الدرة
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
السبت، 24 أكتوبر 2026
محارم المرأة في الإسلام.. بين العادات وأحكام الشرع
وما زالت اليد ممدودة!
وما زالت اليد ممدودة!
مصطفى العبسي
كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية.
سنوات طويلة وأنا أحاول أن أفهم ما يفعله الضغط النفسي برؤوسنا، وأن أجد ما يخفّف أثره. وأوضَح ما تعلّمته جاءني من رجل جلس أمامي في عيادة التجارب في جامعة مينيسوتا. جلس ولم يقل شيئًا. كان في الخمسين، وقد أمضى أربعًا وعشرين ساعة من دون سيجارة لأنّنا طلبنا منه ذلك.
لاحظتُ شيئًا قبل أن يلاحظه هو؛ إبهامه وسبّابته يفركان بعضهما كلّ دقيقة أو دقيقتين. حركة صغيرة بلا معنى ظاهر، كأنّ أصابعه تبحث عن شيء اعتادت أن تمسكه. ثم وضعنا أمامه الصينية؛ خيارات من الوجبات الخفيفة تختلف في محتواها. مدّ يده إلى كيس الرقائق قبل أن يقرأ ما على الأكياس الأخرى. ولم يبدُ أنّه فكّر. في ملفاتنا صار هذا رقمًا في عمود، وفي ذاكرتي بقي يدًا تمتد.
في مختبر عياداتنا نسأل سؤالًا واحدًا بصيغ كثيرة: ما الذي يفعله الضغط النفسي بالإنسان، وما الذي يخفّفه؟ وهذه المرّة سألناه عن الإدمان وعن الطعام.
مشاركون بين الثامنة عشرة والخامسة والسبعين. أربع وعشرون ساعة من الامتناع عن التدخين. ثم تدخّل دوائي يستهدف أنظمة عصبية مُرتبطة بالتوتّر والمكافأة، في مقابل علاج وهمي، وبعد ذلك تأتي الصينية.
المدخّنون الذين تلقوا العلاج الوهمي مالوا إلى الأطعمة الأقلّ صحة أكثر من غير المُدخنين. ومع التدخّل الدوائي تغيّر نمط اختياراتهم.
نشرنا النتائج في مجلة علمية لها مكانة مرموقة في التخصّص. كتبناها بالحذر الذي تستحقه. من يُقلع عن التدخين لا يستبدل السيجارة بالطعام بالضرورة، ودواء واحد لا يفسّر ظاهرة بهذا التعقيد. ما بقي معي من تلك الدراسة كان في مكان آخر غير جداول النتائج.
حين يغيب النيكوتين، يغيب معه ما كان يقوم به، والنظام العصبي الذي ألف تأثيره يحتاج وقتاً كي يتكيّف مع غيابه
السيجارة لكثير من المدخنين شيء أكبر من دخان، هي استراحة قصيرة في يوم طويل، رفيق في العزلة، طقس يتكرّر عند الغضب والانتظار والملل. وبتكرار هذه اللحظات على مدى سنوات، تتشابك المادة الكيميائية بمواقف الحياة حتى يصير التدخين جزءًا من الطريقة التي يواجه بها الإنسان انفعالاته.
فحين يغيب النيكوتين، يغيب معه ما كان يقوم به. والنظام العصبي الذي ألف تأثيره يحتاج وقتًا كي يتكيّف مع غيابه. يرافق ذلك ضيق وتوتّر وتغيّر في الشهية، وفي تلك المرحلة تصبح الأطعمة الغنية بالسكر والدهون أكثر جاذبية لما تمنحه من مذاق ومن إحساس سريع بالمكافأة.
أصدرت جامعتنا بلاغًا خبريًّا عن البحث فالتقطته وسائل الإعلام من أنحاء العالم. صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية وبلغات كثيرة. ترجموها إلى لغات لا أقرأها. وأرسل لي أصدقاء روابط لم أفتح معظمها.
في ليلة عمل متأخّرة، وجدت يدي في كيس مُكسّرات مُملّحة على المكتب. لم أتذكّر متى فتحته ولا كيف وصل إلى هناك. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة وأمامي ملف يحتاج قرارًا أجّلته لأيام. توقّفت وأنا أنظر إلى يدي، كما نظرت قبل سنوات إلى يد ذلك الرجل في غرفة التجارب. لم تكن سيجارة ما تخليت عنه. لكننّي كنت قد تركت أشياء أخرى في تلك السنة وظنّنت أنني أنهيت حسابي معها.
هل عالجنا ما كان يؤلمنا أم وجدنا طريقة أخرى لئلا نشعر به بعض الوقت؟
ثمّة عادات لا نعرف وظيفتها إلا حين نحاول التخلّي عنها. نتخلى عن العادة وتبقى الحاجة التي كانت تخدمها. نبتعد عن طقس مألوف قبل أن نعرف كيف نواجه اللحظات التي كان يخفّف من وطأتها. فتظهر البدائل: طعام أو انشغال لا ينتهي أو هاتف يُفتح ثلاثين مرّة في الساعة.
وتتفاوت هذه البدائل في أثرها على الجسد. لكنها تطرح سؤالًا واحدًا. هل عالجنا ما كان يؤلمنا أم وجدنا طريقة أخرى لئلا نشعر به بعض الوقت؟
وأقول هذا بعيدًا عن أيّ لوم لمن يحاول أن يُقلع عن تغيير أيّ عيادة او التغلّب على أيّ ادمان. تغيّر الشهية ليس إخفاقًا ولا ينبغي لأحد أن يخوض معركتين في وقت واحد. الأجدى أن يعرف ما يجري في جسده وأن يمنحه وقتًا للتكيّف وأن يستعين بمختص إن كانت أعراض الانسحاب ثقيلة.
ما زلت أتذكر ذلك الرجل وأصابعه تفرك بعضها في غرفة بلا نوافذ. كان يبحث بيده عن شيء لم يعرف بعد كيف يعيش من دونه. وفي ذلك المساء، على مكتبي كانت يدي تفعل الشيء نفسه.
ونحن في المختبر نبحث عن وسائل تخفّف هذا الانسحاب. بعضها دواء. وبعضها أبسط من الدواء: أن يعرف الإنسان ما تبحث عنه يده قبل أن تمتد.
كاتب وأستاذ في الطب السلوكي والعلوم العصبية. يهتم في كتاباته بالتجربة الإنسانية في لحظات التحول، خصوصًا ما يتصل بالزمن، والهوية، والعلاقة بين الجسد والنفس. تجمع نصوصه بين الحس الأدبي والتأمل النفسي، وتركّز على الأسئلة الهادئة التي تطرحها مراحل النضج.
يحيا السيستم
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
الفاشر... مذبحةٌ لم يمنعها أحد
الفاشر... مذبحةٌ لم يمنعها أحد
كان المجتمع الدولي قبل عام يطلق مناشداته لفك الحصار عن مدينة الفاشر بغرب السودان. كان الجميع يعرف أن مذبحة في الطريق. لكن المناشدات لم تُجد، والقرارات الدولية لم تنفذ.
صمدت المدينة نحو عام ونصف العام تحت الحصار، لكن النهاية كانت "انسحاب الجيش إلى مكان آمن"، بحسب ما ذكر قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وتدفقت قوات الدعم السريع داخل المدينة لتقع المقتلة التي حذّر منها الجميع من دون جدوى.
مرّ الطريق إلى الفاشر بمذابح بدأت في مدينة الجنينة الحدودية، ثم نزلت إلى العاصمة الخرطوم، وانتقلت فوق أجساد الضحايا إلى قرى ولاية الجزيرة، قبل أن تقتحم الفاشر. لم يكن هناك مكان آمن للمدنيين. تواترت شهادات من نجحوا في التشبث بالحياة وفرّوا من المدينة مع سقوطها. كأنهم بقايا الطرواديين الهائمين بعد اقتحام الإغريق. استغرقت رحلة الساعات أياماً وأسابيع في الصحراء، قبل أن يصلوا إلى مدينة الدبة، شمال السودان، وغيرها. وعرف العالم ما حدث. أكدت شهادات الناجين وقوع القتل الجماعي للأسرى والمرضى، والعنف الجنسي والاختطاف. ومن الفضاء رصدت الأقمار الصناعية بحيرات الدم والمقابر الجماعية التي حاول القاتل أن يخفي فيها آثار جريمته.
أعلن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، في فبراير/ شباط 2026، أن تحقيقه وثّق مقتل أكثر من ستة آلاف شخص في الأيام الثلاثة الأولى من سيطرة "الدعم السريع" على المدينة. قتل حوالي 1600 شخص وهم يحاولون الفرار. لكن هذه مجرّد تقديرات في حدّها الأدنى. يتوقع الجميع أن يكون عدد الضحايا أكبر بكثير. أما تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر في يوليو/ تموز 2026 فخلص إلى أن القتل الجماعي والاغتصاب والتجويع المعتمد في سياق احتلال المدينة يرقى إلى الإبادة الجماعية. لم ينجح التراب في دفن المذبحة.
كان مجلس الأمن قد طالب بإنهاء حصار المدينة في يونيو/ حزيران 2024. لكن المؤسسات الدولية لم تملك وسيلة لفرض تحذيراتها. توالت العقوبات على قادة الطرفين المتقاتلين، لكن هذا لم يكن كافياً يوماً. تجارب كثيرة في العالم وفي السودان تخبرنا بأن المؤسّسات الدولية تمتلك من البيانات أكثر مما تمتلك من القدرة على حماية الناس. ويعرف هذا إقليم دارفور جيداً، فقد شهد مذابح سابقة ما زالت المحكمة الجنائية الدولية تطارد متهميها.
خلال العام الذي مرّ انتقل بعض القادة المتهمين بالمشاركة في مذبحة مدينة الفاشر إلى صفوف الجيش السوداني. وكما حدث مع ولاية الجزيرة، بدأت محاولات تبرئة القادمين الجدد من الجريمة. دائماً ما تُركل الاتهامات إلى الأمام. كلما انتقل قائد من فريق المليشيا إلى فريق الجيش قيل إنه بريء من الدم، وإن من يزعم غير هذا يمكنه التوجّه إلى القضاء. هكذا يبقى المجرم دائماً غير محدّد حتى ينتقل آخر لاعب مسلح من فريق إلى آخر. يبقى الدم بلا سافك، ويتحد الخصمان كما كانا سابقاً. يرفضان وقف القتال، ويراهنان على الحسم العسكري، ولا يدفع الثمن غير المدنيين العُزّل.
بعد عام من المذبحة، ما زال "الدعم السريع" يراهن على الوقت ليعزّز سلطته الموازية في إقليم دارفور. الهزائم التي تلقاها في العاصمة وولاية الجزيرة انتقلت إلى إقليم كردفان. تخسر المليشيا في كردفان، وتكاد سيطرتها تنحصر على دارفور. لكي يبقى هذا الإقليم المنكوب ساحة متجدّدة للمعارك الحربية وللمفارقة السلطوية، فقوات "الدعم السريع" التي تحاول اليوم الانفصال بالإقليم مرتكبة المذابح ضد المكوّنات غير العربية هي التي ارتكبت المذابح سابقاً لإخضاع الإقليم لسلطة الخرطوم. ومن وصموا سابقاً بالتمرّد والعمالة والسعي إلى إقامة دولة لقبيلة الزغاوة في الإقليم، هم الذين يقاتلون اليوم مع الجيش ضد أحلام إقامة دولة للقبائل العربية في دارفور. هذه المفارقة هي ما يجعل الدماء لا قيمة لها عند المتقاتلين. فذكرها ينتهي بتحوّل المتهم من فريقٍ إلى آخر. ولا يأمن الحلفاء بعضهم، فخصوم اليوم هم حلفاء الأمس.
مرّ عام على المذبحة التي عرف الجميع أنها قادمة. ما زال ضحايا سابقون في دارفور ينتظرون العدالة منذ 2003، فزاد عليهم ضحايا الفاشر. مع استمرار الحرب ثلاثة أعوام ونصف العام لا يعرف أحد متى تصمت البنادق في غرب البلاد. ويستمر حصر الضحايا من دون أمل يظهر في الأفق.
الفقدان الإرادي للآدمية: محاولة للإجابة على أسئلة معقدة
الفقدان الإرادي للآدمية: محاولة للإجابة على أسئلة معقدة
محمد صالح البدراني
ما الذي يجيب عنه المقال:
- كيف يستلم العقل الآدمي الفكرة، وكيف يستعمر الفؤاد للعقل بدل تزويده بالانطباع فقط؟
- ما هي الحقيقة الغائبة وراء المفاهيم الملتبسة للروح والنفس، والقلب والعقل، وكيف تسببت الأطر الغربية الضيقة في تشويه فهمنا للسلوك البشري؟
- كيف يجتمع النقيضان في ذات واحدة، فيتحول المتطرف والمجرم أحادي النظرة إلى قاتل بدم بارد في الخارج، بينما يفيض وداً وحناناً مع أهله وأبنائه؟ هل هو شرير أم أصبح شريرا؟
- لماذا يرى المحبون والأهل في هذا المجرم إنساناً مظلوماً إن طالته يد العدالة؟
ما هي الآدمية:
يظل الإنسان الكيان الأكثر غموضاً وتناقضاً في هذا الكون، ليس في تركيبته البيولوجية المادية، بل في تفاعلاته النفسية والوجدانية التي تجعله قادراً على جمع أقصى درجات النقيض في آن واحد. ولعل الإحاطة بهذا التعقيد تتطلب أولاً التحرر الكامل من الأطر والتعريفات الغربية الضيقة، والتفسيرات الفقهية السطحية التي خلطت طويلاً بين المفاهيم، واستبدلت مفهوم "النفس" بمفهوم "الروح"؛
العقدة هنا ليست في غياب التفكير الآدمي، بل في "استعمار الغرائز الانحيازية، الناشئة عن فهم عقلي مشوه تستسلم له المنظومة العقلية وتُنَظّر له"
فالروح في حقيقتها الأصيلة هي محض "أمر الصنع" الصادر من الخالق لتفعيل الحياة الكامنة، وتنتهي المسألة غيباً عند صدور هذا الأمر وتفعيله، وليست ذاتاً مشاعريّة تسكن الجسد أو خارجه كما وصفت بشاعرية بعيدة عن الفهم؛ أما الكيان الواعي، المتقلب، المتأثر، والمحاسَب؛ فهو النفس، ومن هنا يبرز الفارق الجوهري بين مظهرين أصيلين من مظاهر هذه النفس: الآدمية والإنسانية.
الثنائية البنيوية: الآدمية العقلية والإنسانية الفؤادية:
لقد ميز الله جل وعلا هذا الجنس البشري عن بقية النسخ البشرية البائدة التي سكنت الأرض وعاثت فيها فساداً وسفكت الدماء، بمنظومة عقلية فريدة ترتب الأفكار وتزنها؛ وتلك هي الآدمية، فالآدمية هي العقل كأداة معالجة تمنح الكائن البشري القدرة على التفكير، وتحليل البيانات، وإبداع الوسائل، والتمييز الدقيق بين درجات ومقادير الأشياء، إنها أدوات التكليف المجردة والوعي المادي بالكون.
في المقابل، تتجلى الإنسانية باعتبارها طاقة فؤاديه ونفسية تملي مظهر وكيفية التفاعل مع المخلوقات وبني الجنس. و"الفؤاد" في أصله اللغوي مشتق من الشَّيْءِ المحترق أو المستعر؛ وهو الكيان النفسي الحي، سريع التأثر، الذي يستلم الفكرة التي عالجها العقل فيصبغها بالشحنة الوجدانية واللون العاطفي، لتتحول الفكرة المجردة إلى دافع مشتعل إما بالحب والرحمة، أو بالغيظ والقسوة.
العقلية المتطرفة والمجرم أحادي النظرة:
هذا الارتباط والتمايز بين عقلانية الآدمية وفؤادية الإنسانية ينتج شخصية بالغة التعقيد، تحتاج إلى فهم القرآن لتفهم، يمكنها أن تبني جداراً عازلاً داخل النفس يتيح للرحمة والوحشية، وللحب والقتل، أن يتعايشا في آن واحد، وهو ما يفسر الوجود المحير لـ"مجرم قاتل ومتطرف" يفيض بالعطف والود نحو أهله وأبنائه، بينما يمارس أبشع الفظائع في الخارج بدم بارد.
إن الفلسفات الغربية حاولت رصد هذه الظاهرة، لكنها سقطت في ضيق مفاهيمها؛ كأطروحة حنة أرندت التي اختزلت الشر في "الامتثال البيروقراطي والموظف المطيع المفتقر للتفكير"، هذا الطرح يعجز تماماً عن تفسير سيكولوجية المتطرف والمجرم أحادي النظرة؛ فهذا النمط ليس موظفاً تافهاً بلا تفكير، بل هو صاحب "عقل آدمي نشط جداً" ويسخّر تفكيره لإنجاز ما يراه خيرا ويراه الآخرون شرا وتدميرا، يمتلك عقلانية تبريرية تخطيطية عالية، فهو يعرف بدقة كيف يخطط، وكيف يصنع وسيلته، وكيف يختار توقيته ويحسب مكاسبه، هو لا يؤمن أنه يرتكب الشرور بل هو يقاتل أو يقتل الأشرار، فهو نعم ليس شرير النوايا لكنه يحمل فهما مسموما شريرا غالبا، لكن الشرير من خطط ليزرع الشر في هذا الكائن، أو من توافق طبعه الشرير مع الأفكار السلبية ووجدها تحقق ذاته.
إذن العقدة هنا ليست في غياب التفكير الآدمي، بل في "استعمار الغرائز الانحيازية، الناشئة عن فهم عقلي مشوه تستسلم له المنظومة العقلية وتُنَظّر له". فالمنظومة العقلية الآدمية لدى المتطرف تعمل بكفاءة هندسية عالية لخدمة غاية فؤاديه -عقلية مشوهة؛ حيث يعزل عائلته وجماعته في خانة "المقدس والأمان"، ممتلئ فؤاده نحوهم بحالة اتصال وجداني تامة تفيض حباً ورحمة؛ وفي المقابل، يعزل الضحايا أو الخصوم في خانة "الآخر المستباح"، فتحدث غشاوة وينغلق فؤاده عن أي تعاطف تجاههم، ويرى عقله الآدمي أن سحق هذا الآخر هو الوسيلة الوحيدة لحماية واحة أمانه الضيقة في الداخل.
جدلية العدالة وعاطفة المحبين:
عقول المحبين تقع تحت تأثير الانحياز للنسخة المألوفة؛ فالرؤية الوجدانية لديهم تحجب الرؤية العقلية المجردة
هذه التركيبة السيكولوجية تفسر بوضوح لماذا يرى المحبون والأهل في هذا المتطرف أو المجرم إنساناً "مظلوماً" إن طالته يد العدالة، فالأهل والمحبون لا يعيشون مع النسخة الخارجية المستبيحة للمجتمع المدمرة لنسيجه ووحدته، بل يتعاملون مع "حقيقة فؤاده" التي احترقت لأجلهم حباً ورعاية.
عقول المحبين تقع تحت تأثير الانحياز للنسخة المألوفة؛ فالرؤية الوجدانية لديهم تحجب الرؤية العقلية المجردة. القانون (العدالة المادية العقلية) يحاسب على الفعل الجرمي الخارجي بالأرقام والأدلة، بينما المحبون يحاكمون الشخص بناءً على رصيده العاطفي معهم. لذلك، يرون العقاب القانوني "ظلماً صارخاً" لأنه يقتلع إنساناً كاملاً يمثل مصدر أمانهم، عاجزين عن دمج صورة "الأب الحنون الشهم" مع صورة "القاتل المتطرف".
إن النفس البشرية عندما تضطرب أفهامها تفقد معنى الخلق والخالق والبعد الإنساني الكوني الأخلاقي، وتستعمر فؤاديتها عقلها، فإنها تحول "الآدمية" (الذكاء والتقدم والقدرة التحليلية) من ميزة ارتقاء إلى أخطر أداة تدمير، هي تشوه الجمال، وتدعو لعمارة الأرض وهي تهدمها. الإنسان أحادي النظرة قادر على حمل الجنة والنار معاً؛ يفيض بالجنة على جهة، ويحرق بالنار جهة أخرى، وعقله الآدمي جاهز دوماً لخدمة الحالتين وتبريرهما بكفاءة تامة.
فوق السلطة 514- الحكاية لم تبدأ من 7 أكتوبر
فوق السلطة 514- الحكاية لم تبدأ من 7 أكتوبر
"فوق السلطة".. ثلاث سنوات على الإبادة.. غزة بين الركام وصفقات كوشنر
بين ركام غزة بعد ثلاث سنوات من الإبادة، وتحقيقات تكشف استثمارات جاريد كوشنر في شركات إسرائيلية، يستعرض برنامج “فوق السلطة” تناقضات المشهد السياسي.
وبحسب حلقة (23 أكتوبر/تشرين الأول 2026) من برنامج "فوق السلطة"، فإن حرب الإبادة على قطاع غزة بعد ثلاث سنوات تمثل حلقة في مسلسل صراع أقدم بكثير من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تعود جذورها إلى وعد و"نكبة" بلفور عام 1917.
ويوضح هذا السياق التاريخي الطويل أن اختصار القضية في تاريخ واحد يشبه فتح كتاب طويل عند أحد فصوله والادعاء أن ما قبله صفحات بيضاء.
واستعرضت الحلقة أبعاد هذه الكارثة الممتدة، إذ تحولت غزة بعد ثلاثة أعوام إلى مكان يصعب التعرف عليه بسبب الدمار، وتتجاوز الخسائر لتشمل حياة كاملة دُمرت: بيوت تحولت إلى ركام، ومستشفيات تعمل بما تبقى لديها، وشوارع فقدت ملامحها، وشبكات مياه وكهرباء وبنية تحتية دُمرت.
ويشير مقدم الحلقة نزيه الأحدب إلى أن التعليم كان أيضا ضحية للإبادة، فطفل في الصف الرابع عام 2023، يُفترض أن يكون في الصف السابع اليوم، لكن الواقع في غزة مختلف.
وبسبب قسوة الاعتداءات الإسرائيلية، بلغ الألم درجة صارت معها المشاعر عصية على التفسير، إذ يحمل العثور على جثمان تحت الأنقاض "قدرا مؤلما من الراحة" لأهله، لأن الانتظار انتهى وأصبح للغائب مصير معلوم.
أطروحات التهجير
ويتناول البرنامج -من جهة أخرى- أطروحات تهجير سكان غزة التي لم تختف تماما من المشهد، وكلما ظهرت واحدة منها حضرت موجة رفض عربية ودولية سريعة.
لكن السؤال الأكثر تعقيدا يتعلق بمصير مفاوضات السلام، حيث يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن وقف إطلاق النار تحقق وعاد الأسرى الإسرائيليون، بينما يشدد السياسي الفلسطيني مصطفى البرغوثي على أن الاحتلال يواصل استباحة الدم الفلسطيني بصمت دولي.
وفي السياق، يكشف تقرير لشبكة "سي إن إن" أن المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر تربطه علاقات استثمارية متشعبة بشركات إسرائيلية، وتوضح الشبكة أن شركة "أفينيتي بارتنرز" هي أكبر مساهم في عملاق مالي إسرائيلي يدعم شركات تزود الجيش الإسرائيلي بالمعدات ذاتها المستخدمة في حروب غزة ولبنان وإيران.
ويبرز التناقض الأكبر في أن كوشنر عضو في مجلس السلام الذي شُكّل لترتيب ما بعد الحرب وإعادة إعمار غزة.
ويلفت مقدم البرنامج نزيه الأحدب إلى خطة تعاف لغزة بقيمة 2.45 مليار دولار، لكنها تبقى مرحلة أولى أمام دمار تُقدَّر قيمته بـ35.2 مليار دولار، وقد يحتاج التعافي الكامل وإعادة الإعمار إلى 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل.
ويخلص البرنامج إلى أن غزة لا ينقصها مجلس جديد ولا اسم جديد ولا خطة أخرى تُعرض أمام الكاميرات، بل ينقصها أن يتحول كل هذا الكلام إلى شيء يمكن أن يحقق السلام، فالسلام حتى الآن يبدو منظما جدا في المؤتمرات الصحفية والبيانات، ولكنه مفقود تماما حين يصل إلى أرض غزة ذاتها.
كما استعرضت الحلقة الموضوعات التالية:حرب انتهت على الورق فقط، والمفاوضات تبحث عن طريق مسدود.
مشروع رفح الخضراء بكهرباء ومياه، لكن بوابته تقرر من يدخل ومن يمنع.
حدث وقع منذ أكثر من نصف قرن، حين وصل غضب العرب إلى محطات البنزين الأمريكية.
وقف إطلاق نار اختياري، لبنان يلتزم وإسرائيل تختار البنود التي تعجبها.
مشكلة الحجاب من أذربيجان إلى فرنسا، اختاري ما تشائين إلا ما نرفضه نحن.
الذكاء الاصطناعي جاء ليحل خلافات البشر، فتعلمها منهم.
تقديم: نزيه الأحدب




