الثلاثاء، 12 مايو 2026

وقفات مع آيات (25).. الدنيا ليست ميزان الكرامة عند الله

 وقفات مع آيات (25).. الدنيا ليست ميزان الكرامة عند الله


 د. مالك الأحمد 

كانا يجلسان في مقهى صغير بضواحي لندن. كان أحمد يدرس الهندسة، وكان سلمان يعمل في إحدى شركات التقنية. 

وضع سلمان فنجانه على الطاولة، وقال بنبرة غلبت عليها المرارة: صراحة يا أحمد، كلما نظرت حولي ازددت تساؤلًا. هؤلاء لا يصلّون ولا يصومون، ومع ذلك بنوا حضارة، ونحن نستورد منهم كل شيء. أين نحن من هذا كله؟

ابتسم أحمد ابتسامة هادئة، وقال: وماذا تستنتج من ذلك؟

قال سلمان: الدين ليس هو المتغير الحاسم. هم تقدموا حين أبعدوه عن حياتهم، ونحن تأخرنا ونحن نحمله!

قال أحمد: قبل أن نكمل، دعني أسألك سؤالًا واحدًا: هل تعرف لماذا تقدموا فعلًا؟

قال سلمان: الأمر واضح: العلم، والعقل، والحرية، والنظام، والفصل بين الدين والدولة.

قال أحمد: هذا صحيح جزئيًا، لكنه ليس كل الحقيقة. تأمل معي: ما الذي بنى نهضتهم في الواقع؟ الأمانة في العمل، احترام الوقت، المحاسبة، إتقان الصناعة، محاربة الفساد، تقدير العلم، وحفظ الحقوق.هذه القيم أليست مما جاء به الإسلام؟ صمت سلمان قليلًا، ثم قال: تقصد أنهم طبّقوا الإسلام دون أن يسمّوه؟

قال أحمد: لا أقول ذلك بهذا الإطلاق، وإنما أقول إنهم أخذوا ببعض السنن والقيم التي أمر بها الإسلام أو أقرّها، فحصدوا ثمرتها الدنيوية. ونحن تركنا كثيرًا من هذه القيم، فدفعنا الثمن. الخلل ليس في الإسلام، بل في بُعدنا عن حقيقته.

قال سلمان: لكن كثيرًا من المسلمين متدينون، ومع ذلك متأخرون!

قال أحمد: التديّن الظاهر شيء، وفهم الدين وتطبيقه شيء آخر. رجل يصلي، ثم يغش في عمله، ويتأخر في مواعيده، ويرتشي، ويهمل واجبه، هذا لم يفهم الإسلام حق الفهم، ولم يطبقه كما ينبغي. المشكلة في الإنسان حين يحمل اسم الدين، ثم يخالف قيمه في الواقع.

نظر سلمان من النافذة إلى الشارع المضاء، ثم قال بهدوء: إذن نحن لا نعاني من كثرة الإسلام، بل من قلّته.

قال أحمد: هذا هو بالضبط.

وهنا يأتي القرآن ليحسم مادة هذا الاغترار من أصلها، ويرد على أمثال هذه الشبهة ردًا قاطعًا، فيقول الله تعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ۝ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.

هذه الآية لا تنكر أن غير المؤمنين قد يتقلبون في البلاد، وأن لهم قوة، وسعة، ورخاء، وتمكنًا في بعض وجوه الحياة، لكنها تنهى المؤمن عن الاغترار بهذا الظاهر. 

وقد بيّن المفسرون أن في الآية تسلية للمؤمنين، وتحذيرًا لهم من الافتتان بما يظهر للكافرين من بسط في الرزق، وقوة في السلطان، ورخاء في العيش؛ حتى لا يظن الناظر الغافل أن ذلك أمارة رضا إلهي أو دليل فلاح أبدي. 

فجاء القرآن يرد هذا الوهم، ويقرر أن ذلك كله متاع قليل: قليل في مدته، قليل في حقيقته، قليل إذا قيس بما أعده الله لعباده المؤمنين من النعيم المقيم.

فما يبدو من تمتع الكافر في الدنيا قد يكون إمهالًا أو استدراجًا، ثم تكون العاقبة كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، أي: بئس المستقر والمآل.

إذن، الدنيا ليست ميزان الكرامة عند الله، ولا علامة المحبة الإلهية. 

وقد جاء في الحديث: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء».أخرجه الترمذي (2320

فالله يعطي من الدنيا من يحب ومن لا يحب؛ أما ما يدخره الله للمؤمنين فشيء آخر: جنات، ورضوان، ونعيم مقيم، وسلامة من الخسران الأبدي.

نعم، قد يتمتع غير المؤمنين بالصحة، والمال، والبنين، وأسباب القوة، وقد يتقدمون في العلم والصناعة والإدارة؛ لأن الله جعل للكون سننًا من أخذ بها نال أثرها في الدنيا، مؤمنًا كان أو غير مؤمن. لكن هذا لا يعني أنهم يملكون النجاة، ولا أن ما هم عليه من تصور للحياة هو الحق، ولا أن رخاءهم الدنيوي دليل على سلامة طريقهم. 

فلا يجوز للمؤمن أن ينخدع بظاهر النعيم، والعبرة دائمًا بالعاقبة.

إن كل متاع لا يوصل إلى رضا الله فهو في حقيقته ناقص، وكل عيش لا ينجي صاحبه في الآخرة فهو – مهما زخرف وتزين – متاع قليل زائل.



وقفات مع آيات (23).. الغافلون عن الآخرة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق