وقفات مع آيات (17).. ادعاء الرشد من رأس الطغيان
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
في هاتين الآيتين تتجلى مفارقة قرآنية عميقة: غياب الرشد عن مجتمع كامل، وادعاء الرشد من رأس الطغيان نفسه. والرشد هو الاهتداء إلى الحق، وحسن إدراكه، وسلامة التصرف في ضوئه، والثبات عليه.
ومن أعجب ما يلفت النظر في القرآن أن يغيب هذا الوصف عن قوم بأسرهم، كما في قوم لوط؛ فلا يوجد فيهم من يردعهم عن ضلالهم، ولا من يقوم فيهم مقام العقل الهادي، أو البصيرة الناصحة.
والأعجب من ذلك أن يزعم فرعون -وهو الطاغية الضال- أنه يدل على طريق الرشاد، وهو في الحقيقة يقود قومه إلى الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، مع أنه يتكلم بلسان القيادة، والإصلاح، والهداية.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعفي الأتباع من المسؤولية؛ إذ يتعجب المرء كيف يُسلِّم بعض الناس عقولهم لغيرهم، وهم بشر مثلهم، يخطئون ويصيبون. فواجب الرشد لا يسقط عن الإنسان لمجرد وجود من يتصدر له، ولا يُعفى المرء من النظر والتمييز لأن غيره قال أو قرر.
وقد رأيت من هذا أمثلة كثيرة؛ فبعض الناس إذا نوقش في معتقدات ورثها أو تلقاها، ردّ الأمر كله إلى العلماء أو رجال الدين، كأن وظيفته أن يتبع فقط، من غير نظر ولا تمحيص.
وحدث لي أن ناقشت أحد الشباب المنتسبين إلى الرافضة في بعض ما يعتقده، فردّ الأمر إلى أن العلماء أعلم، وأنه مجرد متبع.
كما ناقشت زميلًا لي في المدرسة، وكان نصرانيًا من فلسطين، حول التوحيد والتثليث، فرفض أصل النقاش، وقال إنهم يسلّمون أمر الدين للقساوسة ولا يخوضون فيه بتاتًا.
وهذا يكشف أن العقل الجمعي قد يكون سببًا في ضلال مجتمعات كاملة، حين يسود التقليد الأعمى، واتباع السادة، وتعطيل العقل، فيتحول الإنسان إلى جزء من حركة جماعية لا يفكر فيها، ولا يمحص، ولا يسأل: هل هذا حق أم باطل؟ ويتحول الضلال إلى مناخ عام يبتلع الأفراد، ويجعلهم يتحركون مع الجموع دون وعي أو إدراك.
وليس هذا قاصرًا على العامة أو ضعفاء العقول، بل قد يمتد حتى إلى بعض أهل الرأي والتدبير؛ كما أشار القرآن إلى حال بلقيس ملكة سبأ، إذ قال تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
فرغم رجاحة عقلها، وحسن تدبيرها، وقوة شخصيتها، تأثرت بدين قومها السائد، حتى هداها الله بعد ذلك.
وفي هذا دلالة على أن رجاحة العقل وحدها لا تكفي إذا لم تتحرر من سلطان البيئة والتقليد، وأن الرشد الحق ليس مجرد ذكاء، بل نور يهدي الله به إلى الحق من طلبه بصدق، وتجرد له من الهوى، واستعان بالله على بلوغه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق