وقفات مع آيات (15).. الدعوة إلى الله في القرآن
د. مالك الأحمد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾.
الدعوة إلى الله في القرآن ليست مجرد نشاط وعظي، ولا خطابًا عابرًا، بل هي رسالة تستهدف الهداية لا الغلبة، والإقناع لا الإكراه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾. فهي دعوة إلى الله وحده، بعيدًا عن الأهواء الشخصية، ومعيارها الحق، ومنهجها الحكمة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. ومن الحكمة مراعاة حال المخاطب، واختيار الوقت والأسلوب المناسبين، وأن تكون الدعوة في لين ورحمة، ورغبة صادقة في الهداية، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾؛ لأن القلوب تُفتح بالرفق، ولا تستجيب للحق إذا قُدِّم في قالب منفّر. وطريق الدعوة لا يخلو من ابتلاء، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾، من إعراض، وسخرية، ورفض؛ فلا بد للداعية من الصبر.
إن الدوافع الداخلية هي المحرّك الأساس للإنسان نحو البذل، والعطاء، والتضحية.
وأتذكر مستكشفًا غربيًا صعد إلى إحدى أعلى القمم في البيرو، واتجه مع فريقه لاستكشاف واحدة من أغرب البحيرات في العالم، وهي بحيرة مقدسة لدى شعب الإنكا، وتضم بعض آثارهم الشعائرية.
انطلق الفريق بحماس، لكن الظروف البيئية كانت قاسية؛ فالضغط المنخفض على سطح الماء، والاختلاف الكبير في الضغط تحت الماء، شكّلا تحديًا شديدًا لعملية الغوص، وهي عملية غير معهودة في بيئة بهذا الارتفاع الشاهق الذي يقترب من ستة آلاف متر.
وقد تعرّض اثنان من الغواصين المحترفين لمشكلة خطيرة تحت الماء، إذ انفجرت أسطوانة الهواء، فتوفي أحدهما، ونجا الآخر بصعوبة، لكنه أصيب بضرر شديد نتيجة تغيّر الضغط المفاجئ، أثّر في عموده الفقري، فأصبح مقعدًا.
ومع ذلك، لم يستسلم هذا الرجل، بل قضى ثلاث سنوات في تأهيل شاق حتى استطاع المشي من جديد، وكان هدفه الذي لا يفارقه هو العودة إلى تلك البحيرة، والمشاركة مرة أخرى مع الفريق العلمي.
وقد رأيته بعيني، والابتسامة تملأ وجهه، فرحًا بالعودة، ومصممًا على تعويض ما فاته، رغم غياب أي عائد مادي؛ إذ تكفلت الجهة المنظمة فقط بتغطية تكاليف الرحلة والمعدات.
فتأملت حاله وقلت: سبحان الله الذي أودع في الإنسان هذه الطاقة العجيبة!
فإذا كان هذا الجهد يُبذل لمجرد شغف علمي، فكيف لو كان الهدف دعوة الناس إلى الله، وهدايتهم إلى الحق؟
وتذكرت بقعة نائية في إندونيسيا، الوصول إليها شاق جدًا؛ إذ تحتاج الرحلة إليها طيرانًا من العاصمة جاكرتا، ثم قاربًا لساعات، ثم مركبة ليوم كامل، ثم مسيرًا على الأقدام لساعات طويلة، حتى يصل الإنسان إلى قبيلة وثنية معزولة عن العالم. وقد حدثني قبل سنوات أحد الإخوة الفضلاء، وهو إندونيسي، أنه وصل إليهم ودعاهم إلى الإسلام، فوجد استجابة طيبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق