الأربعاء، 12 أغسطس 2026

اتفاق مكة.. من الدفاع المشترك إلى القوة الاقتصادية المشتركة

 اتفاق مكة.. من الدفاع المشترك إلى القوة الاقتصادية المشتركة



أشرف دوابة


"قد يكون اتفاق مكة خطوة أولى جيدة، بشرط ألا يبقى اتفاقاً للدفاع عن الحدود، بل يتحول إلى نواة لمشروع بناء القوة الاقتصادية للعالم الإسلامي"

لم يكن توقيع تركيا والسعودية وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة في السابع من آب/أغسطس حدثاً عسكرياً عابراً، ولا مجرد استجابة لتوترات إقليمية متصاعدة، بل يمكن أن يمثل نواة لتحول أوسع في علاقات دول العالم الإسلامي، إذا أُحسن البناء عليه اقتصادياً وسياسياً. فالاتفاق الذي ينص في أبرز بنوده المعلنة على أن الاعتداء على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، ويفتح الباب أمام التعاون في التدريبات والاستخبارات والتكنولوجيا الدفاعية، يحمل رسالة واضحة بأن أمن المنطقة ينبغي أن يُصنع بإرادة دولها، لا أن يبقى مرتهناً لقوى خارجية.

لكن الأهم من منظور اقتصادي أن الدول الثلاث لا تجمعها فقط مصالح أمنية، بل تمتلك عناصر قوة اقتصادية متكاملة بصورة لافتة. فبحسب بيانات 2025، يقترب الناتج المحلي الإجمالي المجمع لتركيا والسعودية وباكستان من 3.3 تريليون دولار، بينما يقترب عدد سكانها من 380 مليون نسمة. وهذه ليست أرقاماً هامشية، بل كتلة اقتصادية وسكانية مؤثرة، وتستطيع إذا أحسنت التنسيق أن تتحول إلى مركز ثقل في العالم الإسلامي.

الأهم ألا يتحول هذا الاتفاق إلى محور مغلق، بل إلى نواة مفتوحة لمن يريد من الدول الإسلامية أن ينضم إلى مشروع يقوم على المصالح المشتركة، لا على الشعارات. فالعالم الإسلامي لا يعاني نقص الموارد، وإنما يعاني تشتتها، وضعف التجارة البينية، وغياب الإرادة السياسية لبناء سلاسل إنتاج وتمويل وأسواق مشتركة


ويزيد من أهمية هذا التجمع أن تركيا والسعودية عضوان في مجموعة العشرين، وأن المجال الجغرافي للدول الثلاث يمتد من شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج إلى بحر العرب وجنوب آسيا. وهذا يمنح أي تعاون اقتصادي بينها أبعاداً تتجاوز التجارة البينية إلى الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والطاقة والاستثمار، ويجعلها قادرة على الربط بين أسواق إقليمية ضخمة بدلا من أن تتحرك كل دولة بصورة منفردة.

فتركيا يمكنها تقدم لهذه التجمع قاعدة صناعية وإنتاجية متنوعة، وشبكة تصدير واسعة، وخبرة متقدمة في الصناعات الدفاعية. وقد بلغت صادراتها السلعية في 2025 أكثر من 270 مليار دولار، فيما تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران عشرة مليارات دولار. وهي إلى جانب ذلك بوابة جغرافية بين آسيا وأوروبا، وتمتلك بنية صناعية يمكن أن تكون قاعدة لمشروعات إنتاج مشتركة.

أما السعودية، فتملك ما هو أكثر من النفط، فهي أكبر اقتصاد عربي، بناتج تجاوز 1.27 تريليون دولار في 2025، وتمتلك قدرات مالية واستثمارية هائلة، فضلاً عن مكانتها في أسواق الطاقة العالمية، ومشروعات التحول الاقتصادي في إطار رؤية 2030. ومن هنا يمكن لرأس المال السعودي أن يلتقي مع الصناعة التركية وحاجة تركيا للطاقة، والسوق والموارد البشرية الباكستانية، في مشروعات تتجاوز بكثير حدود التعاون العسكري.

أما باكستان، فرغم تحدياتها الاقتصادية فإنها ليست طرفاً ضعيفاً في هذه المعادلة. فهي دولة يزيد سكانها على 255 مليون نسمة، وتمتلك قاعدة بشرية وعلمية وصناعية كبيرة، وقدرات زراعية معتبرة، فضلاً عن موقعها الذي يربط جنوب آسيا بآسيا الوسطى وبحر العرب. وإذا أضيف إلى ذلك ثقلها العسكري والنووي، فإنها تمنح هذا التجمع عمقاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.

ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لاتفاق مكة لن تكون في عدد المناورات العسكرية التي ستجرى، وإنما في ما إذا كان سيتحول إلى مشروع تكامل اقتصادي. والمطلوب أن نرى اتفاقات تجارة تفضيلية، وصندوقاً استثمارياً مشتركاً، وشركات مشتركة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والطاقة، وربطاً للموانئ والممرات اللوجستية، وتعاوناً في الأمن الغذائي، وتمويلاً إسلامياً قادراً على تحريك المدخرات نحو الاستثمار الحقيقي. كما يمكن للدول الثلاث أن تتوسع في التسويات التجارية بعملاتها الوطنية، بما يقلل تدريجياً من الارتهان الكامل للدولار في التجارة البينية.

والأهم ألا يتحول هذا الاتفاق إلى محور مغلق، بل إلى نواة مفتوحة لمن يريد من الدول الإسلامية أن ينضم إلى مشروع يقوم على المصالح المشتركة، لا على الشعارات. فالعالم الإسلامي لا يعاني نقص الموارد، وإنما يعاني تشتتها، وضعف التجارة البينية، وغياب الإرادة السياسية لبناء سلاسل إنتاج وتمويل وأسواق مشتركة.

نحن نتمنى لمصر أن تستعيد مكانها الطبيعي، لا أن تبقى خارج مثل هذه الترتيبات. فتركيا والسعودية وباكستان يمكن أن تشكل بداية طيبة، لكن اكتمال الصورة يحتاج إلى مصر وغيرها من الدول الإسلامية الكبرى


وكان من الطبيعي أن تكون مصر ضلعاً رابعاً في مثل هذا الترتيب. فهي تملك أكثر من 118 مليون نسمة، وقناة السويس، وموقعاً فريداً بين آسيا وأفريقيا، وقاعدة صناعية وخبرات عسكرية وتاريخاً لا يمكن تجاوزه. كما أن مصر شاركت بالفعل مع تركيا والسعودية وباكستان في الاجتماع الوزاري الرباعي في القاهرة في حزيران/يونيو الماضي، بما يؤكد أن أبواب التنسيق السياسي لم تكن مغلقة.

ومع ذلك فإن الحضور في ترتيبات استراتيجية كبرى يحتاج إلى أكثر من التاريخ والجغرافيا؛ يحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات موثوقة، وقطاع خاص قادر على المنافسة، وجيش يركز جهده وموارده على مهمته الأصلية في حماية الوطن. فلا يخدم الثقة في الاقتصاد المصري استمرار اتساع دور المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة في الأنشطة الاقتصادية المدنية، في وقت تحتاج فيه مصر إلى إطلاق طاقات القطاع الخاص وتكافؤ الفرص، وهو ما يؤكد عليه صندوق النقد نفسه في مطالبته بتقليص بصمة الجيش في الاقتصاد.

نحن نتمنى لمصر أن تستعيد مكانها الطبيعي، لا أن تبقى خارج مثل هذه الترتيبات. فتركيا والسعودية وباكستان يمكن أن تشكل بداية طيبة، لكن اكتمال الصورة يحتاج إلى مصر وغيرها من الدول الإسلامية الكبرى. والوحدة الحقيقية لا تبدأ فقط باتفاق للدفاع المشترك، بل ببناء سوق مشتركة، ومصانع مشتركة، واستثمارات مشتركة، وأمن غذائي وطاقة مشتركة.

إن الأمم لا تصبح قوية لأنها تملك السلاح فقط، وإنما لأنها تملك أيضا اقتصاداً قادراً على إنتاج السلاح والغذاء والتكنولوجيا، واتخاذ قرارها السياسي باستقلال. ومن هنا قد يكون اتفاق مكة خطوة أولى جيدة، بشرط ألا يبقى اتفاقاً للدفاع عن الحدود، بل يتحول إلى نواة لمشروع بناء القوة الاقتصادية للعالم الإسلامي. وهو ما تحتاجه الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

x.com/drdawaba

 

موسى والبيت الأبيض

 موسى والبيت الأبيض

عبدالرحمن الشمري


قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه.


مفارقة تهز الخيال



أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها.

وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم.

سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر.

دول دُمرت

وشعوب شُردت

لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل

ببطء

بهدوء

ومن داخل النظام نفسه

كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم.

ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما).

صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا.

كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر).

تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة.

وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !!

زهران ممداني

ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر.

دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين

هل توقفت القصة هنا
؟ لا لم تتوقف

ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر

عبدالرحمن السيد

اسم عربي واضح

مسلم

من أصول مصرية

فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها.

وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين

أوباما

ممداني

عبدالرحمن السيد


ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية.

ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي.

المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس

نحو مؤسساتها

نحو جامعاتها

نحو إعلامها

نحو مجالسها المحلية

نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار

والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !!

ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟

هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول

إنهم أمريكيون

ولدوا فيها

درسوا في مدارسها

يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها

يدفعون ضرائبها

يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها

وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة

لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده

إذا خسر سيأتي غيره

وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث

فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال

قبل عقود كان السؤال

هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟

وحدث

ثم جاء السؤال

هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟

وحدث

والسؤال اليوم
هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟

نعم بات ذلك ممكنا

لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟!

هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟

اليوم قد يضحك البعض من السؤال

لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا

وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه

أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها.

وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين

قد يكتب جملة أكثر إثارة:

بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.

الحرب الأميركية الإيرانية... حقيقة أم مناورة؟

   آخر كلام       

الحرب الأميركية الإيرانية... حقيقة أم مناورة؟ 




د. محمد المقاطع

وضع الإقليم في مأزق اللاحرب واللاسلم، الذي أُقحمت فيه دولنا وصار عبئاً ثقيلاً، لم يكن قرار دولنا ولا خيارها، بل كان أميركياً صرفاً بدفع وتحريض صهيوني! وكل من أميركا والكيان الصهيوني له حساباته وأهدافه من الحرب مع إيران. وربما تصدق رواية تورط أميركا فيها! 

بالمقابل أعتقد أن إيران كانت تريد حرباً في مواجهة أميركا لأنها بحاجة ملّحة إلى مخرج لها من أزمات عديدة تعيشها قبل الحرب: منها تصاعد التذمر الشعبي والمواجهة مع سياسات النظام وطريقة معاملته للشعب! انقسام متفاقم بين القيادات التقليدية والإصلاحيين بلغ مرحلة المواجهة! تزايد احتمالات تقسيم إيران مع وجود مؤشرات تدل على ذلك! 

وضع اقتصادي متردٍّ وغلاء فاحش للأسعار وتضخم غير مسبوق وتذمر متزايد من أحوال معيشية سيئة!

 فالحرب لإيران كانت مخرجاً لتوحيد جبهتها وتعزيز قبضة النظام وقمع التذمر وتسويق حالة الضائقة الاقتصادية كونها جزءاً من الحرب، وإضعاف قدرة الأقليات والأقاليم الإيرانية على الانفصال أو زيادة وتيرة مطالباتها! فإيران هي المستفيدة من ذلك بل المستفيد هو التيار المتشدد الإيراني وفي معيته الحرس الثوري وأذرع إيران الإرهابية! 

وأمام حالة المأزق الذي تم توريط إقليمنا فيه بهذه الحرب، وجلاء تخلي أميركا عن نهجها التقليدي لحماية الحلفاء، والذي بدأ بأوروبا ومر على القارة الأميركية، وصار جلياً في منطقتنا بعد أن قامت الحرب الأميركية الإيرانية! 

فخيارات دولنا في حماية نفسها وشعوبها هي خمسة مسارات: 

النأي بالنفس عن التورط في الحرب واتباع سياسة الحياد والحكمة. 

تعزيز حالة الدفاع عن النفس واتخاذ ما يلزم من إجراءات وتسليح وحشد عسكري لمواجهة الخطر وردعه إن لزم الأمر. 

تفعيل الحلول السياسية والتحركات الدبلوماسية لتجنيب المنطقة التصعيد وللحيلولة دون الانزلاق في الحرب! 

البحث عن بدائل للقوة العسكرية والتحالف الإقليمي بين دول مجلس التعاون ودول عربية مثل مصر والأردن، وتوسيع التحالف ليشمل تركيا وباكستان وربما سورية وغيرها، وهو ما نفذت بعض إجراءاته ومنها «إعلان مكة». 

اللجوء إلى المنظمات الدولية للاستفادة من مظلة مشروعيتها لدعم دول المنطقة في مواجهة العدوان والعجرفة الإيرانية وحشد دعم دولي! 

وهذه الخيارات مستمرة وفي توسع حتمي واستراتيجي! 

لكن الأسئلة المهمة، في ظل غياب أهداف محددة لأميركا في حربها مع إيران! وغموض توجهاتها غير المنفتحة بصراحة مع دولنا! 

وفي ظل العديد من التناقضات بالتصريحات والمواقف ومنها مد أمد حالة اللاحرب واللاسلم: هل أميركا كانت تنوي إسقاط النظام الإيراني في حربها التي بدأتها في فبراير؟ 

وهل مسار أميركا العسكري والسياسي يدلل على رغبتها في إسقاط النظام؟ 

هل أميركا أُقحمت في حرب ليست لديها أهداف واضحة بشأنها ووجدت نفسها في ورطة حرب استنزاف ونهايات غير مضمونة، مما جعلها تعيش التردد والبحث عن المخارج والاكتفاء بما تم؟ 

هل أميركا قاصدة من الحرب إنقاذ النظام الإيراني بتأديبه قليلاً ليعود إلى نطاق قبول ترتيبات النفوذ؟ أم كانت تهدف إلى تضخيمه بعبعاً في المنطقة خصوصاً مع إغفالها لتداعيات غلق مضيق هرمز الذي تم تنبيهها لمخاطر سيطرة إيران عليه من قيادات سياسية وعسكرية أميركية؟ هل تقصد أميركا إدخال منطقتنا في حالة اضطراب وعدم الاستقرار لغايات سياسية وعسكرية واقتصادية هي على علم ودراية بمآلاتها!

 وعليه فالسؤال الأهم والذي يجب بحثه والتفتيش عن إجابته هو: 

هل نحن أمام حرب حقيقية أم مناورة لها أغراضها وعواقبها الخفية! ألم تأتِ هذه الحرب لمصلحة الكيان الصهيوني وربما إيران أيضاً؟ ومضرة بدولنا واستقرارها؟ 

نقاش مهم وما لم تحسم حالة اللاحرب واللاسلم ويسقط النظام تبقى تساؤلات مشروعة ومطروحة!



الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

الوحش العلماني الأموي خطر قادم في سورية إضاءات تحذيرية تجاه مخاطر مخفية

الوحش العلماني الأموي خطر قادم في سورية
إضاءات تحذيرية تجاه مخاطر مخفية

مضر أبو الهيجاء

مهما بذل أهل الشام الكرام من جهود في سياق طمأنة إسرائيل والتقارب مع الأمريكان لتحقيق المصالح المشتركة وتجنب العقوبات أو الضربات فإن اليهود والنصارى لن يرضوا عنهم، ولن يتجاوز ميزان الغرب النظر لمصالحه دون أي اعتبار للإنسان، الأمر الذي يدعو للتوازن السياسي في المواقف وضبط المد والجزر بما يحقق مصالح أهل الشام الراجحة ويصرف عنهم الشرور المتوقعة.

سورية الجديدة بين تحديات الخارج ومخاطر الداخل

إن التحديات والمخاطر التي تواجه المشروع النهضوي في أرض الشام لا تتوقف عند الخارج فحسب بل يتموضع جزء منها في الداخل، وفيما ينتبه الغالبية لإشكالية الفلول وتحدي القسدية والدروز يغفل كثيرون عن معضلة وتحدي العلمانية المتموضعة في سورية والتي خلعت رداءها السابق وارتدت عباءة الأموية السنية، لاسيما وأن توصيف الأموية بات فارغا من المضمون القويم بقدر ما يعبر اليوم عن حالة عرقية عصبوية جاهلة وغوغائية.

غفلة السلفيين وانكفاء الصوفيين تعبيد الطريق للعلمانية!

لا يزال الصراع محتدما في الشام بين أتباع المدرسة السلفية ومريدي المدرسة الصوفية، وإذا كان صوته خافتا فهذا لا ينفي أنه كالجمر الساكن، والذي لا تلبث الرياح تهب عليه ومن حوله حتى ينقشع ما عليه من قشور فيظهر لهيب جمره الحارق.

إن غفلة المدارس السلفية في سورية عن الأخطار الحقيقية والتحديات التي ستفرضها العلمانية المتوحشة والمتلحفة بعباءة الأموية جاء نتيجة تضخم النظر العدائي للمدارس الصوفية، ورواسب الأفهام التكفيرية الجاهلية.

كما أن غفلة المدرسة الصوفية وأتباعها عن معضلة العلمانية المتموضعة في سورية جاء بسبب انكفائها وانغلاقها على ذاتها بشكل عليل وعقيم، يروم حماية أتباعها من طيف الوهابية المزعومة والمرسومة بشكل ظالم وخاطئ في وعي ومخيلة أتباع المدرسة الصوفية.

الحظوة للعلمانية والإهمال للصوفية والاتهام للسلفية!

إن حجم الضعف الذي تعيشه سورية الجديدة يتيح فرصة كبيرة للتدخلات الخارجية في صياغة سورية، وإذا كان الغرب الصهيوصليبي يمقت الدين وأهله ويكره الفضيلة ويحض على الرذيلة فمن الطبيعي أنه سيهمل المدرسة الإصلاحية الصوفية علاوة على عدائه الباطن لها، وأما سلوكه وخطابه تجاه المدرسة السلفية فلن يتوقف عن اتهامها واستهدافها علاوة على استخدام بعض رموزها -وفي ذلك تستوي الرموز السلفية مع الصوفية في ضحالة الوعي السياسي-.

نموّ وحش العلمانية السريع!

لا شك بأن عناوين الإسلام والعزة والكرامة والعدالة هي الأعلى في أرض الشام المباركة، وهي سر ثورتها العظيمة التي ورثت معاني الإسراء والمعراج في أرضها فكانت الأقوى والأصلب في مقارعة الصهاينة والطائفيين، ولذلك فقد حاصرها الغرب الصليبي وسلطت عليها الإدارة الأمريكية نتنياهو السوري بشار الأسد ونتنياهو الكيان الإسرائيلي فكانت مذابح غزة ودمشق وجنين ودرعا ونابلس وحمص والخليل وكل أرجاء الشام.

وإذا كان الغرب يقوم بحصار المسلمين في تلك الأرض المباركة، فإنه سيخص بعض أهلها -من الذين اختاروا العلمانية المعادية للإسلام والكارهي لهويتها الثقافية القائمة على القرآن والسنة- بالدعم التأييد والحصانة والرفد الدائم بكل الوسائل التي تضمن اشتداد عودهم وتقوية ظهورهم، الأمر الذي يرجح النمو السريع للمكون العلماني المعادي لثقافة الأمة سواء في سورية أو في فلسطين – وعلى وجه الخصوص غزة الصابرة-.

وفي الوقت الذي تعاني فيه شعوبنا العربية من الحصار والتجويع والتضييق والاستهداف لاتباع المدرسة السلفية ومدرسة التربية والإصلاح الصوفية، ستفتح الدنيا على المدرسة العلمانية وأتباعها بشكل يفاجئ الجميع.

فهل سينضج رواد المدرستين قبل أن يفاجئهما وحش العلمانية الذي سيدعمه مجموع الغرب وأمريكا وإسرائيل والنظام العربي الرسمي، وتمنحه الأموية شرعية عبر رداء مخادع ومغشوش؟

من وحدة الخطاب الإسلامي إلى وحدة الإطار الإسلامي.

لعل من بركات التجربة الإسلامية الواعدة في أرض الشام المباركة هو مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي الذي جاء يعالج إشكالية حقيقية تاريخية وينهي حالة احتراب مفتعل بين المدارس الإسلامية السنية، وهي إشكالية لا تنحصر بأرض الشام فحسب بل هي كذلك في العراق ومصر وغيرهما.

ورغم عظمة مشاهد المؤتمر الذي جمع علماء ورواد المدارس الإسلامية في الشام المبارك ورغم جلالة مضامينه الرائعة، إلا أنه فشل من الناحية العملية بإنهاء الاحتراب والتنافر والتباعد بين أتباع المدرستين، الأمر الذي يشير إلى خطوات منقوصة لابد من استكمالها ليكون العمل جادا ومسؤولا وراشدا.

النسق المفتوح والعمل المشترك برهان ومصداقية

لن ينتهي الاحتراب القائم بين المدارس الإسلامية السنية إلا بعد أن يتشكل إطارها الواسع من خلال أعمال دعوية ونشاطات علمية وجهود عملية مشتركة بين أتباع الفريقين، فهل يتلقف ذلك المهمومون الذين يتصفون بالانفتاح؟

مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام المباركة 10/8/2026

هل يجوز لحماس الاستسلام وتسليم سلاح المقاومة وفقًا لخطة ترامب؟

بسم الله الرحمن الرحيم

هل يجوز لحماس الاستسلام

وتسليم سلاح المقاومة وفقًا لخطة ترامب؟



د. عطية عدلان  

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

فإنّ هذه النازلة تخضع للنظر في المآلات، وقياس المصالح والمفاسد، مع استصحاب جملة من الأحكام الشرعية الثابتة، ولكي يصحّ الحكم ويسلم من المشوشات يجب أن نفهم واقع النازلة فهمًا صحيحًا، ثم نقوم بتكييف المسألة؛ تمهيدًا للحكم، وسوف نلخص مسار الفتوى في هذه النقاط:

أولًا: جاءت البنود التي تخصّ حقوق الفلسطينيين فضفاضة هلامية غير منضبطة ولا محددة، وذلك مثل: 

(ستكون غزة منطقة خالية من التطرف والإرهاب ولا تشكل تهديدًا لجيرانها) 

(ستفرج إسرائيل عن عدة مئات من السجناء الأمنيين الفلسطينيين المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة) (سيتم منح العفو لأعضاء حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي) 

(سيتم تشجيع سكان غزة على البقاء في القطاع وتوفير فرصة لهم لبناء مستقبل أفضل هناك) 

(ستسلم قوات الدفاع الإسرائيلية تدريجياً الأراضي التي تحتلها حالياً)، 

فجميعها وعود محلقة في الهواء وغير محددة ولا مزمنة، وذلك في الوقت الذي جاءت فيه البنود الخاصة بحقوق الصهاينة محددة وحاسمة وصارمة، وذلك مثل: 

(لن يكون لحماس أي دور في حكم غزة على الإطلاق) (في غضون 48 ساعة من قبول إسرائيل للاتفاق علناً، سيتم إعادة جميع الرهائن الأحياء والمتوفين).

    وهذا يعني إعطاء إسرائيل الفرصة للتلاعب ببنود الاتفاق بعد إتمام الصفقة من جانب واحد بتسليم سلاح المقاومة وتسليم الرهائن وخروج حماس من المعادلة، وقد تواترت شهادات الواقع والتاريخ بأنّ الصهاينة والأمريكان لا عهد لهم ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، وعليه فإنّ بنود الاتفاق مشحونة بالمفاسد خالية من المصالح، وسيكون مآلها إنهاء المقاومة، وتصفية القضية الفلسطينية، وتكريس الهيمنة الصهيونية في فلسطين كلها وفي المنطقة بأسرها، وإعطاء نتنياهو نصرًا سهلًا؛ يدفعه لمزيد من التوغل في المشروع المزعوم، وبالتأكيد هذا الاتفاق الذي لا توجد أيّ ضمانات لتنفيذ إسرائيل ما يتعلق بها إن وقع - لا قدّر الله - سيكون سببًا في دخول المنطقة كلها في الاتفاق الإبراهيمي ثم الدين الإبراهيمي، طوعًا أو كرهًا، لاسيما وقد شهدنا استسلامًا تامًّا من الأنظمة العربية والإسلامية لخطة ترامب، على الرغم مما فيها من خروقات.

ثانيًا: لكن في المقابل توجد مفاسد جمّة ستترتب قطعًا على رفض الاتفاق، منها المزيد من القتل للأبرياء وسفك الدماء والتدمير والتهجير، مع التوقع - بغلبة الظنّ - ألّا يتحقق للمقاومة نصر عسكريّ وحسم للمعركة مع الصهاينة، ومنها إبعاد حلم الاستقلال والخلاص من الاحتلال، وتقريب الحلم الصهيونيّ العنيد بالْتهام الضفة وربما هدم الأقصى؛ تمهيدًا لنزول مسيحهم المزعوم حسب النبوءات التي يؤمنون بها، غير أنّ اعتبار هذه المفاسد والنظر إلى هذه المآلات يكتنفه كثير من العوارض، منها أنّ أحدًا لا يشكّ ولو للحظة في أنّ إسرائيل مستمرة في الذبح والتشريد مهما كان الوضع، وتاريخها بل وواقعها الحاليّ يؤكد ذلك، فمن المتوقع بغلبة الظنّ أيضًا - إن لم يكن يقينًا - أنّه بمجرد تسليم المقاومة لسلاحها وتسلم الصهاينة للرهائن سيواصل نتنياهو الذبح، وستتضامن معه جميع طوائف الشعب الصهيونيّ، وسيُعْمِل المستوطنون السلاح في أبناء الوطن، وستدعمهم أمريكا، ولن تستحي أن تأكل وعودها، ولن تعدم الحيل للتملص منها.

ثالثًا: من المعلوم أنّ المقاومة هي التي اتخذت قرارها بالحرب وانفردت بإرادتها المستقلة بخوض (طوفان الأقصى)، وقد تكلّم البعض في مدى وجاهة هذا القرار من حيث التوقيت وحجم العمليات والنظر في المآلات، لكنّها دافعت باستماته عن قرارها - ونحن معها - فإن سلّمتْ اليوم سلاحها بعد أن راهنت الشعوب المسلمة عليها فسيكون ذلك خذلانًا للجيل كلّه؛ يجعله يتراجع على مستوى الأحلام والطموحات، وعلى مستوى الحراك الرامي إلى التغيير، وسيكون صدمة لشعوب العالم التي اتخذت غزّة (أيقونة) للحرية والكرامة والعزّة، فإن سلمت المقاومة سلاحها فسيكون ذلك خذلانا للإنسانية التي بدأت تتهيّأ للتفاعل الإيجابيّ مع الإسلام وقضاياه، وهذا بالنظر للمآلات يعدّ مفسدة عظيمة.

    وبناء على ماورد في أولًا وثانيًا وثالثًا يتبين لنا أنّ المفاسد المترتبة على الاستجابة لخطة ترامب مفاسد عظيمة، وليس فيها مصالح حقيقية، إن هي إلا مصالح مرجوحة وغالبها مصالح متوهمة وغير حقيقية، أمّا المفاسد المترتبة على رفض هذه الخطة فهي واقعة على كلّ حال سواء استجابت المقاومة للخطة أم رفضتها، بل إنّه يغلب على الظنّ أن وقوعها في المآل في حال قبول الخطة سيكون أشدّ من وقوعها حال الرفض، وقد تقرر في الشريعة أنّه إذا تزاحمت المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وجب عندئذ اختيار أهون الشرّين وارتكاب أخفّ الضررين، ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، فبموجب ميزان المصالح والمفاسد والنظر في المآلات يجب رفض هذه الخطة.

رابعًا: إذا نظرنا إلى الاتفاق - إن وقع - على أنّه هدنة؛ فإنّ جميع بنوده قاضيةٌ بفسادها وعدم توافر شروط صحتها وانعدام مشروعيتها، وإن نظرنا إليه على أنّه عقد إذعان حتمته الضرورة؛ فإنّ ما يدفعه هذا الاتفاق من مفاسد بمراعاة أحكام الضرورة واقع لا محالة ونافذ على أيّ حال، بل إنّ احتمال وقوعه مع الرخصة أشد من احتمال وقوعه مع العزيمة، وإذا نظرنا إلى القتال وعدم الدخول في اتفاق فإنّ الأصل الثابت فيه أنّه فرض عين لكونه جهاد دفع، ولا يرتقي اتفاق كهذا إلى المستوى الذي يسقط الفرض.

خامسًا: التكييف الصحيح لعملية تسليم المقاومة لسلاحها أو تخلي حماس عن أرض الإسلام في غزة أو التراجع عن الرباط والمقاومة - تحت أيّ مسمى أو اتفاق - هو الفرار من الزحف؛ لأنّ المقاومة الآن في في الميدان، وتراجعها عن هذا الموقف ليس تحيّزًا إلى فئة ولا تحرّفًا لقتال، فالواجب قطعًا هو الثبات حتى لو أدّى ذلك إلى فناء المقاومين، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ‌زَحْفاً ‌فَلا ‌تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)) (الأنفال: 15-16)، هذه هي الآية التي يستدلّ بها على وضع كهذا، أمّا قول الله تعالى في السورة نفسها: 

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)) (الأنفال: 65-66)، فهذا لا يستدلّ به على الفرار من الزحف، وإنّما يستدلّ به على اتخاذ قرار الحرب قبل بدء القتال، فالآيتان تضعان معيارًا لمعرفة مدى تحقق شرط الاستطاعة للدخول في الحرب، وجاء هذا المعيار متحركًا بين حدّين أعلى وأدنى لاختلاف حال الأمة من وقت لآخر.

سادسًا: ويبقى أنّ حماس تستطيع أن تجد مخارج تعفيها من الصدام السياسي الصريح الذي قد يكلفها فقدان تعاطف بعض الدول، من ذلك أنّها حركة مقاومة، ولا تملك إلا الاتفاق على هدنة أو على وقف الحرب أو الاتفاق على تبادل أسرى، وحكمها لغزّة إنّما جاء في هذا الإطار، مثلما جاء حكم عباس في إطار التماهي مع التطبيع؛ ومن ثمّ فإنّها لا تملك الصلاحية لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالشعب الفلسطيني كله، كقرار تسليم السلاح وإنهاء المقاومة، وقرار التنحي عن مسئولية القطاع وتركه لأيّ جهة دولية أو غير دولية، والشعب ليس في حالة تسمح له باتخاذ قرار فيه تحديد للمصير؛ فالعدل أن يبقى التفاوض في حدود الهدنة وتبادل الأسرى، أمّا ما وراء ذلك فهو تَقَحُّمٌ من حماس لأمر لا صلاحية لها فيه.

سابعًا: وبناء على ما سبق يجب الثبات، ويحرم الانصياع لأهل الكفر، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) ‌بَلِ ‌اللَّهُ ‌مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)) (آل عمران: 149-150)، وعلى التوازي يجب على شعوب العالم الإسلاميّ - ولاسيما العلماء وأهل الرأي والشورى - أن يعلنوا الرفض القاطع لهذه الخطة المدمرة، والتضامن الكامل مع المقاومة وأهل غزة ومع القضية الفلسطينية على وجه العموم، ويجب على الأمة بأسرها أن تبذل قصارى جهدها لنصرة المقاومة، بكافّة السبل المتاحة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌اسْتَجِيبُوا ‌لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) (الأنفال: 24)، وليس هناك مما يحي الأمة أكبر وأهم من نصرة أهل غزة ضد الصهاينة المجرمين .. 

والله أعلم.

لماذا يُعد اتفاق مكة استعراضاً ضرورياً للقوة

لماذا يُعد اتفاق مكة استعراضاً ضرورياً للقوة

وقد دفع الضعف الأمريكي إلى إعادة تشكيل نظام الشرق الأوسط، حيث اختارت القوى الإقليمية الثلاث الكبرى كسر حلقة الهيمنة الاستعمارية من قبل إسرائيل.



سيمر ثلاث سنوات في أكتوبر منذ أن بدأت إسرائيل إبادتها الجماعية في غزة ، وهي جريمة حرب كررتها في الضفة الغربية المحتلة وجنوب لبنان وإيران .

طوال معظم تلك الفترة، وقفت تركيا والعالم العربي مذهولين عاجزين عن فعل أي شيء. "ماذا بوسعنا أن نفعل؟ هل نبدأ حرباً مع إسرائيل؟" هكذا كان صراخ العاجزين.

كان هذا الكلام يُسمع كثيراً في أنقرة التي استمرت ، على الرغم من الحظر التجاري ، في السماح بتدفق النفط الأذربيجاني عبر أحد موانئها إلى أيدي الجيش الإسرائيلي المتلهفة.

نجحت تركيا في إيقاف توغل بري مسلح إسرائيلي أمريكي نفذته ميليشيات كردية إيرانية. ورفضت السعودية ، بشرف، التطبيع مع إسرائيل، في غياب مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية.

لكن خلال معظم تلك السنوات الثلاث، كان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرية كاملة في إعادة تشكيل المنطقة، من خلال غزو جزء كبير من جنوب سوريا ، ومحاولة بناء نظام أمني جديد عالي التقنية يهيمن بموجبه أكثر من سبعة ملايين يهودي إسرائيلي على 450 مليون عربي.

حتى الأسبوع الماضي.

ما الذي دفع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي أنفق مليارات الدولارات في الاستثمار في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، هو أمر سيترك للمؤرخين مهمة تحديده.

لكنني أظن أن الصينيين على صواب. حتى الآن لم يصدر أي بيان رسمي من وزارة الخارجية الصينية، لكن وكالة أنباء شينخوا الرسمية نقلت الأمر على النحو التالي: "أمريكا غير جديرة بالثقة: السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاقية دفاعية".

كان بإمكان الصين أن تنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره "حلف ناتو إسلامي"، لكنها لم تفعل. بل إنها تعتبره نتيجة مباشرة للكارثة العسكرية التي مُنيت بها الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران.

ونقلت وكالة أنباء شينخوا عن يان شويتونغ، العميد الفخري لمعهد العلاقات الدولية بجامعة تسينغهوا، قوله إن الحرب لم تدفع الدول العربية الخاضعة للمظلة العسكرية الأمريكية إلى التشكيك في القوة العسكرية الفعلية لواشنطن فحسب، بل دفعت أيضاً إلى التشكيك في قدرتها على حمايتها.

قال شويتونغ إن دول المنطقة أدركت أن أمنها القومي "لا يمكن أن يعتمد على الولايات المتحدة، بل يجب أن يعتمد على نفسها".
اتفاقٌ هائل؟

على الورق على الأقل، يُعدّ اتفاق عسكري بين هذه القوى الثلاث أمراً بالغ الأهمية. يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لباكستان وتركيا والسعودية 452 مليار دولار و 1.6 تريليون دولار و 1.3 تريليون دولار على التوالي.

بين الدول الثلاث، يمكنهم نشر أكثر من 5600 دبابة قتال رئيسية، وأكثر من 1100 طائرة مقاتلة، وأسطول من الطائرات بدون طيار، وصواريخ باليستية، وردع نووي، وأكثر من مليون جندي.


لكل شريك في اتفاقية مكة للدفاع المشترك دوافع مختلفة.

باكستان، التي تخوض حرباً ضد حركتين متمردتين على الأقل، بحاجة إلى المال. وقال مسؤول أمني لموقع "ميدل إيست آي" إن الجيش الباكستاني يجد أن قوته العسكرية تتحول إلى رصيد اقتصادي.

كما أنها تحتاج إلى ثقل استراتيجي موازن للهند. ولم يغب هذا الأمر عن نيودلهي.

وصف وزير الخارجية الهندي السابق كانوال سيبال الاتفاق بأنه "تطور سلبي للغاية بالنسبة للمصالح الهندية"، وأضاف أن الهند يجب أن توسع خياراتها الاستراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل واليونان وقبرص.

تحتاج تركيا إلى رادع نووي، لا سيما في مواجهة التهديدات الإسرائيلية المتكررة . كما تحتاج إلى مساعدة الحكومة الجديدة في سوريا لإجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب سوريا.

يحتاج مجمعها الصناعي العسكري المتوسع بسرعة كبيرة إلى أسواق جديدة.

إذا كان لهذا الاتفاق العسكري مؤلف واحد، فهو وزير الخارجية التركي هاكان فيدان . فقبل يوم من توجه أردوغان إلى الرياض، حذر فيدان إسرائيل تحديداً من مخاطر العزلة الدولية.

وقال : "إن أكثر ما تخشاه إسرائيل هو العزلة الدولية. وحتى الآن، استخدمت الموارد الواسعة المتاحة لها، بما في ذلك الموارد الموجودة في دول أخرى، لخلق وهم".

"هناك ممارسة سياسية بنتها إسرائيل على هذا الوهم، وهي ممارسة تعمل باستمرار لصالحها. إنهم يرتكبون الإبادة الجماعية، وحتى في هذه الحالة، قد لا يحدث شيء."

مغزى تصريحات فيدان هو أن استفادة إسرائيل المجانية تقترب من نهايتها.

تحتاج المملكة العربية السعودية إلى وسيلة ضغط على إيران والحوثيين في اليمن (المعروفين رسمياً باسم أنصار الله)، الذين أغلقوا مؤخراً المضيق عند مدخل البحر الأحمر، وبدأوا بقصف حقول النفط في المملكة.

لقد اصطدمت خطة ولي العهد السعودي لتحديث المملكة مراراً وتكراراً بجدار مسدود، وذلك بسبب كل الحروب الدائرة حول المملكة.

لكن القاسم المشترك في كل هذا هو أن أمريكا أصبحت شريكاً أمنياً لا يمكن الاعتماد عليه.
الولايات المتحدة: شريك غير موثوق به

ويتبع هذا التطور مباشرة استنتاج مفاده أن أمريكا الانعزالية، التي تسعى إلى تفويض السلطة الاستعمارية، عاجزة أو غير راغبة بشكل فريد في كبح جماح أقرب حلفائها، إسرائيل، التي تحتاجها أكثر من أي وقت مضى في حالة التراجع.

تتضح هذه النتيجة لحلفاء أمريكا العرب كل أسبوع تقريباً.
تتزايد التوترات بين ترامب ونتنياهو،   لكنها لا تكفي لكبح جماح حليفه        الإسرائيلي. بل على العكس، فإن ضعف ترامب يحفز نتنياهو.


لقد نجحت إسرائيل، إلى جانب المعارضة الأمريكية

 الداخلية، في إفشال مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب

 مع إيران في يونيو، والتي ألزمت الولايات المتحدة

 بوقف جميع الأعمال العسكرية على جميع الجبهات

 بما في ذلك جبهة إسرائيل في لبنان .

من خلال العمل عبر فصيل منافس في إدارة واشنطن

 للفصيل الذي وقع مذكرة التفاهم، وقعت إسرائيل

 اتفاقاً مع الرئاسة اللبنانية، وإن لم يكن مع حكومتها،

 مما سمح لإسرائيل بمواصلة احتلالها لجنوب لبنان

 ومواصلة العمليات العسكرية هناك.

في غضون 24 ساعة من توقيع اتفاقية التعاون

 النووي مع المملكة العربية السعودية، أدرج ترامب

 شرطاً يقضي بأن تقوم المملكة بتطبيع العلاقات مع

 إسرائيل أولاً، وهو شرط لم يكن جزءاً من المحادثات

 أو الاتفاقية ولكنه كان نتيجة للضغط الإسرائيلي.

ثم جاء الاتفاق الذي وقعه "مجلس السلام" مع حماس

 في غزة والذي وافقت فيه الفصائل المسلحة على

 تفكيك أسلحتها الثقيلة، ولكن ليس على نزع السلاح

 بالكامل.

في غضون أيام قليلة، أعاد مجلس السلام العاجز كتابة

نص ينص على أن حماس ستسلم أسلحتها الثقيلة إلى

 الإدارة التكنوقراطية الفلسطينية الجديدة في غزة،

 وأن تلك الأسلحة سيتم تسجيلها في جرد وتخزينها،

 ولكن فقط بعد انسحاب إسرائيلي كامل

 انتهى حلم إسرائيل بالسيطرة على المنطقة، وبدأ انحدارها          
 مصطفى البرغوثي | بلا اعتذار


وجاء في البيان أن عملية السحب والتفكيك ستتم في وقت واحد، وسيتم تدمير جميع الأسلحة الخفيفة والثقيلة على حد سواء، وليس مجرد تسجيلها وتخزينها.

لم تكتفِ إسرائيل بإجبار ترامب على إعادة صياغة الاتفاق، بل قامت الآن بتخريبه بالكامل. ففي يوم الأحد، أعلن نتنياهو رفضه القاطع للخطة التي تفاوض عليها مجلس إدارة ترامب.

بعد مرور خمسة أشهر على الحرب على إيران، وقبل ثلاثة أشهر من الانتخابات التي قد يفقد فيها السيطرة على الكونغرس، فإن ترامب ليس في وضع يسمح له بالسيطرة على نتنياهو حتى لو أراد ذلك.


من الواضح أن التوترات بين ترامب ونتنياهو تتزايد، لكنها لا تكفي لكبح جماح حليفه الإسرائيلي. بل إن ضعف ترامب، على العكس، يحفز نتنياهو. فهو يتعامل مع تقلبات ترامب المتكررة بنفس الطريقة التي استغل بها ضعف جو بايدن النفسي.

مع وجود شكوك كبيرة حول إعادة انتخابه في نوفمبر، وفي ظل سعيه الحثيث للحفاظ على دعم اليمين المتطرف، لم يتردد نتنياهو كثيراً في تحويل ما وصفه ترامب قبل أيام فقط بأنه "خطوة هائلة نحو السلام والأمن الدائمين" إلى تراجع كبير.

وقال إن الجيش الإسرائيلي "لن يقوم بأي انسحاب حتى يتم نزع سلاح حماس بشكل حقيقي" وسيواصلون مهاجمة غزة "لإحباط التهديدات ضد قواتنا ومواطنينا".

لا يُسمع صوت ترامب في تل أبيب لا بشأن غزة ولا بشأن إيران. وكما فعل مع بايدن، يختبر نتنياهو الآن مدى استعداد ترامب لاستخدام أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل.

أحاط نتنياهو ترامب برجاله، وكما كشف الصحفي الاستقصائي الإسرائيلي رونين بيرغمان ، توجد آلة تعمل بكفاءة عالية لتحويل اقتباسات إيرانية مختلقة تماماً حول برنامج قنبلة إلى حقيقة يتم تداولها في برنامج فوكس نيوز روم على أنها حقيقة.

دخل ترامب هذه الحرب على معلومات استخباراتية إسرائيلية تفيد بأن الجمهورية الإسلامية كانت ضعيفة للغاية بعد انتفاضة يناير الفاشلة ، وأن ذلك كان بمثابة ثمار سهلة المنال ستسقط عند أدنى ضغط.

حدث العكس.

الأجندة الحقيقية لإسرائيل

ازدادت قوة الحرس الثوري الإسلامي تحت وطأة الهجمات الحركية المستمرة، ويشعر الآن بأنه في وضع يسمح له بإملاء الشروط على ترامب بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.

قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محمد باقر ذو القدر، يوم السبت، إن على واشنطن رفع الحصار البحري والعقوبات المفروضة عليها، وسحب القوات العسكرية الأمريكية من المنطقة، ودفع تعويضات الحرب، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة قبل إعادة فتح المضائق.


أعلن الحرس الثوري الإيراني، يوم الأحد، أنه بات يعتبر مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل "ساحة حرب". في حين صرّح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المحادثات مع الولايات المتحدة لن تبدأ إلا بعد أن تلتزم واشنطن ببنود الاتفاق الذي وقّعته في يونيو/حزيران.

يتردد ترامب في العودة إلى الحرب، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع إجبار إيران على فتح المضيق بأي شكل من الأشكال بشروطه.

هل سيكون لاتفاق مكة تأثير فوري على منع ترامب من التراجع عما وقعه للتو، أو على منع إسرائيل من تفجير أي وقف لإطلاق النار؟

ليس على الفور.

أعلن الحوثيون يوم الأحد وحده أنهم استهدفوا تجمعات القوات السعودية في مدينة المخا الساحلية اليمنية على البحر الأحمر بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة.

لكن إذا دخل هذا التحالف حيز التنفيذ بالفعل، فسوف يعزز موقف المفاوضين الإقليميين مع إيران، ومع مرور الوقت سيقلص المساحة التي يمكن لإسرائيل أن تعمل فيها.

فيما يتعلق بغزة، كان واضحاً منذ البداية أن نتنياهو لديه أجندة مختلفة جذرياً عن أجندة بايدن أو ترامب.

يعمل كل من الرئيسين الأمريكيين، ومجلس السلام الحالي، تحت وهم أن هدف إسرائيل كان نزع سلاح حماس، وبمجرد حدوث ذلك، ستنسحب. ويعتقد الثلاثة أن الحرب مؤقتة.

إن هدف إسرائيل يختلف تماماً عن ذلك. 

     تركيا تقول إن معاهدة الدفاع ستضمن أمن أعضائها            




إذا قامت حماس بنزع سلاحها، فإن إسرائيل ستواصل تسليح ميليشياتها الوكيلة في غزة، مما سيؤدي إلى إشعال حرب أهلية من شأنها أن تدفع بسرعة جزءًا كبيرًا من سكان غزة إلى البحر والنفي الدائم.

لم يخفِ الوزراء الإسرائيليون هدفهم المتمثل في هندسة "هجرة طوعية" واسعة النطاق من غزة، ولا يزال هذا هو الهدف حتى اليوم.

كان النموذج لما يمكن أن يحدث في غزة هو بيروت في عام 1982، في عهد رئيس الوزراء آنذاك مناحيم بيغن.
نظام إقليمي جديد

قبل انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، طلبت ضمانات من إسرائيل بشأن المرور الآمن وسلامة الفلسطينيين في المخيمات، وهي ضمانات ستكون مدعومة بضمانات من وزارة الخارجية الأمريكية.

وقد وردت هذه التطمينات في رسالتين من فيليب حبيب ، المفاوض الخاص للرئيس الراحل رونالد ريغان في لبنان.


إذا فشلت أي اتفاقية مع هذا الثقل العسكري والتكنولوجي والمالي عند أول عقبة، فإن كل حكومة عربية تدرك أنها ستكون الضحية التالية لحرب بتحريض إسرائيلي.

أكد فريق التفاوض التابع للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مراراً وتكراراً أن من بين شروط الانسحاب ضمان سلامة الفلسطينيين الذين بقوا في مخيمات اللاجئين.


لم يخفِ الفلسطينيون في لبنان مخاوفهم من أنه بمجرد رحيل منظمة التحرير الفلسطينية، سيأتي يوم انتقام الكتائب المسيحية اللبنانية.

كان كل من بيغن وبشير الجميل، زعيم الكتائب، على علم بمحادثات حبيب. وبناءً على إجابات بيغن، التي أيدها الجميل، أصدر حبيب ووزارة الخارجية ضمانتهما لمنظمة التحرير الفلسطينية.

في 14 سبتمبر، تم اغتيال الجمايل ودخل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت.

وفي اليوم التالي، جلس جنرال إسرائيلي، والذي سيصبح فيما بعد رئيس الوزراء أرييل شارون، في دبابة وأضاء الطريق بقنابل مضيئة لدخول الكتائبيين إلى مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين .

قُتل ما بين 2000 و 3500 لاجئ فلسطيني ومدني لبناني في غضون يومين.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، أثار الصحفي الأمريكي ميلتون فيورست مسألة مسؤولية الولايات المتحدة عن المجازر مع تشارلز هيل، وهو دبلوماسي أمريكي في وزارة الخارجية.

لا يزال رد هيل على فيورست يتردد صداه حتى اليوم.

قال هيل: "من الناحية القانونية، لم ننتهك التزامنا تجاه منظمة التحرير الفلسطينية. لم نقطع هذا الالتزام من تلقاء أنفسنا. قلنا إن لدينا ضمانات من جهات أخرى، وبما أنه لم تكن لدينا قوات مسلحة في المنطقة آنذاك، لم يكن لدينا أي وسيلة لفرض التزامنا. قلنا لمنظمة التحرير الفلسطينية فقط إننا على ثقة بأن الآخرين سيلتزمون بالالتزام الذي قطعوه لنا."

"كان قرار منظمة التحرير الفلسطينية بإخلاء بيروت مشروطاً بكلمتنا. ولولاها لكانت الأحداث قد سارت بشكل مختلف. عندما انتشر خبر صبرا وشاتيلا، قال بيغن إن تحميل إسرائيل المسؤولية هو افتراء دموي. لكننا هنا في هذا المبنى شعرنا بمسؤوليتنا عما حدث. أخلاقياً، خذلناهم."

لقد خلّفت أحداث صبرا وشاتيلا جرحاً غائراً في الذاكرة الفلسطينية. يجب ألا يسمح الفلسطينيون بتكرار ذلك مع حماس، ولا مع سكان غزة.

اتفاقية مكة هي بدايةٌ ضروريةٌ ومتأخرةٌ للغاية لنظامٍ جديدٍ في الشرق الأوسط. ومن مصلحة مصر الانضمام إليها بكل تأكيد. لأن القضية الأساسية في نهاية المطاف ليست تراجع أمريكا، أو ما يُسمح للقوات الإسرائيلية بفعله في فلسطين .

في نهاية المطاف، يتعلق الأمر بالسيادة العربية والتركية على أرضهما وشعبهما.

إما أن المنطقة محكوم عليها بقرن آخر من الهيمنة الاستعمارية لإسرائيل التي تشن الحروب متى شاءت، أو أن الوقت قد حان للقوى الثلاث الكبرى في المنطقة لكسر هذه الحلقة المفرغة.

إذا فشلت اتفاقية مع هذا الثقل العسكري والتكنولوجي والمالي عند العقبة الأولى، لمجرد أن حكامها لا يستطيعون استحضار الإرادة السياسية، فإن كل حكومة عربية تعلم أنها ستكون الضحية التالية لحرب مستوحاة من إسرائيل.

المصدر موقع: ميدل إيست آي