الأحد، 21 يونيو 2026

نبذة عن حال الدولة العبيدية ، نسباً ، ومعتقداً

 نبذة عن حال الدولة العبيدية ، نسباً ، ومعتقداً


السؤال 101896

ما رأيكم فيمن يدعو إلى إعادة الخلافة " الفاطمية " ، و " دولة العبيديين " ، ويقول : إن الدولة المسماة بالدولة الفاطمية هي دولة الإسلام التي يكمن فيها الحل المناسب في الحاضر كما كان حلاًّ في الماضي ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قد أخطأ هذا القائل خطأ بالغاً حين نسب الدولة العبيدية للإسلام .
والدولة العبيدية – وأطلقوا عليها الدولة الفاطمية لأجل التغرير والتلبيس - أُسست في تونس سنة 297 هـ ، وانتقلت إلى مصر سنة 362 هـ ، واستقر بها المقام فيها ، وامتد سلطانها إلى أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي ، مثل : الشام ، والجزيرة العربية .
وقد بدأ حكمهم بالمعز لدين الله !! معاذ بن المنصور العبيدي ، وانتهى بالعاضد عبد الله بن يوسف عام 567 هـ .
وقد تكلَّم أئمة السنَّة من العلماء والمؤرخين عن نسب هذه الدولة فيبنوا زيف ادعائهم أنهم ينتسبون لفاطمة رضي الله عنها ، وبينوا ما فعلته من نشر الكفر والزندقة ، وإيذاء أهل السنَّة ، وتمكين الكفار ، بل والتعاون معهم ضد المسلمين ، ومن هؤلاء الأئمة والمؤرخين : أبو شامة ، وابن تغري بردي ، وابن تيمية ، وابن كثير ، والذهبي ، وغيرهم كثير .
قال الإمام الذهبي عن " عبيد الله المهدي " وهو أول حكام تلك الدولة :
" وفي نسب المهدي أقوالٌ : حاصِلُها : أنَّه ليس بهاشميٍّ ، ولا فاطميٍّ " انتهى .
" سير أعلام النبلاء " ( 15 / 151 ) .
وقال :
"وأهل العلم بالأنساب والمحقّقين يُنكِرون دعواه في النَّسبِ " انتهى .
" تاريخ الإسلام " حوادث سنة 321 - 330 ، ص 23 .
ونقل عن أبي شامة - الذي كتب عن هذه الدولة كتاباً سمّاه " كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد "- قوله :
" يدَّعون الشرف ، ونسبتهُم إلى مجوسي ، أو يهودي ، حتى اشتهر لهم ذلك ، وقيل : " الدولة العلوية " و " الدولة الفاطمية " ، وإنما هي " الدولة اليهودية " أو " المجوسية " الملحدة ، الباطنية " انتهى .
انظر " سير أعلام النبلاء " ( 15 / 213 ) ، و " الروضتين في أخبار الدولتين " ( 1 / 216 ) .
ومن أفعال حكام تلك الدولة واعتقادهم : ادعاء علم الغيب ، وادعاء النبوة والألوهية ، وطلب السجود من رعاياهم وأتباعهم ، وسب الصحابة ، وهذا توثيق بعض ما سبق وزيادة :
1. ادعاء الألوهية والربوبية :
نقل الذهبي رحمه الله أن الفقهاء والعبَّاد نصروا الخوارج في حربهم على الدولة العبيدية لما عندهم من كفر وزندقة ، فعندما أراد أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي حرب بني عبيد قال الذهبي رحمه الله :
تسارع الفقهاء والعبَّاد في أهبَّة كاملة بالطبول والبنود ، وخَطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد ، وحرَّضهم ، وقال : جاهدوا مَن كفر بالله ، وزعم أنه رب من دون الله ، ... وقال : اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحدٌ لنعمتك ، كافر بربوبيتك ، طاعن على رسلك ، مكذب بمحمد نبيك ، سافك للدماء ، فالعنه لعناً وبيلاً ، وأخزه خزياً طويلاً ، واغضب عليه بكرةً وأصيلاً ، ثم نزل فصلى بهم الجمعة .
" سير أعلام النبلاء " ( 15 / 155 ) .
وممن كان يدعي الربوبية والإلهية الحاكم العبيدي حيث قال عنه الذهبي : " الإسماعيلي ، الزنديق ، المدعي الربوبية " .
" السير " ( 15 / 173 ) .
وقال عنه أيضاً :
يقال : إنه أراد أن يدّعي الإلهية ، وشرع في ذلك ! فكلّمه أعيان دولته ، وخوَّفوه بخروج النّاس كلهم عليه ، فانتهى .
" السير " ( 15 / 176 ) .
وممن حرض الحاكم على هذا الادعاء : " حمزة بن علي الزوزني " وهو من دعاة تأليه الحاكم ، ومؤسس المذهب الدرزي ببلاد الشام .
قال الذهبي - رحمه الله – عنه :
وقد قُتل الدرزي الزنديق ؛ لادعائه ربوبية الحاكم ، وكان قوم من جهلة الغوغاء إذا رأوا " الحاكم " يقولون : يا واحد يا أحد ، يا محيي يا مميت .
" السير " ( 15 / 180 ، 181 ) .
وقال الذهبي – رحمه الله - :
قرأت في تاريخ صُنِّف على السنين ، في مجلد ، صنَّفه بعض الفُضَلاء ، سنة بضع وثلاثين وستمائة ، قدَّمه لصاحب مصر الملك الصالح : في سنة سبع وستين قال :
وكانت الفِعْلة ( أي : القضاء على الدولة العبيدية ) مِن أشرف أفعاله ( أي : صلاح الدين الأيوبي ) ، فَلَنِعْمَ ما فعل ؛ فإنّ هؤلاء كانوا باطنية زنادقة ، دعوا إلى مذهب التناسخ ، واعتقاد حلول الجزء الإلهي في أشباحهم .
وقال الذهبي : إن الحاكم قال لداعيه : كم في جريدتك ؟ قال : ستة عشر ألفاً يعتقدون أنّك الإله .
قال شاعرهم :
فاحكم فأنت الواحد القهار *** ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار !
فلعن الله المادح والممدوح ، فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون " أنا ربكم الأعلى " .
وقال بعض شُعرائهم في المهديّ برَقّادة :
حل بها آدمُ ونوحُ *** فما سوى الله فهو ريحُ
حلّ برقادة المسيحُ *** حلَّ بها الله في عُلاهُ
قال :
وهذا أعظم كُفراً من النّصارى ؛ لأن النّصارى يزعمون أن الجزء الإلهيّ حلّ بناسوت عيسى فقط ، وهؤلاء يعتقدون حُلُوله في جسد آدم ، ونوح ، والأنبياء ، وجميع الأئمة .
هذا اعتقادهم لعنهم الله .
" تاريخ الإسلام " حوداث سنة 561 - 570 ، ص 274 – 281 .
وعندما ادعى " عبيد الله " الرسالة أحضر فقيهين من فقهاء القيروان ، وهو جالس على كرسي ملكه ، وأوعز إلى أحد خدمه فقال للشيخين : أتشهدا أن هذا رسول الله ؟ فقالا : والله لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان : إنه رسول الله : ما قلنا ذلك ، فأمر بذبحهما .
" السير " ( 14 / 217 ) .
2. ومن عقائدهم : ادعاء علم الغيب :
قال ابن خَلِّكان – رحمه الله - :
وذلك لأنهم ادَّعوا علم المغيبات ، ولهم في ذلك أخبار مشهورة .
" وفيات الأعيان " ( 5 / 373 ، 374 ) .
3. وكان يُسجد لهم ، ويأمرون الناس بالسجود لهم ، قال الذهبي رحمه الله :
ففي سنة 396 هـ خُطب بالحرمين لصاحب مصر " الحاكم " ، وأُمَر الناس عند ذكره بالقيام ، وأن يسجدوا له ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
" دول الإسلام " ( 1 / 350 ) .
وكانوا إذا ذُكِر " الحاكم " قاموا وسجدوا له ، قال الذهبي – رحمه الله - :
قاموا ، وسجدوا في السُّوق ، وفي مواضع الاجتماع ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فلقد كان هؤلاء العُبَيْدِيُّون شرّاً على الإسلام وأهله .
" التاريخ " حوادث 381 - 400 ، ص 234 .
4. وكانوا يقتلون العلماء ممن لا يقول بقولهم : قال أبو الحسن القابسي صاحب " الملخص " :
إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه : أربعة آلاف في دار النحر في العذاب ، مِن عالِم ، وعابِد ؛ ليردَّهم عن الترضي عن الصحابة .
" السير " ( 15 / 145 ) .
5. وقد شاركوا القرامطة جرائمهم ، قال الذهبي – رحمه الله - :
ففي أيام المهدي عاثت القرامطة بالبحرين ، وأخذوا الحجيج ، وقتلوا ، وسبوا ، واستباحوا حرم الله ، وقلعوا الحجر الأسود ، وكان عبيد الله يكاتبهم ، ويحرِّضهم ، قاتله الله .
" السير " ( 15 / 147 ) .
6. سب الصحابة :
وفي أيامه (العزيز) أُظهر سبُّ الصحابةِ جِهَاراً .
" السير " ( 15 / 170 ) .
فقد أمر بكَتْب سَبّ الصّحابة على أبواب المساجد والشّوارع، وأمر العمال بالسب في سنة خمسٍ وتسعين وثلاث مئة.
" تاريخ الإسلام " حوادث سنة 395 ، ص 283.
وقال :
وكان سَبُّ الصحابة فاشياً في أيامه ( أي : المستنصر ) ، والسنَّة غريبة مكتومة .
" السير " ( 15 / 196 ) .
وبالجملة فقد كانوا باطنية ، قلبوا الإسلام ، وأظهروا الرفض ، وأبطنوا الزندقة .
قال الذهبي – رحمه الله - :
قلبوا الإسلام ، وأعلنوا بالرفض ، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية .
" السير " ( 15 / 141 ) .
وقال الذهبي – رحمه الله - :
وأما العبيديون الباطنية : فأعداء الله ورسوله .
" السير " ( 15 / 373 ) .
وقال أيضاً – رحمه الله - :
لا يوصف ما قلب هؤلاء العبيديون الدِّين ظهراً لبطن .
" السير " ( 16 / 149 ) .
وقال القاضي عياض – رحمه الله - :
قال أبو يوسف الرعيني : " أجمع العلماء بالقيروان : أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة " .
" ترتيب المدارك " ( 4 / 720 ) ، وانظر " السير " ( 15 / 151 ) .
وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في "الرد على البكري":
" العبيديون ، وهم ملاحدة في الباطن ، أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة ، فصار خيار ما يظهرونه من الإسلام دين الرافضة ، وأما في الباطن فملاحدة ، شر من اليهود والنصارى . . .
ولهذا قال فيهم العلماء : ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض ، وهم من أشد الناس تعظيما للمشاهد ، ودعوة الكواكب ، ونحو ذلك من دين المشركين ، وأبعد الناس عن تعظيم المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك" انتهى .
وقال رحمه الله في "الرد على المنطقيين" :
"العبيديون كانوا يتظاهرون بالإسلام ويقولون إنهم شيعة ، فالظاهر عنهم الرفض لكن كان باطنهم الإلحاد والزندقة ، كما قال أبو حامد الغزالي في كتاب "المستظهري" : ظاهرهم الرفض ، وباطنهم الكفر المحض . وهذا الذي قاله أبو حامد فيهم هو متفق عليه بين علماء المسلمين" انتهى .
وقال رحمه الله في "منهاج السنة" :
"وأخبارهم (يعني حكام الدولة العبيدية) مشهورة بالإلحاد والمحادة لله ورسوله والردة والنفاق" انتهى .
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (11/386) :
"كان إذا ذكر الخطيب الحاكم يقوم الناس كلهم إجلالاً له، وكذلك فعلوا بديار مصر مع زيادة السجود له، وكانوا يسجدون عند ذكره، يسجد من هو في الصلاة ومن هو في الأسواق يسجدون لسجودهم، لعنه الله وقبحه" انتهى .
فهذه هي الدولة العبيدية ، وتلك بعض قبائحهم ، وبه يتبين خطأ ذلك القائل بحكمه على الدولة العبيدية بأنها كانت على الإسلام ، وباختزاله الدول والأزمنة المباركة التي حكمت بالإسلام إلى جعله الدولة العبيدية هي الحل المناسب في هذا الزمان ، وهذا قول سوء قبيح .
فالذي يقول ذلك يريد إعادة نشر الزندقة والكفر والإلحاد وسب الصحابة وقتل العلماء !
وليس هناك حل للمسلمين إلا أن يعودوا إلى هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحابته الكرام رضي الله عنهم .
نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً .
وانظر بحثاً بعنوان " موقف الإمام الذهبي من الدولة العبيدية ، نسباً ومعتقداً " للدكتور سعد بن موسى الموسى ، أستاذ مساعد بكلية الشريعة بجامعة " أم القرى " ، نُشر في " مجلة جامعة أم القرى " ، العدد 24 ، ربيع الأول 1423 هـ ، مايو ( آيار ) 2002 م .
والله الموفق


المصدر: 

الإسلام سؤال وجواب

السبت، 20 يونيو 2026

الجولة الأخيرة

الجولة الأخيرة

 . قـلـم الـتحـرير


 

هل تحولت أحداث السابع من أكتوبر من مواجهة فلسطينية محدودة إلى نقطة انعطاف أعادت خلط الأوراق الإقليمية وأسقطت رهانات التطبيع وأطلقت سباقًا على النفوذ والتحالفات وإعادة رسم الشرق الأوسط بين قوى متنافسة ومشاريع متصادمة ومصالح متغيرة؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

لقد كان طوفان الأقصى بدايةً لأحداثٍ متتابعة تُشبه كرة الثلج المتدحرجة، تكبر وتزداد سرعتها، ولا تتحطّم إلا باصطدامها بهدفٍ أكبر منها. فمنذ السابع من أكتوبر وكرة الثلج تدور وتكبر، تصطدم بالعوائق وتُغيّر طريقها، ولكنها لا تقف، بل تكبر وتكبر ولن تقف. فحرب غزة بدايةً طالت حتى إنها عادت، بل وتعمّقت حالة العداء والرفض لـ«الدويلة اللقيطة» والمشروع الغربي للهيمنة من خلالها.

وبعد أن كانت «الدويلة اللقيطة» على وشك الإمساك بخناق دول المنطقة والسيطرة عليها من خلال تسويق الاتفاق «الإبراهيمي»، الذي بدا كأنه بوابة الدخول لمنطقة التكامل بين الأمان والرفاه الموعودين بصفقة القرن، وقرب اكتمال عقد التطبيع الذي كان يتم تسويقه بقوة في مقابل معارضة خجولة تبعث الاطمئنان في قلوب المخططين؛ كانت الصدمة أن الهدوء وانعدام المعارضة ظاهريًّا كانا يُخفيان عملًا جبارًا يجري بخفاء، فالعمل الجاد يستتر بستارٍ من السلبية واليأس المصطنع.

ولذا، فالطوفان كان مفاجئًا من ناحية القرار والإعداد، وبالتالي فالنتائج كانت أكثر من المتوقع، فمسار الأحداث انقلب رأسًا على عقب. فقبل السابع من أكتوبر كان المخطّط الغربي قائمًا على ما يمكن أن يُسمَّى الفخّ المزدوج، فقد وقعت إيران وأدواتها في فخّ محاولة تدمير المجتمعات السُّنية في أفغانستان والعراق وسوريا، وصولًا إلى لبنان واليمن، في تمدُّد دموي تحت المظلة الأمريكية التي بدا لزعماء الشيعة أنها دائمة. وكرَّر الشيعة من باطنية ورافضة إثني عشرية أخطاءهم السابقة المتمثلة بالتعاون مع الصليبيين أيام الحروب الصليبية، والمغول وقت اجتياحهم للعراق والشام، فالمكاسب الآنية تبقى مؤقتة، وتنقلب إلى خسارة طويلة المدى عند تعثُّر المشروع الأصلي؛ (الاحتلال الصليبي أو الاجتياح المغولي).

ويبدو أن المُخطّط الغربي الحالي قائم على تشجيع إيران على التمدُّد لتقع في فخّ العداوة المطلقة للعالم السُّني، والذي بدوره يتم تخويفه من إيران ليقع في فخّ القابلية للاستغلال في الحرب التي كانت تُعدّ لتحجيم إيران. وكان النجاح ظاهرًا، فإيران أصبحت العدو الأول، وكانت دول الخليج ترفع راية الحرب على إيران، وكان السبيل الوحيد لذلك هو التحالف مع «إسرائيل» لضمان المشاركة الأمريكية في الحرب.

ومرَّت مرحلة كان التقارب مع «إسرائيل» يتم تسويقه بدعوى دفع الخطر الإيراني، وخاصةً مع حالة الخصام المصطنعة مع تركيا. ففي حالة كون إيران خطرًا وتركيا عدوًّا، فلا مناص من التقارب أو التحالف مع القوة الباقية في الإقليم، وهي «إسرائيل»، خاصةً مع تراجع مصر كثيرًا في السنوات القليلة الماضية.

نعم، كان الوضع قبيل السابع من أكتوبر 2023م جاهزًا لتوجيه ضربة لإيران مِن قِبَل تحالف خليجي «إسرائيلي» كان ينقصه تبنٍّ أمريكي غير ممكن في فترة حكم الديمقراطيين، ولذا لا بد من الانتظار ليصل الجمهوريون للحكم، وتنطلق الحرب التي ستدفع فيها دول الخليج ضريبة الدم والمال، والتي ستُعيد تحجيم إيران، والأهم أنها ستُعلن بدء مرحلة قيادة «إسرائيل» لدول المنطقة، وتنفيذ مشروع «إسرائيل الكاملة»؛ بما يعنيه من تتابع النكبات حتى يكون همّنا الأول تحرير خيبر والمدينة!

ولكنّ الله رحم هذه الأُمّة بثُلّة من المجاهدين الذين حبَاهم بقدر كبير من الدهاء الممزوج بقدر أكبر من الشجاعة والإقدام والجَلَد والإصرار على تنفيذ جملة أهداف طموحة كانت تُعلَن أو تُسرَّب تباعًا، ولكن أهمّها كان منع استكمال طوق السيطرة «الإسرائيلي» على دول المنطقة، وتحطيم التحالف «الإبراهيمي»، ودَفْع الكيان للدخول في معضلة التعامل مع ارتدادات الطوفان والغرق في دوامات عنيفة لا تنتهي من ردود الأفعال المتشنجة.

وهكذا بدأت كُرَة الثلج تكبر وتُغيّر اتجاهها بسرعة متزايدة، فلم تَعُد الكُرَة فلسطينية خالصة، بل أصبح المُكوّن الفلسطيني ضئيلًا. فمع خفوت أصوات الحرب في غزة وتحوُّلها إلى أنين جوعى ومكلومين، اشتعلت حرب ضروس على جبهات الإقليم والعالم. فمع عجز اليهود عن حسم سريع لحرب غزة، حاولوا تحقيق نصر سريع بضرب حزب الله والتحرش بإيران وأذرعها بالمنطقة، وكانت النتيجة المباشرة هي سقوط نظام الأسد وخروج إيران من سوريا وعودة أهل السُّنة لحكم سوريا بعد حوالي ستين سنة من الحكم النُّصَيري، وهو ما أوجَد حالة من الهستيريا داخل الكيان، حتى صرح نتنياهو بأن «إسرائيل» قوية، وستُدمّر جميع أعدائها في المنطقة لتكوين شرق أوسط جديد.

وهنا خفت شعار أن لـ«إسرائيل» الحق في الدفاع عن نفسها، الذي كان يردّده جميع السياسيين في الغرب، ويرنّ صداه في المنصات الإعلامية، وبدأنا نسمع همهمات تحوَّلت إلى صرخات مفادها: لا للحرب لحساب «إسرائيل». بالتزامن مع تبجُّح «نتنياهو» أنه سيُدمّر التكتُّل الشيعي الذي تلقَّى ضربات مزلزلة، وسيتبعها بمواجهة التحالف السُّني الذي يتكوّن.

وهنا تورطت «إسرائيل» بمواجهة شرسة مع إيران كانت تُخطّط لها منذ سنوات برسم الخطط واختراق النظام، ولكن الحرب التي كان مقررًا لها أن تكون عربية بقيادة «إسرائيلية» ودعم أمريكي؛ تحوَّلت إلى حرب انفردت فيها أمريكا و«إسرائيل» بالقرار وتحمُّل النتائج.

وأصبح ملخّص الموقف العالمي أنها حرب غير قانونية وغير مُبرَّرة، ولهذا شنّ «ترمب» حربًا كلامية ضد الزعماء الأوروبيين، وتعدّاه إلى خلاف علني مع «البابا» الذي رفَض شرعنة الحرب ضد إيران. 

وبات واضحًا تحوُّل الكاثوليك بعيدًا عن حرب الهيمنة الصهيونية، وقادت إسبانيا هذا التيار بالتزامن مع بروز انشقاقات خطيرة في تيار «لتكون أمريكا عظيمة»، مع تنامي التساؤل المُلِحّ والجوهري: هل أمريكا أولًا أم «إسرائيل»؟

ومن هنا كان الطَّرْق على الوتر الحساس: هل الحرب على إيران يقودها نتنياهو أم ترمب؟

وهل التذبذب الشديد في مواقف ترمب نتيجة قناعاته وتخبُّطه في قراءة المشهد المعقَّد الذي يتغيَّر بصورة مستمرة، أم يُضاف إليها ضغوط وابتزاز نتنياهو وفريقه المتغلغل حتى داخل إدارته، بل وحتى غرفة نومه؟!

والجواب أن ترمب وصل به الحال أن يكون إظهار الخلاف الشخصي مع نتنياهو وتسريب سيل الشتائم والسباب التي كالها لنتنياهو وسيلة لتلميع صورته المهتزّة، التي كشفت أن تناقضاته نتيجة فعلية للأزمة التي يعيشها فعليًّا كشخص نرجسي استعراضي فيه الكثير من صفات المصابين بداء العظمة، اصطدم بحقيقة قدرات جيشه ومستوى طاقمه المتدنّي، وحقيقة ولائهم لشخصه ولأمريكا، والتي انكشفت له أولًا، وانعكست على مواقفه المعلنة.

فمن التهديد باستهداف جميع البنية التحتية المدنية ومحو الحضارة الفارسية، وهي جرائم حرب سيلاحقه بها خصومه في الداخل، إلى التبشير بالاتفاق وإحلال السلام، وبين ذلك وبدون مقدّمات يُهدّد دول الخليج، ويأمرها بالعودة إلى الاتفاق «الإبراهيمي»، وإلا... وهي تهديدات تدلّ على موت مشروع التطبيع وانهيار منظومة الصهيونية المحلية، التي انتهت بهرولة الإمارات إلى طهران.

فدول الخليج التي انفرط عقدها لاختلاف مواقفها من الحرب، يجمعها الآن الخوف من نتائج الاتفاق المُعلَن أصله والمجهولة تفاصيله. ولكنّ المؤكد أن تيار الحرب، -ونعني به «إسرائيل» والإمارات-، اكتشف أنه وحيد، فأمريكا لم تَعُد قادرة على الحسم عسكريًّا كما تريد، فليست وحدها بالساحة.

كما أن بكين -التي زارها ترمب مؤخرًا- أصبحت قِبْلة الزعماء بدلًا من واشنطن، فبُعَيْد عودته منها خالي الوفاض شهدت بكين احتفالية تتابُع الزعماء المعارضين للهيمنة الأمريكية؛ فقد جاء بوتين وتبعه الرئيس الإيراني، وانتهت بزيارة تاريخية لافتة لرئيس كوريا الشمالية الذي سلَّم أخيرًا بضرورة المظلة الصينية وأهميتها.

بالعودة إلى المنطقة، نجد أن المشهد يتغيَّر بصورة جذرية؛ فذهاب الإمارات إلى طهران جعل «إسرائيل» وحيدة. 

وكما قال ترمب لنتنياهو: «أنت مكروه، وإذا أردت الحرب فحارِب وَحْدك». ولذا فشمول الاتفاق للبنان يُقيِّد «إسرائيل»، ويدل على رغبة أمريكية بإعادة التنسيق مع إيران وعودة نفوذها في المنطقة.

فالقادم خطير، نفهمه من صراخ اليهود من الخطر التركي، وأنه أكبر من الخطر الإيراني. 

وهنا نقف أمام مفارقة أن من حاول التخلُّص وتحجيم التكتل الشيعي اصطدم ببروز عدو قادم يتشكّل ويكبر مع الوقت، بقناعات دول المنطقة أن الخطر الأول «إسرائيل»، وأن بقاء إيران قوية بتعريتها حدود قوة أمريكا، التي انكشفت خرافة حمايتها المزعومة، يُشكّل معضلة، بحيث لم يَعُدْ هناك مفرّ من خيارات صعبة ومحدودة، وهي التحالف مع «إسرائيل» المأزومة بوضعها الجديد، وبين الخضوع لإيران الجديدة التي فرضت نفسها بالقوة لاعبًا رئيسيًّا في المنطقة.

ويبقى الخيار الأخير، وهو التسليم بنهاية عصر «سايكس بيكو»، وأن خريطة المنطقة يُعَاد تشكيلها بالقوة من جديد. 

وكما فعل الجنرال الفرنسي «غورو» لما دخل دمشق، وذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- قال: «ها قد عُدنا يا صلاح الدين!»؛ فإن هناك مَن يحاول العودة من جديد سالكًا طريق الأجداد.

فمشروع الجامعة الإسلامية، ورمزه الأساسي سكة حديد الحجاز، قد وُضِعَ على طاولة التنفيذ وصولًا إلى بحر العرب، ولن يتم تنفيذه إلا بكسر الحظر الذي فرضه المنتصرون في الحرب العالمية الأولى.

ونحن حاليًّا نعيش مرحلة الاصطفاف الأوّلي تمهيدًا للحرب الأخيرة والحاسمة، فهل تتمكّن «إسرائيل»، -كما يُبشّر نتنياهو-، من تكوين تحالفات جديدة وتنجح في إعادة بناء قوتها العسكرية بمعزلٍ عن أمريكا، وبالتالي تخوض حربها الأخيرة ضد عدوّ جديد؟

كُرَة الثلج التي وصلت شمال سوريا عادت بكل قوة من حلب باتجاه دمشق وبيروت، فهل تصل إلى بحر العرب؟ وهل يتحقق حُلم وزير الداخلية التركي بأن يكون واليًا على القدس ولو ليوم واحد؟

إنها إرهاصات حرب وجودية سيُشارك فيها الجميع إجبارًا، وخيار ملوك الطوائف في المنطقة هو نفس خيار المعتمد بن عباد: إما أن يرعى الإبل أو أن يرعى الخنازير!


﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا 


يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].