الثلاثاء، 19 مايو 2026

إنَّ التَّشبه بالكرامِ فلاحُ!

نقطة نظام 

إنَّ التَّشبه بالكرامِ فلاحُ!



قال معاذُ بن جبل: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحرُّ، فتفرَّقَ القومُ، فنظرت فإذا رسول اللّه ﷺ، أقربهم منّي، فدنوتُ منه فقلت: يا رسول اللّه، أنبئني بعمل يُدخلني الجنَّةَ ويُباعدني من النَّار!
قال: لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره الله تعالى عليه! تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيم الصَّلاة المكتوبةَ، وتؤدي الزَّكاةَ المفروضة، وتصوم رمضان، وإن شئتَ أنبأتُكَ بأبواب الخير كلّها!

قلتُ: أجل يا رسول اللّه!
قال: الصوم جُنَّة، والصَّدقة تكفّرُ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه اللّه تعالى، ثم قرأ: “تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”.



الدَّرسُ الأوّل:


الصَّومُ جُنَّة، أي وقاية من النَّار!

جاء رجلان من اليمن إلى النبيِّ ﷺ، وأسلما بين يديه معاً، وكان أحدهما أشدُّ اجتهاداً من الآخر في العبادة، وغزا مع النبيِّ ﷺ فاستشهد، ثمّ مكثَ الآخر بعده سنةً ثمّ مات.

فرأى طلحة بن عبيد الله في منامه أنّه عند باب الجنة، وإذا الرجلان هناك، فجاء مَلَكٌ وأمرَ الذي توفي حديثاً بأن يدخل الجنَّة. ثمّ خرج مرةً أخرى وأمر الذي استشهدَ أولاً أن يدخل الجنّة. ثمّ خرج فقال لطلحة: أمّا أنتَ فارجعْ، فإنّكَ قد بقيَ لك عُمر!

فأصبح طلحة يُحدث الناس بما رأى فتعَجبوا! فبلغ ذلك النبيُّ ﷺ، فقال لهم: من أيّ شيءٍ تعجبون؟

فقالوا: يا رسول اللّه، كان هذا أشدَّ الرجلين اجتهاداً، ثمّ استشهد، ودخلَ الآخرُ قبله الجنة!

فقال النبي ﷺ: أليسَ قد مكثَ هذا بعده سنةً؟

قالوا: بلى.

فقال: وأدركَ رمضان، فصامَ وصلى؟

قالوا: بلى.

فقال: فما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض!

إنّه الصّيام الذي صامه الصحابيُّ في القصة، فسبقَ بصيامه وقيامه صاحبه الذي استشهد قبله!

فسابِقُوا، فإنّ عُمْر المؤمن لا يزيده إلا خيراً!

فيا مرحباً بالجوع والعطش في سبيل اللهِ فإنّها سُويعات تمضي، تمتلئ بعدها الأمعاء، وترتوى الحناجر ويثبتُ الأجر إن شاء اللّه.

يا مرحباً بقراءة القرآن، ضمَّاد القلوب المجروحة، وسلوى النفوس المحزونة، وجبال من الحسنات، ولا أقول ألم حرف، وإنّما ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف!

الدَّرسُ الثّاني:

والصَّدقة تُكفِّرُ الخطيئة!

لما حضرتْ أبا موسى الأشعري الوفاة، قال: يا بَنِيَّ، اذكروا صاحبَ الرَّغيف.

إنّه رجل عبد الله في صومعته سبعين سنة، لا ينزلُ في العام إلى الناس إلا يوماً واحداً، فزيَّنَ الشّيطانُ في عينه امرأةً، فكان معها بالحرام سبعة أيام، ثم تذكّر عبادته وصلاحه، فتركَ بلده وخرجَ تائباً، وكان كلّما خطا قليلاً صلّى وسجد.

فآواه الليل إلى مكانٍ فيه اثنا عشر مسكيناً، فأدركه التعب، فرمى نفسه بين رجلين منهم.

وكان هناك راهبٌ يمرُّ بهم كلّ ليلةٍ ويعطي كلّ واحدٍ منهم رغيفاً، ومرَّ عليهم، فحسبَ التائب منهم، فأعطاه رغيفاً.

فقال الذي لم يأخذ رغيفاً للراهب: ما لكَ لم تعطنِي رغيفي الليلة؟

فقال له: أتراني أمسكته عنكَ، سَلْ أصحابكَ هل أعطيتُ أحداً منهم رغيفين؟

فقالوا: لا.

فقال: واللهِ ما معي أرغفة إلا بعددكم!

فعمدَ التائبُ إلى الرَّغيف الذي دفعه إليه الرَّاهب، فأعطاه إلى الرجل الذي لم يأخذ.

وأصبحَ التائبُ ميتاً!

فوُزِنت السبعون سنةً في العبادة بالليالي السَّبع في الزِّنى، فرجحتْ بهنَّ ليالي الزنى، ثمّ وُزنتْ ليالي الزنى بالرغيف، فرجح بهنَّ الرغيف.

فقال أبو موسى: اذكروا صاحبَ الرَّغيف!

ما أدراكَ كيف تكون الموازين غداً، وأيُّ شيءٍ يرجحُ، وأيُّ شيءٍ يذهبُ هباءً!

ما أدراكَ أنّ عُلبة الدَّواء تشتريها لمريضٍ فقير كلّ شهرٍ بالسِّر، لا تُطلعُ أحداً عليها، ترجحُ بالميزان بكلّ معاصيكَ!

ما أدراكَ
أنّ الدَّين الذي تقضيه عن متعثرٍ في الدنيا، وليس في قلبكَ من نيَّةٍ غير أن يقضيَ اللّهُ تعالى دينكَ عنده، تشتري به جنةً عرضها السماوات والأرض!

ما أدراكَ
أنّ معصية فلانةٍ التي وصلتكَ فسترتها، وليس في قلبكَ إلا أنّكَ ترجو ألا يفضحكَ يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيعطيكَ ما ترجو، ويكون موقف واحدٌ هو فكاك رقبتكَ من النَّار!

الدَّرسُ الثّالث:


وقيامُ الرَّجل في جوف الليل يبتغي وجه اللّه تعالى!

قال سعيد بن المسيب: إنّ الرجل ليصلي بالليل، فيجعل اللّه في وجهه نوراً يحبه عليه كلّ مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إنّي لأحبُ هذا الرجل!

وقيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن النّاس وُجوهاً؟

فقال: لأنّهم خَلَوا بالرّحمن فألبسهم من نوره!

وكان ثابتُ البنانِيُّ يقول: كابدتُ نفسي على القيام عشرين سنة، وتلذذتُ به بعد ذلك عشرين سنة!

وكان عبد العزيز بن أبي روّاد يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش فيتحسَّسه ثمّ يقول: ما ألينك! ولكن فراش الجنة ألين منك! ثمّ يقوم إلى صلاته!

وقال رجلٌ لإبراهيم بن أدهم: إنّي لا أقدر على قيام الليل فصِفْ لي دواءً؟

فقال: لا تعصِه بالنَّهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإنّ وقوفكَ بين يديه في الليل من أعظم الشَّرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف!

وقال رجل للحسن البصريِّ: يا أبا سعيد، إنّي أبيتُ معافى وأحبُّ قيام الليل، وأعدُّ طهوري فما بالي لا أقوم؟!

فقال الحسن: ذنوبك قيّدتكَ!

وكان العابدُ عمرو بن عتبة بن فرقد يخرجُ للغزو في سبيل اللّه، فإذا جاء الليلُ صفَّ قدميه يناجي ربَّه ويبكي بين يديه.

وكان أهل الجيش الذين خرج معهم عمرو لا يُكلّفون أحداً من الجيش بالحراسة، لأنّ عمرو قد كفاهم ذلك بصلاته طوال الليل.

وذات ليلة وبينما عمرو بن عتبة يصلي من الليل والجيشُ نائم، إذ سمعوا زئير أسدٍ فهربوا وبقي عمرو في مكانه يصلي!

فلمّا انصرفَ الأسدُ عنهم رجعوا لعمرو فقالوا له: أمَا خفتَ الأسدَ وأنت تصلي؟!

فقال: إنّي لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه!

ودخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعيّ، فرأتْ بللاً في موضع سجوده، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتْكِ أمُّكِ! أراكِ غفلتِ عن بعض الصبيان حتى بالَ في مُصلّى الشيخ!

فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحكِ، هكذا يُصبح كلّ ليلةٍ من أثر دموع الشيخ في سجوده!

وقال أبو يزيد المعَّنى: كان سفيان الثوري إذا أصبح، مدَّ رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض، كي يرجع الدَّم إلى مكانه من قيام الليل!

وكان أبو مسلم الخولانيِّ يُصلّي من الليل، فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه:

أيظنُّ أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا عليه، واللّه لأزاحمنَّهُم عليه، حتى يعلموا أنّهم خلفوا بعدهم رجالاً!

ثمّ يصلي إلى الفجر!

قصصٌ هي واللهِ كأنّها ضربٌ من ضروب الخيال! فتشبَّهوا، فإنَّ التشبه بالكرام فلاحُ!

المسمار البارز.. وفخ الرغبة المحاكاتية

 المسمار البارز.. وفخ الرغبة المحاكاتية


المسمار البارز وفخ الرغبة المحاكاتية حين تفعل شيئاً مختلفاً في بيئة متجانسة، لا تحتاج أن ترتكب خطأ لكي تُعاقب، يكفي أن تبرز.

 المسمار البارز يُطرق، هذا المثل الياباني القديم ليس وصفاً للحكمة، بل اعتراف صريح بآلية قمع يمارسها المجتمع بانتظام وبلا خجل. 

غير أن ما رصده رينيه جيرار في نظرية الرغبة المحاكاتية يذهب أعمق من ذلك: 

نحن لا نكره المتميز لأنه أخطأ، بل لأن تميزه يكشف أن رغباتنا ليست ملكنا، بل انعكاس لما يريده الآخرون. والإنسان الذي يجرؤ على الاختلاف يهدد هذا الوهم الجماعي فيتحول إلى كبش فداء لا لذنب اقترفه، بل لحقيقة جسدها. 

لكن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه إذا كان المجتمع يعاقب التميز لأنه يكشف زيف رغباته الجماعية، فهل المتميز الذي يصمد ويرفض الانصياع يحرر نفسه فعلاً، أم أنه يتحول بدوره إلى نموذج يُحاكيه الآخرون ويفقد بذلك جوهر تميزه؟

في بيئات بعينها لا في كل مكان، المجتمع لا يقول لك صراحة لا تتميز، بل يبني منظومة دقيقة من الإشارات غير المرئية تُعلمك أين الحد الآمن. الإعجاب المشروط الذي يتحول إلى نقد حين تتجاوز سقفاً معيناً، والمديح الممزوج بتحذير مبطن، والنجاح الذي يُستقبل بابتسامة لا تصل إلى العيون. 

هذه الإشارات تتراكم في صمت حتى تتعلم أن البقاء في المنتصف أكثر أماناً من الصعود، وأن الاختلاف ثمنه عزلة لا تستحق. 

وما يجعل هذا التدجين ناجحاً هو أنه لا يحتاج إلى أوامر صريحة، يكفي أن تشعر بالبرود حين تبرز وبالدفء حين تنسجم.

وهكذا يكتمل الفخ الحقيقي للرغبة المحاكاتية: مجتمع يصفق للتميز في خطاباته ويطرقه في ممارساته، ويجعلك تؤمن أن الاختلاف فضيلة بينما يعاقبك عليها بصمت. والأكثر مرارة أن كثيراً من المتميزين الذين دفعوا الثمن ووصلوا يتحولون تدريجياً إلى أدوات قمع لمن يأتي بعدهم، يحملون جرح الطريق ويصبحون أقل تسامحاً مع من يختلف، كأن اللاوعي يقول أنا دفعت الثمن فلماذا لا تدفعه أنت؟ وهكذا تتكرر الدائرة، والمسمار البارز يُطرق بمطرقة مسمار بارز سابق.

الخسارة الحقيقية ليست ما يدفعه المتميز حين يُضرب، بل ما يخسره المجتمع حين يُطرق كل مسمار يبرز. 

التجانس الذي يحرص عليه الجميع ليس استقراراً، بل تعفن بطيء، لأن المجتمعات لا تتقدم بمن ينسجم بل بمن يجرؤ على الاختلاف ويدفع ثمنه صامتاً. والثمن الأعمق لهذا الفخ ليس العقاب الاجتماعي، بل اللحظة التي يبدأ فيها المتميز بالشك في نفسه، حين يتساءل إن كان تميزه فعلاً موهبة أم مجرد عناد يستحق الطرق.

حين تفكر في آخر مرة أخفيت فيها شيئاً يميزك؛ خوفاً من نظرة المحيط، هل كنت تحمي نفسك فعلاً، أم كنت تساعد المجتمع على قمع ما فيك؟​​​​​​​​​​​​​​​​

ومن رماد هذه الحرب قد تستيقظ أفريقيا

ومن رماد هذه الحرب قد تستيقظ أفريقيا

دبلوماسى سودانى سابق وباحث فى الشئون الأفريقية.

أحدثت حرب الأربعين يوما على إيران، تداعيات هائلة تأثرت بها كل دول العالم، ربما بقدر لم يكن يتوقعه كثير من الدارسين والإستراتيجيين، فقد أنشبت الحرب أظفارها على جسد الاقتصاد العالمي المتهالك أصلا، وكادت أن ترديه، وكشفت عن كثير من الندوب القاتلة في خارطة العلاقات الدولية بفعل صراع القوى الكبرى الشرس على موارد قوى الهامش.

وما إن انقضى الأسبوع الأول للحرب حتى بدأت قوى المركز في أوروبا وآسيا تتململ؛ خوفا من مآلات الحرب وتأثيراتها السالبة، وكُتب الكثير من المقالات عن آثار الحرب على دول المركز في أوروبا وآسيا، في مجالات الاقتصاد والسياسة والتحولات الاجتماعية، ولعل ذلك مما أسهم في رجحان كفة العقل لوقف تلك الحرب المجنونة.

ولكن في واقع الأمر فإن حرب الأربعين يوما قد أثرت على كل دول العالم وليس دول المركز فحسب، وسيكون لها تداعيات ارتدادية ستظهر بعد نهاية الحرب، وهذا شأن كل الأحداث الكبرى، تولد آثارا هي أشبه بكرة الثلج كلما تدحرجت عظمت وكبرت.

يناقش هذا المقال تداعيات وآثار حرب إيران على القارة الأفريقية، وهو موضوع مهم لم يجد حظه المطلوب من النقاش، يستعرض المقال الآثار السياسية والإستراتيجية والاقتصادية للحرب على أفريقيا، ويجادل بأنه ورغم التحديات السالبة التي فرضتها الحرب على دول القارة الأفريقية، فإنها ولدت فرصا سانحة يمكن أن تفتح أبوابا كبيرة لدول القارة لمزيد من التكامل الإقليمي والقاري، وجذب كثير من المستثمرين لأحضان قارة بكر تمثل مستقبل العالم الاقتصادي.

تحدي الطاقة وسلاسل الغذاء

تأثرت اقتصادات معظم الدول الأفريقية بشكل مباشر، أو غير مباشر بإغلاق مضيق هرمز، حيث ضرب إغلاق المضيق أهم قطاعين وهما قطاع الطاقة وقطاع سلاسل الغذاء، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل رأسي لم يكن في حسابات ميزانيات هذه الدول، وبالتالي اضطرت الدول لرفع أسعار الوقود مما أثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن.

أما التأثير الأكثر ضررا، فقد تمثل في توقف صادرات الأسمدة والأمونيا، وهي العمود الفقري للزراعة، وتعتبر دول الخليج وإيران من أكبر المنتجين للأسمدة، ويشير موقع الجزيرة إلى أن إنتاج هذه الدول يقدر بحوالي ثلث الإنتاج العالمي لهذه السلعة الضرورية للزراعة.

وتمر سلسلة الأسمدة عبر مضيق هرمز إلى الدول الأفريقية، وشكل توقفها أكبر مهدد للموسم الزراعي الوشيك في القارة. وللتذكير فقط، فإن الدول الأفريقية سبق أن واجهت أزمة غذاء كبيرة عند اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في العام 2022، بسبب الاعتماد الكبير على القمح المستورد من الدولتين، والأسمدة التي تستورد أساسا من روسيا.

ومع تطاول الحرب الروسية الأوكرانية، تضاعف الاعتماد على الأسمدة المصنعة في دول الخليج وإيران، ولذلك فإن انقطاع سلسلة توريد الأسمدة بتوقف الحركة عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكلفة النقل والتأمين، يشكلان كارثة غذائية كبيرة تنذر بفشل الموسم الزراعي للعام 2026-2027، وبالتالي تزايد معدلات الجوع وأزمة الغذاء في الدول الأفريقية.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن شح الغذاء وارتفاع الأسعار لهما تداعيات مباشرة على الأمن والاستقرار الاجتماعي، لأنهما يفرضان عبئا ماليا إضافيا على ميزانية العائلة المحدودة أصلا، ويضعفان القوة الشرائية للقطاعات الهشة في المجتمع، فتزداد مساحة الفقر والحاجة، وانعدام الأمن الغذائي.

وغالبا ما تستغل النقابات العمالية هذه الحالة للثورة على الحكومات عبر الإضرابات والوقفات الاحتجاجية. وبالمقابل تقوم الحكومة باستخدام القوة والقمع لفرض الأمن والنظام، مما يضيق مساحة الحريات العامة، ويغذي محركات الثورة والتمرد.

حالة الشد والجذب بين الدولة والنقابات، وتصاعد أزمات الغذاء وندرة الحاجيات الأساسية، تمثل البيئة المناسبة لثورة جيل "زد"، وقد شهدت القارة ثورات عارمة لهذا الجيل المتمرد في السنوات الأخيرة، كان محركها الأساسي الحاجة للمأكل والعمل والحرية، وأحدثت تحولات سياسية واجتماعية هائلة في دول مثل المغرب، وكينيا، وتنزانيا، ومدغشقر، وغيرها.

تداعيات سياسية وإستراتيجية

أعادت الحرب على إيران دول القارة الأفريقية إلى عهد الانحياز القهري والمحاور التي عرفتها إبان الحرب الباردة، إذ عمدت الولايات المتحدة إلى استخدام الضغط السياسي، عبر أذرعها الطويلة؛ لكسب الدول الأفريقية في حربها مع إيران.

ووجدت دول القارة نفسها أمام معادلة بالغة الحساسية بين علاقاتها مع القوى الكبرى، وبين تجنبها الدخول في صراع لا يعنيها مباشرة. ورغم الضغوط الأمريكية القوية، فإن القادة الأفارقة يمكنهم الاستفادة من السياسة الحكيمة التي اتخذوها إبان الحرب الروسية الأوكرانية، والتي جنبت القارة الوقوع في براثن الاستقطاب والبلقنة.

من جانب آخر، فإن التوتر الراهن في مضيق هرمز، سيؤدي بالضرورة إلى توترات مشابهة على شواطئ البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وحتى السواحل الأفريقية على المحيط الهندي، لا سيما بعد مهاجمة إيران قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية البريطانية، الواقعة في جزر "تشاغوس" في عرض المحيط الهندي.

وربما تمتد حالة التوتر حتى خليج غينيا الذي يشهد منذ مدة مواجهات متجددة مع قراصنة النفط وتجار المخدرات والبشر.

من أجل ذلك سيزداد نهم القوى الكبرى، والقوى الصاعدة مثل تركيا والهند، لإيجاد مزيد من القواعد على هذه الشواطئ الإستراتيجية المهمة، بالذات على البحر الأحمر وباب المندب، وقد شهدنا نهاية العام الماضي الحراك السياسي والعسكري الضخم في المنطقة بعد اعتراف إسرائيل الأحادي بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وسبق أن شهدت المنطقة حراكا كبيرا بشأن الطلب الروسي لإيجاد قاعدة على الشاطئ السوداني بالبحر الأحمر، وقد رشحت معلومات مؤخرا أن الولايات المتحدة تواصلت من الحكومة السودانية، للحصول على قاعدة بحرية على البحر الأحمر كذلك.

وليست إرتيريا، وجيبوتي، بمعزل عن هذا التدافع.

كل ذلك يعكس احتدام التنافس الدولي المعلن والخفي للحصول على موضع قدم على شاطئ البحر الأحمر الذي تزداد أهميته الإستراتيجية بسبب أحداث مضيق هرمز.

وهذا التسابق الدولي على هذا الممر الهام يجب أن تستغله الدول المطلة على البحر الأحمر، والاستفادة القصوى من ميزة الموقع في تحسين شروط الشراكات لأقصى درجة ممكنة، باعتباره ورقة رابحة في يدها، عندما تفاوض أية دولة طامحة في الحصول على موطئ قدم إستراتيجي على شواطئها.

وفي ذات الوقت على هذه الدول أن تتحسب للآثار السالبة لوجود قواعد أجنبية على أراضيها، إذ يمكن استغلالها للهجوم على دول أخرى، ما من شأنه تهديد الأمن القومي للدول المضيفة للقواعد، وتهديد الأمن الإقليمي كله.

فرص أمام التكامل الأفريقي

في مقابل هذه التحديات الماثلة، فإن الحرب على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، كشفا عن فرص كبيرة أمام الدول الأفريقية، سواء على المستوى القُطري، أم على المستوى الإقليمي والقاري، ونستعرض أهم هذه الفرص:

  • أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط والوقود إلى مكاسب كبيرة للدول الأفريقية المنتجة للنفط، مثل نيجيريا، وأنغولا، والغابون، وليبيا، والجزائر، مما ساعد هذه الدول في تغطية العجز ومواجهة الزيادة غير المحسوبة في أسعار الغذاء والمواد الأساسية، دون أن تضطر لزيادة الإنتاج.

ولكن المكسب الأكبر هو زيادة اهتمام الشركات العالمية بالاستثمار في تطوير صناعة النفط وموارد الطاقة التقليدية والنظيفة في أفريقيا، وهو اتجاه يمكن أن تستفيد منه دول أفريقية لديها مخزون كبير من النفط، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة، مثل تشاد، والنيجر، والسودان، والسنغال، وموريتانيا، وأوغندا، وغيرها.

ومن المتوقع أن يعجل هذا الاهتمام الدولي بتحريك التمويل لمشروعات ضخمة جرى الحديث عنها منذ عدة سنوات مثل مشروع أنبوب الغاز من نيجيريا عبر الجزائر إلى أوروبا، ومشروع تصدير النفط الأفريقي إلى الأمريكتين بحكم القرب الجغرافي، وغيرها.

  • أدركت الدول الأفريقية خطورة وهشاشة الاعتماد على الممرات البحرية البعيدة، وسلاسل الغذاء العالمية التي يمكن أن تتوقف في أية لحظة، ودون سابق إنذار، ومن شأن هذا الفهم أن يعجل الخطى نحو التكامل الإقليمي والقاري وتشجيع التجارة البينية، وتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية وشبه الإقليمية في مجالات الطاقة والأسمدة والسلع الاستهلاكية، بدلا من الارتهان إلى الأسواق البعيدة المضطربة.
  • أمام الاتحاد الأفريقي الآن فرصة سانحة للدفع قدما بخطط التكامل الاقتصادي القاري، واتفاقية التجارة الحرة، ومراجعة إستراتيجيات الطاقة والأمن الغذائي ودعم القطاع الخاص. وذلك عبر إحكام التنسيق والتعاون مع المنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية الأفريقية مثل "الكوميسا" والمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا و"السادك" و"الإيغاد" وغيرها.
  • وأخيرا فإن الفرصة تبدو سانحة الآن أمام الدول الأفريقية، لاستغلال حالة التردد والارتباك لدى الشركات الكبرى من الاستثمار في الشرق الأوسط، واستقطابها للاستثمار في أفريقيا في المجالات الكبرى مثل الطاقة المتجددة والأسمدة والصناعات الغذائية، والتكنولوجيا، وهي مجالات مهمة لبناء نموذج اقتصادي أفريقي، يحقق التنمية المتكاملة ويمنع صدمات الأسواق؛ بسبب التبعية الاقتصادية والارتهان للخارج.

مقياسُ النَّجاح في التجربةِ الإِسلامية السوريةِ! تصويباتٌ منهجيةٌ في ظِلال الوَحي

مقياسُ النَّجاح في التجربةِ الإِسلامية السوريةِ!

تصويباتٌ منهجيةٌ في ظِلال الوَحي

 مضر أبو الهيجاء

يحاولُ توم براك ومن خلفه المشروعُ الأمريكيُّ المتصهينُ أن يجرَّ أهلَ الشامِ الكرامَ وثوارَها الأحرارَ من مساحةِ العملِ الإسلاميِّ الإصلاحيِّ النهضويِّ إلى مربعٍ آخرَ مختلفٍ في بواعثِه وتصوراتِه ومحدداتِه، بحيثُ يتحولُ المسارُ السوريُّ إلى مشروعِ علفٍ آدميٍّ مجرّد!

الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عنِ المنكرِ هو المقياسُ.

يقولُ سبحانهُ وتعالى في بيانِ خيريّةِ الأمةِ المرتبطةِ بالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ:

﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾

إنَّ خيريّةَ الأمةِ هي علامةٌ فارقة، ولكنها ليست صفةً تكوينيةً ولا توقيفية، بل هي صفةٌ توفيقيةٌ مكتسبة، ترتبطُ بالقيامِ بأمرِ اللهِ في الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر وفقَ ضوابطِه التي قررها العلماءُ من خلالِ الاستنباطِ لمعاني الوحيِ في القرآنِ والسنةِ وسيرةِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلم، وسيرةِ مدرستِه الأولى التي جسدها الصحابةُ الأوائلُ المعدَّلونَ بنصِّ القرآنِ الكريم.

مقاصدُ قاصرةٌ ومعانٍ مضطربةٌ في الشامِ الحرةِ

جانبَ الصوابَ كلُّ من ذهبَ -بعد تحققِ التحريرِ في سورية- إلى القولِ بأنَّ الثورةَ قد انتهت، وأنَّ أهلَها انتقلوا من الثورةِ إلى الدولة!

وإذا كان الانتقالُ من الثورةِ إلى الدولةِ توصيفًا صحيحًا من حيثُ الشكلُ والأدواتُ والخطاب، فإنَّ مقصودَ الانتقالِ والتغييرِ من حيثُ الجوهرِ كارثي؛ إذ لا يوجدُ فرقٌ في الفلسفةِ الناظمةِ للعملِ الثوريِّ أو إدارةِ الدولةِ عند الرساليين، فكلاهما يستهدفُ بناءَ الخيرِ وهدمَ الباطل، الأمرُ الذي يجبُ أن يُفهمَ في إطارِ تغييرِ الوسائلِ والآلياتِ لتحقيقِ نفسِ الأهدافِ والغاياتِ النهائيةِ للثورةِ والثوار، ولكن من خلالِ وسيلةِ الدولةِ التي تُحقِّقُ قفزاتٍ أسرعَ وأكبرَ بعدَ منعرجِ الثورةِ باعتبارِها أداةً لتجاوزِ العقباتِ وهدمِ الأسوار وفتح الطُّرق.

تضخيمُ الأوهامِ وإضعافُ الحقائقِ والعبثُ في الأفهامِ.

إنَّ جوهرَ عمليةِ هدمِ الباطلِ أو بناءِ الحقِّ هو الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر.

وإنَّ التراجعَ المشهودَ في القيامِ بواجبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ في مسيرةِ الهدمِ والبناءِ في تجربةِ الشام الواعدة جاء نتيجة عدةِ أسباب، لعلّ من أبرزِها تضخيمُ إمكانيةِ استثمارِ الفلول لحركةِ المعارضةِ من أجل شلِّ الدولةِ السورية.

والحقُّ أنَّ هذه الشبهةَ ينفيها التمييزُ بين واجبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ الذي يقومُ به العلماء، وبين حركةِ المعارضةِ الشعبيةِ التي تُعبِّرُ عن رضى الناسِ تجاهَ السياساتِ القائمة.

وقد جاء في تفسير قوله تعالى: 

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 

ما رواه السعدي: إن الله لا يغير ما بقوم من النعمة والإحسان ورغد العيش، حتى يغيروا ما بأنفسهم بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها، وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة.

وقال الجزائري: يخبر تعالى عن سنة من سننه في خلقه ماضية فيهم، وهي أنه تعالى لا يزيل نعمة أنعم بها على قوم من عافية وأمن ورخاء بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طهارة وصفاء بسبب ارتكابهم للذنوب وغشيانهم للمعاصي نتيجة الإعراض عن كتاب الله وإهمال شرعه وتعطيل حدوده والانغماس في الشهوات والضرب في سبيل الضلالات.

دورُ العلماءِ الربانيينَ والدعاةِ الرساليينَ هو الفيصل.

إذا كان واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوطا بالعلماء، وسببا في تحقيق الخيرية المكتسبة كما وصف الله بها الأمة المسلمة، فإن صوابية مسيرة الإصلاح والتغيير تظهر ابتداء في مقياس دقيق لا يخطئ مطلقا، وهو دور العلماء والدعاة في ميزان التقييم الشرعي على أرضية القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أراده الله أن يكون.

ولعل أهم عناوين ووسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو النقد الناصح، والذي يعكس مقصد البيان الشرعي كما وضحه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾.

التكاملُ الواجبُ بينَ العلماءِ والأتباعِ مؤشِّرُ تحقيقُ النتائِج.

إذا كان قيامُ العلماءِ بدورِهم الواجبِ في الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ دليلًا على استقامةِ الطريق، فإن تجاوبَ الأتباعِ خلفَ العلماءِ يُشكّلُ شرط النجاح، وذلك بتحققِ حركةٍ اجتماعية راشدة مسؤولة ومنتظمةِ الإيقاع، تُعبِّرُ عن وعيٍ جماعيٍّ سليمٍ يُدركُ أهميةَ التكاملِ بين القيادةِ العلمائية والحاضنة الشعبيةِ في مسيرةِ الإصلاحِ والتغيير، وهو ما يعجزُ عن منعِه معسكر الباطل.

الخلاصة

لن تستقيم مسيرة الإصلاح والتغيير على أرض الشام دون أن يقوم العلماء بدورهم الواجب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل واع راشد ومسؤول، فوق السلطة، وبعيدا عن اعتبار السياسات المرحلية المرتبطة بالحكومات.

كما لن تنجح مسيرة الإصلاح والتغيير في تحقيق الثمرات وإحراز النتائج دون تكامل بين دور العلماء الربانيين والدعاة الصادقين، وبين الإطار المجتمعي المتفاعل في سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنضبط خلف العلماء.

وبقدر ما يقوم العلماء بدورهم بقدر ما تتحقق سوية الطريق، وبقدر ما يتكامل الإطار المجتمعي خلف العلماء بقدر ما تتحقق الثمرات وتنجح التجربة.

إن ما ننشده ونتمناه ونسعى لتحقيقه على أرض الشام في ظل التجربة الإسلامية الواعدة هو دفع مراكب الإصلاح والتغيير لتبحر في الاتجاه الصحيح، الأمر الذي يوجب ضبط الأشرعة، وهنا تكمن أهمية النقد الناصح والتصويب في زمانه ومكانه الصحيح.

فهل سيلتقط العلماء الفكرة ويقومون بدورهم على النحو الكامل والصحيح؟ وهل سيبدع العاملون في سياق التجربة الإسلامية الشامية الواعدة وسائل ضبط وتوجيه وتفعيل للشرائح المجتمعية خلف العلماء وبالاتجاه الصحيح؟

إن الجواب على هذا السؤال هو ما ستجسده أفعال العباد، والله يقول:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 16/5/2026

قانون الأسرة الوضعي أم شريعة الله الغراء؟

قانون الأسرة الوضعي أم شريعة الله الغراء؟



د. ليلى حمدان


أختي المسلمة، اعلمي أن شريعة الله تعالى هي الكمال الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هدى ورحمة وعدل، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، فلا سعادة حقيقية ولا استقامة إلا في ظل حكم الله الذي يعلم ما يصلح عباده وما يفسدهم.

واعلمي أن كل حكمٍ يُخالف حكم الله، أيًّا كان مصدره، يبقى حكمًا بشريًا قاصرًا، مبنيًا على الاجتهاد والهوى والتجربة المتغيرة، يخطئ ويصيب، ويتبدل بتبدل المصالح والأهواء. أما شرع الله فثابتٌ محكم، لا يتبدل ولا يختل، لأنه صادرٌ عن علمٍ محيطٍ وحكمةٍ بالغة: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

فلا يجوز لمسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تقدّم حكمًا وضعيًا على حكم الله، ولا أن ترضى بأن يُحتكم في شؤونها الكبرى – كالأسرة والزواج والطلاق والنفقة – إلى ما يخالف شرع ربها، فإن الله يقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ويقول: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾.

واعلمي أن الحقوق لا تُنال بمعصية الله، وأن رفع الظلم الحقيقي لا يكون بمخالفة شرعه، بل بالرجوع إليه واليقين بأن الله لا يضيع حقًا لجأ إليه صاحبه. 

قد تتأخر العدالة في الدنيا، لكن حكم الله لا يُهمل، ولا يضيع عنده مثقال ذرة، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.

ووالله لا أشفى لقلب مؤمنة من عدل الله جل جلاله!

فاحذري أن يزيّن لك الشيطان أن الخلاص في قوانين البشر مع وجود حكم الله، أو أن النجاة في ترك شرعه إلى ما سواه. فإنما هي فتنة ظاهرها إنصافٌ عاجل بل بغي ظاهر، وباطنها انقطاعٌ عن بركة الشريعة وهداية الله ومعيته.

ولو اجتمع الناس كلهم على أمر، وخالف حكم الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. 

واعلمي أن من استعان بالله صادقًا، وجعل شرعه ميزانه، فلن يُخذل، ولو تأخر الفرج، لأن الله يتولى عباده المؤمنين، وهو أرحم بهم من أنفسهم.

فاختاري ما يبقى لك عند الله، فإن الدنيا قصيرة، والخصومة تنتهي، ويبقى الحساب بين يدي من لا يظلم أحدًا، ومن عنده الحق كله، والعدل كله، والحكمة كلها.

احذري طريق هلاك بالاحتكام لقوانين وضعية، واثبتي على طريق الشريعة الغراء فهي تمام النصر والظفر والجبر.



