الأحد، 1 مارس 2026

وقفات مع آيات (5).. الإنسان والتقليد

وقفات مع آيات (5).. الإنسان والتقليد

 

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ 

لقد دعا الأنبياء أقوامهم إلى توحيد الله، فكان من أبرز حجج الرافضين: التمسك بما وجدوا عليه آباءهم. 

وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾، فردّ القرآن عليهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾

وهذه حجة تكررت على ألسنة أقوام متعددة عبر التاريخ.

إنه لأمر عجيب أن يكتفي الإنسان بالتقليد في أعظم قضية في حياته: معرفة الخالق وعبادته، دون أن يمنحها ما تستحقه من نظرٍ وتمحيص. 

فالعقول التي تبدع في شؤون الدنيا، وتخترع، وتخطط، وتحسن سبل العيش، لماذا لا تبذل الجهد نفسه حين يتعلق الأمر بالألوهية والغاية من الوجود؟

أيُعقل أن تكون حجة الإنسان في أخطر قضاياه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾؟ 

لقد واجه الأنبياء أقوامهم بالمعجزات والآيات، ومع ذلك غلب على كثير منهم الكبر واتباع رأي الكبراء وتقليد الآباء. وتشير بعض الآيات إلى أن الفطرة قد تنكشف عند الشدائد، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ ففي لحظات الخطر يزول التعلق بالأصنام،

وتظهر حقيقة التوجه إلى الله وحده. ولا يزال التقليد حاضرًا في واقع كثير من الناس اليوم، ومنهم علماء ومفكرون وقادة، يستخدمون عقولهم بمهارة في شؤون دنياهم،

لكنهم لا يمنحون مسألة الوجود والربوبية والغاية من الحياة القدر نفسه من البحث والتأمل، بل قد يُسلّم بعضهم فكره لبيئته أو لموروثه في أمر الدين.

أذكر أنني حين كنت أدرس الماجستير في مانشستر، سألني مشرفي ذات يوم – وهو من المتميزين في الهندسة الكيميائية، جادٌّ في عمله، ويبذل الساعات الطويلة في الجامعة لكنه في امر الدين غير مبالٍ تمامًا- 

“ما رأيك لو اندلعت حرب نووية بين الغرب والاتحاد السوفيتي؟”

فقلت بعفوية: “الإنسان مقدر له موتة واحدة، وأنا مؤمن بأجلي، سواء كانت الوفاة طبيعية أو بسبب جائحة أو حرب”.

فنظر إليّ متعجبًا وقال: “ليتني أحمل فكرًا سطحيًا وساذجًا مثلك”.

وهنا تذكرت أن التفوق في ظاهر الحياة لا يعني إدراك الغاية منها، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.

فكم من عقول لامعة في أمور الحياة الدنيا، لكنها لم تتأمل بعمق في السؤال عن الخالق والدار الآخرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق