الخميس، 16 أبريل 2026

(٢) حقائق حول الصراع..

 (٢) حقائق حول الصراع..

في أبعاده الدينية وخلفياته المذهبية ..

         د.عبدالعزيز كامل 


أيا كانت نتائج الحرب القائمة، أو حلقاتها القادمة.. من انكسار المشروعات المعادية بعضها أو كلها، أو انتصارها جميعًا على بعضها..
فإن ذلك أو ذاك سيكون لطفًا إلهيًا بالموحدين، وثأرًا ربانيًا للمستضعفين، الذين لا يستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلًا.. إلا أن يتربصوا بظالميهم مرددين
قول الحق المبين:{ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ)[ التوبة٥٢]
● ورياح الأحداث لا تجري دائما بما تشتهي سفن المعادين للمؤمنين الموالين للكافرين؛ بل يُجريها أحكم الحاكمين بما يطامن نفوس المسلمين ويخزي أولياء الظالمين.. { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة/ ٥٢] .
وها هو (الأمر من عنده ) _ سبحانه _ تظهر آثاره وتتضح أوضاره على كل معتد عنيد .. ولكن لا يراها إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
● ولا نرى ما يحدث اليوم مع أكابر المجرمين.. إلا جريانًا لسنة الله في صب العذاب والوبال؛ على الكفرة الفجرة بعد الإملاء والإمهال.
كما قال العلي العظيم : { وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود/ ١٠٢]
فعندما يعجز المظلومون عن الانتصار لأنفسهم _ كما تكرر في كثير من بلدان المسلمين _ فإن ربهم ينتصر لهم ، كما جاء في الوعد الإلهي الذي ورد به النص النبوي : (.. ودعوةُ المظلومِ؛ يرفعُها اللهُ فوق الغمامِ، وتُفتَّحُ لها أبوابُ السَّماءِ ويقولُ الرَّبُّ: وعزَّتي لأنصُرنَّك ولو بعد حينٍ ) أخرجه (الترمذي/ ٣٥٩٨) و(ابن ماجة /١٧٥٢ )و(أحمد /٨٠٣٠ )، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢١/٢)
● والمتأمل في خلاصة الحقائق حول خلفيات الصراع القائم والدائم بين المسلمين وبين الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين؛ يراها قد تقررت وتكررت في القرآن العظيم، دون كثير احتياج إلى استنتاجات المفكرين أو تفسيرات السياسيين، فقد حسمها القرآن في قول العليم الخبير سبحانه : { وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا }..[ البقرة /٢١٧]
● وتلك الخلفيات الدينية كُتِب عنها الكثير، والبحث عنها للوصول إليها لم يعد بالأمر العسير، خاصة بعد ثورة المعلومات وفشو الكتابات، غير أن ظهور هذه البواعث الدينية الاعتقادية لعداوة كفار الكتابيين؛ لا يعني أن اختلاف الدين هو وحده الباعث على تلك العداوة المتوارثة التاريخية ، ولكن الموصوفين بأنهم (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ) ومن شاكلهم من اللادينيين؛ لا يريدون لأهل لا إله إلا الله أن ينالوا حتى الحد الأدنى من مقومات السعادة في الحياة، وهذا بسبب فرط حسدهم وحقدهم عليهم ، وذلك ما أخبر عنه ربنا وربهم، الذي هو أعلم بنا وبهم، حيث قال سبحانه : { مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ } [البقرة/ ١٠٥] أي: لايتمنون لكم أي خير.. قليلًا كان أو كثيرًا، في دين أو دنيا..
●.. هذا عن خلفيات الصراع الدينية بين أهل الملل الكفرية الكتابية وبين أهل الملة الإسلامية..
أما عن خلفيات الاختلاف بل الصراع المذهبي بين الموحدين وبين نٍحَل الزندقة والهرطقة _ وبخاصة تلك الطائفة الرافضية الاثني عشرية_ فقد وصفها أعلام علماء الأمة بأنها : (طائفة شركية)؛ وذلك لم يكن كذلك إلا لقيام عقيدتهم الضالة على غير الصراط المستقيم الذي هدى إليه القرآن العظيم وبينه الرسول الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) .
لكن المجال لايتسع الآن لاستعراض ماتغُصُّ به مصادر القوم الدينية عبر الأعصار والأمصار، من أوجه الضلال والانحلال، الذي تواتر على ألسنة علمائهم، من قدمائهم ومعاصريهم، بدءًا من تورطهم في شرك الألوهية، بنسبة صفات الربوبية لمن يدعونهم بالأئمة الاثني عشر، ومرورًا بالطعن في شرف النبوة من خلال تخوين بعض أحب زوجات النبي الأمين إليه، ووصولًا إلى تكذيب جمهور أصحابه الذين نقلوا الدين وقاموا به وتمثلوه علمًا وعملًا .
ولذلك فإن علماء السلف ومن سار على نهجهم، لم يخدعوا الأمة بهم، ولم يدلسوا على الناس في وصفهم _ كما يفعل بعض المعاصرين _ بل وصفوهم بما فيهم لتحذير الأمة منهم ، وذلك قيامًا بواجب النصيحة ( والدين النصيحة)..
ولكن النقول الموثقة عنهم في ذلك تطول..
فإلى بقية في مقالٍ تالٍ.. بإذن الله ..

حقائق حول الصراع (١)

الحرب على الإرهاب: كيف تحولت إلى ذريعة لتدمير الدول؟

 الحرب على الإرهاب: كيف تحولت إلى ذريعة لتدمير الدول؟

خليفة آل محمودخليفة آل محمود 

محامٍ ومدون سياسي، قطري

 تظهر التجربة أن من يقطف ثمار هذه الحروب في الغالب ليس من خاضها بل من أشعلها وأدار مسارها ويراقبها من بعيد 

عام 2001 دشن مصطلح جديد هو "الحرب على الإرهاب"، ووقف الرئيس الأمريكي أمام شعبه ليقول: من ليس معنا فهو ضدنا.

بهذه النظرة، قسمت أمريكا دول العالم لأول مرة في التاريخ إلى قسمين: إما التأييد، وإما أن تصنف في خانة الأعداء، لتغادر وفودها عواصم الدول محذرة ومهددة، حتى قيل للباكستانيين مثلا: إما التعاون في الحرب أو الإعادة إلى العصر الحجري، كما ذكر الرئيس الباكستاني برويز مشرف.

وأمام هذا الواقع، اندفعت الدول للمشاركة في هذه الحملة بدافع الخوف، أو ربما بدافع التخلص من خصومها من خلال الاستفادة من هذه التهمة المعلبة. ولكن، ونحن في عام 2026، يبرز سؤال جوهري: ما نتيجة كل ما حدث؟ وللإجابة، لا بد من العودة إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة.

لا يسأل عن الدمار أو التهجير أو شلالات الدماء، بل يتوقف كل شيء عند مبرر واحد: الإرهاب، ولكن ما كان يجري هو "فوضى خلاقة"، كما وصفتها كونداليزا رايس، وزيرة خارجية أمريكا آنذاك

في بداية الخمسينيات بدأت ظواهر إقصاء جزء مهم من المجتمع، وأصبح غالب المجتمعات العربية عبارة عن حكومات عسكرية لا تسأل عن نتائج أعمالها، وسجناء جريمتهم إبداء رأيهم، والناس أمام خيارين: إما الصمت أو السجن.

وبناء على ذلك، لم تنشأ مجتمعات صحية وسليمة، بل ساد الاستبداد واختلت القيم، فأصبحت الوجاهة لمن لا قيمة لهم، بينما ألصقت صفة الإجرام بالمفكرين والعلماء، وانعكس ذلك حتى على الأدب؛ فبرزت أعمال راقية كتبت في السجون، مقابل ضعف وهشاشة وإسفاف في الإنتاج الثقافي في الحياة العامة، وكان الزج في السجن يسوَغ له غالبا بمبررات قانونية أو اتهامات بالسعي للوصول إلى السلطة.

والمفارقة أن هذا الأسلوب، الذي استخدم للتمسك بالسلطة وإقصاء الخصوم، لم يدرك أصحابه أنه سيتحول لاحقا إلى أداة يستخدمها الآخرون ضدهم؛ فقد أصبح مبررا للتدخل الخارجي، وذريعة لاحتلال دول وتغيير أنظمتها، بل وتبريرا لارتكاب جرائم وإراقة بحور من الدماء وإزالة مدن كاملة من على الخارطة.

وفي امتداد لهذا المسار، خيضت حروب كثيرة في السنوات الماضية بسردية واحدة: "الإرهاب"، وأصبحت تلك الكلمة مشروعا كبيرا تبني عليها الدول إستراتيجيتها.

"الإرهاب" كلمة فضفاضة دون توصيف دقيق، تحولت إلى مفتاح ماستر يفتح كل أبواب المنطقة، بل مبرر لكل الجرائم المرتكبة؛ فأمريكا تقصف اليمن وأحرق الفلوجة في العراق بالفسفور الأبيض باسم محاربة الإرهاب، وبشار قتل السوريين بالكيماوي باسم محاربة الإرهاب، وروسيا جعلت مدن الشيشان ركاما باسم محاربة الإرهاب، وغير ذلك كثير.

لا يسأل عن الدمار أو التهجير أو شلالات الدماء، بل يتوقف كل شيء عند مبرر واحد: الإرهاب، ولكن ما كان يجري هو "فوضى خلاقة"، كما وصفتها كونداليزا رايس، وزيرة خارجية أمريكا آنذاك.

تلك الحروب تذكرني بمجموعة رياضيين كانوا في معسكر للجيش، وفرض عليهم الجزاء كما يحدث في كل المعسكرات، وهو أن يلعبوا مباراة كاملة لمدة تسعين دقيقة دون كرة قدم وبوجود حكم! يقول أحدهم: كنا نركض، نمرر، نحتج، نحصل على بطاقات، وتحتسب ركلات جزاء، بل وتهدر أيضا، وكل ذلك دون وجود كرة أصلا… مشهد عجيب ومضحك ومرهق، لكن الخوف من عقوبة أشد جعل الجميع يتعامل معه بجدية كاملة.

بهذا المعنى، يبدو كثير من الحروب في منطقتنا أشبه بتلك المباراة؛ الجميع يشارك، والقواعد موجودة، لكن الأساس غائب، وفي النهاية هناك من سيأخذ النتيجة لنفسه، وهو الذي يراقب المشهد العابث في الظل من بعيد.

في أول انتخابات نزيهة في الجزائر، حاز الإسلاميون نحو 80%، وكان لهم الحق في تشكيل الحكومة، ليتدخل الجيش وتجهض التجربة، وتدخل البلاد في نفق مظلم استمر سنوات

وبالعودة إلى أحداث سبتمبر/أيلول، نجد أن وسائل الإعلام امتلأت برجال دين ومفكرين ومحللين، يحذرون من ظاهرة الإرهاب وخطورتها، وينبهون الشباب بشأنها، ويصفونها بأنها وباء على المجتمعات.

اعتدنا على تلك العمائم في كل تفجير وحدث، وكان الإسلام- دين السلام والسكينة- بحاجة إلى تبرير دائم! لكن، وبعد سنوات طويلة من هذا التحشيد، تظهر محطات مفصلية تستحق التوقف.

ففي أول انتخابات نزيهة في الجزائر، حاز الإسلاميون على نحو 80%، وكان لهم الحق في تشكيل الحكومة، ليتدخل الجيش وتجهض التجربة، وتدخل البلاد في نفق مظلم استمر سنوات، لكن السؤال الأهم هنا، والذي أتت الانتخابات بجوابه: من يملك الشارع؟

السؤال الذي يتكرر أمام جميع الحكومات: أنختار البناء، أم نستمر في إلقاء الموارد في محرقة لا تكتفي، وتقول: "هل من مزيد"؟

واليوم، ونحن في عام 2026، وبعد سنوات من محاربة هذه الظواهر، تتضح النتائج: احتلال مدن، وتدمير أخرى، والسيطرة على منافذ مهمة، واستنزاف شامل.. كل ذلك تحت عنوان واسع هو "محاربة الإرهاب"، في مشهد لا يبتعد كثيرا عن مباراة لعبت دون كرة.

ومن هنا، تتضح دلالة العبارة: "درهم وقاية خير من دينار علاج"؛ فدول العالم العربي أمام خيارين واضحين: إما الاستثمار في الداخل عبر التنمية والاستقرار وفتح قنوات النقاش، أو الاستمرار في استخدام أدوات الاستبداد، التي قد تتحول لاحقا إلى مبرر لتدخل خارجي؛ فالحرب على الإرهاب بدأت في الداخل وانتهت بتدخلات من الخارج، فضلا عن خسارة في الأموال والدماء.

السؤال الذي يتكرر أمام جميع الحكومات: أنختار البناء، أم نستمر في إلقاء الموارد في محرقة لا تكتفي، وتقول: "هل من مزيد"؟

ختاما: تظهر التجربة أن من يقطف ثمار هذه الحروب، في الغالب، ليس من خاضها، بل من أشعلها وأدار مسارها ويراقبها من بعيد.. وتستمر القصة.


(الميثاق العام للمشروع الإسلاميّ)

 (الميثاق العام للمشروع الإسلاميّ)

د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي



بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فهذا ميثاق عام للمشروع الإسلاميّ، يشتمل على مواد مركزة موجزة، تتحدث عن هذا المشروع، عن طبيعته وأهدافه ومراحله ومنطلقاته وقيمه ومفاهيمه، وغير ذلك، ونحن هنا ندعو كل مسلم إلى فهمها واستظهارها، والالتزام بمضمونها كعقد بين العاملين للإسلام.

مواد تمهيدية
1. مصدر هذا المشروع الكتاب، والسنة، والإجماع، وسنة الخلفاء الراشدين، ثم الاجتهاد الجماعيّ.
2. المشروع الذي يمثل الأمَّة الإسلامية هو الذي تلتقي عليه كلمة علمائها وأهل الحل والعقد منها.
3. المشروع الإسلاميّ واجب الوقت، والاجتماع عليه يمثل منصة الانطلاق الكبرى للأمة الإسلامية.
4. المشروع الإسلاميّ هو: الخطط والاستراتيجيات والمنهجيات، التي ترسم بوضوح طريقَ التمكين للدين الإسلاميّ، وتُبَيِّنُ بجلاء سبيلَ الخروجِ بالأمة الإسلامية من نفق الاستضعاف والوصولِ بها إلى مستوى التمكين الحضاري الشامل القائم على منهج الله تعالى.
5. جميع ما هو من قبيل الأدوات والأمور الفنية لا يشترط أن يكون قد ورد به شرع، إنّما يشترط فقط ألا يصادم الشرع وأن يكون محققًا للمصلحة.
أهداف المشروع الإسلاميّ
6. للمشروع الإسلاميّ جملة من الأهداف الاستراتيجية؛ يجب استحضارها في جميع المراحل.
7. يهدف المشروع الإسلامي إلى تمكين الأمة الإسلامية تمكينًا حضاريًّا شاملًا في كافّة الميادين، وإقامة دولة إسلامية مستقلة قوية تقيم منهج الله وتحمي بيضة الإسلام، وتحقق الاستخلاف.
8. يهدف المشروع الإسلامي إلى تعبيد الناس لله رب العالمين اعتقادًا وعملًا ومنهجًا وسلوكًا.
9. يهدف المشروع الإسلامي إلى إحياء مفهوم الأمة، وإبراز وترسيخ هويتها، واستعادة التموضع الصحيح لأهل السنة في قلب الأمة، وللطائفة المنصورة في قلب أهل السنة.
10. يهدف المشروع الإسلامي إلى إعداد الأمة إعدادا شاملا: وعيًا وفهمًا، وعلمًا وعملًا، وعبادة وسلوكًا، وإخلاصًا واتباعًا، ودعوة وجهادًا، وولاءً لأهل الإيمان وبراءً من أهل الكفران.
11. يهدف المشروع الإسلامي إلى استعادة دور الأمة الإسلامية؛ كأمَّة صاحبة رسالة عالمية، وصاحبة منهج ربانيّ، وإحياء الروح الجماعية لهذه الأمَّة، وبعثها لتقوم برسالتها العالمية.
12. يهدف المشروع الإسلامي إلى استعادة وإحياء دور أهل الحل والعقد في الأمة.
13. يهدف المشروع الإسلامي إلى مواجهة المشاريع المحاددة للمشروع الإسلامي.
مراحل المشروع الإسلاميّ
14. يمر المشروع الإسلاميّ بمراحل ثلاثة: مرحلة الإعداد، ومرحلة التغيير، ومرحلة البناء.
15. الإعداد هو بناء القاعدة الصلبة، وإعداد القوة، وتهيئة الأمة، وإحياء دور أهل الحل والعقد.
16. التغيير يكون بأدواته التي تناسب المكان والزمان، وإن كان أغلبه يستدعي المواجهة.
17. البناء بناء مؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة وإقامة نظام الحكم الإسلاميّ.
18. كل مرحلة من مراحل المشروع الإسلاميّ بها فرص وروافع، وبها عقبات وتحديات، فينبغي في سياق تنضيج المشروع الكشف عن ذلك كله واقتراح البرامج التي تصلح له.
19. كل مرحلة من المراحل الثلاثة الرئيسية تنقسم إلى مراحل جزئية، بحسب الحال والزمان والمكان، وبيان المراحل عمومًا ليس على درجة واحدة؛ فأمّا البدايات والنهايات فيجب التفصيل في بيانهما، وأمّا ما بين البدايات والنهايات فيكتفى ببيان الخطوط العريضة الكلية.
20. المشروع الإسلاميّ في مراحله الثلاثة يمتد ليشمل - وإنْ بنسب متفاوتة - جميع المجالات والميادين التربوية والدعوية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية وغير ذلك.
ركائز المشروع الإسلاميّ
21. يعتمد المشروع الإسلاميّ على جملة من الركائز الأساسية، المستمرة في جميع المراحل، والمتغلغلة في كافّة الميادين، وهي: 
أولًا: أهل الحل والعقد وفي القلب منهم الولاية العلمية، ثانيًا: طلائع الأمة وفي القلب منهم الرواحل، ثالثًا: المنهج وفي القلب منه المشروع الإسلاميّ، رابعًا: الشعوب في القلب منها الحاضنة الشعبية المخلصة للمشروع، خامسًا: البؤر المتقدة وفي القلب منها المكونات المجاهدة التي لم تتلوث بالغلو والتكفير واستباحة الدماء المعصومة.
22. لا يتأبّى المشروع الإسلاميّ على الاستفادة مرحليًّا من بعض الركائز غير الرئيسية، بشروط شرعية صارمة، كالتحالف، والاستناد إلى ظهير متاح، والاستثمار لتدافعات سياسية وعسكرية.
منطلقات المشروع الإسلامي
23. هناك جملة من المنطلقات التي تعدّ منصات للانطلاق، منصات شرعية وعقدية وواقعية وفكرية، كالهوية والمرجعية والمنهجية والوحدة والأخوة وعالمية الإسلام، وغير ذلك.
24. الهوية منطلق كبير فلا حيدة عن الهوية الإسلامية الجامعة؛ (هو سمّاكم المسلمين من قبل)
25. المرجعية منطلق عاصم؛ فالوحيان (الكتاب والسنة) هما دستور الأمة الدائم.
26. المنهجية منطلق رشيد، وتعني الاعتصام بمنهج أهل السنة في التلقي والاعتقاد والجهاد.
27. الوحدة منطلق أكيد؛ فالوحدة فريضة، ولا يلزم لتحققها انصهار الجميع في كيان واحد.
28. الأخوة منطلق رقيق، فالأخوة الإيمانية معتصم لا تنفصم عراه.
29. عالمية الإسلام وعموم الرسالة أصل ثابت لا يتغير.
30. التفريق في التعامل مع الوافد بين ما كان من المبادئ وما كان من الأدوات منهج سديد.
31. المفاصلة التامّة مع الفكر الحداثيّ العلمانيّ من صلب المنهج الإسلاميّ.
32. المصطلحات الوافدة فخ يجب الحذر والاحتياط منه.
33. قيام الحياة على أساس من رفض سلطان الله وسيادة شريعته هو جوهر الجاهلية.
34. العهد النبوي مع الخلافة الراشدة يمثلان المرجعية العملية للمشروع الحضاري الإسلامي.
35. السنن الإلهية قوانين ونواميس تحكم الحياة ينبغي مراعاتها.
36. الأحكام والمقاصد صنوان متعانقان لا يفترقان ولا يتعارضان.
37. المرحلية والتدرج ضرورة حركية بشرط ألا تفضي للتسويف.
38. حتمية المواجهة على وجه العموم مع عدم انتفاء الحلول السلمية.
39. استبانة سبيل المجرمين وفهم واقع الصراع ركيزة أساسية للعمل الإسلاميّ.
40. بناء التصورات على الجمع بين فقه الشرع وفهم الواقع هو المنهج الرشيد.
41. العلم والعبادة والحركة خطوط متوازية من المبدأ إلى المنتهى.
42. العمل الجماعي المنظم ضرورة حركية لا تلغي المنصات الفردية وأهميتها.
43. الشعوب ورقة لا يصح إهمالها كما لا يصح التعويل عليها تعويلا كاملًا.
44. التعددية مقبولة ونافعة إذا لم تهدد الوحدة والاجتماع ولم تخرق المنهج والاتباع.
45. التحالفات إذا احتيج لها، وصَحَّ المتحالف عليه، ولم يكن فيها ضرر؛ فهي مشروعة ونافعة.
46. توسيع المشتركات والاستفادة منها في تقوية التحالفات صالح مالم يكن على حساب الحق.
47. بلورة المحكمات واتخاذها ميثاقا عامًّا مع فن إدارة الاختلاف يحققان الحد الأدنى للوحدة.
48. إذا تعذر الجهاد لأي سبب معتبر شرعًا بقي واجب الإعداد.
49. الإعداد عملية تراكمية تبدأ من الدعوة والتربية وتنتهي بامتلاك القوة بكافّة أنواعها.
50. أهل الحل والعقد في الأمة هم أولو الأمر على الحقيقة والحكام نوابهم على الحكم.
51. النظام العربيّ الحالي نظام منعدم الشرعية قائم على مضادة الشريعة وموالاة أعداء الإسلام.
52. وسائل التغيير اجتهادية لا توقيفية، لا يشترط لها أن يأتي بها الشرع، ويشترط الا تصادمه.
53. استيعاب المشروع الإسلاميّ لجميع أطياف أهل السنة دون غيرهم من المبتدعة كالرافضة.
54. شمول وعموم المشروع الحضاري ينطلق من شمول وعموم الإسلام وشريعته.
55. التجارب السابقة سواء كانت إصلاحية أو جهادية يستفاد منها، لكنّها ليست معصومة.
56. النازلة الكبرى للأمة تتمثل في ضعفها وهوانها واستيلاء الأعداء عليها وتحكمهم في مصيرها، ومن هذه النازلة العامة تتفرع النوازل المتعددة كنازلة فلسطين والأقصى، ونازلة سوريا، وهكذا.
القيم الحاكمة للمشروع الإسلاميّ
57. يحكم المشروع الإسلاميّ جملة من القيم العليا الحاكمة، وجملة أخرى من القيم العامّة، وجملة من القيم المركزية الخاصة بكل ميدان.
58. التوحيد قيمة إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) تخط طريق الحرية الحقيقية، وتخط بذلك طريق الحضارة الراشدة؛ لأنَّها - عمليًّا - تحطم أكبر معوقات التقدم الإنسانيّ، وهو الطاغوت، كما أنّها تردّ الحكم والتشريع لله وحده.
59. الإيمان بالغيب قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، لها أثر بالغ في البِنْية الفكرية الحضارية التي تُنْبِت النظمَ كافّة، تماما كأثر الحداثة المنكرة للغيب في بِنْية الفكر الغربيّ المعاصر وفيما صدر عنها من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وتعليمية وغيرها.
60. جوهر الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد والدينونة والتسليم والطاعة؛ وهو بهذا المعنى قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، تنبثق عنها جملة عظيمة من المبادئ والأسس والأحكام، قيمة محورية تؤسس لمنظومة من النظم الرشيدة.
61. الإحسان قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وبناء المؤسسات وتفعيلها وتطويرها ومأسسة أدائها من الإحسان، وانتهاج المؤسسية في عمل الدولة من الإحسان.
62. الاتباع قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وهو اتباع المنهج الربانيّ، وسَنَنِ الأنبياء والحنفاء، وهو يؤسس لمنهجية لا تدع العقل وحده يستقل بتحديد الوجهة.
63. الاستخلاف قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، قيمة تؤسس لنظم إنسانية تحقق الغاية من خلق الإنسان، وتحقق الانسجام بين الإنسان وبين ما حوله قيمة لها دور كبير في حسم الكثير من القضايا الكبرى التي حيرت الفلاسفة والمفكرين ولم يهتدوا إلى شيء.
64. الأمانة قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، والمقصود بها إحياء "الناموس الشرعيِّ" ويتعدى أثر الأمانة إلى أمانة الحفاظ على الطبيعة التي يحيا فيها الإنسان، كما يتعدى أثرها إلى الحفاظ على مصادر الأرزاق ومعاقد الأقوات، وإلى الحفاظ على المنظومة الأخلاقية الطبيعية الفطرية للإنسان، وهذا ما فعله الإسلام، وهذا ما فعل الغرب عكسه على الدوام.
65. المسئولية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، وتتشعب من المسئولية الجذرية كلّ المسئوليات الكبار، مسئوليات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمّة.
66. الإنسانية قيمةٌ إسلامية حضارية إنسانية من القيم العليا المعيارية الحاكمة، ونعني بها ما عناه القرآن بذكره للإنسان وعنايته به وجعله هو موضوع هذا القرآن، ومن هنا وجدنا القرآن الكريم يُحَمِّلُ الأمةَ الإسلامية واجبَ إخراجِ البشرية من ظلمات المنكر إلى نور المعروف؛ لتكون خير أمّة.
67. تقوم القيم العامّة، وكذلك القيم المركزية الخاصة، إلى جانب القيم المعيارية العليا الحاكمة؛ لتكون جميعُها منظومة قيمية متماسكة، تنشعب عنها مبادئ وأحكام وسلوكيات وممارسات.
68. تُعَدُّ القيم العامة قيمًا معيارية بالنسبة لما يندرج تحتها من قيم مركزية، وما يدور في فلكها من مبادئ وأسس وأحكام وقواعد، لكنّها بالنسبة للقيم العليا الحاكمة محكومة لا حاكمة.
69. القيم العامّة كثيرة وهامّة، أهمها: (قيمة العدل - قيمة المساواة فيما تصح المساواة فيه - قيمة الحرية المنضبطة بالشرع - قيمة الصدق - قيمة الوفاء - قيمة التسامح - قيمة الرحمة)، وجميع هذه القيم تُعَدُّ أخلاقًا فطريّةً يُسَلِّمُ بها الخلق، لكنّ الذي يميزها عن سائر الأخلاق أنّها تُعَدُّ قيمًا عامّةً تتسم بالمعيارية، يمكن في ضوئها تحديد الموقف من كثير من الأمور المتعلقة بالإنسان.
70. أهم ما يميز قيمة العدل في الإسلام العموم والإطلاق؛ إذْ إنّ العدل في الشريعة الإسلامية مطلق ليس مقيدًا ولا نسبيًّا، لا يحابي أحدًا، ومما يميزه أيضًا الشمول؛ والعمق التشريعيّ.
71. الإسلام في جوهره تحرير للإنسان، وكلمة الإخلاص التي هي رأس الدين هي الحريّة في أسمى مراتبها؛ لأنّها إعلان عام لتحرير الإنسان من الخضوع والدينونة والعبودية لغير الله تعالى.
72. الشريعة الإسلامية عندما تقرر حريات الناس وتضع القيود والضوابط التي تنظمها لا تنطلق من المنطلقات التي ينطلق منها الفكر الغربيّ، ولا تبني على أصول مستعارة من الإغريق أو الرومان، وإنّما تنطلق من منطلقات قرآنية ربانية.
73. القيم الركزية الخاصة بكل ميدان من ميادين النشاط البشريّ لها دور كبير في استقامة الحياة، ففي ميدان السياسة توجد قيم مركزية مثل: مبدأ "السيادة للشرع" ومبدأ: "السلطان للأمة"، ومبدأ "الشورى منهج الحكم" وفي عالم الاقتصاد تسود جملة من القيم المركزية، مثل مبدأ "الاستخلاف" ومبدأ "الوفرة والكفاية"، ومبدأ "القصد والاعتدال"، وهكذا في سائر الميادين.
المفاهيم العامة الكلية للمشروع الإسلاميّ
74. في الإسلام جملة من المفاهيم العامّة الكلية ينبغي أن تُضبَط؛ لئلا تضطرب الخطى على الطريق، بعضها يتعلق بالعقيدة وبعضها يتعلق بالشريعة وبعضها يتعلق بالاجتهاد في فهم الواقع.
75. يدخل الكافر في الإسلام بنطقه بالشهادتين، ولا يخرج المسلم من الإسلام إلا بجحود الشهادتين أو بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام.
76. لا يجوز تكفير المسلم ولا الشهادة بالإسلام لكافر، فمن كان مسلمًا وأتى ناقضًا من نواقض الإسلام كمظاهرة الكافرين على المسلمين، والحكم بغير ما أنزل الله، ومدح عقائد الكافرين، واستحلال ما حرمه الله، وإنكار معلوم من الدين بالضرورة؛ فقد خرج من الإسلام وصار مرتدًا، ومن شهد بالإسلام لكافر أصليّ نص القرآن على كفره كأحد من اليهود أو النصارى أو المجوس أو المشركين أو الملحدين أو غيرهم، كفر بذلك، ويلزم لتكفير المعين توافر الشروط وانتفاء الموانع.
77. المعلوم من الدين بالضرورة هو بنود العقيدة والشريعة التي أجمعت الأمة عليها ونُقلت بالتواتر واستوى في العلم بها الخاصة والعامة، فكل ما توافرت فيه هذه الشروط الثلاثة - سواء كان خبرًا أو أمرا لا يعذر فيه بالجهل في ديار الإسلام؛ لكونه من المعلوم بالضرورة.
78. ثنائية العقل والنقل أزمة مفتعلة لا رصيد لها في الواقع، فالأصل هو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فإن وقع تعارض؛ فإمّا أن يكون المنقول غير صحيح أو يكون المعقول غير صريح.
79. الأصل أنّ الرسول أسوة في كل تصرفاته، وأنّ تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية قول محدث، وإذا كان العلماء قد أخرجوا بعض تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم من دائرة التشريع لكونها من الأفعال الجبلية أو من الأمور الدنيوية، فإنّ هذا لا يعني أنّ تلك الأفعال أصل بذاتها.
80. ليس من العقل والرشد أن نبحث بعقولنا في غيبيات ضنّ الوحي بها علينا، ولا عن تكييف غيبيات أخرى أخبرنا بها الوحي على سبيل الإجمال، وإنّما العقل أن نقف في ذلك على الوحي.
81. في القرآن الكريم آيات محكمات وأُخَرُ متشابهات، والواجب تجاه ذلك ردّ المتشابه إلى المحكم، أمّا اتباع المتشابه بدون ردّه للمحكم فهو الزيغ والضلال.
82. المسلمون متَعَبَّدون بالأحكام لا بالمقاصد، فلا يصح الاستغناء بالمقاصد عن الأحكام، والأحكام والمقاصد لحمة واحدة كالشمس وفلكها الذي تدور فيه.
83. ولا تضييق على الناس فيما يصطلحون عليه من أسماء وعناوين وغير ذلك، بشرط أن يكون المصطلح منتزعًا من لغتنا وثقافتنا، أمّا إذا كان مصطلحًا وافدًا دخيلًا فإنّه ينبغي الحذر منه.
84. شرع الجهاد لغاية تعدُّ هي المقصد الجامع للجهاد، وهي إزالة الفتنة وإحلال سيادة الشريعة: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؛ ومن الفتنة سيادة مناهج الجاهلية.
85. الأنظمة الجاهلية التي تقيم الحياة على أساس من رفض حاكمية الشريعة وسيادتها يجب قتالها، لأنّنا أمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
86. الكفّ المرحليّ عن نظام لا يقيم منهج الله ولا يقود الأمة بكتاب الله لا يعطيه شرعية، فإذا قامت الأمة عليه في أيّ وقت لا تكون خارجة على حاكم له شرعية.
87. يحرم الخروج على الحاكم المسلم العادل الذي يقود الأمة بكتاب الله، أمّا الخروج على الحاكم الكافر أو الذي ظهر في حكمه الكفر البواح أو الذي يقود الأمة بغير كتاب الله أو الذي يسعى لتعطيل فرائض الله وحدوده فهو واجب عند القدرة على ذلك، وعند العجز يعلق واجب الجهاد ويبقى واجب الإعداد، أمّا الحاكم الفاسق الجائر فإنْ تعدى فسقه وجوره حتى صبغ المجتمع بالفسق وهدد هويته الإسلامية فالخروج عليه مشروع، وإلا فالكفّ مع النصح هو المشروع.
88. يشترط لشرعية المتغلب أن يقود الأمة بكتاب الله وألا يظهر في حكمه الكفر البواح، كما يشترط ألا يأتي تغلبه في سياق الخروج على حاكم له بيعة وله شرعية مستمدة من الأمة، فإن توافرت الشروط وجب على الأمة أن تسمع له وتطيع في المعروف، وإلا فليس عليها تجاهه حق السمع والطاعة، وإنّما يجب خلعه عند القدرة، وعند عدم القدرة يشرع الكفّ عنه مرحليًّا.
89. الإمامة رئاسة تامّة وعامّة للأمّة الإسلامية؛ فإذا استطاعت جماعة من الناس أن تقيم النظام السياسي الإسلاميّ في أي صقع من الأصقاع - متوسطًا كان أو متطرفًا - فإنّ حكمهم ليس من قبيل الإمامة والخلافة العامة للمسلمين، فإذا تعددت الإمارات حرم عليها التقاتل طلبًا لمنصب الإمامة العامّة، ووجب على الجميع الدخول في الوحدة عبر الشورى التي يديرها أهل الحل والعقد.
90. تعتمد النهضة الاقتصادية في الإسلام على مقومات ثلاثة، هي: تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وحسن إدارة الموارد البشرية، عدم إضاعة الوقت.
91. القوة السياسية تقوم على استدامة ثلاثة مقومات، هي: تحكيم الشريعة، وتقديم النصيحة، وحفظ الوحدة.
92. يقوم الاقتصاد الإسلاميّ على أسس عقدية، أهمها مبدأ الاستخلاف، مبدأ الكفاية، وأسس شرعية، أهمها: العدالة في توزيع الثروة، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ومنع الربا وكل صور أكل أموال النماس بالباطل، وأسس أخلاقية، كالرحمة، والكفالة، والكرم.
93. عمد الإسلام إلى الحفاظ على الأبنية الثلاثة: الأسرة والمجتمع والدولة، وتحقيق التوازن بينها.
94. الولاء والبراء في الإسلام يرسم خطًا فاصلًا بين المسلمين والكفار، من اقتحمه وتعاون مع الكفار على من يختلف معهم من المسلمين فقد تردى في الهلكة.
95. الولاء والبراء والمفاصلة مع الكافرين وجهاد القوى الكافرة، كلّ هذا لا يمنع من القسط معهم والبر بمن لا يقع في الحرابة للإسلام وأهله.
96. يجب أن نفرق في موقفنا من الأمم الكافرة بين الأنظمة الحاكمة وجيوشها وسدنتها وكهنتها وقوى الشرّ فيها وبين الشعوب المستسرلة، فالأولى نبتدئها بالسيف والسنان بعد الدعوة والبيان، أمّا الثانية فنحررها ثم نخيرها بين الإسلام وبين دفع الجزية والتزام الصغار (القانون العام للإسلام).
97. تهدف التربية الإسلامية إلى صياغة الشخصية صياغة كاملة، من جميع الجوانب العقدية والعاطفية والسلوكية والشعورية والمنهجية والعلمية، وتعتمد على وسائل، أهمها: القدوة والتربية بالحدث، والمعايشة الهادفة، والممارسة العملية للشعائر والشرائع، والتلقين بكل صنوفه.
98. مصادر المعرفة في الإسلام تقوم على مصدرين رئيسيين، الوحي للعلوم الشرعية، والكون للعلوم الطبيعية، ومناهج التفكير والنظر في الإسلام ليست محصورة في قالب من القوالب التي فرضتها الفلاسفة، فالاستدلال والاستقراء والتجريب وتوثيق الأخبار وغير ذلك كلها مناهج معتمدة في الإسلام، بشرط أن تسلم من تحكمات الفلاسفة والمناطقة.
99. مصدر سلامة النفس الإنسانية (السيكولوجيا) والمجتمعات الإنسانية (السيسيولوجيا) والوضع الإنسانيّ بالنسبة لما حوله (الإنثروبيولوجيا) هو العبودية الحقيقية للرحمن، وترك العبودية للشيطان، وتدبر القرآن، وهذا لا يمنع من الاستفادة بما أنتجته العلوم الإنسانية مما لا يخالف مقاصد الكتاب العزيز، ولا أحكام الشريعة الغراء.
100. لا يقع التمكين الصحيح للأمة الإسلامية إلا باجتماع القدوة والقوة.

السياسة الشرعية

المصدر

الأربعاء، 15 أبريل 2026

وقفات مع آيات (18).. السنن الربانية العظيمة

 وقفات مع آيات (18).. السنن الربانية العظيمة

  


 ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾

من السنن الربانية العظيمة أن ما يقع في هذا الكون، وما ينزل بالناس في الأرض وفي أنفسهم، مقدَّرٌ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلق بخمسين ألف سنة؛ سواء كان من الكوارث كالزلازل ونحوها، أو مما يصيب الإنسان من مرض، أو فقر، أو ضرر.

وفي هذا تعزية عظيمة للمؤمن؛ إذ يعلم أن ما أصابه لم يكن خارجًا عن قدر الله، وأنه لم ينزل به أمرٌ على سبيل الفجأة المنفلتة، بل وقع بعلم الله السابق وتقديره المحكم. 

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك”.

ثم كشف الله الحكمة من إعلام عباده بهذه الحقيقة، فقال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾؛ ليعلم الإنسان أن ما نزل به لم يكن ليجاوزه، وأن ما جاوزه لم يكن لينزل به، فلا يجزع على ما فاته من النعم جزعًا يخرجه إلى السخط، ولا يطغى بما أوتيه من العطاء طغيان المتكبر المغتر.

والأصل أن كثيرًا مما يصيب الإنسان إنما يكون بسبب ذنوبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فالحسنات من الله فضلًا ورحمة، وأما كثير من المصائب والآلام فإنما يكون بسبب أعمال العبد وذنوبه.

ومع ذلك فإن رحمة الله أوسع من ذنوب العباد، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقال جل شأنه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. وقد تُعجَّل بعض آثار الذنوب للمؤمنين، وقد تُؤخَّر، لكنها في جميع الأحوال لا تخلو من معاني التربية، والتطهير، والتنبيه، وفي طياتها خير للمؤمن إذا أحسن تلقيها، وصبر، وراجع نفسه، ورجا ما عند الله.

والمؤمن لا يتمنى البلاء، ولا يسعى إليه، بل هو مأمور ببذل الأسباب، ودفع الضرر ما استطاع، غير أنه إذا ابتُلي صبر، وإذا أُعطي شكر. وهو لا يعلم أين يكمن الخير له، لكنه يرضى بأقدار الله، صابرًا محتسبًا، يرجو مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، مستيقنًا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.

وهذا الفهم يريح القلب، ويبعث الطمأنينة في النفس، فيحيا الإنسان حياةً أكثر سكونًا وثباتًا، قائمة على الصبر، والرضا، والتسليم لله عند المصيبة، مع صدق الالتجاء إليه، وقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

وهذا المعنى ليس مجرد تقرير إيماني نظري، بل يراه الإنسان متجسدًا في بعض من عرفهم وعايشهم. ومن ذلك رجل عايشته سنين طويلة، تعرّض خلالها لألوان من الأذى والابتلاء. ومن أعجب ما مرّ به أن زوجته التي كان يحبها حبًا شديدًا طُلِّقت بغير رضاه، وفُرِّق بينه وبين أبنائه، وحُرم سنين طويلة من رؤية أمه والأنس بها وهي على مشارف الرحيل. ثم ابتُلي بعد ذلك بأذى جسدي ونفسي شديد، فصبر واحتسب.

وعاش زمنًا يعتمد على المهدئات والأدوية، حتى عافاه الله منها، واستعاد توازنه، ونهض من جديد. وكنت أؤانسه أحيانًا، وأحاول أن أصبّره، فإذا به، على شدة ما نزل به، جبل أشم، ذو إيمان صادق واحتساب عظيم. فقد ماله، وضاع شقاء عمره، وما بناه من أعمال تجارية، لكنه ثبت ولم يتزعزع يقينه، ولم يَهِنْ إيمانه. وكانت حالته الصحية غير مستقرة، وابتلي ببعض الأمراض المزمنة، لكنك إن رأيته في أوقات صحته، ونظرت إلى وجهه، لقلت: إن هذا الرجل لم يذق بلاءً قط.

أيُّ صبرٍ هذا الذي يرزق الله به عباده!

إن هذا الصبر لا تصنعه مجرد طاقة التحمل البشرية، بل يصنعه الإيمان العميق بأن وراء البلاء حكمةً، ولطفًا، وأجرًا لا يضيع.

ولعل من أجمل ما بقي في نفسي من خبره أن البلاء لم ينتزع منه بشاشته، ولم يخمد جذوة روحه؛ فما زلت أذكر تلك الابتسامات التي كان يوزعها على أصحابه، وتلك القصص المفرحة، والنكات الجميلة التي كان يرويها لمن حوله، يريد بها أن يدخل السرور إلى قلوبهم. وذلك من أبلغ الشواهد على أن الإيمان إذا تمكن من القلب، منع اليأس من التغلغل في النفس، ولم يطفئ جذوة الأمل والفرح، وجعل صاحبه يحمل جراحه بروح مطمئنة، ونفس راضية، وقلب موصول بالله.

هل وعينا كخليجيين مُحصّن؟

هل وعينا كخليجيين مُحصّن؟
د. جاسم الجزاع


ونعني بالوعي هنا ببساطة حالة من "الإدراك" النشط للذات نفسها وللمحيط الذي حولها، فالوعي هو الروح الجامعة والذاكرة التاريخية لشعب من الشعوب والتي تتشكل عبر التراكم الثقافي والقيمي، وهذا الوعي لا يكون مجرد سيل من المعلومات العابرة التي يستهلكها الفرد يومياً، بل هو منظومة متكاملة من المفاهيم والمبادئ التي تتكون داخل محاضن التربية، والتعليم، والمؤسسات الدينية والاجتماعية الرصينة، وهذا الوعي يتشكل من خلال التفاعل الحي والمستمر بين الموروث الأصيل لشعب ما والمعارف الحديثة المتدفقة، ليصبح في نهاية المطاف "البوصلة التوعوية" التي توجه سلوك الأفراد والمجموعات تجاه القضايا الوطنية والمصيرية الكبرى، فلهذا فإن الوعي هو الحصن المنيع الذي يمنح المجتمع القدرة الفائقة على التمييز بين المصالح العليا للشعب وللدولة وبين الأجندات السياسية العابرة والمضللة، وهو الضمانة الوحيدة والأساسية لتماسك النسيج الاجتماعي وتلاحمه أمام الأزمات والحروب وتيارات التغريب الممنهج أو محاولات التفتيت الفكري.


ومع ما سبق، يظل الوعي المجتمعي الخليجي في وقتنا الراهن في دول الخليج العربي عرضة للاختراق الممنهج والذكي، خاصة في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية - بالرغم من الهدنة المؤقتة بينهما ولا نعلم مآلاتها - حيث تصبح عقول الناس في الخليج هي الميدان الحقيقي للصراع المباشر قبل الأرض والحدود، وهذا الاختراق يهددنا عبر أدوات متطورة في منصات التواصل الاجتماعي العابرة للحدود والأماكن، والتي تُغرق الأجواء العامة بالشائعات المدروسة، والهاشتاقات الموجهة، والمعلومات المضللة التي تهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الثقة المتجذرة بين الشعوب الخليجية وقياداتها، أو إثارة النعرات المجتمعية والقطبية الضيقة لضرب الوحدة التلاحمية من الداخل.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز هنا ضرورة تبني استراتيجية توعوية ووطنية شاملة لحماية وتحصين الوعي المجتمعي الخليجي، وتبدأ من تعزيز مفهوم "التربية الرقمية " أو " المواطنة الرقمية " كمنهج حياة، فيُعلم الأفراد مهارات التفكير النقدي للمحتوى الرقمي وكيفية التحقق من المصادر الموثوقة قبل التفاعل مع أي معلومة من هنا وهناك، فإن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق النخب الفكرية والأكاديمية، التي يجب أن تمارس دورها الريادي في تبسيط الحقائق المعقدة وقيادة الرأي العام بوعي وحكمة ومسؤولية أخلاقية، بعيداً عن الانفعالات اللحظية والغضب السطحي الطفولي أو السقوط في فخ المزايدات السياسية، وكما يتطلب الأمر تفعيل دور المؤسسات التعليمية في غرس قيم "المواطنة الرقمية" التي توازن بين الحقوق والواجبات، وبناء "قوة ردع فكرية" تجعل من كل مواطن خفيراً واعياً على أمن مجتمعه، فإن حماية الوعي في دولنا الخليجية تتطلب إدراكاً بأن إدارة الكلمة الحكيمة والرزينة في أوقات الفتن هو أقوى وأكثر نفعاً من ضجيج الشائعات، وأن الالتفاف الصلب حول المشتركات الوطنية والتمسك بالهوية العربية والإسلامية هو السبيل الوحيد لإجهاض كافة محاولات الاختراق، لتظل مجتمعاتنا عصية على التشويه، ومحصنة بوعي ناضج يجمع ببراعة بين أدوات الرقمنة الحديثة وقيم الأصالة الخليجية العربية العريقة.

حاصرونا بين التيس والكنغر

حاصرونا بين التيس والكنغر
عبدالرحمن الشمري

في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: 
هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ 
عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية.

فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا.

ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش.

وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة.

أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه.

وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات.

وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي.

بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي.

كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: 
العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا.

لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. 
فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. 
فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح:

العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة…

لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!.
وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟

إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.

الحياة لا تتوقفُ على أحد!

نقطة نظام

الحياة لا تتوقفُ على أحد!

أدهم شرقاوي


‏تقولُ الطبيبةُ النَّفسيّةُ الأميركية «آنا ليمبيكي» في كتابها الرّائع «أُمَّةُ الدوبامين»:

‏خلالَ أكثر من عشرينَ عامًا كطبيبةٍ نفسيَّةٍ، وأنا أستمعُ إلى عشراتِ الآلافِ من قصصِ المرضى، تكوَّنَتْ لديَّ قناعةٌ بأنَّ الطريقةَ التي نروي بها قصصنا الشخصيَّةَ هي علامةٌ ومؤشِّرٌ على الصِّحّةِ العقليَّةِ!

‏المرضى الذين يروون قصصًا غالبًا ما يكونون فيها الضَّحيَّة، ونادرًا ما يتحملونَ المسؤوليةَ عن النتائج السيئةِ لسلوكهم، في الغالبِ لا يبدُو عليهم أيُّ تحسُنٍّ ويبقون في دائرةِ الألمِ، إنهم مشغولون جدًا بإلقاءِ اللومِ على الآخرينَ بحيث لا يمكنهُم التركيزُ على عِلَّتِهم ومحاولةُ التَّعافي منها.

‏وعلى النَّقيضِ من ذلك، عندما يبدأُ مرضايَ في سَرْدِ القصص التي تُصوِّرُ مسؤوليتهم بدقةٍ، أعلمُ أنهم يتحسنون!

‏برأيي، ليس بالضَّرورةِ أنَّ من حلَّتْ به فاجعةٌ يتحمّلُ مسؤوليتها، أو جزءاً من المسؤولية، للأسفَ نحن في هذه الحياة نُؤذَى أحياناً ليس لأننا كُنّا سيّئين، وإنما لأننا كُنّا جيّدين أكثر مما ينبغي!

‏وبغضِّ النّظرِ عن الأسباب التي أدّت إلى الفاجعةِ التي ذُقنا مرارتها، نحن نهاية المطاف أمام فاجعةٍ قد حصلتْ! 

وسواءً كُنّا نتحمّلُ المسؤوليّة كاملةً، أو جزءاً منها على اعتبار أنّ الآخرين لا يمتطون ظهورنا إلا بموافقتنا، أو لا ذَنْبَ لنا ولا جريرة كما أُلقيَ يوسفُ عليه السّلام في الجُبِّ لأنه كان جميلاً جداً وأبوه يُحبُّه! 

فإنّ ما حصل قد حصل، وحَبْسُ الإنسان نفسَه في الأسباب يطيلُ أمدَ الفاجعة!

‏الأمورُ السّيئة تقعُ دوماً، هذه الدُّنيا مليئةٌ بالغادرين وقليلي الأصل، زاخرة بالمرضى النفسيين الذين لا يتعالجون وإنما يتعالجُ ضحاياهم! 

إلا أننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نعيش كضحايا أو كناجين!

‏الشّخصُ الذي يختارُ أن يعيشَ ضحيّةً سيبقى سجين ماضيه، سيمرُّ العمرُ عليه وساعته الزّمنيّة متوقّفة على توقيتِ جرحه! سيبكي دون فائدة، وسيطيل العتبَ الذي لا طائل منه، وكلما جفّ جرحه قليلاً سيعمدُ إلى قشرته وينزعها ليبقى غضّاً طريّاً! فلا هو قادرٌ على أن يُعيد الحكاية من أولها ليأخذ حِذره، ولا هو قادرٌ على أن يطوي الصّفحة ويمضي! سيتعَبُ ويُتعِبُ من معه، لن يُعطيَ فرصةً لنفسه ليُحِبَّ ويُحَبُّ مجدداً، لن يكون قادراً على الثّقة بأحدٍ، ومن تبعاتِ هذه أن لا يكون مصدر ثقةٍ لأحدٍ، لأنّ الحُبّ والثّقة بَذْرٌ أولاً ثم حصاد، ولا حصادَ إلا لباذرٍ!

‏أما الشّخصُ الذي يختارُ أن يعيش كناجٍ فسيطوي الصّفحة ويمضي، سيتعلّمُ الدّرس من الفاجعة، وسيكون حَذِراً لا شَكَّاكاً، سيتقدَّمُ بعقله ويتراجعُ بقلبه، وسيحمدُ اللهَ أنّ الأمور السّيئة التي وقعتْ كان بالإمكان أن تكون أسوأ، وأنّ الصّفعة ثمنٌ عادل مقابل أن يستيقظ، فإنها فاجعة أخرى أن يبقى المرءُ مُغفّلاً وأُلعوبة!

‏النّاجي يعلمُ أنّ ما حدثَ كان بسوء اختياره، وأنّ الدُّنيا مليئةٌ بالأشخاص الجيّدين كما هي مليئةٌ بالأشخاص السّيئين! جُرْحُ الحُبّ يُداويه حُبٌّ جديد وإنْ بحذرٍ هذه المرّة، لأنّ الفرصة الثانية مخيفة أكثر من الفرصة الأولى، لأنّ المرء يعلمُ مقدار ما يُخاطرُ به، إنّه قلبه!

‏صديقٌ نَذْلٌ سيطويه صديقٌ طيّب، وجُرْحُ الثّقةِ سيندملُ مع شخصٍ وفيٍّ!

‏تجاوزوا السّيئين، لا تسمحوا لهم أن يُفسدوا حاضركم كما أفسدوا ماضيكم، لا أحدَ يستحِقُّ أن تهبه عمركَ مرّتين!

‏لا تسترِقوا النّظر إلى حياةِ جارحيكم، تخلّصوا من هذا الفضول الذّميم! 

ادفنوهم، وأهيلوا عليهم التراب وتابعوا حياتكم، أَشرِقُوا مجدداً، أثبتُوا لأنفسكم أولاً ولهم ثانياً أنّ الحياة لا تتوقفُ على أحد، وأنّ من كان لائقاً بقلوبنا أحببناه، ومن كان نذلاً لم نكرهه، إنه أقلّ شأناً أن نمنحه شعوراً مهما كان نوعه!