الجمعة، 4 أبريل 2025

سامح حسين سنة 2040!

  سامح حسين سنة 2040!

أشرف عبد المنعم 

كاتب وباحث في الأديان


بردقوش: ليه يا جدو بقت كلمة «سامح» شتيمة؟

أنا: من خمستاشر سنة، وفي شهر رمضان، كان 

ممثل مغمور، ومالهوش أي عمل مميز أو الناس

 تفتكروا له!

ورغم وجود عشرات المسلسلات وبرامج الرغي،

 محدش جابه في دور ولو كومبارس!

بردقوش: معقول يا جدي! ده بيطلع في كل فيلم

 ومسلسل وفي الإعلانات وناقص يقرأ نشرات الأخبار!

أنا: وقتها عمل برنامج في تيك توك! مكتوب له

 بطريقة تعجب الطغاة والعوام! يعني كلام من نوعية

 إغسل يديك قبل الأكل وبعده! إسمع كلام أمك وأبوك!

 حب الحياة وابتسم!

بعدها بلحة حب يستغل نجاحه وشهرته، إستقبله

 مرتين في نفس الشهر!

وفي المرة التانية! سامح قال مش عايزين أجازات

 في الأعياد عشان ورانا شغل كتير قصده. 

وراهم (الشعب) شغل كتير! 

وعنها قام بلحة بإلغاء أجازات

 الأعياد للمسلمين والمسيحيين وكل أنواع الأجازات،

 العارضة والسنوية! 

واللي عايز أجازة تبقى على حسابه! ومن يومها والناس

 تلعنه وبقوا يشتموا

 بعض بإنت سامح ياض!!

بردقوش: طيب ليه الشعب ما اعترضش وغير القرار

 ده؟!

أنا: الشعب بتاعنا زي ما اتعود، عايز شعب تاني

ييجي ويعترض ويغير الأوضاع! إحنا شعب عايز

 ينتصر ويحرر البلاد بس بشرط مانحاربش!

بردقوش: زيك يا جدو، مش بتصلي ولما نصلي تقول

 لنا إدعولي، ومش بتصوم ووقت الإفطار تقول لنا

 إدعولي! طيب هتدخل الجنة إزاي يا جدو؟

أنا: مش إنت بتصلي وبتصوم وبتطيع ربنا ما شاء الله

 عليك، هتدخل الجنة ولا النار؟

بردقوش: ان شاء الله الجنة يا جدو!

أنا: طيب إدعيلي أكون معاك!

ودمتم

الثوار السوريين بين تيه المصطلحات وهشاشة الفهم

  الثوار السوريين بين تيه المصطلحات وهشاشة الفهم

مضر أبو الهيجاء

من المؤسف أن يتبعثر ويضطرب المشهد الثوري الشبابي السوري لحظة تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتيا عاما للجمهورية العربية السورية، حيث تتضح هشاشة الوعي الجمعي وضعف المسؤولية تجاه مرحلة ولادة حساسة للجنين، وغياب لإدراك أولوياتها الواجبة وتحدياتها القائمة ومحاولات إجهاضها الدائمة، وبنفس الوقت تتكشف عدوى المصطلحات الغربية المفارقة لواقع المسلمين، وتتضخم الإشكالات الموهومة، فيما تضعف فلسفة وتصور الهدى ومعاني الوحي والحق المبين!


إن كثرة الحديث عن إشكالية التعيين تدني في مقارباتها من قيمة سوية الاختيار وتعلي من مخاطر طريقته، وفي ذلك إشارة للهوس بالمفهوم الديمقراطي الغربي المخادع، والذي عرته ممارسات التجربة السياسية الغربية -حتى عاينت شعوب الغرب كيف تلد ديمقراطيتهم الاستبداد المغلف بالديمقراطية الكاذبة-!


فكيف يغيب عن شباب وثوار الشام سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام المعدلين بنص القرآن الكريم؟


ألم يعين الصادق الأمين أبوبكر رضي الله عنه عمر بن الخطاب في أهم منصب في الدولة؟


ولماذا اختار كل صحابي -من تلاميذ مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم- طريقة مختلفة تماما عمن سبقه ومن لحقه، وذلك في اختيار أهم منصب يختص بالخليفة ومن يحكم البلاد ويتربع على عرشها؟


لم يعين الرسول صلى الله عليه وسلم طريقة محددة لأصحابه من بعده في شأن التعيين، بل تركهم يديرون شؤون الدولة باجتهاداتهم البشرية، المرتبطة بالشورى التي تصيب في تقويم المصالح العامة والتوازنات الموضوعية القائمة، والمعاينة لواقع الحال المعتبرة للطوارئ والمتغيرات.


إن محل المقصد المشترك بين تصرفات واجتهادات جميع الصحابة الكرام في شأن أشكال تعاطيهم السياسي المتباين والمختلف مع منصب الاستخلاف، هو تحقيق مصلحة الأمة وحفظ الدين، وليس تحقيق الشكل الديمقراطي الذي لا ينطلق من فلسفة الوحي ولا يحقق هدي الدين، ولا يعدل بين المسلمين!


لم يعاني صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما عانت منه تجارب الغرب الفقيرة بالهدى والقيم، ولم يحتج أحد منهم لنظريات أفلاطون!


إن منصب الإفتاء العام لا يعني أن من يتربع على عرشه هو أعلم بني عصره وقومه، بل إن هناك مواصفات أكثر أهمية وأولوية في واقع التجربة الإسلامية السورية الغضة والطرية، وعلى رأسها تميز تلك الشخصية بقدرتها على تحقيق التوافق بين المدارس الإسلامية المختلفة والمفترقة في مرحلة الولادة الصعبة لتجربة إسلامية مستهدفة.


فهل يوجد في سورية شخصية توافقية يلتف حولها جميع الفرقاء أكثر من شيخ الفقهاء العالم الجليل أسامة الرفاعي؟


أما في جانب الفتيا فلا خشية على أهل الشام الذين يكثر فيهم طلب العلم والدعاة والعلماء، عداك عمن يحيطون بالشيخ الفقيه أسامة الرفاعي، لاسيما وهو المنفتح على جميع الناصحين بحب وتواضع وخفض للجناح قل مثيله ولا نزكي على الله أحدا.


فما بالكم يا إخوتي وأبنائي تزرعون الشوك في أرض الشام، ونحن نسرع الخطى لنقلع بأظافرنا الشوك العتيق ونزرع مكانه الياسمين.


أفيقوا واعتدلوا وسووا بين الأفهام والعقول قبل أن تسووا بين المناكب والأقدام.

الخميس، 3 أبريل 2025

نزيفُ غزة ووحوش الأرض!

نزيفُ غزة ووحوش الأرض! 

د.محمود القاعود


كيف يمكن للعالم أنْ يصمتَ أمام إبادة رهيبة تفوق كل تصور يرتكبها الاحتلال النازي المجرم ضد أهل غزة ؟ أكثر من خمسين ألف شهيد ومائة ألف جريح، وتدمير شامل لقطاع غزة.. يجعل هذه المجازر واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. بيوت تهدم فوق رؤوس ساكنيها.. مستشفيات تُقصف.. وأطفال يُقتلون بدم بارد.. بينما يشاهد العالم بلا حراك.. لو كان أهل غزة حيوانات.. لانتفضت منظمات الرفق بالحيوانات.. وتحركت الحكومات العربية والعالمية لإنقاذهم لكن لأنهم بشر.. ولأنهم مسلمون.. يبدو أن قيمتهم تتضاءل في ميزان الغرب المتوحش الاستعماري الدموي.. الصمت الدولي ليس مجرد تقاعس.. بل تواطؤ ضمني يعكس انهيار القيم الأخلاقية وازدواجية المعايير.. المصالح السياسية والاقتصادية تطغى على صرخات الضحايا والإعلام العالمي يتجاهل أو يخفف من وطأة الحقيقة، متأثرًا بأچندات شيطانية منحازة.. هذا الصمت يكشف نفاقًا عالميًا.. حيث تُرفع شعارات حقوق الإنسان بينما تُسحق تحت أقدام الاحتلال النازي لمجرد أنَّ الضحايا مسلمون.. شعب غزة يُذبح يوميًا..ومع ذلك يبقى العالم أصمًا أعمى.. ألا تستحق هذه المأساة انتفاضة عالمية توقف هذا الجنون؟

فقه القدوم على الله… كيف نُعدّ أنفسنا للقاء الله؟

 فقه القدوم على الله… كيف نُعدّ أنفسنا للقاء الله؟

د. علي محمد الصلابي

لا شك أن السؤال عن مصير الإنسان بعد الموت، وعن كيفية الاستعداد لتلك المرحلة، هو من أهم الأسئلة الحتمية والمصيرية التي تلاحق بني البشر منذ بداية وجودهم على هذه الأرض. 

ويزداد هذا السؤال والإجابة عليه أهمية في هذا العصر الذي نعيش فيه، وهو العصر الذي كثر فيه الاضطراب الفكري، وازداد فيه الانحراف العقائدي، وانتشرت فيه الفلسفات العدمية والعبثية والوجودية، وغيرها من الفلسفات الضالة التي تحرف الإنسان عن وظيفته الأساسية في هذه الحياة.

وفي الحقيقة، فإنه لا إجابة شافية عن هذا السؤال سوى ما تضمنه الوحي الإلهي، ونزل به على قلب الأنبياء والمرسلين، وآخر ذلك الرسالة الخاتمة، والوحي المحفوظ الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

ولأن المؤمن بهذه الرسالة قد وجد الحق الساطع، والحقيقة المطلقة التي لا ريب فيها، فإنه يعلم أن سيلاقي خالقه بعد الموت، وأنه سيحاسب على معتقداته وأفعاله وأقواله كلها أمام الله سبحانه، وهو ما سيؤول به إلى جنة عرضها السموات والأرض، أو نار جهنم التي أعدها الله للكفار والمشركين والعصاة المتكبرين.

فإن من أعظم ما يمكن أن يفعله المسلم، وأن يحرص عليه في حياته الدنيا، الإعداد للقاء الله تعالى بقلب سليم، وعمل صالح يُكسبه رضا الله سبحانه ويُدخله الجنة وينجيه من النار، وذلك هو الفوز العظيم؛ وذلك لمعرفته ويقينه بأن هذا هو الهدف الأسمى والغاية العظمى التي ينشدها المؤمنون في اليوم الآخر، فهو يعيش أيامه كلها يذكر الموت، ويُعدّ له ولما بعده مستحضراً قوله تعالى: ﴿ كلّ نفسٍ ذائقة الموت ۗ وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة ۖ فمن زُحزح عن النّار وأُدخل الجنّة فقد فاز ۗ وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغرور﴾ [آل عمران: 185]. 

وإن معرفة طرق وسبل وشروط تحقيق ذلك الفوز العظيم تشكل ما يطلق عليه البعض اصطلاحاً “فقه القدوم على الله”، وما أحرى المسلمين جميعاً بأن يستزيدوا من تعلم هذا الفقه والعمل به.

وهذه الغاية عظيمة تستوجب تقوى الله تعالى بالعمل بما يرضي الله تعالى، واجتناب المنهيات والمحرمات، والاحتكام إلى شريعته بالقول والعمل، وأداء الفرائض، والاستزادة من النوافل، والتحلي بفضائل وأخلاق الإسلام، كالإخلاص والصدق والصبر والعدل والرحمة والكرم وغيرها. والحقيقة أن تلك المهام ممكنة وليست مستحيلة على الذين هدى الله من المؤمنين والخاشعين، قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصّبر والصّلاة ۚ وإنّها لكبيرةٌ إلّا على الخاشعين** الّذين يظنّون أنّهم مّلاقو ربّهم وأنّهم إليه راجعون﴾ [ البقرة: 45-46]. 

والله تعالى لا يكلف العباد شيئاً فوق طاقتهم، ولا يكلفهم إلا بما وصلهم من العلم والوحي وما يسعهم فعله، قال سبحانه: ﴿لا يكلّف اللّه نفسًا إلّا وسعها ۚ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [ البقرة: 286]، وقال سبحانه: ﴿لينفق ذو سعةٍ مّن سعته ۖ ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه ۚ لا يكلّف اللّه نفسًا إلّا ما آتاها ۚ سيجعل اللّه بعد عسرٍ يسرًا﴾ [الطلاق: 7].

فالإيمان وفق العقيدة الصحيحة، والعمل بما توجبه وتقتضيه، هو أساس العدة لذلك الموعد العظيم وشرط القبول فيه، قال تعالى: ﴿بلىٰ من أسلم وجهه للّه وهو محسنٌ فله أجره عند ربّه ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ [ البقرة: 112]، وقال سبحانه: ﴿وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون ۖ وستردّون إلىٰ عالم الغيب والشّهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون﴾ [التوبة: 105].

ولا ريب أن تقوى الله تعالى هي خير زاد يتزود به المؤمن، وهي مفتاح الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، قال تعالى: ﴿وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى واتّقونِ يا أولي الألباب﴾ [البقرة: 197]. 

والتقوى كما عرفها سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي “الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل”. 

وهي شرط سلامة القلب، فالمسلم يجب أن يتعهد قلبه بما يطهره من نوازع الكفر والشرك والنفاق والرياء والشهوات وحب الدنيا، قال سبحانه: ﴿ولا تخۡزني يوۡم يبۡعثون* يوۡم لا ينفع مال ولا بنون* إلّا منۡ أتى ٱللّه بقلۡب سليم﴾ [الشعراء: 87-89].

وإن تقوى الله تعالى من موجبات ولاية الله تعالى للعبد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿اللّه وليّ الّذين آمنوا يخرجهم مّن الظّلمات إلى النّور﴾ [النور: 257]، أي: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، وحاصل ذلك أنّه يخرجهم من ظلمات الشرور المتنوّعة إلى ما يدفعها من أنوار الخير العاجل والآجل، وإنّما حازوا هذا العطاء الجزيل بإيمانهم الصحيح، وتحقيقهم هذا الإيمان بالتقوى، فإنّ التقوى من تمام الإيمان. (السعدي، 1998، 63).

ولكي يتم ذلك الأمر لا بد من أن تستولي محبة الله ورسوله على قلب المؤمن، فتحوز المكانة الأولى دون غيرها، قال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من اللّه ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي اللّه بأمره﴾ [التوبة: 24]. وتستلزم هذه المحبة حب شرع الله تعالى، وحب ما يرضيه، وبغض ما يبغضه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنّ فيكم رسول اللّه ۚ لو يطيعكم في كثيرٍ مّن الأمر لعنتّم ولٰكنّ اللّه حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان ۚ أولٰئك هم الرّاشدون﴾ [سورة الحجرات: 7]. 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا للّه، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النّار” (البخاري: 16).

هذه بعض الأسس والشروط والواجبات التي يجب على المؤمنين بيوم الحساب أن يعدوا أنفسهم لها، فيكونوا بذلك ممن يتلهفون للقاء الله تعالى بنفوس راضية وقلوب سليمة مطمئنة، وهم يحملون كتبهم الناصعة وصحائفهم البيضاء. وبذلك يكونون في ركب من يحبهم الله ويحبونه، ويدخلون الجنة مع الأنبياء والشهداء والصالحين.


المصادر والمراجع:

1. الصلابي، علي محمد، (2011)، الإيمان باليوم الآخر.. فقه القدوم على الله، ط2، دار المعرفة، بيروت، 2011.

2. السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، (1998)، التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، دار أضواء السلف، ط1، 1998م.

العدوان الإسرائيلي والصمت السوري!

العدوان الإسرائيلي والصمت السوري! 

بقلم: د. محمود القاعود 


مساء الأربعاء 2 إبريل 2025م عادت إسرائيل لتؤكد طبيعتها العدوانية الإجرامية الشيطانية بشنها أكثر مِن 31 غارة جوية وحشية على أراضي سوريا.. مستهدفة مطار T4 العسكري بسبع غارات.. ومطار حماة العسكري بعشرين غارة مدمرة استخدمت فيها قنابل خارقة للتحصينات، حتى بات رماداً غير صالح للاستخدام.
لم تكتفِ بذلك.. بل قصفت مركز البحوث العلمية في دمشق ومخزن صواريخ بالستية بريفها.. مخلفة أكثر من سبعة قتلى وعشرات الجرحى من قوات النظام السوري الثوري.
هذا العدوان لم يقتصر على الجو.. فقد توغلت قواتها برًا في منطقة نوى بدرعا بعشرات الآليات.. وقصفت تل الجموع بالدبابات في ريفها الغربي في تحدٍ صارخ لكل القوانين الدولية.
إسرائيل التي تتفاخر بقوتها أرسلت رسائل تهديد متعجرفة عبر إعلامها قائلة لتركيا: «انظري إلى القواعد التي خططتِ لها إنها رماد الآن».. وكأنها تملك حق التسلط على المنطقة بأسرها.
صحيفة «چيروزاليم بوست» نقلت عن مسؤول إسرائيلي أن الغارات رسالة لتركيا كي لا تقيم قواعد عسكرية في سوريا وتحذير من التدخل في نشاطها الإجرامي.
هذه العربدة الإسرائيلية ليست الأولى بل حلقة في سلسلة اعتداءات متكررة تكشف زيف ادعاءاتها عن الدفاع عن النفس وتؤكد سعيها لفرض هيمنتها على المنطقة.
إن تدمير البنية التحتية السورية واستهداف مواقعها العسكرية يعكس نوايا إسرائيل في إضعاف سوريا وإبقائها تحت وطأة الفوضى والدمار.
لكن الأمر المثير للدهشة حقًا هو صمت الخارجية السورية أو تعاملها بنبرة هادئة باردة لا تعكس حجم الكارثة التي تحل بالبلاد.
كان يُفترض أن تصدر بيانات حادة توبخ الاحتلال الإسرائيلي وتفضح جرائمه أمام العالم لا أن تكتفي بكلمات باهتة لا ترقى لمستوى الردع.
أين الغضب الرسمي الذي يليق بسيادة دولة تُنتهك يوميًا؟ أين الموقف الحازم الذي يُعبِّر عن إرادة شعب قدم مليون شهيد يرفض الخنوع؟
إنَّ هذا الهدوء يثير التساؤلات حول جدية الحكومة السورية في مواجهة العدو الصهيوني الذي لا يفهم سوى لغة القوة.
إسرائيل تتمادى لأنها ترى ضعف الرد وتاريخها يثبت أنها لا تتوقف إلا عندما تُواجه مقاومة حقيقية.
الشعب السوري الذي عانى الحرب والدمار يستحق أنْ يجد حكومته الثورية ترفع صوتها عاليًا ضد الاحتلال النازي لا أنْ تتوارى خلف بيانات خجولة.
إنَّ استمرار هذا الصمت سيُفسر على أنه ضعف وسيشجع إسرائيل على مزيد من الجرائم بحق سوريا وأهلها.
اليوم بات واضحاً أن إسرائيل لا تسعى للأمن بل للهيمنة والتدمير ومواجهتها تحتاج إرادة صلبة لا مجاملات دبلوماسية.

تركيا هي المجال الحيوي الإستراتيجي لسوريا

تركيا هي المجال الحيوي الإستراتيجي لسوريا


محمد شعبان أيوب.. 
كاتب وباحث في الدراسات التاريخية والتراثية


هل تعلم أن الثورة السورية على الاحتلال الفرنسي كادت تنجح سنة 1920 و 1921 بفضل الدعم التركي التسليحي.

ثم فشلت بسبب اتفاق فرنسا مع أتاتورك الذي أوقف التسليح مقابل انسحابهم من كليكيا.

اليوم أي دعم وحماية تركية لسوريا يعني حماية لسوريا وتركيا على السواء؛ لأن أمنهم واحد حيث يدرك الأتراك خطورة المخططات الإسرائيلية في سوريا التي إن نجحت ستكون خطوة لتفتيت تركيا نفسها، ومن حسن حظ السوريين أن الأتراك في ثورة سوريا اليوم غير أتراك الأمس الذين اتفقوا مع الفرنسيين وخذلوهم.

ووجود قاعدة تركية في سوريا كما ذكرت رويترز منذ قليل سيكون عامل توازن وحماية لسوريا من التقسيم والهجمات الإسرائيلية المتوالية..

لنعد لمصر، أليست تشبه غزة من الناحية الأمنية، سوريا بالنسبة لتركيا وتركيا بالنسبة لسوريا، غزة التي احتلها الصهاينة في العدوان الثلاثي لم يخرجوا منها حتى احتلوا سيناء في حرب 67..

لماذا هذا الخذلان الأمني، والتدمير الذاتي، ومناطحة التاريخ، والاكتفاء ببيانات لا قيمة لها أمام صهيوني يتطلع لسيناء والقاهرة قبل غزة والضفة؟!

لهذه الأسباب لن تُهزم "حماس"

 لهذه الأسباب لن تُهزم "حماس"

حلمي الأسمر


بعيداً من الاعتقاد الراسخ لدى جميع من له علاقة (ولو طفيفة) بالصراع العربي والإسلامي - الصهيوني أن من المستحيل أن تُهزم حركة حماس فكرةً، فإن هذا المستحيل ينسحب على إمكان هزيمتها تنظيماً وحركةَ مقاومة، وهذه فرضية تبدو للوهلة الأولى من أشكال التعسّف غير المنطقي. في الوسع أن نسوق هنا جملة من "الحقائق" التي لا يريد أن يصدقّها لا العدو الصهيوني ولا من يدعمه ويشدّ على يديه، ويمدّه بأسباب الحياة لصناعة موت همجي متوحّش.

لم تعد حركة حماس مجرّد تنظيم فلسطيني، بل امتدّت "عقيدتها" القتالية لتصبح هواءً تتنفسه الملايين

أولاها، هناك ما يمكن أن نسمّيه "فجوة ثقافية" بين العقل الجمعي للعدو عموماً والعقل الجمعي العربي والمسلم، ويمكن اختصار هذه المعادلة بكلمات بسيطة، هناك فرق بين "يقتل ليعيش" ومن "يعيش ليقتل". بكلام آخر، العدو يمارس عدوانه بالقتل ليعيش على دم ضحيته، كما يتغذّى الخُفّاش، أمّا "حماس"، وما تمثّله من فكر وعقيدة، فتقاتل دفاعاً عن نفسها وعن وطنها طمعاً في نصر في الأرض وشهادة في السماء، وهي ميزة لا تتوفر لعدوّها، ولا يوجد في قاموسها غير هذَين الخيارَين. طبعاً هناك حزمة من الأكاذيب التي تحرّك العدو اليميني الصهيوني، يعرف في قرارة نفسه أنها محض ذرائع للسيطرة على شعب آخر ومحاولة إبادته، والاستحواذ على أرضه. 
وفي ما يتعلّق بخيارَي "حماس"، فتلك "عقبة" يعلم العدو أنه لا يمكن تجاوزها، حتى ولو بقي فلسطيني واحد، إن محاولة القضاء على "حماس" بما تشكّله من "كود" للمقاومة، تساوي محاولة القضاء على جُلّ (وربّما كلّ) الشعب الفلسطيني، فما حصل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023) أحيا فكرة المقاومة والاستشهاد على نحو ممتدّ في العقل الجمعي الشعبي الفلسطيني والعربي والمسلم، وجلبت لصالحها أعداداً لا حصر لها من أبناء الشعب الفلسطيني وبقية شعوب العالم الإسلامي. بمعنى آخر، على الصهاينة ومن خلفهم أن يعلنوا الحرب على أمّة كاملة، وينتصروا عليها، كي يكون بوسعهم إعلان انتصارهم على "حماس"، فهذه الحركة لم تعد مجرّد تنظيم فلسطيني، بل امتدّت "عقيدتها" القتالية لتصبح هواءً تتنفسه الملايين، وتختنق إن توقّفت عن تنفسه، ما حصل أن "مسّاً" كهربائياً حمساوياً أصاب العصب الحسّاس لهذه الملايين، وما تلك الهتافات التي نسمعها بين حين وآخر من حناجر آلاف من العرب والمسلمين "كلّنا حماس" إلا الوصف المباشر "الفظّ" لما نقول.

ثاني هذه الحقائق الصارخة والواضحة، أن العدو الصهيوني قتل وجرح من أبناء غزّة تحديداً ما يزيد عن المائة ألف، بين شهيد فعلاً، ومفقود أو معاق فقد عينه أو قدمه أو يده، لكلٍّ منهم على الأقلّ خمسة من أقاربه أو أحبابه أقسموا سرّاً وعلانية أن ينتقموا ممّن فجعهم بأحبابهم. 
وبلغة الأرقام، هناك خمسمائة ألف مشروع شهيد ينتظرون الفرصة للانتقام من القاتل، ومثلهم أضعاف مضاعفة في أصقاع الدنيا يتحرّقون شوقاً لملاقاة العدو، والقفز عن الحواجز المصطنعة كلّها، التي تحول دونهم ودون ما يُشفي غليلهم، إن كلّ شهيد هو بمثابة بذرة في سنبلة بها مائة حبّة، وتخيّل كم طنّاً من "القمح" تنتج هذه السنابل كلّها حين تزرعها في الأرض التي باتت مهيأةً لاحتضانها! فعن أي نصر يتحدّثون؟

مظلومية" المقاومة، و"حماس" في مقدّمتها، غدت واقعاً معاشاً في العقل الجمعي الغربي

الحقيقة الثالثة، وربّما أكثرها إيلاماً، أن مائة عام من الخديعة انتهت فجأة، ولو أنفق العرب والمسلمون مليارات الدولارات لكشف تلك الخديعة لما استطاعوا إنجاز هذه المهمة، التي كادت أن تكون مستحيلةً. أي على وجه التعيين، ما كان يروّجه النظام العربي الرسمي عقوداً أنه "عدو" لإسرائيل ومشروعها، ليكتشف "الجمهور" المخدوع أن كلّ ما قيل كان مجرّد أكاذيب، فلم يعد الطفل العربي يصدّق شيئاً ممّا سمعه وتعلّمه في المدارس، وهذا يعني بلغة العقل الجمعي وتغيراته أن "حماس" ومن معها ممّن "بارز" العدو، وسجلّ انتصاراً لا لبس فيه عليه، هم الأكثر تعبيراً عن الحقيقة، التي حاول بيعها النظام العربي الرسمي بوصفها جزءاً من مهمّته، وليكتشف أن مهمّته الحقيقية كانت حماية هذا العدو، وإمداده بأسباب الحياة، وهذا المنجز لم يكن ليتم إلا بالثمن الذي دفعته "حماس" وحاضنتها الشعبية، في مواجهة الغزو الهمجي الذي تقوده "إسرائيل" رأسَ حربةٍ لعدوّ غربي استعماري عريض تنضوي تحت رايته دول كبرى و"هلافيت" أيضاً. سيكون لهذا المنجز تأثير عميق في إحاطة "حماس" تنظيماً وفكرةً وعقيدةً بطوق من الحماية يستحيل هدمه أو النيل منه تحت أيّ ظرف كان.
رابعة هذه الحقائق أن "مظلومية" المقاومة، و"حماس" في مقدّمتها، غدت واقعاً معاشاً في العقل الجمعي الغربي، بعدما سوّق العدو تلك المقاومة فعلاً "إرهابياً" وعدوانياً، فقد أظهرت المعركة التي تديرها "حماس" من المُعتدي ومن المُعتدى عليه، وهذا التغير العميق في المخيال الغربي الذي احتضن "إسرائيل" ستكون له مفاعيل جذرية في التحلّل من هذا الاحتضان لصالح "حماس" والمقاومة، وهو أيضاً يشكّل سياجاً إضافياً لحماية "حماس" والمقاومة عموماً، وسيظهر أثر هذا الأمر أكثر حين يتوجّه الجيل الجديد من الغربيين إلى صناديق الاقتراع لاختيار قادة شعوبهم في المستقبلين القريب والبعيد.
لكلّ ما تقدّم علاقة برؤيتنا للمفاعيل "الأرضية" التي تدير حركة الحياة والموت، والنصر والهزيمة، وثمّة مفاعيل "سماوية" وقوانين إلهية لم نتحدّث عنها هنا، يعلمها كلّ من قرأ القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهّرة، وحجر الزاوية في هذه المفاعيل المعادلة الربانية التي تقول "إن تنصروا الله ينصركم" بعيداً من موازين القوى وقوانين الأرض كلّها، فكيف حين تلتقي مفاعيل الأرض بمفاعيل السماء، وتصبّ في اتجاه استحالة هزيمة هذه الكوكبة من الرجال الأطهار الأخيار؟
هذا كلّه ولم نتحدّث عمّا أصاب العدو من دمار ذاتي وتحلّل داخلي، نتيجة فشله في تحقيق أهداف عدوانه أولاً، ونتيجة فشله الأكبر أيضاً في "ردّ" الصفعة التي أدمت خدّه يوم 7 أكتوبر (2023).

تركيا وسورية بين تهديد العلمانية وخطورة مفهوم الأقلية السياسية

 تركيا وسورية بين تهديد العلمانية وخطورة مفهوم الأقلية السياسية

إضاءات سياسية أمنية عسكرية

مضر أبو الهيجاء


اعتقلت السلطات الفرنسية اليوم ‏رئيسة الجبهة الوطنية الفرنسية والنائبة في البرلمان الأوروبي عن فرنسا مارين لوبان، بتهمة اختلاس أموال عامة وحكمت عليها المحكمة بالسجن أربع سنوات.

استدعت المحكمة الإسرائيلية اليوم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو -وقبل يومين زوجته- وذلك في سياق اتهامات له بالفساد تهدد مستقبله السياسي وقد تودعه بالسجن بعد توقف العملية العسكرية، والتي يحاول نتنياهو أن يطيل عمرها لينجو من المقصلة.

فما بال بعض من يتغنون بالديمقراطية الأوروبية والإسرائيلية من الأحزاب العلمانية التركية لا يطيقون فكرة استدعاء المحكمة لرئيس بلدية في تركيا، والذي اتهمه بعض أعضاء حزبه بالفساد، وذلك بعد أن قدموا للمدعي العام شكاية واثباتات بفساد مالي جاوز ال560 مليون ليرة تركية؟

  • إن العلمانية التي يشتد عودها في تركيا من جديد -مع كل رياح صحوة إسلامية- تشكل خطراً حقيقياً على حاضر ومستقبل سورية، وهي تخفي في أقفاصها وحشا جائعا لم تطلق سراحه بعد.

المخاطر المشتركة بين سورية وتركيا:


إن تمكين ونجاح التجربة الإسلامية في سورية هو منجاة مستقبلية لتركيا، وتعزيز لأهداف الإصلاح فيها.

أما الإخفاق والتقسيم المحتمل -لا قدر الله- على أرض الشام، فهو كارثة حقيقية على حاضر ومستقبل تركيا.

وإذا كان الغرب يدندن سياسيا حول مسألة الأقليات في سورية، فإن مسألة الأقليات يمكن أن تنحر تركيا داخليا -لا سمح الله-.

إن انفكاك التجربة الإسلامية الواعدة في سورية عن تركيا الحالية خطأ استراتيجي كبير، الأمر الذي يشير إلى ضرورة التنسيق في الكبير والصغير بينهما -خصوصا في الفترة الحالية-.


وخلاصة القول:

إن حراك العلمانية المتوحشة في تركيا بمثابة ثعبان يمكن أن يقضم سورية، كما أن تمكين الأقليات من المحاصصة السياسية في سوريا يشكل تهديدا مستقبليا على تركيا.

فهل وصلت الفكرة والرسالة؟

الأربعاء، 2 أبريل 2025

بيني وبينك.. رُحماك يا ربّ

 بيني وبينك.. رُحماك يا ربّ



كيفَ يُمكن أنْ يكون العيدُ في غزّة؟ يُصلّون على الرّكام، ويسجدون على الحُطام، وينظرون إلى الهَدْم، ويقفون على الرَّدْم، ويرفعون أكفًّا قد رفعتْ أمسِ شهيدًا، ويمسحون على وجوهٍ قد أغاضَ الوجع بهاءَها، وصدورٍ قد ملأتِ الدّماءُ ثيابَها، وقد مرّ على الحرب الّتي سحقتْ كلّ شيءٍ عامٌ ونصف عام، لم يلتقطوا فيها أنفاسَهم، ولا شَبِعوا من خُبزٍ، وأينَ الخُبز؟ ولا ارتَوَوا من ماء، وأين الماء؟ ولا مسحوا دُموع الفَقد، وأينَ الدُّموع؟

في صبيحة العيد يُكفّن الآباء أطفالَهم بدلَ أنْ يُلبِسوهم الثّياب الجديدة، أكانَ بَياضُ الكفنِ قدرًا محتومًا على أهلِ غزّة؟! إنّهم يسيرون بأطفالهم إلى المقابر بدلًا من أنْ يسيروا بهم إلى المُصلَّيات، ويزورون بهم الدّيار المُقفرة بدلًا من البيوت العامرة، ويُودِعونهم في الحُفر والطّوامِي بدل أنْ يرفعوهم على الرّؤوس ويُلاعبونهم ويُلاطِفونهم.

غيرَ أنّ الله يَرى، وهو أرأفُ بهم منّا، وأرحمُ بضعيفهم من أرحمنا، ولا بُدّ أنْ يجبر كَسرَهم، وهذا ظَنُّهم بالله وظَنُّنا، وأنْ يُقيل عثرتهم، وأنْ يرفَع البلاء عنهم، وأنْ يمسحَ على جِراحهم فتعود بلسمًا، وتُزهر من طيبٍ، وتُثمر من رِضًا.

إنّ حالَ أهل غزّة دَرْسٌ، وعِظةٌ وعِبرة، وآيةٌ كُبرَى، يقفُ خطيبهم صبيحة العيد في العراء تُحيطُ به البنايات المُهدّمة من كلّ جهة، ويفترشُ المُصلّون التّراب، ولا يجدون حتّى سِجّادة صغيرة تحول بين جِباههم والرَّغام حينَ يسجدون، وتسمعُ خطيبهم يهتف: رغم الجِراح سنفرح، رغم الشّهداء سنستمرّ، رغم الخُطوب وصُروف الزّمان سنُكبّر، ورَغم أنفِ أعدائِنا سنعيش، إنّنا نُحبّ الحياة لله، الحياة الّتي يكونُ كلّ شيءٍ فيها له، الجِدّ واللّهو، الشُّغل والفراغ، الصِحّة والسَّقَم.

تقتلُ إسرائيل أكثر من مئة شهيدٍ في غزّة كلّ يومٍ منذُ أكثر من عشرة أيّام، بعدَ أنْ كانتْ قد توصّلتْ مع المقاومة إلى اتّفاق تهدئة قبل شهرين ونصف الشّهر، إنّ أهل غزّة يرون أنّ الهروب لا يكون إلاّ إلى الأمام، وأنّه إذا لم يكن من الموت بُدّ كما قال المتنبّي، فلا موتَ إلاّ موتَ الشُّجعان، موتَ الإقبال لا الإدبار.

إنّ شَجاعةَ أهل غَزّة نموذجٌ عزيز، وإنّه يقفُ في الصّفوف الأولى من شجاعة الشّعوب عبر التّاريخ، ولكنّهم إلى ذلك بشر، لهم حاجاتهم وآمالُهم وآلامُهم وتطلُّعاتهم، ولهم غَدُهم الّذي ينتظرونه كما تنتظره الشُّعوب الحُرّة، ولهم شمسُهم الّتي ينتظرون أنْ تُشرِق بعدَ أنْ طال اللّيل وطَمّ وَعَمّ.

فيا ربّ غَزّةَ ارحم أهلَ غَزّةَ، وانظر إليهم بعين عنايتك، فإنّهم والله مكلومون كَلْمًا يسيلُ نزيفُه إلى البحر فيكادُ أنْ يملأه، وإنّهم لا نصير أعزّ منك، ولا ملجأ آمَن من ملجَئِك، ولا ملاذَ أحنّ من ملاذك. فاستجبْ يا مَلِكَ كلّ شيءٍ.

AymanOtoom@

otoom72_poet@yahoo.com

وادي النيل في سياق الأزمة السودانية

 أمواج ناعمة

وادي النيل في سياق الأزمة السودانية

د. ياسر محجوب الحسين 

كاتب سوداني- المملكة المتحدة

العلاقات السودانية - المصرية امتدّت جذورها عبر التاريخ، وهي أواصر تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا، فلم تفت التوترات المستمرة بين البلدين في عضد الروابط التاريخية والمصيرية بينهما. 

هذه الخصوصية استمرت رغم اختلافات سياسية وأيديولوجية شديدة بين النظامين في البلدين عبر العقود الماضية. 

حتى في الوقت الذي قاطعت فيه الدول العربية مصر بسبب اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل في 1978، بقيت العلاقة بين البلدين قائمة في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، رغم تأييد السودان للموقف العربي آنذاك. وفي عهد الرئيس عمر البشير، ورغم تزايد الشد والجذب بين القاهرة والخرطوم، تحولت العلاقة إلى تعاون شبه استراتيجي، متجاوزة الاختلافات الأيديولوجية العميقة بين النظامين.

ومع تفاقم الأزمة السودانية الراهنة، أصبحت إحدى أخطر التحديات التي تواجه هذه العلاقات. منذ بداية الصراع الداخلي في السودان بين القوات المسلحة السودانية، ومليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، فقد عصف الإعصار بالسودان ليتركه في دوامة فوضى أمنية واقتصادية لا قرار لها، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من المدنيين إلى مصر ودول الجوار. 

هذه الأزمة خلقت بيئة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، وأثرت بشكل مباشر على الحسابات المصرية في المنطقة.

وتشكل الأزمة في السودان تهديدًا للأمن القومي المصري على عدة أصعدة. فالتصعيد المستمر يعزز المخاوف من اتساع نطاق الفوضى الإقليمية التي قد تشمل المناطق الحدودية بين البلدين، كما أن أي تصاعد في العنف قد يضر بالاستقرار في منطقة حوض النيل، التي تُعد من أهم مناطق المصالح الاستراتيجية لمصر، خاصة فيما يتعلق بقضية المياه وسد النهضة الإثيوبي. 

علاوة على ذلك، تتسبب الأزمة في السودان في اضطرابات اجتماعية واقتصادية تؤثر على حركة التجارة والتنقل بين البلدين، وتزيد من ضغوط الأعباء الاقتصادية التي تتحملها مصر بسبب تدهور الاقتصاد السوداني.

وتعلم مصر يقينا أن السودان يمثل حجر الزاوية في معادلة أمنها القومي واستراتيجياتها الإقليمية، وتحاول جاهدة الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية. تسعى القاهرة إلى تجنب انزلاق السودان إلى صراعات تؤثر سلبا على استقرار المنطقة بأسرها، ما قد يعقد المشهد الإقليمي ويزيد من تعقيد حسابات مصر في المنطقة. لذا تسعى مصر إلى تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع السودان عبر الحوار السياسي المعمّق، والتعاون الاقتصادي، والتكامل الأمني، وتقوية الروابط الشعبية بين الشعبين.

في هذا السياق، تبدو عدة تساؤلات حاضرة بقوة: كيف يمكن لمصر إدارة حساباتها في ظل التحديات الحالية؟ 

ما هي القضايا المشتركة التي تهم البلدين في هذه الأزمة؟ 

كيف تؤثر الأوضاع الراهنة في السودان على المصالح الثنائية بين البلدين؟ 

وما هي التحديات الكبرى التي تواجه العلاقات المصرية السودانية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي؟ 

وكيف سيؤثر ذلك على مستقبل العلاقة بين مصر والسودان في المستقبل القريب؟

ينطلق الموقف المصري في دعم استقرار السودان وحمايته من أي تهديدات قد تؤثر على أمنه وسلامته الإقليمية من تأثير ذلك المباشر على إمنها القومي. وتركّزت المحاور الاستراتيجية على عدة نقاط أساسية بالنسبة لمصر؛ 

أولًا، يمثل السودان الرئة التي تتنفس عبرها مصر أمنها واستقرارها، وجسرا يصل حاضرها بمستقبلها. إذ أن استمرارية الصراع في السودان قد يؤدي إلى اضطرابات قد تمتد إلى مصر، بما في ذلك تدفق اللاجئين، والجماعات المسلحة. 

ثانيًا، يعتبر السودان شريكا مهما لمصر في ملف مياه النيل، ولذلك فإن استقرار السودان له تأثير مباشر على إدارة ملف سد النهضة الإثيوبي.

على الصعيد الاقتصادي، يعد السودان سوقا مهمة للصادرات المصرية، وهو يمثل بوابة لزيادة النفوذ الاقتصادي المصري في القارة الأفريقية. ولكن عدم استقرار السودان يشكل تهديدا للاستثمارات المصرية، خاصة في قطاعات الزراعة والصناعة والبنية التحتية، مما يعرقل بالضرورة نمو الاقتصاد المصري في هذه المجالات.

إن تصاعد الصراع في السودان قد يدفع قوى إقليمية ودولية للتدخل لتحقيق مصالحها الخاصة، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري. 

كذلك فإن استقرار السودان يرتبط أيضًا باستقرار منطقة القرن الأفريقي، التي تعد ذات أهمية استراتيجية لمصر فيما يتعلق بالتجارة الدولية وأمن البحر الأحمر. 

أي اضطرابات في السودان قد تمتد إلى دول الجوار، مما يخلق بيئة إقليمية متوترة تؤثر بشكل مباشر على المصالح المصرية في المنطقة.

كذلك فإن دور مصر في الوساطة بين السودانيين يعزز وضعها الإقليمي، والدولي ويؤكد مكانتها كداعم للحلول السلمية. بشكل عام، يظهر أن مصر تدير الموقف بحذر بهدف تعظيم مصالحها الاستراتيجية وتجنب أي أخطار قد تنشأ عن تدهور الوضع في جارتها الجنوبية. 

وهدفت مصر من خلال محاولاتها إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية لاسيما الجيش الوطني، ورفض التدخلات الخارجية في شؤونه. 

ومع ذلك، يرى البعض أن هذه التحركات لم تكن كافية، إذ كبّلتها تقاطعات إقليمية تمحورت بشكل رئيس في الأزمة الاقتصادية في مصر التي تحد من تأثيرها ومرونة فعلها الدبلوماسي. 

ولذا بقيت هذه المحاولات في حدها الأدنى وفي إطار المحافظة على دور ما في السودان عوضا عن الغياب التام.

بعد استقرار الوضع في السودان، سيكون هناك حاجة كبيرة لإعادة بناء البنية التحتية وتعزيز التنمية الاقتصادية. 

يمكن لمصر أن تصبح شريكا رئيسيا في إعادة إعمار السودان وتعزيز بنيته التحتية، خاصة في مجالات الربط الكهربائي والنقل، كما يمكن أن يساهم السودان المستقر في تعزيز مواقف مصر في قضايا إقليمية، خصوصًا في البحر الأحمر.

وإذا ما استمر توتر العلاقات وتفاقم الأزمات يحدث إذا استمر الصراع في السودان أو تصاعد. في هذا الوضع، يمكن أن تتأثر العلاقات سلبا عبر تحديات أمنية مثل انتشار الجماعات المسلحة على الحدود، التوتر بسبب التدخلات الإقليمية، والضغوط الاقتصادية مثل تعطل التبادل التجاري. 

ورغم أن اتفاقية الحريات الأربع (2004) المعطلة من جانب مصر كانت قد حققت نجاحا عمليا في تسهيل التنقل والتعاون، إلا أنها لم تصل إلى طموحات اتفاقية التكامل (1974) التي كانت تهدف لاتحاد أعمق بين البلدين. 

الفارق الجوهري يكمن في طموحات الأولى الواقعية مقارنة بالسقف العالي للأخيرة.

المناصب تُجمِّل!

نقطة نظام

المناصب تُجمِّل!

أدهم شرقاوي


 يقول «محمد كرد علي» في مذكراته:

قال لي رجل اختلطَ بأحد ملوك الشرق، إنه رآه لمَّا ضاع ملكه، أصبحَ كالطفلِ، وضعفَ تفكيره!

فقلتُ له: لقد كان كذلك طيلة عمره، وإنما كان سلطانه يستره!

المناصب تُجمِّلُ أصحابها، وقد يجلس الصَّغير على الكرسيِّ الكبير، فلا ينتبه أحد إلى حقيقة حجمه، لأنَّ للكرسيِّ رهبة تشغلُ الناسَ عن حقيقة الجالسين عليها، ولكن متى ما غادروها انكشفتْ عورة قدراتهم، وبان عوار إمكاناتهم، وبدت ضآلة مضمونهم!

الأقلام دروع حصينة يختبئُ خلفها الناس! 

كثير من كلام الزُّهد لم يكتبه زاهد، وكثير من قصائد العشق نظمها لاهٍ، أغلب منشورات اللصوص هي عن الأمانة، وما أكثر كلام الغادرين عن الوفاء، وكثيراً ما يتذمَّر الذين لهم ألف وجه من ارتداء الناس للأقنعة، فلا تنخدعوا، يحدث أن يكون الناسُ في وادٍ وكلامهم في وادٍ، لم تعرف البشرية وسيلة للتخفي أنجح من الكتابة!

يقولُ الجاحظ: الفرزدق زير نساء، وليس له في هذا بيت شعرٍ واحدٍ، وجرير عفيف، لم يعشق امرأةً قط، ولكنه أغزل الناسِ شعراً!

وأزيدكم أنا من الشِّعر بيتاً، وفي المزمار نغمةً: عندما كان عمر بن أبي ربيعة على فراش الموت أخذ يسأل الله المغفرة!

فقيل له: بعد كل الذي كان منك؟

فأمسكَ إزاره وقال: واللهِ ما فككته على حرام!

اللاعب البطل الذي يُحمل على الأكتاف ويعتلي منصات التتويج، ليس بالضرورة بطلاً في الحياة، ثمة أبطال حملهم الناس بينما كان الذين عاشروهم يتمنون لو داسوهم بالأقدام!

كثيرٌ من الذين يُطلوِّن علينا في مواقع التواصل ويعلموننا كيف نعيش، حياتهم مزرية!

ليس الذي يُعطيه منصبه وقلمه وشهرته انطباعاً جيداً هو بالضرورة إنسان جيد! وليس الذي نحكم عليه بالسوء لظاهر أمره هو بهذا السوء فعلاً!

هناك عصاةٌ كُثر يُحبّون الله ورسوله، ولكن الشيطان غلبهم عن أنفسهم، وبذرة الخير فيهم باقية، أساؤوا بحقِّ أنفسهم ولكنهم ما أساؤوا بحقِّ أحد!

في الشَّام أيام الدولة العثمانية، لاحظ إمام مسجد السوق ضيقه على المصلين، فخطب يوم الجمعة، وحثَّ المصلين التجار على بذل المال فلم يتصدق أحد! وعندما خرج من المسجد غاضباً لقيه جار المسجد، تاجر القماش الثري السَّكير، وسأله عن سبب غضبه، فأخبره، فنادى التاجر على مساعده أن يحضر كيس النقود وكان النقد يومذاك ذهباً، فدفعَ كلفة توسعة المسجد وحده، فأخذَ الشيخ النقود ومضى!

فقال له التاجر: ادعُ اللهَ لي بالهداية!

فقال له الشيخ: أخافُ أن تصير مثلهم!

الحويني نسيج وحده بين الأزهريين والسلفيين 1/3

 

الحويني نسيج وحده بين الأزهريين والسلفيين 1/3

رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبيﷺ ، 
وعضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


أبو إسحاق الحويني هو حجازي محمد يوسف شريف تكنى بأبي إسحاق محبة في كنية الصحابي سعد بن أبي وقاص خال النبي ﷺ، والحويني نسبة إلى قرية “حوين” في محافظة كفر الشيخ، وسماه والده “حجازي” لأنه ولد في 10 يونيو/حزيران 1956م بعد عودته من الحج.

كان للشيخ الحويني حضوره في الحقل الدعوي والإسلامي، ومع بدايات انطلاق قناة الناس الفضائية أطل الشيخ أبو إسحاق على الناس من خلالها، وأصبح ضيفا أسبوعيا في بيوت المسلمين كل أربعاء من خلال برنامج فضفضة، الذي كان يذاع مدة ساعتين كاملتين، ومن موافقات الخير أني دخلت القناة مع الشيخ الحويني في أول ظهور له، في برنامج يذاع بعد برنامجه، وكان أول لقاء يجمعني به، وإن لم أكن لقيته، فقد بلغني صيته، ثم كانت مرحلة الانتشار الواسع من خلال الفضائيات، ولمست فيه من اللقاء الأول رقة الطبع ولين الحاشية، والتواضع المطبوع سجية دون تكلف، فهو كثير الإنصات، يؤثر الاستماع على عادة الندرة من الكبار، والأصل أن من كان يجلس إليه، إنما حضر ليفيد منه، لكنه كان أحرص على الاستفادة من غيره، على علو منزلته، وبفضل الجوار في قناة الناس، كنت أسعد به كلما حضر لبرنامجه، وذهبت يوما متأخرا فوجدته يقود سيارته بنفسه، وفيها تلامذته الكبار الذين لا يفارقونه، فسلمت عليه وقلت يكفيك أحد الشباب أمر القيادة، فأجاب بأنه حريص على خدمتهم والقيادة بهم، وامتدت بركة الجوار إلى السكن الذي ينزل فيه بالقاهرة قرب مسجد الشيخ الحصري رحمه الله، وبعد ثورة يناير كان يلقي فيه درس الفجر في رمضان، ويأتيه الناس من كل أرجاء القاهرة، حتى كأن المسجد وميدان الحصري في وقت خطبة الجمعة، وزرناه في إحدى الليالي الرمضانية، وطال الحديث معه، وأكرمنا بالسحور كعادته في إكرام من يدخل بيته، ثم انصرفنا لصلاة الفجر وإذا به يعتذر عن حضور الدرس لأنه لم يُحضر له، وطلب مني أن أخلفه فيه، فكان درسا لي جعلت منه مادة الدرس للحضور، في حين أن كل من يعرفون الشيخ الحويني عن قرب، يدركون أن الحلقات والدروس التي كان يسميها خواطر دعوية أو رسائل ونصائح للدعاة، كانت من أمتع وأجمل ما يلقيه، وكنت لا أعرف السبب حتى سألته لماذا لا تجعل لنا حلقة ثابتة عن هذه الخواطر والنصائح؟ فقال لا أفعل ذلك إلا إن ضاق الوقت عن التحضير اللازم، أو شغلت عنه بشاغل، فقلت له إذن نتمنى أن لا تُحضّر في كل مرة.

الهوة بين السلفيين والأزهريين

وهناك درس آخر في هذا الشأن هو أنني لا أعرف من يفعل ذلك من مشايخ التيار السلفي، بل كان يظهر على بعض التلاميذ التبرم والضجر، لأن الهوة بين السلفيين والأزهريين في الأعم الأغلب كبيرة، ويسعى الغلاة من الفريقين إلى تعميقها، حيث يرى أحدهما الآخر دخيلا على الصنعة، ويرى الآخر أنه أحق بها وأهلها، وهذا عين ما تفرد به الشيخ الحويني عن غيره، من خلال قدرته الفائقة على جمع الناس من حوله، ويخص كل واحد بالإقبال عليه، حتى يظن أنه أقرب الناس إليه، ومعلوم أن الشيخ وجه أولاده جميعا للدراسة في الأزهر الشريف، ويظهر من ذلك كيف كانت فكرته ونظرته، بل إن من أوائل من طلب الشيخ الحويني علم الحديث على أيديهم كان الشيخ محمد نجيب المطيعي الرمز الأزهري الكبير، وكان رحمه الله يتحدث عن الأستاذ الأديب محمود شاكر أكثر من حديثه عن أخيه العلامة المحدث أحمد شاكر، ومما سمعته منه أن كتاب أباطيل وأسمار للأستاذ محمود شاكر هو أقرب الكتب إلى سريره، ويضع نسخة منه في كل مكان يطول مكثه به، ولا يطول به العهد عن النظر فيه، ولعل ما كان في الشيخ الحويني من رقة الطبع ولين الجانب، مرده إلى ذائقته الأدبية الرائقة، وحصيلته الشعرية الفائقة، فقد حفظ ديوان أبي تمام في مقتبل عمره، بل بلغ بي الأمر لما رأيت ولعه بالشعر والأدب، أن سألته عن ملحمة شعر العامية التي كتبها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي عن “حراجي القط”؟ فقال نعم سمعتها وقرأتها، وهذا في أدبيات السلفيين لو تعلمون عظيم!

حديث الفريق سعد الدين الشاذلي

أذكر أيضا في معرض حديثنا عن الفريق سعد الدين الشاذلي -قائد أركان الجيش المصري في حرب العبور- أني سألته عن شهادته على العصر مع الإعلامي أحمد منصور، فقال سمعتها أكثر من مرة، وقرأتها مكتوبة أيضا، وللشيخ الحويني مقاطع متداولة يتحدث فيها عن الفريق الشاذلي، ويذكر شيئا من مآثره رحمه الله.

كان الشيخ الحويني حريصا على الوقت كما كان حال السلف، ومن مأثوراته أن الله جعل اليوم 24 ساعة حتى تكون القسمة على اثنين، فحظ العلم والتحصيل النصف وما زاد عن 12 ساعة فهو الربح، وكان رحمه الله يقضي أحيانا 15 ساعة بين قراءة وتعليق، وتدقيق وتحقيق، ومع ذلك كان له حظه من مطالعة الأخبار، ومتابعة أخبار المسلمين، حتى يشعرك كأنه تفرغ لهذا الشأن، وكان يذكر لي أسماء برامج لمؤثرين على وسائل التواصل عرفتهم من خلاله، وكان أولاده وخاصته يحاولون حجب بعض الفواجع التي تقع بالمسلمين عنه، حيث بلغ تأثره ببعضها حد المرض والحاجة إلى المستشفى، ومما ذكر أمامي في ذلك أنه كان يعد لحلقات تلفزيونية فيها ذكر الأندلس وما حل بالمسلمين فيها، فلما أكَبّ على التحضير لها، وعاش أحداثها ومآسيها مرض ثلاثة أيام يعاد في منزله.

إن أبا إسحاق الحويني لم يكن مَعْلما في حفظ السنة، ونخل المتون، ومقابلة الأسانيد، وأبواب الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف وحسب، بل كان مدرسة تربوية وراية دعوية وعالما ربانيا، ذهب بموته علم وفير وانقطع خير كثير، ووقعت بالأوساط العلمية ثُلْمة نسأل الله أن يخلفنا فيها.

فَما كانَ قَيسٌ هُلكُهُ هُلكُ واحِدٍ 

                              وَلَكِنَّهُ بُنيانُ قَومٍ تَهَدَّما.

الضربة الأمريكية المحتملة لإيران!

 الضربة الأمريكية المحتملة لإيران!

في ظل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول نيته توجيه ضربة عسكرية «قوية» لإيران.. تتزايد التكهنات حول التداعيات الچيوسياسية لهذا السيناريو على الشرق الأوسط.. يأتي هذا التهديد في وقت تُعاني فيه إيران مِن تراجع غير مسبوق في نفوذها الإقليمي.. نتيجة سلسلة مِن الضربات الاستراتيچية التي طالت «محور المقاومة» الذي تقوده.. مقتل قادة بارزين مثل حسن نصر الله أمين عام حزب الله وهاشم صفي الدين.. خليفته في قيادة الحزب.. إلى جانب سقوط نظام المجرم النصيري بشار الأسد في سوريا وتدمير قدرات الحوثيين في اليمن.. يضع هذا التغيير إيران في موقف دفاعي غير معهود.
التطورات الأخيرة تُشير إلى أنَّ إيران تواجه أزمة وجودية تهدد هيكلها السياسي والعسكري.. لقد كان حزب الله في لبنان بمثابة الذراع الأقوى لطهران في المنطقة.. لكن مقتل نصر الله وصفي الدين في غارات إسرائيلية دقيقة أضعف قدراته التنظيمية والعسكرية بشكل كبير..
وفي سوريا أدى سقوط الأسد وعصابة القرامطة النصيرية الباطنية إلى قطع خط الإمداد الرئيسي بين إيران وحزب الله.. مما جعل الأخير معزولًا جغرافيًا..
أما في اليمن.. فقد نجحت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في تحجيم قدرات الحوثيين الصاروخية والطائرات المسيرة.. مما قلَّص من قدرة إيران على استهداف المصالح الغربية في البحر الأحمر.. هذه التطورات مجتمعة تضع إيران أمام خيارات محدودة خاصة إذا نفذت الولايات المتحدة تهديدها بضربة عسكرية شاملة.
وفي حال نفذت إدارة ترامب تهديدها فمن المرجح أنْ تستهدف الضربة الأمريكية البنية التحتية العسكرية والنووية لإيران بما في ذلك مراكز القيادة والسيطرة ومواقع الدفاع الجوي والمنشآت النووية الرئيسية مثل «نطنز» و«فوردو».. الهدف الاستراتيچي سيكون تعطيل قدرات إيران العسكرية وإجبارها على التفاوض من موقع ضعف.. ومع ذلك فإنَّ نجاح هذه الضربة يعتمد على عوامل مختلفة منها دقة المعلومات الاستخباراتية وقدرة الولايات المتحدة على تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية التي تعتمد جزئيًا على أنظمة روسية مثل إس- 300.
إنَّ سقوط المرشد الأعلى علي خامنئي سواء نتيجة الضربة الأمريكية أو بسبب الاضطرابات الداخلية الناتجة عنها سيفتح الباب أمام تحوّلات جذرية في الإقليم العربي..
ستشهد دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات شعورا كبيرًا بالقوة بعد زوال القوة الإيرانية.. وقد يؤدي انهيار النظام الإيراني إلى صعود قوى معارضة داخلية في إيران مثل المنظمات القومية أو الليبرالية مما قد يعيد تشكيل ديناميكيات السلطة في طهران ويقلل من طموحاتها الإقليمية..
وفي العراق ولبنان قد تفقد الفصائل الموالية لإيران مثل الحشد الشعبي وحزب الله دعمها اللوچستي والمالي مما يعزز نفوذ الحكومات المركزية أو القوى السنية والمستقلة.
رغم ضعفها الحالي تمتلك إيران أدوات للرد على ضربة أمريكية لكن فعاليتها ستكون محدودة.. يمكن أن تلجأ طهران إلى استهداف القواعد الأمريكية في الخليج مثل قاعدة العديد في قطر أو قاعدة الظفرة في الإمارات باستخدام صواريخ باليستية أو طائرات مسيرة.. ومع ذلك فإنَّ أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية مثل باتريوت وثاد قد تحد مِن تأثير هذه الهجمات.. كما أن أي رد إيراني قد يُستخدم كذريعة لتصعيد أمريكي أكبر مما يضع النظام في موقف أكثر هشاشة.. وفي الداخل قد تواجه إيران تحديات إضافية إذا استغلت المعارضة الشعبية الوضع للتحرك ضد النظام.
السؤال: هو ما إذا كانت إيران قد تتخلى عن برنامجها النووي تحت ضغط ضربة أمريكية مدمرة.. منذ نشوء نظام الولي الفقيه اعتبرت طهران برنامجها النووي ركيزة أمنها القومي وأداة ردع ضد التهديدات الخارجية.. لكن في ظل انهيار نفوذها الإقليمي وتهديد بقاء النظام ذاته قد تجد إيران نفسها مضطرة للتفاوض.. إدارة ترامب المعروفة بسياسة «الضغط الأقصى» قد تشترط تفكيك البرنامج النووي مقابل تخفيف العقوبات أو ضمانات أمنية.. ومع ذلك فإنَّ أي تنازل سيعتمد على حسابات النظام الداخلية خاصة موقف الحرس الثوري الذي يرى في السلاح النووي رمزاً للصمود.
ولننظر الآن في مواقف الدول التي تصنيفها أمريكا «مارقة»: روسيا والصين وكوريا الشمالية..
- ستعارض روسيا أي ضربة أمريكية بشدة لأن إيران تُعد شريكًا استراتيچيًا في مواجهة الهيمنة الأمريكية.. قد تقدم موسكو دعمًا دبلوماسيًا في مجلس الأمن.. وربما تزوِّد إيران بأسلحة دفاعية متقدمة.. مثل إس- 400 لكنها ستتجنب التدخل العسكري المباشر خوفًا مِن مواجهة مع الولايات المتحدة..
- تركز الصين على حماية مصالحها الاقتصادية خاصة استثماراتها في قطاع الطاقة الإيراني.. قد تدعم طهران دبلوماسيًا لكنها ستتردد في الانخراط عسكريًا مفضلة الحفاظ على توازن علاقاتها مع الغرب والخليج.
- قد تقدم بيونج يانج دعمًا رمزيًا مثل تبادل الخبرات في مجال الصواريخ لكن تأثيرها سيكون محدودًا بسبب عزلتها الدولية وقدراتها الاقتصادية الضعيفة.
يمكننا القول إنَّ الضربة الأمريكية المحتملة لإيران قد تكون نقطة تحول في الشرق الأوسط حيث ستعيد تشكيل موازين.. وسقوط خامنئي قد يُسرع من انهيار النظام الثيوقراطي.. لكن ذلك قد يتبعه فوضى داخلية تهدد الاستقرار الإقليمي.. وإيران قد ترد بضربات محدودة لكنها ستكون حذرة من التصعيد الذي قد يطيح بها نهائيًا أما روسيا والصين وكوريا الشمالية.. فستقتصر مواقفها على الدعم السياسي والتقني دون مواجهة مباشرة.
في 2 إبريل 2025م