الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

أبو بكر.. الصاحب الأعظم!

 أبو بكر.. الصاحب الأعظم!

كيف رآه المستشرقون والمؤرخون الغربيون

محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة الإسلامي

عضو الأمانة العامة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ


فضَّل الله نبينا على سائر الأنبياء، فهو إمامهم وخاتمهم، وبه اكتملت الرسالات، وهو وحده الذي أُرسل لكل العالمين! 

وفضَّل صحابة نبينا على سائر أصحاب الأنبياء، فقد أثنى الله عليهم في كتابه ما لم يُثنِ على غيرهم من أصحاب الأنبياء!

وقد جاء عن نبينا، وهو ما كان عليه المسلمون منذ زمن الصحابة وحتى يوم الناس هذا أن أبا بكر هو أفضل الصحابة وأعلاهم شأنا.. فأبو بكر هو أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، وهو أعظم صاحبٍ لأعظم نبي في الأولين والآخرين.

ومن علامات ذلك ودلائله أن أبا بكر قد اشتمل قصة الإسلام، وما ذلك لأحد إلا لأبي بكر، فإنه كان أول مَنْ آمن مِن الرجال، فكان شاهد عيان على ولادة الإسلام وبزوغه، ثم صحب هذا الدين في رحلته منذ كان قولا في صدر رجل، حتى صار أمة في واقع الحياة، وقوة عظمى في عالم السياسة، وصفحة محفورة في كتاب التاريخ!

فما من شيء رنا إليه المسلم إلا وجد فيه لأبي بكر قدوة ومثلا.. في زمان الاستضعاف أو في زمان التمكين، في لحظة المحنة أو لحظة المنحة، في باب الاتباع أو في باب القيادة، في مهجع العبادة أو في ساحة الجهاد، في عمل القلب أو في عمل الجوارح، في حال الغنى أو في حال الفقر، في طريق الدعوة أو في طريق السياسة.. ونادرٌ من البشر من جمع بين هذا كله!

إنه مُعَلِّمٌ كبير في كل شيء، إذ كان حاضرا في كل لحظة.. إنه وزير نبينا الأول! وصاحبه الأثير! وصفيُّه من بين الناس!.. إنه أعظم بشر لم يتصل بوحي السماء!

ومن ها هنا، فلن ترى للمسلمين زمان ولا موقف إلا وجدوا فيه أنهم يستفيدون من أبي بكر ويتذكرون فصولا من سيرته وسياسته.

ولقد شدَّ أبو بكر أنظار المسلمين إلى مثاله حتى أفاضوا من المدح فيه، فلم يتركوا قولا لقائل، فما من كاتب يريد أن يتكلم عن أبي بكر إلا أعوزته العبارة، وتقاصر عن الزيادة.. 

فلذلك رأيتُ أن أذهب إلى المؤرخين والمستشرقين الأجانب، فأنقل من كلام بعضهم ما لا يمكن اتهامه بأنه صادرٌ عن عاطفة المسلم. ومما رأيتُ فإنهم يلتفتون في سيرة أبي بكر لثلاث محطات أساسية: إسلامه، شدة إيمانه وتصديقه، دوره الهائل عند توليه الخلافة.

إسلام أبي بكر

يتفق هؤلاء الغربيون على أن أهم شخص في الإسلام بعد النبي هو أبو بكر، وذلك أنه لما أسلم كان هو الأكثر فعالية في نشر الإسلام من بين المسلمين الأربعة الأوائل، فإنه رجل بالغ حر، ليس امرأة مثل خديجة ولا صغيرا مثل علي ولا مولى مثل زيد بن حارثة. وفوق ذلك فإنه تاجر صاحب أموال، ومؤرخ نسابة صاحب علم، وخلوق عفيف صاحب نفوذ ومكانة وعلاقات. وفوق ذلك كله: لقد آمن بمحمد إيمانا لا مثيل له، وجاءت ثمرات إيمانه سريعا: خمسة شخصيات قوية وفاصلة في تاريخ الإسلام، أسلموا بتأثير أبي بكر! 
1- يقول المستشرق الفرنسي المسيحي المتعصب هنري ماسيه: “أول من آمن بكلام محمد بعد خديجة هو ابن عمه علي بن أبي طالب، ولكن طفولة علي قَلَّلَتْ من أهمية اهتدائه، وكان الاهتداء الأكثر نفعا هو اهتداء أبي بكر، وهو تاجر عظيم نذر لمحمد محبةً لا تنفصم”.

2- وتقول كارين أرمسترونج، الراهبة السابقة والباحثة البريطانية في مقارنة الأديان، عن إسلام أبي بكر: “كان ذلك حدثا له أهميته الحيوية، لم يكن يتمتع كثير ممن دخلوا في الإسلام بنفوذ في مكة يماثل نفوذ أبي بكر”.

3- ويقول الكاتب الفرنسي جان بروا: “لم يكن أبو بكر في الجاهلية بالمغمور أو المجهول، بل كان نابه الذكر، جم الاحترام والتقدير، معروفا في القبائل بحسن أخلاقه وسموّ منزلته، فلم يكن يؤمن بما جاء به صديقه الأمين حتى شرع يؤدي واجب الرسالة ويدعو الناس إلى الإسلام”.

4- ويقول دينيه، المستشرق والرسام الفرنسي الذي أسلم وتسمى بناصر الدين وكتب كتابا عن النبي: “أشاع إسلام أبي بكر في نفس الرسول سرورا عظيما، وكان أبو بكر صدرا معظما في قريش على سعة من المال وحسن الوجه، وصاحب منظر أنيق، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان أعلم الناس بتعبير الرؤيا، صادقا في حديثه، حسن المجالسة، وقد اختاره قومه قاضيا في المغارم والديات وحكما في المفاخرات، في إيمان حار، أخذ أبو بكر يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه، ويكرس جهده في نشر الإسلام، ويقود أصدقاءه إلى الرسول ليعلمهم الإسلام”.

5- ويقول المستشرق والرحالة الفرنسي كلود إتيان سافاري، الذي سبقت رحلتُه إلى المشرق الحملةَ الفرنسية، وترجم القرآن، وكتب كتابا عن السيرة: “كان أبو بكر مواطنا ذا نفوذ في مكة، مشهورا باستقامته وبثرواته، فشرع محمد يعمل على إسلامه، اعتقادًا منه أنه جدير بأن يعطي قوة لدينه الجديد، وتَوَّج النجاح مجهوداته، وأصبح أبو بكر من أقوى أنصار الإسلام، لقد كان إسلامه نصرا كبيرا، فحمل أبو بكر بين أصدقائه شعلة الإيمان التي ملأت صدره وأخضع بها الكثيرين، وقدَّم إلى النبي عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، آمن الجميع واعتنقوا الإسلام، وكانوا الرعيل الأول للديانة المحمدية”.

6- ويقول المستشرق الفرنسي إميل درمنغم، صاحب واحد من أفضل الكتب الغربية عن النبي، حاول فيه أن يقرب صورة النبي إلى الغربيين حتى أفرط في ذلك وتكلف أن يمحو الفارق بين الإسلام والمسيحية، يقول: “كان لإسلام أبي بكر بالغ الأثر، فقد تابعه على الإسلام من قريش عثمان بن عفان الأموي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وصهره -بعد ذلك- الزبير بن العوام -فقد تزوج أسماء بنت أبي بكر-، وهذا مع ذِكْرِنا أن أبا بكر لم يسطع أن يهدي إلى الإسلام أباه وأولاده، ولا سيما ابنه البكر”.

تصديق أبي بكر
يتحدث بعض المؤرخين عن أن إيمان أبي بكر، كان له تأثير خاص في مسار الإسلام، وذلك أن أبا بكر كان من صفوة الناس الذين لا يُتهمون بضعف الرأي ولا بالمطمع الدنيء، فما آمن به أبو بكر وهو الراجح العقل يجعل له تأثيرا وقدرا وجاذبية! بل ذهب بعض المؤرخين إلى أن إيمان أبي بكر هو نفسه من دلائل صدق النبي:

7- يقول ألفونسو دي لامارتين، وهو شاعر ودبلوماسي ومؤرخ فرنسي، صاحب كتاب مشهور عن تاريخ الأتراك، جعل الجزء الأول منه عن سيرة النبي، “حَمَتْ مجاهرة أبي بكر بإيمانه بعقيدة محمد الدين الإسلامي الناشئ من صبغة الجنون والهزء، وهي أول تجلٍّ للسخرية يرسله عامة الناس دون تمحيص إزاء كل ما يصدم تقاليدهم، إذ كان أبو بكر من أولئك الذين يجلب اعتناقهم رأيا احترام الكثرة من الناس إن لم يكن اقتناعهم بسداد ما يرى، وحينما أعلن أن محمدا هو وليه، وقاه من الاحتقار”.

8- ويقول هربرت جورج ويلز، الكاتب والأديب الإنجليزي الشهير، مدافعا عن صدق النبي تجاه غلو الغربيين: “ليس عدلا أن نتخذ الغلو لنا رائدا، هل تراك علمتَ قط بأن رجلا على غير كريم السجايا مستطيعٌ أن يتخذ له صديقا؟ ذلك أن من عرفوا محمدا أكثر من غيرهم كانوا أشد الناس إيمانا به. وقد آمنت به خديجة طوال حياتها –على أنها ربما كانت زوجة محبة. وأبو بكر شاهدٌ أفضل، وهو لم يتردد قط في إخلاصه. كان أبو بكر يؤمن بالنبي، ومن العسير على أي إنسان يقرأ تاريخ تلك الأيام ألا يؤمن بأبي بكر. وكذلك علي، فإنه خاطر بحياته من أجل النبي في أحلك أيامه. لم يكن محمد دجالا بأية حال”.

9- ويقول المستشرق الألماني الشهير، كارل بروكلمان: “في هذه الأثناء كان مسلمو مكة، على ما تقول الروايات، يعانون أزمة جديدة. ذلك ان حديث محمد عن إسرائه العجيب، برفقة جبريل، إلى بيت المقدس ومن ثم إلى السماء، كان قد أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين. ولكن ابا بكر ضرب بايمانه الراسخ مثلاً طيباً لهؤلاء المتشككين فزايلتهم الريب والظنون”.

خلافة أبي بكر
ربما يندهش القارئ المسلم إذا عرف أن عديدا من المؤرخين الغربيين ينظر إلى أبي بكر على أنه المؤسس الحقيقي لدولة الإسلام، وذلك أن وفاة النبي كانت لحظة فاصلة تسببت في ردة كثير من قبائل العرب، فإذا بهذا الرجل يقضي على حركة الردة بل ويحولها إلى حركة فتوح واسعة ومدهشة تبدأ في إسقاط القوتين العظميين العالميتين وقتها –فارس والروم، وتلك هي النقلة الهائلة التي جعلت الإسلام دينا عالميا، وكانت تحولا حاسما في مسار التاريخ.

10- يقول هربرت جورج ويلز: “يقول المؤرخون إن المؤسس الحق للدولة الإسلامية لم يكن محمدا قدر ما هو صديقه ومساعده أبو بكر، فلئن كان محمد هو العقل المفكر والتصور الملهم للإسلام الأصلي، فلقد كان أبو بكر ضميره وإرادته، حتى إذا مات محمد أصبح أبو بكر خليفته، ثم راح بعقيدة تزحزح الجبال، يعمل ببساطة وعقل راجح على إخضاع العالم كله لأمر الله، بواسطة جيوش يتراوح عددها بين ثلاثة أو أربعة آلاف عربي طبقا لتلك الرسائل التي كتبها النبي عليه السلام من المدينة إلى جميع ملوك العالم. فهو بحق مؤسس دولة الإسلام”.

11- ويقول كارل بروكلمان: “كان النبي قد شغل نفسه، في أيامه الأخيرة، بإعداد الجيوش للانتقام من البيزنطيين الذين هزموا المسلمين في مؤتة. فوجد أبو بكر نفسه مسؤولاً عن إنفاذ خطة النبي الأخيرة هذه، على الرغم من أن الأنباء المخوفة عن شيوع الاضطراب في انحاء الجزيرة كانت تتواتر على المدينة من كل حدب وصوب. وهكذا وجه أبو بكر نخبة جيوش الاسلام الى الشمال تحت قيادة أسامة… قضى أسامة وجنوده شهرين خارج المدينة، وبذلك أصبحت عاصمة المسلمين في مركز لا يساعدها كثيراً على الدفاع عن نفسها. والواقع ان أسداً وغطفان، النازلين غير بعيد عن المدينة، كانوا أول هذا الوضع، فهاجموا المسلمين. ولكن أبا بكر استطاع أن يثبت لهم ويصدهم عن أهدافهم”.

12- ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، والاسم اللامع في مدرسة التاريخ العالمي، وليم ماكنيل: “فاختاروا أبا بكر، وهو أول من آمن من الرجال وأقرب أصحاب النبي إليه، ولقبوه بـ «خليفة» رسول الله. وتولى أبو بكر القيادة الفعلية للمجتمع الإسلامي بوصفه خليفة، وكانت سياسته العامة في كل الأشياء هي التمسك الوثيق بسنة النبي نفسه. وكان ذلك يقتضي اهتماما شديدًا بأقوال النبي، ولاسيما ما وصفها بنفسه بأنها تأتي من الوحي. وكان سبيل ذلك القياس الاستوثاق الدقيق من نسب الأحاديث التي تحملها الذاكرة حتى تُستخدم سابقةً صحيحةً في أي موقف يستجد”.

13- ويقول المؤرخ الأمريكي الشهير، ول ديورانت، صاحب موسوعة قصة الحضارة: “كان أبو بكر وقتئذ في التاسعة والخمسين من عمره، وكان قصر القامة، نحيف الجسم، قوى البنية، قليل الشعر، أبيض اللحية حمراء الصبغة، بسيطاً في معيشته، متقشفاً، رحيما في حزم، يعني شخصياً بجميع شئون الإدارة والقضاء جليلها وصغيرها على السواء، لا يهدأ له بال حتى يأخذ العدل · مجراه، وظل يعمل ولا يتقاضى أجراً على عمله، وظل شديد التقشف حتى أقنعه الشعب بأن ينزل قليلا عن تقشفه، ثم أوصى قبل وفاته بأن يعود إلى بيت مال المسلمين كل ما أرغم على أخذه منه. وحسبت قبائل بلاد العرب أن تواضعه ضعف. وإذا كان بعضها لم يتمكن الإسلام من قلوب أفرادها، ومنهم من اعتنقه كارها، فقد ارتد هؤلاء عنه، وأبوا أن يؤدوا الزكاة التي فرضها عليهم الإسلام. ولما أصر أبو بكر على وجوب أدائها زحفوا على المدينة، وجمع أبو بكر جيشاً في ليلة واحدة، وقاده بنفسه في مطلع الفجر، وبدد به شمل العصاة”.

رحم الله أبا بكر، صاحب نبينا ووزيره ومستشاره وصهره وخليفته من بعده.. وهيأ لنا رجالا من مثله يرفعون عن الأمة ما هي فيه من الذلة والمهانة والضعف والهزيمة.

مجلة أنصار النبي ﷺ – ديسمبر 2025م

في محراب الحوت فقه المراجعة وميلاد الفجر الجديد

 في محراب الحوت

فقه المراجعة وميلاد الفجر الجديد


لقد تباينت أنظارُ المفسرين وتعددت مسالكُهم في قراءة ما جرى لنبي الله يونس عليه السلام، بيد أنَّ أقربها إلى فقه النفس وأسلمها لمرادِ الدرس، هي تلك الرؤية التي ترى في خروجه غضباً بشرياً اشتعل من لظى الاستخفاف ومرارة الإعراض؛ فلقد استمرأ قومُه الإمهال، وأمعنوا في المكابرة، حتى ضاق صدرُ الداعية بطولِ اللجاج، فغادر ميدانَه قبل أن يُؤذن له، منطلقاً من طريقٍ هندستهُ رؤيتُه الخاصة لا مَهمتُه المقدسة، وانبثق من أنينِ ألمه لا من صرامةِ تكليفه.

وتلك هي «رؤيةُ المُغضَب» التي تُولد دائماً من رحم الانفعال، والرؤية إذا استمدت نورها من نار الغضب كانت أولى بالتريث لا بالتنفيذ، إذ القرار في لحظاتِ الفوران غالباً ما يكونُ خصماً للحكمة، وعدواً لدوداً للبصيرة؛ ألم تأتِ البشرى لموسى عليه السلام حين كبح جماحَ انفعاله فكان الجزاءُ: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ) (الأعراف: 154)؟ فكان «سكوتُ الغضب» العتبةَ الضرورية لحمل الألواح، لأن الأمانة الكبرى لا يقوى على حملها قلبٌ ترجفهُ رياحُ الاضطراب.

لم تكن قصةُ يونس حادثة عابرة طواها الزمن، بل جعلها الله عبرة تتردد أصداؤها في جَنباتِ التاريخ، وصرخةً نذيرة وجّهها لنبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن ورائه كلُّ من سلك دربه إلى يوم الدين في قوله: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ) (القلم: 48).

إنه نداءٌ يحذرُ كلَّ منتسبٍ للدعوة، فرداً كان أو تياراً، نظاماً أو منظومة، مهما بلغت سطوتُه أو عظُم أثرُه، من أن يركب سفينة رؤيته الشخصية ويُبحر في يمّ منهجيته الخاصة، منفصلاً عن مِشكاة التكليف وميدان التشريف.

فالسُنّة الجارية تقضي بأنَّ السفن إذا داهمتها العواصفُ، وجب عليها أن تتخفف من أثقالها حمايةً لمسارها، وليس أثقل على سفنِ الحق من النفوس المدخولة والقلوب القاسية وأصحاب المنافع الذين قد يُلقى بهم في اليمِّ لتستمر المسيرة، وحاشا نبي الله يونس من ذلك، فللأنبياء مقامُهم وعصمتُهم، لكنَّ العبرة تبقى في أنَّ سفينة النجاة لا تتعدد، وهي أن تُحمل الرسالةُ حتى الكلمةِ الأخيرة، ويُقبضَ على جمرها حتى اللحظةِ الأخيرة.

ثم يمتد المشهدُ ليصور المصير المحتوم، حين التقم الحوتُ يونس عليه السلام في غيابات الظلمة والضيق، ليجد من ترك الألواح نفسه في مواجهة حتمية مع حوتِ القهر، وحوتِ الشدة، وحوتِ غيابِ المنطق وضياعِ الأسباب.

وبطنُ الحوت ليس جغرافيا لنبيٍّ واحد، بل هو مآلٌ لكل يونس بَحَثَ عن نجاةٍ منفصلةٍ عن التكليف، فمن ألقى الألواح لا ينتظرُ في الأحشاء فلاحاً؛ فهناك لهيبٌ يحرق الجميع، وضيقٌ يخنُق الجميع، حيث لا متسع هناك لصراعٍ على مقام، ولا فسحة لتنظيرٍ أو معسولِ كلام، فالأزمةُ ليست في الأخ المحشور معك في الضيق، بل في المنهج الذي اعوجّ، والتقدير الذي ساء، والقيادة التي فقدت البوصلة.

إنَّ الزمن في بطن الحوت ليس دواءً بحد ذاته، بل قد يكون توطيناً للشقاء لولا تداركُ الرحمة، فالبقاء في الأحشاء لافتةٌ كُتب عليها بالخط العريض: من ترك رسالة مولاه؛ ضيّق الله عليه دنياه، وتلك هي حقيقةُ قوله: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)؛ أي لن نُضيّق عليه، فكان الضيقُ هو المختبر الذي يُعيد صياغة المعادلة.

لكنَّ رحمةَ الله جعلت من يونس نموذجاً للتدارك الإعجازي، حين أيقن بخطئه ولم ينشغل بلومِ من ألقوه، ولا بقسوةِ البحر، بل أمسك بمددِ السماء، وجدّد العهد توحيداً وإقراراً بالتقصير، فصرخ في جوفِ العدم:

(لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87).

فجاء الجوابُ سرمدياً: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: 88)؛ 

ليعلم السالكون أنَّ في بطن الحوت لا مكان للكِبر أو التعالي، بل هو مقامُ الإخبات والاعتراف الشجاع، فالإصرارُ على عدم المراجعة هو تزكيةٌ مهلكة تطيلُ أمد البلاء، بينما الخروجُ من المأزق يبدأ من نقطةِ الصدق مع النفس واللجوء الصادق لرب القدير.

لقد خرج يونس عليه السلام وقد استوى في قلبه الدرسُ، فنال مقام الاجتباء، وجُعل من الصالحين، حتى قال فيه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى تطييباً وتكريماً»(1)، وهكذا يخرجُ الله من بطن كل محنة كلَّ من صدقت توبته، وطهرت سريرته، واستقامت سيرته، فيمنحه من فيوضات كرمه ما يستر عورته ويشد عروقه، وتبقى السُّنة قائمة تتحدى الزمان؛ إما قبضة على الألواح يعقبها اجتباء، وإما انحرافٌ عن المنهج يعقبه غرقٌ وابتلاء.


(1)خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 6420

من هم العلويون؟


من هم العلويون؟ 

تعرف على عقيدتهم وأصولهم


ما هي أهم أفكار وعقائد العلويين؟ وما الفرق بينهم وبين سائر المسلمين؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

تاريخ ظهور الطائفة العلوية

الطائفة العلوية ظهرت في القرن الثالث من الهجرة، وتعد هذه الطائفة من غلاة الشيعة، الذين ادعوا الإلهية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكان اسمهم الأول "النصيرية" ثم تسموا بعد ذلك بـ "العلويين" تمويهاً على الناس، وتغطية لحقيقة مذهبهم، وهم يحرصون على هذا الاسم الآن.

من هو مؤسس الطائفة العلوية؟

مؤسس هذه الطائفة هو محمد بن نصير البصري النميري (توفي سنة270 هـ) الذي ادعى النبوة والرسالة.

أبرز معتقدات العلويين

أهم أفكار ومعتقدات الطائفة العلوية :

  1.  يعتقدون في علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إله.
  2.  يحبون عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب، ويترضون عليه، لزعمهم بأنه خلص اللاهوت من الناسوت، ويخطئون من يلعنه !
  3.  يعتقد بعضهم أن علياً يسكن السحاب بعد تخلصه من الجسد الذي كان يقيده، وإذا مر بهم السحاب قالوا : السلام عليك يا أبا الحسن، ويقولون : إن الرعد صوته، والبرق سوطه.
  4.  يعظمون الخمر، ويشربونها، ويعظمون شجرة العنب لذلك.
  5.  يصلون في اليوم خمس مرات، لكنها صلاة تختلف عن صلاة المسلمين، إذ ليس فيها سجود.
  6.  لهم قداسات شبيهة بقداسات النصارى.
  7.  لا يؤمنون بالحج، ويقولون بأن الحج إنما هو كفر وعبادة أصنام.
  8.  لا يؤمنون بالزكاة الشرعية المعروفة عند المسلمين، وإنما يدفعون ضريبة إلى مشايخهم، مقدارها خمس ما يملكون.
  9.  الصيام عندهم هو الامتناع عن معاشرة النساء طيلة شهر رمضان.
  10.  لهم تفسير باطني لشرائع الإسلام وأركانه غير ما يعرفه منها المسلمون، ولذلك فهم لا يؤمنون بالشهادتين ولا بالصلاة ولا بالزكاة ولا بالصيام ولا بالحج، ولا الطهارة والوضوء والاغتسال من الجنابة...إلخ.
  11.  عقائدهم خليط من الاعتقادات والأديان الباطلة، فأخذوا من الوثنية القديمة وعُبَّاد الكواكب والنجوم، وأخذوا من الفلاسفة المجوس، والنصارى، والمعتقدات الهندية والآسيوية الشرقية، وخلطوا ذلك بمعتقدات الشيعة الغلاة.
  12.  لهم أعياد كثيرة يحتفلون بها تدل على مجمل عقائدهم.

أعياد العلويين ودلالاتها العقائدية

من أعياد العلويين:

  • عيد النيروز، في اليوم الرابع من نيسان، وهو أول أيام سنة الفرس.
  •  عيد الغدير والعاشر من المحرم (عاشوراء).
  •  عيد الأضحى، وهو عندهم في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة.
  •  يحتفلون بأعياد النصارى، كعيد الغطاس وعيد الميلاد وعيد الصليب وغيرها.
  •  يحتفلون بيوم مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فرحا بمقتله، وشماتة به.

موقف علماء الإسلام من الطائفة العلوية

وبهذا يتبين أن هذه الفرقة من الفرق الباطنية التي تنتسب إلى الإسلام زوراً، والإسلام منهم بريء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيرية ـ هم وسائر الأصناف الباطنية ـ أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل التتار والفرنج وغيرهم.. وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم" انتهى. 

انظر : "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة" (1/393-399)

للحصول على توضيحات أكثر، راجع الأجوبة التالية: (184474، 220903، 90112، 26139).

والله أعلم.

المراجع

اللهم ارحم عبدك أبا عبيدة وأدخله الفردوس الأعلى شهادة عزاء ورثاء

 اللهم ارحم عبدك أبا عبيدة وأدخله الفردوس الأعلى

شهادة عزاء ورثاء

  مضر أبو الهيجاء

أبو عبيدة حذيفة الكحلوت رجل نشهد له بالإيمان، فهو لم يكن من رواد المساجد فحسب بل حربة على المحتلين الكفار المعتدين في ميادين الجهاد وفي أرض مباركة هي خير بقاع الأرض والتي خصها الله بالبركة في ترابها وناسها ومدحها وجعل فيها معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم للسماء.

إن أبا حذيفة وأمثاله ليسوا بحاجة لشهادة أحد منا، فقد شهدت لهم أعمالهم كما شهد لهم البشر والشجر والحجر بالجهاد وتحدي الكفار المعتدين، وإن شهادتنا لإخوة سبقونا عند الله لا تزيدهم رفعة، بل هي مسؤوليتنا تجاه الأجيال التي تصارع لوثات الإعلام الموجه والمعادي لله وللرسول ولكل فضيلة، تروم إسقاط مكانة المجاهدين وتعطيل واجب الجهاد للمعتدين.

إن غبار نعل أبي عبيدة وكل مجاهد في أرض فلسطين سواء أكان من حركة فتح أم حماس أم الجهاد أم ألوية الناصر صلاح الدين أم جيش المجاهدين أم المستقلين.. لهو أطهر وأنقى من رؤوس حكام العرب المتواطئين والمتخاذلين.

وبغض النظر عن رؤيتي الشخصية في قرار عملية 7 أكتوبر ومعركة الطوفان الذي أخطئه من حيث الشكل والتوقيت -وليس من حيث المشروعية- معتقدا بأن أشكال الخلل وسوء التقدير ووهم الإعداد الشرعي المعتبر فيه، جاءت على أرضية الحلف الآثم والحرام بين مجاهدي شعب فلسطين وبين ملالي إيران المحتلين المعتدين المجرمين، والذين امتطوا القضية الفلسطينية في سياق معارك نفوذهم في المنطقة، فكانوا سببا في هلاك رصيدنا الثمين من أزكى البشر وأرقى النفوس في فلسطين.. وهم المجاهدون والدعاة وأهل العلم الذين هم عن الحق والعدل ونقاء العقيدة وسوية المنهج واستقامة الصراط منافحين.

إن نموذج المجاهد أبي عبيدة لا يقل رفعة ولا قوة ولا إيمانا ولا نضالا ولا تحديا للباطل عن نموذج الشيخ الجليل عز الدين القسام والمجاهد العنيد عبد القادر الحسيني.

وكما رأى العالم نموذج أبي عبيدة المجاهد الصامد الذي لم ينكسر لحظة أمام جموع الكافرين المعتدين، فإن في أرض العراق ومصر والشام واليمن وليبيا والسودان وأفغانستان والشيشان وغيرها من بلاد العرب والمسلمين ألف ألف أبي حذيفة، فمنهم من قضى نحبه ولا يعلم بحاله إلا الله، ومنهم من ينتظر دون كلل من العمل والإعداد، ومنهم من دفنوا تحت الأرض في غياهب سجون الظالمين من العرب والعجم.

فليشهد العالم كله أن كتاب الله ومسار الدعوة إلى الله -الذي يقوم عليه علماء ربانيون- يخرج كل ليلة أمثال أبي عبيدة وخير من أبي عبيدة ومنا أجمعين، ولكنهم ينتظرون أن يهيئ اللهم لهم قيادة مؤمنة تتصف بالوعي والمسؤولية والعدل والعدالة والاستقامة والثبات على الطريق، حتى يتجاوزوا جميعا اختبار الشرب من النهر خلف طالوت الأمين.

اللهم نسألك أن تغفر لأبي عبيدة وأن تتقبله في الشهداء هو وجميع من سقطوا على أرض عموم الشام ومصر واليمن والعراق وليبيا والسودان الحبيب.

يا رب.. إن الصهاينة وحلفاءهم من العرب والعجم قد استقووا علينا..

يا رب.. إن ملالي إيران قد امتطوا ظهورنا وأهلكوا شعبنا واستهلكوا دماء مجاهدينا ..

يا رب.. إن الإدارة الأمريكية الصليبية وذيولها الغربية قد أثخنت قتلا وحرقا في أبنائنا وبناتنا..

يا رب .. إن حكام الإمارات قد مزقوا أحشاءنا في السودان واليمن وفلسطين وليبيا واليمن، وهم بشامنا الحبيب الآن يعبثون..

اللهم فأرنا فيهم جميعا بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وارحم يا رب ضعفنا، واغفر لنا، وتب علينا، وتجاوز عن تقصيرنا وزلاتنا، واهدنا لصراطك المستقيم يا كريم، فإياك إياك نعبد، وبغيرك يا ربنا لا نستعين.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 29/12/2025