الاثنين، 10 أغسطس 2026

سرّ الرعب من عبد الرحمن السيد «عبدول»

 سرّ الرعب من عبد الرحمن السيد «عبدول»

د. خليل العناني 

كاتب وباحث  في العلوم السياسية

حالة الزخم التي أحدثها فوز المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأمريكي عبد الرحمن السيد في ولاية ميتشيغان كاشفة ودالة على عدة أمور لافتة، سواء بين مؤيديه أو معارضيه، داخل أمريكا وخارجها.

فالمؤيدون له في أمريكا لا ينظرون إلى هويته أو خلفيته الدينية أو العرقية بقدر ما ينظرون إلى البرنامج الطموح الذي يطرحه، والذي يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط أساسية:

أولًا: إخراج المال من السياسة، والمقصود بذلك الحد من قدرة الشركات الكبرى وأصحاب المصالح على شراء النفوذ السياسي وتمويل السياسيين مقابل حماية مصالحهم.

ثانيًا: توفير الرعاية الصحية المجانية أو منخفضة التكلفة للجميع، بحيث لا تصبح قدرة المواطن على العلاج مرهونة بدخله أو بوضعه الاجتماعي.

ثالثًا: وقف الدعم العسكري الأمريكي للدول الأجنبية، مثل إسرائيل ومصر والأردن وباكستان، وخصوصا للكيان الإسرائيلي؛ ليس فقط لأن المواطن الأمريكي أولى بهذه الأموال، وإنما ايضا لأن جزءًا من هذا الدعم يُستخدم في انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، وفي حرب إبادة ضد الفلسطينيين.

هذه مطالب يمكن أن يرفعها أي شخص يمتلك قدرا من التفكير المنطقي والبديهي، بغض النظر عن خلفيته الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية. بل المفترض، نظريًا على الأقل، أن تجد مثل هذه المطالب دعمًا يتجاوز الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار.

أما معارضوه، فقد تركوا كل هذه القضايا جانبا، وركزوا هجومهم على خلفيته الدينية والهوياتية: مسلم، إخواني، جهادي… إلخ. ووصل الأمر إلى مهاجمة اسمه نفسه، واتهامه بأنه معادٍ لليهود، وليس فقط منتقدًا لإسرائيل وسياساتها.

والهدف واضح:

تخويف الناخب الأمريكي منه، وتصويره باعتباره شخصا سيصل إلى مجلس الشيوخ لكي يفرض الشريعة، ويلغي احتفالات الكريسماس، ويغلق البارات، ويغير هوية أمريكا (نفس خطاب التخويف والترهيب الذي استخدم ضد الإسلاميين بعد وصولهم للسلطة بعد الربيع العربي…مرسي او الغنوشي هيقلعوا الستات البكيني ويلبسوهم الحجاب ويمنعوا السياحة في شرم الشيخ والحمامات وسوسة … الخ)

وهم في ذلك يستثمرون في مخاوف شرائح اجتماعية تعرضت على مدار سنوات طويلة لعملية غسيل مخ ممنهجة حول «خطر الإسلام والمسلمين على أمريكا».

ولكن حتى الآن، نجح عبد الرحمن السيد ببراعة شديدة في تفادي الانجرار إلى هذا الفخ. فهو يرفض أن تتحول المعركة إلى نقاش حول دينه أو أصله أو اسمه، ويعيدها باستمرار إلى أرضية أكثر أهمية: ماذا يريد أن يفعل إذا وصل إلى مجلس الشيوخ؟ ولمن ستكون سياساته؟ ومن سيستفيد منها؟

ومن التناقضات الغريبة في أمريكا أنه في الوقت الذي يُفترض فيه النظر إلى إمكانية وصول أول مسلم إلى مجلس الشيوخ الأمريكي باعتبارها دليلا على نجاح النموذج الأمريكي في التنوع ودمج المواطنين من مختلف الخلفيات، يجري الهجوم عليه باعتباره تهديدا لهذا النموذج نفسه!

والحقيقة أن جزءا من الصراع قد يكون هوياتيا بالفعل، لكن أصل الصراع هو مصلحي بالدرجة الأولى، خصوصا إذا نظرنا إلى طبيعة القوى التي تخشى وصول شخص مثل عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ.

الخوف من أجندت عبدول السياسية

فالخوف الحقيقي ليس من اسمه، ولا من أصوله المصرية او العربية، ولا حتى من كونه مسلما بقدر ما هو خوف من أجندته السياسية وبرنامجه الانتخابي، ومن احتمال أن ينجح نموذج سياسي يستطيع الفوز من دون أن يكون مرتهنا لأموال الشركات الكبرى أو جماعات الضغط الصهيونية.

ومن هنا يمكن فهم «تحالف الشياطين» الذي يقف في مواجهته: خليط من كبار رجال الأعمال وأصحاب المصالح، والساسة المتواطئين معهم، والصهاينة المرعوبين من تراجع نفوذهم، والمستبدين التابعين الذين يخشون وصول أصوات معارضة لدعمهم إلى دوائر صنع القرار في واشنطن.

لذلك، فعبد الرحمن لا يواجه مرشحا جمهوريا فقط، وإنما يواجه شبكة مصالح كاملة ترى في صعوده خطرا يتجاوز شخصه.

كما أن المشكلة بالنسبة لهذه الشبكة ليست أن عبد الرحمن قد يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ؛ المشكلة هي في الطريقة التي قد يفوز بها، وأن يثبت أن هناك طريقا آخر للوصول إلى واشنطن من دون المرور عبر بوابات المال واللوبيات ومراكز النفوذ التقليدية.

وهنا تصبح المعركة أكبر من عبد الرحمن السيد نفسه.

هي معركة بين جيلين:

جيل سياسي تقليدي نشأ داخل منظومة أصبحت فيها العلاقة بين المال والسياسة أمرا طبيعيا، وأصبح فيها رضا الشركات الكبرى واللوبيات خاصة اللوبي الصهيوني شرطا شبه ضروري للاستمرار والصعود.

وجيل جديد ينظر إلى هذه المنظومة باعتبارها أصل المشكلة، ويحاول التحرر منها، أو على الأقل تقليص قدرتها على التحكم في القرار السياسي.

وهي أيضا معركة بين تصورين لأمريكا:

أمريكا التي تخاف من التغيير، وتعيد إنتاج نخبها القديمة وتحالفاتها ومصالحها نفسها.

وأمريكا أخرى أكثر شبابا وتنوعا، وأقل استعداداً لقبول المسلمات القديمة، سواء في الداخل أو في السياسة الخارجية.

ولذلك فإن ما يحدث في ميتشيغان ليس مجرد انتخابات على مقعد في مجلس الشيوخ، وإنما مؤشراً مبكرا على صراع أوسع داخل المجتمع الأمريكي حول شكل السياسة في مرحلة ما بعد ترامب.

من سيمول السياسيين؟ من سيحدد أولويات الإنفاق؟

هل تذهب أموال الضرائب إلى الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية، أم تستمر في تمويل الحروب والحلفاء في الخارج؟

وهل تظل العلاقة مع إسرائيل من المحرمات السياسية التي لا يجوز الاقتراب منها، أم تتحول إلى ملف سياسي طبيعي يمكن للناخب أن يسأل فيه: ماذا ندفع؟ ولماذا ندفع؟ وماذا نحصل في المقابل؟

هذه هي الأسئلة التي تجعل معركة عبد الرحمن السيد مهمة.

ولذلك فإن الهجوم عليه سيزداد كلما اقترب من الفوز.

سنسمع أكثر عن الإسلام والشريعة والإخوان والجهاد ومعاداة السامية. وستُفتش تصريحاته القديمة، وتُقلب علاقاته، ويُبحث في تاريخه وتاريخ عائلته، وربما في كل كلمة قالها منذ سنوات.

لكن خلف كل هذا الضجيج سيظل السؤال الحقيقي الذي يحاول كثيرون الهروب منه:

ماذا لو استطاع سياسي أن يصل إلى واشنطن من دون أن يشتريه أحد؟

هنا تحديدا يكمن مصدر الخوف.

فالمعركة ليست فقط على مقعد في مجلس الشيوخ، وإنما على نموذج سياسي قد يصبح قابلًا للتكرار.

وإذا نجح النموذج مرة، فقد ينجح مرتين وثلاثا وعشرا.

لذلك، فعبد الرحمن السيد ليس مجرد شخص، وإنما فكرة ونموذج وتيار يتشكل وينمو في أحشاء المجتمع والسياسة الأمريكية، يتجاوز بكثير ميتشيغان…

فالأفكار التي يحملها عبدول لا تخص المسلمين، ولا العرب، ولا المهاجرين وحدهم، وإنما تعبر عن حالة تمرد آخذة في الاتساع داخل قطاعات من الجيل الأمريكي الجديد على منظومة سياسية يرون أنها أصبحت أسيرة المال والشركات واللوبيات والحروب الخارجية. وهذا بالضبط ما يجعل الظاهرة أخطر على خصومه من الشخص نفسه.

ولذلك لن تكون المعركة في ميتشغان سهلة على الاطلاق وإذا نجح عبدول في الوصول لمجلس الشيوخ ستكون نقطة تحول مهمة في الصراع السياسي والاجتماعي بأمريكا.. وسيكون الخاسر الأكبر منه هو الكيان الذي ينقطع حبل الناس عنه رويدا رويدا.

فوز عبدول السيد في ميشيغان.. هل تغير غزة موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي؟

  فوز عبدول السيد في ميشيغان.. 
هل تغير غزة موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي؟

ألطاف موتي
حسم عبدول السيد فوزه بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان
  • من غزة إلى ميشيغان.. كيف يتحدى عبد السيد المنظومة الديمقراطية التقليدية؟

تكشف الحملات السياسية أحيانا عن تحولات تاريخية أعمق بكثير مما تظهره نتائج الانتخابات وحدها. ويبدو أن فوز عبد السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان يمثل إحدى تلك اللحظات. ومع أن السباق كان رسميا منافسة بين مرشح تقدمي وآخر تدعمه المؤسسة الحزبية، إلا أن الحملة كشفت عن تحول أوسع داخل الحزب الديمقراطي؛ إذ سلطت الضوء على تغير المواقف تجاه حرب غزة، واختبرت نفوذ منظمات الضغط (اللوبيات) النافذة، وأثبتت الأهمية المتنامية للحركات السياسية الشعبية.

وسواء فاز عبد السيد في الانتخابات العامة أم لا، فإن الانتخابات التمهيدية بحد ذاتها قد طرحت بالفعل سؤالا أكثر أهمية: هل يدخل الحزب الديمقراطي حقبة سياسية جديدة تبدأ فيها الافتراضات التي صاغت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط لعقود من الزمن بالتغير؟

استثمرت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والمنظمات السياسية المؤيدة لإسرائيل المتحالفة معها بكثافة لدعم خصم عبد السيد

غزة لم تعد مجرد قضية سياسة خارجية

لعقود طويلة، ظل الدعم لإسرائيل أحد أقوى نقاط الإجماع الحزبي في واشنطن. ورغم أن الرؤساء اختلفوا أحيانا مع الحكومات الإسرائيلية بشأن المستوطنات أو التكتيكات الدبلوماسية، إلا أن العلاقة الإستراتيجية نادرا ما تحولت إلى قضية محورية في الانتخابات المحلية.

وقد أدت حرب غزة إلى تغيير هذا المشهد السياسي.

فقد أدت التداعيات الإنسانية للصراع إلى تكثيف النقاش داخل الحزب الديمقراطي، لا سيما بين الناخبين الشباب، والأمريكيين العرب، والنشطاء التقدميين، والمجتمعات الجامعية، والعديد من الأمريكيين اليهود الذين انتقدوا علنا إدارة الحكومة الإسرائيلية للحرب. ونتيجة لذلك، أصبحت سياسة الشرق الأوسط متداخلة مع نقاشات محلية أوسع تتعلق بحقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحرية التعبير، واتجاه القيادة الأمريكية.

وتجسد ولاية ميشيغان هذا التحول بوضوح شديد؛ فهي موطن لواحدة من أكبر الجاليات العربية الأمريكية في الولايات المتحدة، وأصبحت الولاية مركزا للسخط السياسي خلال حركة "غير ملتزم" في الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 2024. وقد بنيت حملة عبد السيد على هذه البيئة السياسية المتغيرة، بينما دمجت ذلك مع أجندة أوسع تركز على الرعاية الصحية، والإسكان ميسور التكلفة، وسلطة الشركات، والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

ولا يكمن المغزى في أن غزة وحدها هي التي حسمت الانتخابات، بل في أنها أثبتت أن سياسة الشرق الأوسط باتت قادرة الآن على التأثير في السياسة الانتخابية بطرق كان من الصعب تخيلها قبل سنوات قليلة فقط.

اختبار للنفوذ السياسي الراسخ

أصبحت الحملة أيضا اختبارا مهما للنفوذ السياسي في واشنطن.

فقد استثمرت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والمنظمات السياسية المؤيدة لإسرائيل المتحالفة معها بكثافة لدعم خصم عبد السيد. وعكس هذا التدخل الأهمية المتزايدة التي توليها تلك المنظمات للسباق في سعيها للحفاظ على الدعم ثنائي الحزب الطويل الأمد لإسرائيل.

وعلى الرغم من ذلك الجهد، فقد فاز عبد السيد.

إلا أن انتخابات واحدة لا تثبت أن "أيباك" قد فقدت نفوذها؛ فهي تظل واحدة من أكثر منظمات الضغط خبرة وفعالية في واشنطن، ولا يزال العديد من المرشحين المفضلين لديها يفوزون بالانتخابات.

ومع ذلك، تشير ميشيغان إلى أن الموارد المالية والتأييد المؤسسي وحدهما قد لا يضمنان النجاح في مواجهة الحملات الشعبية المنظمة جيدا والقائمة على صغار المتبرعين، والمتطوعين، والناخبين المتحمسين للغاية.

وإذا ظهرت نتائج مماثلة في أماكن أخرى، فقد تصبح السياسة الديمقراطية تدريجيا أقل اعتمادا على حراس البوابة التقليديين وأكثر استجابة للحركات الناشطة والطاقة السياسية المحلية.

جرت العادة بأن تصاغ السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عبر إجماع حزبي داخل الكونغرس، وعلاقات مؤسسية قوية، وحسابات إستراتيجية نادرا ما تتغير كثيرا من إدارة إلى أخرى

لماذا سارع ترامب بالرد؟

كانت الهجمات الحادة التي شنها دونالد ترامب على عبد السيد مباشرة بعد الانتخابات التمهيدية معبرة بالقدر نفسه.

فعلى مستوى ما، انعكست فيها إستراتيجية الحملات الانتخابية القياسية؛ إذ سعى الجمهوريون طويلا لتصوير الديمقراطيين التقدميين على أنهم خارج التيار السياسي الأمريكي السائد.

ومع ذلك، فإن سرعة رد فعل ترامب وشدته يوحيان بشيء أكثر عمقا، حيث بدت حملته عازمة على رسم صورة نمطية لعبد السيد على المستوى الوطني قبل أن يتمكن من تقديم نفسه للجمهور.

ويشير هذا النهج إلى إدراك جمهوري بأن سباق ميشيغان يمثل أكثر من مجرد منافسة محلية، بل هو محاولة لتشكيل التصورات العامة لائتلاف ديمقراطي ناشئ يجمع بين الشعبوية الاقتصادية والنقد المتصاعد للسياسة الأمريكية التقليدية تجاه الشرق الأوسط.

وسواء نجحت هذه الاستراتيجية الجمهورية أم لا، يظل الأمر غير مؤكد، بيد أن حقيقة مسارعة كلا الحزبين إلى التعامل مع السباق باعتباره ذا أهمية وطنية تظهر وزنه السياسي الأوسع.

لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية للشرق الأوسط؟

قد تكمن الأهمية الكبرى للحملة فيما هو أبعد من السياسة المحلية.

فقد جرت العادة بأن تصاغ السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عبر إجماع حزبي داخل الكونغرس، وعلاقات مؤسسية قوية، وحسابات إستراتيجية نادرا ما تتغير كثيرا من إدارة إلى أخرى.

ولا ينبغي للمرء أن يتوقع زوال هذا التماسك سريعا، فالكونغرس، والرئاسة، والبنتاغون، والتزامات أمريكا الأمنية الأوسع كلها تفرض قيودا جوهرية على أي تغيير في السياسة.

إلا أن الانتخابات هي التي تحدد المناخ السياسي الذي تعمل في ظله تلك المؤسسات.

فإذا كان الناخبون في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية يكافئون بشكل متزايد المرشحين المستعدين للتشكيك في جوانب من السياسة الأمريكية الراسخة في الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يقوم مرشحو الرئاسة المستقبليون، وقادة الكونغرس، والبرامج الحزبية بتعديل مواقفهم وفقا لذلك.

وهذا لا يعني بالضرورة قطيعة جذرية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، لكنه ينذر بنقاش أكثر حدة حول المساعدات العسكرية، والإستراتيجية الدبلوماسية، والالتزامات الإنسانية، ودور واشنطن في الصراعات الإقليمية المستقبلية.

وبالنسبة للحكومات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، قد يكون التطور الأهم سياسيا لا إيديولوجيا؛ إذ قد تواجه الإدارات الأمريكية المستقبلية ضغوطا محلية أقوى لشرح وتبرير السياسات الإقليمية أكثر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة.

كشفت ميشيغان عن أمر يستبعد أن يزول، ألا وهو أن النقاشات التي كانت محصورة يوما في متخصصي السياسة الخارجية أصبحت تؤثر اليوم في المنافسة الانتخابية المحلية

التطلع لما وراء انتخابات واحدة

لا ينبغي النظر إلى صعود عبد السيد ببساطة على أنه نجاح لسياسي تقدمي واحد، بل يفهم بشكل أفضل باعتباره دليلا على أن الحزب الديمقراطي يشهد تغييرا داخليا عميقا.

فقد تحولت حرب غزة إلى قضية سياسية داخلية، وأثبتت الحركات الشعبية قدرتها أحيانا على قهر المعارضة المؤسسية النافذة، بينما يعيد السخط الاقتصادي صياغة التحالفات السياسية، وقد أدرك الجمهوريون مسبقا مغزى هذه التطورات ويحاولون وضع تعريفات لها قبل أن تنضج.

ولا يضمن أي من هذا تحقيق إعادة تشكيل دائمة، فالسياسة الأمريكية طالما أنتجت مرارا حركات بدت تحويلية قبل أن تفقد الزخم.

ومع ذلك، كشفت ميشيغان عن أمر يستبعد أن يزول، ألا وهو أن النقاشات التي كانت محصورة يوما في متخصصي السياسة الخارجية أصبحت تؤثر اليوم في المنافسة الانتخابية المحلية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن نتائجه ستتجاوز واشنطن بكثير لتصل إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء في الشرق الأوسط.

حين يستعملك ربك

حين يستعملك ربك


حين يستعملك ربك..


تروى قصة آدم أحيانًا وكأن الأرض كانت عقوبةً نزل إليها الإنسان بسبب خطيئته، وكأن الله أخرجه من نعيم الجنة إلى شقاء الحياة، لكن القرآن يفتح لنا أفقًا آخر؛ فلم تكن الأرض في قصة آدم عقوبة نزل إليها بعد الخطيئة، ولا كان الخروج من الجنة إبعادًا عن مقام التكريم؛ فإن الله تعالى قد قدّر له الاستخلاف في الأرض قبل أن يخلق آدم، وأخبر ملائكته بذلك 

فقال سبحانه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30).


فالأرض لم تكن حادثًا طارئًا فرضته الخطيئة، وإنما كانت ميدان الاستخلاف الذي سبق في التقدير الإلهي، فلم تكن الأرضُ سجنًا أُهبط إليه الجسدُ ليعاقَب، بل كانت محرابًا أُقيم ليتجلى فيه السر، ولم يكن الهبوط انكسارًا في مسيرة العروج، بل كان بدايةَ رحلةٍ قُدِّر لها أن تبدأ بالتطهير لتنتهي بالتمكين.


إن الذين ينظرون إلى القصة بعين الحرف يرون الخطيئة سياجًا يُحاصر الأب الأول، أما الذين يقرؤونها بنور البصيرة فيرون أن الإرادة الإلهية قدرت الخلافة قبل أن تُغرس الشجرة، وكتبت الاستخلاف في الأرض قبل أن تزل القدم، فكيف يكون الهبوط عقوبةً، والقرار الإلهي قد سبق بالخليفة قبل إيجاد المكلف؟


إنما كانت الشجرة ابتلاءً لتتكشف كوامن القدرة، وكانت الزلة سبباً ليتعرف العبد على اسم الرب «التواب»، فلولا العثرة ما انكسر القلب، ولولا الانكسار ما طُرِق باب الاجتباء، ولولا الاجتباء ما أُلبِس الإنسان رداء الأمانة في المعترك.


هناك، عند أعتاب التوبة، لم يكن التلقي مجرد كلمات تُحفظ، بل كان نفحةَ حُب تفتح للروح أفقاً أسمى من جنة الأكل والشرب؛ كان انتقالة من نعيم الجزاء المجلوب بالجاهزية إلى نعيم المجاهدة الصانع للكرامة.


لقد كان آدم في الجنة يُنْعَم عليه، فلما نزل إلى الأرض صار يُستعمل؛ وبين أن تكون مُنْعَماً عليك وبين أن تكون مُستعمَلاً، تتجلى أسرار المحبة، فالأولى عطاء ربوبية، والثانية اصطفاء عبودية؛ الأولى رزق الأجساد والأرواح، والثانية إشراق الأنوار الإلهية على يد العبد لتسري إلى الوجود.


حين يستعملك ربك

الاصطفاء في كتاب الله ليس مقعداً يُستراح عليه، بل هو مضمارٌ يُركض فيه، ليس وثيقة أمان تُريحك من عناء السير، بل نفخة إلهية تُحَمِّلك ثقل العوالم، حين يختارك الله، لا يعدك بليالٍ دافئة بلا سهر، ولا بمسالك مفروشة بالورود؛ بل يعدك بأنه سيكون معك، يُلهمك إن عييت، ويشد أزرك إن ضعفت، ويكون سمعك الذي تسمع به وبصرك الذي تبصر به، وأي شرف لأمة من التراب أصلها، أن يجعل الله من بين أناملها الفانية دلالة عليه، ومن بين كلماتها الضعيفة هدايةً لقلوب عباده؟


إن الناس يرجون الراحة، والعارفين يرجون التمكين في الخدمة، الراحة طينٌ يتطلب السكون، والخدمة نورٌ يبتغي السريان؛ (فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام: 122)؛ 

فكم من إنسان طوى الدهر ذكره لأنه عاش لنفسه في استراحة ومات! وكم من عبد أضناه التعب في أبواب النفع المتنوعة فأضحى اسمه نجماً في السماء تصلي عليه ملائكة الرحمن! 

فقيمة المرء ليست في قيمة ما ادخره من هدوء، بل في حجم الشعلة التي اقتبسها من النور الإلهي ليضيء بها ظلمات الآخرين.


قد تكون خدمتك كلمة تثبيتٍ لقلبٍ مكسور، أو مسحة عطفٍ على رأس يتيم، أو غرس علمٍ ينفع الأجيال، أو صبراً شامخاً في وجه الباطل؛ لا تهم الصورة، فالصور خالية، وإنما الإخلاص روحها، وصدق النسب إلى الله سرها.


حين تحاصرك الأثقال، وتستبد بك الرمضاء، وينتابك العياء من طول الطريق، لا تتلفت بحثاً عن ظلال الاستراحة؛ بل انظر إلى علياء الموقف، تطلع إلى الأثر الخفي الذي يتركه حفاؤك في الطريق؛ فلعل هذا التعب الذي تشكوه هو أزكى عبيرٍ يرتفع منك إلى الملأ الأعلى.


ولعل هذا الثقل الذي ينوء به كاهلك هو الحبل الذي يشدك إلى محراب العبودية كي لا تسقط في هاوية الفراغ، الله لا يستعمل المحبوبين ليضنيهم، بل يستعملهم ليظُهر بهم، وليجعل من ذواتهم جسوراً تعبر عليها رحمته إلى عباده.


السؤال الذي ينبغي أن يطرق جدران قلبك كل صباح ليس: ماذا سآخذ اليوم من الدنيا؟، وإنما أين أقامني سيدي في اليوم؟ وفي أي ميدانٍ أجرى نوره على يدي؟ إذا رأيت نفسك تُساق إلى قضاء حوائج الناس، وتُدفع إلى إحياء الموات في النفوس، ويُجرى الخير على لسانك وقلمك وقدمك، فاعلم أنك في مجلس الاجتباء، فلا تقل أرهقتني التكاليف، بل قل: الحمد لله.


إن قصة الإنسان في هذا الكون ليست مرثية نزولٍ من الفردوس، بل هي ملهمة صعود بالإحسان، تبدأ من زلةٍ تُستغفر، لتمر بتوبة تُقبل، فاجتباء يُرفع، فاستعمال يُشرف، حتى تنتهي بالعودة الكبرى؛ عودة ليست كالدخول الأول، بل عودة المحارب الذي يحمل جراحه كأوسمة، ويقدم تعبه كقربان، ويدخل الجنة لا لكونه ساكناً قديماً فحسب، بل لكونه خليفة أدى الأمانة، وحفظ العهد، وعمر الأرض بصدق عبوديته.


إن الأرض لم تكن منفى لآدم، وإنما كانت ميدانًا؛ ولم تكن التوبة سقوطًا، وإنما كانت طريقًا إلى الاجتباء؛ ولم يكن الاجتباء دعوة إلى الراحة، وإنما كان إعدادًا لحمل الأمانة؛ ولم يكن الاستخلاف امتيازًا، وإنما كان استعمالًا، وما أكرم العبد حين يكون الله قد اختاره لشيء.



فاطمئن أيها المكدود في مناهج الخير، وافرح باستعمال الله لك؛ فالراحة لم تُخلق لهذه الدار، فما أشرقت شمس العطاء إلا من فجوة العناء، وما خُلقنا لنستريح بل خُلقنا لنستعمل فإذا أتممنا البناء قيل لنا:

    (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (الحجر: 46).          




 






العقيدةُ أوَّلاً!

نقطة نظام

 العقيدةُ أوَّلاً!


لمَّا اِشتكى أبو طالبٍ من مرضِه الذي ماتَ فيه،

قالتْ له قريش: يا أبا طالبٍ، أَرسِلْ إلى ابنِ أخيك،

يرسِلُ لكَ من هذه الجنّة التي يذكرها، فيكون لك شِفاءً!

فأرسَلُوا رجلاً منهم حتى لقيَ النبيَّ وأبا بكرٍ معه،

فقال له: يا محمَّد، إن عمّكَ يقولُ: إنَي ضعيف سقيم،

فارسِلْ إليَّ من الجنّة التي تذكرُ من طعامها وشرابِها يكون لي شفاءً!

فلم يقُلْ النبيُّ ﷺ شيئاً…

وقال أبو بكرٍ: إنَّ الله حرَّمها على الكافرين!

فرجعَ الرَّجلُ إليهم وقال:

بلَّغتُ محمداً الذي أرسلتمُوني به، فلم يقُلْ شيئاً!

وقال أبو بكرٍ: إنَّ الله حرَّمها على الكافرين!

فجعلُوا يوغِرُون صدرَ أبي طالبٍ على النبيِّ ﷺ،

فأرسلَ أبو طالبٍ رجلاً من عنده يسألُ النبيَّ ﷺ مسألتَه الأولى،

فقال له النبيُّ ﷺ: إنّ الله حرمَّها على الكافرين!

ثم قام ودخلَ على أبي طالب، فوجد البيت مملوءاً رجالاً،

فقال: خلُّوا بينِي وبين عمّي،

فقالوا: ما نحن بفاعلين، ما أنتَ بأحقَّ به مِنَّا!

إنْ كانت لكَ معه قرابة، فلنا معه مثل قرابتكّ!

فجلسَ النبيُّ ﷺ بجوار عمِّه وقال له:

يا عَمّ: جُزيتَ عنيِّ خيراً، كفِلتنِي صغيراً وحُطَّتنِي كبيراً،

يا عَمّ: أعنيِّ على نفسك بكلمة واحدة أشفع لكَ بها عند الله!

فقال أبو طالبٍ: وما هي يا ابن أخي؟

قال: قُلْ: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له!

فقال أبو طالب: إنكَ لي ناصح، ولولا أن تُعيّرني قريش،

فتقول: جَزِعَ عمُّكَ عند الموت، لأقررتُ بها عينك،

فصاح القوم: يا أبا طالبٍ، أنتَ رأس الحنِيفيّة، مِلَّةُ الأشياخ!

فقال له النبيُّ ﷺ: لا أزال أستغفرُ لك ربي حتى يرُدّني،

فجعلَ النبيُّ ﷺ يستغفِر له بعد أن مات،

فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا، ولذوي قرابتنا،

قد استغفرَ إبراهيمُ عليه السَّلام لأبيه،

وها هو النبيُّ ﷺ يستغفرُ لعمِّه،

فجعلُوا يستغفرون لمن ماتَ من آبائهم على الشِّركِ،

فأنزلَ اللهُ تعالى قوله: “مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ           وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ”                                           



الدَّرسُ الأوّل:

هذا شأنُ أهلِ الضَّلال دوماً على مرِّ العُصور: الاستهزاء!

وما أرسلَ صناديدُ قريشٍ في طلب شيءٍ من الجنّة لأبي طالب إلا استهزاءً،

كأنّها سُنة من سُنن الحياةِ على ظهر هذا الكوكب،

أنْ يأخذَ المؤمنُ أمر اللهِ بالتسليم،

ويأخذ الضَّالُ المؤمنَ بالاستهزاء!

عندما أمرَ اللهُ تعالى نوحاً عليه السَلام أن يصنع الفلك،

لم يقُلْ: يا رب. وما تفعلُ سفينةٌ في الصَّحراء!

وإنّما قام من فورِه ينشرُ الألواح ويدقُّ المسامير،

الملائكة يُرشدُونَه، والمؤمنون القلَّة معه يساعدونه،

في مشهد مهيب من التسليم: “وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا”

وكان قومُه كلما مرُّوا به سخِرُوا منه،

لم يُدرِكُوا إلا حين جاءَ الطُّوفان!

كان الوقتُ قد فاتَ لينفعهم إدراكهم هذا،

لأنَّ الطُّوفان كان انتقام اللهِ سبحانه!

واُنظُرْ الآن حولكَ، أما ترى شيئاً من هذه السُّخرية،

أما ترى كيف يتطاولُ الإعلامُ الخبيث على أهل هذا الدِّين،

ألا تُنعتُ المحجبةُ بالمنغلقةِ والجاهلة بالموضة،

ألا يُنعتُ الملتزمُ بالمعقَّد وبالحيِّ على هامش الحياة،

ألا يُنعتُ رواد المساجد بالإرهاب،

فإذا جاء الحج قال أهل الباطل الطَّواف بالفقراء أفضل،

ولقمة في بطن جائعٍ خير من بناء ألف جامع!

وإذا ما جاء “الكريسماس” زيّنُوا له واحتفلوا به، ونسُوا الفقراء،

يسخرون من العُمرة بعد العمرة،

وهم من سفرٍ إلى سفرٍ،

وإذا ما اجتمع الناس حول داعيةٍ قالُوا: تجمُّعٌ لا طائلَ منه،

وإذا أُقيمت حفلة ٌلمغنٍّ أو مغنية، اجتمعوا عن بكرة أبيهم!

سُنّة ماضية، وطريقة سائرة، والحمدُ للهِ على نعمة يوم القيامة!



الدَّرسُ الثّاني:

الوفاءُ من شِيَمِ النُّبلاء وقد كان النبيُّ ﷺ أوفَى الناس،

اُنظرْ إليه كيف يذكرُ فضلَ عمِّه عليه،

يعترفُ له أنّه ربّاه صغيراً، ودافعَ عنه وحمَاه كبيراً،

لم يمنعه أنْ خالفه عمُّه في الديِّن أن يعترفَ بصنيعه معه في الدُّنيا،

وعلى هذا كانتْ كلُّ أيامه يفوحُ منها الوفاء فوحاً،

أرسلَ مسيلمةُ الكذَّابُ إلى النبيِّ ﷺ رسولين برسَالة،

فلما قرأ فيها ادَّعاءَ مُسيلمة الكذَّاب للنُّبوة،

قال للرسولين: ما تقولان أنتُما؟

فقالا: نقولُ كما قال!

فقال لهما: أما واللهِ لولا أنَّ الرُّسلَ لا تُقتل لضربتُ أعناقكما،

هكذا جرَت العَادةُ والعُرفُ بين الملوك والزعُّماء،

أنَّ الرُّسل بينهم لا تُقتل مهما كان مضمون الرِّسالة التي يحملونها،

عُرفٌ “دبلوماسيّ” سائد أوفى به سيد الأوفياء!

ولم ينسَ النبيُّ ﷺ لمطعم بن عدي معروفه معه،

ولو كان حيّاً يوم أسرى بدر وطلبَ منه أن يُحررهم لفعلَ،

يحفظُ معروف رجلٍ مشركٍ في قومٍ مشركين جاؤوا لقتاله!

وأرسلت قريشٌ أبا رافعٍ موفداً لها للنبي صلى الله عليه وسلم،

وأراد أن يبقى بالمدينة المنورة ويُسلم،

فلم يقبل النبيُّ ﷺ هذا وقال له:

إني لا أخيسُ بالعهد، ولا أحبسُ البُرْد / الرُّسُل،

ولكن اِرجعْ إلى قومكَ،

فإن كان في نفسكَ الذي فيها الآن فارجعْ!

رغم أنَّ أبا رافعٍ أراد أن يُسلم طَوعاً ويبقى في المدينة،

الا أنَّ النبيَّ ﷺ رفضَ هذا،

لأن الرَّسول يجب أن يرجعَ بالرِّسالة،

واعتبرَ أن بقاءه حبسٌ له ولو كان برغبتِه!

وكان من شروط صُلح الحديبية،

أنَّ من جاء من قريش مسلماً فعليهم ردُّه إلى أهله،

وما إنّ تمَّ توقيع الصلح حتى وصل أبو جندل مسلماً،

فسلّمه النبيُّ ﷺ لأبيه سهيل بن عمرو!

وعن حذيفة بن اليمان قال:

ما منعني أن أشهدَ بدراً إلا أني خرجتُ أنا وأبي حسيل،

فأخذنا الكفار فقالوا: إنكم تريدون محمداً!

فقلنا: ما نريده، إنما نريدُ المدينة!

فأخذوا منا عهداً أن ننصرف إلى المدينة ولا نُقاتل معه!

فأتينا النبيَّ ﷺ فأخبرناه بالخبر،

فقال: اِنصرِفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم!

يا للوفاء يا رسول الله، يا للوفاء!

كان بإمكانه أن يعتبرَ أن هذا العهد من خِداع الأعداء،

وخداع العدو المشرك جائز بلا خلاف،

وهو على وشك حرب وأحوج ما يكون إلى جنديٍّ،

ولكنه رفض نصراً ملوثاً بعهد مخلوف!

فإذا كان هذا وفاؤُه لأعدائه فكيف تُراه كان وفاؤُه لأحبابه؟!



الدَّرسُ الثّالث:

شأنُ أهلِ الباطلِ أن يُزيّنوه للناس،

واُنظرُ لقريشٍ كيف تُزين لأبي طالبٍ الباطل الذي هو!

يا أبا طالبٍ أنتَ رأسُ الحنيفية ملَّة الأشياخ،

وما هي إلا جاهلية وشرك،

ولكن من طرقهم المعهودة أن يُغيروا الأسماء لتصبح مقبولة!

وهذه طريقة سيدهم إبليس التي انتهجها مع آدم عليه السَّلام،

“قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ”

فإنّ الخمر سمُّوه مشروبات روحيَّة ليسَّوقوه،

وإنّ الرِّبا أسموها فائدة ليروِّجوها،

وإنَّ الشُّذوذ أسموه مثليّة ليرغِّبُوا فيه،

سمُّوا الدَّياثَة اِنفتاحاً لتصيرَ مقبولة،

وسمُّوا الزِّنى علاقةً عاطفية ليصير مرغوباً،

وسمُّوا التبرج موضةً ليصيرَ مطلوباً،

فتعالوا نقلِبُ الطَّاولة عليهم ونُسمّي الأشياء بمسمياتها،

دعونا لا نُجمِّل الحرام ولا نُميِّع الحلال!



الدَّرسُ الرّابع:


وصلَ الآن بنا المطاف إلى نقطةٍ تتجدد كل فترة،

فلا يكاد يخلو عام إلا ويموتُ فيه عالمٌ

قد أسدى للبشريَّة خدماتٍ جليلة

في الطب أو الهندسة وهو على غير ملة الإسلام،

عندها تجد بعض المسلمين ممن يخلطون بين الرحمة الإنسانية، وبين تمام العقيدة،

يُدلون بدلوهم، ويُرسلون الرَّجل إلى الجنَّة كأن بأيديهم مفاتيحها،

ويقولُ لك أحدهم: كيف يُعذِّب اللهُ أحداً اخترعَ دواءً وخفَّفَ آلامَ النَّاس،

كيف سيدخلُ أديسون النار وقد أضاء لنا كوكب الأرض بالكهرباء،

وكأنّ مفتاح الجنَّة أن تخترعَ دواءً أو مصباحاً.

وعلى المقلب الآخر تجد قسماً آخر من المسلمين،

يقطع لهذا العالم الذي ماتَ على غير الإسلام بالنَّار،

كأنهم يحملُون مفاتيحها أيضاً.

وكلاهما على خطأ وإن كان خطأ الفئة الثَّانية أيسر من خطأ الفئة الأولى!

نحترمُ العلم والعلماء، ونقدِّرُ خدماتهم الجلية في سبيل الإنسانيّة،

ولكن هذا شيء والجنّة والنّار شيء آخر!

دفاع أبي طالبٍ عن النبيّ ﷺ أهمّ من اختراع دواء ومصباح.

ولكن هذا الدّفاع لم يُسعفه لأنه ماتَ على الشِّرك!

هكذا يجب أن يُنظر إلى الأمر بعقيدة لا بعاطفة،

مع إيمان ثابتِ أنه لا أحد أعدل وأرحم من الله!

بالمقابل، قلّة أدب مع الله أن نقطع بالنار لشخص بعينه،

وإنما نقول بالجملة:

أنه من ماتَ على غير الإسلام بعد أن سمعَ به ووصله فرفضه دخلَ النارَ،

مع إيمان راسخ أن الأمر لله أولاً وآخراً إن شاء عذَّبَ وإن شاءَ غفرَ.

لن يُسأل الناس في قبورهم عن الكهرباء التي اخترعوها،

ولا الأدوية التي صنعوها، ولا الجسور التي أقاموها،

وإنّما هي العقيدة أوّلاً وأخيراً.

فلا نخلط بين مسلمات ديننا، وبين إنسانيتنا وشفقتنا على الآخرين وتقديرنا لجهودهم،

ونتأدب مع الله فلا نقطع بالنار لأحد بعينه،

وإنما بعموم الثابت في ديننا، وبصريح قول ربنا:

“وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.                  


وجهة وطن: رئيس بعقلية مضارب

آخر كلام       

وجهة وطن: رئيس بعقلية مضارب 



محمد البغلي 


ثمة شخصية متعارف عليها في أسواق الأسهم والعقارات، هي تلك التي تحمل عقلية المضارب الذي يستهدف الربح السريع ضمن مدى زمني قصير.

  وغالباً لا ترتبط حركة المضارب ببناء استراتيجيات أو رسم سياسات وخطط بعيدة المدى بل بالفرص المتاحة في فترة محددة، وهي مصحوبة بمخاطر عالية، مما يترتب عليها مكاسب عالية أو خسائر فادحة... حسب التحليل أو التحالفات أو حتى الحظ.

 وتوصف شخصية المضارب في الأسواق بأنها «ملح السوق»، أي أنها ضرورية في حركة التداولات، ولكن زيادتها عن حدودها المقبولة قد تسبب أضراراً «نظامية» وفقاعات تدمر الثقة والمؤسسية والشفافية.

 هذا ما يترتب على الإفراط في المضاربة في أروقة البورصات والأسواق، أي المرافق التي يفترض أنها تتقبل أو تنسجم مع شخصية المضارب، 

فكيف يمكن أن يكون الأمر عندما تكون هذه الشخصية في موضع لا يناسب وجودها أصلاً، كأن يتصرف رئيس الولايات المتحدة الأميركية بعقلية المضارب؟ 

عقلية ترامب المضاربية لا تتعلق فقط بالاتهامات والشكوك المتزايدة بوجود منافع وتضارب مصالح في الربط بين قراراته وتصريحاته مع أداء أسواق الأسهم والنفط والعملات المشفرة والتي في أكثر من مناسبة تتحرك في اتجاه يسبق تصريحات ترامب بشكل يعزز من مخاوف تسريب المعلومات، بل أيضاً بالطريقة الفوضوية السريعة والمتقلبة في إدارة العديد من الملفات الحساسة والدقيقة سواء الهجرة والحدود في الداخل الأميركي أو خارج أميركا كالرسوم الجمركية فضلاً عن الحرب التي شنتها أميركا مع الكيان الصهيوني في منطقة الخليج العربي وترتب عليها اعتداءات إيرانية غاشمة على دول مجلس التعاون الخليجي. شخصية ترامب المضاربية هي التي شجعته على اقتباس مخاطرة عملية اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته مطلع العام الحالي في عملية شن حرب سريعة على إيران عنوانها الأساسي حملة اغتيالات لصفوف القيادة الإيرانية دون وضع احتمالات بكيفية التصرف في حال لم تفضِ إلى استسلام إيراني مماثل لاستسلام الفنزويليين. 

وهذه الشخصية هي التي خفضت أهداف حربها «أو كما يقال في الأسواق: الحد من الخسائر» في إقليمنا الخليجي من الإطاحة بالنظام الإيراني وتدمير السلاح النووي والقضاء على منظومة الصواريخ إلى العمل على مجرد إعادة افتتاح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، بل إن هذه الشخصية لا تتورع عن المزايدة على مطالب الإيرانيين غير المستحقة في عملية الحصول على رسوم مرور عبر مضيق هرمز عندما تصرح بأن «أي رسوم عبر المضيق ستحصلها أميركا لا إيران» وهو تصريح غير مسؤول، لأن الأصل هو ضمان حرية الملاحة في الإقليم لا أخذ رسوم غير مبررة. 

قد يكون في سلوك ترامب اليومي وتصريحاته المتابعة أمثلة لا حصر لها على شخصيته المضاربية، وهذا ما يستوجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تتعامل من خلاله وفق مصلحتها البعيدة المدى من خلال توسيع نطاق الشراكات الدولية والإقليمية وتنويعها والتوصل إلى صيغ تضمن عدم التعرض لأي اعتداءات إيرانية جديدة وعدم وضع عوائق في حركة ملاحة مضيق هرمز.  

شخصية المضارب كما هي معروفة في الأسواق حادة ومتقلبة وعنيفة ومخيفة أيضاً، فكيف يمكن الاطمئنان عندما يرأس هذا المضارب أقوى دول العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً؟



الأحد، 9 أغسطس 2026

خناجر أبو لؤلؤة وشياطين الخمينية

 خناجر أبو لؤلؤة وشياطين الخمينية

 
كاتب وباحث في الشئون الإسلامية



بعد عقود من جاهلية العقيدة الخمينية الصفوية المجرمة حيث ظهر للأمة العربية والإسلامية حقيقة الفرس والطبيعة العقدية لاتباع عبد الله بن سبأ اليهودي بصفته صانع خناجر أبو لؤلؤة المجوسي لتسليط السهام والطعنات للأمة الإسلامية بصفة عامة والأمة السنية بصفة خاصة فقد قامت الافعى الخمينية بعدة جرائم يظهر من خلالها حقيقة الجاهلية المجوسية الخمينية وخطورة خناجر أبو لؤلؤة الخميني ومن تبعه من شياطين المؤسسة الصفوية في قم المدنسة.

الجريمة الأولى: والطعنة الأخطر لخنجر ابي لؤلؤة كانت في اعلان الحرب على موروث الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وظهرت في بناء ضريح لابي لؤلؤة المجوسي قاتل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع إعلان الكفر الخميني بالطعن في أمهات المؤمنين رضي الله عن عموم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

الجريمة الثانية: اعلان الحرب على البيت الأموي المبارك وجعل تكفير سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه دلالة الايمان بالولاية والإمامة لآل البيت الكرام وهذه أخطر عقائد الجاهلية الشيعية المجرمة.

الجريمة الثالثة: شرعنة الكذب وتبرير الحقد الصفوي على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وجعل الدين عبارة عن

جاهلية الطعن واللعن والضرب والتطبير وفقا لجاهلية شيطان القرن الخميني.

الجريمة الرابعة: الرهان على ذاكرة السمك المسيطرة على طبيعة العقول المعاصرة حيث يسعى. الشياطين الروافض إلى التجاهل الشامل لحقيقة الحروب الباطنية على ممر التاريخ التي قام بها اتباع ابي لؤلؤة وشياطين الخمينية خاصة خلال العقود الخمس الأخيرة في العراق والشام ولبنان واليمن وعموم الدول التي تعاملت مع إيران الصفوية المجرمة على أساس أنها دولة إسلامية ولو صدقت الفهم لجعلوها جمهورية إيران المجوسية الخمينية الرافضية المجرمة.

الجريمة الخامسة: وهي استحمار بعض الجماعات الإسلامية الجاهلة بحقيقة الباطنية الخمينية الصفوية المجرمة والتي جعل منها ممر شيطان التقريب بين السنة والشيعة.وهي في الحقيقة تقريب بين الاسلام ومدرسة ابي لؤلؤة المجوسي.

هل يعتقد راس الخارجية الجاهلية الخمينية عراقجي أن الدول العربية والإسلامية السنية سوف تتقبل وجود النظام الفاشي الإيراني الظالم في اتفاق مكة أو أي اتفاق مستقبلي يساهم في إعادة تشكيل الميلشيات الإيرانية الإرهابية بعد الضربات التي تعرضت لها مؤخرا ؟

يجب أن يفهم عراقجي ومن معه أن جبل النار الذي بيننا وبين فارس لم ولن تسعى النظم السياسية العربية والإسلامية إلى تفكيكه أو إطفاء ناره مهما أتقن طغاة فارس الشيعة اكاذيب المكر والدجل في عالم السياسة المعاصرة.

هل يمكن تجاهل الحرب المجوسية على العراق والشام ولبنان واليمن؟

هل يمكن تجاهل الصواريخ الرافضية على مكة المكرمة بلد الله الحرام؟

هل يمكن تجاهل الحرب الخمينية الصفوية على الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية؟

هل يمكن تجاهل الشراكة العقدية بين يهود أصفهان ويهود تل أبيب؟