﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾
تستغرب في العصر الحاضر انتشار ثقافات وديانات لا تعرف الخالق ولا تعبده، بل تقدّس بعض المخلوقات. يضيع العقل، ويتبع الناس ديانة أسلافهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، ولا يكلّفون أنفسهم عناء البحث والتقليب والدراسة في أهمّ شيء يمس حياة الإنسان، وهو الدين وما بعد الموت.
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ لديهم عقول وقدرة على الفهم، لكنهم لا يستخدمونها في إدراك الحق أو التفكر في آيات الله.
شابّ سعودي يدرس في باريس ويحضّر للدكتوراه، وكان المشرف عليه أستاذًا هنديًا من أميز الأساتذة في القسم، جادًّا وبحرًا في تخصصه. وكان من عادة أعضاء القسم الذهاب في الإجازات إلى أحد المنتزهات، حيث تسقط الكلفة بين الطلاب وأساتذتهم، ويتبادلون الأحاديث ويتناولون الطعام سويًا.
وكان هذا الأستاذ هنديَّ الأصل فرنسيَّ الجنسية ينعزل لبعض الوقت عن المجموعة، ولاحظ الشاب السعودي أن معه صندوقًا صغيرًا من الخشب الفاخر مغطى بالمخمل الراقي. تملّك الشاب الفضول، ولم يستطع أن يكتم استغرابه من سلوك أستاذه، بخلاف بقية الطلاب الذين لم يأبهوا لحاله.
ذهب إليه في إحدى المرات في عزلته، فما كان من الأستاذ إلا أن حاول إخفاء الصندوق.
وبحكم قوة العلاقة الناتجة عن العلاقة العلمية الطويلة قال له:
“أستاذي الفاضل، أرجو ألّا تغضب من سلوكي أو من تدخلي؛ فأنا أكنّ لك كل تقدير واحترام، لكني لاحظت انعزالك عنا فترة من الوقت، فدخلني الشك وقلت: لعل لديك مشكلة نفسية أو عائلية، فأحببت أن أشاركك مشاعرك وهمومك”.
نظر الأستاذ إلى الطالب نظرة استغراب وقال: “هل يهمك الأمر كثيرًا؟”
قال الطالب: “نعم بالطبع، فالجميع يستغرب من سلوكك، لكني الوحيد الذي تشجّع للمجيء إليك والسؤال”.
قال الأستاذ: “إن كنت مصرًا فسأخبرك، لكن بشرط أن تكتم الأمر”.
وافق الطالب السعودي على ذلك، فأخرج الأستاذ الهندي الصندوق وفتحه أمامه وقال:
“هل ترى ما فيه؟” قال الطالب: “أرى شيئًا أسودَ متيبسًا، ولا أدري ما هو”.
قال الأستاذ: “تعلم أني هندوسي الديانة، ونحن نقدّس البقر ونعظّمها، فهذا روثها جلبته معي من الهند في زيارتي الأخيرة لأتبرك به.”
بالكاد استطاع الطالب السعودي أن يكتم ضحكة، ولم يحاول مناقشته؛ فهذه العقيدة راسخة لدى هؤلاء القوم، والبقرة عندهم أكثر تقديرًا من الإنسان.
بل إن غاندي، فيلسوف الهند والثائر كما يصفونه، كان يقول: “البقرة أحبّ إليّ من أمي، وأسمى من الأم التي ولدتنا؛ فالأم ترضع الطفل سنوات محدودة ثم تطلب منه الخدمة، أما البقرة فتعطي اللبن للناس طوال حياتها ولا تطلب شيئًا”.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق