الخميس، 30 نوفمبر 2023

«طوفان الأقصى».. المنطلقات والمآلات

 «طوفان الأقصى».. المنطلقات والمآلات

د. عطية عدلان

لم نعد اليوم بحاجة إلى تَكَلُّفِ النظر والمبالغة في التعمق؛ فقد أغنانا الحدث نفسه عن التقعر والتفيهق، فهل هي بركة الجهاد الذي رفع القرآنُ عنّا عَنَاءَ التنطع في حسابات مآلاته في هذه الآية: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)؟ أم إنّ الرباط في سبيل الله والجهاد لإعلاء كلمة الله يُجْلِي البصيرة فيرفع القائمين به على القاعدين عنه درجات في النظر للمآلات؟ أم إنّ التفكير والتدبير من الوضع المتحرك يمنح الفكرة ديناميكية تجعلها أقدر على الاشتباك الرشيد؟

ربما اجتمعت كل هذه العوامل لتصل بالحالة الإسلامية والعالمية إلى مستوى من القناعة بعظمة المقاومة عموماً، وعظمة «طوفان الأقصى» على وجه الخصوص؛ فلْتكُفّ الألسنةُ عن التحليل ولتتوقف الأقلام عن التعليل، ولنتأمل الدرس الآن.

المقاومة الفلسطينية جهادُ دفعٍ لا يُشترط الاستطاعة بل الإعداد

المقاومة.. وجهاد الدفع

ينبغي أولاً وقبل كل شيء ألا ننسى أنّ المقاومة الفلسطينية عموماً، والغزّاوية خصوصاً، تُعَدُّ من جنس جهاد الدفع، الذي لا يُشترط له ما يُشترط لجهاد الطلب والفتح من الاستطاعة التي تبلغ مستوى توقع الظفر، وإنّما يشترط لها الإعداد بقدر الاستطاعة وحَسْب، قال تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) الآية (الأنفال: 60)، أمّا جهاد الغزو والفتح فيشترط له مع الإعداد توقعَ الظفَرِ بغلَبةِ الظن، وليس تكافؤ القوى أو توازن القوى كما يدعي المخذلون، وجهاد الدفع واجب وجوباً عينياً، فلا يُنتظَر له إذنُ الإمام ولا إذنُ الوالدين ولا إذن الدائن، وتخرج المرأة بغير إذن زوجها والعبد بغير إذن سيده؛ للذب عن بيضة الإسلام.

ضرورة استمرار العمل المقاوِم

ومن لوازم جهاد الدفع أنّه إذا كان ردُّ المعتدي عن بلاد الإسلام يستغرق زمناً طويلاً ومراحل متتابعة؛ فلا بد من تواصل المقاومة وتتابع حلقاتها، إذْ إنّ النتيجة النهائية لهذه المقاومة تراكمية، فإذا تراخت وتباعدت حلقاتُها فإنّ هذا يعطي العدو الفرصةَ لالتقاط أنفاسه واستعادة قواه، بما يترتب عليه أن تضطر المقاومة في كل مرحلة لأنْ تبدأ من حيث بدأت سابقاً لا من حيث انتهت.

وهذا بالتأكيد ضرر ومفسدة أربى من كل ضرر نتوقعه، آيةُ ذلك نجدها في الواقع والتاريخ المعاصر، فإنّ ضعف المقاومة في الماضي قبل بزوغ فجر المقاومة الإسلامية على المستوى المحلي الفلسطيني، وعلى المستوى الإقليمي العربي، أعطى «إسرائيل» فرصة لتستفحل وتصير قوة نووية خارقة؛ وعليه فإنّ المقاومة الإسلامية في غزة بعد أن أعدت ما استطاعت، ولم يكن في مقدورها أن تُعِدَّ أكثر مما أعدت، لم يكن لها أن تنتظر ريثما يستفحل العدو أكثر من ذلك وينجح في تنفيذ مخططاته بإجراء التقسيم الزماني والمكاني للحرم، أو بهدمه تحت أيّ حجة، أو بتوجيه ضربة لغزة كانت -في بنك الخطط- وشيكة.

إذا كان ردُّ المعتدي يستغرق زمناً طويلاً فلا بد من تواصل المقاومة

المتوقَّع الذي قد لا يكون منه مَفَرّ

صحيح أنّ رد الفعل كان عنيفاً على أهل غزة، وقد يترتب عليه تدمير القطاع واستئصال المقاومة، هذا التوقع لم يمنع المقاومة من اتخاذ قرارها بهجمة السابع من أكتوبر؛ لعدة أسباب، أهمها جميعاً أنّه لم يكن لها أن تمتنع عن اتخاذ قرارها هذا، اتكاءً على توقع كهذا، أو بذريعة الحفاظ على المكتسبات، فكل مقاومة لأيّ معتدٍ طاردَتْها توقعاتٌ واعتبارات وحسابات كثيرة وكبيرة وخطيرة؛ فما توقفت ولا توانت، فلو كان الصواب هو التوقف لحاكمنا التاريخ الإنسانيّ كُلَّه، ولحكمنا عليه بالتزوير؛ إذْ كيف يمجد أفعالاً تسببت في قتل ملايين البشر على مدى التاريخ؟ ولألقينا في مزبلة التاريخ أمثال المختار، والمهدي، والخطابي وغيرهم من العظماء الذين خلَّدَ التاريخ ذكراهم؛ لكونهم أوردوا أقوامهم موارد الهلكة.

أزمة الموازنات الميتة

لا ريب أن الشريعة مبناها على مصالح العباد في المعاش والمعاد، وأن الفقه في أسمى صوره أن يعلم الفقيه خير الخيرين وشرّ الشرين؛ ليختار أهون الشرين عند التزاحم، وليدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما، ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما.

لكنّ الأزمة فيمن يدعي الفقه فيقوم بموازنة ميتة، موازنة لا تنظر في المصالح والمفاسد إلا إلى جانبها المادي فقط، ولا تحسب المنافع والمضار إلا بالنظر إلى الأمور الدنيوية وحسْب، فهؤلاء الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا تَقْصُر أنظارهم عن إدراك ما وراء أستار المادة الميتة، فلا يبصرون المآلات العقدية والتربوية والقيمية التي يكون لها في الأجيال أثر كبير بالإيجاب عند ثبات المقاومة واستمرارها أو بالسلب عند وقوع العكس، ولقد رأينا المآلات الكبار تأتي بالخير العميم، فها هي الشعوب المسلمة ترفع رأسها وتميط الوهن.

المقاومة باقية لأن المجاهدين قدَّموا عربون الدوام من دمائهم

الممكن والمستحيل في النظر للمستقبل

من الممكن أن يقال اليوم: ماذا بعد غزة؟ ماذا بعد «حماس»؟ ماذا بعد «القسّام»؟ ومن المستحيل أن يقال اليوم: ماذا بعد «المقاومة»؟ وإنْ كنّا نحن نتوقع ونرجو لغزة و«حماس» و«القسام» البقاء والاستعصاء على الإفناء، وندعو الله تعالى لهم أن يبقيهم في نحور أعداء الأمة أقوياء أشداء، لكنّ التوقعات تأبى في نظر العقل أن تُطْرَدَ عن مساحة الممكنات.

أمّا المستحيل، بحسب سُنة الله تعالى، هو أن يقال اليوم: ماذا بعد «المقاومة»؟ لأنّ سُنة الله هكذا: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7)، فأما التثبيت فعاجل قطعاً، وأما النصر فيكون عاجلاً أو آجلاً، لكن من المستحيل ألا يكون، فلو، لا قدر الله، فني هؤلاء العظماء، فالمقاومة باقية والجهاد باق؛ لأن المقاوِمين المجاهدين قدَّموا عربون الدوام من دمائهم، واستداموا بدمائهم الزكية العمل الجهادي المقاوِم للظلم والبغي والطغيان والكفر المستبين، فهي عملية توريث وتسليم وتسلم، ولن تسقط الراية في عقر دار المؤمنين ما بقي في الأرض إيمان وكفر، والله المستعان.

مخططات ديغول للقضاء على الثورة الجزائرية.. هل تتكرر في فلسطين؟ (1 من 2)

 مخططات ديغول للقضاء على الثورة الجزائرية..
هل تتكرر في فلسطين؟ (1 من 2)

أحمد بن نعمان

إذا كان الزمان غير الزمان فالإنسان هو الإنسان وفريضة الدفاع عن النفس والأرض والعرض لا تسقط عنه إلى يوم  الدين. وسنة التدافع بين الناس والحضارات والقيم تجعل دوام الحال من المحال ولو دامت  للأولين لما دانت للآخرين!؟ وأن الكيل بمكيالين في حقوق الإنسان من القائمين على مجلس الأمن المخيف هو سبب كل الخلل في المعايير والموازين وهذا الدمار المبين..

وفي تاريخ الحروب والثورات التحريرية العظمى دروس للمعتبرين وأن الذكرى قد تنفع حتى البغاة  والعصاة والطغاة فضلا عن المؤمنين!!

وبمناسبة إحياء الجزائر للذكرى التاسعة والستين لثورة القرن العشرين بدون منازع في الفاتح من  تشرين  الثاني (نوفمبر 1954) وربطا بما تصادفه إحياء هذه الذكرى من أحداث جسام جارية في الساحة والساعة  الدولية عرفنا إرهاصات بدايتها ولا نعرف نهايتها بعد.. نود أن نذكر المعتبرين بدروس التاريخ الحي الذي عشناه في هذه الثورة لحما ودما وجهادا و"استشهادا" لما يزيد عن السبع سنين مماثلة  لما يراه العالم  على  المباشر يوميا من أهوال الحرب غير المتكافئة بين الحق والباطل في معركة الأحزاب الثانية في فلسطين الحالية والتاريخ بيننا يبقى دائما الشاهد الأمين على المحسنين والمسيئين والظلمة والمجرمين وأصحاب الحق المغتصب الذي لا يسترجع إلا غلابا وافتكاكا باليمين وتلك هي سنة الله في الأولين  والآخرين.

تأتي ذكرى هذا العام مشحونة بكثير من الآلام المبرحة والآمال العريضة في الوقت ذاته وهي تصادف قمة الثورة الجهادية الوريثة الشرعية لها في معركة الأقصى بشقيقتها الصغرى فلسطين.

لقد عايشت تلك الثورة الجهادية كابن شهيد ومجاهد في صفوف جيش تحريرها حتى توقيف القتال وتقرير المصير والاستقلال وكنت شاهدا على كثير من مجرياتها المفرحة والمقرحة بورودها وأشواكها؛ بأفراحها بانتصاراتها وأقراحها بالإحباطات والتقلبات والخيانات التي اعترضت مسيرتها الطولية إلى النصر المبين!

ومن مميزاتها أن يوم انتصارها وتحقيق الاستقلال سنة 1962 كان هو يوم ذكرى الغزو والاحتلال سنة 1830 مما يعني أن كل استقلال قد يحمل بذور احتلال كما أن كل احتلال يحمل بذور استقلال إذا بقي عزم الرجال كما كان واقع  الحال.

وإدراكا مني بما للثورة الجزائية من أوجه شبه وتطابق أحيانا مع ما يجري في فلسطين هذه الأيام، إلى درجة التوأمة (السيام) بين الثورتين وخاصة من جهة  نوعية الاستيطان وفصيلة المستوطنين أنفسهم  خلفا عن سلف.. والدليل على ذلك هي آلاف القوافل من شهداء المغرب العربي الكبير المدفونين  في القدس الشريف على مر التاريخ الإسلامي للأمة عندما كانت أمة حرة  حتى  تحت الاحتلال الأجنبي  الخارجي (الأرحم مع الأسف من الاستحلال الداخلي الراهن!!!!)، حيث ذهب أكثر من 4000  مجاهد سنة 1948 ودخلوا من أرض الكنانة سابقا لنجدة الأشقاء في الأرض المباركة التي لم تتغير في وجدان كل مسلم من المحكومين لاحقا في أمة المليارين من أصحاب العين البصيرة واليد القصيرة على امتداد سماع الآذان وتلاوة القرآن من جاكارتا إلى داكار ونواكشوط والرباط وتطوان مرورا بقسنطينة ووهران!؟!

وإني لهذا السبب وغيره أعيد نشر بعض فصول كتابي (جهاد الجزائر: حقائق التاريخ ومغالطات الجغرافيا)، هنا في صحيفة "عربي21"، وهو صورة حية عن جوانب مشرقة من ثورة القرن العشرين التي جسدت أمجاد الحرية والكرامة، تماما كما هو حال غزة وفلسطين هذه الأيام.. لما بين الثورتين من تطابق  وتشابه كما قلنا وعشنا في الثورة الأولى مقارنة بما نراه على المباشر في الثورة الفلسطينية العظيمة  الثانية التي اختصرت أمة المليارين (من غثاء السيل) في المليونين من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والقدس وجنين.

بعد تعيينه رئيسًا لمجلس الوزراء يوم أوّل حزيران 1958، مارس الجنرال ديغول سياسة إدماج الجزائر بفرنسا بالموازاة مع محاربة من كان يسميهم "المتمرِّدين" من خلال خُطّة شال وغيرها من العمليات الكبرى الشهيرة


وإنني أدرك تمام الإدراك الصلة الوثيقة بينهما في حجم التضحيات ومعارك التحرير التي يخوضها الأشقاء  الفلسطينيون هناك (كما كان أشقاؤهم هنا لأكثر من سبع سنين دون انقطاع) في مواجهة أعتى احتلال وأشده شراسة، لا سيما وأنه احتلال يلتف حوله قادة  العالم الغربي الاستعماري كله ويدعمونه انتقاما  من عدوهم اللدود على هزائمهم السابقة وإحياء لخلافات وأحقاد تاريخية دفينة..

كنا نعتقد، وأن بعض الظن  ليس إثما، أن ثورات الحرية والكرامة والسيادة والاستقلال التي عرفتها مختلف أنحاء المعمورة قد تجاوزتها الوحوش البشرية المسلحة بالنووي والحقد الأعمى في معاداة حقوق الإنسان الفلسطيني خارج  حقوق الإنسان التي يحميها حق الفيتو الظالم أمام كل أنظار العالم الأعور الأصم  الواجم.

إن الإسلام والاستعمار ضدان لا يلتقيان في مبدأ ولا في غاية، فالإسلام دين الحرية والتحرير، والاستعمار دين العبودية والاستعباد، والإسلام شرع الرحمة والرفق، وأمر بالعدل والإحسان، والاستعمار قِوامه على الشدة والقسوة والطغيان، والإسلام يدعو إلى السلام والاستقرار، والاستعمار يدعو إلى الحرب والتقتيل والتدمير والاضطراب، والإسلام يثبت الأديان السماوية ويحميها ويقرّ ما فيها من خير ويحترم أنبياءها وكتبها، بل يجعل الإيمان بتلك الكتب وأولئك الرسل قاعدة من قواعده وأصلا من أصوله، والاستعمار يكفر بكل ذلك ويعمل على هدمه خصوصا الإسلام ونبيه وقرآنه ومعتنقيه. وهذا المكيال العجيب الغريب بين إنسانين لا يثير القلق  فقط حول مصير البشرية في هذا العالم (وحيد القرن) وإنما يعيد السؤال أيضا وبالحاح عما إذا كان للمعارك الحضارية الكبرى التي سعت لتوحيد البشرية على أساس العدل والمساواة تتراجع إلى ما تحت الصفر كما نراها في مجازر المغول الجدد بالصوت والصورة في غزة  العزة والإنسانية التي تحتضر في مستشفياتها المنكوبة كلها  اليوم  والمقطوعة عن الحياة أمام أعين دعاة حقوق الإنسان (الحجري)  وليس الإنسان البشري المتحضر  المتعلم  والمتقدم!!

وما يفيد في هذه الصفحات من ثورة  الجزائر (فلسطين الأولى) الأشقاء  في الجزائر الثانية ( فلسطين  الحالية)، سأسرده ليس من باب تقديم الدروس، وإنما من باب قراءة التاريخ والاتعاظ به وأخذ العبرة منه..

ديغول وسياسة إدماج الجزائر

بعد تعيينه رئيسًا لمجلس الوزراء يوم أوّل حزيران / يونيو 1958، مارس الجنرال ديغول سياسة إدماج الجزائر بفرنسا بالموازاة مع محاربة من كان يسميهم "المتمرِّدين" من خلال خُطّة شال وغيرها من العمليات الكبرى الشهيرة، وتنمية اقتصاديّة للجزائر من خلال برنامج قسنطينة؛ وقد وجب عليه أن يُقنِع مسؤولي الجيش الفرنسيّ ومجموعة الفرنسيّين الموجودين بالجزائر، ليدعموا سكان فرنسا في منحه السّلطات الكافية التي اشترطها لتنفيذ برنامجه الجهنمي الذي بذل فيه المستحيل للقضاء على الثورة المسلحة كما سنبين ذلك في هذا الفصل.

ففي إطار هذه السياسة مارس الجيش الفرنسي أسلوب تجويع الثوار، وإرغامهم على الاستسلام أو الموت جوعا، وتهجير السكان من قراهم، ومشاتيهم في الأرياف والسهول والجبال وحشدهم في مراكز خاصة أعدت خصيصا لهذا الغرض، وأحيطت بالأسلاك الشائكة، ومراكز المراقبة والحراسة الشديدة ليلا ونهارا.

مما جعل عدد السكان المهجرين إلى هذه المحتشدات يبلغ أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، وهو ما يقدر بثلث سكان الجزائر في ذلك الوقت.

إقامة المناطق المحرمة:

وبعد تهجير السكان إلى تلك المحتشدات أعلنت قراهم ومداشرهم مناطق محرمة لتظل عرضة للقنبلة بالطائرات وبالمدافع من المراكز العسكرية المجاورة، ومن البحر (عن طريق البواخر) بالنسبة للقرى الساحلية، وواصلت القوات البرية المتنقلة، حرق القرى وإتلاف المزروعات وتخريب الحقول والبساتين وتسميم الغلال والمياه أحيانا للقضاء على المجاهدين بكل الوسائل.

إنشاء المصالح الادارية الخاصة ( S.A.S)

ومع سياسة مراكز الاحتشاد، والمناطق المحرمة، أنشأت القوات الفرنسية المصالح الإدارية الخاصة التي تعارف الناس على ذكرها باسمها المختصر الصاص (S.A.S) من أجل محاربة الثورة بوسائل إدارية ونفسية بسيكولوجية ولكسب تعاطف أفراد الشعب وثقة المواطنين، بالتوازي مع العمل العسكري.

ولذلك كان كل مركز عسكري مقرونا بمركز أو مصلحة إدارية خاصة بجانبه يقودها ضباط متخصصون يتظاهرون بالمعاملة الإنسانية الحسنة، والشفقة والإحسان، والرأفة، وبمساعدة المواطنين والعمل على تخليصهم من العقوبات والعذاب المسلط عليهم، ويفتعلون البشاشة وحسن الاستقبال للمقبوض عليهم، والمسجونين، والمعوقين، ولكل المواطنين بصفة عامة، على أمل الحصول على ثقتهم كوسيلة للحصول منهم على المعلومات المطلوبة عن الثورة ورجالها.

وفي أغلب الأحيان تتولى هذه المصالح المختصة، توزيع المواد الغذائية على المحتاجين والراغبين في الحصول عليها، لكسب ثقتهم واستمالتهم إليهم، واستعمالهم في الأغراض التي تخدم مصالح القوات الفرنسية ضد الثورة، وذلك بطريقة ذكية وماكرة. وعندما تتأكد من ثقتهم تطلب منهم قطع الصلة بالثوار، وعدم التعامل معهم، ومساعدة القوات الفرنسية على محاربتهم والقضاء عليهم.

ومع ذلك فإن المواطنين لم ينخدعوا بهذه السياسة الاستعمارية، وتفطنوا لها، ولما تبيته لهم هذه المصالح الإدارية الخاصة، فأفشلوا سياسة ضباطها الماكرين، ولم ينجحوا إلا نجاحا محدودا جدا، وفي بعض المناطق دون أخرى، وهو الأمر الذي دفعهم إلى تجنيد القوم والحركة، من المدنيين، وتكوين فرق خاصة منهم وحدهم في العديد من المناطق.

تكوين فرق الحركة والقوم:

وقد بدأ تكوين هذه الفرق، منذ بداية الثورة، من الجزائريين، وتم التوسع فيها بعد مجيء الجنرال ديغول، ولا يختلفون عن الڤوم والصبايحية في القرن الماضي، وقد تضاعف عددهم وتعددت مهامهم، ضمن القوات الفرنسية، وتحملوا مسؤولية التنكيل بالشعب، وارتكاب أبشع الجرائم ضده، بأمر من أسيادهم، فكانوا يقتحمون القرى والمنازل على غفلة من أهلها في الليل والنهار ويعتدون على حرمات النساء، والبنات، ويحرقون المنازل، والقرى، ويسلبون، وينهبون كل ما يجدونه، ويقدرون على حمله من الحلي، والأمتعة، والألبسة، والأغذية، ويتلفون الباقي، ويقتلون الناس بمجرد الشبهة، ويعتقلون من شاؤوا ويعذبون الشيوخ الكبار، والأطفال الصغار، والنساء، ويغررون بالمواطنين فيتظاهرون أحيانا في زي المجاهدين، ويطلبون المأوى، والغذاء والمعلومات عن الجيش الفرنسي ثم يكشفون عن حقيقتهم بعد أن يتوصلوا إلى ما يريدون ويقومون بتعذيب الأهالي وعقابهم الجماعي بمختلف الوسائل، والبطش بهم، ومصادرة أملاكهم وثرواتهم، وأمتعتهم، وسوقهم إلى مراكز التجمعات السكانية والمحتشدات المذكورة المحاطة بالأسلاك الشائكة والمكهربة أحيانا.

فرق الدفاع الذاتي:

ومع فشل سياسة فرق الحركى والڤوم، عمدت القوات الفرنسية إلى إنشاء وتطبيق أسلوب الدفاع الذاتي défense Auto للمواطنين بعد تسليحهم، وجعل المواطنين الآخرين ينظرون إليهم نظرة الريبة، واعتبارهم محاربين ضد الثورة والثوار، إلى جانب القوات الفرنسية.

وقد روجت وسائل الإعلام الفرنسية لهذا الأسلوب من الدفاع الذاتي وشخصته على أنه دفاع ضد القتلة والمجرمين، والخارجين عن القانون، والمعتدين على أبناء جلدتهم، الذين طلبوا بإرادتهم الأسلحة من الجيش الفرنسي لمحاربتهم، وقتالهم، في إطار الدفاع الذاتي.

ولكن هذا الأسلوب أيضا لم ينفع ولم يقدم أية نتيجة، لأن الكثير من عناصر قوة الدفاع الذاتي تحولوا إلى خدمة الثورة دون أن يشعر العدو بذلك.

سياسة الحصار الغذائي والتجويع:           

لقد طبق ديغول أثناء حكمه هذه السياسة لخنق الثورة، وتوسع فيها عن طريق تقسيط المواد الغذائية وفرض حصار غذائي شديد على المواطنين حتى لا يزودوا المجاهدين بالمؤن، وعمل على ربط الشعب به بواسطة اتصاله الدائم بالإدارة الفرنسية للحصول على احتياجاته الغذائية، ولاستمـالة البعض من الناس تدريجيا للتعامل معه، والانفصال عن الثورة والمجاهدين.

وقد حددت الإدارة الاستعمارية الكميات التي ينبغي أن يزود بها كل سوق من المواد الغذائية، بصورة شحيحة، ومقترة لا نظير لها إلا في سنوات المجاعات الحادة، ومنها سنوات الحرب العالمية الثانية التي أكل الناس فيها جذور "تار غودة"، وغيرها من الحشائش.

أسلوب ضباط العمل البسيكولوجي:

لقد جندت القوات الفرنسية ضباطا متخصصين في العمل البيسيكولوجي، واستعملتهم لفصل الشعب عن الثورة والمجاهدين، وذلك بوسائل متنوعة أهمها:

1 ـ  المصالح الإدراية الخاصة وقد تأسست عام 1956م، ثم ازدادت أهميتها وفعاليتها في عهد الجنرال ديغول، وضباط هذه المصالح الخاصة من خريجي المدارس المتخصصة في فنون الدعاية، وغسل الأمخاخ.

2 ـ  إحصاءُ الشبان واستدعاؤهم للخدمة العسكرية الإجبارية حتى لا يلتحقوا بصفوف الثورة.

حددت الإدارة الاستعمارية الكميات التي ينبغي أن يزود بها كل سوق من المواد الغذائية، بصورة شحيحة، ومقترة لا نظير لها إلا في سنوات المجاعات الحادة، ومنها سنوات الحرب العالمية الثانية التي أكل الناس فيها جذور "تار غودة"، وغيرها من الحشائش.
3 ـ  وضع بطاقة إحصائية لكل السكان، ومتابعة تحركاتهم بالمراقبة والتفتيش والاستعلام والاستدعاء.

4 ـ وضع بطاقة خاصة لكل الشبان الذين تتجاوز أعمارهم سن 14 سنة لإحكام الرقابة عليهم وعلى أنشطتهم، وأماكن تواجدهم.

5 ـ  إصدار رخص الخروج، وفرض الرقابة المشددة على الدخول كذلك، ومراقبة تحرّك السكان في كل مكان!

6 ـ إصدار بطاقات التموين، ومراقبة الشعب في استخدام تلك المؤن بوسائل العملاء تحت إشراف ضباط المصالح الإدارية الخاصة نفسها، والمشرفة على التوزيع.

7 ـ  إصدار بطاقات خاصة لعملائهم من الجزائريين.

8 ـ  القيام بمهام الحالة المدنية.

9 ـ ترقيم المنازل والبيوت، والمساكن، واستدعاء أصحاب الحوالات والطرود البريدية لاستفسارهم والاستعلام عن مصادرها وأوجه صرفها، وحجز تلك الحوالات لديها وتجزئة صرفها لهم شهريا حسب عدد أفراد العائلة.

10 ـ  القيام بحملات دعائية مسمومة لكسب المواطنين، ومحاولة إقناعهم بأن جيش التحرير الوطني إنما يريد بهم شرا، ولهذا كانوا يطلقون على المجاهدين اسم "المخربين" و"الإرهابيين" و"قطّاع الطرق" و"الخارجين عن القانون".

11 ـ  ربط وتوزيع التموين، ووسائل العيش بتقديم المعلومات عن المجاهدين والمسبلين والثورة.

12 ـ  السهر الدائم على تنشيط الإذاعات المحلية المجندة ضد الثورة، ودعم وسائلها ودعايتها وترويج أخبارها، ومنها: "صوت البلاد".

13 ـ استنطاق المعتقلين والموقوفين في المحتشدات، والسجون، والمعتقلات، وإجراء حوارات معهم للتمكن من إضعاف معنوياتهم وغسل أمخاخهم.

الخيانة موقف

 

الخيانة موقف

20/11/2023

خيانة إبليس وزلل آدم

من يقرأ إرادة الله في الحكم على موقف إبليس سيتبادر إلى ذهنه أن هنالك عصيانا قوبل بحكم قاطع حوَّل إبليس إلى شيطان رجيم، وتساهل مع آدم حينما علَّمه كلمات الاستغفار ليتوب عليه، مع قليل من العمق سيجد المتأمل أن هنالك فرقا كبيرا بين سلوك إبليس وفعل آدم.

إبليس اتخذ موقفا بدافع “الأنا” وكبرياء نفسه، فخالف عهده مع الله بالعبودية لله وطاعة أمره، فكانت النتيجة أن خان الهوية والكينونة التي بُني عليها، ليتخذ موقفا ضد إرادة الله تكبُّرا وعنادا، فشط ليكون شيطانا، تماما كمن يزعم أنه مسلم وهو يتخذ موقفا ضد مسلمين، ويتهمهم ويثبطهم وهم يردّون الظلم، ويناصر الظالم أو من يناصر الظالم من أجل المال أو كراهية للمظلوم، كما كره إبليس آدم وهو لم يكن ليؤذيه، لهذا كان الحكم بعقوبته مباشرا.

أما آدم فهو خُدع لأنه لم يستخدم منظومته العقلية، ونسي الاستفادة من المعلومة والتفكر بها، ونسي أن هذا الشيطان قد رفض السجود له مخالفا أمر الله، ولسنا هنا بصدد معنى السجود لآدم، وهو السجود لبديع الخلق وليس كالسجود لله، وبيان الأفضلية في التكوين، فاضطرب آدم ولم يعد يعلم كيف يصحح خطأه، فعلَّمه ربه الكلمات.

العزيمة والإرادة عند آدم وإبليس

بعد أن نظرنا إلى الفرق بين الموقف والغفلة، لا بد من النظر إلى عواملها، فإبليس كان ذا عزيمة بالشر عندما فكر وقرر وظن أنه الأفضل وفق هواه، فتصرّف بأناه رافضا كارها هذا المخلوق الجديد، وكان ذا إرادة عندما أغوى آدم عن سبق إصرار وقرار ومكر، فالتفكير والمكر والقرار هو العزيمة، وتنفيد هذا القرار هو الإرادة، وهكذا تتحد العزيمة والإرادة لتشكل الموقف عند كل شيطان يخون عهده، فهو موقف يستوجب الإبعاد والعقاب، كذلك فعل الرب.

أما آدم فكان ناسيا أن هذا المخلوق عدوه، وتصور أنه فعلا ينصحه، ورغم أنه يمتلك المعرفة فإنه لم يدر محتواها ليعلم الطريق الصائبة والقرار الحصيف، فلم تكن له عزيمة، كذلك قال الله {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، ونسي، كذلك قال الله إنه نسي، أما إرادته فبفقدان فاعلية المنظومة العقلية تحل الغفلة، فسار مع غرائزه وفاعلية حب البقاء عندما صوَّر له الشيطان أن هذا الشطط هو الصواب، وأن هذه الطريق هي سبيل الخلود، تولدت الإرادة في التنفيذ، ولحب حواء له كذلك خُلقت تؤيده كما تؤيد أي امرأة زوجها عندما تحبه حتى في زمننا الحالي، فآدم علَّمه ربه كلمات التوبة تصويبا لعزيمته، وعاقبه على سوء استخدامه منظومته العقلية عندما لم يصر على الخطأ فلم يصبح من شياطين الإنس، كذلك البشرية اليوم في اختبار المواقف والسلوك والقرار وتفعيل المنظومة العقلية أساسا، فمن اتبع غريزته في حب البقاء وفعّل منظومته العقلية في نقض العهد فقد اتخذ موقفا شيطانيا إن استمر يدعي الانتماء إلى قومه وأن من يخالفونه هم الشياطين، أو اتخذ موقف التحول إلى طرف آخر وتبرأ من قومه، عندها هو له رايه وقراره في مصيره وخياراته، فالخيانة موقف وانتماء ونفاق وعرضة للحساب إن لم يتحول بقناعة إلى صف المخالف، عندها يأخذ حكمهم ووضعهم عند الله وعباد الله، والله من يحاسبه لا البشر.

خيانة الأمة موقف أيضا

نحن اليوم في فترة عصيبة تحتاج إلى تمييز المواقف، عندما نكتشف أن أمتنا غثاء، وأن أسياد قومهم ليسوا إلا في موقف لا يتصورون أنه موقف خيانة في حالة من الغفلة والازدواج ما بين الفعل الإبليسي والغفلة الأدمية، وكيف يرضى سادة القوم أن يكونوا أتباعا في ظن ديمومتهم على سيادة قومهم، كذلك ظن آدم الخلود، بقاؤك أيها القائد على الانتماء إلى قومك وأنت تعمل ضدهم هو الخيانة، يخلصك منها إعلانك الانفصال عن قومك وما يؤمنون به، أما الانتماء إلى الكرسي والمنصب فهو انتماء غريزي يمكن أن يستديم مع تغيير السيّد ليكون الشعب وبما يُرضي الله، فالتوجه إلى الخارج ذلة وثمن باهظ، والسيّد بين قومه قائد أو زعيم.

الموقف هو تولُّد قناعة واستعداد لعمل من أجل الموقف، فالإخلاص موقف، كذلك الخيانة موقف، وكلتا الحالتين تحتاج إلى عزيمة وإرادة، لكن لتتخلص من وضعك الشاذ أيها الخائن، أعد تعريف نفسك فتكون من القوم الذين وقفت معهم، عندها لك حقوق ومسؤوليات لها تعريف، أما اتهام الآخرين الذين فرض انتماؤهم عليهم عملا وتسفيههم ونصرة أعدائهم فهذا موقف خيانة، والتحول إلى جانب عدوهم رسميا يضعك في موضع الإنسان برأي آخر وحساب آخر وشروط أخرى.

درس وعبرة

لا يحق لي القول إن الحاخامات ومن تجمّع معهم في الكنيس يدعون على حماس ويطلبون النصر خونة، فهذا معتقدهم بل تمام الإيمان والإخلاص له، ولأن مثلهم في الطرف الآخر كلٌّ يدعو بما يظن أنه وعد إلهي له، ولكن من يتشفى في أهله ظنا منه أن هذا فيه رزقه، وحياته في إرضاء من يرى نصر عدوه غاية وليس نصرة للحق، وحينما سيطرت غرائزه وحاجاته على منظومته العقلية، فهو كإبليس شيطان خائن.

فيا أيها الناس كائنا من كنتم، لينظر كلٌّ إلى موقعه، أهو إبليس أم آدم؟ وكيف يحافظ على الآدمية فيه أو كيف يكون شيطانا بموقف خيانة العهد؟ ودوما هنالك كلمات ربك لمن تاب.

كيف يكون إيماننا فوق كل ابتلاء ومحنة؟

كيف يكون إيماننا فوق كل ابتلاء ومحنة؟

د.علي الصلابي

مؤرخ، فقيه، ومفكر سياسي

إن الكلام عن الإيمان عظيم النفع والحاجة، بل الضرورة ماسة إلى معرفته والعناية به معرفة واتصافا، وذلك أن الإيمان بالله وحده هو كمال العبد، وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل، ولا يحصل، ولا يقوى، ولا يتم إلا بمعرفة ما منه يستمد، وإلى ينبوعه وأسبابه وطرقه. والله تعالى قد جعل لكل مطلوب سببا وطريقا يوصل إليه، والإيمان أعظم المطالب وأهمها وأعمها، وقد جعل الله له مواد كثيرة تجلبه وتقويه، كما كانت له أسباب تضعفه وتوهيه.

ومواده التي تجلبه وتقويه أمران: مجمل ومفصل

  • أما المجمل فهو: التدبر لآيات الله المتلوة من الكتاب والسنة، والتأمل لآياته الكونية على اختلاف أنواعها، والحرص على معرفة الحق الذي خلق له العبد، والعمل بالحق، فجميع الأسباب مرجعها إلى هذا الأصل العظيم. (الأمثال القرآنية، 1 / 418)
  • وأما التفصيل: فالإيمان يحصل ويقوى بأمور كثيرة، ومن بينها:

معرفة أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد لله بها

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مئة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة» أي من حفظها، وفهم معانيها، واعتقدها، وتعبد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون، فعلم أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته. ومعرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان، والإيمان يرجع إليها، فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه، وقوي يقينه، فينبغي للمؤمن أن يبذل مقدروه ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وتكون هذه المعرفة متلقاة من الكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه المعرفة النافعة تجعل المؤمن في زيادة في إيمانه، وقوة في يقينه، وطمأنية في أحواله. (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص 24)

من ثمرات تدبر القرآن: أنه وسيلة لمعرفة ما يريد الله منا، وكيفية عبادته تبارك وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إلينا، لأن القرآن الكريم منهج حياة أنزله الله عز وجل

تدبر القرآن الكريم على وجه العموم

إن المتدبر لا يزال يستفيد من علوم القرآن ومعارفه ما يزداد به إيمانا، كما قال تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون *} [الانفال :2] وهو العلاج الناجع لأمراض القلوب، قال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين *} [يونس :57] إنه موعظة من الله، وهل هناك أبلغ من الموعظة الربانية؟! وأيسر منها؟! وأكثر نفاذا إلى القلب والضمير؟! ففيه الشفاء لأمراض الشبهات والشهوات، وأمراض الهوى والانحراف، وأمراض الشك والشرك، وأمراض القلوب والنفوس، والجوارح، والحواس، ومشاكل السياسة والاقتصاد والأخلاق والاجتماع والحياة، قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الاسراء :82] فهو غذاء للروح، وعلاج يشفي النفوس من عللها، ويكسبها المناعة القوية.

ومن ثمرات تدبر القرآن: أنه وسيلة لمعرفة ما يريد الله منا، وكيفية عبادته تبارك وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إلينا، لأن القرآن الكريم منهج حياة أنزله الله عز وجل، وهو أساس التشريع الذي يجب على العباد أن يتدبروه، ويلتزموا بأوامره، ويجتنبوا نواهيه ليحققوا عبادة الله تعالى. (شجرة الإيمان، السعدي ص، 41)

وإذا نظر إلى انتظام القرآن الكريم وإحكامه، وأنه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف: تيقن أنه {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد *} [فصلت :42] وأنه لو كان من عند غير الله لوجد فيه من التناقض والاختلاف أمور كثيرة، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا *} [النساء :82]. وهذا من أعظم مقويات الإيمان، ويقويه من وجوه كثيرة، فالمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما اشتمل عليه من الأخبار الصادقة والأحكام الحسنة، يحصل له من أمور الإيمان خير كبير، فكيف إذا أحسن تأمله، وفهم مقاصده وأسراره؟ ولهذا كان المؤمنون الكمل يقولون: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا} [آل عمران: 193].

أقسم تعالى على كمال هذا الرسول، وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق قال تعالى: {ن والقلم وما يسطرون *ما أنت بنعمة ربك بمجنون *وإن لك لأجرا غير ممنون *وإنك لعلى خلق عظيم *} [القلم :1 ـ 4]

معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله

فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه، وصدق ما جاء به، قال تعالى: أي: {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون *} صلى الله عليه وسلم توجب للعبد المبادرة إلى الإيمان ممن لم يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به، وقال تعالى مشجعا لهم على تدبر أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم الداعية للإيمان: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد *} [سبأ :46].

وأقسم تعالى على كمال هذا الرسول، وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق قال تعالى: {ن والقلم وما يسطرون *ما أنت بنعمة ربك بمجنون *وإن لك لأجرا غير ممنون *وإنك لعلى خلق عظيم *} [القلم :1 ـ 4] فهو (صلى الله عليه وسلم) أكبر داع للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة النافعة، وأفعاله الرشيدة، فهو الإمام الأعظم، والقدوة الأكمل، وقد ذكر الله عن أولي الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: وهو هذا الرسول الكريم بقوله {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان}، وعمله ودينه وجميع أحواله {أن آمنوا بربكم فآمنا} [ آل عمران: 193] أي: إيمانا لا يدخله ريب، ولما كان هذا الإيمان من أعظم ما يقرب العبد إلى الله، ومن أعظم الوسائل التي يحبها الله ـ توسلوا بإيمانهم أن يكفر عنهم السيئات، وينيلهم المطالب العاليات قالوا: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار *} [ آل عمران: 193] ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق مجرد ما يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ولا يرتاب في رسالته، بل كثير منهم مجرد ما يرى وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم يعرف أنه ليس وجه كذاب (الإيمان أولا فكيف نبدأ به، د. الهدلي ص، 119).

النظر إلى فقر المخلوقات كلها، واضطرارها إلى ربها من كل الوجوه، وأنها لا تستغني عنه طرفة عين، خصوصا ما تشاهده في نفسك، من أدلة الافتقار، وقوة الاضطرار

التفكر في الكون والنظر في الأنفس

إن التفكر في الكون، وفي خلق السماوات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في الإنسان، وما هو عليه من الصفات: يقوي الإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدال على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام الذي يحير الألباب، الدال على سعة علم الله، وشمول حكمته، وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله وجوده وبره، وذلك كله يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره، واللهج بذكره، وإخلاص الدين له، وهذا هو روح الإيمان وسره.

وكذلك النظر إلى فقر المخلوقات كلها، واضطرارها إلى ربها من كل الوجوه، وأنها لا تستغني عنه طرفة عين، خصوصا ما تشاهده في نفسك، من أدلة الافتقار، وقوة الاضطرار، وذلك يوجب للعبد كمال الخضوع، وكثرة الدعاء، والتضرع إلى ربه، وكمال الثقة بوعده، وشدة الطمع في بره وإحسانه، وبهذا يتحقق الإيمان، ويقوى التعبد، فإن الدعاء مخ العبادة وخالصها (هجر القران العظيم د. محمود الدوسري ص، 567).

وكذلك التفكر في كثرة نعم الله وآلائه العامة والخاصة، التي لا يخلو منها مخلوق طرفة عين، فإن هذا يدعو إلى الإيمان (شجرة الإيمان، السعدي، 48)، قال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب *الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار *} [آل عمران: 190 ـ 191].

مصر بين يحيا الأمل ويحيا البصل

 

مصر بين يحيا الأمل ويحيا البصل

المشهد عجيب، وهو من مصر أم العجائب، وفيه تلوح تباشير بطل مصري اسمه أحمد طنطاوي بعد عقد فرعوني عقيم، وفي المشهد أعجوبة أخرى مضحكة ومبكية، وكم ذا بمصر من المضحكات، والأعجوبة هي أن المرشح الرئاسي الأهم أحمد طنطاوي، ولم يصبح مرشحاً رسمياً بعد، لأن النظام المصري يمتنع عن قبول توكيلات موكليه خوفاً من سباق حقيقي سيخسر الرئيس "شيك هاند يو" فيه، ظهر وهو يقبّل رأس سيدة مصرية تحمل صورة السيسي! بل إن السيسي يبرز على صورة كبيرة كلما خطب الطنطاوي في أنصاره!

الصورة تذكّرنا بمقولة للفرزدق، وكان شيعيّ الهوى، حين لقي الحسين بن عليّ رضى الله عنهما عند مقدمه من العراق وخروج الحسين إليه وسأله ما وراءك؟ فقال: على الخبير سقطت؛ قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أميّة، والنصر من السماء. لا يشبه السيسي بني أمية في شيء، فقد فتحوا الدنيا، ولم نرَ السيسي يفتح سوى علبة الماء من غير مساعدة أو اتصال بوزير.

يمنع الرئيس العربي ظهور الأبطال، فإن ظهر أبطال في الأدب أو الرياضة أو العلوم استحوذ "شيك هاند يو" على بطولاتهم، بدعوتهم لزيارته، فإذا زاروه صافحهم وجرى تفاعل يشبه التفاعل الذي يجري بين المعادن في الحموض، والسيسي بموقعه الرئاسي أعلى في سلسلة الإزاحة الكيماوية، وقد غدا المناخ البوليسي عالي الحموضة، فنزع الشوارد من معدن الشعب على أشده.

لم يكن متخيلاً قط أن تتصحر مصر وتخلو من الأبطال مدة عقد كامل، وأن يكون بطلها الوحيد، هو عبد الفتاح ترامادول، بل أن يصير بطلاً وطبيباً وفيلسوفاً وقائداً عسكرياً، ولم يخُضْ معركة قط في حياته سوى معركة رابعة التي جندل فيها مئات العزّل، بل بلغ ظلمه وجوره أن يبثّ صور المعركة على الهواء مباشرة، لجمهوره في الشرق والغرب، بغرض الاستشفاء والشماتة

الرئيس العربي يمنع ظهور الأبطال في جميع الميادين، وأخصّها السياسية، بل إن الأبطال يهربون من ديارهم، وكان آخرهم بطل الجودو المصري عبد الرحمن الصيفي.. الهروب هو البطولة.

الرئيس في أهم البلاد العربية هو الرياضي الأول، حتى لو شاخ وعجز، وهو العالم الأول حتى لو كان أجهل الجهّال، وهو القاضي الأول حتى لو كان أجرم المجرمين، كأنه يشعر بالغيرة من الأبطال أو أنه يخشى تأثيرهم على الشعب، فيختلس نورهم. كانت جدران الشوارع السورية مكتظة ولا تزال بشعارات تجعل الرئيس هو الأول في كل مضمار، الدولة الوحيدة المستثناة من هذا القدر السياسي المعاصر في الشرق الأوسط هي تركيا، حتى إن رؤساء أحزاب تركية معارضة أو موالية، هم بقوة الرئيس أو دون قوته وسطوته بقليل، مثل دولت بهتشلي، أو كليتشدار أوغلو، بل إن رئيس حزب صغير مثل حزب الظفر يصول ويجول، ويكاد أن يقلب تركيا عاليها سافلها بتصريحات عنصرية، والدولة عاجزة عن منعه.

لم يكن متخيلاً قط أن تتصحر مصر وتخلو من الأبطال مدة عقد كامل، وأن يكون بطلها الوحيد، هو عبد الفتاح ترامادول، بل أن يصير بطلاً وطبيباً وفيلسوفاً وقائداً عسكرياً، ولم يخُضْ معركة قط في حياته سوى معركة رابعة التي جندل فيها مئات العزّل، بل بلغ ظلمه وجوره أن يبثّ صور المعركة على الهواء مباشرة، لجمهوره في الشرق والغرب، بغرض الاستشفاء والشماتة، فتابعها العالم الحر والمجتمع الدولي سعيداً مسروراً وهو يرى الجثث المحترقة للمعتصمين فيها.. لم تكن معركة النخبة المصرية الحاكمة فحسب، وإنما معركة العالم "الحر" مع الثورة المصرية، فقد خشي ظهور أبطال يعيدون مصر إلى مجدها.. الأبطال هم في الغرب فقط.

لم يكن معقولاً أن تعقم مصر مدة عشر سنوات، ليس لأن المصريين أشجع من أشقائهم العرب، بل لأنَّ مصر أكبر بلد عربي، وهي بلد يمور بالأبطال، ولأنها لم تُصب بما أصيبت بها بلاد عربية من سلطة الحزب مثل حزب البعث في العراق، وحزب البعث في سوريا.

وقد علّمنا التاريخ الحديث أنّ القائد العربي الثوري يحرص على قتل رفاق الدرب وصحبة السلاح، والشهود على جريمة "الثورة".. كذلك فعل جمال عبد الناصر الذي قتل شريكه المشير عبد الحكيم عامر، وكذلك صدام حسين في مجزرة ارتكبها على الهواء ضد رفاق الحزب الذين اتُهموا بالخيانة، وهو يدخن سيجاراً كوبياً، وجرى الأمر نفسه مع حافظ الأسد الذي تخلص من رفاق اللجنة العسكرية، وكذلك فعل السيسي بالتخلص من كل الضباط الزملاء.

الرئيس العربي يخشى الأقران الذين يمكن أن يكونوا خلفاء أو بدلاء، أما أغرب غرائب بطل ثورة يوليو المصرية فهي ضعف خصائصه وشمائله الشخصية، فليس له من بلاغة اللسان شيء، ومن أعجب العجائب أن مثله حكم مصر وعقّمها كما لم يفعل فرعون من قبل، بل إنه جعلها رهن الصندوق الدولي وقلب نهارها ليلاً ونعمتها ويلاً، ومنع ظهور بطل خلال عشر سنوات كاملة

الرئيس العربي يخشى الأقران الذين يمكن أن يكونوا خلفاء أو بدلاء، أما أغرب غرائب بطل ثورة يوليو المصرية فهي ضعف خصائصه وشمائله الشخصية، فليس له من بلاغة اللسان شيء، ومن أعجب العجائب أن مثله حكم مصر وعقّمها كما لم يفعل فرعون من قبل، بل إنه جعلها رهن الصندوق الدولي وقلب نهارها ليلاً ونعمتها ويلاً، ومنع ظهور بطل خلال عشر سنوات كاملة.

فلا بد أن سرّ هذا الرجل باتع، حتى سائق التوكتوك الذي خطب خطبته الشهيرة، وهي خطبة عامة ليس فيها ذكر للرئيس، اضطر إلى الظهور في اليوم التالي ليعتذر عما قال.

انقضت مدتا الرئيس الرئاستين، وهو يطمع في مدة ثالثة غير شرعية، إذا جاز وصف المدتين السابقتين بالشرعيتين، وقد ظهر المرشح أحمد طنطاوي الذي يشق طريقه بصعوبة، وهو أفضل من السيسي في كل شيء، في العلم والجسم، غير أنه ليس له ظهير في الجيش، وليس له في سيرته جسور وقصور، فلعله يكون بطلنا القادم، وإن لم يفز فحسبه أن يقول لا.

لا نأمل من الرئيس أحمد طنطاوي أن يعيد الجزيرتين، أو أن يمنع الملء الخامس وراء سد النهضة، أو أن يجدول ديون مصر، لا نريد منه سوى أن يغير درجة تركيز الحمض السياسي في مصر، حتى لا تصير دولة بعثية مثل سوريا أو العراق، إن بلغ أول مرحلة من السباق الرئاسي، وسُمح له بالترشح وتسجيل التوكيلات، وهي معجزة إن وصل.

نأمل أن يقوم بمعجزة تحويل الاستفتاء إلى انتخاب، وتحرير البصلة من قصرها الذهبي الجديد، تلك الثمرة الشعبية الرخيصة سريعة الإنبات والإثمار، التي حولها السيد عبد الفتاح العليم إلى تفاح. قال مؤرخون: إن المصريين ما بنوا الأهرامات إلا وهم يأكلون البصل.

يحيا الأمل، وهو شعار طنطاوي الأول، إن استطاع أن يسابق الرئيس، وإن مقيداً، سيمنع من تحول مصير مصر إلى مصير سوريا والعراق سياسياً، حتى لو استعمله السيسي مثل كوبري، فسننتفع به أيضاً، فلن يكون مثل سابقيه حمدين صباحي وموسى مصطفى، والله أعلم.

الأمريكيون الذين يعشون الصراعات، يصفون معاركهم "بالشو"، وعسى أن يستطيع طنطاوي تحويل مشهد الاستفتاء الرئاسي إلى فرجة جديرة بالمشاهدة.

twitter.com/OmarImaromar

الأربعاء، 29 نوفمبر 2023

الحرب الإسرائيلية الفلسطينية: من خلال تدمير غزة، تفتح تل أبيب جبهة ضخمة في الأردن

 الحرب الإسرائيلية الفلسطينية: من خلال تدمير غزة، تفتح تل أبيب جبهة ضخمة في الأردن
ديفيد هيرست
لقد اهتزت المملكة من أعلى إلى أسفل بسبب محاولات إسرائيل تفريغ قطاع غزة من شعبه


من أنقاض كنيسة ودير يعود تاريخهما إلى القرن الرابع على جبل نيبو - والذي أمر الله موسى، بحسب سفر التثنية، أن يصعده ليرى أرض الموعد قبل وفاته - تنفتح فلسطين أمامكم مثل  السجادة . 

يظهر في المقدمة وادي الأردن ؛ في المسافة المتوسطة، أريحا. وفي الأفق تتلألأ أضواء القدس.

إنها مكان اختاره الزعماء المسيحيون كرمز للسلام. وفي عام 2000، قام البابا يوحنا بولس الثاني بغرس شجرة زيتون بجوار الكنيسة البيزنطية. زار البابا بنديكتوس السادس عشر بعد بضع سنوات.

وكما يطير الغراب، فإن أقرب معبر على الحدود الأردنية قريب من الطرف الجنوبي لتل أبيب مثل غزة. ويحسن قادة إسرائيل وشعبها صنعاً إذا تذكروا هذه الحقيقة البسيطة ـ فهم لا ينبغي لهم أن يتطلعوا إلى مصر أو لبنان للحكم على تداعيات هذه الحرب، بل إلى الشرق نحو الأردن.

لقد اهتزت المملكة من أعلى إلى أسفل بسبب محاولات إسرائيل المعلنة والفعلية لتفريغ غزة من شعبها. 

ومن الأعلى، اتهمت الملكة رانيا، زوجة الملك الفلسطينية،  الزعماء  الغربيين باتباع "معايير مزدوجة صارخة" لفشلهم في إدانة مقتل المدنيين تحت القصف الإسرائيلي. 

وقال رئيس الوزراء بشر الخصاونة  إن تهجير الفلسطينيين خط أحمر بالنسبة للأردن وانتهاك أساسي لمعاهدة السلام التي أبرمتها بلاده مع إسرائيل، بينما قال وزير الخارجية أيمن الصفدي إن  ذلك  سيكون بمثابة “إعلان حرب”.

ومن الأسفل، لا تزال المشاعر تتصاعد. وعندما دعا أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب القسام، الأردنيين إلى النهوض، كان الرد سريعاً للغاية.

وهتف زعيم عشائري في المزار  : «إلى أبو عبيدة، الشخص الوحيد الذي ذكر فضل الأردن. ولأول مرة نسمع أن الأردن كابوس للصهاينة. فلسطين بالنسبة لنا نحن الأردنيين ليست حجارة وطين. فلسطين عند الأردنيين ليست تيناً وزيتوناً. فلسطين بالنسبة للأردني عقيدة ودين. من المزار الفخور تحية لأبي عبيدة. من الكرك الأبي تحية لغزة”. 

معاهدة السلام قيد المراجعة

ولا ينبغي لنا أن نرفض ارتفاع الدعم بين الأردنيين لحركة حماس، باعتبارها منظمة إرهابية، من قبل إسرائيل ودول أخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة، ولكن ليس من قبل الأردن.

الخصاونة على حق. إن أي تهجير قسري للفلسطينيين من أي جزء من فلسطين يمكن أن يكون سبباً للأردن لتمزيق معاهدة السلام مع إسرائيل، التي صمدت لثلاثة عقود من هذا الصراع.


كبداية، هذه الحقيقة مكتوبة في الوثيقة. وتنص المادة 2.6 من المعاهدة  التي  وقعها الملك حسين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إسحاق رابين، على أنه "في نطاق سيطرتهما، لا يجوز السماح بتحركات الأشخاص غير الطوعية بطريقة تضر بأمن أي من الطرفين".

لذلك، ليس من قبيل الصدفة أن يقوم البرلمان الأردني بمراجعة المعاهدة، أو أن الأردن  رفض التوقيع على  صفقة توسطت فيها الإمارات العربية المتحدة والتي يقوم الأردن بموجبها بتزويد إسرائيل بالكهرباء مقابل المياه.

مروان المعشّر، نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، هو مستودع للتقلبات العنيفة في علاقات الأردن مع إسرائيل. افتتح المعشر أول سفارة أردنية في إسرائيل. كوزير للخارجية، لعب دوراً مركزياً في تطوير مبادرة السلام العربية لعام 2002، والتي أثبتت أنها الفرصة الحقيقية الأخيرة لحل الدولتين على أساس حدود إسرائيل عام 1967. إذا كان هناك من يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام فهو هو.

ومع لا مبالاة المنتصر، استخدمت إسرائيل الأردن دائماً كمنطقة عازلة في أحسن الأحوال

واليوم، يتبنى لهجة متشائمة بشكل متزايد. وهو يشير بحق إلى أن القصف الإسرائيلي لغزة كان سبباً في إحياء المخاوف الأردنية القديمة من أن إسرائيل قد تخلق أو تستخدم ظروف الحرب لدفع عدد كبير من الفلسطينيين من غزة إلى مصر، ومن الضفة الغربية المحتلة إلى الأردن.

ورغبة إسرائيل في القيام بذلك ليست سرا. من الناحية الأيديولوجية، كان حزب الليكود، منذ مناحيم بيغن فصاعداً، يعتقد دائماً أن الأردن وطن بديل للفلسطينيين. وزيران في الحكومة - على يمين الليكود - يقولان صراحة إنه ليس للفلسطينيين الحق في العيش في الضفة الغربية، وأحدهما، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، هو أول وزير في الحكومة يشرف على الحياة المدنية في الأراضي  المحتلة .

كتب المعشر  في تعليق حديث لكارنيغي: "من وجهة نظر الأردن، أصبح النقل الجماعي احتمالاً حقيقياً، وليس مجرد حجة نظرية. إذا كانت إسرائيل لا تريد دولة فلسطينية أو أغلبية فلسطينية، فإن البديل الوحيد هو محاولة التأثير على النقل الجماعي لأكبر عدد ممكن من الفلسطينيين... وحتى الآن، تنطبق ظروف الحرب على غزة فقط. لكن الأردن يشعر بالقلق من أن غزة قد تشكل سابقة لتصعيد مماثل في الضفة الغربية. 

وأضاف: "تقوم مجموعات المستوطنين بالفعل بمداهمة القرى الفلسطينية يوميًا بدعم من الجيش الإسرائيلي، مما يؤدي إلى طرد الفلسطينيين منها". "وهذا يخلق الانطباع بأن المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية يرون في الحرب الحالية في غزة فرصة للتطهير العرقي في الضفة الغربية."

مخاوف من حرب مقدسة

لم يتمكن الملك حسين قط من تكرار دفء العلاقة التي كانت تربطه برابين مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الرجل الذي أمر بمحاولة اغتيال زعيم حماس خالد مشعل، والذي أجبره الحسين على تقديم الترياق للسم الذي دسه عملاء الموساد. قد حقنت في هدفهم.

ولم يكن أداء الملك عبد الله أفضل كثيراً على الرغم من تعليمه في ساندهيرست وميوله الأطلسية. ومع لا مبالاة المنتصر، استخدمت إسرائيل الأردن دائماً كمنطقة عازلة في أحسن الأحوال. ولم يغب عن الهاشميين أن أحد المحركات الرئيسية للدفع نحو التطبيع مع المملكة السعودية كان خطة إسرائيل لتحل محل دور الأردن التاريخي كخادم للأماكن المقدسة في القدس. المخاوف من أن تؤدي التغييرات التي تجريها إسرائيل على الوضع الراهن في المسجد الأقصى إلى إشعال حرب مقدسة مع العالم الإسلامي، أعرب عنها مقربون من العائلة المالكة الأردنية.

وفي أسوأ الأحوال، نظرت إسرائيل إلى الأردن باعتباره مصدر إزعاج يجب تجاوزه، إلى جانب الفلسطينيين، في الصفقات التجارية المتألقة مع دول الخليج الغنية بالنفط والغاز. كل هذا كان يتراكم بشكل ثابت في أذهان الأردنيين، قبل وقت طويل من تلويح نتنياهو بخريطة إسرائيل ، التي مُحيت منها فلسطين، في الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة. 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحمل خريطة تظهر الضفة الغربية المحتلة وغزة كجزء من إسرائيل في الأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2023 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحمل خريطة في الأمم المتحدة تظهر الضفة الغربية المحتلة وغزة كجزء من إسرائيل، في 22 أيلول/سبتمبر 2023 (رويترز)

ولكن هناك سبباً أعمق للانزعاج الأردني، ولليقين من عدم السماح لإسرائيل بالنجاح في غزة.

منذ السبعينيات فصاعدًا، كان الفلسطينيون - الذين يشكلون حوالي 60 بالمائة من السكان في الأردن ويحملون الجنسية الأردنية، باستثناء اللاجئين من غزة - يعتبرون أنفسهم متفرجين في كل مرة تندلع فيها الحرب. بعد انتهاء الحرب الأهلية بطرد منظمة التحرير الفلسطينية، فقد الفلسطينيون في الأردن كل إحساس بأنهم متورطون في الصراع. ولم يسمح الملك لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية بأن يكون لها أي تواجد جماعي في الأردن. 

وعندما أصبحت حماس مهيمنة في الشتات الفلسطيني، تم طردها هي الأخرى. وكانت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وحماس، كما  وصفها أحد الأعضاء البارزين ، علاقة "معقدة ومثيرة للجدل" بعد أن نقلت حماس قيادتها من الأردن إلى سوريا في عام 1999. 

ولم تهدأ الخلافات إلا عندما اتفق الطرفان على التعايش، لكن الحركة الإسلامية ظلت ممزقة بالانقسامات، بشكل رئيسي حول ما إذا كان ينبغي إعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية على الأجندة الداخلية للأردن. ليس لدى حماس عضوية أو تنظيم جذري في الأردن، على عكس لبنان أو سوريا. والإسلاميون في الأردن جزء من جماعة الإخوان المسلمين.

رفع المخاطر

اليوم، الكثير من هذا هو التاريخ. تسير المحادثات بين الفلسطينيين في عمّان على خطوط مختلفة تمامًا. 

قال لي أحد الفلسطينيين من عمان: "نحن في الأردن، فلسطينيين وأردنيين، لدينا روابط أوثق مع فلسطين من [زعيم حزب الله حسن] نصر الله. نحن سنة. نحن نأتي من نفس القبائل. كيف يمكن أن نلوم حزب الله لأنه لا يفعل المزيد ونحن نشارك فقط في المظاهرات؟ وهذا لا يمكن أن يستمر."

والحقيقة الواضحة هي أن إيقاظ الهوية الفلسطينية ، الذي أثار الاضطرابات المدنية في المدن المختلطة في إسرائيل عام 2021 بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، يحدث الآن في الأردن.

وهذا له آثار ضخمة. وبالنسبة للجماعات الفلسطينية المسلحة، فإن ذلك يفتح مخزونا هائلا من المجندين المحتملين والأموال والأسلحة. 

إن دعم حماس يتجاوز الانقسامات العرقية في الأردن. والأردنيون الشرقيون ملتزمون بنفس القدر بالرد على إسرائيل. وقال أحد زعماء إحدى العشائر المهمة، طراد الفايز، وهو من فرع الفايز من قبيلة بني صخر، لصحفي محلي : “كلنا ندعم حماس والمقاومة. الأردنيون والفلسطينيون متحدون ضد إسرائيل”.


لكن حماس لا تحتاج إلى القيام بحملة مبيعات في الأردن. ليس هناك حافز أكبر للعمل من تصرفات المستوطنين والجيش الإسرائيلي الذي يقوده المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة.

قبل تسعة أيام ظهرت صفحة على الفيسبوك تحمل الرسالة: “إلى أهل جنين: 9 أيام. ارحلوا الآن… هاجروا إلى الأردن”. وأرفقت الرسالة بفيديو يظهر الطريق الذي يجب أن يسلكه فلسطينيو جنين إلى إربد في شمال الأردن. وأغلق فيسبوك الصفحة بعد وابل من الشكاوى. 

وبعد تسعة أيام بالضبط، أعلن الجيش الإسرائيلي أن جنين منطقة عسكرية مغلقة ، في عملية لا تزال مستمرة. 

فالمستوطنون الإسرائيليون يتنقلون، والأرض التي يريدونها حقاً من شأنها أن تقضي على الدولة الفلسطينية إلى الأبد





وكما أشار السيناتور الأمريكي مارك وارنر، رئيس لجنة الاستخبارات، فإن  معظم جنود الاحتياط الذين يستدعيهم الجيش الإسرائيلي يأتون من عائلات المستوطنين. إن التطلع إلى الجيش للحد من الهجمات على البلدات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة هو أمر أحمق، حيث أنها أصبحت على نحو متزايد واحدة من نفس المجموعة. كل ما يفعلونه هو تبادل الزي الرسمي.

الأردن يفعل ما بوسعه. فقد أغلقت الحدود وعززتها لمنع الفلسطينيين من اجتياح المستوطنين لها، وأنشأت مستشفى ميدانيا في نابلس. 

مع مرور كل يوم من أيام حرب غزة، تتزايد المخاطر على المنطقة. إن الاعتقاد السائد في واشنطن بإمكانية تهدئة الوضع الفلسطيني من خلال استئناف العملية نفسها التي كرس المعشر، على سبيل المثال، معظم حياته المهنية لها، هو خطأ جوهري. 

فالمستوطنون الإسرائيليون يتنقلون، والأرض التي يريدونها حقاً من شأنها أن تقضي على الدولة الفلسطينية إلى الأبد. المزاج السائد في إسرائيل قاسٍ. إسرائيل تريد القتال حتى النهاية. ويبدو أنهم كفرد واحد يقولون لأنفسهم: "إما نحن وإما هم". إن وقف إطلاق النار في غزة لن يوقف ذلك. 
ولا يعلمون أن إسرائيل، بتدميرها غزة، تفتح جبهة ضخمة على جناحها الشرقي، وهي الجبهة التي ظلت هادئة طوال الخمسين عاماً الماضية.

لن يكون هادئا بعد الآن.