الخميس، 30 أبريل 2026

ترياق النفس في زمن التشتت الذهني

ترياق النفس في زمن التشتت الذهني   

جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي

يستيقظ الفرد منا في زماننا على إيقاعٍ متسارع يدفعه للركض خلف عقارب الساعة مسرعاً، في سباقٍ محموم ومرهق لا يترك مساحةً كافية ولا وقتاً كافياً لاستشعار حقيقة الحياة، و هذا الشعور المتنامي الذي نجده فينا  يُعرف في بعض أدبيات علوم النفس بـ”الشتات الذهني” الذي يجعل الفرد يعيش حالة من الاستهلاك الآلي للوقت دون توقف، حيث تمر التجارب والخبرات اليومية دون وعيٍ حقيقي منه بمحتواها، ممّا أدى إلى تآكل الرضا الداخلي والهدوء والسلام النفسي، وبروز شعور الاغتراب عن الذات بشكلٍ أكثر من قبل، فإنّ هذا الشعور المؤلم ليس شعورًا عابرًا، بقدر ما هو معضلةٌ حقيقية تجعلنا ننفصل عن واقعنا المحسوس لنغرق في شتات التنبيهات الوقتية والمطالب اللحظية، وهو ما يفسّر وصول الكثيرين إلى حالةٍ من الإجهاد النفسي المزمن والاحتراق الوظيفي و الوجداني، حتى في أوج نجاحاتهم المادية التي نراها، فالازدهار النفسي الحقيقي ليس مجرّد غيابٍ للاضطرابات أو الأمراض، بقدر ما  هو النمو المستمر والارتباط العميق بمعنى الوجود في الحياة، حيث يجد الإنسان في تفاصيل يومه دافعاً للحيوية وقدرة على تجاوز السطحية في إدراكه للأشياء التي باتت تحدّد علاقتنا بمن حولنا، وممّا يجعل استعادة “الحضور الذهني” في زمن التشتت ضرورة نفسية وجودية وليس مجرّد ترفٍ فكري.


فقد كشفت بعض  الدراسات الأكاديمية الحديثة التي تناولت عينات واسعة من الشباب العربي، أنّ الوصول إلى مستوى مرضي من  الاستقرار والراحة النفسية لن يكن وليد الصدفة أو ضرباً من الحظ، بل هو ثمرة تفاعل إيجابي ودقيق جداً بين أمرين أساسيين وهما: 

الحضور الذهني للحدث وفهم الحدث والثاني هو الحكمة بوصفها بوصلة موجهة للسلوك ما بعد الحدث،  فالحضور الذهني يعمل كمحركٍ للوعي لدى الشاب، ويمنحه القدرة على مراقبة الأحداث وفهمها وفهم انفعالاته، وتأمل مواقفه بوعيٍ تام دون إطلاق أحكام مسبقة أو الانجراف خلف جلد الذات، وأما “الحكمة ” فتتدخل كعنصرٍ وأداة مهمة تعيد ترتيب المشهد أمام الفرد ليتعلّم كيف يتعامل مع المشاهد بممارسات فضلى ذكية تضمن له كسب الإنجازات وتقليل الإخفاقات، فالحكمة الراسخة الشبابية لا تغرقه في إلقاء اللوم على الظروف أو الإغراق في الندم الشديد، بل تبني له خبرة تعليمية رصينة وجسراً يعبر به وعليه مع الوعي ليصل إلى الاستقرار النفسي المنشود، لذلك أثبتت النتائج التي قدّمتها تلك الدراسات أنّ الفرد الذي يمتلك هذه “الحكمة ” هو الأكثر قدرة على بناء جودة عالية لحياته المستقبلية، حيث تصبح تلك الحكمة هي الموجه الذي يضبط إيقاع الاستجابة للضغوط الخارجية، محولةً إياها من معوقات إلى فرص للارتقاء والنمو.


لهذا نجد أنّه لزاماً على كلّ فردٍ منّا أن يسعى للخروج من حالة التشتت إلى رحاب الازدهار والاستقرار النفسي، فتبرز حينها  الحاجة الماسة لتبني استراتيجيات نفسية تعيد هندسة القيم لدى الفرد، وتبدأ تلك الاستراتيجيات في سياسة “التوقف والتأمل”، وهي تلك الفجوة الزمنية البسيطة التي يمنحها الفرد لنفسه قبل الانقياد لردود الأفعال الانفعالية السريعة، ممّا يفسح المجال للحكمة لتقرر المسار الأنسب له، ومن الاستراتيجيات المؤثرة ممارسة “المراجعة الذاتية اليومية”، ومراقبة الفرد لنفسه والتي تعتبر عملية تحويل للمواقف العابرة إلى دروسٍ حكمية مستدامة تعزز العمق المعرفي، وهنا يأتي حتى لا ننسى الدور الحقيقي للمدارس وجمعيات النفع العام و الاعلام  والمجتمع ككل، فالمطلوب اليوم هو الانتقال من حشو الأدمغة بالمعلومات غير المجدية، إلى تعليم الأجيال كيف يفكرون بهدوءٍ في زمن التشتت، وكيف يتفهمون مشاعرهم ومشاعر الآخرين، وكيف يحلون خلافاتهم بوعيٍ ونضج وحكمة، فالراحة النفسية والنجاح في الحياة ليسا حلماً بعيد المنال، بل هما متاحان لكلّ شخص يملك الشجاعة ليقف مع نفسه وقفة صدق، ويتعامل مع من حوله بحكمةٍ وتوازن.

الأربعاء، 29 أبريل 2026

من حلم عبد الحميد إلى مشروع إقليمي جديد.. هل تعود سكّة حديد الحجاز للحياة؟

 من حلم عبد الحميد إلى مشروع إقليمي جديد.. هل تعود سكّة حديد الحجاز للحياة؟



علي محمَّد محمد الصلَّابي
إن إعادة إحياء سكّة حديد الحجاز برؤيةٍ عصريةٍ هو دلالة تاريخية عميقة 
على أن الجغرافيا لا تموت، وأن الطرق الكبرى تعود حين تنضج شروطها.

عمل السُّلطان عبد الحميد على كسب الشُّعوب الإِسلاميَّة عن طريق الاهتمام بكلِّ مؤسَّساتها الدِّينيَّة والعلميَّة، والتَّبرُّع لها بالأموال، والمنح، ورصد المبالغ الطَّائلة لإِصلاح الحرمين، وترميم المساجد، وزخرفتها، وأخذ السُّلطان يستميل إِليه مسلمي العرب بكلِّ الوسائل، فكوَّن له من العرب حرساً خاصّاً، وعيَّن بعض الموالين له منهم في وظائف كبرى منهم (عزَّت باشا العابد) ـ من أهل الشَّام ـ الَّذي نجح في أن ينال أكبر حظوةٍ عند السُّلطان عبد الحميد، وأصبح مستشاره في الشُّؤون العربيَّة، وقد لعب دوراً هامّاً في مشروع سكَّة حديد الحجاز الممتدَّة من دمشق إِلى المدينة المنوَّرة، وهو بهذا المشروع الَّذي اعتبره السُّلطان عبد الحميد وسيلةً من الوسائل الَّتي أدَّت لإِعلاء شأن الخلافة، ونشر فكرة الجامعة الإِسلاميَّة.


وفي المرحلة الراهنة، تعود "سكّة حديد الحجاز" اليوم إلى الواجهة لا بوصفها مشروعاً هندسياً عابراً، بل باعتبارها ذاكرةً تاريخيةً كبرى تتجدد في لحظة إقليمية فارقة. فالأخبار المفرحة عن مشروع ربط السعودية بتركيا مروراً بالأردن وسوريا يفتح الباب أمام قراءةٍ أعمق لهذا المشروع. فهو أشبه بحلم تاريخي قد يصبح واقعاً في الفترة المقبلة، وخاصة في ظل أزمات سلاسل الإمداد العالمية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.

إننا أمام إحياءٍ معاصر لفكرةٍ قديمة حملها السلطان عبد الحميد الثاني حين جعل من سكّة حديد الحجاز مشروعاً للوحدة، وتسهيل الحج، وربط أطراف العالم الإسلامي، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين الشام والحجاز والأناضول. وقد بيّن الدكتور علي محمد الصلابي أن هذا المشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل، وإنما غدا أداة استراتيجية لتعزيز الوحدة والربط بين الأقاليم، وتقوية الحضور السياسي للدولة.

إننا أمام إحياءٍ معاصر لفكرةٍ قديمة حملها السلطان عبد الحميد الثاني حين جعل من سكّة حديد الحجاز مشروعاً للوحدة، وتسهيل الحج، وربط أطراف العالم الإسلامي، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين الشام والحجاز والأناضول. وقد بيّن الدكتور علي محمد الصلابي أن هذا المشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل، وإنما غدا أداة استراتيجية لتعزيز الوحدة والربط بين الأقاليم، وتقوية الحضور السياسي للدولة.

أغراض مشروع سكة حديد الحجاز

أبدى السُّلطان عبد الحميد اهتماماً بالغاً بإِنشاء الخطوط الحديديَّة في مختلف أنحاء الدَّولة العثمانيَّة مستهدفاً من ورائها تحقيق ثلاثة أغراضٍ، وهي:

1 ـ ربط أجزاء الدَّولة المتباعدة، ممَّا ساعد على نجاح فكرة الوحدة العثمانيَّة، والجامعة الإِسلاميَّة، والسَّيطرة الكاملة على الولايات الَّتي تتطلَّب تقوية قبضة الدَّولة عليها.

2 ـ إِجبار تلك الولايات على الاندماج في الدَّولة، والخضوع للقوانين العسكريَّة؛ الَّتي تنصُّ على وجوب الاشتراك في الدِّفاع عن الخلافة بتقديم المال، والرِّجال.

3 ـ تسهيل مهمَّة الدِّفاع عن الدَّولة في أيَّة جبهةٍ من الجبهات الَّتي تتعرَّض للعدوان؛ لأنَّ مدَّ الخطوط الحديديَّة ساعد على سرعة توزيع القوَّات العثمانيَّة، وإِيصالها إِلى الجبهات (بني المرجة، ص 113).

بداية المشروع

وكانت سكك حديد الحجاز من أهمِّ الخطوط الحديديَّة الَّتي أنشئت في عهد السُّلطان عبد الحميد، ففي سنة 1900م بدأ بتشييد خطٍّ حديديٍّ من دمشق إِلى المدينة للاستعاضة به عن طريق القوافل الَّذي كان يستغرق من المسافرين حوالي أربعين يوماً، وطريق البحر الَّذي يستغرق حوالي اثني عشر يوماً من ساحل الشَّام إِلى الحجاز، وكان يستغرق من المسافرين أربعة، أو خمسة أيَّامٍ على الأكثر، ولم يكن الغرض من إِنشاء هذا الخطِّ مجرَّد خدمة حجَّاج بيت الله الحرام، وتسهيل وصولهم إِلى مكَّة، والمدينة، وإِنَّما كان السُّلطان عبد الحميد يرمي من ورائه أيضاً إِلى أهدافٍ سياسيَّةٍ، وعسكريَّةٍ، فمن النَّاحية السِّياسيَّة خلق المشروع في أنحاء العالم الإِسلامي حماسةً دينيَّةً كبيرةً؛ إِذ نشر السُّلطان على المسلمين في جميع أنحاء الأرض بياناً يناشدهم فيه المساهمة بالتَّبرُّع لإِنشاء هذا الخطِّ (بني المرجة، ص 113)، وقد افتتح السُّلطان عبد الحميد قائمة التَّبرُّعات بمبلغ (خمسين ألفاً ذهباً عثمانيّاً من جيبه الخاصِّ) وتقرَّر دفع (مئة ألفٍ) ذهباً عثمانيّاً من صندوق المنافع، وأُسِّست الجمعيَّات الخيريَّة، وتسابق المسلمون من كلِّ جهةٍ للإِعانة على إِنشائها بالأنفس، والأموال (حرب، ص 222).

وتبرَّع للمشروع الشَّخصيَّات الهامَّة في الدَّولة، مثل الصَّدر الأعظم ووزير الحربيَّة (حسين باشا) ووزير التِّجارة، والأشغال (ذهني باشا)، ورئيس لجنة المشروعات (عزَّت باشا).

وتبارى موظَّفو الشَّركات في التَّبرُّع، مثل موظَّفي شركة البواخر العثمانيَّة. وكذلك موظَّفو الدَّولة العموميُّون، والولايات، مثل ولاية بيروت، ودمشق، وحلب، وبورصة، وغيرها.

وشارك القصر الحاكم في مصر في حملة التَّبرُّعات، وشُكِّلت في مصر لجنة الدِّعاية للمشروع، وجمع التَّبرُّعات له برئاسة (أحمد باشا المنشاوي). كما شاركت الصَّحافة المصريَّة في حملة سكَّة حديد الحجاز بحماسٍ، ومثال على ذلك جريدة المؤيَّد. وجمعت جريدة (اللِّواء) المصريَّة تبرُّعاتٍ للمشروع بلغت ـ حتَّى عام 1904م ـ ثلاثة آلاف ليرة عثمانيَّة. وكان يرأسها مصطفى كامل باشا، كما جمع (علي كامل) مبلغ (2000) ليرة عثمانيَّة للمشروع حتَّى عام 1901م.

وأسهم في هذه الحملة، جريدة (المنار) وجريدة (الرَّائد المصري) وشُكِّلت لجان تبرُّع للمشروع في كلٍّ من القاهرة، والإِسكندريَّة، وغيرهما من مدن مصر.

وكان مسلمو الهند أكثر مسلمي العالم حماساً، وعاطفةً، وتبرُّعاً للمشروع. وقد تبرَّع أمير حيدر أباد بالهند بإنشاء محطَّة المدينة المنوَّرة في المشروع، كما تبرَّع شاه إِيران بمبلغ (50000) ليرة عثمانيَّة.

ورغم احتياج المشروع لبعض الفنِّيِّين الأجانب في إِقامة الجسور، والأنفاق، فإِنَّهم لم يُستخدموا إِلا إِذا اشتدَّت الحاجةُ إِليهم، مع العلم بأنَّ الأجانب لم يشتركوا إِطلاقاً في المشروع، ابتداءً من محطَّة الأخضر ـ على بعد 760 كيلو متراً جنوب دمشق ـ وحتَّى نهاية المشروع. ذلك لأنَّ لجنة المشروع استغنت عنهم، واستبدلتهم بفنِّيِّين مصريِّين.

وبلغ عدد العمَّال غير المهرة عام 1907م (7500) عامل. وبلغ إِجمالي تكاليف المشروع (4283000) ليرة عثمانيَّة. وتمَّ إِنشاء المشروع في زمنٍ وتكاليف أقلَّ ممَّا لو تعمله الشَّركات الأجنبيَّة في أراضي الدَّولة العثمانيَّة (حرب، ص 222). وفي أغسطس سنة 1908م وصل الخطُّ الحديديُّ إِلى المدينة المنوَّرة، وكان مفروضاً أن يتمَّ مدُّه بعد ذلك إِلى مكَّة، لكن حدث أن توقَّف العمل فيه لأنَّ شريف مكَّة ـ وهو الحسين بن علي ـ خشي على سلطانه في الحجاز من بطش الدَّولة العثمانيَّة، فنهض لعرقلةِ مدِّ المشروع إِلى مكَّة، وكانت مقرَّ إِمارته، وقوَّته. فبقيت نهاية الخطِّ عند المدينة المنوَّرة، حتَّى إِذا قامت الحرب الكبرى الأولى عمل الإِنكليز بالتَّحالف مع القوَّات العربيَّة الَّتي انضمَّت إِليهم بقيادة فيصل بن الحسين بن عليٍّ على تخريب سكَّة حديد الحجاز، ولا تزال هذه السِّكَّة معطَّلةً حتَّى اليوم، والمأمول أن تبذل الجهود لإِصلاحها حتَّى تعود إِلى العمل في تيسير سفر حجَّاج بيت الله الحرام.

ـ قيمة المشروع الاستراتيجية

وصف السَّفير البريطانيُّ في القسطنطينيَّة في تقريره السَّنوي لعام 1907م أهمِّيَّة الخطِّ الحجازي، فقال: (إِنَّ بين حوادث السَّنوات العشر الأخيرة عناصر بارزةً في الموقف السِّياسيِّ العامِّ، أهمُّها خطَّة السَّلطان الماهرة الَّتي استطاع أن يظهر بها أمام ثلاثمئة مليون من المسلمين في ثوب الخليفة الَّذي هو الرَّئيس الرُّوحي للمسلمين، وأن يقيم لهم البرهان على قوَّة شعوره الدِّينيِّ، وغيرته الدِّينيَّة ببناء سكَّة حديد الحجاز؛ الَّتي ستمهِّد الطَّريق في القريب العاجل أمام كلِّ مسلمٍ للقيام بفريضة الحجِّ إِلى الأماكن المقدَّسة في مكَّة، والمدينة). فلا غرو إِذا ما لمسنا حنق الإِنكليز على ذلك الخطِّ الحديديِّ، وافتعالهم الأزمات لإِعاقته، وانتهازهم أوَّل فرصةٍ لتعطيله، ونسفه؛ لقطع الطَّريق على القوَّات العثمانيَّة (بني المرجة، ص 114).

وكان أوَّل قطار قد وصل إِلى محطَّة سكَّة الحديد في المدينة المنوَّرة من دمشق الشَّام يوم 22 آب (أغسطس) 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنِّسبة لمئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافَّةً، فقد اختصر القطار في رحلته الَّتي استغرقت ثلاثة أيَّام، وقطع فيها 814 ميلاً مشقَّات رحلةٍ كانت تستغرق في السَّابق أكثر من خمسة أسابيع، كما خفقت في ذلك اليوم التَّاريخي قلوب أولئك الَّذين كانوا مشتاقين إِلى القيام بأداء فريضة الحجِّ المقدَّسة (بني المرجة، ص 114).

كان أوَّل قطار قد وصل إِلى محطَّة سكَّة الحديد في المدينة المنوَّرة من دمشق الشَّام يوم 22 آب (أغسطس) 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنِّسبة لمئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافَّةً،

كانت سياسة عبد الحميد الإِسلاميَّة محصَّنةً، فأراد أن يجمع قلوب المسلمين حواليه باعتباره خليفة المسلمين جميعاً، فكان مدُّ خطِّ السِّكَّة الحديدي بين الشَّام، والحجاز من الوسائل الجميلة في تحقيق هدفه المنشود (بني المرجة، ص 114).

كان كرومر المعتمد البريطانيُّ في مصر (1301 ـ 1325هـ ـ 1883 - 1907 م) من أوائل من ألَّب أوربَّة على الجامعة الإِسلاميَّة، وحرص على أن يتحدَّث في تقاريره السَّنويَّة عن الجامعة الإِسلاميَّة ببغضٍ شديدٍ، وفي الوقت نفسه نشرت جريدة الأهرام (المصريَّة) تصريحاتٍ مثيرةً لوزير فرنسيٍّ هو (هانوتو) هاجم فيها الجامعة الإِسلاميَّة. وكانت مهاجمة الجامعة الإِسلاميَّة تُستتبع بالتَّالي بمهاجمة الدَّولة العثمانيَّة؛ حتَّى تتفرَّق الوحدة الَّتي تجمع من حولها الدُّول الإِسلاميَّة لتواجه النُّفوذ الاستعماريَّ الزَّاحف الَّذي قد رسم مخطَّطه على أساس التهام هذه الوحدات، والحيلولة دون التقائها مرَّةً أخرى في أيِّ نوعٍ من الوحدة؛ ليستديم سيطرته عليها؛ فاتَّخذوا لذلك عدَّة أعمالٍ أساسيَّةٍ:

1 ـ تعميق الدَّعوات الإِقليميَّة، والخاصَّة بالوطنيَّة، والأرض، والأمَّة، والعرق.

2 ـ خلق جوٍّ فكريٍّ عامٍّ لمحاربة الوحدة الإِسلاميَّة، وتصفيتها.

وكلُّ هذا مقدِّمةٌ لإِلغاء الخلافة العثمانيَّة نهائيّاً، وبالتَّعاون مع الصَّهيونيَّة العالميَّة ويهود الدُّونمة، وأذنابهم من جمعيَّات تركيَّا الفتاة، والاتِّحاد والتَّرقِّي (المصري، 1/101).

إن إعادة إحياء سكّة حديد الحجاز برؤيةٍ عصريةٍ هو دلالة تاريخية عميقة على أن الجغرافيا لا تموت، وأن الطرق الكبرى تعود حين تنضج شروطها. ولقد أراد السلطان عبد الحميد من هذا المشروع أن يكون جسراً للوحدة والتكامل بين أطراف العالم الإسلامي، وأن يخدم الدين والدولة معاً في آنٍ واحد. واليوم، ومع تصاعد الأزمات في الممرات البحرية الدولية، وإغلاق بعض الطرق الحيوية، يعود هذا المشروع ليطرح نفسه كبديلٍ استراتيجيٍّ يعيد رسم خريطة النقل والتجارة في المنطقة، ويمنح دوله فرصةً جديدة لبناء تكاملٍ اقتصاديٍّ يتجاوز حدود السياسة التقليدية. وبين عهد السلطان عبد الحميد والمرحلة الراهنة، لا يبدو مشروع سكّة حديد الحجاز استعادةٍ لرؤية حضارية تاريخية فقط، وإنما هو امتدادٌ حيٌّ لفكرةٍ لم تمت، بل تأجّلت حتى تجد زمانها المناسب.

المصادر والمراجع:

1 ـ  بني المرجة، موفق. صحوة الرَّجل المريض، دار البيارق، الطَّبعة الثَّامنة، 1417هـ ـ 1996م.
2 ـ حرب، محمد. السُّلطان عبد الحميد الثَّاني، دار القلم دمشق، الطَّبعة الأولى، 1410هـ ـ 1990م.
3 ـ المصري، جميل عبدالله محمد. حاضر العالم الإِسلامي، جامعة المدينة المنوَّرة.
4 ـ الصلابي، علي محمد. السلطان عبد الحميد الثاني وفكرة الجامعة الإسلامية، ط1، 2024.

في دائرة الصراع «الهويّة. الذاكرة. السردية»

  في دائرة الصراع «الهويّة. الذاكرة. السردية»

د. محمد عياش الكبيسي
مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

لكل أمة على هذا الكوكب هويتها التي تعتز بها وتتميّز بها وتلتقي عليها (دين، تراث، لغة، أرض، تاريخ)

ولكل أمة أيضا ذاكرتها التي تميّز بها أصدقاءها وأعداءها، وتصنيف درجات الصداقات، ودرجات العداوات، وهكذا.

أما السردية فهي عملية تجميع بعض الأفكار والأحداث للوصول إلى فكرة كلية قد تكون حقيقية وقد تكون مخادعة.

في أيام الصراعات والتحديات الخارجية فإن حصن الأمة الأول إنما هو هويتها، ثم ذاكرتها.

وهنا يحاول العدو أن يخترق هذه الهوية وهذه الذاكرة بصناعة سردية معينة، ولنأخذ هذه النماذج

1-في الوقت الذي لا تخفي فيه إيران مشروعها التوسعي (تصدير الثورة) وعزمها على تغيير هوية الأمة وعقيدتها بالقوّة المسلحة (الحرس الثوري وأجنحته الممتدة في العديد من دول المنطقة) فإن أجهزتها الدعائية توجّه أصابع الاتهام لكل من يدافع عن عقيدته وأمته بالطائفية!! بمعنى أنها تعتمد سردية (الطائفية إنما هي الدفاع عن العقيدة والهوية)!

الغريب ليس هنا، بل في بعض المفكرين (التنويريين) والدعاة (المعتدلين) الذين يحاولون كسر مناعة هذه الأمة بالتحذير من (الطائفية) دون تحديد الطرف المعتدي والذي يعتمد الطائفية كلها (بشحمها ولحمها وعظامها) في غزوه لبلاد المسلمين، ودون تحديد أية طريقة لحفظ عقيدة الأمة وهويتها.

2- في أثناء احتلالها للدول العربية وتنسيقها المعلن مع قوى (الاستكبار) الغربي والشرقي، ترفع إيران شعار (القدس) كرمز لسردية خلاصتها؛ أن العرب وجميع المسلمين تخلّوا عن القدس،

وأن إيران هي الوحيدة التي تمتلك مشروع تحرير القدس، ولكن هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا باحتلال العراق وسوريا واليمن ولبنان، وربما دول أخرى على الطريق، كما يصرحون بذلك علنا.

ولدعم هذه السردية تم تقديم الدعم للمقاومة في غزة، وهو ثمن زهيد جدا أمام ما حققته إيران من زحف على عواصم هذه الأمة ووضع اليد على كل مقدراتها وإمكانياتها.

لقد وجدت هذه السردية أذنا صاغية لدى بعض الناس، مع أن كل المعطيات الواقعية تكذبها، فإن صراع إيران مع الغرب بدأ قبل الطوفان بكثير، لأسباب كثيرة منها: 

موضوع النووي، والتوسع الإمبراطوري الذي تجاوز الحد، وكون إيران أصبحت رأس السهم للمشروع الصيني الصاعد في المنطقة، وغير ذلك.

وإيران لكل ذلك هي الآن بحاجة إلى (غطاء القدس) أكثر من حاجة القدس لها، فالقدس لم تحتل الآن، وثورة الخميني لم تستلم الحكم في إيران الآن، فما الذي استجد؟

إنه من الغفلة المفرطة تصور أن كل هذه المعارك الممتدة من بيروت إلى الخليج العربي وحتى باب المندب وبعض مناطق العراق، إضافة لتدمير إيران نفسها واصطياد قادتها، كان كله بسبب السردية الإيرانية (تحرير القدس) و (دعم الطوفان).

المهم هنا أن أية سردية يعتمدها الخصم لا يمكن أن تؤثر في أمة من الأمم إلا إذا فقدت الأمة هويتها، وأتلفت ذاكرتها، وأصبحت لا تنظر إلى الأحداث الجسام إلا من خلال (السرديات المصنوعة) و (التصريحات الدعائية) و (آخر نشرة إخبارية).

وفي الختام فإني أشيد بالمقابلة المطوّلة للدكتور خالد الخنجي الذي تناول فيها هذه المفاهيم، وإن كانت بمدخل آخر، وبأسلوب آخر. والتي ربما أرفعها هنا في وقت لاحق.



وقفات مع آيات (22).. رَبْطُ القلب في القرآن

وقفات مع آيات (22).. رَبْطُ القلب في القرآن

د. مالك الأحمد 

رَبْطُ القلب في القرآن تعبيرٌ يدل على التثبيت الإلهي للنفس عند الخوف، والاضطراب، وشدة الابتلاء. وقد جاء هذا المعنى جليًّا في قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾، أي قوَّينا قلوبهم وثبَّتناهم على الحق حين قاموا في وجه الباطل. وجاء كذلك في قوله تعالى عن أم موسى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾، أي لولا ما ألقى الله في قلبها من سكينة وثبات لكادت تُبدي أمر ولدها من شدة الوجد والخوف. 

وفي بدر قال سبحانه: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾، فجمع بين ثبات القلب وثبات الجوارح؛ لأن ثبات الظاهر ثمرة من ثمرات طمأنينة الباطن. ولهذا لخَّص المفسرون هذا المعنى بعبارات متقاربة تدور حول: الصبر، والتقوية، والتثبيت، والطمأنينة.

وإذا نظرنا إلى أصل الربط في اللغة وجدناه يدل على شدِّ الشيء وتقويته وإحكامه حتى لا ينفلت. فإذا انتقلنا من هذا المعنى الحسي إلى ربط القلب بان لنا أن المقصود ليس مجرد تهدئة عابرة، بل تقوية ربانية خاصة، ومعونة من الله، تجعل الإنسان أقدر على احتمال الموقف، وأثبت على الحق، وأبعد عن الانهيار عند الفزع.

والإنسان في حياته قد يواجه موقفًا يفوق طاقته في الظاهر، ثم يجد في قلبه سكونًا غير معهود، وثباتًا لم يكن يتوقعه، وكأن قوة خفية أمسكت قلبه ومنعته من الانفلات والانهيار.

ومن المواقف التي لا أنساها أن أحدهم كان مسافرًا مع زوجته وبعض أبنائه، وكانت أمامهم سيارة يقودها ابنه الأكبر، ولم يكن قد جاوز الثامنة عشرة، ومعه أخوه الأصغر منه قليلًا. ثم وقع حادث لسيارة الابنين أمام نظر الأب، الذي كان يقود السيارة الثانية خلفهما، فتوقف مسرعًا ليتفقد ابنيه، فإذا الموت قد اختطفهما. وقد كنت حاضرًا عند الدفن، وكان ذلك ليلًا، فلم أكن أتبين وجه الأب، ولم أحرص على ذلك، وإنما أمسكت بيده بقوة ونحن نسير داخل المقبرة لندفن الابنين. وما كدت أتماسك من هول المشهد، مع أن المصيبة لم تنزل بي، فكيف بقلب الأب المفجوع؟ ومع ذلك كان متجلدًا على نحو يثير العجب، وكنت أقول في نفسي: اللهم اربط على قلبه.

فهذه فاجعة تكاد تزلزل القلب؛ إذ يكبر الابن، وتتعلق به الآمال، ويُرتجى نفعه، ثم إذا به يرحل في أشد اللحظات التي تكون فيها حاجة أبيه إليه عظيمة. فكيف إذا كان معه شقيقه أيضًا؟ لقد كانت مأساة موجعة، ولكن الله يتدارك عباده بالتثبيت، ويمنح القلوب من الربط والتصبـير ما لا تبلغه طاقة البشر وحدها.

كلما ازداد خوف أوروبا، تسارعت عملية الأسلمة…

كلما ازداد خوف أوروبا، تسارعت عملية الأسلمة…

كاتب في صحيفة يني شفق

ترجمة وتحرير ترك برس

يمكن للإسلام أن ينتشر بسرعة في أوروبا إذا لم يواجه عوائق. ويواصل الأوروبيون إحياء موجة خوف دائمة لمنع انتشار الإسلام. ومن أجل ذلك يهاجمون القرآن، والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم). 

ويحاولون نشر صورة زائفة عن المسلمين بأنهم مرعبون وماصّو دماء.

المسلمون بنوا وحموا؛ والأوروبيون أحرقوا ودمّروا!

فالمسلمون، على سبيل المثال، لم يحرقوا كتب الأوروبيين. وعندما حاول الأوروبيون إحراق كتبهم، كان الذين وقفوا في وجههم هم المسلمون!

لقد كان المسلمون عبر التاريخ هم من حفظوا كتب الأوروبيين، وأنبياءهم، وفلاسفتهم، وهم من لم يترددوا في الاستفادة منهم أثناء بناء عالمهم الخاص، كما أنهم هم من قدموهم إلى الإنسانية وعرّفوا بهم.

المسلمون بنوا وحموا؛ أما الأوروبيون فأحرقوا ودمّروا! 

فالأندلس، التي قدمت لأوروبا عالماً مشرقاً ساطعاً، ونجم الحقيقة المتلألئ، أسسها المسلمون وهدمها الأوروبيون.

لقد قدّم العثمانيون لأوروبا والبلقان لقرون طويلة العدالة والقانون والسلم والسلام، بينما حارب الأوروبيون لقرون من أجل محو الدولة العثمانية من التاريخ، ونجحوا في ذلك بمساعدة “الإيرلنديين بيننا”.

ومرة أخرى، يواصل الأوروبيون الحرق والتدمير؛ بينما يواصل المسلمون البناء والإحياء، وإنقاذ الأوروبيين من أزمة المعنى التي يعيشونها ومن الانهيار الروحي/الفلسفي… ولذلك فإن الإسلام هو مستقبل الإنسانية.

نبذة موجزة عن العداء الأوروبي للإسلام…

الإسلام هو أيضاً جزء من تاريخ أوروبا. بل هو جزء تأسيسي، لا هدّام.

وأوروبا أيضاً، في الحقيقة، جزء من تاريخ الإسلام. لكنها ليست كالإسلام جزءاً بنّاءً، بل جزءاً مفككاً، مدمّراً، ومُفْنياً.

لقد بلغ هذا التدمير ذروته أولاً مع الهجمات الصليبية. قد تكون الحروب الصليبية قد انتهت، لكن العقلية الصليبية لم تنتهِ، وبالنظر إلى الهجمات والمعاملة العنصرية التي يتعرض لها المسلمون في أوروبا اليوم، لا يبدو أنها ستنتهي.

فالعقلية الصليبية لا تزال حيّة، وتعود للظهور بين الحين والآخر بشكل خطير! وهي مستمرة، وإن اكتسبت أبعاداً علمانية، وتواصل تحديد طبيعة العلاقات بين الإسلام وأوروبا…

يحاول الأوروبيون منذ قرون إبعاد الإسلام عن أوروبا، ومحوَه من حياتها.

إن تاريخ العالم الممتد لألف عام هو تاريخ تشكّل بفعل العلاقات بين الإسلام وأوروبا. فالحروب الصليبية هي قصة اعتداءات أوروبا على الإسلام والعالم الإسلامي؛ أما عصر النهضة فهو قصة ما أخذته أوروبا من الإسلام.

إن الذي أعاد أوروبا إلى منابعها، والذي أسّسها، والذي دفعها إلى دخول التاريخ، هو الإسلام.

سواء عبر الحروب أو عبر العلاقات الثقافية والسياسية والتجارية، لعب الإسلام دور الفاعل الذي أسّس أوروبا، بينما لعبت أوروبا دور الفاعل الذي هدم الإسلام.

في علاقات الإسلام وأوروبا، لعب الإسلام دوراً مُوجِداً وبنّاءً؛ بينما تلعب أوروبا دوراً هدّاماً ومُفْنياً. كان الأمر كذلك حتى اليوم، ويبدو أنه سيستمر كذلك في المستقبل…

الآخر الذي أسّس أوروبا: الإسلام

عند النظر عن كثب إلى العلاقات بين أوروبا والإسلام، ووضع تجربة أوروبا مع الدين عموماً، ومع المسيحية خصوصاً تحت المجهر، سيتضح – بإذن الله – أن كل خطوة ستتخذها أوروبا ضد الإسلام، وكل خوف ستطوره، سيكون على عكس المتوقع نور أمل يفتح الطريق أمام الإسلام، ويشعل شرارة الأمل، ويمهّد لبناء عملية أسلمة أوروبا من الداخل، بشكل تلقائي، ويفتح أبوابها لذلك…

فالخوف لا ينفع عند حلول الأجل. 

لقد انتهت المسيحية في أوروبا. فالأوروبيون لم يتركوا المسيحية فحسب، بل مزّقوها إلى حد جعل من المستحيل أن تعيد أوروبا إلى رشدها.

كما أن الحداثة التي بنوها عبر هدم المسيحية قد انتهت أيضاً، ولم يعد لديها القوة الفكرية أو الطاقة أو الديناميكية التي يمكن أن تنهض بأوروبا.

أما ما بعد الحداثة، فهي مجرد محاولة لتأجيل موت أوروبا وانسحابها من التاريخ. وهي تعبير عن النهاية، عن زوال فكرة أوروبا وهويتها، وهي في ذاتها فلسفة نهاية وزوال.

قد يُسأل: هل يمكن لما بعد الحداثة – بما أنها فلسفة، أي محاولة للتفكير في الذات وفي ما يُنجز – أن تتيح لأوروبا فرصة إعادة ترتيب نفسها وإعادة إنتاج ذاتها؟ لكن لا جدوى من ذلك. لا جدوى، لأن استمرار وجود أوروبا، واستمرار الهيمنة الغربية في العالم، لا يعتمد على إعادة إنتاجها فلسفياً، بل على القضاء على القوى التي قد تواجهها وتهدد هيمنتها.

وهذه القوة هي الإسلام. فأوروبا لا تملك لا التجهيز الفكري، ولا نقاط المقاومة النفسية، ولا المؤسسات الدينية الراسخة التي يمكنها التمسك بها من أجل إيقاف تقدّم الإسلام.

لقد انهارت الكنيسة. وفقدت الحداثة قدرتها التفسيرية، وتركت مكانها لفلسفة ما بعد الحداثة التفكيكية الهدّامة.

وسأقول هنا أمراً قد يبدو مفاجئاً: لو كانت الأسس متينة، لكان التفكيك/التفكيكية يمكن أن يتحول من أداة هدم إلى إمكانية لإعادة البناء والتجديد. ويمكن للمسلمين، ما داموا لم يفقدوا عقيدتهم، أن يستفيدوا من دريدا بشكل مثمر للغاية. وتُعد أعمال الأستاذ الدكتور رجب ألب ياغيل، أحد أكثر فلاسفة بلادنا إنتاجاً ونشاطاً وخيالاً، مثالاً لافتاً وجميلاً على ذلك.

أوروبا حبلى بالإسلام…

لم يتخلَّ الأوروبيون أبداً عن عدائهم للإسلام، ولا عن العقلية الصليبية التي تهدف إلى القضاء عليه. ولذلك يحاولون منذ قرون إبعاد الإسلام عن أوروبا ومحوَه من حياتها…

وما دامت العقلية الصليبية لم تُقضَ عليها، فلن ينتهي العداء الأوروبي للإسلام، وستظل العلاقات بين أوروبا والإسلام تتخذ طابعاً عدائياً…

لكن هناك حقيقة أخرى أمامنا: 

أوروبا حبلى بالإسلام… ففي زمن انتهت فيه الكنيسة، واستُنزفت الحداثة، وحوّلت ما بعد الحداثة الجماهير إلى عبيد للثقافة الشعبية المضلِّلة، وانهارت فيه الأسرة، وتهدد فيه مستقبل البشرية بسبب موجة الشذوذ الجنسي المنحرف، وبلغت فيه الأزمة الروحية وأزمة المعنى ذروتها، أصبحت أوروبا أكثر من أي وقت مضى حبلى بالإسلام…

ولهذا، بعد 7 أكتوبر بثلاثة إلى أربعة أشهر فقط، أسلم 20 ألف شخص في فرنسا وحدها. 

في فرنسا فقط، وخلال 3-4 أشهر!

ولهذا يخاف الأوروبيون. إنهم يخافون بشدة لأنهم لم يتمكنوا من منع قدوم الإسلام! ولهذا تحاول أوروبا إعادة إنتاج نفسها عبر صناعة العداء للإسلام، وابتكار “آخر” مخيف!

وكلما ازداد العداء الذي يطوره الأوروبيون ضد الإسلام، تسارعت عملية أسلمة أوروبا بإذن الله. والسلام.