الأحد، 11 أكتوبر 2026

نهاية الإنترنت البشري.. كيف يغير وكلاء الذكاء الاصطناعي الويب؟

نهاية الإنترنت البشري.. كيف يغير وكلاء الذكاء الاصطناعي الويب؟

ألطاف موتي 
كاتب، مدون، باكستاني

  • نهاية الإنترنت البشري؟ كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي بناء الويب حول الآلات

على مدى ثلاثة عقود، بني الإنترنت على افتراض أساسي واحد: أن البشر هم من سيستخدمونه. كان الناس يبحثون عن المعلومات، ويقرؤون المقالات، ويشاهدون مقاطع الفيديو، ويقارنون بين المنتجات، وينقرون على الإعلانات، ويزورون المواقع الإلكترونية. ولذلك، صمم جزء كبير من الاقتصاد الرقمي حول جذب انتباه البشر. لكن هذا الافتراض بدأ يواجه تحديا مع الصعود السريع لوكلاء الذكاء الاصطناعي.

ووكلاء الذكاء الاصطناعي لا يكتفون بالإجابة عن الأسئلة؛ فهم يستطيعون البحث، وتصفح المواقع، ومقارنة المعلومات، وملء النماذج، وإدارة المهام، بل وتنفيذ المعاملات بصورة متزايدة نيابة عن المستخدمين. وفي سبتمبر/أيلول، طرحت شركة "أوبن إيه آي" قدرات جديدة للوكلاء المستقلين، صممت لتمكينهم من متابعة أهداف وتنفيذ مهام عبر تطبيقات مختلفة، فيما تعمل شركات أخرى على تطوير أنظمة قادرة على التخطيط للرحلات، وشراء المواد الغذائية، وإدارة الاشتراكات.

الويب أصبح يضم جمهورا آخر سريع النمو. وهذا الجمهور لا يتصفح الإنترنت بالطريقة التي يتصفح بها البشر؛ فهو لا يهتم بتصميم الصفحة أو الإعلانات أو التمرير بين المحتويات. إنه برمجيات تعمل نيابة عن البشر

من محركات البحث إلى المستخدمين الآليين

كانت محركات البحث التقليدية تنقل الناس من موقع إلكتروني إلى آخر. وكان المستخدمون يفتحون الروابط، ويقرؤون مصادر مختلفة، ثم يقررون بأنفسهم ما الذي يصدقونه أو يشترونه. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي، فتغير هذه العملية من خلال جمع المعلومات وعرضها داخل الواجهة نفسها. وقد يحصل المستخدم على إجابة مركبة دون أن يزور معظم المواقع التي استقيت منها المعلومات.

لكن المرحلة التالية أكثر أهمية؛ فالوكلاء القائمون على الذكاء الاصطناعي يستطيعون التفاعل مباشرة مع المواقع الإلكترونية وتنفيذ إجراءات فيها، بدلا من الاكتفاء باسترجاع المعلومات. وتصف شركة "كلاودفلير" هذه الأنظمة الآن بأنها جمهور ثان للإنترنت، وتقول إن الطلبات الصادرة عن وكلاء الذكاء الاصطناعي على شبكتها ارتفعت بأكثر من 1700% خلال العام الماضي. كما أفادت بأن أكثر من نصف حركة المرور على شبكتها أصبحت، للمرة الأولى، غير بشرية.

وهذا لا يعني أن البشر اختفوا من الإنترنت، لكنه يعني أن الويب أصبح يضم جمهورا آخر سريع النمو. وهذا الجمهور لا يتصفح الإنترنت بالطريقة التي يتصفح بها البشر؛ فهو لا يهتم بتصميم الصفحة أو الإعلانات أو التمرير بين المحتويات. إنه برمجيات تعمل نيابة عن البشر.

أزمة الويب المفتوح

يخلق هذا التطور مشكلة اقتصادية خطيرة أمام المؤسسات الصحفية. فإذا قرأ نظام للذكاء الاصطناعي مقالا، ثم قدم للمستخدم المعلومات الأساسية الواردة فيه، فقد لا يزور المستخدم الموقع الأصلي على الإطلاق. وهنا يخسر الناشر زيارة الموقع، وربما يخسر أيضا إيرادات الإعلانات أو الاشتراكات أو الأنشطة التجارية المرتبطة بها.

وتظهر الضغوط بالفعل؛ فقد أظهرت بيانات شركة "تشارتبيت"، التي أوردتها "أكسيوس" (Axios)، تراجعا ملحوظا في حركة الإحالة القادمة من محركات البحث التقليدية، ولا سيما بالنسبة إلى المؤسسات الصحفية الأصغر. ولم تتمكن حركة الوصول الناتجة عن أدوات الذكاء الاصطناعي حتى الآن من تعويض هذه الخسائر بالكامل. كما أفادت "أكسيوس" في وقت لاحق بأن حركة المرور إلى المواقع الإخبارية تتراجع مع انتقال المستخدمين من محركات البحث والمنصات الاجتماعية التقليدية إلى واجهات الذكاء الاصطناعي.

وهذا يطرح سؤالا جوهريا: من سيدفع ثمن الصحافة والخبرة اللتين تستخدمهما أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ فإذا كانت ملايين المواقع تقدم المعلومات للآلات، لكنها لا تحصل في المقابل إلا على قدر ضئيل من الزيارات أو الإيرادات، فقد تتعرض القاعدة الاقتصادية التي يقوم عليها الويب المفتوح للضعف.

قالت شركة "فيزا" إن المعاملات التي يبدأها وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى فئة رئيسية في عالم المدفوعات، فيما تختبر شركات البيع بالتجزئة طرقا مختلفة للسماح بعمليات الشراء المستقلة أو تقييدها

المواقع الإلكترونية تقاوم

بدأ أصحاب المواقع الإلكترونية يطالبون بقدر أكبر من السيطرة على وصول الآلات إلى محتوياتهم. فبعضهم يريد لأنظمة الذكاء الاصطناعي اكتشاف محتواه، انطلاقا من الفرص الجديدة التي يمكن أن توفرها هذه الأنظمة في مجال التوزيع والوصول إلى الجمهور، بينما يريد آخرون منع الوصول الآلي لأن نموذج أعمالهم يعتمد أساسا على الزوار البشر.

واستجابت "كلاودفلير" لذلك من خلال توفير أدوات منفصلة لأصحاب المواقع للتحكم في الوصول المرتبط بالبحث، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وحركة وكلاء الذكاء الاصطناعي. كما طرحت نظاما يمكن أن يتيح للناشرين الحصول على مقابل مالي عندما تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي محتواهم.

وقد يقود ذلك إلى إنترنت مختلف تماما؛ فقد تظل بعض المواقع متاحة للبشر بصورة مجانية، لكنها تفرض قيودا على الآلات. وقد تسمح مواقع أخرى للوكلاء بالدخول فقط بعد المصادقة أو الدفع. وهكذا، يمكن أن يكتسب الويب المفتوح تدريجيا طبقة اقتصادية جديدة، تصبح فيها للمعلومات أسعار مختلفة باختلاف نوع المستخدم.

تجارة من دون متسوق

قد يصبح هذا التحول أكثر وضوحا في مجال التجارة الإلكترونية. ففي الوقت الحالي، يبحث المستهلكون عن المنتجات، ويقارنون الأسعار، ثم يقررون ما يريدون شراءه. أما غدا، فقد يقوم وكيل للذكاء الاصطناعي بمعظم هذه الخطوات.

والتقنية تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه؛ فشركات تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي تعمل على أنظمة قادرة على التخطيط للرحلات، وشراء السلع، وإدارة الاشتراكات. وقالت شركة "فيزا" إن المعاملات التي يبدأها وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى فئة رئيسية في عالم المدفوعات، فيما تختبر شركات البيع بالتجزئة طرقا مختلفة للسماح بعمليات الشراء المستقلة أو تقييدها.

وإذا انتشر هذا النموذج على نطاق واسع، فقد يصبح المتسوق التقليدي على الإنترنت أقل ظهورا. وقد يكتفي الشخص بتحديد ميزانية واحتياجات معينة، ثم يتولى الوكيل البحث في مئات المنتجات ومقارنتها وتقديم توصية. وسيظل القرار النهائي بيد الإنسان، لكن جزءا كبيرا من النشاط على الإنترنت سيجري بين الآلات.

يمكن أن تنتقل سلطة تصفية المعلومات تدريجيا من محركات البحث والمنصات الاجتماعية إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي

من يسيطر على الإنترنت الجديد؟

القضية الأعمق ليست ببساطة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستخدم الويب، بل تتعلق بمن سيسيطر على العلاقة بين البشر والمعلومات.

اليوم، يختار الناس ما الذي يبحثون عنه والمصادر التي يريدون الاطلاع عليها. لكن في إنترنت يقوده الوكلاء، قد تصبح البرمجيات هي التي تحدد بصورة متزايدة الصفحات التي ينبغي قراءتها، والمنتجات التي ينبغي مقارنتها، والمعلومات التي ينبغي عرضها. وقد يصبح الوسيط نفسه مهما بقدر أهمية المواقع التي ينقل عنها المعلومات.

وهذا يثير أسئلة تتعلق بالشفافية والمنافسة والمساءلة. فإذا أوصى وكيل بمنتج معين بدلا من منتج آخر، فقد لا يعرف المستخدم السبب الحقيقي وراء هذه التوصية. وإذا لخص وكيل عدة مصادر إخبارية، فقد لا يرى المستخدم التقارير الأصلية. وبذلك، يمكن أن تنتقل سلطة تصفية المعلومات تدريجيا من محركات البحث والمنصات الاجتماعية إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي.

خطر الويب من آلة إلى آلة

هناك خطر آخر يلوح في الأفق؛ فالمحتوى الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي يتزايد بسرعة، بينما يستهلك الوكلاء بصورة متزايدة معلومات تنتجها أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى دورة متكررة تنتج فيها الآلات المعلومات، وتلخصها، ثم تعيد توزيعها مع تراجع تدريجي لدور الإنسان في هذه العملية.

والنتيجة المحتملة هي إنترنت يحتوي على كميات هائلة من المواد، لكنه يصبح أقل ارتباطا بالمصادر الأصلية. وقد تصبح معرفة أصل المعلومة ومصدرها أمرا لا يقل أهمية عن المعلومة نفسها. وسيحتاج المستخدمون إلى معرفة ليس فقط ما يقوله لهم نظام الذكاء الاصطناعي، بل أيضا من أين جاءت المعلومة، وكم مرة جرى تحويلها أو إعادة صياغتها قبل أن تصل إليهم.

قد لا يكون أعظم تحول في تاريخ الإنترنت هو أن الذكاء الاصطناعي ينتج مزيدا من المحتوى، بل قد يكون التحول الأكبر هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الوسيط الرئيسي بين البشر والويب

النهاية أم مجرد تحول؟

الإنترنت البشري لا يختفي. وسيواصل البشر إنتاج المعلومات والتواصل واستهلاك المحتوى عبر الإنترنت، لكن بنيته تتغير بسرعة.

والسؤال الحاسم هو ما إذا كان وكلاء الذكاء الاصطناعي سيظلون مساعدين يعملون داخل إنترنت يتمحور حول الإنسان، أم أن الويب نفسه سيعاد تصميمه بصورة متزايدة ليتناسب مع مستخدمين من الآلات.

وقد وصفت "كلاودفلير" الإنترنت الوكيلي الناشئ بأنه إنترنت يجب أن يكون قابلا للقراءة، والاكتشاف، والاستدعاء، والدفع. ويشير هذا الوصف إلى تحول جوهري في الطريقة التي يمكن أن تعمل بها المواقع والمعلومات والتجارة في المستقبل.

ولذلك، قد لا يكون أعظم تحول في تاريخ الإنترنت هو أن الذكاء الاصطناعي ينتج مزيدا من المحتوى، بل قد يكون التحول الأكبر هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الوسيط الرئيسي بين البشر والويب.

وإذا حدث ذلك، فسيظل الإنترنت ملكا للبشر من حيث المبدأ، لكن الآلات ستكون، بصورة متزايدة، هي التي تقوم بالتصفح.

حكم قادم بشأن إبادة الروهينغيا وعلى "التعاون الإسلامي" أن تقرر كيف ستتعامل معه

حكم قادم بشأن إبادة الروهينغيا وعلى "التعاون الإسلامي" أن تقرر كيف ستتعامل معه

كياو وين
ناشط حقوقي بارز يشغل منصب المدير التنفيذي لشبكة حقوق الإنسان في بورما.

لقد جعلت منظمة التعاون الإسلامي التضامن الإسلامي محورا أساسيا في الطريقة التي تقدم بها نفسها، وعلى مدى تسع سنوات، تعرض الروهينغيا في ميانمار للقتل، والطرد من ديارهم، وتجريدهم من جنسيتهم، ودفعهم إلى البحر.

وقد عقدت منظمة التعاون الإسلامي قمما وأصدرت قرارات طوال تلك السنوات، وأمضيت 14 عاما في توثيق ما حدث، وخلال تلك الفترة، ازدادت الأوضاع التي يواجهها الروهينغيا سوءا في الغالب.

تحتفل شبكة حقوق الإنسان في بورما هذا العام بمرور 14 عاما على تأسيسها، وعندما أنشأتها، كنت أؤمن بأن التوثيق سيكون ذا أهمية، كنت أؤمن بأنه إذا جمعنا الأدلة بعناية وعرضناها على المؤسسات التي تملك سلطة التصرف، فإنها ستتحرك.

لقد جمعنا شهادات من الناجين من المذابح، ووثقنا التدمير المنهجي لقرى الروهينغيا، وحرمانهم من الجنسية، وتجويع شعبهم بشكل متعمد.

لقد نشرنا أدلة لم ترغب الحكومات في مواجهتها، واستخدمنا العبارات التي استلزمتها تلك الأدلة، وإذا ما قضت المحكمة بمسؤولية ميانمار عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، فستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ محكمة العدل الدولية الممتد على مدى 80 عاما التي تحمل فيها دولة مسؤولية ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية

ومن المتوقع أن تصدر محكمة العدل الدولية في وقت لاحق من هذا العام حكما بشأن ما إذا كان ما فعلته ميانمار يشكل إبادة جماعية.

لقد سألت نفسي أحيانا ما الذي سيفعله هذا الحكم لوقف الفظائع؛ عاش الناجون من الروهينغيا الذين أدلوا بشهاداتهم في لاهاي أسوأ لحظات حياتهم مرة أخرى أمام القضاة الدوليين لأنهم وثقوا بأن شهاداتهم ستكون ذات أهمية.

ولا يزال الكثير منهم في بنغلاديش، ولا يزالون في حالة من عدم اليقين، ويعيشون على أقل من 13 دولارا في اليوم.

واحد من كل 7 أشخاص حاولوا الوصول إلى ماليزيا العام الماضي لقي حتفه أثناء محاولته عبور الحدود، ولا تزال أوضاع الناس على ما هي عليه، فهم غير محميين، والحكومات التي كان بإمكانها بذل المزيد من الجهد لم تفعل ذلك.

كثيرا ما يسألني الناس لماذا نواصل عملنا؟ لم أحصل قط على إجابة مرضية. ما أعرفه هو أنه إذا لم تجمع الأدلة، فإنها لا تعتبر موجودة، وإذا لم تكن موجودة، فيمكن إنكار ما حدث.

اتخذت هذا القرار وأنا أدرك ما يعنيه، وأواصل عملي لأنني، بعد سماع هذه الروايات ورؤية الأدلة، لا أعرف كيف أتجاهل الأمر.

لقد نشرنا أدلة لم ترغب الحكومات في مواجهتها، واستخدمنا العبارات التي استلزمتها تلك الأدلة، وإذا ما قضت المحكمة بمسؤولية ميانمار عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، فستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ محكمة العدل الدولية الممتد على مدى 80 عاما التي تحمل فيها دولة مسؤولية ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

وقدم الناجون من الروهينغيا إلى المحكمة أدلة على ما تعرضوا له هم وأسرهم، وقد فعلوا ذلك بعد سنوات عديدة فشلت خلالها الحكومات في حمايتهم.

وأوجه كلامي الآن إلى الوزراء الذين سيجتمعون في بغداد في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

لقد أيدت منظمة التعاون الإسلامي هذه القضية، ودعمت حكوماتكم الجهود الرامية إلى محاسبة ميانمار على معاملتها للروهينغيا، وحضر ممثلون عن دول منظمة التعاون الإسلامي جلسات المحكمة في لاهاي بينما كان الناجون يصفون ما تعرضت له عائلاتهم.

وعندما يصدر الحكم، أتوقع صدور بيانات ترحب به ووعودا متجددة بالمساءلة، لكن إصدار بيان آخر لن يحمي أحدا.

يجب على حكومات منظمة التعاون الإسلامي أن ترفض العودة القسرية إلى ميانمار، وأن تحمي الروهينغيا الذين يصلون إلى أراضيها، وأن تواصل دعم اللاجئين في بنغلاديش، وأن تتفق على اتخاذ تدابير دبلوماسية واقتصادية ضد المسؤولين عن اضطهادهم؛ هذه خيارات يمكن لحكوماتكم اتخاذها.

لقد تحدثت حكومات منظمة التعاون الإسلامي لسنوات عن واجبها في الوقوف إلى جانب المسلمين المضطهدين، وظهر الروهينغيا مرارا وتكرارا في تلك التصريحات.

يجب على حكومات منظمة التعاون الإسلامي أن ترفض العودة القسرية إلى ميانمار، وأن تحمي الروهينغيا الذين يصلون إلى أراضيها، وأن تواصل دعم اللاجئين في بنغلاديش، وأن تتفق على اتخاذ تدابير دبلوماسية واقتصادية ضد المسؤولين عن اضطهادهم؛ هذه خيارات يمكن لحكوماتكم اتخاذها

فقد أيدت قضية غامبيا أمام محكمة العدل الدولية، ودعت إلى المساءلة والحماية والعودة الآمنة لأولئك الذين طردوا من ميانمار، وقد أخذ العديد من الروهينغيا والعديد منا ممن يعملون معهم تلك الالتزامات على محمل الجد.

يصعب التوفيق بين الطريقة التي يعامل بها الروهينغيا في جميع أنحاء المنطقة وبين تلك الالتزامات، فقد واجه اللاجئون والمحتجزون عمليات إعادة قسرية، ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، وتهديدا بإعادتهم إلى بلد لا يزال الصراع مستمرا فيه.

وبعض الحكومات التي تتحدث عن الروهينغيا في الاجتماعات الدولية لا توفر لهم نفس الحماية عند وصولهم إلى حدودها، فلا يمكن لحكومة ما أن تطالب ميانمار بالمساءلة وتقوم في الوقت نفسه بإعادة الناس إلى الخطر.

وعندما يغادر الوزراء بغداد، ستصدر بيانات، وقد تظهر كلمة "إبادة جماعية " فيها، لكن ذلك لن يغير وضع أي أسرة من الروهينغيا في بنغلاديش.

تستضيف بنغلاديش 1.2 مليون من الروهينغيا، وتواجه ضغوطا منذ سنوات لإعادتهم، وفي أماكن أخرى من المنطقة، واجه الروهينغيا الاحتجاز، والعودة القسرية، والرحلات البحرية المميتة.

ففي عام 2025، أجبرت الهند الروهينغيا على النزول من سفينة حربية في بحر أندامان، وطلبت منهم السباحة إلى الشاطئ بالقرب من سواحل ميانمار.

وإذا لم تصدر منظمة التعاون الإسلامي أي تصريح عندما تعرض الحكومات الروهينغيا لهذا النوع من الخطر، فلن يكون لدى تلك الحكومات سبب وجيه لتغيير مسارها.

إلى المنظمات المجتمعية الروهينغية التي واصلت العمل، والصحفيين الذين أعدوا تقاريرهم رغم القيود المفروضة على الوصول، وأولئك الذين ساعدوا الناجين في إيصال شهاداتهم إلى المحافل الدولية، والمدافعين الذين ظلوا ملتزمين بهذه القضية عندما تحول اهتمام السلطات الرسمية إلى أمور أخرى، لا يسعني إلا أن أقول إنه كان الأولى أن تقوم بهذا الجهد حكومات لديها مؤسسات عسكرية ومالية قوية.

الأدلة التي حافظتم عليها أصبحت الآن جزءا من السجل التاريخي.

لقد علمنا النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه يجب علينا مساعدة أخينا سواء كان ظالما أم مظلوما، وعندما سئل عن كيفية مساعدة الظالم، قال: "بمنعه من الظلم".

والحكومات الـ57 المجتمعة في بغداد تعرف هذه التعاليم، ولن يحمي الحكم الصادر عن لاهاي الروهينغيا بمفردهم.

وما ستفعله تلك الحكومات بعد صدور الحكم هو ما سيظهر ما إذا كان دعمها لهذه القضية سيكون له تداعيات تتجاوز قاعة المحكمة.

لماذا تستهدف أمريكا السعودية ومكة؟ سؤال في الصميم، من أجل فهم أعمق وأوسع

لماذا تستهدف أمريكا السعودية ومكة؟
سؤال في الصميم، من أجل فهم أعمق وأوسع
مضر أبو الهيجاء

نجحت الإدارات الأمريكية في تجسيد رؤية وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، وترجمة مشروع «الفوضى الخلّاقة» إلى واقع سياسي في المنطقة.

ولعل ما شهدته ثورات الربيع العربي من تدخلات أمريكية وعبث بمساراتها ونتائجها يمثل دليلًا بارزًا على ذلك؛

فعلى الرغم من عظمة هذه الثورات وعدالة مطالب الشعوب التي خرجت فيها، فإن النتائج لم تحقق ما أرادته الشعوب، ولم تصب في مصلحة الأمة.

فحال مصر اليوم أسوأ مما كان عليه، وكذلك ليبيا والسودان وتونس وغيرها من بلدان الربيع العربي. وحتى في سورية، فرغم أهمية تفكيك الأجهزة الأمنية الأسدية -حامية إسرائيل- وفتح أرض الشام أمام الدعوة والعمل الإسلامي،

فإن الضعف الكبير في المنظومة السياسية والعسكرية السورية يمثل أحد المظاهر التي تكشف حجم التعقيدات والتدخلات التي أحاطت بالمسار السوري، وفي مقدمتها العبث الأمريكي بالساحة السورية.

ومن هنا، فإن من يتوهم أن فلسطين ستتحرر، وأن الأقصى سيعود إلى حضن المسلمين، قبل أن تتعافى عموم الديار الشامية وخصوص السورية والمصرية، يغفل عن الترابط العميق بين ساحات الصراع في المنطقة ويعمى عن حقيقة الأمة. 

ولذلك، فإن من البديهي  أن تظل السياسة الأمريكية حاضرة في تفاصيل المشهد السوري والمصري والعراقي، وأن تعمل على منع تعافي هذه الدول واستعادة قدرتها على النهوض والاستقلال بقرارها.

وإذا كان تعافي سورية شرطًا أساسيًا لاستعادة إقليم الشام عافيته، فإن الخليج بدوره لا يمكن أن ينعم بالاستقرار إذا تعرضت المملكة العربية السعودية للتفكيك والانهيار. فكما تمثل سورية مركز إقليم الشام، تمثل المملكة العربية السعودية اليوم مركز الثقل في إقليم الخليج. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف الخليج وبعثرته وتمزيقه يرتبط باستهداف المملكة نفسها، باعتبارها الركيزة المركزية في تماسك الإقليم واستقراره سياسيا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا.

تخادم خبيث بين الإدارة الأمريكية والمشروع الإيراني

وهذا ما يفسر طبيعة الاستخدام والتخادم العميق والخبيث بين الإدارة الأمريكية والمشروع الإيراني الذي يقوده الملالي؛ إذ يوظف هذا المشروع أدواته الإقليمية القاتلة، وفي مقدمتها المكوّن الحوثي، الذي يعتبر امتدادًا للمشروع التخريبي الطائفي الإيراني، وهو الصورة والدور المعاصر لعبد الله بن سبأ المفسد واللعين.

لقد استطاع الغرب إخراج مصر، بما تمثله من ثقل وتأثير، من معادلة الصراع، وإضعاف المنطقة العربية عمومًا، وانتقل بعدها إلى تفكيك العراق المجيد، ثم توالت حلقات التفكك، وكأنها حبات مسبحة انفلت خيطها. وبعد العراق، جاء الدور على سورية التي احترقت بنيران المشروع الأسدي الطائفي المتخادم مع أمريكا وحامي كيان إسرائيل، ثم اليمن الذي دخل بدوره في دوامة الصراع. وفي هذه الساحات جميعها، وظّف الغرب قوى المنظومة الإيرانية الملالية، واستفاد من تحركاتها وتداخل معها مدا وجزرا في حالتي السلم والحرب، بما أدى إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات.

ومع ذلك، لا تزال في الخليج العربي قوة كامنة وصامتة، تتمثل في تماسك المجتمعات والروابط الإقليمية، وهو ما يجعل المنطقة ساحة مهمة في حسابات المشاريع المعادية لعموم الأمة. 

ومن هنا فأن أمريكا المتصهينة تسعى إلى العبث بموازين الخليج، بدءًا بالمملكة العربية السعودية، لما تمثله من ثقل مركزي، مستخدمةً في ذلك الخنجر الإيراني الحوثي اللئيم.

معادلة مهترئة

إن المعادلة القائمة في ساحة الاحتراب المصطنع في اليمن والجزيرة العربية لا يمكن فهمها من خلال العقل القُطري القميء الذي استوطن بعض عقول النخب العربية، وخصوصًا النخب الفلسطينية، التي حصرت قضيتها المركزية في أرض فلسطين، بدلًا من أن تنظر إلى الأمة والدين باعتبارهما الإطار الأشمل للقضايا، وإلى التوحيد باعتباره جوهر هذا الانتماء ومرتكزه الأساسي.

فأي نقاش في قضايا الأمة، العامة منها والجزئية، لا ينطلق من مفهوم الأمة ومصالحها الكلية، لن يصل إلى تفسير صحيح للأحداث، ولن يفضي إلى تقدير سليم للمواقف، ولن يقود إلى اتخاذ الموقف الصحيح.

وقد رأينا نموذجًا واضحًا لهذا الخلل حين تنكّر بعض أبناء الأمة لفلسطين، متأثرين بمواقفهم من حكامها أو من قياداتها السياسية، في ظل العلاقة والتحالف الآثم بين قيادات المقاومة السياسية وملالي إيران المعتدين.

وها نحن نرى اليوم بعض الأطراف يتنكرون للاعتداء على بلاد الحرمين، انطلاقًا من مواقفهم السياسية تجاه حكام المملكة.

وفي كلتا الحالتين، يتكرر موطن الضعف ذاته: تضخيم القضايا الفرعية والقطرية حتى تطغى على قضية الأمة الجامعة، وتقديم الخصومات السياسية والحسابات الضيقة على مصلحة الأمة والدين، بما يؤدي إلى تغييب مفهوم الأمة وإضعاف القدرة على إدراك الترابط بين ساحات الصراع ومخاطر تفكيك المنطقة.

مضر أبو الهيجاء، بلاد الحرمين 11/10/2026

السبت، 10 أكتوبر 2026

10 أعمال تجلب الرزق..!

 10 أعمال تجلب الرزق..!


الحبر الأصفر


إنَّ طلب الرزق، والسَّعي خلف المال من طبيعة النَّفس البشريَّة، وقد جعل اللهُ -سبحانَهُ وتعَالَى- في تشريعه أسبابًا ماديَّةً وعمليَّةً واضحةً، نصَّت عليها الأدلَّةُ الشرعيَّةُ صراحةً؛ لتكون سببًا مباشرًا في جلب المال، وتوسيع الكسب.
وإليك عشرة أعمالٍ وثيقة الصِّلة بزيادة الرِّزق الماديِّ:
أوَّلًا: التوكُّل على الله، مع السَّعي، وهو الاعتماد الصَّادق بالقلب مع العمل بالجوارح.
والدَّليل قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه الترمذي].

ثانيًا: الاستغفار الصَّادق والدَّائم، وهو فتح لأبواب الإمداد الماليِّ بنصِّ القرآن الكريم.
والدَّليل قولُه تعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [نوح: 10-12].
ثالثًا: صِلة الرَّحم، الإحسانُ إلى الأقاربِ وتعهُّد زيارتهم يربُو بالمال.
والدَّليل قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [رواه البخاري].

رابعًا: تقوى الله، والخوفُ من الحرام، اجتنابُ المعاصي يفتحُ منافذ الرِّزق غير المتوقَّعة.
والدَّليل قولُه تعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].

خامسًا: الصَّدقة الدَّائمة (ولو بالاستدانةِ ثقةً في الإخلاف)، الإنفاقُ لفكِّ كرب النَّاس يُخلِفه اللهُ مالًا.
والدَّليل قولُه تعَالَى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39]، وفي الحديث: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» [رواه مسلم].
- موضعُ الشاهد: استسلفَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- جَملًا (بَكْرًا)؛ لردِّ حاجةِ فقيرٍ، وأخلفَ اللهُ عليهِ فوفَّى صاحبَ الدَّينِ جَمَلًا أفضلَ منهُ قيمةً (خيارًا رباعيًّا) [رواه مسلم]. وسار على هذا السَّلفُ كالإمام أحمد، وعبدالله بن جحش، فكانوا يستدينُون للصَّدقة ثقةً بيقينِ الإخلافِ.

سادسًا: الصِّدقُ والبيانُ في المعاملات الماليَّة، الأمانةُ وعدمُ الغشِّ في التجارة والبيع يجلبان الأرباح والنَّماء.
والدَّليل قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا» [رواه البخاري].

سابعًا:
تفريغُ الذِّهن والقلبِ للهِ وقت الصَّلاة، خشوعُ العبدِ وأداءُ صلاتِه بقلبٍ حاضرٍ يطردُ الفقرَ والشتاتَ الماليَّ.
والدَّليلُ في الحديث القُدسيِّ: «ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ» [رواه الترمذي].

ثامنًا: كفالةُ طالبِ العلمِ الشرعيِّ والإنفاقُ عليه، التكفُّل بمصاريفِ مَن يتفرَّغ لطلبِ علمِ الدِّين سببٌ لرزقِ المُنفِقِ.
والدَّليل أنَّ محترفًا شكا أخاه، الذي يدرسُ العلمَ للنبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فقالَ لهُ صراحةً: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ» [رواه الترمذي].

تاسعًا: خدمةُ الضعفاءِ ومساعدتُهم ماليًّا
نصرةُ الفقراءِ والمساكِينَ وإعانتُهم في معايشهم يعودُ بالرِّزق الماديِّ على الفرد والمجتمع.
والدَّليلُ قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» [رواه البخاري].

عاشرًا: الرِّضا القلبيُّ الصَّادق بما قسَمَه اللهُ
القناعةُ وعدمُ السَّخط تفتحُ بابَ البركةِ والتَّوسعة في المكاسب.
والدَّليلُ قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهِ وَوَسَّعَهُ» [رواه أحمد].

حسنًا ماذَا بَقِيَ؟!
بَقِي القولُ: إنَّ هذهِ أبرز أسبابِ الرِّزق، مَن عملهَا بكلِّ صدقٍ سيصلُ إلى الرِّزق الوفيرِ.

هذه الأحلام الأربعة تقول لك من هو آبي أحمد

هذه الأحلام الأربعة تقول لك من هو آبي أحمد


أكاديمي وباحث شغل سابقا منصب وزير الدولة للإعلام بالسودان، ووالي الولاية الشمالية.

بعد عام واحد من صعوده إلى سدة رئاسة الوزراء في إثيوبيا، كانت الأنظار تتابع باهتمام احتفال جائزة نوبل للسلام لعام 2019، والتي مُنحت لآبي أحمد ذلك الشاب الوسيم الذي بدا حينها كما لو أن السماء اختارته في لحظة انتقال قلق ليعبر بإثيوبيا إلى شواطئ الاستقرار النهائي، فيتوج بذلك النجاح الاقتصادي والاجتماعي الذي دشنه رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي ويحوله إلى أسطورة.

كان الشاب القادم من دهاليز المخابرات وأقبيتها بخلفية أكاديمية مولعة بالتكنولوجيا وأمن الشبكات يجمع كل متناقضات التكوين الإثيوبي في شخصه؛ فهو مسيحي بروتستانتي لأب مسلم من الأورومو وأم أرثوذكسية من قومية الأمهرة العريقة، وجاء إلى الحكم على خلفية احتجاجات شبابية كانت تستبطن تذمرا من سيطرة التيغراي بنسبتهم البالغة 7% على مفاصل البلاد، وخاصة في أجهزتها الأمنية والعسكرية.

ولكن ما بدا لحظة حالمة في ذلك الوقت سرعان ما تبدد تحت نيران الحرب الأهلية مع جبهة التيغراي التي راح ضحيتها وفق بعض التقديرات 600 ألف شخص، وعلى الرغم من التسوية السريعة التي طويت بها تلك الأحداث المؤسفة في بريتوريا بجنوب أفريقيا فإن الأحداث أبانت أن تلك التسوية كانت سطحية لم تلامس جوهر الأزمة في عمقها المطلوب.

ولذلك تجدد الصراع بين الحكومة المركزية وتحالف واسع هذه المرة ضم خصوم آبي أحمد من الذين كانوا له حلفاء في حربه السابقة.

وللإجابة عن السؤال المركزي الذي يتعلق بتكرار هذه الدورة الجهنمية في الداخل الإثيوبي وعن التساؤلات المتعلقة بتورطها في أكثر من ملف إقليمي ولا سيما نذر الحرب المستمرة مع الجارة إريتريا، وتوفير الدعم اللوجيستي لقوات الدعم السريع التي تقاتل الدولة السودانية، بجانب التوتر المستمر مع مصر وجمهورية الصومال يلزمنا الرجوع قليلا إلى الوراء لمعرفة الخلفيات والسياقات التي ظلت تشكل هذه التراجيديا السياسية والأمنية في إقليم القرن الأفريقي الذي تحتل إثيوبيا فيه موقعا مهما.

بعد سنوات من التذبذب السياسي صعد آبي أحمد إلى صدارة السلطة بطموحات كبيرة وآمال عريضة، وبخطاب حالم يبشر بالسلام والنهضة والمستقبل، ولكن تلك الخطابات الحالمة لم تصمد طويلا أمام تحديات الواقع مما اضطره إلى أن يضع جانبا جائزة نوبل للسلام ليحمل البنادق في سبيل مواجهة تلك التحديات ويخوض حروبا في الداخل والخارج

نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي كانت لحظة شديدة الخصوصية في العلاقات بين السودان وإثيوبيا، كبلدين مهمين في القارة الأفريقية يجمعهما جوار جغرافي ومصالح إستراتيجية كبرى.

في تلك اللحظة، أدرك قادة البلدين أن تقديم المصالح أوفر حظا لهما من مواصلة حالة العداء التي أعادت إحياء حرب لطالما كانت مستمرة بين هذين البلدين منذ قديم الزمان، وخاصة منذ الثورة المهدية في السودان والتي لا يمكن التأريخ لها دون إفراد فصل كبير لحروبها مع الحبشة وانتصارها الأسطوري على الإمبراطورية الحبشية وقتل إمبراطورها يوحنا الرابع.

كانت العلاقات قبل تلك اللحظة قد وصلت إلى مرحلة عميقة من التدهور، وخاصة بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك على الأراضي الإثيوبية في عام 1995، والتي وُجّهت فيها أصابع الاتهام إلى الخرطوم.

وبعد فاصل طويل من التوتر والحروب بالوكالة استأنف البلدان علاقتهما التي تعمقت هذه المرة على المستويين السياسي والإنساني؛ فعلى المستوى السياسي وصلت العلاقات إلى مرحلة التطابق شبه الكامل في وجهات النظر الإقليمية والدولية والتنسيق الكبير أمنيا وسياسيا، وعلى المستوى الإنساني نشأت علاقة خاصة وأسرية بين الرئيسين عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي.

وهو الأمر الذي ساعد كثيرا في تجاوز الملفات المعقدة بين البلدين مثل أزمة ترسيم الحدود، ومن بعدها ملف سد النهضة، كما عمل على صناعة استقرار غير مسبوق في تاريخ البلدين مما أتاح لهما تبني مشاريع تنموية كبيرة حيث بلغت مستويات النمو فيهما أرقاما غير مألوفة في القارة الأفريقية، وقامت مشاريع عملاقة في كلا البلدين حيث بدا أنهما ودّعا إلى الأبد محطات الفقر والنزاعات، ووضعا أقدامهما على عتبة الانطلاق نحو تأسيس نموذج اقتصادي أفريقي متميز.

ولكن تلك السنوات العامرة بالنمو والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي لم يكتب لها الاستمرار، ففي السودان ومنذ انفصال جنوبه بدأ التراجع الاقتصادي يسيطر على الفضاء العام حتى انتهى الأمر بسقوط النظام في عام 2019، قبل أن تنحرف الفترة الانتقالية فيه إلى حرب ضروس بين السودانيين، ولم يكن الأمر بأفضل من ذلك في إثيوبيا التي دخلت في حالة من التوترات بعد رحيل ملس زيناوي وغياب قبضته الأمنية الصارمة على الداخل الإثيوبي.

وبعد سنوات من التذبذب السياسي صعد آبي أحمد إلى صدارة السلطة بطموحات كبيرة وآمال عريضة، وبخطاب حالم يبشر بالسلام والنهضة والمستقبل، ولكن تلك الخطابات الحالمة لم تصمد طويلا أمام تحديات الواقع مما اضطره إلى أن يضع جانبا جائزة نوبل للسلام ليحمل البنادق في سبيل مواجهة تلك التحديات ويخوض حروبا في الداخل والخارج.

عند النظر إلى مسيرة آبي أحمد ومشروعه النهضوي تبرز أربعة طموحات أساسية هي التي توجه تحركاته الداخلية والخارجية وتفسر كل التوترات التي نجمت طوال سنوات حكمه التي بدأت منذ عام 2018

صراع الطموحات والجغرافيا

كان هناك تصور سطحي على أن الظروف التي حملت آبي أحمد إلى قيادة إثيوبيا ومظلة الدعم الدولي التي توفرت له تعتبران ضمانة كافية لنجاحه، وذلك دون التعمق في الظروف والتحديات الموضوعية التي تتهدد المشروع التنموي الناهض داخليا وخارجيا، وهي تحديات تفوق قدرة النخبة الإثيوبية على التعامل معها دون توفر قيادة كاريزمية تحظى بالتقدير الداخلي الذي يمكنها من كبت التطلعات الانفصالية دون أن يؤدي ذلك الكبت إلى اندلاع حرب شاملة.

عند النظر إلى مسيرة آبي أحمد ومشروعه النهضوي تبرز أربعة طموحات أساسية هي التي توجه تحركاته الداخلية والخارجية وتفسر كل التوترات التي نجمت طوال سنوات حكمه التي بدأت منذ عام 2018:

القضية الأولى هي عكوفه على تفكيك إرث رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي وتفكيك هيمنة قومية التيغراي على مفاصل الدولة ولا سيما في المؤسسات العسكرية والأمنية.

وفي هذا الخصوص فإنه اتخذ جملة من الخطوات الكبيرة كان أولها حل ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية الذي كان يضم أربعة تنظيمات رئيسية تمثل التيغراي والأورومو والأمهرة وشعوب الجنوب، وقد فهم قادة التيغراي تلك الخطوة على أنها إبعاد مقصود يستهدفهم كما يستهدف حلفاءهم في القوميات الأخرى، ولكن آبي أحمد نجح مرحليا في عزل بقية القوميات عن التيغراي بل وعمل على إحياء الخلافات العرقية بينهم ووظف تلك الخلافات لتعبئة القوميات الأخرى كالأمهرة والأورومو للقتال ضد التيغراي في حرب 2020.

على أنه يجب النظر إلى أن الحرب التي اندلعت في عام 2020 بين الحكومة وجبهة التيغراي كانت في جوهرها صراعا بين إرادتين ومشروعين، يرى المشروع الأول أنه هو الذي هندس للنجاح السياسي والدستوري الذي أتاح للقوميات الأخرى من خارج الأمهرة (الحكام التاريخيين) والتيغراي الأقوياء، بالوصول إلى المواقع القيادية، كما أنه هو الذي وضع إثيوبيا على عتبة التنمية والنهضة، ولكنه وجد نفسه مهددا بالتفكيك والإقصاء.

بينما يرى المشروع الآخر أن شرعية النضال المسلح لم تعد ذات قيمة سياسية خاصة وسط الشباب الذين يشكلون 60% من جملة السكان، حيث باتت أحلامهم متعلقة بالمستقبل وفرص العمل والتكنولوجيا وليس بالاستماع إلى بطولات التحرير ضد نظام منغستو هيلا مريام التي لم يعايشوها، وهذه المسألة تحديدا هي التي ساعدت آبي أحمد كثيرا في تمثله لتبني خيار المستقبل الذي يعبر عن الشباب بمشروعاته التي تهتم بالإبهار البصري في المناطق الحضرية.

أما النقطة الثانية المتعلقة بتصفية إرث ملس زيناوي، فتمثلت في محاولة صياغة جديدة للنظام السياسي القائم على الفدرالية العرقية، فقد رأى فيه القادمون الجدد أنه سلاح ذو حدين، إذ على الرغم من اعترافه بالتنوع العرقي وإعطائه حقوقا لأقاليم وقوميات لم تكن تظهر في خارطة الشأن العام بما يوازي حجمها كقومية الأورومو مثلا التي تشكل نسبة 35% من السكان، فإنه في الوقت نفسه أحيا النعرات القومية وساهم في تأجيج الخلافات بين القوميات المختلفة.

إن الطموحات الكبيرة التي تحملها دول منطقة القرن الأفريقي لا يمكن أن تتحول جميعها إلى مشاريع نهضة إذا أديرت بعقلية الصراعات، ولذلك يجب القول إنه بمثلما لإثيوبيا الحق أن تحلم بالنهضة وتبحث عن موقع يليق بحجمها ومقدراتها فإن للآخرين الحق نفسه، والطريق الأقصر إلى تحقيق هذه الطموحات هو التوافق الذي يجعل مصالح الجميع ممكنة

كما أنهم رأوا فيه وسيلة استخدمها التيغراي لتأكيد سيطرتهم على مؤسسات الدولة والعمل على تغذية النعرات العرقية وفقا لسياسة (فرق تسد)، وكبديل لذلك قام آبي أحمد بتكوين حزب الازدهار بصورة مركزية تنتهي فيه كل الأمور إليه مباشرة.

وبالعودة إلى طموحات إثيوبيا الجديدة جاء التحول في المشروع الاقتصادي والنموذج التنموي، فبينما كان الرئيس الراحل ملس زيناوي يعتمد على نموذج تنموي تقوده الدولة بالمحافظة على مؤسساتها الاقتصادية، جاء آبي أحمد بفلسفة ليبرالية حين اتجه إلى فتح الاقتصاد الإثيوبي أمام القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، وشرعت حكومته في خصخصة جزئية لشركة الاتصالات الحكومية وفتحت السوق أمام منافسين جدد بعد أن ظلت الشركة تحتكر القطاع لعقود.

وتشكل عقدة الجغرافيا التي جعلت إثيوبيا بسكانها الـ 120 مليون نسمة دولة حبيسة واحدة من أخطر الطموحات للقيادة الجديدة في حزب الازدهار، والتي ترى أن هناك خطأ تم ارتكابه إبان عهد النظام السابق الذي اعترف باستقلال دولة إريتريا وجعل من إثيوبيا حبيسة عن موانئ البحر الأحمر.

ولا يخفي قادة الحزب والحكومة سعيهم لتصحيح هذا الخطأ الاستراتيجي القاتل، بل إن رئيس الوزراء نفسه لا يفتأ يكرر هذه التصريحات، حيث يقول في أحد التسريبات إن "إثيوبيا ستعمل على تأمين الوصول المباشر إلى الميناء، إما سلميا أو بالقوة إذا اقتضى الأمر" ويسعى آبي أحمد إلى جعل الأمر قضية قومية تتصل بأمن البلاد وبسيادتها، وبأنها قضية وجودية لن تتنازل عنها إثيوبيا.

أما إريتريا فتعتبر أن المساعي الإثيوبية للوصول إلى ميناء عصب إعلان حرب عليها، وأنها لن تسمح بوجود إثيوبي في موانئها مهما كان الثمن، ولذلك فإنه لم يكن متصورا أن يستمر ربيع العلاقات الدافئ كثيرا بين البلدين، إذ سرعان ما توترت الأجواء، ووصلت إلى درك سحيق في الأيام الأخيرة حين اتهم قائد الجيش الإثيوبي إريتريا والسودان ومصر بدعم تحالف البقاء، واتخاذ القيادة الإثيوبية قرارا بقطع العلاقات الدبلوماسية وطرد الدبلوماسيين.

وهذه النقطة تحديدا هي التي تحدد طبيعة صياغة السياسة الخارجية الإثيوبية تجاه جوارها وخاصة مع إريتريا والصومال، لأن إثيوبيا تدرك جيدا أن أي فرصة لها لكي تكون دولة كبيرة في المنطقة يتطلب منها أن تتوفر على فرصة الوصول للموانئ لتسهيل تجارتها مع العالم، وما يفسر تصاعد التجاذبات بشأنها مؤخرا هو اختلاف تكوين القيادة الإثيوبية.

فشخصية ملس زيناوي الحذرة كانت تحدد طريقة التعاطي معها بكثير من الصبر الإستراتيجي والمناورات الإقليمية والدولية، ولكن شخصية آبي أحمد المندفعة والباحثة عن إنجازات سريعة تعضد شرعيته في الداخل ساهمت في خلق أجواء متواصلة من المخاوف والتوترات لدى جيرانه، فقد مثَّلَ توقيعه لاتفاق مع إقليم أرض الصومال الانفصالي سابقة خطيرة في التعامل مع الكيانات المنشقة عن الدولة المركزية في منطقة القرن الأفريقي المليئة بالتمردات والانشقاقات على الدولة.

ويبدو أن ذلك نهج تتبعه السياسة الإثيوبية في ثوبها الجديد، إذ تزايدت التقارير التي تتحدث عن تسهيلات إثيوبية لقوات الدعم السريع بما في ذلك استخدام أراضيها في التدريب والإسناد اللوجيستي وفتح جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق، فضلا عن استضافتها كيانات مناوئة للحكومة السودانية.

أما الطموح الرابع الذي يحدد منهج القيادة الإثيوبية في تعاملها مع محيطها الاقليمي فهو رغبتها في أن تكون نموذجا تنمويا إقليميا عبر المشروعات الكبرى التي توفر لها سردية قومية توظفها كواحدة من آليات التعبئة ضد الخارج، ووسيلة لصرف الانتباه عن الصعوبات المعيشية في الداخل، وتأتي مشروعات البنية التحتية وسد النهضة في مقدمة هذه المشروعات، وتستند إثيوبيا في ذلك على تحالفات إقليمية توفر لها رأس المال والتمويل بجانب التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

وأخيرا:

وفي النهاية فإن الطموحات الكبيرة التي تحملها دول منطقة القرن الأفريقي لا يمكن أن تتحول جميعها إلى مشاريع نهضة إذا أديرت بعقلية الصراعات، ولذلك يجب القول إنه بمثلما لإثيوبيا الحق أن تحلم بالنهضة وتبحث عن موقع يليق بحجمها ومقدراتها فإن للآخرين الحق نفسه، والطريق الأقصر إلى تحقيق هذه الطموحات هو التوافق الذي يجعل مصالح الجميع ممكنة.

أما إدخال قوى إقليمية معادية إلى منطقة القرن الأفريقي فلن يكون في مصلحة أحد على المستوى البعيد، وكذلك فإن التورط في دعم المليشيات مخاطرة على الجميع، ففي إقليم هش كهذا لا يملك أحد ترف نسيان أن البيوت كلها من زجاج.




السودان يتفكك.. حوار مع النخبة الحائرة


السودان.. تاريخ المسارات الخاطئة والحروب الخاسرة


صراع الشريعة الإسلامية في السياسة السودانية


أهداف ترامب في أفريقيا

ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