الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

سورة الحجرات سورة الحجرات

 سورة الحجرات

في لحظات القوة قد يتغير وجه الإنسان تمامًا.

قبلها كان يعرف معنى الخوف والقلق..
يحسب خطواته بحذر..
يتلفت حوله بتوجس، ويترقب الضربة القادمة من خصمه.
يحيا مشغولًا بغريزة البقاء، وبحماية من يحب، وبأن يدرك ذلك اليوم الذي تضع فيه المعركة أوزارها ليلتقط أنفاسه اللاهثة من جديد.
ثم تدور الأيام، وتتبدل موازين القوة..
يزول الخطر القديم الذي كان يخشاه، وتنكسر مقاومة خصومه، وتُشرع الأبواب التي ظلت مغلقة طويلًا.
فجأة.. يجد نفسه في موضع لم يألفه من قبل..
لم يعد هو الضعيف الذي يخشى بطش الآخرين..
ربما صار هو نفسه قادرًا على أن يبطش.
لم يعد مضطرًا لابتلاع الإهانات ولكن صار يملك رفاهية ردها أضعافًا.
صار في وسعه أن ينتقم، وأن يفضح، وأن يرفع مقامه على أنقاض المهزوم.
هنا تحديدًا.. يظهر الوجه الآخر الخفي للإنسان.
ما أسهل أن تضبط نفسك وأنت ضعيف مقهور لا تملك غير الصمت..
لكن الاختبار الحقيقي حين تصبح قويًّا ثم تختار الرقي وأنت قادر على التدني، تؤثر العفو وأنت تملك مخالب الانتقام، وتحفظ لسانك وأنت تستطيع أن تتفوه بكلمة لا يجرؤ أحد على ردها!
في لحظة القوة تلك يبدأ امتحان من نوع آخر..
امتحان لا تسقط فيه إلا النفوس المنتصرة.
وكم من إنسان كسب المعركة، لكنه خسر نفسه حين توهم أن النصر يمنحه صكًا مفتوحًا لاستباحة كل شيء.
من خلال هذا المعنى يمكننا أن ندلف لفهم أجواء سورة الحجرات.
نحن الآن في العام التاسع للهجرة، «عام الوفود».
الجزيرة العربية، التي طحنتها طويلًا صراعات الدعوات والقبائل، تشهد تحولًا تاريخيًا واسعًا..
القبائل تتوافد إلى المدينة النبوية زرافات ووحدانا، تدخل في الإسلام، وتعلن انضمامها للكيان الجديد الذي قام حول رسول الله ﷺ.
لقد اتسعت الرقعة، وتغير وجه الجزيرة للأبد، واقترب العهد النبوي من ختامه المهيب.
في مشهد بهذه الضخامة، كان المنطقي —بحسابات البشر— أن ينصرف الاهتمام كله إلى صفقات اتساع الدولة، وإدارة بروتوكولات الوفود، وتثبيت أركان المجتمع الجديد استعدادًا للزحف خارج حدود الجزيرة.
كان يمكن لقضايا الأخلاق أن تبدو مجرد تفاصيل هامشية صغيرة أمام مشهد بهذا الاتساع فالأمة في لحظة توهج، والرسالة تبلغ ذروة ظهورها وانتشارها.
لكن سورة الحجرات تأخذنا بغتة إلى موضع آخر تمامًا.
من ضجيج الانتصارات الكبرى إلى نبرة صوت ترتفع قليلًا في حضرة النبي ﷺ، وخبر عابر قد يشعل خصومة إن لم يُتثبت منه، ولسان ينهش عرض غائب في مجلس، وقلب يتلذذ بسوء الظن، وفئتان من المؤمنين قد تقـ.تتلان، وإنسان يفاخر بدمه ونسبه، وآخر يتحدث عن إيمانه بصلف كأنه يتفضل به على ربه!
في اللحظة التي تتسع فيها الأمة يأتي هذا الاعتناء الصارم بتفاصيل يومية دقيقة.
وفي وقت توشك فيه الرسالة على بلوغ التمام، تتوالى التوجيهات لتعلّم هذا المؤمن المنتصر كيف يتكلم، وكيف ينصت، وكيف يختلف، وكيف يرى الآخرين، وكيف ينظر في المرآة ليقيم نفسه قبل أن يُقيم أمام الله.
كأن السورة تلفت انتباهنا إلى حقيقة خطيرة يغفل عنها الأقوياء دائمًا..
إن اتساع الأرض وتمام القوة لا يُغني أبدًا عن إصلاح القلوب التي ستحمل الرسالة..
وإن دخول الأفواج في الدين ليس نهاية للامتحان ولكنه بداية لمسؤولية أثقل.
ما قيمة أن تنتصر على خصمك في ساحة المعركة، إذا كنت عاجزًا عن كف لسانك عن أخيك في مجلس؟
وما جدوى أن تصطف القبائل تحت راية واحدة، إذا ظل سوس التعصب قادرًا على نخر عظامها وتمزيقها من الداخل؟
وكيف لأمة أن تحمل رسالة الرحمة للعالمين، بينما أفرادها ينهشون أعراض بعضهم البعض، ويطيرون بكل شائعة، ويتخذون من عثرات الآخرين سُلمًا يرفعون به أنفسهم؟
من هنا تتبلور الرسالة الكبرى لسورة الحجرات..
السورة التي تعيد الإنسان من صخب الانتصار الخارجي إلى صمت المسئولية الداخلية، ومن نشوة اتساع الأمة إلى جمال أخلاق أفرادها.
إنها تنقل المسلم من السؤال المادي: "ما مقدار ما امتلكته؟" إلى السؤال الروحي : "ما الذي صرتَ عليه بعد أن امتلكت؟".

لأجل ذلك، نزلت سورة الحجرات لتضع الدستور الأخلاقي الحاسم لهذه الأمة.

ثمة مشكلات داخلية ينبغي علاجها، وطباع جافة تحتاج إلى تهذيب، وقلوب قادمة من خلفيات شتى ينبغي أن تتعلم كيف تعيش معًا، قبل أن تخرج لتحمل رسالتها إلى العالم.
تخبرك السورة أن الطريق إلى النصر إن كان يحتاج إلى قوة مادية تحمل الأمة وتفتح البلدان، فإن الطريق بعد النصر يحتاج إلى أخلاق تحفظ الأمة وتفتح القلوب.
لذلك تعد سورة الحجرات هي سورة الآداب بامتياز..
سورة تضبط بوصلة الأدب مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ومع المؤمنين

أدب في تلقي الأخبار، وإدارة الخصومات، وحفظ الأعراض، وصولًا إلى نسف التفاخر بالأنساب والألوان، لتضع الميزان الأوحد الذي لا يترك للغرور جدارًا يختبئ وراءه:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

سورة الحجرات هي رحلة متكاملة تبدأ من عتبة توقير النبوة، وتنتهي عند حقيقة لا تقبل المساومة، يجب أن تستقر في أصل القلب..
مَن الذي يمنحك الهداية حقًا، ومَن صاحب الفضل الأول والأخير عليك؟
إنه الله جل جلاله..
لذلك تبدأ السورة بتأديب العقل قبل اللسان، وبضبط علاقة الإنسان بأمر الله ورسوله..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ألا يتقدم المؤمن بين يدي الله ورسوله يعني ألا يجعل هواه ورأيه حاكمًا على الوحي..
ألا يستعجل قولًا أو حكمًا قبل أن يعرف ما جاء به الشرع.
إنه أدب التسليم..
حين يعرف العقل قدره فيبقى للحق الذي أنزله الله مقامه، مهما خالف ما اعتاده المرء أو استحسنه.
ثم تنتقل السورة إلى أدب أشد خصوصية، يتعلق بمقام النبي ﷺ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.

تأمل فداحة الأمر.

قد يبلغ الإنسان من العمل الصالح منزلة، ثم يأتي بشيء قد لا يقدّر عاقبته، فيعرّض عمله للخطر وهو لا يشعر.
هنا يتنزل التوجيه الإلهي حاسمًا يبين عظم حق النبي ووجوب توقيره حتى في درجة الصوت!
وإن كان هذا الأدب متعلقًا بحياته ﷺ، فيظل للأمة بعد وفاته تعظيم سنته، وقبول سنته، وتوقير هديه، والحذر من التقدم بين يدي ما جاء به من الوحي.
فكيف بمن يجعل رأيه مقدمًا على النص، أو يتعامل مع سنته باستخفاف، أو يرد أحكام الشرع لمجرد أنها لا توافق رغباته؟!
وهنا يأتي الحبوط!
تلك الكلمة ثقيلة الوقع والمعنى

﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾.
الحبوط في أصل اللغة هو فساد الشيء وبطلانه بعد أن كان يُرجى نفعه..
ومنه حبوط العمل، أي ذهابه وبطلان ثوابه.
إنذار مخيف بأن الإنسان قد يملك رصيدًا من الطاعات، ثم يأتي من الأفعال ما يعرّض هذا الرصيد للخطر، وهو لا يدرك عاقبة ما صنع.
وقد روى البخاري عن عبد الله بن أبي مليكة قوله: «كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر» رضي الله عنهما، حين ارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ في شأن وفد بني تميم، فنزلت الآية.
تصور... هذان السيدان العظيمان أبو بكر وعمر، صاحبا رسول الله ﷺ وأعظم الأمة بعد نبيها... رغم ذلك شملتهما السورة عند هذه العتبة المهيبة..
يقال أن سيدنا عمر بعد ذلك يخفض صوته عند النبي حتى يكاد لا يُسمع، فيضطر النبي ﷺ إلى استيضاح ما يقول. فإذا كان هذا حال خيار الأمة حين خشيَا أن تمسّهما الآية، فكيف بمن يقرأها ثم لا يبالي بحرمة أمر النبي ﷺ وهديه؟
يزداد وقع الآية رهبة حين تتأمل قصة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، خطيب الأنصار، وكان جهير الصوت بطبيعته..
روى البخاري أن النبي ﷺ قد افتقد ثابت لفترة لم يعد يراه كما كان فسأل عنه فأُخبر أنه صار يجلس في بيته مطأطئًا رأسه، يظن أن عمله قد حبط وأنه صار من أهل النار، لأنه كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ.
فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ أرسل إليه من يبشّره: «اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة».

مسافة شاسعة بين قلبين أمام الآية نفسها!
قلب يخاف من الهلكة والحبوط، فيعتزل الناس تحرزا وخشية، وقلب قد يسمع الوعيد مرارًا فلا يتحرك فيه شيء.
لقد حمل ثابت الآية على نفسه بجدية المؤمن الذي يخشى على إيمانه، ثم جاءته البشرى من النبي ﷺ؛ فلا يُفهم من قصته أن كل رفع للصوت يُحبط الأعمال، وإنما كانت الآية تكشف خطورة انتهاك حق النبي ﷺ قصدا أو تهاونا، وأن المؤمن لا يأمن على نفسه، ولا يتعامل مع وعيد الله باستخفاف.
ثم يأتي قوله: ﴿وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ ليوقظ في النفس خوفًا آخر..
خوفا من تلك الأعمال التي يستصغرها صاحبها ولا يأبه بها.
قد يعتاد الإنسان لفظًا جارحًا، أو استهزاءً عابرًا، أو تجاوزًا في حق من حقوق ربه، حتى يفقد الإحساس بخطورة ما يفعل، فيُعرّض بركة عمله للمحق أو الضياع..
والأخطر أن ذلك قد يحدث وهو لا يدري.
من هنا يبدأ البناء..

أن يتعلم الإنسان التواضع أمام الوحي، وأن يزن أقواله وأفعاله بميزان العبودية، وأن يعرف أن صلاح الظاهر وحده لا يغنيه عن صلاح الأدب الذي يسكن القلب.
ثم يخرج من القلب إلى الجوارح..
ولعل من أهم ما يستحق التأمل في هذه السورة هو اسمها نفسه: الحجرات.
ذلك الاسم الذي يبدو لأول وهلة متعلقًا بمكان، لكنه يفتح لنا بابًا إلى أحد أعمق معاني السورة:
أدب الإنسان عند حدود غيره، ومعرفته أن لكل مقام حرمته، وأن القرب لا يسقط حق التوقير، وأن ما يقدر المرء على فعله ليس بالضرورة ما يليق به أن يفعله.
الحُجُرات هي حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن..
بيوت النبي ﷺ التي كان يسكنها، وقد جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
مشهد أناس جاؤوا إلى رسول الله ﷺ، فوقفوا وراء حجراته ينادونه، كأن وصولهم إلى بابه يمنحهم حق استعجاله، وكأن حاجتهم تبيح لهم أن يتجاوزوا أدب الانتظار.
فجاءت السورة لتعلّمهم أن للنبوة حرمة، وأن المحبة لا تعفي صاحبها من الأدب، وأن انتظار خروج النبي ﷺ إليهم كان خيرًا لهم من مناداته على ذلك الوجه.
ثم يجيء الوصف الذي يرفع المسألة من مجرد سلوك إلى منزلة القلب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
إن خفض الصوت هنا علامة على شيء أعمق من هدوء النبرة؛ علامة على قلب عرف قدر من يقف بين يديه، فظهر ما استقر فيه من تقوى على جوارحه.
السورة تضعنا أمام حقيقة دقيقة..
إن ما في القلب لا يظل حبيس القلب دائمًا ولكنه يظهر في نبرة الصوت، وطريقة السؤال، وحدود الاقتراب، والقدرة على الانتظار.
هكذا يصبح اسم السورة مفتاحًا لقراءتها..
الحجرات مكان له حرمته، والصوت له أدبه، والخبر له أمانته، والإنسان له كرامته.
تتعدد الصور، ويبقى الخيط الذي يجمعها واحدًا
أن الإيمان يعلّم صاحبه كيف يقف عند حدود الله، وكيف يحفظ للآخرين حقوقهم، وكيف يضبط قوته ولسانه ونظرته إلى الناس.
ومن هنا نفهم لماذا جاءت هذه الآداب في سورة واحدة؛ فهي تبني الإنسان الذي يستطيع أن يحمل الإيمان في علاقاته، وأن يجعل التقوى سلوكًا ظاهرًا بعد أن تكون حقيقة مستقرة في قلبه.
من هذه العتبة يبدأ اتساع معنى الأدب في السورة.
أدب مع رسول الله ﷺ في حضوره، وأدب مع خبره حين يغيب عنا، وأدب مع الناس حين نسمع عنهم ما قد يسيء إليهم.

لذلك يأتي الأمر بالتثبت من الأنباء في قوله تعالى: 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

فكما لا يليق بالمؤمن أن يقتحم حرمة بيت أو يستعجل صاحب الرسالة، لا يليق به أن يقتحم أعراض الناس بخبر لم يتثبت منه، أو يصدر حكمًا قبل أن يعرف الحقيقة.
كأن السورة بعد ضبط العلاقة مع الله ورسوله تنزل بك إلى الحياة العملية..
إلى الأخبار التي تتناقلها الألسنة، والخصومات التي تبدأ من كلمة، والقرارات التي تُبنى على رواية لم يتحقق أحد من صحتها.
"فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين"
ما أكثر ما يبدأ الخراب بخبر صغير. كلمة ينقلها شخص، فتتلقفها أذن مستعدة للتصديق، ثم تنتقل إلى ألسنة أخرى، حتى تصبح في أذهان الناس حقيقة مكتملة، مع أن أحدًا لم يتثبت منها.
قد تُهدم علاقة بسبب اتهام، ويُظلم بريء بسبب رواية، وتُقطع صلة رحم بسبب رسالة مبتورة.
وقد يندفع إنسان إلى خصومة لا يعرف كيف يخرج منها، فقط لأنه تصرف قبل أن يعرف ويدرك.
لذلك جاء الأمر بالتبيّن.
فالمؤمن مسؤول عن الخبر الذي يتلقاه، كما هو مسؤول عن الخبر الذي ينقله.
لا يكفي أن يقول: سمعت، أو أن يدافع عن نفسه بأنه لم يخترع الكلام.
عليه أن يسأل عن مصدره، وقرائنه، ومدى صحته، وأن يدرك أن التسرع قد يجعل منه شريكًا في ظلم إنسان.
وقد لخّص النبي ﷺ هذه المسؤولية في كلمات قليلة، لكنها تكفي لتقيم ميزانًا كاملًا للأمانة في نقل الكلام
«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» 
رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
ميزان نبوي دقيق يوضح أن الإنسان قد لا يكون هو الذي اختلق الكذبة، لكنه قد يتحول إلى حلقة في سلسلة انتشارها، يحملها من أذن إلى أذن، ويمنحها بلسانه حياة جديدة، حتى تضيع الحقيقة وسط ضجيج الروايات.
ليس كل ما تسمعه جديرًا بأن تقوله، ولا كل ما تعرفه نافعًا أن تنقله، ولا كل ما يبدو لك صحيحًا قد ثبتت صحته.
إن بين سماع الخبر وإعادة نشره لحظةً ينبغي أن يستيقظ فيها ضميرك لتسأل فيها نفسك: أتحققت؟ أم أضيف صوتي إلى أصوات لا تعرف ما تقول؟
اللسان الذي ينقل الخبر شريك في أثره، وقد تكون كلمة واحدة سببًا في ظلم بريء، أو إشعال عداوة، أو تمزيق بيت.
من هنا نفهم أن التبيّن في سورة الحجرات عبادة أخلاقية، وأن التوقف عن نقل ما لم يثبت قد يكون أصدق من كلام كثير يظن صاحبه أنه مجرد حكاية لما سمع.
ثم تأتي الآية التالية لتكشف نعمة من أعظم النعم
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.
وهذا معنى من أجمل معاني السورة..
معنى الإيمان المُزيَّن.
إن للإيمان في القرآن حلاوة وزينة وبهجة

﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
صورة تتجاوز مجرد معرفة الحق إلى محبته، وإلى أن يصبح له في النفس موضع عزيز، به تتعلق الروح وتأنس.
الإيمان له بهجة، وله حلاوة تُتذوق، وزينة تُرى بعين القلب.
لذلك كان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا»
إنك قد تعرف أن الصدق واجب، لكنك حين تحب الإيمان يصبح الصدق أقرب إلى نفسك من الكذب، حتى حين يكون الكذب أسهل وأرجى في عاجل الثمرة.
وقد تعرف أن الغيبة محرمة، لكنك حين تذوق حلاوة الإيمان تنفر منها نفسك، وتضيق بها حين تسمعها، وتخشى أن تكون شريكًا فيها.
ثم تأتي المفاجأة في الشطر الثاني من الآية:
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾.
الحق أن عامة الخلق يعلنون كراهية الكفر،
نغضب جميعا إذا اتُّهمنا به، ونتعوذ منه. 
لكن هل تستقر في نفوسنا كراهية الفسوق والعصيان أيضًا؟
هل ننفر من الفحش والبذاءة كما ننفر من الألفاظ التي نعدها مسيئة إلى هويتنا وإيماننا؟
هل تضيق صدورنا بالذنوب التي هي مقدمات الفسوق والعصيان حين نراها تنتشر، أم نألفها بالتدريج حتى تصبح جزءًا عاديًّا من يومنا؟

إن المؤمن الراشد هو الذي يعرف حقيقة المعصية وعاقبتها، فيقاوم تطبيع النفس معها، وينفر منها ولا يألفها مهما عمّت بها البلوى.
نعم... قد يضعف المؤمن ويقع في الذنب، لكنه لا يحوّل الذنب إلى قيمة يدافع عنها، ولا يجعل اعتياده مبررًا لقبوله.
الإيمان حين يزينه الله في القلب يغير ذائقة الإنسان الأخلاقية.
تتبدل الأشياء التي يفرح بها، والكلمات التي يستمتع بها، والصفات التي يستحسنها في نفسه والآخرين.
ما كان يراه خفيفًا قد يراه ثقيلًا حين يستيقظ قلبه، وما كان يطارده بشغف قد يكتشف أنه كان يستنزف روحه.
لهذا ختمت الآية بقوله تعالى:
﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.
الرشد هنا ثمرة الإيمان الذي أحبته القلوب، ونفرت من أضداده، فاستقام به الاختيار والسلوك وابتعد عن المذموم منها..
وبالحديث عن المذموم الذي تألفه النفس حتى تفقد استبشاعه، تأخذنا السورة إلى واحدة من أعمق صور الخلل في علاقتنا بالآخرين..
أن يتحول الشك إلى قناعة، والقناعة إلى مراقبة، والمراقبة إلى انتهاك للخصوصيات.
تبدأ الآية بالظن
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
بالنظر إلى كلمة «كثيرًا»؛ فإن الآية لم تأتِ لتطلب منك أن تتخلص من كل خاطر عابر يمر بقلبك، فخواطر النفس لا تستأذن قبل أن تأتي، وإنما تأمرك أن تجتنب كثيرًا من الظنون، وأن تحذر من الاسترسال معها حتى تتحول إلى أحكام على الناس.
قد ترى تصرفًا يحتمل أكثر من تفسير، فيختار قلبك أسوأها، ثم يبدأ العقل في جمع الشواهد التي تؤيد ما اختاره، ويتعامل مع الاحتمال كأنه حقيقة ثابتة.
والآية لا تجزم أن كل الظن إثم، فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى التقدير والحذر، وقد تكون لديه قرائن تستدعي التثبت.
وإنما تنبه إلى أن بعض الظن إثم، وتأمر باجتناب كثير منه.
وهنا معنى عملي بالغ الأهمية: 
إذا أردت أن تتجنب الوقوع في الإثم، فاترك بينك وبينه مسافة آمنة.
في الجراحات البشرية، قد يضطر الطبيب عند استئصال ورم خبيث إلى إزالة هامش من النسيج المحيط به، بحسب طبيعة الحالة، حتى يقلل احتمال بقاء خلايا مرضية.
إزالة موضع الخطر وحده قد لا تكفي دائمًا، و الحذر قد يقتضي مساحة إضافية.
وكذلك يحتاج القلب إلى هامش آمن؛ فلا يتوسع في تأويل تصرفات الناس على أسوأ الوجوه، ولا يترك للاحتمالات المظلمة أن تتحول في نفسه إلى حقائق.
ألا تجعل كل كلمة دليلًا على سوء النية، ولا تلاحق الاحتمالات المظلمة حتى تستقر في نفسك كأنها حقائق.
حين تكثر من سوء الظن، تتغير طريقة رؤيتك للناس.
تصبح الكلمة العادية تلميحًا، والصمت مؤامرة، والتأخر إهانة، والاختلاف عداوة.
مع الوقت، قد يصبح المرء أسيرًا لظنونه، يفسر كل كلمة على ضوئها، ويقرأ كل تصرف باعتبارها، حتى لا يعود يرى الإنسان الذي أمامه ولكن فقط يرى الصورة التي صنعها عنه في ذهنه ثم يصنع من هذه الأوهام خصومات حقيقية.
أما اجتناب كثير من الظن فيترك مساحة للعدل، ويمنح الناس فرصة ألا يُدانوا بمجرد التخمين.
وهو يحمي صاحبه كذلك من أن يعيش أسيرًا للتوجس، يبحث عن الخيانة في كل زاوية، ويقرأ العالم من خلال خوفه.
والمعنى أعمق من حسن المعاملة؛ إنه تدريب على التواضع المعرفي.
أنت لا تعلم كل ما في صدور الناس، ولا ترى جميع ظروفهم، ولا تملك تفسيرًا يقينيًّا لكل تصرفاتهم. فدع مساحة لما تجهله، وتثبت قبل أن تحكم، وامنع ظنك من التحول إلى لسان يطعن في الأعراض.
لكن لأن سوء الظن قد يدفع صاحبه إلى البحث عما يؤكده، جاء النهي بعده مباشرة: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.
فكأن الآية تكشف لك كيف تتوالد الأخطاء في النفس...
تبدأ بظن لم يقم عليه دليل، ثم لا يرضى صاحبه ببقائه احتمالًا، فيفتش عن عيب يستند إليه، ويتتبع ما خفي من حياة الناس، ويفتح أبوابًا قد أُغلقت صونًا لخصوصياتهم.
هكذا يتحول الشك إلى اقتحام، ويصير الإنسان مستعدًا لانتهاك حرمة أخيه بحثًا عن شيء يثبت به اتهامًا سبق أن استقر في قلبه.
ثم تنتقل الآية إلى ثمرة فاسدة أخرى من ثمار هذا الخلل
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.
لماذا اختار القرآن هذه الصورة الصادمة؟
لماذا لم يكتف بالنهي عن الغيبة، وهي كلمة يفهم الناس معناها، ثم ترك لهم تقدير بشاعتها؟
ببساطة لأن الغيبة قد تتحول إلى شهوة.
والشهوة لها لذة يتذوقها أصحابها، حتى سميت في كلام العامة «فاكهة المجالس».
يجلس الناس فيبدأ الحديث عن الغائب، ثم تتسع الحكاية، وتُستخرج العيوب، وتُروى الأخطاء، ويجد كل مشارك لنفسه مكانًا في حلقة الإدانة.
لكن من أين تأتي هذه اللذة؟
أحيانًا تأتي من شعور خفي بالعلو.
حين تنصب نفسك قاضيًا على الآخرين، وتصدر أحكامك على هذا بأنه مقصر، وذاك بأنه فاسد، وثالث بأنه لا يفهم، فإنك تبني في داخلك وأمام الآخرين صورة مريحة عن نفسك..
ما داموا هم على هذا القدر من النقص، فأنا لا بد أن أكون أفضل منهم.
أنت تبني مجدك الوهمي على أنقاض أخطاء الآخرين.
هم عاصون، إذن فأنا الطائع.
هم مخطئون، إذن فأنا المحق.
هم ناقصون، إذن فأنا المكتمل.
لن ينطق المغتاب بهذه العبارات، لكن المعنى يتسلل من طريقته في الحديث، ومن اختياره للعيوب، ومن الإصرار على كشف النقائص، ومن اللهجة التي تجعل منه صاحب المقام الأعلى.
إنها لذة تعيش على رفات الآخرين.
ومع التكرار، لا يعود الحديث عن عيوب الناس كافيًا؛ فيبحث صاحبه عن زلة أخرى، ويفتش عن نقص جديد يرمم به صورته عن نفسه.
لن تكفيه الحكاية الأولى، فيبحث عن ضحية أخرى، ولا تشبعه زلة واحدة، فيفتش عن زلات إضافية حتى يتحول نقد الناس إلى تجارة رائجة، ويصبح تتبع أخطائهم وقودًا لشعور متضخم بالذات.
في خضم هذا الانشغال، ينسى الإنسان وجود مرآة تستحق أن ينظر إليها؛ مرآة تكشف له الشخص الذي ينبغي أن يبدأ بإصلاحه قبل أن ينشغل بإصلاح العالم كله.
نفسه.
تزداد خطورة الأمر حين تجتمع الغيبة مع التجسس. يبدأ الإنسان بتتبع ما خفي من أحوال الآخرين، ثم يجد في المعلومات التي جمعها مادة للمجالس والأحكام.
هكذا تتعاون آفتان على هدم حرمة الإنسان
عين تبحث عن العورات، ولسان يتولى نشرها.
سورة الحجرات تربط بينهما لأن المجتمع لا يستطيع أن يحيا آمنًا إذا صار كل فرد فيه مشروع متهم، وصارت أسراره مادة للتسلية، وأخطاؤه سلعة يتداولها الناس.
رغم ذلك كله فباب التوبة مفتوح، كما تختم الآية:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾.
وكأن الرسالة = من وجد في نفسه هذه الآفة فليبدأ بكف لسانه، وليترك تتبع العورات، وليتعلم أن عيب أخيه لا يمنحه شهادة صلاح، وأن انشغاله بإصلاح نفسه أنفع له من استعراض نقائص الآخرين.
وقد يظن المرء أن المجتمع المؤمن، إذا تأسس على هذه الآداب، لن يعرف خصومة ولا اقـ.تتالًا... لكن السورة تتعامل مع البشر كما هم... بشر خطائين.. لذلك تضع المنهج حتى حين تبلغ الخلافات أشد صورها وتتجاوز مجرد اللفظ..
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
تبدأ الآية بالإصلاح.
فإذا بغت إحدى الطائفتين على الأخرى، وجب ردع الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، ثم يعود الجميع إلى الإصلاح بالعدل والقسط.
هو منهج يجمع بين الرحمة والحزم.
لا يُترك البغي بحجة الحفاظ على الهدوء، ولا يُستباح التعدي باسم الانتصار للمظلوم.
المطلوب أن يعود الحق إلى موضعه، وأن يتوقف العدوان، وأن يُحكم العدل بعد انتهاء الأمر.
هذا هو من صميم اختصاص أهل القدرة والولاية وفق أحكام الشرع، وليس ترخيصا لعموم الأفراد كي يستبيح بعضهم دماء بعض.
ثم تأتي القاعدة التي تفسر كل هذا الحرص:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

إن الأخوة الإيمانية رابطة عظيمة، وإن تفاوت المؤمنون في إيمانهم واستقامتهم، وإن اختلفت ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم.
يكفي أن يجمعك بأخيك الإيمان بالله ورسوله حتى تكون له عليك حقوق، ويكون لك عليه حقوق، ويظل الإصلاح بينكما واجبًا حين يقع النزاع.
ومن الأخوة الإيمانية إلى كرامة الإنسان
فبعد أن وضعت السورة ميثاق الأخوة وأسست العلاقة بين المؤمنين، توسع دائرة الخطاب لتشمل البشرية كلها:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
تنتقل الآية من نداء المؤمنين إلى نداء الناس جميعًا.
أصل الخلق واحد، والتنوع بين الشعوب والقبائل واقع أراده الله، وغايتُه التعارف.
لكل أمة لغتها وتاريخها وعاداتها، ويمكن لهذا الاختلاف أن يكون بابًا للتواصل والتعاون وتبادل المنافع، كما يمكن أن يتحول إلى مادة للتفاخر والعداوة.
وهنا يضع القرآن الميزان الأعظم..
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
الكرامة عند الله لا تُشترى بالنسب، ولا يضمنها اللون، ولا يمنحها المال، ولا يكفي فيها الانتساب إلى أمة بعينها.
الميزان هو التقوى، والله وحده عليم بحقائق الناس وخبير بما تخفيه صدورهم.
هذا المعنى ينسف الغرور العرقي والقبلي من جذوره.
من أين يأتي المتكبر بفضله المزعوم، وقد بدأ الجميع من أصل واحد؟
وكيف يجعل المرء نسبه وسيلة لاحتقار غيره، بينما ميزان التفاضل الحقيقي متعلق بتقوى لا يعلم حقيقتها إلا الله؟

وإذا كانت التقوى هي الميزان، فالتواضع من لوازمها، والقسط من آثارها، وحفظ حقوق الناس من ثمارها. ولا يحق لأحد أن يتخذ الآية شهادة يزكي بها نفسه أو يحكم من خلالها على مصائر الخلق؛ فالله هو العليم الخبير.
ثم تصل السورة إلى خاتمتها، فتعود من العلاقات الإنسانية إلى علاقة العبد بربه كما بدأت لتكشف مرضًا قد يصيب الإنسان حين ينسى صاحب الفضل عليه.
حين قالت الأعراب:﴿آمَنَّا﴾.
فجاء التصحيح الإلهي:
﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.

كانت هذه الآيات في أعراب ادعوا لأنفسهم مقامًا لم يتحقق في قلوبهم على الوجه الذي ادعوه بعد، فأُمروا أن يصفوا حالهم بالإسلام، ولا يزكوا أنفسهم بوصفها مرتعا للإيمان..
والإسلام والإيمان إذا اجتمعا في النصوص افترق معناهما، وإذا افترقا شمل أحدهما الآخر بحسب السياق؛
وفي هذه الآيات تمييز بين الاستسلام الظاهر وبين حقيقة الإيمان التي تستقر في القلب وتظهر آثارها في العمل.
ثم تصف السورة المؤمنين الصادقين:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.

إيمان بالله ورسوله، ويقين لا يتزعزع، وعمل يترجم هذا الإيمان إلى بذل وتضحية في سبيل الله.
هكذا يُعرف صدق الدعوى بآثارها، لا بمجرد الكلمات التي يرددها صاحبها.
ثم تأتي الآية التي تكشف غرور المِنّة:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وهذه من لحظات القرآن الكاشفة!

قد يتعامل الإنسان مع الهداية كأنها إنجاز صنعه بيده، وكأنه قدّم معروفًا إلى الدين حين أسلم، أو أسدى جميلًا إلى رسول الله ﷺ حين اتبعه.
هنا تأتي خاتمة الحجرات لتعيد الفضل إلى صاحبه..
ربك وحده هو الذي هداك، وهو الذي حبب إليك الإيمان، وهو الذي فتح لك طريق التوبة والطاعة.
من عرف هذه الحقيقة استحيا أن يمنّ على الله بعمله.
كل طاعة وفّقه الله إليها نعمة، وكل خطوة في طريق الحق تحتاج إلى عونه، وكل ثبات يرجوه العبد إنما هو من فضل ربه.
لا يعني ذلك أن يتوقف الإنسان عن العمل أو يستهين بمسؤوليته ولكنه يعمل وهو يعلم أن التوفيق من الله..
يشكر بدل أن يغتر، و يرجو القبول بدل أن يزكي نفسه.
هنا تلتقي خاتمة السورة ببدايتها.
بدأت بتأديب المؤمن أمام أمر الله ورسوله، وانتهت بتذكيره أن الهداية فضل من الله عليه وبينهما تعلم كيف يسمع، وكيف يتثبت، وكيف يصلح، وكيف يحفظ لسانه وقلبه، وكيف يعامل الناس بالعدل، وكيف يراجع دعواه حين يتحدث عن إيمانه.
معاني وتوجيهات سورة الحجرات أشبه بتصميم دقيق لبناء مجتمع سوي، يعرف حدوده مع خالقه، ويحفظ حرمة نبيه، ويتعامل برحمة وعدل مع أفراده، ويقاوم السخرية والغيبة وسوء الظن، وينفتح على الإنسانية بقلب يعرف أن اختلاف الشعوب والقبائل = باب للتعارف، وأن التقوى وحدها ميزان الكرامة عند الله.
هي سورة تعلمنا أن صلاح المجتمع يبدأ من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة..
نبرة صوت، وخبر نتثبت منه، وظن نكف عنه، وغيبة نرفض المشاركة فيها، وخصومة نسعى إلى إصلاحها، وفضل ننسبه إلى صاحبه.
وقد تفتح الأخلاق للحق أبوابًا تعجز القوة عن فتحها.
ما قيمة أن تتسع البلاد إذا ضاقت القلوب؟
وما جدوى أن ينتصر المرء في خصومة بينما يخسر نفسه ويدهس رحمته؟
وأي معنى للانتساب إلى الإيمان إذا ظل اللسان يجرح، والقلب يتكبر، والنفس تمنّ على الله بما هداها إليه؟
سورة الحجرات تعلمنا أن ليست كل هزيمة لها راية منكّسة، وليست كل خسارة يراها الناس.
قد يخسر الإنسان نفسه وهو يصفق لانتصاره، وقد تُفتح الأبواب دفعا، لكن ليست كل القلوب تفتح كذلك
وإن تمام القوة في أن يدرك القوي كيف يرحم، وكيف ينصف، وكيف يظل عبدًا لله بعد أن صار قادرًا على غيره..
وأن تحول عبوديته بينه وبين أن يصبح يومًا نسخة من ذلك الذي كان يختصم.

المصدر
فصل سورة #الحجرات
من كتابي #مفاتيح_سور_القرآن

الغَيْرَةُ عندما تُهذِّبُها النُّبوَّة!

  نقطة نظام

الغَيْرَةُ عندما تُهذِّبُها النُّبوَّة!

أدهم شرقاوي

كاتب وأديب

هنا بيتٌ يُدارُ بالرَّحمةِ، وغيرةٌ إنسانيّةٌ صادقةٌ، وتربيةُ رقيقةٌ تمشي بين العاطفةِ والهدايةِ دون أن تكسرَ واحدةً منهما.

في هذا الحديثِ نكتشفُ أنَّ القداسةَ لا تُلغي المشاعرَ، وأنَّ القربَ من اللهِ لا يُبعدُ الإنسانَ عن إنسانيّتِه، بل يُهذِّبُها.

في هذا المشهدِ اللّيليِّ نرى كيف تجتمعُ المحبّةُ، والغيرةُ، والطّمأنينةُ، والتّعليمُ في لحظةٍ واحدةٍ. فالنبيُّ ﷺ يُراعي القلبَ قبل أن يُصحِّحَ الفكرةَ، ويشرحُ قبل أن يلومَ، ويُطمئنُ قبل أن يُعلِّمَ.

إنَّه درسٌ عظيمٌ في أنَّ التربيةَ الحقيقيّةَ ليست قسوةً تُطفئُ المشاعرَ، بل حكمةٌ تُنضِجُها.

هنا نفهمُ أنَّ البيوتَ العظيمةَ لا تخلو من التوتّرِ، لكنَّها تمتلئُ دائمًا بالرَّحمةِ التي تعيده سلامًا.

روى مسلمٌ في صحيحهِ من حديثِ محمدِ بنِ قيسِ بنِ مخرمةَ بنِ المطَّلبِ، قال:

ألا أُحدِّثُكم عنِّي وعن أُمِّي؟

فظننَّا أنَّه يريدُ أُمَّه التي ولدته.

فقال: قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: ألا أُحدِّثُكم عنِّي وعن رسولِ اللهِ ﷺ؟

قلنا: بلى.

قالت: لمَّا كانت ليلتي التي كان النبيُّ ﷺ فيها عندي، انقلبَ فوضعَ رداءَه، وخلعَ نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسطَ طرفَ إزارِه على فراشِه، فاضطجع، فلم يلبثْ إلَّا ريثما ظنَّ أن قد رقدتُ، فأخذ رداءَه رويدًا، وانتعلَ رويدًا، وفتح البابَ فخرج، ثم أجافه رويدًا.

فجعلتُ درعي في رأسي، واختمرتُ، وتقنَّعتُ إزاري، ثم انطلقتُ على إثرِه، حتى جاء البقيعَ فقام، فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاثَ مراتٍ، ثم انحرف فانحرفتُ، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحضر فأحضرتُ، فسبقتُه فدخلتُ   !

فليس إلَّا أن اضطجعتُ فدخل، فقال: ما لكِ يا عائشُ؟ حشيا رابيةً؟

قلتُ: لا شيء.

قال: لتخبريني أو ليخبرنِّي اللطيفُ الخبيرُ!

قلتُ: يا رسولَ اللهِ، بأبي أنتَ وأمِّي، فأخبرتُه.

قال: فأنتِ السوادُ الذي رأيتُ أمامي؟

قلتُ: نعم.

فلهدني في صدري لهدةً أوجعتني، ثم قال: أظننتِ أن يحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُه؟  !

قالت: مهما يكتمِ الناسُ يعلمْه اللهُ، نعم.

قال: فإنَّ جبريلَ أتاني حين رأيتِ، فناداني، فأخفيتُه منكِ، فأجبتُه، فأخفيتُه منكِ، ولم يكن يدخلُ عليكِ وقد وضعتِ ثيابَكِ، وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهتُ أن أوقظكِ، وخشيتُ أن تستوحشي.

فقال: إنَّ ربَّك يأمرك أن تأتي أهلَ البقيعِ فتستغفرَ لهم!

قلتُ: كيف أقولُ لهم يا رسولَ اللهِ؟

قال: قولي: السلامُ على أهلِ الديارِ من المؤمنينَ والمسلمينَ، ويرحمُ اللهُ المستقدمينَ منَّا والمستأخرينَ، وإنَّا إن شاء اللهُ بكم للاحقون!

الغَيْرةُ شعورٌ إنسانيٌّ لا يُدانُ، بل يُهذَّبُ. عائشةُ رضيَ اللهُ عنها غارتْ، وهذا طبيعيٌّ في قلبٍ يُحبُّ.

والنبيُّ ﷺ لم يُنكر أصلَ الشُّعورِ، بل صحَّح اتجاهَه برفقٍ. فالإسلامُ لا يطلبُ قلبًا بلا إحساسٍ، بل قلبًا يعرفُ كيف يُديرُ إحساسَه دون ظلمٍ ولا سوءِ ظنٍّ.

والغيرةُ حين تُتركُ بلا تهذيبٍ تتحوّلُ إلى نارٍ تأكلُ صاحبَها، وحين تُربّى بالحكمةِ تصبحُ دليلَ محبّةٍ لا مصدرَ قلقٍ.

وهذا الحديثُ يُعلِّمُنا أنَّ المشاعرَ لا تُكبتُ، بل تُفهمُ وتُقادُ. فالنضجُ ليس في إلغاءِ الإحساسِ، بل في تربيتِه حتى يبقى إنسانيًّا جميلًا، لا عبئًا ولا أذًى.

التربيةُ النبويّةُ تقومُ على الطمأنينةِ قبلَ العتابِ.

فالنبيُّ ﷺ شرحَ، وفسَّرَ، وبيَّن السببَ، ثم وجَّهَ. ولم يتركْ في القلبِ فراغًا يولِّدُ الشكوكَ.

هكذا تُبنى الثقةُ: بالوضوحِ لا بالصمتِ؛ وبالشرحِ لا بالهيمنةِ.

فالإنسانُ يخافُ ما لا يفهمُ، ويهدأُ حين تُضاءُ له الصورةُ. والتربيةُ الحكيمةُ لا تعتمدُ على السلطةِ، بل على الفهمِ. وحين يشعرُ القلبُ أنَّه محترمٌ ومفهومٌ يصبحُ أكثرَ استعدادًا للقبولِ والتعلُّمِ.

لذلك كان البيانُ في البيتِ النبويِّ جزءًا من الرحمةِ، لا مجرّدَ تبريرٍ للموقفِ.

العبادةُ لا تعزلُ الإنسانَ عن أسرتهِ.

وخروجُ النبيِّ ﷺ كان لطاعةٍ عظيمةٍ: الاستغفارِ لأهلِ البقيعِ، ومع ذلك راعى مشاعرَ زوجتهِ، وخشي أن تستوحشَ.

الرسالةُ واضحةٌ: القربُ من اللهِ لا يكونُ على حسابِ القربِ من الناسِ، بل يوسِّعُه ويُجمِّلُه.

فالعبادةُ التي تُقسِّي القلبَ ليست عبادةً كاملةً. وكلما ازداد الإنسانُ قربًا من اللهِ ازداد لطفًا مع من حوله. فالدِّينُ ليس هروبًا من العلاقاتِ، بل تهذيبٌ لها. ومن ظنَّ أنَّ الصلاحَ يعني الإهمالَ العاطفيَّ فقد فهم نصفَ الطريقِ فقط.

الموتُ تربيةٌ للأحياءِ.

زيارةُ المقابرِ ليست حزنًا فقط، بل تذكيرٌ بالمسيرِ. والدعاءُ للأمواتِ يوقظُ القلبَ من غفلتِه، ويُعيدُ ترتيبَ الأولويّاتِ. ومن أكثرَ زيارةَ المقابر صغرت عنده خصوماتُ الدنيا، لأنَّ النهايةَ واحدةٌ، والطريقَ قصيرٌ.

تذكُّرُ الموتِ لا يُطفئُ الحياةَ، بل يُنقّيها. يجعلُ الإنسانَ أخفَّ خصامًا، أسرعَ عفوًا، وأهدأَ نفسًا. ومن يعيشُ وهو يرى النهايةَ بوضوحٍ يعيشُ الحاضرَ بحكمةٍ. لذلك كانت المقابرُ مدرسةَ تواضعٍ، ومحرابَ يقظةٍ، ومرآةً تُعيدُ للإنسانِ حجمَه الحقيقيَّ.

هل ما زال الخليج كما كان؟

هل ما زال الخليج كما كان؟

د.جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي

لم يكن الخليج في ذاكرة أبنائه مجرَّد مساحة جغرافية تطلُّ على البحر، بل كان ملاذًا للأمان وفرصةً لحياة أكثر استقرارًا ورغدًا للخليجيين والعرب والوافدين، فقبل النفط، صنعت التجارة البحرية واللؤلؤ وروابط المدن الساحلية روحًا من الاعتماد المتبادل، ثمَّ جاء عهد النفط والغاز للمنطقة ونقلها إلى مرحلة جديدة، فوفّرت الدولة الحديثة التعليم والعلاج والسكن والخدمات، وفتحت الوظائف أبوابها أمام أجيالها التي تبحث عن مستقبل أفضل، وساعد صغر المجتمعات، وتقارب العادات بين الخليجيين، وقوة الروابط الأسرية، وارتفاع الدخول القومية، وقوة الاستثمار في البنية التحتية في ترسيخ الشعور بالطمأنينة والرفاه في البلاد الخليجية، فمنحت للغير إحساسًا بأنَّ الخليج مكان يستطيعون فيه العمل وتربية أبنائهم والعيش بأمان، وأنَّ الثروة يمكن أن تتحوَّل إلى تنمية وفرص حقيقية للبناء.

لكن الخليج لم يعد كما كان، أتحدث عن الوقت الراهن، فقد توالت عليه أزمات أعادت تشكيل علاقاته وموازين الأمن لديه، فمنذ بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 واستمرت ثماني سنوات، دفعت دول المنطقة إلى قلقٍ دائم من اتساع الصراع، ثمَّ جاء غزو العراق للكويت عام 1990 ليكشف أنَّ أمن الخليج قابل للاختراق، وأنَّ الجوار العربي لا يمنع الحرب، وفي قطر وقع انتقال السلطة عام 1995، ثمَّ شهدت المنطقة خلافات سياسية متكررة، وصولًا إلى حصار قطر عام 2017 الذي قادته بعض الدول، وقبل المصالحة في قمة العلا عام 2021. 

وكشف ذلك عمق التباين السعودي القطري والإماراتي، وأثره في تماسك مجلس التعاون، وفي اليمن، تمدد الحوثيون وشنوا هجمات عابرة للحدود، واليوم ومع الحرب الأمريكية الإيرانية منذ فبراير 2026، والردود الإيرانية التي طالت منشآتٍ وممرات خليجية وحصار مضيق هرمز المربك، فعاد الخليج إلى قلب مواجهة تتجاوز حدوده وتهدد الطاقة والتجارة وحياة المدنيين.

وللخروج من هذه الأزمة لا يستلزم أبداً إنكار الاختلاف، بل بإعادة بناء الثقة الخليجية على قواعد واضحة تحترم سيادة الدول وتمنع تحويل الخلاف السياسي إلى حصار أو تهديد، لذلك فالمطلوب تفعيل الرابطة الخليجية بوصفها إطارًا للحوار والتنسيق بينهم الأطراف الخليجية، وإنشاء قنوات دائمة لخفض التصعيد مع الجميع، ومع ضرورة التمسك بحقِّ الدفاع عن النفس ورفض استهداف المدنيين والمنشآت، وكما ينبغي تنويع منابع الاقتصاد ومصادر الطاقة ومسارات التصدير تجنباً لأيِّ توتر، والقيام بتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وحماية البنية الرقمية، حتى لا تتحوَّل نقاط القوة الخليجية إلى مواطن هشاشة عند أول أزمة ولا ننسى دعوتنا وتذكير للقيادات أن تجعل مصالح الشعوب معيارًا للقرار، وأن تصارح الناس بالمخاطر وتستثمر في الدبلوماسية والوساطة بدل سباق التصريحات والتصعيد.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

دول الخليج: وشائج أخوة ووحدة مصير

آخر كلام 
 دول الخليج: وشائج أخوة ووحدة مصير

 


 د. محمد المقاطع 

آن لنافثي السموم في محيطنا الخليجي أن نرد سمومهم إليهم وندعهم يموتون تسمماً أو حسرة أو قهراً.
نعم، فقد تزايدت حسابات وتعليقات وتعقيبات نافثي السموم من أطراف مندسة واستخبارات وسفهاء في دول عديدة، وتحاول أن تعكر وشائج الأخوة ووحدة المصير ولحمة القربى والقواسم المشتركة التي تجمعنا خليجياً شعوباً وأنظمة، بسمومهم القاتلة! 

وعلى كل الشعوب الخليجية ومفكريها ونخبها أن تدرك ما يحاك لها في الظلام وبمخططات خبيثة وبث للسموم بيننا! 
فقد قهرناهم ونجحنا في ارتداد سمومهم على دولهم وأجسادهم! وهو ما ينبغي أن نحققه وننجح به في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة! 
والتي تحاك فيها شتى أنواع المؤامرات حولنا رغبة في زعزعة استقرار خليجنا بعد أن تمكنا بحنكة وحكمة وثبات شعوبه وقياداته من أن نفشِّل مخططات جرنا لحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل! 
ولابد أن نعي جميعاً أنه صار أمراً حتمياً عدم الانجرار لمعارك السوشيال ميديا، والتي تحاول أن تثير الفتنة بيننا، وتجعل ذلك شرخاً في بيتنا الخليجي المتماسك! 
فلنتوحد وليكن موقفنا حكيماً ومتراصاً يخيب مقاصدهم ويفشل مخططاتهم ويتخلص من سمومهم ويجعلها ترتد إليهم بخيبة كاملة، بوعي وإدراك ومسؤولية من قبلنا. 
ولعل ما تجلى من موقف خليجي حاسم وصارم في الوقوف مع المملكة العربية السعودية جراء العدوان الحوثي الإيراني عليها، والتضامن الصلب الذي أبدته دول الخليج كافة لخير رد على نافثي سموم الفتنة والفرقة والتنابز المشين! 
وقد سبق ذلك موقف خليجي موحد في فترة العدوان الإيراني الفارسي الذي سعى إلى جر الخليج لمعركته بحقد أسود دفين، بإطلاق صواريخه ومسيراته على دولنا، رغم قدرة دول الخليج على الرد والردع لكن غلبت الحكمة العقل. 
وقد برزت وحدة دول الخليج تمسكاً بحبل الله المتين في شأن وحدتنا ووحدة مصيرنا وعدم التعامل الفردي من كل دولة مع الحدث، وضرورة أن يكون التعامل جماعياً وبصوت واحد وموقف موحد خارجياً وداخلياً وبوحدة وترابط اقتصادي موحد يضع إمكانيات وثروات دول الخليج مجتمعة في موقف اقتصادي موحد في محاصرة أو مقاطعة أو معاقبة كل من يعتدي أو يتجاوز على دوله أو أي دولة من دوله منفردة، فكلما كان موقفنا بهذه الوحدة كان تأثيرنا وقوتنا سبباً لحماية دولنا وثباتها وانتصارها في أجواء حرب وسياسة عاتية متقلبة، ملوثة وغامضة، تراوح بين حالة اللاسلم واللاحرب، بما فيها من تداعيات وتوتر واستنزاف، يمتد إلينا في الخليج بشكل مباشر، ولذلك فإن رده وصده وإفشاله يكون بتلاحمنا ونبذ أسباب الفتنة والفرقة والتنازع الإعلامي. 
وقد أبدت دول الخليج مواقف عديدة تعبر عن تلاحمها، ولعل ما قامت به الكويت في خطب الجمعة الماضية من إعلان التضامن مع المملكة وكل دول الخليج وابراز هذا الموقف ليكون شعبياً ورسمياً في آن واحد يسير في هذا السياق التضامني. 
ولا شك أن هذه المرحلة تعتبر حاسمة لإعادة هيكلة مجلس التعاون الخليجي ليكون منظومة ترتقي إلى اتحاد خليج متكامل سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً، بحيث يكون قراره في هذا المضمار واحداً وموحداً في هذه الجوانب قادراً على ردع وصد كل مؤامرات هذه المرحلة وتداعياتها.

مكر النسوية والخيبة الكبرى من الأسرة إلى الأمة

 مكر النسوية والخيبة الكبرى من الأسرة إلى الأمة

 
عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يُفْلِحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهُمُ امرأَةً
خلاصة حكم المحدث. صحيح: أخرجه البخاري
حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن مستقبل الأمة حال إرادة النجاح حديث معجز ومنه ما جاء في الحديث أعلاه الذي بين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الطريق الى خيبة الرجل في بيته والقرية والدولة وعموم الأمة عندما 
قال: لن يُفْلِحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهُمُ امرأَةً.
إن عدم الفلاح قرين تمدد الفكر الجاهلي بصفة عامة والنسوي خاصة داخل الأسرة والعائلة والقرية والدولة والأمة إن سقوط الأسرة في هوى وهوس المرأة المترجلة أو الفاقدة لقيم المروءة والشهامة والعطاء أمر خطره عابر للزمن يتجاوز العقود الزمنية.
النسوية ليست مجرد جماعة نشأت في كنف المنظمات الصهيونية أو الماسونية العالمية أو الكيانات العلمانية الغربية أو أندية الروتاري أو شواطئ مجتمع الطبقات التي لا تدرك قيمة الدين وحقيقة الرجولة أو طبيعة الإسلام عندما يحكم الرجل والمرأة وعموم المجتمع العربي والإسلامي.
 النسويات فكرة جاهلية نبتت في عقول كارثية انقلبت على الفطرة الربانية لبناء مجتمع وأمة بعيدا عن مكارم الاخلاق الإسلامية
التي يعيش معها الرجال حراسا للفضيلة فلا يستسلمون لمكر المتمردات على القيم بل يقاومون حيل المكر ومكر الحيل التي تسير عليها من رضعن الخبث لبنا وتم فطامهن على المكر والتدليس والتدرج لاستهلاك الرجال كرؤية جهنمية وحيل نسوية والله المستعان
النسوية أو تمرد الفاشية الشيطانية في قلب المرأة ومن تتحول من سكن للزوج الى شيطان ماكر تعمل بخبث وتتحرك بمكر متدرج الغاية منها القضاء على رجولة الرجل أو تحويله في أضعف حالتها إلى مجرد كائن حي يعمل في الأرض ليحقق لها الغايات التي تتغير وفقا لمخطط الهدم للرجولة والخضوع لمتطلبات الواقع كما تزعم المجرمات التي رضعن من ثدي الخسة واللؤم والانتكاسة حيث انقضى زمانهن بلا موقف إنساني أو معايشة لحقيقة الإسلام القائم على العطاء الأخلاقي والقيمي ومن ثم تحولت افاعي تفكيك الأسرة والمجتمع العربي والإسلامي إلى مجموعة من النشويات التي تؤسس لفاشية الفجور النسوي للضغط على الرجال في النقيض والقطمير والغاية المكنونة هي دفع الرجال نحو الخضوع والاستسلام في المستقبل القريب أو البعيد بكثرة سقف المتطلبات التي تواكب حركة التقليد المجتمعي بداية من شكليات العادات والتقاليد في السير خلف سنن الذين من قبلنا اليهود أو النصارى حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلته شياطين مجتمع النسوية المتمردة على الفطرة والدين والأخلاق والشريعة.
ولم تكتفي متمردات مجتمع النسوية على هجر المروءة والأخلاق الإسلامية ومكارمها الربانية بل زاد طموح مخطط المكر فهي لن تطلب من والدها أن يكون بخيلا على إخوانه او المجتمع الذين يعيش فيه فما عليها إلا رفع سقف المسؤولية الاجتماعية تجاه رعيته ومن ثم يجد الاب المسكين حسن النية نفسه بين طموح سكاكين ضغط الواقع والاعيب حيل المكر النسوي الساعية نحو هدر قيم المروءة والشهامة وجعل الرجال مجرد ادوات وظيفية لتحقيق رغبات من رضعن الخسة طبعا وهجر الكرامة.
مظاهر الجاهلية النسوية الفاشية:
اولا: الجحود لحاكمية الإسلام في كافة مفاصل الحياة فقد تزعم المرأة انها تصلي الخمس صلوات غير أنها لا تؤمن بالحجاب الساتر لجميع بدنها ورفض الإتباع لفقه امهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين.
ثانيا: السقوط في تيه البخل والشح الأخلاقي ومن ثم تحمل مفاتيح الإهلاك المجتمعي تحت مزاعم الحرية الذاتية فيتم تفتيت وتفكيك الأسرة وفقا لشيطانات المجتمع الجدد الآتي فقدن حقيقة الانتماء لهذا الدين وحقيقة الأخلاقيات الموازية له في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد.
ثالثا: تمدد كارثة استسلام الذكور لحاكمية النساء للمشهد المجتمعي تحت مزاعم المصالح الظنية ولو أحسنوا قراءة الصورة كاملة لفهموا أن الخلاص من المرأة المصابة بالفكر النسوي أو المصاحبة لفيروس الفشل المجتمعي فيه من المكاسب مع يعجز العقل عن تصورها وكل مكسبب يصل إليه الفرد عقب الاستسلام لتيه النسوية فهو مكسب مؤقت تعقبه كوارث يقينية في الحال والمآل.
رابعا: هوس التقليد هو شيطان ضحايا الفكر النسوي التي نتج عنه فاشية التمدد للتعليم الخاص والتي قد لا يناسب طلاب الواقع المعاصر ومن المؤسف استقالة الرجال من المشهد تحت مزاعم الحكمة واحكم الحكم هي قطع السبيل على دعاة الدجل والهوس النسوي الجاهلي.
خامسا: فاشية الهلاك المجتمعي نتيجة تبني قضايا نصرة المرأة المطلقة من أجل مفاهيم النسوية الجاهلية فتهدم البيوت من أجل هوس الذاتية النسوية المتمردة على الدين والفطرة السليمة.
سادسا: تدمير المجتمع العربي والإسلامي نتيجة فاشية الفكر النسوي الذي يصبح الرجل فيه أداة للإشباع الجنسي المؤقت فقط لا غير حين يسقط كرجل له السمع والطاعة ويتحول كأداة أو مفتاح في أيدي المرأة المتمردة على الدين والفطرة والرجولة والمروءة.
الخلاصة ودور المرأة المسلمة:
حتما تخيب الأسرة ويخيب المجتمع وتخيب الدول والأمة كلما سقطت في تيه حاكمية المنظمات النسوية المتمردة على الدين والفطرة والشريعة والأخلاق وهذا ليس فيه هضم أو تجاهل دور المرأة المسلمة التي تربي الرجال والأسرة وفقا للدين والشريعة ومنهج السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين فنساء السلف الذين تربوا في كنف الإسلام خير من الرجال الذين سقطوا في تيه العلمانية والتغريب والباطنية مما جعلهم خدم عند مجتمع النسويات المتمردات
إن غالب الرجال المصلحون قامت على تربيتهم نساء صحبوا الدين والشريعة الإسلامية والسنة النبوية الشريفة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فعاشوا الصلاح والإصلاح في وقت واحد.

جرائم أستاذة العلوم السياسية والاجتماع السياسي

جرائم أستاذة العلوم السياسية والاجتماع السياسي
 

الاثنين، 19 أكتوبر 2026

وجهة وطن: احتجاجات أوروبا... بين التفسير الاقتصادي والوهم العنصري

آخر كلام 
 وجهة وطن: احتجاجات أوروبا... بين التفسير الاقتصادي والوهم العنصري 
محمد البغلي  
يروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن الاحتجاجات التي اندلعت في أوروبا خلال الأسبوع الحالي، خصوصاً في فرنسا وإيطاليا، سببها الأساسي هو «الهجرة» وما ترتب عليها حسب وصفه من «أناس قادمين من عالم مختلف يحملون الكراهية في قلوبهم»، محذراً تلك الدول «أغلقوا حدودكم قبل فوات الأوان». 

هذا التفسير العنصري الذي تبناه ترامب وتناغم معه نائبه جيه فانس ولقي تجاوباً من أحزاب اليمين الأوروبية هو تبرير معتاد للرئيس الأميركي لتجاوز أزمة الحرب في الخليج العربي، التي صنعها بيده وانعكست تداعيات اقتصادية كالتضخم والغلاء المضاعف في أسعار الطاقة والغذاء، وارتفاعاً فاحشاً في تكلفة المعيشة، وتوسعاً في سياسات التقشف وعدم عدالتها، فضلاً عن نمو تكاليف التعليم، وكان العديد من الاقتصادات الأوروبية ضحية لها. 

فإذا نظرنا إلى بيانات الاقتصاد الأوروبي، والتي انعكست أعمالاً احتجاجية واسعة النطاق أخذت في بعض المدن منحى العنف الخارج عن السيطرة، فسنجد أن التضخم السنوي في منطقة اليورو بلغ 3.8% في سبتمبر 2026 مرتفعاً من 3.2% في أغسطس مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة بـ 18.9% سنوياً، والتي تجاوزت معدلها في فرنسا وإيطاليا بـ 20%، كما نمت أسعار المنازل بواقع 7.1% سنوياً، والإيجارات بنحو 5.9%، بل إن أسعار المنازل في البرتغال، وهي واحدة من الدول التي شهدت احتجاجات واسعة، بلغ ارتفاعها السنوي 16 %، أما في إيطاليا فقد انخفض معدل الأجور الحقيقية بعد التضخم بـ 6.6 %، كما زادت رسوم التسجيل الجامعي في بلجيكا 18%، في حين ارتفع التضخم في اليونان إلى 4.2%، مدعوماً بنمو تكاليف النقل والإسكان. 
 هذه الضغوط الاقتصادية الخانقة انعكست على التعليم والعمل والسكن والدخل المالي فأفرزت مظاهرات وأعمالاً احتجاجية بقيادة الحركات الطلابية والنقابات العمالية والسترات الصفراء والمتضررين من مصاعب الإسكان والتعليم وغيرهما، ولم يكن البعد المتعلق بـ «الهجرة» عاملاً فعلياً في تحريك الاحتجاجات. 
الغريب أن ثمة من يرى أن «المهاجر» مسألة مرتبطة باللون الأسود أو العرق العربي أو الأمازيغي، حتى لو كان من الجيل الرابع أو الخامس من أبناء المهاجرين الذين وصلوا إلى أوروبا منذ 70 أو 80 عاماً، بينما تتعامل القوانين الأوروبية معهم كمواطنين «كاملي الدسم» حتى مع تطرف بعض أحزاب اليمين الأوروبي. 
بل إن بعض أبناء المهاجرين مثل اللاعب الفرنسي - الجزائري الأصل زين الدين زيدان أو اللاعب الألماني - التركي مسعود أوزيل لديهما من الشعبية والقابلية في مجتمعيهما القدرة على صد أي دعوات عنصرية، فضلاً عن أن رئيسة حزب المحافظين البريطاني الذي يعد من تيار «يمين الوسط» هي من أبناء المهاجرين وذات أصول نيجيرية. 

في النهاية، تظل الاحتجاجات في أوروبا، حتى مع بعض انحرافاتها نحو العنف، مرتبطة بجوانب اقتصادية ومعيشية وخدمية مدعومة بالأرقام، وتعكس جانباً من المناخ الديموقراطي الذي يسمح بمحاسبة الإدارة وتغييرها متى ما فشلت في تحقيق برامجها أو أخفقت في تقويض تداعيات الأزمات التي تواجهها، وما الأوهام العنصرية التي يروجها ترامب إلا لتخفيف آثار إخفاقاته في السيطرة على تداعيات حربه في منطقة الخليج العربي، وقبلها صعوبة وقف الحرب الأوكرانية - الروسية، كما أنها لا تلقى قبولاً إلا من أحزاب اليمين العنصري وبعض الموهومين لدينا ممن يحللون أحداث العالم من زاوية «راس العاير» في فريجهم القديم!