الثلاثاء، 23 يونيو 2026

سواء تحقق السلام بين الولايات المتحدة وإيران أم لم يتحقق، فإن "الوجود الإسرائيلي" في المنطقة في طريقه إلى التصفية..

سواء تحقق السلام بين الولايات المتحدة وإيران أم لم يتحقق، فإن "الوجود الإسرائيلي" في المنطقة في طريقه إلى التصفية.. 
من لا يفهم "الجغرافيا الجديدة" يواجه مصير الانهيار.. 
العثمانيون هزموا بيزنطة وغيروا مسار التاريخ، وتركيا اليوم تستعد لصناعة تحول تاريخي جديد.. كيف سيكون ذلك؟

إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق حقيقي خلال المباحثات الجارية في سويسرا، فكيف ستكون خريطة موازين القوى في المنطقة؟

هل ستستعيد إيران، التي أضعفتها الحرب وتراجع نفوذها الإقليمي، شيئًا من قوتها؟ أم ستظل دولة أكثر ضعفًا، منحصرة داخل حدودها الجغرافية؟ أم سيُسوَّق لها باعتبارها دولة «حققت انتصارًا على الولايات المتحدة»؟

وماذا سيكون مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية عنيفة؟ وهل ستدرك الدول العربية الخليجية أن الولايات المتحدة لن تحميها، وأنها لم تتمكن حتى من حماية قواعدها العسكرية، وأن مسار السلام مع إسرائيل لم يُصمَّم إلا لتعزيز قوة إسرائيل وحدها؟ وهل ستتجه بصورة كاملة نحو شراكة إقليمية جديدة بدأت مؤشراتها بالظهور بالفعل؟


حمل «عبء إسرائيل» سيصبح انتحارًا للولايات المتحدة وأوروبا

هل سيتقلص المجال الذي تتحرك فيه إسرائيل، أم ستزيد من هجماتها على فلسطين ولبنان وسوريا؟ أم أن الولايات المتحدة وأوروبا ستدركان أن استمرارهما في دعم إسرائيل يعني خسارة المنطقة، وأن ذلك سيشكل بالنسبة إليهما انتحارًا سياسيًا واستراتيجيًا؟


وهل تكفي الخطوات التي تتخذها تركيا ودول المنطقة للحد من نفوذ إسرائيل، من أجل إيصال هذه الرسالة إلى الولايات المتحدة وأوروبا؟ أم أنهما ستواصلان حمل «عبء إسرائيل»، وتغرقان في ذلك العمى الذي سيؤدي بهما إلى خسارة العالم؟


وهل ستدرك الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت إعادة تشكيل المنطقة عبر إسرائيل أمرًا غير ممكن، أن خريطة إقليمية تقودها تركيا أصبحت أكثر انسجامًا مع مصالحها، فتتجه نحو هذا الخيار؟ وهل يمكنها، إلى جانب إسرائيل، أن تتخلص من صورة «الدولة المحاصرة في مساحة ضيقة»؟ وهل تستطيع التحرر من التعصب الأيديولوجي الذي يقيد سياساتها؟

هل تصبح الشراكة الإقليمية الجديدة مصدر أمل؟

هل سيدفع التعاون الأمني بين تركيا وسوريا والعراق والسعودية ومصر وباكستان المنطقة، وكذلك القوى الخارجية المتدخلة فيها، إلى واقع جديد؟

وحتى إن لم ترغب تلك القوى بذلك، فهل ستضطر إلى الإقرار بأن هذه هي الحقيقة الجديدة للعالم، فتبدأ باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه؟

لقد أفرز الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران حقائق جديدة تمامًا في المنطقة. فجميع الدول تعيد اليوم تحديد مواقعها، كما ستُعاد صياغة علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. وأصبح الحد من النفوذ الإسرائيلي أولوية قصوى بالنسبة إلى جميع الدول.


لقد انهار ذلك الوضع القائم... وسقطت خطط إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة


على الولايات المتحدة وأوروبا أن تعلما أن النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية قد انهار، وأن خريطة النفوذ التي بُنيت على التفوق الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي قد سقطت.

لقد انتهى الشعور بالدونية تجاه الغرب، وانتهت عقدة النقص أمامه. فالمنطقة تستعيد قوتها التاريخية، وتتحول إلى فضاء يرفض بصورة قاطعة أن يُعاد تشكيله أو التحكم به من الخارج.

كما يجب على الولايات المتحدة وأوروبا أن تدركا أن عصر إخضاع الأنظمة والدول عبر التخويف بإسرائيل قد انتهى. وانتهى أيضًا الخوف من ردود فعل الولايات المتحدة وأوروبا تجاه مواجهة العدوان الإسرائيلي. كما انتهى عهد احتلال الدول وتقسيمها، أو إخضاعها بواسطة التنظيمات الإرهابية المدعومة بالسلاح الأمريكي والأوروبي.

وانتهى كذلك عهد بناء العلاقات مع تركيا ودول المنطقة عبر البوابة الإسرائيلية، أو رسم خرائط المنطقة وفق الأولويات الإسرائيلية. فلم يعد لهذا النهج أي قدرة على الردع. ومن الآن فصاعدًا، ستدفع الولايات المتحدة وأوروبا ثمن استمرار وجود إسرائيل بهذا الشكل، وستكون الفاتورة باهظة للغاية.

لا بد من الجلوس إلى الطاولة مع تركيا... فجميع الطاولات التي قامت على إسرائيل قد انهارت

إذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا الحفاظ على وجودهما في المنطقة، فعليهما الجلوس إلى طاولة الحوار مع تركيا، والدول العربية، وإيران.

أما إذا استمرتا في تجاهل هذه الدول، ومواصلتا إقامة التفاهمات مع إسرائيل وحدها، فستخسران إلى الأبد.

ولم تعد المنطقة وحدها ترى في «الفائض الإسرائيلي» عبئًا، بل أصبح العالم بأسره يعاني من هذا العبء، وأصبح إنهاء دور هذا «الكيان الحصين» مصلحة مشتركة للجميع.

وأيًا كانت الوسائل التي ستجربها الولايات المتحدة وأوروبا، فإنهما ستواصلان الخسارة ما داما متمسكتين بإسرائيل. وهذا أمر لا مفر منه.

إن نهضة تركيا، ونهضة المنطقة بأسرها، تتحول إلى عاصفة كبرى تمتد من سواحل المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادئ، بينما يصر الغرب على التمسك برواياته القديمة، وهو ما قد يشكل أقسى ضربة يتعرض لها تفوقه العالمي.

انتهى عصر التراجع والوصاية والدمار... ولن يتمكنوا بعد اليوم من رسم خرائطنا

لقد انتهى بالنسبة إلى منطقتنا عصر الدمار، وعصر التراجع، وعصر الوصاية. كما انتهى زمن إخضاع الدول عبر شراء القادة والأنظمة، وانتهى أيضًا عصر الترهيب بالقوة العسكرية أو بإسرائيل لإجبار الشعوب والدول على الاستسلام.

وانتهى كذلك عهد الاستيلاء على موارد المنطقة وثرواتها وأنظمتها وأراضيها. وانقضى عصر الهيمنة الغربية الذي استمر قرنين من الزمن. ووصل التاريخ الذي كانت فيه معايير القوة والدفاع والاستقلال والسيادة والحدود الوطنية تُحدَّد من قبل الغرب إلى نهايته.

«الأفكار الجديدة» تنبت لدينا... وهم يمثلون «العالم القديم»

لقد استيقظنا على عالم جديد، لكنهم لم يستيقظوا بعد.

نحن كرسنا أنفسنا لقوة جديدة، بينما بدأوا هم يفقدون قوتهم.

نحن بدأنا نفكر في خريطة جيوسياسية كبرى، بينما لا يزالون يدورون حول الخرائط القديمة.

نسعى، بعد خمسة قرون، إلى العودة إلى مركز خريطة القوة العالمية، بينما هم يحاولون فقط الحفاظ على ما تبقى لديهم.

إن الجديد ينبت في منطقتنا، بينما يمثلون هم عالمًا شاخ وتجاوزته الأحداث.

لقد رفعت البشرية راية التمرد على قرون من الهيمنة الأطلسية، بينما يزداد الغرب انكفاءً على ذاته يومًا بعد يوم.

ولو أنهم استطاعوا فهم تركيا وحدها، لكان ذلك كافيًا. لكنهم وثقوا بغرورهم، وبأسلحتهم، وثرواتهم، وتقنياتهم، حتى أصيبوا بما يشبه نشوة القوة.

لقد استهانوا بتركيا، مع أنها تمتلك جينات سياسية قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا. واعتادوا طوال قرن كامل على إبقائها تحت سيطرتهم، بينما كانت في الحقيقة وريثة لخريطة نفوذ تمتد من سور الصين العظيم إلى فيينا.

لم يتمكنوا من إيقاف تركيا... وسيحاولون قريبًا التقرب منها

ها هي تركيا اليوم، بعد مرور قرن كامل، تعود مرة أخرى إلى خريطتها الخاصة، وإلى تاريخها، وإلى جيناتها السياسية.

ويخبرنا التاريخ أن عودتنا الواحدة قادرة على إعادة تشكيل قرون كاملة. أما الذين يعدّون هذا مجرد خطاب حماسي، فهم لم يستوعبوا تاريخ الإمبراطوريات.

إننا نشهد اليوم تلك العودة التاريخية. ولسنا وحدنا من يراها، بل أوروبا والولايات المتحدة أيضًا.

لقد أمضوا العقدين الماضيين في محاولات إيقاف تركيا، عبر هجمات وضغوط داخلية وخارجية، لكنهم فشلوا.

ولم يكتفوا بالفشل، بل لم يتمكنوا حتى من إبطاء اندفاع تركيا.

ولذلك، لم يبق أمامهم سوى خيار واحد: التقرب من تركيا.

وأعتقد أن الولايات المتحدة وأوروبا ستجعلان من التقارب مع تركيا أولوية في سياساتهما خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذه المنطقة، ستكون رؤية تركيا، وأولوياتها، ونظرتها إلى التاريخ والجغرافيا، وخريطة الشراكات التي تعمل على بنائها، هي الأساس الذي ستُبنى عليه المرحلة المقبلة.

ولن يمتلك أحد القدرة على منع ذلك.

فمن يحاول عرقلته سيخسر، أما من يسير مع تركيا فسيزداد قوة.

«الحامية الإسرائيلية» ستُزال... والحروب ستُدفع إلى خارج المنطقة

في تصورنا الجديد للمنطقة، تمثل «الحامية الإسرائيلية» تهديدًا يجب التخلص منه.

كما يجب القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية، لأنها – بحسب هذا التصور – جميعها ذات منشأ إسرائيلي وغربي.

وسيُطوى نهائيًا عصر غزو الدول واحتلال أراضيها.

كما ستُنقل الحروب والصراعات إلى خارج المنطقة بصورة كاملة.

وستُغلق جميع الأبواب المؤدية إلى تحويل الخلافات المذهبية أو العرقية إلى حروب وصراعات.

وفي إطار هذا التصور الجغرافي الجديد، فإن جميع الممرات الاستراتيجية؛ من مضيق ملقا إلى قناة السويس، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيقي الدردنيل والبوسفور إلى شرق البحر المتوسط والبحر الأسود، مرورًا بالممرات التجارية البرية والبحرية، ستكون مغلقة أمام أي تدخل أو إدارة خارجية.

وستخضع جميع هذه المناطق لسيادة ورقابة صارمة من قبل دول المنطقة وحدها.

«الجغرافيا الجديدة» تحتاج إلى حزامٍ عملاق

في إطار التصور الجديد للمنطقة، سيُنشأ حزام اقتصادي عملاق يمتد من آسيا الوسطى إلى شرق إفريقيا، ومن جنوب آسيا إلى كامل غرب آسيا، ليشكّل منطقة اقتصادية وسطى كبرى. وسيُنتزع هذا الفضاء الجغرافي من خرائط الهيمنة والاحتلال الغربية.

وسيُستفاد من الإرث التاريخي والخبرة المتراكمة للمدن الحضارية التي تجاوز تأثيرها حدود الدول، وستُنقل تلك الخبرات إلى الحاضر، كما ستُنشأ منظومات دفاعية مشتركة على امتداد هذه الرقعة الواسعة، وستكون ثروات المنطقة ومواردها ملكًا لشعوبها.

وقد تشكل شبكة العلاقات الجديدة بين تركيا وباكستان ومصر والسعودية، والتي تحظى أيضًا باهتمام متزايد من دول أخرى، نواةً لهذا العالم الجديد. وإذا لم تستطع الإرادة السياسية تحقيق هذا الهدف، فإن التهديدات القائمة، والتحولات في موازين القوى العالمية، قد تفرضه فرضًا. وعلى الدول الكبرى في المنطقة أن تدرك أنه لم يعد أمامها خيار آخر.

يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل

ينبغي للجميع أن يدركوا أن إسرائيل، رغم محدودية قدراتها الذاتية، تشكل تهديدًا لكلٍّ من تركيا ومصر، وأنها ستصبح تهديدًا للسعودية أيضًا، وأن الخيار الوحيد المتبقي أمام الجغرافيا الكبرى هو إزالة إسرائيل من خريطة المنطقة، إذ لا يوجد أي مسار آخر يمكن أن يضمن الأمن والاستقرار لدولها.

ويجب الإسراع في إنشاء مظلة دفاعية مشتركة بين تركيا وسوريا والعراق ولبنان.

وعلى سبيل المثال، ينبغي بناء تقارب، بل وشراكة، بين سوريا ولبنان في أسرع وقت.

كما يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل، سواء عبر سوريا أو عبر لبنان.

وقد حان الوقت لاتخاذ خطوات كبرى من أجل إغلاق جميع الحدود البرية لإسرائيل، بحيث لا يبقى لها سوى واجهتها البحرية على البحر الأبيض المتوسط.

العثمانيون غيّروا مجرى التاريخ... وتركيا ستغيّره مرة أخرى

سواء توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق في المباحثات الجارية في سويسرا أم لم تتوصلا إليه، فإن تاريخًا جديدًا قد بدأ يتشكل في هذه المنطقة، ولن يتغير المسار الذي فُتح أمامها.

لقد بدأت ملامح مصير المنطقة وشعوبها بالتبلور، ولم يعد من الممكن الاستسلام لحالة الغموض أو التردد، بل أصبح من الضروري السير في الطريق الذي انفتح أمامها، لأن ذلك سيشكل منعطفًا تاريخيًا جديدًا.

لقد غيّر العثمانيون مجرى التاريخ عندما هزموا الإمبراطورية البيزنطية، وأسقطوا أكبر إمبراطورية في العالم المسيحي، فغيّروا بذلك تاريخ أوروبا والعالم.

ستعرف تركيا كيف تُحدث تحولًا تاريخيًا جديدًا بإخراج إسرائيل من خريطة المنطقة، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ.

فالحامية التي زُرعت في قلب المنطقة وتسببت في كوارث جسيمة، سيتم إنهاء دورها.

ولا ينبغي أبدًا الاستهانة بالتاريخ، ولا بالجينات السياسية للشعوب، ولا بقوة الجغرافيا.

وكل ما ينبغي فعله هو إخراج الصراعات من داخل المنطقة إلى خارجها، وما بعد ذلك سيأتي تلقائيًا.

حان الوقت لكي يجري الجميع حساباتهم الصحيحة

لا أحد يعلم ما ستسفر عنه المباحثات في سويسرا.

فقد يتم التوصل إلى اتفاق، وقد تعمل إسرائيل على إفشاله.

لكن، أياً تكن النتيجة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لن تكونا قادرتين بعد اليوم على تحمل عبء إسرائيل، كما لن تمتلكا القدرة على مواجهة جميع دول المنطقة دفاعًا عنها.

لقد بدأت ملامح خريطة القوة الإقليمية الجديدة تتضح، وهذه التحولات قد تستمر لقرون طويلة.

ونحن، بطبيعة الحال، نجري حساباتنا وفق هذه المعطيات.

أما الولايات المتحدة وأوروبا، فقد حان الوقت أيضًا لكي تجريا حساباتهما الصحيحة.

فإن لم تفعلا، فستخسران العالم الذي بدأتا تخسرانه بالفعل بوتيرة متسارعة، وسيتعرض نفوذهما في هذه المنطقة لتراجع غير مسبوق.






Yeni Şafak
https://ar.yenisafak.com ›
الكُاتب › إبراهيم قراغول

ق

لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 

القرآن يكشف لنا السبب الأهم في هذه الظاهرة الخطيرة.

(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

إنها الألفة والصداقة والعلاقات الاجتماعية التي تنبني على تلك الأفكار والمعتقدات، والتي يصعب على الشخص العادي وربما حتى غير العادي أن يضحي بها.

سألت مرة رجلا مثقفا من أهالي بغداد: 

كيف تستسيغ مثل هذه الخرافات، التي تسمونها (شعائر) وأنت رجل مثقف وعاقل، وأنت تعلم أنها ليست من الإسلام في شيء؟ 

قال: لكنها (عادات حلوة) فيها حركة واجتماع وتعارف وتواصل وطعام وشراب، حتى على مستوى العوائل، ونحن ننتظرها بشغف من موسم إلى موسم، الرجال والنساء والأطفال، والذي يسأل مجرد سؤال أو (يتفلسف) سيكون منبوذا في مجتمعنا بلا شك.

قال لي شخص آخر من توجّه آخر، وهو قيادي من الصف الأول في جماعته: صراحة لم أعد مقتنعا بما نحن عليه، أشعر أننا نسير على غير هدى ومن دون نتيجة، لقد خسرنا كل شيء،ولكن (وين أروح؟) فهؤلاء هم أعزّائي وأحبابي الذين عشت معهم وألفتهم، ولا أريد أن أخسرهم.

وهذا يعني أن ما نسميه (الثبات) كصفة إيجابية، أو (التعصب) كصفة سلبية، هو ليس (ثبات الاعتقاد) ولا (التعصب للفكرة) بقدر ما هو الثبات في حضن البيئة المجتمعية والتعصب لها.

قال لي أحد الذين يظهرون الولاء لجماعته إلى حد التعصب وأنا أعرفه على خلاف ذلك، قال: أنا استخدم 35٪ من عقلي حينما أكون معهم، ولو زدت المعيار لفصلت.

وهذا يعني أننا نعيش معضلة حقيقية، فالأدلة هنا لا تعني شيئا، والنقاشات ليست ذات جدوى، لأن السؤال الجوهري والمحوري الأهم من كل ذلك والمستقر في النفوس: (وين أروح؟).

من هنا تجد هؤلاء على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وتوجهاتهم كأنهم يلبسون دروعا مضادة للتفكير، مهما كانت الفكرة المعروضة عليهم، وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا).

وهناك التواصي على طريقة (الفزعة) لرد كل فكرة جديدة 

(وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)، 

إنها الفزعة للحفاظ على الموروث، والحفاظ على (المودّة) يشترك فيها حتى الجاهل الذي لا يفقه ما يقول، والذي لا يحسن ربما غير السب والشتم 

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)

إن المجتمعات التي تعاني من هذه الظاهرة لا يمكن أبدا أن تجد طريقا لحل مشكلاتها، ولا للاستفادة من تجاربها، فضلا عن تجارب الآخرين، وستبقى في فلك تقديس الأشخاص، والبحث عن المبررات لكل ما يقولونه ويفعلونه.

قلت في نفسي وأنا أتدبر تلك الآية: سبحان الله كيف تحولت هذه الكلمة الجميلة (المودّة) إلى داء عضال، يدمّر العقول والأفكار والمعتقدات والمجتمعات، وينذر بهلاكها وزوالها، مع ملاحظة أن الآية نزلت في المشركين، لكن العبرة دائما بعموم المعنى لا بخصوص السبب.

إن القوة الوحيدة التي تستطيع أن تخترق هذه الدروع من التعصّب والانغلاق هي السؤال الأخروي. 

فإذا كان سؤال؛ (وين أروح؟) هو الذي يجعلك تتمسك في البيئة التي نشأت فيها، فإن سؤال: 

(أين مصيري في الآخرة؟) هو الذي يجعل السؤال الأول سؤالا تافها. 

ولذلك عقب القرآن على آية المودة بقوله 

(مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه

وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

رضي من رضي، أو سخط من سخط

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.



الاثنين، 22 يونيو 2026

في بيت النبي

 نقطة نظام

امــــرأةٌ مُشتـــاقــــةٌ لوصــــــــــلِــكَ يا الله!


أدهم شرقاوي

في بيت النبي

العباداتُ عند أهلِ الصِّدقِ ليستْ تكليفًا ثقيلًا، وإنَّما شَوقٌ يُطيلُ فيه المُحبُّ وقوفَه على بابِ حبيبِه. وحين يفيضُ الشوقُ أحيانًا، يبحثُ القلبُ عن وسيلةٍ ليبقى واقفًا، ولو تعبَ الجسد.

في مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ظهرَ حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين، لم يكن شاهدَ تكلّفٍ، بل أثرَ هِمّةٍ عاليةٍ لامرأةٍ أرادتْ أن تُطيلَ الوصلَ مع الله. دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلم ينتقِصْ من قدرِ الاجتهاد، ولم يَغمِزْ في صدقِ النيَّة، بل جاءَ ليضعَ العبادةَ في أُفقِها الأجمل؛ حيث يكونُ القُربُ مطمئنًّا، ويكونُ الدوامُ أحبَّ إلى الله من المشقَّة.

دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسجدَ، فإذا حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين من سواريه، فقال: ما هذا؟

فقالوا: هذا لزينبَ، تُصلِّي من اللَّيل، فإذا كَسلَتْ أو فَتَرَتْ أمسكتْ به.

فقال صلى الله عليه وسلم: حُلُّوه، ليُصلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا كَسلَ أو فَتَرَ فليقعد!

خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : ابن حبان | المصدر : صحيح ابن حبان | الصفحة أو الرقم : 2492
| التخريج : أخرجه البخاري (1150)، ومسلم (784)، والنسائي (1643) واللفظ لهم جميع

لا شكَّ أنَّه يُحسَبُ لأمِّنا زينبَ بنت جحشٍ رضي اللهُ عنها هذا الحرصُ على قيامِ اللَّيل، وإن أجهدَها التَّعب. ولكنَّ صاحبَ الشَّريعةِ السَّمحاءِ يُذكِّرُ زوجتَه، والأمَّةَ كلَّها من خلالها، أنّ اللهَ يريدُ بنا إلىُسرَ ولا يريدُ بنا العُسر.

صحيحٌ أنَّنا لو قُمنا العمرَ كلَّه على سِجَّادةِ الصَّلاة، فلن نُوفِيَ اللهَ حقَّه من العبادة، ولو أمضينا العمرَ كلَّه صيامًا، فليس ذلك كثيرًا على الله. 

ولكنّ اللهَ تعالى يحفلُ بنا، ويهتمُّ لأمرِنا، ومن رحمتِه بنا جعلَ في دينِه رُخَصًا يُحبُّ أن نأخذَ بها، وهذه الرُّخَصُ لِدفعِ المشقّةِ عنّا. 

فإذا كان قد أحبَّ لنا الرُّخصةَ في الفرائض، فلَا شَكَّ أنَّه لم يُكلِّفْنا ما لا نُطيقُ في النَّوافل. غيرَ أنَّ هذا كلَّه لا يُلغي حقيقةَ أن نُسابِقَ أنفسَنا في رضى الله تعالى.

غيرَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان من أفقهِ النَّاسِ بطريقِ القُرب، وأعلمَهم أنَّ العبادةَ لا تُقاسُ بمُددِ التحمُّل، بل بصدقِ الحضور. 

فجاءَ توجيهُه رحيمًا، لا ليكسرَ هِمّةً، ولا ليُطفئَ شوقًا، بل ليضعَ العبادةَ على سِكَّتِها الأجمل؛ حيث يكونُ النَّشاطُ رفيقَ العبادة، أو رفيقَ الطَّاعة، ويكونُ الدَّوامُ أحبَّ من الإفراط، وتبقى العبادةُ طريقًا يُحَبُّ أن يُسلَك، لا حِملًا يُخشى أن يسقط.

وهكذا علَّمَنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ اللهَ يُحَبُّ على قدرِ ما نُطيق، وأنَّ أصدقَ الطاعاتِ ما سكنتِ القلبَ ولم تُثقِلِ الجسد.

لم يكسِرْ هِمّةَ العابدات، ولم يُطفئْ نورَ الاجتهاد، بل حماه من الإفراط؛ ليظلَّ الوصلُ بالله طويلًا، لا تقطعُه المشقَّة، ولا تُفسدُه المبالغة.

فكانت حكمتُه صلى الله عليه وسلم أن يُبقيَ العبادةَ حيَّةً تمشي معنا، ولا نتعثَّرُ بها!

وبين هذا وذاك، هذه زوجتُه؛ يجمعُه بها قلبٌ قبل فراش، ويظلِّلُه معها حبٌّ قبل سقف.

صحيحٌ أنَّه كان يشفعُ للأمّةِ كلِّها من خلالها، ولكنَّه كان أيضًا يهتمُّ.


متى دخلت غرفتك الصينية؟

 متى دخلت غرفتك الصينية؟

حمد حسن التميمي

حين تكتب لصديقك في لحظة حزنه عبارة مواساة طويلة وبليغة فيتأثر حدَّ البكاء، بينما أنت في الحقيقة تتناول قهوتك ببرود تام وتنظر من النافذة دون أن يتحرك في صدرك شعور واحد، فاعلم أنك دخلت غرفتك الصينية الخاصة.

أنت لم تكذب، والكلمات التي اخترتها كانت مثالية ومناسبة تماماً للموقف، لكنك فعلت ذلك كآلة مدربة، سحبت الإجابة الصحيحة من كتيب القواعد الاجتماعي ومررتها لمن ينتظرها، دون أن تفهم أو تشعر بكلمة واحدة مما كتبت. 

هذا تحديداً ما تنبأ به الفيلسوف جون سيرل عام 1980 في تجربته الفكرية المعروفة بالغرفة الصينية، حين تخيل شخصاً يجلس في غرفة مغلقة يستلم رموزاً صينية لا يفهمها، ويتبع كتاب تعليمات يخبره أي رمز يكتب رداً على أي رمز آخر، فيخرج لمن يسأله بالخارج إجابات صحيحة تماماً دون أن يفهم حرفاً واحداً منها. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال أكثر إزعاجاً: إذا كان الرجل في الغرفة لا يعرف أنه لا يفهم، فكيف تضمن أنك لست في غرفتك الآن، تُخرج كلمات صحيحة عن مشاعرك دون أن تفهمها فعلاً؟

سيرل صمم تجربته ليقول إن مطابقة الرموز ليست فهماً، والقواعد الصحيحة ليست وعياً. لكن المؤسسات التعليمية تعمل بنفس منطق الغرفة منذ قرون. الطالب يدخل المدرسة كغرفة مغلقة، يُعطى كتاب تعليمات اسمه المنهج، ويتعلم أي رمز يكتب رداً على أي سؤال في ورقة الامتحان. يحصل على الدرجة الكاملة ويصفق له الجميع، بينما لم يختبر الفكرة فعلاً ولا شعر بها، فقط حفظ التركيب دون أن يلمس المعنى. وهذا لا يتوقف عند المدرسة، بل يمتد للأيديولوجيات والمعتقدات التي نتبناها كاملة دون أن نفهم كواليسها، نردد شعاراتها لأن الكتيب يقول ذلك ويصفق لنا من حولنا.

الأخطر في هذا كله ليس أننا نخدع الآخرين بكفاءتنا الظاهرية، بل أننا نخدع أنفسنا أولاً. 

نقول «أنا أحب هذا» أو «أنا أؤمن بذلك» بثقة تامة، لأن الكتيب الذي تلقيناه في الصغر يخبرنا أن هذا هو الرد الصحيح في موضعنا. 

والمشكلة أن هذا الخداع لا يُحس من الداخل، الرجل في الغرفة لا يشعر بالنقص لأن إجاباته صحيحة شكلياً. 

ودراسة حديثة من جامعة أونتاريو الكندية شملت 854 عاملاً في الصحة النفسية والمكتبات أثبتت أن هذا النوع من الأداء، إظهار مشاعر لا يشعر بها الإنسان فعلاً، يُضاعف القلق والغضب لدى من يمارسه باستمرار، حتى لو بدا للآخرين متماسكاً وسعيداً. الجسد يدفع ثمن الغرفة الصينية حتى وإن لم يشعر العقل بذلك.

وهذا بالضبط ما يحدث لمن يعيش حياته بمطابقة الرموز، يبدو لنفسه طبيعياً وواثقاً حتى تأتي تلك اللحظة النادرة من الصمت الحقيقي فيتساءل إن كان يشعر فعلاً بما يقوله.

ما يسكن حياة كثيرين ليس غياب المشاعر، بل غياب القدرة على التمييز بين المشاعر الحقيقية والردود المحفوظة التي تشبهها تماماً من الخارج، حتى يصعب على المرء نفسه أن يفرّق بين ما يشعر به وما تعلّم أن يقوله.

ربما دخلت غرفتك الصينية في أول مرة دافعت فيها عن فكرة لم تخترها أنت، أو في أول مرة قلت «أنا بخير» وأنت لست بخير، أو في أول مرة مارست دور الأبوة أو الصداقة بكتاب قواعد ورثته دون أن تسأل نفسك إن كان يناسبك. 

والسؤال الحقيقي ليس إن كنت قد دخلتها، بل:

متى ستلاحظ أنك لا تزال بداخلها؟

الإقطاعية الحديثة... لقد استبدلنا السلاسل بكلمات مرور

 الإقطاعية الحديثة... لقد استبدلنا السلاسل بكلمات مرور




في عام 1095، كان الفلاح الأوروبي يعرف تماماً من هو سيده.

كان يعيش على أرض يملكها الإقطاعي، ويدفع له ما يطلبه، ويعمل حيث يريد، ويذهب إلى الحرب إذا أمره بذلك.

كانت العلاقة واضحة، بل فجة إلى حد الوقاحة.

أما في عام 2026 فالوضع أكثر رقيّاً... أو هكذا نعتقد.

اليوم، لا أحد يطلب منك أن تعمل في أرضه. بل يطلب منك أن تنشئ حساباً لديه.

لا أحد يجبرك على دفع العشور. بل يجعلك تضغط على زر «أوافق على الشروط والأحكام».

ولا أحد يسوقك إلى الإقطاع بالسوط، بل بالتنبيهات والإشعارات والعروض المخصصة لك بعناية.

***

في عام 1994، ترك شاب أميركي وظيفة مريحة في وول ستريت، وقرّر بيع الكتب عبر الإنترنت من مرآب صغير.

اسمه جيف بيزوس.

ذلك المرآب أصبح لاحقاً شركة اسمها أمازون.

في عام 1997، دخلت الشركة سوق الأسهم.

وفي عام 2026، تجاوزت قيمتها السوقية تريليونات الدولارات.

أما بيزوس، نفسه فتنقلت ثروته خلال السنوات الأخيرة بين 150 و250 مليار دولار بحسب حركة الأسواق.

رقم يصعب على العقل البشري استيعابه.

دعنا نبسطه.

لو أن إنساناً امتلك مليار دولار فقط، وأنفق مليون دولار يومياً دون توقف، فسيحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لينفقها كلها.

أما مئتا مليار دولار فتعني أكثر من خمسة قرون من الإنفاق بمليون دولار يومياً.

خمسة قرون.

منذ سقوط الأندلس تقريباً وحتى يومنا هذا.

وفي عام 1995، أسس شابان موقعاً بسيطاً للبحث في شبكة الإنترنت.

أحدهما اسمه لاري بايج.

والآخر سيرغي برين.

تحول المشروع لاحقاً إلى «غوغل».

اليوم يعرف «غوغل» ما نبحث عنه، وماذا نقرأ، وإلى أين نذهب، وما الذي يقلقنا قبل النوم.

في العصور القديمة كان الإقطاعي يعرف عدد الأبقار التي يملكها الفلاح.

أما الآن فهناك شركات تعرف عدد ساعات نومك، ونوعية الموسيقى التي تسمعها، واحتمال أن تشتري حذاءً جديداً خلال الشهر المقبل.

أي النظامين أكثر معرفة بالإنسان؟

ثم جاء إيلون ماسك.

في عام 1999، باع شركته الأولى.

وفي عام 2002 أسس شركة الفضاء الخاصة التي عُرفت لاحقاً باسم SpaceX.

ثم دخل عالم السيارات الكهربائية عبر تسلا.

ثم الأقمار الاصطناعية، ثم الذكاء الاصطناعي،

ثم منصات التواصل الاجتماعي.

وفي عام 2026، ما زال يتصدر قوائم أثرياء العالم بثروة تتجاوز في فترات كثيرة 300 مليار دولار.

رقم يفوق الناتج المحلي لبعض الدول.

وليس هذا هو السؤال.

السؤال الحقيقي:

كيف أصبح شخص واحد يمتلك قدرة على التأثير في الفضاء والاتصالات والإعلام والذكاء الاصطناعي وأسواق المال في الوقت ذاته؟

هل نحن أمام رجل أعمال استثنائي؟

أم أمام نسخة حديثة من كبار الإقطاعيين؟

قد يقول قائل: لكنهم لم يسرقوا أحداً.

صحيح.

لم يأت أحدهم إلى بيتك ويصادر أرضك.

بل فعل شيئاً أكثر ذكاء.

جعلك تدخل أرضه بإرادتك.

تحمل هاتفاً يعمل على أنظمته.

وتبحث عبر منصاته.

وتتسوق من متاجره.

وتتواصل عبر شبكاته.

وتحفظ ملفاتك في خوادمه.

ثم تعود إلى المنزل مقتنعاً أنك مستقل تماماً.

المفارقة المضحكة أن الإنسان الحديث يهاجم الإقطاعيين الذين عاشوا قبل ألف عام، بينما يقضي يومه كله داخل إقطاعيات رقمية جديدة.

إقطاعيات لا ترفع رايات فوق القلاع.

بل شعارات فوق التطبيقات.

ولا تفرض الضرائب بالقوة.

بل تستخرج البيانات.

ثم تبيعها لمن يعرف كيف يحولها إلى نفوذ.

لا أدعو هنا إلى كراهية النجاح.

ولا إلى معاداة الرأسمالية.

ولا إلى مصادرة الثروة.

بل إلى طرح سؤال مزعج فقط.

عندما تمتلك قلة من البشر ثروات تفوق ميزانيات دول، وتتحكم في منصات يتجاوز مستخدموها عدد سكان القارات، فمن الذي يحكم العالم فعلاً؟

الحكومات؟

أم الأسواق؟

أم الخوارزميات؟

أم أولئك الذين يكتبون الخوارزميات؟

إذاً، المشكلة ليست في إيلون ماسك.

ولا في جيف بيزوس.

ولا في غيرهما.

ربما المشكلة فينا نحن.

نحن الذين سلمنا الراحة مقابل الاستقلال.

والسرعة مقابل الخصوصية.

والترفيه مقابل الانتباه.

ثم جلسنا نتساءل كيف أصبح النفوذ مركّزاً في أيدٍ قليلة.

لذلك لا أملك خاتمة لهذا المقال.

لأنني لا أملك جواباً.

كل ما أملكه هو سؤال أضعه أمام القارئ:

إذا كانت الإقطاعية القديمة قامت على امتلاك الأرض، والإقطاعية الحديثة قامت على امتلاك البيانات والعقول والوقت...

فهل ما زلنا أحراراً؟

أم أننا مجرد فلاحين رقميين لم ننتبه بعد إلى أن القلعة انتقلت من فوق التل... إلى داخل جيوبنا؟

X: jzabandr

الأحد، 21 يونيو 2026

الرهان

خلجات

الرهان


النفس الإنسانية لها غايات ورعونات كثيرة، منها غايات بشرية، وأخرى حيوانية. والرغبات البشرية منها ما هو سامٍ، ومنها ما هو دوني، والرغبات الحيوانية منها ما هو فطري، ومنها ما هو سبعي، وكلاهما قد يجتمع في الإنسان. وهذه الرغبات تتخالط في دواخله وأعماقه النفسية كلما أفلت زمام نفسه، ولم يدرك بعقله ويستفتِ قلبه في هذه الرغبات، متأملاً إياها ومحللاً لها.

«الرهان» قصة قصيرة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، تدور حول شاب محامٍ مكافح تناقش مع رجلٍ رأسمالي حول عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. وبغض النظر عن صحة رأييهما حول الموضوع، فإنني أرى - من خلال نظرتي التحليلية لهذه القصة - أن الرأسمالي كان مغتراً بماله وثروته، وأن المحامي كان مغتراً ببعض قراءاته واطلاعه وشهادته، فتعالى كلٌّ منهما على الآخر. فارتكن التاجر إلى ثروته، وارتكن الشاب إلى ثقافته وعزمه وعناد الشباب.

فتراهن التاجر مع المحامي على أن يحتمل المحامي الحبس لمدة خمسة عشر عاماً في منزل التاجر، فإن احتمل المدة دفع له التاجر مبلغ مليوني روبل. وتم الرهان، وانقضت المدة.

والأهم من ذلك كله: مَن الفائز ومَن الخاسر؟

خلال فترة الخمسة عشر عاماً قضى المحامي هذه الفترة بين القراءة والكتابة والفكر والتأمل، ومن أهم ما حصل له سماعه لصوت جديد، قد يكون مختلفاً، وهو الصوت الداخلي الذي قد لا يسمعه الإنسان ولا يدركه مع ضجيج الحياة وتسارعها. فأعاد الشاب ترتيب أفكاره وأوراقه وأولوياته وغاياته في الحياة، وعلى رأسها غايته من حبسه الاختياري ومعنى الانتصار إن انقضت المدة.

فهل يكون الانتصار بنيل المبلغ وتحقيق صحة رأيه في مواجهة التاجر، وهي صحة قد تكون نسبية لا مطلقة؟ أم أن الغاية من الحياة ومعناها أبعد من ذلك بكثير؟

أما التاجر، فكلما مرت الأيام وتوالت السنون غزاه الخوف، وتعلّق بالمال أكثر، وظنّ بالشاب الطمع والجشع، بينما كان الشاب يبتعد يوماً بعد يوم عن الجشع والطمع في المال، الذي لم يكن منذ بداية الأمر غايته ولا هدفه ولا مبتغاه، وإن كان قد خطر له يوماً، فلم يكن إلّا رغبة شاب عابرة غير متأصّلة في طبعه.

إنّ الانعزال الاختياري قد يساعد الإنسان على مراجعة أفكاره ومعتقداته ونظرته تجاه الأمور المادية، ومعناها، حتى يصل تدريجياً إلى نظرة أعمق للأمور، فيتعلم ربط القلب وإحساسه بالعقل والتفكير، ثم اتخاذ القرار فالتصرف، للوصول إلى درجة من درجات الكمال البشري التي تجعله يرى الأشياء على حقيقتها الدنيوية والمقصد منها، وصولاً إلى الغاية الأسمى من وجودها في الحياة.

وقبل نزول الوحي على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان يعتزل في الغار الليالي ذوات العدد، يقضيها في التأمل والتفكر والتعبد. فكشف الله تعالى له غاية الحياة وأبعاد الوجود وعظمة الله عز وجل، ومادية الأشياء ومعنوياتها. فلما جاءه الوحي كان قلبه معلقاً بالله، وبالغاية من الحياة، وبالتعامل مع الناس على نية دعوتهم إلى الله والصبر عليهم؛ لأنهم لم يعرفوا ما عرف من سر الوجود والحياة والبعث والاختبار الدقيق المحجوب.

فلما عرضت عليه الأموال والسيادة ما فكّر ولا تأنّى ولا تردّد في أن يتركَ هذا الدين أو يهلكَ دونه. ولم يكن الأمر تسامياً على المال، وإنما لأنه عرف أن المقصود هو الله، وأن الأمر لا يحتاج إلى نقاش ولا جدل؛ فالنقاش بالفاني فانٍ.

تحتاج الحياة من الإنسان إلى عزلة مختارة، ومراجعة لمستجداتها وما طرأ عليها من تغيرات وأحوال، ودخول أمور وخروج أخرى، وترتيب الأولويات، والنظر في حقيقة هذه الأمور المادية والمعنوية من شهادة ومال ونسب ورأي يدعو إلى التمسك والمراهنة عليه.

وكلنا قد نراهن على أشياء لو عرفنا حق قدرها، وحق قدر تفكيرنا فيها، لما راهنا عليها أصلاً، ولا شغلنا أنفسنا بها؛ لأنها قابلة لأن يتغير رأينا فيها بعد لحظات، وذلك دليل على انتفاء قيمتها الحقيقية.

شرعنة التوحش.. وتسويق الإجرام

  شرعنة التوحش.. وتسويق الإجرام

د. حاكم المطيري 

تعليل بعض الخطباء والدعاة وتبريرهم لوجوب

 الوقوف مع النظام الإيراني بأنه نظام مسلم

 هو في حقيقته شرعنة للتوحش، وتسويق للإجرام،

 واستباحة للدم الحرام، وجناية على الإسلام!

فالمشاركة لـ المحتل الروسي والأمريكي في

 قتل مليون مسلم وتهجير عشرة ملايين في سوريا –

 ومثلهم في العراق واليمن وأفغانستان – لا ينفي عند

هؤلاء الدعاة والشيوخ عن هذا النظام وصف الإسلام

 المشتق من السلم والسلام! مع قوله تعالى: 

﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين . ما لكم كيف

 تحكمون﴾، فقابل وصف الإسلام بالإجرام، لأنهما

 ضدان لا يجتمعان! حتى قرنه القرآن بالشرك بالله ﴿لا

 يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم

 الله إلا بالحق﴾، ولم يرد في القرآن وعيد بالخلود في

 النار إلا في الشرك بالله، وقتل المسلم عمدا بغير

 حق، كما قال تعالى ﴿ومن يقتل مؤمنا

 متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها

 وغضب الله عليه ولعنه وأعد له

 عذابا عظيما﴾، قال ابن عباس: (هذا آخر ما

 نزل ولم ينسخه شيء)، وكان لا يرى سقوط الوعيد

 عنه والخلود في النار إلا كما يسقط عن المشرك

 بالتوبة والعودة إلى الإسلام والقصاص!

وجاء في الحديث: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)!

خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : أبو هريرة والزبير ومعاوية | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 2802

فكيف إذا كان هذا القتل من باب إعانة الكفار

 ومظاهرتهم على المسلمين!

وبعيدا عن الجدل العقائدي والراجح في المسألة، فإن

 من لا يرى مثل هذا النظام الذي يقترف كل هذا القتل

 الشنيع، والفساد الذريع، نظاما مجرما قاتلا – يجب

 القصاص من قادته وأركانه، ويوجب على شعبه

 الخروج عليه وتقويض سلطانه، بل ويرى وجوب

 الوقوف معه ونصرته بدعوى كونه مسلما – إنما

 يسوق من حيث يعلم أو لا يعلم للطغاة كل صور

 الإجرام، واستباحة الدم الحرام، ما دام يجب على

 الأمة نصرتهم والوقوف معهم إذا قاتلهم العدو الكافر!


ليعود هؤلاء الشيوخ بالأمة مرة أخرى إلى الخطاب

 المبدل الذي أضفى الشرعية على كل الطغاة

 والمجرمين بدعوى كونهم ولاة أمر مسلمين!

وليصبح ما جرى من قتل للمعتصمين في ميدان رابعة

 ذنبا صغيرا مغفورا مقارنة مع جرائم النظام

 الإيراني!

وإن علما شرعيا وفهما حركيا إسلاميا يبلغ في أهله

 هذا الحد من الانحراف عن الفطرة الإنسانية السوية

 -حتى يغدو قاتل مليون مسلم بريء في نظرهم قائدا

 عظيما وبطلا شهيدا يجب نصرة نظامه والوقوف

 معه- للجهل خير منه، وأن يبقى المسلم أميا مسالما

 يبرأ إلى الله من الظالمين والمجرمين خير له من أن

 يكون عالما إسلاميا ممسوخ الفطرة، مطموس

 البصيرة، يرى أعتى الطغاة بطلا مجاهدا شهيدا

 لمجرد قتاله للعدو الذي سبق أن انحاز إليه وأعانه

 على احتلال بلدان المسلمين!

وللأمي العامي خير من هؤلاء الشيوخ الذين لا

 يدركون لوازم أقوالهم فيضلون الأمة وشعوبها من

 حيث يظنون أنهم يهدونها!