السبت، 18 أبريل 2026

الهدنة السياسية ما بين الاستقرار و الوهم

الهدنة السياسية ما بين الاستقرار  و الوهم 

جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي

                                                                                

تُمثل الهدنة في عرف العلوم السياسية “وقفة استراتيجية” هدفها تخفيف حدة الصراع، و يكون الهدف هو الاستجابة لضغوط دبلوماسية مكثفة من أطراف ذات علاقة بالحدث. وهي تجربة عرفها تاريخنا العربي الإسلامي السياسي بعمقٍ في “صلح الحديبية“، والذي جسّد براعة “التفاوض النبوي” قبل أن تنقضه وتهدمه قريش بممالأة حلفائها ضدّ حلفاء المسلمين، ممّا يؤكد تاريخياً أنّ غياب الميثاق الأخلاقي وقوة الردع يحيل الاتفاقات والهدن إلى مجرّد مناورات هشّة لا تخدم إلا الطرف الأقوى من الصراع، وفي العصر الحديث، تبرز العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران كنموذجٍ صارخ لهذه “الهدن المتوترة”، حيث ما زال الشك قائمًا في إنشاء اتفاق سلام دائم، والظنّ يرنو للجوء إلى هدنٍ تكتيكية تهدف إلى إدارة الصراع الأمريكي الإيراني وليس حله، وغالباً ما تولد أمثال هذه الهدن ميتة أو هشّة نتيجة “الغموض المتعمد” من قبل الطرفين في صياغاتهم السياسية، وهذا يمنح كلّ طرف منهما غطاءً لمواصلة أجندته الغامضة تحت لافتة ” الهدنة “.

ونجد أنّه تتعدّد أسباب هدم الهدن سياسياً واقتصادياً، فغياب الضمانات الدولية مثلاً واختلال موازين القوى يدفع الطرف الأقوى لنكث العهد سعياً لحسمٍ عسكري سريع ينهي حالة الاستنزاف في موارده، وخاصة حين يرى أنّ تكلفة الحرب أقلّ من تكلفة السلام الذي قد يقيد تحركاته التوسعية ومكتسابته، وأمّا من المنظور الاقتصادي، فقد تنهار الهدنة نتيجة استمرار العقوبات الاقتصادية الخانقة التي تجعل الطرف المتضرر يرى في العودة للقتال وسيلة لكسر ذلك الحصار المؤلم، أو ممكن أن تكون نتيجة السعي المستميت للسيطرة على ممرات الطاقة الحيوية والمضائق المائية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، وهذه فرصة ذهبية يسيل لها اللعاب، فهذا الواقع يجعل العائد من الحرب في نظر بعض الأطراف أكبر من مكتسبات السلام الهشّ، فتتحوّل الهدنة في هذه الحالة إلى مجرّد “تكتيك ذكي” لإعادة التموضع و التسلح، وتطوير الأسلحة، وتحسين التمركز الميداني، بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على الخصم.

أمّا بالنسبة لدورنا في دول مجلس التعاون الخليجي، فإنّ فهمنا لهذه الهدنة الأمريكية-الإيرانية يجب أن ينطلق من كوننا الطرف الأكثر تأثراً بتبعاتها المباشرة وسلبياتها المؤلمة، فنحن أصحاب الشأن الأكبر والذي يهمه استقرار الإقليم واستدامة أمنه، لذلك يتوجّب علينا ممارسة دور “الموازن الاستراتيجي” الذي لا يكتفي بمباركة الهدن المعلنة، بل يضغط بكلّ ثقله السياسي والاقتصادي بما يملكه من ملفاتٍ محركة للقوى العالمية لضمان تحويلها من “تفاهمات وهدنة أمنية غامضة” إلى اتفاقيات شاملة وشفافة تضمن أمن الخليج العربي واستقرار حدوده، فالدور الخليجي المأمول الآن يتطلب منع استخدام هذه الهدن كغطاءٍ للتوسّع الإقليمي مع ضرورة الحفاظ على قوة ردع ذاتية، وشراكات استراتيجية متزنة، تجعل من نكث الهدنة مغامرة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر.

ما لِيَ أراكَ مُنكسِراً!

نقطة نظام

ما لِيَ أراكَ مُنكسِراً!

أدهم شرقاوي

لقيَ النبيُّ ﷺ جابرَ بنَ عبدِ الله، فقال له: يا جابر، ما لي أراكَ منكسراً؟
فقال: يا رسولَ اللّه، استُشهِد أبي يومَ أُحدٍ وتركَ عيالاً ودَيْناً!

فقال له النبيُّ ﷺ: أفلا أُبشِّركَ بما لقيَ اللّهُ به أباكَ؟

فقال جابر: بلى يا رسولَ اللّه!

فقال له النبيُّ ﷺ: ما كلَّمَ اللّهُ أحداً قطُّ إلا من وراءِ حجاب، وإنّه أحيا أباكَ فكلَّمه كِفاحاً، فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِكَ!

قال: يا رب، تُحييني فأُقتلَ فيك ثانيةً!

فقال الربُّ عزَّ وجلّ: إنَّه قد سبقَ منّي أنّهم إليها لا يرجعون!

ثمّ بعدها لقيَ النبيُّ ﷺ أصحابَه فقال لهم: لمَّا أُصيبَ إخوانُكم بأُحدٍ، جعل اللّهُ أرواحَهم في جوفِ طيرٍ خُضر، ترِدُ أنهارَ الجنة، تأكلُ من ثمارِها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ مُعلَّقةٍ في ظلِّ العرش، فلمَّا وجدوا طيبَ مأكلِهم ومشربِهم ومقيلِهم، قالوا: من يُبلِّغُ إخوانَنا عنَّا أنَّا أحياءٌ في الجنة نُرزق، لئلّا يزهدوا في الجهاد، ولا يتَّكلوا عند الحرب؟!

فقال اللهُ سبحانه: أنا أُبلِّغهم عنكم!

فأنزل سبحانه قوله: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”

الدَّرسُ الأوّل:

الدَّرسُ الأعظمُ من غزوةِ أُحدٍ هو: لا نصرَ لهذه الأُمّةِ إلا بطاعةِ ربِّها، والسَّيرِ على سُنَّةِ نبيِّها ﷺ! غيرُ هذا صراعُ قُوى، وحديدٌ بحديد، من امتلكَ من أسبابِ النَّصرِ أكثرَ كان النَّصرُ له!

وهزيمةٌ تكسِرُكَ وتُريكَ موطنَ الخللِ فيكَ، خيرٌ من نصرٍ يُطغيكَ فتحسبُ معهُ أنّك مالكُ أمرِكَ، ومُدبِّرُ نفسِكَ!

الدَّرسُ الثّاني:

الفِراقُ أليم، وفقدُ الأحبّةِ موجِع، وإن قيل لكَ إنّ رحيلَ شخصٍ عن دُنياكَ يجعلها فارغةً فصدِّقْ!

كان جابرٌ على فقدِ أبيه مكسوراً، ثَمّةَ أشخاصٌ لا يملأُ مكانهم أحد!

وكان النبيُّ ﷺ على فقدِ عمّه حمزةَ مكلوماً، يعزُّ على المرءِ أن يعتادَ غيابَ أحبَّته، وهذا لا علاقةَ له بمستوى الإيمان، ولا يُنافي التسليمَ بقضاءِ الله، نحنُ بشر، ومهما امتلكنا من قوّةِ الإيمان سنبقى بشراً، الإيمانُ يؤدِّبُ النفسَ ولكنّه لا يُغيِّر فطرتَها، ثمّ ومَنْ يبلغُ شِسعَ نعلِ إيمانِ النبيِّ ﷺ، وها هو قد أدماه فقدُ خديجة، وأبكاه موتُ ابنِه إبراهيم، وفطرَ قلبَه فقدُ عمِّه حمزة، نحن لا نبكي من قِلّةِ الإيمان، وإنّما من كثرةِ الوجع!

الدَّرسُ الثّالث:

يا جابرُ ما لي أراكَ منكسراً؟!

ما أعذبَها من عبارةٍ، وما أحلاها من كلمات!

النّاسُ في الغالبِ لا يريدون من يحلَّ مشاكلهم، ولكنّهم دوماً يريدون من يشعرُ بهم!

إنّكَ لن تُعيدَ إلى صديقِكَ أمَّهُ التي فقدها، ولكن بإمكانِكَ أن تكونَ له كتفاً في حُزنه! 
وإنّكَ لن تكون بدلاً عن زوجٍ لأختِكَ التي مات زوجُها، ولكن بإمكانِكَ أن تُشعرَها أنّها ليستْ وحدها!

إنّك لن تُعيدَ قدماً للمبتورةِ قدمُه، ولن تزرعَ كُليةً لمن أصابه الفشلُ الكُلوي، وقد لا تستطيعُ أن تجدَ عملاً لمن فقدَ عملَه، ولكنّك ببساطةٍ يمكنك أن تُريَ الناسَ أنّك تهتم!

الدَّرسُ الرَّابع:

يا جابرُ ما لي أراكَ منكسراً؟!

اعتنِ بقلبِكَ جيداً فإنَّه يظهرُ على ملامحِك!

لن تقتلَكَ الأشياءُ التي تأكلها، وإنَّما الأشياءُ التي تأكلُكَ!

كلُّ المشاعرِ السَّيئةِ تتركُ أثرَها فيك، صدِّقني، نحنُ لا نشيخُ بمرورِ الأيّام، بقدرِ ما نشيخُ بمرورِ الحوادث، إنَّ ليلةَ همٍّ تعدِلُ في أثرِها سنةً من غيرِ همٍّ! وإنَّ سنةً من عملٍ في بيئةٍ متوتِّرةٍ، تعدِلُ عشرَ سنواتِ عملٍ في بيئةٍ سليمة!

فلا تستغرِبْ إذا رأيتَ ملامحَ شخصٍ أكبرَ بكثيرٍ من عمرِه، هذا أثرُ الأيّام، يحدثُ أن تدوسَنا الأيّامُ بقسوة!

الدَّرسُ الخامس:

يا جابرُ ما لي أراكَ منكسراً؟!

كُنْ لَمَّاحاً! النّاسُ يجدون غُصَّةً في الحديثِ عن انكساراتِهم، ليس كلُّ صاحبِ حاجةٍ سيقولُ لكَ أنا مُحتاج، وما كلُّ إنسانٍ بقادرٍ أن يُخبركَ بحُزنه، أساساً ثمّةَ حُزنٌ لا تقولُه الكلمات! 
ولن يأتيكَ شخصٌ ابتداءً ويُلقي همَّه بين يديكَ، عليكَ أن تُلاحظَ تلك التغيّراتِ الصغيرة، فوراءها أحداثٌ كبيرة! ذاك الضحكُ الذي اختفى فجأة، ثمّةَ حُزنٌ قد أُغلِقَ عليه البابُ وتركه حبيساً في الداخل، ذاك الخروجُ الدائمُ والتنزُّهُ الذي توقّف فجأة، قد يكونُ وراءه عُسرٌ ماديٌّ طارئ، أو خلافٌ زوجيٌّ وصل إلى طريقٍ مسدود، أو فقدُ وظيفةٍ كانت تُؤمِّنُ عيشاً رغيداً، أو مرضٌ حلَّ فجأة فقضى على كلِّ لذّاتِ الدُّنيا، ليس مطلوباً منكَ أن تسبرَ أغوارَ الناس، ولكن لا تُفوِّتِ الأشياءَ التي تظهرُ لكَ، فقد يجعلُ اللهُ حلَّها على يديكَ، وحتى إن لم تملكْ حلًّا، النّاسُ أحياناً لا يريدون الحلول، بقدرِ ما يريدون أن يجدوا حولهم من يستمعُ ويهتمّ!

[الحديث] صحيح سنن الترمذي، وابن ماجه، وأخرجه أحمد، وحسنه محققو المسند.

الجمعة، 17 أبريل 2026

وقفات مع آيات (19).. بلاء يعقوب عليه السلام

وقفات مع آيات (19).. بلاء يعقوب عليه السلام

 

قال تعالى:

﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.

نزل بيعقوب عليه السلام بلاء عظيم بفقد يوسف، ثم ازداد ذلك بفقد بنيامين، فاستحكم الحزن في نفسه، وظهر أثره في جسده، فابيضّت عيناه من شدة ما نزل به. 

وفي هذا دلالة بليغة على أن ما يعتمل في النفس من مشاعر قد يتجاوز باطن الإنسان حتى يظهر أثره في الجسد.

فالحزن الشديد، والهم العميق، قد يتركان آثارًا في البدن، كما أن الطمأنينة، واليقين، وثبات النفس، تنعكس قوةً وصبرًا واحتمالًا. 

وهذا معنى تدل عليه الخبرة، ويقرره أهل الاختصاص؛ فإن الجسد ليس منفصلًا عن النفس، بل يتأثر بما يجري فيها من ضعف وقوة، وانقباض وانشراح، ووهن وثبات.

ومن الجهة الأخرى، فإن قوة النفس قد تمنح الجسد قدرة أكبر على التحمل، والصبر على المشاق. 

فإذا امتلأت النفس بالإيمان، أو سكنت إلى معنى كبير تحيا به، أو استندت إلى غاية تستنهضها، انعكس ذلك على الجسد نشاطًا، وثباتًا، ومضاءً في العمل.

وقد سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وهو في سن متقدمة، عن سر قدرته على مواصلة العمل والنشاط من الفجر إلى وقت متأخر من الليل، فنُقل عنه ما يفيد أن قوة النفس وعلو الهمة ينعكسان على الجسد نشاطًا واحتمالًا. 

ولهذا قيل: إذا كانتِ النفوسُ كبارًا  تعبتْ في مرادِها الأجسامُ

ولذلك نرى أحيانًا بعض كبار السن شعلةً من النشاط والحيوية، يعملون ويجتهدون، وربما عجز بعض الشباب عن مجاراتهم.

وقد رأيت نموذجًا من هؤلاء الرجال في أحد المؤتمرات العلمية؛ إذ شارك معنا أستاذ كندي كنت قد لقيته قبل ذلك في زيارة قديمة إلى فانكوفر. 

فلما سلمت عليه أقبل عليّ بحرارة، فقلت له: أما زلت على هذا النشاط؟ 

فقال: نعم، إن التفكير والبحث العلمي يبقيان جذوة النشاط متقدة. ولولا تحدب يسير في أعلى ظهره، لقلت: إنه في الستين من عمره، مع أنه قد جاوز التسعين ببضع سنين.

وسألته عن سر محافظته على صحته، فقال: بالحركة، والتمارين الرياضية الخفيفة، من جهة، وبعلو الهمة، ومواصلة البحث العلمي، من جهة أخرى. وكان يجلس في الصف الأول في المؤتمر، فما كان يكاد محاضر يفرغ من محاضرته إلا كانت له مداخلة، أو تعليق ناضج، أو سؤال عميق، مما يدل على يقظة الذهن، وحضور العقل، وقوة التعلق بما يسمع.

ثم إن اللجنة المنظمة أخذتنا في رحلة إلى كهف في المنطقة، وكان الوصول إلى مدخله يتطلب صعود عشرات الدرجات، ثم اجتياز مئات الدرجات في داخله. فسألت عن ذلك الأستاذ الكندي، وقد ظننت أنه ربما اعتذر عن هذه الرحلة لصعوبتها، فقيل لي: إنه من أوائل الداخلين، بل ربما بلغ أعماق الكهف، بينما كنت أنا بالكاد أصعد تلك الدرجات، مع أنني لم أتجاوز الخمسين.

إن النفس إذا قويت بمعنى تحيا به، أو بعلم تنشغل به، أو بإيمان يرفعها، انعكس ذلك على الجسد نشاطًا واحتمالًا. وكما أن الحزن والهم قد ينهكان الإنسان ويثقلان بدنه، بل قد يوقعانه في بعض الأمراض، فإن الايمان إذا استقر في النفس منح صاحبه طاقة عجيبة، وجعل الجسد أقدر على الاحتمال، وأبعد عن الاستسلام للوهن والضعف.

فوق السلطة 488 الخطوط الحمراء

فوق السلطة 488 الخطوط الحمراء


فوق السلطة: واشنطن تفعّل الخطة "ب" واتفاقات دولية تُكتب بدماء اللبنانيين
سلطت حلقة برنامج “فوق السلطة” (2026/4/17) الضوء على مشهد دولي متفجر تصدّرته مفاوضات إسلام آباد الفاشلة بين واشنطن وطهران، والتحركات العسكرية الأمريكية المتسارعة، وصولا إلى تطورات الجبهة اللبنانية.

وانتهى "الماراثون التفاوضي" في العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى طريق مسدود، حيث أعلن جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي -قبل أسبوع- فشل المحادثات بعد 21 ساعة من النقاش الشاق.

وكانت واشنطن قد دخلت المفاوضات بمطالب حازمة تشمل "تفكيكا كاملا للبنية النووية الإيرانية وشبكة أذرعها الإقليمية"، في وقت ردت فيه طهران بخطوط حمراء تمثلت في الإفراج عن أرصدتها المجمدة وانتزاع ضمانات قانونية تمنع أي تراجع أمريكي مستقبلي.

وبمنطق "كل شيء أو لا شيء"، تعمّق الجدار العازل بين الطرفين، وفق مقدم البرنامج نزيه الأحدب، ليعود الوفدان إلى نقطة الصفر.

وفجر 8 أبريل/نيسان الجاري، أعلنت واشنطن وطهران هدنة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، تمهيدا لمفاوضات أوسع لإنهاء الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.

وتزامنا مع التفاوض، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن استغلاله ساعات الحوار لتعزيز الجاهزية العسكرية وتزويد المدمرات الأمريكية بأحدث الذخائر في محيط الشرق الأوسط، مؤكدا الاعتماد على "الخطة ب".

وفي مفارقة وصفها البرنامج بـ"الكوميدية السوداء"، تناولت الحلقة تقارير حول فقدان إيران خرائط الألغام البحرية التي زرعتها في مضيق هرمز، مما حوّل المضيق إلى ممر مأزوم تتبادل فيه واشنطن وطهران الاتهامات حول "السيطرة والحرب النفسية".
          مضيق هرمز الشريان الحيوي لحركة التجارة                     

دماء فوق طاولة المفاوضات

وفي ظل المأساة اللبنانية، برز تحول في موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تراجع عن فكرة رفض التفاوض المباشر مع بيروت، معلنا استعداده لبدء مفاوضات بأسرع وقت ممكن في واشنطن.

لكن هذا الانفتاح الدبلوماسي جاء محاطا بشروط صارمة، حيث يرهن نتنياهو التهدئة بنزع سلاح حزب الله بالكامل وفرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية، وهو ما يرفضه الحزب وقوى سياسية لبنانية أخرى أصرت على أن "لا تفاوض تحت النار" وأن الأولوية للوقف الفوري للعدوان.

ويجد لبنان نفسه في قلب مفارقة مؤلمة، حسب الأحدب، حيث تُكتب مسودات الاتفاقات الدولية بدماء أبنائه في الميدان، ويتحول شعبه إلى رهينة لشروط قاسية ومفاوضات قد تتعثر.

وعند منتصف ليلة الـ17 من أبريل/نيسان الجاري، دخلت هدنة مؤقتة بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام حيز التنفيذ، وفق ما أعلنه الرئيس الأمريكي، وسط مظاهر ابتهاج شعبي حذر، بعد موجة من التصعيد الدامي.
نتنياهو وميلانيا.. ملاحقات قضائية وشخصية

وتوقفت الحلقة عند لعنة الفساد التي تلاحق نتنياهو في ملفات "الرشوة وخيانة الأمانة"، والتي استأنف القضاء النظر فيها، في مفارقة تجمع بين ممارسة القوة في الخارج والمساءلة عن الفساد في الداخل.

كذلك اهتمت بالظهور النادر للسيدة الأولى الأمريكية ميلانيا ترمب لنفي صلتها بـجيفري إبستين رجل الأعمال الراحل المدان بجرائم جنسية والمتهم بالاتجار بالقاصرات، في محاولة لإغلاق ملف شائك يرفض الغياب عن دائرة الجدل السياسي الأمريكي.

وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع، وهذه أبرزها:ترمب يشحن أسلحته في أثناء المفاوضات.
روسيا تبيع غازها بخصم 40%.
تفجير في بغداد يستهدف دبلوماسيين أمريكيين والمتهم خلية تابعة لإيران.

من المنتصر؟؟ حين تُدار الحروب من طاولة التفاوض

 من المنتصر؟؟ حين تُدار الحروب من طاولة التفاوض

✍️ مكّاوي الملك 

‏لا يُقاس الحسم اليوم بمن يربح الضربة الأولى بل بمن يفرض شروط البقاء في المشهد..

ما يجري بين إيران وواشنطن وإسرائيل ليس انتصاراً تقليدياً بل إعادة توزيع للضغط..

‏إيران لم تُكسر لكنها تُفاوض تحت اقتصاد خانق وتُحوّل أوراقها (هرمز واليورانيوم) إلى أدوات تفاوض لا أدوات حرب..

وواشنطن لم تحسم لكنها تدير الأزمة بشراء الوقت وتثبيت التهدئة المؤقتة

‏النتيجة: لا غالب مطلق ولا مغلوب نهائي بل توازن هش يُدار بالرسائل لا بالحسم..

كل طرف خرج وهو يملك جزءاً من القوة… ويفتقد القدرة على إنهاء اللعبة

‏وهنا السؤال الحقيقي: من يثبت شروط ما بعد الحرب… لا من يعلن نهايتها

✍️ مكّاوي الملك | Makkawi Elmalik

إيران.. صمود أم تراجع؟

إيران.. صمود أم تراجع؟
 . إدارة النظام 

في خضم التصعيد والتصريحات المتناقضة، تتكشف لعبة معقدة من المناورة السياسية بين واشنطن وطهران، حيث تختلط القوة بالبراغماتية، ويصبح السؤال الحقيقي: من يناور لكسب الوقت، ومن يسعى فعلاً لإنهاء الحرب دون خسارة الهيبة؟

  حسن الرشيدي     

بعد قبول الأطراف بالهدنة المؤقتة، واستئناف المفاوضات بين أمريكا وإيران، يكثر الحديث، ويزداد الغموض المتعلق بمن بادر بطلب وقف الحرب.

فالبيانات الرسمية الإيرانية الصادرة عن مستويات عديدة في السلطة الإيرانية، وتم نشرها سواء في التلفزيون الرسمي، أو وكالة الأنباء الايرانية (إرنا)، والتصريحات على وسائل التواصل، كانت كلها تحمل اللهجة العنترية، والتي كانت ترفض وقف القتال وتصر على الاستمرار فيه، وتؤكد دائمًا أن إيران مستعدة لكل الاحتمالات، وأن الرد سيكون مؤلمًا إذا استمر التصعيد، مع رفض صريح لأي استراحة مؤقتة من الحرب.

هذا الخطاب المتشدد استمر حتى ساعات قبل إعلان ترامب للهدنة مباشرة (في السابع من أبريل)، حين ظهر في الإعلام أن إيران قد رفضت آخر مقترح أمريكي وأصرت على نهاية دائمة للحرب.

ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها ترامب لاستسلام إيران أو إعادتها إلى العصر الحجري وفق تعبيره، تم الإعلان فجأة من قبل الوسيط الباكستاني، أن الولايات المتحدة وإيران قد وافقتا على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، أي هدنة، يجري في أثنائها مفاوضات مباشرة بين الطرفين في إسلام آباد تبدأ يوم السبت.

ولكن على الجانب الآخر تصر التصريحات الأمريكية، على أن إيران هي التي طلبت المفاوضات.

ففي بيان البيت الأبيض الرسمي الذي صدر مع بدء سريان وقف إطلاق النار يوم الأربعاء 8 أبريل، والذي يحمل العنوان المحدد "السلام من خلال القوة: عملية الغضب الملحمي تسحق التهديد الإيراني"

وقد وردت فيه العبارة التالية: 
"لقد ركعت إيران وطلبت وقف إطلاق النار"، مع الإشارة إلى موافقتهم الفورية على إعادة فتح مضيق هرمز.

وعلى الرغم من أن هذا الكلام لم يصدر عن ترامب فقط بصفة شخصية، بل صدر في صيغة بيان رسمي من البيت الأبيض وهي مؤسسة الرئاسة الأمريكية، إلا أنه في عهد ترامب، كثيرا ما يتم الدمج بين البيانات الرسمية واللغة الانتخابية.

بينما قال ترامب نفسه في حديثه لشبكة إن بي سي نيوز، وكرر هذا الكلام في سياق متكرر خلال الأسابيع الماضية: 
"قادة إيران يتحدثون بشكل مختلف كثيراً عندما تكون في اجتماع معهم مقارنة بما يقولونه للصحافة. إنهم أكثر معقولية."

وأمس قال ترامب لنيويورك بوست: 
"نتعامل مع أشخاص لا نعرف إن كانوا يقولون الحقيقة أم لا، يقولون أمامنا إنهم سيتخلصون من الأسلحة النووية، ثم يقولون للصحافة إنهم سيخصبون اليورانيوم."

ويستمر ترامب في حديثه فيقول: 
إن هناك محادثات جارية خلف الكواليس مع مسؤولين إيرانيين "محترمين" أو "الأشخاص المناسبين"، على حد تعبيره.

قد يقول قائل: 
لقد اعتدنا على بيانات ترامب الكاذبة والتي يرغي فيها ويزبد ويبالغ ويستعرض ويضخم الأمور والأحداث، فلماذا نصدقه الآن؟

ولكن الإيرانيين أيضا، وبعد قبولهم بالهدنة، وهم يهددون بمقاطعة المفاوضات ما لم يتوقف العدوان على لبنان، لكنهم يرسلون وفدًا، ثم يواصلون التهديد، ثم يتفاوضون.

وهنا يحتار المرء ويتساءل، أي الفريقين أكثر رغبة في إنهاء الحرب والبدء بالتفاوض؟

ولكن ما أهمية هذا التساؤل طالما أن الفريقين في طريقهما لـ"إسلام أباد" لبدء المباحثات؟ ما تأثير الإجابة على هذا التساؤل على مسار الهدنة بين الطرفين؟

إن تحديد الطرف الذي بادر بطلب التفاوض في العلاقات المعقدة، مثل تلك التي تجمع بين الولايات المتحدة وإيران، ليس مجرد تساؤل إعلامي عابر، بل هو جوهر ما يُعرف في نظريات العلاقات الدولية بالمساومة السيادية.

​تنبع أهمية تفكيك هذا الغموض والاضطراب من عدة اعتبارات استراتيجية وسياسية تحدد مسار أي اتفاق محتمل وشكله:

​الاعتبار الأول، هو كشف ميزان القوى وتحديد نقطة الضعف.

فالطرف الذي يطلب التفاوض غالباً ما يُفصح، بطريقة غير مباشرة، عن حاجته الماسة أو استنفاد خياراته البديلة.

​إذا كانت إيران هي المبادرة، فهذا يرسل إشارة واضحة بأن الضغوط الاقتصادية، أو التوترات الداخلية، أو الإنهاك الاستراتيجي في الإقليم قد بلغت حداً يهدد استقرار النظام، مما يقلص من أوراقها التفاوضية.

أما ​إذا كانت أمريكا هي المبادرة، فهذا قد يعكس رغبة إدارة ترامب في تجنب تصعيد عسكري غير محسوب، أو سعيها لتحقيق نصر دبلوماسي سريع يخدم أجندات انتخابية أو داخلية، أو رغبتها في التفرغ لمسارح عمليات أخرى (مثل بحر الصين الجنوبي أو أوكرانيا)، مما يمنح إيران مساحة لفرض شروط أعلى.

الاعتبار الثاني، هندسة التنازلات المسبقة وتحديد سقف المباحثات.

​في أدبيات التفاوض، يُتوقع من الطرف المُبادر بالتفاوض أن يقدم التنازل الأول أو ما يُعرف بعربون النوايا الحسنة، لمجرد إقناع الطرف الآخر بالجلوس إلى الطاولة. فمعرفة من أراد التفاوض حقاً تساعد في تفسير التنازلات التكتيكية التي قد تسبق أي إعلان رسمي، وتحدد مسبقاً الإطار الذي ستدور فيه المحادثات: هل هي محادثات استسلام وتنازل، أم محادثات ندية وتقاسم مصالح؟

الاعتبار الثالث، التوظيف الداخلي.

فهناك ارتباط وثيق بين السياسة الخارجية والجمهور المحلي.

وكل من الدولتين يواجهان جمهوراً داخلياً معبأً ضد الآخر.

ففي الولايات المتحدة، تبني الإدارة الأمريكية صورتها الإعلامية، بأن أمريكا هي الطرف الذي خضعت له إيران، وهذا ضروري لتسويق أي اتفاق محتمل وتجنب اتهامات الضعف.

أما ​في إيران، فالنظام يحتاج بشدة إلى تسويق التفاوض على أنه انتصار لسرديته بأنه صمد في وجه الهجمة الأمريكية الصهيونية، وأن الولايات المتحدة هي من جاءت صاغرة.

لذلك، يُصنع هذا الغموض والاضطراب أحياناً بشكل متعمد من كلا الطرفين كستار دخان لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام المحلي.

​أما الاعتبار الأخير، فيتعلق بالإشارات الاستراتيجية للحلفاء والخصوم.

فمعرفة المُبادر تبعث برسائل حاسمة للأطراف الإقليمية الفاعلة:

بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، إذا ظهرت أمريكا بمظهر المتهافت على التفاوض، فقد يثير ذلك ذعر حلفائها من إمكانية التخلي عنهم أو عقد صفقات على حساب أمنهم.

أما ​حلفاء إيران، إذا ظهرت إيران كمبادرة للتفاوض تحت الضغط، فقد يُضعف ذلك تماسك حلفائها ويضرب معنويات أذرعها الإقليمية.

​الاضطراب الحالي هو في الغالب تكتيك مدروس؛ فكل طرف يسعى لجني ثمار التفاوض دون دفع الضريبة السياسية للظهور بمظهر الطرف المحتاج.

ولكن هناك عدة دلالات توحي بأن ما يقوله الأمريكان بالنسبة لإيران، ليس صحيحًا استسلامًا، ولكنه أقرب إلى صيغة تنازل من الجانب الإيراني، وذلك بدلالتين:

الدلالة الأولى: مقال لجواد ظريف وزير الخارجية الإيراني السابق، نشره في دورية فورين أفير الأمريكية، وهي دورية تحظى باحترام ليس في الأوساط السياسية الأمريكية بحسب، ولكن في دوائر السياسة العالمية.

والمثير أن هذا المقال تم نشره قبل الإعلان عن الهدنة بعدة أيام، والأكثر إثارة هو عنوان المقال: “كيف ينبغي لإيران أن تنهي الحرب؟ صفقة يمكن لطهران قبولها".

في هذا المقال يحذر ظريف من الانجرار وراء الرغبات العاطفية للانتقام واستمرار القتال الذي لن يجلب سوى دمار البنية التحتية، ودعا إلى توظيف المكاسب الميدانية (على حد زعمه) لإعلان النصر وتحويله إلى تسوية سياسية دائمة عبر طاولة المفاوضات.

​و​طرح ظريف في مقاله ما أسماه "صفقة لا يمكن لواشنطن رفضها"، وتضمنت خطوات عملية لتبديد المخاوف الدولية، أبرزها، الموافقة على وضع قيود صارمة للبرنامج النووي، وخضوع المنشآت النووية لرقابة دولية دائمة.

كما دعا إلى ​حرية الملاحة في مضيق هرمز بشكل كامل.

ووفق مقال ظريف تضمنت ​المطالب الإيرانية، ​رفع العقوبات، وتوقيع معاهدة عدم اعتداء متبادلة وملزمة مع أمريكا، ومساهمتها في تمويل تكاليف إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب.

و​أكد ظريف في ختام رؤيته أن هذا الاتفاق سيمثل مكسباً استراتيجياً كبيراً؛ مشدداً على قاعدة تاريخية كما يدعي، مفادها أن "التاريخ غالباً ما يُخلّد أولئك الذين يصنعون السلام".

لقد كان هذا المقال بمنزلة بالون اختبار سياسي، ووثيقة استراتيجية بالغة الأهمية، عكست رغبة واضحة من دوائر صنع القرار الإيراني لتهيئة المسرحين الداخلي والدولي لتقبل فكرة الهدنة، وهو ما مهد الطريق فعلياً للتطورات التي أعقبت نشره.

أما الدلالة الثانية على الرغبة الإيرانية في المفاوضات، هي البراجماتية الإيرانية التاريخية.

فإيران لديها تاريخ طويل فيما اشتهر بثقافة تجرع السم، كما وصف الخميني قبول وقف إطلاق النار مع العراق في 1988.

هذه الثقافة تهدف إلى الحفاظ على النظام، فالأولوية القصوى لنظام الملالي هي استمرار الدولة التي أقاموها عام 1979.

وعندما أصبح التهديد الأمريكي يمس العمق الاستراتيجي، والبنية التحتية الحيوية بشكل غير مسبوق في مارس 2026، تحركت البراجماتية الإيرانية لتقديم تنازلات مؤلمة، مثل فتح مضيق هرمز مقابل وقف تدمير الآلة العسكرية.

وهكذا استعملت إيران ما أطلق عليه في بعض أدبيات علم السياسة بالانحناء للعاصفة، فالتنازل الإيراني الحالي يُقرأ كخطوة تكتيكية لامتصاص حملة ترامب العسكرية، والحصول في مقابل تنازلاتها على مكاسب إقليمية تحت المظلة الأمريكية الصهيونية.

الإنسانية والزمن المر

 الإنسانية والزمن المر

محمد صالح البدراني

ماذا يفعل الأب؟

ماذا يفعل الأب وهو يرى عيني ابنته تغرقان بدمع ينهمر؛ وهي خائفة على ابنها (حفيده)؟ هنا يتوقف القلم مستطلعا ألم الأب والابنة والسبط، هو إحساس الأجيال، عندها يعجز الوصف لتسونامي الألم في صدره.

فماذا يفعل اليوم وهو يرى ابنا مقهورا قهر الرجال؛ أيبكي؟ وهل حرر البكاء أرضا أو سدد دَينا؟ إننا نشاهد كل يوم بناتنا وأبنائنا في هذه الحالة، ونرى ذل الظالم أمام ظالم أظلم منه أيضا، لكن هذا يزيد من نزيف القهر المؤبد الذي نعيش فيه؛ وما فارقنا يوما بسبب نزوة غريب أو قريب ونحن نقلب بل نقرأ صفحات الزمن المر كلمة فكلمة بل حرفا فحرفا، إنه ألم يتجسد فيرتعش له كيان الإنسان، ليس خوفا أو خشية وإنما هو حس حقيقي بدموع لا تتوقف، ترجو الأمل وبِقَهْرِ مَقْهُوُرٍ يكابر ويوقف نزف جرحه براحة يده ويتمتم ناعيا موت الإنسانية وسقوط الآدمية بفشل الإنسان، ثم يأتيك تافه من الشرق أو الغرب متصورا أن ما يراه من رقاعة هي وصف لكل الشعوب، ويريد جهله وسفاهته أن تعتبره معلما وكأن الناس يجب أن يتماهوا مع تفكيره وإلا سينزل عليهم صواعق السماء وحمم براكين الأرض.

