تدريجيًا ثم على نحو مفاجئ.. الهيمنة المفترسة وتآكل القوة الأميركية

الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
تدريجيًا ثم على نحو مفاجئ.. الهيمنة المفترسة وتآكل القوة الأميركية

نقطة نظام
روى ابن كثير في البداية والنهاية، وابن عساكر في تاريخ دمشق،وابن الجوزي في صفة الصفوة:
إنَّ عبد الوهاب بن سعيد قال: حجَّ الحَجَّاجُ فنزلَ بين مكة والمدينة، ودعا بالغداء،
وقال لحاجبه: انظرْ من يتغدى معي، وأسألهُ عن بعض الأمر!
فنظر نحو الجبل، فرأى أعرابياً، فذهبَ إليه، وقال له: إئْتِ الأمير.
فأتاه، فقال له الحجاج: اغسِلْ يديكَ وتغدَّ معي.
فقال: إنه قد دعاني من هو خير منكَ فأجبته!
قال: من هو؟
قال: الله تعالى، دعاني إلى صوم النافلة، فأجبته!
فقال له: في الحرَّ الشديد؟
فقال: صمتُ ليومٍ هو أشدُّ حراً من هذا اليوم!
فقال له: فأفطِرْ اليوم، وصُمْ غداً!
فقال: إن ضمنتَ لي البقاء إلى غد!
فقال له: ليس ذلكَ إليَّ.
فقال: فكيف تسألني عاجلاً بآجلٍ لا تقدِرُ عليه؟
فقال له الحجاج: إنه طعامٌ طيِّب!
فقال الأعرابي: لم تُطيبه أنتَ ولا الطباخ، ولكن طيبَه العافية!
تأملوها بعمق: ولكن طيَّبَه العافية!
إن قيمة النعم تكمن في القدرة على الاستمتاع بها، وليس بمج رد امتلاكها فقط!
فكم من صاحب نعمة ينظرُ الناسُ إليه بعضهم بالغبطة، وبعضهم بالحسد،
وهو في الحقيقة محرومٌ!
كثير من الأغنياء يملكون مالاً يستطيعون به شراء طعام يكفي مدينةً،
ولكن أحدهم لمرضٍ نزلَ به لا يستطيع أن يأكل ما هو قادر على أن يشتريه!
كنتُ أستمع مرةً إلى محاضرة للدكتور محمد النابلسي،
وروى فيها عن غنيٍّ يعرفه، أنه لا يستطيع أن يأكل إلا الخضار المسلوقة،
ولو أكل شيئاً آخر لمات!
ما طابت لهذا ولأمثاله الدنيا وهي بين أيديهم، إلا لأنهم حُرموا العافية في البدن!
وكم من قصر منيف، ينظرُ إليه الناس من بعيد، ويتمنون أن يكونوا من أهله،
وما هو في الحقيقة إلا قبر دُفن فيه الأحياء،
فيه زوجة مهملة كأنها أثاث،
وأولاد شغلت آباءهم التجارة والدنيا عنهم،
حياة فيها ترف المظاهر وقسوة الواقع،
كجثة هامدة لامرأة حسناء، ينظرُ إليها الرائي ويحسبها نائمة فيتمنى أنها له،
فإذا عرف أنها ميتة انصرف بكله عنها!
ذاك أنه بيت نُزعت منه عافية المودة والرحمة!
فإذا سألتم الله تعالى شيئاً فاسألوه أن يعطيكم إياه مع العافية،
فإنها متى نُزعتْ من شيء صار لا قيمة له!
خواطر صعلوك
دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ...
لقد أفسدت الحداثة المشوهة مصطلح «المثقف» في أذهاننا، حتى باتت الكلمة تستدعي فوراً صورة ذلك الشخص المكتئب العابس، الذي يمسك بغليون أو فنجان قهوة مرة، وينظر للناس من علٍ... متشدقاً بمصطلحات معقدة لا يفهمها هو نفسه، وظيفته الأساسية هي التنظير واستعراض العضلات المعرفية في الفضائيات والمجالس والمقالات والصالونات الأدبية.
لكن، لو تركنا فلاسفة المقاهي مثل خيري ورشاد وبدوي جانباً، وعدنا إلى النص القرآني لنبحث عن مصطلح «المثقف» بلفظه المعاصر، فلن نجده، لم يرد في القرآن لفظ المثقف.
القرآن الكريم لم يستخدم هذه الكلمة الاستهلاكية، بل صاغ توصيفات أدق، وأعمق، وأثقل وزناً لهذه الشخصية؛ فسماهم: «أُولُو الْأَلْبَابِ» وهم أصحاب العقول الصافية التي لم تتلوث بالتعصب، و«الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»، ووضع لهم رتبة عليا أسماها «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».
ومن خلال تتبع دقيق لهذه الأوصاف القرآنية، بعيداً عن ضجيج «باعة الكلام» وصناع المحتوى بالدولار، تبرز لنا الملامح الحقيقية للمثقف كما يجب أن يكون، وتكتمل صورته عبر خمس محطات رئيسية تكشف زيف مثقفي الأضواء:
1. الإنصات الواعي:
المثقف في زماننا هو كائن يعاني من «الصمم الاختياري»؛ فهو يستمع فقط لمن يطبل له، ويقرأ فقط ما يعزز انحيازاته المسبقة... أما المثقف في القرآن، فهو منفتح بشجاعة على كل مصادر المعرفة، يمتلك «فلتر» نقدياً دقيقاً، يسمع الآراء كلها، ثم يضعها على ميزان العقل ليفرز الغث من السمين ويتبع الأصوب.
يقول تعالى واصفاً إياهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «الزمر: 18».
2. التفكر العميق... لا «حشو» المعلومات:
بعض من يُحسبون على الثقافة اليوم هم مجرد «فلاش ميموري» (USB) بشرية؛ يمتلكون حشواً هائلاً من المعلومات الميتة لسردها في المجالس وكلوب هاوس ومنصة «إكس». في المقابل، المعرفة عند المثقف القرآني ليست تجميعاً للبيانات، بل هي «منهجية تفكير» مستمرة، تغوص خلف قشرة الأشياء، وتربط بين حركة الكون والحياة والإنسان بوعي مدهش.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً﴾ «آل عمران: 191».
3. الخشية والتواضع:
كلما قرأ المثقف المزيف كتابين، انتفخ كالطاووس وظن أنه أحاط بالكون خُبراً، وأنه أصيب بلعنة الوعي التي تجعله يرتدي نظارة يتعالى بها على البشر.
أما في المنظور القرآني، فالمعادلة عكسية تماماً... فكلما اتسعت مساحة وعيك، زادت خشيتك، وأدركت حجم جهلك ومحدودية عقلك أمام عظمة الخالق واتساع الكون... المعرفة القرآنية تورث صاحبها الانكسار والتواضع، لا الاستعلاء والغطرسة.
اقرأ إن شئت: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ «فاطر: 28»..
وتأمل التذكير الإلهي الصارم: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ «الإسراء: 85».
4.هواة «الصيد في الماء العكر»:
المثقف «التريند» يعشق إثارة الجدل؛ يبحث عن المتشابهات، والغرائب، والآراء الشاذة ليصنع لنفسه هالة من الاختلاف، لدّي صديق قرأ كل تاريخ الشام ومصر وأوروبا بحثاً عن الغرائب دون أن يصقل ذلك في شخصيته أو تفكيره شيء... أما المثقف القرآني فهو «الراسخ في العلم»؛ جذوره ضاربة في الأرض، يمتلك رؤية كلية تمنعه من الغرق في التفاصيل الخلافية المربكة أو توظيف المعرفة لإشعال الحرائق الفكرية، بل يرد الفروع المعقدة إلى الأصول الواضحة ليصنع طمأنينة اليقين.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «آل عمران: 7».
5. «الحكمة»... ذروة سنام الوعي:
القرآن يخبرنا بوضوح أن حيازة الشهادات العليا وتكديس النظريات ليسا ذروة الثقافة، بل الذروة الحقيقية تكمن في بلوغ مرتبة «الحكمة». والحكمة ببساطة هي أن تضع معرفتك في مكانها الصحيح، وأن تحول هذا المخزون العقلي إلى «سلوك راشد» ينفعك وينفع الناس، لا أن يبقى تنظيراً أجوف لا يطعم جائعاً ولا يبني وطناً.
يقول عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «البقرة: 269».
عزيزي القارئ، المثقف في شرع القرآن ليس كائناً صوتياً يزعجنا في وسائل التواصل، بل هو إنسان متواضع، واسع الأفق، ناقد بصير لا يخدعه بريق الكلمات، كما أنه شخص يربط بين الظواهر بعمق، ويترجم معرفته إلى حكمة في التصرف وخشية للخالق، مترفعاً عن الجدل العقيم واستعراض الذات.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل علم وثقافة لا يُراد بها وجه الله... تضمحل.
مضر أبو الهيجاءلطالما وَجَدَ الخطابُ الإسلاميُّ المضطربُ عقولًا ضعيفةً وهشَّةً سواءٌ أكانَ في الاتجاهِ الصحيحِ أم الخطأ، وهي سمةٌ بارزةٌ من سماتِ الذهنيةِ والعقلِ الإسلاميِّ المعاصر، تمسُّ بعضَ العلماءِ والدعاةِ والقادةِ السياسيينَ كما العوام!
من المفزعِ اليومَ وبعدَ انقضاءِ مائةِ عامٍ على زوالِ الخلافةِ والمحاولاتِ الإسلاميةِ لإعادتها وإنقاذِ شعوبِ الأمةِ مما حلَّ بها -من عذاباتٍ وآلامٍ وتشريدٍ وقهرٍ نتيجةَ مشاريعِ الطواغيتِ العربيةِ الإسلاميةِ الوضعيةِ والغربيةِ الصليبيةِ المتصهينةِ- أن يبقى العقلُ العربيُّ والإسلاميُّ متصفًا بذهنيةٍ ضعيفةٍ تصوغها العواطفُ، الأمرُ الذي يسوقُ كثيرًا من العامةِ وجزءًا مهمًّا من العلماءِ والدعاةِ للموقفِ والمكانِ الخاطئِ في حالينِ متناقضين.
الموقفُ العربيُّ والإسلاميُّ تجاهَ مشروعِ وليِّ الفقيهِ يكشفُ تهافتَ البنيةِ العقليةِ الإسلاميةِ!
منذُ حلولِ الخميني في طهرانَ برعايةٍ غربيةٍ أمريكيةٍ، ومنذُ أن توافقَ الغربُ على تسليمِ مفاتيحِ الحكمِ في إيران لملالي إيران أصحابِ مشروعِ ودينِ وليِّ الفقيهِ، لم يُخفِ الملالي كفرَهم ولا عداوتَهم للمسلمين، بل إن منطقتنا العربيةَ وأعراقها المسلمةَ جميعًا ذاقت ولا تزالُ تذوقُ حجمًا من العذاباتِ والآلامِ والضياعِ والتشتيتِ والاستنزافِ للعقولِ والأموالِ والأرواحِ نتيجةَ امتلاكِ الملالي لدولة، بحيثُ فاقت شرورُ إيرانَ وليِّ الفقيهِ شرورَ الكيانِ الإسرائيليِّ الغاصبِ لأراضي فلسطين وسوريا ومصر ولبنان.
وبعدَ إتلافِ العراقِ العظيمِ وحرقِ الشامِ المباركِ وتجريفِ اليمنِ السعيدِ وتهديدِ الخليجِ المستقرِّ والعبثِ الدائمِ بلبنان والكيدِ العميقِ لتركيا المسلمة، جاءت معاركُ غزة وفلسطين لتمسحَ بصاروخٍ هلاميٍّ -أصاب العقولَ فأحدثَ فيها عطبًا- آثامَ المشروعِ الإيراني ثم تستعلي قيادته المجرمة على عرشِ الجهادِ والمقاومةِ للمشروعينِ الإسرائيليِّ والأمريكيِّ -المتخادمين والمتعاونين معها طيلة أربعة عقود- بسببِ موقفِ قيادةِ المقاومة الإسلامية المتحالفة والمروِّجة لقيادات إيران المعادية والمعتدية على الأمة.
والسؤالُ يقول:
إذا كانت قيادةُ المقاومةِ الفلسطينيةِ مأزومةً من النواحي السياسيةِ الماديةِ الأمرُ الذي دفعها لاتخاذِ مواقفَ مختلةٍ وخاطئةٍ تحت ضغطِ الحاجةِ وإكراهاتِ الواقعِ وهشاشةِ تصوراتها لمشروعِ التغيير، فما الذي ألجأ جزءًا مهمًّا من علماءِ المسلمين ودعاتهم وقياداتهم ونشطائهم لتبني نفسِ الموقفِ الخاطئِ والضال تجاه النظامِ الإيراني ومشروعِ الملالي؟
والجوابُ الاستفهامي يقول:
إذا كانت العاطفةُ المنزوعةُ عن الهدى والرشاد هي الدافعَ للمواقفِ المضطربةِ -التي تبناها بعض العلماء وكثير من القيادات الحركية وجموع من الجماهير العربية والإسلامية- تجاه النظام والمنظومة الإيرانية المعتدية، فكيف يمكن تفسيرُ الانقلاب في الموقف اليوم عندما علا صوتُ نباح رؤوس الشياطين الشيعية الطائفية في النيل من جميع رموز المسلمين والصحابة المعدلين وأم المؤمنين؟
فهل حقًا علم وعرف هؤلاء اليوم أن مشروع ودين ولي الفقيه الإيراني يستهدف هوية ودين ودماء المسلمين؟
ومن أين جاء الفهم الهش والمقاربة المضطربة وتهافت التهافت في القول، حين اعتبر البعض أنه يمكن تجاوز أنهار من الدماء المسفوكة ظلمًا بأيدي ملالي إيران وميليشياتهم لأجل عيون غزة وفلسطين، ولكن لا يمكن ولا يجوز أبدًا السكوت حين يُمس الدين؟ أوليس هذا فهمًا دخيلًا على من يدينون بالقرآن الكريم ويعلمون أحكام الشريعة؟
تهافت التهافت الإسلامي تجاه المشروع الإيراني!
إن موقف بعض العلماء وجماهيرهم من الذين وقفوا مع إيران انطلاقًا من حبهم لفلسطين موقفٌ خاطئٌ ومرفوض، وهو موقف غير شرعي ولا أخلاقي.
وإن موقف العلماء في التهليل لمن يتجاوب مع فعل الشيعة الطائفيين المحرضين فيقوم بالرد التحريضي، موقفٌ مضطرب وضعيف يشير إلى اهتراء سياسي ويشكل أرضية خصبة للانزلاق نحو مخطط الغرب الصليبي الصهيوني المعلن في جر المنطقة والشعوب إلى حروب طائفية سيخسر فيها الجميع.
فمتى وكيف يكون الخلاص من خطاب إسلامي يُحرّف المؤمنين عن معارك الحق في مواجهة الباطل والسعي لتمكين الدين وعز المؤمنين، إلى معارك تيوس وحمير تنقاد خلف كاهن وشيطان رجيم يتنقل بين واشنطن وتل أبيب؟
وهل فكّر أحد من هؤلاء أن يستفيد من مدرسة الشيخ حارث الضاري وخطاب هيئة علماء المسلمين في العراق والمقاربات السياسية التي يطرحها رئيس القسم السياسي في الهيئة الدكتور مثنى حارث الضاري؟
أم أن مزمار أهل الحي لا يُطرب؟
المدرسة العراقية رائد الخطاب الإسلامي المعاصر تجاه مشروع ولي الفقيه والمنظومة الإيرانية ونظامها الحاكم
مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/5/2026
الإنس والجان في سوريا
أحمد عمر
تقول سيرة سيف بن ذي يزن الشعبية، أو أي سيرة شعبية يشارك فيها الإنسُ والجان في المسالك والممالك، إنه ما إن حكّ التاجر الخاتم حتى انتصب أمامه مارد، يداه كالمذاري ورجلاه كالصواري؛ لكن أمجد سوري يشبهنا، ليس ماردا أو عفريتا، فما اقترفه يدفعنا إلى الاستعارة الأدبية لفهم ما حصل، بل قد يراه البعض وسيما، بل لطيفا وصاحب دعابة، وتظهر صفحته التواصلية بعضا من جوانب سيرته العاطفية، وحبه لأهله ولصاحبته، مثله مثل توفيق جركس في فيلم البريء لعاطف الطيب، يعذب المعتقلين ثم يلهو مع الأطفال!
لقد رأينا أمجد يوسف الذي خلق من نار السموم، وهو يقتل "أهله من السوريين"، لكن من الطائفة الأخرى، الطائفة التي خُلقت من طين، قتلا يشبه اللهو في أفلام الرعب الكوميدية أو أفلام المافيا.
هو بشر مثل بقية البشر، ليس ماردا، لكن العصمة القضائية والسلاح والحقد المعتق، والفرادة الدينية، جعلته ماردا، يقتل وهو يبتسم للكاميرا، كان يقتل ضحاياه من السنّة المدنيين معصوبي الأعين، فالتعمية عقوبة إلهية استعارها البشر المتألهون لعقاب خصومهم.
"قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا"، "وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" (سورة طه).
يمكن أن نسمي ما رأيناه من عجائب القصاص والتحقيق غير البوليسي، والقبض على أمجد يوسف في قريته الوادعة، باسمه وزيّه، ليس متنكرا في زي شيخ في مسجد، أو راهب في كنيسة نائية في أعماق الصحراء، أو زي فلاحة في أعالي الجبال
إن اعتقال أمجد يوسف كان يشبه صيد القرد العملاق كينغ كونغ، أو صيد الأقزام لجلفر في رحلات جوناثان سويفت، فماذا لو رأينا كبيرهم الذي تعلم السحّر بشار الأسد في القفص غير الذهبي.
يمكن أن نسمي ما رأيناه من عجائب القصاص والتحقيق غير البوليسي، والقبض على أمجد يوسف في قريته الوادعة، باسمه وزيّه، ليس متنكرا في زي شيخ في مسجد، أو راهب في كنيسة نائية في أعماق الصحراء، أو زي فلاحة في أعالي الجبال.
ولم يرَ السوريون مشهدا في محكمة علنية قط، منذ القبض على مجموعة من قادة الإخوان سنة 1978. قال الله تعالى في كتابه الكريم: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، لكن لأنّ حياتنا خلت من القصاص، بل لأنَّ القصاص كان من الضعفاء دون الشرفاء، انتهت بمقتلة قلّ نظيرها في الأمم، فلم يكن قصاص، وفيه حياة، سوى مشاهد مسموعة من الإذاعة لسلسلة تمثيلية اسمها حكم العدالة، أو مشاهد المذيع كولومبو نظام الأسد السيد الأيوبي، وهو يسأل المجرمين والجناة سؤاله متضمنا الجواب: أين الأموال المسروقة؟ ثم يجيب عنه جوابا حكيما فيقول: صرفتها على ملذاتك الشخصية؟
فالنظام السابق غفِل عن أمر وهو أنَّ العدالة ركن ركين من أركان الدولة، ومضاف إليه أنه جنس أدبي وفني وسينمائي وحياتي، ففاته ففات.
أما عجائب القبض على أول قاتل غير "متسلسل" من مائة ألف أو مائتي ألف قاتل غير متسلسل، فأولها أنه اعتقل في بيت أهله، ومشهد الاعتقال أثار الناس، فالناس يتماهون مع العواطف وصاحب الصورة. وقيل في الاعتقال لدى معارضي الحكم الجديد: إنه ذر للرماد في العيون، لصرف النظر عن فساده، وقيل إنه معتقل منذ زمن، لكن هذا لا يثبت في ميزان أو ينزل في قبان. والعجيبة الثانية هي ردود فعل أهله، أمه وأخواته، الذين ظنّوا أنَّ مرور ثلاث سنوات على قتل 40 ضحية مدني معصوبي الأعين، وحرقهم -والعدد المقتول أكبر بعشرات الأضعاف- سقوط للتهمة بتقادم العهد وتعاور الزمان، فهم من المؤمنين بعقيدة الأبد الأسدي. وقياس الزمن عند الموالين غير الزمن عن المعارضين، فزمنهم زمن نسبي غير إينشتايني، فهو عندهم بريء، كان يطلق النار على المسلحين أو الدواعش، أو يقوم بواجبه الوطني، من غير برهان أو تحقيق.
كان يمكن أن يبقى بطلا في نظر أهله وطائفته ونظامه، وقد يبقى، ربما ينال وساما علنا أو سرا، أو واحدا من حاشية أمير النحل، لكن نزع الله ملكا، وأعزّ جندا.
والثالثة هي الصورة التي بثّها العهد الجديد، والذي يظهر فيها وزير الداخلية، الذي لم يفوّت فرصة الظهور مع كينغ كونغ، فتصدر وجه الكاميرا مع المجرم الذي كان يقوم بواجبه، ويطرح عليه السؤال الذي قد نجد أمثاله في السينما الهندية الواعظة، فلم يفوّت المشهد القصير في تحصيل المجد و"الترند"، أو لمواساة الثكالى والأيتام في تحقيق القصاص والشماتة بالمجرم.
وشكل القفص العجيب الذي حبس فيه المتهم عاطف نجيب ببدلة العيد المخططة، يشبه أقفاص الشرفات السورية، وقد جلس فيه وديعا مثل طفل، حليقا، وهو صاحب الجملة الشهيرة التي قالها القاتل الفحل لذوي معتقلي أطفال درعا: عودوا إلى دياركم وأنجبوا غيرهم، وإن لم تقدروا على ذلك، فسنفعل ذلك.
شكل القفص العجيب الذي حبس فيه المتهم عاطف نجيب ببدلة العيد المخططة، يشبه أقفاص الشرفات السورية، وقد جلس فيه وديعا مثل طفل، حليقا، وهو صاحب الجملة الشهيرة التي قالها القاتل الفحل لذوي معتقلي أطفال درعا
البدلة الجديدة تدل على رغبة العهد الجديد في مرحلة جديدة، والاتساء بدول العالم التي تعمم زيا واحدا على السجناء، ولا تسجنهم بزيهم المدني. ثم العجب بالفرحة الوطنية والدينية والتاريخية العارمة لدى السوريين باعتقاله، منهم من تذكّر معركة بدر، وتذكر خطاب النبي عليه الصلاة والسلام للقتلى الكفار: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم.. أما هبل، فهرب إلى روسيا.
سنقرأ آلاف التعليقات التي تعيب إجراءات المحاكمة، وتظهر نواقصها، لأنها لا تشبه محاكمات أوروبا. إنّ قضاتنا يلبسون عباءات سوداء، كما في محاكم الغرب، لكنهم لا يضعون باروكات بيضاء كما في فيلم التقرير، وهو زي متخذ في محاكم بريطانيا، لكن الإجراءات مختلفة عنها في أوروبا، وسنرى كثيرين يصفقون لورود اسم بشار بين المطلوبين، فهي وقائع أول زفّة شعبية إلى العدالة الغائبة.
يظهر في الصور والفيديوهات اعتقال أمجد يوسف من بيته، ولحظة اعتقاله وضبطه ودسّه في السيارة، وانعكاس مستطيل للضوء على وجهه، وخلفه جندي في قبعة عسكرية تشبه قبعة الكاوبوي، وعلى وجه المجرم الهارب آثار دماء، كأنها لوحة الإعدام لفرانثيسكو غويا، وقد صورت بكاميرا حيّة. فيما بعد سنرى عاطف نجيب في القفص، والناس حوله يهتفون، كأننا في محاكمة من محاكمات القرون الوسطى من روايات فيكتور هيجو، وسمعت حوارات طريفة تدور بين أهالي ضحاياه وبين المجرم.
إن أكبر أسباب الإلحاد هو أنّ الملحدين يقيسون الله بقدرات البشر وطاقاتهم المحدودة، أما أكبر أسباب النقد الذي يوجه إلى العهد الجديد من الناقدين الأفاضل، في مدن وسائل التواصل الاجتماعي، فهو أنهم يريدون عدالة سويسرية في سوريا.
يروي فيلم 12 رجلا غاضبا، وقائع محاكمة قضية جنائية يتحول فيها المتهم المدان إلى بريء بعد إجلائها وإعادة النظر فيها، ويستطيع محام ماهر حاذق أن يجعلنا نبكي على أمجد يوسف الضابط المسكين، المغرر به، الذي لم يجد سوى القتل لأنه كان بلا عمل؛ المساعد أول في سرايا الدفاع الوطني، الذي نفذ أوامر رؤسائه، وكان يثأر لدم أخيه، ويراسل حبيبته برسائل غرام.. ويستطع محام ماهر أن يدين اقتحام الأمن لبيت أهله وترويع أمه، وإخوته وأبيه، في وضح النهار، وضربه ولكمه وإسالة الدماء من وجهه، من غير إذن النيابة، وقد يحصل على تخفيفات في الحكم، وربما على البراءة.
لنتذكر أنَّ الأنبياء جميعا كانوا صابئة، وأن أبا جهل كان مواطنا صالحا يعذّب الصابئين الذي خرجوا على الوحدة الوطنية في قريش، وشقّوا الصف، وغيروا دين قومهم وآبائهم. ولم يقتل سوى امرأة واحدة في موضع عفتها، وكان يعذب بلالا، من غير أن يعصب عينيه.
المحاكمة على عيوبها الكثيرة، سند من أسانيد الشرعية السياسية، وجنس سينمائي وإعلامي أيضا، وشفاء لصدور قوم مؤمنين.
لو لم يهرب العفريت الأزرق بشار الأسد الذي خُلق من حمأ مسنون، للبثنا في العذاب المهين.
x.com/OmarImaromar
مِنْ (عُقدة الخواجة) إلى (عُقدة المُلَّا)
لقد اختطفهم الملالي بشعارات المقاومة، وادعاءات الممانعة، وخطابات الجعجعة بفلسطين والقدس؛ دون أن يكون لهذه الشعارات وتلك الادعاءات أي تطبيق واقعي ملموس على مدار أكثر من أربعين سنة؛ اللهم إلا قتل أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، وتهجير أكثر من ثمانية عشر مليوناً آخرين!!