الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

كيف تشكّلت الأفكار التي صنعت واقعنا ؟

كيف تشكّلت الأفكار التي صنعت واقعنا ؟

د. جاسم الجزاع
*باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com


الفكرة هي أمر أبعد وأكبر من خاطرة عابرة تمرّ في الذهن ثم تنتهي، إنها معنى يقدمه العقل الإنساني لفهم العالم، وقد تتحول من سؤالٍ فردي إلى مذهبٍ أو حركةٍ أو نظامٍ سياسي واجتماعي، أما «تاريخ الأفكار» فهو تتبع هذه المعاني منذ نشأتها، ورصد انتقالها بين الناس والمجتمعات، وكيف تتغير حين تواجه واقعاً جديداً، لذلك لا يكتفي هذا التاريخ بالجواب على سؤال: ماذا اعتقد الناس؟ بل يبحث عن إجابة السؤال التالي: لماذا ظهرت هذه الفكرة في ذلك الزمن؟ ومن حملها؟ وما الذي أحدثته في حياة الناس؟

وتنبع أهمية دراسة تاريخ الأفكار من أنها تفسر لنا حاضرنا، فكثير من النقاشات التي نظنها جديدة لها جذور بعيدة، ومفاهيم مثل الحرية والدولة والهوية والعلاقة بين الدين والسياسة لم تظهر فجأة، بل تشكلت عبر صراعات وتجارب وتحولات متراكمة، ومن يقرأ تاريخ الأفكار يدرك أن المجتمع لا يتأثر ويتغير بالقوانين وحدها، بل بالأفكار التي يؤمن بها الناس وترسم لهم ما يعدونه عدلاً أو ظلماً، وتحدد ما يقبلونه أو يرفضونه، كما تساعدنا هذه القراءة على التمييز بين الفكرة في أصلها، وبين ما أُلصق بها لاحقاً من تأويلات أو ممارسات.

وفي العالم العربي والخليجي، تفاعلت أفكار متعددة منذ القرن التاسع عشر، فبرز الإصلاح الديني ومحاولات التوفيق بين الأصالة والتراث والتجديد، وظهرت الليبرالية بما طرحته من أسئلة حول الدساتير والحقوق والمشاركة، ثم اتسعت أفكار القومية العربية والوحدة، والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، والعلمانية وتنظيم العلاقة بين الدين والدولة،

كما برزت الحركات الإسلامية التي دعت إلى جعل الإسلام مرجعاً في الحياة العامة، وفي الخليج تفاعلت هذه التيارات مع بناء الدولة الحديثة، والهوية الوطنية، والتحولات التي صاحبت النفط والتعليم والتمدن، ولم تنتقل الأفكار إلى مجتمعاتنا بصورة واحدة، بل أُعيد تفسيرها ومزجها بالتقاليد والعادات والطبيعة المحلية، فليست العلمانية مثلاً معنى واحداً في كل بلد، كما أن القومية أو الليبرالية أو الإسلام السياسي تتعدد صورها ومواقف أصحابها.

ولكي نبني تصوراً فكرياً رصيناً لدينا، علينا أن نبدأ بتعريف المفاهيم قبل إطلاق الأحكام، وأن نقرأ الفكرة في سياقها التاريخي، ونرجع إلى مصادرها الأصلية وإلى مناقشات مؤيديها ونقادها، ثم نختبر حججها ونتائجها، ولا أن نكتفي بعناوين براقة، ويحتاج ذلك إلى عقلٍ راجح يقارن بين الأفكار، ويحاور المختلف منها، ويعترف بما في الفكرة من قوة أو نقص، لذلك فالتصور الرصين لا يقوم على تقبل كل جديد، ولا على رفض كل ما يخالف المألوف، بل على فهمٍ عميق ومعايير واضحة للحكم على الأفكار.

أما حماية فكرنا العربي والاسلامي من الأفكار الوافدة فلا تكون بإغلاق النوافذ، ولا باعتبار كل ما جاء من الخارج خطراً، فالأفكار لا تُقاس بمنبعها الجغرافي، وإنما بفرضياتها وقيمها وأثرها في الإنسان والمجتمع، فنحن نحمي فكرنا حين نرسخ معرفة تراثنا، ونحسن قراءة واقعنا، ونعلّم أبناءنا السؤال والتحقق والنقاش، ونمنحهم ثقةً تجعلهم قادرين على الاختيار وليس مجرد التلقي، فنأخذ ما ينفعنا منه، ونرفض ما يتعارض مع كرامة الإنسان وثوابته.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

فلسطينيو الداخل وتعطيل عودة الصهيونية الدينية

فلسطينيو الداخل وتعطيل عودة الصهيونية الدينية

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

بالرغم من أن لي موقفا سابقا من الانتخابات الإسرائيلية ومشاركة فلسطينيي الداخل فيها، فإن ما جرى في انتخابات الكنيست الـ26 يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 يفرض الحديث عنه بمنطق مختلف.

فالمشاركة العربية لم تكن تضيف في السنوات الماضية شيئا يذكر في رسم السياسات الإسرائيلية أو تشكيل الحكومات، باستثناء حالة واحدة هي حكومة نفتالي بينيت التي أدت اليمين في يونيو/حزيران 2021 بالتحالف مع القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، وحينها كان يمكن لعباس استغلال حاجة بينيت له بشكل كبير، لكنه في رأيي لم يفعل.

أما هذه الانتخابات فلها طابع خاص جدا، فهي الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومنذ إطلاق حرب الإبادة الجماعية التي شنتها حكومة الاحتلال على قطاع غزة، والحرب الشعواء بقيادة تيار الصهيونية الدينية على الضفة الغربية والقدس، والإجراءات غير المسبوقة التي يتعرض لها المسجد الأقصى المبارك منذ تسلم هذه الحكومة الحكم أواخر عام 2022، أي قبل الحرب نفسها.
كانت المصلحة، لا لفلسطينيي الداخل وحدهم وإنما للقضية الفلسطينية والمنطقة كلها، في إبعاد تيار الصهيونية الدينية عن السلطة التنفيذية. فهذا التيار حول إسرائيل إلى ما يشبه دولة حاخامات، وطبق نموذجا جديدا يطوع القرار السياسي لخدمة النبوءات الدينية لا العكس، وهو ما ندفع ثمنه في القدس والضفة الغربية



أرى أن الإقبال غير المسبوق لفلسطينيي الداخل على صناديق الاقتراع هذه المرة جاء ردا على تيار الصهيونية الدينية قبل أن يكون موقفا من نتنياهو نفسه.

فزعيم حزب "القوة اليهودية" إيتمار بن غفير تفاخر في يونيو/حزيران الماضي بأنه هدم 5700 منزل في عام واحد في الأراضي الفلسطينية، وتوعد بهدم المزيد في التجمعات البدوية في منطقة النقب، وقد شهد النقب وحده هدم عشرات المنازل خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي قبيل الانتخابات.

وهذا التيار هو الذي دفع نحو قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست في مارس/آذار الماضي بأغلبية 62 صوتا مقابل 48، فضلا عما فعله في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

هذه المشاركة الواسعة بالتالي لا تعني أن القضية عند فلسطينيي الداخل هي الاندماج في الدولة أو المشاركة في سياستها، فالقانون الأساسي "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي "، الذي أقره الكنيست عام 2018، يغلق الباب أصلا أمام مساواتهم في الحقوق مع اليهود في إسرائيل.

ثم إن إسرائيل انزاحت بكاملها نحو اليمين، وصار الخلاف في نتائج انتخاباتها بين يمين ويمين، وتحول ما بقي من اليسار إلى ديكور في الكنيست، فحزب "الديمقراطيون" الذي يضم حزب العمل، مؤسس الدولة، لم ينل أكثر من 8 مقاعد.

لذلك لم تكن قيمة المشاركة العربية هذه المرة تكمن في مدى قدرتها على التأثير على السياسة الإسرائيلية أو دخول الحكومة، وهو ما يمنعه القانون وطبيعة النظام والمجتمع الإسرائيلي معا، وإنما تكمن في القدرة على التعطيل.


فتيار الصهيونية الدينية يرى في نتنياهو مفتاحه الوحيد إلى الحكم بعدما رفضته بقية التيارات رفضا قاطعا. ونتنياهو هو الشريك الأنسب لهذا التيار لأنه يحتاج للبقاء في رئاسة الوزراء كي يحمي نفسه من المحاكمة والسجن، وقد رأينا خلال السنوات الأربع الماضية كيف كان سموتريتش وبن غفير يبتزانه في كل موقف يحتاجهما فيه، ويهددان ببساطة بإسقاط حكومته، والتي يعني سقوطها ذهابه إلى السجن، أما غادي آيزنكوت فلا يحتاج هذا التيار بالطريقة نفسها.

وهو، للتذكير، رجل يميني، وهو صاحب "عقيدة الضاحية" التي أعلنها عام 2008 وما زالت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعمل بها في التدمير الشامل في غزة وجنوب لبنان، وقد قدم نفسه شخصية "وطنية" فقدت ابنها "غال" في مخيم جباليا بغزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، ولذلك يستبعد أن ينجح هذا التيار في ابتزازه كما ابتز نتنياهو بورقة السجن.

من هنا كانت المصلحة، لا لفلسطينيي الداخل وحدهم وإنما للقضية الفلسطينية والمنطقة كلها، في إبعاد تيار الصهيونية الدينية عن السلطة التنفيذية. فهذا التيار حول إسرائيل إلى ما يشبه دولة حاخامات، وطبق نموذجا جديدا يطوع القرار السياسي لخدمة النبوءات الدينية لا العكس، وهو ما ندفع ثمنه في القدس والضفة الغربية.
نسبة تصويت فلسطينيي الداخل التي وقفت عند 53.2% عام 2022 قفزت هذه المرة إلى ما بين 76.6% و80% بحسب التقديرات المنشورة، ونالت القائمتان المشتركة والموحدة قرابة 840 ألف صوت بزيادة 64%، فحصلتا على 19 مقعدا من أصل 120، أي نحو 15.8% من الكنيست، بعد أن كانت المقاعد العربية 10 فقط

 



وكان هذا التيار يعمل بدأب على التحول إلى دولة عميقة: سموتريتش بين مستوطني الضفة، وقد سجل صوته في يونيو/حزيران 2024 وهو يشرح "النظام المدني المنفصل" الذي أنشأه لنقل الصلاحيات من الجيش إليه، قائلا إن "مثل هذه التغييرات تغير الحمض النووي للنظام"، وبن غفير في القدس والمسجد الأقصى وفي تسليح المستوطنين.

ودخل نتنياهو هذه الانتخابات مراهنا على تفويض شعبي يواصل به النهج نفسه بصورة أعنف في غزة ولبنان وسوريا وإيران، وأكثر ما يتأثر بذلك القدس والمسجد الأقصى، خاصة أن الرؤية المسيحانية تجاوزت الصهيونية الدينية إلى أحزاب حريدية في الحكومة، حيث انتشر مقطع فيديو لأرييه درعي -زعيم شاس- خلال الانتخابات يحث فيه أتباعه على التصويت لأنها "آخر انتخابات قبل قدوم المسيح".

الأرقام وحدها تكشف حجم ما جرى؛ فنسبة تصويت فلسطينيي الداخل التي وقفت عند 53.2% عام 2022 قفزت هذه المرة إلى ما بين 76.6% و80% بحسب التقديرات المنشورة، ونالت القائمتان المشتركة والموحدة قرابة 840 ألف صوت بزيادة 64%، فحصلتا على 19 مقعدا من أصل 120، أي نحو 15.8% من الكنيست، بعد أن كانت المقاعد العربية 10 فقط.

في المقابل تراجعت كتلة نتنياهو من 64 مقعدا عام 2022 إلى 53، بينما حافظ حزبا الصهيونية الدينية والقوة اليهودية على 13 مقعدا مقابل 14 في الانتخابات السابقة، أي أن قاعدة هذا التيار بقيت ثابتة ولم تتآكل تقريبا.

ولنتخيل أن فلسطينيي الداخل غابوا عن الكنيست، ووزعت مقاعدهم الـ19 على الأحزاب التي تجاوزت العتبة الانتخابية حسب نسبة مقاعدها، أي بضرب مقاعد كل حزب في 120 وقسمة الناتج على 101، وهي المقاعد المتبقية بعد طرح المقاعد العربية.

عندها يرتفع الليكود من 27 إلى نحو 32 مقعدا، و"يشار" بقيادة آيزنكوت من 21 إلى نحو 25، و"معا" بقيادة بينيت من 12 إلى 14، و"الديمقراطيون" من 8 إلى 10، والصهيونية الدينية وشاس من 6 إلى 7 لكل منهما، ويصل كل من القوة اليهودية ويهدوت هتوراه وإسرائيل بيتنا إلى 8 مقاعد، ويأخذ أحدها مقعدا تاسعا.

والنتيجة أن كتلة نتنياهو تقفز من 53 إلى 63 مقعدا، مقابل 57 لكتلة آيزنكوت، أي أغلبية مريحة يعيد بها نتنياهو تشكيل حكومته مع سموتريتش وبن غفير بالكامل ودون حاجة إلى أي اصطفاف آخر، ويعدها بالتالي تفويضا لنهجه في الحكم.

صحيح أن هذا حساب تقريبي بالمقاعد لا بالأصوات، لأن القانون الإسرائيلي يوزع المقاعد بطريقة "بادر-عوفر" واتفاقات فائض الأصوات، لكن الفارق بين الطريقتين لا يكفي على الأرجح لإنزال الكتلة عن 61 مقعدا.

بهذه الحسبة نفهم السعار الذي أصاب نتنياهو وسموتريتش وبن غفير ضد فلسطينيي الداخل. فالتيار الذي يرى في الجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر أحد أهم أعدائه الداخليين حاول منعها من الترشح أصلا، إذ قررت لجنة الانتخابات المركزية في سبتمبر/أيلول الماضي، بطلب من الليكود والقوة اليهودية، شطب القائمتين المشتركة والموحدة، قبل أن تلغي المحكمة العليا القرار بالإجماع في 2 أكتوبر/تشرين الأول.

وبعد النتائج اتهم الليكود الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات، وقدم رئيس الشاباك ديفيد زيني، الذي يتبع تيار الصهيونية الدينية بالمناسبة، معلومات عن تمويل خارجي مزعوم للتأثير على التصويت العربي، فأمر القاضي نوعام سولبرغ رئيس لجنة الانتخابات بالتحقيق فيها.

ولعل هذا أوضح دليل على امتداد نفوذ هذا التيار إلى الأجهزة الأمنية، وعلى أن نتنياهو استفاد من تجربة صديقه دونالد ترمب في التشكيك بنتائج الانتخابات.

من يقول إن هذه المشاركة لم تفد الفلسطينيين في شيء، وإنها مجرد "ديكور"، لأن آيزنكوت ونتنياهو يعملان الآن على تشكيل حكومة صهيونية بعيدة عن الأحزاب العربية، فإنه يغفل أن هذا السلوك نفسه يزيد عزلة إسرائيل ولا يجمل صورتها


وبصفتي هنا كاتبا فلسطينيا لا يحمل الجنسية الإسرائيلية، يحق لي أن أقول إن أهلنا في الداخل جزء من الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وإن كان احتلالا من نوع آخر ثقافي واقتصادي واجتماعي، إلى جانب احتلال الأرض.

فما زال مهجرون من حملة الجنسية الإسرائيلية عاجزين عن الوصول إلى قراهم الأصلية، كحال بعض أهالي صرفند في قضاء حيفا الذين يسكنون اليوم جسر الزرقاء، ومهجري قرى الجليل الأعلى الذين نزحوا إلى قرى مجاورة.

ولكل جزء من الشعب الفلسطيني نصيبه من مقاومة الاحتلال، وما فعله الشباب والجمهور في الداخل كان شكلا من أشكال هذه المقاومة عبر تعطيل قدرة الاحتلال على التحكم السياسي.

أما من يقول إن هذه المشاركة لم تفد الفلسطينيين في شيء، وإنها مجرد "ديكور"، لأن آيزنكوت ونتنياهو يعملان الآن على تشكيل حكومة صهيونية بعيدة عن الأحزاب العربية، فإنه يغفل أن هذا السلوك نفسه يزيد عزلة إسرائيل ولا يجمل صورتها.

فالعالم بات يرى أن هم الساسة الإسرائيليين اليوم تشكيل حكومة لا تستند إلى دعم عربي ولو من خارجها؛ فأفيغدور ليبرمان لا يقبل إلا ائتلافا من "الأحزاب الصهيونية فقط"، وآيزنكوت يقول إن الأحزاب العربية "لم تستوف شروطه"، ونتنياهو يصف التعاون معها بأنه "عار"، ويقود حملة غير مسبوقة لشيطنة الصوت العربي تشبه تفرقة ترمب بين الأمريكيين البيض وغيرهم.

ويكتمل المشهد حين يعرف العالم أن المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس، وعددهم نحو 700 ألف، يقترعون في هذه الانتخابات بينما لا صوت لقرابة 3 ملايين فلسطيني في الضفة، ولا يحق لفلسطينيي القدس من حملة الإقامة الدائمة التصويت للكنيست. وهذه المفارقة التي لخصها كريم جبران من منظمة بتسيلم الإسرائيلية بقوله إن في إسرائيل "ربما ديمقراطية، لكن لليهود فقط".

إن لمقاومة الاحتلال أشكالا مختلفة، وتعطيل الحياة السياسية الإسرائيلية في هذه المرحلة بالذات واحد منها. ولا يعني ذلك أن المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية صارت خيارا دائما، فما صح في هذه الانتخابات قد لا يصح في غيرها، وإنما يعني أن فلسطينيي الداخل قرؤوا اللحظة جيدا، فحرموا نتنياهو والصهيونية الدينية من التفويض الذي جاؤوا يطلبونه.

حين تتبدل التحالفات… من يحمي رأي المثقف؟!

حين تتبدل التحالفات… من يحمي رأي المثقف؟!


جاسم الجزاع


لم يعد رأي المثقف في وسائل التواصل الاجتماعي كلمةً عابرة في مجلس محدود، فالجملة المنشورة قد تبقى بعد أن تتغيَّر الظروف السياسية، ودائما ما تُقتطع من سياقها، وتتحوَّل إلى موقفٍ يُحاسب صاحبه عليه سنوات، وتزداد الخطورة حين يتبنَّى الكاتب موقفاً من “دولة” أو “جماعة” تحت ضغط الحماسة أو الولاء أو رغبة الجمهور، من غير أن يتحقَّق من الوقائع، أو يترك لنفسه سياجاً يحميه من الانجرار إلى اصطفاف لا يعرف نهايته، فالعلاقات بين الدول لا تثبت على حال، والتحالف الذي يبدو راسخاً اليوم قد يتبدَّل غداً، وحينها قد يجد المثقف نفسه يدافع عن موقفٍ لم يعد أصحابه يدافعون عنه، أو يبرر ما كان ينتقده بالأمس، وهنا لا تكون الخسارة في سمعته وحدها، بل في ثقة الناس بصوته واستقلاله، فمنصات التواصل تميل الى تبنِّي الانفعال و ردة الفعل، بينما السياسة تقوم على المصالح المتحركة والملفات المعقَّدة جداً، ولذلك لا تكفي النية الطيبة وحدها لحماية الرأي من أن يتحوَّل إلى مادة توظيف أو خصومة.


وتاريخ التعاطي مع الآراء السياسية يقدِّم شواهد تستحق التأمل فيها، ففي الحرب الباردة موّلت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سراً مؤتمرات ثقافية تدعم بعض المجلات و الأنشطة الفكرية المناهضة للشيوعية، وكُشف التمويل بعد ذلك بسنوات، فحصلت استقالات لصحفيين و كتاب، بعد انكشاف صلة التمويل بدعم المقالات و غيرها، ولا يعني ذلك أنَّ كلَّ كاتبٍ شارك في تلك الأنشطة كان مأجوراً أو أنَّ أفكاره صُنعت له، لكن الواقعة تكشف كيف يمكن للرعاية السياسية الخفية أن تضع المثقف في موضع الشبهة، حتى لو رأى أنه مستقل في رأيه، وتبين أنَّ أزمة المثقف قد تبدأ حين تتداخل قناعته مع مشروع لا يعرف حدوده أو مصادر دعمه، ثمَّ تتبدل السياسة ويبقى اسمه مرتبطاً بها، وقد وثقت دراسات تاريخية هذه القضية، كما حفظت أرشيفات الجامعات بيانات الاستقالة والمراسلات التي تلت الكشف.


والحل للأمانة ليس أن يصمت المثقف عن السياسة، لا أبداً لا نقصد ذلك، ولا أن يتظاهر بالحياد أمام كل قضية، بل أن يبني موقفه على بينة واضحة، فيميز بين الخبر والتحليل والميل القلبي، وبين الوقائع والدعاية والصورة النمطية، ويعلن ما لا يعرفه كما يعلن ما يعرفه، ويترك لنفسه وقتاً للتحقُّق قبل النشر، فإذا استبانت له الحقيقة أعلن رأيه وثبت عليه ما دامت أسبابه قائمة، وإذا ظهرت معلومات جديدة راجع موقفه بشجاعة، فالمراجعة ليست تناقضاً حين تفسرها الأدلة، أمَّا التناقض فهو أن يغير المرء موقفه مع تبدُّل مصالح الجهة التي يؤيدها.

قراءة في كتاب(بل أنتم بشرٌ ممن خلق) المسلمون ووهم الاستثناء

 قراءة في كتاب(بل أنتم بشرٌ ممن خلق)

المسلمون ووهم الاستثناء
اسم الكتاب: «بل أنتم بشرٌ ممن خلق: المسلمون ووهم الاستثناء»
اسم المؤلف:الدكتور علي فريد
تبذة:هو كتابٌ في مراجعة الوعي الإسلامي، ومساءلة ما استقر في النفوس من أوهام التفوق والامتياز، وما أورثته من غفلةٍ عن سنن الله الجارية في الأمم والحضارات.

ينظر المؤلف في أحوال المسلمين بعينٍ ناقدة، ويستدعي شواهد التاريخ وتجارب الأمم ليكشف عن أثر التصورات الموروثة في فهم الذات والآخر، وعن الفارق بين شرف الانتساب إلى الدين واستحقاق أسباب النهوض والتمكين.

وفي الكتاب دعوةٌ إلى استرداد البصيرة، ومحاسبة النفس، والنظر في أسباب الضعف والتأخر، والاعتبار بما جرى للأولين، في لغةٍ تجمع حرارة السؤال إلى صراحة النقد، وتردُّ القارئ إلى حقيقةٍ طالما حجبتها دعاوى الاستثناء: أن سنن الله لا تحابي أمةً، وأن العاقبة رهينةٌ بما تكسبه النفوس وتصنعه الأيدي.

 مع النفس وحسن النظر في سنن العمران

(بل أنتم بشرٌ ممن خلق)
يُفكك هذا الكتاب ثلاثةَ أوهامٍ معيقة في العقل المسلم: وَهْمَ انفراد المسلمين بالهزيمة والتخلف، وَوَهْمَ تفرد أعدائهم بالنصر والتقدم، وَوَهْمَ شعورهم باستحقاق النصر لمجرد انتمائهم للإسلام دون عمل أو إعداد.. مستعرضاً- لذلك- صفحاتٍ من تاريخ الأمم التي يراها المسلمون اليوم منتصرةً ومتقدمةً، وراصداً- في تاريخهم القريب والبعيد- أزماتٍ شبيهة بأزمات المسلمين اليوم؛ مما يُعَدُّ مواطن إحباطٍ ومدارج يأس؛ مثل: الخيانات، وتداخل الولاءات، والبحث عن حظوظ النفس، والدماء المسفوكة دون جدوى، وفوضى الثورات، والثورات المضادة، وكثرة الخلافات البينية في أزمنة الأهوال والمجازر.. ليعيد- بذلك- ضبطَ بوصلة النظر إلى طبيعة السنن الربانية التي أجراها اللهُ على الدنيا ومَن فيها؛ مسلمين وغير مسلمين، وأنَّ الأصل في الأمر السعي والعمل، والبحث عن الثغر ثم لزومه؛ دون يأسٍ أو إحباط.
ودونكم رابط الكتاب.. أسأل الله أن ينفع به، وأن يرزقني وإياكم الإخلاص والصواب والقبول.


صدر حديثًا (جمادى الأولى 1448هـ – أكتوبر 2026م) 


الاثنين، 2 نوفمبر 2026

خطبة البابا أوربان الثاني.. صناعة العدو وإشعال الحروب المقدسة

 خطبة البابا أوربان الثاني.. صناعة العدو وإشعال الحروب المقدسة

 . إعداد مجلة البيان


 

في حقلٍ بارد قرب كليرمون الفرنسية، ألقى البابا أوربان الثاني خطبة وثقها التاريخ بحروف من دم، تحولت كلمات الرجل إلى سيوف تحصد رقاب الأطفال والنساء، وحولت المشاعر الدينية إلى وقود للحرب، والخلافات الأوروبية إلى مشروع غزو انتهى بسقوط القدس؟

في السابع والعشرين من نوفمبر عام 1095، وقف البابا أوربان الثاني بابا الفاتيكان ليعلن حربا هي الأقوى والأعنف في تاريخ المسلمين، وقف بابا الفاتيكان في حقل قرب كليرمون الفرنسية ليخاطب جموعا لم تتسع لهم الأبنية.

كان المجمع الكنسي قد انعقد قبل أيام داخل المدينة، ثم ضاق المكان بالقادمين، فخرج الناس إلى العراء وتحملوا برداً قارساً لكي يسمعوا البابا أوربان الثاني. لم يكن الرجل يرتجل. كان قد أمضى سبعة أشهر يرتب لهذه اللحظة، يختار الكلمات ويحسب وقعها على كل فئة من الحاضرين.

في الروايات التي نقلت خطبة أوربان الثاني، تتكرر صور الكنائس المنهوبة، والأسرى المعذبين، والأماكن المقدسة المدنسة. كانت دلالة الخطاب التاريخية واضحة لقد استُخدمت القدس لاستنفار المشاعر، وتحويل التنافس الأوروبي إلى تعبئة عسكرية عابرة للحدود. لم يعد الفارس يقاتل من أجل سيده الإقطاعي أو غنيمة قريبة صار يستطيع أن يرى نفسه جنديًا في حرب مقدسة، وأن يربط رحلته إلى الشرق بمغفرة الذنوب والمجد الأبدي.

وفي قلب هذا التحول تكمن إحدى أخطر آليات الحروب عبر التاريخ:
 
حين تُمنح المصالح السياسية غطاءً مقدسًا، يصبح الاعتراض عليها عصيانًا دينيًا في نظر أتباعها، ويغدو العنف فعلًا يُقدَّم لصاحبه على أنه طاعة. عندها تتراجع المسافة بين الإيمان والتعبئة، وتصبح العقيدة أداةً في يد القوى التي تريد حشد الناس خلف مشروعها.

وقف البابا يخطب في الجموع إن أرضهم ضيقة لا تكاد تطعم سكانها، ولذلك «يذبح بعضكم بعضاً». هذه هي القضية الأصلية. كانت أوروبا الإقطاعية تغلي بفرسان مدربين على القتال وبلا ميدان، وكانت الكنيسة قد جربت «هدنة الله» لكبح الحروب الداخلية فلم تفلح كثيراً. 
جاءت كليرمون بحل أبسط من كل ما سبقه: لنُخرج العنف من البيت ونوجهه إلى مكان بعيد، وليكن ذلك باسم السماء.

ثم صب البابا الأوصاف التي تنزع الإنسانية عن العدو ، فهم – أي المسلمين - «جنس لعين» و«أمم نجسة» و«جنس خبيث». حين يُوصف الخصم بهذه المفردات يسقط السؤال الأخلاقي قبل أن يُطرح. لا يعود الفارس يسأل عمن يقاتل ولماذا، لأن الجواب جاهز مسبقاً في الحكاية.

وإلى جانب لغة التحقير جاءت لغة الإغراء: 
أرض لا نظير لها في ثمارها، وفردوس للمباهج، وغفران للذنوب، ومجد في ملكوت السماء. خاطب البابا المؤمن الباحث عن صك نجاة، وخاطب الفارس الجائع إلى إقطاعية جديدة، فخرج كل واحد من الحقل وهو يظن أن الخطبة كُتبت له وحده.

ولم يترك أوربان اللحظة لمصادفة العاطفة. نهض الأسقف أدهمار دي مونتيل، أسقف لوبوي، وركع أمام البابا يطلب الانضمام، فاندفع الناس خلفه يتسابقون على حمل الصليب. وتقول الروايات إن أوربان سارع إلى تعيينه ممثلاً شخصياً له على الحملة، فالحماسة بلا قيادة تتحول إلى فوضى، والحركة التي تولد في الحقل يجب أن تخرج منه وفي يدها رسن. من اللحظة الأولى كان لهذه الحملة رأس كنسي يمسك بها، وهذا ما ميزها عن موجات العامة التي خرجت بعدها بلا نظام وتبددت في طريقها.

أما الجانب الآخر من الخريطة فكان يعيش في عالم مختلف تماماً. 
كان السلاجقة قد فقدوا مؤسس وحدتهم ملكشاه عام 1092، فتنازع أبناؤه وإخوته السلطة وتشتتت الإمارات، وكانت الدولة الفاطمية في القاهرة تنازعهم الشام، وبقي الخليفة العباسي في بغداد اسماً بلا قوه. حين وصل الفرنجة إلى الأناضول ثم الشام، ظن كثير من الأمراء أنهم قوة مرتزقة بيزنطية ضعيفة يمكن استخدامها في صراعات الجوار. وبعد أربعة أعوام من خطبة الحقل البارد، سالت دماء المسلمين أنهارا في الشوارع وهدمت مساجدهم ودنس المسجد الأقصى واعتصبت النساء وفي يوليو 1099 صارت القدس مملكة صليبية.

والدرس الذي تتركه كليرمون
 

 أن الأمم تُهزم أحياناً قبل أن يبدأ القتال، حين يمتلك خصمها رؤية موحِّدة وتفتقر هي إلى ما يجمعها. 
وخطبة البابا لم تكن أقوى ما في تلك الحملة. أقوى ما فيها أنها وجدت جمهوراً مهيأً لسماعها، وخصماً مشغولاً بنفسه عن سماعها.

الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية.

 الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية.
 

أحد أكبر الأكاذيب التي خلفها الاستقلال في إفريقيا أن خروج المستعمر يعني تحرر الشعوب.

فقد غادر الأوروبيون كثيرا من العواصم الإفريقية، لكن بعض النخب التي تسلمت السلطة لم تنشغل ببناء دولة تحترم الإنسان، بل وجدت في الاستقلال فرصة لوراثة امتيازات المستعمر، والاستحواذ على مؤسسات الدولة وثرواتها.

تغيرت الوجوه والأعلام والخطابات، لكن المواطن ظل يدفع ثمن السلطة، مرة بالحرب، ومرة بالفقر، ومرة بحرمانه من أبسط حقوقه.

كأن الاستعمار لم يغادر تماما، بل وجد من يتولى مهمته بلسان وطني.

المشكلة في إفريقيا ليست أن الأرض فقيرة، ولا أن شعوبها عاجزة عن الإنتاج، وإنما أن هناك دولا تمتلك ثروات هائلة، بينما يعيش مواطنوها في ظروف لا تعكس حجم ما تملكه بلدانهم. النفط والذهب والماس والكوبالت واليورانيوم تخرج من باطن الأرض، لكن عائداتها لا تصل بالقدر العادل إلى المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل.

تتكدس الثروة في أيدي قلة، وتبقى الأغلبية منشغلة بتدبير احتياجاتها اليومية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن السيادة والتنمية، يظل السؤال قائما: ما قيمة الاستقلال إذا لم يشعر المواطن بأن ثروات بلاده ملك له، وأن الدولة وجدت لخدمته لا لخدمة الحاكم وحاشيته؟

لا يمكن فهم هذه المأساة من دون مساءلة النخب السياسية التي تعاملت مع السلطة باعتبارها امتيازا شخصيا، لا مسؤولية عامة. فبعضها لم يكتف بإضعاف مؤسسات الدولة، بل حولها إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة، وفتح أبواب الاقتصاد أمام شبكات الفساد، وترك الموارد الوطنية تتسرب إلى الخارج من دون أن تبني في الداخل قاعدة إنتاجية قادرة على تحسين حياة الناس.

وهكذا أصبحت شعارات التحرر والسيادة غطاء لواقع لا يختلف كثيرا عن جوهر الاستغلال الذي ثارت الشعوب ضده.

لكن نقد هذه النخب لا يعني إعفاء بقية العوامل من المسؤولية، ولا اختزال تجارب القارة كلها في صورة واحدة. فإفريقيا ليست بلدا واحدا، وتجارب دولها مختلفة، غير أن السؤال الذي يستحق المواجهة هو: لماذا لم تنجح بعض الدول، بعد عقود من الاستقلال، في تحويل مواردها إلى مؤسسات قوية واقتصادات منتجة ومجتمعات أكثر عدلا؟ ومن المستفيد من بقاء المواطن فقيرا، والتعليم ضعيفا، والوعي السياسي محاصرا بالصراعات القبلية والولاءات الشخصية؟

إن الاستقلال الذي لا يغير علاقة السلطة بالمواطن يظل استقلالا ناقصا، مهما ارتفعت الأعلام وتكررت الخطب الوطنية. فالتحرر الحقيقي لا يقاس برحيل المستعمر وحده، بل بقدرة الشعوب على استعادة حقها في الثروة والقرار والمحاسبة.

وما لم تدرك النخب الإفريقية أن الدولة ليست ملكا للحاكم، وأن موارد البلاد ليست غنيمة لمن يصل إلى السلطة، فستظل بعض الشعوب تدفع ثمن استقلالها مرتين: مرة في معركة التحرر، ومرة في معركة استرداد أوطانها من الذين ورثوا سلطة المستعمر ولم يتخلوا عن عقليته.

 

ويبدأ السؤال الأكثر إزعاجا: إذا كان الاستعمار قد نهب الثروات، فمن المسؤول اليوم عن إدارة ما بقي منها؟ وإذا كانت القوى الاستعمارية قد رسمت حدودا مصطنعة وأقامت اقتصادات تخدم مصالحها، فمن المسؤول عن القرارات التي اتخذتها الحكومات الوطنية بعد الاستقلال؟

لا يمكن محو أثر الاستعمار من التاريخ الإفريقي، ولا يمكن تجاهل تدخل القوى الخارجية في اقتصادات القارة وصراعاتها، لكن لا يجوز أيضا تحويل الماضي إلى عذر أبدي يعفي الحكام من مسؤولية الحاضر.

لقد نالت دول إفريقية كثيرة استقلالها السياسي بعد صراعات طويلة وتضحيات جسيمة. وكان الأمل أن يتحول الاستقلال إلى تعليم مجاني جيد، ورعاية صحية، وصناعة وطنية، وزراعة منتجة، ومؤسسات تحمي المواطن من التعسف.

لكن بعض التجارب شهدت انتقالا للسلطة من الإدارة الاستعمارية إلى نخب محلية لم تنجح في تفكيك أنماط التبعية والاستغلال، بل أعادت إنتاج بعضها بأسماء وشعارات جديدة.

لم يعد المواطن خاضعا لمسؤول أوروبي في كل مكان، لكنه وجد نفسه أحيانا أمام مسؤول محلي يتعامل مع الدولة باعتبارها امتيازا شخصيا، ومع المال العام باعتباره موردا متاحا للمقربين، ومع المجتمع باعتباره قاعدة للتعبئة لا شريكا في القرار.

إن مأساة إفريقيا ليست أن المستعمر استغلها فحسب، بل أن بعض النخب التي ورثت الدولة لم تجعل إنهاء الاستغلال أولوية حقيقية، وأن بعض شبكات المصالح تعلمت كيف تستفيد من ضعف المؤسسات وتستمر في الحكم باسم التحرير نفسه.


في بلدان غنية بالموارد الطبيعية، يصبح التناقض صارخا حين تُستخرج الثروات من باطن الأرض بينما يعجز المواطن عن الحصول على مياه نظيفة أو علاج مناسب أو تعليم جيد.

وحين تُصدَّر المواد الخام، ثم تُستورد المنتجات المصنعة بأسعار مرتفعة، دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توفير الوظائف وزيادة القيمة المضافة، يبقى الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق الخارجية. ليست المشكلة في تصدير الموارد بحد ذاته، بل في غياب السياسات التي تضمن إدارة عائداتها بشفافية، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والإنتاج.

ولا يمكن تفسير هذه الأوضاع بعامل واحد. فالتفاوت بين الدول الإفريقية كبير، وتجاربها السياسية والاقتصادية مختلفة، كما أن الحروب والديون وضعف البنية التحتية وتقلب أسعار السلع والتدخلات الخارجية تفرض قيودا حقيقية.

لكن هذه التعقيدات تجعل بناء المؤسسات أكثر ضرورة، لا أقل. فكلما ازدادت المخاطر، ازدادت الحاجة إلى رقابة على الإنفاق، وقضاء مستقل، وعقود واضحة، وسياسات اقتصادية قابلة للتقييم والمحاسبة.

 

إن الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية يظهر حين تتحول الدولة إلى شبكة من المصالح. يصل المسؤول إلى منصبه، فتُفتح أمامه أبواب التعيينات والعقود والأراضي والموارد، ثم تصبح الوظيفة العامة وسيلة لمكافأة الولاء السياسي أو العائلي أو القبلي.

وفي المقابل، يُطلب من المواطن أن يصبر، وأن يتفهم الظروف، وأن يضحي من أجل المستقبل. لكن هذا المستقبل يظل مؤجلا، فيما تتجدد امتيازات أصحاب السلطة في الحاضر.

وهكذا يتحول الفساد من سلوك فردي إلى مشكلة مؤسسية.

فالأموال التي تُهدر لا تختفي من الحسابات فقط؛ إنها تتحول إلى مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لا تعمل بكفاءة، وطرق لم تصل إلى القرى، وفرص عمل لم تُخلق.

وعندما يُحرم المجتمع من معرفة كيفية إدارة ثرواته، يصبح من الصعب تحديد المسؤولية، وتتحول السياسة إلى صراع على الروايات بدلا من أن تكون نقاشا حول النتائج.

وتزداد الخطورة عندما تتداخل هذه المصالح مع النزاعات المسلحة. ففي بعض السياقات الإفريقية، تتشابك الصراعات السياسية والأمنية مع المنافسة على الأراضي والموارد وطرق التجارة، وقد تنشأ شبكات تستفيد من استمرار الحرب أو من غياب الرقابة.

وليس صحيحا أن كل حرب إفريقية تُختزل في صراع على المعادن، أو أن كل نزاع تديره جهة خارجية، لكن من الضروري فحص المصالح الاقتصادية والسياسية التي قد تغذي بعض النزاعات، إلى جانب المظالم المحلية والانقسامات التاريخية والعوامل الأمنية.

في هذه الحروب، يدفع المواطن الثمن الأكبر. يفقد المزارع أرضه، ويترك الطفل مدرسته، ويغادر الطبيب مستشفاه، وتتحول العائلات إلى نازحين ولاجئين. أما من يمتلكون المال والنفوذ فقد تتوافر لبعضهم وسائل أفضل لحماية أنفسهم من النتائج المباشرة للصراع.

وعندما تنتهي المواجهات باتفاقات لتقاسم السلطة دون معالجة جذور الأزمة أو بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، قد تتغير الوجوه بينما تستمر الأسباب التي قادت إلى الحرب.

وتبرز خطورة استخدام القبيلة أو الإثنية أو الجهوية في المنافسة السياسية. فالتنوع الاجتماعي في إفريقيا ليس عيبا، ولا يجوز تحميل المجتمعات المتنوعة مسؤولية إخفاق الحكومات.

المشكلة تبدأ عندما يحول السياسيون الانتماءات إلى أدوات للحشد والحماية من المساءلة، فيُبرَّر فساد القريب ويُدان فساد الخصم، وتُوزع المناصب على أساس الولاء بدلا من الكفاءة. عندها يصبح المواطن تابعا لجماعته السياسية أو الاجتماعية، بدلا من أن يكون صاحب حق متساو أمام القانون.

ولا يقل خطرا عن ذلك أن تستخدم بعض السلطات إرث التحرير لتقييد النقد. فالتضحيات التي قدمتها حركات الاستقلال تستحق الاحترام، لكنها لا تمنح أي حكومة حقا أبديا في الحكم، ولا تجعل الاعتراض على أدائها خيانة للوطن.

إن الاستقلال ملك للمجتمع كله، وليس شهادة ملكية تحتفظ بها نخبة سياسية. ومن حق المواطن الإفريقي أن يسأل حكومته عن الإيرادات العامة، والديون، وعقود التعدين، وجودة التعليم، وحرية الصحافة، ومستقبل الشباب، دون أن يُتهم بالتآمر لمجرد أنه يطالب بإجابات.

كما أن مسؤولية النخب المحلية لا تعفي القوى الأجنبية والشركات العابرة للحدود من المساءلة.

فالتنافس الدولي على الموارد والأسواق والنفوذ قد يؤدي إلى صفقات غير متكافئة، وقد تستفيد جهات خارجية من ضعف الرقابة أو الانقسامات الداخلية.

لكن مواجهة هذه الممارسات تتطلب حكومات قادرة على التفاوض، ومؤسسات تراجع العقود، ومعلومات متاحة للجمهور، وقوانين تمنع تضارب المصالح. فالشعارات المعادية للاستعمار لا تكفي إذا كانت السياسات الفعلية تسمح باستمرار صفقات تضر بالمصلحة العامة.

 

إن مستقبل إفريقيا لا يتوقف على استبدال حاكم بآخر، أو حزب بآخر، أو رفع شعار جديد مكان شعار قديم. إنه يتوقف على قدرة المجتمعات على بناء دول لا تعتمد على نزاهة شخص واحد، بل على قواعد ومؤسسات تحد من تركّز السلطة، وتمنع الاستحواذ على المال العام، وتضمن تداول المسؤولية السياسية بوسائل قانونية وسلمية.

كما يتطلب الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والزراعة والصناعة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي حتى لا تبقى كل دولة معزولة أمام تقلبات الأسواق وموازين القوة الدولية.

لقد تحررت إفريقيا من الاستعمار في محطات تاريخية حاسمة، لكن التحرر السياسي لا يعني تلقائيا التحرر الاقتصادي أو المؤسسي. وبين الاستقلال المعلن والاستقلال الذي يعيشه المواطن مسافة لا يمكن اختصارها في الاحتفالات والخطب.

فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الثروة العامة تتحول إلى خدمات وفرص، وما إذا كان القانون يسري على الحاكم والمحكوم، وما إذا كان المواطن يستطيع تغيير ممثليه ومحاسبتهم دون خوف.

إن الاستعمار الذي يرتدي بدلة وطنية لا يحتاج إلى علم أجنبي فوق القصر؛ يكفيه أن يحتكر القرار، ويستنزف الموارد، ويقمع النقد، ويطلب من الناس أن يعتبروا الفقر تضحية وطنية.

وهو لا يُهزم بمجرد كشف تناقضاته، بل ببناء مؤسسات لا تسمح له بإعادة إنتاج نفسه.

 

فإفريقيا ليست فقيرة بأبنائها، ولا محكوم عليها بالبقاء في دائرة الأزمات، وليست بحاجة إلى وصاية خارجية جديدة كي تنهض.

إنها بحاجة إلى أن تكون ثرواتها في خدمة مجتمعاتها، وأن تتحول الدولة من غنيمة تتقاسمها النخب إلى مؤسسة يملك المواطنون حقوقهم داخلها.

لقد رفع الأفارقة أعلام الاستقلال بعد تضحيات عظيمة، لكن السؤال الذي يظل قائما هو: 

هل أصبحت هذه الأعلام رمزا لسيادة الشعوب، أم غطاء لسلطة بعض النخب عليها؟

ما لم يجد المواطن إجابة ملموسة في حياته اليومية، سيظل الاستقلال حقيقة تاريخية عظيمة، لكنه مشروع لم تكتمل أهدافه بعد.

الحرب الصهيوحوثية.. وسؤالات لعموم الامة

الحرب الصهيوحوثية.. وسؤالات لعموم الامة