عالمنا اليوم لم يفقد جبهات حرب فحسب، بل فقد أيضا عقله وضميره وإحساسه بالحقيقة، فالتوتر المتصاعد على محور الولايات المتحدة ـ إسرائيل ـ إيران ليس مجرد صراع جيوسياسي؛ بل هو أيضا التجلي الأكثر عريا لعصر تحاول فيه الأكاذيب أن تنتصر على الحقيقة.
لقد بات واضحا بشكل جلي أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، استطاع أن يجرّ قوة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى دائرة التلاعب والكذب، وأن يدفع زعيما مثل دونالد ترامب إلى أتون هذا الحريق الكبير. وهذا ليس مجرد خطأ قائد ما، أو وقوعه تحت الضغط، بل هو تعفن كامل لعصرٍ ونظامٍ بأكمله. والأشد ألماً هو أن العالم رأى هذا المشهد، شاهد كيف تبنى الكذبة بطابع مؤسساتي، وكيف تُكمَّم الحقيقة، وكيف يبني أصحاب القوة وهما متكاملا، ومع ذلك، لم يتردد الصدى لذلك القول العميق الصادم: «الملك عار».
وهنا تحديدا بدأت الأزمة الحقيقية. لأن صمت الحقيقة هو أعظم انتصار للكذب. واليوم، أصبحت الإنسانية أسيرة ليس للحروب فحسب، بل للصمت أيضا. لهذا السبب، فإن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى أمثال «دون كيشوت»، لكن هذه الحاجة ليست حنينا أدبيا رومانسيا؛ بل هي ضرورة وجودية. هناك حاجة إلى فرسان جوّالين، أي إلى أولئك الذين يجرؤون على البقاء وحدهم في سبيل الحقيقة، الذين يُصغون إلى صوت الضمير، لا إلى صخب الجموع. هناك حاجة إلى أقلام وساسة يتحلون بالحقيقة والشجاعة والإيمان، في مواجهة من يزرعون الخوف والشك وانعدام الثقة بين الشعوب، لأن أخطر أسلحة هذا العصر ليست الدبابات، بل التصورات؛ وأعظم دمارٍ لا تصنعه القنابل، بل الأكاذيب.
عندما يغيب الإيمان والعقل كمرشدين، تحكم القوة في أكثر صورها فظاظة، وهذه الهيمنة لا تدمر العمران فحسب، بل تدمر المستقبل أيضا
غير أن المسألة ليست مجرد انهيار أخلاقي؛ بل هي أيضا شلل ذهني، فمنذ أوغست كونت، أحد أكبر أصنام العالم الحديث، علّم العقل الوضعي الإنسان أن يسأل فقط «كيف»، بينما تم إسكات سؤال «لماذا» بشكل ممنهج. لقد تعاظمت القوة التقنية، لكن المعنى تلاشى. امتلكت الإنسانية أدوات قادرة على تغيير وجه الأرض، لكنها نسيت ماذا تفعل ولماذا تفعل، ولهذا، اجتمعت اليوم القدرة التقنية مع غياب الغاية؛ فتحول العالم إلى آلة عملاقة تنجرف وراء أهداف عشوائية. في مثل هذا العالم، ليس من قبيل المصادفة أن نشعر بأن «العميان يقودهم ويرشدهم المجانين». فعندما يغيب الإيمان والعقل كمرشدين، تحكم القوة في أكثر صورها فظاظة، وهذه الهيمنة لا تدمر المدن فحسب، بل تدمر المستقبل أيضا. واليوم، تواجه الإنسانية خطر فقدان القدرة على امتلاك التاريخ، أي المستقبل، لأن القوة المنفصلة عن الحقيقة لا تبني، بل تهدم فقط. وفي هذه اللحظة بالذات، ينبغي أن نتذكر دون كيشوت. فجنونه ليس إلا اسما آخر للوفاء للحقيقة. إنه يمثل الروح التي تدرك أن ما يسميه العالم «واقعا» هو في كثير من الأحيان مجرد وهم، ومع ذلك لا تتخلى عن السعي وراء المثال. وكما يقول روجيه غارودي في كتابه «دون كيشوت»، فإن دون كيشوت يضع المثال قبل الواقع، وهو رمز مقاومة لا تنحني أمام أي عاصفة. وهذا بالضبط ما يحتاجه العالم اليوم: هذا «الجنون المقدس». لأنكم إن آمنتم بقضية عادلة، فلا عودة إلى الوراء. يجب أن تناضلوا مهما كان الثمن. يجب أن تواصلوا المسير من دون تردد أو ارتباك، من دون أن تفقدوا شجاعتكم أمام كل وضع جديد. إن أعظم مأساة لهذا العصر هي أن الناس يعرفون الحقيقة، لكنهم لا يملكون الشجاعة ليعيشوا وفقها. والحقيقة لا تُعاش بنصفها؛ إما أن تُحتضن كاملة، أو تُفقد بالكامل. نحتاج إلى قوتين أساسيتين: الأولى إيمانٌ يكسر شاهدة قبر الوضعية؛ والثانية وعيٌ بالمسؤولية والثقة، يُعاد بناؤه في مواجهة البشر الذين جرى تفريقهم وإثارة العداء بينهم، لأن الشيء الوحيد القادر على إبقاء الإنسانية قائمة وسط هذا الصراع الأعمى بين الشعوب والجماعات والأفراد هو الإحساس الأخلاقي بالمسؤولية المتبادلة بين الجميع. وهنا تستعيد السياسة معناها الحقيقي. فالسياسة ليست آلية محبوسة داخل نظام جامد، بل هي التاريخ الذي لا يزال يُصنع. فالماضي ليس سوى رواسب متجمدة لما قد حدث وانتهى. أما المستقبل، فهو مساحة ما لم يُكتب بعد. وهذه المساحة لا يمكن ملؤها إلا بالشجاعة. فلا تناظر بين الماضي والمستقبل؛ لأن الأول قد انتهى، والثاني لم يبدأ بعد. واليوم، يقف أمام الإنسانية سؤال واحد: هل سنعيش في ظلام الكذب الآمن، أم سنتجه نحو نور الحقيقة الخطِر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقع على عاتق القادة والمثقفين وحدهم، بل على عاتق كل إنسان. وكأن قول غارودي يلخص هذا العصر: «أعظم خطيئة في العالم هي الوقوع في اليأس»، لأن الأمل ليس مجرد شعور، بل هو شكل من أشكال المقاومة. أما الإيمان، فهو أن تؤمن بقدوم الصباح رغم العواصف. ولهذا، فإن العالم اليوم بحاجة لا إلى من ينشر الخوف، بل إلى من يزرع الأمل؛ لا إلى من يضخم الشك، بل إلى من يدافع عن الحقيقة؛ لا إلى من يقود الحشود، بل إلى من يقول الصواب ولو بقي وحيدا. وباختصار، فإن هذا العالم يبحث من جديد عن أمثال دون كيشوت.
فوق السلطة: هدنة "المنتصرَيْن".. من يملك الحقيقة في "حرب السرديات"؟ في لحظة فارقة حبس فيها العالم أنفاسه، وبينما كانت طبول الحرب تُقرع إيذانا بمحو “حضارة كاملة” كما توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تحول المشهد دراماتيكيا من حافة الهاوية إلى طاولة التفاوض.
وبوساطة باكستانية، أُعلنت هدنة لمدة أسبوعين، لتبدأ معها حرب من نوع آخر، وهي "حرب السرديات"، وفق ما جاء في برنامج "فوق السلطة" في حلقته بتاريخ (2026/4/10).
فقد سارع كل طرف لاعتلاء المنبر وإعلان انتصاره الإستراتيجي، في مشهد سريالي يغيب فيه المهزوم ويحضر فيه "الظفر" للجميع، بينما يظل الاقتصاد العالمي هو الخاسر الأكبر، كما قال مقدم البرنامج نزيه الأحدب.
وسوّق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإدارته للهدنة باعتبارها نتاجا مباشرا لسياسة "الضغط العسكري الهائل"، معتبرا أن التهديد بالمحو التام هو ما أجبر القيادة الإيرانية على التراجع وفتح مضيق هرمز.
وبالنسبة لترمب، كان المشهد تجسيدا لنجاح عسكري ودبلوماسي فرض إرادته على الخصم تحت وطأة التهديد بالمحو الكامل، حسب مقدم البرنامج.
وعلى الجانب الآخر، لم يقل الاحتفال الإيراني صخبا، إذ صاغ المجلس الأعلى للأمن القومي الهدنة في قالب "انتصار الصمود"، ورأت طهران أن تراجع واشنطن عن وعيدها بتدمير البنية التحتية هو "تراجع للمعتدي"، مشددة على أن فتح مضيق هرمز خلال الأسبوعين سيكون حصرا تحت "إشراف وتنسيق" القوات الإيرانية.
وبينما يتبادل الطرفان أوسمة النصر، كان كوكب الأرض ينزف فعليا -وفق نزيه الأحدب- جراء أزمة طاقة هي الأسوأ عالميا، وارتفاع جنوني في الأسعار نتيجة تهديد شريان يمر عبره خُمس إمدادات العالم.
إيران أعلنت خلال الحرب تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز
مهددة بمهاجمة أي سفن تحاول عبوره دون تنسيق
خط "سوميد" المصري
وفي ظل هذا الاختناق الجيوسياسي في مضيق هرمز، اتجهت الأنظار نحو البدائل الإستراتيجية لتأمين تدفق النفط، حيث برز خط أنابيب "سوميد" المصري كلاعب حاسم في معادلة امتصاص الصدمات.
ويمتد الخط من ميناء العين السخنة على البحر الأحمر إلى سيدي كرير على البحر المتوسط بطول 320 كيلومترا، مانحا نفط الخليج طريقا مختصرا نحو أوروبا دون الحاجة للالتفاف حول مسارات بحرية أطول.
ورغم أن لغة الأرقام تكشف فوارق شاسعة، إذ قد تصل قدرة "سوميد" الاستيعابية نحو 2.8 مليون برميل يوميا، مقارنة بـ26.5 مليون برميل تعبر مضيق هرمز، فإن أهمية الخط تكمن في قيمته كـ"شريان احتياطي" يمنح الأسواق مرونة حيوية في وقت الأزمات، وفق نزيه الأحدب.
ويُعد خط "سوميد" نموذجا للتعاون العربي، بملكية مشتركة تضم مصر والسعودية والإمارات والكويت وقطر، وهو لا يسعى لمنافسة مضيق هرمز، بل لإثبات أن الجغرافيا العربية قادرة على لعب دور "صمام الأمان" العالمي في أوقات الاضطراب.
ويحمل هذا الخط بقطره -الذي لا يتجاوز المتر الواحد- اليوم رمزية سياسية تفوق حجمه اللوجيستي، فهو -كما يقول مقدم البرنامج- المتنفس الذي يحاول منع توقف نبض الاقتصاد العالمي حين تضيق خيارات السياسة وتشتعل فتائل الحروب.
وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع، وهذه أبرزها:أزمة في الاقتصاد العالمي إثر الحرب المتبادلة وإغلاق مضيق هرمز. تأثير قرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين واحتفال بن غفير. تأثير قرارات تغير القيادة الأمريكية بين التقاعد والإقالة. سخرية ترمب من ماكرون وتأثيرها السياسي والشخصي. إنقاذ طيار أمريكي في جبال إيران الوعرة. بناء ملجأ سري تحت البيت الأبيض قادر على تحمل ضربة نووية. تغيير قواعد المرور عبر مضيق هرمز. السباق النووي العالمي. "أرتميس- 2" في رحلة مأهولة للقمر بعد عقود.
تبدأ الحروب في الجبهات، لكن آثارها الحقيقية تظهر خارجها. فبينما يقتل الرصاص البشر، يؤدي انقطاع سلاسل التوريد إلى انهيار المجتمعات. والأزمة التي شهدها مضيق هرمز مؤخرا كانت تشير تماما إلى هذا النوع من الإشكالات.
لم تكن هذه الأزمة منذ البداية مجرد توتر عسكري بين إيران ومحور الولايات المتحدة وإسرائيل، بل كانت هزة متعددة الأبعاد تهدد تدفق الطاقة العالمي وطرق التجارة، والأهم من ذلك كله الأمن الغذائي.
أما الآن فهناك وضع جديد على الأرض، وهو وقف إطلاق النار. وغالبا ما تُفهم اتفاقيات وقف إطلاق النار بشكل خاطئ، فإما أن تعتبر إعلانا للنصر، أو يُنظر إليها كفترة تهدئة مؤقتة.
لكن وقف إطلاق النار في كثير من الأحيان ليس إعلانا للسلام وليس مجرد انقطاع بسيط للحرب. بل يعتبر بمثابة مرحلة فاصلة تنبثق فيها احتمالات جديدة للفراغ الذي خلفته الحرب. وهنا تبدأ التساؤلات الحقيقية: كيف سيتم ملء هذا الفراغ؟
إن السؤال الذي يجب طرحه اليوم لم يعد "من سيفوز؟"، فهذا السؤال غالبا ما يكون مضللا. فالسؤال الحقيقي هو: ماذا خسر العالم بسبب هذه الحرب، وهل يمكن تحويل الهدنة إلى فرصة لتعويض هذه الخسارة؟ لأن الثمن الباهظ للحروب غالبا ما تدفعه الأطراف غير المشاركة فيها وليس أطراف النزاع.
فالناس في أفريقيا وآسيا وحتى في أمريكا اللاتينية ليسوا طرفا في هذه الحرب، لكنهم هم المعنيون بشكل مباشر بارتفاع أسعار الخبز، وصعوبة الوصول إلى الأسمدة، وانقطاع سلاسل التوريد. فالحرب لا تدخل حياتهم كرصاصة بل تدخلها كمجاعة.
وفي هذا السياق تحديدا، تظهر فرصة جديدة أمام تركيا.
لقد قدمت تركيا نموذجا يتجاوز الدبلوماسية التقليدية من خلال ممر الحبوب الذي أنشأته في البحر الأسود خلال الحرب الروسية الأوكرانية. كانت قوة ذلك النموذج تكمن في القدرة على بناء آلية يمكنها العمل حتى في خضم الحرب.
لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق سياسي، لكنهم وافقوا على وضع آلية تقنية. وكانت تركيا هي الضامن والمشغل لهذه الآلية، ولم يكن الهدف إنهاء الحرب بل الحد من أحد أكثر نتائجها تدميرا.
أما الآن فالوضع في مضيق هرمز مختلف، فنحن هذه المرة لسنا في خضم الحرب، بل في مساحة أتاحها وقف إطلاق النار.
ولا ينبغي الاستهانة بهذا الاختلاف؛ لأن الآلية التي تُبنى في خضم الحرب تختلف عن النظام الذي يُؤسس في أجواء وقف إطلاق النار.
يوفر وقف إطلاق النار أرضية تجعل الأطراف أكثر انفتاحا- على الأقل مؤقتا- على فكرة "النظام المنضبط". وهذا يجعل من الممكن التفكير في نسخة أكثر تطورا من "نموذج البحر الأسود" لتطبيقها في هرمز.
لكن لا بد هنا من تغيير جوهري في العقلية، فلا تكفي قراءة قضية هرمز من منظور أمن الطاقة فحسب. فبينما يعد تدفق النفط والغاز الطبيعي المسال أمرا حيويا، فالهشاشة الحقيقية اليوم تكمن في سلاسل الغذاء والزراعة؛ لأن صعوبة الوصول إلى الأسمدة تؤثر بشكل مباشر على الإنتاج، وانخفاضه قد يتحول خلال بضعة أشهر إلى أزمة غذاء عالمية.
ولهذا السبب فإن النموذج الذي سيُقترح لمضيق هرمز لا ينبغي أن يكون مجرد "ممر للطاقة" فحسب، بل يجب أن يكون أيضا "ممرا للأمن الغذائي والزراعي". إن إنشاء خط يضمن النقل الآمن للأسمدة والحبوب والمدخلات الزراعية، خاصة للدول الفقيرة، قد يكون النتيجة الأوضح والأكثر أهمية لوقف إطلاق النار هذا.
بالطبع، هرمز ليس البحر الأسود، فعند إنشاء ممر الحبوب في البحر الأسود كان هناك طرفان رئيسيان، أما في هرمز فالمعادلة أكثر تعقيدا؛ لأنها تضم إيران، والولايات المتحدة، ودول الخليج، والأسواق العالمية.
وهذا الهيكل أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ. ولكن لهذا السبب تحديدا فإن الآلية التي سيتم إنشاؤها هنا هي أكثر قيمة، لأن أي انقطاع في حركة المرور في مضيق هرمز لا يهز الأسعار فحسب، بل يهز النظام العالمي بأكمله.
إن الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في هذا المشهد ليس وساطة بالمعنى التقليدي. بل يمكن لتركيا أن تكون فاعلا "مؤسسا" وليس مجرد فاعل "متحدث" في مبادرة كهذه، وقد أثبتت تجربة البحر الأسود ذلك. فتركيا واحدة من الدول القليلة التي لا تكتفي بجمع الأطراف معا، بل تمتلك القدرة على بناء نظام فعال.
ويستند هذا الدور إلى ثلاث ركائز أساسية تتمتع بها تركيا:
أولا: شبكة علاقاتها متعددة الأطراف، فوجودها ضمن حلف الغرب مع حفاظها على قنوات حوار مفتوحة مع إيران ودول المنطقة يجعلها فريدة من نوعها.
ثانيا: قدرتها المثبتة مسبقا على الوساطة.
ثالثا:خبرتها الجيوسياسية واللوجيستية، فتركيا تمتلك القدرة، ليس فقط سياسيا ولكن تقنيا أيضا، على قيادة مثل هذه المبادرة.
كيف يمكن أن يُؤسس هذا النموذج؟
يجب أولا إبقاء الهدف بسيطا، فأكبر خطأ في مثل هذه المبادرات هو وضع أهداف قصوى؛ لأن الغرض هنا ليس إعلان السلام بل ضمان التشغيل الفعال. فلا بد أن يُحدد هدف محدود لكنه حيوي مثل ضمان تدفق الغذاء والطاقة، وإنشاء خطوط آمنة خاصة للمنتجات الغذائية والزراعية.
بالطبع لا تزال المخاطر قائمة، فمخاوف إيران الأمنية مستمرة، وأهداف الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية لم تتغير، ودول الخليج لا تزال في وضع هش.
لكن مع وقف إطلاق النار ظهر واقع جديد: لا يريد أي طرف تحمل تكلفة خرق هذه الهدنة بمفرده، الأمر الذي يفسح المجال لأطراف ثالثة فاعلة مثل تركيا.
وأمام تركيا الآن ثلاثة خيارات كما جرت العادة: الانتظار أو الانحياز لجانب أو إطلاق مبادرة. الخياران الأول والثاني سهلان، أما الثالث فخيار صعب لكنه ذو معنى. كما أن الخيار الثالث هذه المرة ليس مجرد مقترح مثالي، بل هو فرصة ملموسة.
إذا كانت تركيا ستتولى هذا الدور، فيجب عليها التحرك بسرعة وتوضيح الإطار التقني والأهم من ذلك الحفاظ على موثوقيتها، لأن نجاح مثل هذه المبادرات لا ينبع من القوة العسكرية، بل من القدرة على إنتاج الثقة.
لقد وصل العالم اليوم إلى أقصى حدود الدبلوماسية التقليدية، فالحروب لا تنتهي، لكنها تدار. وقد كانت مبادرة الحبوب بالبحر الأسود المثال الأول لهذا العهد الجديد. أما إنشاء ممر للغذاء والأمن في هرمز فقد يمثل مرحلة متقدمة من هذا النموذج.
لكن ربما المسألة الأساسية هي هل ستتمكن تركيا من رؤية هذه الفرصة؟ لأنه أحيانا لا يكتب التاريخ المنتصرون في الحروب، بل من يحولون الهدنة إلى فرصة.
لطالما كانت العلاقة بين الفقيه والسلطان علاقة جدلية ومتجذرة في التاريخ، فالأول يحقق مبادئ الدين، ويُحاجج لضمان بقائها وانتشارها والركون إليها كمرجع لا محيد عنه، والسلطان يرى في الفقيه منافسا يحد من جموحه ورغباته، وغالبا ما كان يدخل في صدام معه في حال لم يشرعن ما يريده في صورة فتاوى وآراء ومواقف دينية تُقنع الجماهير، وتجعلهم يقبلون أفعال السلاطين كمسلَّمات.
ظاهرة أثمرت عبر تجلياتها المتعددة ومساراتها التاريخية ما يُمكن تسميته بـ"فقيه السلطان"، ذلك الفقيه الذي طالما جعل الأوامر السلطانية كالشريعة الإلهية، لا يمكن تعديلها وتقويمها أو مواجهتها بالحجج، الأمر الذي جعل قسما كبيرا من الفقهاء المعترضين على هذه الرؤية ويرفضون هذا التجني على الشريعة والعبث بها، فأثمرت اجتهاداتهم ومواقفهم فقها يمكن أن يُسمى "الفقيه في مواجهة السلطة"
ابن دقيق العيد من الميلاد إلى النبوغ
تقي الدين بن دقيق العيد، أحد الفقهاء والمحدثين البارزين في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، كما أنه يُعد أحد الفقهاء النوادر الذين واجهوا السلطة المملوكية في أشد لحظاتها قوة وبطشا بثبات وثقة وقوة لافتة، وكان معاصرا للعلامة عز الدين بن عبد السلام الذي كان من جملة كبار العلماء الذين واجهوا السلطة الأيوبية في لحظات بطشها وظلمها في دمشق، ثم في القاهرة أيضا حين لجأ إليها، ولم يمنعه لجوؤه وكرم السلاطين والأمراء المماليك نحوه أن يوجّه سهام النقد إليهم حين دعت الحاجة إلى ذلك، انطلاقا من المسؤولية العلمية والأخلاقية التي كان يدركها تمام الإدراك.
ولد محمد بن علي بن وهب القشيري المنفلوطي الصعيدي المصري المشهور بابن دقيق العيد في 25 شعبان 625هـ/ يوليو/تموز 1228م في سفينة شراعية كانت تمخر مياه البحر الأحمر على مقربة من ثغر ينبع وأبواه في طريقهما إلى الحجاز متوجهان لأداء فريضة الحج، الأمر الذي جعل والده يستبشر بهذا الصبي، وقد طاف به حول الكعبة المشرفة داعيا الله أن يجعل صبيه من علماء الأمة الكبار.
نشأ ابن دقيق العيد الذي سُمي جده بهذا الاسم لطيلسان خرج به ذات يوم وهو ناصع البياض فأطلق عليه الناس كأنه "دقيق العيد"، نشأ في أسرة من كبار الأسر وأشرافها في مدينة قوص في صعيد مصر، الأمر الذي أهّله للولوج في طريق العلم وتحصيله، فحفظ القرآن الكريم، ثم درس الفقه المالكي على أبيه، ثم الفقه الشافعي وعلوم العربية حتى ارتقى إلى منصب قاضي قضاة المالكية في الصعيد.
حين أتم الشيخ ابن دقيق العيد مبلغه في العلوم الشرعية جلس كعادة أقرانه للتدريس والإفتاء
على أنه قرر في نهاية المطاف أن يتجه صوب القاهرة التي كانت مركز الإشعاع العلمي والثقافي في نهايات العصر الأيوبي وبدايات دولة المماليك، وهنالك التقى بعلامة زمانه، وصاحب المواقف المشهورة بالصدع بالحق الإمام العز بن عبد السلام[1]القادم حديثا من الشام إثر معارضته لسلطة الأيوبيين المتأخرين التي رضيت بالتحالف مع الصليبيين ضد الفرع الآخر من أبناء عمومتهم الأيوبيين في مصر، فأثّر الشيخ العز بن عبد السلام في تلميذه ابن دقيق العيد تأثيرا أخلاقيا تعدى التأثير العلمي بكثير، وصار الشيخ أسوة لازمت التلميذ طوال حياته، ولشدة تأثره بشيخه كان ابن دقيق العيد أول من أطلق على العز "سلطان العلماء"[2]، اللقب الذي لا يزال يتردد على الألسنة إلى يومنا هذا.
تنوعت مشارب تقي الدين بن دقيق العيد العلمية، ولحبه ورغبته الجامحة لطلب العلوم لم يرض بالمقام في القاهرة فقط، وشمّر عن ساعد الجد فارتحل إلى الإسكندرية ثم إلى الحجاز ودمشق وغيرها في طلب الحديث وعلوم الفقه على السواء، واشتهر عنه حبه الشديد للعلوم والارتحال من أجلها حتى بلغ الرسوخ العلمي، وفيه يقول الإمام الشوكاني:
"فاق الأقران، وخضع له أكابر الزمان، وطار صيتُه، واشتهر ذكره، وأخذ عنه الطلبة، وصنّف التصانيف الفائقة، فمنها "الإلمام في أحاديث الأحكام"، وشرع في شرحه في مجلدين أتى فيها كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: بالعجائب الدالّة على سعة دائرته في العلوم، خصوصا في الاستنباط"[3].
حين أتم الشيخ ابن دقيق العيد مبلغه في العلوم الشرعية جلس كعادة أقرانه للتدريس والإفتاء، وتولى مناصب القضاء في دولة المماليك البحرية، واشتهر علمه في الآفاق، حتى اجتمع بكبار علماء زمانه الذين عرفوا له قدره وعلمه ومكانته مثل ابن تيمية وغيره، بل إن شهرته تجلّت يوم أن كان طالبا، حتى فاقت شيوخه من علماء المالكية والشافعية في زمنه، يقول المؤرخ الصلاح الصفدي، وهو قريب العصر منه:
"كان إماما متفننا محدثا مجودا فقيها مدققا أصوليا أديبا شاعرا نحويا، ذكيا غواصا على المعاني، مجتهدا وافر العقل كثير السكينة بخيلا بالكلام، تام الورع شديد التدين، مديم السهر مكبا على المطالعة والجمع، قل أن ترى العيون مثله. وكان سمحا جوادا"[4].
"وكيف لا يكون ذلك، وهو الذي بعثه الله على رأس المئة ليجدد للأمة أمر دينها، ويحدد لها ما اشتبه من قواعد شريعتها عند تبيينها"[6]، وقد اشتهر ابن دقيق العيد فوق علمه الراسخ، وذكائه، اشتهر بالهدوء والسكينة وقلة الكلام، فأضحى له بين الخلق هيبة، وبين الأمراء ورجال السياسة سطوة، وكان الباعث له على ذلك خوفه من الله، ومراقبته الدائمة، فقد أُثر عنه قوله: "ما تكلمتُ كلمة، ولا فعلتُ فعلا إلا وأعددتُ له جوابا بين يدي الله تعالى"[7].
القضاء ومقارعة السلطة
ارتقى ابن دقيق العيد إلى منصب قاضي قضاة الشافعية في مصر في 18 جمادى الأولى 695هـ/مارس/آذار 1296م في ولاية السلطان المنصور حسام الدين لاجين (695-697هـ/1296-1298م)، وهو في أخريات عمره قبل وفاته بسبع سنين، وعُدّ منصب قاضي قضاة الشافعية المنصب الأهم والأعلى بين قضاة القضاة كلهم، فقد خُول لصاحب هذا المنصب في عصر المماليك تولي الإشراف وإدارة الكثير من الأوقاف والمدارس والخانقاوات التي أقيمت للصوفية، وهو بهذا الإشراف يُضيف إلى منصب القضاء سطوة وقوة دينية واجتماعية كبيرة للغاية جعلت قاضي قضاة الشافعية الرأس الأكبر في المسألة الدينية في ذلك العصر.
من هنا، كانت فترة توليه القضاء على قصرها من أكثر سنين عمره خطرا وأعظمها شأنا، فقد أصبح على اتصال وثيق بالسلطان وكبار رجال الدولة، ولرسوخ علمه، وشدته في الحق رغم هدوئه وسكونه الذي عُرف به، فإنه رد شهادة نائب السلطان الأمير سيف الدين منكُوتَمُر لأنه اعتبرها شهادة غير عادلة وغير كافية في نظر الشرع، رغم تملق الكبراء وكثير من العلماء لهذا الأمير، فقد كان السلطان لاجين لا يرد لنائبه منكوتمر هذا أي أمر أو طلب، واعتُبر النائب منكُوتَمُر هو السلطان على الحقيقة في بعض الأوقات آنذاك.
أرسل نائب السلطان إلى ابن دقيق العيد بعض مماليكه ثم كبار أمرائه طالبا منه أن يمر عليه في دار النيابة
كان منكوتمر قد أرسل إلى قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد يُعلمه مُدعيا أن تاجرا مات وترك أخا من غير وارث سواه، وأراد منه أن يُثبت استحقاق الأخ لجميع الميراث بناء على هذا الإخبار، لكن الشيخ رفض إمضاء القضية لصالح التاجر بناء على شهادة منكوتمر وحده، وترددت الرسائل بينهما، لكن القاضي كان يرفض في كل مرة، ويُصرّ على موقفه غير هيّاب من نائب السلطنة المملوكية، حيث ثبت لديه أن الأدلة لم تكن كافية، وفي المرة الأخيرة أرسل له أحد كبار الأمراء في الدولة لإعادة النظر في المسألة، وينقل المؤرخ المقريزي نص الحوار الذي تتجلى فيه شجاعة الفقيه والقاضي في مواجهة ضغوط السلطة، يقول: "قال له (الأمير): يا سيدي ما هو (أي منكوتمر) عندكم عدل؟ فقال ابن دقيق العيد: سبحان الله، ثم أنشد:
يقولون هذا عندنا غيرُ جائزٍ *** ومن أنتم حتى يكون لكم عند!
وكرّر ذلك ثلاث مرات، ثم قال: والله متى لم تقم عندي بيّنة شرعية ثبتت عندي وإلا فلا حكمتُ له بشيء باسم الله، فقام الأمير وهو يقول: والله هذا هو الإسلام. وعاد إلى منكوتَمُر واعتذر إليه بأن هذا الأمر لا بد فيه من اجتماعك بالقاضي إذا جاء إلى دار العدل".
حين صعد ابن دقيق العيد إلى دار العدل في قلعة الجبل بالقاهرة في اليوم المخصص له، أرسل نائب السلطان إليه بعض مماليكه ثم كبار أمرائه طالبا منه أن يمر عليه في دار النيابة، "فلم يلتفت إلى أحد منهم، فلما ألحّوا عليه، قال لهم: قولوا له ما وجبت طاعتك عليّ، والتفتَ إلى من معه من القُضاة، وقال لهم: أُشهدكم أني عزلت نفسي باسم الله وقولوا له يُولّي غيري".
عاد الفقيه إلى داره، وأرسل نقباءه إلى نوّابه في القضاء في كامل القطر المصري بمنعهم من الحكم وعقد الأنكحة، فلما بلغ السلطان لاجين الخبر، وعرف خطورة الأزمة على سُلطانه ودولته، والقوة الروحية والشعبية التي كان يملكها ابن دقيق العيد، أرسل إلى نائبه الأمير منكوتمر يُنكر عليه فعله وطيشه، ثم أرسل إلى القاضي بعض كبار الفقهاء والأمراء ليصعدوا به إلى القلعة، وبالفعل صعد القاضي بعد إلحاح، وهنا نترك المقريزي يروي لنا هذا المشهد النادر في تاريخ العلاقة بين السلطة والقضاء في تاريخنا الإسلامي، يقول:
"فصعدا به إلى القلعة، فقام إليه السلطان وتلقّاه وعزم عليه أن يجلس في مرتبته (كرسي السلطنة)، فبسط (القاضي) منديله، وكان خرقة كتان خَلقة فوق حرير الكرسي قبل أن يجلس؛ كراهة أن ينظر إليه ولم يجلس عليه (أي الحرير)، وما برح السلطان يتلطّف به حتى قَبِل الولاية (والعودة إلى القضاء)، ثم قال له السلطان: يا سيدي، هذا ولدك منكوتمر خاطرك معه، ادعوا له. وكان منكوتمر ممن حضر، فنظر إليه قاضي القضاة ساعة وصار يفتح يده ويقبضها وهو يقول: منكوتمر لا يجيء منه شيء، وكرّرها ثلاث مرات وقام"[8].
ظل نائب السلطنة سيف الدين منكوتمر يتحين الفرص، ويتحرق شوقا لتمريغ أنف هذا الفقيه الذي أهانه وحطّ من شأنه، وهو صاحب السيف الأعلى في إمبراطورية المماليك الشاسعة، والذي أعاد كرامة العلماء والقضاة أمام رجال الحكم والسلطة مرة أخرى، فأرسل إلى القاضي ابن دقيق العيد يتهمه بأنه استولى على أموال بدون وجه حق من موارد إحدى المدراس التي كان يُشرف عليها، ويُدير شؤونها، فأرسل إليه ابن دقيق العيد خطابا يرد فيه هذه التهم، بل وجعله خطاب مباهلة وملاعنة على الظالم من الطرفين، ولم يمر سوى أيام قليلة إلا وقُتل السلطان لاجين، وحُبس نائبه منكوتمر ثم أخرج من سجنه وقُتل، كما يروي ابن الوردي في تاريخه[9]!
حين ارتقى السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى عرش الدولة، ودخلت بلاد الشام في عصره منعطفا خطيرا بهجوم التتار انطلاقا من العراق التي كانوا قد احتلوها وقضوا على الخلافة العباسية فيها، كانت الجيوش المملوكية بحاجة ماسّة إلى الأموال للإنفاق على المجهود الحربي، وهنا أمر السلطان بجمع المال من الرعية طوعا أو قسرا من خلال الضرائب لمواجهة هذه النازلة، معتمدا على فتوى قديمة لشيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في زمن السلطان سيف الدين قُطز، بيد أن قاضي القضاة ابن دقيق العيد وقف أمام هذا الأمر الذي اعتبره تجرؤا على الفتيا، واقتطاعا لسياقها، قائلا للسلطان بتحدٍّ:
"إن ابن عبد السلام لم يُفتِ في ذلك إلا بعد أن أحضرَ جميع الأمراء كل ما لديهم من أموال، وجمع ما عند الأمراء من جواهر وأحجار كريمة تزدان بها نساؤهم وجواريهم، ثم قال له: كيف يحلّ مع ذلك أخذ شيء من أموال الرعية، لا والله لا جاز لأحد أن يتعرّض لدرهم واحد من أولاد الناس إلا بوجه شرعي"[10]. فرضخ السلطان لأمر الشيخ ابن دقيق العيد، ولم يفرض ضرائب على الناس رغم الحاجة الماسة إلى إعداد الجيوش.
لقد أدرك ابن دقيق العيد ألاعيب رجال السلطة جيدا من السلطان رأسا إلى كبار الأمراء
لم تتوقف محاولات كبار رجال السلطة من الضغط على القاضي ابن دقيق العيد للرضوخ لمطالبهم التي كان يغلب عليها المنفعة الشخصية فوق المنفعة العامة، وسوء استخدام السلطة، وهذه المرة كان الضغط من قبل الوزير الرجل الأول على رأس الجهاز الإداري المملوكي في ذلك العصر وكان يُسمى شمس الدين بن السلعوس، كان الوزير ابن السلعوس على علاقة مضطربة مع قاضي القضاة السابق تاج الدين بن بنت الأعز، وكان ابن بنت الأعز عالما وقافا على الحق مثل ابن دقيق العيد، وأراد ابن السلعوس بعد عزله أن ينتقم منه فلم يجد مدخلا إلا برمي ابن بنت الأعز بهتانا بأن بعض مؤلفاته وكلامه يدل على كفره وخروجه من الملة، وكتب في سبيل ذلك محضرا أرغم فيه بعض الفقهاء على التوقيع عليه بالموافقة وصحة مضمونه، ولم يكن يتبق إلا توقيع العلامة ابن دقيق العيد وهو قاضي القضاة كي يُنفذ حكم الإعدام في الشيخ!
وأرسل الوزير بالفعل هذه المحاضر وحيثياتها القانونية والشرعية الملفّقة إلى القاضي ابن دقيق العيد في القاهرة ثم جعل يستعجله بالتوقيع، حيث قيل له: يا مولانا القاضي الساعة تضع خطك (توقيعك) على هذه المحاضر، فأخذها، وشرع يتأملها واحدا واحدا، والنقباء من القلعة يتواترون بالحثّ والطلب والإزعاج، ويُريدون منه التوقيع لتنفيذ المؤامرة، ويقولون له: "إن الوزير والسلطان في طلب ذلك، وهو لا ينزعج، وكلما فرغ من محضر دفعه إلى الآخر، وقال: ما أكتبُ فيها شيئا. قال الشيخ فتح الدين (أحد الفقهاء الحاضرين): يا سيدي القاضي لأجل السلطان والوزير. فقال ابن دقيق العيد: أنا ما أدخل في إراقة دم مسلم. قال: فقلتُ: فكيف تكتبُ خطك بذلك، وبما يخلص فيه، وتقول: إنك لا تحلّ دمه. فقال: يا فقيه ما عقلي عقلك، هم ما يدخلون إلى السلطان ويقولون: قد كتب فلان، ولا يُخبرونه الحقيقة بأني كتبت بما يُخالف خطوط الباقين، وإنما يقولون: قد كتب الجماعة، وهذا خط ابن دقيق العيد، فأكون أنا السبب الأقوى في قتله. فأبطل ذلك عملهم، ورد مكرهم، وسكّن سورتهم، وأطفأ شواظ نارهم"[11].
لقد أدرك ابن دقيق العيد ألاعيب رجال السلطة جيدا من السلطان رأسا إلى كبار الأمراء والوزير فضلا عن من دونهم، حيث أراد كثير من أمراء المماليك أن يتواروا إلى ظل الفتاوى التي كانت تُجهز تحت الطلب من "فقهاء السوء" على حد تعبير العلامة السبكي، أدرك ابن دقيق العيد هذه المعادلة، بل وطبيعة النظام البيروقراطي في قلعة الجبل، وكيف كانت "تُطبخ" القرارات لعرضها على السلطان دون علمه ووقوفه على أخطر ما فيها، والمثال السابق خير دليل على هذا، الأمر الذي جعل ابن دقيق العيد يرفض التوقيع على محضر باطل معد سلفا للانتقام الشخصي.
وبحسب المؤرخ إبراهيم طرخان فإن ظاهرة الامتناع عن الفتوى أو التوقيع عليها في ذلك العصر كما فعل ابن دقيق العيد كانت "نوعا من الثورة السلمية الجريئة، وتبين مدى إدراك السلاطين لأهمية الفقهاء في كسب الرأي العام"[12].
كان نفوذ الفقهاء في ذلك العصر يتكئ على قوتهم التي استمدوها من قيمتهم العلمية والأخلاقية، واحترام عموم الناس وتأييدهم لهم، ولما كان المماليك الأتراك أغرابا قادمين على ظهر السلطة دون سند شعبي يؤيدهم، فقد أعطوا المساحة الكافية للفقهاء والعلماء ليكونوا الطبقة الوسطى بين السلطة والشعب، وبهذا كسب الفقهاء المساحة الأبرز، ودخلوا في إدارة الدولة بأشكال متعددة على رأسها الدينية والإدارية، وتحصّلوا على العديد من المكتسبات المادية والمعنوية على السواء.
ومن هذا الجانب، أدرك كبار رجال القضاء، ممن عُرفوا بنظافة اليد ورسوخ العلم، مثل العز بن عبد السلام والتقي ابن دقيق العيد وابن سيد الناس وبدر الدين بن جماعة وابن حجر العسقلاني وغيرهم، أن مواجهة جنوح السلطة في لحظات طيشها أمر لا مرد له، للحفاظ على المرجعية الأخلاقية والشرعية التي كانت تتكئ عليها دولة المماليك، فضلا عن الحفاظ على السلم الاجتماعي، وكان السلاطين يخشون أكثر ما يخشون هؤلاء الصادعين بالحق، المؤلّبين الجماهير على غشامة السلطة، فحين زار ابن بطوطة[13] مصر في ذلك الزمن سمع أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون كان يخشى من أحد كبار العلماء واسمه شمس الدين الحريري.
على أن ذلك لم يكن يستمر طوال الوقت، فعلى الجانب الآخر وجد بعض المتنفذين من رجال السلطة بُغيتهم في فقهاء رضوا أن يكونوا مطية لتفصيل الفتاوى التي تحقق المآرب الشخصية للسلاطين، لكن حسبنا في سيرة العلامة تقي الدين بن دقيق العيد ما يُعطي ملمحا مهما عن طبيعة العلاقة بين السلطان والفقيه في العصر الإسلامي الوسيط؛ إذ وقف الفقيه بكامل قوته وثقته في نفسه وفي مهمة القضاء التي كان على رأسها موقف ثبات أمام المحاولات المتكررة من رجالات السلطة للتعدي على الحقوق والحريات، واستطاع في سبيل ذلك سد أبواب من الجرائم بسبب قولة الحق، والثبات على المبادئ التي تربى عليها هؤلاء العلماء.
المصادر
1محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك 2
2محمد رامز والعزيزي: ابن دقيق العيد
3الشوكاني: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
لم تعرف أمتنا الاستبداد بالصورة التي عرفها المجتمع الإقطاعي الغربي.. وقد كانت قيادة العلماء موازية لسلطات الأمراء على مدى التاريخ الإسلاميِّ تحد من الظلم حينًا وتبطله أحيانًا.
يصف كتاب كثيرون تاريخنا بأنه تاريخ استبداد، وإذا أرادوا أن يكونوا كرماء -حسب زعمهم- فإنهم يستثنون منه فترة بسيطة وهي فترة الخلفاء الراشدين وفترات لأسماء أخرى معروفة مثل فترة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وقد اعتبر بعض هؤلاء الكتاب أن الاستبداد السبب في كل أمراضنا الاجتماعية الأخرى، وهو الذي أفسد حياتنا كلها، وهو السبب الرئيس في تأخرنا وانحطاطنا، ومما يؤكد ذلك تخصيص كاتب مثل عبد الرحمن الكواكبي كتابًا لذلك المفهوم سماه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ألفه عام ١٩٠٢م، ومشكلتنا مع أولئك الباحثين أنهم لا يصدرون أحكامهم على تاريخنا انطلاقًا من الدراسات المعمقة والمستقلة لذلك التاريخ، بل يسقطون عليه الأحكام الخاصة بتاريخ الحضارة الغربية من مثل صراع العلم والدين، والانحطاط ورجال التنوير، والنهضة... إلخ، أو يسقطون عليه نظريات غربية خاصة لتحليل التاريخ الغربي كالماركسية فتجد أحكامًا من مثل طبقة البروليتاريا، وطبقة البرجوازية، والصراع الطبقي، ودكتاتورية البروليتاريا... إلخ فتكون النتيجة ظلم تاريخنا وظلم الحقيقة وظلم تلك المصطلحات والأحكام.
وفي مجال حديثنا عن الاستبداد تصبح الديمقراطية الغربية هي النموذج البديل المطلوب، فإن لم تكن موجودة بكل تفصيلاتها الحالية من أحزاب وانتخابات وبرلمان ووزارة مسؤولة أمام البرلمان.. إلخ جرى الحكم على تاريخ الأمة بنقيض ذلك وهو الاستبداد، وعندما نتحدث عن الديمقراطية نتساءل ما الذي تستهدفه الديمقراطية وغيرها من أنظمة الحكم السياسي الجواب: إقامة العدل، وتحقيق المساواة، وإعطاء الفرص لجميع أبناء الأمة في تبادل الرأي حول شؤونها، وإعطاؤهم الفرصة كذلك للمساهمة في حل قضاياها... إلخ، وهذه الأهداف يمكن أن تتحقق باليات متعددة وليست مقصورة على الآليات التي صاغها النظام الديمقراطي، لذلك فإن تاريخنا السياسي قد ظلم -في تقديري- من ثلاث نواح:
الأولى: إسقاط كثير من الأحكام الخاصة بالحضارة الغربية عليه.
الثانية: عدم دراسة مسيرته السياسية بشكل مستقل.
الثالثة: جعل النموذج الغربي الحالي هو الذي تقوم على أساسه حضارتنا وتاريخنا في الاقتصاد والاجتماع والسياسة... إلخ. والآن لنرَ من أين جاء مفهوم الاستبداد؟ وهل يمكن تطبيقه على تاريخنا وكيف جرى الحكم في تاريخنا؟ وما أبرز آلياته؟
جاء مفهوم الاستبداد من النظام الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى، حيث كان يملك الإقطاعي فيه الأرض ومن عليها من بشر وحيوان ونيات وشجر، ويتحكم فيهم حسب أهوائه ومزاجه وحسب ما يروق له دون وجود القانون يرسم أفقًا أو حدًا لتصرفاته وأعماله، لذلك عندما جاءت الثورات التي انبثقت عن المرحلة البرجوازية وحملت معها الدستور، اعتبرت هذه الوثيقة «الدستور» التي تحدد بعض جوانب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتبين واجبات الحاكم والمحكوم وحقوقهما، اعتبرت نهاية لعهد الاستبداد لأنها انتقلت في العلاقة بين الحاكم والمحكوم من العلاقة غير المحددة بأي قواعد أو ضوابط إلى العلاقة المحددة ببعض القواعد والضوابط ولكن هذه الخاصية كانت موجودة منذ اللحظة الأولى في تاريخنا حيث كان القرآن الكريم دستورًا لأمتنا لم يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم فحسب بل فصل علاقة الحاكم بالمحكوم وبين واجبات الحاكم من مثل: وجوب الشورى، وإقامة الصلاة، وجباية الزكاة وتوزيعها في مصارفها المحددة، ونشر الدين، وتحديد العقوبات التي يمكن أن يوقعها الحاكم على المحكومين من مثل حد السرقة، وحد الزني، وحد الحرابة وحد شرب المسكرات... إلخ، وبين واجبات المحكوم من مثل: الطاعة طالمَا أن الحاكم مطيع الله ورسوله ﷺ، والنصح للحاكم، ودفع الزكاة والاستجابة لداعي الجهاد... إلخ إذن هذه التحديات التي شرعها الإسلام في مجالات الحاكم والمحكوم وفي العلاقة بينهما وفي علاقتهما بالآخرين أزالت سببًا رئيسًا من أسباب الاستبداد، والآن لنرَ كيف كانت علاقة الحاكم بالمحكوم والراعي بالرعية على مدار القرون السابقة؟
لقد أنشأ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية، وقامت علاقته مع رعيته ﷺ على العدل والمساواة والشورى والرحمة والرأفة والحكمة والعلم... إلخ وكانت نموذجًا للعلاقة المثالية بين الحاكم والمحكوم ولن نفصل في صورتها وحيثياتها لأن خصومنا أو مجادلينا قد يحتجون بأنه لا مجال للمحاججة بخصوص علاقة الرسول ﷺ بالصحابة لأنه نبي تسدد السماء علاقته برعيته، وينزل عليه جبريل بالحق بخصوصها، وأما الخلفاء الراشدون فيسلم معظم الدارسين بأن العلاقة بينهم وبين رعيتها كانت سليمة ومشرقة وإيجابية وقريبة من صورة علاقة الرسول ﷺ بصحابته -رضي الله عنهم-وحققت العدل والمساواة والشورى والرحمة... إلخ لذلك لن نخوض في تفاصيلها مادامت ليست مجال اختلاف، لكن العصور التالية هي مجال الاتهام بالاستبداد، ونحن من أجل تقرير وجهة نظر صائبة في هذا الموضوع لن نستطيع أن نستقصي في هذا المقال كل وقائع التاريخ الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني من أجل استخلاص أحكام دقيقة في مجال الحكم من جهة، ولن نستطيع أن نستقصي كل تفصيلات علاقات الحاكم الإسلامي برعيته خلال كل ذلك التاريخ الطويل من أجل تقرير مدى قربها أو بعدها عن الاستبداد من جهة ثانية، فذلك يحتاج إلى دراسات متعددة نسأل الله العون على تدوينها في أيام قادمة، لكن يكفي في هذا المقال إعطاء مؤشرات عن اتجاه الحكم وعن مدى سلامة علاقة الحاكم بالمحكوم في ذلك التاريخ الطويل، وهو ما سنجتهد أن نقوم به.
الخلافة الراشدة:
تميزت فترة الخلافة الراشدة بأن الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- كانوا أمراء الأمة وعلماءها في الوقت نفسه، لكن العهد الأموي شهد ظهور قيادتين للأمة هما: قيادة الأمراء وقيادة العلماء ثم استمر الأمر على هذا المنوال في العهود التالية: العباسية، والمملوكية، والعثمانية، وقد كانت قيادة الأمراء تأخذ شرعيتها من التزامها بالشريعة الإسلامية وهذا ما يمكن أن نعتبره أول عامل ينفي عنها صفة الاستبداد -كما وضحنا ذلك في بداية الحديث- لأنه كان يحدد علاقتها ،برعيتها، ويوضح واجبات وحقوق الطرفين الراعي والرعية، كما أنها «أي قيادة الأمراء» لم تكن تنفرد بقيادة جماهير المسلمين، بل كانت قيادة العلماء تشاركها في هذه القيادة من جهة، وتحاسبها على كثير من تصرفاتها من جهة ثانية مما يقلل من حجم ظلمها وفرصه ولا أريد أن أعدد أسماء العلماء الذين ساهموا في قيادة المسلمين على مدار التاريخ الماضي أو أعدد للمواقف التي تشير إلى محاسبتهم الأمراء، فالتاريخ مملوء بشواهد تدل على الأمرين السابقين، والأمر أجلى وأوضح من أن يحتاج إلى تعداد أو تدليل، ويكفي أن نذكر اسمين هما العز بن عبد السلام وابن تيمية ودورهما في تحريك الأحداث وتوجيهها في عصرهما.
ومما تجدر الإشارة إليه أن قيادة العلماء لم تبق في صورة أشخاص إنما تحولت إلى أشبه ما يكون بالمؤسسة مع مرور الزمن فأصبحت هذه القيادة تحتوي عدة وظائف في العهد العثماني منها: شيخ الإسلام الذي كان يسكن عاصمة الخلافة إسطنبول، ويأتي ترتيبه الثاني في البروتوكول الرسمي بعد الخليفة وقبل الصدر الأعظم الذي هو رئيس الوزراء، ومنها أيضًا القضاة والفقهاء، ونقباء الأشراف، وخطباء المساجد وأئمتها، والمؤذنون، والخدمة، والقراء، والوعاظ... إلخ وكان هؤلاء يأخذون رواتبهم من خلال الأوقاف وكان القضاة يقومون بالإضافة إلى قضائهم في الخصومات الشخصية والتجارية بتثبيت مشايخ الحرف وفض منازعاتهم. وكان القضاة بمثابة حكام شرعيين للأمة، وكانوا يقومون بدور صلة الوصل بين الوالي والأهالي، فينقلون أحكام الوالي إلى الأهالي، وينقلون رغبات الأهالي وطلباتهم إلى الوالي.
وبالإضافة إلى قيادة العلماء التي نافست الأمراء على نفوذهم عند جماهير المسلمين، وشاركتهم في هذا النفوذ ومنعت انفرادهم بالسلطة، برزت قيادات مدنية أخرى في المجتمع الإسلامي كانت تؤدي دورًا أخلاقيًا، أو اقتصاديًا، أو رقابيًا، أو ثقافيًا، أو اجتماعيًا.. إلخ، ومن هذه القيادات التي تطورت على مدار التاريخ الإسلامي: التنظيمات الحرفية، والطرق الصوفية، والحسبة، والأوقاف، وسأشير باختصار إلى دور كل منها خلال العهد العثماني لأنه -كما قلت- العهد الأكثر اتهامًا من غيره بالاستبداد.
فمن دراسة الحرف والصناعات نجد أن كل حرفة كانت تختار شيخها المناسب بإرادتها الذاتية المحلية، وكانت سلطة شيخ الطائفة تشمل إدارة شؤون أبناء الطائفة، والاهتمام بمشكلات والإشراف على تنفيذ اتفاقياتهم، والطلب من القاضي تسجيل هذه الاتفاقيات، وكان يرفع شكاوى الطائفة على طائفة أخرى إلى القاضي بنفسه، وكان الوالي يتصل بأصحاب الحرفة عن طريقه.
وكان شيخ الحرفة يمارس سلطته اعتمادًا على العلاقات التنظيمية والأخوية الصادقة التي كانت تربطه بأبناء الطائفة، فعلى المستوى التقني والتنظيمي يخضع التعليم الحرفي لتراتبية دقيقة بدءًا من المبتدئين إلى الصانع وإلى المعلم، وعلى قاعدة هذه التراتبية لشيخ الحرفة الحق في أن يشد بالكار «الصنعة» المبتدئين الماهرين فيصيرون صناعًا أو معلمين، وحفلة الشد حفلة ترفيع المبتدئ إلى صانع أو الصانع إلى معلم هي حفلة ذات طابع ديني، ويظهر ذلك في قراءة «الفاتحة» والأدعية والأناشيد النبوية التي تتخلل الحفلة، وإسباغ جو من الورع والتقوى على المشدود والحاضرين، والتشديد على «العهد» و «الميثاق» و«الأخوة» أمام الله والجماعة، وكان المشدود يعاهد المعلم على أن يلتزم بقواعد منها الإتقان، عدم الغش والتسعيرة العادلة التضامن مع رفاق المهنة... إلخ.
وكان هناك «شيخ مشايخ الحرف أو شيخ التجار» وكان يعين بإجماع التجار ويشترط فيه أن يكون صاحب دين وأخلاق وأهلًا للمشيخة لائقًا بها، وأن يختاره ويرضي به كامل التجار وأن يوافق القاضي والسلطان على تعيينه، وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل الإشراف على كل طوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بصلة الوصل بين الوالي والقاضي من جهة، وهذه الطوائف من جهة أخرى ولا يتم أي تغيير إلا بعلمه ورأيه وكان مشايخ الحرف كلهم ينتخبون بحضوره ويزكون بتزكيته.
لقد نشأت الطرق الصوفية في العهد العباسي، لكنها تغلغلت في كل زوايا المجتمع في العهد العثماني، فقد تداخلت مع التنظيمات الحرفية. كما تداخلت مع الجيش الإنكشاري الذي أسس أمجاد الخلافة العثمانية، والذي ارتبط بالطريقة البكتاشية، وقامت الطرق الصوفية بدور تهذيبي وامتلكت الدور والمدارس والخانات والزوايا... إلخ وكانت إحدى الحلَقات الفاعلة في حياة المسلمين بعيدًا عن قيادة الأمراء.
الحسبة..
نشأت الحسبة في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمع الإسلامي، ثم تطورت فأصبح برأسها محتسب ومعه محتسبون معاونون مهمتهم المحافظة على الآداب، والأخلاق والنظافة والحشمة ومنع الغِشّ وعدم الاختلاط.. ود كانت تهدف أن تجعل الأخلاق الإسلامية سجية وطبعًا ليبقى المجتمع محافظًا على شخصيته وهويته.
أما الأوقاف فقد شغلت ثلث ثروة العالم الإسلامي وقامت بدور اجتماعي وثقافي واقتصادي، فقد أنشأت المدارس والمكتبات، وأنفقت على العلماء وطلاب العلم، كما كلفت بعض العاملين بنسخ الكتب من أجل إيقافها على طلاب العلم، كما أنشأت الأوقاف المستشفيات التي كانت تعالج الناس مجانًا، كما أنشأت الخانات التي كانت تؤوي الناس على الطرقات كما أوقفت الدور التي تساعد الفقراء وتؤويهم وتطعمهم... إلخ.
الخلاصة: لم تعرف أمتنا الاستبداد بالصورة التي عرفها المجتمع الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى، ومثل التزام الأمراء المسلمين بتنفيذ الشريعة الإسلامية الشرط الأول لمنحهم الشرعية من قبل الأمة كما مثل هذا الالتزام نفيًا للاستبداد لأنه الوثيقة الدستورية التي اعتبر الغرب وجود مثلها إنهاء للاستبداد في حياته السياسية وقامت قيادة العلماء بدور القيادة الموازية لقيادة الأمراء على مدار التاريخ الإسلامي مما جعلها تواجه ظلم الأمراء فتقلل من حجمه حينًا، وتبطله حينًا آخر، كما قامت مؤسسات وروابط أخرى من مثل: المنظمات الحرفية والطرق الصوفية والحسبة والأوقاف بدور الوسيط بين جماهير المسلمين والقيادة الحاكمة حينًا، وتوسيع هامش الاستقلال في حياتهم حينًا آخر، وإبعادهم عن تدخلات الأمراء حينًا ثالثًا، وفي كل الأحوال قامت تلك المؤسسات والروابط والقيادات بإغناء الجانب المدني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والرقابي في حياة جماهير المسلمين إغناء فريدًا، ورعايته وتوسيع دائرته.
قبل أن تخمد نيرانُ المعارك، وقبل أن تنطوي صفحاتُ الأحداث، فإن الواجبَ الأَوْلَى ليس الانشغالَ بضجيج الوقائع، بل استخلاصُ سننها، واستنطاقُ دروسها، واستشرافُ ما وراءها؛ لأن الأمم لا تُهزم حين تخسر معركة، وإنما تُهزم حين تعجز عن قراءة معانيها.
وليس المقصود من ذلك تأييد طرفٍ أو معاداة آخر، بل تحرير العبرة من أسرِ الأشخاص، واستخراج الدرس من بين ركام المواقف؛ فالحكمةُ ضالةُ المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُّ بها؛ وليست كل خسارةٍ هزيمة، كما أنه ليس كل مكسبٍ نصرًا؛ فالعبرة بما تُنتجه التجربة من وعيٍ وتصحيحٍ وتراكم.
أول هذه الدروس: أن ما يجري في الأرض ليس فوضى عابرة، ولا عبثًا طارئًا، بل هو جارٍ على سننٍ إلهيةٍ محكمة، يُجريها الله تعالى لغاياتٍ كبرى، من أعظمها: التمييزُ والتمحيصُ وكشفُ السرائر، قال تعالى: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الأنفال: 42)، وقال سبحانه: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران: 179)، فالأحداث ليست مجرد صراع قوى، بل محاريب اختبارٍ تُكشف فيها القلوب قبل أن تُقاس فيها الموازين.
وهذه الدروس ليست أحداثًا متفرقة، بل هي تجليات لسنن الله في الاجتماع البشري؛ سننٍ لا تحابي أحدًا، ولا تتبدل بتبدل الشعارات، وإنما تجري على من أخذ بأسبابها، قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 62).
وليس من العدل أن نُحمّل الخارج كل أوزارنا، فإن كثيرًا من مواطن الضعف إنما نبتت في داخلنا، يوم فرّطنا في سنن القوة، واستبدلنا الأمانيّ بالعمل، والشعارات بالاتحاد!
وثانيها: أن الإعداد ليس ردَّ فعلٍ طارئ، وإنما فريضة سابقة على الخطر، ومستمرة معه وبعده؛ قال الله تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)، فالإعداد وعيٌ طويل، وعملٌ تراكمي، وصناعةُ أمةٍ قبل أن يكون صناعةَ سلاح، وما رأيناه من صمودٍ أو قدرةٍ على الفعل لم يكن وليد لحظة، بل ثمرةَ سنين من بناء الإرادة وتراكم الخبرة، فالشريعة لا تعترف بمن يُصاب ولا يرد، ولا بمن يُضرب ولا يدفع؛ فالتوازن سُنة، والقدرة شرط بقاء؛ (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون) (التوبة: 111).
والأمم الحيّة لا تعيش على ردود الفعل، بل تصنع الفعل، وتفرض إيقاعها، وتبادر قبل أن تُباغت، والأمم القوية لا تفكر بلحظة الانفجار، بل بعقود التراكم؛ فالمعركة الحقيقية تُحسم قبل أن تبدأ، يوم تُدار السنوات بحكمة.
وثالثها: أن الأنظمة لا تقوم بذاتها، بل تقوم بعمقها الشعبي؛ فالدولة التي تنفصل عن شعبها، أو تستعلي عليه، أو تُهدر طاقاته، إنما تُفرغ نفسها من سندها الحقيقي، وعند الأزمات، لا تثبت الأنظمة إلا بقدر ما تلتف الشعوب حولها، ولا تصمد إلا بقدر ما تسكن في وجدانها، أما الأنظمة التي عاشت في عزلةٍ عن شعوبها، مستغنية بمدد الخارج فإن ساعة الشدة تكشف هشاشتها، إذ لا تجد ظهرًا تسند إليه، ولا قلبًا يحتملها.
ورابعها: أن اختزال الأمة في قائد أو نخبة محدودة وهْمٌ قاتل؛ فالأمم الحيّة هي التي تُنتج القيادات كما تُنتج الثمار، وتُعدّ البدائل كما تُعدّ الخطط، وإن وفرة القيادات، وتعدد الخبرات، ووجود البدائل ليس ترفًا تنظيميًا، وإنما شرط من شروط البقاء، أما تحويل الأشخاص إلى أوطان، فذلك من أخطر ما يُصيب الوعي الجمعي، إذ يجعل مصير الأمة مرهونًا بأفراد، لا بمشروع.
وخامسها: أن ثروة الأمة الحقيقية ليست فيما تملك من موارد فحسب، بل فيما تملك من عقولٍ وخبراتٍ وطاقاتٍ بشرية، فالأمم التي تحفظ علماءها، وتستثمر مفكريها، وتُطلق طاقات مبدعيها، إنما تبني مناعتها الداخلية، وتُنشئ قدرتها على التجدد، أما التي تُضيّق على عقولها، أو تُهمّش كفاءاتها، فإنها تهدي كنوزها لغيرها، وتُضعف نفسها بيدها.
وسادسها: أن على الأمة أن تُدرك مصادر قوتها الحقيقية؛ فالقوة ليست في الاتكاء على الغير، بل في الاعتماد على الذات، وتفعيل الإمكانات، واستحضار الهوية، فحين تعي الأمة موقعها، وتعرف قدرها، وتستثمر مواردها البشرية والمادية والروحية، فإنها تقترب من موقع الريادة الذي خُلقت له.
وسابعها: أن الظلم والاستبداد آفةٌ تهدم الأمم من داخلها؛ إذ يُفرغها من طاقتها، ويُضعف جيوشها، ويُفسد علاقتها بذاتها، وقد أثبتت الوقائع أن دعم الاستبداد كان سببًا في تغييب قوى كبرى عن معادلات التأثير، حتى بدت وكأنها خارج التاريخ، بعد أن كانت في قلبه.
وثامنها: أن الفتوى في أزمنة الفتن تحتاج إلى حكمة وتؤدة وجمع للكلمة؛ فليس من دور العلماء أن يُغذّوا النزاع، أو يُسرعوا في إصدار الأحكام تحت ضغط الأحداث، بل أن يكونوا صمام أمان، يجمعون ولا يفرّقون، ويُرشدون ولا يُهيّجون، وإن من أخطر ما أصاب الأمة في مثل هذه الظروف التسرع، والتضارب، وتحويل المنابر إلى ساحات نزاع.
وتاسعها: أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة، وإن الضعف والهوان ليسا خيارًا شرعيًا يُتخيَّر، ولا مقامًا يُمدح، بل هما حالٌ تُذمّ إذا كان ناشئًا عن ترك الأسباب والتفريط في الواجبات؛ لأن الشريعة جاءت بإقامة القوة والعزة والتمكين، لا بالاستكانة والاستسلام، قال سبحانه ناهيًا عن الوهن والاستسلام: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، وقال تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (محمد: 35).
فجعل الوهن منافيًا لكمال الإيمان، ودلّ على أن العلوّ ثمرة الثبات والقوة، فحفظ الكرامة يقتضي امتلاك أسبابها، وصيانة الدين والنفس والعِرض لا تكون إلا بقوةٍ تحميها، وعزةٍ تصونها.
عاشرها: لا تقوم أمةٌ بلا مشروعٍ جامعٍ يلتف حوله الناس، تتوحد فيه الرؤية، وتتحدد فيه الأولويات، وتنتظم فيه الطاقات، وإن نجاح أي راية على مدار العصور تمثل في تحققها بتلك المعالم؛ مشروع جامع يؤمن به الجميع، وحملة أمناء يطورونه ويعمقونه وينشرونه، ثم سلطة سياسية تتبناه وتؤمن بها وتتحرك وفق قيمه ومقتضياته، بصرف النظر عن صحة الفكرة أم خطئها، فما بالك بأمة تحمل كلمة الإسلام وهدايات القرآن، وتحمل أمانة الميراث النبوي؛ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) (سبأ: 28).
وأخيرا: إن هذه الدروس لا ينبغي أن تبقى معاني تُتداول، بل يجب أن تتحول إلى برامج إعداد، ومشروعات وعي، وخطط بناء، تبدأ من الفرد، وتمر بالمجتمع، وتنتهي بالأمة.
وإن الأمة التي تقرأ سنن ربها، وتستجمع قواها، وتُحسن ترتيب أولوياتها، لا يمكن أن تبقى على هامش التاريخ؛ بل هي موعودةٌ -بقدر صدقها– أن تعود إلى مركز الشهادة؛ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143).
هذه بعضُ الدروس التي تفرضها الأحداث على من أراد أن يتعلّم، وهي ليست نهاية الطريق، بل بداية وعيٍ جديد؛ فإن أحسنّا قراءتها، كانت لنا منطلقًا لبعثٍ راشد، وإن أهملناها، كانت حلقةً أخرى في سلسلة التكرار.
وإنها لفرصة نادرة أن تعيد الأمة النظر في ذاتها، فتُصحح مسارها، وتستجمع قواها، وتستأنف دورها، على هدى من ربها، وبصيرة من سُننه.
نسأل الله أن يُلهمنا رشدنا، وأن يُرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يجعل هذه الأمة شاهدةً على الناس كما أراد لها.
الدُّنيا لا تلبثُ على حالٍ، فلا تغتَرَّ؛ فالقويُّ لا يبقى قويًّا إلى الأبد، والضَّعيفُ لا يبقى ضعيفًا إلى الأبد، وكلُّ شيءٍ في هذه الدُّنيا يتوارثُه النَّاس.
اسألْ نفسكَ: أينَ هي الممالكُ التي حكمتِ الدُّنيا قديمًا؟
ما بقيَ من الرُّومانِ غيرُ آثارٍ دارسةٍ مُنتشرةٍ هنا وهناك، وأين نارُ المجوسِ التي بقيتْ مُضاءةً قرونًا؟ أُطفئتْ أخيرًا، وزالَ الأكاسرةُ وصاروا صفحةً من التَّاريخ.
وما الذي بقيَ من دولةِ الفراعنةِ في مصرَ غيرُ أهراماتٍ وحجارةٍ هي الدَّليلُ الوحيدُ على أنَّهم كانوا يومًا هنا؟
وأين حضارةُ الأندلسِ العظيمةُ التي حكمتِ الدُّنيا؟ ما الذي بقيَ منها غيرُ آثارِ القومِ هناك؟
فإذا كان هذا حالَ الدُّولِ والممالك، فكيفَ هو حالُ النَّاس؟!
أين فرعونُ الذي كان يصرخُ متبجِّحًا: أنا ربُّكم الأعلى؟
وأين النَّمرودُ الذي كان يدَّعي أنَّه يُحيي ويُميت؟
وأين ذو القرنينِ الذي طافَ الأرضَ من مشرقِها إلى مغربِها؟
وأين هارونُ الرشيدُ الذي كان يُخاطبُ السَّحابةَ في السَّماءِ قائلًا: أمطري حيثُ شئتِ فسيرجعُ إليَّ خراجُكِ؟
أين أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ؟ أين الأنبياءُ، والصَّالحونَ على مرِّ التَّاريخ؟
ذهبوا جميعًا، وبقيتْ لهم أعمالُهم عند الله تعالى.
سنواتٌ قليلةٌ هي التي كانت فاصلةً بين الأذى الذي ناله النَّبيُّ ﷺ من أُبَيِّ بنِ خلفٍ وعُقبةَ بنِ أبي مُعَيْط، ثمَّ انقلبتِ الحالُ وتغيَّرتْ موازينُ القوى، فقُتلا عقابًا عدلًا، وجزاءً مُستحقًّا، ليدخلَ بعدَها الذي كانوا يستضعفونَه إلى مكةَ فاتحًا. لو دامتِ المناصبُ لغيركَ لدامتْ لكَ، ولو دامتِ الأموالُ لغيركَ لدامتْ لكَ؛ فتواضعْ، لا أحدَ يبقى على القمَّة، لا أحد!
الدَّرسُ الثَّاني:
اُنظُرْ مَن تُصاحِبْ، فإنَّ الصَّاحبَ ساحِبٌ!
ولو أَجَلْتَ عينيكَ في سورةِ الكهفِ لاكتشفتَ أنَّ كلبًا خَلَّدَ اللهُ تعالى ذِكرَه في القرآنِ الكريم، فقط ببركةِ صُحبةٍ صالحةٍ مشى معها.
ثمَّ أَعِدِ النَّظرَ في هذه القِصَّةِ التي نتدارسُها: صاحبُ سوءٍ أَردى صاحبَه، وأمرَه بسوءِ الأخلاقِ فأطاعَه؛ فلا تُصاحِبْ إلا مَن يُساعدُكَ على أن تحفظَ دينَكَ.
إنَّ المرءَ لا يستغني عمَّن يأخذُ بيدِه إلى الله تعالى؛ إذا نسيَ ذكَّرَه، وإذا ذكرَ أعانَه، وإذا أخطأَ أخذَ على يدِه وقال له: أخطأتَ. وليس بصاحبِكَ مَن زيَّنَ لكَ أخطاءَكَ.
وفي حليةِ الأولياء أنَّ عمر بن عبد العزيز قال لصاحبِه: إذا رأيتني ضللتُ الطَّريقَ، فخُذْ بمجامعِ ثيابي، وهُزَّني هزًّا، وقُلْ لي: يا عمرُ، اتَّقِ الله، فإنَّكَ ستموت!
الدَّرسُ الثَّالث:
إذا أردتَ أن تعرفَ الصديقَ الصالحَ من صديقِ السُّوء، فانظُرْ أين تجعلُكَ صُحبتُه من اللهِ عزَّ وجل؛ فإن قرَّبكَ فهذا صديقٌ صالحٌ فتمسَّكْ به، وإن باعدكَ فهذا صديقُ سوءٍ ففارقْه ولا تأسف.
ولصديقِ السُّوء علاماتٌ دنيويَّةٌ يُعرَفُ بها، هذه بعضُها: صديقُ السُّوء يُشكِّكُ بقدراتِكَ، ويُثبِّطُ من عزائمِكَ، ولا ينفكُّ يكسرُ مجاذيفَ إرادتِكَ، ويُردِّدُ على مسامعِكَ أنَّكَ لا تستطيع، وهذا في الحقيقةِ إنَّما يخشى أن تستطيعَ وتفعلَها.
وصديقُ السُّوء في الغالبِ إنسانٌ استغلاليٌّ، يُشعِرُكَ أنَّ مساعدتَكَ له واجبٌ عليك، فيستنزفُكَ مادِّيًّا وشعوريًّا كالطفيليِّ يعيشُ على حسابِ غيرِه، ومتى لم تعدْ له عندكَ حاجةٌ سيُغادِرُكَ إلى غيرِكَ.
هذا لا يعني ألَّا تُساعدَ أصدقاءَكَ مادِّيًّا وتدعمَهم معنويًّا، فبأيِّ شيءٍ تكونُ صديقًا إلَّا بهذا؟!
وإنَّما القصدُ أن تُميِّزَ بين مَن يُحبُّكَ لشخصِكَ وبين مَن يستغلُّكَ.
وصديقُ السُّوء من خصالِه أنَّه لا يحترمُكَ، ولا يتورَّعُ عن تقديمِ الإهاناتِ لكَ على مرأًى من النَّاس، فإيَّاكَ أن تتقبَّلَ الإهاناتِ بحُجَّةِ أنَّها نصيحة؛ مَن لم يُراعِ كرامتَكَ لا يلزمُكَ.
وصديقُ السُّوء دائمُ الشكوى، كثيرُ التذمُّر، لا يُقيلُ لكَ عثرةً، ولا يُقيمُ لكَ زلَّةً، يقفُ لكَ على الخطوةِ، وعلى الكلمةِ، وعلى التصرُّف؛ ما حاجتُكَ إلى قاضٍ في حياتِكَ؟!
الدَّرسُ الرَّابع:
رحلةُ الهجرةِ من مكةَ إلى المدينةِ تُخبرُنا أنَّ المرءَ لا يستغني عن صاحبٍ ولو كان نبيًّا، ولكنَّ العاقلَ يتخيَّرُ، فيختارُ كتفًا، وسندًا، وعكّازًا.
لقد حدَثتْ حادثةُ الإسراءِ والمعراج، ورأتْ فيها قريشٌ فرصةً سانحةً لتشكيكَ أبي بكرٍ رضي الله عنه بدعوةِ النبيِّ ﷺ، فالحادثةُ تتخطّى حدودَ العقل، وأبو بكرٍ من أعقلِ النَّاس، ولا يقبلُ خلافَ العقل، والنبيُّ ﷺ لم يلتقِ به بعدُ فيُحدِّثَه بما حدَث معه.
قالوا له: يا أبا بكرٍ، إنَّ صاحبَكَ يزعمُ أنَّه أُسريَ به إلى بيت المقدس، وعاد إلى مكةَ في جزءٍ من الليل!
فقال لهم: إن كان قالَ فقد صدق.
هذا هو الصديقُ حقًّا، الذي يعرفُكَ كما يعرفُ نفسَه، ولو جاءتِ الدُّنيا كلُّها لتُشكِّكَكَ به، ما ازدادَ به إلا إيمانًا وتصديقًا ويقينًا.
وكان النبيُّ ﷺ يعلمُ جيِّدًا من أيَّةِ طينةٍ هو صاحبُه، لهذا كان يُخبِّئُه ليكونَ رفيقَه في الرِّحلةِ التي غيَّرتْ وجهَ هذا الكوكبِ إلى الأبد.
كان أبو بكرٍ كلَّ يومٍ يستأذنُه بالهجرة، فيقولُ له: انتظرْ، لعلَّ اللهَ أن يجعلَ لكَ رفيقًا.