الأحد، 29 مارس 2026

حِكمةُ القَصبةِ والسَّنديانة !

نقطة نظام

حِكمةُ القَصبةِ والسَّنديانة !

 أدهم شرقاوي



 يروي «إيسوب» في خُرافاتِه المُمتعة:

أنَّ السنديانةَ قالتْ يومًا للقصبة: يا لِضعفِكِ ولِينِك، لو حطَّ عليكِ عصفورٌ لانحنيتِ، ولو مرَّتْ بكِ نسمةٌ لأحنتْ رأسَكِ! اُنظُري إليَّ كيف أقفُ قويةً شامخةً، أتحدَّى أشعةَ الشمس، وأهزمُ الريح، وما يبدو لكِ عاصفةً هو كالنسيمِ عندي، لا شيء أبداً يُمكنُه أن ينالَ منِّي!

فقالتْ لها القصبة: إنَّ خوفي من الريحِ أقلُّ من خوفِكِ، فعندما تهبُّ أنحني حتى تمرَّ، أمَّا أنتِ فلِيباسةِ رأسِكِ تتكسَّرُ أغصانُكِ!

وما كادتِ القصبةُ تُنهي كلامَها، حتى جاءتْ ريحُ الشمالِ أقوى وأعتى ممَّا تأتي عليه عادةً! انحنتِ القصبةُ كالعادةِ مع كلِّ هجومٍ للريح، أمَّا السنديانةُ فكانتْ تَسقطُ غُصنًا بعدَ آخر!

أوَّلُ ما خطرَ في بالي عندما قرأتُ هذه القصةَ هو قولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن يُحرَمِ الرفقَ يُحرَمِ الخيرَ»!

وقولُهُ بأبي هو وأمي ونفسي والناسِ أجمعين: «ما كانَ الرفقُ في شيءٍ إلا زانَه، وما نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَه».

القوّةُ ليست دائمًا في الصلابة، ولا الثباتُ كلُّه في أن لا تميل؛ فبعضُ الانحناءِ حكمةٌ، وبعضُ اللينِ نجاةٌ، وبعضُ التراجعِ تقدُّمٌ من نوعٍ آخر.

في هذه الحياةِ، لا تُقاسُ الأشياءُ بظاهرِها؛ فقد يبدو الصمودُ شجاعةً، وهو في بعضِ المواقفِ تهوُّر، وقد يبدو التنازلُ ضعفًا، وهو في حقيقتهِ فقهٌ عميقٌ بطبيعةِ الطريق.

ولأنَّ العواصفَ لا تستأذنُ حين تأتي، كان لا بدَّ للإنسانِ أن يتعلّمَ متى يقفُ كالسنديانة، ومتى ينحني كقصبةٍ تعرفُ أنَّ النجاةَ ليست دائمًا في المواجهة، بل أحيانًا في المرورِ بسلام!

الحياةُ مليئةٌ بالمواقفِ التي هي على شكلِ عواصفَ، ويجبُ على الإنسانِ أن ينحنيَ أمامَها حتى تمرَّ، وهذا من حُسنِ الخُلُق، وأدبِ العِشرة، وطِيبِ الأصل!

تقعُ الخلافاتُ الزوجيَّةُ في كلِّ البيوت، ويباسُ الرأسِ في هذه المواقفِ دمارٌ للأُسرة، وفرقةٌ للقلوب، ومَجلبةٌ للوَحشةِ والنُّفور، العُقلاءُ يتغاضون، فإنَّ البيوتَ إنَّما تستمرُّ بالتغاضي والتطنيش، لأنَّ كسبَ المواقفِ في هذه الحالاتِ يعني كسرَ الطرفِ الآخر، وتفكيكَ عُرى الأُسرة!

وتقعُ الخلافاتُ في كلِّ العائلات، والذي يسعى فيها لكسبِ الجولةِ دومًا سينتهي به المطاف لأن يكونَ قاطعَ رحمٍ، فأيُّ حربٍ هذه أن يُبارزَ المرءُ نفسَه، وأن يغرزَ رمحَه في لحمِه!

في الأمورِ التي تتعلَّقُ بالعقيدةِ والدينِ والمبادئ، قِفْ كالسنديانةِ ولو لم يبقَ فيكَ غصنٌ واحدٌ بخير، أمَّا في مواقفِ الحياةِ مع الأهلِ والأصدقاءِ والجيرانِ ورفاقِ العملِ فكُنْ قصبةً ليِّنةً، فمَن لانَ كثُرَتْ أغصانُه، وإنَّ اللهَ تعالى يُعطي على الرفقِ ما لا يُعطي على غيرِه!

كيف تبيع عقلك بالتقسيط المريح؟!

 خواطر صعلوك

كيف تبيع عقلك بالتقسيط المريح؟!



دعنا نتحدث بصراحة يا صديقي القارئ... منذ أن كنتُ طفلاً صغيراً، كان عقلي يصاب بـ «ماس كهربائي» وأنا أراقب كيف تتورط أسماء رنانة من بعض نخبنا الثقافية العربية في التصفيق بحرارة لغزو الكويت. 
كنت أظنها وقتذاك «زلة» تاريخية عابرة، لكنني كبرت، وتجددت دهشتي الممزوجة بالمرارة وقد رأيت الوجوه ذاتها وأبناء عمومتهم يبررون سحق عظام السوريين تحت دبابات بشار. 
واليوم، أقف مذهولاً أضرب كفاً بكف، أمام طابور هؤلاء المثقفين الذين ينساقون كالمنومين مغناطيسياً خلف السردية الإيرانية ضد دول الخليج.

لذا، قررت أن أضع بين يديك هذه السلسلة المكونة من أربعة مقالات، لنمسك بمشرط الجراح ونفكك هذا «العطب البنيوي» المزمن في العقل النخبوي العربي.

ولنبدأ بمقالنا الأول للبحث عن إجابة لسؤال المليون دولار: 
كيف ينخدع بعض المثقفين العرب للمرة والواحدة بعد الألف؟ وكيف يتحول صاحب العقل النقدي إلى «بوق تبريري» يسبّح بحمد الأنظمة الاستبدادية والدموية؟ 
الأمر يا سادة، ليس مجرد خطأٍ بسيطٍ في التقدير السياسي، بل هي «صنعة» متكاملة الأركان، تتطلب الغوص في علم الاجتماع المعرفي وعلم النفس. 
فإذا أردنا التأصيل الفلسفي لهذه الكارثة، علينا العودة إلى عام 1927، حين جلس الفيلسوف الفرنسي جوليان بندا، يراقب صعود الفاشيات في أوروبا، وأصدر كتابه الصادم «خيانة المثقفين». لقد لاحظ الرجل تحولاً يثير الغثيان؛ فالمثقفون (أو الكَتَبَة كما أسماهم)، الذين كانت وظيفتهم التاريخية هي حراسة الحقيقة الكونية والعدالة المطلقة، أخذوا استقلاليتهم ونزاهتهم ورموا بها في أقرب سلة مهملات طواعية
انخرط هؤلاء في الغرام بالمشاعر القومية والعصبيات الأيديولوجية، وتحولوا إلى «مهندسين» محترفين لتنظيم الكراهية السياسية. 

بالله عليك، ألا ينطبق هذا التوصيف بالمسطرة والقلم على شريحة واسعة من محللينا وكتابنا في عالمنا العربي؟! ألم يبيعوا عقولهم لسرديات بعض الأنظمة مقابل وهم الانتماء لمشاريع «أممية» لم نرَ منها طوال سبعين عاماً سوى الخراب والركام؟! 
هنا قد تسألني براءة: «وكيف يستطيع هذا المثقف أن يضع رأسه على الوسادة وينام قرير العين، بعد أن يبرر إبادة مدن بأكملها؟».

هل يتعاطى المهدئات؟ 
لا يا عزيزي، بل يتعاطى ما أسماه عالم النفس ألبرت باندورا، بـ«فك الارتباط الأخلاقي». 
فالبشر بطبيعتهم يمتلكون جهاز إنذار داخلي يمنعهم من تبرير الوحشية، لكن نخبنا المبجلة اكتشفت «زر الكتم» لإسكات هذا الضمير، عبر حيل نفسية تجعلهم يبررون أفظع الجرائم دون أن يرف لهم جفن.

تعال كي نرى كيف تعمل آليات «باندورا» بكفاءة منقطعة النظير في خطابنا النخبوي:

الآلية الأولى (التبرير الأخلاقي): 
لا يجوز أن نسمي إبادة شعب أو غزو دولة جريمة، هذا يخدش الحياء الأيديولوجي! بل نعيد صياغتها لتصبح «عملاً بطولياً ضرورياً» يخدم غاية مقدسة ومطلقة كـ «تحرير فلسطين» أو «مواجهة الإمبريالية». وباسم هذه الغاية الكبرى، يصبح هدم البيوت على رؤوس ساكنيها عملاً مقدساً يُثاب فاعله!

الآلية الثانية (مستحضرات التجميل اللغوية): 
بدلاً من استخدام كلمات فجة مثل «احتلال» أو «مجازر»، يستل هذا المثقف معجمه المضلل ويطلق عليها «إسقاط المؤامرة» أو «دعم محور الممانعة». إنها باختصار شديد عملية «غسيل» لغوي للجريمة... ودعني أؤكد لك أن غسل الجرائم أوسخ بكثير من غسل الأموال!

أما الآلية الثالثة (وهي درة التاج): 
تجريد الضحية من إنسانيتها. لكي ينام ذلك المثقف مرتاحاً وهو يرى الملايين يُسحقون، يجب أن ينزع عنهم صفتهم البشرية أولاً. هؤلاء ليسوا بشراً لهم أحلام وعائلات، بل هم مجرد «خونة»، «عملاء»، «متآمرون»، أو -لإضافة لمسة أكاديمية- «جماعات وظيفية لخدمة الصهاينة». بمجرد أن يكتمل هذا التجريد، لا يعود مثقفنا يرى دماءً أو أشلاءً متناثرة، بل يرى مجرد «عقبات» صغيرة يتم تنظيفها من طريق مشروعه الأيديولوجي العظيم!

هذه التركيبة السيكولوجية المعقدة، الممزوجة بشعور عميق بالعجز والدونية الحضارية، تجعل بعض محللينا يصابون بما يمكن تسميته «متلازمة استوكهولم السياسية». إنهم يقعون في غرام المعتدي المستبد، ويتبنون لغته وحججه، ظناً منهم أن حذاءه الغليظ هو القوة الوحيدة القادرة على كسر الهيمنة الغربية.

هذا الانخداع الأيديولوجي يفرغ العقل من وظيفته، ويحول هذا المثقف إلى محامٍ «شاطر» في محاكم الاستبداد، يقف بكامل أناقته ليبيع كل مبادئه الإنسانية بنظام «التقسيط المريح»، طالما أن الشيك في النهاية مسحوب باسم «القضايا الكبرى».

ولكن... ما يغيب عن عقل هذه النخب وسط زحام تبريراتهم، هو أن كل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

بعد شهر من الحرب خذ الخبر من الطفل

بعد شهر من الحرب خذ الخبر من الطفل

أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل بعد مرور شهر على العدوان الذي قامتا به ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وقد اندفعتا إليه بقوة مفرطة، تعيشان اليوم نوعا من خيبة الأمل بشأن قوتهما، وفي الوقت نفسه لا تخفيان دهشتهما من أداء إيران وفي قدرتها على الصمود، ومواصلة الحرب، بل وحتى في مرحلة ما السيطرة على مجرياتها.

ترمب: "لم نكن نتوقع هذا القدر"

في تركيا نقول في مثل هذه الحالات: "خذ الخبر من الطفل"، لأن الطفل يتكلم بلا حساب ولا تخطيط فيكشف الحقائق.

وفي مثل هذا الوضع يمكننا الآن أن نقول: "خذ الخبر من ترمب". ليس لأنه يمتلك براءة الطفل، بل لأنه يُفرط في الكلام ويسترسل فيه دون حساب. فهو أحيانا يكشف أسرار الدولة، ومعارفها، ولا وعيها ووعيها، وهو يتباهى أو يفاخر أو حتى يشكو، وهذا أسلوبه المعروف.

وقد سمعنا بالفعل، وسط كثير من الكلام، اعترافات في هذا الاتجاه: لم نكن نتوقع هذا القدر، لا من إيران ولا من أنفسنا.

يبدو أن هناك الكثير مما لم يتوقعوه بعد، ولكن لا ينبغي أن نبالغ في القول؛ فربما يكون هناك أيضا ما لم نتوقعه نحن.

لم نتمكن حتى الآن من فهم منطق هذا العدوان الأمريكي الإسرائيلي. ففي كل خطوة تظهر معلومات، وحصيلة، وحسابات مختلفة.

فهل كان إغلاق مضيق هرمز بعد فنزويلا أمرا غير متوقع مثلا، أم إنه خطوة كانت محسوبة أصلا؛ لمنع الصين من تأمين إمدادات النفط؟ وبالتالي، هل كان الهدف الحقيقي من الهجوم على فنزويلا وإيران هو الصين؟

وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تفعله إسرائيل في هذه الحرب؟ وهل طموحاتها الصهيونية اللاهوتية السياسية ليست سوى أداة في صراع الولايات المتحدة مع الصين؟

هذه أسئلة جدية بطبيعة الحال. وهي ليست من الأسئلة التي يمكن حلها بالاعتماد على نظرية واحدة والتمسك بها حتى النهاية. ففي كل مرحلة قد تظهر تطورات تضع كل نظرية على المحك. إنها قصة حجر ألقاه مغامر، ولا يستطيع ألف عاقل إخراجه.

الحسابات العسكرية ومقاومة الواقع

إن دخول واشنطن هذه الحرب باتباع خط نتنياهو قُدم في البداية كضربة استباقية منطقية عسكريا، لكن ما وصلنا إليه اليوم يعزز احتمال كونه خطأ إستراتيجيا كبيرا.

لأن الفرضية الأساسية في بداية الحرب كانت أن الضربات التي تستهدف القيادة العليا ستؤدي بسرعة إلى شل قدرة إيران على اتخاذ القرار العسكري، وإحداث حالة من الذعر والانهيار داخل النظام، وأن الضربات الجوية المكثفة ستعطل قدرات الصواريخ والطائرات المسيرة خلال أسابيع قليلة.

غير أن ما يظهر اليوم هو أن هذه الأهداف تحققت بشكل محدود فقط. فبحسب تقديرات استخباراتية مختلفة، لم يتم تدمير سوى نحو ثلث مخزون إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة بشكل كامل، بينما بقي جزء مهم منها متضررا، أو مخفيا، أو منقولا إلى منشآت تحت الأرض.

وهذا يدل على أن التخطيط العسكري الأولي قد قلل من شأن الطبيعة الموزعة والمرنة لقدرات إيران العسكرية المدفونة تحت الأرض.

أما فيما يتعلق بردود الفعل الإيرانية، فمن الصعب القول إن واشنطن وتل أبيب قد توقعتا جميع النتائج. إذ لم تُشل قدرة إيران على الرد بشكل كامل، بل على العكس، كلما طال أمد الحرب زادت قدرتها على استخدام أدوات "التمدد غير المتكافئ" بشكل أكثر فاعلية. وكان الضغط على البنية التحتية في الخليج، وعلى القواعد العسكرية، وعلى طرق التجارة البحرية مثالا واضحا على ذلك.

كما أن دخول الحوثيين في اليمن إلى ساحة الحرب فعليا أظهر أن الصراع لن يبقى محصورا في مثلث إيران-إسرائيل-الولايات المتحدة، بل قد يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب. ويمكن اعتبار هذا التوسع أحد أهم التطورات غير المتوقعة التي ضاعفت كلفة الحرب.

فإذا كانت حرب ما قد بدأت بهدف شل القدرة المركزية للخصم، لكنها أدت إلى فتح جبهات جديدة ومجالات ضغط إضافية، فإن ادعاء النجاح العسكري يصبح بالضرورة موضع شك.

فإلى أي مدى أضعفت الضربات الأمريكية الإسرائيلية، بما في ذلك اغتيال القيادة العليا، القدرات العسكرية الإيرانية؟
الجواب الصادق ينبغي أن يكون: إلى حد مهم، لكن غير حاسم.

فالضربات التي استهدفت القيادة العليا ومراكز القرار الإستراتيجي أحدثت هزة كبيرة، خصوصا في الأسابيع الأولى.

وتشير بيانات المراقبة الميدانية والتقارير القادمة من الداخل الإيراني إلى خسائر بشرية كبيرة، ودمار واسع في البنية التحتية، وضغوط على آليات الحكم. لكن هذه البيانات نفسها تظهر أن النظام لم يتفكك، بل تمكن من تنظيم مظاهرات مؤيدة واسعة، وأن جهاز الدولة لم يتآكل رغم فقدان بعض القيادات، ولم يحدث انهيار داخلي كبير.

ولذلك فإن توقع "الوصول إلى عتبة تغيير النظام" يبدو أنه قد تبخر إلى حد كبير. أي إن إسرائيل والولايات المتحدة قد أصابتا إيران، لكنهما لم تتمكنا من شلها.

والنتيجة السياسية لهذا الأمر أكثر أهمية. إذ إن ردود الفعل الإيرانية تجاه الخليج ومحيطها الإقليمي قد تعمق أزمة ثقة جديدة على المدى الطويل.

