الأحد، 17 مايو 2026

تيار مسيحي صليبي غير متصهين

تيار مسيحي صليبي غير متصهين
 

عمرو عبد العزيز

كاتب وباحث درس في ‏كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية‏

تاكر كارلسون يُنشئ (ومعه ستيف بانون ومجموعة أخرى) منذ أشهر تيارا مسيحيا صليبيا غير متهوِّد ولا متصهين بداخل اليمين الأمريكي، يطالب بوصاية أمريكية على المسيحيين في كل الشرق والعالم الإسلامي واليهودي ذاته، ويعتبر نفسه (كلب حراسة) يُفتِّش عن إسرائيل نفسها ويفضحها سعيا للطلاق مع نتنياهو والمسيحية الصهيونية.

هذا التيار الناشئ هو استعادة لمزيج من أوروبا الحروب الصليبية، وأوروبا الوصاية الأجنبية والامتيازات في القرن التاسع عشر، وقد قالها بانون منذ أشهر إن الصراع اليهودي الإسلامي على القدس يجعل المسيحية لا دولة لها في فلسطين، وهذا غير مقبول، بل يجب أن تكون المقدسات المسيحية (مدينة القدس نفسها) في أيدي أمريكا المسيحية بشكل دولة = خطاب يُذكِّر فورا بمملكة بيت المقدس التي لابد أنها كانت في ذهن بانون وهو يتحدث عن الأمر، إذ كان يصفها بدقة! تاكر في المقابل ما زال ملتزما بدور التفتيش والمتابعة ولم يدعم صراحةً تصريحات ودعاوى بانون.

من أبرز المداعبين لهذا التيار في الإدارة الأمريكية نائب الرئيس الحالي، وهو كاثوليكي لا يؤمن بالمسيحية الصهيونية المرتبطة بالإنجيليين، والذي يُتوقَّع أن يكون منافسا حادا في الانتخابات القادمة. ومن علامات بداية تأثير هذا التيار التحريض الذي جرى على مسلمي نيجريا لإنقاذ المسيحية فيها قبل شهور. ومن السخيف أن الكثير من نصارى المشرق قرأوا مشهد صعود هذا التيار في أمريكا، ويحاولون منذ أشهر التصعيد في خطاب المظلومية لتهييج العملاق الروماني الصليبي الجديد القديم، الذي يُبعث من نومه الطويل، بينما جمهرة المسلمين هنا لم يدركوا ذلك التطور الخطير في المشهد السياسي الأمريكي.

ملعونة أمريكا وملعون كل ما فيها، ما انقسم شر فيها إلا تضاعف خطره أضعافا!

برنامج موازين - "يا خراشي".. هل تعرف من هو؟ وما قصته؟

  برنامج موازين - تقديم: علي السند

"يا خراشي".. هل تعرف من هو؟ وما قصته؟




واحدة بواحدة وكما تدين تدان.. والمؤمن يراجع! تواضع واجب ومراجعات عاجلة

واحدة بواحدة وكما تدين تدان.. والمؤمن يراجع!
تواضع واجب ومراجعات عاجلة
 
مضر أبو الهيجاء

ليسَ مستغربًا بالمطلقِ أن يذهبَ الإمبراطورُ الأمريكيُّ إلى التنينِ الصينيِّ الأصفر، حيثُ يسعى إلى الحفاظِ على مُلكِه، لاسيما وقد سبقَ ذلك بخطواتِ محاصرتِه دوليًّا وإقليميًّا قبلَ أن يجلسَ على الطاولةِ معه.

كنتُ ولا زلتُ أقولُ:

إننا كمشاريعَ عربيةٍ وإسلاميةٍ لسنا أكثرَ من فروقِ حساباتٍ في منظورِ وميزانِ المشاريعِ الدوليةِ المتصارعة، وذلك بسببِ غيابِ مشروعٍ حقيقيٍّ مُعبِّرٍ عن مجموعِ الأمةِ وثقافتِها القائمةِ على دينِ الإسلامِ العظيمِ وأحكامِ شريعتِه الراقية. وهو ما عوَّقتْه المشاريعُ القُطريةُ التي تعامَتْ وتجاوزتْ عن حقيقةِ الأمةِ الواحدةِ من جهة، وغرقُ مشاريعِ التغييرِ الإسلاميِّ في منظومةِ الدولةِ الوطنيةِ الحديثةِ المكبِّلة لهُ من جهةٍ أخرى.

لقد جاءَ اللقاءُ الأمريكيُّ-الصينيُّ تتويجًا لمرحلةٍ طويلةٍ من ليِّ الأذرعِ وفرضِ الهيمنةِ على الأرضِ والبحرِ والجوِّ من كلا الطرفين. وقد سارعَ الطرفُ الأمريكيُّ نحو هذا اللقاء بعدما اختطفَ الرئيسَ الفنزويلي، وصادرَ نفطَ فنزويلا، فيما حطَّمَ ثلثي القوةِ الإيرانية، وقامَ بتشذيبِ النظامِ الإيرانيِّ لمنعِ صعودِه فوقَ المستوى الإسرائيلي، وفي الوقتِ نفسه فقد أبقته للحفاظِ على شرورِه وأدوارِه وخطواتِه الساعيةِ لمنعِ أيِّ نهضةٍ عربيةٍ إسلامية، وتعويقِ وإفشالِ كلِّ حالةٍ ثوريةٍ أو نهضويةٍ واعدة.

وكما استخدمتِ الصينُ إيرانَ في معاركِ النفوذِ مع القطبِ الأمريكيِّ وتركتْها تواجهُ مصيرَها -فحافظت إيران على نفسها نتيجة وعيها بطبيعة العلاقة مع الصين وأهدافها-، فإنَّ إيرانَ سبقَ أن امتطت واستخدمتِ الفصائلَ الفلسطينيةَ المقاومةَ في معاركِ نفوذِها مع المشروعِ الإسرائيلي -فهلكت المقاومة نتيجة حسابات خاطئة ورؤى قاصرة أقامتها حول فكرة وحدة الساحات الإيرانية-. وبالعموم فإن ما فعلتْه إيرانُ وتسببتْ به في غزة، فُعلَ بها اليومَ في طهران.

وإذا كنّا لا نُفرِّقُ بين المشروعِ الأمريكيِّ والمشروعِ الصينيِّ والمشروعِ الإسرائيليِّ والمشروعِ الإيرانيِّ من حيثُ أصلُ العداءِ للإسلامِ وتجاهَ أمةِ المسلمين، فإنَّ التميٌُزَ الكبيرَ لا بدَّ أن يكونَ من صالحِ المسلمين، الأمرُ الذي يستوجبُ أن يكونَ المسلمونَ على درجةٍ أعلى من الفهمِ والنضجِ والذكاءِ والحكمةِ والإدارة، بما يحفظُ مصالحَ المسلمين، ويُحدِّدُ سقفَ كلِّ خطوةٍ بعدَ دراستِها بشكلٍ أصيلٍ يُعبِّرُ عن أهدافِ الأمةِ وهويّتِها ومصالحِ شعوبِها، دون افتئات حزبي على الشعوب ودون تجاوز حزبي لنصح العلماء الربانيين.

كيف نتعلمُ من الكفرةِ والأعداءِ ما ينفعُنا؟

إذا تناولنا التجربةَ الفلسطينيةَ التنظيميةَ الحزبيةَ الحركية، ووضعناها على طاولةِ التشريح، فإنَّ حجمَ الأخطاءِ السياسيةِ والقتاليةِ والمجتمعيةِ التي يمكنُ أن نقفَ عليها سينفعُ عمومَ التجاربِ العربيةِ والإسلاميةِ بشكلٍ كبيرٍ وهام. 

وحتى لا نختزلَ مشهدَ القراءةِ الناقدة، يمكنُ الإشارةُ إلى خطأين كبيرين تسببا في انحرافِ المسارِ الإسلاميِّ الفلسطينيِّ وخروجِه عن الجادة، وهما:

أولًا: جنوحُ حركةِ حماس نحو امتلاكِ السلطةِ والتموضعِ بها في ظلِّ الاحتلالِ الإسرائيليِّ وعلى أرضيةِ اتفاقِ أوسلو.

ثانيًا: التحالفُ الفولاذيُّ الذي أقامتْه قياداتُ حماس الثلاثة -بنسبٍ وأشكالٍ متفاوتة- مع المشروعِ الإيرانيِّ المعادي للأمةِ ودينِها، والذي يقوده الملالي أبناءُ دينِ وليِّ الفقيه.

وكما يمكنُ أن نضعَ تجربةَ حماس على طاولةِ الفحصِ والتشريحِ الناقد، فإننا يجبُ أن نضعَ أمريكا والصينَ وإيران، وندرسَ شكلَ تعاملِهم في واقعِ التنافسِ والاحترابِ والتحالف، لنستفيدَ من عناصرَ هامةٍ ميزتِ المشاريعَ الثلاثة، وهي:

1/ استقلاليةُ القرار.

2/ نضوجُ الرؤيةِ واتساعُ الفهم.

3/ الانحيازُ العميقُ والكليُّ لكلِّ مشروعٍ لصالحِ أمتِه وشعوبِه وهويّتِه.

ومن نافلةِ القولِ أنَّ المشاريعَ المعاديةَ هي مشاريعُ تقومُ على الباطل، ولا تؤمنُ بقيمٍ صحيحة، ولا تسعى لإقامةِ العدل، ولكنَّ هذا لا يمنعُ أنَّ الحكمةَ ضالَّةُ المؤمنِ أينما وجدها فهو أحقُّ بها، لاسيما وأنَّ حالَ الضعفِ الذي تعيشُه الأمةُ في ظلِّ غيابِ الإطارِ السياسيِّ المُعبِّرِ عنها منذ سقوطِ الخلافة، يوجدُ أرضيةً تسمحُ باستغلالِها من قبلِ المشاريعِ الكبرى والمهيمنة، مما يستدعي درجةً عاليةً من التفكيرِ والتشاورِ والبحثِ والصبر، لتكونَ الجهودُ في الاتجاهِ الصحيح، وتُثمرَ التضحياتُ نتائجَ مكافئة.

ولعلَّ من أكبرِ إشكالياتِ العقلِ الإسلاميِّ المعاصرِ رفضُه لمسألةِ المراجعة، وهي آفةٌ تفشَّت في كثيرٍ من القياداتِ الإسلاميةِ كما العلماء؛ وإذا كان من بين كلِّ مئةِ عالمٍ وقائدٍ ثلاثةٌ يؤمنونَ بالمراجعة، فإنَّ اثنينِ منهم لا يمارسانِها، وواحدًا فقط من يصرّحُ بها، وهي صورةٌ ترسمُ واقعًا عليلًا للمكوّنِ الإسلاميِّ المعاصر، مما يبررُ أو يفسرُ تكرارَ الأخطاءِ في الأعمالِ الإسلاميةِ لدى عمومِ الحركات، وفي جغرافياتٍ متنوعةٍ وحقبٍ متباعدة.

ومن المهمِّ أن تلتقطَ قياداتُ العملِ الإسلاميِّ وحركاتُ النهضةِ أنَّ واقعَ الاحترابِ الدوليِّ والإقليميِّ اليومَ يمثّلُ فرصةً ذهبيةً ومنحةً سننيةً للمسلمين، لكي يشقّوا طريقَهم نحو النهضةِ عبرَ الوحدةِ وتشكيلِ مشروعِهم الجامع، والتمييزِ بين مفهومِ الأمةِ بوصفِه انتماءً وهويةً ورسالة، وبين الجغرافيا القُطريةِ التي يمكنُ التعاملُ معها بمنطقٍ ومرجعيةٍ إدارية، لا باعتبارِها هويةً نهائيةً وانتماءً مطلقًا.

الخلاصة

إن على قيادات الحركات الإسلامية المعاصرة المهتمة بقضايا الشأن العام والإصلاح والتغيير والجهاد أن تتعامل بمسؤولية كاملة ووعي متقدم وصبر كبير في سياق أعمالها السياسية، بحيث تخرج من حالة الاستخدام والاستهلاك -المباشر وغير المباشر- لصالح المشاريع الدولية والإقليمية، وأن تستفيد اليوم من إيقاع سياسات المشاريع الدولية المعادية لتحقيق فهم أعمق وأوسع.

وكما استخدمت إيران حركات المقاومة الفلسطينية في معارك نفوذها في المنطقة، فقد استخدمت أمريكا سابقًا المجاهدين العرب في أفغانستان لضرب السوفييت، ثم سجنتهم وقتلتهم وانتقمت منهم. 

وهكذا تسعى أمريكا اليوم لاستخدام نظام الحكم السوري الجديد وثواره الكرام وعلمائه الأبرار في سياق سياسي ينسجم مع خطتها المرحلية لإعادة هندسة المنطقة العربية برمتها، وهو ما يجب أن ينتبه له الأحرار السوريون بعد كل النكبات التي حصلت في فلسطين والعراق ومصر واليمن وأفغانستان والسودان.

ولعل تركيا المسلمة -من حيث توجهاتها المتوسطة والبعيدة- تقف في المسافة الوسط تجاه هذا الأمر، وتتمتع أكثر من غيرها بحكمة وحنكة وصبر كبير تجاه المشاريع الدولية والإقليمية التي تحاول باستمرار أن تزج بها في اتجاه يهدم ولا يبني.

وختامًا، يمكن القول:

إن كل الأعمال الإسلامية الإصلاحية التغييرية القُطرية محكوم عليها بالفشل في إحداث الصعود الحقيقي، ولن يكون سقفها أكثر من إصلاح الطرق، وتنظيف الأنهار، وبناء المستشفيات، وتحسين اقتصاد البلاد لينعم العلمانيون المعادون للدين بحكمها ثم يضطهدوا أهلها. أما إن أراد المسلمون أن تعود لهم الريادة الحضارية، فهذا غير ممكن في ظل المنطق والإطار القُطري، ولا حتى ضمن محددات الدولة الوطنية الحديثة التي ستؤدلج الأعمال الإسلامية وتمنعها من تحقيق مفهوم الأمة -شرط الانعتاق والنهضة- ولو بشكل تراكمي.

مضر أبو الهيجاء فلسطين/جنين 14/5/2026

تركيا تدخل في"عصيان معرفي"مفتوح

 تركيا تدخل في"عصيان معرفي"مفتوح

أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.
جانب من منتدى تفكيك الاستعمار العالمي الذي عقد في إسطنبول 


إن منتدى تفكيك الاستعمار العالمي الذي انعقد في إسطنبول خلال الأسبوع الماضي، شكل حدثا يتجاوز بكثير حدود كونه مجرد ملتقى دولي اعتيادي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة.

فالمسألة التي طُرحت للنقاش لم تكن مجرد نظرية أكاديمية أو سرديات استعمارية من الماضي، بل تمحورت حول الأزمات الأخلاقية والمعرفية التي ينجرف إليها العالم الحديث، وبأي مفاهيم ستعيد الإنسانية بناء نفسها في المرحلة المقبلة.

ولهذا تحديدا لا ينبغي النظر إلى تنظيم هذا المنتدى في إسطنبول بوصفه مجرد مصادفة. فإسطنبول لم تكن عبر التاريخ مدينة عادية، بل شكلت نقطة التقاء للحضارات وتفاعلٍ لتقاليد معرفية متعددة. أما ترشيحها اليوم لتكون مجددا واحدة من المراكز المعرفية العالمية، فهو امتداد لذاكرتها التاريخية العميقة.

ومن أبرز الجوانب اللافتة للانتباه في المنتدى هو جمعه هذا العدد الكبير من الشخصيات البارزة القادمة من مناطق مختلفة من العالم، ممن لديهم دراسات ومواقف ورؤى حول قضايا تفكيك الاستعمار.

فقد كانت أطروحات رموز مثل والتر منيولو، وسلمان سيد، وسيد فريد العطاس، وآن نورتون، وإبراهيم موسى، وسامي العريان، وفرانسوا بورغا تدور حول سؤال مشترك: هل العالم الحديث عالمي بالفعل، أم إنه شكل من أشكال الهيمنة الكبرى التي يفرض من خلالها الغرب تجربته التاريخية الخاصة على البشرية جمعاء؟

إن هذا السؤال لم يعد اليوم بلا شك مجرد سؤال نظري فحسب، فما جرى ويجري في غزة يطرح هذا السؤال أمام الإنسانية بكل وضوح وجلاء.

فاللغة التي شيدها العالم الحديث باسم "حقوق الإنسان العالمية" و"القانون الدولي" و"الحضارة" و"الحرية" و"الديمقراطية" تعرضت لانهيار كبير أمام المجازر المرتكبة في غزة.

وإذا كانت حياة الأطفال الذين يُقتلون في فلسطين لا تُعد مساوية في القيمة لحياة الإنسان الغربي، فإن المسألة هنا لا تقتصر على ازدواجية سياسية في المعايير، بل تكشف أيضا عن تراتبية معرفية.

ولعل أبرز ما ميز المنتدى يتمثل تحديدا في هذه النقطة: التأكيد على أن تفكيك الاستعمار لا يعني الاستقلال السياسي فقط، بل الاستقلال الذهني والمعرفي أيضا.

وجاءت الكلمة الافتتاحية للدكتورة إسراء البيرق، التي كانت من الأسماء الرائدة في تنظيم المنتدى، بمثابة بيان فكري يحدد روح المنتدى ويطرح رؤية مهمة حول مفهوم تفكيك الاستعمار، إذ لم تكن مجرد خطاب سياسي انفعالي يكرر النقد التقليدي للغرب، بل كانت مساءلة فلسفية وسوسيولوجية عميقة لأسس تشكل المعرفة الحديثة.

وقد لخصت عبارتها القائلة إن "أكبر أوهام الفلسفة الغربية الحديثة هو كبرياء نقطة الصفر" البنية النظرية الأساسية للمشكلة، وتعني بـ"كبرياء نقطة الصفر"، هو تقديم الحداثة الغربية نفسها دائما بوصفها عقلا محايدا مجردا من التاريخ والمكان.

فخلال هذه المرحلة التي بدأت مع مقولة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود"، جرى تجريد الذات المنتجة للمعرفة من جسدها، ثم جاءت الفلسفات والعلوم التي تشكلت باسم العلموية والتنوير والوضعية لتضع نفسها في موقع موضوعية متعالية على التاريخ والمجتمع والجسد، فيما يمكن تسميته بـ"كبرياء نقطة الصفر".

بيد أن المعرفة تولد دائما من جغرافيا وتجربة تاريخية معينة وجسد فردي وعلاقات القوة التي تنتجها.

وكانت الأمثلة التي قدمتها إسراء البيرق، من لينيوس إلى هيغل، ومن كانط إلى فرانسيس غالتون، بالغة الأهمية. فالأسماء المؤسسة لتاريخ العلم الحديث قد أرست في الوقت نفسه البنية التحتية الذهنية للاستعمار.

ففي فلسفاتهم جرى تصنيف البشرية ضمن تراتبية هرمية، حيث قُدمت الذات الأوروبية بوصفها "الإنسان الكوني"، بينما نظر إلى المجتمعات الأخرى باعتبارها أشكالا ناقصة من الإنسانية.

وفي هذا السياق، أشارت البيرق إلى أن كثيرا من الأسماء المؤسسة للفكر الغربي، التي لا تزال تحظى بإعجاب واسع داخل أوساطنا الأكاديمية والفكرية، يتم التغاضي عن (جوانبها المرتبطة بهذه التراتبية)، وكأنها تفاصيل هامشية؛ فمثلا يغض الطرف عن كون كانط قد ألقى محاضرات حول التراتبية العرقية، أو عن إعلان هيغل في فلسفته أن أفريقيا قارة بلا تاريخ. وهذا بحد ذاته يمثل أحد أكثر أشكال الاستعمار الذاتي استبطانا.

إن ما يطلق عليه والتر منيولو "العصيان المعرفي"، أي رفض قراءة العالم حصرا عبر مفاهيم الغرب، يكتسب أهمية كبيرة. كما يمكن فهم دراسات سلمان سيد حول "إعادة تموضع الهوية الإسلامية كذات سياسية" ضمن الإطار نفسه؛ لأن القضية الجوهرية في تفكيك الاستعمار لا تتعلق فقط بالاستقلال الاقتصادي، بل بقدرة الإنسان على التحدث باسمه.

وطوال المنتدى، تكررت فكرة محورية مفادها أن أزمة العالم الحديث لم تعد أزمة اقتصادية أو عسكرية فحسب، بل أصبحت أزمة معنى. فالإنسانية تفقد ثقتها بالمفاهيم التي تعرف نفسها من خلالها، وكانت غزة المرآة الأوضح التي كشفت ذلك.

ولهذا السبب كان تركيز البيرق على قضية غزة في خطابها محوريا، غير أن الأهم كان تأكيدها على أن تحقيق العدالة المعرفية لا يمكن أن يتم من دون امتلاك القوة وتحقيق العدالة الاقتصادية أيضا.


كما قالت: "إن غزة جعلت الشرعية الأخلاقية للنظام الدولي القائم موضع مساءلة"، لأن أبرز مؤسسات العالم الحديث، من الجامعات إلى محاكم حقوق الإنسان، انزلقت اليوم إلى موقع يناقض المبادئ التي قامت عليها أساسا.

وبسبب ارتباطي ببرنامج آخر، لم أتمكن من متابعة جلسات اليوم الأول إلا بالقدر الذي نقلته وسائل الإعلام، لكني أرى أن الجانب الأكثر إثمارا يتمثل في أن لغة المنتدى لم تكن متشائمة، بل على العكس، كان هناك بحث عن إمكان جديد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن المقاربة التي طرحتها إسراء البيرق تحت مسمى "منظور إسطنبول" ستترك بصمتها على الخطاب المستقبلي حول تفكيك الاستعمار.

فهذا التصور لا يقترح استبدال الغرب بمركز بديل، بل بناء عالم متعدد المراكز، وربما بلا مركز أصلا؛ عالم تستطيع فيه جاكرتا، والرباط، والقاهرة، وأديس أبابا، وسراييفو، وإسطنبول، وحتى غزة، أن تقدم إسهاما للبشرية عبر تقاليدها المعرفية الخاصة.

وهذه الفكرة- كما يمكن تذكرها- تنسجم إلى حد كبير مع الخطاب التركي في السياسة الخارجية ومفهوم الحضارة الذي تطور خلال السنوات الأخيرة. فالدور الذي تؤديه تركيا اليوم في النظام الدولي لا يقتصر على البعد الجيوسياسي، بل باتت تركيا تدريجيا تمثل حاملة لاعتراض ذي طابع معرفي.

ولهذا فإن مقولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "العالم أكبر من خمسة" ليست مجرد دعوة إلى إصلاح دبلوماسي، بل تمثل تحديا للتراتبية أحادية المركز في العالم الحديث.

فكما هو الحال في مجلس الأمن، يخضع العالم اليوم في إنتاج المعرفة والنظام الإعلامي ومجال التكنولوجيا أيضا لهيمنة عدد محدود من المراكز.

ومن هذا المنظور، كانت النقاشات حول الذكاء الاصطناعي والاستعمار الرقمي في المنتدى بالغة الأهمية. وقد كان تشبيه إسراء البيرق بأن «روبنسون كروزو الجديد يصل إلى عقول أطفالنا» لافتا للغاية؛ لأن الاستعمار اليوم لم يعد قائما على احتلال الأرض فقط، بل بات يعمل عبر البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية والتوجيه الثقافي.

فما هي اللغات التي تُدرَب بها نماذج الذكاء الاصطناعي الكبرى؟ وما هي السرديات التاريخية المركزية؟ وأي الآلام تُجعل مرئية وأيها تُخفى؟ كل ذلك يدخل ضمن علاقات القوة المعرفية.

ولعل "منظور إسطنبول" يحول هذا الاعتراض، لأول مرة، من مجرد رد فعل دفاعي إلى تصور لعالم جديد.

إن الدور الذي تؤديه تركيا هنا لا يقتصر على إنتاج خطاب نقدي أو انفعالي أو باكٍ، بل يتمثل في محاولة إنتاج بديل. فالعديد من المبادرات، بدءا من خطوات التوطين في الصناعات الدفاعية إلى الشبكات الإعلامية، ومن المؤسسات التعليمية إلى الإنتاج الثقافي، هي في الواقع أجزاء من الاستقلال المعرفي، لأن المجتمعات التي لا تستطيع إنتاج تكنولوجيتها ومفاهيمها وسرديتها الخاصة، سيظل استقلالها السياسي ناقصا أيضا.

لكن بلا شك لا يزال الخطاب الرسمي حول التاريخ والهوية في تركيا يحمل آثارا عميقة من الاستعمار.

إن الحدود العنصرية التي وُضعت قبل 120 عاما كحلقة من حلقات الاستعمار بين الشعوب التركية والعربية والكردية، تستمر في أداء وظيفتها اليوم داخل عقول هذه الشعوب بوصفها حراسا أو سجانين معرفيين للاستعمار. وما زال هناك طريق طويل يجب قطعه في هذا الصدد.

وفي هذا السياق، يبدو انعقاد ندوة "الاستغراب" التي تنظمها جامعة سيرت للمرة الثانية، بعد يوم واحد من انعقاد منتدى تفكيك الاستعمار في إسطنبول توافقا ذا دلالة لافتة.

فكما هو معروف، فإن الاستغراب بوصفه استجابة معرفية لتفكيك الاستعمار يواصل طرح الإشكالات ذاتها.

ربَّ شدةٍ ولَّدت نعما!

  ربَّ شدةٍ ولَّدت نعما!

 

 د.فيصل بن علي البعداني

دكتواره في الدراسات الإسلامية، كاتب وباحث عن الحقيقة، يسعى لنشر الفهم الصحيح للإسلام


الشدائد، كالجوع والخوف والسقم والعُدْم والذل هي في ذاتها شر.

والشرور هي من جملة الأشياء التي يبتلي الله به عباده، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ يقول ابن كثير : (أي: نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى).

ويقول الجلال المحلي: (وَنَبْلُوكُمْ): نَخْتَبِركُمْ (بِالشَّرِّ وَالْخَيْر) كَفَقْرٍ وَغِنًى وَسَقَم وَصِحَّة (فِتْنَة)…، أَيْ، لِنَنْظُر أَتَصْبِرُونَ وَتَشْكُرُونَ).

ولما كان تعالى هو الخبير الحكيم في خلقه وأمره، ومن يضع جل اسمه الأشياء في مواضعها، ويجريها على سننها، لا عبثًا ولا باطلا ولا سدى، بل لحِكَم عظيمةٍ يعلمها، ومصالح جليلة أرادها، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، فسأحاول في هذا التسطير تلمس بعض النعم والمنافع التي يمكن للعبد أن يجنيها من جراء ابتلاء الله له بالشر والشدة، ولعل من أبرزها:

أولا: رؤية الإنسان لضعفه وفقره وشدة احتياجه إلى ربه، وإدراكه -إدراك حق اليقين- أنه لا قوام له إلا به عز اسمه، وأن ما به من نعمة فمنه سبحانه، فعند ذلك  ينفتح له باب الخير على مصراعيه؛ فيقبل بصدق عليه عز وجل، ويكثر دعاءه والتودد إليه، ويظهر الخضوع الحق له، والذل الصادق بين يديه، ويجتهد في شكره وتمجيده والثناء عليه والإقبال على مراضيه والحذر من عصيانه، وبذلك يتحول البلاء  -نتيجة ما ينجم عنه- إلى خير، وتنقلب الشدة إلى نعماء.

ثانيا: معرفة الإنسان بحقيقة الدنيا، وأنها دار ممر،  هينة زائفة غارة شاقة متقلبة، خلق الإنسان فيها في كبد وعناء،  ولذا فليست بدار تنعم ولا قرار، بل يداول الله فيها بين الناس الأيام، فلا تدوم لأحد على حال، ومتى استوعب المرء ذلك زهد فيها ، و تهب للرحيل، وسلك نهج السلامة، وسبيل الاستقامة، وتلك أكبر نعماء.

ثالثا: تكفير ذنوب العبد ومحوها، وتطهيره من أدران المعاصي، ونيله الأجر والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى، ولا نعماء أنفع له من ذلك.

أما تكفيرها الذنوب؛  فلقوله صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المؤمن من نصبٍ، ولا وَصَبٍ ولا همٍّ، ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه)، وقوله صلى الله عليه وسلم : (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه ، وولده ، وماله ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافى بِه يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمٍ يصيبه أذًى -مرضٌ فما سواه- إلا حطّ الله له سيئاته، كما تَحُطُّ الشجرة ورقها)، وقوله  صلى الله عليه وسلم : .(ما يزال البلاءُ بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئةٌ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة).

وأما تسببها بالرفعة وعلو المنزلة، وظفره بعظيم الأجر وموفور الثواب، فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الرجل لتكون له عند الله المنزلةُ، فما يبلغها بعملٍ، فلا يزال اللهُ يبتليه بما يكره حتى يُبلِّغَه إياها)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ العبد إذا سبقت له من الله عز وجل منزلةٌ لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله جل وعز في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثمّ صبّره على ذلك، حتى يبلّغَه المنزلة التي سبقت له مِن الله جل وعزّ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يودُّ أهلُ العافية يوم القيامة حين يُعطى أهلُ البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرِضتْ في الدنيا بالمقاريض)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه).

رابعا: إيقاظها العبد من غفلته، وحجزها له عن الاستمرار في سباته وغفوته، وزجرها إياه عن معاصيه والغرق في بحور شهواته، وتنبيهها له على انحرافه وحدوث خطأ في سيره.
قال تعالى: ( وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )، أي امتحناهم بالنِّعم، والغنى، والجاه، والأمن، والصحة، وبالشدائد، والخوف وقلة الأمن، والتشرذم، رجاء أن يعودوا عما هم فيه من فساد، وطغيان، ويتوبوا إلى الله عز وجل.

وقوله سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَأي: فشا الجدب والفقر وقلة الأمطار وكثرة الأوجاع والحروب والأوبئة ونحو ذلك بسبب ما يقترفه البشر من عصيان؛ زجرا لهم كي يتوبوا ويرجعوا عن التجاوز والعصيان.
وقوله عز اسمه: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يعني بالعذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه).

ولولا تلك الشدائد التي تحل بالعبد حتى توقظه وتحول بينه وبين الاستمرار في لهوه والمضى في خط ضلاله لهلك، ولذا فقد كان من رحمة الله به أن يبتليه حتى تنفتح أمامه أبواب التذكر والأوبة، ولله در ابن القيم حين قال: (ومن رحمته: أن نغص عليهم الدنيا وكدرها؛ لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا عن النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إليها بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم).

خامسا: مداواة علل النفوس وإصلاح خللها وتخليتها من عيوبها، وتنقيتها من آفاتها، فيُخرَج من القلب ما استقر به من إرادة الدنيا وتضخيمها، ويُخرَج من النفس الشعور بالعجب والكبر والغنى والاكتفاء، والله تعالى -بعد أن قال: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ)- قال: (وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ)، أي، يخلصهم من ذنوبهم وعيوبهم وأدوائهم، وفي ذلك يقول ابن القيم: (فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا ، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله ، يستفرغ به من الأدواء المهلكة ، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه : أهَّله لأشرف مراتب الدنيا ، وهي عبوديته ، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه).

ومن عظيم تطبيقات ذلك التمحيص وتلك المداواة ما رواه الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : “قَالَ رَجُل يَوْم حُنَيْنٍ : لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ الْهَزِيمَة ..”

سادسا: ظهور حقائق الناس، وتكشف معادنهم، وتبين الصابر من الجازع،  والصادق من الكاذب، والمتيقن من المهتز، وطالب الآخرة من اللاهث خلف بريق الدنيا،، فإن الناس -كما يقول الفضيل” : -ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ؛ فصار المؤمن إلى إيمانه ، وصار المنافق إلى نفاقه”.

ومن نماذج عظيم اليقين وجليل الثبات، أنه عقب حادثة الإسراء (اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير، فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق. فَقَالُوا: وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء، قَالَ : فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق).

ومن الإشارة إلى ذلك يقول تعالى:(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، قال السعدي : (أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين).

وقال سبحانه: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ)، قال ابن كثير: (أي: لا بد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر).

وقال تقدس اسمه: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3))، قال السعدي: (يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال ” إنه مؤمن ” وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.

ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصرفه عن الواجبات؛ فإن ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه).
كما أن البلاء يصقل المومن ويقويه وينضجه ويخلص توكله على الله ويعده للتمكين ونصرة الدين، وقد سئل الشافعي: (أَيّهما أَفضل: الصَّبر أو المِحنة أو التَّمكين؟ فقال: التَّمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التَّمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن).

سابعا: ولعل من أعظم منافع العبد من الشدائد أنها تدعوه إلى محاسبة نفسه، والتعرف على ذنبه والتنبه إلى أهمية إدراك جوانب تقصيره وتجاوزه وتدعوه إلى الأوبة منها، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، وفي الإشارة إلى ذلك يقول تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفسِكَ)، أي وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه فمن قبل نفسك، وبذنب استوجبتها به اكتسبته نفسك.

ويقول سبحانه: (وَمَا أَصابَكُم من مصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ)، قال الثوري: أي (ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا هو بذنب وما يعفوا الله عنا أكثر ثم قرأ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير).

ويقول عز وجل : (ذَلِكَ ‌بِأَنَّ ‌اللَّهَ ‌لَمْ ‌يَكُ ‌مُغَيِّرًا ‌نِعْمَةً ‌أَنْعَمَهَا ‌عَلَى ‌قَوْمٍ ‌حَتَّى ‌يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، فمتى بدلوا حالتهم بدل  الله نعمته عليهم، قال البغوي: (أراد: أن الله تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم، بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فسلبهم النعمة).

وتدعوه -حين يرى تقلب الحياة وكبدها وزوالها وانتقال الناس عنها- إلى الشوق إلى لقاء الله تعالى، والتطلع إلى ما عنده، والتزود في هذه الدار الفانية للدار الأخرى، والعمل  الجاد للظفر بفلاحها ونعيمها.

وتدعوه إلى شكر الله تعالى على نعمائه، وأنه سبحانه إن أخذ فقد أعطى، وإن حرم فقد وهب، وإن ابتلى فقد عافى.

وتدعوه إلى الاستعانة بالله تعالى والتعلق به في سائر أحواله، والثقة برحمته وجوده ودقيق لطفه.
وتدعوه إلى حسن الظن به عز وجل، والرضا به وعنه، وفقه طبيعة التكليف وإدراك حقيقة الدنيا، وأنه جل في علاه ما منع إلا ليعطي، وما ابتلى إلا ليهدي وينجي، وما أخر إلا ليقدم، وما أحزن إلا ليسعد.

فإذا كانت هذه بعض وجوه النعم التي يُودِعها الله في طيّات الشدائد، فحقيق بكل عاقل أن يُحسن الظن بربه، وأن ينظر إلى البلاء بعين الإيمان لا بعين السخط، وأن لا يضيع الفرصة العظيمة التي قد تكون سببًا في خلاصه ورفعة درجته.

قارئي الكريم، قف مع شدتك وقفة تأمل… لا تسخط، بل اسأل: ما الذي أراده الله بي؟
هل أراد أن يذكّرني بذنب؟ أن يردني إليه؟ أن يطهّرني؟ أن يرفعني؟ أن يعلّمني؟ أن يذيقني طعم التوكل؟

اجعل من كل بلاء طريقًا إلى الله، لا حجابًا بينك وبينه.

واذكر دومًا أن الشدة مهما عظمت، فإن الذي ابتلاك بها هو أرحم بك من أمّك، وأعلم بمصلحتك منك.

فربّ شدة ولّدت يقينًا، وربّ ضرّاء فتحت لك باب السماء، وربّ همٍّ قرّبك إلى الجنة أكثر من ألف سجدة.

فلا تحزن إن ضاق عليك الحال، ولا تيأس إن طال بك البلاء، فكم من عبدٍ قرُب من الله في ليل البلاء، ما لم يقترب في نهار الرخاء.

فاللهم ارزقنا عافيتك ورضاك، وارزقنا حسن المعرفة بك وبدينك، وجودة البصيرة في عوايدك وجميل فعالك، يا أرحم الراحمين

والله الهادي