الخوف أم الخشية؟

من يبني أمة فإنه يرى تمكين الأمة ونهضتها هو الغاية التي لم تتحقق، وعليه فهنالك المزيد من التغيير والإصلاح مطلوب. هنا تنشأ بلاد الخوف، فأنت لا تعرف كيف يفكر من يرى الصواب في وجوده وتمكينه وما خلا ذلك مرار وقهر


هل يخاف الإنسان؟ هل تخاف الأُسر؟ هل تخاف الأوطان والأمم؟ أم أنها تخشى؟ وماذا تخشى؟

عندما يفقد الإنسان، الأُسرة، الأمة.. تعريف أي شيء، وتبقى الانطباعات عنوان المعرفة؛ يحل وهْم الخوف المحبط للاستمرار. في الزمن المر؛ لا شيء معرّف، والخوف جزء من نظمه وقوانينه، لأن القوانين نصوص تفسرها المصلحة، والمصلحة في الزمن المر هي مصلحة من يجعل الزمن مرا، ولكي يتغير زمنك لا بد أن تغير المكان كمنطق تحليل لازمة النفس، لكن هل يوجد في الأرض اليوم مكان يمر عليك الزمن فيه جميلا؟

الحقيقة أن المكان والزمان موطنهما منظومة عقل الإنسان، فالزمن الحلو هو في ذات المكان من الأرض التي يمر بها الزمن المر، لكن برأس إنسان مختلف، إحساسه وتعريفه للمفاهيم وللمعاني، فما يراه إنسان أو قائد أن الأمة ينقصها، يراه الآخر أنه وضع مثالي، كل الفرق هو فهم الواقع بأساليب مختلفة، ومع المثال يجاب السؤال كما يقال: الإنسان الحامل لفكرة فئوية، هو عنوان من عناوين التخلف أصلا، هو يرى الكمال في تمكين فئته، والأدق تمكينه هو باسم فئته، وهذا غاية الطلب، أما من يبني أمة فإنه يرى تمكين الأمة ونهضتها هو الغاية التي لم تتحقق، وعليه فهنالك المزيد من التغيير والإصلاح مطلوب. هنا تنشأ بلاد الخوف، فأنت لا تعرف كيف يفكر من يرى الصواب في وجوده وتمكينه وما خلا ذلك مرار وقهر. هؤلاء الناس خطرون وهم متمكنون، وكذلك خطرون وهم غير متمكنون ويسعون للتمكين، لأنهم سيكونون العدو المحبط للتطور والنجاح، فهم طاقات سلبية عدمية، أحاديون يجتمعون بغاية حصولهم على ما يريدون لكنهم منفصلون عمليا عن الجميع.

فالخوف هو عندما تتولى هذه الفئة الأمور والقرار، والخشية منها عندما تكون خارج السلطة والقرار لأن الناس يعلمون ما ستفعل هذه الفئة إن تمكنت.

هنا يحس الإنسان بألم الأجيال، هي المستقبل لأناس يعيشون في المكان الذي يراه الظالم حلوا زمانه، وهم الذين يقهرهم هذا الطغيان الرقيع فيكون الخوف على المستقبل ومنه قلم الإحساس العلقم.

هل هو وهْم أم حلم؟

إعاقة الفكر في زمننا أبرزت لنا تلك النفوس التي اشتطت بجهلها لتجعله مرّا، وباسمه أفرزت كل أمراض النفوس وحب السلطة والتمزيق


تكاد أحلام الأمم أن تكون وهْما في بلدان لا يُضمن مستقبل فيها، والناس ما بين خوف وخشية، فمنهم من يعرف ما يخشاه ومنهم ما يتحسس ويجهل ما يخافه، لكن النتيجة أن الجاهل المتسلط لا قيمة عنده لعلم أو قلم أو مستقبل بغير فهمه لمعنى التمكين، فترى الطاقات ليست آمنة أو هاربة بحثا عن الأمان، وهي حتما لن تجد تمام الأمان وإنما تغير ما كانت تخشاه إلى مخاوف تقنع نفسها بأنها بعيدة بالأمل أو تتعايش مع تلك المخاوف لأنها لا تهدد حق الحياة ربما، لكن تهدد معناها رغم أن فيها ما يوحي بأنها تعتني بالكرامة الإنسانية كما هو حال "المهجر".

ولعل هذا ترجمة لما فُقد في مجتمعنا من معاني التكافل التي كانت فيه ولا تأتي مُرضية إلا بالفهم لمعنى مفهوم الإسلام؛ ليس لإشباع غريزة أو عصبية لمسلمين، أو لعنصرية أو جمود، وإنما حضارة فكرية تجمع الكل بنظام عصرهم مهما تعدد أديانهم ومشاربهم. وكما الأب ينظر إلى نقص أولاده لسده وإلى مرضهم لعلاجه، ينظر المتمكن إلى الأمة بتنوعها. وهذا ليس وهْما إنما حصل بظرف أقل إمكانية للتنظيم، غير إن إعاقة الفكر في زمننا أبرزت لنا تلك النفوس التي اشتطت بجهلها لتجعله مرّا، وباسمه أفرزت كل أمراض النفوس وحب السلطة والتمزيق، فعندما يلبس إبليس ثياب الملاك ولكن لا يترك مذراته كما يصورونها، عندها سنجد النفوس تباع بالغرائز ما بين جهالة وجهل ونفاق.

الحق أقول لكم أن من عرف الله لا يمكن أن يكون متجبرا ظالما ثم يزعم أنه سيفارق إبليس ويذهب إلى الجنة، وإن مواجهة صفحات الزمن المر لا يُهرب من فصولها بالنفاق