الجمعة، 20 مارس 2026

وقفات مع آيات (11).. لمن تُوجَّه الدعوات؟

وقفات مع آيات (11).. لمن تُوجَّه الدعوات؟
 

يطلب قائد الطائرة من الركاب ربط الأحزمة والالتزام بمقاعدهم وخفض رؤوسهم بسبب مطبات جوية شديدة.

الناس في حالة هلع؛ أطفال يصرخون، والطائرة تهتز بعنف حتى إن الرؤوس تضرب بالكراسي، وبعض الركاب أخذوا بالبكاء.

المضيفات في حالة ذهول؛ اكتفين بالإشارة من أماكنهن وهن جالسات في مقاعدهن، إذ لم يكن باستطاعتهن الحركة لتهدئة المسافرين.

ارتفعت بعض الأيدي إلى الأعلى، ولا تدري لمن تُوجَّه الدعوات، لكن أصواتًا مسموعة واضحة كانت تستغيث: «Jesus» «عيسى» وتطلب منه إنقاذ الركاب.

بعض الهنود -ويبدو أنهم هندوس- أخذوا يهزون رؤوسهم بشدة ويتمتمون بكلمات غير مفهومة، واتضح من أصوات بعضهم أنهم يستدعون معبوداتهم.

رجل مسلم كبير في السن فك حزام الأمان ووقف، ورفع يديه جاعلًا ظهر كفيه إلى وجهه متضرعًا إلى خالقه، ثم سقط على مقعده مع هزة عنيفة، فعاد وربط الحزام.

شاب من جنوب آسيا أخرج من جيبه تمثالًا صغيرًا لبوذا، وأخذ يتمتم وعيناه مصوبتان إلى التمثال.

عجوز بريطانية أخرجت صليبًا ذهبيًا فاخرًا من جيبها، وصارت تقبّله وترفعه إلى الأعلى ثم تخفضه، وهي تشهق من شدة الانفعال.

عاد قائد الطائرة يطالب الركاب بوضع أقنعة الأكسجين احترازًا لوضع قد يزداد سوءًا، فازداد الصياح والعويل مع اضطراب شديد، لكن القليل فقط من رفع يديه إلى السماء.

الفطرة تقتضي أن يعود الإنسان إلى ربه ويدعوه وحده.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾

ففي لحظات الخطر ينسى الإنسان آلهته التي كان يتخذها من دون الله، ويلجأ إلى الله وحده، لأنه يعلم في قرارة نفسه أن لا منقذ إلا هو.

هكذا كان حال مشركي العرب؛ كانوا في وقت الشدة يتنكرون لأصنامهم ومعبوداتهم ويلجؤون إلى الله وحده، فإذا نجاهم عاد كثير منهم إلى شركهم.

وفي عصر انتشار العلم والوعي، تجد من يستغيث بغير الله في لحظة الشدة، ويتنكر لفطرته التي تعرف خالقها، ويعاندها مع وضوح الحقيقة؛ فذلك، لعمري، من أعجب ما يراه المتأمل في حال البشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق