الخميس، 30 أبريل 2026

«جون فروم».. وطوائف البضايع

 «جون فروم».. وطوائف البضايع

د. محمد علي يوسف 


في جزيرة نائية من أرخبيل فانواتو بالمحيط الهادي كان المشهد يبدو لمن يراه غريبا جدا كأنه مقتطع من رواية خيالية..

رجال من قبائل بدائية يقفون في صفوف منتظمة على مدرج ترابي ممهد بأيديهم، يرفع بعضهم أعلامًا مصنوعة من الخيزران، ويرتدي آخرون سماعات رأس خشبية وهمية منحوتة بعناية، بينما تنتصب في طرف الساحة طائرة كاملة من القش والخشب..

طائرة شكلا فقط لكنها لا تطير ولا تتحرك، بيد أنها تُعامل بوقار كأنها طقس مقدس.

هنالك نشأت ظاهرة من أعجب ما سجله علماء الأنثروبولوجيا وأطلقوا عليها اسما غريبا.. 

طوائف البضائع Cargo Cults

ما الذي دفعهم لهذا الطقس العجيب وكيف رغم بدائيتهم صنعوا هذا المجسم لطائرة حديثة

القصة باختصار أنه خلال الحرب العالمية الثانية، كان سكان تلك الجزر يعيشون حياة بدائية معزولة تماما عن العالم..

فجأة، هبطت عليهم القوات الأمريكية وبنت قواعد ومطارات، وبدأت الطائرات تُسقط على القبائل شتى صنوف البضائع استمالة لهم..

طعام،

معدات،

ملابس..

أدوية..

كل ذلك كان يلقى عليهم من السماء في مشهد بدا للسكان المحليين وكأنه رزق سماوي يهبط عليهم من الغيب.

بعد أن تلقى البضائع كان الجنود يهبطون، يفرغون حمولاتهم، ثم تقلع الطائرات من جديد تاركة وراءها دهشة لم تعرف لها تلك مجتمعاتهم البسيطة تفسيرًا.

وحين انتهت الحرب، رحل الأمريكيون، وانقطع سيل الهدايا النازل من السماء..

هنا نشأت في تلك القبائل جماعات أشهرها حركة عرفت باسم John Frum movement حركة جون فروم

 آمن أتباع هذه الحركة بقدوم شخصية غامضة تُدعى «جون فروم»، يُعتقد أنها ستعود يومًا محمّلة بالخيرات والحمولات كما كانت الطائرات العسكرية تفعل زمن الحرب.

لا أحد يجزم حتى اليوم من هو جون فروم..

هل كان جنديًا أمريكيًا حقيقيًا، أم هو اسم محرّف لعبارة سمعها السكان من الجنود مثل «John from America»، أم هو رمز أسطوري تشكل في الذاكرة الجماعية.

مع مرور الزمن، تحولت الفكرة إلى عقيدة طقسية كاملة، لها احتفالاتها السنوية، وأعلامها، واستعراضاتها التي يعيد فيها الأتباع تمثيل مشاهد استقبال الطائرات، وكأنهم يحاولون استدعاء المعجزة الغائبة عبر إعادة إنتاج طقوسها الخارجية.

شقوا مدارج هبوط رمزية، بنوا أبراج مراقبة من الخشب، صنعوا نسخًا بدائية من الطائرات، وأعادوا تمثيل الطقوس الخارجية التي رأوها بأعينهم، على أمل أن تعود السماء إلى إرسال شحناتها.

لم يكن الأمر سذاجة بالمعنى التبسيطي الذي صوّرته الأدبيات الاستعمارية القديمة،

بعض علماء الإنسانيات يعتبرونها محاولة بسيطة لفهم ظاهرة التُقط ظاهرها، وغابت منظومتها العميقة.

لقد رأوا النتيجة..

البضائع في صورتها النهائية والطائرات التي ألقت بها لكنهم لم يروا المصانع، ولا شبكات الإمداد، ولا قوانين الطيران، ولا البنية الحضارية المعقدة التي تقف خلف مشهد الطائرة الهابطة.

والعقلية الوثنية ترجمت ذلك إلى طقوس تستدعي ما اعتبرته معجزة..

هكذا يميل الوثني للتبسيط

وكذلك فعلت قريش حين جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنور المبين

“وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِن رَّبِّهِ”

والحق أنه قد جاءهم بالآية الكبرى ذاتها، لكن الأبصار التي أدمنت المشهد العابر عجزت عن رؤية المعجزة المقيمة.

كان لابد في تصورهم من معجزة حسية..

شيء مادي ينزل من السماء..

عصا تنقلب حيّة، أو جبلًا يصير ذهبًا، أو نبعًا ينفجر من الصخر أمام أعينهم.

المشهد المادي الخارق هو ما يطلبونه، لأن الإدراك البشري حين يتعلق بالعَرَض المرئي، يميل إلى اختزال الحقيقة كلها في لحظة واحدة لابد أن تثير الدهشة.

هنا يأتي الرد القرآني ليحرر العقل من هذه الطفولة الإدراكية ويرتقي به من منطق المشاهدة الظاهرة إلى منطق الفهم والاستيعاب

“أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”

 الإيمان لا ينبغي أن يكون رهينة الصدمة البصرية.

إن المعجزات الحسية ستُبهر العين لحظة، ثم ستنتهي بانتهاء شهودها، وتتحول مع الزمن إلى قصة تروى..

لكن القرآن معجزة من نوع آخر..

هو نوع يحمل إدهاشا بلا شك لكنه لا يتوقف عند حدود الدهشة وإنما يعبر إلى منطقة التفكر والذكرى..

هو لا يصعق الحواس ليخطف الانتباه ولكنه يبني القلب والعقل والروح من الداخل، طبقة فوق طبقة.

الوحي هنا يستبدل الصدمة البصرية المؤقتة بالبناء المستمر.

ينقل الإنسان من موقع المتفرج السلبي الذي ينتظر خرقا للطبيعة يتنزل من السماء إلى موضع المتدبر الواعي الذي يُستدعى إلى الفهم والتغير..

أما الإصرار على طلب الخوارق المادية بعد هذا القرآن الذي يكفيك فهو ليس بحثًا عن دليل جديد

هو في جوهره هروب من الجهد الذي يتطلبه التفكر.

رغبة في حقيقة جاهزة، مكتملة، تهبط على العقل بأجنحة من السماء دون أن يكلف المرء قلبه وفكره عناء الصعود إلى فهم ما وراء الأشياء…

لهذا تحسم الآية التالية الأمر بوضوح ويتكرر لفظ الكفاية..

قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ۖ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

الشهادة الإلهية وحدها تكفي.

خالق الكون، ومدبره ومن صنع قوانينه، يعلم أن الإيمان الذي يولد من انبهار لحظي قد يذبل بزوال المؤثر أما الإيمان الذي يُبنى عبر الوعي والفهم، فيرسخ في القلب عميقا ثابتا..

ولهذا جاءت الخاتمة فاصلة لا لبس فيها:

“وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ”

والخسارة تبدأ من هنا قبل الآخرة.

 خسارة عقل يقف أمام كتاب يكفيه ما فيه فيدير ظهره له باحثًا عما يخطف بصره.. فإن لم يجده منزلا أمام عينيه مبهرا زعم انعدام وجود الدليل..

والدليل لم يكن غائبًا قط.

العطب كله كان دائما في جهاز الاستقبال الذي لم يلتقطه..

ولم ولن يكتفي..

أمريكا وإيران ولغز المفاوضات

 أمريكا وإيران ولغز المفاوضات

 . حسن الرشيدي


 

لا تكاد تراوح المفاوضات الأمريكية الإيرانية مكانها، فكل حديث عن تقدم يعقبه تراجع أو انسحاب، فهل اتفاق الطرفان ضمنيا على عدم الاتفاق، أم ثمت عوائق أخرى أعمق تقيد مسار التفاوض وتكبل كلتا أيدي المتفاوضين وتمنعهما من الوصول لاتفاق


ماذا يجري بين أمريكا وإيران؟

بعد حرب شنتها أمريكا بمشاركة صهيونية لمدة خمسة أسابيع، بدأت هدنة بين الأطراف في ٨ أبريل بوساطة باكستانية، وكانت مشروطة لأسبوعين لفتح مضيق هرمز وإجراء مفاوضات.

بعدها بثلاثة أيام، عقدت جولة أولى من المفاوضات في إسلام آباد استمرت ٢١ ساعة بمشاركة أمريكية رفيعة (نائب الرئيس الأمريكي دي فانس وآخرين). وانتهت دون اتفاق؛ وسط الحديث عن خلاف رئيسي حول البرنامج النووي، فأمريكا تطالب بصفر تخصيب، وإيران تتمسك بحق محدود.

ثم تم الإعلان عن مد ترامب الهدنة في ٢١ أبريل (دون سقف زمني) لإعطاء إيران وقتاً لمقترح موحد، لكن الرجل في نفس الوقت فرض حصاراً بحرياً على الموانئ والمضيق، معتبراً إياه ضغطاً، بينما تصرح إيران بأن الحصار لا يؤثر فيها، وفي نفس الوقت تعتبره خرقاً وترفض المفاوضات طالما يستمر.

وبينما كان الفريقان على وشك استئناف التفاوض، وبعد مغادرة وزير الخارجية الإيرانية عراقجي باكستان، أعلن ترامب إلغاء زيارة وفد التفاوض الأمريكي إلى باكستان، وقال في تصريحات صحافية ومنشورات على منصة تروث سوشال: قلت لهم: كلا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للوصول إلى هناك. لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس والتحدث عن لا شيء.

وأكد أنه إذا أراد الإيرانيون التحدث، كل ما عليهم القيام به هو الاتصال بنا. وأضاف "لقد أهدرنا الكثير من الوقت في السفر، والكثير من العمل".

وكرّر ترامب القول إن القيادة الإيرانية مشتتة بعد الاغتيالات التي جرت خلال الحرب. وأضاف: هناك اقتتال داخلي هائل، وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم. لا أحد يعرف من المسؤول، بما في ذلك هم أنفسهم.

لكن ترامب شدد على أن عدم سفر ويتكوف وكوشنر إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب، مضيفا لم نفكّر في ذلك بعد.

وكرد على ذلك الموقف، أعلنت إيران عدم إرسال وفد.

ثم فاجأ وزير الخارجية الإيراني عراقجي الجميع بعودته بشكل مفاجئ إلى باكستان، وبعدها زار مسقط، لكن الإعلام الرسمي الإيراني أفاد بأن عراقجي سيعود إلى باكستان بعد انتهاء زيارته إلى مسقط.

كل ذلك الشد والجذب، والعالم يراقب ما يجري مندهشا مما يحدث!!

ويتساءل الجميع عن تفسير تلك الفوضى في المفاوضات والانسحابات المتتالية ثم العودة بالتبادل.

هل هي مناورة من الطرفين؟

هل ما يجري جزء من لعبة المفاوضات وأصولها، ليحقق كل من الفريقين أكبر مكاسب ممكنة؟

هل هناك بالفعل انقلاب من المتشددين في قيادات الحرس الثوري الإيراني على اتفاق كان على وشك التوصل إليه بين المفاوضين الإيرانيين والأمريكان.

أم أن هناك أمرا آخر يجري العمل عليه وينتظر الفرصة المناسبة؟

كيف نحل هذا اللغز؟

اللعبة ذات المستويين

مربط الفرس في اللعبة الجارية بين إيران وأمريكا، هو تداخل الضغط الداخلي في كل من أمريكا وإيران على المفاوضين في البلدين.

ولذلك فنحن نحتاج إلى اقتراب علمي يجمع بين مراعاة ضغوط الداخل والعلاقان بين الدولتين، لكي نستطيع فك شفرة ما يحدث الآن.

وفي هذا الإطار يبرز اقتراب "اللعبة ذات المستويين"، الذي قدمه عالم السياسة روبرت بوتنام عام 1988، ويعد من أهم الأطر النظرية التي جسرت الفجوة بين السياسة الداخلية والعلاقات الدولية، حيث يفترض هذا الاقتراب أن المفاوض الدولي لا يعمل في فراغ خارجي، بل هو مقيد بضغوط داخلية وخارجية في آن واحد.

فالمستوى الأول، وهو الدولي والذي يجري بين الدبلوماسيون، والسياسيين، بهدف الوصول إلى اتفاق مبدئي مع الطرف الآخر.

اما المستوى الثاني، وهو المحلي الذي يرصد التفاعلات داخل الدولة الواحدة. من جماعات ضغط وأحزاب ورأي عام، ويهدف إلى ضمان المصادقة على ما تم الاتفاق عليه في المستوى الأول.

وهذا الاقتراب استطاع حصر الإشكالية بين المستويين في مفهومين الأول مفهوم نطاق الفوز، أما المفهوم الثاني، فهو مفهوم تقييد الأيدي كأداة للقوة.

فمفهوم نطاق الفوز، هو مجموع كافة الاتفاقيات الممكنة في المستوى الدولي، والتي يمكن أن تحظى بقبول أو تصديق كافٍ من قبل القوى السياسية في المستوى المحلي.

فإذا كان نطاق الفوز واسعاً، تسهل مهمة المفاوض في الوصول لاتفاق مع الخصم، لأن لديه خيارات كثيرة يقبلها شعبه أو تياراته السياسية.

أما إذا كان نطاق الفوز ضيقاً، تزداد صعوبة التفاوض، حيث يجد المفاوض نفسه مقيداً بخيارات محدودة جداً، وأي تنازل إضافي قد يؤدي لرفض الاتفاق محلياً.

يحدد الاقتراب ثلاثة عوامل رئيسية تؤثر في اتساع أو ضيق خيارات المفاوض في بيئته المحلية:

١-توزيع التفضيلات والمنافع، وهل هناك انقساماً بين مستفيدين، ومتضررين؟ كلما زاد عدد المعارضين للاتفاق محلياً، ضاق نطاق الفوز.

٢-طبيعة النظام السياسي تؤثر. فالديمقراطيات التي تتطلب موافقة ثلثي البرلمان مثلاً تجعل نطاق الفوز أضيق من الأنظمة المركزية التي تمتلك سلطة مطلقة.

٣-استراتيجيات المفاوض، وهي التي تبرز في قدرة المفاوض على استخدام المقايضات أو تقديم وعود داخلية لتوسيع نطاق القبول الشعبي للاتفاق.

أما مفهوم تقييد الأيدي كأداة للقوة، فيقوم كل طرف بإظهار بأن يده مكبلة بمطالب الجبهة الداخلية، وعندها ينقل عبء التنازل إلى الطرف الآخر، فكأنك تقول للخصم "أنا بلغت أقصى مدى يسمح به نطاق الفوز الخاص بي، فإذا كنت تريد اتفاقًا، عليك أنت أن تتزحزح لأنني قانونيًا وسياسيًا لا أستطيع"

محاولة حل لغز المفاوضات

تطبيق اقتراب اللعبة ذات المستويين، على المفاوضات الإيرانية الأمريكية، يحول المشهد من فوضى غير مفهومة، إلى صراع إرادات محكوم بخرائط القوى الداخلية.

أولا باستخدام قاعدة نطاق الفوز

فما يراه العالم لغزاً، هو في الحقيقة محاولة كل طرف لتوسيع نطاق الفوز الخاص به، أو تضييق نطاق خصمه.

فمعضلة نطاق الفوز الضيق هو السبب الرئيسي في تعثر المفاوضات، وليست الأسباب التقنية كعدد أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب، بل هو ضيق مساحة القبول المحلي في كلا البلدين:

ففي الجانب الأمريكي، نجد أن إدارة ترامب تعاني ضغوطًا من ثلاثة اتجاهات:

اتجاه الضغط الأول فيتمثل في قيد قانوني: يلزم القانون الرئيس بإبلاغ الكونجرس خلال 48 ساعة من بدء أي عمل عسكري، ويمنعه من الاستمرار لأكثر من 60 يوماً مع فترة سماح 30 يوماً إضافية للانسحاب، ما لم يحصل على تفويض رسمي بالحرب أو تمديد زمني من الكونجرس.

واتجاه الضغط الثاني يأتي من تيار أمريكا أولا، وهو تيار قوي داخل الحزب الجمهوري، هذا التيار يتبنى عقيدة انعزالية تعارض الحروب الأبدية ويرى أن استنزاف الموارد في الشرق الأوسط يخدم الصين ويضر بالداخل الأمريكي.

أما اتجاه الضغط الثالث فيأتي من داخل الإدارة نفسها.

فالانقسام داخل الفريق الرئاسي، يظهر من خلال معارضة نائب الرئيس جي دي فانس للحرب، واستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الأمريكي احتجاجًا على الحرب الأمريكية ضد إيران.

أما في الجانب الإيراني: فإن صانع القرار محكوم بتوازن دقيق: بين تيار واقعي يبحث عن رفع العقوبات، وتيار مبدئي أمني مثل الحرس الثوري يرى في التنازل النووي تهديداً للسيادة والوجود.

وبالتالي فأي اتفاق لا يضمن رفعاً شاملاً وفورياً للعقوبات لن يحظى بالمصادقة من القيادة العليا.

ثانيا باستخدام قاعدة تقييد الأيدي كأداة للقوة

فإن تطبيق تلك القاعدة يكشف، أن ما يبدو ضعفاً أو تخبطاً في موقف واشنطن أو طهران هو في الحقيقة أداة ضغط استراتيجية.

في هذا السياق، لا يتفاوض الطرفان لإيجاد حل وسط فحسب، بل يتفاوضان لإقناع الطرف الآخر بأن هامش المناورة لديهما قد انتهى تماماً.

فبدلاً من أن يشعر المفاوض الأمريكي بالحرج من قانون سلطات الحرب (60 يوماً)، أو ضغط تيار أمريكا أولا، فإنه يستخدمهما كأداة قوة ضد الإيرانيين.

فيستخدم المفاوض الأمريكي تكتيك: "أنا أود أن أرفع العقوبات غداً، ولكن انظر إلى حجم المعارضة في بلدي (تيار أمريكا أولا والكونغرس)؛ إنهم سينهون مستقبلي السياسي إذا لم أحصل منك على تنازل في ملف الصواريخ أو النووي أو الوكلاء.

وإيران تمارس نفس اللعبة تماماً عبر استخدام تصريحات قيادات الحرس الثوري، وكأنها محاولة لتحجيم السياسيين كوزير الخارجية عراقجي.

والرسالة هي: "أنا مضطر تقنياً وقانونياً للاستمرار في التخصيب ما لم ترفعوا العقوبات مثلا، يدي مقيدة بمن معهم ادوات القوة العسكرية في الحرس الثوري ولا أملك خيار التوقف".

وتكتيك تقييد الأيدي يفسر فوضى الانسحاب والعودة، فكل من الطرفين ينسحب ليوهم الخصم بأن الضغوط المحلية وصلت للانفجار.

ثم يعود مرة أخرى للمفاوضات عندما ينجح أحد الطرفين في انتزاع تعديل بسيط يسمح له بالعودة لجمهوره المحلي قائلاً: "لقد قيدت يدي ونجحت في إجبارهم على تغيير موقفهم".

فاستخدام تقييد الأيدي في المفاوضات الإيرانية الأمريكية، هو محاولة لرفع تكلفة الرفض على الطرف الآخر.

المفارقة الخطيرة، عندما ينجح الطرفان أكثر من اللازم في تقييد أيديهما، تصبح مساحة التوافق صفراً. عند هذه النقطة، تتوقف الدبلوماسية، ليس لأن الأطراف لا تريد الاتفاق، ولكن لأنهم قيدوا أيديهم لدرجة أنهم لم يعودوا قادرين على المصافحة، وهو ما يفسر حالة الشلل التام التي نراها الآن وينتظر الجميع أمراً آخر أو فرصة خارجية لفك هذه القيود.

على الطاولة إما نهاية قريبة جدا أو صراع يأكل الجميع

على الطاولة إما نهاية قريبة جدا أو صراع يأكل الجميع
كاتب وصحفي تركي

يبدو أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل دخلت مرحلة من التردد وعدم اليقين. فلا يزال من غير الممكن التوصل إلى أي قرار في مفاوضات وقف إطلاق النار، أو مفاوضات السلام التي تقودها باكستان بدعم قوي من تركيا ودول المنطقة.

ويوضح دبلوماسي تركي يتابع هذه المباحثات أحد أسباب عدم القدرة على اتخاذ القرار، أو حالة عدم اليقين القائمة، على النحو التالي:

"في محادثات باكستان، تتحدث الأطراف على الطاولة، لكن كلا الطرفين يشعران أنهما مضطران للتشاور مع جهات أخرى بشأن هذه القرارات.

فإيران تناقش القرارات داخل مراكز القوى الداخلية، أما الولايات المتحدة فتشعر بأنها مضطرة للتشاور مع إسرائيل. وبذلك تتغير القرارات والموضوعات المطروحة على الطاولة، وتتحول إلى صيغ مختلفة، ولذلك لا يتم التوصل إلى أي قرار نهائي".

صراع القوى في إيران يسير ضد مصلحتها

لقد لوحظ أن إيران قد حققت تفوقا نفسيا وإعلاميا في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان من المتوقع أصلا أن تكون في هذا الوضع باعتبارها الدولة التي تعرضت للاعتداء.

بيد أن إيران، منذ الـ 15 يوما الماضية، بدأت تفقد هذا التفوق في اعتقادي، ويعود ذلك إلى صراعات القوى المستمرة داخلها.

لقد أصبح هذا الصراع واضحا إلى درجة أن وسائل إعلامية تابعة للحرس الثوري نشرت انتقادات موجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي يشارك في المفاوضات. ولم تقتصر التصريحات الداخلية على ذلك فحسب، بل وصل الأمر إلى التشكيك حتى في الوساطة.

كل هذه الأمور لم تخفَ عن أنظار الرأي العام العالمي، ويمكن القول الآن إن إيران فقدت تفوقها النفسي؛ بسبب صراع القوى الداخلي. قد تكون لدى طهران نية لإطالة أمد المفاوضات؛ لزيادة التكلفة المالية على الولايات المتحدة والخليج، لكن الانسداد في مضيق هرمز يضعها هي أيضا في ضائقة كبيرة في الواقع.

إن إغلاق الخليج العربي بالحصار، الذي تمر عبره نحو 90% من صادراتها، يجر إيران نحو أزمة اقتصادية خطيرة جدا.

ومن ناحية أخرى، وبينما أسفرت الهجمات الانتقامية التي شنتها ضد جيرانها عن أثر عكسي، فقد تتسبب الآن في اختناق العديد من دول العالم في مجال الطاقة وانجرافها نحو أزمات حادة، وقد تُحمّل إيران مسؤولية ذلك.

ومع اقتراب الأمور من الانقلاب ضدها، يتعين على إيران إرسال مفاوضين إلى طاولة المفاوضات قادرين على اتخاذ قرارات حاسمة للخروج من هذه الحرب التي تنجرف نحو اللانهاية.

وعندما تنتهي الحرب، فإن أول ما يجب عليها فعله هو إبرام اتفاقيات دائمة قائمة على الثقة مع دول المنطقة. نعم، ربما لا تستطيع إبرام اتفاقيات سلام دائمة مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها مضطرة لتحقيق ذلك مع جيرانها، بسبب العيش في الجغرافيا نفسها. ويجب ألا ننسى أنه كلما طال أمد الأزمة، أصبح إبرام هذا الاتفاق أكثر صعوبة.

صراع الولايات المتحدة وإسرائيل يمنع اتخاذ قرار

مثلما يعوق صراع القوى الداخلي في إيران اتخاذ قرارات وقف الحرب، فإن صراع القوى داخل الولايات المتحدة؛ يتسبب أيضا في مشاكل مماثلة.

إن الجدل حول ما إذا كان لبنان مشمولا ضمن بنود وقف إطلاق النار الأولى المتفق عليها، يُظهر في الواقع مدى تدخل إسرائيل في هذه العملية من الداخل، حتى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اضطر في النهاية للقول: "لقد منعتُ الهجوم على لبنان".

وإسرائيل لا تؤثر على هذه العملية كدولة فحسب، بل تحاول أيضا التدخل في مسارات وقف إطلاق النار مع إيران عبر الأطراف الفاعلة في مجلس الشيوخ والكونغرس والبيروقراطية الحكومية.

وتريد إسرائيل أن تطول الحرب وأن تدخل إيران في أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأزمات طاقة، وأن تتردى أوضاعها لدرجة لا تستطيع معها النهوض مجددا.

ولا تكترث إسرائيل بحجم المعاناة التي يشهدها العالم، ولا بالصعوبات التي تواجهها دول الخليج، ولا بالتكلفة التي تدفعها الولايات المتحدة في هذه العملية. ومنذ أن تبيّن لها أن لبنان يمثل النقطة المحورية في مسار وقف إطلاق النار، واصلت استهدافه.

وحتى أثناء كتابة هذه السطور، كانت القنوات التلفزيونية تبث أنباء عاجلة عن تجدد القصف على لبنان.

تأثير الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل على الحرب

هذا العام تُجرى في إسرائيل انتخابات عامة، وفي الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

محور اهتمام الانتخابات في كلا البلدين هو الحرب مع إيران. والمفارقة أنه بينما تمنح الحرب على إيران رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصواتا انتخابية، تتسبب في خسائر انتخابية لترمب.

إن إعلان ترمب ونتنياهو خروجهما منتصرين من الحرب مع إيران سيكون له تأثير كبير في الانتخابات.

لكن إعلان هذا الانتصار ما زال عالقا عند مضيق هرمز. فقد أصبح الممر ذا أهمية بالغة لدرجة أن ملف البرنامج النووي وحده لم يعد كافيا لإعلان النصر في الوقت الراهن.

في المقابل، قررت المعارضة في إسرائيل التحالف ضد نتنياهو، وهذا سيؤثر بشكل كبير في الانتخابات. لكن استطلاعات الرأي العام تظهر زيادة أصوات نتنياهو بشكل كبير بعد الهجوم على إيران.

ولهذا السبب تحديدا لا يرغب نتنياهو في انتهاء الحرب، بل يريدها أن تستمر بوتيرة منخفضة وأن يلتف الشعب حول حزبه بدافع مخاوفه الأمنية. كما يحاول أيضا خلق تأثير عاطفي عبر إعلانه عن إصابته بالسرطان.

أما ترمب فهو في وضع متأزم للغاية في الداخل والخارج. ففي الخارج تطالب العديد من الدول- التي تعاني من أزمات طاقة واقتصادية خطيرة بسبب إغلاق المضيق- ترمب بالتوصل إلى اتفاق. وكلما طال أمد الحرب، فإن ذلك يدفع حلفاءه إلى البحث عن مسارات جديدة، فيما تتجه الولايات المتحدة تدريجيا نحو العزلة.

وبالفعل فإن صورته التي فقدت الكثير من المكانة؛ بسبب دعمه لإسرائيل في الإبادة الجماعية في غزة، تتعرض الآن لمزيد من التآكل، لأنه لم يتمكن من إنهاء الحرب مع إيران.

أما داخليا، فتُظهر جميع استطلاعات الرأي تراجعا متسارعا في الدعم لإسرائيل، ولذلك باتت السهام كلها مصوبة نحو ترمب. وبينما يُنظر بشكل شبه مؤكد إلى خسارته الأغلبية في مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، فإنني أرى أن محاولة الاغتيال الأخيرة لن تغيّر هذا الوضع.

لا توجد حرب بلا نهاية، لكنها قد تتحول إلى حرب واسعة النطاق.
لا أتفق كثيرا مع التحليلات التي تقول إن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستستمر لسنوات مثل الحرب بين أوكرانيا وروسيا، لأن الصراع الروسي الأوكراني لم يؤثر بهذا الشكل الكبير على أزمة الطاقة.

لكن في حالة إيران، أصبح مضيق هرمز، الذي تتمحور حوله الأزمة، في قلب مشكلة الطاقة العالمية.

ومع دخول عشرات الدول في حالة اختناق حاد في مجال الطاقة بسبب هذه الحرب، فإن تحول ذلك إلى أزمة اقتصادية بات مسألة وقت فقط، إذ يؤكد الخبراء بإصرار أن استمرار الحرب التي تؤثر بشكل مباشر على هذا العدد الكبير من الدول سيقود الاقتصاد العالمي إلى الركود.
ولذلك لا أتوقع شخصيا أن تتحول هذه الحرب إلى حرب بلا نهاية مثل أفغانستان أو العراق.

لكن إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وإذا أضيفت إلى المعادلة العمليات البرية والبحرية، فإنني أخشى من توسع نطاق الحرب. كما أن دخول دول أخرى على خط الحرب يعني تصاعدا أكبر في المواجهات الساخنة في المنطقة، وهو ما سيكون كارثيا على الجميع.