‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقارير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقارير. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 22 يناير 2026

أمريكا وحقيقة تغيير النظام الإيراني

أمريكا وحقيقة تغيير النظام الإيراني



في خضم الصراعات السياسية المحتدمة بين واشنطن وطهران، تظهر أمامنا تساؤلات حاسمة حول حقيقة الموقف الأمريكي من النظام الإيراني: هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى إسقاط النظام، أم أن الأمر لا يتعدى التصريحات الدبلوماسية والتغريدات المحفِّزة؟

"رؤسائي، الرئيس ترامب والوزير روبيو،

 ليسوا بصدد تغيير النظام في إيران"

هذا ما صرح به توم باراك المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، وسفير واشنطن لدى تركيا، في الخامس من ديسمبر الماضي، في مقابلة موسعة أجراها باراك مع مجموعة "IMI Media" الإعلامية (التي تتخذ من الإمارات مقرا لها)، ونُشرت في صحيفة ذا ناشيونال الأمريكية.

وأشار باراك إلى أن الولايات المتحدة حاولت في السابق مرتين تغيير النظام في إيران ولم تنجح، معتبرا أن هذه المحاولات لم تحقق نتائج استراتيجية.

وأوضح أن الإدارة تفضل حلولا إقليمية تُترك لدول المنطقة، وأن واشنطن منفتحة على اتفاق جديد مع طهران إذا أبدت جدية في وقف تخصيب اليورانيوم ودعم الميليشيات.

ووصف باراك المواجهة الحالية بين إيران والكيان الصهيوني بأنها "الفصل الخامس من رواية لم يكتمل نصفها بعد"، في إشارة إلى أن الضغوط مستمرة لكنها تهدف للتفاوض لا للإطاحة.

وبتلك التصريحات، والتي تعبر بصراحة ووضوح عن موقف مسئول أمريكي كبير ومقرب من ترامب من محاولات إسقاط النظام الإيراني، هل نعتبر أنها هي موقف أمريكي رسمي رافض لتغيير النظام الايراني؟

وقد يجادل البعض ويقول إنه قد مضى على صدور هذه الأقوال أكثر من شهر ونصف، وربما يكون الموقف الأمريكي قد تغير وتبدل في خلال تلك الفترة، خاصة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعرف عنه تقلباته الحادة السريعة في مواقفه وقراراته.

حتى أنه في 13 يناير الحالي، ومع تصاعد المظاهرات في الشارع الإيراني، غرد ترامب قائلا: "أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج.. استولوا على مؤسساتكم!!! المساعدة في الطريق".

فهذا التحريض المباشر "الاستيلاء على المؤسسات" يُعد في العرف السياسي دعوة غير مباشرة لإسقاط النظام.

إذن لدينا خطابان: الخطاب الرسمي الدبلوماسي، ينفي تغيير النظام كسياسة معلنة، ويبرر لذلك.

 

والفوائد التي تجنيها أمريكا من هذا التناقض يتمثل في​شلل اتخاذ القرار لدى النظام في طهران والذي سيجد صعوبة في بناء استراتيجية دفاعية موحدة. هل يتفاوض مع باراك الهادئ، أم يستعد لحرب يلوح بها ترامب؟

وخطاب الرئيس في صفحات التواصل الاجتماعي، يدعم ضمنيا تغيير النظام ويحرض المتظاهرين على السيطرة على الدولة.

فكيف يمكن تفسير ذلك التناقض؟

لتحليل هذا التناقض بين تصريحات توم باراك، وهو المعروف بقربه من ترامب، وبين لغة الرئيس ترامب المباشرة، يمكننا استخدام عدة أطر علمية وسياسية تفسر كيف تدار السياسة الخارجية والقوة الناعمة.

المقاربة الأولى، باستخدام ما يعرف في العلوم السياسية بالغموض الاستراتيجي.

ويتم تعريفه في تلك العلوم، بتعمد دولة ما أو قائد ما إبقاء نواياه الحقيقية غير واضحة للخصوم أو الحلفاء. الهدف هو تجنب الالتزام بموقف واحد محدد قد يقيد الحركة مستقبلا، مع الاحتفاظ بقوة الردع من خلال ترك الخصم يتوقع الأسوأ دائماً.

ويُستخدم الغموض كأداة لإبقاء الخصم في حالة عدم يقين، وهي لا تعني الفوضى أو التخبط، بل هي تخطيط دقيق لإنتاج عدم اليقين.

وإذا طبقنا تلك الاستراتيجية لفهم التناقض الأمريكي، نجد أنه في تلك الحالة، يمكن تقسيم الغموض إلى مستويين يعملان معا كفكي كماشة:

·         المستوى الدبلوماسي الوقائي، ويمثله توم باراك، الذي يرى وظيفة هذا الخطاب هي

الحفاظ على الاستقرار القانوني والدولي، من خلال نفي تغيير النظام، لتحمي أمريكا نفسها من انتقادات الأمم المتحدة أو القوى الكبرى، مثل روسيا والصين، وتمنع تحول الصراع إلى مواجهة عسكرية شاملة قد لا ترغب فيها المؤسسة العسكرية الأمريكية، وفي نفس الوقت فإن هناك العديد من المصالح التي ستتحقق لأمريكا ببقاء النظام الإيراني.

·     المستوى الثاني هو التحريض الردعي والذي تمثله تغريدة ترامب: ووظيفة هذا الخطاب

هي زعزعة استقرار الخصم من الداخل. عندما يقول المساعدة في الطريق، فهو يمارس الغموض العملياتي؛ إذ لا يعرف النظام الإيراني هل المساعدة هي سلاح، أموال، هجوم سيبراني، أم مجرد دعم معنوي؟

هذا الغموض يجبر النظام على استنزاف موارده في التحسب لكل الاحتمالات.

والفوائد التي تجنيها أمريكا من هذا التناقض يتمثل في​شلل اتخاذ القرار لدى النظام في طهران والذي سيجد صعوبة في بناء استراتيجية دفاعية موحدة. هل يتفاوض مع باراك الهادئ، أم يستعد لحرب يلوح بها ترامب؟

كما تفيد استراتيجية الغموض في تجنب المسؤولية المباشرة، فإذا فشلت الاحتجاجات الإيرانية، يمكن للإدارة الأمريكية العودة لقول باراك نحن لم نعد بشيء؛ وإذا نجحت، يمكنها القول إن ترامب كان المحفز الأول.

كما تعمل استراتيجية الغموض على إرضاء جميع فئات الجماهير، فترامب يرضي قاعدته الانتخابية التي تحب لغة القوة، بينما يقوم باراك بتطمين حلفاء أمريكا مثل الدول الأوروبية الذين يخشون من تبعات انهيار مفاجئ للأمن الإقليمي.

الاقتراب الثاني لفهم التناقض الأمريكي، هي نظرية الرجل المجنون.

وتُعد تلك النظرية واحدة من أكثر الاستراتيجيات إثارة للجدل في العلاقات الدولية، وهي لا تعني الجنون السريري بأي حال، بل هي كما يقول علماء السياسة عقلانية تتخفى في زي غير العقلانية.

صاغ هذه الاستراتيجية لأول مرة ماكيافيلي، لكنها نُسبت لاحقاً للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون.

تقوم الفكرة على إقناع الخصم بأن الزعيم متقلب المزاج، متهور، ومستعد لاستخدام القوة القصوى حتى النووية دون تردد.

 

الملاحظ لنمط العلاقات الإيرانية الأمريكية منذ قيام الثورة الإيرانية، أن أمريكا لم تدخل قط في حرب عسكرية مع إيران، بل في بعض الفترات كان هناك تنسيق مثل ما حدث من احتلال العراق وأفغانستان في عامي ٢٠٠١، و ٢٠٠٣

والهدف الأساسي، هو إجبار الخصم على التراجع أو تقديم تنازلات خوفاً من رد فعل مجنون لا يمكن التنبؤ به.

وتعتمد نظرية المجنون على نظرية الألعاب في التحليل السياسي المشهورة، فإذا اعتقد خصمك أنك عقلاني، فسوف يتوقع خطواتك ويناورك، أما إذا اعتقد أنك مجنون، فسوف يتجنب استفزازك بأي ثمن، وسيضطر إلى خفض مطالبه.

وتطبيق تلك النظرية لتفسير التناقض الأمريكي، حيث يتم تقسيم الأدوار كالتالي:

فدور توم باراك يمثل الرابط العقلاني الذي يعمل كصمام أمان، وظيفته إخبار العالم والنظام الإيراني بالمنطق التقليدي: نحن دولة مؤسسات، نحن نحترم القواعد، ولا ننوي غزوكم. هذا الدور يمنع الخصم من الدخول في حالة يأس يؤدي به إلى الانتحار ليندفع إلى شن حرب استباقية.

ثم نأتي إلى دور تغريدات ترامب، العنصر غير المتوقع، لتهدم المنطق الذي بناه باراك. عندما يكتب ترامب المساعدة في الطريق ويحرض المتظاهرين على الاستيلاء على المؤسسات، فإنه يرسل رسالة مفادها: قد أتجاوز مؤسساتي، وقد أتجاوز نصائح مستشاريَّ في أي لحظة.

وبذلك يصل دور المجنون إلى النتيجة السياسية المتوقعة، وهو التأثير على صانع القرار الإيراني.

كيف ذلك؟

فعندما يواجه القادة في إيران هذين الخطابين، يقعون في فخ الشلل التحليلي:

إذا قمعوا الاحتجاجات بعنف مفرط، فقد يُجن جنون ترامب وينفذ تهديده بالمساعدة العسكرية، وإذا لم يقمعوها، فقد تسقط المؤسسات كما حرض ترامب.

وإذا صدقوا باراك، فقد يكتشفون بعد فوات الأوان أن ترامب كان جادا.

ولكي تنجح نظرية الرجل المجنون، يجب توفر ثلاثة عناصر، وهو ما نراه في الحالة الأمريكية:

أولها، المصداقية في التهديد، فترامب قام سابقا بأفعال غير متوقعة، مثل الانسحاب من الاتفاق النووي أو استهداف قيادات عسكرية رفيعة، مما يجعل تغريدته المساعدة في الطريق ذات ثقل مخيف وليست مجرد كلمات.

ثانيا شروط نجاح نظرية المجنون،وجود قنوات خلفية، مثل شخصية توم باراك الذي يضمن أن القنوات الدبلوماسية لا تنقطع تماما، مما يترك مخرجا لماء الوجه للخصم إذا أراد التفاوض لتجنب الرجل المجنون، فهوعنصر المفاجأة، فالتناقض الزمني والموضوعي بين تصريح باراك وتغريدة ترامب يوجد حالة من الضجيج التي تمنع الخصم من قراءة النوايا الحقيقية.

إذن ما حقيقة النوايا الأمريكية الحقيقية، هل يريدون بالفعل إسقاط النظام، أم هم يضغطون عليه فقط للاستجابة إلى المعايير الأمريكية؟

حقيقة النوايا الأمريكية

الملاحظ لنمط العلاقات الإيرانية الأمريكية منذ قيام الثورة الإيرانية، أن أمريكا لم تدخل قط في حرب عسكرية مع إيران، بل في بعض الفترات كان هناك تنسيق مثل ما حدث من احتلال العراق وأفغانستان في عامي ٢٠٠١، و ٢٠٠٣، وخرج بعدها بشهور نائب الرئيس الإيراني في وقتها بتصريح شهير قائلا، لولا طهران ما سقطت بغداد ولا كابول، وقبلها كانت فضيحة إيران كونترا حيث هربت المخابرات الأمريكية الأسلحة إلى إيران أثناء حربها مع العراق.

والخلاصة، أن المصالح الجيوسياسية الميدانية تتفوق دائما على الخطابات الإيديولوجية المعلنة.

وهذه حالة تسمى في العلوم السياسية العداء المنسق؛ حيث يستفيد الطرفان من وجود عدو خارجي لتبرير سياساتهما الداخلية، وزيادة ميزانيات الدفاع، لكنهما يحرصان تمامًا على عدم الوصول إلى نقطة الانكسار التي تعني الحرب الشاملة.

بناء على ذلك، يمكن فهم أن التهديدات الأمريكية الحالية هي مجرد أدوات ضغط لتحسين شروط الصفقة، وليس لإلغاء الطرف الآخر.

أمريكا تريد إيران مطيعة، لا تسعى أكثر من الدور المرسوم لها، وليس بالضرورة إيران منهارة، فانهيارها في التصور الأمريكي قد يسبب صعود قوى ومحور جديد، يبدو أكثر جدية في إنهاء النفوذ الأمريكي الصهيوني في المنطقة.

مجلة البيان

الثلاثاء، 20 يناير 2026

ماذا تعرف عن نيكولاي ملادينوف الدبلوماسي المكلف بـ بدفن غزة؟

 ماذا تعرف عن نيكولاي ملادينوف الدبلوماسي المكلف بـ بدفن غزة؟

 تقرير أنس محمد 

بعد فترة وجيزة من تولي روميانا باتشفاروفا منصب سفيرة بلغاريا لدى إسرائيل، زارت مواطنها نيكولاي ملادينوف في القدس، وأخذها إلى جبل الزيتون، المطل على البلدة القديمة في القدس.

وقال ملادينوف لباتشفاروفا: “هذا المكان الصغير هو حجر الزاوية لجميع الصراعات هنا. لكن انظري كم هو جميل”.

كان ملادينوف أمضى عدة سنوات في منصبه كمنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، وهو منصب يُنظر إليه تاريخيًا على أنه رمزي وغير فعال.

وأصدر دبلوماسيون سابقون شغلوا هذا المنصب بيانات تدين توسع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وتؤكد على أهمية حل الدولتين إلا أن تأثيرهم كان ضئيلاً على صراع مستعصٍ، تجاهله الإسرائيليون إلى حد كبير، وعجزوا عن إحداث تغيير مع الفلسطينيين، لأنهم جاؤوا ورحلوا دون أن يتركوا بصمة.

لكن ملادينوف تولى المنصب برؤية مختلفة، إذ كان قادراً على بناء علاقات ثقة مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.

وكان السياسي والدبلوماسي البلغاري قد عُيّن وزيراً للدفاع في بلاده وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم أصبح وزيراً للخارجية بعد بضعة أشهر، وهو المنصب الذي شغله لمدة ثلاث سنوات.

وقبل مجيئه إلى القدس في 2015، كان الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق، وكان في وقت سابق من مسيرته عضواً في البرلمان الأوروبي.

والآن، يواجه ملادينوف، البالغ من العمر 53 عاماً، ربما أصعب مهمة في حياته حتى الآن. بصفته الممثل السامي الجديد لغزة، سيتولى منصب حلقة الوصل الرئيسية بين “مجلس السلام” الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولجنة تكنوقراطية مؤلفة من مسؤولين فلسطينيين، والمُكلفة بإدارة القطاع المدمر.

ويتعين عليه تحويل خطة وقف إطلاق النار المكونة من 20 بندًا، والتي توسطت فيها الولايات المتحدة وتفتقر إلى تفاصيل جوهرية، إلى برنامج قابل للتطبيق لإعادة إعمار غزة، ونزع سلاح حركة “حماس”، وحكم مليوني نسمة.

ويشترط أن يحظى هذا البرنامج بقبول الإسرائيليين والفلسطينيين والأمريكيين لضمان نجاحه.

وأعلن البيت الأبيض أن أعضاء مجلس السلام – وإن لم تكن له مسؤوليات مباشرة تجاه اللجنة – سينضم إليهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وغيرهم.

وفي لقاء وديّ، التقى ملادينوف الأسبوع الماضي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكبار المسؤولين الفلسطينيين، استعدادًا لتوليه منصبه الجديد.

وامتنع ملادينوف عن التعليق على منصبه الجديد، عندما أعلن ويتكوف الأربعاء عن إطلاق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، أعاد ملادينوف نشر رسالته دون أن يدلي بأي تصريح خاص به.

لكنه كان يعلم بالتأكيد ما سيحدث عندما نشر منشورًا بمناسبة رأس السنة على منصة “إكس”، حيث كتب: “مع دخولنا عام 2026، نأمل أن يكون عامًا يسوده المنطق، وتُحترم فيه القواعد، وتُعطى فيه الحقائق وزنًا أكبر من الشعارات، ولا تُقاس فيه القوة بالتصعيد المتهور، بل بضبط النفس المدروس والخيارات الحكيمة”.

بداية صدامية

عندما وصل ملادينوف إلى القدس قبل ما يزيد قليلاً عن عقد من الزمان، صُدم في البداية من مدى عدم أهمية المنصب، وفقًا لمقابلة أجرتها معه صحيفة “نيويورك تايمز”، عند مغادرته منصبه في أواخر 2020. لكن ملادينوف كان يتنقل باستمرار بين الأطراف الرئيسية، حيث التقى بالإسرائيليين، والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، و”حماس” في غزة، وقدم تقريره الشهري إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك، وفقًا لما يقتضيه منصبه.

ولم يتصدر عناوين الأخبار كثيرًا خلال فترة وجوده في اس، لكنه كان نشطًا في الكواليس، لا سيما مع مصر، في إنهاء التصعيدات المتكررة بين إسرائيل و”حماس” بشكل سريع.

وكتب ذات مرة في رسالة نصية بعد احتواء تصعيد دام 24 ساعة: ” نجح الأمر. مرة أخرى”.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لشبكة CNNهذا الأسبوع: “الجميع يُحب ملادينوف، ليس فقط في إسرائيل بل في جميع أنحاء الشرق الأوسط، استطاع كسب ثقة جميع الأطراف، وهو أمر نادر للغاية. يتحدث بطريقة إيجابية وبنّاءة، ويتجنب التركيز على السلبيات، ويعمل بطريقة منظمة وشفافة مع الجميع دون تعقيدات لا داعي لها. إنه لاعب عادل يُدرك حساسية جميع الأطراف”.

أما بين الفلسطينيين، فالتقييمات أكثر دقة، فقد أشاد كزافييه أبو عيد، المحلل السياسي الذي عمل سابقًا مستشارًا في دائرة شؤون المفاوضات بمنظمة التحرير الفلسطينية، بمهنية ملادينوف.

وقال: “كان يُنظر إليه دائمًا على أنه شخص جاد للغاية، مُلِمٌّ بالملفات إلمامًا تامًا. لم يكن من النوع الذي يعتمد كثيرًا على المستشارين أو من يُملي عليه ما يقول”.

لكن أبوعيد ذكر أيضًا لشبكة CNNأنه شعر أن ملادينوف كان يميل إلى الموقف الإسرائيلي، وكان اهتمامه منصباً على صورة إسرائيل أكثر من اهتمامه بانتهاكات حقوق الإنسان التي يعاني منها الفلسطينيون.

وقال أبو عيد: “كان يهتم بالفلسطينيين، لكن اهتمامه كان منصباً على الإسرائيليين أكثر”.

واتفق بعض أعضاء السلك الدبلوماسي في القدس على ذلك، معتقدين أن ملادينوف أهمل السلطة الفلسطينية بشكل مفرط.

وقال دبلوماسي لشبكة CNNإنه شعر بأنه كان بإمكانه تكريس المزيد من الوقت للعمل على عملية السلام المتعثرة – الأمر الذي كان سيتطلب مزيداً من التواصل مع السلطة الفلسطينية – بدلاً من التركيز على تعزيز العلاقات الجيدة التي أصبحت فيما بعد جيدة جداً ليس فقط مع إسرائيل، بل أيضاً مع “حماس”، الخصم اللدود للسلطة الفلسطينية والمصنفة من قبل الولايات المتحدة كـ”منظمة إرهابية”.

وقد يُستنتج من قراءة متعاطفة لاختيارات ملادينوف أنه كرّس جهوده للجهات الفاعلة الأكثر فاعلية ضمن نطاق صلاحياته، ولكن كان من مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يقوم أعلى مسؤول أممي في المنطقة بتعزيز العلاقات مع “حماس” على حساب السلطة الفلسطينية.

وساهم انقسام القيادة الفلسطينية في إضعاف القضية الفلسطينية على الساحة الدولية.

ولكن بينما انهار هذا النهج غير الرسمي الذي اتبعته إسرائيل تجاه “حماس” مع هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا يزال القلق قائماً في رام الله، مقر السلطة الفلسطينية، من أن تكون اللجنة التكنوقراطية الجديدة وسيلة أخرى لتقسيم الفلسطينيين من خلال خلق مراكز قوة متنافسة.

وقال رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، محمد اشتية، في رسالة صوتية: “تتواجد السلطة الفلسطينية كسلطة مؤقتة منذ 32 عامًا، والآن توجد سلطة (جديدة) في غزة… وهي أيضًا ترتيب مؤقت حتى 31 ديسمبر 2027، لذا فإن القضية بالنسبة لنا، الآن وقد أصبح لدينا سلطتان مؤقتتان، هي كيفية الربط بينهما فعليًا لتحقيق حل الدولتين”.

تشكيك في العلاقات

يشكك العديد من الفلسطينيين أيضًا في استمرار علاقات ملادينوف مع الإمارات العربية المتحدة، حيث يشغل منصب المدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، المتخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية.

وخلال الأشهر الأخيرة له في القدس مع الأمم المتحدة، دافع ملادينوف عن اتفاقيات إبراهيم، التي شهدت تطبيع إسرائيل علاقاتها مع الإمارات، من بين دول أخرى.

ويرى الفلسطينيون في اتفاقية السلام 2020 “خيانةً”، إذ تجاوزت تطلعاتهم إلى إقامة دولة، والتي كان من المفترض أن تكون شرطًا أساسيًا لاندماج إسرائيل الإقليمي.

لكن مؤيدي الاتفاقيات يقولون إنها تُبرز ما يعتبره الكثيرون إحدى نقاط قوة ملادينوف: استعداده لتبني مناهج جديدة.

ويقول دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل: “أعتقد أنه عملي للغاية”.

وعمل الاثنان معًا في 2015 و2016، حيث أظهر ملادينوف استعداده لتجاوز الروتين لإنجاز المهمة.

ويضيف شابيرو، وهو الآن زميل بارز في مركز أبحاث المجلس الأطلسي: “إنه أقل تقيدًا، أو التزامًا، بالإجراءات البيروقراطية من تركيزه على تحقيق النتائج. سيذهب إلى أي مكان ويتحدث مع أي شخص، وسيصر على أن تكون تلك المحادثات موجهة نحو تحقيق النتائج”.

لكن جميع من تحدثت إليهم شبكة CNNتقريبًا وجهوا التحذير نفسه بوضوح: قدرة ملادينوف السابقة على بناء العلاقات لا تضمن له النجاح في منصبه الجديد.

فمع غياب بنية تحتية راسخة من حوله، عليه أن يتولى على الفور أصعب المهام في إطار المرحلة الثانية الوليدة من الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وبعد ثلاثة أشهر من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم تُقدم “حماس” على أي خطوة لنزع سلاحها، مما ساهم في منع نشر قوة أمنية دولية في غزة؛ كما لا تزال المخاوف قائمة بشأن نوايا إسرائيل الحقيقية تجاه المزيد من الانسحاب العسكري من القطاع.

ويتعين على ملادينوف أيضاً إيجاد آلية لنقل إدارة غزة من حكم حماس الذي دام قرابة عقدين إلى اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية التي يرأسها.

من جانبها، رحبت حماس بتشكيل اللجنة، وقالت في بيان صادر عن باسم نعيم، القيادي البارز فيها، إنها مستعدة لتسليم إدارة غزة وتسهيل عمل اللجنة.

إلا أن مسؤولاً أمنياً إسرائيلياً رفيع المستوى سابقاً أبدى تشككاً في ذلك.

وقال المسؤول السابق، الذي عمل مع ملادينوف في منصبه بالأمم المتحدة: “لا أتوقع نجاح هذه الجهود. فهو يتمتع بقدرة كبيرة على بناء علاقات جيدة. ولكن من وجهة نظر إسرائيل، من الواضح أيضاً أن لديه علاقات وثيقة مع حماس، مما سيجعل من الصعب عليه فرض أي شيء عليها وإجبارها على التخلي عن السلطة”.

في نهاية المطاف، من المرجح أن يكون العامل الحاسم في نجاح ملادينوف في منصبه الجديد هو الإرادة السياسية وحسن نية الشخصيات المؤثرة، لكن المقربين منه يعتقدون أنه إن فشل، فلن يكون ذلك لقلة محاولاته.

وأشادت باتشفاروفا بالعلاقة العاطفية التي تربطه بالآخرين، وإيمانه الراسخ بالحوار والتوافق، وقالت: “إنه لا يختار الخيارات السهلة، ولا يتبنى الخط السياسي السهل. إنه رجل شجاع”.





السبت، 17 يناير 2026

لجنة غزة الإدارية.. فخ صهيو-أمريكي جديد للسيطرة

 لجنة غزة الإدارية.. فخ صهيو-أمريكي جديد للسيطرة

 . أحمد مصطفى الغر


هل يمثّل مشروع الإعمار واللجنة الإدارية في غزة مدخلًا إنسانيًا حقيقيًا لإنهاء الحرب، أم صيغة وصاية سياسية ناعمة تُستبدل فيها الدبابات بالإدارة والتمويل المشروط لتفريغ القضية والمقاومة من جوهرهما؟

في لحظةٍ تبدو فيها غزة مثخنة بالجراح، منهكة من حرب إبادة طويلة، ومحاصرة بين ركام البيوت وأشلاء الجغرافيا، يطلّ المشروع الأمريكي–الصهيوني بثوبٍ جديد، هذه المرة تحت مسمّى اللجنة الإدارية لإدارة قطاع غزة ومجلس السلام الدولي. مسمّيات ناعمة تخفي خلفها منطق القوة ذاته، وتعيد إنتاج أدوات السيطرة بأساليب أكثر خبثًا ودهاءً. فالإعمار، الذي يُفترض أن يكون استحقاقًا إنسانيًا، يتحوّل في هذا السياق إلى أداة ابتزاز سياسي، وإلى فخّ استعماري يراد له أن يُنهي القضية الفلسطينية من بوابة غزة، لا عبر الدبابات وحدها، بل عبر الإدارة والتمويل والوصاية.

هندسة الوصاية

رغم إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن خطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة تدخل طورها الثاني، بالانتقال من "وقف إطلاق النار" إلى "نزع السلاح، الحكم التكنوقراطي، وبدء الإعمار"، فإن الوقائع الميدانية تكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية؛ إذ لا تزال الانتهاكات الإسرائيلية متواصلة على الأرض، فيما لم يُنفَّذ عدد جوهري من بنود المرحلة الأولى قبل القفز المتعمد إلى المرحلة التالية. هذا التسرّع لا يمكن فصله عن البنية السياسية للمرحلة الثانية نفسها، التي يُراد لها أن تعيد تشكيل واقع غزة تحت سقف مختلف، لا يقل قسوة عن منطق القوة العسكرية، بل يعيد إنتاجه بأدوات إدارية ومالية أكثر التواءً.

فمنذ الإعلان عن مجلس السلام برئاسة ترامب، بدأت تتضح ملامح نموذج حكم لا يمتّ إلى السيادة الفلسطينية بصلة، بل يؤسس لمرحلة وصاية مُقنّعة تُدار باسم الإعمار والاستقرار. فالمجلس، كما تعكسه التصريحات والتقارير الغربية، لا يُطرح كإطار داعم لإدارة فلسطينية مستقلة، وإنما كسلطة إشراف عليا تتحكم في القرار السياسي
 والاقتصادي، وتضبط إيقاع الحياة اليومية في القطاع وفق شروط الممول والراعي الأمريكي والصهيوني. أما الحديث عن لجنة تكنوقراط فلسطينية، فلا يتجاوز كونه واجهة محلية لتسويق مشروع الوصاية وتخفيف حدّة الرفض الشعبي، في حين تُدار الخيوط الفعلية من واشنطن وتل أبيب، ضمن تصور يُراد له أن يُنهي غزة كمساحة مقاومة، ويعيد تعريفها ككيان منزوع الإرادة، خاضع للإدارة لا للتحرر.

 

إنها محاولة لإعادة هندسة الوعي، وإقناع الناس بأن المقاومة هي سبب البؤس، لا الاحتلال والحصار، في قلبٍ فجّ للحقائق، وتزويرٍ فاضح لمسار الصراع


هذا النموذج يعيد إلى الأذهان تجارب استعمارية كلاسيكية، حين كانت القوى الكبرى تنصّب إدارات محلية محايدة ظاهريًا، لكنها مقيّدة بالكامل بشروط المموّل والمشرف. فقد عرفت المنطقة العربية أشكالًا مشابهة في الانتداب البريطاني على فلسطين حين أُفرغت المؤسسات المحلية من أي سيادة فعلية، وفي الإدارة المدنية الأمريكية في العراق بعد 2003 التي رُوّج لها كحكم تكنوقراطي بينما كانت تُدار بقرارات الاحتلال الأمريكي، وكذلك في النموذج الفرنسي بالجزائر عبر مجالس محلية تابعة تُستخدم لضبط المجتمع لا لتمكينه. في جميع هذه الحالات، لم يكن التكنوقراط صُنّاع قرار، بل منفذين لسياسات مرسومة سلفًا، وحدود حركتهم مرهونة بمدى التزامهم بأجندة «الأمن أولًا» كما يعرّفها الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، حيث تُختزل السياسة في الإدارة، وتُختزل السيادة في التقارير والتمويل المشروط.

