الأحد، 7 يونيو 2026

سوريا وتقاطع المصالح

 سوريا وتقاطع المصالح

 . حسن الرشيدي


هل تحولت سوريا من دولة مأزومة، إلى موقع الفاعل المحوري في الإقليم، وكيف تنظر إسرائيل إلى التحولات الجارية في سوريا، وما طبيعة الدور الأمريكي في إدارة الملف السوري وكيف يمكن توصيفه؟


"سوريا قد تصبح مركزا لتحالف إقليمي جديد"

هذا ما صرح به توماس باراك، المبعوث الأمريكي لسوريا.
وأضاف باراك: إن التقدم في سوريا كان ملحوظًا، وأن المرحلة القادمة تحمل فرصًا لتحقيق تقدم هائل واستقرار دائم،

ثم جاءت العبارة الأخطر: أن سوريا قد تصبح مركزًا لتحالف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل.

هذه التصريحات، أتت بعد لقاء وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بالمبعوث الأمريكي باراك. واللافت…أن التحرك السعودي يأتي بعد لقاء باراك بالرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق.

وفي أثناء ذلك، جرى لقاء سوري مع حزب الله في تركيا برعاية المخابرات التركية، وفي اليوم التالي للكشف عن هذا اللقاء، تم الإعلان عن كشف خلية للحزب في سوريا كانت تخطط لتفجيرات.

وفي نفس اليوم نشرت صحيفة معاريف الصهيونية تحقيقًا ينقل عن مسؤول أمني صهيوني تصريحات منها؛ "لا نثق بنظام الشرع في سوريا، وعلينا أن ننظر إليه باعتباره تهديدا بالغ الخطورة".

ويضيف المسئول الصهيوني: نظام الشرع هو نظام خطير يستند إلى أيديولوجيا إسلامية متطرفة، وهو يرسخ قوته ويبني جيشًا بمساعدة ودعم من تركيا، لكن على المدى البعيد يمكن أن يوجّه كل ذلك ضد "إسرائيل".

وورد في تحقيق الصحيفة الصهيونية، أن شعبة الاستخبارات العسكرية تراقب ما يجري في سوريا عن كثب.

وفي خضم هذا التناقض، إذا بالرئيس الأمريكي ترامب يعاود الإشادة بالرئيس السوري أحمد الشرع ويرسل له هدية ثمينة.

ولكن في خضم هذه التفاعلات، جرت تنحية توم باراك عن منصبه كمبعوث لسوريا مع استمرار بقائه في منصب سفير أمريكا لدى تركيا.

ولكن كما ورد في نص تصريحات ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي في تغريدته الرسمية على منصة إكس، "رغم أن هذا المسمى الوظيفي (مبعوث خاص) قد انتهت صلاحيته، إلا أن باراك سيستمر في تولي دور قيادي مركزي لدى إدارة ترامب في كل من سوريا والعراق".

وكل هذه التطورات تأتي ضمن سلسلة تحركات متسارعة حول الملف السوري.


والسؤال الآن: 
ماذا يريد المبعوث الأمريكي السابق لسوريا؟

وكيف نفهم هذه التحركات المتسارعة؟

وهل الإعلان عن انتهاء مهمة المبعوث الأمريكي لسوريا توم باراك بداية لمرحلة جديدة في التعامل الأمريكي مع الملف السوري؟

وكيف نجمع كل هذه التطورات لتكون بمثابة خيط ناظم متناسق؟



ثمة حقيقة لم تعد خافية، وهي أن ما يجري في المنطقة منذ أشهر، يوحي فعلًا بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل واسعة جدًا.

تركيا تتحرك…السعودية تتحرك…الإمارات تعود بقوة إلى دمشق…الحديث يتزايد عن مشاريع اقتصادية وربط إقليمي…والحوار يدور حول وكيف يمكن تحويل سوريا إلى عقدة وصل اقتصادية وسياسية وجغرافية في المنطقة؟

وهناك حقيقية أخرى ...فعندما ترى هذا الزخم الدبلوماسي حول دمشق…فافهم أن كثيرًا من العواصم بدأت تدرك أن استقرار سوريا لم يعد مصلحة سورية فقط…بل مصلحة إقليمية كاملة.

خصوصًا مع كل ما يجري من اضطرابات في المنطقة…

من إيران…إلى البحر الأحمر…إلى الطاقة…إلى طرق التجارة…

وهنا تصبح سوريا قطعة مهمة جدًا في أي مشروع استقرار قادم.

ولهذا يبدو أن ما يجري اليوم…بداية مرحلة جديدة تحاول فيها القوى الإقليمية والدولية رسم شكل الشرق الأوسط القادم…وسوريا هذه المرة في قلب هذه المنطقة...

لفهم هذه التحركات المتناقضة ظاهرياً والمترابطة جوهرياً، سنبدأ بتأطير علمي منهجي قبل الغوص في تفكيك المشهد والإجابة على هذه الأسئلة.

الاقتراب العلمي المقترح للتحليل

​أفضل اقتراب علمي لتفكيك هذا المشهد هو نظرية المُركَّب الأمني الإقليمي التي صاغها العالمان باري بوزان وأولي ويفر.

​ينطلق هذا الاقتراب من مبدأ أن أمن أي دولة لا يمكن فهمه بمعزل عن جيرانها، وأن الدول تتجمع في مُركّبات أمنية تتداخل فيها التهديدات والمصالح. وعندما يحدث تغيير جذري في دولة مركزية مثل سوريا، فإن المُركّب الأمني الإقليمي بأكمله يعاد تشكيله.

​وهذا الاقتراب يحدد أدوات التحليل في هذا الاقتراب بثلاث أدوات:

1- الفاعلون:
من هم اللاعبون الإقليميون (سوريا، تركيا، السعودية، الإمارات، الكيان الصهيوني) والدوليون أمريكا.

2- أنماط العداء والصداقة
كيف تتحول التحالفات (الابتعاد عن إيران وحزب الله، والتقارب مع الخليج وتركيا).

3-​الاختراق الخارجي: كيف تدير القوة العظمى (الولايات المتحدة) توازنات هذا الإقليم لتحقيق مصالحها دون التورط المباشر.

تفكيك المشهد في سوريا

بناءً على هذا الاقتراب، يمكن أن نفكك ما يحدث وهذا التعقيد في المشهد خطوة خطوة:

أولا ماذا يريد المبعوث الأمريكي توم باراك؟ ولماذا تغير مسماه الوظيفي؟

​الولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب ورؤية ماركو روبيو، لا تريد إدارة أزمة في سوريا، بل تريد إدارة حل استراتيجي.

​إنهاء المسمى ليس تراجعاً، بل ترقية للملف: عندما يُلغى منصب المبعوث الخاص، ويُكلف باراك (وهو سفير في تركيا) بملفي سوريا والعراق معاً، فهذا يعني أن واشنطن لم تعد تنظر لسوريا كدولة مارقة تحتاج مبعوث أزمات، بل تنظر للساحة الممتدة من تركيا مروراً بسوريا وحتى العراق كنسق جيوسياسي واحد.

فباراك يريد تحويل سوريا من ساحة نفوذ إيرانية روسية إلى عقدة توازن حليفة ضمن المنظومة التي تشمل تركيا والخليج. وعلى هذا يمكن تفسير الهدية الثمينة من ترامب للشرع، فهي رسالة دعم وتثبيت، تعني: نحن ندعم شرعيتك الجديدة طالما أنك تلعب ضمن قواعدنا لإعادة هندسة المنطقة.

وهذا الأمر يمكن اعتباره هدفًا أمريكيًا، بصرف النظر عن هدف الشرع، والمراحل التدريجية التي يحاول بها تثبيت نظامه، وإعادة تموضعه في المنطقة.

ثانيا، كيف نفهم هذه التحركات المتسارعة في كل من السعودية، الإمارات، تركيا؟


​في نظرية المُركّب الأمني، الفراغ يُملأ فوراً. فالدول الإقليمية تدرك أن سوريا تخرج الآن من مرحلة الحرب الأهلية إلى مرحلة بناء الدولة الإقليمية.

​فالتحرك السعودي والإماراتي والتركي ليس صدفة. هناك إدراك بأن دمج نظام الشرع في الحضن العربي بمظلة أمنية تركية هو الطريقة الوحيدة لمنع تشكل أي فراغ قد تستغله تنظيمات أخرى أو تحاول إيران العودة من خلاله.

​وهنا السعي لاستقرار الوضع في سوريا لم يعد رفاهية؛ فأمن البحر الأحمر مهدد، وخطوط التجارة تبحث عن مسارات برية آمنة، بعد أن أصبح مضيق هرمز شبه مغلق نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية. فسوريا المستقرة هي الممر البري الأهم لربط الخليج بتركيا فأوروبا.

​ثالثا، التناقض بين اللقاء مع حزب الله وكشف الخلية، والقلق الصهيوني

​هنا تبرز براعة الرسائل المزدوجة في التعامل السياسي:

فرسالة الشرع العملية، بالكشف عن خلية حزب الله، عقب اللقاء الذي رعته المخابرات التركية، كان على الأرجح لإبلاغ حزب الله بقواعد الاشتباك الجديدة أو لإنذارهم، وليس للتحالف معهم. فالإعلان عن كشف خلية للحزب في اليوم التالي هو رسالة، يقدمها الشرع لأمريكا والخليج مفادها: أنا قادر وحازم في قطع أذرع المحور الإيراني في سوريا.

أما ​لماذا ترتعد الدولة الصهيونية من النظام السوري الجديد كما تنقل صحيفة معاريف عن مسئولين صهاينة؟

فمن منظور صهيوني واقعي، فإن النظام السابق المنهك والتابع لإيران كان أفضل من نظام جديد يقوده الشرع. فالكيان لا يخشى المليشيات الفوضوية بقدر ما يخشى الجيوش النظامية ذات العقيدة الأيديولوجية والمدعومة من قوى إقليمية وازنة كتركيا. الكيان الصهيوني يدرك أن سوريا القوية والمستقرة والسُنية، حتى لو حاربت حزب الله اليوم، ستشكل تهديداً استراتيجياً وجودياً للدولة الصهيونية على المدى الطويل، لأنها ستكون جزءاً من جبهة متماسكة لا يمكن اختراقها بسهولة.

​الخيط الناظم للمشهد

​إذا أردنا جمع كل هذه التطورات في سياق واحد متناسق، خاصة أن​المنطقة تخضع لعملية هندسة عكسية لما تم بناؤه خلال العقدين الماضيين.

فالخيط الناظم هو: "استراتيجية فك الارتباط الاستراتيجي وإعادة التموضع".

ويعني ​فك الارتباط، انتزاع سوريا بالكامل من محور التمدد الإيراني، وتفكيك أي بنية تحتية لحزب الله أو المليشيات داخلها بقرار سوري، ورعاية تركية، وتشجيع أمريكي.

أما ​إعادة التموضع فتعني، جعل سوريا كحجر زاوية في تحالف جديد (دبلوماسي، أمني، اقتصادي) يضم الخليج وتركيا برعاية إدارة ترامب.

​ويأمل الجانب الآخر في هذا المخطط، (تركيا والخليج) عزل إيران شرقاً، وتحجيم التمدد الصهيوني غرباً عبر إيجاد دولة سورية قوية عصية على الاختراق الصهيوني المعتاد، وهو ما يفسر الرعب في تل أبيب والتفاؤل الحذر لدى دول المنطقة.

خلاصة القول: تصريح توماس باراك لم يكن زلة لسان، بل هو عنوان المرحلة القادمة. سوريا لم تعد مجرد ملف أزمة، بل يتم العمل لتكون نقطة الارتكاز التي سيبنى عليها الهيكل الأمني والاقتصادي الجديد للشرق الأوسط، بصرف النظر عن أهداف النظم والدول التي يتشكل منها هذا الهيكل.

 . 

رانيا العباسي.. أيقونة وشاهد المرحلة الكبير! رِسالَتي لِلْمُنْتَمِينَ العُقَلاءِ وَالأَوْفِياءِ

رانيا العباسي.. أيقونة وشاهد المرحلة الكبير!
رِسالَتي لِلْمُنْتَمِينَ العُقَلاءِ وَالأَوْفِياءِ

  مضر أبو الهيجاء

لم تعرف الشعوب العربية والإسلامية في القرنين الأخيرين وحشيةً كما شاهدها العالم بأم عينيه في الديار الشامية، والتي ذُبح أهلها، وقُتلوا، وهُجِّروا، وأُحرقت مدنها وقراها، في سياق تحالف خشن بين مشاريع الصادات الثلاث (الصهيونية، والصليبية، والصفوية) المعادية لشعوب المنطقة وهويتها، سواء ما حصل خلال ثورة الشام المباركة، أو خلال جهاد شعب فلسطين ومعاركه الأخيرة.

ورغم حجم تلك البشاعة التي تفوق بمراحل كبيرة الهولوكوست وكثيرًا من المآسي التي شغلت الرأي العالمي لعقود، فإن المنظومة الدولية وامتداداتها الإقليمية لا تزال تحاول القفز عن حقيقة حقبة العذاب التي وقعت في أرض الشام، فضلًا عما عاناه العراق العظيم من آلام صامتة.

فهل يليق بأمة العرب والمسلمين أن تكون منسجمة مع هذا المسار، أو غافلة عن حجم تلك المظلومية وآثارها العميقة؟ 

أم أن الواجب يقتضي أن تتحول تلك الحقبة إلى بصمة عار على جبين المنظومة الدولية، وشاهد كبير على مرحلة تاريخية سوداء، ووعي واسع وعميق بطبيعة المشاريع الصليبية والصهيونية والطائفية والتخادم العميق بينها، وعنوان لمظلومية إنسانية كبرى تُظهر الحقائق، وتُربك الخصوم، وتُضعف سردياتهم، ولا تسمح بإعادة إنتاج امتدادات المشاريع المعادية للمنطقة وشعوبها، مهما تبدلت أسماؤها، أو تغيرت واجهاتها، أو لبست أثوابًا جديدة في حُلّة مدنية وشخصيات وأطر مجتمعية دخيلة.

ومن هنا فإن شكل التعامل مع الحدث الأليم الذي وقع للدكتورة العباسي وأسرتها، لا يخص أسرة سورية فحسب، بل هو عنوان لمرحلة تمر بها شعوب الأمة المستهدفة من قبل الغرب والصهاينة وأتباعهم، وهو أمر لا يمكن القفز عنه باعتباره جزءًا من الماضي المندثر، بل هو اليوم اختبار حقيقي لمستوى وعي الناس وانتمائهم وجديتهم وقدرتهم على حفظ الذاكرة الجمعية للأمة.

كما أنه يعبر عن مدى قدرتهم على جعل هذه الشهيدة وأطفالها أيقونة إنسانية وشاهدًا كبيرًا على تلك المرحلة العصيبة من تاريخ الشام والأمة جمعاء، وسببًا لإعادة رسم تصور جديد في الوعي الجمعي لشعوب الأمة الذي تلوث بالمفاهيم العلمانية والقومية والبعثية والإسلامية الحداثية المتماهية مع الفلسفات الغربية والمستخذية أمام القوى والمشاريع الدولية.

إن الدكتورة الشهيدة رانيا العباسي، ابنة العالم الكبير محمد عيد العباسي، وزوجة المجاهد الكبير، وأم الشهداء، يجب أن تكون أيقونة أعلى قيمة من السيف الدمشقي؛ فهي ليست صنمًا، وإنما مشروع يعبر عن أمة وهوية وانتماء وبذل وتضحية وفداء، وهو مسار يشير إليه القرآن الكريم، وجسده الأنبياء وأتباعهم.

فلماذا لا تحظى بما يجب تجاهها من قبل الدولة الجديدة، والحكومة الحرة، والعلماء الربانيين، والشعب المنتمي؟ 

وهل يليق أن يُكتفي بتعزية عائلتها عبر الهاتف حتى ينساها الناس بعد ثلاث ساعات؟

 أم أن الواجب أن تتحدث عنها كل القنوات معبرة عن عموم أهل الشام الكرام، أصلاب الصحابة والتابعين، ومن هم لدينهم أوفياء ومنتمون؟

وهل يليق أن تكون المهرجانات وافتتاح الصالات للعب واللهو أولى بحضور المسؤولين وأولي الأمر من الحضور إلى بيت عائلة العباسي وبيوت أمثالها المتناثرة في كل مساحة الشام المباركة؟

رانيا العباسي هي محمد الدرة في فلسطين

كما كان العالم شاهدًا على وحشية القتل الإسرائيلي للطفل محمد الدرة في غزة، فانتفضت شعوب العالم لأجله، فإن الشهيدة رانيا العباسي، وزوجها، وأطفالها الستة، هم أضعاف محمد الدرة، الأمر الذي يتيح للسوريين الأوفياء والمنتمين لشعوبهم، والمرتبطين بهويتهم الإسلامية ومظلوميتهم الإنسانية، أن يفعلوا مئة ضعف ما فُعل لأجل محمد الدرة، الأمر الذي يجب أن يُعري صورة المشاريع الطائفية المتخادمة مع الغرب والصهيونية على نحو أكبر مما تعرت صورة وحشية الكيان الإسرائيلي، الخادم الحقير للسياسات الغربية.

ومن نكد الزمان اليوم ألّا يكون بعض علماء ودعاة وخطباء الشام على المنابر كل يوم مؤذنين، وللشهيدة رانيا العباسي بأصابعهم مشيرين، ولقاتلها مُعرّين، ومن أتباعه وفلوله محذرين، غافلين عن أن تلك المرحلة مرحلة مؤقتة لن تدوم، كما يراها العقلاء المدركون.

فلماذا كل هذا الاستخفاف بكنوز يضعها الله بين أيدينا، تعيننا على تصحيح المسار والارتقاء بشعوبنا، ووعي التحديات القادمة التي لم تنته بسقوط الآبق الذليل بشار الأسد، والذي كان خروجه بإرادة غربية لا تقصد إنهاء معاناة أهل الشام بل نقلهم لميدان تحديات مستقبلية يرعاها الكاهن الغربي باحتراف كبير، وتحتاج منا صلابة، ومواقف فولاذية، وعقولًا مبصرة، وقلوبًا واعية، لا إلى الدنيا راكنة، لعلنا نكون في نهاية المطاف المنتصرين.

إن القامات الواعية لا تعقد مقارنةً بين فعل أولياءِ الأمر المتقين وفعل الشياطين بل تقارنهم بالصحابة المعدلين طلبا للسموّ وحرصاً على الاستقامة.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/6/2026

حفل (كانييه ويست) الدلالات الأكثر خطرًا

 حفل (كانييه ويست) الدلالات الأكثر خطرًا

د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية


بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

منذ أيامٍ، وتحت هذا العنوان: "الرئاسة التركية تشن هجوماً حاداً على حفل (كانييه ويست) في إسطنبول!" نُشر هذا الخبر: 

"شنّ كبير مستشاري الرئيس التركي، (أوكتاي سارال)، هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على الحفل الغنائي الضخم الذي أحياه مغني الراب العالمي (كانييه ويست) في إسطنبول، وسط حضور قياسي تجاوز 118 ألف شخص، ورفض سارال في بيان رسمي تصنيف الحفل كحدث ترفيهي أو موسيقي عاديٍّ، مؤكداً أن العرض تضمن رموزاً قاتمة وخطابات صادمة تتعارض تماماً مع المعتقدات الدينية والقيم المجتمعية والحضارية للدولة التركية، وأعرب مستشار الرئاسة عن قلقه البالغ إزاء ترديد عشرات الآلاف من الشباب الحاضرين بحماس لعبارة "أنا إله" خلف المغني العالمي، واصفاً المشهد بالمظاهرة العالمية الخطيرة التي تستدعي دراسة تحليلية جادة من الجهات المعنية، وفجّر سارال مفاجأة من العيار الثقيل بملف المنظمين؛ حيث ربط بين الحفل والمصممة الشهيرة "ميشيل لامي"، زاعماً ارتباطها المباشر بطقوس السحر والتنجيم والرموز المظلمة، مما يؤكد - حسب وصفه - أن الحفل يتجاوز حدود الموسيقى نحو حصار ثقافي يفرض الاغتراب على الشباب، ووجه كبير المستشارين نداءً عاجلاً إلى وزارة الثقافة والسياحة التركية لتوخي الحذر الشديد مستقبلاً تجاه هذه المنظمات العالمية التي تمس الجوانب الروحية للبلاد، داعياً المجتمع والتيار المحافظ للتخلي عن الصمت ومواجهة هذه الاختراقات الثقافية".

أهذا يكفي؟

قد يكون هذا التصريح الذي صدر من الرئاسة التركية كافيًا ووافيًا وشافيًا، وذلك حسبما تقضي به الفلسفة السياسية للدولة وللحزب الحاكم، وهي فلسفة قائمة على منح الحرية للجميع؛ بما يضمن عدم تدخل الدولة بقراراتها للحيلولة دون استمتاع الأفراد بالحرية، وذلك في حدود احترام الدستور والقانون.

    غير أنّه بالنظر إلى جوهر السياسة ولبِّها، وإلى روح الحرية وعقلِها؛ فإنّ هذا ليس كافيًا ولا وافيًا ولا شافيًا، بل إنّه مجرد محاولة يائسة لإطفاء حريق هائل بكوب من الماء، وما يصنع كوب من الماء في حريق شبّ واستعر وعلا منه الدخان وانتشر الشرر، إنّه لا يكفي حتى لإطفاء ظمإ واحد من الملايين من المسلمين الذي احترقت أكبادهم وهم يرون ويسمعون غناءً يهدم النظام الأخلاقيّ لبلد مسلم قاد الدنيا بالإسلام لمدة خمسة قرون أو يزيد، ألا يوجد في جعبة الدولة من التصرفات السياسية في مساحات يمكنها استثمارها - وإنّها لكثيرة - ما يمكن أن تحول به دون وقوع هذا الحدث المزلزل المخيف؟!

    يجب النظر إلى هذا الحدث على أنّه نتيجة لتراكمات سابقة أكثر من كونه سببًا لتداعيات لاحقة؛ لأنّه ليس بالإمكان علاج الرضوض التي أحدثها هذا الحدث في جسد الأمة بمجرد التحذير منه والاحتياط لعدم تكراره في المستقبل، إنّ الفساد الأخلاقي يمخر في جسد الجيل منذ زمن بعيد، ولأسباب يأتي على رأسها الموقف السياسي الذي لا يعطي بعدًا كبيرًا لهذا الخطر، وإن كان على الجانب الآخر يعزّز من بعض الأنشطة الدينية كتحفيظ القرآن وغير ذلك، لكنّ الموقف الديني الدعوي هو الذي يتحمّل العبء الأكبر؛ فإنّه من الملاحظ أنّ الاتجاهات المنحرفة والعلمانية الجارفة استفادت من مساحات الحرية التي وفّرتها الدولة أكثر من الاتجاهات الدينية والدعوية والإصلاحية، فأمّا الأكاديميون الشرعيون فمشغولون في التنافس على النقاط التي تعطيهم الفرصة للترقي ولحضور عدد أكبر من المؤتمرات التي لا فائدة فيها إلا الصخب الأكاديمي، وأمّا أئمة المساجد فهم ملتزمون بالنصّ المكتوب التزام العسكريّ بالأوامر القيادية، وأمّا الجماعاتيون فأهم ما يفكرون به هو الجماعة وما حققته من مكاسب بعضها ديني وبعضها دنيوي.

    فإن نظرنا إلى الأمر من جهة السياسة فإنّ السياسة في جوهرها كما قال ابن عقيل: 

"ما كان من الأقوال والأفعال بحيث يكون أمر الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد"، 

أو كما قال ابن خلدون:

"حمل الكافّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها"، ومن هاتين العبارتين نفهم أنّ المسئول السياسي موسع عليه من جهة ومضيق عليه من جهة أخرى، فالتوسعة من جهة عدم التكليف بما لا يستطاع، والتضييق والحزم من جهة ضرورة السعي الدائم لتحقيق ما يمكن تحقيقه من المصالح المشروعة ودفع ما يمكن دفعه من المفاسد الممنوعة، وإذا أهمل الساسة جانب الأخلاق والقيم تهدم على رؤوسهم ورؤوس شعوبهم كلّ ما شيدوه من إنجازات على جميع المستويات.

    وأمّا من جهة الدعاة فليس أمامهم اليوم إلا أحد أمرين لا ثالث لهما: 

اليقظة وتصحيح المسار، أو الفجيعة التي لا يتوقعونها في الجيل كله وفي الأجيال من بعده، إنّ ما حدث في بداية الأسبوع المنصرم كان بمثيبة النذير الأخير، فإمّا أن يتحرك أهل الإسلام ويستعينوا بربهم وينهضوا بما يجب عليهم من الدعوة إليه، أو ينتظروا شهادة التاريخ عندما يسطر أنّ هذا الجيل من العلماء والدعاة والمصلحين استثمروا الحرية التي أتيحت لهم ولم تتح لغيرهم في تحصيل دنياهم وتضضيع دينهم، وإنّنا لنظنّ بكم الخير؛ فانهضوا ..

    أمّا ما يدعونه حرية فليس بحرية، فلا توجد حرية منفلتة من قيود الأخلاق والقيم وتقاليد المجتمع وثقافة الأمة، لا توجد حتى عند كبار مفكري الحرية الكبار، هذا على سبيل المثال (فولتير) يقول في قاموسه السياسي: 

"بأي معنى إذاً يجب أن ينطق الإنسان بعبارة (الإنسان حرّ)؟ بالمعنى ذاته الذي ينطق به كلمات: الصحة والقوة والسعادة، فالإنسان ليس قويا دائمًا، ولا صحيحاً دائماً ولا سعيداً دائما، تجرده عاطفة قوية أو عقبة قوية من حريته ومن قدرته على الفعل، فكلمة الحرية أو الإرادة الحرة كلمة مجردة عامّة، مثل الجمال والصلاح والعدالة، لا تقرر هذه المصطلحات أن كل الناس دائماً جميلون وصالحون وعادلون، وبالمثل فهم ليسوا دائماً أحرارا"، 

بل إنّ جون ستيوارت مل المنظر الأكبر للحرية المنفلتة ليعترف في كتابه "الحرية": "إنّه لمن الجليّ مع ذلك أنّ كل من يعيش في كنف المجتمع ويتمتع بحمايته مدينٌ بدَيْنٍ في نظير هذه الفائدة، وأنَّ نفس المعيشة في المجتمع تحتم على كل فرد أن ينتهج في سلوكه مع الآخرين منهجاً معيناً".

    وأخيرًا فنحن أمّة مسلمة قال الله عنها: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)؛ 

فأين هي الخيرية إذا كانت تنظم حفلًا يشتمل على عبارات مظلمة ومعاني قاتمة وإشارات سحرية وشيطانية، وإذا كان الحضور الذي بلغ 118 ألفًا قد رددوا في نشوة خلف المغني الماجن (أنا إله)؛ 

فاللهم سلِّم سلِّم.

د. عطية عدلان

دير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

السبت، 6 يونيو 2026

مالي بين موسكو وبروكسل.. لعبة توازن تعيد رسم النفوذ في الساحل

 مالي بين موسكو وبروكسل.. لعبة توازن تعيد رسم النفوذ في الساحل


سلطان البان

بخطوات خجولة، وبعد مرحلة من التباعد، تقدم ألبرتو سيريزو نحو الجنرال آسيمي غويتا ممسكا بخطاب الاعتماد في باماكو، معلنا عن "بدء مرحلة جديدة في العلاقات".

هذا البروتوكول يُقرأ اليوم كتحول هادئ في مقاربة بروكسل لأحد أعقد ملفات الساحل الأفريقي سياسيا وأمنيا؛ ففي الدبلوماسية هنا تبدو محاولة لإعادة الإمساك بخيوط نفوذ تآكلت في السنوات الأخيرة لصالح فاعلين جدد، وعلى رأسهم روسيا، وشبكة تحالفات "تحالف الساحل" بين مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو.

رغم أن مالي كانت ضمن الجغرافيا التقليدية للنفوذ الفرنسي، الذي شكل الوجه الأبرز لأوروبا في الساحل بفعل الحقبة الاستعمارية، فإن علاقات الطرفين شهدت في السنوات الأخيرة قطيعة فعلية. جاءت هذه القطيعة على وقع موجة الانقلابات العسكرية التي عرفتها البلاد، حيث لم يلتزم الحكام الجدد بخارطة الطريق التي كان من المفترض أن تنهي المرحلة الانتقالية لصالح سلطة مدنية منتخبة.

هذا الإخلال رافقته انتقادات أوروبية واسعة النطاق بشأن أوضاع حقوق الإنسان وتراجع الحريات، ما دفع باماكو إلى تبني خطاب سيادي متشدد بلغ حد طرد السفير الفرنسي، وتقليص الوجود العسكري الأوروبي، وإنهاء مهام بعثة تدريب القوات المسلحة المالية (EUTM).

في المقابل، اتجهت السلطات الانتقالية إلى توثيق تعاونها الأمني مع موسكو، بما في ذلك تكريس حضور مجموعة فاغنر ولاحقا الفيلق الروسي في المشهد العسكري المالي، وهو تطور قرأته العواصم الأوروبية بوصفه تهديدا مباشرا لنفوذها التقليدي في الساحل، وتعبيرا عن تحول أعمق في بوصلة التحالفات الإقليمية.

أوروبا ترى أن سياسة الإدانة والعقوبات وحدها لم تؤد إلى تغيير سلوك المجلس العسكري، بل ساهمت في دفع مالي نحو أحضان شركاء منافسين، ما استدعى مقاربة أكثر براغماتية تحفظ الحد الأدنى من الحضور الأوروبي

 

الاتحاد الأوروبي بين واقعية جيوسياسية وضغط القيم

حين يعلن الاتحاد عن "مرحلة جديدة"، فإنه لا يتخلى عن خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر ما يعيد ترتيب أولويات هذا الخطاب وفق اعتبارات القوة والمصالح. أوروبا ترى أن سياسة الإدانة والعقوبات وحدها لم تؤد إلى تغيير سلوك المجلس العسكري، بل ساهمت في دفع مالي نحو أحضان شركاء منافسين، ما استدعى مقاربة أكثر براغماتية تحفظ الحد الأدنى من الحضور الأوروبي في ملفات الأمن والهجرة والتنمية.

إعلان

فالساحل ليس مجرد هامش جغرافي لبروكسل، بل هو بوابة هجرة غير نظامية، وخزان تهديدات إرهابية عابرة للحدود، ومجال تنافس إستراتيجي مع روسيا، والصين، وتركيا وقوى إقليمية أخرى. من هنا يصبح الانفتاح الدبلوماسي الجديد محاولة لتقليل الخسائر، وربما استعادة موطئ قدم، أكثر منه تعبيرا عن رضا حقيقي عن المسار السياسي في باماكو.

باماكو وورقة السيادة

في المقابل، يدرك المجلس العسكري في مالي أن الحفاظ على هامش مناورة بين موسكو وبروكسل وغيرهما هو جزء من "عقيدة السيادة" التي يتبناها منذ القطيعة مع فرنسا.

فالميل المفرط إلى محور واحد يرفع كلفة الاعتماد الأمني والاقتصادي، ويجعل البلاد أكثر هشاشة أمام تغير المزاج الدولي، أو الأزمات الداخلية في دولة الشريك. لذلك يمكن قراءة قبول أوراق اعتماد سفير الاتحاد الأوروبي ليس كعودة إلى "بيت الطاعة الأوروبي"، بل كترسيم لسياسة تعدد الشركاء، حيث تتحول باماكو من موقع المتلقي للسياسات الغربية إلى طرف يناور بين العواصم، مستفيدا من التنافس على النفوذ في الساحل.

في هذه المعادلة، يراهن غويتا ورفاقه على أن حاجة أوروبا إلى التعاون الأمني وفي مجال الهجرة ستجعل من الصعب على بروكسل العودة إلى لغة العقوبات القصوى التي جربت ولم تحقق ما كان مرجوا منها.

المطلوب اليوم من بروكسل، إن أرادت أن تمنح "المرحلة الجديدة" مضمونا حقيقيا، هو مزيج أكثر توازنا بين الاستثمار في التنمية المحلية، واحترام حساسيات السيادة الوطنية التي نجحت السلطات إلى حد ما في تسويق قداستها

ألبرتو سيريزو.. قناة تفاوض بأجندة مزدوجة

بعد فترة طويلة من القطيعة، عاد ألبرتو سيريزو إلى باماكو بصفته سفيرا للاتحاد الأوروبي، في خطوة تهدف إلى فتح قناة مؤسسية تتيح للطرفين إدارة خلافاتهما. هذه العودة تأتي عقب سنوات من التوتر المتبادل الذي وصل إلى حد سحب أو تقليص التمثيل الدبلوماسي.

دور سيريزو لا يقتصر على إعادة إحياء الخطاب الدبلوماسي التقليدي، بل يُنظر إليه كاختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين تمسكه بقيمه من جهة، ومتطلبات التعاون الأمني والاقتصادي من جهة أخرى.

ومن المتوقع أن يعمل على محورين متوازيين: الأول يتمثل في طمأنة السلطات في باماكو بأن بروكسل لا تستهدف إسقاط المجلس العسكري، بل تسعى إلى الدفع نحو مسار انتقالي واضح، أما الثاني فيرتبط بإعادة إدماج مالي تدريجيا في برامج الدعم الأوروبية، خاصة تلك المتعلقة بالتنمية والبنية التحتية وإدارة الحدود ومكافحة الإرهاب.

ويبقى نجاح هذه المهمة مرهونا بمدى قدرة السفير على كسب ثقة النخب السياسية والعسكرية التي لا تزال متحفظة تجاه ما تعتبره "وصاية غربية"، وكذلك بمدى استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم حوافز ملموسة تتجاوز الخطاب الدبلوماسي التقليدي.

الفرصة والمخاطر

في اللحظة التي تتحدث فيها بروكسل عن "مرحلة جديدة"، هي نفسها لحظة إعادة تشكيل عميقة في غرب أفريقيا، مع بروز تحالفات إقليمية جديدة تسعى إلى بناء استقلال أمني عن الشركاء الغربيين، كما في التحالف بين مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو (تحالف لبتاكو غورما).

في هذه البيئة، لن يكون أمام الاتحاد الأوروبي ترف العودة إلى مقاربة أمنية صرفة قائمة على نشر قوات أو بعثات تدريب، بعد أن أثبتت التجربة محدوديتها أمام تعقيد المشهد المحلي، وتداخل الانقلابات مع التمردات المسلحة والنزاعات العرقية.

المطلوب اليوم من بروكسل، إن أرادت أن تمنح "المرحلة الجديدة" مضمونا حقيقيا، هو مزيج أكثر توازنا بين الاستثمار في التنمية المحلية، واحترام حساسيات السيادة الوطنية التي نجحت السلطات إلى حد ما في تسويق قداستها، والبحث عن صيغ تعاون أمني لا تعيد إنتاج صورة "الوصي الخارجي" التي صبت في السنوات الماضية في مصلحة خصومها الجدد.

أما بالنسبة للمجلس العسكري في باماكو، فإن اختبار النضج سيكون في قدرته على تحويل هذا الانفتاح الأوروبي إلى فرصة للتخفيف من عزلة دولية خانقة، دون التفريط في حق الماليين في انتقال سياسي حقيقي، وهو ما سيظل السؤال المؤجل في كل مفاوضات "المرحلة الجديدة" حسب التعبير الأوروبي.

قراءة في كتاب تاريخ المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى

قراءة في كتاب تاريخ المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى

غلاف كتاب "تاريخ المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى
" لإدواردو مانثانو مورينو

قراءة يسري الخطيب

الكتاب: تاريخ المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى.

المؤلف: إدواردو منثانو مورينو.

الترجمة والتقديم والتعليق: الدكتور محمد علي دبور.

سنة النشر العربية: 2025م

تاريخ النشر الأصلي بالإسبانية: 1992م

ينتمي الكتاب إلى الدراسات التاريخية الأكاديمية

 المتخصصة في تاريخ الإسلام الوسيط، ويقدم رؤية

 شاملة لمسيرة المجتمعات الإسلامية منذ ظهور

 الإسلام في القرن السابع الميلادي وحتى بروز الدولة

 العثمانية في أواخر العصور الوسطى.

ولا يكتفي المؤلف بتتبع تعاقب الدول والخلفاء، بل

 يركز على دراسة المجتمعات والبنى الاجتماعية

 والاقتصادية والثقافية التي أسهمت في صناعة

 الحضارة الإسلامية وتطورها.

مقدمة

ظل التاريخ الإسلامي لسنوات طويلة يُقدَّم في كثير

 من المؤلفات بوصفه تاريخًا للحكام والفتوحات

 والمعارك الكبرى، حيث تتصدر أسماء الخلفاء

 والقادة المشهد، بينما تتراجع حياة الناس العاديين

 والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية إلى الهامش.

غير أن الدراسات التاريخية الحديثة سعت إلى تجاوز

 هذا المنظور التقليدي، فبدأت تنظر إلى التاريخ

 باعتباره نتاجًا لتفاعل معقد بين السياسة والدين

 والاقتصاد والثقافة والمجتمع.

ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «تاريخ المجتمعات

 الإسلامية في العصور الوسطى» للمؤرخ الإسباني

 إدواردو منثانو مورينو، الذي يحاول إعادة قراءة

 التاريخ الإسلامي الوسيط من زاوية مختلفة، تجعل

 المجتمع في قلب السرد التاريخي.

فالكتاب لا يسأل فقط: من حكم؟

بل يسأل أيضًا: كيف عاش الناس؟

وكيف تشكلت المدن؟

وكيف نشأت المؤسسات؟

وكيف أثرت التجارة والهجرة والعقائد والصراعات

 السياسية في تكوين الحضارة الإسلامية؟

ولذلك يُعد هذا العمل من أبرز الدراسات التي تجمع

 بين التاريخ السياسي والاجتماعي والديني في إطار

 واحد، وتمنح القارئ صورة واسعة ومركبة عن

 العالم الإسلامي خلال ما يقرب من ثمانية قرون.

تلخيص الكتاب في بضعة سطور

يتتبع الكتاب تطور المجتمعات الإسلامية منذ ظهور

 الإسلام في الجزيرة العربية وحتى صعود الدولة

 العثمانية.

ويحلل الظروف التي أحاطت بنشأة الدعوة الإسلامية،

 ثم يتناول الفتوحات الكبرى وتشكيل الدولة الإسلامية

 المبكرة.

كما يدرس نشوء الدولة الأموية والعباسية، وتطور

 الفكر الديني والفقهي، وصعود القوى الإقليمية

 المختلفة، والحروب الصليبية، والغزوات المغولية، ثم

 بروز العثمانيين.

وتتمثل الفكرة المركزية للكتاب في أن الحضارة

 الإسلامية لم تكن كيانًا جامدًا أو مجتمعًا موحدًا، بل

 فضاءً حضاريًا واسعًا تشكل عبر تفاعل مستمر بين

 شعوب وثقافات ومؤسسات متعددة.

أهم فصول الكتاب 

البيئة العربية قبل الإسلام ونشأة

 الدعوة

يفتتح المؤلف كتابه بدراسة الجزيرة العربية قبل

 الإسلام، محاولًا فهم البيئة التي ظهرت فيها الرسالة

 الإسلامية.

ويركز على البنية القبلية للمجتمع العربي، وعلى

 شبكات التجارة التي ربطت الحجاز بالشام واليمن

 والعراق.

ويرى أن مكة كانت تؤدي دورًا اقتصاديًا وتجاريًا

 مهمًا، إلى جانب مكانتها الدينية.

ويؤكد أن ظهور الإسلام لم يكن حدثًا منفصلًا عن

 محيطه التاريخي، بل جاء في إطار تحولات

 اجتماعية واقتصادية وسياسية كانت تشهدها المنطقة.

ومن الأفكار التي يكررها المؤلف أن فهم الإسلام

 المبكر يقتضي فهم المجتمع الذي ظهر فيه.

الفتوحات الإسلامية وتأسيس

الإمبراطورية

ينتقل الكتاب إلى دراسة مرحلة الفتوحات الإسلامية

 التي غيّرت خريطة العالم القديم.

ويرى المؤلف أن نجاح المسلمين لم يكن قائمًا على

القوة العسكرية وحدها، بل ارتبط أيضًا بضعف

 الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية نتيجة الحروب

 الطويلة والأزمات الداخلية.

ويشرح كيف أدى التوسع السريع إلى ظهور تحديات

 إدارية وسياسية جديدة.

كما يتناول الصراعات التي اندلعت بين المسلمين

 أنفسهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعدها

 من أكثر الأحداث تأثيرًا في تشكيل التاريخ الإسلامي

 اللاحق.

الدولة الأموية وبناء النظام

 الإمبراطوري

يرى المؤلف أن الدولة الأموية مثّلت أول تجربة

 حقيقية لبناء إمبراطورية إسلامية واسعة.

فقد طورت مؤسسات الحكم والإدارة والجيش

 والضرائب.

كما شهد عهدها استمرار التوسع الجغرافي شرقًا

 وغربًا.

غير أن المؤلف يلفت النظر إلى التوترات الاجتماعية

 والسياسية التي نتجت عن سيطرة النخب العربية

 على مفاصل الدولة.

ويعتبر أن هذه التناقضات أسهمت في نهاية المطاف

 في سقوط الدولة الأموية وصعود العباسيين.

العباسيون وتحول مركز الحضارة

يخصص الكتاب مساحة واسعة للحديث عن الثورة

 العباسية وما أحدثته من تحولات جذرية.

فمع انتقال مركز الخلافة إلى بغداد دخل العالم

 الإسلامي مرحلة جديدة من التنوع الثقافي

 والحضاري.

ويشير المؤلف إلى أن العباسيين فتحوا المجال أمام

 مشاركة أوسع للشعوب غير العربية في إدارة الدولة.

كما أصبحت بغداد واحدة من أعظم المراكز العلمية

 والثقافية في العالم.

ومن الأفكار المهمة التي يطرحها الكتاب أن ازدهار

 الحضارة الإسلامية لم يكن نتيجة القوة العسكرية

 وحدها، بل ثمرة التفاعل بين ثقافات متعددة داخل

 الدولة.

تشكل العلوم الدينية والفقهية

من أكثر الفصول أهمية ذلك الذي يتناول تطور

 المرجعية الدينية في الإسلام.

إذ يوضح المؤلف كيف تشكلت علوم الحديث والفقه

 والتفسير عبر مراحل تاريخية متعاقبة.

كما يناقش نشأة المذاهب الفقهية الكبرى.

ويتوقف عند العلاقة المعقدة بين العلماء والسلطة

 السياسية.

ويشير إلى أن الشريعة أصبحت مع مرور الزمن

 إطارًا جامعًا ينظم الحياة الدينية والاجتماعية

 للمسلمين.

القرن العاشر وتحول الخلافة

يعتبر المؤلف القرن العاشر الميلادي نقطة تحول

 كبرى.

فقد تراجعت سلطة الخلافة العباسية المركزية.

وظهرت قوى إقليمية عديدة تنازعها النفوذ.

كما شهدت هذه المرحلة صعود الدولة الفاطمية في

 شمال أفريقيا ثم مصر.

ويرى أن العالم الإسلامي بدأ يتحول من إمبراطورية

 مركزية واحدة إلى فضاء سياسي متعدد المراكز.

الفاطميون والسلاجقة والمرابطون

يتناول المؤلف صعود عدد من القوى الإقليمية

 المؤثرة.

ويشرح كيف تمكن الفاطميون من بناء دولة قوية ذات

 نفوذ اقتصادي وتجاري واسع.

كما يدرس دور السلاجقة في إعادة التوازن السياسي

 في المشرق الإسلامي.

ويتوقف عند تجربة المرابطين في المغرب والأندلس،

 ودورهم في حماية الوجود الإسلامي هناك.

الحروب الصليبية

يقدم الكتاب قراءة للحروب الصليبية من منظور

 تاريخي واسع.

فهو يرى أن الحملات الصليبية جاءت إلى عالم

 إسلامي كان يعاني أصلًا من الانقسام السياسي.

ويحلل ظهور شخصيات وقوى نجحت في مواجهة

 الخطر الصليبي.

وفي مقدمتها نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي.

ويبرز المؤلف أهمية مشروع الوحدة السياسية الذي

 سبق الانتصارات العسكرية.

الغزو المغولي

يصف المؤلف الغزو المغولي بأنه أحد أعنف الأحداث

 في تاريخ العالم الإسلامي.

فقد أدى إلى تدمير مدن كبرى ومراكز حضارية

 مهمة.

لكن الكتاب يشير في الوقت نفسه إلى أن المرحلة

 المغولية أسهمت لاحقًا في إعادة تشكيل شبكات

 التجارة والاتصال بين مناطق آسيا المختلفة.

بزوغ الدولة العثمانية

يختتم المؤلف كتابه بدراسة الظروف التي ساعدت

 على ظهور الدولة العثمانية.

ويشرح كيف استطاع العثمانيون استثمار الفراغ

 السياسي في الأناضول.

وكيف تحولوا خلال فترة قصيرة نسبيًا إلى القوة

 الإسلامية الأبرز.

ويرى أن ظهورهم مثّل بداية مرحلة تاريخية جديدة

 أنهت العصور الوسطى الإسلامية وفتحت عصرًا

 مختلفًا.

أهم أقوال الكتاب والاقتباسات

من الأفكار الأساسية التي تتكرر في الكتاب:

«إن تاريخ الإسلام لا يمكن اختزاله في تاريخ خلفائه

 وسلاطينه».

«المجتمعات الإسلامية كانت متعددة الأعراق واللغات

 والثقافات رغم انتمائها إلى إطار حضاري واحد».

«قوة الحضارة الإسلامية جاءت من قدرتها على

 استيعاب التنوع أكثر من اعتمادها على القوة

 العسكرية وحدها».

«الدين والسياسة والاقتصاد عناصر متداخلة في فهم

 التجربة التاريخية الإسلامية».

«العالم الإسلامي في العصور الوسطى كان فضاءً

 متغيرًا لا كيانًا ثابتًا».

وتُعد هذه الأفكار بمثابة الخيط الناظم لجميع فصول

 الكتاب.

أهمية الكتاب

تكمن أهمية الكتاب في عدة جوانب.

أولًا.

أنه يقدم رؤية شاملة للتاريخ الإسلامي تجمع بين

السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة.

ثانيًا.

أنه يبتعد عن السرد التقليدي القائم على تعاقب الحكام

 فقط.

ثالثًا.

أنه يساعد القارئ على فهم آليات تشكل الحضارة

 الإسلامية وتطورها.

رابعًا.

أنه يربط بين الأحداث الكبرى والبنى الاجتماعية التي أنتجتها.

خامسًا.

أنه يعرّف القارئ العربي بأحد أهم المؤرخين الإسبان

 المتخصصين في تاريخ الإسلام الوسيط.

سادسًا.

أن الترجمة العربية جاءت في وقت تتزايد فيه الحاجة

 إلى مراجعات أكاديمية حديثة للتاريخ الإسلامي.

نقد الكتاب

رغم القيمة العلمية الكبيرة للكتاب، فإنه لم يسلم من

 النقد.

فبعض الباحثين يرون أن المؤلف يتبنى بدرجة

 واضحة مناهج المدرسة التاريخية الغربية الحديثة.

ويؤدي ذلك أحيانًا إلى التركيز المفرط على العوامل

 الاجتماعية والاقتصادية.

في المقابل يرى آخرون أن الكتاب يمنح مساحة أقل

 للأبعاد العقدية والروحية التي تؤكد عليها المصادر

 الإسلامية التقليدية.

كما أن بعض القراء قد يجدون في اللغة الأكاديمية

 والتحليلات النظرية قدرًا من الصعوبة مقارنة

 بالمؤلفات التاريخية السردية.

ومع ذلك فإن هذه الملاحظات لا تقلل من مكانة

 الكتاب باعتباره مرجعًا مهمًا في دراسة التاريخ

 الإسلامي الوسيط.

كتب مشابهة

من الكتب التي يمكن مقارنتها بهذا العمل:

مقدمة في تاريخ الحضارات الإسلامية.

مغامرة الإسلام.

تاريخ الشعوب الإسلامية.

قصة الحضارة في أجزائه المتعلقة بالحضارة

 الإسلامية.

فجر الإسلام.

ضحى الإسلام.

الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري.

وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها بدراسة المجتمع

 والحضارة، لا مجرد التسلسل السياسي للأحداث.

ربط الكتاب بالواقع الآن

تكمن القيمة المعاصرة لهذا الكتاب في أنه يساعد على

 فهم كثير من القضايا الراهنة في العالم الإسلامي.

فالنقاشات المتعلقة بالعلاقة بين الدين والدولة.

ومسألة التنوع الثقافي والإثني.

وإشكاليات المركز والأطراف.

ودور المؤسسات الدينية.

كلها موضوعات تمتد جذورها إلى القرون الوسطى

 التي يدرسها الكتاب.

كما أن المؤلف يبرز كيف استطاعت الحضارة

 الإسلامية أن تبني وحدتها من خلال التنوع لا من

 خلال الإلغاء.

وهو درس ما يزال يحتفظ بأهميته في عالم اليوم الذي

 يواجه تحديات الهوية والانقسام والصراعات الثقافية.

ومن خلال تتبع صعود الدول وسقوطها، يوضح

 الكتاب أن قوة المجتمعات لا تقاس بالانتصارات

 العسكرية وحدها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات

 مستقرة وإنتاج المعرفة واستيعاب الاختلاف.

سيرة المؤلف

إدواردو منثانو مورينو مؤرخ إسباني ولد عام

 1960.

يُعد من أبرز المتخصصين في تاريخ الإسلام الوسيط

 وتاريخ الأندلس.

ارتبط اسمه بعدد من المشاريع الأكاديمية الكبرى

 المتعلقة بدراسة العالم الإسلامي في العصور

 الوسطى.

وشغل مناصب علمية وبحثية مرموقة في المؤسسات

 الجامعية الإسبانية.

وتركز أبحاثه على نشأة الدولة الإسلامية المبكرة.

والأندلس.

والعلاقات بين أوروبا والعالم الإسلامي.

والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها

 المجتمعات الإسلامية.

ومن أبرز مؤلفاته:

تاريخ المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى.

الفاتحون والأمراء والخلفاء.

دراسات متعددة حول الأندلس الإسلامية.

أبحاث أكاديمية عن تشكل الدولة الإسلامية المبكرة

 والعلاقات المتوسطية.

وقد عُرف بأسلوبه الذي يجمع بين التحليل التاريخي

 الدقيق والاستفادة من المناهج الحديثة في العلوم

 الإنسانية.

هذا الكتاب

هذا الكتاب ليس مجرد سرد لتاريخ الإسلام في

 العصور الوسطى، بل محاولة لفهم الكيفية التي

 تشكلت بها واحدة من أكبر الحضارات الإنسانية.


فهو ينقل القارئ من حدود الجزيرة العربية إلى

 عواصم الخلافة الكبرى، ومن الأسواق والقوافل إلى

 قصور الحكم ومراكز العلم، ومن الصراعات

 السياسية إلى تطور الأفكار والمؤسسات.

وتكمن أهميته في أنه يضع المجتمعات في قلب الحدث

 التاريخي، فيجعل التاريخ الإسلامي قصة شعوب

 ومدن وثقافات بقدر ما هو قصة خلفاء وسلاطين.

وعبر تتبع مسار الفتوحات، وقيام الدول، وازدهار

 العلوم، والحروب الصليبية، والغزو المغولي،

 وصعود العثمانيين، يرسم المؤلف لوحة واسعة

 تكشف تعقيد التجربة الإسلامية وثراءها.

ولذلك يمكن اعتبار «تاريخ المجتمعات الإسلامية في

 العصور الوسطى» واحدًا من أهم المداخل الحديثة

 لفهم التاريخ الإسلامي، ومرجعًا مفيدًا للقارئ العام

 والباحث المتخصص على السواء، لأنه يفتح بابًا جد

يدًا للنظر إلى الماضي، لا باعتباره سجلًا للأحداث

 المنتهية، بل باعتباره مفتاحًا لفهم كثير من أسئلة

 الحاضر وتحديات المستقبل.