السبت، 4 يوليو 2026

انفصال لم يُسمع له دويّ!


انفصال لم يُسمع له دويّ!
حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


منذ أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في السودان عن حكومتهم الموازية، واختيار مدينة نيالا عاصمة إدراية، بدا أن عواقب تلك المغامرة لن تكون حميدة.

 لم يقتصر إعلان تحالف المليشيا على حكومة منفى أو سلطة رمزية تنازع السلطة العسكرية المتحصّنة وقتها في مدينة بورتسودان شرعيّتها. 

تدرج "مشروع" الحكم لإعلان مؤسّسات دولة موازية. 

ثم أقام امتحانات لطلاب الشهادة الثانوية ادّعى إنه قادر على توفير جامعاتٍ لهم في الأراضي الواقعة تحت سيطرته. 

وأعلنت الحكومة الموازية نيتها مراجعة المناهج التعليمية، كما أعلنت عن إجراءات مصرفية. 

ما يبدو إجراءات إدارية مضحكة ومعزولة هو محاولة لبناء شرعية يومية، تجعل السلطة الموازية جزءاً من تفاصيل حياة المواطنين، لا قوة عسكرية تسيطر على الأرض.

جاء موقف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) وجامعة الدول العربية كما هو متوقع، برفض إجراءات السلطة الموازية، والتنديد المستمر بأي إجراء يهدد وحدة السودان. 

فتكرّر التحذير من المساس بهذه الوحدة في كل التصريحات، حتى في مؤتمر برلين (إبريل/ نيسان 2026) الذي أكد أهمية قيام عملية سياسية أعلن المؤتمر أن أي تسوية سياسية يجب أن تنتهي إلى دولة موحّدة. لكن الواقع العملي ربما يجبر العالم على إجراءات حذرة على الأرض.

تقف السياسة الدولية عند مفترق قول ما ينبغي قوله، برفض السلطة الموازية في نيالا، لكنها تضطر للتعامل معها سلطة أمر واقع لإيصال الغذاء والدواء إلى ملايين السودانيين. 

لا تنتظر الإغاثة انتهاء الحرب. وتجد المنظّمات الدولية نفسها مجبرةً، منذ بداية الحرب، على التفاوض والتنسيق مع من يسيطر على الأرض. الأمر الذي جلب عليها سخط السلطتين واتهامات التعاون مع العدو، لكن ما تفرضه الوقائع على الأرض يجبر السياسة الدولية على خياراتٍ لا تتسق مع ما تعلنه الدبلوماسية. وكما لا تنتظر الإغاثة، لا تنتظر المصالح. وما يمكن أن تغري به سلطة نيالا لا يختلف كثيراً عما يمكن أن تعد به سلطة الخرطوم. والجشع التجاري يغلب عقوبات المجتمع الدولي على الاستثمار في مناطق النزاع.

لم تعد الحرب السودانية تدور حول عمليات قتالية بين جيش نظامي ومليشيا، لكنها تجاوزت تنازع السلطة إلى اقتسامها. 

فبعدما فشلت "الدعم السريع" في الاحتفاظ بالعاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة الزراعية، وتعاملت معهما بمنطق الغنيمة ووليمة السلب المفتوحة، قنعت المليشيا عن الغنيمة بالاقتسام. وتراهن على تسرّب سلطتها الموازية إلى الحياة اليومية، فلا تصبح إجراءات مؤقتة أو معزولة، إنما واقع سلطوي يدير الحياة وينتج مؤسّسات موازية، بل ربما يدافع عن المواطنين من غارات السلطة العسكرية، فيكتسب شرعية الحامي، إضافة إلى شرعية سلطة الحياة اليومية. ينتج هذا واقعاً سيبدو التراجع عنه أكثر كلفة من الاستمرار فيه.

وكما يقدّم التاريخ نماذج لانتهاء سلطات موازية وتلاشيها بانتهاء الحرب، يقدّم نماذج لتحول تلك السلطات إلى دول مستقلة. 

وإن كان الشعب السوداني قد كرّر رفضه أن تكون هناك "مليشيا تحكم دولة"، لكن التاريخ قدّم نماذج لانتصار مليشيات بعد حرب استنزاف وإقامتها سلطة مركزية أو موازية تحوّلها من مليشيا شبه نظامية إلى جيش نظامي بين عشية وضحاها. 

وتنبت الرتب العسكرية الرسمية على أكتاف رجال لم يدرسوا في كليات عسكرية، لكنهم تركوا أدواتهم المدنية وحملوا السلاح. 

والأخير نموذج يغرق فيه السودان اليوم حيث تتقاسمه (مع وجود الجيش النظامي) تحالفات واسعة من المليشيات في الخرطوم ونيالا، بالتوازي مع كارتيلات الفساد التي تعتمد على العلاقات بحملة السلاح. 

كلما طال أمد الحرب ترسّخت مصالح هذه المجموعات، كما تترسّخ حقيقة المؤسّسات الموازية التي تبدو هشة اليوم، لكنها بالتأكيد أقل هشاشةً عما كانت عليه يوم أعلنت منذ شهور وأسابيع. مع مرور الوقت، الذي يبدو أن الحرب تمتلك منه الكثير، يصبح تفكيك الواقع الذي ينتجه هذا الوضع المتشابك أصعب وأكثر كلفة.

تلك هل المعضلة التي يدركها المجتمع الدولي، لكنه لا يجد لها حلاً فيما يبدو. فهو يكرّر الدعوة إلى وحدة السودان على مجموعات لا تبدو حريصة على هذا، وفي واقع لا يمكن أن ينتج إلا انفصالاً جديداً بعد انفصال جنوب السودان في 2011.

تقول الروائية بثينة العيسى في روايتها "ارتطام لم يُسمع له دويّ" (ومنه جاء عنوان هذه المقالة): "من العبث أن تلوذ بالعتمة من العتمة".. 

وما يبدو أن ما يواجه السودانيين هو عبث الفرار من الاقتتال الأهلي إلى انفصال السودان. وهو انفصال يمشي بهدوء من دون أن يصدر الضجّة التي أحدثها انفصال 2011.

صناعة التفاهة


  1. صناعة التفاهة
رحلةٌ لفهم جذور التفاهة، وكيف تتسلل إلى التعليم والإعلام والثقافة، وما الذي يمكن فعله لمواجهتها.
 
كلية الطب والجراحة، جامعة كردفان مهتم بقضايا الفكر الإسلامي مختص بفهرسة كتب السير الذاتية باحث بمركز إدراك للبحث العلمي

الراصد للحالة الإنسانية بشتى مستوياتها المعرفية، والعلمية، والعملية، والإدارية، وتداخلات بِنى التطوير المعماري من جهة وتجاوز المآزق التاريخية للتصورات الحاكمة لنماذج الحكم، وهيمنتها على الفضاءات العامة من مناحٍ أخرى يلحظ نوع تدنٍّ وتراجع للحالة الحياتية بشتى تجلياتها سالفة الذكر؛ وهو رهن العطب الذي نوليه نوع تناول في هذا المقال تحت وسم (صناعة التفاهة) من حيث المفهوم، والأسباب، والمظاهر، وسبل المواجهة، والبدائل التي تحل محل هذه العوائق، آملين قليلاً من التجديد لخطابات الممانعة التي تكتفي -حتى الآن- بامتعاضها دون الحيلولة وقطع علائق الداء المعني.

مفهوم التفاهة

يرجع اللفظ في وضعه اللغوي إلى تفِه تفاهة وجمعها توافه، وهي نقصٌ في الأصالة، أو الإبداع، أو القيمة، وكذا الدناءة، والحقارة، ومنها المعنى الوارد في الحديث النبوي في ثنايا ذكر علامات الساعة وأماراتها، ككلام التافهة في أمر العامة… ((قلنا: وما الرويبضةُ يا رسول الله، قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)) فعبَّر عليه الصلاة والسلام عن تصدّر الجاهل والدنيء لأمور وشؤون الناس مما لا صلة ولا اختصاص له به تفاهةً منه.

أما في العموم فالتفاهة هي اتجاه فكري معاصر تشكَّل إثر استحكام نظريات الدولة الحديثة وسردياتها الحاكمة للنظام الحياتي المعاصر.

أسباب التفاهة ومغذياتها


إن حالة التردي بشكل عام في العصر الحالي، وبصورة خاصة في الشعوب المسلمة؛ يرتهِن للاضطراب الحضاري، والزعزعة المعيارية في صفوفها، من غيابٍ لحاكمية النسق الشرعي، واختلال في منظومة القيم المستمدة من الكتاب والسنة، وضعف التعاطي مع عجلة التقدم العلمي، إما بنوع تخلف ملحوظ، أو مجاراة غير منضبطة فيها تفريط للوصول من جهة وانغماس في فروعيات وافدة من نواحٍ أخرى، وقد عبّر عن هذه الثُلمة الدكتور سعيد بشار في رائعته المسماه بـ(المصطلح خيار لغوي وسمة حضارية) بعبارات وعَبرات تحكي أرَقه وحزنه على حالة الضعف للأمة إذ يقول: «هذه الأمور من أهم عوامل صحة الأمة وعافيتها، أو سقمها ومرضها، أو قل هي بمثابة الشريان الذي يدفع الدم الزكي الطيب للجسم؛ فيكون غذاء ينتفع به، أو يدفع الدم الخبيث العفن فيكون داءً يتضرر منه…» والدكتور بشار هنا يتكلم عن سطوة الاستغناء عن عموديْن من أهم روافع الحياة الإنسانية، وما نتج عن غيابهما من تفاهة، وضلال وتيه، وهما: اللغة والدين.

كذلك من أسباب سيطرة التفاهة على جيل الأمة المسلمة الاستغناء عن أدوات فهم التراث الشرعي، المَعين الناظم للحياة، واستجلاب قوالب جديدة من خارجه لتكون حكمًا عليه، تارة تبديلًا لمظانه، ومرة بطرد معانٍ مركزية فيه، ومرات عديدة باستجلاب معانِ أجنبية عنه كدلالات لألفاظه، وهو المعنى الذي دارت حوله رسالتا الأستاذ أبي عمر إبراهيم السكران رائجتا الصيت، وذائعتا الشهرة في الباب، وسبك في ذات المنحى الدكتور خالد بن عبد العزيز السيف كتابه المسمى (ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر) والتي أحلى ما فيها تدارس منابع التفاهة في هذه الجزئية بنقد أهم المشاريع العربية ذات القراءات التافهة للنصوص الشرعية.

سطوة نموذج الدولة الحديثة على الحياة القيادية الحالية يلعب دورًا مهمًّا في نظام التفاهة كما عبّر عن ذلك الأستاذ آلان دونو في رائعته (نظام التفاهة)، وحاصل ما قاله أنَّ الضعف الموجود في أنظمة التعليم والإدارة والصناعة والإعلام ولاقتصاد وجميع محاريب الحياة لهو فرع عن أصل هذه الأدواء العضال وهو: تولية الأشخاص محدودي ومتوسطي الذكاء والفِطنة لقيادة الأمم والشعوب.

مظاهر التفاهة


ضعف الإنتاج العلمي، وإغراق الناس في السفسطة والجدل وعدِّها ذلك علمآ يدفع ويرفع، والازدراء لأي محاولات إصلاحية لهذا العطب.هو عين التفاهة وهو المعنى الذي ساقته الكاتبة النافذة الرؤية (الأديبة إقبال بركة) في ثنايا تقدمتها لرائعتها (الحب في صدر الإسلام) وهي تتحسّر على ضيق عَطن القلم العربي الذي تنكّر للمفردة الشعرية القديمة واستعاض عنها بشوارد أوصاف حديثة إذ تقول: «إنها قراءة جديدة لقصص قديمة، قراءة بعيون عصرية، عيون امرأة القرن العشرين المشرف على نهايته؛ امرأة تؤمن بالحب وتأثيره الرائع على قلب الإنسان ونفسه وعقله…» ثم واصلت السرد والاستشهاد لحالة التفاهة في النظم الحديث للحب والوجدانيات بشكل عام مع عزوها للسبب أعلاه: وهو ضعف الإنتاج وضآلة التدوال للموروث!

سيادة العبثية والعدمية والمناهج الخادمة لهما: فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001 -وأعني حدث تفجير برجي التجارة العالميين- تخِذت الفضاءات الحياتية نوع تحول بظهور موجات الإلحاد الجديد كما رصد ذلك الباشمهندس عبدالله العجيري وقام بتشريح التفاهة وربطها بهذه الطامة الدكتور عمرو شريف في كتابه المعروف.

سبل المواجهة

أول خطوات مواجهة هذه الموجة الخطيرة هي التعرف عليها، ثم دراسة أسبابها في أي منحى تمظهرت فيه، ثم أخذ الحيطة والحذر من استفحالها، وتدارك نتائجها الكارثية بجملة من التدابير نزعم نفعها وهي:المنهجية في التعلُّم والتدريس: فأس التفاهة المعرفية التخبط في مصادر المعارف ومنتوجاتها فالأخذ العشوائي للمعلومات نفسه باب قائدٌ للتفاهة، ومقدمات رادة للنتائج العفِنة، فلا بد من ضبط الأصول لتنضبط الفروع، وسلامة القواعد ضامن لسلاسة النهايات، والبناء رهن ساسه متانةً وبقاء!توسيع دائرة المزاحمة للتافهين وتقديم المطلوب الإعلامي والإداري والتعليمي والقيادي، وسد حاجة المجتمع بتجهيز اللوازم بشتى المنافذ التي يدخل عبرها التفه والسوء؛ فالطبيعة لا تقبل الفراغ.
الطرق المتزايد لمعضلة التفاهة وتاريخها وظروف ظهورها وخوادمها أمر مهم في مدافعتها.

والله المستعان.


المصدر تبيان 
كلية الطب والجراحة، جامعة كردفان مهتم بقضايا الفكر الإسلامي مختص بفهرسة كتب السير الذاتية باحث… 

جدلية الوهم.. عند الظالم والمظلوم

جدلية الوهم.. عند الظالم والمظلوم
"الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب"

غرام الوهم

ليست الكارثة الكبرى في التاريخ أن تخطئ قوة عظمى في الحساب، بل أن تقع في غرام صورتها عن نفسها، أو لا يعاد النظر بعد كل هذا البلاء في الداروينية الاجتماعية كما تسمى، والتي نرى نتائجها على الأرض في شعوبنا دون تأنيب ضمير أمام الدم والقتل والتهجير. وإن بسّطنا الموضوع كمثقفين ضحايا هذا المنهج ونفلسف الموضوع، نقول: إن الأمم التي تملك فائض قوة غالباً ما تصاب بمرض أخطر من الضعف نفسه، العمى الناتج عن الوهم، حينها لا يعود الواقع كما هو، بل يتحول إلى مسرح واسع يعكس رغبات القوة ومخاوفها، وتصبح الجغرافيا مجرد مادة خام لإعادة تشكيل العالم وفق خيال المنتصر.

الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص، عند هذه النقطة يبدأ الجنون السياسي؛ إذ تتوهم الإمبراطوريات أن كل اختلاف تهديد، وكل استقلال تمرّد، وكل مقاومة مجرد سوء فهم ينبغي سحقه.

صناعة الفوضى
الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص

تبدو الحروب الحديثة أحياناً وكأنها مطاردة لأشباح أكثر منها صراعاً مع أخطار حقيقية؛ تضخيم التهديدات، وصناعة صور أسطورية عن "الخطر القادم"، ثم تُدار الآلة العسكرية والإعلامية والأيديولوجية بكامل طاقتها، لكن المفارقة أن هذه الحملات كثيراً ما تنتهي بإنتاج الوحش الذي ادّعت أنها جاءت للقضاء عليه، فحين يُهدم التوازن الطبيعي للمجتمعات، وتُكسر المؤسسات، ويُهان القانون، لا يظهر الفراغ بل تنبت الفوضى، وحين يُطلب من المظلوم ألّا يصرخ فسيصرخ صرخة شمشون.

الفوضى لا تبقى فارغة طويلاً؛ إذ تملؤها دائماً قوى أكثر قسوة وأقل عقلانية، عندها يكتشف صانع الخراب أنه لم يكن يحارب وحشاً، بل كان يزرع بيضته بيديه، غير أن العقل المأخوذ بوهم البطولة نادراً ما يعترف بخطئه، إنه يفضّل دائماً اختراع تفسير ميتافيزيقي للهزيمة: مؤامرات، سحرة، قوى عالم سفلي خفية كنمتار ونركال، خيانة داخلية.. أي شيء سوى الاعتراف بأن أصل الكارثة كان الغرور نفسه.

أمم بلا مشروع:

لكن المأساة لا تتوقف عند حدود القوة المتوهمة، هناك دائماً طرف آخر يشارك في صناعة العبث: التابع الذي يسلّم إرادته بدوافع ينتجها الوهم، فالخضوع لا يولد من الضعف وحده، بل من فقدان المشروع الخاص، وغلبة التفاهة على كل المعاني.

الدول التي تشحذ الحماية، تشبه من يبيع بيته ليستثمر ثمنه ويعود ليدفع إيجار سكنه فيه، وهنا تظهر أخطر نتائج التبعية: ليس فقدان المال والقرار فقط، بل تحلل الإرادة الداخلية، تصبح الأمة غنية بالموارد وفقيرة بالمعنى، كثيرة الضجيج قليلة الثقة بنفسها.
الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص

وحين تتراكم الهزائم، تبدأ المجتمعات بإعادة تفسير عجزها على أنه قدر تاريخي، لا نتيجة خيارات خاطئة، تتسع الفجوة بين الواقع والوعي، فتظهر حالة غريبة من الإنهاك الحضاري: الجميع يدرك حجم الانهيار، لكن أحداً لا يريد مغادرة الوهم والأساطير التي تعززه، لأن العودة إلى الواقع مؤلمة، ولأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة أخلاقية أكبر من شجاعة الحرب نفسها.

استفاقة:

ومع ذلك، فإن التاريخ لا ينهض بالقوة وحدها، بل بلحظة الاستفاقة، اللحظة التي تدرك فيها المجتمعات أن خلاصها لا يأتي من قوة منظومات طامعة بها، ولا من المعارك المسرحية، بل من استعادة علاقتها الطبيعية بالأرض والعمل والمعنى، فالسيادة ليست خطاباً عاطفياً، بل قدرة على حماية الحقل ومنظومة العقل قبل التفكير في فتح العالم.

الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص، بل وهم لا يُطال، مبني على وهم كاذب بفخر شابه التزييف فيسقط حسناته.

إن أعظم انتصار قد تحققه أمة ليس هزيمة خصومها، بل التحرر من الوهم الذي يجعلها تحتاج دائماً إلى خصم كي تشعر بوجودها، أو إلى حارس لهذا الوجود التافه المعيق للتقدم. فالأمم الناضجة لا تبني مستقبلها على الهلع، بل على الفهم؛ ولا على انتظار المنقذين، بل على إنتاج الإنسان القادر على حمل مسؤوليته دون أوهام كيشوتية.

الجمعة، 3 يوليو 2026

برنامج "فوق السلطة" 499 أبلغك ولا أستأذنك

فوق السلطة 499 أبلغك ولا أستأذنك 
نزيه الأحدب




"الجميع سئم منك يا بيبي"..
"فوق السلطة" يعرض توبيخ ترمب لنتنياهو وقصة "مفتي البراميل"
تسريبات توبيخية قاسية من ترمب لنتنياهو، ومخطط “التهجير الطوعي” يصطدم بصمود غزة، و”مفتي البراميل” ووسيم الأسد خلف القضبان في دمشق، وسحر “الجوجو” يربك المونديال. مواضيع استحوذت على اهتمام “فوق السلطة”


تناول برنامج "فوق السلطة" 2026/7/3 -الذي يقدمه نزيه الأحدب- بسخرية كواليس التوتر المكتوم بين واشنطن وتل أبيب، والمخططات الإسرائيلية الجديدة تجاه قطاع غزة، بالإضافة إلى الملفات القضائية غير المسبوقة في العاصمة السورية دمشق.

وافتتح البرنامج الحلقة بقراءة رمزية من خلال "أقصوصة شعبية" تلخص واقع تحالفات الأطماع السياسية، مستعرضا قصة تحالف ثعلب ماكر مع ذئب شديد البطش لسرقة قطيع من الغنم، والتي انتهت بمقتلهما معا على يد الرعاة، ليخلص إلى حكمة مفادها: "إذا اجتمع المكر والطمع.. ضاعت الغنيمة".

فوق السلطة
"الجميع سئم منك يا بيبي".. "فوق السلطة" يعرض توبيخ ترمب لنتنياهو وقصة "مفتي البراميل"
تسريبات توبيخية قاسية من ترمب لنتنياهو، ومخطط “التهجير الطوعي” يصطدم بصمود غزة، و”مفتي البراميل” ووسيم الأسد خلف القضبان في دمشق، وسحر “الجوجو” يربك المونديال. مواضيع استحوذت على اهتمام “فوق السلطة”


تناول برنامج "فوق السلطة" 2026/7/3 -الذي يقدمه نزيه الأحدب- بسخرية كواليس التوتر المكتوم بين واشنطن وتل أبيب، والمخططات الإسرائيلية الجديدة تجاه قطاع غزة، بالإضافة إلى الملفات القضائية غير المسبوقة في العاصمة السورية دمشق.

وافتتح البرنامج الحلقة بقراءة رمزية من خلال "أقصوصة شعبية" تلخص واقع تحالفات الأطماع السياسية، مستعرضا قصة تحالف ثعلب ماكر مع ذئب شديد البطش لسرقة قطيع من الغنم، والتي انتهت بمقتلهما معا على يد الرعاة، ليخلص إلى حكمة مفادها: "إذا اجتمع المكر والطمع.. ضاعت الغنيمة".


"الهجرة الطوعية"

وفي قضية أخرى، سلط البرنامج الضوء على إعادة طرح الحكومة الإسرائيلية لمخططات تهجير سكان قطاع غزة، ولكن تحت مسمى تجميلي خادع وصفه بـ "الدبلوماسي" وهو "الهجرة الطوعية".

وأشار الأحدب إلى تقارير استخبارية تقر فيها أجهزة "الموساد" الإسرائيلية بوجود صعوبات ميدانية ولوجستية بالغة تواجه تنفيذ هذا المخطط أمام صمود الأهالي الرافضين تماما لمغادرة أرضهم.

واستعرضت الحلقة تسجيلا مصورا لشاب من قطاع غزة يقف فوق الأنقاض هاتفا بتحد: "مش هنطلع من غزة لو إيش ما تعمل يا نتنياهو.. شو ما تقصف وشو ما تدمر، احنا من حارتنا مش طالعين"، معتبرا أن هذا الرد الحاسم ينسف الأطروحات الإسرائيلية الصياغية القائمة على الورق داخل الغرف المكيفة.



خريطة بثلاث روايات

وانتقلت الحلقة إلى معالجة المشهد اللبناني الإسرائيلي عقب توقيع "الاتفاق الإطاري" برعاية أمريكية وبحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

وقدم البرنامج تفكيكا ساخرا يظهر التناقض الصارخ في قراءة قوى الإقليم لخريطة ميدانية واحدة، حيث تتحدث واشنطن عن انسحاب إسرائيلي كامل، وتؤكد تل أبيب عبر هيئة البث الرسمية أن الجيش لم يتلق أي أوامر فعلية بالانسحاب، في حين تحتفل طهران بانتصار لبنان الكامل.

وعلق الأحدب ساخرا بأن الخريطة نفسها كادت تطلب استراحة لعجزها عن تحديد أين تبدأ الحدود وأين تنتهي وسط هذا الزحام من الروايات المتصارعة، لافتا إلى ملامح تحالف دولي جديد يضم إيطاليا وفرنسا لدعم الأمن في لبنان عقب انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" هذا العام.


"مفتي البراميل" في القفص

وفي الملف السوري، سلط البرنامج الضوء على ملف المحاكمات القضائية الجارية في العاصمة السورية دمشق لرموز ارتبطت بالنظام السوري طوال السنوات الماضية، حيث تحول الماضي من الرموز إلى الوجوه أمام قرارات اتهام وملفات قضائية.

وعرضت الحلقة لقطات حية للمفتي السابق أحمد حسون، الشهير شعبيا بـ "مفتي البراميل"، وهو يقف ذليلا خلف قفص الاتهام ويواجه تهما ثقيلة تتعلق بجرائم حرب والتحريض العلني على قتل السوريين، معيداً بث تسجيل قديم له وهو يدعو علنا لإبادة المعارضين بالكامل.

كما استعرض البرنامج مقطعا من محاكمة وسيم الأسد (ابن عم بشار الأسد) الذي واجه تهم الخطف والتعذيب وتهريب المخدرات (الكبتاغون)، بعد أن كان يظهر سابقا بجانب السيارات الفارهة والمجموعات المسلحة.

وطرح المذيع مفارقة ساخرة عندما سأل القاضي وسيم الأسد عن عمله السابق ليجيب بدم بارد: "تجارة"، ليعلق الأحدب بأن من كان يظن يوما أن اسمه العائلي تأشيرة دائمة فوق القانون بات اليوم يواجه العدالة خلف القضبان في المحكمة ذاتها التي كان اسمه يكفي لإغلاق أبوابها.



وتناولت الحلقة عددا آخر من المواضيع:مقاتلات إف-35 وتركيا: واشنطن تدرس قانونيا التراجع عن حظر بيع المقاتلات الشبحية لأنقرة، وترمب يمتدح أردوغان كقائد رائع وشخص قوي جدا.
موجة الحر "أوميغا" في أوروبا: القارة العجوز تتحول إلى فرن مفتوح، وإغلاق للمدارس وتوقف لمفاعلات نووية بفرنسا جراء سخونة مياه الأنهار.
"السحر الأسود" في المونديال: منصات التواصل البريطانية تضج بالحديث عن استخدام السحر الأفريقي "الجوجو" في مباريات كأس العالم 2026 عقب فوز السنغال على بنما.
حكمة الختام: حوار الصياد والتاجر الثري حول مفهوم القناعة، والتأكيد على أن السعادة الحقيقية لا تقتضي الركض اللانهائي خلف الأطماع المادية ومرحلة ما قبل التدوين.

لماذا يُخيف أردوغان إسرائيل إلى هذا الحد؟

لماذا يُرعب أردوغان إسرائيل إلى هذا الحد؟.. 
يهاجمونه بصوت واحد.. أنتم لم تنسوا ثلاثة آلاف عام، فهل تريدون منا أن ننسى مئة عام؟.. 
تركيا تتحول إلى جغرافيا، وإسرائيل ستبقى بلا خريطة..
 لقد انتهى الوقت المخصص لكم وعليكم أن تعتادوا على ذلك


يصرّ المسؤولون الإسرائيليون باستمرار على القول إن «تركيا تريد القضاء على إسرائيل».
** وتتكرر هذه العبارة، بصيغتها الصريحة أو الضمنية، في كل تصريح تقريبًا، وعلى ألسنة السياسيين السابقين والحاليين، وفي مواقف الأوساط الأمنية، وفي جميع خطابات نتنياهو.

ويربطون ذلك بالرئيس رجب طيب أردوغان، فيروّجون لرسالة مفادها: «يمكننا أن نتعايش مع تركيا، لكن أردوغان يمثل تهديدًا». 
ومن هذا المنطلق، يبعثون برسائل إلى جهات في الداخل والخارج من أجل الدفع نحو إقصائه.


أنتم لم تنسوا ثلاثة آلاف عام، فلماذا يُطلب منا أن ننسى أربعة قرون؟



قال نتنياهو في آخر خطاب له:

«يتحدث أردوغان عن رغبته في القضاء على إسرائيل واستعادة السيطرة على القدس. ويبدو أنه نسي أن الحكم العثماني الذي استمر أربعة قرون قد انتهى.»


ثم أطلق تهديدًا بقوله:

«اليوم توجد دولة إسرائيل قوية. ولن نسمح لأي جهة بتهديد وجودنا أو أمننا. وأعتقد أنني أظهرت ما نستطيع فعله.»

هذه الكلمات تصدر عن مجرم حرب ارتكب واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية، وهو يبررها بالقول إن «هذه الأرض وُعدنا بها قبل ثلاثة آلاف عام». فهو لم ينسِ تلك القرون الثلاثين، بينما يُراد لتركيا أن تنسى أربعة قرون من تاريخها!


مئة عام ليست بعيدة... إنها قريبة كأنها اليوم.

هل نُسي ذلك الغضب؟ 

كلا. فاستعدوا أنتم للانتحار!


كانت تركيا تخوض الحرب في غزة عام 1917، وكأن ذلك كان بالأمس، لكنها لم تتمكن آنذاك، بكل أسف، من منع احتلال القدس. فهل نسيت ذلك؟ كلا. ففي تاريخ الأمم، مئة عام ليست سوى عمر واحد أو جيل واحد، وهي تبدو وكأنها حدثت اليوم.

ويضيف نتنياهو مهددًا: «لقد أظهرنا ما نستطيع فعله». 
أي إنه يقول: «يمكننا مهاجمة تركيا»، و«نحن مستعدون لارتكاب أي جنون»، 
وكأنه يقول أيضًا: 
«لقد أصبحنا منبوذين من الأسرة الإنسانية، ولذلك يمكننا أن نندفع نحو الانتحار.»


والكلمات نفسها يرددها أيضًا رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، إذ يقول: 
«أعتقد أن أردوغان كارثة كبرى، وأنه يريد القضاء على إسرائيل.»

إنهم جميعًا يرددون العبارات نفسها، وكأنها محفوظة عن ظهر قلب، وفي حالة من الذعر الجماعي. ويتضح ذلك من تكرار المسؤولين الإسرائيليين، كبارًا وصغارًا، الخطاب ذاته.

إسرائيل لم تخض حربًا حقيقية مع جيش نظامي، ولا تملك القدرة على تهديد تركيا

بادئ ذي بدء، لا تمتلك إسرائيل القدرة على تهديد تركيا. فهي لم تخض حربًا حقيقية مع جيش نظامي قوي، بل إن جيشها، في الحقيقة، لم يختبر حربًا من هذا النوع قط. وكل ما فعله هو ارتكاب المجازر بحق المدنيين المظلومين والعزّل، وبذلك فقط حاول أن يقدّم نفسه بوصفه «جيشًا»، بينما هو في الواقع أحد أكثر الكيانات العسكرية تلطخًا بالدماء.

كما أن إسرائيل لم تنتصر بنفسها في الحروب السابقة مع العرب أو إيران، وإنما كان انتصارها نتيجة دخول الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحرب إلى جانبها. لقد قاتلت الولايات المتحدة وأوروبا، بينما سُجل الانتصار في رصيد إسرائيل.

وفوق ذلك، فإن معظم الجيوش العربية آنذاك، باستثناء حالات محدودة، كانت خاضعة لأنظمة واقعة تحت النفوذ الأمريكي والأوروبي. ولذلك لم تكن هناك جيوش مستقلة وقوية أصلًا. 
كانت تلك مرحلة استعمارية، ولا يمكن اعتمادها معيارًا في موازين القوى الحقيقية للحاضر أو المستقبل.


الصعود الكبير الثالث لتركيا يُدخل إسرائيل في حالة من الذعر... لكنه صعود لا يمكن إيقافه.


إن تركيا تبني اليوم، بعد مرحلتي السلاجقة والعثمانيين، قوة هائلة إلى درجة أن إسرائيل لن تكون أمامها سوى دولة تُداس أثناء المسير.

ومن يتحدث عن التاريخ، عليه أن يتأمل القوى التي بُنيت في هذه الجغرافيا خلال الألف عام الماضية، وأن ينظر إلى القدرة على إعادة تشكيل الخرائط ورسمها. 
إن «الصعود الكبير الثالث» هو ما يدفع إسرائيل إلى الذعر الحقيقي، وكل هذه التصريحات ليست سوى انعكاس لذلك.

ولنقلها بوضوح: إن رسائل إسرائيل تتقاطع، في هذا السياق، مع مواقف بعض التشكيلات السياسية في الداخل. نعم، نحن نعلم ذلك، لأننا نتابع هذا المشهد منذ عشرين عامًا.

مصير إسرائيل تغيّر بعد 15 تموز... والانهيار لم يعد ممكنًا منعه

ولنكن أكثر صراحة: لقد كانت محاولة 15 تموز/يوليو آخر وأكبر هجوم ضمن خطط «التصفية»، وكان لها شركاء في الداخل والخارج أكثر بكثير مما هو معروف. ولا يزال بعض هؤلاء الشركاء ناشطين في الداخل، إلا أن معظم نفوذهم قد جرى تصفيته، وسيتواصل ذلك.

ولم يعد هناك طريق لإجبار تركيا على دفع الثمن. فقد انتُزع هذا السلاح من يد إسرائيل. وكانت الخطة تقوم على تنفيذ انقلاب داخلي، بالتوازي مع خريطة الحصار التي كانت تُرسم في شمال سوريا، لإنهاء دور تركيا.
فأين أصبحت سوريا اليوم؟ وأين أصبح الانقلابيون في الداخل؟

إن إسرائيل تحاول إثبات قوتها عبر مهاجمة غزة ولبنان وأجزاء من سوريا، وهي مناطق منهكة وضعيفة وعاجزة عن الدفاع عن نفسها.

غير أن هذا لا يمكن أن يكون معيارًا تُعرّف به أي دولة نفسها، بل هو مجرد وسيلة لخداع الذات، وحالة تعكس اضطرابًا عميقًا.

حتى أرمينيا سخرت منهم... إنها عقلية عصابات الأحياء

لقد فقدت إسرائيل صفاتها كدولة بسرعة كبيرة، حتى باتت تتصرف بأساليب تشبه التنظيمات الإرهابية، محاولةً الانتقام عبر خطوات تكتيكية.

ومن الأمثلة على ذلك قرارها الأخير المتعلق بما يسمى «ادعاءات الإبادة الجماعية للأرمن».

ففي وقت انتهت فيه قضية قره باغ، وتحسنت العلاقات بين تركيا وأرمينيا، وازدادت وتيرة التقارب بين أذربيجان وأرمينيا بصورة لافتة، وبدأ مشروع «الممر الأوسط» يتشكل، فإن إصدار مثل هذا القرار لا يصدر إلا عن عصابات أحياء أو تنظيمات أو جماعات ذات طابع مافيوي تبحث عن الانتقام.

ولا أظن أنهم سيتمكنون من تجاوز تأثير هذا القرار في العالم التركي بمجرد القول: «لقد تشاورنا مع أذربيجان.»

بل إن أرمينيا نفسها سخرت من إسرائيل. فبعد أن رفضت لعقود طويلة الاعتراف بالرواية الأرمنية، حفاظًا على احتكارها لمفهوم «الإبادة الجماعية» بوصفه حكرًا على اليهود ومجالًا للاستثمار السياسي، أصبحت اليوم تتبنى موقفًا مختلفًا.

إذا كان لا بد من إقامة نظام سلام في هذه الجغرافيا، فلن يكون لإسرائيل مكان فيه. وهذا بات قناعة مشتركة

فما الذي جعلها فجأة محبةً للأرمن؟ وهي في الوقت نفسه لا تتوقف عن ممارسة الضغوط والانتهاكات بحق الأرمن في القدس.

لقد فقدت إسرائيل ردّ الفعل الطبيعي للدول، ولن تستعيده بعد اليوم. فما يوجد اليوم في قلب منطقتنا هو كيان منفلت وغير متوازن، يثير اضطرابًا كبيرًا في الجغرافيا كلها. ولم تعد شعوب هذه المنطقة قادرة على تحمل هذا السلوك.



وإذا كان لا بد من إقامة نظام للاستقرار والازدهار في غرب آسيا خلال القرن الحادي والعشرين، فإن ذلك لن يكون ممكنًا إلا في غياب إسرائيل. 
أما بوجودها فهو أمر مستحيل، وقد أصبح الجميع يدرك ذلك. ولهذا، لا مكان لإسرائيل على خريطة هذه الجغرافيا، ولا ينبغي أن يكون لها مكان.

سيُنتزع من إسرائيل «حقها في الخريطة»... وهم ليسوا حتى من العرق السامي

ثم إن من يحكمون إسرائيل اليوم لا تربطهم أي صلة بالعرق السامي، بل إنهم، في الحقيقة، لا يمثلون اليهودية أيضًا، وإنما هم في غالبيتهم مستوطنون استعماريون قدموا من أوروبا الشرقية.

وفي ضوء كل ذلك، أصبح «إزالة إسرائيل من الخريطة» قناعة مشتركة في هذه المنطقة، ومن هنا ينبع ذعرها، ولا سيما أن الدعم العسكري الغربي لم يعد مضمونًا كما كان في السابق، في ظل خريطة القوى العالمية الجديدة التي بدأت تسحب منها هذا الامتياز.

لقد أصبح القضاء على إسرائيل، أو كبحها وإخضاعها، شرطًا أساسيًا لبقاء هذه الجغرافيا. وإلا فلن يكون هناك مستقبل للمنطقة، ولا تستطيع أي دولة أو أمة أن تغامر بذلك.

قضية إسرائيل هي قضية قوة وسلاح... والابتزاز دليل على الخوف

لم يعد ممكنًا الاعتراف بهذا الكيان أو قبوله بوصفه «دولة» بالمعنى الحقيقي للكلمة. ولذلك لم تعد قواعد المجتمع الدولي، ولا أعرافه، ولا اتفاقاته، ولا الثقة المتبادلة بين الدول، تنطبق عليه. وجميع الدول باتت تدرك هذه الحقيقة.

ومن الآن فصاعدًا، أصبحت قضية إسرائيل قضية قوة وسلاح فحسب. والجميع يعلم أن الحسم النهائي سيكون حسمًا عسكريًا. وإسرائيل نفسها تمارس هذا الابتزاز في كل تصريحاتها، لكن ابتزازها ليس إلا تعبيرًا عن الخوف والذعر من النهاية التي تراها تقترب.

جوهر القضية هو القدس... وسيأتي يوم الحساب


قال الرئيس رجب طيب أردوغان هذا الأسبوع:


«لقد شهدت غزة إبادة جماعية، وإذا أذن الله فإن هذا الفريق هو الذي سيحاسب مرتكبيها.»

نعم، أكثر من يدرك أن هذا الحساب سيأتي هم السياسيون الإسرائيليون الذين يهاجمون أردوغان. فهم يرتكبون مجازر مروعة استنادًا إلى ادعاءات تعود إلى ثلاثة آلاف عام.

أما تركيا ودول المنطقة، فإنها ستضع على الطاولة حسابًا يعود إلى مئة عام فقط، وستجعله في صدارة المواجهة. فجوهر القضية هو القدس، وحساب عام 1917 لم يُغلق بعد، وسيأتي يوم يُفتح فيه.


خلال أسبوعين ستصبح الصورة أوضح... والحرب مع إسرائيل مستمرة منذ عشر سنوات

بعد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة الأسبوع المقبل في أنقرة، ستتضح أمور كثيرة بصورة أكبر، وستُقال كلمات أكثر وضوحًا. وستظهر نتائج القوة والنفوذ اللذين باتت تركيا تمتلكهما خارج حدود جغرافيتها، وسترى إسرائيل ذلك بنفسها.

ثم سيأتي الأسبوع التالي، الذي يصادف الذكرى العاشرة لهجوم 15 تموز. ففي الواقع، تخوض تركيا منذ عشر سنوات حربًا متواصلة مع إسرائيل وامتداداتها. وما بعد العام العاشر قد يكون مرحلة مقلقة بالنسبة لإسرائيل.

إن «الجغرافيا سلاح». وهذه الحقيقة وحدها قد تدفع إسرائيل إلى حافة الزوال. فلم تعد العلاقات الثنائية هي التي تعيد تشكيل الجغرافيا والعالم، بل يجري اليوم رسم ملامح قرن كامل. وأعتقد أن الإسرائيليين لن يستطيعوا مقاومة ذلك، وإن اختاروا المقاومة، فسيكون ذلك بمثابة انتحار.

الخميس، 2 يوليو 2026

الموصل وتفكيك العقدة السياسية العراقية

 ما وراء البندقية: دروس ثورة العشرين في الموصل وتفكيك العقدة السياسية العراقية

محمد صالح البدراني

"ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان"- محمد صالح البدراني

 مقدمة:


لا يقاس التاريخ بمدى الفخر والاعتزاز بالبطولات والملاحم؛ فما فات من الزمن قد مضى وانقضى، وإنما تُقاس عظمة الأمم بمدى قدرتها على تحويل دماء الماضي إلى دروس حية لفك شفرات الحاضر واستشراف المستقبل، وعند إعادة قراءة وثائق الأرشيف الوطني البريطاني (TNA) الخاصة بعام 1920، يتضح أن ثورة الموصل وتلعفر (أيار/مايو- حزيران/يونيو 1920) لم تكن حدثاً بلا جذور، بل كانت الشرارة التنظيمية الأولى والجزء اللوجستي المتمم لجسد ثورة العشرين الكبرى في الفرات الأوسط، رغم وجود تعتيم تقليدي على ثورة الموصل، والتي كانت حركة النخبة، والتي كانت حركة نخبوية. وهذا التعتيم أساسه متعمد، لإبعاد فكرة التنسيق رغم ضعف الاتصالات بل هي معدومة بالنسبة لغير المحتل آنذاك.

إن تفكيك هذه الجبهة المترابطة (دمشق- دير الزور- الموصل- الفرات) يمنحنا أربعة دروس استراتيجية كبرى تُعد بمثابة المفتاح الأساسي لفهم طبيعة وجذور الواقع السياسي اللاحق في العراق المعاصر.

أولا: واقعية المصالح والبراغْماتية السياسية (صناعة رجال الدولة)

وضعت بريطانيا قادة ثورة الشمال (جميل المدفعي وآخرين) على قوائم الإعدام والملاحقة العسكرية الدولية عام 1920، ولكن بعد ثلاث سنوات فقط (عام 1923)، اضطرت لندن لإصدار عفو شامل عنهم ودفعهم لتولي رئاسة الوزراء والوزارات السيادية ومجلس الأعيان. هذا الاضطرار ليس إرغاما وإنما هو لبناء الدولة والاستقرار، فالملك الذي تحول من سوريا إلى العراق كان يحتاج خبرة رجال دولة، ومن غير ياسين الهاشمي الذي أطلق سراحه توا، والمدفعي المتنقل بين العشائر غالبا في الأردن، وإبداء حسن النية مع العشائر كقبيلة الجحيش التي تمثل ثغرا حدوديا في البو عاج أو البعاج لاحقا.

هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب"

هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب". هذا يفسر لماذا اتسمت النخبة السياسية الحاكمة في العهد الملكي بالصلابة؛ فقد كانوا "رجال ثورة" قادمين من الميدان فرضوا أنفسهم بفرض الأمر الواقع، وليسوا موظفين عُينوا بقرارات إدارية فوقية.

ثانيا: التكامل البنيوي بين "النخبة العسكرية" و"القاعدة الاجتماعية"

نجحت نسبيا ثورة تلعفر والموصل لأن "العقل العسكري والسياسي" تلاحم تلاحماً عضوياً مع "الغطاء القبلي والبشري"، ويفسر هذا الدرس طبيعة الاستقرار والاضطراب في العراق اللاحق؛ فالدولة لا تستقر إلا بتوازن حقيقي بين أجهزتها التنفيذية (الجيش والإدارة) وقواها الاجتماعية والرمزية (العشائر والنخبة)، وأي محاولة لاحقة من الأنظمة السياسية لتهميش البعد الاجتماعي والاعتماد على القوة العسكرية الصرفة، كانت تؤدي سريعاً إلى انفجار الأزمات الداخلية الكبرى.

ثالثا: حتمية الجغرافيا وعقدة "الحدود الرخوة":

إن الحدود السياسية التي خطتها اتفاقية "سايكس بيكو" عاجزة عن قطع الروابط الجغرافية والقبلية.

وهذا هو الدرس الأكثر حيوية وتكراراً في تاريخ العراق الحديث؛ إذ إن "أمن العراق القومي يبدأ من خارج حدوده الغربية والشمالية". إن أي فراغ أمني، أو اضطراب سياسي في منطقة الفرات الأعلى ودير الزور في سوريا، يتحول تلقائياً وفوراً إلى ثغرة أمنية تضرب استقرار الموصل والأنبار ونينوى.

وما شهدناه في العقود اللاحقة وحتى الأحداث المعاصرة من تسلل للجماعات المسلحة والاضطرابات الحدودية، ليس إلا تكراراً حتمياً لنفس الدرس الجغرافي الذي كشفت عنه وثائق عام 1920.

رابعاً: معركة الوعي (سلاح الكلمة قبل البندقية)

رصدت الاستخبارات البريطانية بقلق بالغ المنشورات والدعاية الإعلامية والفتاوى الوطنية التي صاغها عزت الأعظمي وسُربت من دير الزور إلى أسواق الموصل؛ واعتبرتها بريطانيا أخطر من الرصاص لأنها زعزعت ولاء الجنود المحليين وحركت الجماهير الصامتة.

هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة في العهد الملكي والجمهوري، كأدوات أساسية لحسم الصراعات السياسية قبل اللجوء إلى القوة الخشنة.

هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة

إن هذا البلد لا بد أن يكون متحدا ويعلم ما يريد، فرغم فقدان التنسيق كانت الدولة، لكن لن تتم المحافظة عليها إلا بهذه الوحدة والتنسيق، ذلك التنسيق الممكن مع وسائل التواصل الحديثة إن تعذر اللقاء.

الخلاصة الاستراتيجية:

إن الثورات والانتفاضات قد لا تحقق نصراً عسكرياً حاسماً في حينه، لكنها -إذا أديرت بذكاء وتكامل- تفرض واقعاً سياسياً جديداً يجبر القوى العظمى على إعادة الحسابات، فلولا الدماء التي سُفكت في تلعفر والموصل والفرات عام 1920، لما اضطرت بريطانيا لإلغاء "الحكم العسكري المباشر" وتأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول عام 1921.

التاريخ لا يُقرأ للبكاء على الأطلال، بل لفهم أن أحداث اليوم هي صدى مباشر لخطوط النار والتفاهمات التي رُسمت قبل أكثر من قرن من الزمان.

إنّ ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان إن دققنا واستخدمت كل الوسائل من المقاومة السلبية إلى حمل السلاح، بقيادة النخبة أو بتصرف استحضر القيم العليا عندما قرر الخروج، فثورة الموصل لو كانت هنالك اتصالات لتوحدت وأنجزت متحدة مع الضاري وأبو الجون، لكن بغياب التنسيق بسبب اللوجستيات ولأن ليس هنالك دولة تفرقت الطرق وتباعد الرفيق والصديق، دعونا نعيد الإنصاف إلى ذاكرتنا التاريخية باستحضار ثورة الموصل التي حدثت في 4 حزيران/يونيو 1920 في تلعفر، وبحركة نخبة الموصل وعشائرها، بغض النظر عن أنها نُفذت بضباط ومثقفين مع العشائر، فإنها ذات منطلق ثورة أبو الجون والضاري، وحرس الاستقلال، التي أُرّخ لها 30 حزيران/يونيو. والمقال مقدمة ما بعده.




وجاء دور اليهود بعد أن تراجع دور المجوس

 وجاء دور اليهود بعد أن تراجع دور المجوس

لُدِغت فلسطين ومصر والعراق.. فهل ستلدغ سورية من نفس الجحر؟

مضر أبو الهيجاء

غائبٌ عن الوعي من اعتقد لوهلة أن المشروع الغربي الصليبي وأداته اليهودية الشيطانية يمكن أن تسمح للتعافي أن يتحقق على أرض الشام، وأن تنجو من العبث والهلاك التجربة الإسلامية في سورية، الأمر الذي يشير لتحديات مفروضة قائمة ومخاطر مدروسة قادمة، لن يتحقق التعافي في ظلِّها بل شرط تحققه حسن التعامل معها والنجاح في تجاوزها!

أرض الشام المباركة شوكة الإسلام العظيم

لم يترك كثير من الصحابة أرض مكة والمدينة، حيث الحرمين، ويستوطنوا في الشام إلا نتيجة إدراكهم معنى البركة وسرُّ اختيار الله أرض الشام لمعراج نبيه ﷺ للقاء ربه، فاتخذوها مسكنًا ومحلاً لبناء شوكة الإسلام ونشر الدعوة وتجذير رسالة التوحيد حتى أصبحت الشام ركيزة كبرى لرسالة التوحيد ورسالة الأنبياء والمرسلين طالما بقي أهلها بالحق مستمسكين وعلى صراط الله سائرين.

سر أرض المعراج بين الصحابة والصليبيين واليهود!

وكما أدرك الصحابة المعنى العظيم من إسراء ومعراج رسول الله ﷺ، فقد أدركه الصليبيون واليهود من التاريخ كله، فسلطوا سهامهم على الشام ومصر اللتين كانتا سببًا في أفولهم الكبير. وهو الفهم الواسع والعميق الذي جعل الغرب يبني له ركيزتين على أرض الشام، وهما كيان إسرائيل ومنظومة الطائفة الأسدية المجرمة، والتي دعمها حتى آخر أنفاسها، ثم عمل لها إنعاشًا تلو إنعاش حتى خارت قواها وماتت، فلم يعلن وفاتها، بل قرر أن يدير المشهد بخبثه الكبير، مرتكزًا على أفكار شيطانية، ومعتمدًا على أدوات مرحلية، بإشراف منفذه الحقير للسياسات القذرة: كيان إسرائيل.

سورية صاعق التغيير في الأمة وخزانها هو مصر!

يدرك الغرب الصليبي اللعين أن أرض الشام هي صاعق التغيير الذي يحرك ويحرض مجموع الأمة -وهو أحد معاني بركة الشام- حتى إذا تحرك خزانها الكبير في أرض الكنانة مصر حصل التغيير الذي تنكسر أمامه المشاريع الدولية والإمبراطوريات الكبرى ولهذا السبب أقام الغرب إسرائيل ولم يهنأ حتى وقّع اتفاقية السلام بين كيان إسرائيل والرئيس المصري أنور السادات عام 1978 فحيّد مصر وأخرجها من معادلة التغيير فرجحت كفة إسرائيل مقابل كفة عموم العرب والمسلمين وتسارع الانهيار والتدمير فكان سقوط بغداد عام 2003 منعرجا يفرط المسبحة.

إن إسرائيل ليست مشروع سرقة للزعتر والزيتون ولا بقرة صفراء تذبح في الأقصى، بل مشروع سياسي وقاعدة عسكرية للغرب الصليبي يستهدف إتلاف الشام ومصر والعراق ومنع قيام أي نهضة عربية وتهديد دائم لتركيا المسلمة واختراق سياسي للشعب الكردي الصلب والمنتمي، والحيلولة دون نهضة إسلامية في المغرب العربي الأمازيغي الوفي والكبير!

سورية الجديدة طليعة الإصلاح والتغيير

حافظ الغرب الصليبي وأداته التنفيذية، إسرائيل، على سورية الأولى خلال كامل الفترة التي كان يرأسها ويديرها أحد كهنة المعبد منذ عام 1970. وما إن تغيّر ميزان الواقع الموضوعي بسبب حجم التضحيات التي قدمها أهل الشام الكرام في الاتجاه الصحيح، حتى خضع الغرب لاستحقاق التغيير السياسي الذي كرسته عزائم الثوار والمجاهدين، وهنا حصل منعرج التحرير عام 2024.

لم يغادر الغرب أرض الشام، مدركًا أنها منطلق التغيير الذي يؤسس لأفوله، بل غيّر وجهه وخطابه ليقوم بتمثيل سيناريو ليلى والذئب، وذلك من أجل عرقلة وتعطيل ومنع الثوار من استكمال الهدم الواجب لمنظومة الشرّ وبتر ذيولها الباقية، والبناء اللازم لمنظومة الخير والعدل في سورية الجديدة والمنتمية.

وعيُ مخططاتِ الثعلبِ الأمريكي أحدُ شروطِ النجاة.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.

إن من سنن الله أن يظل التدافع قائمًا بين أهل الحق وأهل الباطل، وإذا كان أهل الباطل لا يهدؤون ولا يكفون عن الإفساد، فإن الأولى ألا يتوقف أهل الحق عن العدل والإصلاح، وألا يكفوا أو يتراجعوا عن القيام بواجبهم.

وإذا كانت النيران المشتعلة جزءًا من الفعل الغربي الأمريكي الصليبي المتصهين، فإن إطفاء تلك النيران هو دور المسلمين، دعاة الحق الساعين لإنقاذ البشرية، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق دون وعيٍ بمخططات الأعداء وفهمٍ لأدواتهم وأساليبهم.

إن من أهم شروط نجاة التجربة الإسلامية على أرض الشام وعيها بالمخططات الأمريكية، وهو ما يفرض عليها أن ترصد سياساتها وتحركاتها، وتعي قدراتها، وتبحث عن أدواتها، لتتمكن من محاصرة نيرانها المشتعلة وإطفائها بإذن الله، الذي يؤيد المؤمنين بقوة من عنده إذا كانوا صادقين وجادين وواعين.

واقع سورية الصعب بين التحدي والاستجابة.

تزداد أوضاع الناس المعيشية سوءًا وصعوبة في سورية بعد التحرير، وهي ظاهرة للعيان -فواتير الكهرباء نموذجا-، غير أن أسبابها الموضوعية تخ في على كثير من العامة، الأمر الذي يحتاج إلى شفافية في البيان، ومسؤولية راشدة وحكيمة وشراكة في المعالجة -أردوغان نموذجاً، لاسيما والغرب الأمريكي لا يزال قابضاً على شرايين سورية ويتحكم بالأوكسجين الذي يغذي قلبها إلى حدٍّ كبير، فكيف يكون الحال وقد أضيف إلى هذا الواقع الصعب اختيار الحكومة السورية لمنظومات تجارية وأسماء مكروهة عليها ملاحظات وشبهات متواترة بين العوام كما الخواص والثقات!

ومما يذكر في هذا المقام أن أقوى الخلفاء الراشدين ابن الخطاب عمر كان يعزل الولاة دون تردد وبشكل مشهود لمجرد أنهم لا يحوزون على رضا وإجماع الناس، فكيف بات اختيار وتمكين بعض المسؤولين الذين يسخط عليهم الجميع ويشير لهم بالاتهام ثم يبقون في مواقعهم متمترسين؟

كما تشهد العدالة الانتقالية في سورية الجديدة تعثراً لأسباب موضوعية، وأخرى ذاتية تشير بأصابع الإتهام إلى تصور غير ناضج، وتعامل غير موفق من قبل رجالات الحكم يدفع الناس إلى إخراج أسوأ ما عندهم في حالة غوغائية قد تهدم الخير وتصنع في محله شروراً نتيجة تغييب دور الناس وتجاوز إرادة الشعب عن شكل التعامل مع أكثر الملفات حساسية وعدالة!

غياب التواضع السياسي آفة الحكم.

لقد تعاظم عند الناس انطباع سيئ نتيجة التجاوز المتكرر لوقائع فاعلة تمسُّ معيشتهم، ونتيجة غياب التواضع السياسي وسلوك متعال متعام عن إدراك حقائق الواقع عند بعض المسؤولين وهي مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق رجالات الحكم القائم، وتحتاج لنصح وتنبيه وتنظيف يرتقي بالقائمين ويقارنهم بنماذج الصحابة، لا أن يخرس الناس ويقارن القائمين بحطب جهنم أمثال بشار الأسد الطاغية، فهذا لعمري ديدن المنافقين وليس ميزان المتقين الذي يرومون وجه الله ويسعون لتحقيق مصالح العباد، فالمسلم ينظر للأعلى لا للأسفل ويقارن حاله بالملائكة وليس بالشياطين!

الاصطياد بالماء العكر في سياق حراك شعبي محق.

من البديهي أن أمريكا غاضبة بسبب رفض الحكومة السورية الإذعان لمخططاتها والتدخل العسكري في لبنان بعد أن أدرك حكامها أنهم سيغرقون في حروب بالوكالة نيابة عن إسرائيل. ولا شك أن إسرائيل المتحرشة، وبعض قيادات الطوائف المتربصة، تبحث عن أي صيد تصطاده في الماء العكر لتعبث في سورية، لاسيما وقد خرج حكمها من أيدي وكلاء الغرب حماة إسرائيل.

وليس مستبعدًا أن يكون الحراك الضخم -وعناوينه صحيحة- مجالًا للاصطياد في الماء العكر من قبل الأعداء لخلق ظروف موضوعية تنقل سورية إلى واقع جديد لا رجعة فيه، وهو مسار التناحر الطائفي والعرقي والمذهبي، الذي لا يحتاج لأكثر من فتيل وشرارة -لا سمح الله-.

انتقال مخطط الحرف والتدمير من الإهلاك الخارجي إلى الإتلاف الداخلي.

إذا كانت الحكومة والنخب السورية المنتمية، قد تنبهت إلى فخ نصبته لها الإدارة الأمريكية وإسرائيل في لبنان عبر محاولة جرها إلى مواجهة بالوكالة مع حزب إيران، فإن أمريكا لن تسكت عن فشل خطتها في إهلاك سورية واستخدامها خارجيًا، بل ستنتقل عبر أدواتها الداخلية والمحيط اللصيق بسورية لمحاولة إتلافها من الداخل -لا سمح الله-.

وهي في ذلك ترتكز على واقع موضوعي وحقائق قائمة يتفاعل معها الجمهور بصورة غوغائية، في حال غياب اهتمام الراعي اهتمامًا صادقًا وجادًا ومسؤولًا ومهمومًا بالرعية، وفي ظل تباطئ معالجة أسباب الاحتقان قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها، فهل يتنبَّه القائمون قبل أن تحلَّ الكارثة؟

الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف سبب هلاك بني إسرائيل!

لم يرسل الله عددًا من الأنبياء إلى أمة كما أرسل لـ بني إسرائيل، فقد كانوا من أسرع الأقوام ضلالًا، وكانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. وقد وصف الله حالهم في كتابه، فاستحقوا اللعن والعقوبة بسبب فسادهم وإصرارهم على الباطل وتركهم واجب الإصلاح.

ومن مظاهر ذلك أنهم كانوا يكيلون بمكيالين؛ فإذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، فاختل ميزان العدل، وانتشر الظلم، وحل بهم ما حل من الهلاك والتيه والعقوبة.

ولم يكن فسادهم مقتصرًا على ترك الإنكار، بل بلغ ببعضهم أن يأمروا بالمنكر وينهوا عن المعروف، وأن يقلبوا الموازين حتى يصبح الباطل حقًا والحق باطلًا، وهو من أعظم أسباب الانحراف والهلاك التي تصيب الأمم حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، وهو أمر يجب أن تحذر منه رجالات سورية الجديدة، لاسيما وأن أهل الباطل لا يزالون في كثير من مؤسسات الدولة متموضعين وممكّنين، فيما لا يزال آلاف الدكاترة المفصولين بقرار من الطاغوت الفار ممنوعين من عودتهم الوظيفية ورد اعتبارهم! فما السرُّ ومن المسؤول؟

دون أدنى شك فإن مكون السلطة الحالية في سورية الحرة لن يستطيع بمفرده أن يبني الدولة، وبقدر ما يتحقق من الشراكات والتكامل بين السلطة والشرائح المجتمعية والعلمية بقدر ما تنجح الخطوات نحو بناء دولة حقيقية تحفظ الهوية الثقافية وترعى مصالح الناس.

ومن المهم الإشارة إليه في هذا المقام هو أن مواجهة التحديات القائمة وتجاوز المخاطر القادمة بنجاح سبب كبير لتعزيز وتحقيق التمكين بشكل تراكمي وبناء الدولة القوية المعبرة عن مصالح وهوية أهلها.

والسؤال يقول:

كيف يمكن مواجهة التحديات القائمة وتجاوز المخاطر القادمة بنجاح؟

الجواب: يمكن مواجهة التحديات القائمة والمخاطر القادمة من خلال صناعة أدوات الكتلة الحرجة وهي:

1/ تشكيل وإنضاج المؤسسات المجتمعية كالاتحادات والنقابات والهيئات.. الخ

2/ تفعيل النخب العلمية واستنطاق قدراتها وامكانياتها وتحقيق شراكة حقيقية تكاملية بينها وبين السلطة الحاكمة في سياق معالجات ملفات اختصاصية بعقلية جماعة الأمة الواحدة.

3/ تشكيل مجلس شعب حقيقي فاعل ومعبر عن الناس يعكس خياراتهم ويتحمل المسؤولية مع السلطة ويشاركها في كل مغرم.

4/ التكامل في الفضاء العربي الرسمي والشعبي.

5/ الحلف الأفقي والعمودي مع تركيا المسلمة والاستفادة لأقصى درجة من حقبة رئيسها رجب الطيب أردوغان.

وعي سلم التحديات وترتيب المخاطر ودراسة الأولويات واجب الوقت بين يدي السياسيين.

من روائع المعاني القرآنية أن الخطاب القرآني كان دائمًا يخاطب المسلمين بوصفهم جماعة، الأمر الذي يشير إلى أن تحقيق الرسالة في واقع الأرض لا يكون إلا من خلال مفهوم الجماعة وعقلها وسلوكها، والمقصود هنا جماعة الأمة التي تجمع فسيفساءها وتعبر عن عموم أهلها ورعاياها وتحفظ مصالح الجميع بمسطرة واحدة، وتفكر وتنظر وتعقل بنسق مفتوح لا المحدود ولا المأزوم ولا المغلق، وليس المقصود جماعة الحزب أو التنظيم أو الحركة.

إن من واجبات الوقت في سورية الحرة والجديدة أن يدرس عقلها الجماعي التحديات والمخاطر التي تواجهها، وأن يضع سلمًا واضحًا للأولويات في إطار الحلول والمعالجات، وأن يرتب الملفات وفق درجة خطورتها وأثرها على حاضر البلاد ومستقبل أهلها.

فلا يمكن النجاح في مواجهة التحديات الكبرى دون وعي دقيق بترتيب المخاطر، ولا يمكن بناء مشروع مستقر إذا اختلطت الأولويات أو طغت المعارك الثانوية على القضايا المصيرية، وهو سبيل النجاح الممكن والراجح، بل والطريق الوحيد لمواجهة التحديات وتحصين التجربة من المخاطر وحماية منجزاتها.

الكنوز السورية المهملة.. تسترد مكانتها وتستعيد دورها في وقت الأزمات؟

إن ما يعصف بسورية حاليًا يشير إلى خطر الانزلاق نحو الاحتراب الطائفي المدفوع من قبل الصهاينة، وهو ما لا يمكن أن تعالجه الحكومة وحدها، لا سيما وهي في مهدها، ودون شراكة حقيقية واسعة ولا خبرة سياسية عميقة وعريقة.

الشيخ أحمد معاذ الخطيب رسول الوحدة والانسجام، والمجتمع السوري المتنوع صمام الأمان في مواجهة المنزلق الطائفي.

شهد التاريخ القريب أن الأمير عبد القادر الجزائري أنقذ المسيحيين في الشام من مقتلة راجحة على أيدي الطائفة الدرزية بعد صراع الجبل في لبنان عام 1860، وهو موقف أخلاقي عظيم لا يعكس قيمة الفرد فحسب، بل يبرز دلالة دين التوحيد وقيم الإسلام العظيم.

وهو ما تشهد عليه حواضر المسلمين، لا سيما وأن عيسى المسيح قد ولِد في الشام، كما كبر نبي الله موسى في مصر. ومهما حاول الغرب المأزوم أخلاقيًا وطائفيًا ومذهبيًا وعرقيًا أن يشوِّه صورتنا التاريخية، فإن حاضرنا كما ماضينا يشهد بأن المسلمين الذين انصهروا مع الأعراق المغايرة والمتنوعة خلال أربعة عشر قرنًا حافظوا طوال عهودهم على الطوائف والأديان المخالفة، بل وصانوا ديارهم وأملاكهم ودور عبادتهم، وذلك انطلاقًا من رؤية وأحكام شرعية تتجاوز رأي الفرد ومزاجه، بل تفرض عليه الانضباط بما شرعه الله من أحكام لها عليه سلطان.

إن خير من طرح رؤية معاصرة في التعامل مع الطوائف والمخالفين في أرض الشام هو الشيخ أحمد معاذ الخطيب الحسني، الذي يعد من كنوز الشام التي لم تأخذ حقها من الحضور ولا دور الشراكة الفاعلة في بناء سورية الجديدة -ولا نزكي على الله أحدا-.

فهل يتنبَّه القائمون على الحكم، ويطرحوا شراكة حقيقية مع علماء وكرام أهل الشام، لحل معضلة ومهلكة محتملة وواقعية، يسعى لصناعتها الكاهن اللعين القابع في تل أبيب والبيت الأبيض؟

وإذا كانت أرض الشام المباركة تشهد تراجعا حقيقياً للمشروع الصفوي بعد أن غرق في دماء الشهداء السوريين -ومن قبلهم العراقيين ومن بعدهم اليمنيين- فإنها اليوم تشهد نشاطاً وحضورا سياسياً وعسكرياً وأمنيا للصهاينة، الأمر الذي يحرِّم على الثوار الصادقين النزول عن جبل الرماة لطالما بقي الخطر حاضرا وراجحا.

إن من واجب الغيورين على التجربة الإسلامية الواعدة في أرض الشام المباركة، أن يستشرفوا الأمور قبل وقوعها عبر تتبعٍ دقيق لخياراتها منذ لحظة نشوئها، فالزوايا تزداد اتساعًا وابتعادًا كلما طال الزمن، لاسيما إذا كان من يقف خلفها أو يتدخل بها مشروعٌ معادٍ لا يريد لأهلها خيرًا، بل يسعى لاستدراجها إلى حفر وفخاخ بعد أن فشل في نحرها من خلال وكيله السابق، النظام الأسدي الطائفي ومنظومة الملالي المجرمة.

البؤسُ القادمُ في سورية عبر صناعةِ الثلثِ المعطِّل بأيدٍ سورية ورعايةٍ أمريكية!

في الوقت الذي يتجه فيه علماءُ ومصلحو المجتمع السوري إلى تقويمه وترميمه ومعالجته من اللوثات التي تداخلت مع تصوراته الفكرية وأخلاقه المجتمعية نتيجة خضوعه لنصف قرن من حكم الطاغوت الأسدي المجرم، ومن لوثة الفكر القومي العربي الاشتراكي والبعثي، فإن السلطة السورية المؤقتة تتجه إلى بناء دولةٍ مفارقة لتوجهات غالبية المجتمع، وبعيدة عن طموح الثوار، ومخالفة لتصورات النخب المنتمية والعلماء الربانيين.

الإدارة الأمريكية هي مهندسُ سورية الثانية عبر كيسنجر الجديد.. توم باراك.

وباعتبار أن حكام سورية الجدد هم من أبناء شعبها وطليعة ثورتها، فلا يمكن تفسير الفجوة التي تتسع اليوم بين شكل الدولة القادم ومسار المصلحين القائم في أرض الشام المباركة إلا من خلال إدراك دور الإدارة الأمريكية الخبيث في هندسة شكل الدولة القادمة، مستفيدة من ضعف السلطة المؤقتة وعقلية اللون الواحد.

الدولةُ السوريةُ القادمة ستولد معاقة ومخصيّة.

إن المتابع لشكل إدارة الملفات الداخلية في سورية، والضعف الواضح في السياسة الخارجية، يرى بوضوح هشاشة المقاربات السورية الرسمية داخليًا وخارجيًا، ولا شك أنه هدف أمريكي يحاول أن يصنع المعضلات في كل مسار سليم يسير فيه حكام أو مصلحو سورية، فإن لم يستطع تعويق المسار حرّك يده التنفيذية إسرائيل وأذرعها الداخلية في سورية المتموضعة في الفلول، وفي بعض الشرائح من الطوائف التي تشكل نسبة ضئيلة في الشعوب الشامية.

إن مشاريع الأعداء والخصوم رضخت أمام حقيقة الثورة السورية، وعزائم الثوار والمجاهدين، واستقامة العلماء والدعاة والمصلحين، لكنها لم تهدأ ولم تكل ولم تمل من محاولة منع التمكين عبر ولادة دولة سورية مشوهة لا تعبر عن أهلها، ومنغولية لا تجيد الفعل الناضج والقويم، وهو أمر لا يتحقق لها دون تجاوب، عن وعي أو دون وعي، من قبل السلطة الحاكمة الدائمة أو المؤقتة.

صناعةُ الثلثِ المعطِّل وتمكينُه من أدوات السلطة!

إنَّ الثلثَ المعطِّل الذي يتبلورُ بخفاءٍ تحت الطاولة في سورية الجديدة، يمثِّل الدورَ البديلَ والأنجعَ في التعطيل بعد انتهاء دور الوكيل ومنظومة الرعب الأسدية، وهو ما يستدعي وعيًا مبكرًا بمخاطره وآثاره قبل أن يتحول إلى واقعٍ يصعب تداركه.

ولعل من أهم النماذج التي يمكن أن يستفيد ويحذر منها السوريون هو النموذج اللبناني بشقيه؛ السلطة والدولة، فلبنان نموذجُ الدولة الفاشلة المخصية، الأمر الذي يشير إليه الهامش الكبير والإمكانية الدائمة للعبث بها من قبل أي مشروع خارجي.

ولا شك أن تلك الهشاشة حصلت نتيجة إرادةٍ غربيةٍ متصهينة، ونتيجة سلطةٍ حاكمةٍ ثلثاها بلا تصورٍ رشيد، ولا قوةٍ فاعلة، ولا تحشيدٍ حقيقي للجماهير، وثلثها الأخير معطِّل لكل مسارٍ في الاتجاه الصحيح.

وهو لم يكتسب قدرته على التعطيل خلال عقودٍ كاملة إلا بصفةٍ رسمية، بعد أن تمكن من اختراق مؤسسات الدولة، كما تحكم في دستورها، ونجح في تحشيد طائفته خلفه، مستفيدًا من أفعال ووقائع الاحتراب الطائفي التي لم تكن انعكاسًا لإرادةٍ شعبية بقدر ما كانت خططًا تديرها المؤسسات الأمنية بخبثٍ ودهاء.

وتلك هي الصورة التي يجب أن يحذر منها أهل الشام الكرام، وعلى وجه الخصوص حكامها المنتمون، وقادة التغيير، والمصلحون المجتمعيون.

أماراتُ البؤسِ القادم على سورية الجديدة.

يمكن استشراف صورة الدولة البائسة التي يرومها الغرب، ويسعى إلى بلورتها في سورية الجديدة وعقر أرض الشام المباركة، ليمنع نهضتها ويعطل تقدمها، ويحول دون استردادها للريادة الحضارية التي ميَّزتها عبر حقب التاريخ العربي والإسلامي. وكما نجح في منع تركيا الحديثة من إقامة نهضة إسلامية متكاملة وحقيقية، وحاصرها في شعابٍ محلية وأوقعها في مآزق مفتعلة وداخلية، فإنه لن يترك جارتها الأصيلة وسبب هدايتها العتيقة تنهض من جديد وتُحدث التغيير، بل سيسعى إلى تعويقها بشكل ماكر وخبيث، وبأدوات ناعمة قبل أن يضطر إلى استخدام أدواته الخشنة، لاسيما في ظل دعمه وتسمينه لكلبه المسعور، كيان إسرائيل.

فما هي الأمارات التي تشي بمستقبل بائس؟ وما هي المسارات التي يجب تقويمها للنجاة من الآثام والفخاخ التي يُعِدُّها ويرعاها بدهاء الكاهن الأمريكي الشرير؟

يمكن ملاحظة عدة أمارات ورصد مسارات تشير بوضوح إلى بؤس قادم على سورية الجديدة إذا لم يتم التراجع عنها وتقويم مسارها من جديد، وإذا لم يتم قطع الأيادي الدولية التي تتدخل بدهاء في سورية، وهي:

1/ الإبقاءُ على الموروثِ القديم ومنعُ عودةِ المنتمين والرساليين ثغرة تؤسسُ لنموذج جماعة فتح الله غولن في سورية!

يمكن تفهُّمُ السياسةِ المتَّبعة حاليًّا ومرحليًّا من قِبَل السلطة السورية المؤقتة في الإبقاء والمحافظة على الموروث القديم من الأساتذة والموظفين الكبار والموجهين المتموضعين في مؤسسات الدولة بشكلٍ كبير، أمّا الذي لا يمكن تفهُّمه إلا من خلال إدراك عبث الأنامل ودهاء العقول الخارجية، فهو منعُ عودة المتقين والرساليين الذين فُصلوا وطُردوا بقرارٍ تعسفي من قِبَل بشار الأسد وزمرته؛ عقوبةً لهم على مواقفهم الثورية، وانحيازهم لشعبهم، وحرصهم على سورية، وانتمائهم لهوية الإسلام العظيم!

تشكيلُ مؤسَّساتِ الدولةِ في ظلِّ تهميشِ صنَّاع الثورةِ ورموزها المنتمين!

واليوم، وبعد تحقق نعمة التحرير، ووصول الثوار إلى دمشق، وتفكيك المؤسسة الأمنية المرعبة والجيش الطائفي المجرم، لا يزال عشرات الآلاف من النخب والطاقات والقدرات ممنوعين -عمليًّاـ من العودة إلى وظائفهم في مؤسسات الدولة التي طُردوا منها، رغم خبرتهم وصدقهم وانتمائهم وتضحياتهم!

تشكُّلُ الوعيِ المضطربِ في ظلِّ تهميشِ الأسوياءِ المنتمينَ والمتقين!

ومن المفزع أن آلاف الدكاترة والأساتذة في الجامعات السورية، من ذوي الخبرات الأكاديمية والمهارات التعليمية، ما زالوا ممنوعين من العودة إلى جامعاتهم ومكاتبهم، عبر تعطيلٍ وعضلٍ إداريٍّ بيروقراطي لا يمكن تفسيره ولا قبوله، في ظل الإبقاء والمحافظة على موروث حقبة النظام المتموضع في مؤسسات الدولة، ولا سيما الجامعات!

وينبغي الانتباه إلى أن الذين يرسمون خيارات المجتمع ويوجهونه ويحشدونه خلف خياراتهم بشكل متقدم وبقوة هم النخب العلمية المتموضعة في المراكز والمؤسسات الرسمية، وليست النخب الخارجة عن المؤسسات أو المطرودة والمفصولة منها، فالمجتمعاتُ لا تتكوَّنُ رؤاها من فراغ، وإنما يصوغُ وعيَها العلماءُ والمربُّون والمصلحون وأصحابُ المشاريعِ الكبرى، فإذا غُيِّب هؤلاء أو حُوصروا أو أُبعِدوا عن مواقعِ التأثير، تقدَّم غيرُهم لملءِ الفراغ، ولو كانوا أقلَّ علمًا أو أضعفَ انتماءً أو أشدَّ اضطرابًا في التصورِ والسلوك.

وفي ظل هذا الحال، فإن الفجوة القاتلة ـالتي تؤسس لاصطراعٍ داخلي وتحول دون التوافق والانسجام المجتمعي بين أبناء الثقافة الواحدةـ تتسع بين شرائح مجتمعية يقودها مصلحون وعلماء ودعاة على المنابر وفي الشوارع، وبين شرائح مجتمعية طليعية يُكوِّنها ويؤطرها من يكتسبون صفةً رسمية في مؤسسات الدولة الجديدة.

فهل هذا الحال والمسار سيبني مجتمعًا قويًّا متمسكًا بالدولة ولصيقًا بها؟ أم أنه خيارٌ يصنع الفجوة بذكاء، لتتسع كل يوم بين الدولة ورجالاتها وموظفيها وأساتذتها المتموضعين في المكاتب الرسمية من جهة، وبين شرائح مجتمعية تستمع وتسير خلف مصلحين ودعاة وأساتذة ومنظِّرين ليست لهم أي صفة رسمية، بل هم أقرب إلى التهميش والإقصاء؟

2/ التسامحُ في غيرِ محلِّه، وإعادةُ المجرمينَ والملوَّثينَ إلى مفاصلِ مؤسساتِ الدولة، خطأٌ جسيمٌ يُهدِّدُ مستقبلَ الدولةِ ويُقوِّضُ مشروعَ بنائِها.

لم يعد خافيًا على أحد أن شخصيات كثيرة متهمة أو مشبوهة تعود إلى مؤسسات الدولة، وتتموضع من جديد دون شفافية أو وضوح حول من يقف خلف عودتها إلى الدولة الجديدة، وهو ما يعني بناءً تراكميًا للثلث المعطل الذي يزداد قوة يومًا بعد يوم، فيما تضعف قدرة الثوار على تطهير البلاد منه، وتضطرب وتتراجع مشروعية الثورة في موقفها الابتدائي منه.

ولا شك أن بناء دولة جديدة لا يتحقق بمجرد تغيير الوجوه والعناوين، بل يحتاج إلى إعادة تشكيل البنية المؤسسية على أسس من العدالة والكفاءة والنزاهة، الأمر الذي يجعل التهاون في ملفات التمكين والإحلال والتقييم خطرًا حقيقيًا على مستقبل التجربة برمتها.

وإذا كان من الممكن تفهم بعض الإجراءات المرحلية التي تفرضها ضرورات الإدارة والواقع، فإن تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والإبقاء على عناصر موضع ريبة أو اتهام في مواقع التأثير وصناعة القرار، يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأدوات جديدة، ويمنح خصوم التغيير فرصة لإعادة التموضع والتأثير من داخل مؤسسات الدولة نفسها.

ومن هنا فإن الحفاظ على مكتسبات الثورة، وصيانة تضحيات الشهداء والمعتقلين والمهجرين، يقتضي وضوحًا أكبر في السياسات، وعدالة أعلى في المعايير، وحزمًا يمنع تشكل مراكز نفوذ جديدة قد تتحول مع الزمن إلى ثلث معطل يعرقل مسار الإصلاح ويضعف مشروع النهوض.

3/ تعويقُ العدالةِ الانتقاليةِ وإفقادُ مجلسِ الشعبِ الفاعلية!

لعل العدالة الانتقالية من أهم الملفات في الحالات الثورية عبر التاريخ القديم والحديث، وهي تكتسب أعلى درجات الحساسية في مجتمع كان ربعه الأول شهيدًا، وربعه الثاني شريدًا، وربعه الثالث طريدًا، وربعه الأخير قابعًا في الأسر طيلة نصف قرن، لم يشهد فيه كامل الوطن العربي ما شهدته أرض الشام من عذابات مريعة يشيب منها الولدان.

وإذا كانت الحكومة والسلطة الحالية عاجزتين عن التعامل مع ملف العدالة الانتقالية لكونهما في المهد، ولكونه ملفًا ثقيلًا وله ارتدادات مدوية، فلماذا لا تُشرك مجلس الشعب وتورِّطه في تحملِ المسؤولية والشراكة في مغارم استحقاق جديِّ مرحلي لا مفرَّ من مواجهته، بدل أن تُهمِّش هذا المجلس الذي اختاره الشعب، إلى درجة منع انعقاده وتغييب فاعليته في صناعة كل قرارات المرحلة؟

إن مجلس الشعب الذي يعبر بصدق عن توجهات الشرائح الشعبية في الجغرافيا السورية هو صمام أمان يمنع انفجار الحالات الشعبية في وجه الحكومة بشكل غوغائي لا يرعى حجم المسؤوليات والتحديات والتهديدات العميقة والحقيقية.

فلماذا لا تسارع الحكومة الحالية إلى إلقاء هذا الملف وهذا الهمّ الثقيل والكبير على عاتق مجلس شعب مختار بشفافية، ليُقارَع فيه الرأي بالرأي ويزين المصالح والمفاسد بمسؤولية وشراكة شعبية حقيقية، ويصل إلى نتائج سوية تُنفِّس الاحتقان، وتمنع الانفجار، وتبني صورة مجتمعية أكثر استقرارًا واتزانًا؟

4/ المُقاربةُ الواجبةُ بينَ المؤسسةِ العسكريةِ ومؤسساتِ الدولةِ والمجتمعِ في ظلِّ علوٍّ صهيونيٍّ وحلولٍ أمريكيةٍ.

من الطبيعي أن تتجه الحكومة السورية التي جاءت بعد ثورة إلى إعطاء أهمية كبيرة للمؤسسة العسكرية والأمنية، فتعمل على إعادة بنائها بصورة وازنة وقوية، لا سيما أن الحق لا ينتصر في ظل غياب قوة تحميه.

وإذا كان أحد أسباب نجاح الرئيس أردوغان هو إبعاد العسكر عن السياسة، فإن أحد عوامل نجاح الثوار في بناء الدولة الجديدة هو بناء المؤسسة العسكرية والأمنية من منطلق عقدي وإيماني، ومن خلال الاصطباغ بهوية الأمة الثقافية، لا سيما وقد عانت بلاد الشام طويلًا من بطش الأقلية الطائفية وهيمنتها الثقافية.

ورغم الفوارق بين التجربة التركية والتحديات القائمة في سورية، فإن الثابت الذي لا يتغير هو أن الأرضية التي تحمي التجارب هي المجتمعات، وأن الإطار الذي يرعى حقوق الناس ويحفظ الهوية هو الدولة، الأمر الذي يشير إلى أهمية المؤسسات المجتمعية ومؤسسات الدولة بأضعاف أهمية المؤسسة العسكرية وحدها، وذلك في ظل علو صهيوني مشهود، وحضور أمريكي قادر على إضعاف المؤسسة العسكرية أو فرض إخراجها من المعادلة السياسية، لا سيما وأن المطروح اليوم هو نموذج الدولة المدنية المخصية والمقصية عن الفعل الحضاري.

وخلاصة القول: إن المسار القائم في سورية بتعزيز المؤسسة العسكرية والأمنية في أيدي الثوار وأهل البلاد المنتمين، لا ينبغي أن يعطي درجة أقل من الاهتمام لتشكيل وبناء وإنضاج المؤسسات المجتمعية ومؤسسات الدولة، من خلال نسيج أهل الشام الكرام الذين تجمعهم وحدة ثقافية قائمة على الدين والقرآن والسنة، فهذا هو صمام الأمان الذي يضمن استقامة الحال، ويحفظ أمن وحقوق جميع المخالفين ما داموا صادقين في عهد المواطنة والانتماء للبلاد والوقوف خلف الدولة.

إن إمكانية تهميش وإقصاء المؤسسة العسكرية والأمنية عن رسم خيارات سورية الحرة والجديدة تبقى راجحة من خلال معادلات يحيط بها الكاهن الأمريكي اللعين، وتترقبها بعناية الأعين الصهيونية، وأمام هذه الحقيقة لا بد من الإسراع في البناء الحقيقي لمؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة من خلال نسيج ثوري وشعبي منتمٍ وأصيل، فهو الحامي للتجربة الإسلامية الواعدة على أرض الشام بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.