وقفات مع آيات (33).. الابتلاء بالنعمة
خرجت للتنزه في آخر أيام الربيع، في أطراف إحدى البلدات، ومعي أولادي. كان الجو في أوله لطيفًا، ثم ما لبث أن اشتد الحر عند الظهر، ولم تكن معنا خيمة نستظل بها.
رأيت مزرعة ضخمة، فوقفت بالسيارة قريبًا منها، واستأذنت العامل أن نجلس ساعة تحت ظل نخلة فحسب، فوافق الرجل برحابة.
ما إن فردت البساط، وتهيأ الأولاد للجلوس في الظل، حتى عاد العامل مسرعًا، وعلى وجهه شيء من الحرج، وقال:
«معليش يا أستاذ، صاحب المزرعة رفض جلوسكم. لازم تخرجوا».
في تلك اللحظة لم يؤلمني الخروج بقدر ما آلمني المعنى. لم نطلب طعامًا، ولا شرابًا، ولا شيئًا ينتقص من ملك الرجل. طلبنا ظل نخلة ساعة من نهار وقت الظهيرة. كنت أظن أن صاحب المزرعة، وقد بلغه أن عابري سبيل وقفوا بباب مزرعته في شدة الحر، سيأمر بحسن الاستقبال وكرم الضيافة فإذا به يأمر بالطرد.
عندها تذكرت قول الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}
والآية تشير إلى حقيقة كبرى: أن الفضل الذي في يد الإنسان وكل ما وسّع الله به عليه من أمور الدنيا ليس ملكًا مطلقًا ننسبه إلى أنفسنا، بل نعمة ابتلانا الله بها، لينظر كيف نصنع فيها.
واستحضرت قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} فإذا كان أصل النعمة من الله، فكيف يليق بالعبد أن يبخل بها على عباد الله؟
وقد ذم الله تعالى منع اليسير، فقال في سياق ذم من يغفلون عن حقوق الخلق: “وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ” والماعون هو الشيء اليسير الذي جرت العادة أن يتسامح الناس في بذله. فإذا بلغ الإنسان أن يمنع ما لا يضره، ولا ينقص من ماله، فليفتش عن قلبه قبل أن يفتش عن خزائنه.
ولقد كان العرب في جاهليتهم، على ما فيهم من ضلال، يتفاخرون بإكرام العابر، ويعدّون البخل عارًا لا يغسله المال. فكيف بمن قرأ القرآن، وسمع أخبار إبراهيم عليه السلام حين جاءه الضيفان، فما لبث أن أسرع إلى إكرامهم؟ قال تعالى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}
لم ينتظر إبراهيم عليه السلام أن يطلبوا، ولم يسألهم عن مقامهم، ولم يزن الضيافة بحساب الربح والخسارة، بل بادر إلى المعروف؛ لأن الكرم في النفوس العظيمة سجية قبل أن يكون تكلفًا.
ان منع اليسير أبلغ في كشف النفس من منع الكثير؛ لأن الكثير قد تعتذر النفس عنه بالخوف والحاجة، أما اليسير فلا عذر في منعه إلا ضيق القلب.
ومن تأمل القرآن وجد أنه يربّي النفس على أن ما زاد عندك ليس شرفًا لك وحدك، بل اختبار لك. قال تعالى: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} فمن أحسن الله إليه بسعة، فليجعل لسعته أثرًا في الناس.
واستحضرت قوله تعالى “وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” فالشح إذا استولى على النفس أفسد مروءتها، وجعل صاحبها يخاف النقص من كل بذل، ولو كان البذل لا ينقص شيئًا.
خرجت من المكان بمعنى لا أنساه: أن قيمة الإنسان لا تظهر فقط فيما يعطيه من ماله، بل فيما يسمح به من رحمته. وأن بعض القلوب قد تملك المزارع الواسعة، لكنها تضيق بظل نخلة.




