الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

قواعد في الفقه السياسي

 قواعد في الفقه السياسي

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

أولا:(السلطة المطلقة فساد مطلق)، فحيثما وجدت السلطة، وجد الفساد، ذلك لأن العلاقة بين الفساد والسلطة كبيرة وعضوية، ومن هنا، لن تكون السلطة المطلقة إلا شرا مطلقا، ومن قديم الزمان وجد الغزالي أن هناك علاقة بين السلطة وادعاء الألوهية (ما علمت لكم من إله غيري) فرعون نموذجا.

ثانيا: (السلطة المقيدة فساد مقيد)، كلما نجح الإنسان في تقييد السلطة، نجح في تقييد الفساد، وكلما فشل في ذلك، فشل في تقييدها.

ثالثا: لأجل تقييد السلطة، لا بد من رفع الوعي السياسي للناس، فالعلاقة بين التقييد ووجود الوعي السياسي المرتفع ضرورة، ولهذا تجد في الولايات المتحدة حركة سياسية ترفض السلطة المطلقة لترامب، والسبب هو وجود الوعي السياسي المرتفع.

رابعا: السلطة قوة، والقوة من شأنها صناعة الطغيان، والطغيان هو تجاوز الحد، واستخدام القوة في غير ما وجه شرعي، فلا يمكن إيقاف الطغيان إلا بإيجاد قوة معاكسة له من الداخل والخارج، والوعظ لا يوقف الفساد السياسي، وإنما لا بد من صناعة القوة الفاعلة لإيقاف الطغيان السياسي.

خامسا: الطغيان السياسي له أسباب سياسية، والطغيان المالي له أسباب مالية، فلا طغيان بدون وجود أرضية مواتية له، ولا يتراجع الإنسان من الطغيان بالوعظ فقط كما ذكرت، وأخطر أنواع الطغيان حين يجتمع المال السياسي مع السياسة الحاكمة، حينها يكون الطغيان شرا مستطيرا

سادسا: هناك علاقة بين الطغيان والزوال، وكلما ازداد الطغيان عنفوانا، اقترب أكثر إلى الزوال.

سابعا: أزمة الإنسان في ثلاثية الطغيان، حين يصبح المال بلا حدود (قارون) نموذجا، والسلطة بلا سقف (فرعون) نموذجا، والعلم بلا أخلاق (الغرب السياسي) نموذجا.

ثامنا: الحل البشري في مشكلة الطغيان تكمن في ثلاثة: العلم المنبثق من الأخلاق والقيم (دولة سليمان) نموذجا، والمال الهادف لخدمة القيم والإنسان (عثمان) نموذجا، والسلطة الخادمة للإنسان والحضارة (الخلافة الراشدة) نموذجا.

تاسعا: السلطة أمانة، والحكم يدوم بالعدل، قاعدتان في الفقه السياسي عند ابن تيمية، فلا سلطة مطلقة، لأنها من الأمة وإليها (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، ولا حكم يدوم إلا بالعدل (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، فالبشرية اليوم تنتظر ثورة روحية وأخلاقية تنبثق من الوحي (سورة النساء، وسورة الحديد) نموذجا.

عاشرا: لا سلطة بدون قيادة، ولا حكم بدون قواعد، ولأجل تجاوز السلطة المطلقة فلا بد من قيود كثيرة، ولأجل تجاوز الفوضى فلا بد من سلطة تمنع ذلك، ولهذا قال ابن تيمية، لا بد من كتاب يهدي، ومن سيف يحمى، فالكتاب وحده لا يمنع الفساد، والسيف وحده لا يصنع المجتمع المتعايش والمتحضر، وكذلك نؤكد بأن السيف وحده يصنع مجتمعا منافقا، ولهذا يجب علينا كأمة ان نتحرك نحو صناعة الثراء الفكري، والدستوري لإيجاد مجتمع خلاق.

تلك هي القواعد العشرة في الفقه السياسي في هذا الزمن الصعب، وأعرف جيدا أننا نحتاج إلى الفهم الصحيح والهضم القوي للأفكار، كما نحتاج إلى تحويل النظريات إلى واقع معاش، فالعلم بدون تطبيق فلسفة باردة، والتطبيق بدون فهم وقراءة حركة عبثية بلا بوصلة.

التاريخ في متاحف أوزبكستان.. ماذا يقول ولمن؟

التاريخ في متاحف أوزبكستان.. ماذا يقول ولمن؟



ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

ترجمة وتحرير ترك برس

ربما يمكن رؤية المثال الأكثر طموحًا للسياسة الثقافية التي تبنتها أوزبكستان في الآونة الأخيرة، ليس في سمرقند أو بخارى، بل في طشقند. فقد فتح مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي شُيّد بجوار مجمع حضرة الإمام، أبوابه في مارس/آذار الماضي. وهذا المجمع الضخم، الذي تزيد مساحته على عشرة هكتارات، ليس مجرد متحف؛ بل هو مشروع كبير يهدف إلى جمع ذاكرة الحضارة الإسلامية تحت سقف واحد، من خلال مكتبته ومجموعات مخطوطاته وأرشيفه ووحدات البحث والتعليم فيه. ويُعرض في قاعة القرآن، الواقعة تحت القبة التي يبلغ ارتفاعها 65 مترًا في وسطه، مصحف عثمان الشهير. وفي أوقات محددة، تمثل حروف عربية تتدفق من السماء باتجاه هذا المصحف، من خلال عرض ضوئي يُقام في القسم ذي التصميم المعماري الرائع الذي يوجد فيه المصحف، نزول الوحي. وهذا التمثيل يقيم سردية تاريخية شاملة تمتد من آسيا الوسطى قبل الإسلام إلى النهضة العلمية الكبرى في القرنين التاسع والثالث عشر، ومن عصر التيموريين إلى أوزبكستان الحديثة.

في الواقع، هذا المكان هو بمثابة ملخص مكثف للعلاقة التي تريد أوزبكستان إقامتها مع ماضيها اليوم. إذ تُقدَّم الثروة العلمية التي خلفها البيروني والخوارزمي وابن سينا وأولوغ بيك وغيرهم الكثير من العلماء، والمخطوطات والآثار التاريخية، للزائر بلغة متحفية حديثة للغاية؛ مصحوبة بشاشات رقمية وتطبيقات تفاعلية ومعارض افتراضية وتقنيات سمعية بصرية. كما أن تسجيله في أبريل/نيسان من قبل موسوعة غينيس باعتباره «أكبر متحف للحضارة الإسلامية في العالم» يُظهر حجم المشروع. لكن هنا تحديدًا يطرح السؤال الأساسي لهذا المقال نفسه بكل ثقله: هل جعل التراكم العلمي والفكري الهائل للحضارة الإسلامية مرئيًا من خلال أحدث تقنيات العرض هو بالفعل إحياء لها من جديد، أم أنه جعل حضارة ما قابلة للمشاهدة داخل متحف هائل؟

أعتقد أن الإجابة ليست مضطرة إلى اختيار أحد الأمرين. فمن المؤكد أنه لا يمكن إعادة بناء حضارة داخل متحف؛ فلا يمكنكم إعادة إنتاج عقل البيروني في واجهة عرض، أو فكر الماتريدي على شاشة رقمية، أو الدقة العلمية للبخاري في عرض ضوئي. بل إن مثل هذه العروض الفخمة قد تحجب الفكر نفسه أحيانًا. فقد يخرج الإنسان من المتحف وهو يشعر قائلًا: «يا لها من حضارة عظيمة!»، ثم يواصل طريقه من دون أن يتساءل ولو قليلًا عما كانت تلك الحضارة تفكر فيه. في الواقع، يكمن هنا أكبر خطر دلالي لتحويل الحضارة إلى متحف: جعل العقل الذي أوجد الحضارة غير مرئي، في الوقت الذي نجعل فيه أعمالها مرئية.

لكن ينبغي أيضًا أن نعطي كل ذي حق حقه: هذه إلى حد كبير هي لغة عصرنا. وفي عالم يتحدث من خلال الصورة والتكنولوجيا الرقمية والمتحف والعمارة والضوء والتجربة، فإن إعادة حضارة دُفعت إلى ظلمة الذاكرة على مدى قرون إلى دائرة الضوء ليست أمرًا يستهان به. فإذا كان الشاب الذي يدخل هذا المركز الضخم في طشقند سيتأثر في البداية بالتكنولوجيا والعمارة، لكنه خرج منه وهو يطرح أسئلة من قبيل: «من كان البيروني؟»، «ماذا فعل الخوارزمي؟»، «كيف كانت البيئة العلمية في سمرقند أولوغ بيك؟»، فإن المتحف يكون قد أدى وظيفته. لأن مهمة المتحف ليست أن يكون الحضارة نفسها، بل أن يكون بوابة تفتح الطريق إلى الحضارة.

وفي الواقع، رأينا انطباعًا مشابهًا، ولكن بصورة أكثر كثافة، في عرض الموسيقى والضوء في ميدان ريجستان بسمرقند.

عند حلول المساء، يمتلئ الميدان المقابل للمدارس الدينية الثلاث الضخمة بالناس. ويجلس الناس على الدرج وفي الميدان؛ وتُجهَّز الهواتف، وتُفتح الكاميرات. وبعد فترة، تتحول واجهات المدارس الدينية القائمة هناك منذ قرون إلى شاشة عرض ضخمة. تتغير الألوان، وتتخذ القباب ألوانًا أخرى، وتُعاد رسم المآذن بالضوء. ويمتزج التاريخ والعمارة وتقنيات العروض الحديثة بعضها ببعض.

ويقول هذا العرض الضوئي الكثير عن المعنى الاجتماعي لتحويل التاريخ إلى متحف. وقبل كل شيء، فإن السياحة الحديثة لا تكتفي بزيارة الماضي؛ بل تعيد تشكيله. فلم تعد المدرسة الدينية مجرد مبنى تاريخي أُقيمت فيه الدروس. بل أصبحت في الوقت نفسه خلفية لالتقاط الصور، وصورة يجري تداولها على إنستغرام، وتجربة تتحول إلى مقطع فيديو لبضع دقائق، وعرضًا يستهلكه آلاف الأشخاص في الوقت نفسه.

وهنا تبرز من جديد، بصيغة مختلفة، المسألة التي أشار إليها والتر بنيامين عندما تحدث عن تحول «هالة» العمل الفني في العصر الحديث. فالعمل التاريخي يواصل الوقوف في مكانه، لكن علاقتنا به تتغير. وهكذا يتحول ريجستان من كونه تاريخًا نذهب إليه ونراه، إلى حدث يبدأ في ساعة محددة، تنتظره الحشود، وترتفع فيه الهواتف في الهواء في الوقت نفسه.

وفوق ذلك، لا ينتهي العرض في الميدان، بل إن العرض الحقيقي يبدأ بعد ذلك. فبعد دقائق، ينتشر ريجستان، الذي دخل ذاكرة آلاف الهواتف، في جميع أنحاء العالم عبر إنستغرام وتيك توك ويوتيوب ومجموعات واتساب. وهكذا يتحول المشاهد في الميدان في الوقت نفسه إلى ناشر متطوع للسياحة في أوزبكستان. فالإنسان لا يستهلك الصورة فحسب؛ بل يعيد إنتاجها وتوزيعها.

أليس هذا أيضًا أحد أكثر آليات العولمة إثارة للاهتمام؟ فلم تعد هناك حاجة بالضرورة إلى القنوات التلفزيونية الكبرى أو حملات الترويج المكلفة من أجل عولمة المحلي. فقد يتحول هاتف يرفعه سائح أحيانًا إلى أكثر أدوات الترويج فاعلية لدولة ما.

وفي الواقع، فإن الزيادة التي شهدتها أوزبكستان في السياحة خلال السنوات الأخيرة تشكل السياق الأوسع لذلك. ووفقًا لبيانات لجنة الإحصاء الأوزبكية، بلغ عدد الزوار الأجانب الذين قدموا إلى البلاد لأغراض سياحية 11.7 مليونًا في عام 2025. وبفضل ذلك، تتحول أوزبكستان تدريجيًا إلى دولة أكثر ظهورًا وإلى وجهة يزورها عدد أكبر من الناس.

وبطبيعة الحال، فإن المسألة لا تتعلق بالاقتصاد وحده. فالسياحة هي أيضًا اقتصاد للذاكرة. أي الشخصيات التي يختار مجتمع ما إبرازها من ماضيه، وأي المباني التي يرممها، وأي الميادين يضيئها، وأي القصص يرويها للسياح، وأيها لا يرويها... كلها خيارات نموذجية لسياسات الهوية.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، باعتبار أي ماضٍ كانت الدولة المستقلة ستقدم نفسها بوصفها امتدادًا له؟ في عهد إسلام كريموف، تحول الأمير تيمور إلى أحد أبرز رموز فكرة الدولة القوية والاستقلال. وقد أظهرت الدراسات التي أُجريت حول متاحف تلك الحقبة والنصب العامة فيها، كيف جرى تمثيل الإرث التيموري لهذا الغرض. أما في عهد شوكت ميرضيائيف، فقد اندمجت السردية التاريخية نفسها مع سياسة ثقافية وسياحية أكثر انفتاحًا على الخارج. فلم يعد يُشار إلى أسماء مثل البخاري والماتريدي وبهاء الدين نقشبند باعتبارهم مجرد عظماء من الماضي؛ بل تحولوا، من خلال مراكز البحث ومسارات الزيارة والترويج الدولي، إلى شخصيات تروي أوزبكستان اليوم. ويكشف البيان الذي أصدرته الدولة بشأن مركز الحضارة الإسلامية بوضوح عن هدف نقل هذا الإرث إلى الأجيال الشابة والتعريف به في العالم.

لكن هنا يحدث تحول عكسي مثير للاهتمام للغاية.

فقد وضعت الحداثة السوفييتية مسافة بينها وبين الماضي، ولا سيما الماضي الديني، من أجل بناء الإنسان الجديد. أما أوزبكستان اليوم، فعلى العكس تمامًا، تستدعي ماضيها من جديد من أجل بناء مستقبلها. لكن الماضي الذي يُستدعى لا يعود الآن بصورته القديمة. وربما تكون الأضواء في ريجستان أجمل استعارة على ذلك.

قبل قرون، كان الشيء الذي يجعل المدرسة الدينية مرئية هو العلم الذي كان يُدرَّس فيها. أما اليوم، فأحد الأشياء التي تجعلها مرئية هو أجهزة العرض الضوئي. وأنا لا أقول هذه الجملة باعتبارها نقدًا للسياحة الحديثة. بل على العكس، ينبغي الاعتراف بأن العرض الضوئي مؤثر للغاية. إن جمع آلاف الأشخاص أمام مبنى تاريخي وتوجيه انتباههم إلى عمارة تعود إلى عدة قرون، هو بحد ذاته نجاح لا يستهان به. وربما يتساءل أحد الأطفال الذين كانوا هناك في ذلك المساء في اليوم التالي عن هوية أولوغ بيك. وربما يقرر شخص في مكان آخر من العالم، بعد أن يشاهد الفيديو، أن يأتي إلى سمرقند.

وبالطبع، فالمشكلة ليست في الضوء نفسه؛ وإنما في الشيء الذي يضيئه الضوء.

وهنا ينبغي إجراء تصحيح تاريخي مهم بشكل خاص. فالميدان بأكمله ليس من أعمال حاكم واحد أو حقبة واحدة. ففي حين بُنيت مدرسة أولوغ بيك في بداية القرن الخامس عشر خلال العصر التيموري، أُضيفت مدرستا شيردار وتِلا كاري إلى الميدان في القرن السابع عشر. وحتى المظهر الحالي لريجستان يخبرنا بأن التاريخ ليس خطًا واحدًا. ففي الميدان نفسه تقف قرون مختلفة جنبًا إلى جنب.

هذه المدن ليست ملكًا لأوزبكستان وحدها؛ وليست ملكًا للتيموريين وحدهم أيضًا. إنها ملتقى حضاري كبير تلامس فيه الأتراك والفرس والعرب والمسلمون ومختلف الجماعات التي مرت من هنا عبر التاريخ بعضها ببعض. ولذلك، فإن حبس البخاري والماتريدي والنقشبندي أو أولوغ بيك داخل الحدود الوطنية الحديثة ينتقص من عظمتهم التاريخية.


 ياسين أقطاي - يني شفق -

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

فقه الميزان في القرآن الكريم

 فقه الميزان في القرآن الكريم

وجوب مناصرة الشعب اليمني في مواجهة الحوثيين

 وجوب مناصرة الشعب اليمني في مواجهة الحوثيين
 

لليمن وأهله مكانة عزيزة في نفسي، فقد عشت بينهم سنوات من حياتي، ووجدت في بلادهم مأوى لأسرتي، وصحبة كريمة، ومجالاً لطلب العلم والتأليف. 

وقد وصلت إلى صنعاء في الثالث والعشرين من يوليو عام 1996م، بعد مرحلة صعبة اضطررت فيها إلى مغادرة السودان، فاستقبلني إخوة يمنيون بكرمهم، وأعانوني على الاستقرار وترتيب شؤون الإقامة، وبقي معروفهم حاضراً في ذاكرتي، أستحضره كلما ذكرت تلك السنوات وما تيسر لي فيها من عمل علمي.

وكانت مكتبتي قد سبقتني إلى صنعاء، إذ أرسلتها إلى شقيقي أسامة محمد الصلابي، جزاه الله خيراً، على عنوان القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله، فبدأت صلتي بالمدينة من باب العلم وأهله، وأحببت أحياءها وأسواقها وعمارتها، ووجدت في مناخها وهدوئها ما يعين على القراءة والكتابة. 

وعلى الرغم من الصعوبات التي كانت تعانيها البلاد آنذاك، رأيت في أبنائها محبة للعلماء، واستعداداً لإكرام الوافد، ومساندة طالب العلم، وتيسرت لي بينهم أسباب العمل الذي كنت أرجو أن أنفع به أمتي.

وتعرفت في اليمن على القاضي العمراني، والشيخ عبد الكريم زيدان، والشيخ عبد المجيد الزنداني، والشيخ ياسين عبد العزيز، والشيخ عبد السلام المجيدي، والشيخ فضل مراد، وغيرهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم، رحم الله أمواتهم وحفظ أحياءهم، واستفدت من مجالسهم وتوجيهاتهم. 

وكان شقيقي أسامة قد لازم القاضي العمراني سنوات، وتعلم منه أصول الفتوى والنظر في أسئلة الناس وأحوالهم، ووجد عنده رعاية وعوناً، فحفظنا لهذا العالم الجليل فضله، وحفظنا لليمن مكانته في رحلة أسرتنا العلمية والإنسانية.

ومن اللقاءات التي أثرت في عملي زيارتي للشيخ عبد الكريم زيدان رحمه الله في بيته، فقد سألته سؤال التلميذ لأستاذه، واستفدت من فقهه، وأرشدني في كتابة تاريخ الخلفاء الراشدين إلى الجمع بين الرواية التاريخية والنظر الفقهي، والعناية بمؤسسات الحكم والمال والإدارة والقضاء، وتنقية الأخبار واستخراج ما ينفع الأمة من دروسها. كما عرضت على الشيخ عبد السلام المجيدي مسودة كتابي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، طالباً ملاحظاته وإفاداته، وبقيت بيننا أخوة ومودة أعتز بها.

وفي اليمن أتممت رسالتي “فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم”، وكتبت مؤلفات في الدولة العثمانية والسيرة النبوية وسير عدد من الخلفاء الراشدين. ولهذا بقيت هذه البلاد حاضرة في ذاكرتي كلما عدت إلى تلك المؤلفات؛ ففيها قضيت ساعات البحث، وبين أهلها استقرت أسرتي، ومن مجالس علمائها تلقيت توجيهات انتفع بها عملي. 

وهذه تفاصيل سجلتها في حديثي عن تجربتي مع العلماء، وأذكرها هنا وفاء لأهل فضل عرفته عن قرب (الصلابي، هجرتي إلى بلاد المسلمين: مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة، قيد التحرير).

وأكتب اليوم عن أهل اليمن وفاء لما عرفته بينهم من فضل، وقياماً بحق المظلوم الذي أمرنا الله بنصرته؛ فمحنة هذا الشعب تستدعي منا موقفاً صريحاً من الاعتداء الذي تمارسه ميليشيات الحوثي التابعة لإيران على حياته وأرزاقه ومؤسساته وكرامته وأمنه، وتحمل العلماء وأصحاب الكلمة مسؤولية البيان والإنصاف. وأرى أن استحضار تاريخ اليمن وعلمائه وأخلاق أهله يعين على تقدير فداحة ما يصيبه، وعلى فهم ما يجب للأمة تجاهه.

– اليمن بلاد الحضارة والعلم والعلماء

حفظ القرآن الكريم خبر سبأ وما أنعم الله به على أهلها، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (سبأ: 15). وفي الآية اقتران الرزق بالشكر، وطيب الأرض بمسؤولية أهلها عن نعم الله، ثم يذكر السياق ما أصابهم بعد الإعراض، وفي ذلك تذكير بأن أسباب العمران تحتاج إلى رعاية، وأن حفظ النعم يتصل بصلاح أعمال الناس.

وقد قادتني الإقامة في صنعاء إلى مزيد من المعرفة بتراث اليمن، وبما حفظته كتبه من أخبار العلماء والمدارس ومواطن التعليم. 

ويقدم كتاب “هجر العلم ومعاقله في اليمن” لمؤرخ اليمن الكبير القاضي إسماعيل الأكوع رحمه الله مادة واسعة عن هذه الحياة العلمية، كما يحفظ كتاب “البدر الطالع” للإمام الشوكاني رحمه الله تراجم تكشف جانباً من تواصل العلماء وحركتهم في طلب المعرفة ونشرها؛ فدراسة هذه المصادر تعيننا على فهم المجتمع الذي احتضن العلم، والصلات التي ربطته بحواضر الإسلام الأخرى (الأكوع، 1995. والإمام الشوكاني، د.ت.).

وإنني أتأمل هذا المعنى اليوم، وأرى في حماية أرزاق اليمنيين ومدارسهم ومزارعهم وبيوتهم وصروحهم العلمية والثقافية والحضارية مسؤولية عظيمة؛ فالأسرة التي تهجر منزلها تفقد شيئاً من تاريخها وأصولها وأمانها واستقرارها ومصدر عيشها، والطفل الذي ينقطع عن تعليمه يخسر فرص مستقبله وطموحه ودوره في بناء بلده، وقد يضطر إلى المغادرة مع أهله إلى خارج البلاد. 

كما أن الكتب والمكتبات والجامعات والوقفيات العلمية والمساجد والمعاهد الشرعية والمراكز الثقافية التي تضيع تنقطع عن قرائها وطلابها وأساتذتها ومشايخها وعلماء اللغة والحديث وعلوم الحياة. 

ولذلك فإن الوقوف مع شعب اليمن يكون في حفظ حياة الناس واستقرارهم، وما يعينهم على مواصلة العلم والعمل وتربية أبنائهم والمساهمة في نهضة أمتهم.

– أهل اليمن في شهادة النبي ﷺ وسيرة الصحابة الكرام

قال رسول الله ﷺ: “أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية” (البخاري، 1422هـ، حديث 4388). 

وهذه شهادة نبوية ذات قيمة كبرى عند المسلمين، لأنها تحمل معاني تدعو للعزة، ونرجو أن تبقى حاضرة في أذهان اليمنيين وفي موقف الأمة الإسلامية منهم هذه الأيام، فمن استحضر رقة القلب التي أثنى عليها الرسول ﷺ كان أولى بأن يرحم خائفهم وجائعهم، وأن يصغي إلى مظلومهم.

ومن اليمن جاء أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وقومه، وحفظت السنة لهم موقفاً يبين أثر الإيمان في معاش الناس، فقال النبي ﷺ: “الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم” (البخاري، 1422ه، حديث 2486).

ولما بعث رسول الله ﷺ الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن أوصاه في شأن الزكاة بقوله: “فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” (البخاري، 1422هـ، حديث 1496). 

وإننا نجد في هذه الوصية معنى وثيق الصلة بحاضر اليمن؛ فقد كان معاذ يدعو إلى التوحيد، ويعلم الناس فرائض الدين، ومع ذلك حذره النبي ﷺ من التعدي على أموالهم، ومن دعوة مظلوم يرفع شكواه إلى الله.

وقد وصف ابن القيم الشريعة الإسلامية والمنهج النبوي بأنها “عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها” (ابن القيم، د.ت.، فصل تغير الفتوى). وهذا أصل نستحضر به حرمة الظلم، وندرك به فداحة استعمال الدين لتبرير الاعتداء أو إسكات أصوات المتضررين.

وقد أبرز الإمام النووي في شرح حديث الأشعريين فضل مواساتهم وإيثارهم؛ فحين يشتد الفقر يجمعون الموجود ويقتسمونه، ويحمل كل بيت هم البيوت الأخرى (النووي، 1392ه، شرح حديث 2500). وإن هذه سنة في التكافل تحتاج الأمة الإسلامية، من مشرقها إلى مغربها، إلى إحيائها مع اليمنيين؛ بأن يصل الطعام والدواء إلى كل محتاج ومريض وعاجز وشيخ كبير، وأن تعان الأسر التي فقدت معيلها، وأن يساهم أبناء الأمة في فتح مدارس الأطفال، وأن تكون الإغاثة والعون بعدل ودون تمييز.

– اليمن في شهادة الرحالة والوافدين إليه؛ بلد العلم والإيثار والجود والكرم

وصف أمير الرحالة المسلمين، الرحالة والمؤرخ والقاضي الأندلسي ابن بطوطة، مجموعة من تجار اليمن، أكثرهم من المقيمين بصعدة، فقال: “ولهم فضل وكرم وإطعام لأبناء السبيل، ويعينون الحجاج ويركبونهم في مراكبهم، ويزودونهم من أموالهم”. وهذه شهادة على عمل رآه الرحالة وذكر اشتهار أصحابه به؛ فكان المال في أيديهم وسيلة لتيسير سفر المحتاج، وكانت تجارتهم تحمل معها خدمة عابر السبيل (ابن بطوطة، د.ت.، ج. 2، ص. 103).

وتستوقفني في هذه الشهادة الصلة بين الخبرة في التجارة والتكافل والأخلاق العامة؛ فالمرء قد يملك السفينة والزاد، ويقدر على الربح من حاجة المسافر، ثم يختار أن يعينه من ماله. وفي هذا الاختيار تظهر أخلاق المجتمع، ويصبح طريق التجارة طريقاً للتراحم أيضاً. ومن الوفاء لهذا التراث أن نعين اليوم اليمني الذي اضطرته الحرب إلى النزوح، وأن نحفظ له حقه في الرزق والتنقل، وأن نمنع تحويل حاجته إلى باب للابتزاز أو الاستغلال.

وفي زبيد سجل ابن بطوطة شهادة أخرى، فقال: “وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحسن خلق”، ومن ثم سمى بعض من لقيهم، وذكر نزوله في جوارهم وإكرامهم وضيافتهم له (ابن بطوطة، د.ت.، ج. 2، ص. 105). 

وتزداد قيمة هذه الشهادة بما صحبها من أسماء ولقاءات؛ فهي تصف مجالس علم استقبلت الوافد، وعلماء اتصلت المعرفة عندهم بالأمانة وحسن المعاملة. وقد وجدت في مجالس علماء اليمن الذين صحبتهم ما يذكرني بهذا المعنى، وإن اختلفت الأزمنة والأحوال.

ويضيف ابن المجاور في “تاريخ المستبصر” وجهاً آخر إلى معرفة اليمن، بعنايته بوصف المدن ومعالمها، وأحوال المراكب في عدن، والضرائب والعادات وطرق العيش. وتعين هذه المادة على قراءة الحضور اليمني من خلال حركة الناس وأعمالهم وصلاتهم بالموانئ والأسواق؛ فالتاريخ الحضاري يتشكل أيضاً في دور التجار وعمران المدن ونظام معاملاتها (ابن المجاور، د.ت.). 

وهذا هو اليمن السعيد الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في ضمير الأمة؛ فهو بلد العلماء والمفكرين والدعاة والمزارعين والتجار وأصحاب الحرف، ومجتمع صنع أبناؤه مسيرة من العطاء والدعوة والخير تتوارثها الأجيال حتى وقتنا الحاضر.

– الوقوف مع الشعب اليمني وحرمة مساندة الحوثي في ظلمه

على هذا الأصل يقوم موقفنا من انتهاكات ميليشيات الحوثي، ومن فرض سلطة الجماعة بالسلاح على الشعب اليمني؛ فالمواقف التي يصوغها الإعلام المخادع لدى بعض أبناء الأمة، والتي تبرر بطش الحوثي والاعتقال التعسفي أو الاستيلاء على الحقوق، تعين المعتدي، وتزيد الظلم الواقع على المظلومين والمقهورين من أبناء هذا الشعب الكريم، ويعظم أثرها إذا صدرت عن عالم أو داعية يثق الناس بقوله. ومن واجب العالم أن يطالب برد المظالم، وأن يبين حرمة الاعتداء، وأن يحفظ استقلال حكمه عن الدعاية والخصومة.

إن الوقوف مع عصابات الحوثي في ظلمها للشعب اليمني، وتبرير انتهاكاتها أو إعانتها عليها بالكلمة أو المال أو النفوذ، جريمة أخلاقية ومخالفة شرعية؛ لأن حرمة الدم والمال والكرامة لا تسقط بشعار سياسي، ولأن شهادة صاحب الرأي أمانة يحاسب عليها.

وإنه يعظم إثم الكلمة حين تجعل المعتدي موضع ثناء، وتدفع المظلوم إلى الدفاع عن حقه في أن يسمع؛ فقد يخرج التبرير من منبر بعيد، ثم يجد فيه صاحب السلاح غطاء لاستمرار اعتدائه. ومن يتصدر للحديث عن اليمن عليه أن يسأل نفسه: هل يطالب بإطلاق المحتجزين الذين يتعرضون للخطف والتعذيب والسجن القسري؟ وهل ينصف الأسر التي فقدت بيوتها وأرزاقها؟ وهل يطالب الجماعة برد الحقوق والخضوع لعدل ينطبق على الجميع؟

إن السعي إلى صلح ووفاق عادل يرفع الاعتداء، والتفاوض لإطلاق الأسرى، وإيصال الغذاء إلى المدنيين، كل ذلك يمكن اعتباره باباً من أبواب نصرة الشعب اليمني. والموقف الذي نرفضه هو إعانة الظلم وتسويغه، وحجب شهادة ضحاياه، وإهدار حقوقهم من أجل مكسب لجماعة أو مشروع إقليمي.

ولطالما أكدت وقوفي مع الشعب اليمني في حقه في استعادة دولته وسيادته وقراره الوطني، ورفض إخضاع مؤسساته ومقدراته لجماعة مسلحة أو لنفوذ إيراني يجعل بلاده ميداناً لمصالح خارجية. ولهذا الشعب الحق في دولة تحفظ كرامة أبنائه، وتجمعهم على قيم العدل والإحسان والمصالحة الوطنية الشاملة والمواطنة الدستورية والإنصاف ورد الحقوق، وتحمي المفكرين والعلماء وأصحاب الرأي من الملاحقة والتشريد، وتعيد الأموال العامة إلى خدمة المجتمع، وتمكن المهجرين قسراً من العودة إلى ديارهم في المدن والقرى والأمصار اليمنية.

وقد وثق النص العربي من “التقرير العالمي 2025: اليمن”، الذي نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش، اعتقالات تعسفية وإخفاء قسرياً نفذهما الحوثيون بحق عاملين في الأمم المتحدة والمجتمع المدني، وعرقلة للمساعدات ومحاولات للتأثير في قوائم المستفيدين. وسجل كذلك انتهاكات لأطراف أخرى في النزاع؛ وهو ما يلزمنا بالمطالبة بمحاسبة كل من اعتدى على اليمنيين، وبحماية حقهم في الإغاثة والعدالة (هيومن رايتس ووتش، 2025).

– الحوثيون في بنية المشروع التوسعي الباطني الإيراني الإقليمي

لا يمكننا عند قراءة الاعتداء من ميليشيا الحوثي وآثار طغيانها، أن نعزلها عن المشروع الباطني الإقليمي الذي بنته إيران على المستوى الثقافي والعقائدي والطائفي والاقتصادي والاستخباراتي والأمني والاجتماعي، خلال عقود مضت على أساس إنشاء جماعات طائفية مسلحة مرتبطة بها، تتجاوز شرعية الدولة أو تنازعها قرارها، وبعد ذلك توظف السلاح والعقيدة والإعلام والمال في توسيع النفوذ. وقد ظهرت صور هذا النموذج في حزب الله في لبنان، وفي فصائل مسلحة موالية لإيران داخل الحشد الشعبي وخارجه في العراق، وفي الميليشيات التي ساندت نظام بشار الأسد البائد في سوريا، ومن بينها جماعة الحوثي الانقلابية المعتدية في اليمن.

ولا يعني حين أجمع هذه القوى في إطار وصف علاقتها بإيران، أنها قوى متشابهة أو أنها تخلو من جذور محلية؛ وإنما يعني أنها دخلت، بدرجات متفاوتة، في شبكة نفوذ إيرانية مذهبية، تتبادل معها الدعم والخبرة والسلاح والخطاب السياسي، وتؤدي وظائف إقليمية تتجاوز حدود أوطانها، وتساهم في قهر وإذلال وسلب الشعوب في تلك الأوطان.

ويكمن البعد السياسي لهذا المشروع في مصادرة القرار الوطني، وإقامة سلطة الأمر الواقع بالسلاح على أرض اليمن، وفي جعل التسوية الداخلية في فكر الحوثي مرتبطة بحسابات طهران ومفاوضاتها وصراعاتها. ويتجلى بعده العقائدي في نقل النزاع من خلاف سياسي قابل للتسوية إلى تعبئة مذهبية تمنح القيادة المسلحة الشرعية المقدسة أو الحق فوق حق الشعب اليمني في الاختيار. وأما بعده العسكري فيظهر في الصواريخ والطائرات المسيرة والخبرة الفنية ومسالك تهريب السلاح، ويظهر بعده الأمني في بناء أجهزة موازية وملاحقة المخالفين وإخضاع المجال العام. وأخيراً في البعد الاقتصادي من خلال السيطرة على الموارد والمنافذ، وتعطيل التجارة والملاحة، وتحميل المجتمع كلفة حرب لا يملك قرارها.

وفي سبتمبر 2026م نقلت مصادر سعودية وباكستانية وإيرانية أن إسلام آباد خاطبت طهران لحملها على كبح الحوثيين بعد هجماتهم على السعودية، وكما نقل مصدران إيرانيان أن طهران أمرت الجماعة بشن هجمات، ووعدتها بتمويل وسلاح إضافيين، وأن قادة من الحرس الثوري توجهوا إلى اليمن للمساعدة في التنسيق (الشرق للأخبار، 2026).

وبناء على هذا، فإن من يقول: إن الحوثيين لا صلة لهم بإيران أو أنهم مشروع مقاوم، فهو يحتاج إلى مراجعة البنية الفكرية والسياسية والإعلامية للجماعة، ومسار التسليح والتدريب، وطبيعة الشعارات والتحالفات، وتوقيت تحركاتها العسكرية التي تخدم أجندة الإيراني في الإقليم في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اليوم. وجماعة الحوثي هي من خرقت الهدنة في آخر مرة، وأعادوا مهاجمة أراضٍ ومنشآت مدنية واقتصادية سعودية (الشرق للأخبار، 2026؛ يورونيوز عربية، 2026).

ولا بد من التأكيد على أن آثار هذا التصعيد غير محصورة في المجال العسكري، فاستهداف السعودية ومنشآتها المدنية والاقتصادية وطرق إمداد الطاقة يمس حياة الناس وأمنهم وأرزاقهم وتنقلهم وتعليمهم واستقرار أسرهم، ويرفع كلفة النقل والتأمين والطاقة والغذاء في المنطقة، وكما يدفع ثمن ذلك الفقير والعامل والطالب والمريض قبل غيرهم. وكما أن تهديد باب المندب والبحر الأحمر يضر اليمنيين أنفسهم، ويعطل التجارة والمساعدات وفرص التعافي. فالاعتداء على اقتصاد بلد كبير في الإقليم لا يبقى داخل حدوده؛ وهذا الأثر تمتد موجاته إلى شعوب وبلدان فقيرة واقتصاداتها هشة نتيجة توقف التجارة والمشاريع الإنسانية فيها.

ونسأل الله تعالى، الذي أخزى هذا المشروع وميليشياته في سوريا، أن يخزيه في اليمن، وأن يرد كيده عن شعوب الأمة، وأن يهيئ لليمنيين دولة عادلة مستقلة تحفظ دماءهم وحقوقهم وسيادتهم.

– شهادات العلماء في رفض انقلاب وهيمنة الحوثي ونصرة الشعب اليمني

انتشرت شهادة للعلامة والداعية الكبير الشيخ محمد الحسن ولد الددو حفظه الله، تناول فيها الاعتداء الحوثي على اليمنيين، وما نسبه إلى الجماعة من استهداف المؤسسات العلمية واختطاف العلماء، وقرر وجوب نصرة من وقع عليهم الظلم، فقال: «فيجب على الأمة أن تنصرهم جميعاً»، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).

