الأحد، 25 أكتوبر 2026

كيف تطرح السؤال الواعي على الذكاء الاصطناعي؟

كيف تطرح السؤال الواعي على الذكاء الاصطناعي؟

الحبر الأصفر

أحمد عبدالرحمن العرفج





الذكاءُ الاصطناعيُّ، هذا الماردُ الإلكترونيُّ الجديدُ، يحتاج في واقعه إلى تعاملٍ ذكيٍّ ودقيقٍ، وخاصَّةً في موضوع صياغة الأسئلة؛ فالآلةُ لا تملك حاسَّة سادسة لتقرأ بها ما يدور في دهاليز عقلِك المزدحم.


وقديمًا قال العربُ وعقلاؤهم:
«طرحُ السُّؤالِ الصَّحيحِ نصفُ الإجابة»، بل إنَّ بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، وأكَّد أنَّ «طرح السُّؤال أهمُّ من الإجابةِ نفسها». 
لقد كان العربُ يهتمُّونَ بالسُّؤالِ اهتمامًا بالغًا؛ لأنَّه مفتاحُ العقلِ، وأمارةُ الفطنةِ، بينما يكتفي بعضُنا اليوم، بدخول منصَّات الذكاءِ الاصطناعيِّ، وكأنَّه يدخلُ إلى مطعمٍ يكتفي فيه بقوله للنَّادل: «أبشرِّك، أنَا جائعٌ!».. طيِّب وما الخُطوة التَّالية؟ هل نأتِي لك بجرادٍ مشويٍّ، أم بكتفِ خروفٍ؟!
هذا المحرَّكُ البرمجيُّ ليس قارئًا لفنجان المستقبل، بل هو مرآةٌ تعكسُ مدى وعيِك ووضوحِك. وبناءً على ما تقتضيه أدبيَّات البحث العلميِّ، وممارسات هندسة الأوامر العالميَّة.! 
وحتى يتَّضح المقال، إليكم هذه الكلمات التي تجمعُ السُّخرية بالمثال:

قُلْ وَلا تقُلْ للذكاءِ الاصطناعيِّ:
* أوَّلًا:
حدِّد له الدور والمهمَّة باستخدام صيغة «بصفتِكَ»
لا تقلْ: «اكتُبْ لي خطَّةً تسويقيَّة» وتصمت، كأنَّك تسألهُ عن أحوال الطَّقس في القطبِ المتجمِّد!
قُل له مثلًا: «بصفتِك خبيرًا في التَّسويق الرقميِّ، وتحترف هذا العمل منذ عشر سنوات في السُّوق السعوديِّ، اكتبْ لِي خطَّة تسويقيَّة مبتكرة». 
من المهمِّ جدًّا هنا أنْ تبدأ بعبارة «بصفتك» أوَّلًا لتضعهُ في الخانة التي تريدُها بدقَّة، وتذكرُ له الموضوع بوضوحٍ عبر هذه العبارة السحريَّة، لتلبسه الوشاح المناسب، بدلًا من تركه يرتدي ملابس السِّباحة في حفلٍ رسميٍّ!
* ثانيًا: زوِّده بالخلفيَّة والمُعطيات
لا تقلْ: «كيفَ أنجحُ في مشروعِي؟» (هذا سؤالٌ يصلحُ لجلسةِ سمرٍ فوق رمال الثمامة، أو جلسة على شواطئ جُدَّة، ولكنَّه لا يصلحُ لآلةٍ صمَّاءََ تنتظر أرقامًا وبياناتٍ!).
قلْ له مثلًا: «بصفتِي شابًّا أملكُ متجرًا إلكترونيًّا لبيع الشَّاي المحكورِ، وأواجهُ تحدِّيات مثل قلَّة الزبائنِ، وضعفِ المبيعاتِ في فترةِ الظُّهر والفترة المسائيَّة، كيفَ أتغلَّب على هذه التحدِّيات؟». عندما تقدِّم له تفاصيل شايِِك المحكورِ في المقدِّمة، فلن يضطر للتَّخمين، فيعطيك وصفةً لبيعِ التُّمور بدلًا من ضبط مزاج عشَّاق الشَّاي!
* ثالثًا: حدِّد له القيود والتنسيق
لا تقل: «أعطنِي معلوماتٍ عن الإدارة»؛ لتفاجَأ بتقريرٍ أطولَ من معلَّقة امرئ القيس، يجعلك تكرهُ الإدارة والتقنية معًا.
قلْ له مثلًا: «بحدود 150 كلمةٍ فقطْ، وعلى شكل نقاطٍ مختصرةٍ ومباشرةٍ، صُغْ لي خمسَ أفكارٍ عمليَّة لإدارة الوقت». هكذا تضع شروطَك أوَّلًا، فترسم له خطوطًا حمراءَ، وسياجًا يمنعه من الثرثرة الإلكترونيَّة.
حسنًا، ماذا بَقِي!؟
بَقِي القول تُظهِر الحقيقةُ المُضحكةُ المُبكيةُ بأنَّ الذكاء الاصطناعي ليس ذكيًّا لدرجة قراءة النَّوايا، فإذا كان سؤالُك عشوائيًّا مشتَّتًا كخلطةِ «سمك لبن تمر هندي»، فلا تلم العقلَ الإلكترونيَّ إذا أتتك الإجابةُ هجينةً على هيئة «شوربة كوارع بالشوكولاتة»، لا تسمن، ولا تغني من جوعٍ؛ لذا عليكَ إتقان فنِّ السُّؤالِ.

عقول الأمة بين إسرائيل الشرقية والغربية أولوية المواجهة مع عصابات قم ام تل أبيب

عقول الأمة بين إسرائيل الشرقية والغربية

أولوية المواجهة مع عصابات قم ام تل أبيب



السبت، 24 أكتوبر 2026

محارم المرأة في الإسلام.. بين العادات وأحكام الشرع

محارم المرأة في الإسلام.. بين العادات وأحكام الشرع

بعد أن اختلط الحابل بالنابل، وصار التساهل عاديًا في مجتمعاتنا الإسلامية، باتت أحكام شرعية تتعلق بعلاقات الرجال بالنساء داخل الأسرة بحاجة إلى تذكير واضح، بعدما اختلطت صلات القرابة بالمحرمية، وأصبح بعض الناس يتعاملون مع ابن العم وابن الخال وزوج الأخت وأقارب زوج الأخ أو الأخت كما لو كانوا من المحارم، فيتساهلون في الحجاب والخلوة والاختلاط، متناسين أن الأحكام الشرعية لا تتغير بالعادات، وأن ما اعتاده الناس لا يصبح مباحًا لمجرد شيوعه.

وتكمن خطورة هذا التساهل في أن بعض الممارسات تقدَّم باعتبارها مظاهر للثقة العائلية وحسن النية، مع أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط واضحة تحفظ الأعراض وتصون العلاقات الأسرية من مواطن الريبة والفتنة.

ومن هنا تبرز أهمية معرفة محارم المرأة في الإسلام، والتمييز بين من يحرم الزواج بهن تحريمًا مؤبدًا، ومن يظل أجنبيًا عن المرأة شرعًا، ولو كان قريبًا لها أو من أكثر الناس دخولًا إلى بيتها.

من هم محارم المرأة في الإسلام؟

محارم المرأة هم الرجال الذين يحرم عليها الزواج منهم تحريمًا مؤبدًا بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة، وقد بيّن القرآن الكريم هذه الأحكام في آيات واضحة، أبرزها قول الله تعالى في سورة النساء، الآية 23: ﴿حرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأخْتِ﴾.

وتترتب على المحرمية أحكام تتعلق بالحجاب والنظر والخلوة والسفر، وفق ضوابطها الشرعية، ولا تعني إباحة النظر إلى جميع أجزاء الجسد أو سقوط واجب الاحتشام.

(المَحْرَمِيَّة لغويا: هي صفة العلاقة التي تجعل الرجل مَحْرَمًا للمرأة، أي من يحرم عليه الزواج بها تحريمًا مؤبدًا، كالأب والأخ والعم والخال، وتثبت هذه العلاقة بالنسب أو الرضاعة أو المصاهرة في حالات محددة شرعًا. وتترتب عليها أحكام شرعية تخص الحجاب والخلوة والسفر، وفق ضوابط الشريعة الإسلامية)

أولًا: المحارم بسبب النسب

تشمل هذه الفئة الأب والجد وإن علا، والابن وابن الابن وابن البنت وإن نزلوا، والأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم، والعم والخال، وابن الأخ وابن الأخت، سواء أكانت صلة القرابة من جهة الأب أم الأم، وفق التفصيل الشرعي لأحكام المحرمية.

وهؤلاء تحرم المرأة عليهم تحريمًا مؤبدًا بسبب النسب، ولا يتغير حكمهم بتغير الظروف أو انقطاع التواصل العائلي.

ثانيًا: المحارم بسبب الرضاع

يثبت التحريم بالرضاع إذا تحققت شروطه الشرعية، ويأخذ الرضاع المحرِّم حكم النسب في تحريم الزواج. ومن أمثلة المحارم بسبب الرضاع الأب والأخ والابن والعم والخال.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، متفق عليه.

ولا يكفي مجرد القول بوجود رضاع لإثبات المحرمية؛ إذ لا بد من التحقق من الشروط المعتبرة شرعًا، ومنها سن الرضاع وعدد الرضعات وفق المذهب الفقهي المعتمد.

ثالثًا: المحارم بسبب المصاهرة

تثبت المحرمية في بعض العلاقات الناشئة عن الزواج، ومن أبرزها أبو الزوج وجدّه، وابن الزوج وحفيده، وزوج البنت، وزوج الأم بشروط محددة.

فأبو الزوج وجدّه يصبحان من محارم المرأة بمجرد عقد الزواج الصحيح على الزوجة، وكذلك زوج البنت بالنسبة إلى أمها. أما ابن الزوج، فتثبت محرمية المرأة له إذا دخل أبوه بأمه، أي زوجة الأب، وفق الحكم الشرعي. ويصبح زوج الأم محرمًا لبنتها إذا دخل بالأم.

وقد فصّل القرآن الكريم هذه الأحكام في سورة النساء، الآية 23، بما يرفع الالتباس بين العلاقات التي تثبت بها المحرمية وتلك التي لا تثبت بها.

رابعًا: أقارب ليسوا من محارم المرأة

هنا يقع كثير من الناس في الخطأ؛ إذ يظنون أن القرابة العائلية تمنح الرجل حكم المحرم، مع أن الشريعة لا تعتبر كل قريب محرمًا.

فابن العم وابن العمة وابن الخال وابن الخالة ليسوا من محارم المرأة، وكذلك أخو الزوج وزوج الأخت.

وتظل أحكام الحجاب وعدم الخلوة المحرمة واجبة المراعاة في التعامل معهم، حتى لو كانت اللقاءات العائلية متكررة، أو كانت بينهم وبين المرأة علاقة ودّ وثقة.

والخاطب قبل عقد الزواج ليس محرمًا لخطيبته أيضًا، مهما طالت فترة الخطوبة أو اقتربت العائلتان؛ فالخطوبة وعد بالزواج، ولا يترتب عليها ما يترتب على عقد الزواج الصحيح.

لماذا حذّر النبي من التساهل مع أقارب الزوج؟

جاء التحذير النبوي واضحًا من التساهل في دخول الرجال الأجانب على النساء، ولا سيما أقارب الزوج الذين قد يعتاد أهل البيت وجودهم، فيضعف الاحتياط في التعامل معهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ».

فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ». متفق عليه.

والمقصود بالحمو هنا أقارب الزوج من الرجال الذين ليسوا محارم لزوجته، مثل أخيه وابن أخيه، وليس أبا الزوج أو ابنه؛ فهذان من محارم المرأة.

ويؤكد الحديث خطورة التساهل الذي قد ينشأ من الاعتياد والثقة العائلية، فالتحذير لا يعني اتهام الأقارب بسوء النية، وإنما يقرر ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية وعدم اتخاذ الألفة العائلية مبررًا لإهمالها.

هل يجوز للمرأة كشف شعرها أمام محارمها؟

يجوز للمرأة أمام محارمها إظهار ما جرت العادة بظهوره مما لا يعد عورة، مع مراعاة الاحتشام والحياء وأحكام النظر والفتنة.

ولا تعني المحرمية أن الرجل يجوز له النظر إلى جميع أجزاء جسد المرأة، كما لا تعني سقوط الضوابط المتعلقة بالستر والخصوصية.

وتظل مراعاة الحدود الشرعية واجبة، مع اختلاف الأحكام التفصيلية بحسب طبيعة العلاقة والظروف المحيطة بها.

المحرمية ليست مجرد صلة عائلية

إن معرفة محارم المرأة ليست مسألة شكلية أو خلافًا اجتماعيًا يمكن حسمه بالعادات المتوارثة، وإنما هي أحكام شرعية تتصل بالزواج والحجاب والخلوة وصيانة الأسرة.

ومن الخطأ أن تتحول الثقة بين الأقارب إلى مبرر للتساهل في أحكام الدين، أو أن يُنظر إلى الالتزام بالحجاب والضوابط الشرعية باعتباره إساءة إلى الأقارب أو تشكيكًا في أخلاقهم؛ فالأحكام الشرعية لا تستهدف اتهام الناس، وإنما ترسم حدودًا واضحة للتعامل تحفظ الحقوق وتصون الكرامة.

والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن الأذهان أن ابن العم وابن الخال وأخو الزوج وزوج الأخت ليسوا من محارم المرأة، مهما بلغت درجة القرابة أو الثقة، بينما تثبت المحرمية للأب والأخ والابن والعم والخال، ولغيرهم ممن حددتهم الشريعة، وفق أحكام النسب والرضاع والمصاهرة.

والالتزام بهذه الحدود جزء من احترام أحكام الإسلام، ومسؤولية مشتركة تقع على الرجال والنساء، فلا يصح أن تتقدم العادات على النصوص الشرعية، أو أن يتحول التساهل المتكرر إلى عرف يُحتج به لتبرير ما لا يجوز.

وما زالت اليد ممدودة!

 وما زالت اليد ممدودة!

مصطفى العبسي

كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية.


سنوات طويلة وأنا أحاول أن أفهم ما يفعله الضغط النفسي برؤوسنا، وأن أجد ما يخفّف أثره. وأوضَح ما تعلّمته جاءني من رجل جلس أمامي في عيادة التجارب في جامعة مينيسوتا. جلس ولم يقل شيئًا. كان في الخمسين، وقد أمضى أربعًا وعشرين ساعة من دون سيجارة لأنّنا طلبنا منه ذلك.

لاحظتُ شيئًا قبل أن يلاحظه هو؛ إبهامه وسبّابته يفركان بعضهما كلّ دقيقة أو دقيقتين. حركة صغيرة بلا معنى ظاهر، كأنّ أصابعه تبحث عن شيء اعتادت أن تمسكه. ثم وضعنا أمامه الصينية؛ خيارات من الوجبات الخفيفة تختلف في محتواها. مدّ يده إلى كيس الرقائق قبل أن يقرأ ما على الأكياس الأخرى. ولم يبدُ أنّه فكّر. في ملفاتنا صار هذا رقمًا في عمود، وفي ذاكرتي بقي يدًا تمتد. 

في مختبر عياداتنا نسأل سؤالًا واحدًا بصيغ كثيرة: ما الذي يفعله الضغط النفسي بالإنسان، وما الذي يخفّفه؟ وهذه المرّة سألناه عن الإدمان وعن الطعام.

مشاركون بين الثامنة عشرة والخامسة والسبعين. أربع وعشرون ساعة من الامتناع عن التدخين.  ثم تدخّل دوائي يستهدف أنظمة عصبية مُرتبطة بالتوتّر والمكافأة، في مقابل علاج وهمي، وبعد ذلك تأتي الصينية.

المدخّنون الذين تلقوا العلاج الوهمي مالوا إلى الأطعمة الأقلّ صحة أكثر من غير المُدخنين. ومع التدخّل الدوائي تغيّر نمط اختياراتهم.

نشرنا النتائج في مجلة علمية لها مكانة مرموقة في التخصّص. كتبناها بالحذر الذي تستحقه. من يُقلع عن التدخين لا يستبدل السيجارة بالطعام بالضرورة، ودواء واحد لا يفسّر ظاهرة بهذا التعقيد. ما بقي معي من تلك الدراسة كان في مكان آخر غير جداول النتائج.

حين يغيب النيكوتين، يغيب معه ما كان يقوم به، والنظام العصبي الذي ألف تأثيره يحتاج وقتاً كي يتكيّف مع غيابه

السيجارة لكثير من المدخنين شيء أكبر من دخان، هي استراحة قصيرة في يوم طويل، رفيق في العزلة، طقس يتكرّر عند الغضب والانتظار والملل. وبتكرار هذه اللحظات على مدى سنوات، تتشابك المادة الكيميائية بمواقف الحياة حتى يصير التدخين جزءًا من الطريقة التي يواجه بها الإنسان انفعالاته.

