الخميس، 6 أغسطس 2026

لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟

لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟
د. جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي 
Jassimaljezza@hotmail.com

على مدار الأزمنة والعصور، نجد أنه لطالما انساقت الشعوب بضميرها الطيب والبسيط وراء خطابات براقة ومعسولة من بعض الساسة والسياسيين تَعِدهم بالمدينة الفاضلة والرخاء الذي لا ينقطع، لتستيقظ الشعوب لاحقاً على واقع هش وبنيان مترهل، وهنا نتساءل وحق لنا أن نتساءل.. 
هل خدعتنا الديماغوجيا السياسية حقاً، أم أننا كنا شركاء متواطئين في هذا الانخداع؟، 
بداية فالديماغوجيا بمفهومها في الادبيات السياسية ليست مجرد خطاب بليغ أو بلاغة لغوية للاستهلاك الجماهيري، بل يعرفها الباحثون أنها منظومة سياسية لفن " تسويق الوهم "

عبر استخدام الكلمات الرنانة الملهبة للعواطف والأحاسيس البشرية وإثارة الأمنيات، وإذكاء الغرائز العصيبة، وتقديم إجابات شعبوية مبسطة ومغلوطة لمعضلات هيكلية واقتصادية واجتماعية معقدة بشكل كبير، فهي تستخدم ببراعة فائقة في صناعة رأي الجماهير، لترسم لهم إما عدوًا وهميًا أو بطلًا أسطوريًا منقذًا، مما يعطل ملكة التفكير النقدي لدى الشعوب ويستبدلها بالحماس الأعمى والتبعية المطلقة.



أما أركان الديماغوجيا السياسية فتقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية، أولها استقطاب الشارع عبر خطاب متطرف في التأثير المعنوي ويعتمد كلياً على ثنائية الحق المطلق والباطل المطلق (نحن الأخيار في مواجهة الأشرار)، 
وثانيها الاستبدال الممنهج والمخطط للحقائق والأرقام المعقدة بشعارات عاطفية رنانة تخاطب البطون والرغبات والأحاسيس المشتعلة بعيداً عن مخاطبة العقول المفكرة، 
وثالثها شيطنة النقد والتحذير منه وتصويره على أنه جزء من مؤامرة خفية تتآمر على مصالح العامة، فهذا المثلث بمثابة الخلطة السحرية التي تضمن للمتحدث أمام الشعوب السيطرة المطلقة على الوعي الجمعي، وتخدير عقلهم، متجاهلاً التحديات الحقيقية المتمثلة في بناء الدول وتطوير مؤسساتها بكفاءة.

ولعل التجربة السياسية المعاصرة للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تقدم نموذجًا مباشرًا لتوظيف "الديماغوجيا السياسية" ببراعة فائقة في تهييج الشارع وإثارة النعرات والعصبيات، فلقد اعتمد خطابه الأساسي على زرع حالة من الذعر والخوف الوجودي لدى أتباعه ومحبيه، محذراً إياهم باستمرار من "أعداء خفيين" يتربصون بالدولة من داخل العقر الأمريكي نفسه، ويصور لهم أن كيانهم وهويتهم مهددة وفي خطر دائم دون أن يكلف نفسه العناء في تقديم تعريف واضح أو دليل حقيقي على هؤلاء الخصوم والأشرار، مكتفياً بصب الزيت على النار وإثارة الفوضى العارمة هناك، ولتحقيق هذه الغاية، نجد أن الرئيس ترامب وظّف مصطلحات تستفز العصبيات العرقية والعنصرية وتوقظ الغرائز القومية الضيقة لدى قطاعات واسعة من أتباعه، محولاً السياسة إلى مسرح شعبي محموم وملتهب يمده بالتعصب والانقسام، ويقصي تماماً لغة العقل والأرقام، مما يفسر ذلك الولاء الأعمى والتعصب المطلق الذي تبديه قواعده الشعبية متجاهلةً تماماً التداعيات المدمرة لتلك السياسات على نسيج دولتهم هناك بأكملها.

إذن، وأمام هذا المشهد المعقد والمتقلب، ما هو دورنا كشباب عربي تجاه هذا التغلغل الديماغوجي المستمر والمتجدد في عالم السياسة وأهلها ؟، نجد أن مواجهة هذا التغلغل الديماغوجي يتطلب بناء حصانة فكرية في عقولنا قوامها النقد الحي والمنطقي، والتشكيك الإيجابي في كافة الشعارات المطلقة التي لا تستند إلى براهين أوأدلة مادية ملموسة، وينبغي على النخب الفكرية العربية والمثقفين العرب تفكيك الخطابات الشعبوية وتوضيح مآلاتها على المدى البعيد، بدلاً ممن الاكتفاء بالاستنكار السلبي الانسحاب.

الأربعاء، 5 أغسطس 2026

الديانة الحوثية

 الديانة الحوثية

مروان الغفوري

مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


الدين رؤية شاملة للعالم (Weltanschauung). وغالباً ما تكون تلك الرؤية منقطعة، بصورة شاملة، عن الواقع الثقافي الذي تنشأ فيه.

كيف يرى الناس السياسة؟ وكيف ينظرون إلى العمل؟ وكيف يتخيلون وظيفة المرأة وطبيعتها؟ وما العادل وغير العادل في البناء الاجتماعي الهرمي؟ وما الذي يجوز التفكير فيه؟ ومن هو الآخر، وما الموقف منه؟ وما المقدس وما المدنس؟ وما صورة النبي، وكيف تبدو صورة الشيطان؟ تتراكم الإجابات عن هذه الأسئلة في شكل بناء ثقافي يتخلق عبر التاريخ والتجربة واللغة. وصحيح أن الثقافة، في جوهرها، مركب غير مستقر، إلا أن الاجتماع البشري يتواطأ، في نهاية المطاف، على شكل من أشكال المعرفة الشاملة يتخذ هيئة ديانة. وتكون مهمة هذه الديانة، في المقام الأول، تثبيت المعادلة السياسية تجنباً للفوضى، وتعزيز وضع اجتماعي معين للحفاظ على الديناميكية التي نشأت في سياق تاريخي.

هذا التقديم مهم للولوج إلى الفكرة التي نسوقها أمام القارئ: الحوثية دين جديد، بالمعنى الشامل. وهذا هو سر أزمتها مع المجتمع اليمني: القطيعة الشاملة.

اليمن، كثقافة، سابق على الأديان الكلاسيكية. ففي عمله المثير "ديانة اليمن السرية"، أعاد الباحث اليمني أحمد العرامي إنتاج نظام ديني قديم انطلاقاً من الشفرات الثقافية واللغوية المعاصرة. وتتمتع الثقافة اليمنية، مثل أي ثقافة أصيلة ومركبة، بالاستمرارية والقدرة على التخفي والجريان تحت السطح، لذا يمكن إعادة إنتاجها واستخراجها من رموزها وشفراتها. واليمن الثقافي مختلف جذرياً عن اليمن الحوثي؛ فهما نظامان من "السوفت وير" لا يمكن دمجهما معاً والادعاء أن الناتج مركب مستقر.

     الحوثية ليست ثورة داخل   السياسة، بل انقلاب شامل        على الثقافة، وعلى رؤية            اليمنيين للعالم             

الحوثية ليست ثورة داخل السياسة، بل انقلاب شامل على الثقافة، وعلى رؤية اليمنيين للعالم. وأول ما فعلته الحوثية أنها وضعت سقفاً للتاريخ اليمني، وجمدته عند حدود القرن السابع الميلادي. والتحديد هنا ليس دعائياً، بل معرفي وأكاديمي؛ إذ استُبعد التاريخ اليمني القديم والحديث من كتب التعليم والدراسة الأكاديمية، وأُزيل من مناهج التربية، أي انتُزع من الهوية. وتقول أهزوجة حوثية شهيرة: "على حضارة سبأ نرفع شعار الحسين". وبدلاً من الأساطير والأبطال الذين يشكلون الوقود الأحفوري لأي ثقافة شعبية أصيلة، جاءت الحوثية بأساطيرها وأبطالها. ويحتفل الحوثيون سنوياً بنحو عشرين عيداً وطنياً، لا يعني اليمني الفرد أو اليمني المجموع منها سوى مولد النبي محمد، أما سائر الأعياد فلا تمت إلى وجدانه بصلة. وكما حظروا الاحتفال بعيد الثورة اليمنية، فعلوا الشيء نفسه مع صلاة التراويح. إنه احتلال كامل للنظام الثقافي اليمني، وسعي إلى إبادته.

الحوثية، في جوهرها، حركة عنصرية استعلائية تتناقض مع خيال اليمنيين حول الحق والعدل، ذلك الخيال الذي ورثوه عن دياناتهم السابقة، ثم طوروه داخل الإسلام. ويفتي الشيخ الحوثي عبر الإذاعة بأن رحم الهاشمية محرم على أهل اليمن، وأن ذلك امتياز خص الله به سلالة من الناس. كما تؤكد كتب التربية والتعليم الحوثية أن النقاء الجيني امتياز إلهي لا يمكن تفسيره بشرياً. وشيئاً فشيئاً، صار اليمني هو الإنسان الأدنى. وأصبح مقتنعاً بأن جيناته إشكالية، وأن الجينة الفائقة للحوثية وأخواتها تدبير إلهي يصب في مصلحته، وما عليه سوى الخضوع. ويطلق على هذا الخضوع اسماً مهذباً: الموالاة.

ويُقدَّم النبي محمد بوصفه جد الحوثيين ونبي اليمنيين. ويُطلب من اليمنيين أن يراجعوا إيمانهم بالنبي محمد ليشمل التسليم بإمامة سلالته من بعده، والإمامة هنا بمعنى "استكمال النبوة". وينفذ الحوثيون عملية إصلاح ثقافي عميقة وشاملة، شعارها: "اللهم إنا نواليك، ونوالي من أمرتنا بموالاته، سيدي ومولاي عبد الملك".

ويُقدَّم الحوثي بوصفه تمثيلاً مباشراً للإرادة الإلهية، وتقع على عاتقه مهمتان: الأولى احتكار تأويل الكتاب المقدس، القرآن، والثانية تدبير شأن المعاد. وفهم اليمنيون، بعد وقت قصير، أن المراد من فكرة الموالاة أو الولاية أمران: أن العقل اليمني غير قادر على إدراك مراد الله بمفرده، وأن المجتمع اليمني غير قادر على تدبير شؤونه السياسية استناداً إلى رجاله وثقافته. وهذا الإنسان الأدنى، فرداً وجماعة، بحاجة إلى راعٍ، ولو على رغم أنفه.

وبعد مواجهات عسكرية يائسة، جاء الرد ثقافياً؛ إذ بادر اليمنيون إلى إحياء خطهم القديم، "المسند"، واستخرجوا أبطالهم الشعبيين. ونشطت الثقافة المحلية عبر وسائطها التعبيرية المختلفة، بما في ذلك الشعر الشعبي. ولم تنتج هويتها وحسب، بل جسدت الفاشية الحوثية في صورة ثلاثية الأبعاد، فأمكن معاينتها وتخيلها. وأصبح الناس يدركون، على نحو متزايد، أن الحوثية ديانة غير مسالمة، وأنها لا تعيش إلا على إبادة الآخر ثقافياً.

الحوثية رؤية شاملة للعالم، تتناقض مع رؤية اليمنيين وخيالهم. فقد احتكرت السياسة، والثقافة، والاقتصاد، والطهارة، والنقاء العرقي، وقدمت نفسها بوابةً إجبارية إلى السماء. وحتى ما بدا بسيطاً وعفوياً في تدين اليمنيين، كالإيمان بالله ورسوله، أصبح منقوصاً وغير كافٍ في الرؤية الحوثية. ويتوجب على اليمني أن يستكمل إيمانه المعلق والناقص من خلال الولاء غير المشروط للحوثي. وتربط مناهج المدرسة بين الحوثي والنبي محمد، وتربط مناهج الجامعة بين الحوثي والإله، وتخير الدعاية الثقافية أهل اليمن بين الحوثي والشتات.

 الحوثية، في جوهرها، حركة عنصرية استعلائية تتناقض    مع خيال اليمنيين حول الحق والعدل، ذلك الخيال الذي      ورثوه من دياناتهم السابقة، ثم طوروه داخل الإسلام      

إنه انقلاب شامل؛ ديانة مكتملة الأركان تريد أن تستقر على أنقاض ثقافة عميقة ومعقدة تشكلت داخل اللغة والرموز والتاريخ. وهو ما يعني أن الحوثية ستبقى مركباً غير مستقر، ودالة ثقافية مغلقة، وغير قابلة للامتزاج مع نظام ثقافي أقدم منها، وأكثر تعقيداً وجاذبية.

ومن شروط الولي، في التعريف الحوثي للإمامة، أن يكون قادراً على المبادرة إلى السيف، كما هو قادر على الإمساك بالفتوى. لكن الفتوى، أي الديانة، عجزت، وبقي السيف في يد الحوثي. فمنذ صيف عام 1995، حين أبلغ صالح جنراله السلالي الشهير المتوكل أنه ينوي تأسيس جماعة زيدية مسلحة، والحوثي يمسك بالسيف. ثم اكتشفت الزيدية نفسها، مذهباً وقبيلةً، الخديعة. فالديانة الحوثية بالغة العنصرية والقسوة، وتتطلب استسلاماً شاملاً، وتسليماً لا رجعة فيه. 

وهي حقيقة جعلت الحوثية تبدو غريبة حتى على المذهب نفسه، وعلى خطابه الفكري والفلسفي. ولا نبالغ إذا قلنا إن الزيدية ذاهبة الآن، كردة فعل على الحوثية، إلى تفكيك نفسها مذهباً، لمصلحة إعادة اكتشاف يمنيتها، وهويتها، وحتى ديانتها الأقدم.

هل نحتاج حقاً إلى كل هذه السنوات في الدراسة الجامعية؟

هل نحتاج حقاً إلى كل هذه السنوات في الدراسة الجامعية؟
د. جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي


في مشهد نراه يتكرَّر سنويًّا في محيطنا العربي، نجد أنفسنا أمام أزمةٍ هيكليَّة معقَّدة جدًّا وعميقة ونجدها متصاعدة وهي تتمثَّل في الفجوة السحيقة والواضحة بين مخرجات المؤسسات الجامعية العربية  وواقع سوق العمل المتسارع، فالالتزام الأعمى بالنمط التقليدي للتوسُّع غير المدروس وغير المنطقي في منح الشهادات الأكاديمية دون قراءةٍ موضوعية لحاجة السوق العربي الفعلي، أفرز تضخُّماً أكاديميًّا خطيراً يضخ آلاف الخريجين كلَّ عامٍ بلا طائلٍ اقتصادي حقيقي،  فإنَّ تكديس سنوات الدراسة الطويلة في تخصصات استهلكها الزمن، ولم تعد تلامس تحديات الإدارة الحديثة أو متطلبات الإنتاج، أصبح استنزافاً طائلاً لطاقات الشباب وموارد الدول على حدًّ سواٍ، وخصوصاً حين ندرك بوضوحٍ تام أنَّ النسبة الأكبر من الوظائف المتاحة اليوم لا تتطلَّب بتاتاً كلَّ ذلك العناء النظري و البطء البيروقراطي الأكاديمي الذي تمارسه الكليات التقليدية التي تعيش في برج عاجي بمعزلٍ بعيد عن نبض السوق.

فقد تجلَّت هذه الإشكالية الخطيرة بوضوحٍ جلي في معضلة  “السنوات الطويلة” في الدراسة الاكاديمية، إذ تؤكِّد بعض التحليلات المتعلِّقة بسياسات التوظيف الحديثة ودراسات سوق العمل حقيقة جوهرية، مفادها أنَّ معظم المهن الإدارية والتنفيذية والتشغيلية في مؤسسات الأعمال والقطاعات المختلفة لا تحتاج فعليًّا إلى الأربع أو الخمس سنوات الكاملة التي يقضيها الطالب حبيساً لمقاعد المحاضرات النظرية والمقررات البيروقراطية والمملة، فإنَّ المهارات الإدارية الأساسية، والقدرات التنفيذية، وحتى الجدارة المطلوبة يمكن اكتسابها بكفاءةٍ متفوقة وعبر مساراتٍ مرنة ورشيقة تشمل برامج التدريب المهني المكثف، والشهادات والمسارات التعليمية المصغرة، والخبرة الميدانية المباشرة خلال مدةٍ وجيزة لا تتجاوز بضعة شهور معدودة، وبذلك تتجاوز جمود المناهج التقليدية وأساليب التلقين العقيمة التي تفصل الخريج فصلاً تاماً عن بيئة العمل الحقيقية.

لذلك فإنَّ الإفراط غير المبرَّر في إطالة مدة التعليم النظري يخلق تكلفة عالية جدًّا ومدمِّرة لكلٍّ من الفرد والدولة على حدٍّ سواء، فعندما يُهدر الشاب زهرة عمره وأجمل سنوات شبابه في تحصيل معارف نظريَّة بحتة بعيدة عن متطلبات السوق الفعلي، فإنَّه يفقد تماماً فرصة الانخراط المبكر في عجلة الإنتاج الحقيقي، وبناء مسيرة مهنية واكتساب الخبرة المباشرة التي تصنع الفارق  في السوق، ولقد أدى هذا الخلل المتراكم إلى تكريس ظاهرة البطالة المقنَّعة في الهياكل الوظيفية، وترسيخ ثقافة اجتماعية وهمية تقدِّس الأوراق والشهادات الشكلية على حساب الإنتاجية الحقيقية والكفاءة الفعلية التي تبحث عنها المؤسسات الناجحة والشركات الكبرى التي تلهث خلف الأداء لا الألقاب.

لهذا كلُّه، أضحى من الواجب على المسؤول إحداث مراجعةٍ جذريَّة وصارمة لفلسفة التعليم العالي في العالم العربي، وعلاقته الحتمية بمنظومة العمل والإنتاج، فالإصلاح الحقيقي لا يكون بالمسكِّنات التجميلية بل يبدأ حتماً بتقليص سنوات التخصصات النظرية غير المبرَّرة، والتحوُّل الواعي نحو مساراتٍ ترتكز على الجدارات والكفاءة والتدريب الميداني المقرون بالإنتاج الفعلي، بالإضافة إلى تصحيح النظرة القاصرة تجاه التعليم التقني والمهني، فقد حان الوقت لإدراك أنَّ بناء الإنسان المزوَّد بالمهارة الحقيقية والقدرة الميدانية هو الغاية الإدارية الأسمى، لا مجرَّد تكديس الألقاب والأوراق التي تثقل كاهل الاقتصاد ولا تسمن ولا تغني من عمل.
















































































































































































































































































































حسم المعركة

  حسم المعركة

عامر عبد المنعم


ترامب غير قادر على حسم المعركة مع إيران، وليس لديه جديد يفعله؛ فمخزون الصواريخ الاعتراضية والأسلحة الذكية نفد، ولا قدرة على التعويض والانتاج السريع (تقارير موثقة للإعلام الأمريكي)، ولا قدرة على خوض حرب برية.

الحرب كشفت حدود القدرة الأمريكية، فالضربات تقابلها ضربات، والتهديد المتكرر بالجحيم ثبت أنه فارغ، وهدفه ابتزاز الخليج؛ فالتلويح بقصف الجسور ومراكز الطاقة الإيرانية هو في الحقيقة تهديد دول الخليج التي يصر الحرس الثوري على أن يكون الانتقام منها.
لن يستطيع ترامب تحسين موقفه خلال أقل من 100 يوم قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ولن يصل إلى اتفاق.
رغم كل ما يصدر عن وجود خلافات بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي فإن الرئيس الأمريكي ينفذ أجندة نتنياهو شبرا بشبر وذراعا بذراع، ولا يستطيع الفكاك منها.
الحروب المفتوحة في غزة ولبنان والتوغل في سوريا ستنضم إليها حرب إيران، ولن تنجو الولايات المتحدة من الاستنزاف في صراعات لانهائية من أجل إسرائيل إلا باختفاء ترامب ونتنياهو.
عامر عبد المنعم

القرآن ومنهج صناعة النماذج الحضارية

 القرآن ومنهج صناعة النماذج الحضارية






إن المتأمل في القرآن الكريم يلحظ أن الله سبحانه وتعالى لا يذكر الأشخاص والطغاة والجبابرة على سبيل الحكاية التاريخية المجردة، وإنما يعرضهم بوصفهم نماذج بشرية متكررة وقوانين اجتماعية وحضارية تتجدد في حياة الأمم. ولذلك فإن القرآن لم يجعل من فرعون أو النمرود أو هامان أو قارون مجرد شخصيات ماتت وانتهى أثرها، بل جعل منهم ظواهر مستمرة تتكرر بأسماء مختلفة وصور متجددة كلما ضعفت عقيدة التوحيد واختلت موازين العدل والحق في المجتمعات

وقد تنبه عدد من المفسرين إلى هذه الحقيقة؛ فكان ابن القيم رحمه الله يؤكد أن القرآن الكريم لم ينزل لمجرد معرفة أخبار السابقين، وإنما للعبرة والاعتبار، وأن من لم ينظر إلى مواقع العبرة في قصص القرآن فقد فاته أعظم مقاصدها. كما يشير ابن تيمية إلى أن سنن الله في الأمم لا تتغير، وأن ما وقع للأولين يقع للآخرين إذا تشابهت الأسباب والعلل وهو ما يعرف بقانون السنن.

ومن هنا فإن الحديث عن الفرعونية أو النمرودية أو الهامانية أو القارونية ليس حديثًا عن التاريخ، بل عن الواقع والإنسان والحضارة ومصير من يخالف سنة الله التي لن تجد دونها تحويلا لأنها صيرورة وحتمية لا محيد عنها

إذا تأملنا قصة موسى عليه السلام في القرآن نجد أن الله تعالى لم يواجهه بفرعون وحده؛ بل قرن معه هامان وقارون في أكثر من موضع تتمثل فيهم القوة السياسية والعسكرية والمالية مجتمعة معا

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ۝ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾. 
وقد توقف المفسرون طويلًا عند هذا الاقتران. 
يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره إن القرآن يجمع بين هؤلاء لأنهم يمثلون القوى التي تفسد الحياة الإنسانية: قوة السلطة، وقوة المال، وقوة المعرفة الموظفة لخدمة الاستبداد.

أما النمرود فقد ورد في سياق آخر مع إبراهيم عليه السلام ليمثل نموذج الطغيان الفكري والعقدي الذي يتجاوز مجرد الاستبداد السياسي إلى منازعة الله في ربوبيته وسلطانه، وهكذا تتكامل الصور الأربع لتشكل منظومة متكاملة من الانحراف الحضاري

الظاهرة الفرعونية.. حين تتحول السلطة إلى إله

فرعون في القرآن ليس مجرد حاكم مستبد، فالتاريخ مليء بالمستبدين، لكن القرآن اختاره لأنه يمثل أقصى درجات الانحراف السياسي والعقدي قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾

ويقول الطبري في تفسيرها: أي تجبر وتكبر وطغى على عباد الله

ويقول القرطبي: العلو هنا ليس علو المكان بل علو القهر والسلطان والاستكبار؛ فالفرعونية تبدأ عندما تتحول السلطة من وظيفة لخدمة الناس إلى وسيلة لاستعبادهم، وتصل ذروتها عندما يحتكر الحاكم الحقيقة ويجعل نفسه فوق المساءلة والنهي؛ ولهذا قال فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ إنها عقلية الاستبداد التي لا تعترف بعقول الناس ولا بحقهم في التفكير المستقل.

وقد رأى الشيخ محمد الغزالي أن الفرعونية ليست مرتبطة بزمن معين، بل هي مرض يصيب كل سلطة لا تخضع للقيم والأخلاق والرقابة، ولذلك فإن الفرعونية المعاصرة قد تظهر في الدولة، وقد تظهر في الحزب، وقد تظهر في المؤسسة، بل قد تظهر في الجماعات الدعوية عندما يتحول القائد إلى شخص لا يُراجع ولا يُنتقد، ومن أخطر آثار الظاهرة الفرعونية أنها تقتل روح المبادرة والمسؤولية، وتنشر الخوف، وتجعل المجتمع تابعًا بدل أن يكون شريكًا في صناعة مستقبله.

الظاهرة النمرودية.. طغيان القوة والعقل المتكبر

إذا كانت الفرعونية تمثل استبداد السلطة، فإن النمرودية تمثل استبداد العقل والقوة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وقد أشار المفسرون إلى أن سبب انحراف النمرود لم يكن الجهل، وإنما الغرور بالقوة والسلطان.

يقول الفخر الرازي إن الآية تشير إلى أن الملك إذا لم يضبط بالإيمان قد يصبح سببًا للغواية والطغيان، النمرودية في جوهرها هي الاعتقاد بأن الإنسان قادر على الاستغناء عن الله وعن الوحي

ولهذا فإنها لا تقتصر على شخص النمرود التاريخي؛ بل تتجدد في كل فلسفة تؤله الإنسان أو تجعل العقل وحده مصدر الحقيقة المطلقة

لقد رأى مالك بن نبي أن الحضارة الغربية الحديثة وقعت أحيانًا في نوع من النمرودية الفكرية حين اعتقدت أن التقدم العلمي قادر وحده على الإجابة عن جميع الأسئلة الوجودية والروحية

وهنا يبرز الدرس القرآني العميق أن العلم قوة عظيمة، لكنه لا يغني عن الهداية وأن العقل نعمة كبرى، لكنه يحتاج إلى الوحي كي لا يتحول إلى أداة للاستكبار.

الظاهرة الهامانية.. المثقف الذي يبرر الطغيان

من أعمق الظواهر التي عرضها القرآن الظاهرة الهامانية

فقد كان هامان وزيرًا ومستشارًا لفرعون، ولم يكن صاحب القرار الأول، لكنه كان العقل التنفيذي للمشروع الفرعوني قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾.

ويلاحظ المفسرون أن القرآن يكرر اقتران هامان بفرعون لأن الطغيان لا يعيش وحده، يقول ابن عاشور إن ذكر هامان يدل على دور الأعوان والنخب في تثبيت الاستبداد وإدامته فالطغاة يحتاجون دائمًا إلى من يزين باطلهم ويصوغ خطابهم ويبرر أفعالهم ومن هنا تمثل الهامانية أخطر صور خيانة العلم إنها حالة العالم الذي يبيع علمه.

والمثقف الذي يسخر قلمه لخدمة الظلم والإعلامي الذي يحول الأكاذيب إلى حقائق والخبير الذي يمنح الفساد غطاءً قانونيًا أو فكريًا.

وقد كان أبو الحسن الندوي يرى أن فساد العلماء والمثقفين أخطر من فساد الحكام؛ لأن الحاكم الظالم يحتاج إلى من يشرعن ظلمه ويخدع الناس بشأنه، ولهذا فإن الهامانية ليست مجرد وظيفة سياسية، بل هي انحراف أخلاقي يصيب أصحاب العلم والمعرفة عندما ينفصل العلم عن الضمير.

الظاهرة القارونية.. عبادة المال والاستعلاء بالثروة


أما قارون فيمثل الوجه الاقتصادي للفساد الحضاري قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾.

ويقول ابن كثير إن بغيه كان بسبب الغنى والطغيان والتكبر على الناس إن قارون لم يكن فقيرًا ثم ظُلم، بل كان غنيًا أغناه الله لكن المشكلة بدأت حين اعتقد أن ثروته ثمرة عبقريته المطلقة ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ويعلق السيخ متولي الشعراوي على هذه الآية بقوله إن قارون نسي أن الله هو الذي منحه القدرة والفرصة والأسباب.

فالقارونية ليست امتلاك المال، بل عبادة المال وليست الغنى، بل الغرور بالغنى وليست التجارة، بل تحويل الثروة إلى أداة للاستعلاء والهيمنة

أوجه الاتفاق بين الظواهر الأربع

حين نتأمل هذه النماذج نجد أنها ليست منفصلة كما يبدو

فالفرعونية تمثل طغيان السلطة

النمرودية تمثل طغيان القوة والفكر المتكبر

الهامانية تمثل طغيان النخبة والمعرفة المنحرفة

والقارونية تمثل طغيان المال

لكنها جميعًا تلتقي في أصل واحد هو الاستكبار عن الحق

ولهذا يقول الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

فالاستكبار هو الخيط الذي يجمع بينها كلها؛ كما أنها جميعًا تقوم على إفساد ميزان التوحيد؛ فالسلطة تصبح إلهًا عند فرعون والقوة تصبح إلهًا عند النمرود والمال يصبح إلهًا عند قارون والمنصب والمعرفة يصبحان إلهًا عند هامان.

الدروس القرآنية والحصانة الحضارية


إن أعظم ما نتعلمه من هذه النماذج أن معركة التوحيد ليست معركة فكرية مجردة، بل هي معركة تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية؛ فالقرآن يريد أن يبني مجتمعًا لا تتحكم فيه الفرعونية السياسية، ولا النمرودية الفكرية، ولا الهامانية الثقافية، ولا القارونية الاقتصادية، ولهذا كانت الحصانة الحقيقية تقوم على عدة أسس

أولها: ترسيخ عقيدة التوحيد التي تجعل الولاء المطلق لله وحده

ثانيها: بناء مؤسسات العدل والشورى والمحاسبة لمنع عودة الفرعونية

ثالثها: ربط العلم بالأخلاق حتى لا تتحول النخبة إلى أدوات هامانية

رابعها: توجيه المال لخدمة المجتمع لا لاستعباده

خامسها:
تربية الإنسان على الزهد في الاستعلاء مهما امتلك من سلطة أو علم أو مال

خلاصة

إن فرعون والنمرود وهامان وقارون ليسوا مجرد شخصيات من الماضي، بل رموز قرآنية خالدة تكشف الأمراض التي تصيب الأمم حين تنفصل عن هداية الله. 
وقد أراد القرآن أن يلفت أنظارنا إلى أن الحضارات لا تسقط بسبب الفقر أو الضعف العسكري فقط، وإنما تسقط عندما تتحالف السلطة المستبدة مع المال المتكبر والعلم المنحرف والقوة المتغطرسة

ومن هنا فإن قراءة هذه النماذج ليست استذكارًا للتاريخ، بل قراءة للواقع واستشراف للمستقبل، وبناء لحصانة فكرية وأخلاقية تجعل الأمة قادرة على مقاومة كل أشكال الطغيان مهما تغيرت أسماؤها وشعاراتها ووسائلها.

الحروب الوظيفية وبغي الفرس والروم


الحروب الوظيفية وبغي الفرس والروم

كاتب وباحث في الشئون الإسلامية


الفرس والروم خصوم مجرمة يتحركون من خلال رؤية شيطانية وظيفية ماكرة الغاية الكبرى لديهم يكمن في تفكيك جغرافيا بلاد العرب والمسلمين في حالة توافقهم وفي حالة النزاع الوظيفي بينهم فلن تستطيع جاهلية منهم القضاء على الأخرى لأنهم يحرصون على بقاء الخصوم بقدر ما يدافعون عن الأولياء فالحروب بينهم ليست صفرية بل وظيفية لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم واقعهم أو مستقبلهم ولربما تكون أخطر أهدافهم إسقاط شعوب الأمة العربية والإسلامية في تيه الدفاع عن احدهم لمجرد عاطفة الفهم مجريات الواقع أو المستقبل القريب والبعيد..

إن صناعة الأزمة العالمية والحروب منهج مدروس عند غران النظام الدولي فالحروب فرص استثمارية لإعادة تشغيل مصانع السلاح ثم إشباع رغبات سدنة البنوك الربوية ثم إعادة تشكيل الجغرافيا بما يحقق الاشباع النفسي لجاهلية البغي الرومي الأمريكي أو الأوروبي.

ليس من المنهجية العلمية التعامل مع فروع المدارس الباطنية بعيدا عن أصول العقائد الجامعة لأصحاب الجحيم سواء كانوا يهود أو نصارى حيث كانت شخصية عبد الله بن سبأ اليهودي محور رئيس في بناء أوكار المدارس الباطنية المجرمة التي فعلت بالأمة العربية والإسلامية ما فعله اليهود والصهيونية والصليبية على ممر التاريخ والواقع القريب.

من المؤلم جدا تلاعب العرب بعقول أبناء الأمة أو. غالبية من سقط في تيه الحسابات الحزبية أو الجماعات الإسلامية الأسيرة للولاء الخاص على حساب أصول الولاء العام للأمة العربية والإسلامية السنية المدركة لحقيقة المكون العام لأصحاب النعيم أو أصحاب الجحيم.

إن العقلية الأمريكية تحمل بين طياتها جميع صور المكر المعادي للأمة العربية والإسلامية فقبل عقود أربع تحديدا عام 1979 وقف الغرب بصفة عامة داعما لشيطان القرن.

الخميني الذي فعل ما قام به هولاكو أو جنكيز خان طاغية المغول وتمت جريمة دعم شيطان القرن الخميني لتفكيك البلاد السنية وبناء جيل يسقط في تيه الباطنية تحت مظنة الولاء لآل البيت وسبحان من ضرب قلوب الظالمين بعضهم ببعض

فوقع الصراع الوظيفي الشيطاني بين فروع الجاهلية المعاصرة جند الفرس تحت راية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجند الروم تحت راية الإدارة الأمريكية الفاشية

هل تبقى البلاد العربية والإسلامية في دائرة سداد الفواتير حال رضا الروم عنهم وحال الغضب؟

لسنا ممن يؤصل أو يستسلم لعقدة المؤامرة بل نسعى جاهدين لإدراك أصول الصراع بين الحق والباطل بعيدا عن هوس التلميع عند الاستغراق في تيه الولاء المحدث أو البراء الوظيفي.

الخلاصة:

أمريكا راس الجاهلية المعاصرة تتحرك من خلال رؤية شيطانية خاصة بها تحسن استثمار عقول ضحاياها في كافة محاور السياسة الوظيفية المدمرة التي تحسن التلاعب بالجماهير عن طريق آلة الإعلام فتجعل من تشاء شيطان رجيم وتجعل من تشاء خل حميم وتستمر أمواج التدليس ولا يبقى في ما من الا أهل العلم الراسخين الذين ينطلقون من أصول أصحاب النعيم صحب الرسول صلى الله عليه وسلم وما أجمعت عليه الامة خلال القرون الفاضلة الثلاثة الأولى.

انتهاء اتفاقيات السلام وانهيار الإبراهامية

آخر كلام       

انتهاء اتفاقيات السلام وانهيار الإبراهامية

 

د. محمد المقاطع  

أظن أن اتفاقيات السلام بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، بما فيها اتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية، دخلت مرحلة الموت السريريّ، وبدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة واحدة تلو الأخرى، وبدأت شواهد وإرهاصات الموت السريريّ لهذه الاتفاقيات تنعكس بشكل متزايد في السلوك العدائي للكيان الصهيوني وتزايد وتعاظم سلوك الإبادة والتطهير العرقي والتهجير، والتحريض المباشر الذي يقوم به هذا الكيان على الفلسطينيين للتحلل من اتفاق «هدنة غزة» الهزيل، بعد أن رأى جدية ترامب في تطبيق بنود الهدنة، ومن أهمها انسحاب الكيان الصهيوني الكامل من غزة، وكذلك نرى السلوك العدواني للكيان الصهيوني على دول عربية أطراف باتفاقيات السلام تلك، ما يؤكد دخولها مرحلة لفظ الأنفاس وعدم رواج نموذجها ولا توسيع رقعتها. 

وهذه الحقيقة الجلية تتزامن بصورة طردية مع توقف عجلة التطبيع مع الكيان الصهيوني بكل أشكاله وصوره، بما في ذلك انهيار مشروع اتفاقات إبراهام التي حظيت بضغوط وبدعم أميركي مباشر، وها هو الموقف العربي والإسلامي متماسك وصلب في التصدي لها، وفي مقدمة هذه الدول باكستان وتركيا والسعودية وإندونيسيا، ولن أفاجأ بعد اليوم بأن نرى تصاعداً لتيار عربي وإسلامي عكسي يجهض ويفشل ويتحلل من كل أشكال الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني ويفشل عجلة ومسار التطبيع مع الكيان الصهيوني اللقيط. وخصوصاً أن التجارب المريرة للدول الموقعة لهذه الاتفاقيات عايشت تنكر الكيان الصهيوني لالتزاماته بتلك الاتفاقيات وتحلله منها وعدم إيلائها أي اعتبار في سلوكه العدواني والإجرامي، والأيام حبلى بكثير من الخفايا والوقائع المؤكدة لذلك. بل إن أحداث غزة وعدم التزام الكيان الصهيوني باتفاق وقف إطلاق النار وعدم تنفيذ مراحله ومضيه في إرهابه والإبادة الجماعية في غزة وسياسة التجويع والتطهير العرقي المستمر والذي لم يتوقف يوماً فيها على نحو وحشي وعدواني، شكّل قناعات عربية وإسلامية واسعة مناوئة لتيار السلام واتفاقياته مع هذا الكيان اللقيط، فضلاً عن وقف ورفض التطبيع معه، ولا يغيب عن الأذهان تنصل ورفض الكيان الصهيوني لحل الدولتين والقيام بأعمال خبيثة وعدائية لإفشاله. 

بل إن الاعتداءات المتكررة للكيان الصهيوني على الضفة ونقل معركة الإبادة والحصار والتطهير العرقي والتهجير وحرق الأراضي الفلسطينية فيها سيكون شرارة إعلان نهاية المشروع الصهيوني وتوسيع دائرة التصدي العربي والإسلامي له بصورة غير مسبوقة خصوصاً مع تصاعد وتتابع إجراءات الكيان الصهيوني في انتهاكاته للمسجد الأقصى ومساعيه الخبيثة الرامية لتهويد المسجد الأقصى والقدس الشريف. 

وستكون تلك هي القاصمة التي ستكسر ظهر هذا الكيان اللقيط المتغطرس ووجوده ومخططه إلى غير رجعة، وسيكون ذلك أقرب وأسرع مما يمكن أن يتصوره أي منا. 

فلحظة انهيار اتفاقات السلام أوشكت أن تحدث!  وعلى الصهاينة ستدور الدوائر ولكن أكثر الناس لا يعلمون.