وربط الشيخ محمد الحسن حفظه الله في حديثه بين محنة اليمن والتدخل الإيراني في المنطقة، ورفض اختزال القضية في خلاف إقليمي محدود، فقال: «تبسيطها في جعلها بين أهل الخليج وإيران غير موضوعي». ويدل سياق كلامه على أنه يرى مسؤولية العلماء متصلة ببيان خطر هذا التدخل وآثاره على المجتمعات، وبنصرة المعتدى عليهم، والتحذير من انتهاك الدماء والحرمات.

وفي الشهادة نفسها أكد ضرورة إسناد المسؤولية إلى مرتكبي الجرائم، فقال: «الطائفة لا تحمل أقوال أفرادها وجرائمهم»؛ فجمع في حديثه بين رفض الاعتداء ووجوب دفعه، وبين عدم تحميل جماعة مذهبية بأكملها جرائم أفرادها (محمد الحسن ولد الددو، حديث عن الحوثيين واليمن والتدخل الإيراني).

وفي بيان أصدره الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عام 2015م، ووقعه العلامة الكبير الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله والشيخ علي محيي الدين القره داغي حفظه الله، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حالياً، رفض الاتحاد الانقلاب الحوثي وفرض الهيمنة على اليمن بقوة السلاح، وطالب باستعادة الحقوق وتسليمها إلى أصحابها.

كما حذر ذلك البيان التاريخي من المشاريع الإقليمية التوسعية التي تستهدف السيطرة على مقدرات الأمة، وشدد على “المحافظة على أرواح المدنيين من أبناء اليمن” (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 2015). وربط البيان انتهاء القتال برجوع الحوثيين إلى الحق واندماجهم في الشعب، وحذر من الدعوات التي تمزق الأمة على أساس عرقي أو لغوي أو مذهبي. وبذلك اقترنت إدانة الانقلاب في موقف الشيخين بالمطالبة برد الحقوق، وحماية المدنيين، وفتح طريق الإصلاح والاجتماع الوطني.

وفي بيان هيئة علماء اليمن المنشور في ديسمبر عام 2017م، رفضت الهيئة تمكين الميليشيات الحوثية من إنشاء سلطة داخل الدولة تفرض إرادتها على أبناء اليمن، وحذرت من توظيف البلاد في خدمة المشروع الإيراني وتهديد أمن المنطقة. وأكدت بطلان ادعاء حق حصري في حكم الشعب دون رضاه واختياره، ودعت إلى التمييز بين المذهب الزيدي والجماعة الحوثية (هيئة علماء اليمن، 2017).

وأكدت الهيئة حق اليمنيين في اختيار حكامهم وممثليهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وطالبت ببناء الجيش والأمن بعيداً عن التكوين الحزبي والفئوي والقبلي والمناطقي والطائفي، وبمنع استخدام السلاح لفرض المواقف السياسية. كما حملت الحكومة مسؤولية تخفيف معاناة المواطنين، وتوفير الخدمات، وتسليم الرواتب، وتحسين الإغاثة؛ فاشتملت شهادتها على رفض الانقلاب والتدخل الخارجي، وعلى مطالب بإصلاح الدولة وأداء واجباتها تجاه الشعب.

وأدعو العلماء والمفكرين والدعاة وأصحاب الرأي إلى سماع اليمنيين الذين عاشوا المحنة، والاستماع إلى علمائهم وشخصياتهم الوطنية وباحثيهم الحقوقيين، والتحقق من الشهادات والوثائق؛ فإن الأسرة التي تبحث عن غائب تستحق أن يصل صوتها، والإنسان الذي فقد بيته أو رزقه يستحق أن ينظر في شكواه.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: 36).

وتتأكد مسؤولية العلماء في بيان أن استعادة الدولة تقتضي إقامة العدل داخلها؛ فتصلح مؤسساتها، وتصان أموالها، ويحاسب المعتدي مهما كان انتماؤه، وتبقى نصرة الشعب غاية يتقدم إليها الجميع. وقد اتسعت معاناة اليمن بما يوجب أن يتعاون أهل العلم على البيان والإصلاح والإغاثة، وأن يردوا الناس إلى حرمة الدم وحقوق الجار وأمانة المال العام.

– موقفنا بين احتلالين: اليمن وفلسطين في ميزان العدل

إن موقفنا الرافض للهيمنة الإيرانية على اليمن عبر ميليشيات الحوثيين، وموقفنا الرافض للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، يصدران عن أصل واحد: نصرة المظلوم ورفض الاعتداء على حقوق الشعوب. وإذ نتحدث عن موقفنا بين احتلالين، فإننا نصف القهر الذي يحرم الشعب حريته وقراره، مع إدراك اختلاف صورة الاحتلال العسكري المباشر في فلسطين عن صورة النفوذ الخارجي المسلح في اليمن. وإن الأمر الجامع في موقفنا هو حق الإنسان في وطن آمن، وحق الشعب في أن يحكم نفسه، وحرمة استخدام قوته ومقدراته لخدمة مشروع يفرض عليه من خارجه.

ونقف مع أهل غزة وفلسطين في حقهم في التحرر وحفظ أرضهم ومقدساتهم وكرامتهم، وندين الاعتداء الإسرائيلي عليهم، ونقف مع أهل اليمن في حقهم في استعادة دولتهم وقرارهم الوطني، ونرفض ظلم الحوثيين والتدخل الإيراني الداعم لسلطتهم المسلحة. ويجمع هذين الموقفين إيماننا بأن للمظلوم حقاً لا يسقط بتبدل موقع الظالم في خريطة التحالفات، وأن حرمة دم الطفل ثابتة في صنعاء وغزة، وأن البيت الذي يدمر على أهله يستدعي الإنكار، وأن الأرض التي يحرم أصحابها من الأمن تستحق أن يقف الأحرار مع أهلها.

وقد يلتبس الأمر على بعض الناس فيمنحون جماعة ترفع شعار نصرة فلسطين إعفاء من النظر في أفعالها داخل بلدها. ولكن نصرة الفلسطينيين تلزمنا بتعظيم حقوق الإنسان الذي ننصره، وتلزمنا بتعظيم الحقوق نفسها للإنسان اليمني أيضاً، فما ننكره من سلب الحرية والاعتداء على الحياة يجب أن ننكره في كل مكان.

وإنني لأتفهم ألم الشعب الفلسطيني العزيز الذي يشعر بقلة النصرة، وأعلم أن شدة المحنة قد تجعله يتطلع إلى كل صوت يعده بالمساعدة، ولكن العلماء وأصحاب الرأي مسؤولون عن حفظ ميزان العدل، وعن بيان أن حقوق الشعوب لا تتزاحم على الرحمة حتى ينالها شعب ويحرم منها آخر. ويمكن لأمتنا أن تنصر فلسطين، وأن تقف مع الشعب اليمني، وأن ترفض المشاريع الغازية التي تجعل دماء الناس وأوطانهم وسيلة لتوسيع النفوذ والعدوان واستلاب الكرامة والأرواح والأرزاق.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ٨).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (هود: 113).

فالعدل يمنعنا من أن يحملنا بغض عدو على ظلم أحد، كما يمنعنا من الركون إلى ظالم لمجرد أنه يرفع شعاراً نوافقه عليه؛ وبهذين الأصلين يستقيم موقف الأمة بين احتلال فلسطين والهيمنة الإيرانية المسلحة على القرار اليمني.

فالخصومة لا تبيح الظلم، والعدل واجب مع من نحب ومع من نخالف، ولهذا فإن رفضنا الهيمنة الإيرانية ينصرف إلى سياسات الاعتداء ودعم القوى المسلحة وإخضاع القرار الوطني، ولا يحمل الشعب الإيراني مسؤولية جماعية عن أفعال السلطة؛ كما أن نقدنا الحوثيين لا يسوغ تحميل أبناء مذهب أو منطقة أو أسرة جرائمهم. ولليمنيين جميعاً حق في الحياة والأمن والمواطنة، ومسؤولية الجريمة تثبت على مرتكبها بالدليل.

يحتاج اليمن حالياً إلى حل عادل وحقيقي يرضي الشعب اليمني بكل مكوناته الاجتماعية والقبلية، ويعيد مؤسسات الدولة إلى خدمة عموم اليمنيين، ويعالج حقوق المتضررين والمشردين والمهجرين والمسجونين، ويمنع تجدد الاعتداء والظلم الذي سببته إيران وأتباعها في صنعاء على الشعب اليمني.

خلاصة القول..

إنني حين أعود بذاكرتي إلى صنعاء التي آوت أسرتي، وإلى المكتبة التي جمعت فيها كتبي، وإلى العلماء الذين استفدت من مجالسهم، أحفظ لليمنيين ما قدموه لنا من معروف، وأرى في الوقوف معهم في محنتهم وفاء لأهل الفضل ورداً لجميلهم. ويقوم موقفي كذلك على واجب شرعي في نصرة المظلوم، ورفع الظلم، ورد الحقوق إلى أصحابها؛ فقد قال رسول الله ﷺ: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه” (متفق عليه).

ولهذا أؤكد وقوفي مع الشعب اليمني في حقه في استعادة دولته وسيادته وقراره الوطني، وأدعو إلى إطلاق سراح المحتجزين بغير حق، وكشف مصير المختفين، وعودة المهجرين، وحماية مؤسساته العلمية وأرزاق أبنائه وأسباب حياتهم. وهذه مسؤولية يشترك فيها علماء الأمة ودعاتها ومفكروها والفاعلون والمؤثرون فيها، كل بحسب علمه وقدرته وموقعه؛ فشهادة الحق أمانة، ونصرة المظلوم واجب، والوفاء لأهل المعروف خلق يحفظ للمجتمعات تراحمها، ويصل أبناء الأمة بعضهم ببعض في الشدة والرخاء.

وإني لأرجو الله أن تعود صنعاء آمنة مطمئنة، وأن يجتمع أهل اليمن على العدل وحفظ وطنهم، وأن يفتح لأبنائهم أبواب العلم والعمل والكسب الكريم، وأدعو القادرين من أبناء أمتنا إلى مساندة كل جهد صادق يخفف عن اليمنيين معاناتهم، ويحفظ دماءهم، ويعينهم على بناء دولة تصون حقوقهم وتحفظ سيادتهم وتخدم مصالحهم.

اللهم احفظ اليمن وأهله، وأطعم جائعهم، واشف مريضهم، وارحم موتاهم، وآمن خائفهم، وفرج عن مظلومهم، ورد الغائبين إلى أهليهم سالمين، وخلص اليمنيين من هيمنة الميليشيات الحوثية ومن النفوذ الإيراني ومن يمس هوية بلدهم وأمانهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهيئ لهم قيادة رشيدة تجمع كلمتهم، وتوحد صفوفهم، وتقودهم إلى الأمن والاستقرار والوحدة والنهوض، وأعنهم على إقامة العدل، وحفظ وطنهم، وصيانة كرامة شعبهم، واجعل لهم من بعد محنتهم أمناً وفرجاً واستقراراً وحياة كريمة.

والحمد لله رب العالمين.

المراجع

1- ابن القيم، محمد بن أبي بكر. (د.ت.). إعلام الموقعين عن رب العالمين. فصل تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد.

2- ابن المجاور. (د.ت.). تاريخ المستبصر. المكتبة الشاملة.

3- ابن بطوطة، محمد بن عبد الله. (د.ت.). تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (عبد الهادي التازي، تحقيق؛ ج. 2، ص. 103، 105). أكاديمية المملكة المغربية.

4- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. (2015، 27 مارس). اتحاد العلماء يؤيد التدخل العسكري في اليمن لاستعادة الشرعية. موقع الشيخ يوسف القرضاوي.

5- الأكوع، إسماعيل بن علي. (1995). هجر العلم ومعاقله في اليمن. دار الفكر المعاصر؛ دار الفكر.

6- البخاري، محمد بن إسماعيل. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه (محمد زهير بن ناصر الناصر، تحقيق). دار طوق النجاة.

7- الشوكاني، محمد بن علي. (د.ت.). البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. دار المعرفة.

8- الصلابي، علي محمد. (د.ت.). هجرتي في بلاد المسلمين: مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة، قيد التحرير.

9- عاجل. (2026، 17 سبتمبر). رئيس علماء اليمن: الحوثيون “يكنون حقداً على السعودية ويُوالون إيران”.

10- عكاظ. (2026، 13 سبتمبر). علماء اليمن: القتال مع الحوثي محرم وتحريك الجبهات وتوحيد القرار واجب.

11- النووي، يحيى بن شرف. (1392هـ). المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (ط. 2). دار إحياء التراث العربي.

12- هيومن رايتس ووتش. .(2025) التقرير العالمي 2025: اليمن: أحداث 2024.