فحين يغيب النيكوتين، يغيب معه ما كان يقوم به. والنظام العصبي الذي ألف تأثيره يحتاج وقتًا كي يتكيّف مع غيابه. يرافق ذلك ضيق وتوتّر وتغيّر في الشهية، وفي تلك المرحلة تصبح الأطعمة الغنية بالسكر والدهون أكثر جاذبية لما تمنحه من مذاق ومن إحساس سريع بالمكافأة.

أصدرت جامعتنا بلاغًا خبريًّا عن البحث فالتقطته وسائل الإعلام من أنحاء العالم. صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية وبلغات كثيرة. ترجموها إلى لغات لا أقرأها. وأرسل لي أصدقاء روابط لم أفتح معظمها.

في ليلة عمل متأخّرة، وجدت يدي في كيس مُكسّرات مُملّحة على المكتب. لم أتذكّر متى فتحته ولا كيف وصل إلى هناك. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة وأمامي ملف يحتاج قرارًا أجّلته لأيام. توقّفت وأنا أنظر إلى يدي، كما نظرت قبل سنوات إلى يد ذلك الرجل في غرفة التجارب. لم تكن سيجارة ما تخليت عنه. لكننّي كنت قد تركت أشياء أخرى في تلك السنة وظنّنت أنني أنهيت حسابي معها.

هل عالجنا ما كان يؤلمنا أم وجدنا طريقة أخرى لئلا نشعر به بعض الوقت؟

ثمّة عادات لا نعرف وظيفتها إلا حين نحاول التخلّي عنها. نتخلى عن العادة وتبقى الحاجة التي كانت تخدمها. نبتعد عن طقس مألوف قبل أن نعرف كيف نواجه اللحظات التي كان يخفّف من وطأتها. فتظهر البدائل: طعام أو انشغال لا ينتهي أو هاتف يُفتح ثلاثين مرّة في الساعة.

وتتفاوت هذه البدائل في أثرها على الجسد. لكنها تطرح سؤالًا واحدًا. هل عالجنا ما كان يؤلمنا أم وجدنا طريقة أخرى لئلا نشعر به بعض الوقت؟

وأقول هذا بعيدًا عن أيّ لوم لمن يحاول أن يُقلع عن تغيير أيّ عيادة او التغلّب على أيّ ادمان. تغيّر الشهية ليس إخفاقًا ولا ينبغي لأحد أن يخوض معركتين في وقت واحد. الأجدى أن يعرف ما يجري في جسده وأن يمنحه وقتًا للتكيّف وأن يستعين بمختص إن كانت أعراض الانسحاب ثقيلة.

ما زلت أتذكر ذلك الرجل وأصابعه تفرك بعضها في غرفة بلا نوافذ. كان يبحث بيده عن شيء لم يعرف بعد كيف يعيش من دونه. وفي ذلك المساء، على مكتبي كانت يدي تفعل الشيء نفسه.

ونحن في المختبر نبحث عن وسائل تخفّف هذا الانسحاب. بعضها دواء. وبعضها أبسط من الدواء: أن يعرف الإنسان ما تبحث عنه يده قبل أن تمتد.


مصطفى العبسي
كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية. يهتم في كتاباته بالتجربة الإنسانية في لحظات التحول، خصوصًا ما يتصل بالزمن، والهوية، والعلاقة بين الجسد والنفس. تجمع نصوصه بين الحس الأدبي والتأمل النفسي، وتركّز على الأسئلة الهادئة التي تطرحها مراحل النضج.

يحيا السيستم

آخر كلام 
 يحيا السيستم 
حسن العيسى 

هل تشعر بالظلم؟ هل تشعر بالقهر.. بالغضب، بفقدان القليل المتبقي من عقلك.. اسكت.. اصمت.. ابلع غصتك في زورك.. قل الحمد لله هناك بشر.. ملايين البشر حالهم أسوأ من حالك بكثير.. 

قوانين بشرية ظالمة خنقتهم، أهلكتهم.. قوى غصب وعدوان سحقتهم وساوتهم برمال الأرض، كانوا تراباً وعادوا تراباً.. قوانين طبيعية.. فيضانات سيول زلازل سحقت قراهم وبيوتهم، «سيستم» الطبيعة لا يختلف عن «السيستم» البشري في وحشيته، إنه «سيستم» اخفض رأسك لـ «السيستم»، سواء كان من طغيان بشر على بشر أم كان مصادفة وعشوائية الحظ؛ فقد وجدت في هذا المكان – الزمان، وليس لك أن تعترض. 
 طرَق «المضمد» الهندي باب الغرفة في المستشفى مبتسماً: «سير» لازم نغير شرشف السرير الأبيض لنضع الشرشف الأخضر الخاص بالعمليات.. أوكي بابا.. أوكي «سير». إشارة صفراء للاستعداد لإجراء عملية أخذ «خزعة» من ورم في بطنك، ربما هو سرطان يقرب لحظة النهاية لا أكثر، ربما هو ورم حميد.. يبعد لحظة النهاية بعضاً من الزمن.. لا فرق.. المسألة دائماً هي مسألة وقت، مسألة زمن «واللحظة الأبدية هي التي تحيا فيها الآن».. أظن نيتشه قالها أم إنه أحد «الخبلاء» الذي كان يوماً عاقلاً.. وأضحى اليوم خبلاً رسمياً، بعد أن لفت رقبته بطوق «السيستم». 
 «بابا إنت البس هذا فور أوبريشن».. رداء أبيض مقطَّع الأطراف.. مفتوح من الخلف.. لا يظهر خلفية جنيفر لوبيز.. يبرز خلفية مترهلة حملت علامات سنين ممتدة من أيام فرح قصيرة تاهت مع عاصفة الشباب والأيام الجميلة لتستقر اليوم بشيخوخة الاقتراب من النهايات. 
«بابا ويت» انتظر... تنقضي ساعات طويلة.. تنتظر.. وتنتظر.. لابد من الاستمرار في الصيام.. هكذا هي قوانين السيستم.. تنتظر.. وبعدها أيضاً تنتظر.. ليس لك غير أن تنتظر؛ فالانتظار مفتاح الفرج.. هذه حكمة السيستم.. يمضي اليوم بكامله.. لا أحد يخبرك ماذا يحدث. 
 تخرج من الغرفة.. غاضباً.. متكدراً.. تسأل: ماذا حدث؟ لا شيء، جراح الأشعة خرج، نسي الحالة، تململ.. اليوم الخميس، ولابد من راحة الخميس، جمعة.. سبت.. انتظر. 
هناك زمن ممتد أمامنا والسيستم يريد ذلك.. اسكت.. اصمت.. هذه هي الإدارة.. هذا هو السيستم.. هذا قدرك.. فليحيا السيستم.. إهمال أو لا مبالاة.. عدم اكتراث.. فليكن.. المهم أن يحيا السيستم.

نشر في 23-10-2026



الجمعة، 23 أكتوبر 2026

الفاشر... مذبحةٌ لم يمنعها أحد

 الفاشر... مذبحةٌ لم يمنعها أحد

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني

كان المجتمع الدولي قبل عام يطلق مناشداته لفك الحصار عن مدينة الفاشر بغرب السودان. كان الجميع يعرف أن مذبحة في الطريق. لكن المناشدات لم تُجد، والقرارات الدولية لم تنفذ.

صمدت المدينة نحو عام ونصف العام تحت الحصار، لكن النهاية كانت "انسحاب الجيش إلى مكان آمن"، بحسب ما ذكر قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وتدفقت قوات الدعم السريع داخل المدينة لتقع المقتلة التي حذّر منها الجميع من دون جدوى.

مرّ الطريق إلى الفاشر بمذابح بدأت في مدينة الجنينة الحدودية، ثم نزلت إلى العاصمة الخرطوم، وانتقلت فوق أجساد الضحايا إلى قرى ولاية الجزيرة، قبل أن تقتحم الفاشر. لم يكن هناك مكان آمن للمدنيين. تواترت شهادات من نجحوا في التشبث بالحياة وفرّوا من المدينة مع سقوطها. كأنهم بقايا الطرواديين الهائمين بعد اقتحام الإغريق. استغرقت رحلة الساعات أياماً وأسابيع في الصحراء، قبل أن يصلوا إلى مدينة الدبة، شمال السودان، وغيرها. وعرف العالم ما حدث. أكدت شهادات الناجين وقوع القتل الجماعي للأسرى والمرضى، والعنف الجنسي والاختطاف. ومن الفضاء رصدت الأقمار الصناعية بحيرات الدم والمقابر الجماعية التي حاول القاتل أن يخفي فيها آثار جريمته.

أعلن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، في فبراير/ شباط 2026، أن تحقيقه وثّق مقتل أكثر من ستة آلاف شخص في الأيام الثلاثة الأولى من سيطرة "الدعم السريع" على المدينة. قتل حوالي 1600 شخص وهم يحاولون الفرار. لكن هذه مجرّد تقديرات في حدّها الأدنى. يتوقع الجميع أن يكون عدد الضحايا أكبر بكثير. أما تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر في يوليو/ تموز 2026 فخلص إلى أن القتل الجماعي والاغتصاب والتجويع المعتمد في سياق احتلال المدينة يرقى إلى الإبادة الجماعية. لم ينجح التراب في دفن المذبحة.

كان مجلس الأمن قد طالب بإنهاء حصار المدينة في يونيو/ حزيران 2024. لكن المؤسسات الدولية لم تملك وسيلة لفرض تحذيراتها. توالت العقوبات على قادة الطرفين المتقاتلين، لكن هذا لم يكن كافياً يوماً. تجارب كثيرة في العالم وفي السودان تخبرنا بأن المؤسّسات الدولية تمتلك من البيانات أكثر مما تمتلك من القدرة على حماية الناس. ويعرف هذا إقليم دارفور جيداً، فقد شهد مذابح سابقة ما زالت المحكمة الجنائية الدولية تطارد متهميها.

خلال العام الذي مرّ انتقل بعض القادة المتهمين بالمشاركة في مذبحة مدينة الفاشر إلى صفوف الجيش السوداني. وكما حدث مع ولاية الجزيرة، بدأت محاولات تبرئة القادمين الجدد من الجريمة. دائماً ما تُركل الاتهامات إلى الأمام. كلما انتقل قائد من فريق المليشيا إلى فريق الجيش قيل إنه بريء من الدم، وإن من يزعم غير هذا يمكنه التوجّه إلى القضاء. هكذا يبقى المجرم دائماً غير محدّد حتى ينتقل آخر لاعب مسلح من فريق إلى آخر. يبقى الدم بلا سافك، ويتحد الخصمان كما كانا سابقاً. يرفضان وقف القتال، ويراهنان على الحسم العسكري، ولا يدفع الثمن غير المدنيين العُزّل.

بعد عام من المذبحة، ما زال "الدعم السريع" يراهن على الوقت ليعزّز سلطته الموازية في إقليم دارفور. الهزائم التي تلقاها في العاصمة وولاية الجزيرة انتقلت إلى إقليم كردفان. تخسر المليشيا في كردفان، وتكاد سيطرتها تنحصر على دارفور. لكي يبقى هذا الإقليم المنكوب ساحة متجدّدة للمعارك الحربية وللمفارقة السلطوية، فقوات "الدعم السريع" التي تحاول اليوم الانفصال بالإقليم مرتكبة المذابح ضد المكوّنات غير العربية هي التي ارتكبت المذابح سابقاً لإخضاع الإقليم لسلطة الخرطوم. ومن وصموا سابقاً بالتمرّد والعمالة والسعي إلى إقامة دولة لقبيلة الزغاوة في الإقليم، هم الذين يقاتلون اليوم مع الجيش ضد أحلام إقامة دولة للقبائل العربية في دارفور. هذه المفارقة هي ما يجعل الدماء لا قيمة لها عند المتقاتلين. فذكرها ينتهي بتحوّل المتهم من فريقٍ إلى آخر. ولا يأمن الحلفاء بعضهم، فخصوم اليوم هم حلفاء الأمس.

مرّ عام على المذبحة التي عرف الجميع أنها قادمة. ما زال ضحايا سابقون في دارفور ينتظرون العدالة منذ 2003، فزاد عليهم ضحايا الفاشر. مع استمرار الحرب ثلاثة أعوام ونصف العام لا يعرف أحد متى تصمت البنادق في غرب البلاد. ويستمر حصر الضحايا من دون أمل يظهر في الأفق.