الأربعاء، 8 أبريل 2026

غدر وإرهاب... إيراني

ربيع الكلمات 

غدر وإرهاب... إيراني
عبدالعزيز الكندري



       منذ 47 عاماً وإيران تدعي أنها تستعد لمحاربة الشيطان الأكبر حسب قواميسها، ولكن هي في الحقيقة كانت تستعد لمحاربة دول الخليج وليس أي دولة أخرى، وتبني الشعارات الدينية ما هو إلا مطية لخداع الناس البسطاء، وعملياتها منذ الثمانينات خير دليل وشاهد في الكويت ودول الخليج، وأكثر من 80 % من الصواريخ الإيرانية في هذه الحرب الحالية كانت موجهة لدول الخليج وليس الشيطان الأكبر، والحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران هي نتيجة سنوات طويلة من التوتر بين الطرفين ولم تكن مفاجأة.

 حتى لو توقفت الحرب فلا بد من ذكر ما حصل من عدوان إيراني سافر على الكويت ودول الخليج، ففي الكويت واصلت إيران عدوانها على جارتها الكويت، واستهدفت منشآت البلاد الحيوية ومقدراتها الاقتصادية ومباني مدنية ومواقع ومرافق تمس البنية التحتية والقطاعات الإستراتيجية والخدمات الأساسية، وهذا يعتبر اعتداء غادراً وتدخل في جرائم الحرب. 

 واستهدفت إيران بهجماتها الآثمة مجمع القطاع النفطي بالشويخ، وشركتي نفط، ومحطتين للقوى الكهربائية وتقطير المياه، ومنشآت نفطية وتشغيلية، ومحطتين للكهرباء وتقطير المياه، إضافة إلى مجمع الوزارات في العاصمة، وصواريخ إيران والطائرات المسيرة لم تتوقف خلال الأيام الماضية وهي تروع الآمنين. 

 وتاريخ إيران مليء بالعمليات الإرهابية عابرة القارات في الخليج والدول العربية، ففي عام 1983 استهدفت أذرع إيران السفارات الأجنبية ومطار الكويت وبعض المصانع الحيوية، وفي عام 1985 حاولت اغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمه الله، وفي العام نفسه فجرت المقاهي الشعبية في الكويت وقتلت الأبرياء، وعام 1988 خطفت طائرة الجابرية الكويتية وقتلت اثنين من ركابها على مدرج المطار أمام أعين العالم. 

 ولإيران تاريخ طويل في استغلال موسم الحج لإثارة الشغب والفوضى والاضطرابات والفتن ومحاولة إحداث الصراعات، منها على سبيل المثال لا الحصر أحداث شغب مكة عام 1987، والتي كان أبرزها وأكثرها خطورة، وتورط بها دبلوماسيون وضباط باستخبارات الحرس الثوري الإيراني اندسوا بين الحجاج الإيرانيين بجوازات سفر عادية، وبتحريض من سلطات بلادهم، بتنظيم مظاهرة، مما أدى إلى حدوث اشتباكات عنيفة بينهم وبين قوات الأمن السعودية، مما نتج عنه مقتل 402 شخص، و85 رجل أمن سعودي، فضلاً عن إصابة 649 شخصاً. 

 وكذلك مع الإمارات، تاريخ إيران من الإرهاب حيث احتلت إيران الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبوموسى) في 30 نوفمبر 1971، أي قبل يومين فقط من استقلال دولة الإمارات العربية المتحدة عن الحماية البريطانية في 2 ديسمبر 1971. جاء هذا الاستيلاء بعد انسحاب القوات البريطانية من المنطقة، لتظل الجزر منذ ذلك الحين تحت السيطرة الإيرانية، وسط مطالبة إماراتية مستمرة باستعادتها وهذا حق دولة الإمارات المشروع.

 ومملكة البحرين لم تكن بعيدة من الغدر الإيراني، حيث أعلنت البحرين في ديسمبر 1981 عن إحباط محاولة انقلابية فاشلة هدفت لقلب نظام الحكم، اتهمت فيها «الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين» المرتبطة بإيران. تم اعتقال عشرات المسلحين، وكشفت التحقيقات عن تدريبات وتلقي دعم خارجي، وأشارت السلطات البحرينية إلى أن المجموعة تلقت تدريبات ودعماً من إيران، وتم احتواء المحاولة وإفشالها بسرعة دون تحقيق أهدافها. وخلاصة الكلام أن الثقة في نظامِ إيران مفقودة، ومن الصعبِ بناء ثقة من جديد والنظام الإيراني قد يغير سياسته في زمن لاحق بشكل إيجابي أو يتغير ولا أعتقد أن يتم ذلك مع من يحكم إيران الآن بسبب الحقد على دول الخليج، وإيران الثمانينات هي إيران اليوم، تنشر الفوضى والإرهاب والمليشيات عابرة القارات في لبنان وسوريا واليمن ودول الخليج، ولكن جاءت ساعة الحساب والنظام أصبح عالة على المجتمع الدولي. 

قراءة أولية لوقف إطلاق النار

آخر كلام 

 قراءة أولية لوقف إطلاق النار 


د. محمد المقاطع  

وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران والكيان الصهيوني لابد أن نسجل بشأنه ما يلي: - 

إن الحرب خلال الأربعين يوماً أوجدت شرخاً في العلاقة بين إيران ودول المنطقة، والخليج تحديداً، وستورّث حالة من التوترات المستمرة فترة لا يعلمها إلا الله، لانعدام الثقة وانكشاف أمور كامنة، سواء كانت حقداً أو كراهية أو عقدة انتقام من إيران تجاه دول الخليج. وسيترك ذلك الشرخ آثاره على الوضع المستقبلي للعلاقات القائمة بالمنطقة، لتكون في حالة توتر وانعدام ثقة. 

 - إن حالات التدمير الواسعة في البنية التحتية لدول الخليج وموارد الطاقة وبعض المباني والمرافق فيها ستكون سبباً لنزع الثقة من إيران، ولغرس عداء كامن قد يقفز إلى السطح في أي لحظة، مما يتطلب نظرة ثاقبة للسيطرة عليه واحتوائه حتى لا يكون قنابل موقوتة تقود المنطقة لصراع، كما يرغب الكيان الصهيوني وربما أميركا. 

 - إن حصول دول الخليج على تعويضات من إيران لما لحقها من دمار في الطاقة وموارد الكهرباء والمياه وغيرها وبعض الأضرار للأفراد والشركات سيكون ملفاً ساخناً وسبباً للتوتّر، وربما يتطور- إن لم يتم احتواؤه- إلى نزاع، وهو ما يريده الأعداء لمنطقتنا. وقد تدعو بعض الأطراف إلى إصدار قرار من مجلس الأمن بدفع إيران تعويضات لمصلحة الدول المتضررة خصوصاً الخليجية، وربما يكون ذلك سبباً لزرع فتيل نزاع مستقبلي بين دول الخليج وإيران، ويتحوّل لحرب باردة، وهو ما ينبغي احتواؤه والسيطرة عليه لمنع هذا القرار، والبحث عن سبل أخرى تحقق المراد دون الدخول في مسار خطير ينتج حرباً. 

 - قرار وقف إطلاق النار ربما يؤدي إلى وقف الحرب، مما يستدعي نظر كل الخسائر الناجمة عنها، فالكيان الصهيوني حقق أحد أهدافه منها بجعل دول المنطقة في حالة تصادم، فحين تنسحب أميركا من الحرب ويوقف الكيان الصهيوني دوره فيها فستصبح بؤرة الصراع والتوتر قائمة بين الدول الخليجية وإيران، وهو ما أراده الكيان الصهيوني وربما أميركا من خلفه، لاستنزاف المنطقة وتدمير قدراتها للهيمنة عليها. 

 - الأمر يستحق التشاور بين الدول العربية ودول الخليج تحديداً مع إيران وبضمانات باكستانية وربما تركية، لاتفاق يؤدي إلى آلية تعوّض بموجبها دول الخليج عما لحقها من أضرار توافقياً، ووضع ضمانات لعدم تكرار العدوان الإيراني على دول الخليج لأي حجة أو ظرف، وبآليات وإجراءات منضبطة. 

 - ينبغي أن تبحث دول الخليج بصورة حاسمة إنهاء أذرع إيران في المنطقة عاجلاً، وخصوصاً العراقيين المنخرطين في ميليشيات تابعة لإيران، بآلية تكون لباكستان وتركيا دور فيها ويكون للعراق الدولة دور فيها لوأد الفتنة الداخلية بإنهاء الميليشيات ونزع سلاحها وربما تكون بمشاركة أميركية ودولية، وكذلك الوضع بالنسبة للميليشيات الحوثية التي لا تزال تشكل تهديداً لدولنا، فهاتان الذراعان ينبغي التعامل معهما بجدية لنزع حالة الصراع المستقبلي والآثار الجانبية واستمرار المناوشات بمسيّرات كانت تُرسَل من العراق خلال الحرب. 

 - لا شك أن لبنان هو ضحية للحرب، فحالة النزوح والهدم والنزيف القائم لن تندمل بسهولة وتستوجب لجم «حزب الله»، بالتزامن مع إنهاء تواجد الكيان الصهيوني في لبنان، وانسحابه بترتيب مع الولايات المتحدة إلى ما قبل 28 فبراير 2026، وإنهاء احتلاله لجنوب لبنان اليوم، حتى لا يحقق غاياته التوسعية، وهذا أمر ملّح. 

 - أما الملف الشائك فيتعلق بإعادة بناء إيران المسالمة والمهذبة واللا ثورية، لإيقاف نهج تصدير الثورة، وهو يعني تغيير بنية النظام السياسي، مع رقابة صارمة على إيران وتسلّحها وتطوير قدراتها لمنع تهديداتها لدول الخليج بطريقة مبرمجة ومنضبطة، فلئن كانت الحرب الحالية تهدّم فيها العديد من قدرات إيران العسكرية والصاروخية، فإنها ربما تكون سبباً لإعادة بنائها على نحو أقوى إن لم تُقيّد، وستكون مدخلاً لحرب قادمة أشرس من الحالية ما لم يتم التحوّل في النظام الإيراني إلى نظام أكثر اعتدالاً وأكثر تعايشاً مع دول المنطقة وخالٍ من التسلح العدائي، مع وجوب قطع صلاته بالأذرع التي زرعها بالمنطقة بصورة كاملة وإنهائها بوقف دعمها مالياً وسياسياً وعسكرياً. 

 هذه خطوات مهمة لنزع فتيل وتداعيات الحرب وآثارها التي عشناها أربعين يوماً، ولا شك أن الأخطر هو أن تنتهي الحرب في إطارها الذي هدف إليه الأميركيون والكيان الصهيوني وتبقى بؤرة الصراع والتوتر والانزلاق لحرب أخرى بين دول المنطقة مع إيران تكون قنابل موقوتة تفجّر النزاع مستقبلاً. 

ما سبب تحريض الصهاينة ضد تركيا؟

ما سبب تحريض الصهاينة ضد تركيا؟

"مطالبة الصهاينة بطرد تركيا من الناتو ليست وليدة اليوم"

ظهرت في الأيام الأخيرة تحليلات وتصريحات تحرض الولايات المتحدة والدول الغربية ضد تركيا، وتشكك في دورها في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتدعو إلى إعادة النظر في عضويتها؛ بحجة علاقاتها مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وجماعة الإخوان المسلمين. ويوحي توقيت تلك التحليلات والتصريحات بأن الهدف منها ليس الدعوة إلى طرد تركيا من الحلف، علما بأن معاهدة شمال الأطلسي لا تنص على آلية لطرد أي عضو من أعضاء الحلف، بل الهدف بالدرجة الأولى هو الضغط على أنقرة لثنيها عن الجهود التي تبذلها من أجل التصدي لأطماع إسرائيل في المنطقة، ووقف الحرب على إيران.

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، مقرها في واشنطن، نشرت قبل أيام تقريرا بعنوان "تركيا الإسلامية: قاعدة لجهادية الإخوان المسلمين". ويحمل التقرير توقيع كل من سنان جِدِّي وويليام دوران. ويدعي التقرير أن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، يسعى منذ وصوله إلى السلطة عام 2003، إلى تأسيس نظام إسلامي ويقدم دعما سياسيا وماليا لجماعة الإخوان المسلمين، كما يقول إن أنقرة قدمت دعما كبيرا لحركة حماس، مدعيا بأن قادة الحركة يديرون شبكات مالية داخل تركيا. ويوصي التقرير الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات على شخصيات تركية، وإعادة تركيا إلى "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي، مع إدراج القطاع المالي التركي كجهة مثيرة للقلق.

تحريض الإدارة الأمريكية ضد تركيا، وإفساد العلاقات بين الرئيسين الأمريكي والتركي، في ظل سعي أنقرة إلى استغلال تلك العلاقات في دعم الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مع دول أخرى، مثل باكستان ومصر، من أجل وقف الحرب على إيران

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات التي تأسست بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، هي مؤسسة أمريكية تدعي بالدفاع عن القيم الديمقراطية ومحاربة العقائد المتطرفة التي تغذي الإرهاب، كما أنها معروفة بتوجهاتها اليمينية المتطرفة إزاء الإسلام والمسلمين، وولاؤها المطلق للكيان الصهيوني، وتتلقى تمويلا من منظمة المؤتمر اليهودي العالمي. وأما "سنان جِدِّي" فهو باحث تركي هارب من تركيا إلى الولايات المتحدة بسبب انتمائه إلى تنظيم فتح الله غولن الإرهابي الذي قام بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في صيف 2016. وبالتالي، يعكس التقرير تماما وجهات نظر الصهاينة وانزعاجهم من سياسات تركيا برئاسة أردوغان. وكما يقول المثل، "إذا عرف السبب بطل العجب".

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يثني في كل فرصة على نظيره التركي، ويشدد على أن علاقاته معه جيدة. ويهدف التقرير إلى تحريض الإدارة الأمريكية ضد تركيا، وإفساد العلاقات بين الرئيسين الأمريكي والتركي، في ظل سعي أنقرة إلى استغلال تلك العلاقات في دعم الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مع دول أخرى، مثل باكستان ومصر، من أجل وقف الحرب على إيران. ومن المؤكد أن حكومة نتنياهو منزعجة من الجهود المبذولة لإطفاء النيران التي أشعلتها في أنحاء المنطقة، ولا تروق لها تصريحات ترامب حول تركيا وأردوغان.

إسرائيل تتوجس من علاقات تركيا مع سوريا الثورة وتقاربها مع السعودية ومصر. ويشير كثير من المحللين إلى ولادة محور جديد لحماية أمن المنطقة واستقرارها، ولمواجهة العربدة الإسرائيلية، ويضم ذاك المحور الجديد كلا من تركيا ومصر وباكستان والسعودية. ونشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، قبل حوالي شهرين، مقالا يحذر من أن إسرائيل قد تجد نفسها في عزلة جيوسياسية واقتصادية لم تشهدها من قبل، في ظل تفضيل حلفائها التقليديين في واشنطن الشراكة مع "المحور السني" على حساب الشراكة مع تل أبيب. وهناك تصريحات وتحليلات إسرائيلية أخرى تعكس مدى استياء الصهاينة من تقارب تركيا مع السعودية ومصر.

التقرير الذي نشرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يلعب أيضا على وتر "فوبيا الإخوان" لتحريض مصر والسعودية ضد تركيا من خلال تضخيم علاقات تركيا مع حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين. إلا أن تلك العلاقات ليست جديدة، كما أن أنقرة قامت بترميم علاقاتها مع الرياض والقاهرة بعد سنوات من التوتر الذي خيم عليها بسبب موقف تركيا من ثورات الربيع العربي. وبالتالي، لا يتوقع أن تؤثر مثل هذه المحاولات الصهيونية اليائسة على علاقات تركيا مع السعودية ومصر، لأن الرياض والقاهرة تعرفان حجم علاقات أنقرة مع جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، وطبيعتها.

مثل هذه المطالبات لن تؤدي إلى ما يطالب به الصهاينة، في ظل تزايد حاجة الدول الأوروبية إلى بقاء تركيا في الناتو، كثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، كما أن تركيا تتجه هذه الأيام نحو تعزيز مكانتها في الحلف

سنان جِدِّي الموالي لجماعة غولن يواصل التحريض ضد تركيا، ويكرر ذات الأسطوانة المشروخة، في مقال كتبه مع باحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ونشرته صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، ويدعي بأن تصنيف تركيا كحليف موثوق عضو في الناتو أمر خطير، وأن تصاعد نفوذ تركيا في المنطقة إلى جانب علاقاتها مع حماس، يشكل تحديا للحلف وأمن الولايات المتحدة. ويؤيد الرأي القائل بأن تركيا ستكون "إيران ثانية"، على الرغم من عضويتها في الناتو وتصنيفها ضمن المعسكر الغربي. بل وينتقد المعترضين على هذا الرأي، لافتا إلى أن تركيا تختلف عن إيران، ويرى أن تركيا أخطر من إيران على أمن إسرائيل والدول الغربية، ويصف تواجد القوات التركية في الشطر الشمالي التركي لجزيرة قبرص بـ"الاحتلال".

مطالبة الصهاينة بطرد تركيا من الناتو ليست وليدة اليوم. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون، قال في كانون الأول/ ديسمبر 2014، إنه "لا يعقل أن تستضيف تركيا قادة حماس وهي عضو في الناتو"، كما دعت الحكومة الإسرائيلية، آنذاك، حلف الناتو إلى اتخاذ خطوات عقابية ضد تركيا لذات السبب. ويتجدد هذيان الصهاينة حول الموضوع بين حين وآخر، وفي أحد أمثلته الأخيرة، دعا رئيس منظمة "الأمريكيون من أجل إسرائيل آمنة"، موشيه فيليبس، في مقاله بمجلة "أمريكان ثينكر"، إلى طرد تركيا من الناتو، وضم إسرائيل وجمهورية قبرص الجنوبية اليونانية إلى الحلف. ومن المؤكد أن محاولات التأثير على مكانة تركيا داخل الحلف ستبقى غير مجدية، وأن مثل هذه المطالبات لن تؤدي إلى ما يطالب به الصهاينة، في ظل تزايد حاجة الدول الأوروبية إلى بقاء تركيا في الناتو، كثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، كما أن تركيا تتجه هذه الأيام نحو تعزيز مكانتها في الحلف، من خلال تولي قيادة العمليات في البحر الأسود وتنسيق القوات البرية التابعة للناتو، وتستعد لاستضافة قمة مهمة للحلف في عاصمتها أنقرة في تموز/ يوليو القادم.


x.com/ismail_yasa


انعكاسات الحرب على العالم العربي والإسلامي والنظام الدولي

 انعكاسات الحرب على العالم العربي والإسلامي والنظام الدولي

من جغرافيا الصراع إلى إعادة تعريف موازين القوة.

فرج كندي.. 

رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث

لم تعد الحروب الكبرى في زمن التحولات الدولية

 مجرد أحداث عسكرية معزولة، بل غدت لحظات

 كاشفة تُعاد فيها صياغة الخرائط، وتُختبر فيها

 مواقع القوى، وتنكشف من خلالها هشاشة البنى

 الإقليمية والدولية على السواء. وفي هذا السياق،

 تبرز الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

 بوصفها لحظة مفصلية، لا تقتصر آثارها على

 حدود المواجهة، بل تمتد لتعيد تشكيل موقع العالم

 العربي والإسلامي داخل معادلة القوة العالمية،

 وتفتح في الوقت ذاته سؤالًا أعمق حول طبيعة

 النظام الدولي الذي يتشكل على أنقاض هذه

 الصراعات

فالعالم العربي والإسلامي، الذي طالما كان ساحة

 لتقاطع الإرادات الكبرى، يجد نفسه مرة أخرى

 في قلب العاصفة، لا باعتباره فاعلًا في صناعتها،

 بل بوصفه المجال الذي تُدار عليه حساباتها. 

غير أن خصوصية هذه الحرب تكمن في أنها لا

 تعيد إنتاج نمط الصراع التقليدي فحسب، بل تدفع

 نحو إعادة تشكيل بنية الإقليم ذاته، سياسيًا وأمنيًا

 واقتصاديًا؛ بل وحتى حضاريًا.

الجغرافيا المشتعلة… الشرق الأوسط كحزام ضغط استراتيجي

يمتد أثر هذه الحرب على مساحة جغرافية واسعة،

 تبدأ من الخليج العربي، مرورًا بالعراق وبلاد

 الشام، وصولًا إلى البحر الأحمر، في صورة

 تُحيل المنطقة إلى ما يشبه “حزامًا زلزاليًا” تتراكم

 فيه الضغوط الاستراتيجية بشكل دائم

فالصراع لم يعد محصورًا في مواجهة مباشرة، بل

 يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، عبر وكلاء إقليميين،

 وشبكات نفوذ متداخلة، ما يفتح الباب أمام

 احتمالات توسع غير محسوبة، ومع تهديد خطوط

 الملاحة الحيوية، وتصاعد التوترات الطائفية

 والسياسية، تتكرس صورة الشرق الأوسط بوصفه

 مجالًا مفتوحًا للصراعات المركبة

غير أن الفارق الجوهري بين هذه اللحظة وما

 سبقها من صراعات تاريخية – كالحروب

 العثمانية–الصفوية أو تنافسات الحرب الباردة –

 يكمن في أن الصراع الراهن أكثر تشابكًا، وأقل

 قابلية للاحتواء، نظرًا لتداخل الفاعلين، وتعدد

 مستويات المواجهة

 

الأمن القومي العربي… من وهم الجماعية إلى واقع التفكك

تكشف هذه الحرب عن أزمة بنيوية في مفهوم

 الأمن العربي، حيث يتضح أن ما كان يُطرح

 نظريًا كأمن جماعي لم يعد قائمًا في الواقع؛

 فغياب موقف عربي موحد، وتفاوت المصالح بين

 الدول، والاعتماد شبه الكامل على القوى

 الخارجية في ضمان الأمن، كلها عوامل تعكس

 انتقالًا حادًا من نموذج “الأمن المشترك” إلى

 نموذج “الأمن القطري الهش”

وهذا التحول يعني أن كل دولة باتت تواجه

 التهديدات بمفردها، وفق إمكانياتها المحدودة، ما

 يضعف القدرة على الردع، ويفتح المجال أمام

 مزيد من الاختراقات الإقليمية والدولية.

 

الاقتصاد والطاقة… بين الفرصة والهشاشة

في قلب هذه الأزمة، يبرز العامل الاقتصادي،

 وبخاصة ملف الطاقة، بوصفه أحد أهم محددات

 الموقف الإقليمي؛ فارتفاع أسعار النفط قد يوفر

 مكاسب آنية لبعض الدول، لكنه في الوقت ذاته

 يعمّق هشاشة المنطقة، نظرًا لارتباطها البنيوي

 بأسواق الطاقة العالمية

فالنفط، الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا كمصدر قوة،

 يتحول في سياق الصراع إلى عامل جذب

 للصراعات، ومصدر تهديد مباشر، سواء عبر

 استهداف المنشآت أو عبر تقلبات الأسواق، وهنا

 تتجلى المفارقة:

أن ما يمنح المنطقة أهميتها الاستراتيجية، هو ذاته

 ما يجعلها عرضة دائمة للاهتزاز.

إيران في الوعي العربي… تباين الرؤى وتشتت القرار

تعيد هذه الحرب طرح سؤال معقد يتعلق بموقع

 إيران في الوعي العربي؛ فالمواقف تجاهها تتوزع

 بين رؤى متباينة

من يعتبرها تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي

ومن يراها قوة موازنة للهيمنة الغربية

ومن يتبنى مقاربة براغماتية تقوم على التعايش

هذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في التقدير؛ بل

 يؤدي إلى تشتت استراتيجي يضعف القدرة على

 بلورة موقف عربي متماسك، ويجعل التعامل مع

 الأزمة محكومًا بردود فعل متفرقة، لا برؤية

 موحدة.

صعود الفاعلين غير الدوليين… إعادة تعريف السلطة

من أخطر انعكاسات الحرب تعزيز دور الفاعلين

 غير الدوليين، من ميليشيات وجماعات مسلحة

 وشبكات عابرة للحدود، وهي قوى لا تنتمي إلى

 الدولة بالمعنى التقليدي، لكنها تمتلك قدرات

 حقيقية على التأثير.

هذا التحول يعكس تآكل مفهوم الدولة الوطنية،

 ويعيد تشكيل بنية السلطة في المنطقة، بحيث لم

 تعد الدولة هي الفاعل الوحيد، بل أصبحت جزءًا

 من شبكة معقدة من القوى المتنافسة.

معركة الوعي… الإعلام كسلاح موازٍ

لم تعد الحروب تُخاض فقط في الميدان، بل في 

الفضاء الإعلامي أيضًا، حيث تتحول الروايات إلى

 أدوات صراع، والمعلومات إلى أسلحة. وفي هذا

السياق، يصبح الوعي العربي نفسه ساحة معركة،

تتنازعها السرديات المتضاربة، والتعبئة

 الإعلامية، والأخبار المضللة.

وهذا يضيف بعدًا جديدًا للصراع، يتجاوز

 الجغرافيا إلى العقل الجمعي، حيث تُصاغ

 المواقف، وتُعاد تشكيل الإدراكات.

البعد الحضاري… فجوة بين القدرة والتأثير

تكشف هذه الحرب عن إشكالية أعمق تتعلق بموقع

 العالم العربي والإسلامي في معادلة القوة العالمية؛

 فغياب التأثير في القرار الدولي، والتبعية في

 مجالات التكنولوجيا والسلاح، وضعف التنسيق

 بين الدول، كلها مؤشرات على وجود فجوة

 حضارية بين الإمكانات الكامنة والقدرة الفعلية

 على التأثير

وهذه الفجوة تجعل المنطقة أكثر تأثرًا بالأحداث من قدرتها على التأثير فيها، ما يعمّق حالة التبعية ويؤخر إمكانات النهوض.

من الإقليم إلى العالم… النظام الدولي في طور التحول

إذا كانت انعكاسات الحرب تبدو واضحة على

 المستوى الإقليمي، فإنها في العمق تعكس تحولات

 أوسع في بنية النظام الدولي؛ فمرحلة الأحادية

 الأمريكية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة لم تعد

 مستقرة كما كانت، حيث تشير المعطيات إلى

 انتقال تدريجي نحو نظام أكثر تعقيدًا.

فالولايات المتحدة، رغم احتفاظها بالتفوق، لم تعد

 قادرة على فرض إرادتها منفردة، في ظل صعود

 قوى أخرى مثل الصين وروسيا، وسعي قوى

 إقليمية لفرض حضورها. غير أن هذا التعدد لا

 يعني بالضرورة وجود توازن مستقر، بل يشير

 إلى حالة من السيولة الاستراتيجية، حيث تتعدد

 القوى دون وجود قواعد واضحة تضبط تفاعلها.

من النظام إلى الفوضى… تراجع الشرعية وصعود القوة

في هذا السياق، تتراجع فاعلية المؤسسات الدولية،

 التي لم تعد قادرة على منع الحروب أو فرض

 القرارات، في ظل غياب إرادة القوى الكبرى

 للالتزام بها، وهكذا ينتقل العالم من منطق

 “شرعية القانون» إلى منطق «شرعية القوة»،

 حيث تصبح القدرة على الفعل هي المعيار

 الأساسي.

التكنولوجيا والاقتصاد… إعادة تعريف القوة

لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل

 أصبحت مرتبطة بالمعرفة والتكنولوجيا، من

 الذكاء الاصطناعي إلى الحرب السيبرانية، وفي

 الوقت ذاته، يشهد الاقتصاد العالمي تحولًا من

 نموذج العولمة المفتوحة إلى نموذج التكتلات،

 حيث تتجه الدول إلى بناء كتل اقتصادية أكثر

 انغلاقًا.

الشرق الأوسط… من ساحة صراع إلى محور محتمل للتوازن

رغم كل ما يعانيه، يظل الشرق الأوسط مركزًا

 استراتيجيًا؛ بفضل موقعه الجغرافي وثرواته

 وطرق الملاحة فيه، وهذا يمنحه نظريًا فرصة

 للتحول من ساحة صراع إلى محور توازن، لكن

 ذلك يظل مشروطًا بقدرة دوله على الانتقال من

 موقع التبعية إلى موقع الفاعلية.

 

خاتمة: بين التهديد والفرصة… لحظة إعادة تعريف

إن ما تكشفه هذه الحرب يتجاوز حدودها المباشرة،

 ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع العالم العربي

 والإسلامي أن يحوّل هذه الأزمة إلى فرصة

 لإعادة بناء موقعه، أم سيظل أسيرًا لدور المتلقي؟

فالدرس الأهم الذي تفرضه هذه اللحظة هو أن

 الاعتماد على الخارج لم يعد خيارًا آمنًا، وأن بناء

 القوة الذاتية لم يعد ترفًا، بل ضرورة وجودية.

 فالعالم الذي يتشكل اليوم لا يعترف إلا بمن يملك

 القدرة على الفعل، لا بمن يكتفي بردود الأفعال

 

خلاصة:

تتجلى انعكاسات الحرب في ثلاث دوائر متداخلة

دائرة الخطر: تصعيد عسكري وعدم استقرار إقليمي.

دائرة الفرصة: مكانية إعادة ترتيب الأولويات

 وبناء تحالفات جديدة.

دائرة التحدي الحضاري: ضرورة الانتقال من

 موقع التأثر إلى موقع التأثير

 

كلمة أخيرة

إن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما يجري في

 ساحاتها، بل ما تكشفه من حقائق كامنة

أن القوة هي اللغة الحاكمة في العلاقات الدولية،

وأن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فارغًا،

وأن من لا يصنع موقعه في العالم… يُفرض عليه

 موقع لا يريده.

وفي قلب هذا التحول، لا نعيش حربًا فقط…

بل نعيش لحظة إعادة تعريف للعالم.