الأحد، 29 مارس 2026

وقفات مع آيات (13).. رابطة الإيمان

 وقفات مع آيات (13).. رابطة الإيمان

د. مالك الأحمد

قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾

لقد نقل الإسلام الناس من حال العداوة والفرقة إلى حال الأخوة والاجتماع، فجعل رابطة الإيمان رابطةً حقيقيةً متينة، ليست مجرد اتفاق مصالح أو علاقة عابرة، بل علاقة تقوم على المحبة في الله، والتناصر، والتكافل، والتراحم بين المؤمنين.

هذه الأخوة الإيمانية نعمة عظيمة من نعم الله، يظهر أثرها في تماسك المجتمع المسلم وترابطه، وفي قوة الروابط الأسرية والاجتماعية فيه. وفي المقابل قد يلاحظ الإنسان في كثير من المجتمعات الأخرى سيطرة النزعة المادية وضعف الروابط الاجتماعية، مما يؤدي إلى تفكك العلاقات الأسرية وضمور روح الجماعة.

وأذكر في هذا السياق موقفًا مررت به أثناء إحدى العطل في بريطانيا؛ فقد قررنا الاجتماع مع بعض الأسر العربية لقضاء يومين معًا في مكان هادئ خارج المدينة. وبعد البحث وجدنا مقرًا مناسبًا، عبارة عن مدرسة صغيرة تابعة لإحدى الكنائس، تحتوي على صالات علوية وسفلية ومرافق مناسبة، فاتفقنا مع القسيس المشرف على الكنيسة على استئجار المكان.

كان نصيب النساء الدور العلوي بمرافقه، بينما استقر الرجال في الدور السفلي، وكان كلٌّ منا يتكفل بطعامه وشرابه، وقد توليتُ إعداد طعام الغداء للرجال.

وأمام الكنيسة كانت توجد بعض القبور القديمة، يحيط بكل قبر إطار من الحصى الصغيرة المصقولة والملونة. ولم يكن الأطفال -ومعظمهم دون السادسة- يدركون الغرض من تلك الحجارة، فاندفعوا يلعبون بها ويقذفونها هنا وهناك. فانتبه القسيس لذلك وجاء يشتكي، فسارعنا إلى جمع الحصى وإعادتها إلى أماكنها، ونهرنا الأطفال عن العبث بها.

وعند وقت المغادرة اجتمعت مع القسيس لدفع الإيجار وتكلفة الكهرباء، وتحدثت معه قليلًا. فأبدى إعجابه بنا وقال: “أنا مسرور بوجودكم هنا، وأعجب كثيرًا من هذه العلاقات الجميلة بينكم وبين أسرِكم. إن هذا أمر نفتقده كثيرًا في مجتمعنا، وحتى بين مرتادي الكنيسة؛ فكثير ممن يحضرون المناسبات الدينية لا يلبثون أن يغادروا سريعًا، ونادرًا ما تجتمع الأسر في مناسبات اجتماعية كما تفعلون أنتم.”

فسألته عن أسرته، فأجاب بنبرة يغلب عليها الحزن: “أعيش مع زوجتي العجوز في هذا البيت الصغير قرب الكنيسة. لدي ابن وابنة، لكنهما تركانا منذ سنوات طويلة. بالكاد تصلني بطاقة تهنئة في رأس السنة، ونادرًا ما أتلقى اتصالًا هاتفيًا من أحدهما.”

فحدثته عن طبيعة العلاقة في الإسلام بين الآباء والأبناء، وعن قيمة برّ الوالدين وصلة الرحم، وما نشأنا عليه من احترام الوالدين ورعايتهما. فتنهد وقال بحسرة:”ليت حالنا مثل حالكم.”

وكان الانكسار ظاهرًا في صوته وملامح وجهه.

إن ما نراه في الإسلام أمرًا طبيعيًا – من تماسك الأسرة وتلاحم المجتمع – هو في الحقيقة نعمة عظيمة يفقدها كثير من الناس في مجتمعات أخرى، حتى أصبحوا يتمنونها حين يرونها في غيرهم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق