
ع
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي

حسم المعركة
عامر عبد المنعم
القرآن ومنهج صناعة النماذج الحضارية
إن صناعة الأزمة العالمية والحروب منهج مدروس عند غران النظام الدولي فالحروب فرص استثمارية لإعادة تشغيل مصانع السلاح ثم إشباع رغبات سدنة البنوك الربوية ثم إعادة تشكيل الجغرافيا بما يحقق الاشباع النفسي لجاهلية البغي الرومي الأمريكي أو الأوروبي.
ليس من المنهجية العلمية التعامل مع فروع المدارس الباطنية بعيدا عن أصول العقائد الجامعة لأصحاب الجحيم سواء كانوا يهود أو نصارى حيث كانت شخصية عبد الله بن سبأ اليهودي محور رئيس في بناء أوكار المدارس الباطنية المجرمة التي فعلت بالأمة العربية والإسلامية ما فعله اليهود والصهيونية والصليبية على ممر التاريخ والواقع القريب.
من المؤلم جدا تلاعب العرب بعقول أبناء الأمة أو. غالبية من سقط في تيه الحسابات الحزبية أو الجماعات الإسلامية الأسيرة للولاء الخاص على حساب أصول الولاء العام للأمة العربية والإسلامية السنية المدركة لحقيقة المكون العام لأصحاب النعيم أو أصحاب الجحيم.
إن العقلية الأمريكية تحمل بين طياتها جميع صور المكر المعادي للأمة العربية والإسلامية فقبل عقود أربع تحديدا عام 1979 وقف الغرب بصفة عامة داعما لشيطان القرن.
الخميني الذي فعل ما قام به هولاكو أو جنكيز خان طاغية المغول وتمت جريمة دعم شيطان القرن الخميني لتفكيك البلاد السنية وبناء جيل يسقط في تيه الباطنية تحت مظنة الولاء لآل البيت وسبحان من ضرب قلوب الظالمين بعضهم ببعض
فوقع الصراع الوظيفي الشيطاني بين فروع الجاهلية المعاصرة جند الفرس تحت راية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجند الروم تحت راية الإدارة الأمريكية الفاشية
هل تبقى البلاد العربية والإسلامية في دائرة سداد الفواتير حال رضا الروم عنهم وحال الغضب؟
لسنا ممن يؤصل أو يستسلم لعقدة المؤامرة بل نسعى جاهدين لإدراك أصول الصراع بين الحق والباطل بعيدا عن هوس التلميع عند الاستغراق في تيه الولاء المحدث أو البراء الوظيفي.
أمريكا راس الجاهلية المعاصرة تتحرك من خلال رؤية شيطانية خاصة بها تحسن استثمار عقول ضحاياها في كافة محاور السياسة الوظيفية المدمرة التي تحسن التلاعب بالجماهير عن طريق آلة الإعلام فتجعل من تشاء شيطان رجيم وتجعل من تشاء خل حميم وتستمر أمواج التدليس ولا يبقى في ما من الا أهل العلم الراسخين الذين ينطلقون من أصول أصحاب النعيم صحب الرسول صلى الله عليه وسلم وما أجمعت عليه الامة خلال القرون الفاضلة الثلاثة الأولى.
آخر كلام
انتهاء اتفاقيات السلام وانهيار الإبراهامية
د. محمد المقاطع
أظن أن اتفاقيات السلام بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، بما فيها اتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية، دخلت مرحلة الموت السريريّ، وبدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة واحدة تلو الأخرى، وبدأت شواهد وإرهاصات الموت السريريّ لهذه الاتفاقيات تنعكس بشكل متزايد في السلوك العدائي للكيان الصهيوني وتزايد وتعاظم سلوك الإبادة والتطهير العرقي والتهجير، والتحريض المباشر الذي يقوم به هذا الكيان على الفلسطينيين للتحلل من اتفاق «هدنة غزة» الهزيل، بعد أن رأى جدية ترامب في تطبيق بنود الهدنة، ومن أهمها انسحاب الكيان الصهيوني الكامل من غزة، وكذلك نرى السلوك العدواني للكيان الصهيوني على دول عربية أطراف باتفاقيات السلام تلك، ما يؤكد دخولها مرحلة لفظ الأنفاس وعدم رواج نموذجها ولا توسيع رقعتها.
وهذه الحقيقة الجلية تتزامن بصورة طردية مع توقف عجلة التطبيع مع الكيان الصهيوني بكل أشكاله وصوره، بما في ذلك انهيار مشروع اتفاقات إبراهام التي حظيت بضغوط وبدعم أميركي مباشر، وها هو الموقف العربي والإسلامي متماسك وصلب في التصدي لها، وفي مقدمة هذه الدول باكستان وتركيا والسعودية وإندونيسيا، ولن أفاجأ بعد اليوم بأن نرى تصاعداً لتيار عربي وإسلامي عكسي يجهض ويفشل ويتحلل من كل أشكال الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني ويفشل عجلة ومسار التطبيع مع الكيان الصهيوني اللقيط. وخصوصاً أن التجارب المريرة للدول الموقعة لهذه الاتفاقيات عايشت تنكر الكيان الصهيوني لالتزاماته بتلك الاتفاقيات وتحلله منها وعدم إيلائها أي اعتبار في سلوكه العدواني والإجرامي، والأيام حبلى بكثير من الخفايا والوقائع المؤكدة لذلك. بل إن أحداث غزة وعدم التزام الكيان الصهيوني باتفاق وقف إطلاق النار وعدم تنفيذ مراحله ومضيه في إرهابه والإبادة الجماعية في غزة وسياسة التجويع والتطهير العرقي المستمر والذي لم يتوقف يوماً فيها على نحو وحشي وعدواني، شكّل قناعات عربية وإسلامية واسعة مناوئة لتيار السلام واتفاقياته مع هذا الكيان اللقيط، فضلاً عن وقف ورفض التطبيع معه، ولا يغيب عن الأذهان تنصل ورفض الكيان الصهيوني لحل الدولتين والقيام بأعمال خبيثة وعدائية لإفشاله.
بل إن الاعتداءات المتكررة للكيان الصهيوني على الضفة ونقل معركة الإبادة والحصار والتطهير العرقي والتهجير وحرق الأراضي الفلسطينية فيها سيكون شرارة إعلان نهاية المشروع الصهيوني وتوسيع دائرة التصدي العربي والإسلامي له بصورة غير مسبوقة خصوصاً مع تصاعد وتتابع إجراءات الكيان الصهيوني في انتهاكاته للمسجد الأقصى ومساعيه الخبيثة الرامية لتهويد المسجد الأقصى والقدس الشريف.
وستكون تلك هي القاصمة التي ستكسر ظهر هذا الكيان اللقيط المتغطرس ووجوده ومخططه إلى غير رجعة، وسيكون ذلك أقرب وأسرع مما يمكن أن يتصوره أي منا.
فلحظة انهيار اتفاقات السلام أوشكت أن تحدث! وعلى الصهاينة ستدور الدوائر ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إذا انفصل إقليم دارفور فستقع هذه الكوارث الست عربيا وأفريقيا

يقع إقليم دارفور في الجزء الغربي من السودان في مساحة تقدر بحوالي 510 آلاف و888 كيلو مترا مربعا، ويبلغ عدد سكان الإقليم نحو 9.5 ملايين نسمة، وتسكنه قبائل عديدة من أصول أفريقية وعربية لكن من أبرز المكونات السكانية في الإقليم قبائل الفور، والمساليت، والزغاوة، والرزيقات، والداجو.
ويزخر الإقليم بموارد وإمكانيات اقتصادية هائلة ومتنوعة، زراعية وتعدينية ورعوية، مثلما يتميز بكثافة سكانية عالية، حيث يشكل الريف في دارفور موطنا لنحو 75% من السكان.
وتغلب على جغرافيا دارفور تضاريس السهول الواسعة، وتتخللها سلاسل جبال أشهرها سلسلة جبل "مرة" التي تتميز بخصوبتها العالية، وتحده من الشمال الغربي ليبيا، ومن الغرب تشاد، ومن الجنوب دولة جنوب السودان، ومن الجنوب الغربي جمهورية أفريقيا الوسطى.
يتميز إقليم دارفور بتاريخ ثريّ ومجيد يعود إلى عصور ما قبل التاريخ حيث سادت في الإقليم ممالك الداجو والتنجر، وعقب دخول الإسلام قامت في الإقليم ممالك وسلطنات إسلامية عريقة، أبرزها سلطنة الفور التي أسسها السلطان سليمان سولونغ.
وازدهرت السلطنة في عهد أسرة "كيرا"، واستمرت ككيان مستقل يحكم دارفور حتى أوائل القرن الـ20، واستمر حكمها للمنطقة عدة قرون.
بعد استقلال السودان عام 1956 عانى إقليم دارفور من مشكلات نقص التنمية كغيره من أقاليم السودان الحدودية في الشمال والشرق والجنوب، وفي إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا وفي مناطق جبال النوبة
عقب قيام الثورة المهدية أصبح الإقليم جزءا من الدولة المهدية، ثم بعد هزيمة المهدية خضع إقليم دارفور لسلطة بريطانيا ومصر، وتم ضمه رسميا للدولة السودانية في عام 1916 إثر هزيمة ومقتل السلطان علي دينار، حاكم الإقليم وآخر سلاطين الفور.
وبعد استقلال السودان عام 1956 عانى إقليم دارفور من مشكلات نقص التنمية كغيره من أقاليم السودان الحدودية في الشمال والشرق والجنوب، وفي إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا وفي مناطق جبال النوبة.
والسبب أن المستعمر البريطاني كان قد اهتم بتركيز التنمية في الوسط، وفي نطاق ضيق جدا يتيح له إحكام قبضته على البلاد، وضمان انسياب الموارد الخام التي كان ينقلها إلى إنجلترا لتحريك الصناعة والتجارة وخدمة الاقتصاد البريطاني.
ونتيجة لتركيز المستعمر على الأجزاء الوسطى من السودان ازدهرت الحياة في هذه الأجزاء، وغلبت عليها مظاهر التنمية والرفاهة الاقتصادية مقارنة ببقية الأقاليم في الشمال والشرق والجنوب.
ومما كرس لهذا الوضع المختل، استمرار الحكومات الوطنية المتعاقبة على ذات نهج المستعمر مع فارق ضئيل، فصرفت اهتمامها إلى الوسط والعاصمة الخرطوم أكثر من باقي أجزاء السودان، فحدثت فجوة في التنمية ما بين الوسط وبقية أقاليم السودان الطرفية، وهي فجوة أخذت في الاتساع مع تعاقب الحكومات واستمرارها في ذات النهج.
لم تتأثر أقاليم الوسط بهذه التغيرات وتداعياتها بنفس المستوى مقارنة بالأقاليم الطرفية، وكانت النتيجة هي بروز اتجاهات وأصوات مطلبية في هذه الأقاليم تنادي بتحقيق التوازن في التنمية ما بين هذه الأقاليم والوسط، تطورت إلى حركات احتجاج سياسية، ثم تولدت عنها حركات مسلحة
وذلك بالإضافة إلى الأثر الضار الذي أحدثته التغيرات المناخية والتي تسببت في أكبر موجة جفاف وتصحر ضربت دارفور وشرق السودان وشمال السودان وصلت حد المجاعة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وامتدت آثارها طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، حيث ساهمت هذه التغيرات الطبيعية في توسيع الفجوة في التنمية.
ولم تتأثر أقاليم الوسط بهذه التغيرات وتداعياتها بنفس المستوى مقارنة بالأقاليم الطرفية، وكانت النتيجة هي بروز اتجاهات وأصوات مطلبية في هذه الأقاليم تنادي بتحقيق التوازن في التنمية ما بين هذه الأقاليم والوسط، تطورت إلى حركات احتجاج سياسية، ثم تولدت عنها حركات مسلحة خاصة في إقليم دارفور، وذلك في بداية الألفية الثالثة.
وقد كان رد الفعل في بقية الأقاليم متباينا وأقل حدة من دارفور، ففي الجنوب ارتأت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق أن تضع السلاح وتجنح للسلام والتسوية السياسية، وانتهى الأمر بها بنيل حق تقرير المصير واختار شعب الإقليم الانفصال عن الدولة باتفاق سلام بموجبه انفصل جنوب السودان وتحول إلى دولة مستقلة ذات سيادة.
أما الشمال الذي تمثله الآن ولايتا "نهر النيل" و"الشمالية" فلم يحذُ حذو دارفور والجنوب ولم تنشأ فيه حركات مطلبية مسلحة، واقتصر رد الفعل فيه على أدوات ووسائل العمل السياسي السلمي على مر العهود منذ الاستقلال.
وبالنسبة لشرق السودان وبالرغم من وجود أكثر من خمس حركات مؤتلفة في تكتل عسكري واحد، فإنها لم تقم بمصادمة الحكومات المركزية في عمليات قتالية مباشرة ضد الجيش.
باستثناء تلك التي انضوت تحت لواء الجناح العسكري لتنظيم التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لنظام البشير في حقبة التسعينيات، وهو جناح كان يأتمر بإمرة الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي قام بالهجوم على شرق السودان أواخر عام 2000، وقد كان انضمام هذه الحركات للحركة الشعبية تحت دعاوى التهميش.
بالنسبة لشرق السودان وبالرغم من وجود أكثر من خمس حركات مؤتلفة في تكتل عسكري واحد، فإنها لم تقم بمصادمة الحكومات المركزية في عمليات قتالية مباشرة ضد الجيش
عند اندلاع التمرد المسلح في دارفور بصورته الأعنف الذي حدث في عام 2003، لم يكن الانفصال حاضرا في أجندة الحركات المتمردة، حيث استندت هذه الحركات في تبرير تمردها وحملها السلاح ضد الحكومة المركزية إلى ما أسمته بالمظالم التاريخية التي وقعت على الإقليم والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وغياب التنمية المتعمد، واحتكار السلطة والثروة من قبل المركز في العاصمة وما حولها.
كذلك بررت هذه الحركات تمردها بمزاعم عن وقوع عمليات تطهير عرقي مورس ضد المكونات العرقية التي تنتمي إليها من قبل مجموعات عرقية مناوئة لها بضوء أخضر من الحكومة، لكن لم يتضمن خطابها السياسي والاحتجاجي المطالبة بفصل دارفور عن الدولة السودانية، وإنما جوهر خطابها كان رفع المظالم والتهميش وإعمال معايير العدل والمساواة في التنمية في إطار سودان واحد موحد.
لم يكن التمرد الذي قاده زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ضد الحكومة السودانية ذا صلة لا من قريب ولا من بعيد بأي دعاوى تهميش لإقليم دارفور، أو مظالم تاريخية لحقت بالإقليم، ولا بمطالب بتحقيق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة، وهذا للتاريخ.
وإنما كان تمرده بدافع واحد لا ثاني له: وهو الاستيلاء على السلطة والحكم بقوة السلاح ضمن خطة شاركت في وضعها جهات خارجية حسبما اتضح لاحقا، مع تطاول أمد الحرب بحجة القضاء على هيمنة التيار الإسلامي على مفاصل السلطة، بالرغم من أن هذا التيار قد أطاحت بسلطته ثورة شعبية قبل أربع سنوات من تمرد قائد الدعم السريع.
كما تم إبعاد رموز النظام من الإسلاميين عن مفاصل السلطة من قمة هرمها إلى أدناه، حيث تم فصل كل من يشتبه بانتمائه لهم من وظائفهم في الخدمة المدنية والعسكرية فيما يشبه التطهير، وشُكلت لهذا الغرض لجنة رفيعة ذات صلاحيات عريضة سميت بلجنة إزالة التمكين.
ومع فشل محاولة الاستيلاء على السلطة وتمدد المواجهات مع الجيش وانكشاف الدوافع الحقيقية للمحاولة، سارعت الدعم السريع إلى الدفع بمبررات جديدة ورفع شعارات أخرى لاحقة.
فمن محاربة الإسلاميين، إلى دعاوى التهميش، ثم إلى محاربة سكان شمال السودان "الشماليين" والوعيد بالانتقام منهم، ثم دعاوى استعادة الحكم المدني الديمقراطي… إلخ.
وقد أسهم هذا التخبط في الخطاب مقرونا بالفظائع والانتهاكات في حق المدنيين والدمار الواسع الذي طال كل شيء في دفع السودانيين إلى مساندة الحكومة والجيش ضد الدعم السريع.
ومن المفارقات في هذا الشأن أن حركات الكفاح المسلح الدارفورية التي حملت السلاح في السابق ضد الحكومة المركزية انحازت لصف الحكومة والجيش السوداني في مواجهة الدعم السريع تحت إمرة قيادة الجيش، ورفضت الانخراط في صف الدعم السريع وهي ترفع شعار جيش واحد شعب واحد، وتنادي بوحدة السودان، وترفض دعاوى فصل دارفور أو أي إقليم آخر.
لم يكن التمرد الذي قاده زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ضد الحكومة السودانية ذا صلة لا من قريب ولا من بعيد بأي دعاوى تهميش لإقليم دارفور، أو مظالم تاريخية لحقت بالإقليم، ولا بمطالب بتحقيق التنمية المتوازنة
نتيجة للهزائم الميدانية المتتالية التي ألحقها الجيش بقوات الدعم السريع وفقدانها لمعظم قياداتها الميدانية وإخراجها عنوة من ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض ومن العاصمة الخرطوم وأجزاء واسعة من كردفان، لاذت بدارفور وتحصنت بها، ومن ثم بدأت في الإفصاح عن مشروعها الانفصالي حيث شكلت ما سمي بالإدارات المدنية في مناطق سيطرتها للقيام بمهام السلطة والحكم.
وقامت بتطوير الفكرة بالتنسيق مع جناحها المدني السياسي الذي يترأسه رئيس الوزراء الأسبق المستقيل عبد الله حمدوك، فيما عرف بالحكومة الموازية، ثم حكومة "تأسيس" التي أنشئت في فبراير/شباط 2025.
وتم تشكيل هياكل لهذه الحكومة الافتراضية شغلتها شخصيات من قوى سياسية وحركات مسلحة مناهضة للجيش، ويتسنّم المجلس الرئاسي فيها قائد الدعم السريع حميدتي.
ومؤخرا عينت محافظا للبنك المركزي للحكومة المزعومة، وقضاء وشرطة وجيش (قوات الدعم السريع)، وهي ماضية في استكمال هياكل وأجهزة الحكم.
حتى الآن لم تطرح فكرة انفصال دارفور بصورة رسمية وواضحة لا من الدعم السريع وجناحها السياسي ولا من القوى الإقليمية والدولية الداعمة لهما، ولم يطرح أيضا في أي منبر من المنابر على أي من المستويات الإقليمية والدولية.
فعلى المستوى الداخلي حركات الكفاح المسلح في دارفور التي تقاتل في صف الجيش ترفضها بشدة، والحقيقة أن الانقسام القبلي الحاد الحادث وسط المكونات القبلية في دارفور الذي تعمق بفعل مذابح الدعم السريع والإبادة الجماعية التي ارتكبتها في حق بعض المكونات القبلية تجعل من المستحيل أن تقبل هذه المكونات العيش تحت سلطة من مارس ضدها الإبادة.
وعلى المستوى القومي فالفكرة لا تلقى رواجا ولا ينظر إليها باعتبارها حلا ناجعا، بل يراها الكثيرون أنها مدعاة لتفتيت السودان وتشظيته تحقيقا لمصالح قوى أجنبية.
وقد قوبل الإعلان عن الحكومة الموازية في أبريل/نيسان 2025 برفض محلي وإقليمي ودولي واسع، ولم تجد أي اعتراف علني من أي دولة في العالم حتى الآن، مما يجعل فرص النجاح لها ضئيلة للغاية.
ولكن لا يمكن الجزم باستحالة بروزها إلى العلن بفعل الأمر الواقع في عالم سمة السياسة الدولية فيه التقلب والاضطراب وسرعة تبدل وتغير المصالح.
ونموذج أرض الصومال قريب إلى الأذهان حيث لم تنل أي اعتراف دولي منذ 1991 باستثناء اعتراف إسرائيل بها مؤخرا أواخر عام 2025، وبعض الدول تتعامل معها دون اعتراف رسمي بها.
في حال الانفصال ستكون اليد العليا والغلبة في الدولة الجديدة للمكونات القبلية الداعمة للدعم السريع، وبذلك تكون المكونات الأخرى المناوئة لها تحت رحمتها بكل تاريخها القاتم الملطخ بجرائم الإبادة الجماعية
بعبارة أكثر تفصيلا: ما الآثار التي يمكن أن يترتب عليها انفصال إقليم دارفور على مستوى الدولة السودانية، وتأثير ذلك على القارة الأفريقية، والعالم العربي؟
وهو سؤال إن كانت الإجابة عنه تبدو بديهية بالنسبة للسودان، إلا أنها بالنسبة لأفريقيا والعالم العربي ليست كذلك، وفيها شيء من التعقيد وتحتاج للغوص إلى أعماق بعيدة لمعرفة الأثر الذي يمكن أن يخلفه انفصال دارفور على الواقع في هذين العالمين.
والفرضية بخصوص هذا التأثير المحتمل هي أن الموقع الجغرافي للسودان يمثل جسرا رابطا ما بين أفريقيا والعالم العربي ليس بحكم الموقع والجغرافيا فحسب، ولكن بفضل التلاقح المثالي بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية، وذلك المزيج النادر بين الغابة والصحراء، نتيجة هجرات موغلة في القدم تمت من أفريقيا شرقا وغربا، وجنوبا ومن مختلف البقاع من الجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب العربي.
في حال انفصال دارفور فإن مساحة الدولة السودانية ستنكمش بمقدار الخُمس، وتفقد بالتالي ميزة جيوسياسية مهمة ساهمت تاريخيا في تماسك السودان وامتداد نفوذه صوب غرب أفريقيا وجزء من المغرب العربي.
كما يفقد السودان أراضي زراعية شديدة الخصوبة وثروات معدنية يزخر بها باطن أرض دارفور. وفوق ذلك وهو الأهم إنسان دارفور الذي يتميز بأنه منتِج، وله إسهام كبير في الاقتصاد السوداني، كما يفقد عددا هائلا من الثروة الحيوانية ظلت ترفد الخزينة العامة بإيرادات معتبرة.
حيث يؤثر انفصال دارفور سلبا على التماسك الوطني والوحدة الوطنية، خاصة أن تجربة انفصال جنوب السودان لا تزال آثارها ماثلة بعد مرور 15 عاما، ويظهر الدولة السودانية بمظهر الهشاشة، والعجز عن بسط سلطتها على كامل أراضيها.
وذلك على أساس نظرية تساقط قطع الدومينو، خاصة أن هناك أقاليم ظروفها مشابهة وربما تجد في حالة دارفور ومن قبلها جنوب السودان أسوة وحافزًا لها نحو المضي في نفس الطريق والمسلك، وتحت نفس الدعاوى والشعارات ودائما هناك قوى أجنبية على استعداد لتبني ودعم التوجهات الانفصالية خدمة لمصالحها، مما يفتح الباب لتحول السودان إلى دويلات متناحرة.
وهو الأثر الأكثر خطورة على الإطلاق، حيث يتحول مصدر الخطر والمهدد الأمني للسودان من مليشيا تفتقر إلى الكثير من عناصر القوة، إلى دولة تمتلك كل عناصر القوة بفضل الدعم الهائل الذي ستتلقاه من القوى الداعمة لها، والتي تقف وراء فكرة الانفصال للاستمرار في العدوان على السودان، وشن حرب نظامية لتحقيق أهدافها التي عجزت عن تحقيقها حال كونها مليشيا متمردة لا تجيد غير حرب العصابات.
في حال الانفصال ستكون اليد العليا والغلبة في الدولة الجديدة للمكونات القبلية الداعمة للدعم السريع، وبذلك تكون المكونات الأخرى المناوئة لها تحت رحمة هذه المكونات بكل تاريخها القاتم الملطخ بجرائم الإبادة الجماعية.
والأرجح أنها ستستمر في ذلك من أجل إحداث تغيير ديمغرافي باستقدام مكونات جديدة من خارج الحدود، هي امتداد للمكونات الحاضنة للدعم السريع.
وبالتالي سيشهد العالم فصلا آخر جديدا من التطهير العرقي والتهجير القسري أكثر فظاعة وبشاعة حيث ينفرد الجلاد بالضحية، ويمكن أن يمتد ذلك لبقية أجزاء السودان.
معظم الدول الأفريقية تعاني من مشاكل تتعلق بالانقسام بين مكوناتها السكانية، وهي معضلة مزمنة في أفريقيا خلقها الاستعمار وخلفها وراءه بعد خروجه. وبالتالي -في حال انفصال دارفور- قد ينفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الانفصالية على مستوى القارة للمطالبة بالانفصال طوعا أو كرها، وهذا بالطبع سيخلق إضطرابا كبيرا داخل القارة
معظم الدول الأفريقية تعاني من مشاكل تتعلق بالانقسام بين مكوناتها السكانية، وهي معضلة مزمنة في أفريقيا خلقها الاستعمار وخلفها وراءه بعد خروجه.
وبالتالي قد ينفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الانفصالية على مستوى القارة للمطالبة بالانفصال طوعا أو كرها، وهذا بالطبع سيخلق اضطرابا كبيرا داخل القارة، وموجة جديدة من التناحر القبلي والصراعات السياسية العنيفة، مما يؤدي لانتكاسة جديدة في بعض الدول التي بدأت في التعافي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
حيث ستؤدي عمليات إعادة رسم الحدود إلى نشوء صراعات حدودية بسبب التعقيدات الديمغرافية و التداخل الجغرافي بين الإثنيات والمجموعات السكانية في كثير من دول أفريقيا.
فهناك مجموعات مهاجرة قد تجد نفسها خارج التقسيم بسبب إعادة رسم الحدود، ومن شأن ذلك خلق صراعات جديدة لم تكن قائمة من قبل.
بسبب التغير في التركيبة السكانية وتفكك النسيج المجتمعي داخل كل دولة، تضطر كثير من المجموعات السكانية إلى ترك موطنها والنزوح إلى مناطق أخرى داخل الدولة، أو اللجوء إلى دول أخرى طلبا للأمن ولحياة أفضل.
وبعضهم قد يضطر للهجرة خارج حدود القارة ولما لذلك من آثار سالبة عليهم وعلى مجتمعاتهم.
نفس الآثار المتوقع حدوثها في أفريقيا المذكورة أعلاه، خاصة في الدول التي تعاني من مشكلات انقسام ووجود أقليات داخلية أو أقاليم متنازع عليها، وتلك التي تشهد صراعات مذهبية وطائفية، وتعاني من اتجاهات انفصالية مزمنة.
بفضل موقعه الجيوسياسي وامتداد سواحله على البحر الأحمر، يلعب السودان دورا محوريا في استقرار الدول العربية، وأي تفكك فيه يؤثر سلبا على العالم العربي بما يحدثه من فراغ أمني يتم استغلاله من القوى المعادية للأمة العربية.
بامتلاكه أراضي زراعية شاسعة، ومياها وفيرة، يعتبر السودان سلة غذاء رئيسية للعالم العربي، وأي اختلال أمني يحدث فيه ويؤدي لتعطيل هذه المقومات ينعكس أثره السالب على الأمن الغذائي العربي.
ففي ظل الفوضى التي ستعم إقليم دارفور أو الدولة الجديدة فيه إذا ما تم الانفصال، فإن ذلك سيترتب عليه نشاط مكثف لتجارة البشر والهجرة غير النظامية، وتجارة المخدرات والتهريب وغسل الأموال، وسيكون أول المتأثرين بها دول الجوار العربي خاصة المطلة على البحر المتوسط.
لكل تلك الأسباب وغيرها فإن المطلوب من الدول العربية والأفريقية أن تنتبه إلى خطورة ما بدأ يتردد من دعوات واتجاهات آخذة في التزايد بتسويق فكرة انفصال دارفور باعتباره حل يمكن أن يوقف الحرب.
وعليها أن تتخذ خطوات جادة نحو المساهمة في دعم وحدة السودان وأمنه واستقراره، لأن في استقراره ضمانا لأمن واستقرار محيطه العربي والأفريقي، والعكس صحيح.