وقفات مع آيات (24).. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
أمر الله بني إسرائيل أن يخاطبوا الناس جميعًا بالكلام الطيب اللين، وأن يجتنبوا الفحش، والغلظة، وسوء الخطاب.
وقد فسّر السلف هذا المعنى تفسيرًا واسعًا يدخل فيه كل قول حسن؛ من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر برفق، وبذل السلام، وحسن الخلق في المعاملة.
فالآية جامعة لكل لفظ جميل يلين القلوب، ويهذب الطباع، ويقيم العلاقة بين الناس على البر، والرحمة، والاحترام.
ولا ريب أن القول هو مدخل العلاقة مع الخلق، وأول باب من أبواب التأثير فيهم، وهو كذلك من أعظم مفاتيح الدعوة إلى الله؛ فإن الناس يتأثرون بالكلمة الطيبة تأثرًا بالغًا، وقد تفتح القلوب بعبارة رفيقة، أو لطف ظاهر، أو إحسان يسير، أكثر مما تفتح بكثير من الكلام الطويل.
وليس القول الحسن مقصورًا على الألفاظ المجردة، بل يدخل فيه الأسلوب، والرفق، وحسن العرض، ولين الجانب.
وقد رأيت شيئًا من هذا بنفسي في بعض أسفاري. ففي مدينة كيوتو، العاصمة التاريخية لليابان، سألت عن أهم معالمها، فقيل لي:
قصر الإمبراطور التاريخي والحدائق المحيطة به. فركبت الحافلة متجهًا إلى تلك الجهة، ثم ترددت في موضع النزول.
وكانت المشكلة الكبرى في اليابان آنذاك هي اللغة؛ إذ لا يكاد كثير من الناس يعرفون الإنجليزية إلا في نطاق محدود، ولا سيما خارج الفنادق والأماكن السياحية الكبرى.
وكانت في الحافلة فتيات شابات بملابس المدرسة، وكنت أعلم أن الإنجليزية تدرّس في المدارس، فسألت إحداهن عن الموقع الذي أريد.
فأرشدتني إلى المكان الذي ينبغي أن أنزل فيه، بإنجليزية مكسّرة، لكنها كانت كافية، وأدت الغرض بلطف ظاهر وأدب حسن.
وكان في جيبي قلم يحوي مطوية تعريفية بالإسلام. كانت المطوية جميلة مختصرة، وقد صُمم القلم بطريقة تخفيها في داخله، بحيث تُسحب من جانبه. فأهديت تلك الفتاة القلم، وبيّنت لها كيف تخرج المطوية منه. فبدت عليها الدهشة، وتعجبت من فكرته تعجبًا ظاهرًا، مع أن اليابان من أكثر بلاد العالم تقدمًا في التقنية.
وقد مررت بعد ذلك بمواقف كثيرة في السفر، وكنت أتمنى لو كان معي عدد أكبر من تلك الأقلام؛ لما رأيت من أثرها في لفت الانتباه، وفتح باب التعريف بالإسلام بطريقة لطيفة، هادئة، ومحببة. فليست الدعوة دائمًا خطابًا طويلًا، ولا جدالًا مباشرًا، بل قد تكون أحيانًا ابتسامة، أو هدية صغيرة، أو كلمة حسنة، أو وسيلة ذكية تترك في النفس أثرًا لا يُنسى.
غير أن أوضح ما يتجلى فيه معنى الآية هو ما يكون في المواقف التي تمتحن فيها النفوس، ويظهر فيها أثر الكلمة الحسنة في أشد المواطن قسوة.
وفي هذا السياق أتذكر موقفًا لأحد الفضلاء، حين ذهب إلى أحد التجار يطلب منه دعمًا ماليًا لجمعية تعنى بالأيتام. وكان ذلك التاجر مستاءً من بعض العاملين في الجمعيات الخيرية، ويحمل في نفسه نفرة شديدة منهم.
فلما عرض عليه الرجل حاجته، لم يكتف التاجر بالرد الجاف، بل سبه، ثم تجاوز ذلك فبصق في وجهه.
كان الموقف صادمًا ومهينًا، لكن الأعجب منه ما صدر من ذلك الرجل؛ إذ مسح البصاق عن وجهه في هدوء، وقال له: لا بأس، هذا لي، فماذا لليتامى؟
هزّت هذه الكلمة التاجر من داخله، وأيقظت فيه ما كاد يخبو من المروءة والضمير، فتنبه إلى قبح فعله، وتعجب من سمو هذه النفس، ثم أخرج دفتر الشيكات، وكتب مبلغًا كبيرًا للجمعية.
إن الكلمة ليست صوتًا عابرًا، بل مفتاح للقلوب، ووسيلة من وسائل الهداية والإصلاح. ومن وفقه الله إلى الكلمة الطيبة في موضعها، فقد أوتي حظًا عظيمًا من الحكمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق