وقفات مع آيات (14).. الشياطين تؤزُّ الكافرين أزًّا
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾
أي تحرّضهم وتغريهم وتدفعهم دفعًا شديدًا إلى فعل الشر.
فالآية تصوّر حال من استسلم لوسوسة الشيطان حتى صار الشيطان يهيّجه على الشر ويحثّه عليه بلا توقف.
فالشياطين تُسلَّط على الكافرين فتدفعهم إلى الكفر والضلال والمعاصي، وتؤزّهم أزًّا؛ أي تزعجهم وتستفزهم وتحرّكهم إلى الباطل تحريكًا شديدًا.
وقد تذكّرت هذه الآية في موقف عشته في بريطانيا. فقد ذهبت مع أسرتي وبعض الأسر العربية في نهاية أسبوع إلى منتزه ضخم مترامي الأطراف، تدخل إليه بالسيارة ثم تختار الموقع المناسب لك بين مساحات واسعة من الطبيعة.
وبعد مدة من وصولنا حان وقت صلاة العصر، ولم يكن بقربنا في مرمى النظر أحد، فتطوّعت للأذان، خصوصًا أننا في مكان يشبه البرية، وحرصت على رفع صوتي؛ إذ كانت فرصة لنا أن نصدع بالأذان في بريطانيا، حيث لم يكن يُسمح للمساجد غالبًا برفع الأذان خارجها.
وفي أثناء الأذان إذا بسيارة تُقبل من بعيد، حتى حاذاني سائقها، ثم انهال عليّ بسيل من الشتائم والسباب بألفاظ فظة لا تُحصى، ثم انطلق مبتعدًا وهو يهدد ويتوعد، رافعًا يديه خارج نافذة السيارة.
تعوّذت بالله من الشيطان وأكملت الأذان، لكني استغربت من هذا الموقف؛ فقد ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: “إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضُراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضي النداء أقبل، فإذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قُضيت أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه…”.
أما هذا الرجل فقد بدا وكأنه من شياطين الإنس؛ إذ كيف سمع الأذان ثم اندفع نحونا مسرعًا مثيرًا الغبار، ومفزعًا الأطفال؟
تلك اللحظة رسمت صورة حيّة لمعنى الآية أن الشياطين تؤزّ أهل الباطل أزًّا، فتدفعهم دفعا إلى الغضب والعدوان كلما سمعوا صوت الحق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق