الأربعاء، 15 أبريل 2026

وقفات مع آيات (18).. السنن الربانية العظيمة

 وقفات مع آيات (18).. السنن الربانية العظيمة

  


 ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾

من السنن الربانية العظيمة أن ما يقع في هذا الكون، وما ينزل بالناس في الأرض وفي أنفسهم، مقدَّرٌ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلق بخمسين ألف سنة؛ سواء كان من الكوارث كالزلازل ونحوها، أو مما يصيب الإنسان من مرض، أو فقر، أو ضرر.

وفي هذا تعزية عظيمة للمؤمن؛ إذ يعلم أن ما أصابه لم يكن خارجًا عن قدر الله، وأنه لم ينزل به أمرٌ على سبيل الفجأة المنفلتة، بل وقع بعلم الله السابق وتقديره المحكم. 

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك”.

ثم كشف الله الحكمة من إعلام عباده بهذه الحقيقة، فقال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾؛ ليعلم الإنسان أن ما نزل به لم يكن ليجاوزه، وأن ما جاوزه لم يكن لينزل به، فلا يجزع على ما فاته من النعم جزعًا يخرجه إلى السخط، ولا يطغى بما أوتيه من العطاء طغيان المتكبر المغتر.

والأصل أن كثيرًا مما يصيب الإنسان إنما يكون بسبب ذنوبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فالحسنات من الله فضلًا ورحمة، وأما كثير من المصائب والآلام فإنما يكون بسبب أعمال العبد وذنوبه.

ومع ذلك فإن رحمة الله أوسع من ذنوب العباد، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقال جل شأنه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. وقد تُعجَّل بعض آثار الذنوب للمؤمنين، وقد تُؤخَّر، لكنها في جميع الأحوال لا تخلو من معاني التربية، والتطهير، والتنبيه، وفي طياتها خير للمؤمن إذا أحسن تلقيها، وصبر، وراجع نفسه، ورجا ما عند الله.

والمؤمن لا يتمنى البلاء، ولا يسعى إليه، بل هو مأمور ببذل الأسباب، ودفع الضرر ما استطاع، غير أنه إذا ابتُلي صبر، وإذا أُعطي شكر. وهو لا يعلم أين يكمن الخير له، لكنه يرضى بأقدار الله، صابرًا محتسبًا، يرجو مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، مستيقنًا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.

وهذا الفهم يريح القلب، ويبعث الطمأنينة في النفس، فيحيا الإنسان حياةً أكثر سكونًا وثباتًا، قائمة على الصبر، والرضا، والتسليم لله عند المصيبة، مع صدق الالتجاء إليه، وقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

وهذا المعنى ليس مجرد تقرير إيماني نظري، بل يراه الإنسان متجسدًا في بعض من عرفهم وعايشهم. ومن ذلك رجل عايشته سنين طويلة، تعرّض خلالها لألوان من الأذى والابتلاء. ومن أعجب ما مرّ به أن زوجته التي كان يحبها حبًا شديدًا طُلِّقت بغير رضاه، وفُرِّق بينه وبين أبنائه، وحُرم سنين طويلة من رؤية أمه والأنس بها وهي على مشارف الرحيل. ثم ابتُلي بعد ذلك بأذى جسدي ونفسي شديد، فصبر واحتسب.

وعاش زمنًا يعتمد على المهدئات والأدوية، حتى عافاه الله منها، واستعاد توازنه، ونهض من جديد. وكنت أؤانسه أحيانًا، وأحاول أن أصبّره، فإذا به، على شدة ما نزل به، جبل أشم، ذو إيمان صادق واحتساب عظيم. فقد ماله، وضاع شقاء عمره، وما بناه من أعمال تجارية، لكنه ثبت ولم يتزعزع يقينه، ولم يَهِنْ إيمانه. وكانت حالته الصحية غير مستقرة، وابتلي ببعض الأمراض المزمنة، لكنك إن رأيته في أوقات صحته، ونظرت إلى وجهه، لقلت: إن هذا الرجل لم يذق بلاءً قط.

أيُّ صبرٍ هذا الذي يرزق الله به عباده!

إن هذا الصبر لا تصنعه مجرد طاقة التحمل البشرية، بل يصنعه الإيمان العميق بأن وراء البلاء حكمةً، ولطفًا، وأجرًا لا يضيع.

ولعل من أجمل ما بقي في نفسي من خبره أن البلاء لم ينتزع منه بشاشته، ولم يخمد جذوة روحه؛ فما زلت أذكر تلك الابتسامات التي كان يوزعها على أصحابه، وتلك القصص المفرحة، والنكات الجميلة التي كان يرويها لمن حوله، يريد بها أن يدخل السرور إلى قلوبهم. وذلك من أبلغ الشواهد على أن الإيمان إذا تمكن من القلب، منع اليأس من التغلغل في النفس، ولم يطفئ جذوة الأمل والفرح، وجعل صاحبه يحمل جراحه بروح مطمئنة، ونفس راضية، وقلب موصول بالله.

هل وعينا كخليجيين مُحصّن؟

هل وعينا كخليجيين مُحصّن؟
د. جاسم الجزاع


ونعني بالوعي هنا ببساطة حالة من "الإدراك" النشط للذات نفسها وللمحيط الذي حولها، فالوعي هو الروح الجامعة والذاكرة التاريخية لشعب من الشعوب والتي تتشكل عبر التراكم الثقافي والقيمي، وهذا الوعي لا يكون مجرد سيل من المعلومات العابرة التي يستهلكها الفرد يومياً، بل هو منظومة متكاملة من المفاهيم والمبادئ التي تتكون داخل محاضن التربية، والتعليم، والمؤسسات الدينية والاجتماعية الرصينة، وهذا الوعي يتشكل من خلال التفاعل الحي والمستمر بين الموروث الأصيل لشعب ما والمعارف الحديثة المتدفقة، ليصبح في نهاية المطاف "البوصلة التوعوية" التي توجه سلوك الأفراد والمجموعات تجاه القضايا الوطنية والمصيرية الكبرى، فلهذا فإن الوعي هو الحصن المنيع الذي يمنح المجتمع القدرة الفائقة على التمييز بين المصالح العليا للشعب وللدولة وبين الأجندات السياسية العابرة والمضللة، وهو الضمانة الوحيدة والأساسية لتماسك النسيج الاجتماعي وتلاحمه أمام الأزمات والحروب وتيارات التغريب الممنهج أو محاولات التفتيت الفكري.


ومع ما سبق، يظل الوعي المجتمعي الخليجي في وقتنا الراهن في دول الخليج العربي عرضة للاختراق الممنهج والذكي، خاصة في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية - بالرغم من الهدنة المؤقتة بينهما ولا نعلم مآلاتها - حيث تصبح عقول الناس في الخليج هي الميدان الحقيقي للصراع المباشر قبل الأرض والحدود، وهذا الاختراق يهددنا عبر أدوات متطورة في منصات التواصل الاجتماعي العابرة للحدود والأماكن، والتي تُغرق الأجواء العامة بالشائعات المدروسة، والهاشتاقات الموجهة، والمعلومات المضللة التي تهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الثقة المتجذرة بين الشعوب الخليجية وقياداتها، أو إثارة النعرات المجتمعية والقطبية الضيقة لضرب الوحدة التلاحمية من الداخل.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز هنا ضرورة تبني استراتيجية توعوية ووطنية شاملة لحماية وتحصين الوعي المجتمعي الخليجي، وتبدأ من تعزيز مفهوم "التربية الرقمية " أو " المواطنة الرقمية " كمنهج حياة، فيُعلم الأفراد مهارات التفكير النقدي للمحتوى الرقمي وكيفية التحقق من المصادر الموثوقة قبل التفاعل مع أي معلومة من هنا وهناك، فإن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق النخب الفكرية والأكاديمية، التي يجب أن تمارس دورها الريادي في تبسيط الحقائق المعقدة وقيادة الرأي العام بوعي وحكمة ومسؤولية أخلاقية، بعيداً عن الانفعالات اللحظية والغضب السطحي الطفولي أو السقوط في فخ المزايدات السياسية، وكما يتطلب الأمر تفعيل دور المؤسسات التعليمية في غرس قيم "المواطنة الرقمية" التي توازن بين الحقوق والواجبات، وبناء "قوة ردع فكرية" تجعل من كل مواطن خفيراً واعياً على أمن مجتمعه، فإن حماية الوعي في دولنا الخليجية تتطلب إدراكاً بأن إدارة الكلمة الحكيمة والرزينة في أوقات الفتن هو أقوى وأكثر نفعاً من ضجيج الشائعات، وأن الالتفاف الصلب حول المشتركات الوطنية والتمسك بالهوية العربية والإسلامية هو السبيل الوحيد لإجهاض كافة محاولات الاختراق، لتظل مجتمعاتنا عصية على التشويه، ومحصنة بوعي ناضج يجمع ببراعة بين أدوات الرقمنة الحديثة وقيم الأصالة الخليجية العربية العريقة.

حاصرونا بين التيس والكنغر

حاصرونا بين التيس والكنغر
عبدالرحمن الشمري

في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: 
هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ 
عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية.

فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا.

ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش.

وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة.

أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه.

وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات.

وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي.

بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي.

كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: 
العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا.

لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. 
فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. 
فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح:

العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة…

لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!.
وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟

إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.

الحياة لا تتوقفُ على أحد!

نقطة نظام

الحياة لا تتوقفُ على أحد!

أدهم شرقاوي


‏تقولُ الطبيبةُ النَّفسيّةُ الأميركية «آنا ليمبيكي» في كتابها الرّائع «أُمَّةُ الدوبامين»:

‏خلالَ أكثر من عشرينَ عامًا كطبيبةٍ نفسيَّةٍ، وأنا أستمعُ إلى عشراتِ الآلافِ من قصصِ المرضى، تكوَّنَتْ لديَّ قناعةٌ بأنَّ الطريقةَ التي نروي بها قصصنا الشخصيَّةَ هي علامةٌ ومؤشِّرٌ على الصِّحّةِ العقليَّةِ!

‏المرضى الذين يروون قصصًا غالبًا ما يكونون فيها الضَّحيَّة، ونادرًا ما يتحملونَ المسؤوليةَ عن النتائج السيئةِ لسلوكهم، في الغالبِ لا يبدُو عليهم أيُّ تحسُنٍّ ويبقون في دائرةِ الألمِ، إنهم مشغولون جدًا بإلقاءِ اللومِ على الآخرينَ بحيث لا يمكنهُم التركيزُ على عِلَّتِهم ومحاولةُ التَّعافي منها.

‏وعلى النَّقيضِ من ذلك، عندما يبدأُ مرضايَ في سَرْدِ القصص التي تُصوِّرُ مسؤوليتهم بدقةٍ، أعلمُ أنهم يتحسنون!

‏برأيي، ليس بالضَّرورةِ أنَّ من حلَّتْ به فاجعةٌ يتحمّلُ مسؤوليتها، أو جزءاً من المسؤولية، للأسفَ نحن في هذه الحياة نُؤذَى أحياناً ليس لأننا كُنّا سيّئين، وإنما لأننا كُنّا جيّدين أكثر مما ينبغي!

‏وبغضِّ النّظرِ عن الأسباب التي أدّت إلى الفاجعةِ التي ذُقنا مرارتها، نحن نهاية المطاف أمام فاجعةٍ قد حصلتْ! 

وسواءً كُنّا نتحمّلُ المسؤوليّة كاملةً، أو جزءاً منها على اعتبار أنّ الآخرين لا يمتطون ظهورنا إلا بموافقتنا، أو لا ذَنْبَ لنا ولا جريرة كما أُلقيَ يوسفُ عليه السّلام في الجُبِّ لأنه كان جميلاً جداً وأبوه يُحبُّه! 

فإنّ ما حصل قد حصل، وحَبْسُ الإنسان نفسَه في الأسباب يطيلُ أمدَ الفاجعة!

‏الأمورُ السّيئة تقعُ دوماً، هذه الدُّنيا مليئةٌ بالغادرين وقليلي الأصل، زاخرة بالمرضى النفسيين الذين لا يتعالجون وإنما يتعالجُ ضحاياهم! 

إلا أننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نعيش كضحايا أو كناجين!

‏الشّخصُ الذي يختارُ أن يعيشَ ضحيّةً سيبقى سجين ماضيه، سيمرُّ العمرُ عليه وساعته الزّمنيّة متوقّفة على توقيتِ جرحه! سيبكي دون فائدة، وسيطيل العتبَ الذي لا طائل منه، وكلما جفّ جرحه قليلاً سيعمدُ إلى قشرته وينزعها ليبقى غضّاً طريّاً! فلا هو قادرٌ على أن يُعيد الحكاية من أولها ليأخذ حِذره، ولا هو قادرٌ على أن يطوي الصّفحة ويمضي! سيتعَبُ ويُتعِبُ من معه، لن يُعطيَ فرصةً لنفسه ليُحِبَّ ويُحَبُّ مجدداً، لن يكون قادراً على الثّقة بأحدٍ، ومن تبعاتِ هذه أن لا يكون مصدر ثقةٍ لأحدٍ، لأنّ الحُبّ والثّقة بَذْرٌ أولاً ثم حصاد، ولا حصادَ إلا لباذرٍ!

‏أما الشّخصُ الذي يختارُ أن يعيش كناجٍ فسيطوي الصّفحة ويمضي، سيتعلّمُ الدّرس من الفاجعة، وسيكون حَذِراً لا شَكَّاكاً، سيتقدَّمُ بعقله ويتراجعُ بقلبه، وسيحمدُ اللهَ أنّ الأمور السّيئة التي وقعتْ كان بالإمكان أن تكون أسوأ، وأنّ الصّفعة ثمنٌ عادل مقابل أن يستيقظ، فإنها فاجعة أخرى أن يبقى المرءُ مُغفّلاً وأُلعوبة!

‏النّاجي يعلمُ أنّ ما حدثَ كان بسوء اختياره، وأنّ الدُّنيا مليئةٌ بالأشخاص الجيّدين كما هي مليئةٌ بالأشخاص السّيئين! جُرْحُ الحُبّ يُداويه حُبٌّ جديد وإنْ بحذرٍ هذه المرّة، لأنّ الفرصة الثانية مخيفة أكثر من الفرصة الأولى، لأنّ المرء يعلمُ مقدار ما يُخاطرُ به، إنّه قلبه!

‏صديقٌ نَذْلٌ سيطويه صديقٌ طيّب، وجُرْحُ الثّقةِ سيندملُ مع شخصٍ وفيٍّ!

‏تجاوزوا السّيئين، لا تسمحوا لهم أن يُفسدوا حاضركم كما أفسدوا ماضيكم، لا أحدَ يستحِقُّ أن تهبه عمركَ مرّتين!

‏لا تسترِقوا النّظر إلى حياةِ جارحيكم، تخلّصوا من هذا الفضول الذّميم! 

ادفنوهم، وأهيلوا عليهم التراب وتابعوا حياتكم، أَشرِقُوا مجدداً، أثبتُوا لأنفسكم أولاً ولهم ثانياً أنّ الحياة لا تتوقفُ على أحد، وأنّ من كان لائقاً بقلوبنا أحببناه، ومن كان نذلاً لم نكرهه، إنه أقلّ شأناً أن نمنحه شعوراً مهما كان نوعه!

حمار طروادة... عن الخيانة العابرة للحدود والغباء العابر للقارات!

خواطر صعلوك

حمار طروادة... عن الخيانة العابرة للحدود والغباء العابر للقارات!

                          محمد ناصر العطوان

دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ، وأرجو ألا تسخر من سذاجتي المفرطة. 

طوال سنوات مضت، كنت أعيش في «فقاعة رومانسية» جميلة، أُقنع نفسي فيها بأن كل هذا الضجيج حول «الانتماءات العابرة للحدود» والولاءات المستوردة من الخارج، ليس سوى ترف فكري، أو «هذيان» يمارسه البعض في أوقات السلم والرخاء.

كنت أظن -ويا لخيبتي- أنه بمجرد أن تدق طبول الحرب، وتتطاير شظايا الصواريخ في سماء ديرتنا، ستتبخر كل هذه الانتماءات الهلامية، وسيعود الجميع إلى رشدهم، ليقفوا صفاً واحداً خلف علم البلاد، لأن غريزة البقاء والخوف على العرض والأرض ستنتصر حتماً على أي أيديولوجيا معلبة.

لكن الصدمة المروعة التي صفعتني على وجهي أخيراً، هي أن الحرب لم تُذِب هذه الولاءات، بل «حمّصتها» وأبرزت رائحتها العفنة! لقد اكتشفت أن هناك من يعيش بيننا، يأكل من خبزنا المدعوم، ويشرب من مائنا المقطر، ويستمتع بالأمن والأمان في شوارعنا، لكن «الريموت كنترول» الذي يحرك أدمغتهم موجود في عاصمة أخرى!

في الأساطير اليونانية، ابتكر الإغريق خديعة عبقرية أسموها «حصان طروادة»؛ مجسم خشبي مهيب ابتلعته المدينة المحاصرة، فخرج منه الفرسان ليلاً ليفتحوا الأبواب للغزاة. كانت خيانة مبنية على الدهاء.

أما نحن في عالمنا العربي عامة، وفي الكويت خاصة، فلم نُبتلَ بفرسان ودهاء، بل ابتلينا بـ «حمار طروادة»!

نعم يا سادة، حمار طروادة ليس مجسماً خشبياً، بل هو كائن بشري يعاني من «حول أخلاقي» وشلل إدراكي. تراه ينام في بيته المكيف في الكويت، لكن قلبه يخفق تأمراً مع من يرسل الصواريخ فوق سقف بيته! ينتظر بفارغ الصبر أن ينتصر المشروع التوسعي الخارجي، حتى لو كان ثمن هذا الانتصار هو دمار وطنه وتشريد أسرته.

ولحسن الحظ، فإن وزارة الداخلية لدينا لم تكن نائمة في العسل. لقد تابعتُ بانبهار ممزوج بالشفقة كيف قامت عيون الداخلية باصطياد هؤلاء «الطرواديون الخونة» واحداً تلو الآخر خلال هذه الحرب.

المضحك في الأمر، أن «خائن» هذا الزمان فقد حتى أناقة الخيانة؛ فهو لا يتبادل الشفرات السرية في معاطف سوداء تحت المطر كأفلام جيمس بوند، بل يمارس خيانته بغباء منقطع النظير عبر رسائل «الواتساب»، وتغريدات «تويتر»، ومجموعات «التليغرام»! يرسل الإحداثيات، أو يجمع التبرعات المشبوهة، أو يبث الإشاعات لزعزعة الجبهة الداخلية، وهو يظن نفسه «مناضلاً أممياً»، بينما هو في الحقيقة مجرد بيدق رخيص يتم التضحية به في أول جولة.

كيف يمكن لعقل بشري أن ينحدر إلى هذا الدرك؟ كيف يمكن لمواطن أو مقيم أن يتحول إلى «طابور خامس» يطعن الظهر الذي يحميه؟ 

الإجابة تكمن في غسيل الدماغ الممنهج الذي تمارسه تلك الأيديولوجيات العابرة للحدود، والتي تُقنع الخونة أتباعها بأن «الدولة الوطنية» مجرد صنم يجب كسره، وأن الولاء للمرشد أو للحزب أو للمذهب هو الطريق الوحيد لدخول الجنة... 

وكأن الجنة لا تُفتح أبوابها إلا على أنقاض أوطاننا!

لقد كانت صدمة قاسية، نعم، لكنها كانت ضرورية لنستيقظ من غفلتنا. 

شكراً لوزارة الداخلية التي سحبت هؤلاء الخونة من آذانهم إلى حيث ينتمون حقاً: خلف القضبان، لتثبت لنا أن «طروادة» قد ينجح في التسلل والدخول، لكنه في النهاية سيبدأ بالنهيق، وسيفضح نفسه بنفسه.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل خيانة لا يُراد بها إلا دمار الأوطان... تضمحل.


في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

"الذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين"


 في كتابه "الإسلام المفترى عليه" يقول الشّيخ محمّد الغزالي رحمه الله تعالى: 

"إنّ كلّ دعوة تحبّب الفقر إلى النّاس أو تُرَضِّيهم بالدّون أو تقنعهم بالهوان في الحياة أو تصبّرهم على قبول البخس والرّضا بالدنيّة؛ فهي دعوةٌ فاجرة يراد بها التّمكين للظّلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فردٍ أو أفراد وهي قبل ذلك كذب على الإسلام وافتراء على الله. وأيّ تجاهلٍ لأحوال الأمم المحرومة من العدالة الاجتماعيّة، أو تهوينٌ لآثار الضّيم النّازل بها، أو تسكينٌ للثّوائر المهتاجة فيها؛ فهو دليلٌ على أحد أمرين: خبالٌ في العقل، أو نفاقٌ في القلب؛ وكلا الأمرين له منزلته الحقيرة من دين الله تعالى، ومن دنيا النّاس فلا يُلتَفَت إليه".


إنّ هذه الكلمات البديعة تضع قاعدة حاكمة، وهي أنّ الزهد مقامٌ تربويّ جليل حين يقيم الإنسان على القناعة والإتقان والحرية من عبودية المتاع، ويُثمر في صاحبه شجاعة في طلب الحق وصلابة في مواجهة الفساد ونزاهة في الكسب وحسّا بالمسؤولية تجاه المظلومين، أمّا تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان.

تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان


وكذلك تجد بعض الدّعاة يستشهد بقصة مروية عن عمر رضي الله عنه وهي: "جاء الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: غلا اللّحم فسعّره لنا؛ فقال: أرخصوه أنتم فقالوا: نحن نشتكي غلاء السّعر واللّحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم؟ فقال: اتركوه لهم".

وهذه القصّة مكذوبةٌ على أمير المؤمنين عمر، فلم يرد في أيّ كتابٍ من كتب التّاريخ أنّها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وقد ورد قريب منها في تاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنّهاية لابن كثير منسوبا إلى إبراهيم بن أدهم إذ قيل له: إن اللّحم قد غلا فقال: أرخصوه؛ أي لا تشتروه.

ومن يعرف سياسة عمر رضي الله عنه يعلم جيّدا أنّه حين ترتفع الأسعار الفاحشة فإنّه لا يمكن أن يترك الحبل على غاربه لجشع الجشعين دون من محاسبة من يكون سببا في كارثة اقتصاديّةٍ، وكذلك حين تكون الجائحة الاقتصاديّة كبيرة فإنّ أمير المؤمنين عمر يكون أوّل من يجوع وآخر من يشبع، ويعاني وهو في سدّة الحكم قبل أن يعاني أشدّ النّاس فقرا في رعيته. فلا تكذبوا على عمر رضي الله عنه كي تبرّروا هذا الخراب الذي يفتك بهذا الشّعب المسكين؛ فقد أخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن سعد في الطبقات الكبرى والبيهقي في السنن عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "أصاب النّاس سنة غلا فيها السّمن وكان عمر يأكل الزّيت فيقرقر بطنه فيقول: قرقر ما شئت فوالله لا تأكل السّمن حتى يأكله الناس".

وهذا الأثر يقدّم مفتاحا في فقه الحكم قبل أن يقدّم لنا حكاية زهد، إذ يضع العدالة في مركز السياسة، ويجعل "المعاش" عنوان أمانةٍ لا تفصيلا إداريا عابرا؛ فالحاكم هنا يجعل نفسه أولَ من يلتزم بضبط الاستهلاك وآخرَ من يمدّ يده إلى الرفاه، فتتحوّل القدوة من شعارٍ يقال إلى ميزانٍ يضبط سلوك السلطة. وفي هذا المعنى تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها.

تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها


وبعض الدّعاة يستشهد بما يروى عن أحد السّلف حين شكا له الناس غلاء الأسعار فقال: أرخصوها بالاستغفار، وهذا الأثر لو صحّ فهو يعني مطالبة النّاس بالتوبة ومن شروط التّوبة الإقلاع عن الذّنب، والذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين، وهذا الاستغفار يقتضي ضمنا توجيه المسؤوليّة إلى المتسبّب في كلّ هذا، لا ترديد عبارة "أستغفر الله العظيم" باللّسان من دون فقه مضامينها التي تقتضي التوبة إلى الله تعالى من ذنب تحكيم المجرمين برقاب العباد ومصائرهم.

فكلّ داعيةٍ أو واعظٍ يرفع عقيرته في الحديث عن استفحال الأسعار وفحش الغلاء وآثار التضخم وتهاوي العملة، مقتصرا على مطالبة النّاس بالصّبر والاحتمال ومحببا الزهد إلى نفوسهم ومطالبا إياهم بالتقشف، مغفلا الحديث عن أسباب هذه الانتكاسات وصامتا عن تحميل الطّبقة السياسيّة الفاسدة التي تتقلّب في الترف مسؤولية احتراق النّاس بنيران الغلاء؛ فهو يكذب على الله تعالى ويفتري على دين الإسلام وهو جنديّ من جنود الباطل والاستبداد درى أو لم يدرِ؛ فلا تصدّقّوه ولا تقيموا لكلامه وزنا ولا قيمة.


x.com/muhammadkhm


الثلاثاء، 14 أبريل 2026

بين الاستبداد والفوضى: كيف يوازن الفقه المقاصدي بين مقاومة الظلم وتجنب الانهيار؟

 بين الاستبداد والفوضى: كيف يوازن الفقه المقاصدي بين مقاومة الظلم وتجنب الانهيار؟

أحمد هلال‎

"النتائج المتوقعة معيار لا يقل أهمية عن تشخيص الظلم"- 

في المسافة الشائكة بين الاستبداد والفوضى، يقف العقل الفقهي والسياسي أمام سؤالٍ لا يقبل التبسيط: كيف يمكن مقاومة الظلم دون أن يتحول السعي إلى العدالة إلى بابٍ لخرابٍ أوسع؟ هذا السؤال ليس جديدا في تراثنا، لكنه اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، مع تعقّد الدول الحديثة وتشابك العوامل الداخلية والخارجية.

الفقه السياسي الإسلامي، في أحد مساراته الأكثر نضجا ومرونة، لا ينظر إلى السلطة باعتبارها قيمة في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق غاية أسمى: إقامة العدل وصيانة الكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن أي نظامٍ يتحول إلى أداةٍ للقمع الممنهج، ويُعطّل العدالة، ويصادر الحريات، إنما يفقد -تدريجيا- مبررات بقائه من منظور المقاصد، حتى وإن احتفظ بأدوات القوة.

لكن هذه النتيجة النظرية لا تفتح الباب تلقائيا إلى الدعوة للتغيير الجذري أو المواجهة المباشرة، فالمسار المقاصدي، بخلاف القراءات العاطفية أو الثورية المجردة، يضع الواقع في قلب الحكم، ويجعل من "النتائج المتوقعة" معيارا لا يقل أهمية عن "تشخيص الظلم" ذاته. فليس كل ظلمٍ يُزال، لأن بعض محاولات الإزالة قد تفضي إلى ما هو أشد وطأة وأطول أمدا.

الاستبداد مرفوض شرعا، لكنه لا يُقاوَم بأي ثمن، والعدالة مطلوبة، لكنها لا تُطلب بوسائل تؤدي إلى انهيارها الكامل


من هنا تتشكل معادلة دقيقة: الاستبداد مرفوض شرعا، لكنه لا يُقاوَم بأي ثمن، والعدالة مطلوبة، لكنها لا تُطلب بوسائل تؤدي إلى انهيارها الكامل. هذه الجدلية هي التي أنتجت ما يمكن تسميته بـ"سُلَّم التغيير"، حيث تتدرج الوسائل من الإصلاح السلمي، إلى الضغط المجتمعي، وصولا في حالات استثنائية إلى التغيير الجذري، بشروطٍ صارمة تكاد تجعل هذا الخيار الأخير نادر التحقق.

الإصلاح السلمي يظل الخيار الأول، ليس فقط لأنه الأقل كلفة، بل لأنه الأكثر انسجاما مع طبيعة المجتمعات المركبة. فالتغيير الحقيقي لا يحدث فقط بإزاحة سلطة، بل ببناء بديل قادر على إدارة الدولة دون الانزلاق إلى الفوضى. وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى في تجارب التغيير المعاصرة: غياب البديل المؤسسي الواضح، أو ضعف القدرة على ضبط المرحلة الانتقالية.

وحين يفشل الإصلاح، يظهر خيار "المقاومة المدنية" بوصفه مساحة وسطى بين الخضوع الكامل والانفجار الشامل. هذا النمط من الحراك، إن أُحسن تنظيمه، يمكن أن يخلق توازنا تدريجيا، ويفرض كلفة سياسية على الاستبداد دون أن يفتح أبواب العنف. لكنه، بدوره، يحتاج إلى وعيٍ جماعي، وتنظيم، وقدرة على الصبر، وهي شروط لا تتوفر دائما.

أما التغيير الجذري، فهو في هذا المسار ليس حقا مطلقا، بل احتمالٌ مشروط، ولا يُنظر إليه من زاوية "الشرعية الأخلاقية" فقط، بل من زاوية "الإمكان الواقعي". هل توجد قدرة حقيقية على التغيير؟ هل هناك بديل أفضل؟ هل يمكن تجنب الانزلاق إلى صراع دموي؟ هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا، بل هي جوهر الحكم ذاته.

في هذا السياق، تصبح قضايا مثل الاعتقال الواسع، وتقييد الحريات، وغياب العدالة، علاماتٍ على خللٍ عميق في بنية النظام السياسي. فهي لا تمثل فقط انتهاكاتٍ قانونية، بل تمس جوهر المقاصد التي قامت عليها فكرة الحكم في الإسلام: حفظ النفس، وصيانة الكرامة، وتحقيق العدل. غير أن الإقرار بهذا الخلل لا يعني تلقائيا أن كل وسائل مقاومته مشروعة أو حكيمة.

التحدي الحقيقي إذن ليس في توصيف الواقع، بل في اختيار المسار. فالمجتمعات لا تعيش في فراغ، وأي محاولة للتغيير يجب أن تأخذ في الحسبان موازين القوة، وتركيبة الدولة، واحتمالات التدخل الخارجي، وطبيعة النسيج الاجتماعي. التغافل عن هذه المعطيات قد يحوّل النوايا الحسنة إلى كوارث تاريخية.

بين الاستبداد والفوضى، لا يكفي أن نختار الموقف الأخلاقي الصحيح، بل يجب أن نختار الطريق الأقل كلفة للوصول إليه


ما يقدمه المسار المقاصدي، في جوهره، هو دعوة إلى العقلانية الأخلاقية: أن نتمسك بالمبادئ دون أن نفقد البصيرة بالواقع، وأن نرفض الظلم دون أن نقع في فخ التهور، وأن نبحث عن التغيير لا بوصفه لحظة انفجار، بل عملية تراكمية معقدة.

وفي النهاية، لا توجد وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان؛ لكن يمكن القول إن المجتمعات التي تنجح في تقليل كلفة الصراع، وبناء بدائل تدريجية، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، هي الأقرب إلى تحقيق انتقال حقيقي نحو العدالة. أما تلك التي تختزل المسألة في ثنائية إما الخضوع أو الانفجار، فغالبا ما تدفع أثمانا باهظة، دون أن تضمن الوصول إلى ما خرجت من أجله.

بين الاستبداد والفوضى، لا يكفي أن نختار الموقف الأخلاقي الصحيح، بل يجب أن نختار الطريق الأقل كلفة للوصول إليه. وهذا، في جوهره، هو التحدي الأكبر الذي لا يزال مفتوحا أمام العقل السياسي في عالمنا العربي.