الجمعة، 5 يونيو 2026

سرديّة الإسلام المنسحب وتآكُل روح الأمّة الصمتُ المقدّس

سرديّة الإسلام المنسحب وتآكُل روح الأمّة
الصمتُ المقدّس

في مسيرة الأمّة الإسلاميّة عبر التاريخ، لم يكن الخطر الأعظم نابعًا في الغالب من سيوف الأعداء بقدر ما كان وليدَ الداخل؛ حين يتحوّل الدين من قوّة باعثة على اليقظة والتحرّر والعدل، إلى أداة للصمت والتبرير والخضوع. فما أكثر الحضارات التي لم تسقط تحت وطأة الغزو الخارجي، بل انهارت من داخلها حين فُرِّغت من معناها، وتآكلت رسالتها، وانطفأت روحها.

وإنّ أخطر ما يتهدّد الأمّة الإسلاميّة اليوم هو ما يمكن تسميته بـ«الإسلام الانسحابي»؛ ذلك الفهم للدين الذي لا يقف في وجه الظلم، ولا يوقظ ضمير المجتمع، ولا يفتح أفق التحرّر والنهضة، بل يكتفي بتسكين الألم وتبرير الواقع.

 الإسلام الانسحابي: قراءة مفرغة لدين حيّ

ليس الإسلام الانسحابي مذهبًا جديدًا ولا تيارًا مستقلاً، بل هو قراءة اختزالية للدين تُفرغه من رسالته التاريخية والحضارية. ففي هذا الفهم، يُختزل الإسلام في طقوس فردية وشعائر شكلية ومواعظ أخلاقية معزولة عن قضايا العدل والحرية ومواجهة الظلم. تُقام الصلاة، لكن تغيب العدالة؛ ويُدعى إلى الصبر، لا في وجه الابتلاء فحسب، بل في مواجهة القهر؛ وتُمجَّد الطاعة، بينما تُهمَّش كرامة الإنسان.

إنه تدين يدعو إلى التكيّف بدل التغيير، وإلى الاستسلام بدل المقاومة، ويحوّل الإيمان من طاقة فاعلة إلى حالة من الخضوع السلبي.

 المؤسّسات الدينية وإعادة إنتاج السكون المقدّس

في غير قليل من المجتمعات الإسلامية، أسهمت بعض المؤسّسات الدينية -عن قصد أو عن غير قصد- في تكريس هذا النمط من التدين. فبدل أن تكون صوت الضمير الحيّ، تحوّلت إلى أدوات لتبرير الواقع القائم ومنحه غطاءً شرعيًا.

ومن أبرز مظاهر ذلك:

▪ تبرير الظلم الاجتماعي والاقتصادي بلبوس ديني؛

▪ قراءة انتقائية للنصوص الشرعية تخدم مصالح السلطة؛

▪ تخوين كل صوت ناقد ووصمه بالفتنة أو الخروج عن الجماعة؛

▪ الترويج لتدين فردي منزوع الحسّ الاجتماعي والمسؤولية الجماعية.

وبذلك يتحوّل الدين من قوة تحرير وبناء إلى وسيلة للضبط الاجتماعي وترسيخ السكون.

 

آليات تفريغ الدين من جوهره التحرّري

يتم تفريغ الدين من روحه عبر مسارات متعددة، من أبرزها:

1- تعطيل مفاهيم مركزية كالجهاد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛

2- تقديس الواقع القائم واعتباره قضاءً إلهيًا لا يجوز تغييره؛

3- قمع الفكر النقدي ووصمه بالبدعة أو التفرقة أو تهديد الوحدة؛

4- إنتاج فقهٍ يُعلي من شأن الاستقرار على حساب الحق؛

5- فصل الدين عن قضايا الفقر والظلم والاستعمار والتمييز.

 المآلات الحضارية لتديّنٍ بلا روح

إن مآل هذا المسار مجتمعٌ يحتفظ بالمظاهر الدينية لكنه يفتقد الإرادة الفاعلة؛ إيمان بلا أثر، وشعائر بلا روح. ينشأ جيل إمّا منسحب إلى اللامبالاة، أو مندفع نحو تطرّفٍ مضادّ، وفي الحالتين يفقد الدين دوره الحضاري والإنساني.

 العودة إلى الإسلام الرسالي: طريق الخلاص

إن الخلاص لا يكمن في نبذ الدين، بل في العودة إلى الإسلام الأصيل، الإسلام الرسالي الذي جاء به النبي ﷺ لتحرير الإنسان من كل عبودية سوى عبودية الله، ولإقامة العدل في الأرض.

إسلام يربط الإيمان بالمسؤولية الاجتماعية، ويجعل العبادة طريقًا للعدل، لا بديلاً عنه.

وهذا يقتضي:

▪ استقلال العلماء فكريًا وأخلاقيًا؛

▪ إعادة قراءة التراث في ضوء مقاصد الشريعة وروحها؛

▪ إعادة وصل الدين بقضايا الناس وآلامهم الواقعية؛

▪ تربية جيل واعٍ، شجاع، ومسؤول.

إن الخطر الأكبر الذي يتهدّد الأمة اليوم ليس عدوانًا عسكريًا، بل فراغًا داخليًا يفرغ الدين من مضمونه التاريخي والإنساني. فحين يتحوّل الإسلام إلى قشرة بلا روح، يغدو المجتمع هشًّا من الداخل.

وحده الإسلام الحيّ، الواعي، المسؤول، القادر على إحياء الضمائر وبعث الإرادة وبناء مستقبل يليق بكرامة الإنسان — هو الكفيل بإعادة الأمة إلى موقعها في مسار التاريخ.







































































ترميز السفلة وحروب مسخ الأجيال

 ترميز السفلة وحروب مسخ الأجيال

عبد المنعم إسماعيل.. 

كاتب وباحث في الشئون الإسلامية


قال تعالى :{إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللَّهُ  وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ  وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا}. سورة النساء

منذ بدء الخلق وتمرد الشيطان على الأمر الرباني بالسجود لسيدنا آدم طاعة لله رب العالمين وهناك معركة قائمة ازلية أبدية لم ولن تنتهي إلى قيام الساعة نتج عنها معارك متوالية مستدامة يرث راية العداء للإسلام مردة الاجيال عبر القرون خاصة أصحاب الجحيم اليهود والصليبية العالمية وما نتج عنهم من منظمات شيطانية مثل الماسونية والصهيونية والحركات العلمانية الغربية والليبرالية الفاشية الساعية إلى هدم الدين وتدمير الأخلاق ونشر المسخ العقدي والفكري والأخلاقي والاقتصادي والسياسي في واقع الأجيال المعاصرة والقادمة وأخطر هذه المعارك هي معركة: «ترميز السفلة وحروب مسخ الأجيال»

لمصلحة من يتم تلميع سفهاء القوم سلفة المجتمع دمية الحرب على الأخلاق والعقل والرشد النفسي؟

من المستفيد من حروب تلميع سدنة التجريف الأخلاقي في الواقع المعاصر والمستقبل القريب والبعيد؟

متى تفهم الأجيال إن جريمة هدم القيم وتسطيح العقول وتلميع سفهاء القوم وترميز المخنثين ونشر العادات الجاهلية أخطر على الأجيال من حرب القنابل النووية المدمرة؟

إن الأمة إذا تعرضت لغارة نووية يمكن لها النهوض في عقود قليلة من الزمن إذا امتلكت الإرادة والهدف النبيل والهمة الصادقة أما إذا قبلت الرقص حول دمية التسطيح والتجهيل والتمييع والمسخ الأخلاقي فقد تم تحريف قواعد القيم المجتمعية ومن ثم الفشل وذهاب الريح بل والسقوط في تيه متوالية التخريب المستدام المدمر للفرد والأسرة والقرية والمدينة والدولة والأمة وأصبحت الأمة مجرد رقم في طابور التبعية للمنظمات الغربية الصهيو صليبية والماسونية الفاشية المعادية للإنسانية بشكل عام والإسلام بشكل خاص.

لماذا الاصرار على تلميع السلفة والسفهاء أمام الأجيال المعاصرة؟


أليس من ترميز السفلة خيانة لحقوق العلماء والدعاة وأهل الإصلاح العقدي والفكري والأخلاقي والاقتصادي والسياسي؟

متى تنتبه الأمة العربية والإسلامية إلى أهمية إقصاء أبناء السفلة ورموز التجهيل والتسطيح والاستلاب والتحريف والتبديل والمسخ القيمي والأخلاقي عن مشاهد الصدارة المجتمعية؟

متى تدرك الجماهير أن إعادة ترميز أبناء السفهاء والسفلة والخسة الأخلاقية المشهود لهم بالفجور والخلاعة جريمة عابرة للأجيال والعقود بل والقرون؟

متى تبصر الجماهير إلى أهمية حراسة المستقبل من تسلق أبناء السفهاء والسفلة للمشهد المجتمعي عن طريق المكر والخداع الاستراتيجي الناتج عن تمكين سفهاء الاحلام حثالة القوم من صدارة المشهد المجتمعي؟

هل يدرك الساسة ومن بيده القرار في الواقع أن أخطر أنواع الخيانات والعمالة تكمن في تمهيد الطريق لدعاة الفحش والرذيلة من بسط نفوذهم داخل المجتمع باسم الحضارة أو الترفيه أو الاختلاط المدمر للفطرة وعقول الأجيال المعاصرة؟!

إن الحرب على الفضيلة والاخلاق والهمة الصادقة العالية وبنية الصلاح والإصلاح الشامل بداية من العقيدة والسلوك والأخلاق الربانية أخطر أنواع الحروب الوظيفية التي تستهدف واقع الأمة ومستقبلها أمام غربان النظام الدولي الأسير عند بني صهيون وبني صليب وبني صفوي الروافض الذين ينشرون الفحش باسم زواج المتعة ويمنعون تعدد الزوجات باسم حقوق المرأة ويدمرون الرجولة باسم الإنسانية.

إن توافق الجماهير حول قبول مناظر الفحش والخنا والمسخ الأخلاقي الناتج عقب حفلات الرقص والاختلاط الجماعي وتمرير الأمر وكأنه أمر طبيعي مقبول لمجاراة جاهلية العالم الغربي أمر كارثي وجريمة تسدد فاتروتها ونتيجة تمردها عموم الأمة وهي سبب لسقوط الأمة في متوالية الحرب الربانية على المجتمع المنحرف المعادي للفضيلة المحارب للقيم النبيلة.

إن لم يكن لمجلس النواب ومجلس الوزارة ووزارة العدل والأزهر والأوقاف وجميع المسؤولين في الوطن وقفة ضد هذه المشاهد الكارثية فماذا هم فاعلون وماذا يقولون لرب العالمين يوم القيامة؟

إن لم يضرب بأيدي من حديد على أوكار الحرب على الفضيلة والأخلاق والآداب العامة وتاريخ الرجولة المصري والعربي والإسلامي فماذا تفعل السلطة التنفيذية لحماية الوطن والأمة؟

الخميس، 4 يونيو 2026

رسالة حب إلى مخترعي الظل...!

 خواطر صعلوك

رسالة حب إلى مخترعي الظل...!



دعنا نتحدّث بصراحة يا عزيزي القارئ... 

لقد اختطفت الرأسمالية المتوحشة مصطلح «الابتكار»، وحوّلته من أداة لإنقاذ البشرية إلى ماكينة عملاقة لشفط جيوبها.

انظر حولك في مؤتمرات التكنولوجيا المبهرة؛ ستجد شاباً يرتدي قميصاً أسود بسيطاً، يقف على مسرح مضاء ببراعة، ليعلن لك عن ابتكار «سيغير وجه البشرية»... 

وما هو هذا الابتكار العظيم؟ 

تطبيق ذكي على هاتفك يذكّرك بموعد شرب الماء! 

أو شوكة طعام إلكترونية تحسب لك عدد المضغات لكي لا تسمن!

أو ربما ثلاجة تتحدث معك وتخبرك أن صلاحية الحليب قد انتهت!

الرأسمالية لا تخترع حلولاً لمشاكلك الحقيقية، بل تخترع لك «مشاكل وهمية» وحاجات لم تكن موجودة أصلاً، ثم تبيعك العلاج بأسعار فلكية لتعزيز دورة الاستهلاك الجنونية.

إنها ثقافة تستهدف الإنسان كـ «زبون» فقط، لا كـ «روح».

لكن، وفي وسط هذا السيرك الاستهلاكي العبثي، هناك صنف آخر من البشر.

صنف يعمل في الظل، بعيداً عن أغلفة مجلات المال والأعمال، وبعيداً عن أضواء البورصات وصفقات المليارات.

هؤلاء هم «عباقرة الابتكار» الحقيقيون؛ أولئك الذين سخّروا عبقريتهم الهندسية والتقنية لتسهيل حياة البسطاء والفقراء والمهمشين الذين لا يملكون بطاقات ائتمانية تدفع اشتراكات التطبيقات الفارهة.

دعني أقف إجلالاً واحتراماً لذلك المبتكر المجهول الذي اخترع فلتر مياه من مواد رخيصة جداً، لينقذ قرية أفريقية نائية من الموت بالكوليرا.            

وقُبلة على جبين ذلك الفريق الطبي الذي صمّم        «حضّانة أطفال» من الورق المقوى والمواد العازلة للحرارة، لتدفئة الأطفال الخدج في مخيمات اللاجئين الباردة التي لا تصلها الكهرباء.                       

وتحيّة شرف لأولئك الشباب الذين حولوا الزجاجات البلاستيكية المهملة إلى مصابيح شمسية، تضيء عتمة الصفيح في العشوائيات الفقيرة.

هؤلاء العباقرة لم يحوّلوا عقولهم إلى ماكينات لجني الأرباح الصماء، بل أسّسوا في قلوبهم «مختبرات مجتمعية» حقيقية، كل تصاميمها ومخرجاتها تتمحور حول الإنسان وقيمته، لتصون كرامته قبل أن تملأ خزانته.

لقد أدركوا بفطرتهم السليمة أن الابتكار الذي لا يمسح دمعة، أو يسد جوعاً، أو يخفف ألماً عن كاهل إنسان مطحون، هو مجرد رفاهية فارغة لا وزن لها في ميزان الإنسانية.

إن «الإنسانيين» يترجمون أعظم فلسفة وجودية، وأنهم ليسوا هم حيتان «وول ستريت»، ولا رواد «وادي السيليكون»، بل هم أولئك المساكين الذين طحنتهم الأيام، وينتظرون رحمة السماء عبر عقول خيرة لم تتلوث بجشع السوق.

إلى كل مبتكر، ومهندس، وطبيب، ومفكر، ومعلم... قرر أن يدير ظهره لغواية المال السريع، واختار أن يضع بوصلته نحو الإنسان الضعيف... 

نحن مدينون لكم باعتذار كبير لأننا لا نعرف أسماءكم، ولا نتابع أخباركم، لكننا نوقن تماماً أن أسماءكم محفورة بالذهب في سجلات النبل البشري، وفي صحائف السماء التي لا تضيع فيها مثقال ذرة من خير.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

ترامب وإيران: مصلحتنا أولاً

ترامب وإيران: مصلحتنا أولاً



د. جاسم الجزاع*
هل نحن مع الغرب في علاقة تبعية عمياء تُغيب عقولنا وتطمس هويتنا، أم في حالة تمرد دائم ورفض مطلق؟  
إن هذا التساؤل يقع في قلب التجاذبات الفكرية والسياسية التي نشاهدها، حيث انقسم الرأي المجتمعي إلى اتجاهين؛ اتجاه يغلو في تبني النماذج الغربية دون مراعاة لمصلحتنا الخاصة ومراعاة لظروفنا الداخلية، واتجاه آخر يفرط في تحجيم دور التعامل مع القوى الدولية بناءً على نظرة تقليدية جامدة ترفض كل أجندات تأتي من الغرب.  
والواقع أن الخروج من هذا المأزق يتطلب تجاوز هذه الثنائية العقيمة نحو صيغة عقلانية متوازنة تدرك أن الغرب ليس شيطاناً ناصباً للعداء في كل حين، وليس في الوقت ذاته أنموذجاً مثالياً يملك الحقيقة المطلقة ويفرض وصايته السيادية علينا، فإن النمط الذي يمثل الوعي الرصين هو الذي يتعامل مع الغرب كـ «شريك سياسي واقتصادي» محكوم بقوانين المصالح المشتركة والتبادل الحضاري. 
وإذا تأملنا في دقائق سياستنا الخارجية وعلاقتنا ككويتيين مع الغرب، وتحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية وقبلها بريطانيا، فسنجد بوضوح أن هذه العلاقة التاريخية لم تكن يوماً على غير مصلحتنا الوطنية، بل كانت «المصلحة العليا للوطن» هي القائد الحقيقي والمحرك الأساسي لكل الاتفاقيات والتحالفات، فالتاريخ والبحوث المعاصرة تؤكد أن خط الدفاع الأول عن أمننا واستقرارنا كان على رأس الأولويات، ولم يكن ذلك ارتماءً في أحضان التبعية الغربية أو ذوباناً فيها، فإن هذا المنحى السياسي يثبت أن هدف القيادة الكويتية عبر الأزمنة المختلفة هو تهيئة بيئة تخدم تطلعات التنمية في الكويت وفق رؤيتها المستقبلية، فالعلاقات الدولية لا تُبنى إلا على معيار جودة المخرجات السياسية والأمنية التي تحمي المصلحة الوطنية. 
وأمام المعطيات والتحولات الكبيرة التي تهز بيئتنا الإقليمية من حولنا، وما نراه اليوم من تذبذب واضح في مواقف الإدارة الأميركية بقيادة ترامب بشأن إنهاء الحرب مع إيران، يصبح من الواجب المحتم استمرار التمسك بخط «التوازن الذكي» بين المتطلبات المفروضة كواقع جيوسياسي وبين الاستقلالية الوطنية الصلبة التي تركز على مصلحتنا ككويتيين أولاً وأخيراً في هذا الشأن، عبر تحصين جبهتنا الداخلية، وتدعيم كفاءاتنا الوطنية، والتوكل على الله وحده في إدارة مساراتنا، فالتاريخ يعلمنا أن الوحدة الوطنية والاعتماد على الذات الداخلية هما صمام الأمان الحقيقي أمام تذبذب القوى الخارجية. 
* باحث أكاديمي

عبيد أصفهان يتوسلون طلبا للتومان! ذُلٌّ ما بعده ذُلٌّ، ومآلُه المحتومُ الخسران..

 عبيد أصفهان يتوسلون طلبا للتومان!

ذُلٌّ ما بعده ذُلٌّ، ومآلُه المحتومُ الخسران..
مضر أبو الهيجاء



دخل الفلسطينيون في نفقٍ مظلمٍ نتيجةَ الدفعِ الإيرانيِّ المغرضِ في سياقِ معاركِ النفوذِ مع حليفِ الأمسِ ومنافسِ اليوم الإسرائيلي على الهيمنةِ على المنطقة، في ظلِّ الرعايةِ الأمريكية، وعلى أرضيةِ التخادمِ مع المشروعِ الغربيِّ الصليبيِّ الذي يستهدفُ الأمةَ المسلمةَ وهويتَها وشعوبَها وبلادَها.

وبعد أن بصق ملالي إيران على دماء الفلسطينيين والغزيين، واحتقروا قضية فلسطين وحقَّروها، ولم يذكروها البتة في مفاوضاتهم مع الأمريكيين خلال حرب الاثني عشر يومًا، ولا في مفاوضاتهم مع الأمريكان في باكستان، فيما أصروا على ربط مصير حزب حسن نصر اللات بمصيرهم في لبنان، شعر الفلسطينيون المغبونون أنهم كانوا مطيةً ساذجةً لمشروعٍ معلنٍ في عدائه للدين، وكراهيته لرب العالمين، وطعنه في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولعنه للصحابة الكرام، وإصراره على قتال الموحدين في اليمن والعراق والشام. فإنه لا يزال في فلسطين بعضُ شذاذِ الآفاقِ ممن ينتفعون من التومان، ويعبدون الله على حرف.

إنه لا يوجد أحدٌ أكثرُ دفاعًا أخلاقيًّا عن ملالي إيران من عبيدِهم في فلسطين وغيرها من أرجاءِ الوطنِ العربيِّ والإسلامي، الذين لا يقيمون وزنًا لدماءِ الموحِّدين في العراق واليمن والشام، وهي أقاليمُ توازي في حجمِ مآسيها أضعافَ ما يتصوره كثيرون، وتنتمي إلى فضاءِ الأمةِ ذاته، فيما تموتُ شعوبُها وتضحِّي من أجلِ فلسطين وقضيتِها التي تشكل جزءا من عقيدة المسلمين بمعراجها وأقصاها الحزين.

ومؤخراً بعد إعلان ترامب خضوع ملالي إيران تحت الطاولة، توسَّل عابدو التومان في فلسطين لملالي إيران، لعلهم يُدلون بتصريحٍ عابرٍ يشير إلى فلسطين، يحفظ ما تبقّى من ماءِ وجوههم بعد أن اكتشف شعبُ فلسطين حجمَ الخديعةِ والمؤامرةِ التي غرقوا فيها طوالَ عقود.

أمجد يوسف هو القاتل، ورانيا العباسي هي الضحية الفلسطينية والشاهد!

فتصوَّر يا رعاك الله، لو أن سايكس أو بيكو سمح لرانيا العباسي أن تُسمَّى فلسطينية، لكان لعبيد القطرية موقفٌ مختلف، ولبدأت محاولاتُ إخراجٍ جهنمية. فهل غاب عن هؤلاء المخدوعين أو المخادعين المنافقين أن مشروع القتل الكبير في محيط فلسطين، الذي استهدف ملايينا من أهلها الأوفياء وحواضنها الطبيعية، كان برعايةٍ إيرانيةٍ كاملة، وإشرافٍ من الحرس الثوري وفيلق القدس الذي دعم وحمى ووجه أمجد يوسف النصيري للنيل من الثوار الأحرار ونحر نسائهم وأطفالهم وبناتهم الصغار لعله يحافظ على إقليم الشام وينفذ منه لاحتلال الأقاليم العربية؟

إنني أضع ألفَ علامةِ استفهامٍ حول الذين طاروا فرحًا اليوم بتصريحِ وكالةِ التسليمِ الإيرانية، الذي أشار فيه بعضُ الإيرانيين إلى فلسطين، بعد حالةِ الاستخذاءِ التي وقع فيها عبيدُ التومان، والذين اسودَّت وجوهُهم بين الفلسطينيين.

لم تَعْثُرْ بغلةٌ في العراق، بينما غرقَت شعوبُ اليمنِ والعراقِ والشام

إنَّ المنتمين لهذا الدين والمنحازين لشعوب الأمة والمسلمين لا يفرّقون بين حرق نتنياهو لأطفال الفلسطينيين في غزة، وبين ما قام به ملالي إيران من جرائم -بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ميليشياتها- طالت أطفال ونساء السوريين والعراقيين واليمنيين. وإنَّ من انتصر للأولى وسكت عن الثانية، فهو مخدوعٌ أو منافقٌ يُخفي مصالحه وأهواءه، ولن يجد أمامه إلا سنّةَ الله في التعرية والاستبدال، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾.

وللمخدوعين أقول:

تصور يا أخي المسكين كيف ستكون المعادلة لو وضعت في ميزان الشريعة أو عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى اتباعه يقتلون في اليمن والعراق والشام بسكاكين من يطعنون زوجه ويلعنون أصحابه ثم يدَّعون أنهم يستهدفون تحرير أرض المعراج؟

إنَّ الاحتلال هو الاحتلال، والقتل هو القتل، والظلم هو الظلم، والقيم لا تتجزأ.

فكيف يُمكن أن يتعامل البعض مع أنهارٍ من الدماء وكأنها أحداثٌ عابرة، ثم يطيرون خلف كلمةٍ مُخادعة، بعد هذا القدر من التعري والخزي والألم الذي أحاط بفلسطين، وامتدّ أثره إلى شعوب المنطقة التي اكتوت بنار حروب إيران الطائفية وما خلفته من مآس ممتدة تئن منها أفئدة المسلمين المقهورين على دمائهم المهدورة؟

إن ازدواجية الموقف، وانتقائية التعاطي مع المظالم، تُفقد الخطاب الشرعي رسالته والخطاب الأخلاقي معناه، وتحوّله إلى شعاراتٍ تُستخدم بحسب المصالح والانحياز، لا بحسب ميزان الحق والعدل والشريعة. فلا فرق بين أمجد يوسف وبين الخامنئي وحسن نصر اللات، ولا فرق بين عائلة العباسي التي قتلتها أذرع إيران والنظام الطائفي في سورية وبين عشرات العائلات التي أحرقها وقتلها نتنياهو في غزة. فهل من موقف ومراجعة؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/6/2026