فمن جهة، تتحسب دول الخليج من أن تصبح إيران أكثر عدوانية تحت ضغط الحرب، ومن جهة أخرى تخشى أن تتحول أراضيها وبنيتها التحتية للطاقة إلى أهداف مباشرة في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية. وهذه المخاطر المزدوجة تدفع العواصم الخليجية إلى اتخاذ مواقف متوازنة من الصراع حتى لا تتسع دائرته أو تنزلق إليه.

وفي هذا السياق، فإن الحراك الدبلوماسي الجديد الذي يضم السعودية، وتركيا، ومصر، وباكستان ينبع من هذا الشعور المشترك بالانكشاف. فالبحث عن إطار لا يقوم على محاصرة إيران بالكامل، بل على إدارة الحرب ضمن حدود يمكن التحكم بها، أصبح أكثر وضوحا.

ولذلك تكتسب منصة الحوار الرباعي التي ستستضيفها باكستان أهمية خاصة، إذ يمكن النظر إليها كمحاولة لبناء آلية إقليمية لإدارة الأزمات، في مقابل النظام الأمني التقليدي ذي الطابع الغربي.

صدمة الطاقة وحدود تحمل واشنطن
أما على الصعيد الاقتصادي، فالسؤال واضح: إلى متى يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل هذه "الصدمة الكبرى في الطاقة" الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط؟
الجواب المختصر: يمكنه الصمود لفترة، لكن الكلفة تتراكم بسرعة.

فمضيق هرمز يمثل نقطة عبور لما يقارب خُمس تدفقات النفط العالمية، وأي تعطل طويل فيه يرفع ليس فقط أسعار النفط، بل أيضا تكاليف الغاز المسال والأسمدة والنقل البحري والتأمين.

وفي الولايات المتحدة، فإن اقتراب أسعار البنزين من عتبة نفسية تبلغ 4 دولارات للغالون، إلى جانب الضغط الكبير على قطاع النقل بسبب ارتفاع أسعار الديزل، يشير إلى أن آثار الصدمة قد وصلت إلى المستهلك مباشرة.

كما يحذر مسؤولو الاحتياطي الفدرالي من أن الحرب قد تضر بتوقعات التضخم وسوق العمل، وهو ما يعني أن هذه الحرب لم تعد مجرد أزمة إقليمية، بل أصبحت عاملا يعزز مخاطر الركود العالمي.

وهنا يبدأ حد التحمل السياسي الداخلي في واشنطن. فالحكومات الأمريكية قد تبرر الحروب الخارجية بخطاب الأمن العالمي والردع، لكن الناخب يقيس الأمر من خلال السعر الذي يدفعه في محطة الوقود.

فارتفاع أسعار الطاقة بشكل مستمر، وتسارع التضخم، وزيادة تكاليف النقل بشكل متسلسل، كلها عوامل تزيد الضغط على البيت الأبيض. خصوصا أن حساسية الطبقات المتوسطة والدنيا تجاه أسعار الطاقة مرتفعة جدا.

ولذلك فإن حد التحمل الاقتصادي الداخلي لا يقل أهمية عن حد التحمل العسكري. وإذا استمر الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وواصلت الأسعار ارتفاعها لعدة أشهر، فإن شرعية الحرب داخليا ستبدأ بالتآكل، مهما كانت نتائجها العسكرية الجزئية.

إستراتيجية تركيا: منع الحرب المذهبية واحتواء التوسع
في ظل هذا المشهد، تتخذ تركيا مسارا مختلفا. فهدف أنقرة الأساسي هو منع تحول الحرب إلى صراع مذهبي، والعمل على خفض التصعيد، وبناء أمن إقليمي قائم على التشاور بين الدول الإسلامية.

تركيا ترفض إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية، وتعارض توسيع الحرب بشكل غير منضبط من قبل إيران. وكما أكد وزير الخارجية هاكان فيدان، فإن هناك حاجة إلى تنسيق إقليمي لمواجهة إستراتيجية إسرائيل التي تسعى إلى جر الدول الإسلامية إلى صراع طويل الأمد.

وفي هذا الإطار، فإن الخط الدبلوماسي الجديد الذي يجمع تركيا، ومصر، والسعودية، وباكستان، والذي تستضيفه إسلام آباد، يعكس هذه الحاجة.

وهو لا يقوم على تحالف عسكري، بل على إدارة الأزمات، والوساطة، وأمن الطاقة، وفتح قنوات للحوار الإقليمي. أي إن الهدف ليس إنشاء محور حرب جديد، بل بناء "آلية توازن رباعية" تمنع اتساع الحرب.

واليوم، وبعد مرور شهر على هذه الحرب، يمكن القول إن واشنطن، باتباعها إستراتيجية نتنياهو، قد بنت حساباتها على توقعات عسكرية مبالغ فيها، وعلى تقدير سياسي ناقص للتكاليف.

فقد تلقت إيران ضربات قاسية لكنها لم تنهر، ولم تبقَ الحرب ضمن نطاق ضيق، وتحولت صدمة الطاقة إلى ضغط اقتصادي عالمي، بينما بدأت القوى الإقليمية تبحث عن مسارات دبلوماسية جديدة.

ولهذا، إذا كانت الحرب قد بدأت بمنطق "قصير وحاسم"، فإن الواقع الذي نعيشه اليوم هو صراع طويل، متشعب، ومتزايد الكلفة.
ومن الآن فصاعدا، لم يعد السؤال هو: من ضرب أكثر؟
بل: من يستطيع إيقاف هذا الحريق قبل أن يتحول إلى انهيار إقليمي شامل؟






ملالي إيران خدم أمريكا في السلم والحرب!

ملالي إيران خدم أمريكا في السلم والحرب!
إضاءات حول خطوات تكتيكية إيرانية ورؤية استراتيجية أمريكية

  مضر أبو الهيجاء

من الثابت أن الأنظمة العربية الخليجية، منذ نشأتها، لم تكن خارج الإطار الأمريكي، بل دارت ولا تزال تدور في فلكه، خاصة في ظل الدور الذي لعبته بريطانيا العظمى في تأسيس هذه الكيانات وهندسة نظم الحكم فيها بما يحفظ مصالح الغرب.

ورغم هذا الواقع السياسي الضاغط، فإن دول الخليج العربي وعائلات الحكم فيها ليست على درجة واحدة؛ إذ تتفاوت في مستوى خدماتها للغرب، كما تختلف في طبيعة بنيتها الداخلية ومدى انسجامها مع ثقافتها، وانحيازها لقضايا أمتها.

وقد انعكس هذا التفاوت بوضوح في سياسات هذه الدول وعائلاتها الحاكمة، سواء في طبيعة علاقاتها السياسية مع الولايات المتحدة، أو في مستوى تفاعلها مع قضايا الأمة وانحيازها لشعوبها. ويمكن ملاحظة ذلك عند مقارنة السياسة الكويتية وعائلة الصباح من جهة، بالسياسة الإماراتية وآل نهيان من جهة أخرى، فيما تتدرج دول مثل السعودية وقطر بين هذين النموذجين بنسب متفاوتة.

ولفهم طبيعة العلاقة السياسية الضاغطة بين الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية، يمكن النظر إلى نموذجين بارزين هما تركيا وسورية. فرغم ما تتمتع به تركيا من تجربة سياسية معاصرة يقودها حكام مسلمون، فإنها لم تستطع حتى الآن الفكاك الكامل من النفوذ الأمريكي، الذي يمارس ضغوطه عبر أدوات متعددة، منها محاولات الانقلاب العسكري، والضغوط الاقتصادية، ودعم أطراف سياسية علمانية إستئصالية معارضة. وفي السياق ذاته، تبدو سورية في مرحلتها الجديدة وقد خضعت سريعًا لمعادلات السياسة الأمريكية الإقليمية والدولية القهرية.

ومع ذلك، فإن هذه العلاقة القهرية الضاغطة لم تمنع من بروز أدوار إيجابية وفاعلة، حيث يظهر بوضوح كيف أن تركيا، رغم بنيتها العلمانية، قدمت نموذجًا داعمًا لقضايا العرب والمسلمين، سواء عبر مواقفها السياسية أو أدوارها الإنسانية، واستقبالها لملايين المهجرين، وتوفيرها بيئة نشطة للأعمال والاستقرار، ورعايتها المتقدمة الدعاة والعلماء. ويبرز في هذا السياق موقف الرئيس رجب طيب أردوغان، سواء تجاه التجربة المصرية أو الثورة السورية، حيث شكلت تركيا، بإمكاناتها المختلفة، عامل دعم رئيسي أسهم في استمرار الحراك السوري وتسبب في بقاء الثورة على قيد الحياة حتى يوم التحرير.

وبالتوازي مع ذلك، يمكن رصد تحولات داخلية في سورية الجديدة، من خلال تنامي دور العلماء والدعاة، واتساع مساحة العمل المجتمعي والدعوي، في محاولة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع بعد عقود من سياسات الإقصاء والتقييد التي مورست في ظل النظام السابق.

التفريق بين التوصيف والموقف السياسي.

إن من القضايا المنهجية المهمة التي يطرحها هذا السياق ضرورة التفريق بين التوصيف السياسي للواقع، وبين الموقف الذي ينبغي اتخاذه تجاهه. فغياب هذا التمييز قد يقود إلى مقاربات هدمية متطرفة، تفضي إلى نتائج عكسية، وهو مطلب حقيقي وهدف استراتيجي تسعى لتحقيقه جميع الإدارات الأمريكية.

فكما أن الطبيب الحاذق يحرص على تشخيص الداء بدقة، فإنه في الوقت ذاته يسعى إلى معالجته بما يناسبه من دواء وشكل أداء، بهدف الحفاظ على سلامة الجسد ككل، لا السعي إلى تدميره بحجة التخلص من العلل. وعلى النقيض من ذلك، فإن المقاربات المتطرفة تتجه نحو الهدم الشامل بدل الإصلاح التدريجي، متذرعة بوجود علل واضحة.

تزامن الخطاب الأمريكي مع التحركات الإيرانية.

وفي هذا الإطار، يبرز ما يمكن وصفه بتقاطع الإيقاع بين التصريحات الأمريكية التي تكشف وتبرز عوار الأنظمة العربية الخليجية والتحركات الإيرانية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بضرب دول الخليج بالصواريخ. إذ تبدو هذه الديناميكيات وكأنها تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف استقرار هذه الدول وإرباك بنيتها، وهو هدف أمريكي استراتيجي.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التصريحات الأمريكية المتصاعدة بشأن قاعدة العديد في قطر باعتبارها عاملا يسهم في تهيئة الرأي العام لتقبل وشرعنة أي تصعيد محتمل، بما في ذلك الضربات الإيرانية. وهو ما يعكس حالة من التداخل المعقد في المصالح والسياسات، حيث تتقاطع أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين بطرق قد تبدو متعارضة ظاهريًا، لكنها تلتقي في نتائجها على أرض الواقع.

الخلاصة:

إن حجم التخادم المقروء بين سياسات النظام الإيراني الذي يقوده الملالي وبين الإدارات الأمريكية في حال السلم بينهما ـوالذي امتد لعقود-، لا يقل عن حجم التخادم السياسي بينهما خلال الحرب الحالية، ولعل أبرز ما فيه استهداف تدمير دول المنطقة وتمزيق شعوبها. ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية عندما تكشف دور قاعدة العيديد اليوم، فإنها لا تقصد إنقاذ قطر ودول الخليج بل إغراقها وشرعة مزيد من الصواريخ الإيرانية لتهطل عليها كالمطر في سياق مزاج شعبي عاطفي غير مدرك للأهداف والنوايا الحقيقية، الأمر الذي يستوجب القراءة من جديد.

مضر أبو الهيجاء فلسطين ـجنين 28/3/2026

وقفات مع آيات (13).. رابطة الإيمان

 وقفات مع آيات (13).. رابطة الإيمان

د. مالك الأحمد

قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾

لقد نقل الإسلام الناس من حال العداوة والفرقة إلى حال الأخوة والاجتماع، فجعل رابطة الإيمان رابطةً حقيقيةً متينة، ليست مجرد اتفاق مصالح أو علاقة عابرة، بل علاقة تقوم على المحبة في الله، والتناصر، والتكافل، والتراحم بين المؤمنين.

هذه الأخوة الإيمانية نعمة عظيمة من نعم الله، يظهر أثرها في تماسك المجتمع المسلم وترابطه، وفي قوة الروابط الأسرية والاجتماعية فيه. وفي المقابل قد يلاحظ الإنسان في كثير من المجتمعات الأخرى سيطرة النزعة المادية وضعف الروابط الاجتماعية، مما يؤدي إلى تفكك العلاقات الأسرية وضمور روح الجماعة.

وأذكر في هذا السياق موقفًا مررت به أثناء إحدى العطل في بريطانيا؛ فقد قررنا الاجتماع مع بعض الأسر العربية لقضاء يومين معًا في مكان هادئ خارج المدينة. وبعد البحث وجدنا مقرًا مناسبًا، عبارة عن مدرسة صغيرة تابعة لإحدى الكنائس، تحتوي على صالات علوية وسفلية ومرافق مناسبة، فاتفقنا مع القسيس المشرف على الكنيسة على استئجار المكان.

كان نصيب النساء الدور العلوي بمرافقه، بينما استقر الرجال في الدور السفلي، وكان كلٌّ منا يتكفل بطعامه وشرابه، وقد توليتُ إعداد طعام الغداء للرجال.

وأمام الكنيسة كانت توجد بعض القبور القديمة، يحيط بكل قبر إطار من الحصى الصغيرة المصقولة والملونة. ولم يكن الأطفال -ومعظمهم دون السادسة- يدركون الغرض من تلك الحجارة، فاندفعوا يلعبون بها ويقذفونها هنا وهناك. فانتبه القسيس لذلك وجاء يشتكي، فسارعنا إلى جمع الحصى وإعادتها إلى أماكنها، ونهرنا الأطفال عن العبث بها.

وعند وقت المغادرة اجتمعت مع القسيس لدفع الإيجار وتكلفة الكهرباء، وتحدثت معه قليلًا. فأبدى إعجابه بنا وقال: “أنا مسرور بوجودكم هنا، وأعجب كثيرًا من هذه العلاقات الجميلة بينكم وبين أسرِكم. إن هذا أمر نفتقده كثيرًا في مجتمعنا، وحتى بين مرتادي الكنيسة؛ فكثير ممن يحضرون المناسبات الدينية لا يلبثون أن يغادروا سريعًا، ونادرًا ما تجتمع الأسر في مناسبات اجتماعية كما تفعلون أنتم.”

فسألته عن أسرته، فأجاب بنبرة يغلب عليها الحزن: “أعيش مع زوجتي العجوز في هذا البيت الصغير قرب الكنيسة. لدي ابن وابنة، لكنهما تركانا منذ سنوات طويلة. بالكاد تصلني بطاقة تهنئة في رأس السنة، ونادرًا ما أتلقى اتصالًا هاتفيًا من أحدهما.”

فحدثته عن طبيعة العلاقة في الإسلام بين الآباء والأبناء، وعن قيمة برّ الوالدين وصلة الرحم، وما نشأنا عليه من احترام الوالدين ورعايتهما. فتنهد وقال بحسرة:”ليت حالنا مثل حالكم.”

وكان الانكسار ظاهرًا في صوته وملامح وجهه.

إن ما نراه في الإسلام أمرًا طبيعيًا – من تماسك الأسرة وتلاحم المجتمع – هو في الحقيقة نعمة عظيمة يفقدها كثير من الناس في مجتمعات أخرى، حتى أصبحوا يتمنونها حين يرونها في غيرهم.


المخطط سقط… وتركيا كشفت اللعبة كاملة

المخطط سقط… وتركيا كشفت اللعبة كاملة






مكاوي الملكMakkawi Elmalik
‏ما كنا نربطه خلال الأيام الماضية… تأكد الآن:
‏•خطة أمريكية–إسرائيلية لاستخدام الأكراد كقوة برية داخل إيران
‏•تنسيق استخباراتي طويل (الموساد + CIA)
‏•تمهيد بضربات جوية لكسر (حاجز الخوف)
‏•ثم إشعال تمرد داخلي لإسقاط النظام
‏لكن ماذا حدث؟
‏تسريب واحد…رفض إقليمي…وتحذير حاسم من رجب طيب أردوغان = انهيار كامل للمخطط
اللحظة الفارقة:
أنقرة لم تهدد فقط…بل أعلنت بوضوح:
‏أي لعب بورقة الأكراد = تدخل عسكري مباشر
‏وهنا تغيرت المعادلة بالكامل
‏الترجمة:
‏•واشنطن وتل أبيب راهنتا على (حرب داخلية)
‏•لكن الواقع كشف:
‏تفكيك إيران = إشعال المنطقة بالكامل
‏تركيا… الخليج… وحتى الداخل الإيراني
‏كلهم فهموا الخطر والان الصراخ في المنصات الاسرائيلية طرب
💣 الأخطر: حتى الأكراد أنفسهم…
‏بدأوا يشككون في (الضمانات الأمريكية)
‏بعد تجارب سوريا
‏أي أن الأداة نفسها… لم تعد تثق بمن يستخدمها
‏النتيجة:
‏•فشل خيار (الحسم السريع)
‏•تصدع في الرؤية بين دونالد ترامب و بنيامين نتنياهو
‏•والانتقال إلى حرب استنزاف مفتوحة
‏الخلاصة التي يجب أن تُفهم:
الحرب لم تعد فقط ضد إيران…بل صراع على شكل المنطقة:
‏إما دول مستقرة…أو خرائط تُعاد بالقوة والعرق
‏وما حدث اليوم…أثبت أن كلفة التفكيك… أكبر من قدرة الجميع على تحمّلها