وقفات مع آيات (22).. رَبْطُ القلب في القرآن
د. مالك الأحمد
رَبْطُ القلب في القرآن تعبيرٌ يدل على التثبيت الإلهي للنفس عند الخوف، والاضطراب، وشدة الابتلاء. وقد جاء هذا المعنى جليًّا في قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾، أي قوَّينا قلوبهم وثبَّتناهم على الحق حين قاموا في وجه الباطل. وجاء كذلك في قوله تعالى عن أم موسى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾، أي لولا ما ألقى الله في قلبها من سكينة وثبات لكادت تُبدي أمر ولدها من شدة الوجد والخوف.
وفي بدر قال سبحانه: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾، فجمع بين ثبات القلب وثبات الجوارح؛ لأن ثبات الظاهر ثمرة من ثمرات طمأنينة الباطن. ولهذا لخَّص المفسرون هذا المعنى بعبارات متقاربة تدور حول: الصبر، والتقوية، والتثبيت، والطمأنينة.
وإذا نظرنا إلى أصل الربط في اللغة وجدناه يدل على شدِّ الشيء وتقويته وإحكامه حتى لا ينفلت. فإذا انتقلنا من هذا المعنى الحسي إلى ربط القلب بان لنا أن المقصود ليس مجرد تهدئة عابرة، بل تقوية ربانية خاصة، ومعونة من الله، تجعل الإنسان أقدر على احتمال الموقف، وأثبت على الحق، وأبعد عن الانهيار عند الفزع.
والإنسان في حياته قد يواجه موقفًا يفوق طاقته في الظاهر، ثم يجد في قلبه سكونًا غير معهود، وثباتًا لم يكن يتوقعه، وكأن قوة خفية أمسكت قلبه ومنعته من الانفلات والانهيار.
ومن المواقف التي لا أنساها أن أحدهم كان مسافرًا مع زوجته وبعض أبنائه، وكانت أمامهم سيارة يقودها ابنه الأكبر، ولم يكن قد جاوز الثامنة عشرة، ومعه أخوه الأصغر منه قليلًا. ثم وقع حادث لسيارة الابنين أمام نظر الأب، الذي كان يقود السيارة الثانية خلفهما، فتوقف مسرعًا ليتفقد ابنيه، فإذا الموت قد اختطفهما. وقد كنت حاضرًا عند الدفن، وكان ذلك ليلًا، فلم أكن أتبين وجه الأب، ولم أحرص على ذلك، وإنما أمسكت بيده بقوة ونحن نسير داخل المقبرة لندفن الابنين. وما كدت أتماسك من هول المشهد، مع أن المصيبة لم تنزل بي، فكيف بقلب الأب المفجوع؟ ومع ذلك كان متجلدًا على نحو يثير العجب، وكنت أقول في نفسي: اللهم اربط على قلبه.
فهذه فاجعة تكاد تزلزل القلب؛ إذ يكبر الابن، وتتعلق به الآمال، ويُرتجى نفعه، ثم إذا به يرحل في أشد اللحظات التي تكون فيها حاجة أبيه إليه عظيمة. فكيف إذا كان معه شقيقه أيضًا؟ لقد كانت مأساة موجعة، ولكن الله يتدارك عباده بالتثبيت، ويمنح القلوب من الربط والتصبـير ما لا تبلغه طاقة البشر وحدها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق