وقفات مع آيات (19).. بلاء يعقوب عليه السلام
قال تعالى:
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
نزل بيعقوب عليه السلام بلاء عظيم بفقد يوسف، ثم ازداد ذلك بفقد بنيامين، فاستحكم الحزن في نفسه، وظهر أثره في جسده، فابيضّت عيناه من شدة ما نزل به.
وفي هذا دلالة بليغة على أن ما يعتمل في النفس من مشاعر قد يتجاوز باطن الإنسان حتى يظهر أثره في الجسد.
فالحزن الشديد، والهم العميق، قد يتركان آثارًا في البدن، كما أن الطمأنينة، واليقين، وثبات النفس، تنعكس قوةً وصبرًا واحتمالًا.
وهذا معنى تدل عليه الخبرة، ويقرره أهل الاختصاص؛ فإن الجسد ليس منفصلًا عن النفس، بل يتأثر بما يجري فيها من ضعف وقوة، وانقباض وانشراح، ووهن وثبات.
ومن الجهة الأخرى، فإن قوة النفس قد تمنح الجسد قدرة أكبر على التحمل، والصبر على المشاق.
فإذا امتلأت النفس بالإيمان، أو سكنت إلى معنى كبير تحيا به، أو استندت إلى غاية تستنهضها، انعكس ذلك على الجسد نشاطًا، وثباتًا، ومضاءً في العمل.
وقد سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وهو في سن متقدمة، عن سر قدرته على مواصلة العمل والنشاط من الفجر إلى وقت متأخر من الليل، فنُقل عنه ما يفيد أن قوة النفس وعلو الهمة ينعكسان على الجسد نشاطًا واحتمالًا.
ولهذا قيل: إذا كانتِ النفوسُ كبارًا تعبتْ في مرادِها الأجسامُ
ولذلك نرى أحيانًا بعض كبار السن شعلةً من النشاط والحيوية، يعملون ويجتهدون، وربما عجز بعض الشباب عن مجاراتهم.
وقد رأيت نموذجًا من هؤلاء الرجال في أحد المؤتمرات العلمية؛ إذ شارك معنا أستاذ كندي كنت قد لقيته قبل ذلك في زيارة قديمة إلى فانكوفر.
فلما سلمت عليه أقبل عليّ بحرارة، فقلت له: أما زلت على هذا النشاط؟
فقال: نعم، إن التفكير والبحث العلمي يبقيان جذوة النشاط متقدة. ولولا تحدب يسير في أعلى ظهره، لقلت: إنه في الستين من عمره، مع أنه قد جاوز التسعين ببضع سنين.
وسألته عن سر محافظته على صحته، فقال: بالحركة، والتمارين الرياضية الخفيفة، من جهة، وبعلو الهمة، ومواصلة البحث العلمي، من جهة أخرى. وكان يجلس في الصف الأول في المؤتمر، فما كان يكاد محاضر يفرغ من محاضرته إلا كانت له مداخلة، أو تعليق ناضج، أو سؤال عميق، مما يدل على يقظة الذهن، وحضور العقل، وقوة التعلق بما يسمع.
ثم إن اللجنة المنظمة أخذتنا في رحلة إلى كهف في المنطقة، وكان الوصول إلى مدخله يتطلب صعود عشرات الدرجات، ثم اجتياز مئات الدرجات في داخله. فسألت عن ذلك الأستاذ الكندي، وقد ظننت أنه ربما اعتذر عن هذه الرحلة لصعوبتها، فقيل لي: إنه من أوائل الداخلين، بل ربما بلغ أعماق الكهف، بينما كنت أنا بالكاد أصعد تلك الدرجات، مع أنني لم أتجاوز الخمسين.
إن النفس إذا قويت بمعنى تحيا به، أو بعلم تنشغل به، أو بإيمان يرفعها، انعكس ذلك على الجسد نشاطًا واحتمالًا. وكما أن الحزن والهم قد ينهكان الإنسان ويثقلان بدنه، بل قد يوقعانه في بعض الأمراض، فإن الايمان إذا استقر في النفس منح صاحبه طاقة عجيبة، وجعل الجسد أقدر على الاحتمال، وأبعد عن الاستسلام للوهن والضعف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق