أمواج ناعمة
وادي النيل في سياق الأزمة السودانية
د. ياسر محجوب الحسين
كاتب سوداني- المملكة المتحدة
العلاقات السودانية - المصرية امتدّت جذورها عبر التاريخ، وهي أواصر تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا، فلم تفت التوترات المستمرة بين البلدين في عضد الروابط التاريخية والمصيرية بينهما.
هذه الخصوصية استمرت رغم اختلافات سياسية وأيديولوجية شديدة بين النظامين في البلدين عبر العقود الماضية.
حتى في الوقت الذي قاطعت فيه الدول العربية مصر بسبب اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل في 1978، بقيت العلاقة بين البلدين قائمة في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، رغم تأييد السودان للموقف العربي آنذاك. وفي عهد الرئيس عمر البشير، ورغم تزايد الشد والجذب بين القاهرة والخرطوم، تحولت العلاقة إلى تعاون شبه استراتيجي، متجاوزة الاختلافات الأيديولوجية العميقة بين النظامين.
ومع تفاقم الأزمة السودانية الراهنة، أصبحت إحدى أخطر التحديات التي تواجه هذه العلاقات. منذ بداية الصراع الداخلي في السودان بين القوات المسلحة السودانية، ومليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، فقد عصف الإعصار بالسودان ليتركه في دوامة فوضى أمنية واقتصادية لا قرار لها، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من المدنيين إلى مصر ودول الجوار.
هذه الأزمة خلقت بيئة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، وأثرت بشكل مباشر على الحسابات المصرية في المنطقة.
وتشكل الأزمة في السودان تهديدًا للأمن القومي المصري على عدة أصعدة. فالتصعيد المستمر يعزز المخاوف من اتساع نطاق الفوضى الإقليمية التي قد تشمل المناطق الحدودية بين البلدين، كما أن أي تصاعد في العنف قد يضر بالاستقرار في منطقة حوض النيل، التي تُعد من أهم مناطق المصالح الاستراتيجية لمصر، خاصة فيما يتعلق بقضية المياه وسد النهضة الإثيوبي.
علاوة على ذلك، تتسبب الأزمة في السودان في اضطرابات اجتماعية واقتصادية تؤثر على حركة التجارة والتنقل بين البلدين، وتزيد من ضغوط الأعباء الاقتصادية التي تتحملها مصر بسبب تدهور الاقتصاد السوداني.
وتعلم مصر يقينا أن السودان يمثل حجر الزاوية في معادلة أمنها القومي واستراتيجياتها الإقليمية، وتحاول جاهدة الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية. تسعى القاهرة إلى تجنب انزلاق السودان إلى صراعات تؤثر سلبا على استقرار المنطقة بأسرها، ما قد يعقد المشهد الإقليمي ويزيد من تعقيد حسابات مصر في المنطقة. لذا تسعى مصر إلى تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع السودان عبر الحوار السياسي المعمّق، والتعاون الاقتصادي، والتكامل الأمني، وتقوية الروابط الشعبية بين الشعبين.
في هذا السياق، تبدو عدة تساؤلات حاضرة بقوة: كيف يمكن لمصر إدارة حساباتها في ظل التحديات الحالية؟
ما هي القضايا المشتركة التي تهم البلدين في هذه الأزمة؟
كيف تؤثر الأوضاع الراهنة في السودان على المصالح الثنائية بين البلدين؟
وما هي التحديات الكبرى التي تواجه العلاقات المصرية السودانية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي؟
وكيف سيؤثر ذلك على مستقبل العلاقة بين مصر والسودان في المستقبل القريب؟
ينطلق الموقف المصري في دعم استقرار السودان وحمايته من أي تهديدات قد تؤثر على أمنه وسلامته الإقليمية من تأثير ذلك المباشر على إمنها القومي. وتركّزت المحاور الاستراتيجية على عدة نقاط أساسية بالنسبة لمصر؛
أولًا، يمثل السودان الرئة التي تتنفس عبرها مصر أمنها واستقرارها، وجسرا يصل حاضرها بمستقبلها. إذ أن استمرارية الصراع في السودان قد يؤدي إلى اضطرابات قد تمتد إلى مصر، بما في ذلك تدفق اللاجئين، والجماعات المسلحة.
ثانيًا، يعتبر السودان شريكا مهما لمصر في ملف مياه النيل، ولذلك فإن استقرار السودان له تأثير مباشر على إدارة ملف سد النهضة الإثيوبي.
على الصعيد الاقتصادي، يعد السودان سوقا مهمة للصادرات المصرية، وهو يمثل بوابة لزيادة النفوذ الاقتصادي المصري في القارة الأفريقية. ولكن عدم استقرار السودان يشكل تهديدا للاستثمارات المصرية، خاصة في قطاعات الزراعة والصناعة والبنية التحتية، مما يعرقل بالضرورة نمو الاقتصاد المصري في هذه المجالات.
إن تصاعد الصراع في السودان قد يدفع قوى إقليمية ودولية للتدخل لتحقيق مصالحها الخاصة، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
كذلك فإن استقرار السودان يرتبط أيضًا باستقرار منطقة القرن الأفريقي، التي تعد ذات أهمية استراتيجية لمصر فيما يتعلق بالتجارة الدولية وأمن البحر الأحمر.
أي اضطرابات في السودان قد تمتد إلى دول الجوار، مما يخلق بيئة إقليمية متوترة تؤثر بشكل مباشر على المصالح المصرية في المنطقة.
كذلك فإن دور مصر في الوساطة بين السودانيين يعزز وضعها الإقليمي، والدولي ويؤكد مكانتها كداعم للحلول السلمية. بشكل عام، يظهر أن مصر تدير الموقف بحذر بهدف تعظيم مصالحها الاستراتيجية وتجنب أي أخطار قد تنشأ عن تدهور الوضع في جارتها الجنوبية.
وهدفت مصر من خلال محاولاتها إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية لاسيما الجيش الوطني، ورفض التدخلات الخارجية في شؤونه.
ومع ذلك، يرى البعض أن هذه التحركات لم تكن كافية، إذ كبّلتها تقاطعات إقليمية تمحورت بشكل رئيس في الأزمة الاقتصادية في مصر التي تحد من تأثيرها ومرونة فعلها الدبلوماسي.
ولذا بقيت هذه المحاولات في حدها الأدنى وفي إطار المحافظة على دور ما في السودان عوضا عن الغياب التام.
بعد استقرار الوضع في السودان، سيكون هناك حاجة كبيرة لإعادة بناء البنية التحتية وتعزيز التنمية الاقتصادية.
يمكن لمصر أن تصبح شريكا رئيسيا في إعادة إعمار السودان وتعزيز بنيته التحتية، خاصة في مجالات الربط الكهربائي والنقل، كما يمكن أن يساهم السودان المستقر في تعزيز مواقف مصر في قضايا إقليمية، خصوصًا في البحر الأحمر.
وإذا ما استمر توتر العلاقات وتفاقم الأزمات يحدث إذا استمر الصراع في السودان أو تصاعد. في هذا الوضع، يمكن أن تتأثر العلاقات سلبا عبر تحديات أمنية مثل انتشار الجماعات المسلحة على الحدود، التوتر بسبب التدخلات الإقليمية، والضغوط الاقتصادية مثل تعطل التبادل التجاري.
ورغم أن اتفاقية الحريات الأربع (2004) المعطلة من جانب مصر كانت قد حققت نجاحا عمليا في تسهيل التنقل والتعاون، إلا أنها لم تصل إلى طموحات اتفاقية التكامل (1974) التي كانت تهدف لاتحاد أعمق بين البلدين.
الفارق الجوهري يكمن في طموحات الأولى الواقعية مقارنة بالسقف العالي للأخيرة.