العسر واليسر كلاهما من ثلاثة أحرف: (ع س ر) و(ي س ر)، والاختلاف في الحرف الأول فحسب.
فالعسر يلازمه اليسر فيخفف منه، والشدة مهما كانت لا تخلو من يسر يلطّفها ويخففها.
وبهذا تهون المصيبة وتخفّ البلية، فيعيش الإنسان في شيء من التوازن، فتغدو الحياة سائغة ومقبولة، رحمةً من الخالق ولطفًا منه.
لم يقل سبحانه: بعد العسر، بل قال: مع العسر؛ أي إن اليسر موجود بجانبه، حتى لو لم نره فورًا. ويقول المفسرون: لن يغلب عسرٌ يُسرين؛ لأن العسر جاء معرفًا، بينما جاء اليسر منكّرًا.
مررتُ بأوقات عصيبة، لكن هذه الآية ما انفكت تلازمني حقيقةً، لا مجرد قراءة أو معنى.
ففي كل ضيق تجد سعة، وفي كل شدة تجد شيئًا من التيسير؛ فلا عسر دائم، ولا شدة مستمرة، بل تلازم دائم بين كل عسر ويسر.
جاء أحدهم إلى السعودية للدراسة، للحصول على الماجستير والدكتوراه، مبتعثًا من بلده.
عايشته وتعرفت على ما مرّ به من محن وابتلاءات لا أكاد أحصيها.
تعثّر في الدراسة، وتأخر عن الموعد المحدد، وتعرّض لتهديد بقطع البعثة ومكافأتها اليسيرة جدًا، التي بالكاد تكفي الشاب، فكيف بمن كان معه زوجة وأطفال؟
عانى من الجامعة وبيروقراطية القرارات، رغم جده واجتهاده.
وكان وحيد أمه، التي جاءت للإقامة معه رغم صغر مسكنه. ثم كانت الطامة أن أصيبت بمرض شديد نقلها إلى مستشفى أهلي، بحكم أنه غير سعودي. وكان يتناوب المبيت عندها مع زوجته، بالكاد يغفو قرب سريرها، والمشرف يطالبه بإنجاز البحث، والأطفال يحتاجون إلى رعاية، فأكبرهم لا يتجاوز السابعة.
اشتد المرض على الأم، ثم جاءت الطامة الأخرى؛ إذ طلب المستشفى مستحقات العلاج، وكانت فاتورة هائلة يستحيل عليه تغطيتها.
سألته مرة: ماذا تفعل أمام هذه المصائب المتلاحقة؟
فقال: “أقوم الليل، وأناجي ربي، وأدعوه بحرارة.” كان يستحضر ضعفه بين يدي خالقه، وحاجته إلى معونته ونصرته في هذا البلاء الشديد.
لكن الله رحيم؛ فكل عقدة كانت تنفك بعد حين. كتب إلى وزير الصحة يشرح وضعه، ويطلب النظر في مطالبة المستشفى بالمستحقات، فسخّر الله له الوزير الذي أمر بأن تتحمل الوزارة كامل التكاليف، وهو أمر لم يكن مألوفًا.
تيسرت أمور البعثة، ومددت الجامعة التي ابتعثته مدة دراسته، وبمعاونة بعض زملائه استطاع أن يجد عملًا في وقت الفراغ يساعده في تغطية تكاليف المعيشة.
ثم توفيت الأم، وأصرت أخواته في بلده على أن تُدفن هناك.
قال لي: “من أين لي أن أدفع تكاليف نقل الجثمان بالطائرة؟” سارع إلى الدعاء والابتهال، فوافقت السفارة على تحمل التكلفة، رغم أن ذلك ليس من المعتاد.
زرته بعد مدة في بلده، فإذا هو في خير حال أسريًا واجتماعيًا وتعليميًا. وكان من أبرّ الناس بوالديه. وكان ما رأيته من قصته من أعجب ما مرّ بي، ولولا خشية الإطالة لسردت تفاصيل أكثر مما رأيت من احواله وما تعرض له ثم ما فتح الله عليه بعد تلك الشدائد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق