الأربعاء، 24 يونيو 2026

المراجعات بين الاعتبار والاضطرار

 المراجعات

بين الاعتبار والاضطرار

د. عطية عدلان 

مركز محكمات للبحوث والدراسات  – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

بين الضرورة والاضطرار تغيب الرؤية - فيما يسمى بالمراجعات - خلف سحب كثيفة من التصورات المتداخلة المتشابكة، فالمراجعات في أصلها عملية ضرورية، تضطرنا إليها في كل مرحلة مقتضياتُ الواقع المتجدد، وهي آلة من آلات تقييم الأعمال وتقويمها، وأداة من أدوات التطوير والتنوير، ووسيلة من وسائل التجديد للرؤى والأفكار والمفاهيم، وأسلوب قديم جديد تتبعة كل طائفة من الناس تبتغي ترقية أدائها وتجويد مشاريعها باستمرار، وقد علمناه كتاب الله تعالى يوم أن وقف مع الجيل الأول بعد أحداث أحد، وأوقفه على كثير مما يجب تصحيحه من الأفكار والتصورات والأقوال والأفعال والعلاقات والتفاعلات.

    ونحن الآن أكثر من أيّ ظرف مضى بحاجة إلى المراجعات، ونحن اليوم أكثر من أي يوم مضى صرنا نؤمن بأهميتها وضرورتها، بل صرنا بالفعل نمارس المراجعات بشكل واسع وشامل، وربما بعنف وعجلة، بل ورعونة أحيانا؛ ولعل السبب في هذه الخشونة والرعونة وهذه الانقلابات المتتابعة كتداعيات الزلازل هو أننا لا نمارس عملية المراجعة من منطلقات منهجية ثابتة، ولا بمعايير قيمية واضحة، وإنّما نمارسها كردة فعل ضد كل قديم كان في تقديرنا سببا للبلاء، ولو أنّ المسلمين الأوائل قاموا بعد أحداث أحد بالمراجعة على النحو الذي يقوم به الكثيرون منّا الآن؛ لربما وجدت منهم من يقول: مالنا نحن الأنصار وخصومة وقعت بين قريش وبعض أبناها؟ ألم يكن جديرا بنا أن نلتزم الحياد كما فعلت سائر قبائل العرب ويبقى الفارق بيننا وبينهم أننا مؤمنون موحدون وهم كفار مشركون؟ ولوجدت منهم من يعيد تقييم قرارات وخطط المعركة بما فيها قرار الخروج للقاء العدو خارج المدينة، ذلك القرار الذي اتبع فيه محمد مشورة غلمان لا علم لهم بالحرب، وترك رأي الكبار من أمثال عبد الله بن أبيّ بن سلول، ولوجدت من الآراء عجباً.

    لكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم كانوا يمتلكون منظومة من القيم الثابتة والمحكمات الراسية التي تجعلهم قادرين على إجراء المراجعات بصورة لا يكون فيها انقلاب على الثوابت أو كفر بالماضي كله حلوه ومره، ومع ذلك وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمارس التثبيت والتربيت ويلقنهم الثوابت، فعندما صاح أبو سفيان: أٌعل هبل! لقنهم الرسول الجواب: الله أعلى وأجل، وعندما صاح: يوم بيوم بدر والحرب سجال! لقنهم رسول الله: لسنا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

    ثم نزل القرآن الكريم ليجري عملية المراجعة مع المؤمنين، وليؤكد على الثوابت وهو يجري عملية التقويم والمراجعة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سبب للنعماء لا مصدر للبلاء: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران: 164) والمؤمنون هم الأعلون وإن هزموا أو فقدوا بعض ما في أيديهم من اللمكاسب، فالنصر لا يرفع وضيعا والهزيمة لا تخفض رفيعا: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139) والخُسر ليس متمحضا لمعسكر الإيمان، والأيامُ دُوَلٌ، والذين قتلوا في سبيل الله تعالى ليسوا خسارة للمؤمنين وإنما هم مقدمة للنصر القادم:

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)) (آل عمران: 140-141).

    والمراجعات الحقيقية هي التي تكون اعتبارا لا اضطرارا، وغالب ما رأيناه من المراجعات في المحيط الإسلاميّ يأتي اضطرارا لا اعتبارا، والاضطرار يأتي على وجوه عديدة، فتارة تقع المراجعة تحت الإكراه الذي تمارسه الأنظمة بأي صورة من الصور، وكل مراجعة تقوم بها الرموز تحت وطأة الأكراه تكون مراجعة اضطرار، وللضرورة أحكامها الاستثنائية التي لا يمكن أن تُعَمَّمَ لتصبح قاعدة مضطردة، وتارة تقع تحت وطأة الصدمة وما تورثه للنفس من فجيعة في الأموال والأنفس والاستحقاقات وغيرها، وتارة تأتي كردة فعل تجاه أقوام أو زعامات ارتكبوا الأخطاء الجسيمة في اتجاه معين فينشأ غلو في الاتجاه المقابل.

    أنا لا ألوم أحدا ممن أكرهوا على المراجعات ولا أجترئ على ذلك، فمن يدري فلربما - ونسأل الله العافية لنا وللجميع - لو كنت مكان واحد منهم لكنت أضعف منه نفسا، لكنّ هذا لا يغير من الحقيقة الكلية المجردة شيئاً، فالذين اضطروا لإجراء مراجعة تحت الضغوط أو التنازل عن شيء من الحق تحت وطأة الإكراه معذورون، لكنّ قولهم مهدر لا حجة فيه على غيرهم، فيجب عذرهم من جهة وأهدار مراجعاتهم من جهة أخرى، ونحن إذ نعذرهم لا ننسى أسيادنا الصامدين الثابتين في قيعان الزنازين، فهؤلاء اختاروا العزيمة وتجافوا عن الرخصة وآثروا صيانة حفظ الدين على حفظ النفس؛ فلا ريب أنّ موقف سيدنا بلال أفضل بكثير من موقف سيدنا عمار، وكلهم أسيادنا.

    وكذلك لا ألوم على الذين أزعجتهم المصائب واستفزتهم النوائب فانقلبوا على كثير أو قليل من الثوابت التي ظنوها سببا فيما حل بالأمة، فالعقل الإنسانيّ أمام فوران النفس وهيجان المشاعر كالكوخ المسكين في بؤرة زلال مدمر، والمعصوم من عصمه الله، ولا على الذين اضطرهم قوم غلوا في اتجاه معين على أن يرتدوا هم إلى الاتجاه المقابل بنفس الدرجة في الغلو؛ فالقانون الطبيعي الذي لا يستثني: كل فعل له ود فعل مساو له في المقدار مضاد له في الاتجاه.

    لكنني ألوم مجموعنا الذي لا يصح ولا يسوغ أن يستنكف جملة عن المراجعة الصحيحة الرشيدة التي تكون اعتبارا لا اضطرارا، والتي تجري وفق قيم ومعايير وموازين صحيحة، والتي تُجيش لأجلها الطاقات والمواهب المتخصصة، وتُحشد لها البيانات والمعلومات الموثقة، وتُستدعى لها السنن والنواميس الحاكمة للحياة، وتبذل فيها الجهود المتضافرة والأوقات المتوافرة، المراجعة الدقيقة العميقة التي تتبع الأساليب العلمية في التفكير والوسائل المنهجية في التقويم، التي تتجرد من كل مشاعر الغضب والحنق والرجاء والخوف وغير ذلك مما يشوش على المقاصد كما تشوش الغيوم على أشعة الشمس الساطعة.

    هذه المراجعات في زماننا هذا كالماء في زمن الجفاف والخبز مع اللحم في زمن المجاعة والمسغبة، مع أنّنا لم نكن في يوم من أيامنا أحوج إليها من يومنا هذا، محتاج إلى تقييم صحيح لكل تصرفاتنا؛ لأنّ ما حل بنا لا يمكن - حسب سنة الله في المؤمين - أن يكون قد وقع لمجرد أخطاء تكتيكية أو جزئية أو صغيرة، لا يمكن أن يكون قد وقع إلا بسبب أخطاء منهجية كلية كبيرة؛ فالمراجعة - إذاً - واجب محتم.

    هذه المراجعات التي يجب أن تجري اعتبارا لا اضطرارا هي مقدمة للخطوة الأولى المنسية أو المهملة أو المتروكة عن غفلة أو عمد، وهي وضع الرؤية والمشروع، الرؤية التي تكون لنا جميعا بمثابة البوصلة التي تحدد اتجاه السير، والمشروع الذي ينقل خطانا على الطريق عبر مراحل مدروسة ووفق قيم وموازين متفق عليها في الجملة، فالمراجعات ووضع الرؤية ورسم ملامح المشروع أول عدة التغيير الذي ننشده، فإن عجزنا عن هذه اللاثة فنحن عمّا وراءها وبعدها أعجز.

   ولنكن على يقين من حقيقة لم تعد خافية وإن تجاهلها البعض، وهي أنّ فعلا كهذا يحتاج بذلا وإخلاصا وتجردا وتوحدا وتواضعا وميلا للجماعة ونزوعا إلى الوحدة وهجرا لكل أسباب الفرقة والعصبية والنزاع، وقبل ذلك يحتاج إلى الاستضاءة بالوحي المعصوم، والتماس العبرة من سيرة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والله المستعان وعليه التكلان.

د. عطية عدلان 

نظام الطيبات الرقمي

 نظام الطيبات الرقمي

عبدالرحمن الشمري


كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. 

وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه.

بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. 


والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: 

(اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟).


وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. 

لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. 

اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر.

وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. 

هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم.

الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. 

وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. 

أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية.

وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. 

الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ 

فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر.

والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. 

أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. 

نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: 

ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. 

فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس.

لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. 

ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.


عبدالرحمن الشمري

أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

  أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

د. جاسم الجزاع



أثناء تصفحي لإحدى الدراسات السابقة المختصة بتحليل الشؤون السياسية ذكرت فيها مقالة نشرت في 2010 بعنوان "من ينقذ أمريكا من نفسها" للكاتب عادل مالك، والذي شخّص فيها طبيعة الاندفاع في السياسة الخارجية الأمريكية التي استنزفت صورتها وقوتها في مستنقعات الحروب الاستباقية حينها، فألهمتني المقالة إلى قراءة ومطابقة لما آلت إليه الأمور اليوم في عهد الرئيس دونالد ترامب، فالكيانات الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، ومهما بلغت قوتها، تظل عرضة للإصابة بـ "الأمراض الإدارية والإستراتيجية" والتي يمكن أن تكون قاتلة حين تعجز عن كبح تمددها الإستراتيجي وتغولها البيروغرافي، وتفقد القدرة حينها على تقييم مخرجات قراراتها العليا بكفاءة عالية وكأنها تتأرجح بين أمزجة السيد ترامب خلال يومه مما أربك حتى وسائل الإعلام العالمية في التكهن وشرح وتحليل مواقفه السياسية.


ونستشعر الآن نحن في الخليج أن السياسة الأمريكية أصبحت بين دفتي النفوذ والمأزق!، وإن إعادة قراءة هذا المأزق الأمريكي اليوم تبدو حاجة حيوية وأكثر إلحاحاً، فالولايات المتحدة لا تزال تملك اليد الطولى والسيطرة الديناميكية على مجريات الأحداث العالمية، لكن عند التدقيق في سلوك الرئيس ترامب الراهن يكشف عن تحولٍ جذري جعل من البيت الأبيض ما يشبه مقر إدارة لشركة استثمارية كبرى، وكأنه بات سلوك السيد الرئيس يطابق تماماً سلوك "رئيس تنفيذي" (CEO) لشركة مغالية في نفعيتها، فلا يرى العالم إلا من خلال عدسة "الصفقة والمكسب المباشر"، دون اعتبار للحسابات الإستراتيجية التقليدية أو المصالح القومية الأخرى بعيدة المدى التي طالما أرست نفوذ واشنطن عبر عقود سابقة، وهذا الأسلوب أدى بوضوح إلى تهميش حاد لمؤسسات الدولة العريقة، بل وحتى "المؤسسات العميقة" والتي باتت تُستبعد من هندسة القرارات المصيرية لصالح صفقات الغرف المغلقة، وهو ما فجّر جدالاً علنياً محتدماً وصراعاً حقيقياً على الصلاحيات بين سلطة السيد الرئيس، وبين أجهزة الدولة ومؤسساتها الأخرى التي تحاول كبح هذا الاندفاع. 

فإن هذا السلوك الذي يطغى على أعراف الحكم السابق يعيد هندسة المشهد الجيوسياسي لشرقنا الأوسط في لحظات مفاجأة، ويجعل فهم "العقلية النفعية" الحاكمة في واشنطن وإقامة عدة دراسات عنها ضرورة لمعرفة اتجاهات الرياح هناك وهنا لتفادي عواصفها المفاجئة التي تخلط الأوراق دون إنذار مسبق خصوصاً عندنا في الخليج العربي.


وأمام هذا النفوذ الطاغي والمهيمن، لا ينبغي لنا في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي أن نقف في موقع "المتلقي السلبي" لنتائج هذه السياسات وتقلباتها المزاجية، بل إن الواجب القومي والإستراتيجي يحتم علينا صياغة رؤية مشتركة تعتمد على "التحصين الداخلي" وبناء "ثقافة مؤسسية إقليمية" قادرة على المناورة وحماية المكتسبات الخليجية والعربية، فإن دورنا اليوم ليس مجرد وساطة لتهدئة النيران، بل التحول إلى "مهندسي استقرار" يملكون بدائلهم الخاصة، فالنفوذ الأمريكي العالي لا يواجه إلا بامتلاك أدوات القوة الاقتصادية، والدبلوماسية الوقائية الذكية، وتقديم نموذج إداري وتنموي رائد يفرض حضورنا كشريك إستراتيجي أصيل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية قادمة وأول الأمر أن تتصالح الأنظمة مع شعوبها وتكون يداً واحدة فهذا لعمري هو رأس الدفاع عن المكتسبات.



الثلاثاء، 23 يونيو 2026

سواء تحقق السلام بين الولايات المتحدة وإيران أم لم يتحقق، فإن "الوجود الإسرائيلي" في المنطقة في طريقه إلى التصفية..

سواء تحقق السلام بين الولايات المتحدة وإيران أم لم يتحقق، فإن "الوجود الإسرائيلي" في المنطقة في طريقه إلى التصفية.. 
من لا يفهم "الجغرافيا الجديدة" يواجه مصير الانهيار.. 
العثمانيون هزموا بيزنطة وغيروا مسار التاريخ، وتركيا اليوم تستعد لصناعة تحول تاريخي جديد.. كيف سيكون ذلك؟

إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق حقيقي خلال المباحثات الجارية في سويسرا، فكيف ستكون خريطة موازين القوى في المنطقة؟

هل ستستعيد إيران، التي أضعفتها الحرب وتراجع نفوذها الإقليمي، شيئًا من قوتها؟ أم ستظل دولة أكثر ضعفًا، منحصرة داخل حدودها الجغرافية؟ أم سيُسوَّق لها باعتبارها دولة «حققت انتصارًا على الولايات المتحدة»؟

وماذا سيكون مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية عنيفة؟ وهل ستدرك الدول العربية الخليجية أن الولايات المتحدة لن تحميها، وأنها لم تتمكن حتى من حماية قواعدها العسكرية، وأن مسار السلام مع إسرائيل لم يُصمَّم إلا لتعزيز قوة إسرائيل وحدها؟ وهل ستتجه بصورة كاملة نحو شراكة إقليمية جديدة بدأت مؤشراتها بالظهور بالفعل؟


حمل «عبء إسرائيل» سيصبح انتحارًا للولايات المتحدة وأوروبا

هل سيتقلص المجال الذي تتحرك فيه إسرائيل، أم ستزيد من هجماتها على فلسطين ولبنان وسوريا؟ أم أن الولايات المتحدة وأوروبا ستدركان أن استمرارهما في دعم إسرائيل يعني خسارة المنطقة، وأن ذلك سيشكل بالنسبة إليهما انتحارًا سياسيًا واستراتيجيًا؟


وهل تكفي الخطوات التي تتخذها تركيا ودول المنطقة للحد من نفوذ إسرائيل، من أجل إيصال هذه الرسالة إلى الولايات المتحدة وأوروبا؟ أم أنهما ستواصلان حمل «عبء إسرائيل»، وتغرقان في ذلك العمى الذي سيؤدي بهما إلى خسارة العالم؟


وهل ستدرك الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت إعادة تشكيل المنطقة عبر إسرائيل أمرًا غير ممكن، أن خريطة إقليمية تقودها تركيا أصبحت أكثر انسجامًا مع مصالحها، فتتجه نحو هذا الخيار؟ وهل يمكنها، إلى جانب إسرائيل، أن تتخلص من صورة «الدولة المحاصرة في مساحة ضيقة»؟ وهل تستطيع التحرر من التعصب الأيديولوجي الذي يقيد سياساتها؟

هل تصبح الشراكة الإقليمية الجديدة مصدر أمل؟

هل سيدفع التعاون الأمني بين تركيا وسوريا والعراق والسعودية ومصر وباكستان المنطقة، وكذلك القوى الخارجية المتدخلة فيها، إلى واقع جديد؟

وحتى إن لم ترغب تلك القوى بذلك، فهل ستضطر إلى الإقرار بأن هذه هي الحقيقة الجديدة للعالم، فتبدأ باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه؟

لقد أفرز الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران حقائق جديدة تمامًا في المنطقة. فجميع الدول تعيد اليوم تحديد مواقعها، كما ستُعاد صياغة علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا. وأصبح الحد من النفوذ الإسرائيلي أولوية قصوى بالنسبة إلى جميع الدول.


لقد انهار ذلك الوضع القائم... وسقطت خطط إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة


على الولايات المتحدة وأوروبا أن تعلما أن النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية قد انهار، وأن خريطة النفوذ التي بُنيت على التفوق الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي قد سقطت.

لقد انتهى الشعور بالدونية تجاه الغرب، وانتهت عقدة النقص أمامه. فالمنطقة تستعيد قوتها التاريخية، وتتحول إلى فضاء يرفض بصورة قاطعة أن يُعاد تشكيله أو التحكم به من الخارج.

كما يجب على الولايات المتحدة وأوروبا أن تدركا أن عصر إخضاع الأنظمة والدول عبر التخويف بإسرائيل قد انتهى. وانتهى أيضًا الخوف من ردود فعل الولايات المتحدة وأوروبا تجاه مواجهة العدوان الإسرائيلي. كما انتهى عهد احتلال الدول وتقسيمها، أو إخضاعها بواسطة التنظيمات الإرهابية المدعومة بالسلاح الأمريكي والأوروبي.

وانتهى كذلك عهد بناء العلاقات مع تركيا ودول المنطقة عبر البوابة الإسرائيلية، أو رسم خرائط المنطقة وفق الأولويات الإسرائيلية. فلم يعد لهذا النهج أي قدرة على الردع. ومن الآن فصاعدًا، ستدفع الولايات المتحدة وأوروبا ثمن استمرار وجود إسرائيل بهذا الشكل، وستكون الفاتورة باهظة للغاية.

لا بد من الجلوس إلى الطاولة مع تركيا... فجميع الطاولات التي قامت على إسرائيل قد انهارت

إذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا الحفاظ على وجودهما في المنطقة، فعليهما الجلوس إلى طاولة الحوار مع تركيا، والدول العربية، وإيران.

أما إذا استمرتا في تجاهل هذه الدول، ومواصلتا إقامة التفاهمات مع إسرائيل وحدها، فستخسران إلى الأبد.

ولم تعد المنطقة وحدها ترى في «الفائض الإسرائيلي» عبئًا، بل أصبح العالم بأسره يعاني من هذا العبء، وأصبح إنهاء دور هذا «الكيان الحصين» مصلحة مشتركة للجميع.

وأيًا كانت الوسائل التي ستجربها الولايات المتحدة وأوروبا، فإنهما ستواصلان الخسارة ما داما متمسكتين بإسرائيل. وهذا أمر لا مفر منه.

إن نهضة تركيا، ونهضة المنطقة بأسرها، تتحول إلى عاصفة كبرى تمتد من سواحل المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادئ، بينما يصر الغرب على التمسك برواياته القديمة، وهو ما قد يشكل أقسى ضربة يتعرض لها تفوقه العالمي.

انتهى عصر التراجع والوصاية والدمار... ولن يتمكنوا بعد اليوم من رسم خرائطنا

لقد انتهى بالنسبة إلى منطقتنا عصر الدمار، وعصر التراجع، وعصر الوصاية. كما انتهى زمن إخضاع الدول عبر شراء القادة والأنظمة، وانتهى أيضًا عصر الترهيب بالقوة العسكرية أو بإسرائيل لإجبار الشعوب والدول على الاستسلام.

وانتهى كذلك عهد الاستيلاء على موارد المنطقة وثرواتها وأنظمتها وأراضيها. وانقضى عصر الهيمنة الغربية الذي استمر قرنين من الزمن. ووصل التاريخ الذي كانت فيه معايير القوة والدفاع والاستقلال والسيادة والحدود الوطنية تُحدَّد من قبل الغرب إلى نهايته.

«الأفكار الجديدة» تنبت لدينا... وهم يمثلون «العالم القديم»

لقد استيقظنا على عالم جديد، لكنهم لم يستيقظوا بعد.

نحن كرسنا أنفسنا لقوة جديدة، بينما بدأوا هم يفقدون قوتهم.

نحن بدأنا نفكر في خريطة جيوسياسية كبرى، بينما لا يزالون يدورون حول الخرائط القديمة.

نسعى، بعد خمسة قرون، إلى العودة إلى مركز خريطة القوة العالمية، بينما هم يحاولون فقط الحفاظ على ما تبقى لديهم.

إن الجديد ينبت في منطقتنا، بينما يمثلون هم عالمًا شاخ وتجاوزته الأحداث.

لقد رفعت البشرية راية التمرد على قرون من الهيمنة الأطلسية، بينما يزداد الغرب انكفاءً على ذاته يومًا بعد يوم.

ولو أنهم استطاعوا فهم تركيا وحدها، لكان ذلك كافيًا. لكنهم وثقوا بغرورهم، وبأسلحتهم، وثرواتهم، وتقنياتهم، حتى أصيبوا بما يشبه نشوة القوة.

لقد استهانوا بتركيا، مع أنها تمتلك جينات سياسية قادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا. واعتادوا طوال قرن كامل على إبقائها تحت سيطرتهم، بينما كانت في الحقيقة وريثة لخريطة نفوذ تمتد من سور الصين العظيم إلى فيينا.

لم يتمكنوا من إيقاف تركيا... وسيحاولون قريبًا التقرب منها

ها هي تركيا اليوم، بعد مرور قرن كامل، تعود مرة أخرى إلى خريطتها الخاصة، وإلى تاريخها، وإلى جيناتها السياسية.

ويخبرنا التاريخ أن عودتنا الواحدة قادرة على إعادة تشكيل قرون كاملة. أما الذين يعدّون هذا مجرد خطاب حماسي، فهم لم يستوعبوا تاريخ الإمبراطوريات.

إننا نشهد اليوم تلك العودة التاريخية. ولسنا وحدنا من يراها، بل أوروبا والولايات المتحدة أيضًا.

لقد أمضوا العقدين الماضيين في محاولات إيقاف تركيا، عبر هجمات وضغوط داخلية وخارجية، لكنهم فشلوا.

ولم يكتفوا بالفشل، بل لم يتمكنوا حتى من إبطاء اندفاع تركيا.

ولذلك، لم يبق أمامهم سوى خيار واحد: التقرب من تركيا.

وأعتقد أن الولايات المتحدة وأوروبا ستجعلان من التقارب مع تركيا أولوية في سياساتهما خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذه المنطقة، ستكون رؤية تركيا، وأولوياتها، ونظرتها إلى التاريخ والجغرافيا، وخريطة الشراكات التي تعمل على بنائها، هي الأساس الذي ستُبنى عليه المرحلة المقبلة.

ولن يمتلك أحد القدرة على منع ذلك.

فمن يحاول عرقلته سيخسر، أما من يسير مع تركيا فسيزداد قوة.

«الحامية الإسرائيلية» ستُزال... والحروب ستُدفع إلى خارج المنطقة

في تصورنا الجديد للمنطقة، تمثل «الحامية الإسرائيلية» تهديدًا يجب التخلص منه.

كما يجب القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية، لأنها – بحسب هذا التصور – جميعها ذات منشأ إسرائيلي وغربي.

وسيُطوى نهائيًا عصر غزو الدول واحتلال أراضيها.

كما ستُنقل الحروب والصراعات إلى خارج المنطقة بصورة كاملة.

وستُغلق جميع الأبواب المؤدية إلى تحويل الخلافات المذهبية أو العرقية إلى حروب وصراعات.

وفي إطار هذا التصور الجغرافي الجديد، فإن جميع الممرات الاستراتيجية؛ من مضيق ملقا إلى قناة السويس، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيقي الدردنيل والبوسفور إلى شرق البحر المتوسط والبحر الأسود، مرورًا بالممرات التجارية البرية والبحرية، ستكون مغلقة أمام أي تدخل أو إدارة خارجية.

وستخضع جميع هذه المناطق لسيادة ورقابة صارمة من قبل دول المنطقة وحدها.

«الجغرافيا الجديدة» تحتاج إلى حزامٍ عملاق

في إطار التصور الجديد للمنطقة، سيُنشأ حزام اقتصادي عملاق يمتد من آسيا الوسطى إلى شرق إفريقيا، ومن جنوب آسيا إلى كامل غرب آسيا، ليشكّل منطقة اقتصادية وسطى كبرى. وسيُنتزع هذا الفضاء الجغرافي من خرائط الهيمنة والاحتلال الغربية.

وسيُستفاد من الإرث التاريخي والخبرة المتراكمة للمدن الحضارية التي تجاوز تأثيرها حدود الدول، وستُنقل تلك الخبرات إلى الحاضر، كما ستُنشأ منظومات دفاعية مشتركة على امتداد هذه الرقعة الواسعة، وستكون ثروات المنطقة ومواردها ملكًا لشعوبها.

وقد تشكل شبكة العلاقات الجديدة بين تركيا وباكستان ومصر والسعودية، والتي تحظى أيضًا باهتمام متزايد من دول أخرى، نواةً لهذا العالم الجديد. وإذا لم تستطع الإرادة السياسية تحقيق هذا الهدف، فإن التهديدات القائمة، والتحولات في موازين القوى العالمية، قد تفرضه فرضًا. وعلى الدول الكبرى في المنطقة أن تدرك أنه لم يعد أمامها خيار آخر.

يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل

ينبغي للجميع أن يدركوا أن إسرائيل، رغم محدودية قدراتها الذاتية، تشكل تهديدًا لكلٍّ من تركيا ومصر، وأنها ستصبح تهديدًا للسعودية أيضًا، وأن الخيار الوحيد المتبقي أمام الجغرافيا الكبرى هو إزالة إسرائيل من خريطة المنطقة، إذ لا يوجد أي مسار آخر يمكن أن يضمن الأمن والاستقرار لدولها.

ويجب الإسراع في إنشاء مظلة دفاعية مشتركة بين تركيا وسوريا والعراق ولبنان.

وعلى سبيل المثال، ينبغي بناء تقارب، بل وشراكة، بين سوريا ولبنان في أسرع وقت.

كما يجب أن تتمركز تركيا على حدود إسرائيل، سواء عبر سوريا أو عبر لبنان.

وقد حان الوقت لاتخاذ خطوات كبرى من أجل إغلاق جميع الحدود البرية لإسرائيل، بحيث لا يبقى لها سوى واجهتها البحرية على البحر الأبيض المتوسط.

العثمانيون غيّروا مجرى التاريخ... وتركيا ستغيّره مرة أخرى

سواء توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق في المباحثات الجارية في سويسرا أم لم تتوصلا إليه، فإن تاريخًا جديدًا قد بدأ يتشكل في هذه المنطقة، ولن يتغير المسار الذي فُتح أمامها.

لقد بدأت ملامح مصير المنطقة وشعوبها بالتبلور، ولم يعد من الممكن الاستسلام لحالة الغموض أو التردد، بل أصبح من الضروري السير في الطريق الذي انفتح أمامها، لأن ذلك سيشكل منعطفًا تاريخيًا جديدًا.

لقد غيّر العثمانيون مجرى التاريخ عندما هزموا الإمبراطورية البيزنطية، وأسقطوا أكبر إمبراطورية في العالم المسيحي، فغيّروا بذلك تاريخ أوروبا والعالم.

ستعرف تركيا كيف تُحدث تحولًا تاريخيًا جديدًا بإخراج إسرائيل من خريطة المنطقة، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ.

فالحامية التي زُرعت في قلب المنطقة وتسببت في كوارث جسيمة، سيتم إنهاء دورها.

ولا ينبغي أبدًا الاستهانة بالتاريخ، ولا بالجينات السياسية للشعوب، ولا بقوة الجغرافيا.

وكل ما ينبغي فعله هو إخراج الصراعات من داخل المنطقة إلى خارجها، وما بعد ذلك سيأتي تلقائيًا.

حان الوقت لكي يجري الجميع حساباتهم الصحيحة

لا أحد يعلم ما ستسفر عنه المباحثات في سويسرا.

فقد يتم التوصل إلى اتفاق، وقد تعمل إسرائيل على إفشاله.

لكن، أياً تكن النتيجة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لن تكونا قادرتين بعد اليوم على تحمل عبء إسرائيل، كما لن تمتلكا القدرة على مواجهة جميع دول المنطقة دفاعًا عنها.

لقد بدأت ملامح خريطة القوة الإقليمية الجديدة تتضح، وهذه التحولات قد تستمر لقرون طويلة.

ونحن، بطبيعة الحال، نجري حساباتنا وفق هذه المعطيات.

أما الولايات المتحدة وأوروبا، فقد حان الوقت أيضًا لكي تجريا حساباتهما الصحيحة.

فإن لم تفعلا، فستخسران العالم الذي بدأتا تخسرانه بالفعل بوتيرة متسارعة، وسيتعرض نفوذهما في هذه المنطقة لتراجع غير مسبوق.






Yeni Şafak
https://ar.yenisafak.com ›
الكُاتب › إبراهيم قراغول

ق

لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 لماذا لا يحب الإنسان أن يراجع أفكاره ومعتقداته

 

القرآن يكشف لنا السبب الأهم في هذه الظاهرة الخطيرة.

(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

إنها الألفة والصداقة والعلاقات الاجتماعية التي تنبني على تلك الأفكار والمعتقدات، والتي يصعب على الشخص العادي وربما حتى غير العادي أن يضحي بها.

سألت مرة رجلا مثقفا من أهالي بغداد: 

كيف تستسيغ مثل هذه الخرافات، التي تسمونها (شعائر) وأنت رجل مثقف وعاقل، وأنت تعلم أنها ليست من الإسلام في شيء؟ 

قال: لكنها (عادات حلوة) فيها حركة واجتماع وتعارف وتواصل وطعام وشراب، حتى على مستوى العوائل، ونحن ننتظرها بشغف من موسم إلى موسم، الرجال والنساء والأطفال، والذي يسأل مجرد سؤال أو (يتفلسف) سيكون منبوذا في مجتمعنا بلا شك.

قال لي شخص آخر من توجّه آخر، وهو قيادي من الصف الأول في جماعته: صراحة لم أعد مقتنعا بما نحن عليه، أشعر أننا نسير على غير هدى ومن دون نتيجة، لقد خسرنا كل شيء،ولكن (وين أروح؟) فهؤلاء هم أعزّائي وأحبابي الذين عشت معهم وألفتهم، ولا أريد أن أخسرهم.

وهذا يعني أن ما نسميه (الثبات) كصفة إيجابية، أو (التعصب) كصفة سلبية، هو ليس (ثبات الاعتقاد) ولا (التعصب للفكرة) بقدر ما هو الثبات في حضن البيئة المجتمعية والتعصب لها.

قال لي أحد الذين يظهرون الولاء لجماعته إلى حد التعصب وأنا أعرفه على خلاف ذلك، قال: أنا استخدم 35٪ من عقلي حينما أكون معهم، ولو زدت المعيار لفصلت.

وهذا يعني أننا نعيش معضلة حقيقية، فالأدلة هنا لا تعني شيئا، والنقاشات ليست ذات جدوى، لأن السؤال الجوهري والمحوري الأهم من كل ذلك والمستقر في النفوس: (وين أروح؟).

من هنا تجد هؤلاء على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وتوجهاتهم كأنهم يلبسون دروعا مضادة للتفكير، مهما كانت الفكرة المعروضة عليهم، وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا).

وهناك التواصي على طريقة (الفزعة) لرد كل فكرة جديدة 

(وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)، 

إنها الفزعة للحفاظ على الموروث، والحفاظ على (المودّة) يشترك فيها حتى الجاهل الذي لا يفقه ما يقول، والذي لا يحسن ربما غير السب والشتم 

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)

إن المجتمعات التي تعاني من هذه الظاهرة لا يمكن أبدا أن تجد طريقا لحل مشكلاتها، ولا للاستفادة من تجاربها، فضلا عن تجارب الآخرين، وستبقى في فلك تقديس الأشخاص، والبحث عن المبررات لكل ما يقولونه ويفعلونه.

قلت في نفسي وأنا أتدبر تلك الآية: سبحان الله كيف تحولت هذه الكلمة الجميلة (المودّة) إلى داء عضال، يدمّر العقول والأفكار والمعتقدات والمجتمعات، وينذر بهلاكها وزوالها، مع ملاحظة أن الآية نزلت في المشركين، لكن العبرة دائما بعموم المعنى لا بخصوص السبب.

إن القوة الوحيدة التي تستطيع أن تخترق هذه الدروع من التعصّب والانغلاق هي السؤال الأخروي. 

فإذا كان سؤال؛ (وين أروح؟) هو الذي يجعلك تتمسك في البيئة التي نشأت فيها، فإن سؤال: 

(أين مصيري في الآخرة؟) هو الذي يجعل السؤال الأول سؤالا تافها. 

ولذلك عقب القرآن على آية المودة بقوله 

(مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه

وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

رضي من رضي، أو سخط من سخط

وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.



الاثنين، 22 يونيو 2026

في بيت النبي

 نقطة نظام

امــــرأةٌ مُشتـــاقــــةٌ لوصــــــــــلِــكَ يا الله!


أدهم شرقاوي

في بيت النبي

العباداتُ عند أهلِ الصِّدقِ ليستْ تكليفًا ثقيلًا، وإنَّما شَوقٌ يُطيلُ فيه المُحبُّ وقوفَه على بابِ حبيبِه. وحين يفيضُ الشوقُ أحيانًا، يبحثُ القلبُ عن وسيلةٍ ليبقى واقفًا، ولو تعبَ الجسد.

في مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ظهرَ حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين، لم يكن شاهدَ تكلّفٍ، بل أثرَ هِمّةٍ عاليةٍ لامرأةٍ أرادتْ أن تُطيلَ الوصلَ مع الله. دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلم ينتقِصْ من قدرِ الاجتهاد، ولم يَغمِزْ في صدقِ النيَّة، بل جاءَ ليضعَ العبادةَ في أُفقِها الأجمل؛ حيث يكونُ القُربُ مطمئنًّا، ويكونُ الدوامُ أحبَّ إلى الله من المشقَّة.

دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسجدَ، فإذا حبلٌ ممدودٌ بين ساريتَين من سواريه، فقال: ما هذا؟

فقالوا: هذا لزينبَ، تُصلِّي من اللَّيل، فإذا كَسلَتْ أو فَتَرَتْ أمسكتْ به.

فقال صلى الله عليه وسلم: حُلُّوه، ليُصلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا كَسلَ أو فَتَرَ فليقعد!

خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : ابن حبان | المصدر : صحيح ابن حبان | الصفحة أو الرقم : 2492
| التخريج : أخرجه البخاري (1150)، ومسلم (784)، والنسائي (1643) واللفظ لهم جميع

لا شكَّ أنَّه يُحسَبُ لأمِّنا زينبَ بنت جحشٍ رضي اللهُ عنها هذا الحرصُ على قيامِ اللَّيل، وإن أجهدَها التَّعب. ولكنَّ صاحبَ الشَّريعةِ السَّمحاءِ يُذكِّرُ زوجتَه، والأمَّةَ كلَّها من خلالها، أنّ اللهَ يريدُ بنا إلىُسرَ ولا يريدُ بنا العُسر.

صحيحٌ أنَّنا لو قُمنا العمرَ كلَّه على سِجَّادةِ الصَّلاة، فلن نُوفِيَ اللهَ حقَّه من العبادة، ولو أمضينا العمرَ كلَّه صيامًا، فليس ذلك كثيرًا على الله. 

ولكنّ اللهَ تعالى يحفلُ بنا، ويهتمُّ لأمرِنا، ومن رحمتِه بنا جعلَ في دينِه رُخَصًا يُحبُّ أن نأخذَ بها، وهذه الرُّخَصُ لِدفعِ المشقّةِ عنّا. 

فإذا كان قد أحبَّ لنا الرُّخصةَ في الفرائض، فلَا شَكَّ أنَّه لم يُكلِّفْنا ما لا نُطيقُ في النَّوافل. غيرَ أنَّ هذا كلَّه لا يُلغي حقيقةَ أن نُسابِقَ أنفسَنا في رضى الله تعالى.

غيرَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان من أفقهِ النَّاسِ بطريقِ القُرب، وأعلمَهم أنَّ العبادةَ لا تُقاسُ بمُددِ التحمُّل، بل بصدقِ الحضور. 

فجاءَ توجيهُه رحيمًا، لا ليكسرَ هِمّةً، ولا ليُطفئَ شوقًا، بل ليضعَ العبادةَ على سِكَّتِها الأجمل؛ حيث يكونُ النَّشاطُ رفيقَ العبادة، أو رفيقَ الطَّاعة، ويكونُ الدَّوامُ أحبَّ من الإفراط، وتبقى العبادةُ طريقًا يُحَبُّ أن يُسلَك، لا حِملًا يُخشى أن يسقط.

وهكذا علَّمَنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ اللهَ يُحَبُّ على قدرِ ما نُطيق، وأنَّ أصدقَ الطاعاتِ ما سكنتِ القلبَ ولم تُثقِلِ الجسد.

لم يكسِرْ هِمّةَ العابدات، ولم يُطفئْ نورَ الاجتهاد، بل حماه من الإفراط؛ ليظلَّ الوصلُ بالله طويلًا، لا تقطعُه المشقَّة، ولا تُفسدُه المبالغة.

فكانت حكمتُه صلى الله عليه وسلم أن يُبقيَ العبادةَ حيَّةً تمشي معنا، ولا نتعثَّرُ بها!

وبين هذا وذاك، هذه زوجتُه؛ يجمعُه بها قلبٌ قبل فراش، ويظلِّلُه معها حبٌّ قبل سقف.

صحيحٌ أنَّه كان يشفعُ للأمّةِ كلِّها من خلالها، ولكنَّه كان أيضًا يهتمُّ.