سبتة ومليلية.. من الحكم الإسلامي إلى الإسباني ومطالبة الرباط بهما وقصة نزوح المغاربة إليهما
تُعد مدينتا سبتة ومليلية من أكثر الملفات تعقيداً في التاريخ الإسلامي والعلاقات المغربية الإسبانية؛ إذ تعتبرهما إسبانيا مدينتين تتمتعان بالسيادة الإسبانية الكاملة، بينما تصنفهما المغرب مدينتين محتلتين، وتطالب باستعادتهما، باعتبار أنهما كانتا تابعتين للمملكة الإسلامية التي كانت قائمة هناك قبل انهيارها.
وهو نزاع تمتد جذوره إلى أكثر من 5 قرون، ويكتسب أهمية سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة بسبب موقع المدينتين على الساحل الشمالي للمغرب، عند مدخل البحر المتوسط، وقد برزت قضيتهما مجدداً عقب نزوح جماعي من المغاربة إلى المدينتين بحراً، لقرب المسافة بينهما وبين المغرب.
وترددت روايات عديدة عن أن هذا النزوح الكبير للشباب المغربي، وانتقال قرابة 70 ألفاً من العائلات المغربية إلى سبتة ومليلية -تمت إعادتهم- كان بفعل البطالة والرغبة في العمل هناك، أو باعتباره خطة مغربية لاستعادة المدينتين، كما تحدثت تقارير استخبارية وإعلامية إسبانية، أو أن الأمر جاء عفوياً نتيجة تداول شائعات عن فتح الحدود والسماح للمغاربة بالانتقال إليهما.
قصة الحكم الإسلامي للمدينتين
كان الحكم الإسلامي لسبتة ومليلية أطول بكثير من فترة السيطرة الإسبانية الحالية، فقد بلغ نحو 7 قرون، وتعاقبت عليهما سلطات إسلامية مختلفة، بعضها مغاربي وبعضها أندلسي، وكانت سبتة خصوصاً مدينة محورية في العالم الإسلامي الغربي.
وبحسب المصادر التاريخية، دخلت سبتة في الحكم الإسلامي في القرن الثامن، بعد الفتح العربي الإسلامي لشمال أفريقيا، وكانت المدينة ذات أهمية استثنائية بسبب موقعها عند مضيق جبل طارق، حتى إنها أصبحت إحدى نقاط الانطلاق الرئيسة للعبور إلى الأندلس، لكن السيطرة على سبتة لم تكن مستقرة طوال هذه الفترة.
ففي القرن الثامن، دخلت ضمن الحكم الإسلامي في المغرب، مع ارتباطها بالقوى الإسلامية التي سيطرت على شمال أفريقيا، وفي القرن التاسع، وبعد اضطرابات وثورات أدت إلى خراب المدينة، أُعيد إعمارها، وأصبحت تحت حكم أسرة محلية هي بنو عصام.
وفي عام 931م، استولى عليها الأمويون في قرطبة، فأصبحت جزءاً من الدولة الأموية في الأندلس، وفي القرن الحادي عشر، ومع انهيار الخلافة الأموية، دخلت سبتة مرحلة من التنافس بين القوى الأندلسية والمغاربية، وحكمتها في مرحلة لاحقة قبائل البرغواطي، التي أعلنت استقلالها في سبتة حوالي عام 1061م.
لكن في عام 1084م، استولى المرابطون على سبتة، وأصبحت جزءاً من الإمبراطورية المرابطية التي اتخذت مراكش مركزاً لها، ومن سبتة دعمت الدولة المرابطية عملياتها في الأندلس، ولاحقاً، في عام 1147م، انتقلت سبتة إلى الموحدين بعد سقوط الدولة المرابطية، وأصبحت واحدة من أهم مراكزهم البحرية.
وبعد ضعف دولة الموحدين في القرن الثالث عشر، دخلت سبتة مرحلة شديدة التعقيد، حيث ظهرت فيها أسرة محلية قوية هي بنو العزفي، وتمكنت من إقامة إمارة شبه مستقلة استمرت تقريباً من عام 1250 إلى 1328م، لتصبح واحدة من أبرز التجارب السياسية المستقلة لمدينة إسلامية في المغرب.
ثم تنافست عليها الدولة المرينية (بنو مرين)، وهي سلالة أمازيغية في المغرب، ومملكة غرناطة النصرية، أو الدولة النصرية أو دولة بني نصر، وهي آخر دولة إسلامية قامت في الأندلس، واستولى عليها النصريون قبل أن تعود إلى المرينيين في أواخر القرن الرابع عشر.
وكانت آخر سلطة إسلامية تحكم سبتة هي الدولة المرينية، ثم جاءت اللحظة الفاصلة حين شن البرتغاليون، بقيادة الملك جواو الأول، هجوماً على سبتة في 21 أغسطس 1415م، وسيطروا عليها بعد معركة قصيرة داخل المدينة، وبذلك انتهى الحكم الإسلامي فيها الذي استمر قروناً.
وهنا تظهر أهمية سبتة بوضوح؛ فلم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت مفتاح الأندلس ومركزاً بحرياً للسيطرة على مضيق جبل طارق، وفي العصر الموحدي جعل الخليفة عبد المؤمن بن علي سبتة مركزاً للأسطول الموحدي، وربط إدارة المدينة بالسيطرة على المضيق والاتصال بين المغرب والأندلس.
تاريخ مليلية
تاريخ مليلية الإسلامي مختلف قليلاً عن سبتة؛ فقد دخلت، مثل بقية شمال أفريقيا، في الحكم الإسلامي بعد الفتح العربي، لكنها لم تكن طوال العصور الوسطى مركزاً سياسياً كبيراً مثل سبتة.
وخلال القرون الإسلامية الأولى، ارتبطت بالكيانات السياسية المختلفة التي حكمت شمال المغرب، وتعاقبت عليها سلطات محلية ومغاربية، وفي العصر الوسيط، ارتبطت المنطقة بالدول الكبرى التي حكمت المغرب، خصوصاً المرابطين والموحدين والمرينيين.
لكن مليلية عانت من الاضطرابات والصراعات، وبرزت فيها قوى محلية، كما تعرضت المدينة للتراجع السكاني والاقتصادي في بعض الفترات.
وبحلول أواخر القرن الخامس عشر، كان المغرب يعيش مرحلة ضعف سياسي وانقسام، بينما كانت إسبانيا والبرتغال قد بدأتا التوسع العسكري على سواحل شمال أفريقيا.
وجاءت نقطة التحول في 17 سبتمبر 1497م، حين استولت قوات تابعة لتاج قشتالة على مليلية، فأصبحت تحت السيطرة الإسبانية، وتعد «يونسكو» هذه الفترة جزءاً من موجة التوسع المسيحي الأوروبي في موانئ المغرب خلال نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر.
وخرجت سبتة من الحكم الإسلامي قبل مليلية بنحو 82 عاماً، وكان التكالب عليها سببه أنها تتحكم تقريباً في بوابة مضيق جبل طارق، فقد كانت، ولهذا، مركزاً عسكرياً وبحرياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى الدول الإسلامية؛ فالموحدون، مثلاً، جعلوا منها مركزاً للأسطول، واستخدموا موقعها للربط بين المغرب والأندلس.
ومقارنة بمليلية، كانت سبتة مدينة إسلامية لأكثر من 7 قرون قبل سقوطها في يد البرتغاليين المسيحيين عام 1415م، بينما استمر الوجود الإسلامي في مليلية حتى استيلاء الإسبان المسيحيين عليها عام 1497م.
لماذا تطالب بها المغرب؟
منذ قيام الدول الإسلامية في المغرب، كانت سبتة ومليلية جزءاً من المجال السياسي والحضاري لشمال أفريقيا، وكانت سبتة مرتبطة بصورة وثيقة بالدول التي حكمت المغرب، خصوصاً المرابطين والموحدين والمرينيين.
وهذا هو أحد الأسس التاريخية التي تستخدمها الرباط في المطالبة باستعادتهما، ومن أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات المغربية الإسبانية؛ لأن الخلاف ليس مجرد نزاع حدودي حديث، بل هو نتيجة تاريخ يمتد إلى القرن الخامس عشر، أي قبل نشوء الدولة المغربية الحديثة بصورتها الحالية، وقبل قيام الاتحاد الإسباني الحديث.
وتستند المطالبة المغربية إلى مبدأ استكمال وحدة الأراضي المغربية وإنهاء ما تعتبره بقايا الوجود الاستعماري الإسباني.
وبالمقابل، تقول إسبانيا: إن وجودها في المدينتين سابق بقرون على قيام المملكة المغربية الحديثة، وإنهما كانتا جزءاً من ممتلكاتها قبل الاستعمار الإسباني للمغرب في القرن العشرين.
بينما يرى المغرب أن استمرار السيطرة الإسبانية عليهما يمثل امتداداً لمرحلة التوسع الأوروبي في الأراضي المغربية، وفي عام 1767م، أبرمت إسبانيا والمغرب اتفاقاً مهماً أعاد تنظيم العلاقات بين الطرفين، ثم اندلعت مواجهات جديدة في القرن التاسع عشر، أبرزها الحرب الإسبانية المغربية 1859–1860م.
وانتهت الحرب بمعاهدة «واد راس» (Wad-Ras) عام 1860م، التي ثبتت حدود مليلية وسبتة والمناطق المحيطة بهما بصورة أكثر وضوحاً، وهو ما تعتبره إسبانيا أحد الأسس التاريخية لاستمرار سيادتها على المدينتين.
وفي عام 1912م، فرضت فرنسا وإسبانيا نظام الحماية على المغرب، كدولتين استعماريتين، وأصبحت لإسبانيا منطقة نفوذ وحماية في شمال المغرب، وكانت تطوان عاصمة المنطقة الإسبانية، لكن سبتة ومليلية لم تكونا جزءاً من منطقة النفوذ؛ لأن إسبانيا اعتبرتهما أصلاً جزءاً من أراضيها.
وخلال فترة الحماية الإسبانية 1912–1956م، كانت المدينتان منفصلتين قانونياً عن المنطقة المغربية الخاضعة للحماية الإسبانية؛ ولذلك، عندما حصل المغرب على استقلاله عام 1956م، انسحبت إسبانيا من محميتها المغربية، لكنها لم تنسحب من سبتة ومليلية، وهنا بدأ النزاع الحديث بصورته الحالية.
فبعد استقلال المغرب عام 1956م، تبنت الدولة المغربية موقفاً يقوم على أن إنهاء الاستعمار ينبغي أن يشمل جميع الأراضي التي كانت تاريخياً مرتبطة بالمغرب، بما فيها سبتة ومليلية والجزر الصغيرة القريبة منهما.
وأصبحت القضية جزءاً من مفهوم مغربي أوسع يسمى أحياناً الوحدة الترابية، وهو مفهوم يرتبط أيضاً بالنزاع على الصحراء الغربية، لكن إسبانيا عززت وضع المدينتين تدريجياً داخل مؤسساتها السياسية.
وفي النظام الدستوري الإسباني الحديث، أصبحت كل من سبتة ومليلية مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي، وليستا مستعمرتين أو إقليمين تابعين لإسبانيا في الخارج.
وهذا يجعل القضية أكثر تعقيداً؛ فسكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية ويشاركون في المؤسسات السياسية الإسبانية، والمدينتان جزء من الاتحاد الأوروبي من الناحية السياسية والقانونية، مع ترتيبات خاصة مرتبطة بموقعهما الجغرافي.
وتتمتع كل من سبتة ومليلية بأهمية إستراتيجية هائلة؛ فهما تطلان على البحر المتوسط، وتقعان بالقرب من مضيق جبل طارق، وتمثلان بوابتين أوروبيتين مباشرتين داخل شمال أفريقيا، وترتبطان بالأمن البحري في غرب المتوسط، ولهما أهمية عسكرية واستخباراتية بالنسبة إلى إسبانيا وحلف شمال الأطلسي.
لماذا عادت القضية إلى الواجهة في 2026؟
في أغسطس 2026م، عادت مسألة السيادة المغربية على سبتة ومليلية إلى الواجهة بقوة بعد أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها سبتة في أواخر يوليو، عندما دخل عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة في موجة مرتبطة بالحدود المغربية.
وبعد الأزمة، أعاد وزير العدل المغربي عبداللطيف وهبي طرح المطالبة المغربية بسبتة ومليلية علناً؛ ما دفع مدريد إلى رفض أي تفاوض على سيادتهما، وأكدت الحكومة الإسبانية أن المدينتين جزء لا يتجزأ من الأراضي الإسبانية.
وزادت الأزمة حساسية؛ لأن سبتة ومليلية تمثلان الحدود البرية الوحيدة تقريباً بين الاتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية، وبالتالي فإن أي توتر حولهما يتحول سريعاً إلى قضية أوروبية تتجاوز العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط.
وفي أعقاب تدفق قرابة 70 ألف مغربي على سبتة، اعتبرت إسبانيا ذلك جزءاً من حملة منظمة مغربية، وليس أمراً عفوياً.
ويرى بعض الباحثين الإسبان أن المغرب يستطيع استخدام إدارة تدفقات الهجرة كورقة ضغط سياسية على إسبانيا، خصوصاً أن الرباط تملك قدرة كبيرة على التحكم في حركة المهاجرين باتجاه سبتة ومليلية، رغم أن المغرب تعامل لاحقاً مع الأزمة بما أرضى إسبانيا، وشدد الأمن على بوابة سبتة.
ومع تزايد انتشار نظريات داعمة لفكرة أن سماح المغرب بعبور جماعي لقرابة 70 ألف مغربي إلى إسبانيا، ومدينة سبتة ومليلية تحديداً، كان بهدف الضغط على رئيس الوزراء الإسباني الداعم لفلسطين ودفعه إلى الاستقالة، بدأت صحف إسبانية تنشر تفاصيل حول هذه الخطة.
صحيفة أل إسبانيول، وهي معادية للمغرب، نشرت في 2 أغسطس 2026م تقريرين زعما رصد عناصر من المخابرات المغربية بين المهاجرين بشكل جماعي، وكأنهم ينظمون ويشرفون على العبور الجماعي، وتقريراً آخر بعنوان «لماذا ضغط المخزن (أي القصر الملكي) على إسبانيا بالعبور الجماعي؟»، ولم تفسر لماذا تعاون المغرب لاحقاً مع إسبانيا لإعادة النازحين.
وذهبت صحف إسبانية وأوروبية، واثنان من نواب الكونجرس، هما توماسي ماسي، ومارجوري جرين، إلى طرح فرضية أغرب، تقول: إن ملف الهجرة المغربية كان ورقة ضغط على إسبانيا بسبب دعم حكومتها الحالية لغزة وفلسطين، وأن «إسرائيل» وأمريكا استغلتا موجة النزوح الأخيرة للمغاربة إلى سبتة، إعلامياً واستخبارياً، لمعاقبة إسبانيا.