
ألطاف موتي
- نهاية الإنترنت البشري؟ كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي بناء الويب حول الآلات
على مدى ثلاثة عقود، بني الإنترنت على افتراض أساسي واحد: أن البشر هم من سيستخدمونه. كان الناس يبحثون عن المعلومات، ويقرؤون المقالات، ويشاهدون مقاطع الفيديو، ويقارنون بين المنتجات، وينقرون على الإعلانات، ويزورون المواقع الإلكترونية. ولذلك، صمم جزء كبير من الاقتصاد الرقمي حول جذب انتباه البشر. لكن هذا الافتراض بدأ يواجه تحديا مع الصعود السريع لوكلاء الذكاء الاصطناعي.
ووكلاء الذكاء الاصطناعي لا يكتفون بالإجابة عن الأسئلة؛ فهم يستطيعون البحث، وتصفح المواقع، ومقارنة المعلومات، وملء النماذج، وإدارة المهام، بل وتنفيذ المعاملات بصورة متزايدة نيابة عن المستخدمين. وفي سبتمبر/أيلول، طرحت شركة "أوبن إيه آي" قدرات جديدة للوكلاء المستقلين، صممت لتمكينهم من متابعة أهداف وتنفيذ مهام عبر تطبيقات مختلفة، فيما تعمل شركات أخرى على تطوير أنظمة قادرة على التخطيط للرحلات، وشراء المواد الغذائية، وإدارة الاشتراكات.
الويب أصبح يضم جمهورا آخر سريع النمو. وهذا الجمهور لا يتصفح الإنترنت بالطريقة التي يتصفح بها البشر؛ فهو لا يهتم بتصميم الصفحة أو الإعلانات أو التمرير بين المحتويات. إنه برمجيات تعمل نيابة عن البشر
من محركات البحث إلى المستخدمين الآليين
كانت محركات البحث التقليدية تنقل الناس من موقع إلكتروني إلى آخر. وكان المستخدمون يفتحون الروابط، ويقرؤون مصادر مختلفة، ثم يقررون بأنفسهم ما الذي يصدقونه أو يشترونه. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي، فتغير هذه العملية من خلال جمع المعلومات وعرضها داخل الواجهة نفسها. وقد يحصل المستخدم على إجابة مركبة دون أن يزور معظم المواقع التي استقيت منها المعلومات.
لكن المرحلة التالية أكثر أهمية؛ فالوكلاء القائمون على الذكاء الاصطناعي يستطيعون التفاعل مباشرة مع المواقع الإلكترونية وتنفيذ إجراءات فيها، بدلا من الاكتفاء باسترجاع المعلومات. وتصف شركة "كلاودفلير" هذه الأنظمة الآن بأنها جمهور ثان للإنترنت، وتقول إن الطلبات الصادرة عن وكلاء الذكاء الاصطناعي على شبكتها ارتفعت بأكثر من 1700% خلال العام الماضي. كما أفادت بأن أكثر من نصف حركة المرور على شبكتها أصبحت، للمرة الأولى، غير بشرية.
وهذا لا يعني أن البشر اختفوا من الإنترنت، لكنه يعني أن الويب أصبح يضم جمهورا آخر سريع النمو. وهذا الجمهور لا يتصفح الإنترنت بالطريقة التي يتصفح بها البشر؛ فهو لا يهتم بتصميم الصفحة أو الإعلانات أو التمرير بين المحتويات. إنه برمجيات تعمل نيابة عن البشر.
أزمة الويب المفتوح
يخلق هذا التطور مشكلة اقتصادية خطيرة أمام المؤسسات الصحفية. فإذا قرأ نظام للذكاء الاصطناعي مقالا، ثم قدم للمستخدم المعلومات الأساسية الواردة فيه، فقد لا يزور المستخدم الموقع الأصلي على الإطلاق. وهنا يخسر الناشر زيارة الموقع، وربما يخسر أيضا إيرادات الإعلانات أو الاشتراكات أو الأنشطة التجارية المرتبطة بها.
وتظهر الضغوط بالفعل؛ فقد أظهرت بيانات شركة "تشارتبيت"، التي أوردتها "أكسيوس" (Axios)، تراجعا ملحوظا في حركة الإحالة القادمة من محركات البحث التقليدية، ولا سيما بالنسبة إلى المؤسسات الصحفية الأصغر. ولم تتمكن حركة الوصول الناتجة عن أدوات الذكاء الاصطناعي حتى الآن من تعويض هذه الخسائر بالكامل. كما أفادت "أكسيوس" في وقت لاحق بأن حركة المرور إلى المواقع الإخبارية تتراجع مع انتقال المستخدمين من محركات البحث والمنصات الاجتماعية التقليدية إلى واجهات الذكاء الاصطناعي.
وهذا يطرح سؤالا جوهريا: من سيدفع ثمن الصحافة والخبرة اللتين تستخدمهما أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ فإذا كانت ملايين المواقع تقدم المعلومات للآلات، لكنها لا تحصل في المقابل إلا على قدر ضئيل من الزيارات أو الإيرادات، فقد تتعرض القاعدة الاقتصادية التي يقوم عليها الويب المفتوح للضعف.
قالت شركة "فيزا" إن المعاملات التي يبدأها وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى فئة رئيسية في عالم المدفوعات، فيما تختبر شركات البيع بالتجزئة طرقا مختلفة للسماح بعمليات الشراء المستقلة أو تقييدها
المواقع الإلكترونية تقاوم
بدأ أصحاب المواقع الإلكترونية يطالبون بقدر أكبر من السيطرة على وصول الآلات إلى محتوياتهم. فبعضهم يريد لأنظمة الذكاء الاصطناعي اكتشاف محتواه، انطلاقا من الفرص الجديدة التي يمكن أن توفرها هذه الأنظمة في مجال التوزيع والوصول إلى الجمهور، بينما يريد آخرون منع الوصول الآلي لأن نموذج أعمالهم يعتمد أساسا على الزوار البشر.
واستجابت "كلاودفلير" لذلك من خلال توفير أدوات منفصلة لأصحاب المواقع للتحكم في الوصول المرتبط بالبحث، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وحركة وكلاء الذكاء الاصطناعي. كما طرحت نظاما يمكن أن يتيح للناشرين الحصول على مقابل مالي عندما تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي محتواهم.
وقد يقود ذلك إلى إنترنت مختلف تماما؛ فقد تظل بعض المواقع متاحة للبشر بصورة مجانية، لكنها تفرض قيودا على الآلات. وقد تسمح مواقع أخرى للوكلاء بالدخول فقط بعد المصادقة أو الدفع. وهكذا، يمكن أن يكتسب الويب المفتوح تدريجيا طبقة اقتصادية جديدة، تصبح فيها للمعلومات أسعار مختلفة باختلاف نوع المستخدم.
تجارة من دون متسوق
قد يصبح هذا التحول أكثر وضوحا في مجال التجارة الإلكترونية. ففي الوقت الحالي، يبحث المستهلكون عن المنتجات، ويقارنون الأسعار، ثم يقررون ما يريدون شراءه. أما غدا، فقد يقوم وكيل للذكاء الاصطناعي بمعظم هذه الخطوات.
والتقنية تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه؛ فشركات تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي تعمل على أنظمة قادرة على التخطيط للرحلات، وشراء السلع، وإدارة الاشتراكات. وقالت شركة "فيزا" إن المعاملات التي يبدأها وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى فئة رئيسية في عالم المدفوعات، فيما تختبر شركات البيع بالتجزئة طرقا مختلفة للسماح بعمليات الشراء المستقلة أو تقييدها.
وإذا انتشر هذا النموذج على نطاق واسع، فقد يصبح المتسوق التقليدي على الإنترنت أقل ظهورا. وقد يكتفي الشخص بتحديد ميزانية واحتياجات معينة، ثم يتولى الوكيل البحث في مئات المنتجات ومقارنتها وتقديم توصية. وسيظل القرار النهائي بيد الإنسان، لكن جزءا كبيرا من النشاط على الإنترنت سيجري بين الآلات.
يمكن أن تنتقل سلطة تصفية المعلومات تدريجيا من محركات البحث والمنصات الاجتماعية إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي
من يسيطر على الإنترنت الجديد؟
القضية الأعمق ليست ببساطة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستخدم الويب، بل تتعلق بمن سيسيطر على العلاقة بين البشر والمعلومات.
اليوم، يختار الناس ما الذي يبحثون عنه والمصادر التي يريدون الاطلاع عليها. لكن في إنترنت يقوده الوكلاء، قد تصبح البرمجيات هي التي تحدد بصورة متزايدة الصفحات التي ينبغي قراءتها، والمنتجات التي ينبغي مقارنتها، والمعلومات التي ينبغي عرضها. وقد يصبح الوسيط نفسه مهما بقدر أهمية المواقع التي ينقل عنها المعلومات.
وهذا يثير أسئلة تتعلق بالشفافية والمنافسة والمساءلة. فإذا أوصى وكيل بمنتج معين بدلا من منتج آخر، فقد لا يعرف المستخدم السبب الحقيقي وراء هذه التوصية. وإذا لخص وكيل عدة مصادر إخبارية، فقد لا يرى المستخدم التقارير الأصلية. وبذلك، يمكن أن تنتقل سلطة تصفية المعلومات تدريجيا من محركات البحث والمنصات الاجتماعية إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي.
خطر الويب من آلة إلى آلة
هناك خطر آخر يلوح في الأفق؛ فالمحتوى الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي يتزايد بسرعة، بينما يستهلك الوكلاء بصورة متزايدة معلومات تنتجها أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى دورة متكررة تنتج فيها الآلات المعلومات، وتلخصها، ثم تعيد توزيعها مع تراجع تدريجي لدور الإنسان في هذه العملية.
والنتيجة المحتملة هي إنترنت يحتوي على كميات هائلة من المواد، لكنه يصبح أقل ارتباطا بالمصادر الأصلية. وقد تصبح معرفة أصل المعلومة ومصدرها أمرا لا يقل أهمية عن المعلومة نفسها. وسيحتاج المستخدمون إلى معرفة ليس فقط ما يقوله لهم نظام الذكاء الاصطناعي، بل أيضا من أين جاءت المعلومة، وكم مرة جرى تحويلها أو إعادة صياغتها قبل أن تصل إليهم.
قد لا يكون أعظم تحول في تاريخ الإنترنت هو أن الذكاء الاصطناعي ينتج مزيدا من المحتوى، بل قد يكون التحول الأكبر هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الوسيط الرئيسي بين البشر والويب
النهاية أم مجرد تحول؟
الإنترنت البشري لا يختفي. وسيواصل البشر إنتاج المعلومات والتواصل واستهلاك المحتوى عبر الإنترنت، لكن بنيته تتغير بسرعة.
والسؤال الحاسم هو ما إذا كان وكلاء الذكاء الاصطناعي سيظلون مساعدين يعملون داخل إنترنت يتمحور حول الإنسان، أم أن الويب نفسه سيعاد تصميمه بصورة متزايدة ليتناسب مع مستخدمين من الآلات.
وقد وصفت "كلاودفلير" الإنترنت الوكيلي الناشئ بأنه إنترنت يجب أن يكون قابلا للقراءة، والاكتشاف، والاستدعاء، والدفع. ويشير هذا الوصف إلى تحول جوهري في الطريقة التي يمكن أن تعمل بها المواقع والمعلومات والتجارة في المستقبل.
ولذلك، قد لا يكون أعظم تحول في تاريخ الإنترنت هو أن الذكاء الاصطناعي ينتج مزيدا من المحتوى، بل قد يكون التحول الأكبر هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الوسيط الرئيسي بين البشر والويب.
وإذا حدث ذلك، فسيظل الإنترنت ملكا للبشر من حيث المبدأ، لكن الآلات ستكون، بصورة متزايدة، هي التي تقوم بالتصفح.


أحمد عبدالرحمن العرفج
