الاثنين، 31 أغسطس 2026

17 اختلافا فاصلا.. هذا ما تملكه تركيا وتفتقده إسرائيل

17 اختلافا فاصلا.. هذا ما تملكه تركيا وتفتقده إسرائيل
كاتب وصحفي تركي.


في خضم التوترات التي تتصاعد بين تركيا، وإسرائيل في الفترة الماضية، نرصد في هذا المقال أوجه الاختلاف الجوهرية بينهما في عدد من النقاط التالية:تتحرك تركيا بإستراتيجية طويلة الأمد، تراعي التوازنات الإقليمية والعلاقات والصداقات والتوترات. وحتى إن بدت وكأنها لا تحقق مكاسب على المدى القصير، فإنها تخرج رابحة على المدى الطويل.

1.تتحرك إسرائيل بشكل تكتيكي. وتكتيكاتها قصيرة الأمد، ولا تراعي التوازنات الإقليمية والعلاقات والصداقات والتوترات. وحتى إن حققت مكاسب على المدى القصير، فإنها تخسر على المدى الطويل.

2. تبني تركيا إستراتيجياتها واضعة في مركزها الحقائق الميدانية للجغرافيا السياسية وقواعد السياسة الواقعية. ولذلك يكون تنفيذ إستراتيجياتها وتحقيق النتائج من خلالها أكثر سهولة.

أما تكتيكات إسرائيل فبعيدة عن الواقع الميداني للجغرافيا السياسية، وتحاول تنفيذ هذه التكتيكات انطلاقا من تفكير ديني سياسي، لا من السياسة الواقعية. وبسبب انفصال أهداف دينية سياسية مثل أرض الميعاد عن واقع الحياة، فإن تحقيقها مستحيل.

3. تضع تركيا في الحسبان، في جميع تحركاتها وخطواتها وخططها، القانون الدولي والمبادئ العالمية والقيم الإنسانية والقواعد الأخلاقية.

أما إسرائيل فلا تراعي القانون الدولي في أي من خطواتها وتحركاتها، وتتجاهل المبادئ العالمية، ولا تكترث بهدم القيم الإنسانية وانتهاك القيم الأخلاقية.
لا تضع تركيا في حساباتها خلال الحروب المادة الخامسة من حلف الناتو أو تحالف الولايات المتحدة معها أو وجود دول أخرى، وتدرك أنها إذا دخلت حربا فعليها أن تخوضها بقوتها الذاتية وأن تكون قادرة على الصمود
4. أسس الأتراك عبر التاريخ 16 دولة وإمبراطورية وجمهورية، ولديهم دول منذ ألف عام بلا انقطاع، ويتحركون بخبرة هذه التقاليد الطويلة في إدارة الدولة ورزانتها وقوتها، ويهتمون بمكانتهم واحترامهم.

لكن إسرائيل ومنذ عام 1948 وهم يفتقرون إلى تقاليد الدولة ومكانتها، ويتحركون بدرجة أكبر بعقلية الأقلية والتنظيم السري.

5. لم تهاجم تركيا أيا من جيرانها أو أي دولة ذات سيادة، ولم تدخل في حرب، ولم تحتل أرض أحد، ولم تتسبب في مقتل أشخاص.

أما إسرائيل، فقد حاربت جميع الذين تشترك معهم في حدود، وهاجمت خلال العامين الماضيين 6 دول مستقلة، وتسببت في مقتل عشرات الآلاف وتهجير ملايين الأشخاص من أراضيهم.

6. تؤمن تركيا بأنه من أجل العيش في سلام ورفاه، يجب أن تكون الدول المجاورة لها مستقرة وآمنة ومزدهرة. ولذلك تنفذ مشروع ممر التنمية من أجل التنمية الاقتصادية للعراق. كما تدافع عن وحدة الأراضي السورية، وتقدم كل أشكال الدعم من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سوريا.

أما إسرائيل، فتؤمن بأنه من أجل أمنها يجب أن تكون الدول المجاورة غير مستقرة وضعيفة وفي حالة من الفوضى. ولا تريد لأي مجاوريها أن يحقق الرفاه الاقتصادي أو الاستقرار السياسي أو يمتلك صناعة دفاعية قوية. ولهذا احتلت لبنان وسوريا، وبذلت جهودا من أجل سوريا مقسمة. ولم تسمح لسوريا، وهي دولة مستقلة، بإنشاء أنظمة دفاع جوي لحماية نفسها أو بتعزيز جيشها.

7. إذا كانت تركيا ستدخل حربا، فإنها تضع خططها اعتمادا على جيشها وصناعاتها الدفاعية وأسلحتها واقتصادها.

أما إسرائيل، فقد اعتمدت في جميع الحروب والصراعات التي خاضتها حتى اليوم إما على جيش بريطانيا أو جيش الولايات المتحدة، وعلى صناعاتهما الدفاعية ودعمهما المالي. ولم تخض أي حرب بإمكاناتها الذاتية.

8. لا تضع تركيا في حساباتها خلال الحروب المادة الخامسة من حلف الناتو أو تحالف الولايات المتحدة معها أو وجود دول أخرى، وتدرك أنها إذا دخلت حربا فعليها أن تخوضها بقوتها الذاتية وأن تكون قادرة على الصمود.

أما إسرائيل، فتضع في حساباتها، أيا كان الطرف الذي تهاجمه، أن الولايات المتحدة ستكون مضطرة إلى دخول الحرب إلى جانبها، وأن بريطانيا أو ألمانيا أو الهند ستساعدها.

إسرائيل، منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية عام 1948، انتهجت سياسة التمييز والقمع والنفي والترهيب والقتل. وهُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وأصبحوا لاجئين. ومنعت المسلمين بشكل تعسفي من ممارسة شعائرهم الدينية في القدس

9. تطبق تركيا عقيدة عسكرية تقوم على تلبية 85% من احتياجات صناعاتها الدفاعية بنفسها، والعمل ليلا ونهارا على زيادة إمكاناتها الذاتية، والسعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.

أما إسرائيل، فتطبق خطة تقوم على استمداد كامل قوتها من الولايات المتحدة، وعدم قدرتها على تلبية احتياجاتها في الصناعات الدفاعية بنفسها، والسعي إلى جعل الولايات المتحدة أكثر ارتباطا بها.

10. تؤمن تركيا بأن الدبلوماسية والتواصل والحوار هي أهم الأدوات لحل المشكلات.

أما إسرائيل، فترى أن الاستخبارات والقوة العسكرية والقوات الجوية والهجوم والصراع هي أهم وسائل الحل.

11. تُعرف تركيا في العالم بأنها دولة تحظى بالاحترام والثقة، وتؤدي دور الوسيط والميسّر ومنتج الحلول في الحروب والأزمات التي يشهدها العالم.

أما إسرائيل، فتُعرف حاليا في جميع أنحاء العالم بأنها الدولة الأكثر كراهية، وبأنها دولة تبدأ الحروب، وتميل إلى الصراع، ولا يمكن الوثوق بها، وتقتل المدنيين.

12. تركيا حاليا دولة تسعى إلى تعزيز تحالفاتها، مثل اتفاق مكة، وصداقاتها، وتبذل جهودا مكثفة من أجل سيادة السلام والاستقرار في المنطقة.

أما إسرائيل، فهي دولة لا تستطيع إقامة تحالفات أو تكوين صداقات، ولا تطور علاقاتها إلا من خلال التهديد والتخويف.

13. تمتلك تركيا ثامن أكبر جيش في العالم وثاني أكبر جيش في حلف الناتو. كما تمتلك أكبر قوة بحرية في البحر المتوسط، وأكبر قوة برية، وأفضل الطائرات المسيّرة. وتنتج بنفسها 85% من احتياجات جيشها.

أما الجيش الإسرائيلي، فلا يمتلك- باستثناء قوته الجوية- قوة عسكرية قادرة على التأثير في التوازنات، ويحاول تعويض هذا النقص بقوته الاستخباراتية، ويعتمد الجيش الإسرائيلي بنسبة 70% على الولايات المتحدة، وبنسبة 30% على ألمانيا.


استقبلت تركيا في أراضيها آلاف اليهود الذين طُردوا من الأندلس عام 1492، وكذلك الذين فروا من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. ولا يزال آلاف اليهود في تركيا قادرين على أداء شعائرهم الدينية بحرية في معابدهم اليهودية وكنسهم
14. يبلغ عدد سكان تركيا 86 مليون نسمة، ويُعرف الأتراك بأنهم شعب عسكري، وبفضل حب الوطن والدفاع عن البلاد والانضباط، تجاوزوا عبر التاريخ العديد من الحروب والأزمات والمصاعب.

أما عدد سكان إسرائيل فيبلغ 10 ملايين نسمة.. وعندما سقطت الصواريخ الإيرانية الأولى على إسرائيل، كانت روابط عشرات الآلاف بوطنهم ضعيفة إلى درجة أنهم حاولوا الفرار من بلادهم. واضطرت السلطات إلى فرض حظر على المغادرة لمنع الفرار.

15. حكم العثمانيون القدس لمدة 400 عام. وخلال هذه الفترة، مارس اليهود والمسيحيون والمسلمون أديانهم كما أرادوا، واستخدموا الأماكن المقدسة بحرية، ولم يتعرض أي منهم للإقصاء أو النفي. وخلال هذه الفترة، لم يقع صراع في القدس، ولم ينشب نزاع بين الأديان.

أما إسرائيل، فمنذ احتلالها الأراضي الفلسطينية عام 1948، انتهجت في هذه الأراضي سياسة التمييز والقمع والنفي والترهيب والقتل. وهُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وأصبحوا لاجئين. ومنعت المسلمين بشكل تعسفي من ممارسة شعائرهم الدينية في القدس، ونفذت مرارا اقتحامات عسكرية للمسجد الأقصى، وتسببت في اندلاع اشتباكات.

كما نال المسيحيون نصيبهم من هذا القمع، ولم يتمكنوا من أداء عباداتهم بحرية. ومنذ عام 1948، لم تتوقف الصراعات في الأراضي الفلسطينية بسبب إسرائيل.

16. استقبلت تركيا في أراضيها آلاف اليهود الذين طُردوا من الأندلس عام 1492، وكذلك الذين فروا من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. ولا يزال آلاف اليهود في تركيا قادرين على أداء شعائرهم الدينية بحرية في معابدهم اليهودية وكنسهم. وتتولى الشرطة التركية حماية هذه الأماكن الدينية والمراكز الثقافية.

أما في إسرائيل، فلا يستطيع الأتراك المسلمون، شأنهم شأن الشعوب المسلمة الأخرى، أداء عباداتهم بحرية. وبدلا من حماية أماكن عبادة المسلمين من جانب قوات الأمن، تُبذل جهود خاصة لهدمها. أما الأتراك الذين لم يتبق منهم حاليا سوى عدد قليل، فيتعرضون، إذا جرى التعرف عليهم، لقمع ومضايقات خاصة من جانب موظفي الدولة الإسرائيلية.

17. تمتلك تركيا تقاليد دولة متعددة الأديان والثقافات والأعراق. وفي جميع الإمبراطوريات والدول التي أُسست وفي الجمهورية، نُظر إلى هذا التركيب المجتمعي المختلط باعتباره مصدر ثراء وتم الحفاظ عليه. وعُيّن كثير من اليهود والمسيحيين في مناصب مهمة بالدولة في عهد الإمبراطورية العثمانية أو الجمهورية، واضطلعوا بأدوار مهمة في المجتمع.
إعلان


أما إسرائيل، فلم تكن في أي وقت دولة متعددة الأديان والثقافات والأعراق. ولم يُشهد في دولتها تعيين شخص من أتباع الديانة الإسلامية أو المسيحية، من غير اليهود، في منصب مهم. وهم يؤمنون بتفوقهم وينظرون باحتقار إلى الهويات العرقية الأخرى.

آمل أن يكون الفرق بين تركيا وإسرائيل قد اتضح جيدا.

سبتة.. ما بين انتقام تل أبيب وعنصرية مدريد

 سبتة.. ما بين انتقام تل أبيب وعنصرية مدريد

لم تكن سبتة في أواخر يوليو مجرد بوابة تدفق منها آلاف الفارين، بل شقًّا انفتح فجأة في جدار المتوسط، كاشفًا ما تخفيه الحدود من استعمارٍ قديم، وصراعاتٍ جديدة، وحساباتٍ إسرائيلية وأوروبية، وشبابٍ يطاردون خلف الأسوار حلمًا بالنجاة وسط عالمٍ مضطرب.

          

تتجاوز التدفقات البشرية التي شهدتها شواطئ مدينة

 سبتة المحتلة في أواخر يوليو الماضي حدود المأساة

 الإنسانية العابرة، لتغدو مرآةً كاشفة لشبكة معقدة من

 الصراعات الجيوسياسية في حوض البحر المتوسط.

 فهذه الهزة الحدودية العنيفة لا يمكن فهمها بمعزل عن

 جذورها الاستعمارية المتواصلة، ولا بعيداً عن هندسة

 الابتزاز التي تقودها الدوائر الصهيونية لمعاقبة

 إسبانيا على مواقفها في مناصرة الحق الفلسطيني،

 وفي الوقت الذي يندفع فيه آلاف الشباب فراراً من

 واقع التهميش والانسداد الاقتصادي في الضفة

 الجنوبية بالمغرب، يكشف التعاطي الغربي مع الأزمة

 عن زيف الشعارات البراقة؛ إذ سارعت العواصم

 الأوروبية إلى استدعاء الخيار الأمني ووصم الوضع بالغزو المنظم، في تأكيد جديد على أن ادعاءات حقوق

 الإنسان تتهاوى فور اقتراب المستضعفين من تخوم

 القلعة الأوروبية وثغورها الاستعمارية.


الإرث الاستعماري

تُشكّل مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان إحدى ملامح

 الاحتلال الجغرافي في عالمنا المعاصر، باعتبارهما

 آخر ثغور الاحتلال الإسباني المباشر في القارة

 الأفريقية، ونقطة التماس البرية الوحيدة مع القارة

 الأوروبية. حيث تخضع مليلية للسيطرة الإسبانية منذ

 عام 1497، فيما خضعت سبتة للسيادة ذاتها منذ عام

 1640، وتكرس ذلك بموجب معاهدة لشبونة عام

 1688. ومنذ أن استعاد المغرب استقلاله عام 1956،

 لم تتوقف المطالبات المشروعة باسترجاع الجيبين

 باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من التراب الوطني، مما

 جعل المنطقة جرحاً نازفاً وبؤرة توتر دائم تطفو على

 السطح مع كل أزمة دبلوماسية، لتكشف عن الإصرار

 الغربي المتواصل على احتفاظه بالقواعد والشرائح

 الاستعمارية قبالة الشواطئ العربية.

ورغم منح المدينتين الحكم الذاتي داخل الهيكل

 الإداري الإسباني عام 1995، إلا أن هذا الواقع

 الهجين أنتج مأزقاً قانونياً وديموغرافياً معقداً؛

 فالمدينتان تظلان استثناءً خارج الاندماج الكامل في

 فضاء "شنغن"، مما حولهما إلى ثغور مراقبة مشددة.

 إلى جانب التوتر الديموغرافي الداخلي في سبتة،

 حيث يتوزع النسيج السكاني بين الإسبان والمواطنين

 من أصول مغربية ومسلمين، حيث يعمل اليمين

 القومي المتطرف في إسبانيا، المتمثل في حزب

 "فوكس"، على تغذية خطاب العنصرية ضد الوجود

 الإسلامي طوال الوقت.

 

تشير المعطيات المتقاطعة إلى دورٍ تخريبي لعبته الدوائر الصهيونية بالتحالف مع قادة اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة لمعاقبة مدريد على مواقفها الشجاعة المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة


انكشاف القلعة الأوروبية

مع صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو الماضي الذي حدّ من عمليات الترحيل الفوري للمهاجرين الواصلين بحراً، وجدت مدريد نفسها أمام انكشاف لوجستي وسياسي تعمّق بتكدس آلاف العالقين. وأمام هذه التدفقات ـ حيث وصلت الأعداد إلى 70 ألفاً من العابرين ـ حدث ارتباك قانوني وسياسي سرعان ما أسقط القناع التبشيري الذي لطالما تدثرت به العواصم الغربية؛ إذ تلاشت ادعاءات التضامن واللجوء الإنساني بمجرد وصول التدفقات البشرية عبر شواطئ "تاراخال" و"بليونش" هرباً من واقع معيشي ضاغط، ليحل محلها المنطق الأمني والردع العسكري.

وفي مشهد يجسد الذعر القومي والتواطؤ الحزبي، تلاقت التيارات السياسية الإسبانية والأوروبية على اختلاف أطيافها خلف المقاربة الأمنية الصرفة؛ حيث زايد اليمين الفاشي على المأساة، بينما سارعت حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية إلى نشر المدرعات واقتياد الفارّين تحت فوهات البنادق. ولم تتوقف ارتدادات هذه العنصرية عند حدود مدريد، بل امتدت إلى عمق الاتحاد الأوروبي في مشهد ينم عن رعب جماعي وعنصرية متأصلة، وهو ما جسدته خطوة حكومة روما بقيادة جورجيا ميلوني بتعليق العمل باتفاقية "شنغن"؛ لتتهاوى أسطورة التضامن الأوروبي سريعاً، وفرض رقابة مؤقتة على الحدود الجوية والبحرية لمنع تسرب المهاجرين إلى أراضيها، مهددة بإقصاء مدريد من فضاء حرية التنقل، وهو الموقف الذي ساندته فنلندا ودول أوروبية أخرى تطالب بتسريع وتيرة الترحيل وتوسيع تفويض وكالات مراقبة الحدود، وهو ما يبرهن في سياق آخر على أن فكرة التضامن الأوروبي هي كذبة كبرى تنهار بمجرد اقتراب المخاطر من حدودها.

انتقام تل أبيب

لا يمكن فهم التوقيت المريب لأزمة سبتة والتدفق البشري الكثيف بعيداً عن التحولات الجيوسياسية المشتعلة في الشرق الأوسط؛ إذ تشير المعطيات المتقاطعة إلى دورٍ تخريبي لعبته الدوائر الصهيونية بالتحالف مع قادة اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة لمعاقبة مدريد على مواقفها الشجاعة المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة. فمنذ اعتراف حكومة سانشيز بالدولة الفلسطينية، وفرضها حظراً شاملاً على تصدير السلاح للكيان الصهيوني، وصولاً إلى منع السفن المحملة بالسلاح نحو إسرائيل من الرسو في الموانئ الإسبانية فضلاً عن حرمان القوات الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية التاريخية مثل "روتا" لشن هجمات استهدفت إيران وحلفاءها، تحولت إسبانيا في نظر تل أبيب وواشنطن إلى استثناءٍ مغرد خارج السرب الغربي، مما استدعى تحريك أدوات الحرب الهجينة لزعزعة استقرارها الداخلي وإحراج قيادتها التزاماً بأسلوب العقاب الجماعي والدبلوماسي.

لم تكن هذه المؤامرة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لتجييشٍ إعلامي وسياسي موثق ونتيجة لتحريض ممنهج وهندسة واضحة سبقت تفجر الأزمة بأسابيع؛ ففي مارس الماضي، دعا "معهد المشاريع الأمريكي" اليميني الرباط علناً لترتيب مسيرة خضراء جديدة نحو سبتة ومليلية لرفع الأعلام وطرد المستوطنين الإسبان، ليتلاقى ذلك مع تقرير صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية الذي اقترح استغلال النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة لدعم الطموحات المغربية عقاباً لمدريد. وتُرجم هذا التحريض تشريعياً بتمرير مجلس النواب الأمريكي بنداً لتمويل المغرب عسكرياً مع الإشارة إلى سيادته على المدينتين، في تقاطعٍ مشبوه تلاقى مع احتفاء الرباط بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتسمية أحد أطول طرقها في الصحراء الغربية باسمه، مقابل ثنائه العلني الذي سبق انفجار الأزمة الحدودية بأيام معدودة.

وفي أوج الأزمة، جاء السلوك الصهيوني ليكشف عن المؤامرة الخبيثة؛ إذ بادر مندوب الكيان الإسرائيلي في الأمم المتحدة، داني دانون، إلى الشماتة بمدريد والدعوة للتركيز على جيوبها الاستعمارية في أفريقيا بدلاً من تقديم دروسٍ في حقوق الإنسان، هذا التماهي الكامل بين التحريض الصهيوني والمصالح الأمنية المغربية يثبت أن أزمة الهجرة لم تكن مجرد حدث إنساني عفوي، بل تم توظيفها واستغلالها سياسياً واستخباراتياً من تل أبيب لمعاقبة سانشيز وإحراجه داخلياً وخارجياً، وقد لخص وزير النقل الإسباني، أوسكار بوينتي، هذه الشكوك العميقة بإعلانه الرافض لأن تتحول إسبانيا إلى "مكتب فرعي لترامب أو نتنياهو"، كاشفاً النقاب عن اقتناع متزايد داخل النخبة الإسبانية الحاكمة بأن بلادهم تدفع ثمن مواقفها الشجاعة تجاه غزة في مواجهة الابتزاز الصهيوني.

عمق الأزمة في البلدين

بعيداً عن التحليلات المجرّدة، تقتضي القراءة المنهجية الرصينة النفاذ إلى عمق الأزمة كما تتجلى داخل البلدين الجارتين؛ ففي إسبانيا كشفت أحداث سبتة عن هشاشة المنظومة الحكومية وازدواجيتها الأخلاقية التي سارعت إلى استدعاء المعجم الأمني والعنصري. ويتلخص هذا المأزق الإسباني الداخلي في بُعدين رئيسين:

* العنصرية المؤسسية والتضييق الميداني: قوبل التدفق البشري بتصاعد لافت في خطاب الكراهية، وتضييقٍ مباشر على الفارين بمنعهم من الحصول على أدنى مقومات الحياة كالمياه والغذاء، في ممارسة تعكس الذعر الديموغرافي وتغليب النزعة الاستعلائية على حساب الحقوق الإنسانية الأساسية.

* التلاقح الحزبي والمزايدة السياسية: انصهرت الفوارق الأيديولوجية بين أطياف المشهد الإسباني؛ إذ تلاقت تحريضات اليمين الفاشي مع مواقف أطراف داخل الائتلاف الحكومي في المطالبة بمعاقبة المغرب واستبعاده من تنظيم نهائيات كأس العالم 2030، مما يؤكد أن العداء للوجود المغربي والإسلامي يظل القاسم المشترك عند استثارة الهواجس الأمنية.

في الضفة الجنوبية، تُشكل هذه الفاجعة مرآةً كاشفةً لعمق الانسداد الاقتصادي والسياسي داخل المغرب؛ إذ إن اندفاع عشرات الآلاف ونبذهم للحدود لا يمكن فصله عن أزمة العدالة الاجتماعية وتآكل الثقة في السياسات المحلية. وتتجسد أبعاد هذا المأزق المغربي في نقطتين:

* الاحتقان السياسي ورفض التطبيع: اقترنت الضائقة الاقتصادية بالتضييق الأمني على الحركات الشبابية، بالتوازي مع السخط الشعبي المتصاعد ضد مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني وقمع التظاهرات التضامنية مع غزة، لتتحول المحاولة الجماعية للعبور إلى انفجارٍ سياسي يعبر عن الرفض المطلق لواقع التهميش والارتهان والارتماء الكامل في حضن الاحتلال الصهيوني.

تبعات ومآلات المشهد

تتجه التداعيات المترتبة على أزمة سبتة الأخيرة نحو إعادة تشكيل الخريطة السياسية والدبلوماسية في كلا الضفتين، حيث لم تعد الأزمة مجرد حادث حدودي عابر، بل صدمة هيكلية تمتد آثارها إلى عمق المؤسسات والتوازنات الإقليمية. ويمكن تفكيك مآلات هذه الأزمة عبر جزئين رئيسين:

أولاً: المشهد الإسباني

* المأزق السياسي للحكومة الاشتراكية: يجد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز نفسه في حقل ألغام سياسي محاطاً بانقسامات داخل ائتلافه الحكومي؛ إذ تضطره الأزمة للموازنة المعقدة بين استعادة نبرة الردع لحماية الثغور الاستعمارية في سبتة ومليلية لإرضاء الشارع الإسباني المتخوف، وبين الالتزام بتقديم تنازلات للرباط لضمان التعاون الحدودي ومع مواصلة تقديم التنازلات الدبلوماسية للمغرب، قد يهدد ذلك ائتلافه الهش ويعزز من فرص صعود اليمين إلى سدة الحكم.

* صعود اليمين الشعبوي: تتيح الأزمة فرصة ذهبية لليمين المتطرف (حزب فوكس كمثال) لاستغلال الهواجس الديموغرافية وتأجيج الخطاب العنصري ضد المسلمين والمغاربة. ويتقاطع هذا الصعود المحلي مع تحريض صهيوني ومساندة من دوائر اليمين في الولايات المتحدة، التي تسعى لمعاقبة مدريد جراء موقفها الشجاع والمبدئي في مناهضة حرب الإبادة في غزة وحظر تصدير السلاح للكيان الصهيوني.

* تآكل التضامن الأوروبي وإرباك الناتو: كشفت الأزمة عن هشاشة التضامن داخل الاتحاد الأوروبي، كما سلطت الأزمة الضوء على الموقف المعقد لحلف الناتو الذي يستثني سبتة ومليلية من مظلته الدفاعية المباشرة، مما يترك مدريد مكشوفة في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.

ثانياً: الشأن المغربي

* الاستحقاقات الانتخابية: عشية انتخابات سبتمبر 2026 التشريعية، تخيم ظلال الأزمة على المشهد المغربي لتضع الشارع أمام مسارين: إما اتساع رقعة العزوف السياسي ومقاطعة صناديق الاقتراع نتيجة فقدان الثقة في الأحزاب الحاكمة، أو اندفاع تيار عارم من التصويت العقابي ضد الأحزاب الحاكمة جراء الفشل التنموي واتساع معدلات الفقر والبطالة.

* استراتيجية الحارس وأوراق الضغط: تبعث الرباط برسالة واضحة مفادها أن لعب دور الحارس المجاني لحماية حدود أوروبا الاستعمارية لم يعد خياراً مقبولاً في ظل غياب التضامن الغربي وإصرار أوروبا على فرض شروط اقتصادية مجحفة. وسيتواصل استخدام ورقة الرقابة الحدودية بشكل تكتيكي لانتزاع مكاسب جيوسياسية وإجبار العواصم الغربية على الاعتراف الصريح بالسيادة الترابية للمملكة.

* مأزق التطبيع والانفجار الشعبي: أظهرت الأحداث حجم الفجوة بين التوجهات الرسمية والشارع؛ إذ جاء الهروب الجماعي للشباب واليافعين كرد فعل على التهميش والانسداد الاجتماعي، بالتوازي مع حالة الغضب الشعبي العارم ضد اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني وقمع التظاهرات الداعمة لغزة.

في الختام؛ فإن أزمة سبتة تفتح الباب عريضاً أمام المستقبل، فارضةً أسئلة استشرافية عديدة: هل تصمد القلعة الأوروبية وسياجاتها العسكرية أمام انفجارات الجنوب المتلاحقة؟، وإلى متى تُرهن قضايا العبور لأجندات الابتزاز الصهيوني والضغوط الأمريكية؟، وهل تملك دول المنطقة الإرادة لكسر المعادلة الاستعمارية والتأسيس لنموذج تنموي وسياسي عادل يُنهي ارتهان شبابها للعيش بالخارج، أم أننا نقف بالفعل على أعتاب مرحلة أشد خطورة تتجاوز أسوار سبتة لتُعيد رسم توازنات المتوسط برمتها؟

مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟

 مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟

 . قـلـم الـتحـرير 

كيف تتشكل نهضة الأمم أو سقوطها عبر تراكمات تمتد لعقود وقرون، ولماذا قد يُساء تحميل جيل واحد مسؤولية نتائج الماضي، وما دور الأفراد في صناعة التحول الحضاري وبناء مستقبل أممهم؟


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

زاوية مُهمَّة في المسيرة الحضارية لأيّ أُمَّة، تتعلق بالصعود أو السقوط الحضاري والأُممي، فالتاريخ بِطُوله وعَرْضه يشهد -بين حين وآخر- ولادةَ دول وأُفولَ أخرى، ويشهد رَغَدًا واستقرارًا في حين أو مكان أو حقبة، ويشهد ضدّها، كما شهد أنواعًا من العقوبات والأخذ لأُمم كثيرة.

ومن التسطيح المقيت نسبةُ بعض النهايات الحسنة أو السيئة في أُمَّة من الأمم إلى جيلها المعاصر لتلك النهايات وحده! وإنما هي في الحقيقة نهايات بَنَتْها تراكماتُ الماضي والماضين، وسار على خطاها اللاحقون، إنها نهايات كانت تُنْسَج أوشحتها وتُبنَى وتُشَيَّد صروحها على مدى العقود أو ربما القرون السابقة، ولكن في غفلة من الأكثرين.

فالآثار الأممية ثقيلة المَحْمَل، بطيئة السير، لا تظهر إلا بعد جيل أو أجيال، بحسب ضخامتها، وقد تتسارع بما هو أقل من ذلك زمنًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]؛ فَتَوَسُّعُ قاعدة الاستقامة على شرع الله في مجتمع، أو انحسارُها؛ سببٌ لجلب أنواع البركات، أو رحيلها شيئًا فشيئًا؛ طردًا وعكسًا، كما قال تعالى: 
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم : «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، ‌إذا ‌كثر ‌الخبث»[1].

فتظهر بعد حين من الزمن نتائج الأعمال الكبرى والمشروعات العظمى الحسنة أو السيئة على مستوى الأُمَّة فما دون: التربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وغيرها من عموم البرامج والمشروعات، والسطحي قصير النظر يظن أنها من نتاج عصره ومعاصريه.

طوفان نوح -عليه السلام- استُحِقَّ على ذلك الجيل، بعد تراكمات السنين؛ ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27]، حتى وصلت الحال إلى طريق مسدود، واستحال الإصلاح المنشود؛ ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾ [هود: 36]، ﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]،

أتدري كم لبث كل نبي في قومه! وهم يُكذِّبونه ويسخرون منه ويستهزئون به! إنها أزمان متطاولة، حتى إذا تراكمت الضلالات، واستحكمت الغواية، وحانت ساعة الصفر، وحق القول بالهلاك العام... حل القضاء، ونزل البلاء، وضاق الفضاء، فلم يُجْدِ النُّصْح، ولم تنفع الحيلة، فأصوات المصلحين كانت تنطلق في الفضاء، وتتهادى للأسماع، ولكن لا مُجيب! فالنخر كان قد بدأ في المبنى منذ وقت مبكّر، واستشرى على مدى الزمن، حتى وصل الأمر إلى نقطة اللاعودة؛ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85]، ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91]، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: 98].

حين نفتِّش في عمق التاريخ سنجد الكثير من الأمثلة، لأقوياء صادقين، وقادة مخلصين، ناؤوا بالحمل على أكتافهم، وقت تصدُّع البناء، وظهور نُذُر البلاء، وأُمّتهم تَخِرّ من السماء، لتهويَ في وادٍ سحيق، ولكن.. بعد فوات الأوان، فقد تفككت العُرَى، وتمزقت الأوصال، وانعدم المُعين أو قلّ، وفُقِد المُؤازِر أو ضلّ، فلا شاعرَ بالمصاب، ولا شاعرَ يصدح بالقصائد والخطاب، ولا مستمعَ لنُصْح أو عتاب، فيبقى هذا العصامي وحيدًا فريدًا، يسبح ضد تيار الفساد البنيوي والانهيار الاقتصادي والضعف العسكري والفساد الأخلاقي والتفكك الاجتماعي؛ ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]؛ فالأمة ترهلت، فلم تعد قادرة على العودة معه إلى الجد، والنفوس تنعّمت، فلم تَقْوَ على متطلبات التقوى! 
فتسقط فوق رأسه دولته، ويتهاوى من حوله مجتمعه، والناس تظنّه هو السبب، ومنه كانت المصيبة والعطب، والأمر لا يعدو أن يكون فيروسًا استشرى في الجسد عبر السنين، غفل عنه أكثر الماضين، وغَذَّاه آخرون، حتى حانت لحظة السقوط والنهاية.

ضابط المخابرات السوفييتي الهارب إلى الغرب عام 1970م يوري ألكسندروڤيتش بيزمينوف له محاضرات في شرح إستراتيجيات تدمير الدول والمجتمعات، دون أن تُطلق رصاصة واحدة، منها محاضرة ألقاها عام 1984م؛ تضمنت ذكر أربع مراحل لتدمير المجتمعات؛ تعنينا منها هنا المرحلة الأولى عبر التركيز على تدمير الدين والأخلاق والترابط الأُسري والمجتمعي في المجتمع المستهدَف، وتكفي 15 إلى 20 سنة لإحداث هذا التغيير المنشود، ثم سَيُدِير المُلوّثون في هذا الجيل بأنفسهم عجلة الإفساد في مجتمعاتهم، كما لن يتقبلوا أي عملية غسل وتطهير وتنظيف، فقد أُصيبوا في وحدة المعالجة المركزية  (Central Processing Unit CPU)[2].

لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- يرى أن علماء وَقْتِه لو صمدوا في فتنة القول بخلق القرآن؛ ما استطاع المعتزلة ولا عصاهم «المأمون فالمعتصم فالواثق»، ولا قدرت سلطاتهم أن تكسرهم، فلو صمد الكبار وأجمعوا على الامتناع، لانتهت المحنة وانقضت الفتنة ووُئِدَت في مهدها، ولكن استجابتهم الواحد تلو الآخر أغرت بالاستمرار وفتحت الباب للتمادي وطول أمد المحنة؛ فاستمرت من المأمون إلى المعتصم فالواثق، ولم تتوقف إلا في عهد المتوكل -رحمه الله-، قال حنبل بن إسحاق بن حنبل، -ابن عم أحمد بن حنبل-[3]: «سمعت أبا عبد الله -وذكر الذين حُمِلُوا إلى الرقة إلى المأمون، وأجابوا وهم سبعة- فذكرهم فقال: هؤلاء لو كانوا ‌صبروا وقاموا لله -عز وجل-؛ لكان الأمر قد انقطع، وحَذِرَهُم الرجل -يعني: المأمون-، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. فكان أبو عبد الله إذا ذكرهم يغتمّ لذلك، فيقول: «هم أول مَن ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا الأمر».

فالسقوط الحضاري والأُممي غالبًا ليس مِن فِعْل المعاصرين وحدهم؛ فالمعاصرون في الغالب هم الحَجَر الأخير الذي بنَزْعه ينهار البرج، فلا يعدو الحاضر أن يكون مجرد إفراز للماضي وامتداد له، وقشَّة أُضيفت إلى ظهر البعير المُنهَك والمُحَمَّل أعباءً فقَصَمته، ولذلك نجد في التاريخ حُكامًا وولاة أقوياء، يكون قَدَرُهم أن يظهروا زمن الانحدار، ولا يألون جهدًا في النهوض، ولكنّ الحِمْل ثقيل، والركام هائل، فلم يستطيعوا الإنقاذ، فواصل المبنى انهياره.

‌‌ والأمر نفسه يقال في نهضة الأمة وتمكّنها وعزّها ورخائها وأمنها، فإنه يُبنَى عبر عقود أو قرون؛ ففتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي سبقته جهود جبارة في إعادة الأُمّة إلى العلم والعمل؛ فالمدارس النظامية[4] -على ما فيها من انحراف عقدي بحسب السائد وقتها-، قد انتشرت في شرق العالم الإسلامي ووسطه على مدى قرن ونصف القرن قبل هذا الفتح المجيد.

ولربما امتد الرخاء والأمن في أُمَّة أو دولة رغم توقف أسبابه! لأن آثار هذا التوقف ليست فورية فلن يشهدها هذا الجيل، ولن تظهر إلا بعد حين!

وعلى المستوى الأدنى... فما أكثر ما يُظلَم مسؤولٌ أحرق نفسه بالعمل الجاد والبناء والتأسيس والتأصيل، ثم يرحل من مكانه ذلك لأيّ سبب، ليأتي بعده مسؤول (ناعس) يَدُور على تلك المشروعات مصحوبًا بمراسم الافتتاح والإطلاق، لتُصَبّ في رصيده الفارغ أصلاً، وتُدَوَّن ضمن سيرته الذاتية، وتحسب تلك الإنجازات الضخمة ضمن مسيرة عصره الزاهر! والمضحك المبكي أنه قد لا يعرف الكثير عن الكثير منها.

والأسوأ حالاً أن ترى هذا الصنف يحارب أسباب النجاح التي قَعَّدها وأَصَّلها السابقون بعرق الجبين وسهر الليالي، وهو الذي يتفيأ ظلالها اليوم، وينعم بآثارها ومنجزاتها، ويهدب ويقطف من ثمارها! مستعيدًا قصة ذلك الأحمق الذي اعتلى شجرة سامقة، وامتطى غصنًا غليظًا منها، وبدأ ينشر الغصن مما يلي الشجرة.. ليسقط على أُمّ رأسه، ويلحقه غُصنه ومنشاره.

ومن الطرائف الحقيقية الشاهدة لهذا أن مقرًّا عسكريًّا فُرِضَ عليهم في إحدى الحروب رباطٌ، ولكن في مُجَمّعهم السكني مع أهاليهم (تحت الطلب)؛ فكانت هناك إنجازات (اجتماعية) لم يظهر أثرها الواضح إلا بعد ست سنوات، حين اضطروا داخل هذا السكن لفتح فصل إضافي آخر للصف الأول الابتدائي!! لاستقبال القادمين إلى الحياة، من آثار ذلك الحجر أو الرباط! ثم عادت المياه إلى مجاريها في العام القادم بالاكتفاء بفصل واحد!

فهل نجعل مِن أنفسنا لبنة في بناء الأمة وحلقة في سلسلة مَجْدها ونهضتها، علم ذلك مَن عَلِمه، وجهله من جهله، ما دام الله -تبارك وتعالى- يعلمه، فلقد قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- في الذَّبّ عن عِرْض النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجاء مشركي مكة:

هَمَّت سخينة أن تُغالِب ربّها

فَلَيُغْلَبَنَّ مُغالِب الغلّاب

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أمَا إن الله لم يَنْسَ لك ذلك».[5]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

[1] أخرجه البخاري في أربعة مواضع: (3168، 3403، 6650، 6716)، ومسلم: (2880).

[2] في كتابه: «ذكر محنة الإمام أحمد» (34).

[3] انظر: مجلة البيان، العدد: (473) في 29 من ذي الحجة 1447هـ.

[4] المدارس النظامية هي المدارس التي أُسِّست في عهد الدولة السلجوقية، أسَّسها الوزير الشهير نظام الملك (الحسن بن علي الطوسي) في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). سُمِّيت بهذا الاسم نسبةً إليه؛ لأنه أول مَن خطَّط لها، وأنشأها، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة.

[5] أخرجه الحاكم (6065)، وقوَّاه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1970).

أنا بلا قطيع

 أنا بلا قطيع




الفراغ الأيديولوجي... أم النجاة من الاستعباد الفكري؟!

في مجتمعاتنا، يُنظر إلى الإنسان الذي لا يحمل راية فكرية واضحة وكأنه كائن ناقص التكوين، مشروع إنسان لم يكتمل بعد، أو شخص تائه ينتظر من يقوده إلى «الحقيقة المطلقة». 

فإن لم تكن يسارياً اتُّهمت بالضبابية، وإن لم تكن محافظاً وُصفت بالانفلات، وإن لم تكن منتمياً لقبيلة الفكرة أو مذهب الجماعة أو حزب المصالح، أصبحت متهماً بمرضٍ اجتماعي جديد اسمه: الفراغ الأيديولوجي.

لكن، ماذا لو كان هذا «الفراغ» ليس جهلاً كما يُروَّج له؟ ماذا لو كان في بعض الأحيان أعلى درجات النجاة؟

أنا أكتب... ولاأزال أبحث عن ذاتي. لا أكتب لإرضاء أقصى اليسار، ولا لأصفق لأقصى التشدد، ولا لأُطرب أولئك الذين يحوّلون الأفكار إلى أصنامٍ مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. 

أكتب لأن الكتابة بالنسبة لي ليست هواية عابرة، بل طقس نجاة. 

أكتب لأنني أستمتع حين أكتب، ولأن رأسي حين يهدأ فوق الوسادة آخر الليل، أشعر بأنني قد أفرغت شيئاً من ضجيج هذا العالم، من الأسئلة الثقيلة، من الفوضى التي يصنعها بشرٌ يصرّون على ارتداء اليقين حتى وإن كان مثقوباً.

ولأنني أكتب، بدأت أتساءل: من أنا؟ بأي لونٍ فكري أرسم؟ أي وصفٍ يليق بي؟ هل يجب عليّ أن أكون شيئاً محدداً كي أُرضي القارئ؟ هل الإنسان ناقصٌ ما لم ينضم إلى قطيعٍ فكري يصفق معه، ويغضب معه، ويكره معه؟

الحقيقة المؤلمة أن مجتمعاتنا لا تخشى الفراغ الأيديولوجي بقدر ما تخشى الإنسان الذي يفكر وحده.

فالإنسان الذي لا يُستقطب... يُربك الجميع.

ذلك الشاب الذي لم يقع أسيراً لقبيلةٍ سياسية، ولم يبتلع خطاباً دينياً بلا تفكير، ولم يسمح لمصالح الآخرين أن تستأجر عقله... يبدو دائماً مشبوهاً في أعين أصحاب المشاريع الكبرى. 

لأن العقل الحر لا يُستخدم بسهولة، ولا يُقاد بالعاطفة، ولا يركض خلف الصيحات كجوادٍ أُلبس لجامه وأُطلق نحو غنائم لا تخصه.

ولنكن صرحاء حدّ الإزعاج...

كم شابٍ استُخدم باسم القبيلة؟

أُقنع أن ولاءه الأعمى «فزعة»، بينما كان مجرد جسرٍ بشري لعبور طموحات ابن القبيلة الباحث عن النفوذ والمقعد والامتيازات؟!

كم إنسانٍ فارغ فكرياً جرى تعبئته مذهبياً أو دينياً حتى تحوّل من إنسان بسيط إلى مقاتلٍ نفسي يخاصم المجتمع، مقتنعاً أن طريق الجنة يمر عبر خدمة أجندات الأرض؟!

كم شخصاً صُنع منه خصمٌ لفئةٍ أخرى فقط ليشعر بأنه «الأرقى» و«الأكثر استحقاقاً»، بينما كان في الحقيقة مجرد أداة تُستخدم لإرضاء نخبةٍ تتغذى على الانقسام؟!

وكم مستثمرٍ صغير جرى دفعه -بوعي أو دون وعي- لضرب مستثمر أصغر منه، كي يلتهم الحوت الأكبر السوق بهدوء، تاركاً خلفه عائلات تتآكلها الديون وأحلاماً تُدفن تحت ركام المصالح؟!

المشكلة ليست في وجود الأفكار، بل في طريقة تسويقها.

الفكرة في هذا الزمن لم تعد دائماً مشروعاً أخلاقياً أو معرفياً... بل تحوّلت أحياناً إلى سوق نخاسة حديثة، يُباع فيها الإنسان على هيئة ولاءات. مرة باسم الوطنية، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الحرية، ومرة باسم النخبة، بينما النتيجة واحدة: مصادرة العقل الفردي.

وهنا يبرز السؤال الذي نخاف منه أكثر من أي شيء:

لماذا لا نُشخّص الحالة كما هي؟

في الطب يقولون: «التشخيص الدقيق هو البوصلة التي تحدد مسار الشفاء». فلماذا نصرّ اجتماعياً على تجميل العلل؟ لماذا نخاف من الاعتراف بأننا أحياناً نصنع أجيالاً تُعبَّأ أكثر مما تُعلَّم؟ تُحرَّض أكثر مما تُثقّف؟ تُقاد أكثر مما تُفكّر؟

لست من دعاة فوضى فكرية، ولست ضد الدين، ولا ضد القيم، ولا ضد الانتماءات الطبيعية. لكن ضد أن يتحول الإنسان إلى وقود مجاني لحروب الآخرين، أو إلى حطبٍ يُلقى في نار المآرب الحزبية والفئوية والمصلحية.

أنا لا أخاف على الشباب من الفراغ الأيديولوجي بقدر خوفي عليهم من الامتلاء الكاذب.

ذلك الامتلاء الذي يجعل الشاب يردد شعارات لا يفهمها، ويقاتل معارك لم يخترها، ويدافع عن أشخاص لن يتذكروا اسمه حين تنتهي المعركة.

ولعلّ هواية بسيطة، قراءة كتاب، رياضة، كتابة، سفر، أو حتى شغف يبدو «تافهاً» في نظر المجتمع ... أكثر نفعاً أحياناً من عقلٍ تمت مصادرته بالكامل لصالح شيخ فكرة، أو زعيم تيار، أو تاجر نفوذ.

في النهاية...

لكل إنسان أن يختار فكره، وأن يقترب ممن يشاء، ما دام لم يتحول اختلافه إلى كراهية، وقناعته إلى عصا، وإيمانه إلى وسيلة لإلغاء الآخرين.

فالإنسان ليس رقماً في قطيع، وليس مشروعاً تابعاً، وليس حطباً لمعركة أحد.

وفي زمن الضجيج الفكري... ربما تصبح أعظم شجاعة أن تقول بهدوء:

أنا أبحث عن ذاتي... لا عن قطيع.

X:jzaband

الأحد، 30 أغسطس 2026

رسالة إلى الملثّم: نخجل من ذكراك

رسالة إلى الملثّم: نخجل من ذكراك








مرّت الذكرى الأولى لاستشهاد الملثّم، الصوت الذي أيقظ أمّةً من موت أنفق حكّامها كثيراً من المال في صناعته، لكي تبقى الشعوب محبوسةً بين جدرانه الأربعة: 

الاستبداد والخوف والعجز والتفاهة، بما يكفي (ظنّاً منهم) لانسحاب فلسطين من جدول الاهتمامات الرئيسة لدى المواطن العربي.

أحيا "طوفان" المقاومة في 7 أكتوبر (2023) الأمّة من غفلتها/ موتها الاختياري، وأحيا صوتك أيّها الملثّم إعلاماً شاخ وذبل، ووضع الحكّام في مرآة الشعوب، وأظهر أنّ عقوداً من التغييب والتخدير والتغفيل لم تنجح في إجبار المواطن العربي على الاستقالة من القضية المحورية، وربّما يفسّر هذا مرور الذكرى الأولى لاستشهادك من دون أن تحتفي بك الفضائيات التي أعاد لها الحياةَ صوتُك الذي كانت تترقّبه وتنوّه عن قدومه مرّة واثنتَيْن وعشراً، ذلك أنّ المناخ تقلّب والتاريخ انقلب، وعادت إمبراطورية القرصنة الأميركية بقيادة دونالد ترامب لتكون قبلة النظام العربي، والمرجع الرسمي والوحيد لعلاقته بموضوع غزّة، بعد أن منحوه الولاية والوصاية عليها، فبأيّ وجه يحتفي هؤلاء بذكرى قافلة الشهداء؟

لم يتذكّرك أحد إلّا الإنسان العربي البسيط الأصيل الذي لا يزال محتفظاً بقلب يقظ ووجدان سليم، ذلك الإنسان الذي يعافر كي لا يستسلم لطوفان مضادّ من التصهين. 
أنت تعرف هذا الإنسان، ولعلك تذكر أنّه في الشهر الثالث من العدوان على غزّة، كنت قد اختفيت صوتاً وصورة لأسابيع روّج خلالها العدو وكارهو فكرة المقاومة أنّك لن تظهر مرّة أخرى، فخرجت عليهم في اليوم العاشر من ديسمبر/ كانون الأوّل 2023، لتتدفّق شلّالات من السعادة تغمر كلّ بيت عربي، تعبيراً عن شوق وقلق هائلين. 
اعتُبر وقتها أنّه لم يكن شوقاً لنجم جماهيري، بقدر ما هو ظمأ شديد لكلمات تُطمئن الناس على المقاومة وقدرتها على البقاء والصمود واجتراح مزيد من المعجزات القتالية والبطولات الشحيحة في هذه المرحلة القاحلة من تاريخ الأمّة.

الآن، يا صديقي، لم يعد أحد يتذكّر المقاومة، وإن تذكّرها لا يجرؤ على الجهر بالانحياز لها، وإن تجرّأ فإنّه في مرمى العقوبات الأميركية، أو متّهم من سكّان حظائر التصهين بأنّه ليس عربياً. 
هل تعلم يا حبيب الأمّة أنّ هناك من يحتفل بتجريد المقاومة من سلاحها باعتباره منتهى الحكمة وعين العقل؟ 
لقد صفّق بعضهم لبدء تولّي مجلس السلام حكم غزّة، برئاسة الداعم الأوّل والراعي الرئيس لجريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، دونالد ترامب، الذي بات المعيار السياسي والأخلاقي لكلّ قضايا الرسميين العرب، في دول الطوق، سورية ولبنان ومصر والأردن، وفي غير دول الطوق أيضاً. 
هو صاحب الحلّ والعقد، والملجأ الوحيد لأنظمة تستبدّ في التقارب مع الاحتلال بالقدر ذاته الذي تستأسد فيه على المقاومة، مشروعاً وفكرةً وقيمةً وطنيةً، ومعها طائفة الخبراء الاستراتيجيين الذين يتحدّثون عن فضل الرئيس ترامب، ويلعنون سادة المقاومة في جملة واحدة.
لقد كنت، يا صديقي، آخر حبّة في عقد شهداء المقاومة الكبار، ذلك أنّه بعد استشهاد إسماعيل هنيّة ويحيى السنوار وحسن نصر الله ومحمّد الضيف، لم يبقَ أحد سواك في مواجهة ماكينات الدعاية السامّة التي روّجت أنّ المقاومة انتهت بعد أن تلقّت ضربات قاضية، فقد كان ظهورك وحده يكفي لينفض عن الأنفس المتعبة غبار الإحباط وفقدان الأمل، لتتواصل تلك الحالة من التبنّي والاحتضان لما يمثّله صوتك، وكأنّ جماهير الأمّة كانت تحارب بقلوبها وألسنتها مع أبطال المقاومة على أرض غزّة، وتعتبرك، ليس فقط الناطق باسم المقاومة، بل رمز هذه الجماهير وزعيمها المُنتخَب انتخاباً حرّاً وأخلاقياً ووجودياً.

نعلم أنّ ملثّماً آخر يحمل اسمك الأحبّ "أبو عبيدة" قد حمل الراية بعدك، ونثق في أنّه على دربك، لكنّه جاء للأسف الشديد في زمن يكره المقاومة ويلعنها، ولا يتّسع فضاؤه الإعلامي لصوتها، ولذلك كلّه، وغيره، نحن نخجل من ذكراك، تماماً كما نخجل من "طوفان الأقصى"، كما فهمناه منك وكما شرحته لنا: 
معركة في طريق الحلم الأكبر والهدف الأسمى: معركة التحرير، والكفاح من أجل استعادة الأرض والتخلّص من احتلال هو الأكثر خسّةً وبشاعةً في التاريخ. 
كنّا بصوتك نملك اليقين بأنّ الطوفان ليس آخر المعارك، كما كان يهذي الكيان الصهيوني وهو يتحدّث عن أحلام اليوم التالي لتوقّف الحرب، ويسوّق لمرحلة ما بعد القضاء على المقاومة الفلسطينية، وما تُسمّى "ترتيبات" تفصيل السلطة الفلسطينية المسيطرة على قطاع غزّة، وفقاً لمقاسات الاحتلال وعلى هواه.
كنّا نرفض ذلك كلّه، لأنّ صوتك وحده يكفينا للتشبّث باليقين، غير أنّ الواقع يقول إنّ حكّامنا فوّضوا ترامب لكي يلبّي كلّ أحلام العدو في غزّة.

نحن سيّئون بما يكفي للخجل من ذكرى الشهيد.

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة
 






محمد جمال عرفه..
كاتب صحفي ومحلل سياسي

لما حضرتك تستسهل وتروح تبحث عن (مجازر غزة) أو (إبادة غزة) على مواقع الذكاء الصناعي خصوصا الموقع الأميركي (تشات جي بي تي) وتنقل هذه المعلومات عنه كما هي سوف تكتشف أن إسرائيل – وليس جي بي تي- ضحكت عليه.. كيف؟!

الصهاينة لم يكتفوا بتمويل حملات دعاية ضمن ما يُسمى عندهم بالعبرية (الهاسبارا) ولكنه يحاولون بكل طريقة ممكن التدخل في الذكاء الصناعي وتلقينه معلومات مزيفة عن مجزرة غزة تتضمن روايتها هي لما جرى.. يعني تروي لك أن (إرهابيين) من حماس هاجموا إسرائيل وقتلوا (أطفال رضع) وأحرقوهم و(اغتصبوا) الإسرائيليات وكل هذه معلومات كاذبة غير صحيحة ليبرروا في النهاية أنهم (دافعوا) عن أنفسهم وذهبوا غزة ليقتلوا (الإرهابيين)!!

الجديد الذي تحدثت عنه صحف “الجارديان” البريطانية و”يديعوت احرونوت” الإسرائيلية هو أنه لمزيد من اقناع جمهور “تشات دي بي تي” بأن ما ينشرونه (حقيقي) وليس (مزيف) هو أنه وصل بهم الفُجر لحد اختلاق وفبركة معهد أبحاث أوروبي وهمي سموه (معهد هانوفر للسياسات العامة) ومولوه كي ينتج مواد يتم تغذية الذكاء الصناعي بها للتلاعب بمعلوماته وتبرئتها من مجازر غزة؟

الدولة الصهيونية قامت بهندسة روايتها لمجازر غزة داخل “تشات جي بي تي” عبر مركز الأبحاث الوهمي هذا لدرجة أن معهد “هانوفر” الوهمي نشر 124 تقريرا و560 ألف كلمة تتضمن معلومات مفبركة عن العدوان على غزة في 9 أيام بهدف السيطرة على إجابات الذكاء الاصطناعي حين تدخل حضرتك وتسأل جي بي تي مثلا عن غزة بحسن نية!!

انتبهوا وخدوا بالكم.. حتى “الغراب” يقف فوق علم إسرائيل لينبهكم.

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟




حلمي الأسمر
"الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه"

سؤال يقلب الموازين: لماذا يظل مستخدم "فيسبوك" في القاهرة أو عمّان يظن أنه "يتواصل" بينما بياناته تُستخدم لتحديد أهداف الطائرات الإسرائيلية؟

الإجابة
ليست في غرفة مظلمة، بل في تاريخ الإنترنت ذاته، وفي عقود من التمويل العسكري، وفي صفقات سرية كشفت عنها وثائق سنودن واعترافات رؤساء شركات مثل "أوراكل". 
الحقيقة أن ما نحمله في جيوبنا ليس مجرد هاتف، بل هو محطة استشعار متنقلة في شبكة حرب عالمية، تصميمها الأساسي لم يكن للتواصل الإنساني، بل للبقاء بعد النووي ولمراقبة البشرية جمعاء.

المولد العسكري للإنترنت: لم تكن "هدية مجانية"

قبل أن يصبح الإنترنت تطبيقات وأسهماً في البورصة، كان مشروع "أربانت" الذي مولته وكالة "داربا" (ذراع البحث العسكري في البنتاغون). كان الهدف الوحيد: إنشاء شبكة اتصالات لا تتعطل حتى لو ضربت صواريخ نووية بعض مراكزها. التقنية التي نستخدمها الآن ولدت في مختبرات الحرب الباردة، ولم تولد في مرائب السيليكون فالي.

كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي

ما معنى ذلك؟
معناه أن الشيفرة الأساسية التي تشغّل كل تطبيق، وبروتوكولات نقل البيانات، وأنظمة التوجيه، جميعها مملوكة فكرياً للجيش الأمريكي، ولم تُمنح للقطاع الخاص مجاناً، بل بيعت له مقابل صفقة واحدة: الوصول المستمر إلى كل بيانات المستخدمين حول العالم. هذا ليس "نظرية مؤامرة"، بل هو النموذج التشغيلي الموثق في عقود "بريزم" و"إكس كي سكور" وغيرها!!

من "بريزم" إلى "مينتا": العلاقة العضوية بين وادي السيليكون وغرف العمليات

عندما كشف إدوارد سنودن في 2013 عن برنامج "بريزم"، أوضح أن شركات مثل جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل وياهو كانت تزوّد وكالة الأمن القومي ببيانات مستخدميها بشكل منهجي. لم يكن ذلك "انتهاكاً"، بل كان امتثالاً لقوانين فيدرالية تُلزم هذه الشركات، لأنها في الأساس بنية تحتية وطنية للولايات المتحدة.

السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ 
تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي:

- مشروع "نيمبوس" (غوغل وأمازون) زوّد الحكومة الإسرائيلية بسحابة رقمية عملاقة، تستخدم الآن لتخزين وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة والاستهداف.

- مشروع "مينتا" السري بين أوراكل وسلاح الجو الإسرائيلي، وهو المشروع الذي اعترفت رئيستها التنفيذية السابقة "صفرا كاتز" بأنه وفّر تكنولوجيا "مخيفة بشكل عميق" للجيش، ورأت فيه موظفيها بالزي العسكري في غرفة عمليات "الكرياه (مبنى وزارة الدفاع) بتل أبيب، ووصفته بـ"أكثر لحظات حياتها فخراً".

الربط هنا لا يحتاج إلى تأويل: البنية السحابية ذاتها التي تدير تطبيقاتك، وتُخزّن صورك، وتحلل تفضيلاتك، هي ذاتها التي تُستخدم الآن لتحليل خرائط التموضع في غزة، وتحديد أنماط الحركة، وتسريع قرارات القصف. أنت عندما تفتح "جوجل ماب" تُعلّم الخوارزميات كيف تقرأ المدن، وهذا التعليم يُعاد استخدامه عسكرياً!

الفلسطيني يموت مرتين: مرة بالقنبلة، ومرة بالبيانات

الحرب على غزة والإبادة الجماعية المستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالتوافق مع "هندسة التجويع" لم تكن مجرد قنابل، بل كانت معركة خوارزميات. الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" و"غوسبلي" لتوليد أهداف من بين مئات الآلاف من عناوين الهواتف المحمولة، بناءً على أنماط سلوكية رقمية تُجمّع من السحابة. البيانات التي تضعها عن نفسك عن غير قصد تُترجم إلى "اشتباه" قد يتحول إلى نقطة حمراء على شاشة طيار مسيّر.

وهنا تكشف المفارقة العربية الأكثر مرارة: المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً.

من يملك السحابة يملك القرار: درس الصين الذي لم نتعلمه

الصين التي اتهمت بـ"الرقابة" كانت تفعل شيئاً أعمق: كانت تفك الارتباط ببنية تحتية معادية. أنشأت نظامها الملاحي "بي دي إس" بدل "جي بي إس"، وطورت منصاتها السحابية والذكاء الاصطناعي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ليس لأنها تخاف من التجسس فقط، بل لأنها أدركت أن السيادة الرقمية هي السيادة السياسية.

على النقيض، تفتح الدول العربية اليوم أحضانها لأوراكل وأمازون لبناء "مدن ذكية"، وتسليمها مفاتيح بيانات مواطنيها، بينما توقّع هذه الشركات في الوقت نفسه عقوداً عسكرية مع الكيان الصهيوني. لا يمكن أن تكون "شريكاً مدنياً" في القدس و"شريكاً عسكرياً" في تل أبيب بنفس الوقت، دون أن يكون ضميرك ميتاً، أو دون أن تكون فلسفتك في التنمية هي مجرد استهلاك!

ماذا نفعل؟ بين المقاطعة والبناء

هذه ليست دعوة لكسر الهاتف، فهذا لن يغيّر شيئاً. الدعوة هي:

أولا: وعي مؤسسي: على الحكومات العربية أن تدرك أن استضافة السحابة على أراضيها لا تعني السيادة عليها، السيادة تعني القدرة على تشغيل الأنظمة الحيوية دون الرجوع إلى مزود خارجي.

ثانيا: بدائل عربية مفتوحة المصدر: دعم النظم العربية الناشئة التي تطور بدائل للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، حتى ولو كان حجمها صغيراً، لأن البدايات الصغيرة هي التي تنمو.

ثالثا: ضغط مدني منظم: طرح أسئلة واضحة على الشركات العاملة في المنطقة: هل تبرم عقوداً عسكرية مع إسرائيل؟ هل تسمح باستخدام بنيتها في عمليات استهداف؟ ماذا تفعل لمنع ذلك؟

المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً

رابعا: إعادة تعريف العلاقة الشخصية: ليس إلغاء الهاتف، بل تقليل التسريب الطوعي. إيقاف الإشعارات ليس فقط للراحة النفسية، بل تقليل نقاط البيانات التي تمنحها للخوارزميات، ولو استطعت أن تحذف تطبيقات ما يسمى "التواصل الاجتماعي" من هاتفك وإبقائها على جهاز الحاسوب، فهذا أفضل، لأنك بهذا تمنع تدفق المعلومات لمن يرصدك وفي "الوقت الفعلي" ولمن يستعمل حركاتك وسكناتك لتغذية بنك معلوماته!!

الخلاصة: الهاتف ليس بوابتك للعالم.. بل هو سلسلة البنتاغون حول عنقك

عنوان هذا المقال ليس استفزازياً بل وصفياً دقيقاً. البنتاغون هو الذي مول التقنية، ووضع شروطها، وفرض قوانينها، وأعاد توزيعها كامتيازات لشركات خاصة. وهذه الشركات هي التي تبيع الآن البنية ذاتها للعدوان الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وفي كل مكان. الهاتف الذي تلمسه كل صباح ليس أداة محايدة؛ إنه طرف في شبكة تجنيد إلكتروني.

غزة وفلسطين كلها، لم تتعرض للعدوان بالقنابل وحدها، بل لأن العالم العربي (أيضا) ظل مستهلكاً رقمياً، ولم يتحول يوماً إلى منتج للسيادة الرقمية. لذلك، كل نقرة على الشاشة، كل صورة تحملها، كل موقع تسجله، كل رسالة ترسلها، تتحول في الطرف الآخر إلى ذخيرة. فإما أن نعيد تعريف علاقتنا بهذه الأدوات، وإما أن نظل نُذبح مرتين: مرة بالحديد، ومرة بالسيليكون!

الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه. تحرير فلسطين يبدأ، اليوم، بتحرير بياناتنا من قبضة من يحاربنا بها!