الدرة
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الخميس، 8 أكتوبر 2026
[٢] (حرب المقدسات) وصراع المشروعات خطر التهوين .. من مخاطر التهويد..!
الأربعاء، 7 أكتوبر 2026
هل النفس أقرب إلى الفجور؟!
الحبر الأصفر
أحمد عبدالرحمن العرفج#ناصية (1)
هل استمعُ إلى «قلبي العاطفيِّ»، أم إلى «نفسي اللوَّامة والأمَّارة بالسُّوء»!؟
ولكن؛ قبل الإجابة، تأمَّلُوا هذا الحديث:
عن وابصةَ بنِ مَعْبِدٍ قَالَ: أَتَيْتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فَقَالََ:
«جِئْتَ تسأَلُ عنِ البِرِّ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ:
اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ: مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، والإِثمُ: مَا حَاكَ في النَّفْسِ، وتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ»!
الراوي : وابصة بن معبد الأسدي | المحدث : النووي | المصدر : الأربعون النووية
#ناصية (2)
إذا نشرتُ مقطعًا عن التفاؤل والايجابيَّة، يحصد مشاهداتٍ قليلةً، أمَّا إذا نشرتُ مقطعًا عن الشَّكوى والسَّخط والتذمُّر والسَّلبيَّة، فهو يحصدُ مشاهداتٍ عاليةً، لماذا..؟!
حاولتُ أنْ أستخرجَ الإجابة من القرآن، فوجدتُ..
- أنَّ الإنسانَ قليلُ الشُّكر قالَ تعالَى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).
- أنَّ النفسَ البشريَّة أمَّارة بالسُّوء.
- أنَّ النفسَ البشريَّة أقرب للفحور؛ حيث تقدَّم الفجورُ على التَّقوى في الآية، قالَ تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).
- أنَّ الإنسان خُلق جزوعًا هلوعًا، إذَا مسَّه الخيرُ منوعًا.
- أنَّ الإنسان بطبعهِ ملولٌ، وأنَّه جحودٌ.
ولكنَّ الشاطر والبارع والجدع -كما يقولُ إخوانُنا المصريُّون-، هو الذي لا يقعُ في مثل هذه الحُفر، أقصدُ حُفر الشكِّ والسَّخط وقلَّة الشُّكر والهَلَع والمَلَل..!
#ناصية (3)
يقولُ أبو سفيان العاصي عن النَّفس: «أقوى الأقوياءِ هُو مَن صدَّ نفسه عن ملاحقةِ الشَّهواتِ والأهواءِ». و»إذَا ملكتَ نفسكَ وأنتَ غضبان فأنتَ أشجعُ الشجعَانِ»..!
فلسطين بين الاعتراف الدولي وموازين القوة
فلسطين بين الاعتراف الدولي وموازين القوة
- غزة في عيون العالم.. حين تصطدم فلسطين بموازين القوة
لم تعد القضية الفلسطينية في هذه اللحظة مجرد ملف إضافي على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا التي تكشف طبيعة التحولات التي يعيشها النظام الدولي، وحدود قدرة المؤسسات الدولية على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات فعلية. فمع افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تعود غزة إلى واجهة النقاش الدولي، في وقت ما زالت فيه الحرب وآثارها الإنسانية والسياسية والأمنية تلقي بثقلها على المنطقة والعالم.
وتأتي هذه الدورة في ظرف دولي مختلف عن السنوات السابقة، إذ لم تعد الحرب في غزة محصورة في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة أوسع بأزمة النظام الدولي نفسه، وبمستقبل القانون الدولي، وبقدرة الأمم المتحدة على فرض قواعدها عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن فلسطين حاضرة بقوة في أعمال الجمعية العامة، بينما يغيب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن قاعة الأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة الدخول. وقد صوتت الجمعية العامة في 17 سبتمبر/أيلول بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث دول وامتناع أربع دول، للسماح لعباس بإلقاء كلمته عبر الفيديو، في ظل استمرار منع الوفد الفلسطيني من الحضور الشخصي.
هذه الواقعة تختصر جانبا من التناقض الذي يطبع المشهد الدولي الراهن؛ فلسطين تمتلك اعترافا واسعا وموقعا في المؤسسات الدولية، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بموازين القوة التي تحدد من يستطيع الوصول إلى المنابر الدولية، ومن يستطيع تحويل القرارات إلى سياسات.
إن ما يجري في الجمعية العامة يتجاوز مسألة إصدار البيانات أو تكرار المواقف التقليدية. فالمجتمع الدولي يجد نفسه أمام اختبار حقيقي لمصداقية منظومته القانونية والسياسية
ومن هنا تأتي أهمية اللحظة الحالية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بعدد الدول التي تعترف بفلسطين، وإنما بما إذا كان الاعتراف السياسي يمكن أن يتحول إلى مسار دبلوماسي وقانوني واقتصادي قادر على التأثير في الواقع. وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعا في دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بالتوازي مع ارتفاع مستوى الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، لكن الفجوة بين الموقف السياسي والقدرة على تغيير الوقائع الميدانية ما تزال واسعة.
وفي غزة، تبدو هذه الفجوة أكثر قسوة. فالتقارير الإنسانية للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 تشير إلى استمرار الضربات وسقوط الضحايا، وتفاقم أزمة المياه والصحة والسكن، فيما تظل عمليات الإغاثة مقيدة بنقص التمويل والوقود والمعدات وقيود إدخال المواد الأساسية.
وتفيد أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن نحو 91 في المئة من الأسر التي جرى تقييمها في غزة تواجه مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي، في وقت يستعد فيه مئات الآلاف لموسم الأمطار داخل مواقع نزوح مكتظة.
الأخطر أن الحرب لم تعد تقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، وإنما بما تركته من تغيير عميق في البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع. فحين يصبح الحصول على الماء والكهرباء والعلاج والسكن الآمن جزءا من معركة يومية، فإن الحديث عن إعادة الإعمار لا يمكن أن ينفصل عن سؤال السيادة ومستقبل غزة السياسي، ومن يملك قرارها، ومن يملك تمويل إعادة بنائها، ومن يحدد شروط المرحلة التالية.
وفي الضفة الغربية، لا تبدو الصورة أقل تعقيدا. فقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، كما أدت عمليات الهدم والعنف وقيود الحركة إلى نزوح أعداد جديدة من الفلسطينيين. وبذلك تتسع الفجوة بين الحديث الدولي عن حل الدولتين وبين التحولات التي تجري على الأرض وتعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بصورة متواصلة.
ولهذا فإن ما يجري في الجمعية العامة يتجاوز مسألة إصدار البيانات أو تكرار المواقف التقليدية. فالمجتمع الدولي يجد نفسه أمام اختبار حقيقي لمصداقية منظومته القانونية والسياسية. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعا في كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة إلى وقف الحروب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وجدد التأكيد على أن حل الدولتين هو الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط.
لكن المشكلة الأساسية أن الأمم المتحدة تستطيع أن تجمع الدول، وتصدر القرارات، وتمنح الشرعية السياسية، وتوثق الانتهاكات، لكنها لا تمتلك دائما الأدوات اللازمة لفرض قراراتها عندما تصطدم بإرادة دولة كبرى أو بتحالفات دولية قوية. وهنا تظهر إحدى أعمق أزمات النظام الدولي، والمتمثلة في اتساع الفارق بين الشرعية والقوة.
وقد ظهر هذا التناقض بوضوح في الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع الوفد الفلسطيني. فواشنطن تبرر منع عباس ومسؤولين فلسطينيين من الدخول إلى أراضيها باعتبارات مرتبطة بسياسة السلطة الفلسطينية وبإجراءاتها أمام المحاكم الدولية، بينما ترى القيادة الفلسطينية ودول أخرى أن القرار يضعف الدور الدولي للأمم المتحدة ويقيد المشاركة الفلسطينية في أعمالها.
انتقلت القضية من موقع الصراع الإقليمي الذي كان يمكن إدارته عبر مفاوضات متقطعة إلى قضية مرتبطة بصورة النظام الدولي ذاته
وفي المقابل، تستمر دول أخرى في رفع مستوى دعمها السياسي لفلسطين. وفي خطاب الجمعية العامة، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدول التي لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية إلى إعادة النظر في موقفها، كما انتقد بنية مجلس الأمن ودعا إلى إصلاحها، رابطا ذلك بأزمة الثقة في النظام الدولي.
وبين الموقفين الأمريكي والتركي، تتحرك دول أوروبية وعربية وآسيوية وفق حسابات مختلفة، بعضها يرتبط بالقانون الدولي، وبعضها بضغوط الرأي العام، وبعضها بمصالحها الإقليمية والدولية. ولذلك فإن التحول في الموقف الدولي من فلسطين لا يمكن اختزاله في ثنائية مؤيد ومعارض، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين المصالح والتحالفات والضغوط الشعبية والاعتبارات القانونية والأمنية.
وهنا تكمن أهمية غزة في عيون العالم اليوم. فقد أصبحت صورة القطاع جزءا من النقاش حول معنى القوة نفسها. هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تحسم الصراع، أم أنها تنتج في الوقت ذاته تحولات سياسية ودبلوماسية يصعب التحكم في نتائجها؟ وهل يمكن أن يستمر الاعتراف الدولي بفلسطين في التوسع، بينما تبقى الوقائع على الأرض تسير في اتجاه آخر؟
إن ما تغير خلال السنوات الأخيرة ليس فقط حجم الاهتمام الدولي بفلسطين، وإنما طبيعة النقاش حولها. فقد انتقلت القضية من موقع الصراع الإقليمي الذي كان يمكن إدارته عبر مفاوضات متقطعة إلى قضية مرتبطة بصورة النظام الدولي ذاته. القانون الدولي، والمؤسسات الأممية، والاعتراف بالدول، والعقوبات، والمحكمة الجنائية الدولية، والرأي العام العالمي، وإعادة الإعمار، كلها أصبحت عناصر متداخلة في مستقبل القضية.
ولذلك فإن الرهان الفلسطيني لم يعد محصورا في الحصول على اعترافات جديدة، بل في تحويل هذا الرصيد الدبلوماسي إلى نفوذ سياسي قادر على حماية الأرض ومنع تغيير واقعها، وإعادة إعمار غزة، وإنهاء الاحتلال، وفتح مسار سياسي واضح. وفي المقابل، فإن الرهان الإسرائيلي لا يرتبط فقط بإدارة الحرب، وإنما أيضا بإدارة آثارها السياسية والدبلوماسية، والحفاظ على شبكة التحالفات التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية.
غزة اليوم ليست فقط جغرافيا محاصرة بالحرب، بل أصبحت مرآة يرى فيها العالم حدود قوته، وحدود مؤسساته، وحدود القانون عندما يصطدم بموازين القوة
أما الولايات المتحدة فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا: الحفاظ على تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه التعامل مع أزمة متصاعدة في صورة النظام الدولي، ومع حلفاء وشركاء يطالبون بدور أكبر للقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف.
وهكذا تصبح غزة، رغم صغر مساحتها، جزءا من صراع أوسع على شكل العالم الذي سيأتي بعد هذه المرحلة. فالجمعية العامة للأمم المتحدة لا تناقش غزة وحدها، وإنما تناقش بصورة غير مباشرة حدود القوة الأمريكية، ومستقبل الدور الأوروبي، وموقع القوى الإقليمية، وقدرة الأمم المتحدة على البقاء مؤسسة قادرة على إنتاج قواعد مشتركة في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة.
ولعل المفارقة الأبرز أن غياب الرئيس الفلسطيني عن قاعة الجمعية العامة لم يؤد إلى غياب فلسطين عن النقاش الدولي، بل جعل قضية المشاركة نفسها جزءا من النقاش. وبينما يمكن منع مسؤول من دخول القاعة، يصعب منع قضية بأكملها من العودة إلى جدول الأعمال عندما تصبح مرتبطة بمصالح دولية، وبتحولات في مواقف الدول، وبأزمة إنسانية مستمرة، وبسؤال أوسع يتعلق بمستقبل النظام الدولي.
غزة اليوم ليست فقط جغرافيا محاصرة بالحرب، بل أصبحت مرآة يرى فيها العالم حدود قوته، وحدود مؤسساته، وحدود القانون عندما يصطدم بموازين القوة. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت فلسطين حاضرة في الجمعية العامة، فهي حاضرة بالفعل، وإنما إلى أي مدى يستطيع هذا الحضور الدولي المتزايد أن يتحول من موقف سياسي إلى واقع جديد على الأرض، في لحظة باتت فيها موازين القوة نفسها أمام اختبار تاريخي.
فلسطين بعد 7 أكتوبر.. جدلية المقاومة والاستعمار

نور الدين قدور رافع
لا تزال فلسطين تنزف، ولا يزال الاحتلال يمعن في التنكيل بضحايا حرب الإبادة والحصار، والعالم لا تتجاوز كلماته حناجره، بين الشجب تارة ودعوة إسرائيل إلى احترام الاتفاقيات الإنسانية والقانون الدولي تارة أخرى، اللذين لطختهما طغمة متصهينة استحوذت على قراراته. إذ بعد ثلاث سنوات عجاف من الاستهداف الممنهج لمقومات الحياة في فلسطين، والتنكيل بشعبها، يقف العالم أمام أعظم مأساة شهدها التاريخ، تسرد فيها للحضارة الإنسانية جور الإمبراطورية.
لا تمثل غزة جوهرة التحرير الفلسطيني فحسب، فبعد ثورة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تداعت الإمبراطورية لوأد عملية التحرير، والتآمر على مقومات الحضور الفلسطيني والاعتراف به شعبا لا تنتهي جذوره عند الأرض، بل تمتد لتطال شعوبا وأمما كانت بالأمس تقارع قوى الاستعمار التقليدي، وهي اليوم تنظر إلى ذات السياسات الاستيطانية والتهجيرية والأرض المحروقة؛ في زمن تنقل فيه الصورة معاناة الملايين الذين لا مكان يأويهم. ففلسطين أحيت أولئك الذين اختاروا الصمت متألمين، كما ورد على لسان الوزيرة القطرية لولوة الخاطر، وهي تخاطب العالم بنفس إنساني، مواسية أهل غزة.
وعلى هول المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة وغزة، من احتلال يوشك أن يبتلع الشرق بأكمله تحت مشروعه "إسرائيل الكبرى"، تظل تبعات انتفاضة 7 أكتوبر/تشرين الأول من أهم المحطات التاريخية في مسار الأمة وأصعبها؛ فهل حقا أساء الفلسطينيون التقدير في اختيار مسار 7 أكتوبر/تشرين الأول كما يزعم البعض، أم أن الشرط الاستعماري كان حتمية لانتفاضة تحرر الأرض، عنوانها التضحية؟
لعل انتفاضة 7 أكتوبر/تشرين الأول جاءت لتلخص المأساة الفلسطينية، وتدفعها نحو مصير التحرير ومآلاته المخيفة. فلا حرية بلا معاناة، ولا استقلال من دون شهداء، ولا وطن من دون تضحية
رفض الاستعمار
يندد الكثيرون بعملية طوفان الأقصى، ويعتبرونها السبب في معاناة الملايين من الفلسطينيين، ولعل نبرتهم الانتقامية من المقاومة التي تسعى لتحرير الأرض نشأت بعدة خطابات تحريضية، جعلت من مسألة مناهضة الاستعمار خيارا إستراتيجيا تتحكم فيه قوى مغايرة لتلك التي تعيش الشرط الكولونيالي، ويرجعونها إلى كون القرار ليس فلسطينيا فقط، بل كان يمكن الرجوع إلى الحاضنة العربية والإسلامية لاتخاذ قرارات مصيرية.
مثل تلك الادعاءات يسهل تصديقها، خاصة إذا كانت الأمة تعيش حالة من الإذعان والخوف اللذين سيطرا عليها عقب موجة الربيع العربي، حيث تم وأد التجارب الديمقراطية في المنطقة، والاستفراد بالمسألة الفلسطينية عبر سياسات الحصار والتهجير القسري. وبدلا من أن تنقل صورة أوشفيتز القرن كاملة عبر وسائل الإعلام العربية والغربية، على أن ما يحدث في فلسطين هو استعمار إحلالي، جاءت المبادرات العربية للسلام لتصيغ شكلا ناعما من الوجود الاستيطاني للصهيونية، وتمنح الاحتلال الإسرائيلي تنازلات في الجولان وغزة، إلى جانب مشاريع نزع سلاح المقاومة.
تلك الحالة الاستيطانية التي فرضتها إسرائيل قدمت على أنها حقوق يتقاسمها الفلسطينيون مع اليهود المرحلين من أوروبا قسرا، بل انتقلت الفكرة من "الأرض مقابل السلام" إلى "نزع سلاح المقاومة مقابل السماح لعمال الإغاثة الدوليين بدخول معبر رفح". وهذا الانحراف الثوري تجاه تعريف الاستعمار ورفضه نتجت عنه ثقافة تمجد الاستيطان والإبادة والتهجير، وتحمل المستعمر المقاوم الخيارات العنيفة، بدلا من أن تنكر على المستعمر بربريته. فما معنى أن يسمى كيان أنشئ خصيصا لتكملة مشروع سايكس-بيكو دولة ديمقراطية استثنائية في الشرق، في حين تنتقى أشد العبارات وقاحة ضد من يقارعون الاستعمار؟
حتمية التحرير
يفرض الشرط الكولونيالي حتمية تاريخية متعلقة بالحرية، فمع الاستعمار تنبري المقاومة بشتى وسائل الرفض، إذ تأتي في سياقات مختلفة، تبدأ من التمسك بالثقافة والهوية والتاريخ، لتصل إلى التضحية بالنفس في سبيل تحرير الأرض. وفلسطين ليست استثناء في التاريخ، بل امتدادا لحقيقة مفادها أن المستعمر هو من يحفر قبره بمعوله. فالحتمية التاريخية لا تعني بالضرورة أن يستكين المستعمر إلى المستعمر وينتظر تهاوي قوته، كما يدعي البعض، بل يجب على المقاوم أن يبحث عن وسائل وطرق بديلة لمواجهة ترسانة القتل الاستيطانية.
ولعل انتفاضة 7 أكتوبر/تشرين الأول جاءت لتلخص المأساة الفلسطينية، وتدفعها نحو مصير التحرير ومآلاته المخيفة. فلا حرية بلا معاناة، ولا استقلال من دون شهداء، ولا وطن من دون تضحية. هذه هي المعادلة التي تفرضها الحتمية التاريخية على أمة ما تريد تصفية الاستعمار وأشياعه، فما تفرضه الكولونيالية الصهيونية عبر سياسات ممنهجة لمحو الأثر الفلسطيني تخطى حاجز الركون إلى مبادرات السلام والدعوة للاعتراف بشظايا دولة فلسطينية.
قد نميل نحن الذين لم نعاين الشرط الكولونيالي إلى الدفع نحو وهم خيار السلام، لكن الحقائق على الأرض يعرفها كل من عايش السياسات الاستيطانية والتنكيل اليومي بالأسرى. إذ ماذا تعني ورقة السلام العربية الإسرائيلية التي لا تعترف الصهيونية حتى بحقوق اليهود ذوي الأصول الأفريقية؟ فالمحتل يقوم على العنصرية والاستيطان والتهجير، ولا سبيل إلا لفرض المقاومة خيارا حتميا، ما دام الموت يأخذ أشكالا ناعمة ومستدامة باسم مبادرات السلام.
إن رمزية فلسطين في وجدان أمتنا، وفي ذاكرة الشعوب المناهضة للاستعمار وماكينة الصناعات الإمبراطورية العابرة للجغرافيا، تمثل مفترق طرق لمن أراد أن يلحق بركب الحقيقة والحرية والعدالة الإنسانية
آخر الركب
بالعودة إلى ما قالته الوزيرة القطرية، وهي تطأ أرض غزة المباركة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، من أن غزة "أحيت الموات فينا"، فإنها كانت حقا تنقل ما تشعر به الأمة تجاه أقدس القضايا الإنسانية وأكثرها عدالة عبر التاريخ، لا لشيء إلا لينعم الفلسطينيون بحياة تليق بهم، وباعتراف ينهي الاحتلال الصهيوني. تلك العبارة التي صدحت بها السيدة لولوة لخصت واقعا متناقضا، ونظاما دوليا متواطئا، وخذلانا يحيط بفلسطين من كل جانب، لتتقدم لولوة الخاطر أول ركب المناصرين، مسمعة صوتها للعالم بأن فلسطين لا تزال قلب الأمة النابض، مهما توالت مشاريع تصفية القضية، وتلاحقت على شعبها المآسي.
إن رمزية فلسطين في وجدان أمتنا، وفي ذاكرة الشعوب المناهضة للاستعمار وماكينة الصناعات الإمبراطورية العابرة للجغرافيا، تمثل مفترق طرق لمن أراد أن يلحق بركب الحقيقة والحرية والعدالة الإنسانية. فالمسألة لا تتعلق بتضاؤل التغطية الإعلامية وانحراف العدسة نحو حروب افتعلها حراس الصهيونية في الشرق، أو بالانحياز الفاضح للسرديات المضللة والمناهضة لمنطق المقاومة، بل بقدرة شعوب العالم الحرة على الاستمرار في رفض الاستعمار بشتى وسائل الانحياز للمقاومة، سواء ثقافيا أو سياسيا، أو دفاعا عن الحق الفلسطيني بالبندقية.
عام على خطة ترمب لغزة.. حقائق صادمة
عام على خطة ترمب لغزة.. حقائق صادمة
بعد مرور عام على إعلان ترمب خطته لوقف الحرب على قطاع غزة وإعادة إعمارها، ما زال 94% من أبناء القطاع بحاجة عاجلة للمأوى وللمساعدات المنزلية، وما زال هناك نحو مليون و500 ألف فلسطيني في القطاع يعيشون حالة نزوح وتشرُّد، ويقيمون في خيام بالية يبلغ عددها 270 ألف خيمة، منها 162 ألفا مهترئة غير صالحة للاستخدام، بينما تُقيم أعداد كبيرة من أبناء القطاع في مراكز إيواء كالمدارس أو بيوت ومنازل متضررة مهددة بالانهيار.
وكل ما تم تقديمه تحت خطة ترمب و"مجلس السلام" في مجال الإيواء لا يتجاوز 3% إلى 4% من الاحتياجات العاجلة للناس.
ودون استطراد في لغة الأرقام، يبرز تساؤل ملح حول عجز أكبر قوة في العالم ومعها 27 دولة عضوا في "مجلس السلام" عن توفير حد أدنى لاحتياجات أبناء غزة، على الرغم من أن هذه الاحتياجات يمكن توفيرها في بضعة أيام إذا تعلق الأمر بشأن محلي للولايات المتحدة، أو بالعديد من الدول الأعضاء، أو بمساعدة بلدان صديقة.
لم يمارس ترمب ولا مجلس السلام أي ضغوط طوال الفترة الماضية تلزم الجانب الإسرائيلي بإفساح المجال لها لممارسة عملها. وهذا ما ينطبق على باقي مهام مجلس السلام، الذي تم إفراغه من محتواه إن كان يخدم الجانب الفلسطيني
هدنة بطعم الكارثة
نجحت خطة ترمب ذات النقاط العشرين، والتي أُعلن عنها في 29 سبتمبر/أيلول 2025 في وقف الحرب ووقف الإبادة الجماعية، وعقد صفقة لتبادل الأسرى، وفي وقف عملية تهجير الفلسطينيين، وفي إدخال جزئي للمساعدات ومواد الإغاثة، وفي منع الاستفراد الإسرائيلي بالقطاع.
غير أن الخطة تعثرت في مرحلتها الثانية، وظل قطاع غزة يعاني أوضاعا معيشية واقتصادية قاسية جدا، وحالة تغول وعدوان إسرائيلي مستمر، وفقدانا للأمن، وفقدانا للحد الأدنى من البنى التحتية والخدمات التعليمية والصحية، وحتى لخيام مناسبة لحياة النازحين، عوضا عن إعمار منازلهم.
لم تعد غزة مركز الأحداث، ولم تعد تشغل العالم، عاد الناس إلى همومهم وملاحقة أحداث جديدة؛ بينما تابع الاحتلال الإسرائيلي عدوانه دون ضجيج، ولعل هذا ما أراده الإسرائيلي والأمريكي.
وبحسب ما قاله الرئيس الأمريكي ترمب عندما سُئل عن غزة بعد نحو عام من إعلان خطته في 12 أيلول/ سبتمبر 2026: "لقد أطفأنا الحريق وأعدنا جميع الرهائن…، وفي الواقع لم تعد غزة هي المكان الذي يتحدث عنه الناس". باختصار الكارثة مستمرة لكن معظم الناس ومعظم المعنيين توقفوا عن المشاهدة.
مجلس السلام
تم التوقيع على ميثاق مجلس السلام وصلاحياته في 22 يناير/كانون الثاني 2026، الذي أشار له ترمب في خطته، وقال إنه سيكون هيئة دولية إشرافية على قطاع غزة، وتولى ترمب رئاسته وبصلاحيات واسعة جدا، بما في ذلك حقه الحصري في توجيه الدعوة لانضمام الأعضاء وصلاحية إلغاء عضويتهم.
غير أنه جرى توسيعه ليصبح منظمة دولية تهدف لتعزيز الاستقرار وإقامة حوكمة موثوقة وشرعية وضمان "سلام" دائم في المناطق المتأثرة بالنزاع والمهددة به؛ ليتجاوز عمله بذلك غزة إلى مناطق أخرى محتملة في العالم.
تكمن إشكالية هذا المجلس في أنه هيئة دولية حلت مكان الأمم المتحدة ومرجعياتها فيما يتعلق بغزة، وهو نظام "فوق وطني" يلغي الإرادة الفلسطينية، ويمكن أن يتحول إلى نظام دائم بحكم الأمر الواقع، وهذا ما يريده الاحتلال.
وتتضح خطورته في أنه "مجلس سلام" معني بفلسطين، ولكن مع منع الفلسطينيين من عضويته، وفي الوقت ذاته، فإن المستعمر المحتل مرتكب الإبادة الجماعية انضم لعضويته، حيث أصبح نتنياهو ممثل "إسرائيل" عضوا فيه، أي إن مرتكب الجريمة تموضع في بنية الحل المفترض، وهو ما أفرغ مفهوم العدالة من مضمونه.
وفي طبقات هذه الهيئة الدولية الأربع لم يجد الفلسطينيون أنفسهم في الطبقة الأولى (مجلس السلام) ولا في الثانية (المجلس التنفيذي) ولا في الثالثة (قوة الاستقرار الدولية)؛ وإنما في الطبقة الرابعة حيث تشكلت لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع، نالت موافقة الإسرائيليين والأمريكيين عليها اسما اسما قبل اعتمادها رسميا.
ومع ذلك فإن الاحتلال الإسرائيلي منع هذه اللجنة من دخول قطاع غزة وممارسة أعمالها منذ تشكلها قبل أكثر من تسعة أشهر (14 يناير/كانون الثاني 2026).
ولم يمارس ترمب ولا مجلس السلام أي ضغوط طوال الفترة الماضية تلزم الجانب الإسرائيلي بإفساح المجال لها لممارسة عملها، وهذا ما ينطبق على باقي مهام مجلس السلام، الذي تم إفراغه من محتواه إن كان يخدم الجانب الفلسطيني.
لم تعد غزة مركز الأحداث، ولم تعد تشغل العالم، عاد الناس إلى همومهم وملاحقة أحداث جديدة؛ بينما تابع الاحتلال الإسرائيلي عدوانه دون ضجيج
حل مشاكل الاحتلال وليس مشاكل الشعب الفلسطيني مع الاحتلال
عندما يكون هناك شعب تحت الاستعمار، فإن مسؤولية المنظومة الدولية والقانون الدولي هي مساعدته على التخلص من الاستعمار وإنهاء الاحتلال؛ أما خطة ترمب وآليات عمل مجلس السلام، وخطة ملادينوف مدير المجلس التنفيذي (التي عمل على إقرارها على مدى الأشهر الماضية)، فكلها تركز على "شرعنة الاحتلال" باعتباره شريكا من خلال صيغة المرحلة الانتقالية، وباعتباره طرفا مشاركا في ترتيبات دولية، مع ترك الأمر لتقديره ودونما سقف زمني، ودونما مرجعية ملزمة في تحديد مدى "رضاه" عن الإجراءات المتخذة بحق المقاومة وبحق السكان؛ وفي تحديد توقيت الانسحاب التدريجي الذي يناسبه من القطاع، وبما يطمئنه على احتلاله ويلغي قلقه من الشعب الذي يحتله.
أما الشعب الفلسطيني فليس ثمة أفق محدد وواضح أمامه لانتهاء الاحتلال، ولا لإنهاء الحصار وفتح المعابر ولا للإعمار، ولا لاستعادة البنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية. أي إن الخطة سارت بشكل مقلوب وبعكس ما تفرضه قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وقف النار من طرف واحد
بعد نحو عام على سريان الهدنة التي بدأت في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن مواصلة عمليات القصف والقتل والاغتيال والتدمير، وكأن الهدنة مطلوبة فقط من حماس وقوى المقاومة.
وحتى 28 سبتمبر/أيلول 2026، بلغت الخروق الإسرائيلية للهدنة 5147 خرقا، مما أدّى لاستشهاد 1421 فلسطينيا وجرح 4983 آخرين (بمعدل 4 شهداء و14 جريحا يوميا)؛ بينما التزمت حماس وقوى المقاومة بشكل عام بالهدنة.
وفي الوقت نفسه، سعى الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع احتلاله في القطاع في خرق فاضح لجوهر الهدنة، فزاد مساحة احتلاله في القطاع من 52% إلى نحو 70%، مهددا باحتلال القطاع كله؛ وهو ما يعني نسف الهدنة وفكرة مجلس السلام من جذورها.
هذه الخروقات كانت تجري على مرأى ومسمع مجلس السلام وإدارته التنفيذية دون أن يفعل شيئا؛ ولم تكن هذه الخروقات تعني كثيرا بالنسبة لترمب ما دام الاحتلال الإسرائيلي (حليفه الإستراتيجي) يتحكم بشروط اللعبة.
الانسحاب ونزع السلاح
تحدثت خطة ترمب عن انسحاب إسرائيلي متدرج من القطاع، كما تحدثت عن نزع سلاح المقاومة. وبغض النظر عن موقفنا من ذلك، فإن الخطة لم تجعل نزع السلاح شرطا مسبقا لبدء الانسحاب، كما لم تدخل في تفاصيل نزع السلاح ومداه الزمني والجهة التي ستجمعه.
غير أن الاحتلال الإسرائيلي سعى لفرض تفسيره، ورهن بدء مراحل انسحابه بتسليم حماس والمقاومة لسلاحها؛ وتابع استباحة قطاع غزة واغتيال رجال المقاومة لفرض إرادته.
وتبنى مجلس السلام وملادينوف في خطته ذات الخمس عشرة نقطة معظم الرؤية الإسرائيلية. وعلى الرغم من تجاوب حماس مع الخطة وموافقتها على خريطة طريق مقترحة في 30 تموز/يوليو 2026 وترحيب الأمريكيين بذلك؛ فإن "إسرائيل" رفضتها لأنها لا تتوافق مع معايير العجرفة والغطرسة الإسرائيلية؛ حيث بلع مجلس السلام "لسانه"، في حين واصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه.
اللافت للنظر، أنه بينما كان العالم منشغلا قبل تنفيذ خطة ترمب بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي وفرض العقوبات عليه لإنهاء عدوانه وفتح المعابر والانسحاب من القطاع، نجح الاحتلال ومن خلال الغطاء الأمريكي والتفسير الانتقائي لخطة ترمب، في إشغال العالم بالضغط على حماس وقوى المقاومة لنزع سلاحها؛ وصرف النظر عن العدوان الإسرائيلي وخروقاته وحصاره، وحملات القتل والاغتيال وتوسيع المناطق المحتلة وغيرها.
التزم ترمب بعدم تهجير أبناء قطاع غزة؛ غير أن حصيلة عام كامل على الهدنة، كانت تكريس الاحتلال للبيئة الطاردة في غزة، وجعلها منطقة غير قابلة للحياة؛ فلا إصلاح ولا تعمير لنحو 370 ألف وحدة سكنية مدمرة، ولا مواد للبناء ولا أدوات لإزالة الركام، ولا حد أدنى من الاحتياجات المعيشية والصحية والتعليمية والبنى التحتية؛ مع أجواء من العدوان المستمر وفقدان الأمن، وتعزيز للفوضى
الابتزاز الاقتصادي والمعيشي
قام الاحتلال في أثناء الحرب بتدمير أكثر من 90% من مقدرات القطاع، بما في ذلك البنى التحتية والجامعات والمدارس والمستشفيات والعيادات الصحية والمساجد والكنائس وآبار المياه والأراضي الزراعية والطرق وشبكات الكهرباء والري والصرف الصحي…، وأكثر من 60 مليون طن من ركام المباني والبيوت المدمرة…؛ غير أنه في الوقت نفسه، وطيلة الهدنة منع إدخال مواد وأدوات وآليات الإعمار، ولم يتسن حتى الآن بدء حملة إعادة إعمار حقيقية.
وبقيت خطط مجلس السلام للإعمار حبرا على ورق؛ ففي مايو/أيار 2026 كان المجلس يتحدث عن تعهدات من الجهات المانحة بنحو 17 مليار دولار للإعمار، ولكن بعد أربعة أشهر (في سبتمبر/أيلول 2026) كان لا يزال يتحدث عن "خطة أولية" بـ 2.45 مليار دولار لتغطية 66 مشروعا
وفي هذه الأجواء القاسية كان مطلوبا، وفق خطة ترمب، السماح بدخول 600 شاحنة يوميا إلى قطاع غزة لتغطية احتياجاته الأساسية؛ غير أن الاحتلال الإسرائيلي تابع ابتزازه لأبناء القطاع في احتياجاتهم الإنسانية؛ فبعد نحو عام من الهدنة لم يسمح بدخول سوى 35% فقط من الحد الأدنى المطلوب بمعدل 206 شاحنات يوميا (72 ألفا و826 شاحنة من أصل 210 آلاف و600 شاحنة حتى 28 سبتمبر/أيلول 2026).
وشملت عمليات المنع كميات كبيرة من الاحتياجات الصحية والتعليمية ومواد البناء ووسائل الإيواء والمعدات الكهربائية وأنابيب المياه والصرف الصحي… وغيرها.
بينما رضي مجلس السلام أن يلعب دور "شاهد ما شافش حاجة"! وألا يقوم بأي جهد حقيقي لإلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ خطة ترمب على الأقل في الجوانب الإنسانية.
المجموعات العميلة
واصل الاحتلال طيلة فترة الهدنة دعم مجموعات عميلة مسلحة، تمارس النهب والسرقة وتُروِّع المدنيين، وتتعاون مع الاحتلال في ضرب عناصر المقاومة.
كما قام بقتل واغتيال الكثير من قيادات وعناصر الشرطة والأمن العام الفلسطيني لتسهيل عمل هذه المجموعات، ونشر الفوضى، وتمزيق النسيج الاجتماعي لأبناء غزة. وعلى الرغم من ضآلتها، فإن تسليح الاحتلال لها وتوفير الغطاء والحماية لعناصرها جعلاها من أدوات الضغط والابتزاز الإسرائيلي ضد أبناء القطاع.
تكريس بيئة التهجير
التزم ترمب بعدم تهجير أبناء قطاع غزة؛ غير أن حصيلة عام كامل على الهدنة، كانت تكريس الاحتلال للبيئة الطاردة في غزة، وجعلها منطقة غير قابلة للحياة؛ فلا إصلاح ولا تعمير لنحو 370 ألف وحدة سكنية مدمرة، ولا مواد للبناء ولا أدوات لإزالة الركام، ولا حد أدنى من الاحتياجات المعيشية والصحية والتعليمية والبنى التحتية؛ مع أجواء من العدوان المستمر وفقدان الأمن، وتعزيز للفوضى.
