السبت، 7 مارس 2026

أجواء الحروب وتدابير علام الغيوب صراع المشاريع.. مَنْ يمكرٌ بمنْ..؟! [٣]

أجواء الحروب وتدابير علام الغيوب

صراع المشاريع.. مَنْ يمكرٌ بمنْ..؟!  [٣]
د.عبدالعزيز كامل

المشاريع الشيطانية التي يشتد صراعها اليوم ويحتد فوق أراضي المسلمين في الإقليم الذي أسموه بـ ( الشرق الاوسط) .. لكل منها دوافعه الدينية، ومطامعه المادية، ومطامحه العسكرية والاستراتيجية ..
وقد فصَّلت الكلام عن الخلفيات والوقائع والتداعيات المتعلقة بتلك المشروعات بأرض النبوات والنبوءات في ثلاثة كتب لي،
كان أولها في كتاب صدر عام ١٩٨٦ بعنوان:
والثاني عام ١٩٩٩ وكان بعنوان: (حُمَّى سَنة ٢٠٠٠)
والثالث عام ٢٠١٦ بعنوان (حتى لا يُستباح الحَرم)..
ومن خلال عملي في تأليف هذه الكتب الثلاثة .. تبين لي بيقين أن أصحاب تلك المشروعات يعادي بعضهم بعضًا، ولكن يعاضد بعضهم بعضًا؛ إذا كان العدو هو الإسلام بوجه عام، وأهل السنة بوجه خاص، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى..
ولكن في الوقت نفسه صار عندي يقين عبر توالى العقود والسنين؛ بأن سنة الله في المكر بالماكرين تمضي على الذين يمكرون ولو بعد حين، وذلك تصديقًا لقول الله تعالى : ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43] .
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : " أي: ما يعود وبال ذلك إلا على أنفسهم دون غيرهم " . وقد قال محمد بن كعب القرظي : " ثلاث من كُنَّ منه؛ كُنَّ عليه : المكر والبغي والنكث، وتصديقها في كتاب الله :
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾
و﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يُونُسَ:٢٣
و﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [الْفَتْحِ: ١٠] .
وقد جمع أهل الشرك والكفر والنفاق بين هذه الشرور الثلاثة في تعاملهم مع المؤمنين، بل في تعاملهم مع بعضهم، فيما يتنافسون عليه فيما بينهم، فبنوا على المكر خططهم، وكان البغي دينهم، ونكث العهود وخلف الوعود ديدنهم..
ومع أن المستضعفين ذاقوا ويذوقون الكثير من الويلات من مكر أصحاب تلك المشروعات؛ إلا أن الأمر كان _ وسوف يكون _ : { إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ } [ النساء / ١٠٤]..
وستمضي الأمور على قول العليم الخبير :
{ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [ الأنفال / ٣٠]
فاللهم رد على الظالمين كيدهم فشلًا وخبالًا ووبالًا.. وزد نارهم فيما بينهم لهيبًا واشتعالا.. وأنج المؤمنين من بينهم وردهم إلى دينهم حالًا ومآلًا..
اللهم آمين

يعلْمنون العالم ثم يرفعون التوراة على أسنة الرماح

يعلْمنون العالم ثم يرفعون التوراة على أسنة الرماح
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

الحرب الأخيرة التي اندلعت إثر هجوم إسرائيل والولايات المتحدة على إيران ليست محض مواجهة عسكرية؛ بل هي أيضا حرب نفسية تدار عبر المعاني والرموز والمرجعيات المقدسة.

واللافت في التصريحات التي صدرت خلال الساعات الأولى من هذه الحرب التي أججتها الدولتان- بانتهاك سائر قواعد الحرب التقليدية- هو أن الصراع لا يصاغ فحسب من منظور الأمن والردع، بل كذلك من خلال إشارات لاهوتية.

لم يكن ذلك بالأمر الجلل بالنسبة لنا؛ فسبب وجود إسرائيل وطبيعة سلوكها لم يخرجا يوما عن نطاق نبوءاتها اللاهوتية. وتلك سُنتهم معنا، فبينما يفرضون العلمانية على العالم أجمع كقيد محكم، فإنهم يكادون- في كثير من ممارستهم- يعيشون في كنف كتبهم المقدسة.

إن العالم الذي أرسوا دعائمه عقب الحرب العالمية الأولى وما تلاها من صراعات ليس في جوهره سوى مسرح يتيح لهم تجسيد السيناريو الذي سطرته لهم كتبهم المقدسة.

في هذا المسرح، جرى تعريف الصديق والعدو بما يخدم معتقدهم، ووفق هذا المنطق اللاهوتي وزعت الأدوار داخل عالمهم. وهذا الوضع هو العلة الرئيسة وراء تطور بعض الأحداث بشكل غير متوقع ولا مستساغ في نظر الكثيرين.

ظاهريا، يبدو أن ثمة حربا تمضي وفق النظريات الدولية التي عهدناها، وتندفع أطراف دولية عديدة -بحسن نية- نحو مساعي الوساطة، أو تطلق دعوات لضبط النفس والتعقل، وتومئ إلى المسارات الدبلوماسية.

غير أن المسألة تنطوي على بعد مغاير تماما، وهو بعدُ أغفلته نظريات العلاقات الدولية وتحليلاتها حتى الآن بشكل جلي، بل إن كثيرا منها لم يقر بوجوده؛ ولعل ذلك يعزى إلى أن الإيمان بوجوده أمر يعسر تصديقه.

يسترعي الفقيه السعودي عبد الله المحيسني الانتباه إلى أن العقل والمنطق الإستراتيجي يقتضيان أن الطرف الذي يخوض غمار حرب يسعى إلى تقليص جبهات القتال، لا إلى توسيع نطاقها.


ويشير المحيسني إلى هذه النقطة مثيرا التساؤل التالي: لماذا تستهدف طهران دول الخليج، رغم علمها بأن ذلك سيتمخض عن ضغوط إضافية، ويفتح ساحات صراع جديدة؟

وفي الواقع، يعسر القول أيضا إن إيران تتصرف في هذه الحرب بعقلانية تامة؛ إذ تبدو مبرراتها الدينية آونة أقوى من مسوغاتها العقلانية. ومع ذلك، يمكن القول إنه مهما بدت إيران واقعة تحت وطأة الاعتبارات الدينية، فإنها لا تبلغ في ذلك ما بلغته إسرائيل.

كما يصعب الزعم بأن دافع إسرائيل الأساس في هذه الحرب هو محض خلق بيئة أكثر أمانا لحماية كيانها؛ ففي نهاية المطاف، لا يمكن تشييد جدار أمني صلب إلا عبر استكثار الحلفاء وتقليل الخصوم.

بيد أن ما نلحظه هو أن إسرائيل والولايات المتحدة تزيدان من جبهات عداوتهما، وتراكمان ضغائن الغضب والكراهية في نفوس الشعوب. وهذه حقيقة يتجلى رصدها بيسر في أي تحليل سياسي عقلاني.

فهل يعقل أن إسرائيل والولايات المتحدة لا تدركان مآلات ذلك؟ إن هذا لمستحيل. لكن هذا التساؤل تحديدا هو ما يحدو بنا للقول إن الدوافع التي تحركهما في هذه الحرب ليست عقلانية بقدر ما هي لاهوتية وعاطفية.

لقد غدت الإشارات الدينية-التاريخية التي يتم استحضارها في الخطاب السياسي الإسرائيلي أكثر جلاء في التصريحات الأخيرة. وقد تبدو الإشارة المتواترة إلى «العماليق» في الخطاب الحربي الصهيوني، ولا سيما في تصريحات نتنياهو، للوهلة الأولى لغة رمزية، غير أنها تشي في السياق السياسي بتصنيف الطرف الآخر بوصفه عدوا وجوديا.

إن قصة العماليق الواردة في «التناخ» جزء من نص ديني تاريخي، بيد أن استحضارها في مضمار السياسة المعاصرة يؤدي وظيفة وسم الطرف الآخر بوصفه عدوا مطلقا لا سبيل للتفاهم معه. وليس هذا بمحض اختيار اعتباطي؛ إذ ثمة بون شاسع بين وصف خصم ما بأنه «تهديد أمني»، وبين تقديمه على أنه «تجسيد لشر تاريخي».

ومن هذا المنطلق اللاهوتي المتعصب، فإن مقتل 165 طالبة في العملية الأولى التي نفذها التحالف الأمريكي الإسرائيلي بذريعة تحرير إيران من نظام الملالي، يتسق تماما مع مفهوم «العماليق» كعدو يستند إلى تصور لاهوتي.

وإذا كان فئات من الإيرانيين المناوئين للنظام قد حسبوا أن الولايات المتحدة ستخلصهم من ربقته، فإن ما حدث حري بأن يكون نذيرا شديد اللهجة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تتحركان البتة في سبيل إنقاذ أي شعب من نير الظلم، بل تتحرك إحداهما حين يتواءم ذلك مع مسوغاتها اللاهوتية، والأخرى حين تجد في ذلك مأربا لمصلحتها. وفي هذه الحال، غالبا ما يكون الدمار الذي تخلفانه أضعاف ما تدعيان تحقيقه من مكاسب.

إن كان صحيحا أن التصورات اللاهوتية هي التي ترسم المسار، إلا أن النص الديني له تأويلات ومفسرون يؤوّلونه؛ وهذه العملية التفسيرية تجري وفق مآرب وحسابات وتحريفات؛ واللوم هنا لا يقع على عاتق النص الديني، فهو في حقيقة الأمر براء من ذلك تماما

إن مثل هذا الخطاب يضيق مساحة التفاوض، وينأى بالحرب عن نطاق الأهداف المحدودة إلى مضمار مقدس؛ فالصراعات التي تحمل دلالات وجودية وميتافيزيقية يعسر إنهاؤها، إذ لم تعد القضية حكرا على المصالح الإستراتيجية فحسب، بل أضحت ارتهانا لمتطلبات سردية مقدسة.


وهنا نشير إلى أن أطرافا في الولايات المتحدة تصور إيران على أنها «نظام يحكمه رجال دين متطرفون يتخذون قراراتهم استنادا إلى تصورات لاهوتية حول نهاية العالم».

ويؤدي هذا الخطاب وظيفتين في آن واحد: فمن جهة يَسِم إيران بأنها فاعل غير عقلاني، بما يضفي شرعية على التدخل الصارم، ومن جهة أخرى يدفع بالصراع خارج الإطار الجيوسياسي العلماني إلى آفاق مواجهة لاهوتية.

بيد أن هذه الأطراف تروم إخفاء دوافعها، وهي لاهوتية بجلاء، بل وأكثر غلوّا من دوافع إيران. ومهما حاولوا مواراة ذلك، فإن الحرب قد خرجت بالفعل عن طور الصراع التقليدي على النفوذ، واستحالت إلى مواجهة بين منظومات عقائدية؛ وبهذا الصنيع، تستفز إسرائيل والولايات المتحدة بيضة العالم الإسلامي قاطبة، والذي يضم زهاء ملياري مسلم.

ويظهر تحليل ممارسات إيران خلال العقود الأربعة الماضية أنه برغم سياستها الطائفية والدينية داخل العالم الإسلامي، فإنها انتهجت في علاقاتها مع الغرب -رغم الخطاب الأيديولوجي المعلن- سياسة خارجية محسوبة بدقة، تقوم على موازنة التكاليف والمكاسب.

إن أنماطا سلوكية مثل استخدام الأذرع العسكرية بالوكالة، وتحاشي مخاطر الحرب المباشرة، والامتثال للضوابط الاقتصادية، تجعل من الصعب تصنيف إيران كـ«فاعل غير عقلاني ينساق خلف دوافع دينية بحتة». غير أن نقل الصراع إلى مستوى لاهوتي في خطاب الطرف الآخر يقلص الحيز العقلاني بشكل لا مناص منه.

إن هذا الإطار اللاهوتي يفرض أيضا النظر إلى العمليات الانتقامية الإيرانية تجاه دول الخليج من زاوية مغايرة؛ فإذا كانت لغة الطرف الآخر قد نقلت الحرب إلى مستوى وجودي، فإن أي تراجع إيراني لن يفهم على أنه هزيمة عسكرية فحسب، بل انكسار رمزي أيضا.

وفي هذا السياق، جرى الركون إلى إستراتيجية توسيع نطاق الصراع لتعميم كلفته عالميا؛ ومن ثم فإن استهداف الخليج يبعث برسالة إلى العالم عبر أنابيب الطاقة مفادها: «ثمن هذه الحرب لن يظل محصورا في حيزها المباشر».

وفي هذا المناخ، يستدعي التصعيد الذي نشب قبل أيام بين أفغانستان وباكستان عناية خاصة؛ فالتوترات الحدودية بين البلدين ليست بجديدة، إذ تضرب جذورها في بذرة خلاف غرسها البريطانيون بين القُطرين إبان انسحابهم من المنطقة. غير أن توقيت طفو هذه القضية على السطح في الآونة الراهنة يحمل دلالة استثنائية.

ففي لحظة ينشغل فيها العالم بحرب في الشرق الأوسط تكتنفها مضامين لاهوتية، يشتت فتح جبهة من هذا النوع بين دولتين مسلمتين سُنيتين الأنظار، بيد أنه قد يؤدي أيضا وظيفة أبعد من ذلك بكثير؛ فمثل هذا الوضع يفسح مجال المناورة أمام القوى الكبرى، ويفضي إلى بنية أمنية أكثر تعقيدا عبر ربط الأزمات الإقليمية ببعضها بعضا.

إن هشاشة الوضع الداخلي في باكستان، وعقبات التعافي في أفغانستان التي استعادت استقلالها ودحرت عدوها، وتسعى إلى ترسيخ مؤسسات الدولة والنهوض بالاقتصاد، قد تجعل من مثل هذا التصعيد قضية تتجاوز تخوم البلدين، وربما ترهنها بالصراع القائم بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

ولا يمكن، بطبيعة الحال، الجزم بأن الأمر يرتبط بعملية موجهة ضد «المحور السني» الذي استعرضه نتنياهو خلال لقائه برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي؛ إذ إن مثل هذا الربط المتعجل ينهض على فرضية غير منطقية مفادها أن أفغانستان قد تتحرك ضد باكستان لصالح الهند وإسرائيل والولايات المتحدة.

وهي فرضية تصطدم بوازع ديني جلي يجعل مثل هذا التقارب مستحيلا في عرف حركة طالبان.

ومن نافلة القول إن الخلاف بين أفغانستان وباكستان ليس بقضية عصية على الحل؛ وفي هذا المضمار، يمكن لوساطة تركية قطرية أن تسهم في تسوية هذا الملف.

وإذا ما استعدنا مشهد الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، فلا جرم من الإشارة إلى أن الجدل المستفيض حول «ملفات إبستين» في أروقة السياسة الأمريكية قد أضفى بعدا مغايرا على القضية؛ إذ إن المزاعم بوجود صلات تمتد إلى النخب السياسية تجذر أزمة الثقة في كيان النظام.


وتاريخيا، كثيرا ما أسهمت الأزمات الخارجية الكبرى في طمس السجالات الحادة داخليا. وليس بالضرورة أن يكون ذلك ممنهجا على الدوام، بيد أن مزامنة الأحداث تبرهن مدى تشابك السياسة الخارجية مع الأجندة السياسية الداخلية. ومع تصاعد الضغوط الداخلية، قد يتعاظم النزوع نحو التشدد في السياسة الخارجية.

إن هذا الأمر لا يتصل بالتصورات اللاهوتية، بل يرتبط مباشرة بموازين السياسة الداخلية. وبالطبع، إذا كان «إبستين» قد شكل بالفعل شبكة يهيمن عليها الموساد، فمن الصعب الزعم بأن ذلك بمنأى تام عن تلك الامتدادات اللاهوتية.

وإن كان صحيحا أن هذه التصورات اللاهوتية هي التي ترسم المسار، إلا أن النص الديني له تأويلات ومفسرون يؤوّلونه؛ وهذه العملية التفسيرية تجري وفق مآرب وحسابات وتحريفات؛ واللوم هنا لا يقع على عاتق النص الديني، فهو في حقيقة الأمر براء من ذلك تماما.

أزمة العقول النَّافرة (2)

 بسم الله الرحمن الرحيم

أزمة العقول النَّافرة (2)

د. عطية عدلان

 مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

"... لا نستطيع أن نجيب على العلاقات الدولية وأزمات العولمة بمنطق الشافعيّ ... لا يمكن أن نفكر بمنطق: هذا وثني وهذا توحيدي هذا وضعي وهذا سماوي هذا زمان ولى التصنيف فيه نحن بإزاء نمطية جديدة، لم تعد الخطورة من الأديان الوضعية وإنما تتمثل الخطورة وجذور الأزمة في هذا الذي يريد نزع القداسة عن العالم ... من خلفاء الله في الأرض الآن؟ من الخلفاء عن الله عمليا في الأرض الآن؟ ... نحن معنيون بأن نبتعث المزاج القرآني ..."

   هذه بعض الجمل التي قالها الأستاذ (دوَّاق) في مقطعه المشئوم ذاك، فهل هي تعكس توجه المدرسة التي ينتمي إليها (مؤمنون بلا حدود)؟ وهل من قبيل (اللاحدود) قوله: "لا يمكن أن نفكر بمنطق هذا وثني وهذا توحيدي، وهذا سماوي وهذا وضعي ..." ؟ أتصور أنّ سياق كلامه يجيب عن هذين السؤالين ببساطة وتلقائية، غير أنَّ الأهم من ذلك هو أنَّه يضع المتلقي لكلامه أمام تناقضية لا مثيل لها، عندما يُتْبِع هذه الجمل بدعوته لبعث المزاج القرآني، وإذا صح تعبيره؛ أليس من المزاج القرآنيّ - البالغ في وضوحه مبلغ الضُّحى - الفصلُ والتفريقُ في حسم وحزم بين التوحيدي والوثنيّ؟ وكذلك وبين السماويّ والوضعيّ؟

   إنّه لا تكاد توجد في كتاب الله قضية أَبْيَنَ ولا أَجْلَى من قضية التفريق بين التوحيد وبين الشرك والكفر، وقضية الفصل بين أهل التوحيد وبين أهل الشرك والكفر، التفريق والفصل الذي بينت الآيات حدوده ورسمت معاملة بدقة بالغة، بما لا يسمح بالتداخل مع معاني العنصرية المقيتة، وبما لا يمنع من البرّ والإحسان والصفح الجميل، وبما يمهد لوضع تكون البشرية في مجموعها أسلم والإنسانية في عمقها أحكم، تفريق وفصل يحفظ للتوحيد مقامه، وللموحدين منزلتهم، دونما عدوان إنسانية الإنسان، ولا إنقاص من كرامة الآدميّ، وهذا كله بلغ مبلغاً يجعله - إن صح االتعبير - مزاجاً قرآنيا عاماً.

    وهذه آيات أسوقها دون تقييد لها بتفاسير من يعتبرهم عايشوا (الشرطية التاريخية): (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة 4) (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3)) (محمد 1-3) (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد 14) (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ) (القلم 35-36) (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (ص 28) (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة 22) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة 51) (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران 28) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (النساء 144) ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (التغابن 2) (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان 3) (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر 29) (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ) (غافر 58) (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)) (فاطر 19-22)  ( فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (الفرقان 52) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الأحزاب1) (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة 253) (ِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء 48) (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج 31)   (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام 122)  (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)) (يونس 105-106) (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) (مريم 73) (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)) (الإسراء 74-75).

    وليست هذه الآيات سوى نماذج مما جادت به الذاكرة في الحال، وإلا ف(المزاج القرآنيّ) في التفريق بين الإيمان والكفر وفي الفصل بين المؤمنين والكافرين صبغة ظاهرة كشمس الظهيرة، غير أنَّ هذا الفصل لم يُبْنَ على عنصرية ولم يورث حقداً أو عدوانية، فرسول الله رحمة للعالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 107)، والأمة الإسلامية أمة أخرجت لخير البشرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران 110)، وهي مأمورة بالعدل والقسط والبر والوفاء بالعهود والعقود: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة 8) (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل 90) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (النحل 91) (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة 6)، وإذا كان الجهاد قد شرع لهذه الأمة فإنه لم يشرع للاستعمار والاستحمار، ولا للاحتلال والاستحلال، وإنما شرع لدفع الفتنة عن كاهل الخلق، وكسر الحواجز التي تحول دون الحرية الحقيقية، التي هي المدخل الآمن للإيمان؛ لذلك إذا تحقق هذا قيل للناس: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة 256) وتركت لهم حرية العقيدة المقابلة بالمسئولية: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف 29).

   أمَّا (المزاج القرآنيّ) فيما يتعلق بالتمييز بين السماويّ والوضعيّ فهو أشد وضوحا وظهورا، فالوضعيّ - ما لم يكن أمراً دنيويا لا يتعارض مع ما جاءنا من عند الله - هو في غالب أمره هوى وباطل وجاهلية، وقد جُعل هذا كله في كتاب الله تعالى مقابلاً للشريعة (السماوية): (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية 18) (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف 3) (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة 50) (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) (محمد 3) (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (النجم 23) (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة 48) (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة 49).

   وظاهر من تساؤل الرجل عن خلفاء الله في الأرض اليوم أنَّه يعتبر الغرب بحضارتهم هم خلفاء الله في أرضه في هذا الزمان؛ ربما لكونهم قد انفردوا بالمدنية والعمارة والتفوق الماديّ والتقنيّ، وكأنَّه يفسر قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة 30) بأنّ الإنسان يخلف الله في الأرض بإدارتها وعمارتها على أي وجه كانت الإدارة والعمارة، وهذا خطأ فاحش؛ فخليفة الله في أرضه هو من يعمرها وفق منهج الله تعالى؛ لذلك قال الله تعالى لداود عليه السلام: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (ص 26).

    ولقد تساءل بعد ذكر الخلافة عمّا قدمناه نحن المسلمين للبشرية، تساءل باستنكار واستبعاد؛ لكوننا لم نقدم للبشرية مثل ما قدمه الغرب لها، ومن حقنا أن نذكره - وهو جزائريّ - بما قدمه الغرب (خلفاء الله في عصرنا الحديث!!)؛ قدموا لجزائر ما يزيد على مليون شهيد، وما يربو على قرن من الزمان احتلالا وإذلالا، وقدموا لسائر بلدان الأمة الإسلامية قريباً من هذا، سوى الفتن والمؤمرات والتقسيم والغزو الفكري وغرس الكيان الصهيوني في جسد الأمة، هذا في أوائل القرن المنصرم وأواخر الذي قبله، أمّا في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين فهو ما ترون من فتن وحروب ودعم للانقلابات وإعادة تقسيم للأمة على أسس عرقية وإثنية، قدموا خلالها للأمة ملايين الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، هذا سوى الصد المباشر عن سبيل الله ودعم كل حركة تسعى لتقويض الإسلام، بما في ذلك حركات تنسب للمسلمين وتنتمي لجلدتهم وهي تسعى لتفجير الإسلام من داخله وعلمنته من قلبه ونواته.

   وقدموا لكل أمة مستضعفة في الأرض قريبا من هذا، واسألوا أرض أمريكا وسماءها عن أمة من البشر تم محوها برمتها من على وجه الأرض التي ظلت مسكنا لها دهورا متطاولة كانت تسمى بالهنود الحمر، واسألوا القارة المظلومة المهضومة أفريقيا عن 210 مليون من أبنائها تم اصطيادهم واستعبادهم في بناء الحضارة الغربية، واسألوا غاباتها وسهولها وهضابها عن الخيرات والثروات والكنوز التي نهبت ولا تزال تنهب، واسألوا فيتنام وهيروشيما ونجازاكي، واسالوا القبور الجماعية في طول الأرض وعرضها عن عشرات الملايين الذين قتلوا في الحربين العالميتين، اسالوا لتعرفوا ما الذي قدمه الغرب المتمدين للإنسانية.

   إنّها ليست سوى دعوات تستهدف النيل من ثوابت الإسلام وأصوله، وليس لها من العدل أو الإنصاف نصيب؛ فلنكن منها على حذر، ومن خداعها وزيفها على يقظة.


أزمة العقول النَّافرة (1)



الجمعة، 6 مارس 2026

ترامب والحديقة الخلفية للبيت الأبيض

ترامب والحديقة الخلفية للبيت الأبيض
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة,


مع تكلفتها 400 مليون دولار، يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فرحته الغامرة بتطوير حديقة البيت الأبيض، في خطابه المُتزامن مع العدوان الأميركي الإسرائيلي على طهران، حيث تطرّق إلى أصوات الدقّ والإصلاحات المستمرّة في الخلفية، التي تُشعره بالسعادة، والتي ربما اختلطت قليلًا بصرخات أطفال مُتقطّعة نتيجة قصف أميركي-إسرائيلي لمدرسة استُشهد فيها نحو 160 طالبة، بينهن 10 معلّمات في إيران، لترد إيران بغارات عنيفة ما زالت مُستمرّة حتى ساعة الكتابة، وغالبًا حتى وقت قراءتك هذا المقال، على قواعد أميركية ومصالح تابعة لها في المنطقة، بما في ذلك ما طاول مرافق مدنية وبنى تحتية خليجية، وأوقع ضحايا مدنيين على هذا الجانب أيضًا.

لا يعبأ ترامب كثيرًا بالعمّال الذين على بعد مئة متر من مكتبه، وربّما لو سقط أحدهم من علٍ فتمزّق إربًا لن يكون نصيبه أكثر من بيان نعيٍ لن يلقيه بنفسه، إلا على سبيل اللَقطة لو سمحت الفرصة، ولا يبالي كذلك بأن تتكلّف الميزانية والمتبرّعون نحو نصف مليار دولار لتعديلات ستعجب زوجته، خاصةً مع اختيارها لون الستائر الذهبي على جانبي النافذة من خلفه، يعود الرجل لتكريم بعض الجنود، ثم يواصل الإطناب عن نزواته التجميلية والتفاصيل التافهة، ثم يتحدّث عن حرب إيران التي لن يُصاب بالملل إن طالت، ربما بالتزامن مع سقوط قذيفة على دماغ رضيعة إيرانية أو طفلة كويتية، لا بأس.

لن يُصاب ترامب بالملل إن طالت الحرب ضد إيران

يلتفت ترامب كلّ دقيقة تجاه الحديقة الخلفية، يشرئب، يصغي السمع، يتلذّذ بصوت الدقّ أكثر، يطرب لهذه "التعديلات" التي يجريها في ذلك الجناح من عالمه، فلا بأس بما يرد في نشرات الأخبار، كلّها تفاصيل لا تساوي شيئًا إلا كونها مجرّد عملية "تجميل وتشجير وتغيير"، كالتي تدور في الحديقة خلفه، ما دام ذلك خارج هذا البيت "الأبيض"، فإنه يتساوى، فهناك كما ترى عالمان، عالم تُنصب فيه الموائد والولائم، ويُعدّل القاعة لاستقبال 999 ضيفًا بدلًا من 200، ويحرص على استبدال الرخام الأبيض بالعشب الذي تغوص فيه كعوب أحذية النساء، وعالم آخر يغرس فيه القواعد والأرجل والرجال كمساحة تجربةٍ لا يطاوله منها نارٌ ولا شرر ولا دخان، فلتولع، وما الضرر المباشر عليه؟

أما تلك "الحديقة"، فقد ارتضت ذلك الحكم باقتناع عجيب، وقد حوّل أراضيها وسماواتها إلى فضاء عجيب للتسلية وأحيانًا للخناق وتصفية الحسابات، فمن يرد أن يعاركني فليأتِ إلى تلكم العواصم فوق رؤوس سكّانها، وليرني أشرس ما عنده، في النهاية قد يمضي جريحًا أو منتصرًا لا بأس، ويترك المكان شاهدًا على خسارته أو غارته، لا يهم، لكنني على كلّ حال سأركب طائرتي بعد تزوّدها بالوقود هنا، ثم أرحل لأبيت بجوار ميلانيا، في فراشنا الوثير المطلّ على الحديقة الغرّاء، ولا ضير ببعض مفرقعات تظهر من بعيد، فكلّ شيء يمكنه الحدوث، ما دام الأمر لا يجاوز الحديقة.

إضاءات حول العلاقة الإيرانية الأمريكية

 إضاءات حول العلاقة الإيرانية الأمريكية

أمريكا وإسرائيل تسعيان لتشذيب مشروع إيران!
  مضر أبو الهيجاء

لم تتعامل أمريكا وإسرائيل مع حليفتهما إيران كما تعاملت مع صدام حسين والعراق!

كانت ولا تزال أمريكا وإسرائيل تدركان أهمية وجود مشروع عدائي لعموم شعوب المنطقة العربية وهويتهم الثقافية الإسلامية، لاسيما عندما يكون مشروعا عقائديا له جذوره ومنطلقاته العدائية، كما ويتصف بأنه ذاتي الدعم مبدع في التوحش، وقادر على التفريخ وولادة أذرع وثعابين في المنطقة.. وقد وجدت أمريكا كما عاينت إسرائيل ذلك في المشروع الإيراني الذي يحكمه ويقوده الملالي.. فهل سيفلتانه؟

لماذا لم تضرب إيران إسرائيل ضربة وجودية ثم قصفت المدن العربية؟

إيران الملالي كالعاهرة الفاجرة تبيع نفسها للأمريكان بالليل والنهار، وقد التزمت طهران بقواعد الاشتباك مع منافستها إسرائيل رغم قتل قادتها الكبار، لتقول للأمريكان أنها حتى آخر لحظة حريصة على التفاوض وليس العسكرة والقتال، وهي مستعدة لعمل طوفان من المفاوضات السياسية تاركة الطوفان العسكري لمن لا ترقب فيهم إلا ولا ذمة!

أما قصف المدن العربية فهو رسالة تذكيرية للأمريكان أن إيران هي الأقدر على تخريب المنطقة العربية وفق الخطة الأمريكية الصهيونية التي أنجزتها ببراعة خلال 45 عاما مبتدئة بتفكيك وتخريب وتجهيل وسحق العراق، ومنتهية في المرحلة الحالية بتدمير أقدم المدن البشرية والحواضر العربية في أرض الشام، وهي دوما جاهزة لتحقيق ما يعجز عنه المنفذ الصغير والحقير للسياسات الأمريكية -إسرائيل-!

كالحمار يحمل أسفارا!

لم يستفد من علمه ولم يستفد من قراءاته التاريخية ولا تجربته السياسية كل قائد وعالم وداعية لا يزال يراهن على إيران بعد هدم العراق وحرق سورية وضياع لبنان وتقطيع اليمن وسحق غزة وتلف القضية الفلسطينية!

ولذلك فإن أقرب وصف يمكن وصف به هؤلاء هو (كالحمار يحمل أسفارا).

اجتهادات فكرية أم عصبية حزبية أم جيوب شهوانية؟

من أبرز تناقضات سقط المتاع من الذين لا يزالون يراهنون على ملالي إيران -معتقدين أن إيران حصن من حصون الأمة وسهم في وجه الصهاينة وليسوا سهاما في ظهور الأمة- هو موقفهم الرافض لإيقاف معارك غزة عندما كانت النتائج راجحة وشبه قطعية تشير لهلاك المجاهدين وسحق أهل غزة في ظل هجوم صاروخي أمريكي ساحق بأيادي العبيد اليهود المنفذين، معللين موقفهم بإيمانهم العميق بأن السنن الكونية ستتدخل في تاريخ وجيز يتألون فيه على الله، فيما يرون اليوم وجاهة مسار المفاوضات الإيرانية لئلا تهلك إيران العاقلة الداعمة والذكية!

وأقول لهؤلاء مهما ملأتم جيوبكم وهيئاتكم ومراكزكم وجمعياتكم من أموال الملالي المسروقة من أرزاق العراق، كيف هانت عليكم دماء أهل غزة وكيف فرطتم بالمجاهدين الموحدين المؤمنين الأبطال، فيما قلقتم -لا أبقى لكم الله ظهرا- على فناء الحرس الثوري وفيلق القدس والصواريخ الإيرانية التي لم تعرف إلا هدم مدن العراق وحرق مدن الشام وتمزيق اليمن وترعيب لبنان، أما أمام إسرائيل فكانت كالفأر الذي يلتزم بقواعد الاشتباك وفق تصور معبودهم القابع في البيت الأسود بواشنطن!

قتل الطاغوت الأصغر والعاقبة للطاغوت الأكبر!

الحمد لله الذي دب الخلاف بين صفوف المشاريع المعادية، فقتل محروقا الطاغوت الأصغر خامنئي الذي أحرق ملايينا من المسلمين قبل أن يموت غير مأسوف عليه.

وتصور يا عبدالله أن لو كان بين ظهرانينا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم وفي حالنا وواقعنا الذي نعيشه، فهل كان سيدعو لملالي إيران ويواليهم ويناصرهم بعد أن لعنوا أصحابه وطعنوا زوجه وقتلوا أتباعه -حاشاه-، أم سيشير إلى أتباع طالوت عليه السلام، ويأمرنا بالاعداد والصبر والجهاد على بصيرة؟

بأبي أنت وأمي يا حبيبي يا رسول الله كم نفتقدك.

مقالات هامة ذات صلة لفهم المسألة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية:       

إيران حليف استراتيجي لمن يستهدف هدم وتفكيك المنطقة العربية والإسلامية

سورية بين التحديات والمخاطر.. معركة السويداء على طريق بناء سورية الثانية!

مضر أبو الهيجاء يكتب: الهشاشة السياسية في المقاربات الإسلامية المعاصرة

مضر أبو الهيجاء يكتب: تشذيب أمريكا لإيران من خلال كلبها المدلل إسرائيل!

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/3/2026