الجمعة، 2 أكتوبر 2026

هل الديمقراطية تصنع الانسان الديمقراطي؟

 هل الديمقراطية تصنع الانسان الديمقراطي؟

كاتب وباحث 

من السهل ان نربط الديمقراطية بصندوق الاقتراع. يذهب المواطن الى مركز التصويت، يختار مرشحه، تعلن النتائج، ثم تبدأ السلطة الجديدة عملها. بهذه الصورة تبدو المسألة واضحة انتخابات تعني ديمقراطية.

لكن الديمقراطية ليست عملية تصويت فقط، والانتخابات لا تستطيع وحدها ان تغير علاقة المجتمع بالسلطة. قد يتغير الحاكم وتبقى العقلية السياسية كما هي، وقد تتبدل الاحزاب داخل الحكومة بينما تستمر طرق الحكم القديمة. لهذا يصبح السؤال الحقيقي اوسع من سؤال الانتخابات ماذا يحدث عندما تدخل الديمقراطية الى مجتمع لم يتعلم بعد كيف يمارسها؟.

يمكن كتابة دستور حديث، وانشاء برلمان منتخب، والسماح بتعدد الاحزاب، وتنظيم الانتخابات، ومع ذلك تبقى الدولة اسيرة ثقافة سياسية تقوم على الولاء الشخصي والخوف من الاختلاف وتقديس الزعيم.

المؤسسات لا تعمل وحدها

خلف كل مؤسسة بشر يحملون افكارا ومصالح وعادات سياسية. فإذا كان المواطن يرى الدولة وسيلة للحصول على وظيفة او حماية جماعته، فسوف يتعامل مع الانتخابات بالطريقة نفسها.

وإذا كان السياسي ينظر الى السلطة باعتبارها مكافأة بعد الفوز، فلن يتحول تلقائيا الى رجل دولة لمجرد انه وصل عبر الصندوق.

من هذه النقطة يبدأ الخلاف بين الديمقراطية كإجراء والديمقراطية كثقافة.

الانتخابات تحدد من يصل الى السلطة، لكنها لا تحدد كيف سيتعامل معها بعد الوصول. قد يدافع السياسي عن الحريات عندما يكون في المعارضة، ثم يضيق بها عندما يصبح مسؤولا. وقد يطالب الحزب بالتداول السلمي للسلطة في الدولة، بينما لا يعرف التداول داخل قيادته. يمكن ايضا ان نجد مواطنا يدافع عن حرية التعبير عندما يكون رأيه مستهدفا، ثم يطالب بمنع الرأي المختلف عندما يشعر ان ذلك الرأي يهدد جماعته.

هذه المواقف لا تصنع ديمقراطية مستقرة، لان الديمقراطية تقوم على مبدأ بسيط لكنه صعب التطبيق: الحق السياسي لا يتغير حسب موقع الانسان من السلطة.

المواطن الديمقراطي لا يؤمن بالحرية لنفسه فقط. يقبل ان يتحدث خصمه، وان يفوز من لا يفضله، وان تنتقد الصحافة حكومته، وان يعارضه شخص ينتمي الى الحزب نفسه.

الديمقراطية في جوهرها اختبار لقدرتنا على تحمل الاختلاف.

ولهذا لا تبدأ الديمقراطية من البرلمان فقط. تبدأ من التربية.

الطفل الذي يتعلم ان السؤال وقاحة، وان مناقشة المعلم عصيان، وان الكبير دائما على حق، قد يكبر وهو يحمل علاقة سلطوية مع كل من هو اعلى منه. ثم يدخل الحياة السياسية وهو ينتظر من الزعيم الشيء نفسه الذي تعلمه في البيت والمدرسة: الطاعة مقابل الحماية.

تدريب الأطفال على السؤال والنقاش

التعليم الذي يركز على الحفظ والطاعة ولا يدرب الطالب على السؤال والنقاش والنقد، لا يبني مواطنا قادرا على ممارسة الحرية السياسية بصورة ناضجة.

الجامعة ايضا ليست محايدة في هذه المسألة. الجامعة التي تمنع النقاش، وتخاف من النقد، وتتعامل مع الطالب باعتباره متلقيا لا شريكا في التفكير، تساهم في انتاج انسان يستطيع الحصول على شهادة، لكنه قد لا يمتلك الادوات العقلية التي يحتاجها لممارسة المواطنة.

من الصعب ان نطلب من المجتمع ان يكون ديمقراطيا في صناديق الاقتراع بينما مؤسساته التعليمية والاجتماعية تدربه على عكس ذلك.

ثم تأتي الاحزاب السياسية.

لا يمكن بناء حياة سياسية ديمقراطية بأحزاب تقوم على الزعيم الواحد. الحزب الذي لا يستطيع اعضاؤه نقد قيادته، ولا يستطيع تغييرها بطريقة سلمية، ولا يعقد مؤتمرات حقيقية، ولا يسمح بتعدد الآراء داخله، سيواجه مشكلة عندما يصل الى الحكم: سوف ينقل منطق القيادة الداخلية الى مؤسسات الدولة. ولهذا فإن المعارضة ليست ديمقراطية لمجرد انها تعارض الحكومة.

يمكن للمعارض ان يحمل عقلية استبدادية، ويمكن لمن يرفع شعار الحرية ان يرفضها عندما تمس مصالحه. معيار الديمقراطية ليس موقع الشخص في المعارضة او الحكومة، بل موقفه من السلطة عندما تصبح في يده.

وهذا يقود الى قضية اخرى:

الانتخابات قد تنتج الاغلبية، لكنها لا تمنح الاغلبية ملكية الدولة.

الفوز في الانتخابات لا يعني ان الحزب الفائز أصبح صاحب القضاء او الجيش او المال العام او الاعلام الحكومي. هذه مؤسسات للدولة وليست ممتلكات للحزب.

إدارة السلطة ضمن القانون

الحكومة المنتخبة تملك حق إدارة السلطة ضمن القانون، ولا تملك حق تغيير القانون لحماية نفسها او استخدام مؤسسات الدولة لتصفية خصومها.

لذلك تحتاج الديمقراطية الى مؤسسات تستطيع وضع حدود واضحة للسلطة: قضاء مستقل، صحافة حرة، برلمان قادر على الرقابة، مجتمع مدني نشط، وقواعد انتخابية لا تتغير كلما تغيرت مصلحة الحاكم.

الانتخابات مهمة، لكنها تحتاج الى هذه البيئة حتى تؤدي وظيفتها.

كما ان المواطن نفسه ليس خارج المعادلة.

عندما يبيع الناخب صوته، ثم يشكو من الفساد، فهو شارك في بناء النتيجة التي ينتقدها. وعندما يصوت بناء على القبيلة او المنطقة او المال، ثم يطالب بحكومة وطنية، فهو يضع الدولة امام تناقض يصعب تجاوزه.

لا يعني ذلك ان الناخب يتحمل وحده مسؤولية الفساد السياسي. السلطة والاحزاب والمؤسسات تتحمل مسؤوليات أكبر، لكن المواطن يظل جزءا من النظام السياسي الذي ينتج الحكام.

القبيلة والدين والمال والمصالح المحلية يمكن ان تؤثر في الاختيار السياسي. ولا تصبح هذه التأثيرات مشكلة لمجرد وجودها، بل عندما تتحول الى بديل عن المواطنة والقانون.

السؤال الانتخابي

عندها يصبح السؤال الانتخابي: من يمثلني؟ بدلا من السؤال الاوسع: من يستطيع ادارة الدولة؟ والفارق بين السؤالين كبير.

السياسة التي تقوم على توزيع الدولة بين الجماعات ستنتج حكومة مشغولة بتوازن الولاءات، بينما السياسة التي تقوم على المواطنة تبحث عن مؤسسات تعمل وفق القانون مهما كان اسم المواطن او انتماؤه.

ومن زاوية فلسفية، يمكن فهم هذه المشكلة من خلال فكرة نيتشه عن عقلية القطيع. الانسان قد يتخلى عن حكمه الفردي عندما يشعر ان الجماعة تمنحه الامان والانتماء. في السياسة يصبح السؤال احيانا ليس: هل هذا القرار صحيح؟ بل: ماذا تريد جماعتنا؟

وهذا النوع من التفكير يضعف المواطن ويقوي الزعيم.

أما فوكو فيساعدنا على النظر الى المسألة من زاوية اخرى: السلطة لا تعمل بالقوة المباشرة فقط، بل تعمل ايضا من خلال المعرفة والخطاب والمؤسسات.

من يملك القدرة على تشكيل ما يعتبره المجتمع حقيقة او مقبولا يستطيع التأثير في وعي الناس دون الحاجة الى اجبارهم في كل مرة.

لهذا فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير البنية التي تنتج الطاعة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تفشل بعض التجارب الديمقراطية رغم وجود انتخابات متكررة. المشكلة ليست دائما في غياب الاقتراع، بل في غياب البيئة التي تجعل الاقتراع وسيلة حقيقية للمحاسبة والتغيير.

الحاكم موظف عام وليس زعيما مقدسا

الديمقراطية تحتاج الى مواطن يعرف ان الحاكم موظف عام وليس زعيما مقدسا.

وتحتاج الى سياسي يعرف ان فوزه مؤقت. وتَحتاج الى معارضة تعرف ان خسارة الانتخابات لا تعني نهاية الدولة.

وتحْتاج الى مجتمع يستطيع ان يختلف دون ان يحول الخلاف السياسي الى عداوة اجتماعية.

وتحتَاج الى صحافة تستطيع ان تنتقد الحكومة والحزب والمعارضة في الوقت نفسه.

وتحتاجُ قبل كل ذلك الى قانون لا يتغير وفقا لمن يملك السلطة.

المشكلة اننا كثيرا ما نطالب بالديمقراطية عندما نكون خارج السلطة، ثم نكتشف قيمتها الحقيقية عندما نصل اليها.

عندها يظهر الاختبار الفعلي: هل سنحمي حق خصومنا كما نطالب بحماية حقوقنا؟

من يقبل الحريات عندما تخدمه فقط لم يفهم الديمقراطية.

ومن يقبل نتائج الانتخابات عندما يفوز فقط لم يفهم التداول السلمي للسلطة.

ومن يطالب بدولة القانون ثم يبحث عن واسطة عندما يحتاج الى حقه لم يتجاوز بعد ثقافة الدولة الشخصية.

لهذا لا يمكن قياس الديمقراطية بعدد الانتخابات وحده.

يجب النظر الى ما يحدث بين انتخابات وأخرى: كيف تمارس السلطة؟ كيف تحاسب؟ كيْف تعمل المؤسسات؟ كَيف يعامل الصحفي؟ كيفَ يتصرف الحزب؟ كيف يعيش المواطن؟ وهل يستطيع الفرد ان يختلف مع الأغلبية دون ان يفقد حقوقه؟

هذه الأسئلة هي التي تكشف طبيعة النظام السياسي.

الديمقراطية تبدأ من البيت

الديمقراطية لا تبدأ يوم يفتح مركز الاقتراع ابوابه، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: في البيت عندما يتعلم الطفل ان الاختلاف لا يعني العصيان، وفي المدرسة عندما يسمح للطالب بالسؤال، وفي الجامعة عندما يصبح النقد جزءا من المعرفة، وفي الحزب عندما تستطيع القيادة ان تسمع صوت أعضائها، وفي المجتمع عندما يصبح القانون مرجعا للجميع.

الانتخابات تستطيع ان تغير الحاكم، لكنها لا تستطيع وحدها ان تغير الانسان.

الانسان هو الذي يجعل الديمقراطية ممكنة عندما يتعلم ان السلطة مؤقتة، وان القانون فوق الاشخاص، وان الخصم السياسي ليس عدوا، وان الدولة ليست غنيمة للحزب الفائز، وان الحرية التي يطالب بها لنفسه يجب ان يقبل بها عندما تكون في يد خصمه.

لهذا فإن السؤال الاهم ليس: هل لدينا انتخابات؟

السؤال هو: ماذا صنعت الانتخابات في ثقافتنا السياسية؟

إذا بقي المواطن يبحث عن زعيم يحميه بدلا من مؤسسة تحمي حقه، وبقي السياسي يبحث عن الولاء بدلا من القانون، وبقي الحزب يعتبر نفسه الدولة عندما يصل الى الحكم، فإن تغيير الاسماء لن يكون تغييرا حقيقيا.

قد يتغير الحاكم قد يتغير الحزب. قد تتغير الشعارات.

لكن الدولة ستبقى تحمل العقلية نفسها.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للديمقراطية: ليس ان نعرف كيف نختار الحاكم، بل ان نتعلم كيف نمنع الحاكم، مهما كان اسمه، من التحول الى مالك للدولة.

فوق السلطة 511

الحرب تمتد من السودان إلى إثيوبيا
تقديم: نزيه الأحدب


فوق السلطة.. نتنياهو يسجل الغياب ولندن تبكي غزة وتسلح إسرائيل
بين مقاعد الأمم المتحدة الفارغة ودموع لندن على غزة، رصد برنامج “فوق السلطة” مفارقة سياسية، إذ تتصاعد الانتقادات لإسرائيل، بينما تستمر صفقات السلاح والتعاون العسكري معها.


وسلط البرنامج في حلقة (2026/10/2) الضوء على انتقادات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للدول التي غادر ممثلوها قاعة الأمم المتحدة احتجاجا على سياسات إسرائيل، وعلى التناقض البريطاني بين إدانة الحرب وتسليح تل أبيب ومواضيع أخرى.

وخلال خطابه أمام الجمعية العامة، هاجم نتنياهو الوفود التي انسحبت من القاعة، ووصف من غادروا بأنهم يفتقرون إلى الشجاعة الأخلاقية، في وقت كانت فيه دول عدة تحتج على الحرب الإسرائيلية وما خلفته من قتلى ودمار.

وانتقد نتنياهو بريطانيا وفرنسا خصوصا، رافضا اتهام إسرائيل بالاستعمار، ومذكرا بماضي الدولتين الاستعماري. وفي المقابل، ردت ممثلة آيسلندا بأن الجبن الأخلاقي يتمثل في القادة الذين يرفضون التفاوض على سلام عادل، ويمنعون وصول المساعدات الإنسانية.

وركز البرنامج على مشهد مقاعد الوفود الفارغة، بعدما غادر عدد من ممثلي الدول القاعة خلال كلمة نتنياهو، في مشهد تحول إلى مادة للسخرية، إذ بدا مندوب إسرائيل الدائم داني دانون وكأنه يسجل أسماء الغائبين.

ولم يقتصر الاحتجاج على قاعة الأمم المتحدة، إذ خرجت مظاهرات في نيويورك ضد نتنياهو، شاركت فيها الممثلة الأمريكية سوزان ساراندون، البالغة من العمر 79 عاما، حاملة لافتة تطالب بوقف تسليح إسرائيل، قبل أن تعتقلها الشرطة خلال الاحتجاج.

وأظهر البرنامج مشاهد لهتافات المتظاهرين الذين اتهموا نتنياهو بارتكاب إبادة جماعية، في حين عبّر ناشط أمريكي يهودي مشارك في الاحتجاج عن رفضه تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن شعور يهود نيويورك بعدم الأمان، مؤكدا أنه يشعر بالأمان وسط التظاهرة المؤيدة لفلسطين.
مفارقة لندن العسكرية

وانتقلت الحلقة من نيويورك إلى لندن، إذ تناولت ما وصفته بالمفارقة البريطانية، فالحكومة تنتقد علنا سلوك إسرائيل في غزة والضفة الغربية، وتتحدث عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين والأطفال ونقص المساعدات، لكنها تواصل في الوقت نفسه التعاون العسكري معها.

وكشف تقرير استقصائي بريطاني عن عقود عسكرية بمئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية مع شركات أسلحة إسرائيلية، في وقت تؤكد فيه الحكومة البريطانية أن معاناة المدنيين في غزة لا يمكن أن تستمر، وأن حل الدولتين يظل الطريق الأفضل لتحقيق السلام والاستقرار.

وبحسب ما عرضه البرنامج، فإن هذا التناقض يظهر في أكثر من مستوى، إذ تتجاور المواقف السياسية المنتقدة لإسرائيل مع صفقات التسليح والتعاون الدفاعي، ليبدو المشهد البريطاني وكأن السياسة مقسمة بين خطاب يدين الحرب وممارسة تواصل دعم الأدوات العسكرية.

وتناول البرنامج كذلك تصريحات نتنياهو في الأمم المتحدة، التي هاجم فيها بريطانيا وفرنسا بسبب مواقفهما، في مفارقة لافتة مع استمرار العلاقات العسكرية، وكأن الخلاف السياسي لم يمنع استمرار التعاون في الملفات الدفاعية.

وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع، وهذه أبرزها:اعتقال سوزان ساراندون خلال احتجاج في نيويورك ضد تسليح إسرائيل.
ميلانيا ترفض مصافحة الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال استقباله في واشنطن.
ترمب يسخر مجددا من الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
اليمن يعلن عفوا شاملا لمن يترك جماعة الحوثي.
منظمة الصحة العالمية
تحذر من جائحة جديدة وتراجع أعداد العاملين الصحيين.
الحرب تمتد من السودان إلى إثيوبيا وسط مخاوف من تداعيات القتال في تيغراي.
مطاعم حول العالم تحظر الهواتف المحمولة لإعادة الحديث إلى موائد الطعام.

عبد الله زكريا إدريس

 عبد الله زكريا إدريس
 هذا هو السوداني الذي طبخ للقذافي الكتاب الأخضر
كاتب وصحفي سوداني.


في عالم السياسة والفكر، تلمع نجوم كأنها شهب كثيفة الضياء، ثم تتوارى خلف أستار الظلال، لعب بعض هؤلاء النجوم أدوارا مهمة في منطقتنا العربية والأفريقية، ولولا الحظ العاثر والابتعاد عن مساقط الأضواء لظلوا في الصدارة تحت وهج الشهرة، وما خبا الواحد منهم بعد التماع.

من هؤلاء المفكر السوداني الكبير، عبد الله زكريا إدريس، أحد أبرز المنظرين الاشتراكيين الإسلاميين، وأحد بناة الفكر القومي العروبي الممزوج بالأفريقانية، لمع وسط تزاحم الأنجم السياسية في ستينيات القرن الماضي، وكان هناك من كان من القادة والسياسيين في السودان آنذاك، لكنه سرعان ما ذهب إلى بلد آخر ساكبا عصارة أفكاره وتجربته وأحلامه، وشاد مع آخرين التوجهات الفكرية والسياسية لأربعة عقود من الزمان، حتى الرمق الأخير لقائد تلك البلاد، ورحيله هو في ليلة صيفية بالخرطوم.

ولد عبد الله زكريا إدريس بمدينة الفاشر غربي السودان عام 1932، جده هو مفتي الديار قاضي إدريس الفقيه القادم من أقصى شمال السودان في عام 1898، ليكون ثالث ثلاثة أعانوا السلطان علي دينار سلطان سلطنة دارفور (1898-1916) على توطيد حكمه واستعادة مجد آبائه وأجداده، وهو السلطان الشهير الذي كان يرسل المحمل إلى أرض الحجاز ويرسل كسوة الكعبة كل عام.

كما تنسب إليه (آبار علي) جنوب غرب المدينة المنورة وميقات الإحرام منها، وهو الذي أقام حلفا مع الخلافة العثمانية في تركيا وقاتل معها ومع الألمان في الحرب العالمية الأولى، وحافظ على سلطنته في دارفور حرة مستقلة حتى غزاها الجيش الإنجليزي وقُتل في عام 1916.

لما وسّع القذافي جلساته الأخرى مع المفكرين مقدما إليهم مسودات المقولات التي صاغها ولخصها عبد الله زكريا، خلال أعوام 1973-1975، رأى القذافي ألا يصدرها مكتملة، ثم صدرت مجمعة عام 1979 في "الكتاب الأخضر"، وكان زعيم الاشتراكيين الإسلاميين بابكر كرار من المصوبين الرئيسيين لما أطلق عليه نظام المؤتمرات وسلطة الشعب

عاصر عبد الله زكريا حياة جده مفتي السلطنة وقاضيها، فقد بدأ تعليمه الأولي في الفاشر، ثم التحق بعد المرحلة الوسطى بمدرسة حنتوب الثانوية وسط السودان ليزامل خلال سنواتها الأربع أبرز رموز السياسة والحكم بالسودان: الرئيس الأسبق جعفر نميري، والدكتور حسن الترابي زعيم الإسلاميين في السودان، ومحمد إبراهيم نقد السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوداني، وإبراهيم منعم منصور أشهر وزراء المالية في تاريخ السودان، وميرغني النصري عضو مجلس رأس الدولة السابق، وأحمد إبراهيم دريج زعيم المعارضة بالبرلمان في الستينيات من القرن الماضي وحاكم دارفور، الجزولي دفع الله رئيس وزراء السودان الأسبق، وكان عبد الله أذكاهم وأكثرهم نباهة وتحصيلا معرفيا وثقافة واطلاعا.

إعلان

بلغ نضجه السياسي بالمرحلة الثانوية، فالتحق بجماعة الإخوان المسلمين في بواكيرها بالسودان، وخاض غمار السياسة، وتحدث في ندوة شهيرة بمدينة الفاشر في عام 1952 خرجت بعدها تظاهرات عاتية أُحرق فيها العلم الاستعماري البريطاني، ومُرغ أنف الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس في تراب مدينة الفاشر.

تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم عام 1955، وعمل مدرسا للجغرافيا لفترة قصيرة في المدارس الثانوية ثم ابتعث للدراسة بإنجلترا وحاز درجة الماجستير في جامعة لندن، وتزامل مرة أخرى مع الدكتور حسن الترابي الذي كان يتلقى دراساته العليا في القانون بالجامعة نفسها، والسيد الصادق المهدي الطالب بجامعة أكسفورد.

وطوال هذه الفترة كان عبد الله زكريا عضوا ملتزما بالتيار الإسلامي، لكنه نتيجة لتطورات فكرية ومشكلات تنظيمية، اختار مع آخرين الخروج من التنظيم الإسلامي، وشارك في تأسيس الحزب الاشتراكي الإسلامي، في مقاربة شديدة الأهمية ما بين العدالة الاجتماعية في الإسلام والأفكار الاشتراكية المحضة في محاولة قولبتها في نسق إسلامي، وكان الراحل بابكر كرار النور هو قائد الحزب ومعه عبد الله زكريا، وميرغني النصري، وناصر السيد، وآخرون.

انفتح عبد الله على التيارات السياسية السودانية، وعرف عنه نبوغه ونزوعه نحو إنتاج الأفكار واهتمامه بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وقناعاته الثورية الجامحة لمعالجة مشكلات الحكم والإدارة والسياسة والمجتمع.

ومع نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي، التقت خطاه مع زميل دراسته في المرحلة الثانوية والضابط بالجيش آنذاك جعفر نميري وخططا لانقلاب عسكري، بيد أن مجموعة الحزب الشيوعي وبعض القوميين العرب سبقوا بتدبير انقلاب 25 مايو/أيار 1969 مع جعفر نميري نفسه، ولم يكن الانقلاب بوجهه الشيوعي واليساري الصارخ من اليوم الأول ملبيا لتصورات وتطلعات مجموعة الحزب الاشتراكي الإسلامي.

كانت هناك علاقة حوارية فكرية مع الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر الذي قدم المجموعة: 

بابكر كرار، وناصر السيد، وعبد الله زكريا، للزعيم الليبي الشاب معمر القذافي عقب وصوله للسلطة في 1 سبتمبر/أيلول 1969، لتبدأ فصول مثيرة في حياة عبد الله زكريا منذ صافح القذافي.

التحقت مجموعة الحزب الاشتراكي الإسلامي بلحظة الهياج الثوري العارم في ليبيا، وتلاقت أفكارهم وطموحاتهم وأشواقهم السياسية مع شاب ممتلئ بالحماس الثوري والشعارات البراقة للاشتراكية والعروبة خلال تلك الفترة، واستقروا تماما في طرابلس في عام 1972، وانخرطوا في نشاط وحوارات فكرية وسياسية طويلة مع العقيد القذافي، بين أيديهم مانفيستو الحزب الاشتراكي الإسلامي السوداني.

بينما كان عبد الله يتنقل بين السودان وليبيا، استدعاه القذافي مع حصار ليبيا عام 1992 وكلفه بالطواف في أفريقيا وجمع شيوخ الطوائف الدينية وزعماء القبائل والكهنة، يوم أن بدأت تطرأ على الزعيم الليبي بوارق توجهاته الأفريقية التي كان ختام مطافها أن نصب نفسه ملك ملوك أفريقيا

وفيما كان زعيم المجموعة بابكر كرار متسما بالصرامة الفكرية والدوغمائية السياسية، نال عبد الله زكريا بذكائه الحاد ونفسه الضاجة بالقلق والثورة، إعجاب القذافي، وكان عبد الله من الموهوبين في عرض الأفكار وتجاوز المسلمات والتجديد، اجتمع قلقه ولفح روحه الثورية وطموحه الشاب بقلق وطموح وجرأة القذافي الذي أُخذ بمواهب عبد الله في التعبير بدقة عن آرائه، ولغته الساحرة ذات الجرس الموسيقي، وإجادته في صياغة الشعارات وبلورة الأفكار، وإتقانه الإنجليزية.

إعلان

اصطفاه القذافي للمدارسات الفكرية الخاصة مع المفكر الليبي الصادق النيهوم، فخيم على ليالي طرابلس وطرقاتها القديمة ومباني السلطة اليافعة سحب ثقال من النقاشات الحيوية والأحلام الثورية المحلّقة تتجاوز المقارنات بالماركسية اللينينية وبالنسخة الصينية من الاشتراكية من أفكار المدرسة الفابية الإنجليزية، وإلهامات المفكرين الاشتراكيين الأوروبيين والتجارب الثورية اليسارية في أمريكا الجنوبية والوسطى والتيارات العروبية الاشتراكية العربية الناصرية ومانفيستو الحزب الاشتراكي الإسلامي السوداني.

نتجت عن هذه اللقاءات الثلاثية الطويلة مسودات مهمة (القذافي-النيهوم-عبد الله زكريا)، وحسب إفادات زكريا، فإنه كان يقوم بتلخيص الأفكار وتنقيحها ثم تقديمها للقذافي في اللقاء التالي، حين كان النيهوم في قمة قلقه وتطرفه الفكري يبعثر الآراء ويعبر عن المواقف، ويكثر من الاختلاف مع القذافي، ويقول عبد الله:" صياغة الكتاب الأخضر المربكة، ونصوص جمله ومقولاته التي تشبه قفزات السناجب لا تعبر إلا عن حالتنا في تلك الجلسات.. نقفز من فكرة إلى أخرى، نطلق شعارا رنانا وعبارة صادمة، كأننا نكتب سفرا مقدسا نلقيه للشراح والمفسرين".

لم تنقطع جلسات القذافي مع الآخرين من المفكرين والسياسيين الليبيين والعرب والأجانب، لكن ملاذه كان مجموعته الصغيرة حيث تتمازج الأفكار والأمزجة واللغة ومنهج التفسير الفلسفي للحياة والمجتمع والسلطة والاقتصاد، واستطاع هذا الثلاثي إنتاج مسودات أساسية تمثل الفلسفة السياسية (الديمقراطية وسلطة الشعب) واعتماد (الاشتراكية) بمفهوماتها المتقاربة مع الإسلام لحل المعضلات الاقتصادية، بينما ذهبت بعض نظريات المفكرين الاجتماعيين ونقدها، لتصاغ في مصفوفة جديدة تكون هي أساس بناء مجتمعٍ جديد أراده القذافي في أحلامه مجتمعٍ قائم على النظرية العالمية الثالثة التي جُمعت بين دفتي كتيب صغير أطلق عليه "الكتاب الأخضر" ويقع في 120 صفحة من القطع الصغير.

ولما وسّع القذافي جلساته الأخرى مع المفكرين مقدما إليهم مسودات المقولات التي صاغها ولخصها عبد الله زكريا، خلال أعوام 1973-1975، رأى القذافي ألا يصدرها مكتملة، ثم صدرت مجمعة عام 1979 في "الكتاب الأخضر"، وكان زعيم الاشتراكيين الإسلاميين بابكر كرار من المصوبين الرئيسيين لما أطلق عليه نظام المؤتمرات وسلطة الشعب، ولم يلبث القذافي أن طلب من عبد الله زكريا القيام بشرح متن "الكتاب الأخضر"، وعقد الندوات التنويرية والتعريفية بكل ما ورد فيه، وتنزيل المقولات لمستويات الفهم العام، وتأسس إثر ذلك المركز العالمي لدراسات "الكتاب الأخضر"، وكان عبد الله من أبرز رموزه ومن غيره لهذه المهمة العسيرة؟

بعد كل هذا التاريخ الطويل، ماذا جنى المثقف الكبير من السلطة وصولجان السلطان؟ تبدّدت الأحلام الكبيرة، وطاشت السهام بعيدا، وسقطت ليبيا في هوة سحيقة من التطبيقات المجحفة لنظرية تنتمي لعالم اليوتوبيا الساحر، وتمأسست دكتاتورية باطشة، ليحرث الشعب الليبي في البحر، حتى أسقط نظام القذافي دون أن تتحقق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وسلطة الشعب الموعودة

أيضا تولى عبد الله زكريا كل الترجمات للنصوص والوثائق والكتابات الشارحة للنظرية العالمية الثالثة، وبرع متحدثا باللغة الإنجليزية وكاتبا بها بإجادة كبيرة، وخط المقالات في المجلات والصحف والدوريات داخل ليبيا وخارجها، تظلله ثقة القذافي المطلقة، وبدا كأنه الرقيب الناقد لأداء اللجان الثورية الليبية متتبعا تجربتها، وبجانب ذلك أسس حركة اللجان الثورية السودانية وقبلها الجبهة الشعبية الاشتراكية.

ثم كانت مسيرة طويلة مع القذافي وليبيا، دانت فيها السلطة وزاد بريقها واكتمل بناء هياكلها وصروحها وتعددت تحدياتها، واصطدمت مقولات "الكتاب الأخضر" بالواقع، وغاص المركب في وحل التطبيق، ومع مضي السنوات وخفوت البريق، لم يعد عبد الله زكريا يلتقي القذافي كما كان، وحال بينهما موج المسؤوليات السلطوية الجسام والحاشية التي لم تعش أيام الصفاء القديم.

بينما كان عبد الله يتنقل بين السودان وليبيا، استدعاه القذافي مع حصار ليبيا عام 1992 وكلفه بالطواف في أفريقيا وجمع شيوخ الطوائف الدينية وزعماء القبائل والكهنة، يوم أن بدأت تطرأ على الزعيم الليبي بوارق توجهاته الأفريقية التي كان ختام مطافها أن نصب نفسه ملك ملوك أفريقيا.. وتلك قصة أخرى كما قال الأديب السوداني الكبير الطيب صالح في رائعته موسم الهجرة إلى الشمال.

بعد كل هذا التاريخ الطويل، ماذا جنى المثقف الكبير من السلطة وصولجان السلطان؟ تبدّدت الأحلام الكبيرة، وطاشت السهام بعيدا، وسقطت ليبيا في هوة سحيقة من التطبيقات المجحفة لنظرية تنتمي لعالم اليوتوبيا الساحر، وتمأسست دكتاتورية باطشة، ليحرث الشعب الليبي في البحر، حتى أسقط نظام القذافي دون أن تتحقق الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وسلطة الشعب الموعودة.
عاد عبد الله زكريا إلى السودان في خريف العمر، زاهدا معدما، مرهقا، كسير الخاطر، عاد كجندي مطعون بين الكتفين.. ليس لديه إلا الذكريات، وليالٍ مثقلات بالخيبات وأحلام مهيضة الأجنحة، وترك وراءه ليبيا تعاند حاضرها ومستقبلها.. بعد المتاهة التي استمرت أكثر من أربعين عاما حسوما.

توفي عبد الله زكريا بعد أن عاش 91 عاما، أغمض عينيه وغفا إغفاءته الأخيرة في 28 مايو/أيار 2023 بالخرطوم.. وحتى وفاته كان مديرا للمركز العالمي للدراسات الأفريقية الذي أسسه له الرئيس البشير، وترك إرثا فكريا عريضا مثل "الدولة الفاطمية الثانية"، و"زيارة إلى الصين بلد السماء"، و"⁠محاكمة الفكر السياسي السوداني"، وهو كتاب ضخم تحت الطبع، وبوفاته هوى من سقف النجوم.. نجم، أي نجم!

أنا اتحادي وزوجتي أهلاوية!

أنا اتحادي وزوجتي أهلاوية!





أحمد عبدالرحمن العرفج

لقد عُرف عن المفكر الراحل الدكتور عبدالوهّاب المسيري قدرته الفائقة على تفكيك الأيديولوجيات الصارمة ونقد المادية الحديثة، ولكن المثير في القصة التي رواها في سيرته الذاتية، أنّ أول معركة حقيقية انتصر فيها على قوالبه الفكرية الجافة لم تكن في أروقة الجامعات، بل كانت في دهاليز قلبه، حين قرر الارتباط برفيقة دربه الدكتورة هدى حجازي، لتصطدم هذه الرغبة الإنسانية بـ"رادارات" الحزب الشيوعي التي كانت ترصد حتى نبضات القلوب.

👈 التحذير والتحليل الفكري للأصدقاء:

في شبابه، كان المسيري منضمّاً للحزب الشيوعي، متبنيّاً للفكر الماركسي المادي الذي يرى الوجود أرقاماً وطبقات، وعندما نبض قلبه بالإعجاب تجاه شريكة حياته؛ لم يجد بُداً من إخضاع هذا الشعور النبيل للمحاكمة الحزبية، فذهب إلى رفاقه مستشيراً: هل أتزوج بهذه الفتاة وهي تنتمي لطبقة برجوازية؟

فجاء رد الرفاق بالرفض والتحذير من خلف نظاراتهم الفكرية الباردة، قائلين له بجمود حزبي صارم: لا؛ لا يمكن لبروليتاري مثلك يربط مصيره بالطبقة العاملة أن يتزوّج من برجوازية، فهذا الزواج محكوم عليه بالفشل لاختلاف الانتماء الطبقي والأيديولوجي.

👈 سؤال الأم البسيط: "قلبك مع مين؟"

تحت وطأة هذا التحذير، عاش المسيري حيرة وجودية خانقة بين نداء قلبه والتزامه العقائدي الصارم، وفي غمرة هذا التيه قرّر اللجوء إلى والدته ليستشيرها، لم تكن الأم تعرف شيئاً عن الماركسية، ولم تقرأ سطراً لكارل ماركس عن الصراع الطبقي، لكنها كانت تمتلك وعياً أعمق بالحياة وحكمة فطرية بالغة.

أزاحت الأم عنه كل تلك الأثقال الفكرية والسياسية، واختصرت نظريات علم الاجتماع كلها بسؤال واحد بسيط، دافئ، وعميق:

هل يفرح قلبك حين تراها؟ وقلبك مع مين؟

👈 النتيجة والأثر النفسي:

حينها شعر المسيري بأنّ أثقالاً أيديولوجية هائلة قد سقطت عن كاهله، وتبددت حيرته تماماً. أدرك أنّ المشاعر الإنسانية والروابط الروحية أرحب بكثير من القوالب والمصطلحات المادية الجافة؛ فالإنسان ليس مجرد "ترس" في آلة طبقية ميتة. بناءً على هذه الفطرة النقية، اختار نداء قلبه وتزوّج من هدى حجازي، لتبدأ رحلة عمر طويلة مليئة بالدعم الفكري والإنساني.

تتجلّى في هذه القصة العِبرة الأهم في مسيرة المسيري؛ فقد كانت هذه التجربة الشخصية بمثابة الشرارة الأولى التي نبهته مبكراً إلى عجز "المادية الصارمة" عن تفسير الظاهرة الإنسانية، وأنّ التفاصيل الإنسانية الصغيرة -كفرحة القلب- هي التي تمنح الوجود معناه الحقيقي بعيداً عن صخب الشعارات الحزبية.

حسناً... ماذا بقي؟

بقي القول: إنني أعرف كثيراً من أصدقائي يشجّعون الاتحاد وزوجاتهم أهلاويات، وكذلك أعرف العكس. وهناك من أصدقائي من يشجّع النصر وزوجته هلالية أو العكس. فهل ننظر للكرة اليوم، ولتلك الانتماءات الرياضية بذات النظرة التي نظر بها المفكر الكبير عبدالوهّاب المسيري إلى الأيديولوجيا الصارمة؟

أم أننا سنترك "رادارات" التعصب الرياضي ومحللي المقاهي يمارسون علينا دور "غُلاة الحزب الحزبي الصارم" لنقيس جدارة شريك الحياة بعدد البطولات وصحة ركلة الجزاء؟

هل نتحوّل في بيوتنا إلى "محللين تحكيميين" نترصد لبعضنا عند كل تعثر، وكأن عقد الزواج مشروط بـ"تسلل" أو "كرت أحمر"؟

إنّ الفطرة النقية تخبرنا أن البيوت والمشاعر الإنسانية والروابط الدافئة أرحب بكثير من هذا الضجيج وقوالب التشجيع الجافة؛ فالقلوب التي تجتمع على المودة والرحمة أعمق بكثير من لون القميص الذي يرتديه هذا الفريق أو ذاك في تسعين دقيقة على المستطيل الأخضر، ولا يمكن لاختلاف الميول الكروية أن يفسد للود قضية، إلا إذا سمحنا لـ"جنون الملاعب" أن يدير غرف المعيشة.


عبدالوهّاب المسيري
هدى حجازي
الحزب الشيوعي
الأيديولوجيا الصارمة
التعصّب الرياضي
الانتماء الكروي
الزواج واختلاف الميول
الاتحاد والأهلي
النصر والهلال
الفطرة الإنسانية