وقفات مع آيات (18).. السنن الربانية العظيمة
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾
من السنن الربانية العظيمة أن ما يقع في هذا الكون، وما ينزل بالناس في الأرض وفي أنفسهم، مقدَّرٌ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلق بخمسين ألف سنة؛ سواء كان من الكوارث كالزلازل ونحوها، أو مما يصيب الإنسان من مرض، أو فقر، أو ضرر.
وفي هذا تعزية عظيمة للمؤمن؛ إذ يعلم أن ما أصابه لم يكن خارجًا عن قدر الله، وأنه لم ينزل به أمرٌ على سبيل الفجأة المنفلتة، بل وقع بعلم الله السابق وتقديره المحكم.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك”.
ثم كشف الله الحكمة من إعلام عباده بهذه الحقيقة، فقال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾؛ ليعلم الإنسان أن ما نزل به لم يكن ليجاوزه، وأن ما جاوزه لم يكن لينزل به، فلا يجزع على ما فاته من النعم جزعًا يخرجه إلى السخط، ولا يطغى بما أوتيه من العطاء طغيان المتكبر المغتر.
والأصل أن كثيرًا مما يصيب الإنسان إنما يكون بسبب ذنوبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فالحسنات من الله فضلًا ورحمة، وأما كثير من المصائب والآلام فإنما يكون بسبب أعمال العبد وذنوبه.
ومع ذلك فإن رحمة الله أوسع من ذنوب العباد، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقال جل شأنه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. وقد تُعجَّل بعض آثار الذنوب للمؤمنين، وقد تُؤخَّر، لكنها في جميع الأحوال لا تخلو من معاني التربية، والتطهير، والتنبيه، وفي طياتها خير للمؤمن إذا أحسن تلقيها، وصبر، وراجع نفسه، ورجا ما عند الله.
والمؤمن لا يتمنى البلاء، ولا يسعى إليه، بل هو مأمور ببذل الأسباب، ودفع الضرر ما استطاع، غير أنه إذا ابتُلي صبر، وإذا أُعطي شكر. وهو لا يعلم أين يكمن الخير له، لكنه يرضى بأقدار الله، صابرًا محتسبًا، يرجو مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، مستيقنًا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.
وهذا الفهم يريح القلب، ويبعث الطمأنينة في النفس، فيحيا الإنسان حياةً أكثر سكونًا وثباتًا، قائمة على الصبر، والرضا، والتسليم لله عند المصيبة، مع صدق الالتجاء إليه، وقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وهذا المعنى ليس مجرد تقرير إيماني نظري، بل يراه الإنسان متجسدًا في بعض من عرفهم وعايشهم. ومن ذلك رجل عايشته سنين طويلة، تعرّض خلالها لألوان من الأذى والابتلاء. ومن أعجب ما مرّ به أن زوجته التي كان يحبها حبًا شديدًا طُلِّقت بغير رضاه، وفُرِّق بينه وبين أبنائه، وحُرم سنين طويلة من رؤية أمه والأنس بها وهي على مشارف الرحيل. ثم ابتُلي بعد ذلك بأذى جسدي ونفسي شديد، فصبر واحتسب.
وعاش زمنًا يعتمد على المهدئات والأدوية، حتى عافاه الله منها، واستعاد توازنه، ونهض من جديد. وكنت أؤانسه أحيانًا، وأحاول أن أصبّره، فإذا به، على شدة ما نزل به، جبل أشم، ذو إيمان صادق واحتساب عظيم. فقد ماله، وضاع شقاء عمره، وما بناه من أعمال تجارية، لكنه ثبت ولم يتزعزع يقينه، ولم يَهِنْ إيمانه. وكانت حالته الصحية غير مستقرة، وابتلي ببعض الأمراض المزمنة، لكنك إن رأيته في أوقات صحته، ونظرت إلى وجهه، لقلت: إن هذا الرجل لم يذق بلاءً قط.
أيُّ صبرٍ هذا الذي يرزق الله به عباده!
إن هذا الصبر لا تصنعه مجرد طاقة التحمل البشرية، بل يصنعه الإيمان العميق بأن وراء البلاء حكمةً، ولطفًا، وأجرًا لا يضيع.
ولعل من أجمل ما بقي في نفسي من خبره أن البلاء لم ينتزع منه بشاشته، ولم يخمد جذوة روحه؛ فما زلت أذكر تلك الابتسامات التي كان يوزعها على أصحابه، وتلك القصص المفرحة، والنكات الجميلة التي كان يرويها لمن حوله، يريد بها أن يدخل السرور إلى قلوبهم. وذلك من أبلغ الشواهد على أن الإيمان إذا تمكن من القلب، منع اليأس من التغلغل في النفس، ولم يطفئ جذوة الأمل والفرح، وجعل صاحبه يحمل جراحه بروح مطمئنة، ونفس راضية، وقلب موصول بالله.





