الأربعاء، 10 يونيو 2026

وقفات مع آيات (33).. الابتلاء بالنعمة

 وقفات مع آيات (33).. الابتلاء بالنعمة

 

خرجت للتنزه في آخر أيام الربيع، في أطراف إحدى البلدات، ومعي أولادي. كان الجو في أوله لطيفًا، ثم ما لبث أن اشتد الحر عند الظهر، ولم تكن معنا خيمة نستظل بها. 

رأيت مزرعة ضخمة، فوقفت بالسيارة قريبًا منها، واستأذنت العامل أن نجلس ساعة تحت ظل نخلة فحسب، فوافق الرجل برحابة.

ما إن فردت البساط، وتهيأ الأولاد للجلوس في الظل، حتى عاد العامل مسرعًا، وعلى وجهه شيء من الحرج، وقال:

«معليش يا أستاذ، صاحب المزرعة رفض جلوسكم. لازم تخرجوا».

في تلك اللحظة لم يؤلمني الخروج بقدر ما آلمني المعنى. لم نطلب طعامًا، ولا شرابًا، ولا شيئًا ينتقص من ملك الرجل. طلبنا ظل نخلة ساعة من نهار وقت الظهيرة. كنت أظن أن صاحب المزرعة، وقد بلغه أن عابري سبيل وقفوا بباب مزرعته في شدة الحر، سيأمر بحسن الاستقبال وكرم الضيافة فإذا به يأمر بالطرد. 

عندها تذكرت قول الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}

والآية تشير إلى حقيقة كبرى: أن الفضل الذي في يد الإنسان وكل ما وسّع الله به عليه من أمور الدنيا ليس ملكًا مطلقًا ننسبه إلى أنفسنا، بل نعمة ابتلانا الله بها، لينظر كيف نصنع فيها. 

واستحضرت قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} فإذا كان أصل النعمة من الله، فكيف يليق بالعبد أن يبخل بها على عباد الله؟

وقد ذم الله تعالى منع اليسير، فقال في سياق ذم من يغفلون عن حقوق الخلق: “وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ” والماعون هو الشيء اليسير الذي جرت العادة أن يتسامح الناس في بذله. فإذا بلغ الإنسان أن يمنع ما لا يضره، ولا ينقص من ماله، فليفتش عن قلبه قبل أن يفتش عن خزائنه.

ولقد كان العرب في جاهليتهم، على ما فيهم من ضلال، يتفاخرون بإكرام العابر، ويعدّون البخل عارًا لا يغسله المال. فكيف بمن قرأ القرآن، وسمع أخبار إبراهيم عليه السلام حين جاءه الضيفان، فما لبث أن أسرع إلى إكرامهم؟ قال تعالى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}

لم ينتظر إبراهيم عليه السلام أن يطلبوا، ولم يسألهم عن مقامهم، ولم يزن الضيافة بحساب الربح والخسارة، بل بادر إلى المعروف؛ لأن الكرم في النفوس العظيمة سجية قبل أن يكون تكلفًا.

ان منع اليسير أبلغ في كشف النفس من منع الكثير؛ لأن الكثير قد تعتذر النفس عنه بالخوف والحاجة، أما اليسير فلا عذر في منعه إلا ضيق القلب.

ومن تأمل القرآن وجد أنه يربّي النفس على أن ما زاد عندك ليس شرفًا لك وحدك، بل اختبار لك. قال تعالى: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} فمن أحسن الله إليه بسعة، فليجعل لسعته أثرًا في الناس.

واستحضرت قوله تعالى “وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” فالشح إذا استولى على النفس أفسد مروءتها، وجعل صاحبها يخاف النقص من كل بذل، ولو كان البذل لا ينقص شيئًا.

خرجت من المكان بمعنى لا أنساه: أن قيمة الإنسان لا تظهر فقط فيما يعطيه من ماله، بل فيما يسمح به من رحمته. وأن بعض القلوب قد تملك المزارع الواسعة، لكنها تضيق بظل نخلة.

هذا الجنون إلى متى؟!

هذا الجنون إلى متى؟!
ياسر الزعاترة



هذا الجنون إلى متى؟! 
"أول تريليونير: يوم الجمعة، ستتجاوز ثروة إيلون ماسك ثروة جنوب أفريقيا والسويد"! 
أعلاه عنوان تقرير يستحق القراءة في "يديعوت".. ومنه: 
"تريليون دولار هو مليون ضعف مليون دولار. لو أنفق شخص ما مليون دولار كل ساعة من كل يوم، فسيستغرق الأمر منه أكثر من قرن لإنفاق  تريليون دولار.
أما الأسرة الأمريكية التي يبلغ دخلها متوسط ​​الدخل في الولايات المتحدة (83,730 دولارًا في عام 2024) فسيتعيّن عليها العمل لأكثر من 11 مليون سنة للوصول إلى هذا المبلغ". 
كان بإمكان ماسك، حتى قبل أن تصل ثروته إلى تريليون دولار، شراء 2.4 مليون منزل أمريكي؛ وكان بإمكانه شراء جميع فرق دوري كرة القدم الأمريكية (NFL) ودوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين (NBA) مع بقاء أكثر من 500 مليار دولار؛ وكان بإمكانه شراء أسطول يضم أكثر من 10 آلاف طائرة خاصة حديثة وتمويل تشغيلها جميعا، بما في ذلك الوقود، لمدة خمس سنوات؛ وكان بإمكانه شراء شركات توظف أكثر من 4 ملايين شخص، مثل فيديكس، وهوم ديبوت، ويو بي إس، وتارجت، وستاربكس. تبلغ ثروة ماسك الصافية اليوم حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. 

وبناءً على ذلك، فهو أغنى بكثير من جون إف. روكفلر، الذي كان أغنى أمريكي على الإطلاق قبل ماسك. 
جمع روكفلر ثروة تُقدر بحوالي 1.4 مليار دولار بحلول عام 1937، أي ما يعادل حوالي 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في ذلك الوقت". 
"لفهم مدى ضخامة هذه الثروة، إليكم قائمة مختصرة بأشياء ستصبح قيمتها قريبا - أو ربما أصبحت بالفعل - أقل من قيمة إيلون ماسك: اقتصادات معظم دول العالم (بحسب صندوق النقد الدولي، لا يتجاوز حجم اقتصاد 20 دولة في العالم 1.1 تريليون دولار).

 ومن بين الدول التي قد يتمكن ماسك من شرائها فجأة: تايوان (977 مليار دولار)، وأيرلندا (779 مليار دولار)، والسويد (760 مليار دولار)، وموطنه جنوب أفريقيا (480 مليار دولار)". (انتهى). 

لو كان الأمر محصورا في شخص واحد، لهان، لكن ظاهرة الثراء الفاحش لحفنة من البشر أكبر من ذلك بكثير. 
إنه زمن الجنون.. 
ولا يمكن أن يستمر طويلا. 
هامش: 
"الفقر هو أصل الثورة والجريمة".. أرسطو.

خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية

 خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية

د. جاسم الجزاع


دائماً ما نجد أنه حين يتحدث الأكاديميون أو الباحثون في المحافل الدولية عما يسمى بـ "الحياد العلمي"، يتبادر إلى أذهاننا سريعًا ذلك المختبر المعقم والمنعزل عن أي مؤثرات خارجية وتجرد الباحث من أهوائه ونزعاته، ليقف أمام الحقيقة بعيدا عن أي عوامل مؤثرة إلا من أدواته المنهجية الصارمة، لكننا كلما غصنا في سبر أغوار المنظومة الأكاديمية ، وتأملنا بعمق في تفاصيل "نفسية الباحثين" ودوافعهم الخفية، أدركنا أن هذا الحياد المطلق ليس سوى خرافة حالمة لا وجود لها على أرض الواقع، فالعلماء في نهاية المطاف بشر، يعتريهم تمامًا ما يعتري عامة البشر من تحيزات نفسية، ونزعات أيديولوجية، ورغبات غريزية في التقدير، والوجاهة، أو حتى مجرد البقاء المادي والخوف على المستقبل الوظيفي، فالباحث لا يترك هويته، أو قناعاته الثقافية، أو مخاوفه الاقتصادية عند باب المختبر أو عتبة الجامعة، بل يدخل بها مستسلمًا بوعي أو بدون وعي لآليات توجيه المعرفة، ليتضح لنا أن العقل العلمي ليس آلة مصمتة تُنتج الحقائق المجردة، بل هو كائن حي يتنفس بيئته، ويتأثر بسياقه النفسي والاجتماعي المحيط به.

وهذا التحيز النفسي والمؤسسي لا يظل حبيس الصدور، بل يتجسد بوضوح وبشكل كبير في بنية البحوث الأكاديمية والدراسات الغربية المعاصرة، والتي باتت تُفصَّل في كثير من الأحيان على مقاس أجندات الجهات المموّلة وصانعي السياسات، وتكفينا نظرة فاحصة على تاريخ "صناعة السكر" و"شركات التبغ" في العقود الماضية بالولايات المتحدة، وكيف اشترت اللوبيات والشركات الكبرى ذمم مراكز بحثية جامعية مرموقة لتوجيه أصابع الاتهام في أمراض القلب والوعائية إلى الدهون بدلاً من السكر، أو لتقليل مخاطر التدخين وتضليل الرأي العام العالمي لسنوات طويلة، واليوم، يتكرر المشهد ذاته وبشكل أكثر دهاءً في مراكز الفكر ودراسات العلاقات الدولية والعلوم السياسية والاجتماعية في الغرب، حيث يُعاد توجيه المعارف وصياغة المفاهيم حول حقوق الإنسان، والثقافات والأديان، والصراعات الإقليمية، لخدمة مصالح شركات ذات علاقة بإشعال الحروب والتوتر، أو حتى لتبرير التوجهات الاستعمارية الجديدة، ليتراجع البحث عن "الحقيقة" خطوات إلى الوراء لصالح إرضاء "المموّل" وضمان تدفق أمواله.

ومن يتأمل هذه المعضلة العميقة يجد أنها تعود بالأساس إلى نموذج "تسليع المعرفة"، حيث تحولت الجامعات والمراكز البحثية من منارات علمية تبحث عن الحقيقة المجردة لخدمة الإنسانية والمنفعة العامة، إلى مؤسسات ربحية شبيهة بالشركات، تعتمد في بقائها ونموها وتصنيفاتها الدولية على المنح، والتمويلات الخارجية، وعقود الرعاية التجارية، وهذا الواقع المرير جعل "أمان الباحث" واستمراره في وظيفته مرتهنًا بمدى مواءمة نتائجه البحثية لرغبة الجهة المانحة، تحت شعار خفي ألا وهو "انشر ما يرضينا، أو واجه مشكلة قطع الدعم عنك"، فالعلاج الحقيقي لهذه الآفة، فيبدأ أولاً من تفكيك قدسية هذه المراكز البحثية واحتكارها لإنتاج المعرفة، والاعتراف الصريح بوجود هذه التحيزات في عقول الباحثين دون مجاملة، ويتطلب هذا الأمر عمليًا السعي نحو إيجاد قنوات تمويل بديلة ومستقلة كإحياء نظام الأوقاف العلمية- كما كان معمولا به في تراثنا العربي الإسلامي- والصناديق التشاركية المجتمعية المستقلة عن نفوذ الشركات الكبرى والسياسيين بالتوازي مع فرض معايير أخلاقية صارمة للشفافية تلزم الباحثين بالإفصاح الكامل والعلني عن أي تضارب محتمل في إنتاج المعرفة، ليعود البحث العلمي إلى مساره الصحيح كأداة لنهضة الإنسان، وحمايتها من أن تكون وسيلة لشرعنة أهداف رأس المال المتوحش.

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

عن مشاعرهم!

 نقطة نظام

عن مشاعرهم!

أدهم شرقاوي


عن مشاعر خديجة والنبيُّ ﷺ يقولُ لها: إنَّ ربكِ يُقرؤكِ السَّلام!

‏عن مشاعر أُبيِّ بن كعب والنبيُّ ﷺ يقولُ له: إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليكَ القرآن!

‏فيسأله أُبيُّ: أسمّاني اللهُ لكَ؟

‏فيقولُ له: أجل سمَّاكَ لي!

‏عن مشاعر سعد بن أبي وقاص يوم أُحُدٍ والنبيُّ ﷺ يقولُ له: ارمِ فداكَ أبي وأمي!

‏عن مشاعر عليِّ بن أبي طالب والنبيُّ ﷺ يقولُ له: أنتَ مني بمنزلةِ هارون من موسى، إلا أنه لا نبيَّ بعدي!

‏عن مشاعر بلال بن أبي رباح والنبيُّ ﷺ يقولُ له: سمعتُ دُفَّ نعليكَ في الجنَّة!

‏عن مشاعر أبي بكر والنبيُّ ﷺ في الغار يقولُ له: يا أبا بكر، ما ظنّكَ باثنين الله ثالثهما!

‏عن مشاعر عبد الله بن مسعود، والصحابة يضحكون من دقة ساقيه، والنبيُّ ﷺ يقولُ: أتضحكون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده أنهما في الميزان أثقل من جبل أُحد!

‏عن مشاعر عثمان بن عفان، وقد تنادى الصحابة لبيعة الرضوان، ومدوا أيديهم، وهو في مكة، والنبيُّ ﷺ يضع يده الأخرى ويقولُ: هذه يد عثمان!

‏عن مشاعر سلمان الفارسيِّ والنبيُّ ﷺ يقولُ: سلمان منا آل البيت!

‏عن مشاعر عمر بن الخطاب والنبيُّ ﷺ يقولُ له: والذي نفسي بيده ما لقيكَ الشيطان سالكاً فجاً قط، إلا سلكَ فجاً غير فجِّكَ!

‏عن مشاعر معاذ بن جبل والنبيُّ ﷺ يقولُ له: يا معاذ، واللهِ إني لأُحبُّكَ!

‏عن مشاعر صُهيبٍ الرُّومي والنبيُّ ﷺ يستقبله قادماً من مكة، تاركاً لقريش ماله كله، ويقولُ له: ربحَ البيعُ أبا يحيي!

‏عن مشاعر فاطمة والنبيُّ ﷺ يقولُ: إنَّ ابنتي بضعة مني، يُريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها!

‏عن مشاعر أبي عبيدة بن الجراح والنبيُّ ﷺ يقولُ: إنَّ لكلِّ أمةٍ أميناً، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة!

‏عن مشاعر سعد بن معاذ، يحكمُ في يهود بني قريضة والنبيُّ ﷺ يقولُ له: لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات!

‏عن مشاعر سُمية وياسر وعمَّار والنبيُّ ﷺ يقولُ لهم: صبراً آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنة!

‏عن مشاعر حسّان بن ثابت يُسخِّرُ شعره في سبيل الدعوة، والنبيُّ ﷺ يقولُ له: اجِبْ عني، اُهجُهُمْ وروح القدس معك!

‏عن مشاعر عكاشة والنبيُّ ﷺ يقولُ: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بلا حسابٍ ولا عذاب!

‏فيقول له: يا رسول الله ادعُ لي أن أكون منهم!

‏فقال له: أنتَ منهم!

‏عن مشاعر أبي موسى الأشعريِّ يقرأُ القرآن والنبيُّ ﷺ يستمعُ له ويقولُ: يا أبا موسى، لقد أُوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود!

‏عن مشاعر الأنصار عندما حزنوا لأن النبيُّ ﷺ أعطى غنائم غزوة حُنين لمسلمة أهل مكة، فقال لهم: يا معشر الأنصار أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله!

‏عن مشاعرنا نحن والنبيُّ ﷺ يقولُ عنَّا: إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني!


 عن مشاعرهم بلال عمر سمية آل ياسر أمين الأمة

ما امتلأ زمان قط بالسخفاء مثلما امتلأ زماننا هذا

 ما امتلأ زمان قط بالسخفاء مثلما امتلأ زماننا هذا

د. موسى الزهراني 

 كان الوالدان فيما مضى يعيشان في حالة من التعظيم والتكريم، والإجلال والاحترام، ولم يكن يجرؤ أحد على الحديث عندهم إلا بخفض جناح الذل، وطأطأة الرأس، ولين الكلام، هذا في الغالب.

كان الوالد في البيت أميرا مطاعا، لا يقضى أمر إلا بأمره، ولا يفعل فعل إلا بإذنه، يستشار في كل شيء، ويحترم قوله، ويعتبر كالفتوى التي لا تقبل النقاش، قبل أن تداهمنا هذه المدنية الحديثة الكذابة التي جعلت من حق الأبناء الاعتراض على الآباء، وإبداء الرأي الند للند، وكأنه زميله لا أبوه.. 

وهكذا الأم التي اقتصر برها على وضع حالات في الواتساب، وأغان مبكية.

دارت الأيام، وإذا بنا نصعق بما نشاهد، أصبح الوالدان أو أحدهما سلعة تجارية. أصبحوا مادة للسخرية والاستهزاء، لكسب كثرة مشاهدات، وأظنها تتبعها كثير من اللعنات. 

ولو بحثتم عن المقالب التي عملت في الوالدين في مواقع التواصل الموثقة بالصوت والصورة ستصابون بالاكتئاب. 

أصبحت عبارة (مسوي مقلب في أبوه) من أشهر عبارات المقالب السخيفة اليوم. 

هذا سخيف يفزع أباه ويخبره أن خادمتهم هربت، فيهيم الأب على وجهه في الشوارع بحثا عنها، وسط قهقهات ابنه الذي يلاحقه بكاميرا الجوال. 

وآخر يشترك في مسابقة مقابل مال مضمونها أن يتصل على هاتف أبيه ويخبره أنه قام بتصوير بنت وعليه أن يدفع مبلغ 500 ألف أو يسجن لمدة سنة، ويضع أباه على مكبر الصوت ليسمعه بنو آدم كلهم، والأب يتكلم بحرقة بألفاظ خادشة لا تليق، حتى إذا استنزفه وأخرج كل ما في قلبه أخبره بأن هذا كان مجرد مقلب. وهكذا تطول القائمة.

أشعر بحزن عميق أن يصبح الوالد ألعوبة في يد ابن يشهر به من أجل إضحاك الناس عليه. 

أين هيبة الأب؟ 

الذي كان يهز المجالس رجولة فيما مضى؟ وما موقفه بين الرجال إن أشارت إليه أصابع الناس أن هذا الذي انتشر له مقطع فيديو وهو في أسوأ أحواله؟ من أجل ماذا؟ كثرة المشاهدات التي ابتلينا بها في هذا الزمان وكأنها عجل بني إسرائيل.

قال لي شيخ جليل من شنقيط (موريتانيا) قبل سنوات: هل تعلم أني عشت مع أبي سنوات طويلة ولا أستطيع أن أصف لكم وجهه؟ 

قلت كيف هذا؟ 

قال: لم أكن أملأ عيني من النظر إلى وجهه إجلالا له، وكان غالب نظري في الأرض. وهذا ذكرني بقول عروة بن الزبير رضي الله عنه: (ما بر والده من شد الطرف إليه). 

وفي كتب الصالحين الأوائل حكايات أعجب من الخيال تدل على إجلالهم للوالدين، الذين أسقط السخفاء قيمتهم في هذا الزمن ليضحكوا منهم، ويضحكوا عليهم الناس. 

قيل لزين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفة، فقال: ‌أخاف ‌أن ‌تسبق ‌يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.

كانت نصائح علمائنا حول الوالدين في غاية الرقة، فكانوا يقولون: لا تخبروا الوالدين أخبارا تحزن قلوبهم، وإذا جلستم معهم فلا تنشغلوا بغيرهم، ولا تظهروا لهم الضيق والضجر.

ما علم علماؤنا أنه سيأتي على الناس زمان يسقط فيه السخفاء هيبة الأمهات والآباء، أسفآ على زمانا أصبح فيه الوالدان مثارا لسخرية الساخرين. 

وقبح الله السخفاء عديمي الضمير والمروءات.