وقفات مع آيات (20).. أمن يجيب المضطر إذا دعاه…
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾
الله وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا لجأ إليه، فيرفع عنه الشدة، ويكشف عنه البلاء. فهو سبحانه وحده الذي يزيل الضر، ويفرج الكرب، ويدفع ما نزل بالعبد من أذى ومحنة. ولا أحد من الخلق يملك ذلك استقلالًا؛ فالخلق جميعًا مفتقرون إليه، راجعون في شدائدهم إليه.
أما لفظ الفرج بصيغته الصريحة، فلم يرد في القرآن الكريم، لكن القرآن عبّر عن معناه بألفاظ متقاربة الدلالة، مثل: كشف السوء، والنجاة، والتيسير، والنصر، والفتح، وإزالة الضر. وهذه التعابير كلها تدور حول معنى الخلاص بعد الشدة، والإنجاء بعد الكرب.
والمؤمن يعلم أن الله خالقه، وهو أعلم بشؤونه، وأدرى بما يصلح له؛ فقد يبتليه لحكمة، فيكون البلاء تطهيرًا من الذنوب، أو رفعًا للدرجات، أو زيادةً في الحسنات. ومع ذلك، فإن هذا لا يتعارض مع طلب الفرج، ولا مع سؤال الله كشف الكربات؛ فالعبد مأمور أن يدعو ربه، ويلحّ في سؤاله، ويحسن الظن به، موقنًا بأن الأمور كلها بيده، وتحت تقديره وحكمته.
وفي الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”؛ ولذلك لا يظن المؤمن بربه إلا خيرًا.
وقد عرض القرآن نماذج كثيرة للنجاة بعد الشدة، والفرج بعد الكرب.
فمن ذلك نجاة بني إسرائيل من بطش فرعون، قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
ومن ذلك يونس عليه السلام حين نادى ربه في الظلمات: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فجاءه الفرج سريعًا، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾.
فهذه سنة إلهية ماضية في حياة الأنبياء والمؤمنين: شدة يعقبها فرج، وضيق يعقبه تيسير.
غير أن هذا الفرج قد يتأخر لحكمة يعلمها الله. ولذلك لما اشتد البلاء بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وليس معنى القرب هنا بالضرورة أنه يقع بعد ساعات أو أيام، وإن كان ذلك قد يقع أحيانًا، وإنما المراد أن وعد الله غير بعيد، لكن توقيته مردّه إلى حكمته سبحانه. وقد أخفي الله زمن الفرج عن عباده ليزدادوا تضرعًا، ويصدقوا في الدعاء، ويظهر ثباتهم عند المحنة. وقد نُقل عن بعض السلف أن انتظار الفرج عبادة.
وليس هذا المعنى مجرد تقرير يقال، بل قد يعيشه بعض الناس تجربةً كاملةً في زمن الشدة والبلاء
وقد سألت أحدهم بعد خروجه من السجن، وقد قضى فيه سنين طويلة:
كيف كان انتظارك للفرج؟
فقال: “سأحدثك عن أمر عجيب عشته زمنًا طويلًا: هل تصدق أنه كلما فُتح باب السجن ظننت أن تلك هي ساعة الفرج؟ وكلما سمعت وقع أقدام في آخر الليل قلت: لعل الجندي المكلّف بالمكان سينادي عليّ”.
وقال: “في أحد الأيام نودي على اسمي، فطرت فرحًا، وجاء الجندي وقال: تعال معي. ذهبت وأنا موقن أنه سيدفع بي إلى خارج السجن، فإذا به يدخلني عيادة الطبيب لأخذ حقنة ضد كورونا! فعُدت مهمومًا متحسرًا”.
ثم أضاف مبتسمًا: “كنت أفسر كثيرًا من المنامات على أنها بشائر بالفرج”.
قلت له: “لعل هذا من الفأل وحسن الظن بالله”.
قال: “ربما، لكن بعض ذلك كان فيه شيء من التعسف”.
ثم قال: “أتعرف؟ عندما كنت أتدبر آيات القرآن المتعلقة بهذا المعنى، كنت أشعر أنني المخاطب بها شخصيًا. أما الكتب التي تدور حول هذا الباب، فقد قرأت كثيرًا منها، وبخاصة كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي؛ إذ قرأته مرات عدة، وكأن مؤلفه كان يقصدني به”.
ثم تابع: “كانت تصلني أخبار عن بعض من أُفرج عنهم، فأقول في نفسي: لعل الدور القادم سيكون من نصيبي. وأحيانًا كنت أحلم أنني بين أهلي وأصحابي، أخرج إلى البرية، وألاعب أطفالي، حتى إذا استيقظت لم أدرك فورًا أن ما رأيته كان حلمًا”.
قلت له: “إذن كنت تتعامل مع الأمر بإيجابية”.
فقال: “أصدقك القول: إن هذه المشاعر والأفكار خففت عني كثيرًا من التوتر، وأبقت جذوة الأمل مشتعلة في نفسي، وساعدتني على الصبر والثبات طوال مدة بقائي في السجن”.
وهكذا يتبين أن المضطر إذا صدق في الافتقار إلى الله أبقى الله في قلبه نور الرجاء، ولو اشتد البلاء.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق