الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الجذور.. والانحراف التام

  الجذور.. والانحراف التام

الخطاب الصهيوني المراوغ (4 - 4)

 الخطاب الصهيوني المراوغ (4 - 4)

د. عبدالوهاب المسيري

10. تَرْك فراغات كثيرة ومساحات خالية بين العناصر المختلفة، وعدم رَبْط المقدمات بالنتائج:

يعمد الخطاب الصهيوني إلى ترك فجوات واسعة بين العناصر المختلفة وبين المقدمات والنتائج، فيذكر النتائج دون المقدمات والمقدمات دون النتائج. وقد تُركت هذه المساحات خالية وجرى التزام الصمت حيال بعض النقاط عن عمد، لأن ملأها والإفصاح عنها قد يكشف أهداف الصهاينة في مرحلة مبكرة قد لا يَحسُن الكشف عنها مرحليًا (وهذا تكتيك معروف في عالم السياسة، فبعد أن ضمت بروسيا الألزاس واللورين، كان شعار أهل هاتين المنطقتين من الفرنسيين هو: لا تتحدث عنهما قط، ولا نكف عن التفكير فيهما قط).

وكما قال بن هالبرن (مؤرخ فكرة الدولة اليهودية): اتفق يهود اليديشية ويهود غرب أوربا على ضرورة الصمت بشأن فكرة السيادة اليهودية والطرق السياسية لتحقيقها. وكتب هرتزل في يومياته «يجب ألا يُكشَف كل شيء للجمهور، يجب كشف النتائج وحسب أو ما قد يحتاج المرء لكشفه في مناقشة ما»! وحذر آحاد هعام من الإفصاح العلني عن (آرائنا) بشأن مستقبل فلسطين، فلا يزال (حينذاك) يشكل خطرًا مادام مستقبل تركيا لم يتقرر بعد. وحينما نُوقشت قضية مصطلح (الدولة) في المؤتمر الصهيوني الأول، واستُخدم مصطلح (وطن قومي)، طمأن هرتزل الجميع قائلًا: لا داعي للقلق فسوف يقرؤه الناس (دولة يهودية) على أية حال، ولا داعي لتوخي الدقة لأن الكل يعرف المطلوب في الممارسة، ولا يوجد أي مبرر لجعل مهمة اللجنة التنفيذية أكثر صعوبة مما هي عليه بالإصرار على الدقة. ومعنى قوله هو: كلنا نعرف القصد الصهيوني الصامت، ونعرف الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهوَّدة، وقد قررنا الالتزام بهما ولكن لا داعي للإفصاح عنهما.

ولا يلتزم بعض المتطرفين أحيانًا بعملية الصمت وعدم الإفصاح كما حدث مع جابوتنسكي إبان فترة الانتداب حين أصر على أن يُكتَب اسم «إرتس يسرائيل» كاملًا على العملة، وكان لا يكف عن المطالبة بأن يُعلَن صراحةً أن هدف الصهيونية هو إنشاء دولة يهودية على ضفتي الأردن. ولكن القيادة العمالية الحصيفة اكتفت بالحرفين الأولين E.I. فهما يشيران إلى الحد الأدنى الصهيوني.

وهناك حادثة طريفة تبين التصادم نفسه بين من يلتزمون الصمت ومن يحاولون كشفه، ففي إحدى الحملات الانتخابية في «إسرائيل»، أشار إسحق نافون إلى العرب باعتبارهم (إخوته) وهو يعني في واقع الأمر أنهم (أعداؤه)، وكل ما في الأمر أنه يحاول خداعهم حتى يحصل على أصواتهم الانتخابية. وحين اعترض بعض السامعين من «الإسرائيليين» على إشارته الأخوية للعرب صاح نافون: أنتم عباقرة! أنتم ديبلوماسيون! ألا تفهمون؟ إنها مسألة رياضية بسيطة، إن هدف البرنامج العمالي الصهيوني هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الأرض وأقل عدد ممكن من العرب.

وهكذا، فلابد من التخلص من العربي، هذا ما يقوله البرنامج العمالي دون إفصاح، أما حكاية الأخوة هذه فهي دعاية انتخابية.

11ـ التأرجح المستمر والمتعمد بين أعلى مستويات التعميم والتجريد وأدنى مستويات التخصيص:

يحاول الصهاينة أن يتحركوا من أعلى مستويات التعميم والتجريد إلى أدنى مستويات التخصيص حسبما تمليه عليهم الاعتبارات البرجماتية. فحين يكون الحديث موجهًا إلى اليهود وإلى الرأي العام في الغرب، فإنه يكون عن أرض الميعاد المقدَّسة وحق اليهود الأزلي فيها والوعد الإلهي الذي ورد في العهد القديم. وهناك الحديث عن النفي إلى بابل والعودة منها كنمط أزلي متكرر وعما لحق باليهود من اضطهاد... إلخ. ولكن، إلى جانب ذلك، هناك الحديث الموجه إلى العرب عن ضرورة تناسي الماضي ومحو الذاكرة والتركيز على الحاضر وعلى التفاوض وجهًا لوجه، ودراسة التفاصيل المباشرة والإجراءات والعائد الاقتصادي. وبدلًا من الحديث عن صهيون، يكون الحديث عن سنغافورة كمثل أعلى يُحتذى، وبدلًا من الحديث عن رؤى الأنبياء يكون عن مشاريع الاستثمار، وبدلًا من الحديث عن البلاد والأوطان يكون الحديث عن الفنادق والكازينوهات، وبدلًا من ارتداء ثياب المعارك يكون التركيز على آخر الموضات والمايوهات.

وبطبيعة الحال، يمكن استخدام الخطاب النفعي الإجرائي حين يتوجه الصهاينة إلى الحكومات الغربية طلبًا للمعونات إذ يسقط الحديث عن صهيون والأراضي المقدَّسة بطبيعة الحال، ويكون الحديث عن العائد الإستراتيجي العسكري والاقتصادي للدولة الصهيونية الوظيفية المملوكية.

ويظهر هذا التأرجح بين أعلى درجات التعميم وأقصى درجات التخصيص في الطريقة التي يُنفَّذ بها شعار (الأرض مقابل السلام)، فرغم أن الأرض أمر محدد إلا أنها تدريجيًا تحوَّلت إلى مفهوم شديد العمومية، على عكس السلام، الذي تحوَّل من كونه مفهومًا عامًا إلى مجموعة محددة من الإجراءات الاقتصادية والأمنية المادية الصارمة.

12ـ أيقنة بعض الدوال والعبارات:

من الحيل الصهيونية الأساسية ما نسميه (أيقنة) المصطلح أو العبارة، أي تحويل المصطلح إلى ما يشبه الأيقونة، بحيث يصبح المصطلح مرجعية ذاته وتُختزل الحقيقة المركبة إلى مثل هذه الأيقونة التي لا تقبل المناقشة أو المراجعة أو الدراسة أو التساؤل. وهذا ما حدث بعض الوقت لعبارة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ولعبارة «المفاوضات وجهًا لوجه». وفي الوقت الحاضر، ظهرت مصطلحات مثل «عملية السلام» و «السلام مقابل الأرض».

ولعل من أهم العبارات المتأيقنة عبارة «ستة ملايين يهودي» التي يُفترض أنها تشير إلى عدد ضحايا الإبادة النازية من اليهود، وأصبح مجرد التساؤل عن مدى دقة هذا العدد شكلًا من أشكال الكفر يُسمَّى «إنكار الإبادة».

13ـ إشاعة بعض الصور التي تختزل الواقع:

وترتبط بالأيقنة محاولة إشاعة بعض الصور المجازية التي تختزل الواقع وتترجمه إلى أطروحة صهيونية، فرغم أن «إسرائيل» من أكثر الدول تسلُّحًا وشراسة وقوة عسكرية، فإن الصورة التي تُشاع يجب أن تكون صورة «إسرائيل» صاحبة الحق المسالمة التي تدافع عن نفسها. وقد تمت ترجمة هذا كله إلى صورة داود وجالوت المجازية، بحيث أصبحت «إسرائيل» داود الصغير الذي لا يوجد معه سوى مقلاع ضد جالوت المدجج بالسلاح والذي يُهاجم داود الصغير بشراسة (ومن الطريف أن الانتفاضة قلبت الأمور رأسًا على عقب، إذ إن الفلسطينيين كانوا هم المسلحين بالمقاليع، أما «الإسرائيليون» فكانوا هم جالوت المدجج بالسلاح).

ومن الصور الأخرى التي تمت إشاعتها صورة «إسرائيل» باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية (الأمر الذي يتطلب إخفاء كل ما تقوم به من عمليات قمع وإرهاب) ونموذجًا للإنتاجية والكفاءة (الأمر الذي يتطلب إخفاء المساعدات الغربية التي تصب في هذا المجتمع).


كتاب (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية)


الخطاب الصهيوني المراوغ (3 - 4)




رسالة للنبي محمد

 رسالة للنبي محمد

د. عبدالحليم عويس

د. عبدالحليم عويس

 
في كل يوم نرسل إليك -بألسنتنا- السلام ورحمة الله وبركاته.

كما لا يجاوز القرآن حناجر أكثرنا.. كذلك لا يجاوز ذكرك الحناجر.. وكلما ذكر اسمك ارتفعت أصواتنا -بينما عقولنا شاردة- بالصلاة والسلام عليك.

إننا نعترف.. بأنك أصبحت بعيدًا عن قلوبنا ووعينا.. لقد جَذَبَتنا المادية إليها، فأصبحنا ندور في فلكها.. وحتى في صلاتنا وحجّنا.. تكون أقوالنا وحركاتنا في واد.. وقلوبنا وعقولنا في واد آخر..

ولعدة قرون -وهي فترة غيبوبتنا عن حقائق ديننا وهبوطنا إلى درك التخلف والهزيمة النفسية- كنا هكذا منشطرين على أنفسنا، فكلامنا وأفعالنا في طريق.. وعقولنا وقلوبنا.. بعيدة عنك وعن كتاب ربنا.. في طريق آخر.

لقد تركنا طريقتك.. وهجرنا سنَّتك.. وأصبح الاحتفال بمولدك ليس صيامًا وعبادةً وحياةً مع سيرتك.. 
كما كُنتَ تحتفل في كل أسبوع حين تصوم كل يوم اثنين؛ لأنه اليوم الذي ولدتَ فيه.. بل أصبح تهريجًا يغلب عليه الفسق والقبائح، وتضيع منه معانيك العظيمة وأنوارك الطاهرة.. وتغلب العادة فيه على العبادة.. ونأكل الحلوى الموروثة من أيام الباطنية الفاطميين.. الذين استبدلوا بالإسلام الصحيح الطعامَ المليح، واستبدلوا بالمضامين والحقائق الأشكالَ والمبتدعات.. حتى تاه وعينا.. فأصبحنا أضحوكة الناس، وانفصلنا عن فقه القرآن والسُّنة والإجماع والقياس.

فافْتح ذراعيك يا رحمة الله للعالمين.. يا من حنوت على الحيوانات والجمادات.. وربتَّ بيديك الشريفتين على الجذع الذي حنَّ وأنَّ... فالتقطت أشعتك القلبية حنينه وأنينه.. فَرَبتَّ عليه حتى سكن.. وسكت.. فاستقبِلنا.. كما استقبلت الجمل الذي جاءك حزينًا يشكو ظلم صاحبه، وكما استقبلت الجذع الذي بكى.. فسمع قلبك بكاءه حين تركت الصعود للخطبة عليه وارتقيت المنبر.. استقبِلنا.. فنحن أحوج إلى شفاعتك وحبك.. أكثر من الجمل وجذع النخلة.. وسل الله لنا المغفرة واستغفر لنا ليغفر الله لنا..

وقريبًا سنلتقي بك.. بسنَّتك.. بقلوبنا وعقولنا وليس بألسنتنا وحركاتنا!

وسلام الله عليك.. في الأولين.. وفي الآخرين.. وإلى يوم الدين.

 

المصدر
من أرشيف مقالات المفكر المصري الراحل د. عبدالحليم عويس.
.







جذور العنف الصهيوني في أفكار هرتزل

جذور العنف الصهيوني في أفكار هرتزل
د. عبدالوهاب المسيري


طوَّر «هرتزل» الخطاب المراوغ ودعا كل الأطراف (العالم الغربي ويهود العالم بشقيه الغربي والشرقي) لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.

ولكن هناك طرفًا لم يُدعَ للتوقيع، رغم أنه سيُضار حين يُوضَع العقد موضع التنفيذ، ألا وهو العرب، فقد ذكر «هرتزل» هذا الطرف بشكل عابر أحيانًا في معرض نقده للصهيونية التسللية التي لم تدرك أن المستوطنين الأصليين (العرب وربما الهنود الحمر في الأرجنتين) سيشعرون بأنهم مهددون فيضغطون على الحكومات المعنية فتضطر هذه الحكومات لإيقاف التسلل.

ولا يرد للعرب ذكر في دولة اليهود أو في الخطاب الذي ألقاه أمام المؤتمر الأول (1897م)، أي في الوثائق الموجهة للصهاينة، ولكن هناك وثائق أخرى موجهة للرأي العام مثل الأرض الجديدة القديمة حيث يُقدِّم «هرتزل» صورة وردية لمصير العرب من مواطني الدولة اليهودية الذين سيزدادون رخاءً وسينعمون بالهناء.

وقد كتب «هرتزل» عام 1899م خطابًا لأحد القادة الفلسطينيين يبشره بالرفاهية التي ستعم والثروة التي ستزيد، ولكن مهما كانت رقة قلب «هرتزل»، فإن العرب والسكان الأصليين لم يُدْعَوا لتوقيع العقد، فسيادة الدولة اليهودية مصدرها الغرب، والحكومات المعنية يمكن أن تسبب المضايقات، أما السكان الأصليون فلا أهمية لهم، و«هرتزل» لم يكن فريدًا في هذا، فتحديث الغرب على الطريقة الاستعمارية كان يفترض أن يدفع الشرق فواتير التقدم الغربي.

وبالتالي، فإن السكان الأصليين ليسوا ضمن عملية التحديث وإنما يقعون خارجها تمامًا، ولذا، فإن الإغفال والتغيب جزء من النظام الإدراكي الغربي الحديث للآخر، ومن ثم يصبح العنف هو الآلية المحضة لتنفيذ المشاريع التي تتحرك في إطار القانون الدولي العام أي القانون الاستعماري الغربي.

ولكن «هرتزل»، بمراوغته، لا يتحدث قط عن العنف في الوثائق العامة، إلا من إشارة عابرة للمكابيين في دولة اليهود، وهي إشارة يمكن أن تُفْهَم على أن المقصود بعث عسكري وليس بالضرورة عنفًا ضد العرب، والتفسير نفسه يمكن أن ينطبق على خطابه للبارون «دي هيرش» حين ذكر خطته التي تهدف لأن يخلق من البروليتاريا اليهودية المثقفة (المفكرين المتوسطين الذي يتحدث عنهم في دولة اليهود) شيئًا نافعًا «جنود وكوادر الجيش الذي سيبحث عن الأرض ويكتشفها ثم يستولى عليها».

وعلى أية حال، فإن العنف يطل برأسه في كلمتي «يكتشف» و«يستولي» فاكتشاف أمريكا كان يعني إبادة سكانها الأصليين والاستيلاء على أرضهم، والأمر يختلف قليلاً في اليوميات التي يختلط فيها الإعجاب بالعسكرية البروسية بالحديث عن كيفية الاستيلاء على الملكية الخاصة للسكان الأصليين وكيفية استخدامهم لَقَتْل الثعابين وتأمين عمل لهم في بلاد أخرى (كما دوَّن في مذكراته عام 1885م).

وفي عام 1902م، كتب «هرتزل» لـ«تشامبرلين» عن مصير السكان الأصليين في قبرص إن وقعت في الدائرة الصهيونية الفاتكة: 
«سيُرَحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير سعر جيد ثم يهاجرون إلى أثينا أو كريت»، 
أي أن الاستيلاء على الأرض وإخلاءها من سكانها هو الافتراض الكامن في كتاباته، فالعنف رابض بين السطور، يتحين الفرصة لكي يتحقق، وينتظر اللحظة المواتية كي ينهمر الرصاص ويسقط النابالم.

ومما يجدر ذكره أن «هرتزل» لا يستبعد استخدام العنف ضد اليهود أنفسهم (إن رفضوا الخضوع للرؤية الصهيونية) كما يتضح في مفهوم غزو الجاليات.

وقد سمى أعداء «هرتزل» دولته الصهيونية بأنها «صهيون بدون صهيونية» وهو اصطلاح استخدمه الصهاينة الإثنيون (الدينيون والعلمانيون) للإشارة إلى تَصوُّر «هرتزل» وغيره من الصهاينة لدولة اليهود، فهي دولة تشكل إطارًا يُستوعَب فيه الفائض اليهودي وحسب، ولم تكن له أية معالم أو قسمات يهودية مُميَّزة، والصهاينة الإثنيون كانوا محقين إلى حدٍّ ما في موقفهم، فالصهاينة التوطينيون في مرحلة ما قبل «بلفور» كانوا مهتمين بشيء واحد هو التخلص من الفائض البشري اليهودي «اليديشي»، وبأسرع وقت ممكن، بإلقائه في أي مكان متاح.

ولكنهم لم يكونوا محقين بشكل مطلق إذ أن صياغة «هرتزل» الهلامية تركت الباب مفتوحًا أمام سائر الديباجات الصهيونية الممكنة، فهي لم ترفض الصهيونية الإثنية وإنما كانت غير مكترثة بها وحسب.

الهوامش
  • 1 المصدر: تاريخ الفكر الصهيوني جذوره ومساره وأزمته. 

 اقرأ أيضاً  

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

لمسات بيانية د. فاضل السامرائي

  لمسات بيانية د. فاضل السامرائي 



هيّا بنا نلعب

هيّا بنا نلعب


مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب 

نتذكّر تفاصيل مسلسلات كرتونية من طفولتنا، بل نستعيدها بالشجن ذاته، ونُردّد أغاني التتر، ونحن نقود سياراتنا أو نبتكّر أشياء في مطابخنا. نتذكّر ملامح الأبطال والأشرار، كأنّها البارحة. بل أكثر من ذلك، نتذكّر محاولاتنا لتعديل النهايات وتغيير أسماء الأبطال.

بمستطاعنا أن نحكي عن رواية قرأناها في طفولتنا، بما في ذلك روايات "التيار العام" التي تتشابه كلّها. قد نتعثّر قليلاً في تذكّر اسم بطلة في رواية كلاسيكية، غير أنّنا سنقول في النهاية "ماجدولين".

إذا نزلنا بضع درجات إلى الطفولة، وجلسنا لنتذكّر: سنرى القميص الذي حصلنا عليه في "ليلة الشعبانية"، الهدية التي أُعطيت لنا "في الوقفة"، والمطعم الذي زرناه بصحبة العمّة والشمس تحجبها الغيوم. كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.  

كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.

كان لكل منّا حبيبة واحدة، بدلة واحدة، كتاب واحد، أغنية واحدة، وقرية من الأصدقاء. كنّا ننتظر الغسق كلّ يوم لنجلس أمام التلفاز على الموعد. لم نكن قادرين على التحكّم بأيّ شيء، كان علينا الانتظار والامتثال، كلّ ذلك كان يعزّز من ذاكرتنا، ويربّي شبكة انفعالاتنا، ويعلّمنا احترام المواقيت والنظام.

نتذكّر الجزء من المسلسل حين ألقت الفتاة بنفسها في النهر، والكرة التي أصابت العارضة، وقفزت إلى الأعلى. نفكّر الليل كلّه، النهار كلّه: هل سينقذها الصياد، وهل سيقفز الكابتن وليد، رغم وجع ساقيه، خلف الكرة.

تتدافع السيناريوهات في خيالنا، وكان خيالنا يتسع، يصير أكثر ليونة وطراوة. الخيال هو الذي أعاننا، في تلك الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

عندما زارتنا العمّة من مكان بعيد كنّا قد فرغنا للتو من غدائنا، تناولنا الأرز بالصلصة والبطاطا، ووزّعت أمي نصف الدجاجة علينا. حصلتُ، في ذلك اليوم البعيد، على جزء من ظهر الدجاجة، كانت دجاجة بيضاء اشتريناها بكذا، وكان البائع يحكّ ذقنه، ويسأل: هل أذبحها لكم؟ عندما قال "لكم" رأينا ضروسه الناقصة، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره. كلّ هذا في الذاكرة، في الخيال، في الوجدان، في التجربة. لا يفلت منه شيء، يزداد اختماراً مع الأيّام، الماضي يُعيد إنتاج نفسه، ثم نعيد خلقه في النصوص والآداب، في الفنون والحيل والتجارب الجديدة. كان ساراماغو، الروائي البرتغالي، يقول "دع الطفل الذي بداخلك يتحدث"، وقال ماركيز إنّه عندما أراد أن يكتب على نحو مختلف قرّر أن يحكي كما كانت جدّته تحدّثه في طفولته.

أعاننا الخيال، في الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

تعلّمنا التاريخ على رويّة، بصرف النظر عن جودة المادة التي قُدِّمت لنا من وجهة نظر علمية. التاريخ، أو الحكاية، كان متعدّد الطبقات والأبطال والذرائع، فيه تحوّل البطل إلى شرير، وعاد الشرير ليلتحق بجيش الأخيار قبل المعركة بساعة. كانت الغجرية ترقص، وتغنّي عالياً، وكان "علي أحمد باكثير" يحيط برقصتها، وينقلها لنا حركة حركة. لا يزال صوتها يرنّ في الأذان، وكلّما شاهدنا فيلم "أحدب نوتردام"، ورأينا إزميرالادا هتفنا "نعرف هذه الغجرية، رأيناها في مكان آخر".

لماذا أقول كلّ هذا؟

فيما بعد اعتقدنا أن تعدّد الخيارات في الدنيا سيصبّ في صالحنا. من الأفضل أن نجد عشرين نوعاً من الجبنة، وثلاثين نسخة من الموبايل، ومئة تصميم للفستان. هذا أفضل، لأنّه يحقّق في النهاية رفاهاً وسعادة. الاختيار بين "بضاعتَين" كان يعود علينا، في القديم، بشيء من القلق. نسأل أنفسنا في طريقنا إلى البيت، ما إذا كانت البضاعة الأخرى هي الأفضل، هل اخترنا الأسوأ؟ بيد أنّ الأمر بات مدمّراً الآن، على المستوى النفسي. يسأل المرء نفسه: لماذا اخترت هذه النسخة، وتركت الأخريات، ويفكّر بمئة نسخة استبعدها. ما إن يصل الفرد البشري إلى منزله حتى تكون علاقته بما اشتراه قد انهارت. الوفرة غمرتنا بالقلق، بالتوتّر، باللايقين، وأفقدت أشياءنا جاذبيتها، وهكذا جعلتنا غير قادرين على إنشاء علاقة اجتماعية- نفسية مع ما نملكه، من اللعبة إلى الحب، ومن جهاز الموبايل إلى الصداقة. 

أتذكر حكاية مع ابنتي، سبعة أعوام آنذاك، وهي تلقي بالآيباد على الأريكة قائلة "الآيباد خلص". تقصد أنّها شاهدت كلّ المواد المُتاحة للأطفال على تطبيق ديزني. الآن، بعد خمسة أعوام، لم تعد تتذكّر شيئاً من كلّ تلك البحيرة التي شاهدتها وعايشتها. تعيش بلا أبطال في الذاكرة، ويتداخل عليها الخيال، ولا تبدو قد استفادت عاطفياً من تجربتها المُبكّرة مع الفن، باستثناء الأعمال الكلاسيكية المركّبة.

كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال.

كانت رواية واحدة تجعل من المرء منّا كاتباً. وكانت قصيدة واحدة، ربّما بيت شعر واحد، يخلق عدداً من الشعراء. وكانت القبيلة يهنّئ بعضها بعض إذا نبغ فيها شاعرٌ أو وُلِدت لهم فرس. كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال. الخيال هو أعظم ما يملكه الإنسان، يقول بورخيس. هو كذلك، مع الحلم. الوفرة جعلتنا خائفين، قلقين، غير ناضجين، وأفسدت طبائعنا. كان ويلسون يتحدث عن الخيول التي جيء بها من البادية إلى المدينة، وقُدّمت لها العصيدة. يقول: أحبّت العصيدة اللينة السهلة، ومع الأيّام سقطت أسنانها.

أسنان الخيول للشوك والبريّة لا للعصيدة. هكذا صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مُكتشفة لم تعد تُخفي سرّاً، وحياة بلا غموض، وذاكرة يتسرّب منها كلّ شيء.

صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مكتشفة لم تعد تخفي سرّاً، وحياة بلا غموض.

ثم أضيف إلى كلّ هذه "المأساة" التعقيد البيروقراطي لحياتنا، الحصار القانوني، القيود، والنماذج السلطوية بالمعنى الذي يذهب إليه فيكون، السلطوية البنيوية الكامنة في كلّ التمظهرات. من الضحية؟ يجيب ماكس فيبر، قبل قرن من الآن: الخيال والإبداع. عندما مات مارادونا، وبكته الصحف، كتب المحرّر الرياضي في صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية الناطقة بالألمانية: دعوا الرجل يذهب، فلو كان يلعب الآن لأوقفه المدربون، وأجلسوه في دكّة البدلاء. 

نسمع هذا الأسى على لسان إدوارد غاليانو، الكاتب الأوروغواني، إذ يقول: في الماضي كان المدرب يجتمع مع لاعبيه قبل المباراة، ويقول لهم "هيا بنا نلعب". الآن يسمع اللاعبون جملة واحدة "هيا بنا نعمل". ليتنا، مثل زمان، نذهب لنلعب، ونقف في السوق، ولا نرى سوى شيئَين أو ثلاثة.

اتفاق مكة.. ومسافة السِّكَّة..!!

اتفاق مكة.. ومسافة السِّكَّة..!!
د.عبدالعزيز كامل 

تطورات الأحداث تشير إلى تحول خطير في مسار الحرب الإيرانية الأمريكية، بدفع خلفي ظاهر وخفي؛ من قوى الصهيونية العالمية..
وفي قناعتي الشخصية..ان (اتفاق مكة) منذ بدأ .. لم يتم التوافق عليه إلا لوجود قناعة أكيدة بتجدد خطر حقيقي تمثله إيران على بلاد الحرمين..
وهو خطر لايستهدف نظام المملكة نفسه بقدر مايستهدف بلدان الجزيرة عامة، للوصول إلى مكة والمدينة خاصة ..

●● وقد صدرت تهديدات(شمشونية) باستهداف بلدان خليجية بعمليات برية احتلالية بدعوى الرد على الضربات الأمريكية والسعودية ضد الأذرع الإيرانية، وفي تقديري أن (كل الطرق توصل إلى مكة) في نظر الفُرس.. فهي الغاية والنهاية في مسار المشروع الشيعي الساعي للتحول إلى قوة عالمية، تقودها أوهام مهدوية خرافية .. 
هم حولوها إلى مشروع يسير بانتظام خلال الأربعين عام من عمر الثورة الخمينية الثأرية الانتقامية..

●● لذلك كان لابد من قوى ردع إضافية خارجية للدفاع عن الجزيرة العربية ، قابلة للانتشار وقادرة على الانتصار في أقرب وقت وأقصى سرعة..للدفاع عن المدينة ومكة..وكما يقال :(على قدر مسافة السكة)..!
وقد دلت الاحداث أن إمكانات إيران وأذرعها لا يستهان بها، فقد دُفعت للأمام منذ بداية ثورتها قوى الصهيونية العالمية مكرًا ونكايةً في عموم الأمة الإسلامية، قبل أن يتجه الإيرانيون شرقًا تجاه التحالف مع الكتلة الصينية الروسية..

●● ومع عدم التقليل من أهمية الردع العسكري القوي والدفاع المشترك _ إن صحت وصلحت النوايا _ فإن هذا لا يقلل أبدًا _ بل لا يغني _ عن حشد شعوب الأمة وإحياء دورها في الدفاع عن حرماتها ومقدساتها ومقدراتها لمواجهة الخطر الداهم القادم،
والحقيقة تقول بأنه كان الأولى بالمملكة السلمانية ومن حولها من الحكومات العربية.. أن تبدأ بتهيئة الشعوب لمواجهة الخطر المزدوج ( الصهيوني والإيراني).. وذلك لن يكون إلا بجمعها حول دعاتها وعلمائها ومفكريها وأصحاب الرأي فيها، بدلًا من استمرار قمعهم أو تغيبهم أو كتم أنفاسهم، فمفاتيح تحريك الشعوب _ كما دلت النوازل والخطوب ؛ هي( بعد إرادة الله ) _ في أيدي هؤلاء النبلاء الذين خصهم الله تعالى بـ (الولاية العلمية) التي هي أسبق في وجوب الطاعة من الولايات الشرعية السياسية، فقد قال تعالى { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ( النساء /83) } .. 

فالرجوع لأهل العلم والحكمة الكبار هو في النوازل الكبار .. عقد ضمان وصِمام أمان.

●● ولا شك أن غالب شعوب الجزيرة لا زالت وفِية لدينها وعصية على عدوها ، إذا أُحسٍن قيادُها، فهي لم تخضع _كغيرها_ لاحتلال استعماري مباشر، بل لايحرك شبابها المسلمين عند الشدائد إلا الفطرة والدين..
( وعلى قدر مسافة السكة..) تهوي أفئدة المؤمنين إلى مقدسات وحرمات المسلمين _ وبخاصة الحرمين الشريفين _ كما شهدت بذلك أكثر الميادين في قضايا الصراع ضد المسلمين..

●● ولذلك فإنه كان الأولى قبل اتفاق مكة السياسي أو الدبلوماسي.. أن تُعد شعوب الجزيرة _ والأمة وراءها _ لصد الساعين لاجتياحها..
صيانة للأرواح والمقدسات وسائرالحُرُم.. و(حتى لا يُستباحَ الحَرَم).. !
فاللهم احفظ مقدسات المسلمين في الحرمين الشريفين.. من مكر المتربصين من الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين..
اللهم آمين