الأربعاء، 11 فبراير 2026

من المسؤول عن صعود الجهلة على المنابر؟

 من المسؤول عن صعود الجهلة على المنابر؟

د. جاسم الجزاع

عندما نعود بذاكرتنا إلى الزمن البعيد حيث مجالس العلم القديمة، على ذلك الحصير البسيط والبنيان المتواضع وشيخ جليل وطلبة نجباء، لم تكن العلاقة بين المريد وشيخه تبدأ بالتداول المعلوماتي والفكري، بل بالصمت والإنصات الذي يسبق السؤال، وصناعة التربية والقدوة في الطرفين العالم والمتعلم، فقد كانت تلك العلاقة تربيةً للعقل والروح معًا، يُرى فيها الشيخ قبل أن يُسمع، ويُفهم من حضوره أكثر مما يُفهم من عباراته، ويعرف المريد أنه أمام عقلٍ حر وليس عقلاً يباع وقت الحاجة وأمام انسان يملك من المروءة والاخلاق ما يعفه لقبول أفكاره العلمية والثقافية.

ولكن حين أنظر اليوم إلى صورة المثقف في زماننا وفي الفضاء العام، أشعر أن تلك المسافة الإنسانية قد اتّسعت بين المريد الآن وشيخه ؛ فالفكر لم يعد يصل الناس عبر علاقة مباشرة في أكثر الأحيان، بل عبر منصّات افتراضية، ولم يعد المثقف يُعرف بأثره الحقيقي وأخلاقياته المثلى بل بموقعه الآن في السياق الافتراضي والمنصات وكذلك مدى الرضا السلطوي السياسي عنه، والتفكير دوماً بماهية الجهة التي يتكلم عنها، ولحساب من يعمل ؟ وهكذا من أسئلة التحقيق التي تلاحقهم، حتى صار موقع المثقف يسبق الفكرة والانتماء السياسي او الايديولوجي يسبق عمق المعلومة ومنفعتها.

ففي هذا السياق، فقد المثقف الآن شيئًا جوهريًا هو « ثقة الناس»، لكن ليس لأن الناس تغيّروا كثيرًا، بل لأن المثقف الآن حوصر في أطر لا تشبهه، إطار سياسي، اقتصادي، أمني.. الخ، أو اختار الصمت حين كان الكلام واجبًا، وبين الصمت والخطاب المحسوب ظهر فراغٌ في الفكر لم يملؤه إلا الشعبوية.

فالشعبوية التي ظهرت فجأة، - وأعني بها أن يتصدر العلم ومنابره الشارع العام والأفراد غير المتخصصين من الشعب و ليس النخب الفكرية -، لم تنشأ من فراغ، بل جاءت بوصفها استجابة مباشرة لشعورٍ عام بالإقصاء والفجوة بينهم وبين المفكرين المثقفين إلا من رحم الله، وبأن الخطاب النخبوي لم يعد يفهم الناس ولا يصغي لهم ولحاجاتهم، فحين يشعر الفرد البسيط أن المثقف أو المفكر يتحدث بلغة لا تشبهه، أو يقدّم تفسيرًا باردًا لآلامٍ حارّة في قلبه، يبحث عن صوت آخر، حتى لو كان ذلك الصوت غير متخصص أو غاضبًا أو مبسّطًا أو مضللًا أو جاهلاً، فالشعبوية لا تقدّم حلولًا معقّدة، لكنها تقدّم إحساسًا بالانتماء للشعب والناس، وتمنح الناس شعورًا بأن أحدًا أخيرًا يتحدث بلغتهم، ولو على حساب الحقيقة.

لذلك نجد بعض النخب الآن، فقد ساهمت – بوعي أو دون وعي – في تآكل موقعها وقوة تأثيرها، فبعضها استسلم لإغراء القرب من السلطة السياسية، فسال لعابه مما في أيديهم، فصار جزءًا من خطاب السلطة، أو الخوف منها وهو أمر محتوم و معروف، ولكن أن يبرّر لها أكثر مما ينبغي، ويُدافع أكثر مما يُطلب منه، أو أن يقلب الباطل الى حق أبلج فهذا يعاب، وفي الجانب الآخر نجد البعض منهم اختار الانعزال، واكتفى بالحديث داخل دوائر ضيقة، مكتفيًا بنقاء الفكرة على حساب وصولها، وبين هذا وذاك، تلاشى الدور الوسيط والفعال للمثقف والمفكر، ذلك الدور الذي كان يُفترض أن يربط المعرفة بالناس، لا أن يعزلها عنهم.

جلستُ شخصياً أكثر من مرة مع علماء ومفكرين لا يعرفهم أحد، عقول عميقة تمتلك قدرة نادرة على الفهم والتحليل، لكنها لا تظهر في المشهد العام، لا لضعفٍ في الفكرة التي يتبنونها، بل لرفضهم الدخول في سوق الاعلام الآن، هؤلاء لا يجيدون اختزال الأفكار في جمل رائجة، ولا تحويل الفكر العميق الإنساني إلى محتوى سريع للتناول و التداول، فيبقون خارج الضوء، بينما يتقدّم المشهد من يملك الصوت الأعلى لا الفكرة الأعمق.

والناس الآن، في حقيقتها، لم تفقد ثقتها بالعلم ولا بالمعرفة، بل فقدت ثقتها بمن ادّعوا تمثيلهما من بعض المثقفين والمفكرين، لذلك أرى أن استعادة الثقة لا تكون بمحاربة «الشعبوية» بوصفها ظاهرة مزعجة، بل بمعالجة جذورها، فتبدأ بإعادة تعريف دور المثقف، كعقل حر يتعامل بذكاء مع المعضلات التي تحول بينه وبين وصول أفكاره و يتحمّل كلفة الكلمة، ودون أن تبتذل الفكرة، و دون أن يستعلي بمنبره، وأن يعترف بحدود معرفته قبل أن يطالب الآخرين بالثقة.

ربما لن تعود العلاقة بين المريد وشيخه كما كانت، فالعالم تغيّر، والمنابر تعدّدت، لكن الحاجة إلى الصدق في العطاء والذكاء في توصيل المعلومة بما يتناسب مع العصر الراهن وظروفه لم تتغيّر.






قفشات نجيب محفوظ!

خواطر صعلوك

قفشات نجيب محفوظ!


لو كان أي أحد غير نجيب محفوظ، حصل على نوبل في دولنا العربية لوجدته تمثالاً من شمع في كلامه وحركاته وتصريحاته، أما نجيب، فشيء آخر... «ابن بلد» يجلس معك على المقهى، ويسخر من الدنيا وما فيها بذكاء يقطع «الخلف» ويشفي الغليل.

في عام 1988، دخلت عليه زوجته الغرفة وهو نائم، دون أن تتأكد من أنه مستيقظ وقالت بفرحة غامرة:

«نجيب... أنت فزت بجائزة نوبل»

فرد عليها نجيب غير عابئ:

«أنا مش قلت لك بطلي أحلام»!

تعال معي عزيزي القارئ في هذا المقال لنتعرف على وجه مختلف لنجيب محفوظ، وصورة ذهنية لا تحمل في جنباتها الموظف الصارم، المنضبط الذي يضبط ساعته بالثانية، صورة ذهنية مختلفة عن الروائيين «اللي عايشين الدور» أو الفيلسوف الذي يحمل هموم الكون فوق كتفيه، والرجل الذي لا يضحك للرغيف الساخن.

في الحقيقة عزيزي القارئ، فإن تحت البدلة «الميري» الذي كان يرتديها نجيب محفوظ، وهذا الوجه الرصين، كان يختبئ «ساخر» عبقري، وضاحك من الطراز الرفيع، يمتلك سرعة بديهة تجعله يخرج من أعتى الكوارث «بإفيه» يدرس في كليات الحكمة الشعبية... نجيب محفوظ، لم يكن يواجه المصائب باللطم والعويل مثلنا، بل كان يواجهها «بالقفشة» التي تحول الرعب إلى نكتة، والسلطة إلى مسخرة.

خذ عندك مثلاً يوم 12 أكتوبر 1992... مصر كلها تصرخ «زلزال!»، والبيوت تهتز، والناس تجري في الشوارع بملابس النوم... أين كان عمنا نجيب؟ كان يجلس في صالة شقته بالعجوزة، في كامل هدوئه.

ولأن القدر يحب الدراما، كانت تسكن فوقه مباشرة الفنانة برلنتي عبد الحميد، أيقونة الإغراء وزوجة المشير عامر، يعني «سلطة وجمال» في باكيج واحد.

لما سأله صديقه الكاتب جمال الغيطاني: «ما خفتش يا أستاذ؟»، رد محفوظ رداً يدرس في علم النفس العكسي «كنت قاعد مستني السقف يقع... وتقع معاه برلنتي عبد الحميد قربي!»

تخيل يا أخي! الناس خائفة من الموت، وهو يحول الكارثة إلى مشهد ساخر. يحيد الرعب بالنكتة، ويقرر أن لو كان للموت بد، فليكن موتاً لذيذاً بسقوط برلنتي، عليه...

ولأنه عاش في فترة كانت البلد فيها «مباحثي» بطبعه، كان لسان نجيب محفوظ هو طوق نجاته... فعندما كتب رواية «ثرثرة فوق النيل» في الستينيات، الدنيا قامت ولم تقعد.

الرواية كانت «تعرية» للنخبة والمساطيل الذين ضيعوا البلد، ويُقال إن المشير عامر، غضب جداً... جاء مسؤول كبير يسأل محفوظ بلهجة تحقيق: «إنت تقصد إيه بالكلام ده؟ وهل تنتقد النظام؟».

لو كان محفوظ «عنترياً» لقال خطبة عصماء ودخل السجن، لكنه تقمص دور «ابن البلد» المراوغ وقال له ببراءة الأطفال «أبداً يا فندم... ده كلام حشاشين! مش أبطال الرواية بيحششوا في العوامة؟ يبقى كلامهم لا يؤخذ به».

ضربة معلم! احتمى بقواعد الرواية، ونزع القداسة عن نصه لينقذ رقبته، ووضع المسؤول في ورطة... فلو اعترض، سيكون كأنه يعترف بأن الدولة تُدار فعلاً بكلام حشاشين!

ولأن محفوظ كان يكره «الفشخرة» الكذابة، كان له موقف مع المؤسسة الثقافية نفسها، فيوم سمع أن راقصة شهيرة ستعتزل وتكتب مذكراتها (الموضة التي لا تنتهي)، التفت لجمال الغيطاني، الذي كان يرأس سلسلة «الذخائر» التراثية الرصينة وقال له بجدية تامة: «إبقى طلعها في الذخائر».

جملة من أربع كلمات لخصت حال الثقافة في مصر وقتها... مساواة ساخرة بين «الأغاني» للأصفهاني و«هز الوسط»، في نقد لاذع لسيولة المعايير التي جعلت أخبار الراقصات أهم من أمهات الكتب.

حتى في وظيفته، كان نجيب محفوظ «ثورياً» على طريقته... عدوه اللدود لم يكن الإخوان ولا السلطة فقط، بل «الكرافتة»، وكان يخترع أي حجة لخلعها... مرة «عندي حساسية»، ومرة يلبس «هايكول»... ولما أهداه تلميذه محمد سلماوي كرافتة، قال له: «المناسبة إني مش عارف أعمل بيها إيه! أنا نسيت هي بتتربط إزاي أصلاً»!

وعندما سُئل عن «القبلة» في الأفلام بحكم عمله كرقيب، لم يلبس عمامة الشيخ، بل قال جملة توزن بالذهب عن حالنا جميعاً «لما بشوف اتنين بيبوسوا بعض... بداري وشي وأقول: أوعدنا يا رب!»

يا سلام على التصالح مع النفس!

لكن النكتة الأكثر وجعاً وعبقرية، كانت في أواخر أيامه...

بعد محاولة الاغتيال، ويده عاجزة، وسمعه ضعيف. زاره المفكر الفرنسي روجيه غارودي، وسأله السؤال الكلاسيكي «ماذا تكتب الآن يا أستاذ؟»

رد محفوظ، الذي كان يقوم بتمارين علاج طبيعي ليمسك القلم «أكتب اسمي!»

إجابة تضحكك وتبكيك في آن واحد... هو فعلاً يتدرب على كتابة توقيعه، لكنه في الحقيقة كان يكتب اسمه في سجل الخلود، بصفته الرجل الذي هزم الإرهاب، وهزم الشيخوخة، وهزم «عيشان دور» وغرور المثقفين، بسلاح واحد فتاك وهو الضحك.

الخلاصة يا سادة، أن نجيب محفوظ لم يكن مجرد أديب «نوبل». كان فيلسوفاً أدرك مبكراً أننا نعيش في مسرح عبثي، وأن الطريقة الوحيدة لكي لا تفقد عقلك في هذا البلد، هي أن تتعلم كيف تطلق «نكتة» في وجه الزلزال، وتنتظر أن تسقط عليك «الست برلنتي» من السقف... بدلاً من أن تسقط عليك الطوبة!

ورحم الله الضاحك الباكي الحقيقي... 

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

قصة قصيرة:

المذيع: حضرتك وانت داخل على التسعين عاماً قلت «عشنا وشفنا العجب»، فماذا تقول وأنت داخل على الثلاثة والتسعين عاماً؟ نجيب وهو يشير إلى عيونه ونظره الضعيف: مش قادر أشوف العجب!

المذيع: حضرتك شفت مصر من ثورة 19 لغاية النهارة، شايفها ازاي دلوقتي بعد 19 و 48 و52 و 67 و73 و 77 شايفها ازاي؟

نجيب: هي بتعاني وربنا معاها

المذيع: ازاي تخرج من المعاناة ده؟

نجيب: انت فكرك أنا عارف تخرج ازاي ومقلتش!

نهاية لعبة الوكلاء… وبداية قرار الدولة

نهاية لعبة الوكلاء… وبداية قرار الدولة

 مكاوي الملك
كاتب ومفكر



نهاية لعبة الوكلاء… وبداية قرار الدولة
✍️ مكاوي الملك | Makkawi Elmalik
ما جرى في الرياض خلال الساعات الماضية لم يكن بروتوكولًا عابرًا كمّا اشرنا سابقا..ولا محاولة إسعاف دبلوماسية متأخرة بل كان إعلان انتقال ملف السودان من مرحلة العبث الدولي إلى مرحلة الضبط الإقليمي المنظّم…هذا التحول لا يُقرأ من بيان واحد بل من تلاقي ثلاثة مسارات في لحظة واحدة: السياسة..الأمن..واللوجستيات
أولًا: كسر العطب الأميركي… وإغلاق ثغرة “سوء الفهم”
تقرير Ayin Network كشف جوهر المشكلة مع مقترح مسعد بولس: خطأ إداري تحوّل إلى شرخ ثقة .. وصول وثيقتين مختلفتين للقيادة السودانية—إحداهما قديمة من “الرباعية”—لم يكن مجرد ارتباك؛ بل غذّى شكوكًا متراكمة داخل المؤسسة العسكرية حول نوايا الوساطة..خصوصًا مع تجاهل واضح لجرائم المليشيا وداعميها
النتيجة؟ تعطّل المسار الأميركي وتقدّم خطاب “الضغط السياسي” على حساب الواقع الميداني…هنا تحديدًا دخلت الرياض: لا لتكرار الخطأ، بل لتصحيح المسار
ثانيًا: لماذا الرياض؟ لأن الأمن هنا… لا في جنيف
السعودية لا تنظر إلى السودان كـ“ملف تفاوضي”بل كـامتداد مباشر لأمن البحر الأحمر..وخطوط الطاقة…ومشاريع رؤية 2030..ولهذا جاءت زيارة البرهان بحضور كامل ثقل الدولة السعودية: دفاع..خارجية.أمن وطني..مالية…هذه ليست وساطة؛ هذه إدارة ملف سيادي متعدد الأبعاد
الرسالة واضحة:
• لا تقسيم
• لا مليشيا تتحكم في الساحل
• لا فراغ أمني يعبر البحر
ومن هنا يتبدّل وزن الجيش السوداني في الحسابات الإقليمية: من طرف محاصر إلى شريك في الضبط
ثالثًا: المنافسة مع أبوظبي… حين تنقلب المعادلة
تقرير Al-Monitor امس كان صريحًا: السعودية لا تقبل هيمنة أي طرف على السودان أو ساحله..هذا وحده يفسّر التباين مع أبوظبي..فبينما راهنت الأخيرة على المليشيا كوكلاء فوضى..اختارت الرياض الدولة—حتى وهي تضغط لإنهاء الحرب
وهنا المفصل الأخطر:
كلما ضاق هامش الوكلاء زادت هستيريا الضخ العسكري..لكن حين ينتقل الملف إلى طاولة “الدول الثقيلة”تتحول المليشيا من أداة إلى عبء
رابعاً : اللوجستيات لا تكذب
التزامن بين اجتماعات الرياض وكثافة الجسر الجوي إلى بورتسودان ليس تفصيلًا..ست رحلات شحن خلال ~30 ساعة ليست “صدفة طيران” إنها إشارة جاهزية: دعم..إعادة تموضع.وتثبيت ميزان—لا إعلان حرب..بل إغلاق باب الابتزاز (الضغط الدبلوماسي والعسكري معا)
خامسًا: ماذا يعني هذا للسودانيين؟
يعني ببساطة:
• المسار لم يعد مفروضاً بوثائق ملتبسة
• الثقة تُعاد عبر ضمانات إقليمية لا وعود إعلامية
• السودان لم يُعزل؛ صبر حتى تغيّر ميزان الإقليم وأجبر العالم
• الدولة عادت لاعباً..والمليشيا تُسحب من شرعية الوكالة
الخلاصة
ما بعد الرياض ليس “نهاية الحرب” فورًا..لكنه نهاية مرحلة:
• نهاية إدارة السودان عبر الفوضى
• نهاية خلط الوثائق والضغوط الرمادية
• بداية هندسة استقرار تقودها دولة إقليمية تعرف أن أمنها يبدأ من الضفة الأخرى للبحر
السودان اليوم ليس ساحة… بل مفتاح
ومن يقرأ المشهد بغير ذلك..سيصل متاخراً إلى حقيقة واحدة:
قرار الدولة عاد… ولعبة الوكلاء انتهت🤝

ولدت العمالة من ضلع أعوج: التنسيق الأمني

 ولدت العمالة من ضلع أعوج: التنسيق الأمني

وائل قنديل

عندما كانت حركة التاريخ محكومة بالمنطق والقانون الأخلاقي كان تغوّل عصابات المستوطنين على الأراضي والبيوت الفلسطينية كفيلًا باندلاع انتفاضة شعبية، تبدأ من المسؤول الأوّل عن حلم التحرّر، وهو بدرجة رئيس كيان وجودي اسمه منظّمة التحرير الفلسطينية، ولا تنتهي عند أصغر طفل قادر على رمي المُعتدين بحجر. كانت عربدة التوسّع الاستيطاني مُفجّرًة أيضاً لغضب عربي يتحرّك في الشوارع ضاغطًا على حكومات كانت لا تزال لديها قدرة على الشعور بالإهانة والتعبير العملي عن ذلك الشعور باتخاذ إجراءات فعلية رادعة.

هذه المرّة ليست المسألة توسيعًا للاستيطان بل إعادة احتلال كامل للضفّة الغربية، بما في ذلك دار الرجل الذي يوصف بأنّه رئيس السلطة الوطنية ورئيس منظمة التحرير والمسؤول عن الدفاع عن الحقوق التاريخية الأصيلة للشعب الفلسطيني على أرضه، من دون أن يُحرّك ساكنًا أو يُسكّن مُتحرّكًا، على الرغم من أنّ تطوّرًا بهذه الخطورة يكفي للدعوة إلى انتفاضة شاملة وإضراب عام في كلّ فلسطين.

لكن كيف والسيد محمود عباس قرّر أن يفني عمره في مقاومة المقاومة الفلسطينية، مسلّحة كانت أم سلمية، وأن يجعل رسالة حياته هي النضال تحت مظلّة التنسيق الأمني مع الاحتلال لإجهاض أيّة فرصة لانتفاض جماهير الشعب الفلسطيني دفاعًا عن وجودها. 

هذا التنسيق الأمني بات المفرخة التي تنتج مجموعات من عملاء الاحتلال تنشط ضدّ الشعب الفلسطيني المُقاوم في قطاع غزّة، كما وثّقها التحقيق الذي بثّته "الجزيرة" أخيراً ضمن سلسلة "ما خفي أعظم" والذي قدّم إجابة على سؤال: من أين يأتي العملاء وكيف يتكوّنون، والإجابة ببساطة تقول إنّه في البدء كان التنسيق الأمني مع العدو ثم جاءت العمالة، إذ يكشف التحقيق أنّ المسؤول عن استقطاب العملاء وتجنيدهم وتأهيلهم للاستعمال من العدو في تنفيذ أقذر العمليات ضدّ المقاومة الفلسطينية ضابط سابق في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية اسمه شوقي أبو نصيرة. 


أيضاً، تسمع في فيديو تعذيب المقاوم الفلسطيني على يد واحد من أفراد المليشيا العميلة للاحتلال الصهيوني في غزّة كلامًا يشبه كلام السلطة الفلسطينية ضدّ المقاومة، إذ يوجه العميل "الدهيني" إهاناته للبطل المقاوم مع كلمات وشتائم له لأنه ومقاومته يخرّبون مسار السلام مع إسرائيل.


معلوم أنّ ثمة مبالغات في تقدير حجم (ودور) مجموعات العملاء التي يحاول الاحتلال تصويرها على أنّها واقع حقيقي في البيئة الفلسطينية، غير أنّها تبقى موجودة وإن كانت بأحجام متناهية في الضآلة وأدوار يجري تضخيمها، إذ يفعل الاحتلال كلّ شيء ثم يترك اللقطة الأخيرة للعملاء، كما جرى في عملية خطف القائد المُقاوم من النفق وتعذيبه أمام الكاميرات.

السؤال الآن ماذا لدى محمود عبّاس لفلسطين إذ يرى الاستيطان واقفًا على باب بيته في رام الله سوى مناشدة الأنظمة العربية القيام بدورها، فتُبادر الأخيرة إلى مناشدة المجتمع الدولي للقيام بدوره والضغط على الاحتلال الذي لا يعبأ بكلّ ذلك؟


 الشاهد أنّ الوضعية المنطقية الصحيحة هي أن يناشد المجتمع الدولي الدول العربية والإسلامية التي تدّعي الدفاع عن الشعب الفلسطيني لكي تضغط على الاحتلال الصهيوني، من خلال إجراءات عملية تستطيع القيام بها لإيقافه عند حدّه، وخصوصًا تلك الدول المُرتبطة بعلاقات اقتصادية وصفقات تجارية مع الكيان الصهيوني، وهي علاقات عميقة لم يهزّها قتل أكثر من 72 ألف فلسطيني وتنفيذ مئات من الهجمات الاستيطانية التي ترعاها وتقودها في الغالب سلطات الاحتلال.


معضلة ارتهان هذه الدولة بعلاقات اقتصادية وتجارية مع الكيان الصهيوني لا تختلف عن ارتهان سلطة محمود عبّاس للتنسيق الأمني ضدّ المقاومين، الأمر الذي دفع  رئيس الدائرة الأمنيّة-السياسيّة في وزارة الحرب الإسرائيليّة، الجنرال المُتقاعد عاموس جلعاد، إلى القول إنّ "السلطة الفلسطينية هي جزءٌ من المنظومة الأمنية الإسرائيلية"، واصفًا التعاون بين السلطة وإسرائيل على مدار السنوات الماضية بأنّه كنز استراتيجي، لما تقدّمه هذه السلطة من خدمات لإسرائيل، تحتّم على الأخيرة العمل على منع انهيارها اقتصاديًا.


هذا الواقع المُشين أكّده عباس شخصيّاً حين أعلن في 2018 أنّ لقاءً شهريّاً غير مُعلن يجمعه برئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي، مُعبّراً عن افتخاره بأن التنسيق الأمني بينه وبين جهاز الأمن العام للاحتلال ناجح بنسبة 99%. 


من أسف أنّ إسرائيل لا تقتل الشعب الفلسطيني بالقنابل الحرارية التي تذيب الأجساد فقط، بل قبل ذلك بالتنسيق الأمني والتعاون التجاري مع أهل السلطة.



الثلاثاء، 10 فبراير 2026

بين كتمان الإيمان والجهر بالدعوة وقفةٌ مع موقف مؤمن آل فرعون

 بين كتمان الإيمان والجهر بالدعوة

وقفةٌ مع موقف مؤمن آل فرعون

د. علي الصلابي



د. علي الصلابي
كاتب وداعية إسلامي متخصص في التاريخ والفكر الإسلامي

بعد أن حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد -في دفع شر فرعون الذي عزم على قتله- على الاستعاذة بالله، أبان الله تعالى أنّه قيّض له رجلاً من آل فرعون يدافع عنه لتسكين الفتنة وإزالة الشر، فكان أن وصف الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨].

هذه الآية تبين أن رجلاً مؤمناً من آل فرعون وقع الحق في قلبه، ولكنه كتم إيمانه، انتدب نفسه ليدافع عن موسى وعمله، على دفع القوم عنه، وسلك في خطابه لفرعون وملئه مسالك شتى، وتدسس إلى قلوبهم بالنصيحة، وأثار حساسيتها بالتخويف والإقناع، وجال هذا الرجل جولة ضخمة مع المتآمرين من فرعون وملئه، واستخدم منطق الفطرة والعقل والحكمة في حذر ومهارة وقوة كذلك (سيد قطب، 2003، 5/3079). 

ونلاحظ أن الله تعالى وصف هذا الرجل بأمرين رئيسيين قبل الشروع بسرد ما قاله لقومه، وهما أنه رجلٌ (مؤمن)، وأنه (يكتم إيمانه)، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨].

أ- ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أخبر القرآن عن مؤمن آل فرعون بأنه ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والوصف بالرجولة هنا وصف تكريم وتشريف، ويراد بالرجولة المعنى المادي والمعنى النفسي.

المعنى المادي: وهو كونه رجلاً فهو رجل ذكر ليقابل الوصف المقابل في الجنس الآخر، يقال: هذا رجل ذكر، وهذه امرأة أنثى.

والمعنى النفسي: هو كونه يقف مواقف الرجال، القائمة على قوة الإرادة والعزيمة والهمة والجرأة والشجاعة والإقدام، فهذه المعاني تحتاج إلى رجولة، ولا يقدر عليها كل الذكور، إنما يقدر عليها الرجال من الذكور، وكل رجل ذكر، لكنه ليس كل ذكر رجلاً، فهناك ذكور لا يعرفون معاني الرجولة، ولا يقفون مواقف الرجال.

– إنه ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾: والتنوين هنا مقصود، إنه تنوين للتكريم، كما أنه تنوين للإبهام، وهذا الإبهام دعوة لنا كي لا نحاول تجديد وتعيين اسمه، وتحديد اسمه لا يقدم فائدة جديدة، ولا يضرّ الجهل به، ووصفه القرآن بأنه: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: وهذا تحديد قرآني لنسبه، وهو رد على من يزعم أنه “إسرائيلي”، وكونه من آل فرعون يعني أنه كان من قادة النظام الفرعوني، ومن المقرّبين عند فرعون، والمتنفذين في قومه (سيد قطب، 2003، 5/3079).

ب- ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: وإيمان هذا القائد بموسى عليه السلام شهادة لموسى في نجاحه الدعوي، حيث تمكن من إيصال الدعوة إلى هذا الزعيم الفرعوني، وإقناعه بالدخول في دين الله، كما أن إيمانه شهادة له، فرغم أنه مقرّب عند فرعون إلا أنه فتح قلبه للإيمان وأنواره، فاختار ما عند الله، إن البيئة الفرعونية الكافرة لم تفسده، ولم تطمس على فطرته، إنه آمن بالله، وكفر بفرعون، وهذا دليل على جرأته وشجاعته، فهو يعلم من هو فرعون، وما هو بطشه وطغيانه، ومع ذلك آمن بالله، واستعد لدفع ثمن هذا الموقف.

وقد أخبر القرآن أن هذا الرجل كان: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، ويشير إلى هذا أن دعوة موسى في بعض مراحلها كانت سرية، وأن بعض المؤمنين به كانوا “سريّين”، يكتمون إيمانهم.

لقد كانت دعوة موسى عليه السلام تأخذ جانبين:

الأول: الجانب العلني: وهو المتمثل في إمام الدعوة موسى عليه السلام، حيث كان يتحرك تحركاً علنياً ويدعو ويحاور ويناقش فقد قابل فرعون، وكانت المباراة في يوم الزينة بينه وبين السحرة، وتحدّث مع الملأ من قوم فرعون.

الثاني: الجانب السري: حيث كان بعضهم يؤمنون به، ويكتمون إيمانهم، وقد عرفنا ثلاثة من هؤلاء كانوا مقربين من عند فرعون:

– امرأة فرعون.

– والذي أخبر موسى عن ائتمار الملأ به لقتله، وهناك من العلماء من يقول إنه مؤمن آل فرعون.

– ومؤمن آل فرعون.

إن كتم هؤلاء وغيرهم إيمانهم دليل على جواز كتمان إيمان بعض المؤمنين في بعض الحالات الخاصة، وعلى جواز سرية الدعوة في بعض الظروف والأجواء، فإذا ما أسرّ بعض الدعاة دعوتهم؛ وإذا ما كتم يعضهم انتماءهم؛ فلا بد أن يعلن آخرون إيمانهم، وأن يظهروا دعوتهم ليعرف الناس الدعوة من خلال بعض “رموزها” وقادتها، فيقتدوا بهم، ويستعد هؤلاء المجاهدون لدفع الثمن الباهظ المترتب على ذلك، ففي قصة مؤمن آل فرعون كان موسى عليه السلام يجهر بإعلان دعوته، وإظهار إيمانه، بينما كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه (الخالدي، 2016، 2/491).

ومع أن هذا الرجل المؤمن كان يكتم إيمانه إلا أنه اضطر الآن إلى إظهار إيمانه، إن حياة موسى عليه السلام في خطر، وإن فرعون يريد أن يقتله، ولا يمكن لهذا القائد الفرعوني أن يحول دون ذلك إلا بإظهار إيمانه، وإذا أظهر إيمانه سيكشف أوراقه أمام فرعون، فماذا يفعل؟ هل يبقى كاتماً إيمانه حريصاً على مركزه ومنصبه؛ ولو قتل موسى فعليه رحمة الله؟ أم يقوم بواجبه وينتصر لموسى عليه السلام، ويدافع عنه، ويظهر إيمانه، وليكن بعد ذلك ما يكون؟

أخذ بالخيار الثاني المتفق مع إيمانه ورجولته وشجاعته، وقدّم مصلحة الدعوة على مصلحته هو، بل إن مصلحته هو لا تكون إلا مع مصلحة الدعوة، وهذا درس بليغ للدعاة في وجوب تقديم مصلحة الدعوة على مصالحهم الشخصية المادية، وفي وجوب التضحية بالمنافع الشخصية من أجل دعوتهم ودينهم، وعندما اضطر مؤمن آل فرعون للدفاع عن موسى عليه السلام والوقوف أمام فرعون، خطا خطوات منهجية في غاية الحكمة والترتيب والتخطيط، وقدّم “بياناً” دعوياً حكيماً، وتمكن من إحراج فرعون وهزيمته، وأقام الحجة عليه وعلى قومه، وكان في ذلك كله ناجحاً نجاحاً كبيراً، فقد أنكر الرجل على قومه القتل، وبيّن أنه لا ذنب على موسى إلا إيمانه بالله، وهذا ليس ذنباً (الكردي، 2010، ص 217).

المصادر والمراجع:

(1) سيد قطب، (2003)، في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه – 2003م.

(3) الخالدي، عبد الفتاح، (2016)، القصص القرآني.. عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق، دار القلم، ط4، 2016م.

(4) الكردي، زينب بنت عبد اللطيف، (2010)، بلاغة الاحتجاج العقلي في القرآن الكريم، تحقيق: محمد بن علي الصامل، السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1431ه – 2010م، ص٢١٧.

حرب السودان.. المجتمع الدولي من التجاهل إلى الاهتمام

 حرب السودان.. المجتمع الدولي من التجاهل إلى الاهتمام

صحفي وكاتب سوداني.

بهجماتها الأخيرة التي شنتها مليشيا الدعم السريع على قوافل إغاثة إنسانية ومنشآت طبية ومدنية وقوافل نازحين بولايتي شمال وجنوب كردفان تكون الدعم السريع قد أطلقت الرصاصة الأخيرة في الحرب- لكن على نفسها هذه المرة- مثلما أطلقت الرصاصة الأولى قبل نحو ثلاث سنوات في محاولة منها للاستيلاء على السلطة في السودان باءت بفشل ذريع وتسببت في حرب ارتكبت فيها مليشيا الدعم السريع فظائع ومجازر ومذابح مروعة وممنهجة، كان جُلها بحق المدنيين.

كما استهدفت فيها المنشآت والأعيان المدنية والمرافق الحيوية وبشكل أساسي المرافق الخدمية كالكهرباء والمياه والاتصالات ومحطات الوقود والمنشآت النفطية والمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس ودور العبادة والبنى التحتية.

ما كان أمام الحكومة السودانية سوى الاستمرار في خططها الدفاعية وبرنامجها في تطهير المناطق التي تسيطر عليها المليشيا وطردها منها دون انتظار أي فعل من قبل المجتمع الدولي الذي اكتفى بالتنديد فقط

مهاجمة الدعم السريع المدنيين والأعيان المدنية، والمنشآت الصحية ظلت نمطا متكررا انتهجته ومارسته مليشيا الدعم السريع طيلة سنوات الحرب، ما خلف وراءه أكبر كارثة إنسانية شهدها السودان، وأكبر موجة نزوح ولجوء غير مسبوقة شهدتها القارة الأفريقية خلال نصف القرن الماضي.

وقد ظلت الحكومة في السودان ومنذ بداية الحرب ووقوع الانتهاكات من قبل الدعم السريع تنبه المجتمع الدولي بإطلاق النداءات والمناشدات للتدخل للحيلولة دون وقوع المزيد منها، ومنع تمدد رقعة الانتهاكات التي ترتكبها الدعم السريع، وذلك بوقف كافة أشكال الدعم الذي تقدمه بعض القوى الإقليمية لمليشيا الدعم السريع.

وقد مضت الحكومة السودانية أبعد من مجرد إطلاق المناشدات والنداءات، إلى الإشارة بأصابع الاتهام المباشر، وعلى سبيل التعيين، إلى قوى إقليمية بعينها، مستندة في ذلك لأدلة موثقة ومدعومة بصور أقمار صناعية توضح بشكل قاطع مسارات لرحلات جوية تنقل أسلحة ومؤنا وذخائر، ومرتزقة للدعم السريع داخل الأراضي السودانية، وغيرها من الوثائق والأدلة التي عثر عليها الجيش السوداني داخل المنشآت التابعة لمليشيا الدعم السريع في المناطق التي كانت تسيطر عليها بعد طردها منها وتحريرها، وبعضها أسلحة متقدمة وإستراتيجية لا تمتلكها حتى الجيوش النظامية في القارة الأفريقية.

كل ذلك لم يجد الصدى المناسب والاهتمام اللازم لدى المجتمع الدولي، وقوبل بتجاهل وتفاعل فاتر من قبل القوى الإقليمية؛ بسبب تقاطع المصالح بين هذه القوى فيما بينها من جهة، وما بينها وبين القوى الدولية الفاعلة ذات المصالح الأكثر حيوية في المنطقة والتي تربطها علاقات إستراتيجية مع القوى الإقليمية المتورطة في دعم مليشيا الدعم السريع.

وقد أدى هذا التجاهل إلى إظهار الحرب السودانية وكأنها حرب منسية رغم فداحة ما خلفته من آثار كارثية، وما ارتكب فيها من جرائم وفظائع وانتهاكات جسيمة امتلأت بها الوسائط، وشاهدها الملايين حول العالم.

وقد ساعد هذا التجاهل للأزمة السودانية من قبل المجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه، في تحفيز القوى الإقليمية الداعمة للدعم السريع على التمادي في تقديم الدعم للمليشيا على مستويين؛ كمي ونوعي:

  • فعلى المستوى الكمي زادت القوى الداعمة للدعم السريع من كمية قطع السلاح والذخائر والعربات القتالية والمسيرات الانتحارية، ورفعت من عدد المقاتلين باستجلاب مرتزقة من كولومبيا وبعض دول جوار السودان، ونوعيا بتمليك الدعم السريع طائرات مسيرة إستراتيجية متطورة ذات مدى بعيد، ومنظومات مضادات جوية، وأجهزة تشويش، ومنظومات اتصال متطورة تم استخدامها بالفعل في عدة مواقع، واستهدفت بها مرافق ومنشآت خدمية وعسكرية.

ويمكن القول إن نتيجة هذا التجاهل الدولي للحرب السودانية، تمثلت في تمكن مليشيا الدعم السريع من اقتحام مدينة الفاشر بعد أكثر من عام ونصف العام من حصار خانق فرضته مليشيا الدعم السريع على المدينة، ومنعت خلاله دخول أي مساعدات ومؤن غذائية عبر سياسة تجويع متعمدة مارستها على الأهالي في المدينة، وقامت خلالها بقصف المدينة بصورة متكررة، ومحاولات اقتحامها التي بلغت 260 محاولة، استطاعت بعدها دخول المدينة، وارتكبت في حق سكانها مجازر شديدة الفظاعة، وثقتها كاميرات قادة وأفراد مليشيا الدعم السريع، روعت الضمير العالمي بسبب بشاعتها.

ورغم التعاطف الكبير مع أهالي الفاشر حول العالم، ورغم الإدانات التي وجهت للدعم السريع من قبل مؤسسات ومنظمات إنسانية وحقوقية أممية وغير أممية، فإن ذلك لم يتبعه أي عمل إيجابي على الأرض لوقفه ووضع حد له، ولم تحرك أي قوى دولية ساكنا، أو تخطو خطوات جادة للضغط على القوى الإقليمية التي تدعم المليشيا لوقف جرائمها وانتهاكاتها.

ولم تتعدّ الاستجابة مربع الأقوال والإدانات والمناشدات والتعبير عن القلق والأسى، وما شابه ذلك، مما أغرى الدعم السريع وداعميها الإقليميين بتوسيع دائرة انتهاكاتهم وتمددهم في مناطق أخرى في إقليم كردفان غربا وجنوبا، وارتكاب مزيد من المجازر فيها.

وما كان أمام الحكومة السودانية سوى الاستمرار في خططها الدفاعية وبرنامجها في تطهير المناطق التي تسيطر عليها المليشيا وطردها منها دون انتظار أي فعل من قبل المجتمع الدولي الذي اكتفى بالتنديد فقط.

وقد استطاع الجيش السوداني تحقيق تقدم على الأرض ظل آخذا في الازدياد، فحرر كل المدن الرئيسية في جنوب كردفان والقرى التي حولها والطرق المؤدية إليها.

وترافق ذلك مع تطورات الأحداث في كل من اليمن، والصومال، وإقليم أرض الصومال الانفصالي، وجيبوتي، وما خلفته من تقلص شديد لنفوذ القوى الإقليمية الداعمة لمليشيا الدعم السريع في منطقة القرن الأفريقي، وفي المنطقة الساحلية الواقعة ما بين باب المندب جنوبا وحتى قناة السويس شمالا، مضافا إليه خسارة هذه القوى الإقليمية الداعمة للمليشيا علاقاتها الحيوية مع كبريات القوى الفاعلة في هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية في العالم؛ بسبب تماديها في دعم ومساندة مليشيات وتشكيلات شبه عسكرية تحاول رسم واقع جديد من شأنه تهديد الأمن القومي لهذه القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وذلك بصورة مباشرة وبذات النهج الذي انتهجته في السودان.

قيادة المملكة العربية السعودية التي تشاطئ السودان عبر حدود بحرية طويلة، أدركت مبكرا خطورة ما تخطط له القوى الداعمة لمليشيا الدعم السريع، وأيقنت أن كرة النار المشتعلة في السودان إن لم يتم إخمادها ستتدحرج لتطال نيرانها المنطقة كلها، فألقت الرياض بكل ثقلها لمنع وقوع الكارثة عبر مساعٍ دبلوماسية وتحركات في كل الاتجاهات، بدأت نتائجها تظهر في ردود الأفعال الإقليمية والدولية المنددة بانتهاكات وممارسات الدعم السريع، وهجماتها على المدنيين، وقوافل المساعدات الإنسانية والإغاثية.

هذه التطورات ساعدت بشكل واضح وجلي في تقوية موقف السودان على الصعيدين؛ الدبلوماسي، والعسكري، وبالمقابل أضعفت موقف مليشيا الدعم السريع عسكريا وسياسيا، خاصة بعد هجومها الأخير على قافلة الدعم الإنساني في شمال كردفان، وقصفها قوافل النازحين، وتدميرها أحد المراكز الصحية في كادوقلي، ووقوع ضحايا من بينهم أطفال.

وقد قوبل هذا الهجوم بعاصفة تنديد واسع النطاق إقليميا ودوليا، وما ميز هذا التنديد الأخير أنه وجه الاتهام لمليشيا الدعم السريع وسماها بالاسم، وهو تطور لافت لا يمكن تجاوزه في أي تحليل للأحداث، فقد كان في السابق توجه الاتهامات مبنيةً على المجهول، أو إلى (طرفي النزاع) دون تسمية الدعم السريع صراحة.

هو تطور مهم يشي بأن المجتمع الدولي بدأ يتجه نحو إنهاء الحرب في السودان عبر مقاربة (Approach) تقوم على تفكيك الأزمة من منطلق إقليمي، وبناء على ما وقع من زلزال سياسي وأمني في الإقليم كان من خصائصه أنه حدث على نحو مفاجئ كحال الزلازل لا تأتي إلا بغتة، وكان (مركزه) اليمن، وهو ما أعطى وسيعطي حرب السودان دفعة قوية ودقيقة نحو حل مُرضٍ ليس فقط للسودان، وإنما أيضا للقوى الإقليمية الفاعلة المحبة للسلام في منطقة القرن الأفريقي، وساحل البحر الأحمر.

والحل المرضي لهذه القوى الإقليمية يقوم على وقف الدعم الإقليمي لمليشيا الدعم السريع؛ إما بحمل القوى الداعمة للمليشيا على وقف دعمها بضغط مباشر من حلفائها الدوليين، وإما بالقضاء على المليشيا ميدانيا بعمليات عسكرية وعبر قطع خطوط الإمداد عنها في كل المنافذ ودول العبور، وإما بنزع سلاحها بعد استسلامها، ومن ثم تسريح أفرادها، وتقديم قياداتها لمحاكمات عادلة.

والحل المرضي للسودان وللقوى الإقليمية بالمنطقة التي يتأثر أمنها القومي بالحرب في السودان يتضمن أيضا ألا يكون للدعم السريع دور في سودان ما بعد الحرب، ففضلا عن كونها قوات غير نظامية وتضم في صفوفها مرتزقة، فهي قد ارتكبت جرائم حرب وإبادة جماعية، ومارست انتهاكات مروعة بحق المدنيين، وخرقت قواعد القانون الدولي، وكل مواثيق الأمم المتحدة والأعراف الدولية والإنسانية، مما يجعلها غير مؤهلة أخلاقيا ولا مهنيا لإعادة دمجها في القوات النظامية الحكومية.

والحل المرضي للسودان وللقوى الإقليمية المتضررة من حرب السودان يتضمن أيضا ألا يكون للجناح السياسي للدعم السريع دور في الحياة السياسية في سودان ما بعد الحرب.

وهو جناح مؤلف من عدد من الكيانات السياسية ساهم بصورة أساسية بالاشتراك مع الدعم السريع في التخطيط للاستيلاء على السلطة باستخدام بندقية الدعم السريع، وظل هذا الجناح يدعم المليشيا سياسيا ودعائيا طيلة سنوات الحرب، ولا يزال يقدم الدعم لها، وقدم عدد من كوادره ليكونوا وزراء فيما عرف بحكومة (حميدتي) غير المعترف بها.

ومن اللافت لنظر أي مراقب أن حرب السودان التي كان يُنظر إليها إلى وقت قريب على أنها حرب داخلية تدور رحاها بين جنرالين يتنافسان على السلطة، اتضح الآن أنها ليست كذلك، وأنها في الأصل حرب ذات طابع إقليمي، وأن نطاقها يتجاوز حدود السودان، وأن التحذيرات التي كانت تطلقها قيادة الجيش السوداني بأنها ستكون لها تأثيراتها على الإقليم بأسره، كانت تحذيرات حقيقية وصحيحة وقراءة استباقية وواقعية لمآلاتها، وأن الحلول التي ظلت القيادة السودانية تدعو للأخذ بها أصبحت أمرا حتميا في الوقت الراهن أمام المجتمع الدولي لا مناص له من الأخذ بها، لكن بعد قتل عشرات الآلاف من المدنيين، ونزوح الملايين من مدنهم وقراهم، وعبور الملايين الحدود إلى دول الجوار القريبة والبعيدة، وتدمير مئات المستشفيات والمرافق الحيوية ومنشآت البنى التحتية ومؤسسات التعليم الأساسي والعالي، وتخريب طال كل مناحي الحياة، حتى المرافق السياحية والثقافية والآثار والمتاحف لم تنجُ من عدوان وعسف وعبث مليشيا الدعم السريع.