الخميس، 16 يوليو 2026

حكاية فشل انقلاب ونجاح الآخر!

 حكاية فشل انقلاب ونجاح الآخر!

محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية




في ذكرى محاولة ‍الانقلاب التركي الفاشلة، رأيت كثيرا من الأصدقاء يجدد التحية للرائد عمر خالص دمير.. ذلك الذي قتل قائده ‍الانقلابي بسلاح الصاعقة، فكانت رصاصته ضربة قوية لأحد أضلاع ‍الانقلاب العسكري.



دعوني أجدد مع الجميع التحية له..

لكني أريد أن أزجي التحية لرجل آخر، ذلك هو الذي كلفه بالمهمة، إنه القائد الذي اتصل به وأخبره بخبر ‍الانقلاب وطلب منه ألا يسلم المقر وأن يقوم بواجبه..


هذا الرجل هو “صاحب القرار”.. هو الذي (وَجَّه) جنديه ليفعل المطلوب..

لن أنتقص لحظة من شجاعة الذي نفَّذ القرار وضحَّى بنفسه.. ولكني مهموم جدا جدا بالتركيز على “صاحب القرار” الذي قال في اللحظة المناسبة: ماذا يجب أن نفعل!

لولا صاحب القرار هذا لكان من المحتمل جدا أن لا يُقدم عمر خالص دمير على ما فعل، ربما فكَّر وتحيَّر، ربما تأخر وارتبك، ربما ظنَّ أن أمر ‍الانقلاب قد حُسِم وأن أردوغان قد قُتِل ولا فائدة من المقاومة.. ربما لم يستوعب أصلا أن هذا انقلاب عسكري إلا بعد فوات الوقت..

لن ندري على وجه التحديد ماذا كان سيحدث لو لم يبلغه خبر ‍الانقلاب العسكري، والتوجيه المطلوب منه لتنفيذه.

ربما نستطيع أن نلخص قصة فشل ‍الانقلاب العسكري في تركيا وقصة نجاح ‍الانقلاب العسكري في مصر بهذا الفارق.. فارق صاحب القرار الذي اتخذ قرارا ووجَّه الناس لتنفيذه!

إن عموم الناس وعموم الجنود أدوات تنفيذ لا أدوات تفكير.. وهذا ليس عيبا فيهم، هذه طبيعتهم ووظيفتهم..

باعتباري شاهد عيان على ‍الانقلابيْن لا أتردد لحظة في أن أقول: إن الشعب التركي -مثل الشعب المصري تماما- كان مشلولا قبل أن يخرج أردوغان ويقول لهم: هذه القوات التي في الشوارع لا تمثل الشعب وعلى الشعب أن يواجهها!

دقائق على شاشة هاتف من رئيس لا يملك سوى الصوت قلبت حال الجماهير على الأرض.. وتحول الناس من القلق والفزع والترقب المشلول إلى الموج الهارد الزاحف للمواجهة.. بعضهم كان يهرع إلى ماكينة البنوك لسحب الأموال، وبعض المحلات رفض البيع بكارت البنك.. هيمنت أجواء الذعر قبل أن يأتي صوت الرئيس الحر غير المأسور ولا المقتول ليوجههم إلى ما يفعلون، وقد فعلوا.

بينما الشعب المصري وقف حائرا، فقد القيادة التي تقول له ماذا يفعل..

حتى الجيش المصري.. في 2013 كان فيه عناصر غير قليلة مستعدة لتنفيذ التوجيه إذا جاء لها.. ولكن من الذي يتخذ القرار ومن الذي يوجههم إليه.. لم يكن لدينا قائد يتخذ القرار ويوجه الناس إليه!

للرئيس الشهيد محمد مرسي -رحمه الله- مكانة كبيرة بصموده وثباته وتضحيته بنفسه.. ولكنه في الحقيقة ضحى بنفسه وبشعبه وبالبلد أيضا!! لم يكن على قدر هذه اللحظة مع كل إخلاصه وصلابته.. عاش هذه اللحظة كمسلم تقي لا كقائد أمة، كمأسور ينصح ويعظ لا كرئيس يقاتل ويستنفر.

نخون أنفسنا ونخون التجربة كلها لو اكتفينا بالحديث عن مناقب الشهيد مرسي رحمه الله ولم نذكر هذا العيب الخطير في هذه اللحظة الفارقة.. لم يتخذ القرار.. لم يتخذ القرار.. لم يتخذ القرار..

وظلت الجموع التي كانت مستعدة أن تضحي بنفسها في حكم المشلول، لا تدري ماذا تفعل.. تتنازعها أمواج من الحيرة والاضطراب والحزن والفزع والإنكار والدهشة.. حيرة المفجوع الذي صُدِم بالضربة بعد عام من التخدير والتنويم والطمأنة!

إسرائيل تشتري الأراضي في سوريا

 إسرائيل تشتري الأراضي في سوريا

كاتب في صحيفة حرييت

ترجمة وتحرير ترك برس

قبل قيام دولة إسرائيل، كان اليهود يشترون الأراضي في فلسطين.

ولم يتركوا هذا الأمر للأثرياء اليهود وحدهم، بل أنشأوا صناديق صهيونية لهذا الغرض. 

وكان أشهرها الصندوق القومي اليهودي. 

ولعدم لفت الانتباه، استخدموا أساليب مختلفة، فكانوا يشترون الأراضي عبر يهود أثرياء يحملون جنسيات دول غربية. 

كما كانوا يشترونها من كبار ملاك الأراضي في دمشق ولبنان وبيروت، ومن صغار المزارعين أيضاً، بينما كانت الإدارة البريطانية تدعمهم. 

وقد اتخذت الإدارة العثمانية تدابير مختلفة لمنع بيع الأراضي للصهاينة، إلا أن الصناديق الصهيونية واصلت شراء الأراضي بطرق مختلفة. 

ويقال إن نسبة هذه الأراضي كانت في حدود 6 إلى 7 بالمئة، لكن أراضي الدولة التي خصصتها إدارة الانتداب البريطاني لا يجري الحديث عنها.

درعا والسويداء والقنيطرة

تطبق إسرائيل مشروع التوسع والاستيطان عبر شراء الأراضي في سوريا. فقبل احتلال الأراضي الفلسطينية كانوا قد اشتروا الأراضي، وهذه المرة أدخلوا الأسلوب نفسه إلى سوريا. وجزء من سوريا يقع أصلاً تحت الاحتلال الإسرائيلي. كما أنهم يوسعون احتلالهم في هضبة الجولان يوماً بعد يوم. وتُظهر القوات التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي وجودها العسكري في العديد من مناطق جنوب سوريا، وعلى رأسها درعا والسويداء والقنيطرة. 

وفي هذا الإطار، يمتلكون نقاط سيطرة عديدة تحت مسميات أعمال الاستطلاع والمراقبة والدوريات.

الأسلوب المتبع في فلسطين

ولا تكتفي إسرائيل بذلك. فهي بدأت هذه المرة بتطبيق الأساليب نفسها التي استخدمتها في الأراضي الفلسطينية داخل سوريا. فإسرائيل التي لا تكتفي بالاحتلال، تحاول جعل وجودها دائماً في جنوب سوريا عبر شراء الأراضي هناك. وتشير المعلومات الواردة من الميدان إلى أن إسرائيل تشتري الأراضي في جنوب سوريا منذ مايو/أيار 2026. وقد سرّعت عمليات الشراء خلال الأشهر الأخيرة. ويُزعم أنه جرى التواصل مع المخاتير ووجهاء المناطق والعاملين في تجارة العقارات في درعا والقنيطرة، ولا سيما بشأن الأراضي الواقعة على عمق يصل إلى 15 كيلومتراً من الحدود السورية.

مواطنو الدول الغربية

في فلسطين كانوا يشترون الأراضي عبر الصناديق الصهيونية الدولية، كما كانوا يدفعون أثرياء اليهود في الدول الغربية إلى الشراء لتجنب لفت الأنظار. وكانت الاتحادات الصهيونية الدولية هي التي تنظم عمليات شراء الأراضي. 

وهم يطبقون الأسلوب نفسه في سوريا أيضاً. فهم يعملون على مسارين في آن واحد. إذ يشترون مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عبر يهود يحملون جنسيات أجنبية. ويفضلون بشكل خاص استخدام أشخاص يحملون الجنسية الكندية والأسترالية والبريطانية. هل رأيتم؟ الأسلوب هو نفسه، والعقلية هي نفسها، والهدف هو نفسه كما كان في فلسطين.

للأسف

هناك علاقة لافتة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. فالإمارات العربية المتحدة كانت أول دولة عربية مسلمة توقع "اتفاقيات إبراهيم" مع إسرائيل. ومنذ يونيو/حزيران من هذا العام، بدأت تتكثف الأخبار عن شراء أراضٍ في هضبة الجولان والمناطق المحيطة بها، الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، عبر مواطنين من الإمارات العربية المتحدة.

إن مواطني الإمارات العربية المتحدة أثرياء، ولديهم عقارات في أفخم مناطق العالم. فهل لم يبق مكان على وجه الأرض حتى يأتي الدور على شراء الأراضي في هضبة الجولان الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي ومحيطها؟

ومن الواضح أن رأس المال الإسرائيلي يقف وراء شراء الأراضي في سوريا عبر مواطني الإمارات العربية المتحدة. وقد يحدث أيضاً أن تقوم شركة عقارية بشراء الأراضي عبر مواطنين إماراتيين، ثم تقوم إسرائيل بشرائها منهم لاحقاً.

قوة المال

تستخدم إسرائيل قوة المال في عمليات شراء الأراضي في سوريا بصورة فعالة للغاية، حتى إن رجال الأعمال الذين يزعمون أنهم يرغبون في الاستثمار في القطاع الزراعي يشترون الأراضي في درعا والقنيطرة بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بكثير. وتسير الخطة الإسرائيلية بطريقة ماكرة إلى درجة أنه يُلاحظ أن بعض الدروز والعلويين يحاولون بيع أراضٍ غير صالحة للزراعة أو لبناء المنازل أيضاً.

وهم يديرون هذه العمليات عبر سماسرة الأراضي ووكلاء العقارات. فإذا قلت إنها أراضٍ زراعية فهي غير صالحة للزراعة، وإذا قلت إنها لبناء المنازل فهي غير مناسبة للبناء. فلماذا إذن يشترون هذه الأراضي بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية؟ أما تسجيل الملكيات فيحرصون على إتمامه دائماً وبشكل حتمي عبر كتاب العدل. لماذا؟ لكي تدخل هذه العمليات في السجلات الرسمية.

يمارسون التهديد

تُعد هضبة الجولان المنطقة التي تضم مصادر المياه في سوريا وأخصب أراضيها. وهناك سوريون يرفضون بيع أراضيهم. ويعرضون على من لا يرغب في البيع مبالغ مالية كبيرة. وإذا استمر البعض في المقاومة، تبدأ التهديدات هذه المرة. 

فيقولون لهم: "إن الجيش الإسرائيلي سيسيطر بالفعل على المنطقة التي تقع فيها هذه الأراضي. بيعوا أراضيكم، لكن يمكنكم الاستمرار في العيش فيها وممارسة الزراعة داخلها. أما إذا لم تبيعوا، فإن إسرائيل ستحتل هذه المنطقة بالكامل على أي حال، وعندها لن يبقى لكم أي شيء". وهكذا يمارسون الضغوط عليهم.

ثقوب الجبن

هذه ليست عملية تجارية. وإلا فإن اليهود المعروفين بإجادتهم للتجارة يعرفون كيف يشترون تلك الأراضي بنصف ثمنها. إن الأمر يتعلق بخيار استراتيجي بحت. فالمهم ليس المال، بل شراء الأراضي السورية، وتوسيع الاحتلال الإسرائيلي عبر شراء الأراضي وجعله دائماً. إن الأراضي الفلسطينية تشبه قطعة جبن مليئة بالثقوب والفجوات. فإسرائيل تستولي أولاً على بقعة صغيرة، ثم توسعها لاحقاً. وهي تريد هذه المرة تطبيق سياسة "ثقوب الجبن" في سوريا. فمن خلال شراء الأراضي في الجولان ودرعا والقنيطرة، تهدف إلى التغلغل داخل الأراضي السورية مثل الخلايا السرطانية، ثم توسيع هذه البؤر تدريجياً خطوة خطوة كما فعلت في فلسطين.

يجب حظر بيع الأراضي

ولمنع ذلك، ينبغي على الدولة السورية أن تبادر بصورة عاجلة إلى حظر بيع الأراضي في المنطقة حتى إشعار آخر. وإلا فإن إسرائيل تحاول، من جهة عبر الاحتلال ومن جهة أخرى عبر شراء الأراضي، توسيع احتلالها للأراضي السورية وجعله دائماً.

حوارر مع د. زينب عبد العزيز

حوار مع د. زينب عبد العزيز

حوار في الثقافة والترجمة والفنون 





الأربعاء، 15 يوليو 2026

بين المخطط والفخ..أفول نظام وبناء بديل

 آخر كلام 

 بين المخطط والفخ..أفول نظام وبناء بديل 

د. محمد المقاطع 

هناك مساران للتحليل والقراءة بشأن وضع الشرق الأوسط في قادم السنوات، أحدهما لا يزال يظنّ أن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وإعادة تقسيم النفوذ بما يجعل للكيان الصهيوني اليد الطُّولى في شؤون المنطقة تحت عنوان «الشرق الأوسط الجديد»، والذي كان ضمن ترتيباته تقاسُم النفوذ بينه وبين إيران بمخطط وترتيب وإشراف أميركي هو الحال القادم والراجح للشرق الأوسط في العقد القادم من الزمان. 

وثانيهما بدأ يعيد حساباته ليرى حالة توازن أكثر حضوراً سيكون حال الشرق الأوسط، مع رجحان كبير للتحالف الجديد التركي - السعودي - المصري - الخليجي، وفي معيّتهم سورية والأردن، وتنسيق كامل مع باكستان هو المخاض الواقعي والمتشكل بعجلة سريعة منذ أقل من عامين ماضيين هو الذي سيكون سائداً في الشرق الأوسط، والاتجاه الثاني هو ما أتبنّاه وأرجّحه، وأرى أن شواهده صارت مدركة وبحضور مؤثر ومباشر لأطرافه. 

فالكيان الصهيوني، رغم أنفه، سيمرّ بحالة انكماش وتراجع - وربما ما هو أكثر من ذلك، ولن نستعجل في الحديث عمّا هو أكثر من ذلك - فقد شهد هذا الكيان تداعيات كبيرة على وجوده ودعمه وقدرته في تحقيق أطماعه التوسعية، بعد «طوفان الأقصى» وما تمخّض عنه من سلوكيات إجرامية بشعة ومدانة من الكيان عجّلت بتخلّي حلفائه الأوروبيين عنه، بل وإدانته وربما سنشهد عقوبات ومقاطعة ومحاصرة ستُفرض عليه من قبلهم، ورافق ذلك أن الأميركيين بدأوا، شعبياً، في التخلي عنه والتحريض عليه، وتعددت اللوبيات الأميركية التي أصبحت تعمل علناً ضد مصالح الكيان في أميركا وتلاحق وتدين مَن يؤيده ويدعمه علانية وبعمل منهجي، وسيكون لذلك وضوحه في قادم الأيام وكلفته الباهظة على مَن يدعم الكيان أو يبرّر وجوده، ما دامت لم تقم لفلسطين دولة حقيقية على أراضي ما قبل عام 1967، وهي المطالبة المتصاعدة في أميركا وتلاقي قبولاً داخل حركة الماجا، مثل غيرها من تلك اللوبيات. 

 وقد بدأ هذا التوجه وتأثيره ينعكس على أكثر حكومة صهيونية في تاريخ أميركا، فبدأ ترامب بالتخلي شيئاً فشيئاً، وكذلك شخصيات مؤثرة في إدارته وحزبه. وإيران، هي الأخرى بطريق انتهاء حالة النفوذ التي مُنحت لها بالتقاسم والتفاهم مع الكيان الصهيوني، فقد انتهى وجودها في سورية وفي الطريق نهايتها في لبنان، ودورها في بسط النفوذ على دول الخليج في أفول، كما هي حال الكيان الصهيوني، وبَتْر يد إيران عن مضيق هرمز سيكون من أهم مظاهره، بمخطط واقعي وليس فخاً استدراجياً، في طرح مشكلة المضيق، والتي ولدت أزمة العالم للطاقة من رحمه، حتى يتم «تدويله»، وهو ما نرى إرهاصاته حاضرة أميركياً وأوروبياً. 

وستتسع حالة التوازن الذي سيتولاه التحالف الجديد التركي - السعودي - المصري - والخليجي، وفي معيّتهم سورية والأردن، وبتنسيق مع باكستان، وسيتشكل هذا سريعاً، فينتهي الوجود الإيراني في اليمن والعراق، وأظن ذلك سيكون أقصاه خلال عام 2027، وسيوكل أمر ترتيبات المنطقة واقعياً وبمباركة أميركية لهذا التحالف الذي يتمتع بالقبول الدولي، وبالشرعية الداخلية والدولية، وبمكوّن سياسي قوي الحضور وإمكانات عسكرية فائقة ومقدرات مالية لا نظير لها، ليعود من خلاله للشرق الأوسط دوره المهم في بسط الاستقرار في هذا الإقليم، وتفعيل دوره كبوابة اقتصادية ومالية للعالم، وقوة ردع في مواجهة الماردين الصهيوني والإيراني الفاقدين للشرعية والإمكانات، وهو ما أرى ملامح تشكُّله والمُضيّ في مساراته وقيامه بمسؤولياته بتعاون وتوافق غير مسبوق، وستتقلّص كل من إيران والكيان الصهيوني إلى حدود متضائلة، مع احتمال استقطاع جزء من إيران، وقيام فعلي للدولة الفلسطينية في نطاق حدود ما قبل 1967. 

فما كان مخططاً وربما فخّاً تحوّل إلى مخطط جديد واقعي براغماتي، وأفول حالة القوتين اللتين كانتا تتحكمان في الشرق الأوسط، وربّما كانتا تحلمان بما هو أكثر من ذلك، وها هو قد انتهى، وطريقه إلى أفول، وأخذ محلّه نظام بديل يتولاه ويملؤه التحالف الجديد. 

الخندق الآمن

الخندق الآمن

بقلم: أ.د. جمال عبدالستار
الأمين المساعد للاتحاد العالمي لعلماءالمسلمين


تتداعى الأمم على أمتنا، وتتشابك القضايا، وتتقاطع المصالح، وتتعدد الرؤى والمسالك، ويتطلع المسلمون إلى مسار، وتشرئبُّ أعناقهم إلى خندقٍ يحتمون فيه من لهيب المعركة، وطوفان التجريف الذي يتهدد الأمة في أي لحظة من ليلٍ أو نهار.

طوفانٌ يقسم الأمة إلى معسكر إيمانٍ لا نفاق فيه، ومعسكر نفاقٍ لا إيمان فيه، يتمايز فيه أهل الحق من الباطل، ويُفصل فيه الخبيث عن الطيب، فيهلك من هلك عن بينةٍ، ويحيى من حيَّ عن بينةٍ، وفق قانونٍ قرآنيٍّ مطردٍ لا استثناء فيه، قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17).

في هذا الوقت العصيب، تتطلع الأمة إلى خندقٍ يحتمي فيه المؤمن من غارات الكفر المتلاحقة، ومكره المتنوع، ونيرانه الحارقة، ومخططاته الماكرة، فمتى تجد هذا الخندق؟ وأين عساه أن يكون؟

خندق الاستسلام للكفر والطغيان

إن خندق الأمان لن يكون عند تلك الراية التي تنادي بالتماهي مع مخططات الأعداء، والاستسلام للواقع البئيس، وعدم الوقوف في وجه العاصفة، والرضا بالحد الأدنى من الوجود على هامش الحياة، أو على الأكثر الانخراط داخل منظومته لمحاولة تحقيق أي صورة من صور الإصلاح ولو كانت ضئيلة! لأن هذا مهادنةٌ للظلم حذَّرنا الله تعالى من الحد الأدنى منها، فقال سبحانه: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: 113)، وهو جهلٌ بمصير هذا الطوفان؛ لأنه مهما طال به المقام فهو إلى بوارٍ وخسران، قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۖ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

وقد وصف الله تعالى عاقبة قوم سارعوا إلى التماهي مع معسكر الكفر والطغيان، وحذَّرنا من مصيرٍ محتومٍ يلاقيهم، وسيعاقب به كل من سار على نهجهم في كل العصور والأزمنة، فقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).

و«عسى» في القرآن لحتمية التحقق وليست للرجاء، وكأن الله تعالى يُخبرنا أن مصير هذا المسار أنه سبحانه سيأتي بالفتح يقينًا، أو يجري حوادث مخالفةً لتوقعاتهم وتطلعاتهم، فيندموا بعد فوات الأوان، ويُكشف ما انطوت عليه نفوسهم الخبيثة من مرضٍ وجُبنٍ وخور.

خندق النفاق والمداهنة

إن خندق السلامة لن يكون كذلك بالانتساب لثلة المنافقين من أنظمة الاستبداد والطغيان الجاثمة على صدور الأمة، تهدر ثرواتها، وتُغلق أفواهها، وتُغير هويتها، وتَسلب إرادتها، وتَحرمها حريتها، وتستعبدها لخدمة المنظومة الدولية المارقة عن شرع الله ودينه، المعادية لمنهج الإسلام وقيمه، المحاربة لشريعته، المُغيِّرة لفطرته.

لن يكون بالتماهي مع منظومة النفاق في المنطقة حلاً ولا مخرجًا، بل سيكون إمعانًا في السقوط، وتماديًا في الهبوط، ومزيدًا من الخيبة والإخفاق، واستمرارًا لدفع مزيدٍ من أبهظ الأثمان، فلا أمان معهم، ولا صديق لهم، ولا مستقبل لوجودهم، فالله تعالى وعد بكشف أمرهم وفضح باطلهم، وصدق الله تعالى إذ يقول: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۖ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 9).

وقد حذَّرنا الله تعالى من مسلكهم حيث تحيط بهم العقوبة، ويُحجب عنهم النصير، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 145)، وعاقبتهم ستكون بجمع سكان خندقهم ومن انتسب إليهم مع خندق الكفار ومن لاذ بهم في النار، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء: 140).

خندق الإلحاد

لا أعتقد أن الهروب إلى خندق الإلحاد يقوم به عاقلٌ أو ينصح به راشد، فهو خندق الانتحار بمخالفة الفطرة والتمرد على رب الكون، والتنكر لقوانين الكون ودلائل الإيمان القاطعة، فيظن في أول أمره أنه نجا بمعزلٍ عن الآلام، ولكنه لم يدرك أنه سقط في الضنك الذي لا غنى بعده، والهمِّ الذي لا فرج بعده، والحزنِ الذي لا فرح بعده، والاضطرابِ الذي لا استقرار بعده، فيفقد طمأنينة الحاضر، ويتلظى بنيران الخوف من المستقبل، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ۖ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه: 124)، وقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31).

خندق الانسحاب

وهو خندق الانسحاب من ميدان التكريم بالاستعمال إلى خندق الانشغال بحظوظ النفس والصرف والاستبدال، والهجرة إلى حيث الدعة والتراخي، والبحث عن ترف الحياة والاستمتاع بها، معرضًا عن حمل الرسالة وتبليغ الأمانة وإقامة الدين، وعدم الاضطلاع بمهمة الاستخلاف الذي خلقه الله من أجلها، وسخَّر له ما في الكون لإعانته على النجاح في أدائها!

الهروب إلى خندق الانسحاب سماه القرآن تهلكة، حيث ورد أن بعض الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قالوا فيما بينهم خفيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها! فأنزل الله الخبر من السماء: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، ونَدَع الجهاد، فلم يكن الانسحاب أمانًا لأحد قط، قد قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).

خندق الأمان

اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، لا أمان في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، وهذا يقتضي أن نعضَّ على معالم الإيمان في قلوبنا بدوام التزكية القلبية وصدق التوكل على الله تعالى، منطلقين من قوله سبحانه: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) (إبراهيم: 12).

خندق الأمان يكمن في تجديد البيعة مع الإسلام بصدق الانتساب إليه، فيعلنها السالك بكل وضوحٍ وقوةٍ وصلابةٍ ومحبةٍ واعتزاز: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: 72)، بل يسأل ربه في كل وقت: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101)، ويكون شعاره: سأعيشُ معتصمًا بحبلِ عقيدتي وأموتُ مبتسمًا ويَحيا ديني.

المساهمة في صنع السفينة

إن الطوفان الذي يهدر بأمواجٍ من الفتن كالجبال ينادي الأمة بوجوب انحيازها لصناعة سفينة النجاة دون ترددٍ أو تلكؤ.

إن صناعة السفينة واجب الوقت وأمان المستقبل، شريطة أن يكون النص القرآني حاضرًا مع نوحٍ عليه السلام: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (هود: 37).

فأول الأمر يتطلب صدق التوكل على الله والاستعانة به (بِأَعْيُنِنَا)، وثانياً أن تُبنى السفينة وفق منهج الله وشرعته (وَوَحْيِنَا)، وليس وفق تبعياتٍ للفلسفات الأرضية والتوجهات الدولية والتطلعات الحزبية.

فعلى السالكين أن ينحازوا لأهل السفينة؛ فقائمٌ يخطط أول ملامحها على الأوراق، وعاملٌ ينحت، ومهندسٌ يرسم، وصاحب مالٍ ينفق، وعابدٌ يدعو، وعالمٌ يغرس المفاهيم، ونجارٌ يغرس المسامير، ومحترفٌ يضبط حركة الألواح، فإن لم تكن من صناع السفينة فكن من المنتسبين إليها أو الداعمين لها أو القائمين على حراستها أو صيانتها أو توفير الطعام لأهلها، ومن لم يبذل في صناعة السفينة جهده إعدادًا، فلن يُستخدم يوم الطوفان جهادًا.
وأخيراً أقول: لا تستصغر عملاً، لا تتردد في غرس كلمة الإسلام في روع طفلٍ ناشئ، ولا أن تُربي على منهج الإسلام جيلًا صاعدًا، ولا أن تنحاز لقيم الإسلام في مجتمعٍ ناشز، ولا أن تنشر الأمل بكلمة صدقٍ في مجتمعٍ بائس، انطلق وأعلنها بكل وضوحٍ دون تردد: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۗ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 56)، وتيقن أنك بالانحياز لخندق الإيمان قد فُزت بالوعد الرباني (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: 141).


عندما تموت الدول وهي تبتسم

  نقطة نظام

عندما تموت الدول وهي تبتسم


بقلم: أدهم شرقاوي



يقولون إن الموت يأتي على هيئة مرض، وهذا صحيح مع الأفراد.
أما الدول، فتموت وهي بكامل صحتها، تضحك، وتأكل، وتُقيم العروض العسكرية.
*لا تصدقوا أن روما سقطت لأن البرابرة كانوا أقوياء.*
روما سقطت لأن الرومان تعبوا من أن يكونوا رومانًا.
لأن القمح صار أهم من الشرف، ولأن الكولوسيوم صار أقدس من المعبد.

*التاريخ له قاعدة لا تتخلف:*

كل دولة تظن أنها الاستثناء… فتصبح العبرة.

*1. اسألوا بغداد عن هارون الرشيد.*
كان يخاطب السحابة: أمطري حيث شئتِ فخراجك لي.
وكان الغلام في سوق الوراقين يبيع كتابًا بدينارين، فيشتريه جاره بثلاثة ليهديه لابنه.
ثم جاء هولاكو.
هل كان هولاكو أقوى من الرشيد؟ لا.
لكن بغداد كانت قد نسيت لماذا كانت بغداد.
صار الفقيه يفتي للسلطان، والشاعر يمدح الجواري، وصار السيف زينة على الجدار.
فسقطت، والمكتبة تحترق، والنهر يصير أسود من الحبر.

*2. اسألوا قرطبة.*
كانت منارة الدنيا. الشوارع مضاءة، والماء يجري للبيوت، والنساء يبعن العطور في السوق بلا خوف.
ثم صار كل ملك طائفة يقول: أنا الأندلس.
فتقاتلوا، واستعانوا بالعدو على الأخ، فأكلهم العدو جميعًا.
*الدول لا يقتلها الغزو، يقتلها أن يرى الأخ أخاه عدوًا.*

*3. وانظروا اليوم.*
أمريكا أقوى من روما. تطبع الدولار، وتحرك الأساطيل، وتسمع صوتها في جيب كل مراهق في العالم.
لكن في داخلها: 40 مليونًا بلا طبيب، وخيمة على الرصيف اسمها “بيت”، وجمهوري يرى الديمقراطي شيطانًا.
روما سقطت والمصارعون يتقاتلون. أمريكا قد تسقط والسوبر بول شغال.

*وإسرائيل؟*
حدثوني عن دولة تملك النووي وتخاف من نفق.
تملك القبة الحديدية، ولا تملك قبة أخلاقية تحميها من دعاء مظلوم.
28% من شعبها يبحث عن جواز سفر ثانٍ. هذه ليست دولة، هذا فندق، الناس تريد المغادرة منه قبل أن ينقطع النور.
بن غوريون قال: “لا دولة يهودية تعيش 80 سنة”. لماذا؟ لأنه قرأ التوراة، وقرأ التاريخ.
التاريخ يقول: كل استعمار استيطاني يموت، وكل ظلم له نهاية، وكل قوة بلا عدل هي حطب لنارها.

*يا سادة:*
الدول لا تسقط يوم تنهزم جيوشها.
تسقط يوم تنهزم فكرتها.
يوم يصبح القاضي تاجرًا، والجندي مرتزقًا، والمعلم موظفًا، والوطن فندقًا.
يوم يصبح الظلم قانونًا، والصمت حكمة، والتصفيق للباطل ذكاء.

*القوي لا يسقط لأن عدوه قوي.*

يسقط لأنه صدّق أنه لن يسقط.
فرعون غرق وهو يقول “أنا ربكم الأعلى”. 
والنمرود مات ببعوضة.

هذه سنّة الله:
 *{فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}*.

فإذا رأيت الدولة تظلم وهي تضحك، وتقتل وهي ترقص، وتدعي الأخلاق وهي عارية…
فاعلم أن الطبيب الشرعي قد كتب التقرير، وما بقي إلا دفن الجثة.
*والسقوط… لا صوت له.*

أدهم شرقاوي
10 مايو، 2026

مضيق هرمز... صراع السيطرة والنفوذ

 مضيق هرمز... صراع السيطرة والنفوذ

لقد أصبح مضيق هرمز حلبة الصراع الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران، فالأخيرة تسعى للهيمنة على المضيق وهو ما يعد نقلة استراتيجية لها بعيدة ويعد عنوان نصرها، في حين تسعى الولايات المتحدة إن سحب تلك الورقة من يد الجمهورية الطامحة


"الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز"

هكذا نقل أحد المواقع الإيرانية هذه التصريحات عن قيادي في الحرس الثوري الإيراني، وأضاف سوف يكون المضيق مقبرة لترامب.
ولكن على الجانب الآخر، نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين: 
نتوقع أن تصدر إيران بيانا بفتح مضيق هرمز بعد اجتماع السبت في سلطنة عمان، وستكون هناك عواقب قاسية إن رفضت طهران إصدار البيان.

وهنا الحيرة، هل توقعات القيادي في الحرس الثوري الإيراني صحيحة؟

أم أنها جزء من البروباجندا الإيرانية المعتادة، والدعاية المعروفة في زمن الحرب؟

ولماذا الإصرار الأمريكي على فتح المضيق بدون قيد أو شرط؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة يجب معرفة أهمية ذلك المضيق، ولماذا تحول إلى بؤرة صراعات وحروب، ظهرت إلى السطح خاصة في أعقاب الضربات الأمريكية الصهيونية على إيران في نهاية فبراير الماضي.

هرمز بين الجغرافيا والسياسة



المضائق البحرية بصفة عامة هي ممرات مائية طبيعية ضيقة، تصل بين مسطحين مائيين كبيرين، وتفصل بين كتلتين يابستين.

تُعد المضائق من أهم نقاط الاختناق الجيوبوليتيكية في العالم؛ حيث تتحكم في خطوط الملاحة التجارية وحركة الأساطيل العسكرية، مما يجعلها مصدرا للنزاعات الدولية، وأوراق ضغط استراتيجية بيد الدول الساحلية المطلة عليها.

وفي حالة مضيق هرمز، تنبع أهميته المطلقة من كونه المنفذ البحري الوحيد لمنتجي النفط الكبار مثل العراق، والكويت، والبحرين، وقطر، والممر الرئيسي لمعظم صادرات السعودية والإمارات.

يعبر هذا المضيق يومياً أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام (ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي)، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. هذا الأمر يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيلاً برفع أسعار الطاقة العالمية فوراً، وتكبيد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة.

أما عن تسميته، فتتعدد الروايات التاريخية: أبرزها ارتباطه بمملكة هرمز التاريخية التي كانت مركزاً تجارياً مزدهراً، أو نسبةً إلى جزيرة هرمز. ويرجح البعض أن الاسم يعود لجذور فارسية محرفة عن اسم أهورامزدا أو لأسماء ملوك فرس.

وقد بدأ الاهتمام الاستراتيجي بهذا الممر منذ آلاف السنين؛ حيث استخدمته الحضارات القديمة كمعبر تجاري لسلع الشرق. وفي العصر الحديث، تصارع عليه البرتغاليون ثم البريطانيون للتحكم في طرق التجارة نحو الهند. 
ولكن الأهمية الاستراتيجية المعاصرة التي نراها اليوم تشكلت في النصف الأول من القرن العشرين، مع اكتشاف النفط بكميات هائلة في منطقة الخليج العربي، ليتحول المضيق من مجرد ممر تجاري إلى صمام أمان لاستقرار الاقتصاد الصناعي العالمي.

ولكن بالتوغل في تفاصيل جغرافية المضيق، سنكتشف أن تلك الجغرافية عامل مهم في تأجيج الصراع حوله.

يبلغ العرض الإجمالي لمضيق هرمز في أضيق نقطة له بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم العُمانية نحو 33 كيلومتراً (حوالي 21 ميلاً بحرياً). وبموجب القانون الدولي للبحار، تمتد المياه الإقليمية لأي دولة إلى 12 ميلاً بحرياً (نحو 22 كيلومتراً) من ساحلها. ونظراً لأن عرض المضيق أقل من 44 كيلومتراً، فإن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان تتداخل، مما يعني أن السفن تعبر المضيق بموجب ما يعرف بحق المرور العابر الذي يكفل حرية الملاحة.

يبلغ العرض الإجمالي للممر الملاحي النشط 9 كيلومترات فقط، ويتم تقسيمه إلى ممر للدخول (باتجاه الخليج) بعرض 3 كيلومترات، وممر للخروج (باتجاه المحيط) بعرض 3 كيلومترات، وتفصل بينهما منطقة عازلة بعرض 3 كيلومترات لمنع تصادم الناقلات.

ونظرا لضحالة المياه نسبياً بالقرب من الساحل الإيراني والتضاريس القاعية غير المنتظمة، تم تخطيط الممرات الملاحية العميقة القادرة على استيعاب ناقلات النفط العملاقة، لتكون أقرب بكثير إلى الساحل العُماني.

ولذلك فإنه من الناحية العملية، فإن ممرات الدخول والخروج تقع في مجملها داخل المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، بمحاذاة الرأس الصخري لشبه جزيرة مسندم.

ورغم أن الممرات في مجملها تقع في المياه العُمانية، إلا أن الجغرافيا، والطمع السياسي منحت إيران تفوقاً نوعيا، يجعلها قادرة على تهديد هذه الممرات وإحداث اشتباكات، وذلك لعدة أسباب:

أهمها، الجزر التي تتحكم فيها إيران، وهي سلسلة من الجزر الصخرية التي تمثل نقاط ارتكاز عسكرية متقدمة تطل مباشرة على الممرات العمانية، ومن أهمها جزيرة قشم (أكبر جزرالخليج)، وجزيرة لاراك، وجزيرة هرمز في قلب مدخل المضيق.


وقد قام الحرس الثوري الإيراني بتحويل هذه الجزر إلى قواعد عسكرية محصنة تضم شبكات رادار متطورة، ومنصات إطلاق صواريخ مضادة للسفن مخبأة في الكهوف الجبلية، والأهم من ذلك، العديد من الزوارق الهجومية السريعة. 

هذه الزوارق تستغل قصر المسافة للقيام بعمليات اعتراض، أو مضايقة، أو احتجاز للسفن التجارية خلال دقائق، ثم العودة سريعاً إلى قواعدها المموّهة.


كذلك تحتل إيران الجزر الثلاث المتنازع عليها مع الإمارات (أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى)، هذه الجزر والتي تقع على مدخل المضيق الغربي، تعمل كخط إنذار مبكر ونقاط تحكم إضافية تخنق مسار الناقلات حتى قبل وصولها إلى نقطة هرمز الضيقة.

إيران والمضيق


أحدثت التطورات الاستراتيجية التي أعقبت الضربة الأمريكية-الصهيونية المزدوجة في 28 فبراير شرخاً عميقا في مبادئ الاستراتيجية الإيرانية، مما دفعت إيران إلى إعادة تقييم أدواتها الرادعة. ولذلك فإن التصريحات المتعلقة بأن الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز، وأن المضيق سيكون مقبرة لترامب، لا يُعد مجرد تصعيد كلامي معتاد، بل يمثل تحولاً جذرياً يعبر عن تحول كبير في الإدراك الإيراني، وتقييم المخاطر، وتغيير في حسابات التكلفة والعائد.
فقبل الحرب الأخيرة، لم تكن إيران تفكر فعلياً في الإغلاق التام للمضيق، بل استخدمته كأداة للردع الكلامي، وكساحة تحارب لعمليات منع مرور (مثل احتجاز الناقلات أو مضايقتها بالزوارق السريعة).

فإيران كانت تعتقد أن إغلاق المضيق يعني خنق الاقتصاد الإيراني ذاته، باعتباره شريان تصدير النفط الإيراني، ويعني في الوقت نفسه استدعاء حرب شاملة ومباشرة مع الولايات المتحدة.

ولكن ضربة 28 فبراير غيرت المعادلة. إذ استشعرت القيادة الإيرانية أن تلك الحرب كما هو كان معلنا، تستهدف تغيير النظام، ومنعها التام من تصدير النفط، وليس مجرد عقاب محدود، لذلك فإنه يجب عليها تفعيل ما يطلق عليه الخيار شمشون، والذي يعني إغلاق المضيق باعتباره الورقة الأخيرة المتبقية لفرض شلل كامل في سلاسل الإمداد العالمية، وإجبار القوى الكبرى على التدخل لوقف التصعيد لمنع انهيار الاقتصاد الكلي العالمي.

كذلك فإن هدف التصعيد الإيراني في هرمز كما ظهر في تصريحات قيادات الحرس الثوري يحمل اعترافا ضمنيا، بأن معادلات وتوازنات الجمهورية الأولى والتي تأسست عام 1979، واعتمدت على تصدير الثورة والميليشيات الوكيلة، قد استُنزفت أو تعرضت لضربة قاصمة.

ولذلك لضمان بقاء النظام، تحتاج القيادة إلى صدمة تأسيسية جديدة تعيد توحيد الجبهة الداخلية، وتعيد صياغة شرعية النظام على أسس عسكرية جديدة في مواجهة تهديد وجودي مباشر.

وفي هذا الخطاب، يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي أو نقطة اختناق جغرافية، إلى قدر ساخن بتوليفة سياسية وعسكرية، يُعاد فيه صياغة شكل الدولة الإيرانية ومكانتها الإقليمية. فالمعركة هناك وفق التصور الإيراني أصبحت حرب استقلال ثانية، وليست مجرد اشتباك حدودي. وهناك أمر ثالث في تصريحات قيادة الحرس الثوري وهو وصف تلك الحرب بأنها باتت مقبرة ترامب.

فتلك الإشارة المباشرة إلى ترامب تعكس فهماً إيرانيا دقيقاً لنقاط الضعف في السياسة الأمريكية.

فإيران فهمت أن الإدارات الأمريكية، وخاصة تلك التي تركز على الاقتصاد الداخلي وحركة الأسواق، شديدة الحساسية تجاه أي صدمات تتعلق بارتفاعات في أسعار الطاقة.

فإيران باتت تخطط نظرياً لرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية للضربة المزدوجة إلى مستوى لا يمكن للإدارة الأمريكية تحمله داخلياً، من خلال نشر الألغام البحرية، واستخدام أسراب الطائرات المسيرة، وبطاريات الصواريخ الساحلية المضادة للسفن انطلاقاً من جبال قشم ولاراك، لتحويل الممر الذي يبلغ عرضه 3 كيلومترات إلى فخ مميت للقطع البحرية والناقلات.

فالهدف هنا ليس تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إحداث هزيمة اقتصادية استراتيجية للولايات المتحدة تطيح بأي مكاسب استراتيجية تحققت من ضربة 28 فبراير.

فالنظام الإيراني، وفي القلب منه الحرس الثوري أصبح يدرك أن بقاء النظام بات يتطلب أدوات ردع صفرية لم تُستخدم من قبل.

الإصرار الأمريكي


عند التأمل في المهلة الأمريكية الصارمة التي تنتهي يوم السبت، لإعلان فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه، والتي ترافقت مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه آلاف الصواريخ نحو أهداف إيرانية تحسباً لأي تصعيد، تمثل ذروة حافة الهاوية بين أمريكا وإيران.

هذا الإصرار الأمريكي القاطع على فتح المضيق دون قيد أو شرط، وعدم قبول أي مساومات، لا ينطلق من فراغ، بل يحكمه محددان حاسمان:

1. إسقاط سلاح الابتزاز الاستراتيجي الإيراني، خاصة أنه قبل الحرب لم تكن إيران تفكر اساسا في إغلاق المضيق.

فالولايات المتحدة تدرك أن إيران تسعى لاستغلال المضيق كورقة مساومة لفرض شروطها وحماية أذرعها في المنطقة، مثل وقف الحرب في لبنان، والحفاظ على برنامجها النووي، أو إجبار السفن على دفع رسوم واتباع بروتوكولات إيرانية.

وقبول أمريكا من هذه الزاوية بفتح المضيق بالشروط الإيرانية، يعني اعترافاً دولياً ضمنياً بأن إيران تمتلك سيادة التحكم في هذا الشريان العالمي.

هذا التنازل من شأنه أن يدمر المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الهيمنة الأمريكية العالمية وهو ضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية، ويشجع قوى أخرى (مثل الصين في بحر الصين الجنوبي) على استنساخ نفس التكتيك.

2. وقف النزيف الاقتصادي وحسابات الداخل الأمريكي

فالأزمة وإغلاق المضيق تسبب في أشد اضطراب لسلاسل الإمداد في التاريخ الحديث، حيث يحتجز المضيق خلفه 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال. ومع طول أمد الأزمة، بدأت الأسواق العالمية تشهد اختناقات حادة في إمدادات الطاقة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. الأمر الذي أحدث ركوداً اقتصادياً بسبب أزمة طاقة، مما يجعل عامل الوقت حرجاً للغاية ويستوجب حسماً فورياً وليس تفاوضاً ممتداً.

في المحصلة، الإصرار الأمريكي ليس مجرد عناد سياسي، بل هو قرار حاسم بكسر استراتيجية الردع غير التقليدية الإيرانية في مهدها؛ لأن نجاح إيران في فرض شروطها لفتح المضيق سيعني تغييراً أبدياً في توازن القوى بالشرق الأوسط لصالحها.