الأربعاء، 15 يوليو 2026

الخندق الآمن

الخندق الآمن

بقلم: أ.د. جمال عبدالستار
الأمين المساعد للاتحاد العالمي لعلماءالمسلمين


تتداعى الأمم على أمتنا، وتتشابك القضايا، وتتقاطع المصالح، وتتعدد الرؤى والمسالك، ويتطلع المسلمون إلى مسار، وتشرئبُّ أعناقهم إلى خندقٍ يحتمون فيه من لهيب المعركة، وطوفان التجريف الذي يتهدد الأمة في أي لحظة من ليلٍ أو نهار.

طوفانٌ يقسم الأمة إلى معسكر إيمانٍ لا نفاق فيه، ومعسكر نفاقٍ لا إيمان فيه، يتمايز فيه أهل الحق من الباطل، ويُفصل فيه الخبيث عن الطيب، فيهلك من هلك عن بينةٍ، ويحيى من حيَّ عن بينةٍ، وفق قانونٍ قرآنيٍّ مطردٍ لا استثناء فيه، قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17).

في هذا الوقت العصيب، تتطلع الأمة إلى خندقٍ يحتمي فيه المؤمن من غارات الكفر المتلاحقة، ومكره المتنوع، ونيرانه الحارقة، ومخططاته الماكرة، فمتى تجد هذا الخندق؟ وأين عساه أن يكون؟

خندق الاستسلام للكفر والطغيان

إن خندق الأمان لن يكون عند تلك الراية التي تنادي بالتماهي مع مخططات الأعداء، والاستسلام للواقع البئيس، وعدم الوقوف في وجه العاصفة، والرضا بالحد الأدنى من الوجود على هامش الحياة، أو على الأكثر الانخراط داخل منظومته لمحاولة تحقيق أي صورة من صور الإصلاح ولو كانت ضئيلة! لأن هذا مهادنةٌ للظلم حذَّرنا الله تعالى من الحد الأدنى منها، فقال سبحانه: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: 113)، وهو جهلٌ بمصير هذا الطوفان؛ لأنه مهما طال به المقام فهو إلى بوارٍ وخسران، قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۖ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

وقد وصف الله تعالى عاقبة قوم سارعوا إلى التماهي مع معسكر الكفر والطغيان، وحذَّرنا من مصيرٍ محتومٍ يلاقيهم، وسيعاقب به كل من سار على نهجهم في كل العصور والأزمنة، فقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).

و«عسى» في القرآن لحتمية التحقق وليست للرجاء، وكأن الله تعالى يُخبرنا أن مصير هذا المسار أنه سبحانه سيأتي بالفتح يقينًا، أو يجري حوادث مخالفةً لتوقعاتهم وتطلعاتهم، فيندموا بعد فوات الأوان، ويُكشف ما انطوت عليه نفوسهم الخبيثة من مرضٍ وجُبنٍ وخور.

خندق النفاق والمداهنة

إن خندق السلامة لن يكون كذلك بالانتساب لثلة المنافقين من أنظمة الاستبداد والطغيان الجاثمة على صدور الأمة، تهدر ثرواتها، وتُغلق أفواهها، وتُغير هويتها، وتَسلب إرادتها، وتَحرمها حريتها، وتستعبدها لخدمة المنظومة الدولية المارقة عن شرع الله ودينه، المعادية لمنهج الإسلام وقيمه، المحاربة لشريعته، المُغيِّرة لفطرته.

لن يكون بالتماهي مع منظومة النفاق في المنطقة حلاً ولا مخرجًا، بل سيكون إمعانًا في السقوط، وتماديًا في الهبوط، ومزيدًا من الخيبة والإخفاق، واستمرارًا لدفع مزيدٍ من أبهظ الأثمان، فلا أمان معهم، ولا صديق لهم، ولا مستقبل لوجودهم، فالله تعالى وعد بكشف أمرهم وفضح باطلهم، وصدق الله تعالى إذ يقول: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۖ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 9).

وقد حذَّرنا الله تعالى من مسلكهم حيث تحيط بهم العقوبة، ويُحجب عنهم النصير، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 145)، وعاقبتهم ستكون بجمع سكان خندقهم ومن انتسب إليهم مع خندق الكفار ومن لاذ بهم في النار، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء: 140).

خندق الإلحاد

لا أعتقد أن الهروب إلى خندق الإلحاد يقوم به عاقلٌ أو ينصح به راشد، فهو خندق الانتحار بمخالفة الفطرة والتمرد على رب الكون، والتنكر لقوانين الكون ودلائل الإيمان القاطعة، فيظن في أول أمره أنه نجا بمعزلٍ عن الآلام، ولكنه لم يدرك أنه سقط في الضنك الذي لا غنى بعده، والهمِّ الذي لا فرج بعده، والحزنِ الذي لا فرح بعده، والاضطرابِ الذي لا استقرار بعده، فيفقد طمأنينة الحاضر، ويتلظى بنيران الخوف من المستقبل، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ۖ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه: 124)، وقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31).

خندق الانسحاب

وهو خندق الانسحاب من ميدان التكريم بالاستعمال إلى خندق الانشغال بحظوظ النفس والصرف والاستبدال، والهجرة إلى حيث الدعة والتراخي، والبحث عن ترف الحياة والاستمتاع بها، معرضًا عن حمل الرسالة وتبليغ الأمانة وإقامة الدين، وعدم الاضطلاع بمهمة الاستخلاف الذي خلقه الله من أجلها، وسخَّر له ما في الكون لإعانته على النجاح في أدائها!

الهروب إلى خندق الانسحاب سماه القرآن تهلكة، حيث ورد أن بعض الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قالوا فيما بينهم خفيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها! فأنزل الله الخبر من السماء: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، ونَدَع الجهاد، فلم يكن الانسحاب أمانًا لأحد قط، قد قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).

خندق الأمان

اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، لا أمان في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، وهذا يقتضي أن نعضَّ على معالم الإيمان في قلوبنا بدوام التزكية القلبية وصدق التوكل على الله تعالى، منطلقين من قوله سبحانه: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) (إبراهيم: 12).

خندق الأمان يكمن في تجديد البيعة مع الإسلام بصدق الانتساب إليه، فيعلنها السالك بكل وضوحٍ وقوةٍ وصلابةٍ ومحبةٍ واعتزاز: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: 72)، بل يسأل ربه في كل وقت: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101)، ويكون شعاره: سأعيشُ معتصمًا بحبلِ عقيدتي وأموتُ مبتسمًا ويَحيا ديني.

المساهمة في صنع السفينة

إن الطوفان الذي يهدر بأمواجٍ من الفتن كالجبال ينادي الأمة بوجوب انحيازها لصناعة سفينة النجاة دون ترددٍ أو تلكؤ.

إن صناعة السفينة واجب الوقت وأمان المستقبل، شريطة أن يكون النص القرآني حاضرًا مع نوحٍ عليه السلام: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (هود: 37).

فأول الأمر يتطلب صدق التوكل على الله والاستعانة به (بِأَعْيُنِنَا)، وثانياً أن تُبنى السفينة وفق منهج الله وشرعته (وَوَحْيِنَا)، وليس وفق تبعياتٍ للفلسفات الأرضية والتوجهات الدولية والتطلعات الحزبية.

فعلى السالكين أن ينحازوا لأهل السفينة؛ فقائمٌ يخطط أول ملامحها على الأوراق، وعاملٌ ينحت، ومهندسٌ يرسم، وصاحب مالٍ ينفق، وعابدٌ يدعو، وعالمٌ يغرس المفاهيم، ونجارٌ يغرس المسامير، ومحترفٌ يضبط حركة الألواح، فإن لم تكن من صناع السفينة فكن من المنتسبين إليها أو الداعمين لها أو القائمين على حراستها أو صيانتها أو توفير الطعام لأهلها، ومن لم يبذل في صناعة السفينة جهده إعدادًا، فلن يُستخدم يوم الطوفان جهادًا.
وأخيراً أقول: لا تستصغر عملاً، لا تتردد في غرس كلمة الإسلام في روع طفلٍ ناشئ، ولا أن تُربي على منهج الإسلام جيلًا صاعدًا، ولا أن تنحاز لقيم الإسلام في مجتمعٍ ناشز، ولا أن تنشر الأمل بكلمة صدقٍ في مجتمعٍ بائس، انطلق وأعلنها بكل وضوحٍ دون تردد: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۗ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 56)، وتيقن أنك بالانحياز لخندق الإيمان قد فُزت بالوعد الرباني (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: 141).


عندما تموت الدول وهي تبتسم

  نقطة نظام

عندما تموت الدول وهي تبتسم


بقلم: أدهم شرقاوي



يقولون إن الموت يأتي على هيئة مرض، وهذا صحيح مع الأفراد.
أما الدول، فتموت وهي بكامل صحتها، تضحك، وتأكل، وتُقيم العروض العسكرية.
*لا تصدقوا أن روما سقطت لأن البرابرة كانوا أقوياء.*
روما سقطت لأن الرومان تعبوا من أن يكونوا رومانًا.
لأن القمح صار أهم من الشرف، ولأن الكولوسيوم صار أقدس من المعبد.

*التاريخ له قاعدة لا تتخلف:*

كل دولة تظن أنها الاستثناء… فتصبح العبرة.

*1. اسألوا بغداد عن هارون الرشيد.*
كان يخاطب السحابة: أمطري حيث شئتِ فخراجك لي.
وكان الغلام في سوق الوراقين يبيع كتابًا بدينارين، فيشتريه جاره بثلاثة ليهديه لابنه.
ثم جاء هولاكو.
هل كان هولاكو أقوى من الرشيد؟ لا.
لكن بغداد كانت قد نسيت لماذا كانت بغداد.
صار الفقيه يفتي للسلطان، والشاعر يمدح الجواري، وصار السيف زينة على الجدار.
فسقطت، والمكتبة تحترق، والنهر يصير أسود من الحبر.

*2. اسألوا قرطبة.*
كانت منارة الدنيا. الشوارع مضاءة، والماء يجري للبيوت، والنساء يبعن العطور في السوق بلا خوف.
ثم صار كل ملك طائفة يقول: أنا الأندلس.
فتقاتلوا، واستعانوا بالعدو على الأخ، فأكلهم العدو جميعًا.
*الدول لا يقتلها الغزو، يقتلها أن يرى الأخ أخاه عدوًا.*

*3. وانظروا اليوم.*
أمريكا أقوى من روما. تطبع الدولار، وتحرك الأساطيل، وتسمع صوتها في جيب كل مراهق في العالم.
لكن في داخلها: 40 مليونًا بلا طبيب، وخيمة على الرصيف اسمها “بيت”، وجمهوري يرى الديمقراطي شيطانًا.
روما سقطت والمصارعون يتقاتلون. أمريكا قد تسقط والسوبر بول شغال.

*وإسرائيل؟*
حدثوني عن دولة تملك النووي وتخاف من نفق.
تملك القبة الحديدية، ولا تملك قبة أخلاقية تحميها من دعاء مظلوم.
28% من شعبها يبحث عن جواز سفر ثانٍ. هذه ليست دولة، هذا فندق، الناس تريد المغادرة منه قبل أن ينقطع النور.
بن غوريون قال: “لا دولة يهودية تعيش 80 سنة”. لماذا؟ لأنه قرأ التوراة، وقرأ التاريخ.
التاريخ يقول: كل استعمار استيطاني يموت، وكل ظلم له نهاية، وكل قوة بلا عدل هي حطب لنارها.

*يا سادة:*
الدول لا تسقط يوم تنهزم جيوشها.
تسقط يوم تنهزم فكرتها.
يوم يصبح القاضي تاجرًا، والجندي مرتزقًا، والمعلم موظفًا، والوطن فندقًا.
يوم يصبح الظلم قانونًا، والصمت حكمة، والتصفيق للباطل ذكاء.

*القوي لا يسقط لأن عدوه قوي.*

يسقط لأنه صدّق أنه لن يسقط.
فرعون غرق وهو يقول “أنا ربكم الأعلى”. 
والنمرود مات ببعوضة.

هذه سنّة الله:
 *{فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}*.

فإذا رأيت الدولة تظلم وهي تضحك، وتقتل وهي ترقص، وتدعي الأخلاق وهي عارية…
فاعلم أن الطبيب الشرعي قد كتب التقرير، وما بقي إلا دفن الجثة.
*والسقوط… لا صوت له.*

أدهم شرقاوي
10 مايو، 2026

مضيق هرمز... صراع السيطرة والنفوذ

 مضيق هرمز... صراع السيطرة والنفوذ

لقد أصبح مضيق هرمز حلبة الصراع الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران، فالأخيرة تسعى للهيمنة على المضيق وهو ما يعد نقلة استراتيجية لها بعيدة ويعد عنوان نصرها، في حين تسعى الولايات المتحدة إن سحب تلك الورقة من يد الجمهورية الطامحة


"الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز"

هكذا نقل أحد المواقع الإيرانية هذه التصريحات عن قيادي في الحرس الثوري الإيراني، وأضاف سوف يكون المضيق مقبرة لترامب.
ولكن على الجانب الآخر، نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين: 
نتوقع أن تصدر إيران بيانا بفتح مضيق هرمز بعد اجتماع السبت في سلطنة عمان، وستكون هناك عواقب قاسية إن رفضت طهران إصدار البيان.

وهنا الحيرة، هل توقعات القيادي في الحرس الثوري الإيراني صحيحة؟

أم أنها جزء من البروباجندا الإيرانية المعتادة، والدعاية المعروفة في زمن الحرب؟

ولماذا الإصرار الأمريكي على فتح المضيق بدون قيد أو شرط؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة يجب معرفة أهمية ذلك المضيق، ولماذا تحول إلى بؤرة صراعات وحروب، ظهرت إلى السطح خاصة في أعقاب الضربات الأمريكية الصهيونية على إيران في نهاية فبراير الماضي.

هرمز بين الجغرافيا والسياسة



المضائق البحرية بصفة عامة هي ممرات مائية طبيعية ضيقة، تصل بين مسطحين مائيين كبيرين، وتفصل بين كتلتين يابستين.

تُعد المضائق من أهم نقاط الاختناق الجيوبوليتيكية في العالم؛ حيث تتحكم في خطوط الملاحة التجارية وحركة الأساطيل العسكرية، مما يجعلها مصدرا للنزاعات الدولية، وأوراق ضغط استراتيجية بيد الدول الساحلية المطلة عليها.

وفي حالة مضيق هرمز، تنبع أهميته المطلقة من كونه المنفذ البحري الوحيد لمنتجي النفط الكبار مثل العراق، والكويت، والبحرين، وقطر، والممر الرئيسي لمعظم صادرات السعودية والإمارات.

يعبر هذا المضيق يومياً أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام (ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي)، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. هذا الأمر يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيلاً برفع أسعار الطاقة العالمية فوراً، وتكبيد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة.

أما عن تسميته، فتتعدد الروايات التاريخية: أبرزها ارتباطه بمملكة هرمز التاريخية التي كانت مركزاً تجارياً مزدهراً، أو نسبةً إلى جزيرة هرمز. ويرجح البعض أن الاسم يعود لجذور فارسية محرفة عن اسم أهورامزدا أو لأسماء ملوك فرس.

وقد بدأ الاهتمام الاستراتيجي بهذا الممر منذ آلاف السنين؛ حيث استخدمته الحضارات القديمة كمعبر تجاري لسلع الشرق. وفي العصر الحديث، تصارع عليه البرتغاليون ثم البريطانيون للتحكم في طرق التجارة نحو الهند. 
ولكن الأهمية الاستراتيجية المعاصرة التي نراها اليوم تشكلت في النصف الأول من القرن العشرين، مع اكتشاف النفط بكميات هائلة في منطقة الخليج العربي، ليتحول المضيق من مجرد ممر تجاري إلى صمام أمان لاستقرار الاقتصاد الصناعي العالمي.

ولكن بالتوغل في تفاصيل جغرافية المضيق، سنكتشف أن تلك الجغرافية عامل مهم في تأجيج الصراع حوله.

يبلغ العرض الإجمالي لمضيق هرمز في أضيق نقطة له بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم العُمانية نحو 33 كيلومتراً (حوالي 21 ميلاً بحرياً). وبموجب القانون الدولي للبحار، تمتد المياه الإقليمية لأي دولة إلى 12 ميلاً بحرياً (نحو 22 كيلومتراً) من ساحلها. ونظراً لأن عرض المضيق أقل من 44 كيلومتراً، فإن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان تتداخل، مما يعني أن السفن تعبر المضيق بموجب ما يعرف بحق المرور العابر الذي يكفل حرية الملاحة.

يبلغ العرض الإجمالي للممر الملاحي النشط 9 كيلومترات فقط، ويتم تقسيمه إلى ممر للدخول (باتجاه الخليج) بعرض 3 كيلومترات، وممر للخروج (باتجاه المحيط) بعرض 3 كيلومترات، وتفصل بينهما منطقة عازلة بعرض 3 كيلومترات لمنع تصادم الناقلات.

ونظرا لضحالة المياه نسبياً بالقرب من الساحل الإيراني والتضاريس القاعية غير المنتظمة، تم تخطيط الممرات الملاحية العميقة القادرة على استيعاب ناقلات النفط العملاقة، لتكون أقرب بكثير إلى الساحل العُماني.

ولذلك فإنه من الناحية العملية، فإن ممرات الدخول والخروج تقع في مجملها داخل المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، بمحاذاة الرأس الصخري لشبه جزيرة مسندم.

ورغم أن الممرات في مجملها تقع في المياه العُمانية، إلا أن الجغرافيا، والطمع السياسي منحت إيران تفوقاً نوعيا، يجعلها قادرة على تهديد هذه الممرات وإحداث اشتباكات، وذلك لعدة أسباب:

أهمها، الجزر التي تتحكم فيها إيران، وهي سلسلة من الجزر الصخرية التي تمثل نقاط ارتكاز عسكرية متقدمة تطل مباشرة على الممرات العمانية، ومن أهمها جزيرة قشم (أكبر جزرالخليج)، وجزيرة لاراك، وجزيرة هرمز في قلب مدخل المضيق.


وقد قام الحرس الثوري الإيراني بتحويل هذه الجزر إلى قواعد عسكرية محصنة تضم شبكات رادار متطورة، ومنصات إطلاق صواريخ مضادة للسفن مخبأة في الكهوف الجبلية، والأهم من ذلك، العديد من الزوارق الهجومية السريعة. 

هذه الزوارق تستغل قصر المسافة للقيام بعمليات اعتراض، أو مضايقة، أو احتجاز للسفن التجارية خلال دقائق، ثم العودة سريعاً إلى قواعدها المموّهة.


كذلك تحتل إيران الجزر الثلاث المتنازع عليها مع الإمارات (أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى)، هذه الجزر والتي تقع على مدخل المضيق الغربي، تعمل كخط إنذار مبكر ونقاط تحكم إضافية تخنق مسار الناقلات حتى قبل وصولها إلى نقطة هرمز الضيقة.

إيران والمضيق


أحدثت التطورات الاستراتيجية التي أعقبت الضربة الأمريكية-الصهيونية المزدوجة في 28 فبراير شرخاً عميقا في مبادئ الاستراتيجية الإيرانية، مما دفعت إيران إلى إعادة تقييم أدواتها الرادعة. ولذلك فإن التصريحات المتعلقة بأن الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز، وأن المضيق سيكون مقبرة لترامب، لا يُعد مجرد تصعيد كلامي معتاد، بل يمثل تحولاً جذرياً يعبر عن تحول كبير في الإدراك الإيراني، وتقييم المخاطر، وتغيير في حسابات التكلفة والعائد.
فقبل الحرب الأخيرة، لم تكن إيران تفكر فعلياً في الإغلاق التام للمضيق، بل استخدمته كأداة للردع الكلامي، وكساحة تحارب لعمليات منع مرور (مثل احتجاز الناقلات أو مضايقتها بالزوارق السريعة).

فإيران كانت تعتقد أن إغلاق المضيق يعني خنق الاقتصاد الإيراني ذاته، باعتباره شريان تصدير النفط الإيراني، ويعني في الوقت نفسه استدعاء حرب شاملة ومباشرة مع الولايات المتحدة.

ولكن ضربة 28 فبراير غيرت المعادلة. إذ استشعرت القيادة الإيرانية أن تلك الحرب كما هو كان معلنا، تستهدف تغيير النظام، ومنعها التام من تصدير النفط، وليس مجرد عقاب محدود، لذلك فإنه يجب عليها تفعيل ما يطلق عليه الخيار شمشون، والذي يعني إغلاق المضيق باعتباره الورقة الأخيرة المتبقية لفرض شلل كامل في سلاسل الإمداد العالمية، وإجبار القوى الكبرى على التدخل لوقف التصعيد لمنع انهيار الاقتصاد الكلي العالمي.

كذلك فإن هدف التصعيد الإيراني في هرمز كما ظهر في تصريحات قيادات الحرس الثوري يحمل اعترافا ضمنيا، بأن معادلات وتوازنات الجمهورية الأولى والتي تأسست عام 1979، واعتمدت على تصدير الثورة والميليشيات الوكيلة، قد استُنزفت أو تعرضت لضربة قاصمة.

ولذلك لضمان بقاء النظام، تحتاج القيادة إلى صدمة تأسيسية جديدة تعيد توحيد الجبهة الداخلية، وتعيد صياغة شرعية النظام على أسس عسكرية جديدة في مواجهة تهديد وجودي مباشر.

وفي هذا الخطاب، يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي أو نقطة اختناق جغرافية، إلى قدر ساخن بتوليفة سياسية وعسكرية، يُعاد فيه صياغة شكل الدولة الإيرانية ومكانتها الإقليمية. فالمعركة هناك وفق التصور الإيراني أصبحت حرب استقلال ثانية، وليست مجرد اشتباك حدودي. وهناك أمر ثالث في تصريحات قيادة الحرس الثوري وهو وصف تلك الحرب بأنها باتت مقبرة ترامب.

فتلك الإشارة المباشرة إلى ترامب تعكس فهماً إيرانيا دقيقاً لنقاط الضعف في السياسة الأمريكية.

فإيران فهمت أن الإدارات الأمريكية، وخاصة تلك التي تركز على الاقتصاد الداخلي وحركة الأسواق، شديدة الحساسية تجاه أي صدمات تتعلق بارتفاعات في أسعار الطاقة.

فإيران باتت تخطط نظرياً لرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية للضربة المزدوجة إلى مستوى لا يمكن للإدارة الأمريكية تحمله داخلياً، من خلال نشر الألغام البحرية، واستخدام أسراب الطائرات المسيرة، وبطاريات الصواريخ الساحلية المضادة للسفن انطلاقاً من جبال قشم ولاراك، لتحويل الممر الذي يبلغ عرضه 3 كيلومترات إلى فخ مميت للقطع البحرية والناقلات.

فالهدف هنا ليس تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إحداث هزيمة اقتصادية استراتيجية للولايات المتحدة تطيح بأي مكاسب استراتيجية تحققت من ضربة 28 فبراير.

فالنظام الإيراني، وفي القلب منه الحرس الثوري أصبح يدرك أن بقاء النظام بات يتطلب أدوات ردع صفرية لم تُستخدم من قبل.

الإصرار الأمريكي


عند التأمل في المهلة الأمريكية الصارمة التي تنتهي يوم السبت، لإعلان فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه، والتي ترافقت مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه آلاف الصواريخ نحو أهداف إيرانية تحسباً لأي تصعيد، تمثل ذروة حافة الهاوية بين أمريكا وإيران.

هذا الإصرار الأمريكي القاطع على فتح المضيق دون قيد أو شرط، وعدم قبول أي مساومات، لا ينطلق من فراغ، بل يحكمه محددان حاسمان:

1. إسقاط سلاح الابتزاز الاستراتيجي الإيراني، خاصة أنه قبل الحرب لم تكن إيران تفكر اساسا في إغلاق المضيق.

فالولايات المتحدة تدرك أن إيران تسعى لاستغلال المضيق كورقة مساومة لفرض شروطها وحماية أذرعها في المنطقة، مثل وقف الحرب في لبنان، والحفاظ على برنامجها النووي، أو إجبار السفن على دفع رسوم واتباع بروتوكولات إيرانية.

وقبول أمريكا من هذه الزاوية بفتح المضيق بالشروط الإيرانية، يعني اعترافاً دولياً ضمنياً بأن إيران تمتلك سيادة التحكم في هذا الشريان العالمي.

هذا التنازل من شأنه أن يدمر المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الهيمنة الأمريكية العالمية وهو ضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية، ويشجع قوى أخرى (مثل الصين في بحر الصين الجنوبي) على استنساخ نفس التكتيك.

2. وقف النزيف الاقتصادي وحسابات الداخل الأمريكي

فالأزمة وإغلاق المضيق تسبب في أشد اضطراب لسلاسل الإمداد في التاريخ الحديث، حيث يحتجز المضيق خلفه 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال. ومع طول أمد الأزمة، بدأت الأسواق العالمية تشهد اختناقات حادة في إمدادات الطاقة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. الأمر الذي أحدث ركوداً اقتصادياً بسبب أزمة طاقة، مما يجعل عامل الوقت حرجاً للغاية ويستوجب حسماً فورياً وليس تفاوضاً ممتداً.

في المحصلة، الإصرار الأمريكي ليس مجرد عناد سياسي، بل هو قرار حاسم بكسر استراتيجية الردع غير التقليدية الإيرانية في مهدها؛ لأن نجاح إيران في فرض شروطها لفتح المضيق سيعني تغييراً أبدياً في توازن القوى بالشرق الأوسط لصالحها.

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

التصدي الشعبي في 15 يوليو يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية

 التصدي الشعبي في 15 يوليو يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية

الشعب التركي خرج إلى الشوارع وأفشل المحاولة الانقلابية عام 2016 

وقعت إحدى أكثر محاولات الانقلاب قسوة في التاريخ السياسي التركي قبل عشرة أعوام، في الـ15 من يوليو/تموز 2016.

وكان هدف هذه المحاولة، التي نفذتها شبكة إرهابية تسللت بمكر إلى مؤسسات الدولة، جر تركيا إلى حالة من الفوضى طويلة الأمد، وإخضاع مستقبل شعبها لهيمنتها.

بيد أن شعبنا الأبي، الذي تمسك باستقلال وطنه ومستقبل أمته، تصدى للانقلابيين بمقاومة بطولية، معلنا أمام العالم أجمع أن الإرادة الوطنية في هذه الأرض لا يمكن أن تستعبد أو تصادر.

ولا شك أن ما أظهره الشعب التركي في ليلة الـ15 من يوليو/تموز من حكمة وشجاعة وبصيرة يعد حدثا فريدا في تاريخ الديمقراطية العالمية.

لقد كانت هذه المحاولة الخائنة، التي نفذها تنظيم غولن الإرهابي (فتو)، تتجاوز كونها انقلابا عسكريا تقليديا، إذ مثلت محاولة احتلال شاملة هددت استقلال بلادنا وسيادتها.

وكان الهدف الأول للانقلابيين هو المجمع الرئاسي ومجلس الأمة التركي الكبير، بوصفهما المؤسستين اللتين تجسدان الإرادة الوطنية واستقلال الشعب التركي.

وفي التصريح الذي أدليت به ليلة الـ15 من يوليو/تموز، أكدت أنني لم أؤمن يوما بوجود قوة تفوق قوة الشعب. وقد قلت ذلك وأنا على يقين بأن الشعب التركي سيحمي إرادته الحرة.

لقد اتخذنا خطوات راسخة نحو بناء مستقبل أكثر ازدهارا من خلال المشاريع التي أطلقناها في قطاعات الطاقة، والنقل، والصحة، والزراعة، والتكنولوجيا، والدفاع، وذلك في إطار نضالنا ضد محاولة الانقلاب التي استهدفت أيضا الرفاه الاقتصادي والتنمية في بلادنا

وبالفعل، فقد خرج أبناء شعبنا في تلك الليلة إلى الشوارع بإيمان راسخ وثقة كبيرة بالنفس، رافضين الخضوع لهيمنة العصابة الإرهابية.

وقد خاض شعبنا، دفاعا عن استقلال وطنه، ومكتسباته الديمقراطية، وإرادته الحرة، مقاومة باسلة ضحى فيها بالغالي والنفيس، حتى تمكن من دحر الانقلابيين، مسطرا ملحمة وطنية في صون الإرادة الشعبية ستظل مصدر فخر تتناقله الأجيال.


استلهمنا من الموقف الشجاع الذي أبداه شعبنا العزم على التحرك سريعا لإزالة الآثار السلبية التي خلفتها هذه المحاولة الخائنة.

وبادرنا على وجه السرعة إلى تنفيذ إصلاحات هيكلية تكفل تجريد أي تشكيلات داخل مؤسسات الدولة من قدرتها على تهديد سير العمل الديمقراطي عبر وسائل خارجة عن الإطار السياسي.

وعقب ذلك، حققنا نجاحات حاسمة في العمليات التي نفذناها داخل البلاد وخارجها، في إطار إستراتيجيتنا الرامية إلى القضاء على التنظيمات الإرهابية الأخرى التي واجهناها.

وفي نهاية المطاف، أطلقنا مبادرة تركيا خالية من الإرهاب، بوصفها صفحة جديدة في مسيرة وحدتنا وتلاحمنا الوطني.

ويعد هذا المسار أحد المرتكزات الأساسية لرؤية المئوية التركية، وهو يمضي، بفضل الله، بخطى واثقة نحو تحقيق أهدافه، مستندا إلى نهج شامل واحتوائي، وإلى الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية المختصة، فضلا عن الدعم الذي تقدمه المؤسسات السياسية.

وأؤمن بأن نجاح مسار تركيا الخالية من الإرهاب لن ينعكس إيجابا على أمن واستقرار بلادنا فحسب، بل سيسهم أيضا في تعزيز السلم والاستقرار في منطقتنا.

لم نتردد في تحمل مسؤولياتنا من أجل إرساء السلام والاستقرار، فوقفنا في جميع مناطق الأزمات إلى جانب المظلوم وصاحب الحق، لا إلى جانب الأقوى

لقد اتخذنا خطوات راسخة نحو بناء مستقبل أكثر ازدهارا من خلال المشاريع التي أطلقناها في قطاعات الطاقة، والنقل، والصحة، والزراعة، والتكنولوجيا، والدفاع، وذلك في إطار نضالنا ضد محاولة الانقلاب التي استهدفت أيضا الرفاه الاقتصادي والتنمية في بلادنا.

وخلال السنوات العشر الماضية، أحرزنا طفرة نوعية في صناعات الدفاع والطيران والفضاء عبر المبادرة الوطنية للتكنولوجيا.

كما طورنا أنظمة نقل كهربائية وذكية، وعملنا على تنفيذ استثمارات كبيرة في مجالي الصحة والزراعة، سعيا إلى أن نكون على قدر التضحيات التي قدمها شعبنا.

وخلال هذه المرحلة، واصلنا أيضا تطوير المنتجات التي أصبحت علامة تجارية تحظى بتقدير واسع على المستوى العالمي. ومن أبرزها السيارة الكهربائية "توغ" "TOGG"، والطائرة القتالية الوطنية "كآن" "KAAN"، والكورفيتات الوطنية، والطائرات المسيرة.

ومن جهة أخرى، وخلال السنوات العشر التي مضت، برزت تركيا، بفضل نهجها القائم على الدبلوماسية المبادرة، بوصفها فاعلا مؤثرا في إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات على المستويين الإقليمي والدولي.

ولم نتردد في تحمل مسؤولياتنا من أجل إرساء السلام والاستقرار، فوقفنا في جميع مناطق الأزمات إلى جانب المظلوم وصاحب الحق، لا إلى جانب الأقوى. وكلما وقع ظلم أو انتهاك للعدالة، كانت تركيا صوتا للقانون الدولي، والعدالة، والضمير الإنساني.

وإذا كانت تركيا اليوم تعد دولة يعول على إسهاماتها في القضايا الإقليمية والدولية، وتحظى كلمتها بالثقة، وتؤخذ آراؤها بعين الاعتبار، فإن الفضل في هذا الإنجاز يعود إلى الإرادة الراسخة لشعبنا الأبي، الذي دافع، مضحيا بنفسه، عن استقلال وطنه ومستقبل أمته في ليلة الـ15 من يوليو/تموز.

خلال السنوات العشر التي مضت، برزت تركيا، بفضل نهجها القائم على الدبلوماسية المبادرة، بوصفها فاعلا مؤثرا في إيجاد الحلول للأزمات والنزاعات على المستويين الإقليمي والدولي

لا تزال مكافحة الإرهاب، التي تتطلب تعاونا دوليا، تأتي في مقدمة جدول أعمال سياستنا الخارجية. وكما هو معلوم، فقد تسارعت خلال العامين الماضيين وتيرة التفكك الداخلي في البنية الخارجية لتنظيم غولن الإرهابي (فتو). ومع ذلك، فإننا على علم أن بعض الدول لا تزال، ولو بصورة غير معلنة، تقدم الدعم لهذا التنظيم وتؤوي عناصره.


وأود بهذه المناسبة أن أؤكد ضرورة توخي الحذر إزاء تنظيم غولن الإرهابي (فتو)، الذي لا يتورع عن سلوك أي سبيل لتحقيق أهدافه، ويتخفى في شتى الصور، ويستغل مفاهيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وغيرها من القيم لتحقيق مآربه.

وبوصفنا شعبا فقد في ليلة 15 يوليو/تموز 253 من أبنائه كشهداء على يد الانقلابيين، فإن تطلعنا الأساسي إلى المجتمع الدولي يتمثل في دعم نضال تركيا المشروع.

وبوصفنا شعبا استشهد 253 من أبنائه على يد الانقلابيين في ليلة الـ15 من يوليو/تموز، فإننا نتطلع إلى أن يساند المجتمع الدولي النضال المشروع الذي تخوضه تركيا.

فإرساء السلام والأمن والازدهار على المستوى العالمي لن يتحقق إلا من خلال مكافحة حازمة لا هوادة فيها ضد التنظيمات الإرهابية، دون أي تمييز، وبالاستناد إلى تعاون صادق.

سيرة الخراب: من عباءة ابن خلدون إلى صرخة المتنبي

سيرة الخراب: من عباءة ابن خلدون إلى صرخة المتنبي




أحمد الشريفي
"القوة العارية لا تحفظ دولة"

الحضارات لا تموت غيلةً، بل تنتحر صمتاً، فالخراب الأكبر لا يطرق أبواب الأمم بهتافات الفاتحين أو قعقعة السلاح عند الثغور، بل يتسلل في عتمة الوعي كمرضٍ استيطانيّ ينهش أوتادها الأخلاقية خيطاً بعد خيط، حتى إذا ما تآكل الجوهر، هوى السقف بضربة كفٍّ عابرة.

السقوط في جوهره ليس مشهداً عسكرياً يتصدر فصول النهاية، بل هو زلزال بنيويّ يبدأ يوم يصبح الظلم ناموساً مبرراً، ويتحول التملق إلى صكّ نجاة وحيد، ويغدو الحق حماقةً تُورث صاحبها الشقاء والعزلة، بينما يُتوّج الانتهازي بطلاً حكيماً في محافل الدهماء والساسة، إنها شفرة الفناء الحتمي؛ القانون الصارم الذي لا يتبدل بتبدل العصور، بل يعيد إنتاج مآسيه بأسماء مستعارة تحت شمس كل حاضر مأزوم.

ولأن الحاضر ليس إلا صدى لصلصلة الماضي، فإننا نمزّق حجاب الزمن لنستنطق ثلاثة أقانيم فكرية، امتلكت عيوناً زرقاء رأت الانهيار قبل وقوعه بقرون: عبد الرحمن بن خلدون الذي وضع مشرطه على عصب السلطة وهرم الدولة، وأبو عثمان الجاحظ الذي عرّى سيكولوجيا النفاق في قاع المجتمع، وأبو الطيب المتنبي الذي صاغ بنبض دمه صرخة العقل المغترب في زمن الموازين المقلوبة.

من هنا، من نقطة التماس بين النبوءة التاريخية والواقع المعاش، نفتح كتاب الخراب.

ابن خلدون: هندسة الاستبداد وتفكيك العمران
عبد الرحمن بن خلدون الذي وضع مشرطه على عصب السلطة وهرم الدولة، وأبو عثمان الجاحظ الذي عرّى سيكولوجيا النفاق في قاع المجتمع، وأبو الطيب المتنبي الذي صاغ بنبض دمه صرخة العقل المغترب في زمن الموازين المقلوبة

لم يكن عبد الرحمن بن خلدون مجرد مؤرخ يجمع أخبار الملوك ويحصي سنوات الحروب، بل كان فيلسوفاً يبحث عن العصب المحرك للتاريخ، وللتاريخ عادة لا يملّها، وقد نظر إلى الدولة بوصفها كائناً حياً، يمر بأطوار طبيعية من النشأة والازدهار ثم الهرم والانحلال.

وفي قلب نظريته الفلسفية يقبع مفهوم العصبية؛ تلك الرابطة الاجتماعية والديناميكية التضامنية التي تمنح الجماعة قدرتها على التماسك والتعاون والدفاع عن وجودها، في البدايات، تكون العصبية طاقة بنائية تجمع القلوب حول هدف مشترك، وبها تشاد الدول وتثبت أركان العمران.

لكن العبقرية الخلدونية تتبدى في كشف الخطر الكامن في هذه القوة ذاتها؛ فالسلطة حين تستقر وتتذوق حلاوة الانفراد بالحكم، تبدأ بالانفصال التدريجي عن قاعدتها الأخلاقية والاجتماعية، إذ تتحول العصبية هنا من أداة حماية وبناء إلى وسيلة قهر وإقصاء.

وهنا يصف ابن خلدون تحولاً خطيراً في سلوك السلطة: إذ تعمد فئة الحكم إلى هندسة مشهد انشطاري حاد يقسم الفضاء العام إلى خندقين لا يلتقيان؛ خندق الموالين الخالصين الذين تُغدق عليهم الامتيازات والعطايا؛ لا لكفاءة يملكونها بل لشدة ولائهم المعصوم، وخندق المستقلين أو المعارضين الذين تسلط عليهم سياط التخوين والتهجير بمجرد إبدائهم أدنى اختلاف في الرأي. عبر هذا الشرخ المفتعل، يُضرب السلم الأهلي في مقتل، ويُعاد تعريف الاستقرار في الوعي السائد ليصبح مرادفاً لبقاء فئة معينة في الحكم، ويتحول الوطن بكليّته ليُختزل في شخص أو دائرة ضيقة.

هذا الانحراف الهيكلي الذي تعيشه المجتمعات الحديثة، حين تتحول المؤسسات إلى قطاعات ولاء ومحسوبية، هو ما صاغه ابن خلدون في قاعدته الخالدة: "الظلم مؤذن بخراب العمران".

والظلم في المنظور الخلدوني ليس مجرد اعتداء فردي أو مصادرة مال، بل هو التفكيك الممنهج لعقد الثقة الجماعي. عندما يوقن الناس أن القوانين تُفصَّل لحماية النخبة المستأثرة وتجريد العامة من حقوقهم، يموت حافز الإنتاج، وينطفئ الطموح المشترك، ويتحول المجتمع من فضاء حي للابتكار والمشاركة إلى زنزانة كبيرة محكومة بالوجل والترقب.

إن الدرس الأخطر هنا هو أن القوة العارية لا تحفظ دولة؛ فالهيكل البرّاق للقصور والجيوش لا يخفي حقيقة التآكل الداخلي، والسقوط الحتمي ينتظر كل سلطة استبدلت شرعية العدل بوهم القوة.

الجاحظ: سيكولوجيا الزيف وتحوّل النفاق إلى عُرف جمعيّ

إذا كان ابن خلدون قد فكك حركة التاريخ والدولة من الأعلى، فإن أبا عثمان الجاحظ اقترب من الأرض أكثر، ليتأمل حركة المجتمع من الأسفل؛ متتبعاً سلوكيات البشر، وتشوهاتهم النفسية، وتناقضاتهم اليومية في الأسواق والمجالس وبلاطات الحكام.

لم يكن الجاحظ مجرد لغوي أو قاص ساخر، بل كان رائد المدرسة السيكولوجية في تشريح الزيف الجمعي، لقد أدرك بعمق أن الخراب الأخلاقي لا يكتمل حين يرتكب الفرد ذنباً أو يمارس نفاقاً عابراً، بل حين تُهيأ للمجتمع بيئة ونظام كامل يتبنى النفاق كعُرف وثقافة عامة يُكافأ صاحبها ويُعاقب من يرفضها.

في كتابه البيان والتبيين، يربط الجاحظ ربطاً وثيقاً بين فساد الأخلاق وفساد اللسان، ويرى أن أولى علامات خراب المجتمعات هي انحراف الكلمة، وتحول البلاغة من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لطمسها وتزيين الباطل، فالنفاق في التحليل الجاحظي هو صناعة ثقيلة تتطلب تلوناً مستمراً، وفي ذلك يقول في رسائله موصفاً تغلغل التصنع: "إن من نكد الدنيا أن يتصنّع المرء لغير طبعه، ويتحلّى بخلاف صفته، ليقضي حاجةً في نفس غيره.. فإذا كثر المتصنّعون، هلكت الطبائع، وبطلت الحقائق".

حين يتكاثر هؤلاء "المتصنعون" في المجتمع، تنقلب المعايير بنيوياً؛ فتُعد الصراحة خُرقاً وحماقة، وتُسمى النزاهة عجزاً وفشلاً في التدبير، بينما يُحتفى بالانتهازية وتملق أصحاب الجاه بوصفهما ذكاءً اجتماعياً ومرونة في الحياة.

هذا التشوه البنيوي يتقاطع مباشرة مع واقعنا المعاصر؛ حيث تعيد الفضاءات المؤسسية ووسائل التواصل الاجتماعي إنتاج هذا الرياء الجمعي عبر خوارزميات وآليات تكافئ مَن يجيد تجميل الأقنعة وصناعة المظاهر على حساب الجوهر والكفاءة.

وفي كتابه البخلاء، يتجاوز الجاحظ رصد الشح بالمال ليرصد الشح بالحق والفضيلة، إذ إن أخطر مراحل الانحلال المجتمعي عند الجاحظ ليست في ظهور الفاسد أو المنافق، بل في الألفة؛ أي عندما يصبح الفساد مألوفاً، ويغدو الزيف لغة تفاهم مشتركة يتواطأ عليها الجميع بصمتهم. عندها، يفقد المجتمع قدرته على التصحيح الذاتي، ويسود الخوف من مواجهة الأخطاء، فتصبح الكلمة الصادقة غريبة، ويتحول الصادق إلى تهديد للسلم الوهمي الذي بناه المنافقون لحماية مصالحهم.

المتنبي: اغتراب الوعي أمام الموازين المقلوبة

ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ    
                    وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمِ

بهذه الصرخة الوجودية التي تتجاوز حدود الشعر لتصبح حكماً فلسفياً، يلخص أبو الطيب المتنبي مأساة الإنسان الواعي في بيئة طاردة للفكر ومحاربة للتميز، لم يكن بذلك شاهداً عادياً على عصره، بل كان تجسيداً حياً لصراع الكفاءة ضد الادعاء، واستحقاق العقل ضد حظوة التملق.

المشكلة في منظور المتنبي لا تكمن في الجهل بوصفه غياباً للمعرفة، بل في مأسسة الجهل؛ أي عندما يغدو الجهل صاحب نفوذ وسلطة وصوت مسموع، في حين يُدفع بأصحاب العقول والهمم العالية إلى الهامش لأنهم يأنفون من الانحناء ويفشلون في إتقان طقوس المداراة والرياء.

إن مرارة المتنبي تنبع من إدراكه لآليات الصعود الاجتماعي في زمن الرداءة؛ حيث يرى بوضوح كيف تُفتح الأبواب لمن لا يملك من مؤهلات سوى مرونة الرقبة وقدرة اللسان على الثناء الكاذب، بينما يُترك الحر في مواجهة شظف الواقع وعزلة الوعي.

وينقلنا المتنبي إلى عمق معاناة المثقف المستقل الذي تضطره تفاصيل الحياة إلى مداراة واقع لا يشبهه، ومجاملة شخوص لا يقدرون قيمته:

وَمِن نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الحُرِّ أَنْ يَرَى   
                       عَدُوّاً لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ

الانهيار المدوي للأمم لا يحدث في لحظة سقوط الجدران أو هزيمة الجيوش، بل يولد ويكتمل في ذلك اليوم الهادئ الذي يرى فيه الناس الخطأ والظلم رأي العين، ثم يختارون، بمحض إرادتهم وطواعية نفوسهم، أن يتعايشوا معه ويسمّوا هذا التعايش حكمةً وذكاءً

هذا النكد الدنيوي هو التعبير الأبلغ عن ضريبة الوعي؛ إذ يتحول العقل المبدع من طاقة دافعة للمجتمع إلى عبء على صاحبه. إن شعر المتنبي يظل حياً وعابراً للأزمنة لأنه يلمس هذا الصراع الأزلي: رداءة تنتصر لا لقوة ذاتية فيها، بل لأن المنظومة الفاسدة تجد راحتها الفكرية في طاعة الجاهل وهدوء المستكين، وتخشى من أسئلة العقل الحر التي تحرك البرك الراكدة وتكشف التناقضات المخفية خلف الستائر.

شفرة التاريخ: الدائرة المغلقة للخراب

إن القيمة الحقيقية في تتبع أفكار هذا الثلاثي؛ ابن خلدون والجاحظ والمتنبي، تكمن في اكتشاف الشفرة التاريخية التي تعيد إنتاج نفسها في كل عصر تتطابق فيه الأسباب والمقدمات، إن الخراب لا يولد فجأة، بل يتحرك في دائرة مغلقة تتغذى أجزاؤها على بعضها البعض:

[سلطة مستبدة تنبذ الكفاءة وتعتمد الولاء] ابن خلدون
↓           
[مجتمع يتواطأ مع الزيف ويتخذ النفاق ثقافة للبقاء] الجاحظ  
↓ 
[بيئة خانقة تطرد العقول الحرة وتكرس اغتراب الوعي] المتنبي

تبدأ الدائرة من الأعلى حين تفقد السلطة توازنها الأخلاقي وتستبدل العدالة بالمحسوبية، فتنتقل العدوى تلقائياً إلى الجسد الاجتماعي في الأسفل، ليتحول النفاق والتلون إلى استراتيجية عامة للبقاء اليومي يتواطأ عليها الناس، وينتهي الأمر حتماً بإنتاج بيئة خانقة ومغتربة لأصحاب الكفاءات والعقول، فيُهمش المصلحون ويُقدم الانتهازيون.

إن سيرة الخراب ليست قصة تاريخية تُروى للتسلية، بل هي تحذير فكري مفتوح لكل مجتمع يريد النجاة، فالانهيار المدوي للأمم لا يحدث في لحظة سقوط الجدران أو هزيمة الجيوش، بل يولد ويكتمل في ذلك اليوم الهادئ الذي يرى فيه الناس الخطأ والظلم رأي العين، ثم يختارون، بمحض إرادتهم وطواعية نفوسهم، أن يتعايشوا معه ويسمّوا هذا التعايش حكمةً وذكاءً.



حروب ترامب.. وانهيار النظام الإقليمي

حروب ترامب.. وانهيار النظام الإقليمي
بادرت إيران -وبعد الهدنة مباشرة- بقصف دول الخليج، كما بادرت إسرائيل بقصف لبنان! 
في غياب شبه تام لدور مصر والجامعة العربية، وهو بمثابة إعلان رسمي عن نهاية النظام العربي والإقليمي في الخليج الذي تشكل برعاية بريطانية سنة 1945م للحفاظ على مستعمراتها ومحمياتها في العالم العربي التي خضعت لها منذ الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918م، ثم برعاية أمريكية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية 1948م حتى اليوم!

وأمام شعوب الأمة عامة، وشعوب المشرق العربي خاصة، فرصة تاريخية بعد هذا الاصطدام بين كلا المشروعين (الأمريكي الصهيوني – الروسي الإيراني) المهددينِ لها ولشعوبها -بعد نصف قرن من التخادم بينهما، وفي ظل نظام عربي وظيفي خارج دائرة التأثير في الأحداث، وجماعات إسلامية ونخب سياسية بلا مشروع، بل تحولت إلى رأس حربة تخترق هذه المشاريع المتصارعة الأمة وشعوبها بها لتهدد وجودها ودينها كما جرى للشعب السوري في ظل الاحتلالين الروسي الإيراني، وللشعب العراقي في ظل الاحتلالين الأمريكي الإيراني- أن تمضي لشق طريقها نحو مشروع الأمة التاريخي، بعد أن ثبت بأن مشروع الدول الوطنية في العالم العربي -برعاية الحملة الصليبية- لم يحقق أدنى شروط الأمن والاستقرار لشعوبها، إذ لم يبق شعب عربي لم يتعرض خلال نصف قرن لحرب وجودية خارجية أو داخلية، ولم تستطع أي من دوله الوطنية التصدي لها وتجاوزها بقوتها الذاتية إلا بحماية خارجية غربية تعزز من نفوذ الوجود الأمريكي الأوربي أو الروسي الصيني!

وقد كشفت هذه الحرب:

١ –
أن الصراع في حقيقته هو بين القوى الدولية نفسها، وما إيران إلا ساحة من ساحات الصراع الدولي كأوكرانيا، وقد جاء الفيتو الروسي الصيني ليؤكد أن المشروع الإيراني كان يتمدد في المنطقة بتفاهم أمريكي روسي (كما في العراق ٢٠٠٣ ثم في سوريا ٢٠١٢) حتى إذا اختلفا صارت إيران نفسها ساحة الصراع، وهي أكبر بلد مركزي في المشرق الإسلامي فلم تستطع حماية شعبها، ولا أجوائها، ولا مقدرات شعبها وثرواته، حيث استباحها الطيران الأمريكي الصهيوني بشكل كامل تماما، كما استباح غزة من قبلها، وكشفت الحرب بأنه لا فرق بين أكبر دولة في المنطقة وأصغرها أمام القوى الدولية، ولولا الفيتو الروسي الصيني لربما كان الوضع الإيراني أشد كارثية، بعيدا عن ضجيج النظام الإيراني الذي ضحى بإيران بلدا وشعبا من أجل بقائه في السلطة، بينما انسحبت حكومة إمارة أفغانستان سنة ٢٠٠١ من المدن إلى الجبال بعد أسبوعين فقط من الغزو الأمريكي حفاظا على أفغانستان وشعبها، لتخوض معه معركة التحرير عشرين سنة توجت بالنصر وهزيمة الولايات المتحدة وحلف النيتو، وعادت الإمارة الإسلامية لتحكم أفغانستان مرة أخرى، وكانت هذه الهزيمة هي بداية الانهيار الأمريكي وتراجع نفوذه وليست حرب إيران التي قد تعزز النفوذ الأمريكي إذا وافقت على شروط ترامب!

٢- أصبحت شعوب جزيرة العرب ودول الخليج العربي في هذه الحرب بين فكي كماشة، بعد أن حاول كلا الطرفين جرها إلى الحرب، وتبين لدولها أن الرهان على حماية القواعد الأمريكية كان رهانا خاسرا، وجعلها تحت ابتزاز الكابوي الأمريكي والذي كان وراء العدوان والقصف الإيراني العراقي لها!

٣- أثبتت الحرب أن شعوب الخليج العربي قادرة على حماية أرضها والدفاع عنها، ولا تحتاج إلا إلى حكومات راشدة تمثلها، وتعبر عن هويتها ودينها، وتراعي خصوصية جزيرة العرب الإسلامية، وتحافظ على مصالحها وثرواتها، وتحقق وحدتها بعيدا عن النفوذ الأمريكي الأوربي الروسي.

٤- أن اتحاد دولها بات ضرورة وجودية، ولا مجال لتعريض جزيرة العرب للأخطار الخارجية مرة أخرى، إذ المسئول عن حمايتها شرعا شعوبها قبل حكوماتها، وكل تفريط بحقوقها أو تجاهلها سيكون على حساب أمنها وأمن مقدساتها.

٥- أن تعزيز التعاون العربي التركي هو البديل في المشرق الإسلامي عن الوجود العسكري الأمريكي الأوربي بعد العدوان الإيراني على شعوبها وتهديده أمنها ومقدساتها، وهو التعاون الذي حافظ على المنطقة مدة ١٢٠٠ عام.
المصدر: د. حاكم المطيري

أهلا بك في الجنة

أهلا بك في الجنة

عبدالرحمن الشمري


في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان.

رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية.

ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح.

وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء.

وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة.

أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول.

واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة.

وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً.

ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة.

كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية.

واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة.

رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء.

فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك.

وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له).

وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً.

أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.