الاثنين، 18 مايو 2026

وجهة وطن: الطالب المصري... ماذا لو حدث العكس؟

آخر كلام       

وجهة وطن: الطالب المصري... ماذا لو حدث العكس؟ 







تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي مع مقطع فيديو لطالب مصري اسمه مصطفى مهدي مبارك، حمل وشاحاً عليه علم بلاده مصر مع علم الكويت، التي درس فيها تعليمه العام، أثناء إلقائه كلمة خريجي جامعة كنتاكي في أميركا. 

ما فعله الطالب المصري مصطفى، وهو ليس مجبراً عليه، يعبر عن لمسة وفاء يحملها مع مئات الآلاف من الوافدين تجاه الكويت، لاسيما أولئك الذين استقروا بها لسنوات طويلة، وهو سلوك إنساني طبيعي لأي شخص يغترب عن وطنه الأصلي ليعيش فترة من طفولته الأولى في بلد غير بلده، أو استفاد من فرصه وخدماته. 

ولا حاجة لتفصيل طبيعة امتنان الإنسان تجاه الدولة التي قدمت له أو لبلده خدمات أو امتيازات استثنائية خلال فترة ما من عمره أو من تاريخ بلده، فهذه مسألة بديهية في الأوضاع الطبيعية التي لا يكون فيها السعار العنصري على أشده ومشاعر الوطنية الزائفة مرتفعة. 

أول سؤال دار في ذهني عند مشاهدة فيديو الطالب المصري مصطفى هو: ماذا لو حدث العكس؟ وحمل شخص كويتي علم مصر أو فلسطين أو أي دولة عربية أخرى عرفاناً بفضائل هذه الدول مثلاً في التعليم أو المسرح أو الرياضة أو الصحة أو الأنظمة الإدارية والقانونية على الكويت، خصوصاً في بدايات تأسيسها كدولة حديثة، وفي وقت لم تكن الكويت ثرية بالدرجة التي قد يقول بعض الموهومين إن الاستعانة بالخبرات العربية كانت أجراً مقابل عمل؟ 

لا أظن سيسلم هذا الكويتي، الذي رفع علماً آخر مع علم الكويت، امتناناً وعرفاناً بدور تاريخي لدول عربية ساهمت في نهضة الكويت ومعاونتها في فترة معينة، كما ساهمت الكويت في مساعدة ونهضة دول أخرى في فترات لاحقة من حملات التحريض وحفلات التخوين وسعار الاستنطاق من مجاميع المنبوذين الذين وجدوا في العنصرية ملاذاً لتغطية أمراضهم النفسية والاجتماعية. 

إن مسألة رفع علم دولة أخرى ليست مرتبطة بنقص الوطنية أو اختلال في الولاء، بل قد تأتي على سبيل الامتنان، كما فعل الطالب المصري مع الكويت، ونال كثيراً من إعجابنا، أو التضامن، كما فعل اللاعب الإسباني لامين يامال مع العلم الفلسطيني، وتبعه دعم حكومي إسباني له، وقد يأتي بصورة أبسط مع قرب مباريات كأس العالم، وتفاعل الجماهير مع أعلام الدول التي نشجعها... وبالتالي علينا ألا نفسر كل مسألة على أنها تتعلق بالوطنية والولاء، خصوصاً عندما يعجبنا الفعل من زاوية ونحرمه من زاوية أخرى.



فكرة الامبراطوريات انتهت وأن تتقاسم دولتان السيطرة على العالم باتت من الماضي.

 فكرة الامبراطوريات انتهت وأن تتقاسم دولتان السيطرة على العالم باتت من الماضي.

عامر عبد المنعم

الولايات المتحدة هي التي تحتاج إلى الصين، وعوامل التعاون بينهما أكبر من الصراع؛ فاللقاء بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ والبحث عن المصالح المشتركة والتجارة أبلغ رد على طبول الحرب التي يدقها سياسيون يفكرون بعقول عتيقة ولا يواكبون التطورات.
اليوم نشاهد ليس فقط تعدد الأقطاب، وإنما تحسن قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة، وتعدد الحركات الوطنية والقومية والدينية التي تصمد في الدفاع عن نفسها أمام الدول التوسعية، بسبب حيازة الأسلحة الجديدة الرخيصة من صواريخ وطائرات مسيرة، وعدم قدرة الأسلحة التقليدية من دبابات وطائرات مقاتلة على حسم الصراعات.
التعثر الروسي في أوكرانيا والعجز الأمريكي أمام إيران في هرمز، يؤكد أن القوى المتوسطة تستطيع وقف القوى الكبرى وإظهار ضعف قوتها، وهذا التغير الاستراتيجي ينهي الفكرة الاستعمارية، ويضع حدا لقدرة الدول الكبرى على احتلال أي دولة في أي مكان بالقوة المسلحة.
العالم تغير والشعوب تغيرت والنظريات تغيرت، وفي المستقبل القريب سنرى الأعاجيب التي لم نكن نتوقعها.
عامر عبد المنعم