الاثنين، 16 فبراير 2026

ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟

 ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟


كاتب سوداني متخصص في العلاقات الدولية.

الكاتب: وظفت إسرائيل اتفاقيات التطبيع لتسريع تنفيذ مخططها بمحاصرة الدول العربية الكبرى من أجل إضعافها وخنقها إستراتيجيا وتكتيكيا 

مهما كان رأي الشارع العربي سلبيا تجاه الجامعة العربية منذ تأسيسها في مارس/آذار 1945، ورؤيته أنها مقصرة تجاه الملفات التي كان يمكن أن تنجزها كملف الوحدة العربية، وإدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وتسوية الخلافات بين الدول العربية، بجانب تبني مشروع متكامل للنهضة الشاملة في العالم العربي، فإن الجامعة- وبغض النظر عن تقييم نجاحاتها وإخفاقاتها- ظلت رمزا لوجود أمة عربية تتفق في الحد الأدنى على قضاياها الإستراتيجية، وذلك على الأقل قبل الغزو العراقي لدولة الكويت 1990، حيث يرى الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى، أن تلك النقطة هي بداية (تصدع النظام العربي).

وخلف اتفاق الحد الأدنى ذاك، كان مفهوم الدولة بكل شروطه الحديثة- كما يقرره عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، بضرورة احتكار القوة، ومن قبله الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي يرى أن وجود حكومة قوية شرط للاجتماع الإنساني- يرقى لأن يكون مقدسا عند كل أعضاء الجامعة العربية.

وعلى الرغم من تراجع الطموحات الشعبية تجاه دولة ما بعد الاستعمار، فإن هناك اتفاقا شبه إجماعي بين الشعوب والحكومات على السواء للمحافظة على بنية الدولة باعتبارها الحاضنة التي تعبر عن هوية الشعب، والرمز الذي يشير لوجود الأمة.

على أن هذا المفهوم الذي استقر عقودا طويلة ستغيره رياح التغيير التي عصفت بثوابت كثيرة في مفهوم العمل العربي المشترك الذي كان عماده- بعد احترام الدولة كشرط للوجود- التوافق على عدالة القضية الفلسطينية، واتخاذ موقف جماعي منها، يحفظ الحقوق، ويردع المعتدي، ولكن الثورات الشعبية التي شهدتها بعض البلدان العربية منذ 2010 خلقت انقساما حادا في الرؤى الإستراتيجية بين الأشقاء العرب.

وكان من نتيجة هذا الانقسام هو تبني رؤى أحادية للتطبيع مع إسرائيل، وإن جاز للبعض القول إن التطبيع مع إسرائيل قديم وسابق للحراك الشعبي في الدول العربية، فهم غير مخطئين، ولكن التطبيع الذي جرى مع إسرائيل سابقا ظل في حدوده الدنيا، اتفاقا بين حكومات، ولم يتسلل إلى الوعي الشعبي.

كما أنه كان بين إسرائيل وبعض الدول العربية سابقة حرب مباشرة مع الدولة العبرية، على أن التطبيع الحديث الذي سُمي بـ"الاتفاقيات الأبراهامية"، هدف إلى إدماج إسرائيل ضمن المنظومة القيمية الدينية لمنطقة الشرق الأوسط، واعتبارها دولة صديقة للعرب، على الرغم من أنها لم تتخلّ مطلقا عن عقيدتها الصهيونية التوسعية. كما أنها لم تتنازل مطلقا عن خططها المعلنة بتجزئة العالمين: الإسلامي والعربي، بل أثبتت التجربة أنها وظفت هذه الاتفاقيات لتسريع تنفيذ مخططها الأكبر بمحاصرة الدول الكبرى من أطرافها- مثل السعودية، ومصر- من أجل إضعافها وخنقها إستراتيجيا وتكتيكيا.

ملامح مشروع التجزئة

في الشهور القليلة الماضية تفجرت الأحداث بصورة متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الرغم من المآسي التي خلفتها والتعقيدات التي أضافتها لدول المنطقة، فإنها يسرت تجميع المبعثر من الخطط لتمكين المراقبين من رؤية اللوحة بصورة كاملة، وتأكيد ترابط الأحداث التي تجري في أكثر من منطقة، إذ لم تفرغ إسرائيل من عدوانها على قطاع غزة حتى شنت حربا على إيران، ثم أردفت ذلك بالاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وخلال كل ذلك كانت الحرب تجري في السودان على أشد ما يكون العدوان وتهديد الوحدة الوطنية، وفي نفس الوقت كانت المساعي تمضي قدما لتقسيم اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول، الذي تمدد في المحافظات الجنوبية. بيد أن أخطر ما يحيط بكل تلك التحركات، هو اصطفاف أطراف عربية مع هذا المشروع.

وهو اصطفاف كيّفته بنود هذه الاتفاقيات، وصاغت مبرراته مخاوف غير منطقية ولا واقعية، فانتهت بهذه الأطراف العربية إلى أن ترى أن إسرائيل أقرب لها من أشقائها العرب، وأن المصالح التي صنعت صنعا، أولى من رباط الدم، والتاريخ المشترك.

لقد أبانت الأحداث في اليمن وبصورة جلية، أن الذي يجري هناك هو عينه الذي يجري في السودان، فالداعمون للطرفين هم أنفسهم، والساعون لتمكين المليشيات هم ذاتهم، وأن السلاح الذي يشحن لمليشيا الدعم السريع، هو ذاته السلاح الذي تملكه مليشيات المجلس الانتقالي المحلول في اليمن.

ولا يحتاج المتابع الحصيف كثير جهد ليتبين أن المشروع الذي يستهدف وحدة السودان وإضعاف مؤسساته الشرعية، هو ذاته الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مآربه في اليمن.

ويلزمنا هنا تفصيل بعض النقاط للوقوف على طبيعة هذا المشروع في البلدين، فبعد الاتفاق على أن هذا المشروع هو مشروع إسرائيلي قديم- ولكنه تسارع بموجب التطورات التي شهدتها المنطقة، وأدت إلى تغييرات جوهرية في مفهوم الأمن القومي المشترك بين البلدان العربية- يلزم القول إن السودان واليمن دفعا أثمانا باهظة في هذا المشروع، وإن ما يجري فيهما وإن كان مقصودا لذاته في إطار حرب الموارد والموانئ والهندسة الاجتماعية والسياسية، لكنه يخدم كذلك الخطة الكبرى لخنق دول عربية أخرى من أجل ابتزازها، والتضييق عليها ضمن صراع النفوذ وخنق مجالها الحيوي الإستراتيجي أمنيا واقتصاديا.

ما تناور به مليشيا الدعم السريع هو نفسه الذي وقف قائد المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول ليعلنه على الملأ بأنه سيسعى للاعتراف المتبادل مع إسرائيل حال تحقيق الانفصال

وهذه أبرز النقاط التي يمكن استخلاصها فيما تم تطبيقه في السودان واليمن:

  • الدولة مقابل المليشيات: وضح منذ البداية أن الداعمين الإقليميين كانوا يراهنون على خلق مليشيات موازية للدولة وأجهزتها، والعمل على تمكين هذه المليشيات عسكريا واقتصاديا؛ استغلالا لحالة الضعف والانقسام الداخلي، ومن ثم محاولة فرض هذه المليشيات كأمر واقع بالقوة المسلحة؛ من أجل تغيير المسلمات الوطنية، وإزاحة القوى التي لا تتوافق مع هذا المشروع.

وفي هذا الإطار جاء دعم مليشيا الدعم السريع دعما غير محدود صمّ الآذان عن كل الإدانات الدولية، وصرف البصر عن حجم المآسي التي خلفها ذلك الدعم، وهو ما حدث بالكربون في اليمن مع تجربة المجلس الانتقالي.

  • الوحدة الوطنية مقابل التجزئة: تتبنى المليشيات المصنوعة منها أو المدعومة مشاريع انفصالية حين يفشل مشروعها الأساسي، وهو إخضاع الدولة لسلطانها الغاشم.

وهذا ما يفسر النزعة الانفصالية في اليمن وفي احتلال مليشيا الدعم السريع مناطق واسعة في غرب السودان، بل وفي الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وهو ما يفسر كذلك إنشاء كيانات موازية والتمرد على الدولة، ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة المسلحة.

  • عسكرة العمل السياسي والتضييق على الفضاء المدني: منذ ما قبل قيام الحرب كان يصعب على المراقب الحصيف تصنيف طبيعة الدعم السريع بعد تضخمها الكبير في السنوات الأخيرة، هل هي قوة مسلحة مساندة للجيش تأتمر بأمره، كما يقول القانون، أم قوة سياسية تسعى للنفوذ من خلال ترسانتها العسكرية، أم مؤسسة استثمارية تعمل في مجال التنقيب عن الذهب، واستيراد السلع الإستراتيجية، أم منظمة خيرية تعمل في قطاعات المجتمع الأهلية والمنظمات الفئوية؛ لتكسب ولاءها، أم وزارة خارجية مستقلة لها عقيدتها الخاصة في إقامة علاقاتها الخارجية بمعزل عن سلطان الدولة؟

لقد كانت الدعم السريع كل ذلك وهي تعمل تحت غطاء مشروع إقليمي يسعى للسيطرة على الموارد عبر عسكرة الفضاء المدني (وتسليح الاستثمار)، وعقد الاتفاقيات الاستثمارية تحت حراسة القوى الوظيفية المحلية، وما جرى في السودان كان هو عينه الذي حدث في اليمن.

  • البحث عن الشرعية عبر المرور ببطاقة التعريف الإسرائيلية: على الرغم من أن السودان نظريا يعتبر من الدول التي التحقت بقطار التطبيع، ولكنه لم يدرج ضمن الدول التي ترى فيها الدولة العبرية حليفا تطمئن له، خاصة أنها ترى أن العقيدة القتالية لجيشه الوطني قائمة على احترام الخيار الوطني، ونبذ التدخل الأجنبي، ورفض العدوان على المظلومين.

ولذلك سعت مليشيا الدعم السريع منذ ما قبل الحرب للتواصل مع إسرائيل سرا وجهرا، وبعد احتلالها إقليم دارفور، زادت أهميتها لدى الدولة العبرية التي تمتلك حلما معلنا بفصل إقليم دارفور، إن عجزت تكتيكيا في السيطرة على كل السودان.

وما تناور به مليشيا الدعم السريع هو نفسه الذي وقف قائد المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول ليعلنه على الملأ بأنه سيسعى للاعتراف المتبادل مع إسرائيل حال تحقيق الانفصال.

تبرز هذه الحقائق أن هناك مشروعا متكاملا يتم تنفيذه بعناية في الدولتين من أجل إضعاف الدولة عبر دعم مليشيا موازية، ومن أجل هدف أكبر هو تنفيذ الخطة المعلومة بخنق الدول العربية من أطرافها، لأن الذين يتولون تنفيذ المشروع يعلمون أن الأمن القومي المصري يمتد إلى آخر حدود الدولة السودانية وما بعدها، وذلك في ظل تصاعد اختلاف وجهات النظر حول سد النهضة مع إثيوبيا.

كما أن وجود إسرائيل على متون باب المندب والبحر الأحمر يمس بصورة مباشرة الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، هذه المخاوف هي التي دفعت هذه الدول للتحرك الجاد لإجهاض هذا المشروع الذي يستهدف قوة الدولة مقابل التمكين للمليشيات الانفصالية.

ولكن المطلوب حاليا هو التحرك في أكثر من اتجاه، فعلى المستوى القريب هناك حاجة لدعم الهياكل الشرعية في كل من اليمن، والسودان؛ من أجل استكمال هزيمة مشاريع التجزئة، واستعادة الدولة القوية والقادرة على فرض نفوذها على أراضيها، بما يحقق السيادة، ويحافظ على الوحدة الوطنية.

وعلى المستوى الإستراتيجي تحتاج الدول العربية للعمل الهادئ طويل النفس والمدى؛ من أجل تقوية هياكل العمل العربي المشترك، وإعادة تعريف أمنها القومي بصورة جماعية بما يقود إلى إحياء المبادرات العربية المعترف بها ضمن إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وفي نفس الوقت العمل على توسيع مظلة التعاون مع القوى الصاعدة حول العالم، والعمل معها من أجل صياغة رواية واحدة تخدم مصالح جميع الأطراف في السلم، والأمن، والتنمية.

ولا مناص أمام الدول العربية في ظل التحولات العميقة التي تجري أمامنا في العلاقات الدولية سوى استعادة الوحدة في المواقف والأفكار، والاتفاق على الخطوط العريضة للقضايا الكبرى ونبذ الشقاق الذي لن يؤدي إلا إلى البوار والتشتت فـ(إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).

لماذا يقلق الخلفاء قديماً من سوق الوراقين؟

 لماذا يقلق الخلفاء قديماً من سوق الوراقين؟

جاسم الجزاع

أكاديمي كويتي



عندما نعود بالذاكرة الى زمن ازدهار بغداد العباسية، نجد أنّه لم يكن “السوق” الذي نفهمه في مخيلتنا مجرّد مكان تتبادل فيه السلع والبضائع التي تأتي إلى العراق من شتى أنحاء العالم كالصين والهند و أوروبا ومصر و السودان وغيرها، بل كان السوق في ذلك الزمان البعيد فضاءً تتشكّل فيه الأفكار والعقليات و الرؤى، وسوق “الوراقين” على وجه الخصوص –وهو المحلات المتخصصة ببيع الكتب ونسخها وتجليدها-  لم يكن صفًا من الدكاكين المزدحمة بالورق والحبر، بل كان مساحة يتحرك فيها الفكر بين الناس كما تتحرك النقود بين أيدي الشارين والبائعين، فهناك لم يكن الناس يشترون كتبًا فقط، بل كانوا يقتربون من المعرفة نفسها، ويتعلّمون كيف يناقشون ويختلفون.


فدكاكين الورّاقين لم تقتصر على النسخ والبيع، بل أصبحت مجالس مفتوحة، يجلس فيها عالم إلى جانب تاجر، ويقف شاعر يقرأ قصيدته أمام طلاب علم اللغة والأدب، وتدور مناقشات في اللغة والفقه والأدب والفلسفة والطب والجغرافيا والرحلات، فلم يكن العلم معزولًا في المسجد وحده، بل خرج إلى الشارع، إلى قلب الحياة اليومية وعلى الأرصفة. ومع هذا الخروج تغيّر موقع المعرفة في المجتمع العباسي القديم، فلم تعد شأنًا خاصًا بطبقةٍ محدّدة، بل صارت أقرب إلى الناس وبسطائهم .


فانتشار صناعة الورق في بغداد كان نقطة تحوّل حقيقية في مسيرة المعرفة الشعبوية في تاريخنا العربي ، والكتاب لم يعد نادرًا أو باهظًا كما كان من قبل، وأصبح من الممكن نسخه بسرعةٍ أكبر وتداوله على نطاق أوسع بين الناس، وهذا التطور البسيط في ظاهره غيّر علاقة الناس بالعلم، فلم يعد التلقي شفهيًا فقط، بل أصبح قائمًا على القراءة والمقارنة والتفكير والمطالعة، لأنّ النص المكتوب منح الناس فرصة أن يعودوا إليه متى شاؤوا، وأن يناقشوه، وأن يقارنوه بين الآراء المختلفة.


ومع الوقت، لم يعد أهل السوق مجرّد باعة، وأعني به سوق الورّاقين، فكثيرٌ من الباعة في ذلك السوق  كانوا علماء و شعراء  ورواة حديث وأدباء، وبعضهم وصل إلى مناصب مؤثرة في الدولة العباسية، والتاجر يمكن أن يكون قارئًا، والورّاق يمكن أن يكون صاحب رأي سياسي، وصاحب الحرفة يمكن أن يشارك في نقاشٍ فكري عميق جداً، و هكذا تشكّلت طبقة واسعة تهتم بالعلم وتشارك في الحياة الثقافية العباسية.


ولكن لمن يتأمل المشهد بعدسةٍ أوسع يجد أنّ هذا الاتّساع في النطاق العلمي والمعرفي بين عامة الناس لم يكن مريحًا دائمًا، فأحياناً نجد أنّ بعض الكتب أثارت جدلًا واسعًا، فتدخّل بعض الخلفاء والسياسيين خوفًا من وقوعه ومنعوا بيع أنواع معينة من الكتب، وهذا يكشف أنّ السوق لم يكن مجرّد مكان اقتصادي فيه بيع وشراء، بل كان يؤثر في تشكيل عقول عامة الناس في بغداد، وعندما تخشى السلطة السياسية كتابًا، فهذا يعني أنّ القراءة أصبحت مؤثرة، وأنّ الأفكار خرجت من الدوائر الضيقة إلى فضاءٍ أوسع مثير للحركة.


فتجربة سوق الورّاقين الفكري في العصر العباسي تبيّن أنّ المعرفة تزدهر حين تختلط بالحياة اليومية. وخصوصاً حين يكون الكتاب قريبًا من يد الناس، وحين يصبح النقاش جزءًا من الروتين اليومي، ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه .. مع وفرة النسخ والكتب و توفرها ورقيًّا وإلكترونيًّا في زماننا  .. 

لماذا لم تعد الحصيلة المعرفية لدى شعوبنا العربية تفي بالغرض وتشفي الغليل؟




ها قد أتى رمضان يا صاحبي !

 نقطة نظام 

ها قد أتى رمضان يا صاحبي !

أدهم شرقاوي

السلام عليكَ يا صاحبي..

ها قد أتى رمضان، وأنتَ المُثخنُ بالذُّنوبِ والنُّدوبِ، فرمِمْ ثُقوبَ قلبكَ، واجْبُرْ كسر روحكَ، وأَنِخْ بباب ربكَ مطاياك، وقُلْ له: عبدكَ المسيءُ قد عادَ إليكَ، أشقاه البُعدُ عنكَ، وقسمتْ ظهره المسافاتْ، يا الله: لكَ عبادٌ غيري وليس لي ربٌّ سواكَ، أنتَ جاهي واتجاهي، وقِبلة روحي، فافتحْ عليَّ فتوح العارفين، واقبلني في التائبين، واكتبني في القائمين، واحشرني مع الصائمين!

ها قد أتى رمضان يا صاحبي:

الشهرُ الذي تظمأ فيه الحناجر وترتوي فيه القلوب، وتفرغُ فيه الأمعاء وتمتلىء فيه الأرواح، ويوهنُ فيه الجسد ويقوى فيه الإيمان، وتفترُ فيه الحركة وتشتدُّ فيه العقيدة!

فجدِّدْ إيمانكَ يا صاحبي، فليس للهِ حاجة في تركِ طعامنا وشرابنا، ولكنه يُرسل إلينا رمضان ليُنقينا، ويغسلنا من جديد لنكون لائقين به، فلا يكُن حظَّك منه إلا الجوع والعطش!

رمضان ليس حِميةً غذائيةً، على خُطى الرَّسول ﷺ راحُكَ ومُستراحُكَ، وأنت الدامي من مشقة الطريق، فألقِ عند اللهِ رَحْلكَ!

فإنكَ من اللهِ، ومع اللهِ، وإلى الله!

ها قد أتى رمضان يا صاحبي:

فإنْ أنهككَ الجوع، وأضناكَ العطش، فتعزَّ بأولئكَ الذين فوق جوعهم وعطشهم حملوا السيوف، ووضعوا الأرواح على الأكُفِّ، وباعوا الدَّمَ للهِ، ليبقى لنا رمضان!

رمضان غزوة بدر حيث سلَّ الإسلام سيفه لأول مرَّةٍ دفاعاً عن القرآن، وسيبقى هذا السَّيف مسلولاً حتى يُقاتل آخر هذه الأمة الدَّجال!

رمضان فتح مكة، والمدينة التي استعادتْ هويتها أخيراً، عاصمة التوحيد! واذهبوا فأنتم الطلقاء، وبلال على ظهر الكعبة يُعلنها ملء الكون أنَّ الله أكبر!

رمضان القادسية، سعد بن أبي وقاص وأبو محجنٍ، وعمر بن الخطاب يسأل بعدما بُشِّرَ بالنَّصر: كم استمرَ القتال؟

فقالوا: من الفجر حتى العصر

فقال: سبحان الله، لا يصمد الباطل أما الحق كل هذا، لعله بذنبٍ أذنبتموه أنتم أو أنا!

رمضان بلاط الشهداء، وعبد الرحمن الغافقي على بُعد سبعين كيلومتراً من باريس، يقولُ: اللهمَّ خُذْ من دمي حتى ترضى!

رمضان فتح عمورية، المُعتصم والجيشُ الذي سار غاضباً لعرض امرأةٍ واحدة، فاللهمَّ أَرْجِعْ لنا عزَّتنا!

رمضان عين جالوت، المُظفر قُطز والمغول، حيث صام المجاهدون في الأرض وأفطروا في الجنة!

رمضان معركة شقحب، ابن تيمية وابن القيم في الصف الأول من المعركة، حيث لا يُغني الحِبر عن الدم، ولا الفقه عن الجهاد!

ها قد رمضان يا صاحبي:

إنه مصفاة القلوب، فنَقِّ قلبكَ، وإياكَ أن تخرجَ منه بنفس القلب الذي دخلته فيه!

والسلام لقلبك.

رحلة إلى الأعماق

رحلة إلى الأعماق
أ.د. جمال عبدالستار

هلمَّ بنا نرحل لا إلى أرضٍ تُرى، ولا إلى أفقٍ تُدركه الأبصار، بل هي رحلةٌ إلى الأعماق؛ حيث يسكن الكنز الدفين، وتُخبَّأ الثروة الضائعة، ويتوارى نورٌ خافتٌ ينتظر من يوقظه، إنها رحلةٌ لا تحتاج زاداً من متاع الدنيا، بل تفتقر إلى شجاعة مواجهة، وصدق بحث، وحنينٍ لم ينطفئ تماماً في أفئدتنا، سنبحر معاً في عباب الداخل، نُنقّب بين طبقات النفس عن شوقٍ باهتٍ أرهقته الغفلة، وعن يقينٍ غطّاه غبار الأيام، وعن بوصلةٍ اضطربت حين تكاثرت الاتجاهات؛ لسنا هنا لنجلد ذواتنا، ولا لنغرق في عتمة العتاب، بل لنستعيد توازن القلب، ونضبط مؤشر الروح على جهة السماء.

فهيا بنا نغوص.. نُزيح الركام عن معادننا الأصيلة، ونمسح الضباب عن مرآة أرواحنا، حتى يعود النور أوضح، والشوق أصدق، والبوصلة أثبت، إنها رحلة إصلاحٍ لا استعراض، وعودة لا هروب، واكتشاف يعيد إلينا أنفسنا كما أرادها الله: حيّةً، واعيةً، متجهةً إليه بالكلية.

افتح باب قلبك

أغمِض عينيك الآن.. واستشعر في صمتك ذاك النداء الخالد: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات: 50)، إن هذا الفرار ليس هروباً من الدنيا بحد ذاتها، بل هو نزوحٌ مقدس من ضجيجها المنهِك إلى سكينة محبته ورحمته الواسعة سبحانه؛ أغمضهما جيداً، وكأنك في هذه اللحظة توصد أبواب السوق بكل صخبه ومساوماته، لتفتح بقلبك باب الآخرة بكل أحداثه ومشاهده، دع عنك تلك الزخارف التي تتلألأ في عينيك ساعةً ثم تخبو كأن لم تغنَ بالأمس، وتذكر قوله سبحانه: (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185)، ليس المطلوب منك أن تهجر الدنيا بجسدك، بل أن تمارس أصعب أنواع الزهد العرفاني؛ أن تُنزلها من عرش قلبك لتسكن تحت قدميك.

تفقد مواضع النظر الرباني

انزل الآن إلى غور قلبك، فتّش في زواياه عن موضع نظر الله إليك؛ ألم يخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»؟ فما حال ذاك القلب لو كُشف الغطاء ونظر إليه ربك في هذه اللحظة؟ ما الذي سيراه الملك في داخلك؟ فتّش.. وأخرج ما لا يليق بمقام النظر الإلهي، أخرج الغيرة المذمومة، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس، والرغبة المحمومة في رضاهم، انزع الشحناء، واغسل البغضاء، وحرّر قلبك من أسر المقارنات المادية؛ فقد قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، وقال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) (طه: 131).

كنزك المفقود

تفقّد داخلك ستجد غناك هناك، لا في الممتلكات والثروات؛ بل في صدق إيمانك بالغني المغني سبحانه، وحسن توكلك عليه، واكتفائك به عن جميع خلقه، فسعادتك التي أعياك البحث عنها مخبأةٌ في قلب الرضا والتسليم، ومطويةٌ في طمأنينة الامتنان؛ ولن يبحث عن السعادة والمكانة عند الناس إلا مَن فقدها في حضرة نفسه، وكلما ذهل المرء عن جوهره النفيس، بالغ في بيع روحه بثمنٍ بخيس.

الرضا والافتقار

اعلم أن الرضا ليس كلمةً تُقال، بل هو مقامٌ وجودي يُعاش، هل رضيت بالله رباً حقاً؟ هل رضيت بحكمه حين وافق هواك وحين خالفه؟ هل سلّمت لحكمته حين فهمت وحين لم تفهم؟ أم أن في أعماقك اعتراضاً خفياً يتزيّا بلباس السؤال؟

ثم تفقد قلبك من الكِبر؛ ذلك الدخيل الخفيّ الذي قد يتسلل في ثنايا الطاعة نفسها، تذكّر قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ ذرةٌ واحدة قد تحجبك عن جنة عرضها السماوات والأرض، فاخضع لله سجوداً، واعترف بفقرك، وردد من أعماقك: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ إنها كلمة العارفين حين تنكشف لهم حقيقتهم: عجزٌ كامل أمام قدرةٍ كاملة.

أنوار التوحيد وأشواق اللقاء

ابحث عن التوحيد في ثنايا الروح؛ هل الله في وجدانك حقاً أكبرُ من خوفك؟ أكبرُ من طموحك الذي يؤرقك؟ وأعظمُ من خساراتك التي كسرتك؟ ابحث فيه عن المحبة؛ هل إذا ذُكر الله اقشعر قلبك شوقاً، أم أن الذكر بات مجرد عادة يجري بها اللسان؟ ابحث عن الرجاء؛ هل تترقب رحمته بلهفة من ينتظر رزقاً أو فرصةً دنيوية؟ وابحث عن الشوق الصادق؛ هل تحنُّ حقاً إلى لقائه؟ فمن كان يرجو ذلك اللقاء، فإن أجل الله لآتٍ لا محالة.

مشهد العبور والسِّر المكنون

تخيّل تلك اللحظة في أول ليلةٍ بقبرك، حين يُغلق اللحد، وتنصرف خطى الأحباب، وتبقى وحيداً إلا من عملك، هناك، في ذاك الضيق، لا ينفعك إلا صدقك، ولا يؤنس وحشتك إلا ذكرك، ولا يضيء عتمتك إلا إخلاصك الذي ادخرته.

تخيّل نفسك الآن في مشهد العرض العظيم: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: 9)؛ هناك لن يُسأل عن ظاهرك المنمّق، بل عما كان في سرّك المخبوء، وحين يُقال لك: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) (الإسراء: 14)، تأمل حالك؛ هل ستقرأ بطمأنينة الواثق، أم بارتجاف المفرّط؟

رمضان والاستغناء بالله

أغمِض عينيك مرةً أخرى، واسأل نفسك بصدق: كيف ستطأ قدماك عتبات رمضان؟ أبقلبٍ مشتّتٍ في أودية الدنيا، أم بقلبٍ فارغٍ من كل شيء إلا من الله؟ اجعل لك في هذه الأيام سرّاً لا يعلمه إلا هو؛ دمعةً تسيل في خلوة، صدقةً تخرجها بيمينك فتخفيها عن شمالك، أو ركعةً في ظلام الليل لا يشهدها إلا جبار السماوات والأرض.

تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»؛ فاحفظ حدود قلبك من الأغيار، يحفظ الله روحك من الشتات والضياع.

دعك من ضجيج الناس وأخبارهم قليلًا، واشتغل بالله كثيراً؛ فلا تضيع عمرك في تتبّع شؤونهم فتفوّت على نفسك خبر نفسك، إن أعظم المشاريع قاطبة هو إصلاح الداخل، لأنه إذا أصلحت السريرة، تولّى ربك إصلاح الظاهر؛ فمن أصلح سره أصلح الله علانيته.

إن رمضان بابٌ يُفتح كل عام، لكنه لا يُفتح إلا لمن قصد الدخول بصدق، فأقبِل بقلبٍ منكسر، وروحٍ مشتاقة، ونفسٍ تائبة، وقل بلسان حالك: يا رب، لا أريد رمضان عادةً أكررها، بل أريده قُرباً منك أعيش به ولأجله.

تذكر أن رمضان ليس موسم جوعٍ للأبدان، بل هو رحلة عودةٍ للأرواح إلى مآبها، تأمل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين يحلّ الشهر؛ كيف يتغير كيانه، فيكون أجود ما يكون، ويعتكف بقلبه، ويُقبِل بكليّته على مولاه، لم يكن رمضان في مدرسته برنامجاً زمنياً، بل كان مقاماً وجودياً يتنفس فيه العبد أنوار القدس.

اللهم اجعلنا ممن إذا دخل رمضان، غمرته رحمتك، وإذا خرج منه، خرج مغفوراً له، وقد انقاد قلبه إليك بالكلية، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد؛ ذاك الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه حباً وشوقاً، ثم يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، فكن أنت ذاك العبد؛ الذي يبحث عن الله في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء؛ فإن وجدته وجدت كل شيء، وإن فقدته فقدت كل شيء.

الأحد، 15 فبراير 2026

حَربُ اليهودِ والذين أشركوا (2)

حَربُ اليهودِ والذين أشركوا (2)



د. علي فريد

لقد تربينا جميعاً على أهمية ما يُسمى بالقضية الفلسطينية، وجعلها قضية العرب الأولى، وحُبِّ مَن يناصرها، وكره من يخذلها.. ثم- ويا للأسف- تحولت هذه القضية عندنا إلى مَعقدٍ للولاء والبراء؛ فأيُّ أحدٍ ناصر القضية ودافع عنها صادقاً أو كاذباً؛ فهو منا وعلينا حتى لو كان نصرانياً أو يهودياً أو شيعياً من (الذين أشركوا).. (هناك يهودٌ في أمريكا وأوروبا يناصرون القضية الفلسطينية وحماس ويُعرفون باسم ناطوري كارتا)..

ومن أجل ما تربينا عليه من مركزية القضية الفلسطينية؛ استخدم حكام العرب جميعاً تلك القضية ورقةَ توتٍ تستر عوراتهم وتخفي تخاذلهم وتُجَمِّلُ عمالتهم أحياناً.. وحصلوا بمناصرتها المدَّعَاة على المجد الإعلامي والسمعة الحسنة، ثم انكشف عوارهم مع تتابع الزمن وبقاء فلسطين بين براثن الكيان اليهودي..

الأرض ليست الأصل يا ابن أخي.. الأصل المنهج والعقيدة التي تحكم الأرض.. تؤخذ الأرض منا في المساء ونسترجعها في الصباح.. حتى لو كان بين المساء والصباح عشر سنوات أو عشرين أو مائة سنة.. أعاد خالد بن الوليد رضي الله عنه الجزيةَ لبعض نصارى الشام أو العراق- نسيت الآن- حين جاءه أمر أبي بكر رضي الله عنه بالتوجه إلى اليرموك.. ترك لهم الأرض التي أخذها بالدماء والأشلاء، وذهب إلى اليرموك فدعس على رأس الروم هناك.. ثم عاد للنصارى الذين أعاد لهم الجزية فاستردها مع الأرض..

الأرض لله يورثها من شاء من عباده.. وإذا جعلت عقيدتك الأرض فيا لحسرتنا وحسرتك حين تكتشف الآن أن كل المساحة التي فتحها الأمويون العظماء والعثمانيون الأشداء ليس في أيدينا منها كثير شيء.. بل تم احتلال القلب أيضاً باحتلال حكام القلب!!

صحيح أن الإنسان يحب أرضه ووطنه حباً فطرياً.. ولكن الحب شيء والتقديس شيء آخر.. وقد أخذتُ أنا زمناً طويلاً لأخرج من وطنية مقيتة وقومية عفنة وأومن أنَّ (الوطن الجنة، والغربة النار).. رغم حبي لوطني وفخري بقوميتي بعد فخري بديني!!

أنا وأنت وكلنا ضعفاء أمام من يرفع راية القدس ويجعجع بتحرير فلسطين؛ خاصةً إذا طال عليه الأمد فلم يُختبر اختباراً حقيقياً.. لم يكن القوميون العرب على منهج يرضاه الله ورسوله.. جعجعوا برمي إسرائيل في البحر ثم هلكوا وأهلكونا.. أفهانت عليك نفسك حتى تجرب الشيعة (الذين أشركوا) فتصدق جعجعتهم بتحرير فلسطين في الوقت الذي يذبحون فيه أخاك لأن جنازير دباباتهم لن تصل إلى القدس إلا جمجمة أخيك؟! أما آن لك أن تتزين بنعمة العقل التي أنعم الله عليك؟!!

يتفق الإسلاميون جميعاً- حتى أولئك الذين طمس الله وجوههم وردهم على أدبارهم- على أن إيران عدوٌ مضافٌ إلى عداوة إسرائيل.. يختلفون فقط في ترتيب مربعات العداء.. دعك من اختلافهم وابنِ على ما اتفقوا عليه: إيران عدو وإسرائيل عدو..

افترض الآن أننا في الطريق إلى عدونا الأصلي إسرائيل.. مَن هو الذي يقف عقبةً بيننا وبينه؟!

ستجيبني منتفضاً: حكامنا العرب طبعاً.. وسأقول لك: عظيم.. هذا صحيح تماماً.. إذن حكامنا العرب هم العدو الأول الذي يحول بيننا نحن الشعوب العربية المسلمة وبين تحرير فلسطين..

الآن.. مَن هو العدو الثاني الذي شعر بالقلق بعد انتصار الثورة المصرية في بداياتها، ثم شعر بالقلق أكثر بعد انتصار الثورة السورية في بداياتها أيضاً، وطار إلى روسيا واستدعى الصليبي بوتين؛ ليحول بين الشعب السوري- وهو أقرب شعب مسلم لفلسطين- وبين التحرر من براثن حاكمه (العدو الأول)؟!

ستحك رأسك قائلاً: إيران.. ممثلة في قاسم سليماني.. وسأقول لك أيضاً: نعم عظيم.. ولكني سأضيف: قصدك الشيعة (الذين أشركوا)..

الآن.. عدونا الأول حكامنا، يليهم الشيعة (الذين أشركوا).. كلاهما يقف عقبةً بيننا وبين الوصول إلى عدونا الثالث لتحرير فلسطين من بين براثنه..

فكر جيداً.. إن جاء عدونا الثالث إسرائيل فحارب عدونا الثاني (الذين أشركوا) وأسقطه أو أضعفه أو قصقص أجنحته.. ألن يكون ذلك مصلحة للمسلمين السائرين إلى القدس؟!.. لقد خفف عنا عدونا الثالث هَمَّ عدونا الثاني الذي استخدمه مِن قبل لقتلنا.. لم يبق لنا الآن إلا عدونا الأول (حكامنا).. وحرب عدو واحد في طريقنا إلى العدو الأصلي أخف وأهون من حرب عدويين.. خاصةً إذا كان العدو الثاني (الذين أشركوا) عدواً عقدياً حاقداً يقول له دينُه إنَّ قَتَلَ المسلم وذبح أطفاله ونهب ماله وهتك عرضه من أعظم القُربات إلى الله ومن أكبر أسباب دخول الجنة.. وهو ما لا يراه عدونا الأول (حكامنا)؛ فهم في النهاية منا وإن ارتدوا، وجنودُهم منا وإن خافوا وجبنوا، ويوشك إن وقعت الواقعة وطمَّت الطامة أن ينحاز كثيرٌ منهم إلى أهليهم الذين هم نحن!!

فأين هي الخسارة التي سيخسرها المسلمون إن انكسر الشيعة (الذين أشركوا) أو زال نظامهم المشرك المجرم؟!

إنَّ العقلَ الذي هو نعمةُ الله وزينةُ الإنسان ليقول: انكسارُ الشيعة (الذين أشركوا) سَيُنقص أعداءنا واحداً.. وانتصارهم أو بقاؤهم سيبقى أعداءنا ثلاثة!!

فأيُّ الطريقين أهدى سبيلاً وأقوم قيلا؟!

***

أتعرف يا ابن أخي.. إنَّ أكثر ما يُحزنني في هذه الحرب الدائرة بين اليهود (والذين أشركوا) الآن هو أنَّ إسقاط نظام (الذين أشركوا) ليس هدفاً حقيقياً من أهداف اليهود..

قد يَجِدُّ هذا الهدف أو يظهر على السطح في مرحلةٍ تالية؛ إذ الحرب والسياسة لا ثوابت لها أو فيها.. بيد أنه- حتى الآن على الأقل- ليس هدفاً حقيقياً أو محورياً أو مركزياً من أهداف اليهود والنصارى المتحكمين في النظام العالمي..

هذا محزن.. نعم.. محزنٌ بشدة.. لكن الدنيا مراحل.. وإضعاف الشيعة (الذين أشركوا)، وقصقصةُ أجنحتهم، وإشغالهم بأنفسهم، وحصرهم داخل دوائرهم المتفق عليها، حتى لو جاء ذلك على يد عدونا الثالث؛ أفضل للإسلام والمسلمين- في هذه المرحلة- مما كان عليه الأمر قبل عشر سنوات أو عشرين سنة..

يعلم الجميع- عدا أولئك الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أدبارهم من الإسلاميين- أنَّ الهدف الأساس لليهود والنصارى في حربهم الساخنة والباردة مع الشيعة (الذين أشركوا) هو منعهم من امتلاك السلاح النووي وتحجيم صناعاتهم الصاروخية ومُسَيَّرَاتِهم الآلية.. عدا ذلك فإنَّ بقاء الشيعة (الذين أشركوا) من أعظم مصالح اليهود والنصارى في العالم العربي خاصةً والإسلامي عامةً.. وما ذاك إلا لأنَّ الشيعة (الذين أشركوا) كانوا هم الهراوة الغليظة أو الخنجر المسموم في يد اليهود والنصارى ضد الإسلام والمسلمين.

ولأنَّ اليهود والنصارى هم صانعوا هذه الهراوة وذلك الخنجر؛ فهم يحرصون- حتى الآن على الأقل- على رفع الهراوة لا تحطيمها، وعلى غَمْدِ الخنجر لا كسره، فإنهم إن أسقطوا نظام الشيعة (الذين أشركوا) خسروا الهراوة وكسروا الخنجر، وإنْ خسروا الهراوة وكسروا الخنجر فمن هو المجرم العَقَدِي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع ويدفعه ذلك كله لأن يقتل لهم- بأريحيةٍ بالغة- أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، ويُهَجِّرَ لهم أكثر من عشرين مليوناً في العراق والشام واليمن، ويهدم لهم مدن المسلمين وقُراهم، ويذبح لهم مستقبل المسلمين وشرفهم بذبح أطفالهم، واغتصاب نسائهم؟! ثم هو يفعل ذلك كله- ويا للذهول- وسط تهليل وتصفيق كثيرٍ من الإسلاميين الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أدبارهم؛ فرأوه قلعة للإسلام والمسلمين، وسيداً للمقاومة، وفيلقاً على طريق القدس!!

مَن هو المجرم العَقَدِي الذي يمتلك القوةَ والعقيدة والمشروع فيتحالف معهم لإسقاط (كابل) و (بغداد)، والسيطرة على (دمشق) و (صنعاء)، وإقناع الصليبي الروسي بوتين بالتدخل المباشر لقتل المسلمين في الشام.. ثم الحصول بعد كل تلك الجرائم على لقب (شهيد القدس) ثلاث مرات؟!

مَن هو المجرم العَقَدي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع ليجعل لهم قوته وعقيدته سداً من نار بينهم وبين المجاهدين الذين أذاقوهم الويلات، أو بينهم وبين الشعوب العربية المتعطشة للتحرر والحرية؟! ثم يُظهرُه الإسلاميون الذين طمس الله على وجوههم وردهم على أعقابهم في صورة البطل المناضل ضد الشيطان الأكبر أو ضد الاستكبار العالمي!!

مَن هو المجرم العقدي الذي يمتلك القوة والعقيدة والمشروع فيضرب لهم أسسَ الإسلام (قرآناً وسنةً وصحابةً)، ويُعيدَ لهم عوامَ العرب والمسلمين إلى وثنيةٍ أشد مِن الوثنية الأولى؛ ليستبدلوا بـ(اللات والعُزَّى وهُبل) (علياً والحسن والحسين) رضي الله عنهم، ويَفتِنَ لهم حمقى الإسلاميين فَيُكَبِّلَهُم عن الفهم الحقيقي لطبيعة المشروعين العدوين، ويُعيقَهم عن العمل الحقيقي لمجاهدة المشروعين العدوين؟!

فضلا.. اقرأ الجزء الأول من المقال↓↓↓

د. علي فريد يكتب: حَربُ اليهودِ والذين أشركوا (1)

كل هذا وغيره كثيرٌ وكثير سيخسره اليهود والنصارى إنْ أسقطوا نظام الشيعة (الذين أشركوا)..

وما لم تتغير الأحداث إلى شيء آخر يعلمه الله ونجهله؛ فسيظل هدف اليهود والنصارى الدائم هو إبقاء الشيعة (الذين أشركوا) عاجزين أمامهم قادرين علينا.. تماماً كحارسٍ مُقْعَدٍ أمام مزرعتهم وفي يده بندقية!!

لا تنسَ أنهم تركوا البقايا العاجزة لحزب الهالك حسن في الجنوب اللبناني؛ ليظل موجوداً وفاعلاً في (حدود الجنوب اللبناني) شمال الليطاني فقط.. كما تركوا البقايا المهلهلة لمليشيات الحشد الشيعي في العراق لتعيث فساداً في العراق فقط.. كما تركوا الحوثي- حتى الآن- ضمن النطاقات التي يريدون لبُعده المكاني عنهم، ولعلمهم أنَّ فعالية صواريخه التي باعتها له إيران ليست خطراً من الدرجة الأولى أو الثانية، وأنهم قادرون على تحييده تماماً حين يأتي وقتُه..

وحدها غزة لم يتركوا فيها حجراً على حجر.. وذلك لسببين اثنين؛ الأول: معرفتهم بالأصل (السُنَّي) لأهلها وحكامها، وإن انحرف عنه حكامُها والتحقوا بمحور الشيعة (الذين أشركوا)، والثاني: لقربها من كيانهم المحتل أو وقوعها أصلاً ضمن كيانهم المحتل.. وهذا ما لا يُسمح ببقائه واستمراره، وإنْ طاولوه مُدةً من الزمن تحت أعينهم وبين أنيابهم..

لا يُسمح للمسلم السُّني- ولا مسلمَ غير السُّني- بامتلاك قطعة أرض والبقاء فيها جيلاً كاملاً- (بين عشر سنوات إلى عشرين سنة).. حدث هذا في العراق والشام، كما حدث في أفغانستان أيام طالبان الأولى، كما سيحدث في كل مكان حتى يأتي الله- قريباً إن شاء الله- بقوم يملكون أداةَ تهديدٍ حقيقية، ويملكون القدرةَ على استخدامها والمطاولة بها.. صحيح أنَّ المتأسلمين ووعاظ السلاطين سيسمونهم حينئذٍ خوارج وبغاة وكلاب نارٍ طوبى لمن قتلهم وقتلوه.. ولكن أغلب ظني أنَّ الأوضاع حينئذٍ ستكون قد تجاوزت أوباش المتأسلمين ووعاظ السلاطين بمراحل..

***

إن هذه الحرب الدائرة الآن حربٌ حقيقية بين اليهود (والذين أشركوا)، وهي تختلف عن المناوشات الكرتونية السابقة التي كان يَحفظُ بها (الذين أشركوا) ماءَ وجوههم ضمن طُرفةِ (الصبر الاستراتيجي)..

وليس لهذه الحرب مِن هدف- حتى الآن- سوى منع الذين أشركوا من امتلاك السلاح النووي وتحجيم صناعة صواريخهم ومسيراتهم..

وما دخلها (الذين أشركوا) من أجل القدس أو غزة، أو وهم المقاومة أو أكذوبة الدفاع عن الإسلام والمسلمين- كما يحلو لكثيرٍ من الإسلاميين خداعك بذلك- بل دخلوها مُجبرين بعدما وصل السكين إلى العظم، واستُهدف مشروعهم النووي، ووقعت عاصمتهم تحت القصف اليهودي المنظم والمستمر حتى الآن.. تماماً كما فعلوا هُم مِن قبل وتعاونوا مع اليهود والصليبيين في قصف كابل، وبغداد، ودمشق، وصنعاء.

ولأنَّ ما يحدث حقيقي هذه المرة؛ فأغلب ظني- ولا بأس أن أكون مخطئاً- أنه ليس أمام (الذين أشركوا) سوى طريقين أحلاهما مٌر: العودة للمفاوضات، وتفكيك المشروع النووي- أو التغاضي عن ضربه-، وخسارة المليارات التي دُفعت فيه، والسنوات والدماء التي بُذلت من أجله مقابل بقاء نظامهم.. أو إسقاط نظامهم بالكلية بعد تدخل أمريكا، أو إنشاء تحالفٍ دولي لإسقاطه؛ كالتحالف الذي أنشأه اليهود والنصارى لإسقاط نظام طالبان الأولى في كابل، أو نظام صدام حسين في بغداد، أو نظام الدولة الإسلامية في الموصل.. وكل هذه التحالفات الثلاثة كان (الذين أشركوا) في إيران فاعلاً محورياً فيه!!

هل بقي شيء؟!

آه.. علو اليهود وتغولهم..

يا ابن أخي.. دَعَكَ من هذا السَّفَه.. هل نظام (الذين أشركوا) وهو بهذا الخواء والاختراق الذي وصل حد تصنيع الموساد طائراتٍ مسيرة في قلب أرضه لاستخدامها في قصفه، واصطياد قادته وعلمائه واحداً تلو الآخر على مدار سنوات، وقتل الصف الأول من قادته العسكريين في ليلةٍ واحدة وهم نيام في أحضان زوجاتهم، و(بَيْجَرَةِ) ميليشاتهم المجرمة في لبنان، وقتل ضيوفهم في عاصمتهم.. هل هذا النظام هو الذي سيمنع تغول اليهود وعلوهم؟!

ثم ما قصة التغول هذه؟!

قيلت قبل نكسة عبد الناصر.. وقبل قادسية صدام.. وقبل السادس من أكتوبر وما تلاه من كامب ديفيد.. وقبل الحادي عشر من سبتمبر.. وقبل الانتفاضة الأولى والثانية.. وعلا اليهود وتغولوا- وهم متغولون أصلاً منذ إنشاء كيانهم-؛ فماذا حدث؟!

مَنَّ الله على الأمة بمجاهدي أفغانستان، وفلسطين، والعراق، والشام، واليمن، وجمعت جبالُ تلك البلاد وكهوفُها وصحراؤها ووديانُها خيرة شباب العرب والمسلمين بين جنباتها بعدما تخلوا عن دعة العيش تلبية لنداء الله، ثم تخالفوا واختلفوا وتقاتلوا، ثم عادوا، وسيعودون ضمن الأخطاء البشرية التي لا يخلو منها بشر.. ثم دخلت الأمة كلها في سياق التدافع الرباني والصراع البشري؛ فانفجرت الثورات في العالم العربي بسبب (صفعة شُرَطِيَّة وعود كبريت)، ودخلت الشعوب أيضا في سياق التدافع والصراع، واقتربت شيئاً فشيئاً من أكناف بيت المقدس، وسقطت حكومات وأنظمة، وعادت حكومات وأنظمة، وانتكست ثورات، وتعطلت ثورات، واختطفت ثورات..

اليهود متغولون منذ أُنشئ كيانُهم، وسيتغولون أكثر وأكثر في وجود نظام (الذين أشركوا) وفي عَدَمِه.. هذا وعد الله لهم ولنا؛ ليرى الله مِنَّا ما قَدَّره عليهم وعلينا.. لا تنهضُ الأمم إلا بعد محنٍ وشدائد، ولا تسود إلا ببذل الجهد والجهاد.. تغولٌ يُدخلكَ طريق النصر بالمآسي خيرٌ مِن توازن يُبقيك خاملاً تحت هزيمة.. إنْ كان المستقبل يُخيفك؛ فهل الحاضرُ يُرضيك؟! أتظن أنك قادمٌ إلى الدنيا في رحلة؟!

لكلِّ جيلٍ بلاؤه يا ابن أخي.. ولن يترك اللهُ الناس للناس.. والدنيا لم تُبن على الراحة والكسل.. ومِن كلِّ شيءٍ يخاف الخامل.. وتغول العدو- أياً كان- دافعٌ للعملِ لإسقاطِ تغوله.. والعدو هَشٌ في أصله، ولكن المدافعين أكثر هشاشة لتخليهم عن أعظم سلاح يملكونه (سلاحِ العقيدة)؛ فإن عادوا إليه عاد إليهم النصرُ بأسبابه.. وإن ظلوا بعيدين عنه فستتغول عليهم حتى أنفسهم التي بين أجنابهم.. وشتان بين “الذين قال لهم الناسُ إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل”، وبين الذين “يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة”..

فاحذر أن يخدعك المتأسلمون المتأيرنون عن عقلك؛ فيزينون لك الباطل، ويُقَبِّحُون لك الحق، ويُخَدِّرونك بالأباطيل حتى تجد شِرْكَ الشيعيِّ في قلبك، وسِكِّينَه في رقبتك، وخنجره بين ضلوعك..

وقد نصحتُ لك حين سألتني.. فإن اقتنعتَ فبها ونعمت، وإن لم تقتنع فحسبي أن بينت لك.. وأنا والله على بينةٍ من ربي في هذا الأمر منذ أكثر مِن عشرين سنة.. ولو حدث المحالُ ورأيتَ أهلَ الأرض كُلَّهُم في كفة واحدة مع الشيعةِ (الذين أشركوا)، ورأيتَ رجلاً واحداً في الكفة الأخرى؛ فاعلم أنه أنا.

شَهِدَ على ذلك لَحْمُ (عليٍّ بنِ فريدٍ الهاشميِّ) وَدَمُه.