وبعد عام على خطة ترمب، لا تظهر آفاق تدعو للتفاؤل لتطبيق المرحلة الثانية منها. كما يتصرف الاحتلال الإسرائيلي بتجاهل شبه كامل للخطة ولمجلس السلام، وينتقي منها ما يخدم أغراضه؛ بينما يعيش قطاع غزة حالة كارثة مستمرة في ظل ما يُسمَّى هدنة يتم خرقها إسرائيليا بما معدله 14 مرة يوميا؛ كما يتوسع الاحتلال في مناطق احتلاله ويعزز بيئات التهجير لأبناء القطاع.
وفي الوقت نفسه، يعاني مجلس السلام من بنية هشة، ومن ضعف الفاعلية، وعدم القدرة على إلزام الاحتلال الإسرائيلي بالاستحقاقات المترتبة عليه؛ مع وجود غطاء أمريكي مستمر للخروقات الإسرائيلية؛ ومحاولات إسرائيلية أمريكية مستمرة لمكافأة الاحتلال وطمأنته؛ ومعاقبة الضحية (الشعب الفلسطيني) وتضييع حقوقه.
كيف تأكل مقلبًا في نفسك؟!
كيف تأكل مقلبًا في نفسك؟!
الحبر الأصفر
أحمد عبدالرحمن العرفجيقول المثل:
«فلان آكل مقلبًا في نفسه»
نعم؛ إنَّ الإنسان قد يأكلُ مقلبًا في نفسه، ولكن قبل أنْ نتحدَّث عن هذا المثل، دعونا نستشهد بكلام عالم النَّفس الأمريكي ويليام جيمس حيث يقول:
«إذا جلست امرأتَان في مقهى، فإنَّه في الحقيقة هناك ستُ نساءٍ:
المرأة كما ترى نفسها، والمرأة كما يراهَا الآخرُون، والمرأة كما هِي في الحقيقةِ».
وهنا دعوني أتحدَّث عن نقطتَين:
أوَّلًا: الإنسان إذا نظر إلى نفسه، فهو لا يخرج عن ثلاث حالات:
١- إمَّا أنْ تكون نظرته إلى نفسه صحيحةً.
٢- أو أنْ ينظر لنفسه بأقل ممَّا هِي.
٣- أو أنْ ينظر لنفسه بأكثر ممَّا هِي.
ثانيًا: نظرةُ النَّاس للإنسان، وهي على ثلاث حالات أيضًا:
١- إمَّا أنْ تكون عادلةً.
٢- أو أنْ يعطوه أكثرَ من حقِّه.
٣- أو أنْ يعطوه أقلَّ من حقِّه.
******
السؤال هنا:
كيف يأكل الإنسانُ مقلبًا في نفسه؟!
إنَّها تبدُو من خلال النقاط التالية:
- عندما يطالبُ الإنسانُ برفع استحقاقه دون رفع قدراته، فهذا من الذين أكلُوا مقلبًا في أنفسهم.
- عندما يقول لك أحدُهم: ابتعد عن السلبيِّين.
السؤال هنا: هل هم سلبيُّون فعلًا؟
- عندما يقول لك: اعتزل ما يؤذيك.
السؤال هنا: لماذا لا تكون أنتَ مؤذيًا أيضًا؟!
- عندما يقول لك: تخلَّص من العلاقات السامَّة.
كيف عرفت أنَّ علاقتهم سامَّة؟
- عندما يقول أحدُهم: «ابتعد عن مصَّاصي الطَّاقة».
والسؤال هنا: هل عندك طاقة؛ ليمتصَّها الآخرُون؟!
- عندما يقول أحدُهم: «أدركتنِي لعنةُ الوعي».
والسؤال هنا: كيف عرفتَ أنكَ وصلتَ إلى الوعي؟
- حين يقول أحدُهم عبارة: «فقدتُ الشَّغف».
أين هو الشَّغفُ؟ وكيف تثبتُ أنَّك كنتَ تعيشُ في حالة شغفٍ؟!
- عندما يقول لك أحدُهم: ماذا أستفيدُ من مقطعكَ هذا؟
والسؤال هنا: وهل أنا مسؤولٌ عن إفادتِكَ؟
ابحث عن الفائدة بنفسك إذا أردتَ، وستجدها في بطون الكُتب، وميادِين المعرفة.
هذه الأسئلة وغيرها يجب أنْ يطرحها الإنسانُ على نفسه حتَّى لا يأكلَ مقلبًا في نفسه!
******
وأخيرًا...
لقد دعا علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عنهُ- للشَّخصِ الذِي يعرفُ قدرًه وقالَ : «رَحِمَ اللهُ امْرًأً عَرِفَ قَدْرَ نَفْسِهِ».
وإذا جهل الإنسانُ قدرَ نفسه فلا يلومنَّ إلَّا نفسه، وفي ذلك يقول المتنبي:
وَمَن جَهِِلَتْ نَفسُهُ قَدْرَهُ
رأىَ غَيرُهُ مِنهُ مَا لََا يَرَى!
والمعنى أنَّ الإنسانَ الذي لا يعرفُ قدرَ نفسه، ولا يدركُ حقيقةَ نقاط قوَّته وضعفه، يجعل نفسه عرضةً لأنْ يرى الآخرُون عيوبَه ونقائصَه التي يخفيها هو عن نفسه!
لذلك نظرة الإنسانِ لنفسه يجب أنْ تكون:
١- واقعيَّة ومتجدِّدة.
٢- طموحة ومتفائلة.
٣- مدعومة بالأدلة.
٤- قابلة للقياس.
#قاله_العرفج



