقوميات والخلفيات الفكرية إلى الدوحة، وتجولوا في فضاء عربي وإسلامي كان بالنسبة لكثير منهم مجهولاً أو مشوهاً في الصورة النمطية الغربية. وهناك اكتشف ملايين الزوار والمتابعين أن التعايش لا يعني بالضرورة الذوبان الثقافي، وأن الانفتاح لا يقتضي التخلي عن الهوية.
كانت الرسالة القطرية تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: يمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته الحضارية وأن يفتح أبوابه للعالم في الوقت نفسه. ولهذا السبب لم تُقرأ بطولة قطر باعتبارها نجاحاً تنظيمياً فقط، بل باعتبارها لحظة ثقافية كسرت احتكار السردية الغربية حول مفهوم العالمية. فقد قدمت دولة عربية صغيرة نموذجاً يقول إن العالم لا يحتاج دائماً إلى المرور عبر العواصم الغربية كي يلتقي ويحتفل ويتعارف.
أما في النسخة الأمريكية، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالملاعب أو البنية التحتية أو القدرة التنظيمية، فهذه أمور لا يشكك فيها أحد، وإنما يتعلق بالسؤال الأعمق: هل تستطيع الرياضة أن تبقى مساحة محايدة عندما تستضيفها قوة عظمى غارقة في صراعاتها السياسية الداخلية والخارجية؟
ويتجلى هذا السؤال بوضوح في حالة المنتخب الإيراني. فوجود إيران في البطولة جاء في ظل أجواء إقليمية ودولية مشحونة، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب والمواجهة السياسية. ومن الطبيعي أن تتحول كل إشارة أو رمز أو موقف يصدر عن البعثة الإيرانية إلى مادة للتأويل والنقاش. وعندما حمل اللاعبون الرقم الذي قيل إنه يرمز إلى ضحايا مدنيين سقطوا في سياق الحرب، فإن الرسالة تجاوزت حدود الرياضة لتصبح صرخة سياسية وإنسانية في آن واحد.
هنا تكشف كرة القدم مرة أخرى عن حقيقتها القديمة: إنها ليست معزولة عن العالم، بل هي امتداد له. لكن المفارقة أن فيفا ظلت لعقود ترفع شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، بينما تثبت الأحداث المتلاحقة أن هذا الفصل يكاد يكون مستحيلاً. فكيف يمكن فصل السياسة عن بطولة يتوقف فيها مصير المشاركين على قرارات التأشيرات؟ وكيف يمكن عزل الرياضة عن الجغرافيا بينما يعيش العالم على وقع الحروب والعقوبات والاستقطابات الدولية؟
أي صورة ستخرج بها البطولة إلى ذاكرة الشعوب؟ هل ستُذكر باعتبارها احتفالاً عالمياً جمع البشر تحت راية الرياضة، أم باعتبارها بطولة طغت عليها نقاشات الحدود والتأشيرات والاستقطاب السياسي؟
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة تنظيمية أو خلاف إعلامي عابر، بل هو انعكاس لتحول أوسع في النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي بدا بعد الحرب الباردة وكأنه يتجه نحو مزيد من الانفتاح والعولمة، يعود تدريجياً إلى لغة الحدود والهويات والصراعات الجيوسياسية. وكأس العالم، بوصفه الحدث الأكثر عالمية على وجه الأرض، أصبح مسرحاً مثالياً لظهور هذه التناقضات.
ولعل أهم ما تكشفه المقارنة بين قطر 2022 والنسخة الأمريكية الحالية هو أن القوة المادية وحدها لا تصنع صورة إيجابية للدول. فالملاعب العملاقة والتقنيات المتطورة والبنية التحتية الهائلة لا تكفي إذا شعر الناس بأن هناك تمييزاً أو إقصاء أو ازدواجية في المعايير.
القوة الحقيقية في عصرنا لم تعد مجرد قدرة على التنظيم، بل قدرة على الإقناع، لم تعد فقط القدرة على الاستضافة، بل القدرة على جعل الضيف يشعر بأنه مرحب به مهما كان دينه أو لونه أو جنسيته أو موقفه السياسي.
لهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تنظيم كأس عالم ناجح، فهي بلا شك قادرة على ذلك. السؤال الأهم هو: أي صورة ستخرج بها البطولة إلى ذاكرة الشعوب؟ هل ستُذكر باعتبارها احتفالاً عالمياً جمع البشر تحت راية الرياضة، أم باعتبارها بطولة طغت عليها نقاشات الحدود والتأشيرات والاستقطاب السياسي؟
الجواب النهائي ما زال مبكراً، لكن المؤكد أن بدايات البطولات الكبرى كثيراً ما تحدد طبيعة السردية التي ترافقها حتى النهاية. وإذا كانت قطر قد نجحت في أن تجعل من كأس العالم قصة عن التعايش والانفتاح الحضاري، فإن النسخة الأمريكية مطالبة اليوم بإثبات أن الرياضة ما زالت قادرة على الانتصار على السياسة، وأن أبواب الملاعب أوسع من أبواب الحدود.