وقفات مع آيات (12).. ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾
يقرّر القرآن مبدأً عظيمًا، وهو أن الإحسان لا يضيع، بل يعود إلى صاحبه، وقد يكون مضاعفًا. وتتكرر هذه الحقيقة في آيات متعددة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وهذا يعني أن كل فعل خير -مهما بدا صغيرًا أو خفيًّا- لا يخرج من دائرة الجزاء.
ولا يقتصر الجزاء على الآخرة، بل يمتد إلى الدنيا؛ في صورة سكينة في القلب، وبركة في الرزق، وتيسير في الأمور، وتحصيل مصالح. فالمحسن – وإن لم يقصد ذلك – يعيش أثر إحسانه قبل أن يلقى جزاءه الكامل عند الله.
ويُقال: «ازرع الإحسان حيث شئت، فأنت لا تدري في أي أرضٍ سيعود إليك ثمره.»
وقد جاء في السنة ما يدل على عظيم جزاء الإحسان، حتى في أبسط صوره؛ فقد دخل رجل الجنة في كلبٍ سقاه، كاد يهلك من العطش.
كنتُ مسافرًا إلى ألمانيا لحضور مؤتمر، فقلت: فرصة أن أعرّج على لندن في طريق العودة لزيارة بعض الأصدقاء.
وعند بوابة الصعود إلى الطائرة، طُلب من الجميع إبراز بطاقة الصعود وجواز السفر، فلما وصلني الدور قلّب الموظف الجواز، ثم قال: «أين تأشيرة بريطانيا؟»
قلت – بكل ثقة -: «تأشيرة الشنغن، ولا أحتاج إلى تأشيرة أخرى.»
ابتسم الرجل، وكاد يضحك، وقال: «ألا تعلم أن بريطانيا لم تنضم إلى التأشيرة الأوروبية الموحدة؟»
فُوجئت بالأمر، وطلب مني التوجّه إلى القنصلية البريطانية في بون للحصول على التأشيرة.
عدتُ محبطًا، وبحثت عن أول رحلة إلى بون. وصلت إلى القنصلية مبكرًا، ووقفت في الطابور، وكان أمامي امرأة بريطانية مسنّة بالكاد تقف، ومعها خادمتها الهندية.
فقلت لها: «أنتِ كبيرة في السن، ويصعب عليك الوقوف، اجلسي، وإذا وصل دوري ناديتك لتقديم أوراقك.»
فجلست، ومعها خادمتها، ولما وصلني الدور ناديتها، فأقبلت مسرورة، وشكرتني كثيرًا، ورفعت يديها تدعو، ولا أدري بماذا دعت.
ثم تقدّمتُ إلى الشباك، فاستغرب الموظف طلبي، وقال: «النظام يقتضي أن تُستخرج التأشيرة من بلد الإقامة، وأنت لست مقيمًا في ألمانيا.» شرحت له ظروفي، فقال: «يمكنك التقديم، لكن لا أظن أنك ستحصل عليها.»
أخذ صورة من التذاكر والجواز، وطلب مني العودة بعد الظهر.
عدتُ إلى الفندق مهمومًا؛ إذ كنت أتوقع أن أضطر إلى تغيير رحلتي، وخسارة خطتي لزيارة لندن.
فلما عدتُ إليه في الموعد، وسلّمته ورقة المراجعة، دخل قليلًا ثم خرج ومعه الجواز، وبدأ يقلب صفحاته، ثم قال مبتسمًا: «أنا مستغرب جدًا! هذه أول مرة يُمنح فيها غير مقيم في ألمانيا تأشيرة!»
تسلّمت الجواز، وأنا أوقن أن الأمر توفيق من الله وتيسير منه، ولعلّ ذلك الإحسان اليسير لتلك المرأة كان سببًا من أسبابه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق