قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
إن توفيق الله لعباده، وتيسير أمورهم، ولطفه بهم، أمر معلوم مشهود، غير أن الناس يتفاوتون في إدراك ذلك والشعور به، بحسب ما يقدّره الله عز وجل بحكمته، وبحسب ما في قلوبهم من صدق التوكل، وحسن الالتجاء إليه، والرضا بتدبيره.
ولما سافرت إلى بريطانيا لإكمال دراستي، كان أكثر زملائي يذهبون بمفردهم أولًا، ويتركون زوجاتهم في السعودية حتى يرتبوا السكن، ويهيئوا شؤون الإقامة، ويتعرفوا على المدينة والجامعة.
أما أنا، فقد خالفتهم جميعًا، وسافرت بصحبة زوجتي، مفوضًا أمري إلى الله وحده، ومستندًا إليه في تدبير ما أجهله من تفاصيل الطريق.
وفي الطائرة المتجهة إلى مدينة مانشستر، لم يكن في ذهني أي ترتيب واضح للسكن، ولا معرفة دقيقة بكيفية الوصول إلى الجامعة، لكني كنت مستحضرًا سعة رحمة الله، وموقنًا بأن الله سيدبر أمري بما شاء من لطفه وتيسيره.
وبينما أنا في الطائرة، لفت نظري رجل يلبس قفطانًا وجُبّة، على هيئة تذكّر بلباس أهل العلم في بلاد الشام، فبادرت إلى السلام عليه والتعارف معه.
فلما سألته عن اسمه قال: “أنا محمد سعيد الباذنجكي، إمام وخطيب المركز الإسلامي في مانشستر”.
وكان ذلك المركز من أكبر المراكز الإسلامية في المدينة، وكان في الأصل كنيسة قديمة. فلما علم الرجل بحالي طمأنني، وقال: “لا تشغل بالك، سنرتب لك أمورك”.عندها حضر إلى قلبي قول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.
فلما وصلنا إلى المطار، استأجر لنا سيارة، وأوصى السائق أن يوصلنا إلى فندق قريب من المركز الإسلامي. وفي صباح اليوم التالي جاءني وقال: “أحضر حقائبك، فقد وجدت لك سكنًا قريبًا من المركز”. ففرحت بذلك فرحًا عظيمًا، وحمدت الله على ما يسّر وسهّل.
وهكذا رأيت، منذ أول الطريق، أثرَ التوكل على الله، وتسليم الأمر إليه؛ إذ يفتح الله للإنسان من أبواب التيسير ما لم يكن يخطر له على بال، ويريه من لطفه ما يرسخ في القلب معنى قوله سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق