«أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ۚ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ»
هذا المثل القرآني البليغ يرسم صورةً مهيبةً للظلام المتراكم، ويجسّد ما يخلّفه من حيرةٍ وضياع.
إنه تصويرٌ دقيق لحال القلب حين يبتعد عن هدى الله، فيغشاه ظلامٌ يتراكب بعضه فوق بعض.
فالكافر في أعماله يشبه من يقف في لجّة بحرٍ عميق، في ليلةٍ انطفأ فيها نور القمر، وتلبّد الأفق بالسحاب، وتعالت فوقه الأمواج. ظلماتٌ متتابعة، حتى إنه لو أخرج يده لم يكد يراها. نور الإيمان غائب، ومع غيابه يعيش الإنسان في تخبّطٍ واضطراب، يتلمّس طريقه يمينًا ويسارًا، يخشى أن يسقط أو يتعثّر أو يضلّ السبيل.
وقد عشتُ تجربةً قرّبت إليّ معنى هذا المثل.
دخلنا كهفًا في البرازيل؛ كان في مدخله شيءٌ من نور الشمس، لكنه ما لبث أن أخذ يخفّ شيئًا فشيئًا كلما توغّلنا في الداخل، حتى عمّ الظلام. اضطر مرافقنا إلى استخدام كشاف الهاتف لنهتدي به في السير.
وبعد مدةٍ نفدت بطارية الهاتف، فوجدنا أنفسنا في ظلامٍ دامس لم أختبر مثله من قبل. أخرجت يدي أمام عيني فلم أرها، ورفعتها فوق رأسي فلم أتبين لها أثرًا. كان شعورًا مهيبًا؛ رهبةٌ حقيقية تتسلل إلى القلب.
صحت بمرافقنا: أخرجنا من هنا، أعوذ بالله من هذه الظلمة!
وما إن لاح أول خيطٍ من النور قرب مدخل الكهف، حتى تنفّست الصعداء، وسكن الخوف، وعادت الطمأنينة إلى النفس.
أدركت حينها قيمة النور، وكيف يبدّد الوحشة، ويبعث الأمان.
فكيف بحال من يعيش عمره كلّه في ظلامٍ لا ينقشع؟
ليس أيّ ظلام، بل ظلام يحجب عنه أنوار الإيمان، فيبقى في ضلالٍ يتخبّط.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق