نهاية القواعد الامريكية في الشرق الأوسط
الدرة
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الجمعة، 31 يوليو 2026
نهاية القواعد الامريكية في الشرق الأوسط
تحالف قوة الردع العربية والإسلامية ضد العدوان الإيراني
آخر كلام
تحالف قوة الردع العربية والإسلامية ضد العدوان الإيراني
د. محمد المقاطع
بات حتمياً التفكير الجاد والعملي لتشكيل قوة ردع عربية وإسلامية للتصدي بشكل فوري ومباشر للعدوان الإيراني على أي دولة عربية أو إسلامية.
فإيران هي الفئة الباغية والطاغية في المنظومة الإسلامية، ذلك الطغيان الذي لم يستمع لصوت العقل والحكمة والصلح، وأصرت على المُضي ببغيها وطغيانها ولم تراعِ ديناً ولا جيرة ولا عهداً ولا وساطة، رغم جميع الجهود التي بذلت من العديد من الأطراف للوساطة والصلح والنصح لإيران أن تثوب للرشد والعقل والحكمة، لكنّها لم تسمع لذلك ولا ترغب به إطلاقاً، بل وسعّت من نيران عدوانها فشملت كل دول الخليج العربية السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وعمان، كما امتدت لكل من العراق والأردن وسورية، وأخيراً ربما مصر، فلم تدع دولة عربية في الإقليم إلا وامتدت نيران طغيانها وبغيها وعدوانها إليها، فضلاً عن امتدادها لبعض الدول الإسلامية أو مصالحها، مثل تركيا وباكستان وأذربيجان.
إن اتساع نيران عدوان إيران بتهورها وانفلاتها الذي يمثّل حالة البغي والطغيان، وتجاهلها كل جهود حقن الدماء والوساطة والصلح والنصح، يُحدث النقلة الطبيعية للردع والتصدي بالقوة لهذا البغي والطغيان، مصداقاً لقوله عز وجلّ في محكم تنزيله:
« فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ».
وأعتقد أن من الحكمة أن يكون ردع بغي إيران والتصدي له جماعياً تشارك فيه مجموعة واسعة من الدول العربية والإسلامية، لتشكّل فيما بينها «تحالف قوة الردع العربية والإسلامية للبغي وللعدوان الإيراني».
وهذا النموذج من تحالف قوة الردع المشتركة سيكون محدد الغايات موجّه الأهداف فعّالاً في الردع مباشراً في الفعل والأثر، حيث إنه فور أن تقوم إيران بالعدوان على أي دولة عربية أو إسلامية يأتيها الردع القوي والفوريّ الحاسم من قوة الردع المشتركة في هذا التحالف، فلا تنفرد به أيّ دولة، ولا يتم من خلاله سوى النهوض بمهمة الردع والرد على العدوان ووقف البغي بالقوة العسكرية المشتركة لهذا التحالف العربي والإسلامي.
ولئن امتدت نيران إيران حتى الآن لـ 13 دولة عربية وإسلامية، أظن أن تشكيل هذا التحالف على أقل تقدير من هذه الدول يكون هو نواة قوة الردع العربية والإسلامية لمواجهة البغي والعدوان الإيراني، ولا يمنع كل ذلك من أن تتّسع دائرة هذا التحالف ليضم دولاً عربية وإسلامية أخرى، فالغاية مشروعة والأهداف معروفة والحالة معتبرة ومقررة ديناً وأخوةً بوشائج إسلامية وعربية بنصّ قرآني واضح وسند شرعي وقانون دولي وحالة واقعية لا يداخلها شك ولا تشوبها أية شبهة.
فصار ملحاً اليوم أن يولَد هذا النموذج لتحالف قوة الردع العربية والإسلامية، وإلا فستكون نموذجاً صالحاً لأحوال مهمة ستواجه الأمة مستقبلاً، فأحوال العالم في طريقها للمزيد من التعقيدات والتحديات. «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)».يوسف
اقرأ المزيد: https://www.aljarida.com/article/139478
فِقْه المدخل والمخرج
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وبعدُ:
يُروَى أن معاوية بن أبي سفيان قال لعمرو بن العاص -رضي الله عنهم-: «ما بلغ من دهائك يا عمرو؟
قال عمرو: لم أدخل في أمر قطّ فكرهته إلا خرجت منه.
قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه».
هذه المُحاورة -بغضّ النظر عن ثبوت روايتها- تُلخّص درسًا بليغًا في الإدارة والسياسة، وتدبيرًا عميقًا في استشراف المستقبل، وهو ما عُرِفَ بفقه المآلات، أو باتخاذ القرار الصحيح، في الوقت الصحيح، بالطريقة الصحيحة.
إن التأنّي، وحُسْن التأتّي، وتقليب أوجه النظر، وتقدير المآلات والعواقب، ووضع الاحتمالات، مع تحديد كيفية التعامل مع أيّ طارئ منها أو من جنسها؛ خصالٌ من دلائل النُّضْج، وبُعْد النظر، والأهلية للمسؤولية والقيادة، وهي سببٌ من أسباب النجاح أو السلامة، أو تقليل المخاطر على أقل تقدير.
هذه السمات شخصية، تختلف في مقدار توافرها من إنسان لآخر، لكنّها تتوافر في المجموع الذي تسود فيه الشورى الحقيقية، والحرية المنضبطة، والعمل المشترك، فيكون في تبادل الآراء فرصة للتكامل، وإصابة الحق أو القرب منه، والسلامة من الخطأ أو التباعد عنه.
إن أعقل الناس يقتبس من حكمة غيره دون نكير على مُخالِف يعتقد ما يقوله، ما دام سائغًا يقع في دائرة المقبول والممكن.
وهذه التدابير في التصور والعمل ضرورية في خاصة شأن المرء، وفي بيته، وفي عمله الذي يتولاه، سواءٌ صَغُر أم كَبُر، وصولًا إلى المسؤوليات العظيمة عن البلاد والناس والمستقبل، فلا يجوز بحال رهن القضايا الكبرى والعامة لرأيٍ فرديّ أيًّا كان صاحبه، أو لتوجُّه خاص أيًّا كانت منزلته، ولا مناصَ من المشاركة بالرأي مِن قِبَل أهل العلم والخبرة والفكر، فكلّ باب لا يمكن غَلْقه، يجب التفكير مرارًا قبل فَتْحه!
إنّ الرشاد كل الرشاد يكمن في أن يدخل المرء مدخل صدق، والتوفيق كل التوفيق يكون مع خروج المرء مخرج صدق، وتحقيق ذلك -مع الدعاء والاستخارة والتوكل على الله-، يحصل من بذل الأسباب النفسية والعقلية والمادية، ومن الصواب في اختيار طريق الذهاب، والصواب في انتقاء دروب الإياب إذا احتاج إليها.
وباعتماد هذا المنهج الرزين الرشيد لن يضطر الواحد للخروج مما بدأه، وإن اضطُرّ فسوف يخرج منه دون تَبِعات أو خسائر مزلزلة، ولن يقع مَن سعى وفق هذه الملامح في وَحْل من التخبُّط وتشابك الخيوط الناجمة عن فقدان البوصلة الصالحة، والمُعين المخلص، وحُسْن التقدير.
الديمقراطية المضادة
الديمقراطية المضادة
د. عطية عدلان
,مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
قد يتبادر إلى الذهن لدى المرور بهذا العنوان أنّ المقال يأتي في سياق المعارضة للأنظمة المستبدة التي ترزح شعوبنا تحت أغلالها وترسف في قيودها؛ وهذا إنّما يقع بسبب استقرار مفهوم خاطئ مفاده أنّ الأنظمة العربية تطبق ديمقراطية مزيفة، والواقع أنّها ليست سوى امتدادا للاحتلال الأجنبيّ للبلاد، ولا تمثل شعوبَها إلا بقدر ما كان يمثلها المندوب السامي للاحتلال؛ فليست إذن من هذا الأمر الكبير في عير ولا نفير.
أمّا الديمقراطية المزيفة أو - كما نسميها هنا - المضادة؛ فهي تلك التي تتباهى دول الغرب بالدينونة بها، وتشن الحروب على الشعوب تلبية لرغباتها ونزواتها، هي تلك التي كانت حُلمَ الشعوب الأوربية إبّان ثورتها على الثقرطة والاستبداد ثمّ لم تلبث أن تشوهت وتهشمت بفعل الثورة المضادة، التي لبست جلد الثعبان وتغلغلت في تربة الفكر الغربيّ ثم في صميم بنيان الحضارة الغربية برمتها.
وبرغم التحفظ الشديد الذي يبديه الفقه السياسيّ الإسلاميّ على الديمقراطية كنظام يجعل السيادة التي هي في جوهرها وحقيقتها: (التفرد بالحق في إنشاء الخطاب الملزم) يجعلها لجهة غير شريعة الله؛ برغم ذلك لا يرى هذا الفقه ذاته غضاضة في العمل بالديمقراطية إذا لم تكن الأمة مُمَكَّنَةً أو مؤهلة للعمل بالنظام الإسلاميّ، من قبيل اختيار أهون الشرين وارتكاب أخف الضررين، ولاسيما أنّ الديمقراطية الحقيقية تقترب من النظام الإسلاميّ في أهم ما يميزها ويميزه، وهو مبدأ الشرعية السياسية الذي يجعل الأمة مصدر السلطات وصاحبة السلطان، وأنّ مسألة الحكم برمتها تُعَدُّ في الإسلام قضية تعاقدية تقوم على التراضي بين الحكام والمحكومين، وتأتي تلقائياً كثمرة من ثمرات ترسخ القناعات.
ومن هنا تأتي أهمية التفريق بين الديمقراطية التي نادت بها الشعوب ولا تزال تنادي بها وبين ذلك المسخ الذي يبدو للناس وسيما مقبولا لكثرة ما يوضع على وجهه من الطلاء، ولو أننا لم ندرك من زيف الديموقراطية الغربية إلا ذلك الأثر السيئ على الإنسانية، لكان هذا الدليل كافياً للتسليم بأنّها ليست هي الديمقراطية التي طالبت بها الشعوب الغربية في ثوراتها من أجل تحرير الإنسان، جنس الإنسان، وإنَّ التاريخ الذي لا يكذب والواقع الذي لا يحجب ليشهدان بأن أوربا التي بشرت بالديموقراطية خذلت الإنسانية وأذاقت البشرية الويلات، فما كادت الثورة الفرنسية ترفع شعار الديمقراطية وما كاد مجلس الثورة يصدر وثيقة "حقوق الإنسان والمواطن" حتى فوجئ المجتمع الإنساني بفرنسا تتقدم أوربا نحو حروب توسعية وحركات استعمارية نتج عنها ويلاتٍ كثيرة، إلى حد أن بلدًا واحداً كالجزائر تناقص عدد سكانه في سبع سنوات من أربعة ملايين إلى ثلاثة؛ بفعل الحرب التي شنتها على الجزائر ظلما وعدوانا([1]).
وقبل ذلك كانت بريطانيا التي فّجَّرت بإلهامها الثقافيّ فكر التنويريين الفرنسيين، كانت تمارس الاستبداد ضد أقرب الخلق من بني الإنسان إليها، وكما يقول مارتين دودج: «هكذا كانت انجلترا مهداً للديمقراطية، غير أنها لم تمنح مستعمراتها الأمريكية مثل هذا الامتياز، وظلت تعامل سكانها كقطيع من السائمة ... السبب الذي شبت من أجله نار الثورة الأمريكية» ([2]).
ويوم أن قامت أمريكا وتولت زعامة العالم الديموقراطي، وقالت للناس إنها الراعية للديمقراطية، والمبشرة بها، كان شأنها مع الإنسانية عجيباً، وكانت قصتها مع الأسرة البشرية دامية، وإنّ الذي ابتلى به سكان هذا الكوكب على يد راعية الديمقراطية لم يكن ليقع عليهم بهذه القسوة لو أنهم تعرضوا لغزو من كوكب خارجي من مثل ما تصوره لنا السينما الأمريكية، إلى حدّ أنّ العدد النهائي لضحايا الحرب الفيتنامية وحدها بلغ 3.6 مليونا ([3]).
ومع انصرام ذاك القرن البائس جاءت أمريكا الديموقراطية بجحافلها لتفتتح قرنا أكثر منه بؤساً وتدمر العراق على أهلها وتحرق الأخضر واليابس في بلاد الرافدين؛ لمجرد هواجس - بل مزاعم - بوجود أسلحة دمار شامل، ثم لما خربت الديار وقف أحد المفتشين الدوليين على أطلالها قائلاً: «إن إعلان البيت الأبيض في الشهر الماضي عن إغلاق ملف البحث عن الأسلحة العراقية وضع نهاية لأفدح حالة من الخداع الدولي في العصور الحديثة»([4]).
أما عن التعذيب في جوانتانامو وأبو غريب، وعن الخطف والتسفير إلى سجون سرية في أوربا يتم فيها التحقيق بأبشع الوسائل التي لم تخطر ببال بشر فحدث ولا حرج، ويكفي بريطانيا التي تتيه بالديمقراطية فخراً أن الطائرات التي كانت تحمل المختطفين استعملت مطارات بريطانية أكثر من 210 مرة منها مطار بريستوك([5]).
هذه الانتهاكات الخطيرة لا يمكن أن ترضاها شعوب وأمم اختارت لنفسها نظاماً إنسانياً قائماً على القيم والمثل العليا؛ فإن كانت هذه الشعوب قد تم إقناعها بشرعية ما يحدث فهذا برهان على ممارسة الديموقراطية التزييف لإرادة الشعوب، وإن كانت هذه الشعوب غير مقتنعة بما يجري فهذا برهان على ممارسة الديموقراطية القهر لإرادة الشعوب، وعلى الحالين - الَّذين لا ثالث لهما - ليس لإرادة الشعوب دخل حقيقي في صناعة القرار الكبير؛ فأين - إذاً - هو حكم الشعب؟ وأين - إذاً - هي رقابته؟ وأين هي الديمقراطية؟!!
وربما يقول قائل - وكم بالأقاويل من تهاويل - لا ننكر أنها أساءت خارجيا لكنها داخليا أعطت شعوبها من الحرية والمساواة والرفاه فوق ما تريد؛ فلنترك لرجال الفكر الغربيّ القلم والقرطاس ليسطروا لنا رأيهم ورؤيتهم، ولنبدأ بهارولد لاسكي؛ حيث يكشف عن السر في التآلف المؤقت بين الرأسمالية الطاغية والديمقراطية الغافلة؛ بما يحقق الرفاه المؤقت الذي تتلهى به الشعوب: "إنَّ ما صار واضحاً فوق كل شيء آخر في السنوات ما بين الحربين هو اعتماد الدول الديموقراطية على اقتصاديات التوسع؛ وبمجرد أن تصير هذه غير متيسرة فإنَّ التناقض بين دلالات الرأسمالية ودلالات الديمقراطية يصبح مما لا يمكن التغلب عليه"([6]).
لقد تعالت صرخات المفكرين منذرين ومحذرين من خطر الرأسمالية على الديمقراطية، لكنّ "فوكوياما" كان يجدف ضد تيار الذعر الجارف في الغرب المعاصر وهو يزعم أنّ التقدم الفيزيائي أدى إلى الليبرالية الرأسمالية؛ ومن ثمّ فإنّ التقدم الاقتصادي الناتج عن هذه الليبرالية الرأسمالية قد أنتج الديمقراطية الليبرالية؛ مما يعني - بعد استقراء منه للساحة الدولية يعيبه الكثير من السطحية - أنّ الديمقراطية الليبرالية هي الشاطئ الآمن الذي سترسو عليه سفينة الإنسان!([7])، ولعله تراجع بعد ذلك عن كثير مما قال؛ حيث كتب مقالة في عدد يناير 2012 من مجلة: (Foreign Affairs)تحت عنوان: "مستقبل التاريخ" أبدى فيها قلقة على مصير الديمقراطية الليبرالية!([8]).
وفي دراسة متخصصة عن مخاطر العولمة يؤكد كل من (هانس بيتر مارتين وهارالد شومان) أنّ المنظرين للنيوليبرالية وللسوق الحرة "يدَّعون أنّ النموذج الأوربيّ لدولة الرفاهية قد أكل عليه الدهر وشرب، وأنّه قد صار مشروعاً باهظ التكاليف، مقارنة بماهو سائد في بلدان العالم الأخرى"([9]) ويقرران أنّه "في دراسة حول الخطط المزمع تنفيذها يوجد خمسون من أكبر المصارف في العالم توصلت إلى تنبؤ مفاده أنَّ نصف العاملين في المؤسسات النقدية سيفقد فرصة العمل في السنوات العشر القادمة"([10]).
ويذهب "هورست أفهيلد" مذهبا أكثر عمقا حيث يكشف عن هيمنة الرأسمالية على الحكومات: "فالاتفاقيات المبرمة في رحاب منظمة التجارة العالمية جردت أصحاب القرار السياسيّ من أيّ إمكانية للتراجع ولو جزئيا عن الانفتاح الاقتصاديّ، وكانت (ماريا ميس) على حق حين أشارت إلى أنّ المسئولين السياسيين يكبلون أيديهم بأنفسهم حين يصادقون بملء إرادتهم على اتفاقيات تسلبهم القدرة على اتخاذ القرارات، وتجبرهم على ترك اتخاذ هذه القرارات للأسواق ... فهذه الاتفاقيات تجيز للشركات الأممية مطالبة الحكومات بدفع تعويض ماليّ لها جزاء كل خلل يطرأ على نشاطاتها، حتى إن كان هذا الخلل قد تأتى من الإضرابات العمالية المشروعة دستوريا"([11])، وينقل عن "ستيغلس": "إنّ صندوق النقد الدوليّ لم يعد يسعى إلى تحقيق الأهداف الأصلية التي كلف بتحقيقها ... بل صار وليّ المصالح الخاصة بعالم المال"، ثم يعلن بلهجة متشائمة: "([12]). وعلى هذا النحو نشأ وضع عجيب؛ وضع يتسم باقتصاد ينمو باستمرار، ورفاهية تتراجع بلا انقطاع، إنّه اقتصاد غير مجد فعلاً، اقتصاد يغدق فقراً حقاً"([13]).
ولو أنّ الأمر كان صراعاً ينفرد بإدارته من جانب الرأسمالية منظروها وحسب لكان أهون، غير أنّ نِكَاحَ المصالح شمل مع هؤلاء المنظرين سياسيين بل وأنظمة سياسية، تقول "نورينا هيرتس": "إنَّ عالما فيه رئيس أمريكي يصدر القانون تلو القانون المحابي لمصالح الشركات الكبرى، ولروبرت ميردوخ سلطان أقوى من سلطان توني بلير، وتضع الشركات الكبرى فيه الأجندة السياسية، إنما هو عالم مخيف وغير ديمقراطي، وقد تبدو فيه فكرة أخذ الشركات الكبرى دور الحكومة سائغة من بعض الجوانب"([14])، ويقول "غرين بالاست" منددا بالمؤسسات المالية الكبرى: "لا ترتبك لهذا الخلط في المناقشة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية؛ فكلها أقنعة متغيرة لنظام سيطرة واحد"([15])، ويقول كاشفاً عن صورة من صور التناغم بين السلطة والثروة: "ربما خسر جورج دبليو بوش في صندوق الانتخابات ولكنه ربح فيما يمكن الاعتماد عليه ... سار الابن المحظوظ مباشرة نحو البيت الأبيض على خنزير محشو بما يقارب نصف مليار دولار ... إنهم يدعونها انتخابات ولا يبدو لي إلا أنها أكثر شبها بالمزاد"([16]).
وللرأسمالية قدرة تنفرد بها من خلال وسائل الإعلام التي تنفرد بملكيتها؛ تستطيع من خلالها صناعة الرأي العام، فتنحط به وتسفل وتورده ما تشاء وتصرفه عمّا تشاء؛ "إنَّ أخطر ما في وسائل الإعلام أنَّها أداة للاسترباح حيث يحمل عليها الدعايات للمنتجات التي يراد تسويقها؛ لذلك يسيطر عليها همّ الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور، ومن ثمّ فهي تعنى بما يجذب الجمهور لا بما يفيدها وينفعها ويصلحها، فهي تلعب على مشاعرهم لا على عقولهم، وتجاريهم فيما يرغبون لا تجابههم بما يجب أن يدركوه، وتهرب دائماً من كل ما يزعجهم وإن كان حقاً"([17]).
أمّا البرلمانية الكندية "نعومي كلاين" فقد أسهبت في دراستها الميدانية والفكرية من خلال كتابها الشهير "عقيدة الصدمة" واستطردت في كشف الخطر الداهم من مدرسة شيكاغو التي تزامنت مع حكم تاتشر وريجان فكان مما كشفت عنه: أنّ "نيكسون هو الذي منح صبيان شيكاغو وأساتذتهم ما كانوا يحلمون به منذ زمن فرصة كي يبرهنوا أنّ حلمهم بالمجتمع الرأسمالي المثاليّ كان أكثر من مجرد نظرية منسية في ورشة عمل جربت في قبو؛ لم تكن الديموقراطية في تشيلي مضيافة بالنسبة إلى صبيان شيكاغو؛ بل سيثبت أنَّ أطروحتهم قد انسجمت أكثر مع النظام الديكتاتوري"([18]).
والدولة المدنية التي تحالفت مع النيوليبرالية تغولت على الأفراد بصورة ماحقة ساحقة؛ وذلك باحتكاراها لأدوات الإكراه المادي التي صارت اليوم غاية في المحق والسحق للذرات البشرية، لذلك يرى البعض "أنَّ نُظُم الفرض والضبط الخاصة بالدولة الحديثة متفردة في التاريخ البشريّ؛ إذ إنّها تنتج أفراداً بذوات غير مسبوقة، فإذا كانت الدولة منتجاً أوربياً متميزاً كما هو مجمع عليه، وإذا كانت الدولة تشمل سكانها بسيطرتها، الأمر الذي قد لا يوافق بعضهم عليه؛ يلزم أن تكون الذاتيات التي تصنعها متميزة"([19])؛ ولعل تغول الدولة القومية الحديثة بهذا الشكل المرعب هو ما دعا "ماكس فيبر" إلى تعريف السلطة على نحو مغاير للتعريف التقليدي؛ فقال: "تعني السلطة إمكانية فرض انصياع مجموعة محددة من الأشخاص لأمر له محتوى معين"([20]).
هذه الجفوة التي حدثت بسبب تحالف الديمقراطية مع الرأسمالية جعل كثيرا من المفكرين يعيدون النظر في مسألة التمثيل ومدى ديمقراطية مبدأ التمثيل النيابي، ودعا آخرين للتسليم بأنّ الأوليجاركية نجحت بصورة أو بأخرى في غزو الديمقراطية، فهذا "روبرت دال" يكاد يجزم أنّ فكرة التمثيل لا علاقة لها بالديمقراطية؛ حيث يقول: "لم تكن فكرة التمثيل في الواقع العمليّ وليدة فكر الديموقراطيين بل إنّها نمت باعتبارها مؤسسة من مؤسسات الحكم الملكيّ والأرسطقراطيّ، ومن الممكن العثور على بداياتها، خاصة في انجلترا والسويد، في المجالس التي كان الملوك وكذلك النبلاء في بعض الأحيان يجمعونها لمعالجة قضايا الدولة الهامّة، كالواردات والحروب ووراثة العرش وإلى غير ذلك من الأمور"([21])، وهذا "جاك رانسيير" يذهب إلى أنّ "كل دولة هي دولة أوليجاركية، ويتفق مع هذا عن طيب خاطر مُنَظِّر التعارض بين الديموقراطية والشمولية؛ "لا يمكن تصور نظام لا يكون بمعنى معين أوليجاركيا" لكن الأوليجاركية تفتح للديمقراطية مكاناً بدرجة أو بأخرى ... وعادة ما نأخذ وجود نسق تمثيليّ باعتباره الملائم للديمقراطية، لكن هذا النسق هو ذاته حل وسط غير مستقر"([22]).
وإلى أبعد من ذلك كله ذهب "موريس دوفرجيه" حيث يقرر بلا مواربة: "ليست كل دول العالم الحالي ديمقراطية، على العكس؛ غالبيتها أحادية، وعلى درجة من القمعية، لكنها جميعاً تدعي الانتماء للقيم الديمقراطية ... لديها برلمان، لكنَّ دوره يبقى ضعيفاً، أو منعدماً في الأعم الأغلب، لدى جميعها تقريبا منظومة قضائية مستقلة شكلياً، مع أنّ القضاة ليسوا غالباً سوى مجرد موظفين لدى السلطة ... هو بزينة مصطنعة ملصقة على البناء، ومتعارضة مع هندسته تماماً"([23]).
وأخيراً فليس هذا سوى تطوافة سريعة؛ وقد يكون لنا عودة لمزيد من الإيضاح. والله المستعان.
([1]) راجع: "المغرب العربي" دراسة في تاريخه الحديث وأوضاعه المعاصرة، د. صلاح العقاد (ص116).
([2]) قاموس المذاهب السياسية (ص24).
([3]) الـ(نيويورك تايمز) 8/11/1997.
([4]) الـ(بي بي سي )27/1/2005.
([5]) نيل ماكاي: صحيفة the Sunday herald الاسكتلندية،16/10/2005م.
([6]) تأملات في ثورات العصر - هارولد لاسكي - ترجمة عبد الكريم أحمد - دار القلم القاهرة مصر - بون تاريخ طبع - صــــــ 284
([7])راجع: نهاية التاريخ والإنسان الأخير - فرنسيس فوكوياما - ترجمة فؤاد شاهين وآخرين - مركز الإنماء القومي - لبنان ط 1993م صــــــ 124-136
([8]) انظر: مقال أحمد البرصان (فرنسيس فوكوياما من نهاية التاريخ إلى مستقبل التاريخ) بموقع (آراء)
([9]) انظر: فخ العولمة .. الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية - تأليف: (هانس بيتر مارتين ، هارالد شومان) - ترجمة: د. عدنان عباس علي - كتاب "عالم المعرفة" عدد 238 سنة 1990م صــــــــــ 27
([10]) انظر: فخ العولمة .. الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية - تأليف: (هانس بيتر مارتين ، هارالد شومان) - ترجمة: د. عدنان عباس علي - كتاب "عالم المعرفة" عدد 238 سنة 1990م صــــــــــ 164 بتصرف بسيط
([11]) اقتصاد يغدق فقرا - هورست أفهيلد - ترجمة د. عدنان عباس علي - عالم المعرفة 335 - الكويت - ط 2007م صــــــ144-145
([12]) اقتصاد يغدق فقرا - هورست أفهيلد - ترجمة د. عدنان عباس علي - عالم المعرفة 335 - الكويت - ط 2007م صــــــ205
([13])اقتصاد يغدق فقرا - هورست أفهيلد - ترجمة د. عدنان عباس علي - عالم المعرفة 335 - الكويت - ط 2007م صــــــ 277
([14]) السيطرة الصامتة - الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية - نورينا هيرتس - ترجمة صدقي خطاب - عالم المعرفة عدد 336 - ط 2007م صــــ 19
([15]) أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها - غرين بالاست - الدار العربية للعلوم - ترجمة مركز التعريب والبرمجة - ط أولى 2004م - صـــــــ158
([16]) أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها - غرين بالاست - الدار العربية للعلوم - ترجمة مركز التعريب والبرمجة - ط أولى 2004م - صـــــــ91
([17])راجع: مدخل إلى علم السياسة - موريس دوفرجيه - ت: سامي الدروبي وجمال الأتاسي - دار دمشق - القاهرة - صــــــــ 178-180
([18])عقيدة الصدمة "صعود رأسمالية الكوارث" - نعومي كلاين - ترجمة نادين خوري - المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت ط 3 2011م – صـــــــــــ98
([19])الدولة المستحيلة – الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي – وائل حلاق – ت عمرو عثمان – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – صــــــــــــــ 190 - 191
([20])مفاهيم أساسية في علم الاجتماع – ماكس فيبر – ترجمة صلاح هلال – المركز القومي للترجمة – ط أولى 2011م صـــــــ92
([21])الديمقراطية ونقادها - روبرت دال - ترجمة نمير عباس مظفر - دار الفارس - عمان الأردن - ط 2005م صــــــ56-57
([22])كراهية الديمقراطية - جاك رانسيير - ترجمة أحمد حسان - دار التنوير القاهرة بيروت تونس - ط أولى 2012م - صــــــــــ89 – 90
([23])المؤسسات السياسية والقانون الدستوري – موريس دوفرجيه – ت: جورج سعد ط: أولى 1992 – المؤسسة الجامعية – بيروت
مثلث الشيطان: "إسرائيل - قبرص الرومية - اليونان
من الواضح أن النظام العالمي يريد تصميمًا جديدًا لقبرص. وليس من المستغرب في الواقع أن يعيد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، المعروف بنزاهته في القضايا المتعلقة بتركيا، فتح ملف قبرص قبل خمسة أشهر من انتهاء ولايته. فقد زادت التطورات الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط من أهمية قبرص أكثر من أي وقت مضى.
وإلى جانب البريطانيين الذين يمتلكون قواعد في الجزيرة منذ زمن بعيد، يتعين علينا أن نقيّم من جوانب متعددة تمركز كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا في إدارة جنوب قبرص الرومية عبر اتفاقيات ذات طابع عسكري، إلى جانب تسلح القبارصة الروم بشكل عدواني.
وعلينا على وجه الخصوص أن نفتح قوسًا خاصًا لـ"المسألة الإسرائيلية".
ذلك أن آلة الحرب الإسرائيلية لن تتوقف أبدًا.
وما يميز اليوم عن الأمس هو التشريع القانوني الذي يربط الجيش الإسرائيلي مباشرة بالبنتاغون.
لنبدأ أولًا باستعراض الوجود الإسرائيلي في قبرص...
وفقًا لدائرة الطابو القبرصية الرومية، يواصل الإسرائيليون شراء العقارات في إدارة جنوب قبرص الرومية بوتيرة متسارعة.
تأتي مناطق لارنكا وبافوس وليماسول في مقدمة المناطق التي اشترى فيها المواطنون الإسرائيليون أكبر عدد من العقارات (نحو 4 آلاف عقار).
يبني الإسرائيليون مجمعات سكنية محصنة ومعزولة بعيدًا عن التجمعات السكانية في الجزيرة.
ويلفت الانتباه أن الأراضي الواسعة التي يشترونها تقع بالقرب من الموانئ والشواطئ السياحية والقواعد العسكرية.
إضافة إلى ذلك، يُنقل آلاف الإسرائيليين الذين يتم إجلاؤهم في ظروف الحرب إلى هذه العقارات الجاهزة في الجزيرة، لتُستخدم قبرص عمليًا بوصفها حديقة خلفية!
أما من الناحية العسكرية...
تجري إسرائيل تدريبات لقوات الكوماندوز والقوات الخاصة في جبال ترودوس بجنوب قبرص، نظرًا لتشابهها الجغرافي مع أراضيها.
ويرسخ العسكريون الإسرائيليون وجودهم المهني في الجزيرة من خلال تركيب وصيانة الأنظمة التي بيعت للجيش القبرصي الرومي.
وتُجرى أعمال لإنشاء لواء مشترك بين إسرائيل واليونان وإدارة جنوب قبرص الرومية!
وتستخدم الطائرات الحربية الإسرائيلية قاعدة أندرياس باباندريو الجوية في بافوس للتزود بالوقود، كما تعتمدها نقطة هبوط اضطرارية في حالات الاشتباكات الساخنة بالمنطقة.
كما يؤدي ميناء ليماسول دور المركز الرئيسي لشحنات الإمداد العسكري الإسرائيلية!
إلى جانب ذلك...
اشترت إدارة جنوب قبرص الرومية من إسرائيل معدات دفاع جوي شبيهة بمنظومة "القبة الحديدية"، بذريعة إقامة درع أمني في مواجهة تركيا (!).
وأدخلت في المرحلة الأولى منظومة "باراك MX" الإسرائيلية إلى ترسانتها العسكرية.
وأعلن القبارصة الروم أن الهدف الأساسي من هذه الصفقة هو مواجهة طائرات "بيرقدار TB2" والطائرات المسيرة الأخرى التي نشرتها تركيا في غجيت قلعة.
وتم نشر مكونات صواريخ "باراك MX" في القاعدة البحرية بماري وقاعدة بافوس الجوية.
كما تم تحقيق التكامل بين شبكات الرادار في الأراضي الإسرائيلية وتلك الموجودة في الجزيرة.
ونجحت إسرائيل في تحقيق هدفها المتمثل في توسيع نطاق دفاعها الجوي إلى الأمام عبر قبرص.
وهناك الكثير مما يمكن كتابته في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال:
خصصت إدارة جنوب قبرص الرومية نحو 800 مليون يورو من الميزانية التي حصلت عليها عبر برامج الدفاع التابعة للاتحاد الأوروبي لشراء منتجات الصناعات الدفاعية الفرنسية هذه المرة.
واشترى القبارصة الروم من فرنسا صواريخ الدفاع الجوي قصيرة ومتوسطة المدى من طرازي "ميسترال" و"أسبيد".
كما استُبدلت المروحيات الروسية الصنع من طراز "Mi-35" الموجودة لدى الجيش القبرصي الرومي بمروحيات "إيرباص H145M" الهجومية ومروحيات البحث والإنقاذ.
ونُشرت على السواحل القبرصية الرومية صواريخ "إكسوسيت" الفرنسية بعيدة المدى المضادة للسفن.
وفي ظل هذا الواقع، فإن الاعتقاد بأن القبارصة الروم يريدون العيش مع الأتراك تحت سقف واحد في الجزيرة سيكون ضربًا من السذاجة.
ومع التأكيد على أنه لا يمكن التوصل إلى حل دائم وعادل في الجزيرة ما لم يُعترف بالمساواة في السيادة وبالمكانة الدولية المتساوية للشعب القبرصي التركي، فلنواصل الحديث مرة أخرى من زاوية إسرائيل.
بموجب قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، الذي أقره مجلس النواب الأمريكي، انتقل الدعم العسكري المقدم لإسرائيل من مجرد مساعدات مالية تقليدية إلى مستوى التكامل التكنولوجي والإنتاج المشترك!
وتم تخصيص 750 مليون دولار لبرامج التعاون العسكري الأمريكي - الإسرائيلي خلال عام 2027.
وتنص المادة 219 من مشروع القانون على إطلاق "مبادرة التعاون في تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل"!
كما سيُنشأ في البنتاغون مركز تنفيذي لتنسيق "أبحاث الصناعات الدفاعية الثنائية والمشروعات المشتركة" مع إسرائيل!
وستُدمج التقنيات العسكرية الإسرائيلية في منظومة تطوير الأسلحة والتوريد التابعة للجيش الأمريكي.
وسيُسمح للجيش الإسرائيلي، في الظروف الحرجة، بسحب الأسلحة وقذائف المدفعية مباشرة من مستودعات الذخيرة التابعة للولايات المتحدة!
انتهى!