الإعمار المشروط

لا يُطرح الإعمار في الخطة الأمريكية بوصفه حقًا للضحايا، بل كجائزة مشروطة بالسلوك السياسي والأمني. فالدول المانحة، تحت مظلة مجلس السلام، تضع التمويل في كفة، ونزع سلاح المقاومة في الكفة الأخرى، في معادلة ابتزاز واضحة لا تخفى على أحد. الإعمار هنا ليس لإعادة الحياة، بل لإعادة تشكيل المجتمع بما يتلاءم مع متطلبات الاستقرار الصهيوني. هذا المنطق يحوّل الركام إلى ورقة تفاوض، والبيوت المهدمة إلى أداة ضغط. كل مشروع إسكان، كل محطة كهرباء، كل معبر، يصبح مرتبطًا بتقارير أمنية وتقييمات سياسية، لا بحاجات الناس. وهكذا يُدفع المجتمع الغزي إلى خيار قاسٍ: إما القبول بشروط الإخضاع، أو البقاء في دائرة الحرمان.

الأخطر أن هذا الإعمار المشروط يسعى إلى تفكيك الحاضنة الشعبية للمقاومة، عبر ربط تحسين الظروف المعيشية بالتخلي عن خيار الصمود. إنها محاولة لإعادة هندسة الوعي، وإقناع الناس بأن المقاومة هي سبب البؤس، لا الاحتلال والحصار، في قلبٍ فجّ للحقائق، وتزويرٍ فاضح لمسار الصراع، فمما لا شك فيه أن ربط الإعمار بنزع السلاح يعني عمليًا تجريد غزة من آخر عناصر القوة، وتركها مكشوفة أمام الابتزاز والعدوان. والتجربة الفلسطينية، والعربية عمومًا، أثبتت أن الوعود الدولية لا تصمد أمام تبدّل المصالح، وأن الضمانات الأمريكية ليست سوى أوراق بلا قيمة حين تتعارض مع أمن الكيان. ويزداد الأمر سوءًا مع تحول الإدارة من أداة تنظيمية إلى أداة تفكيك سياسي. إذ يجري فصل غزة عن سياقها الوطني الأشمل، وتقديمها كملف إداري أمني مستقل، ما يكرّس الانقسام الجغرافي والسياسي، ويمهّد لتحويل القطاع إلى كيان منزوع الإرادة، محاصر بالاحتياجات، وخاضع لشروط الخارج دائما.

دور اللجنة الإدارية

تُقدَّم اللجنة الإدارية لغزة بوصفها إطارًا تقنيًا مؤقتًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، اللجنة مؤلفة من 15 عضواً، سيرأسها علي شعث، نائب وزير التخطيط السابق في السلطة الفلسطينية المدعومة غربيًا، والتي تُدير أجزاءً من الضفة الغربية المحتلة خارج السيطرة الإسرائيلية، غير أن تفكيك صلاحيات تلك اللجنة وآليات عملها يكشف أنها ليست هيئة إدارة محايدة، بل أداة ضبط سياسي وأمني مغلّفة بلغة مدنية. فهذه اللجنة لا تنبثق عن توافق وطني فلسطيني، ولا تستمد شرعيتها من تمثيل شعبي، وإنما تُنشأ بقرار خارجي، وتعمل تحت إشراف مباشر لما يُسمّى مجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب ووفقاً للخطة المكونة من 20 بندًا التي كُشف عنها قبل 3 أشهر، وهو ما يجعل تبعيتها واضحة منذ اللحظة الأولى، ويحدّد دورها ضمن منظومة وصاية لا إدارة ذاتية.


 

تنطلق المقاومة الفلسطينية من حقيقة تاريخية ثابتة: كل تجربة جُرِّدت فيها الشعوب من أدوات قوتها، وعودًا بالاستقرار أو التنمية، انتهت إلى تكريس التبعية لا إنهاء الاحتلال



تنحصر وظائف اللجنة المعلنة حتى الآن في مهام محسوبة بدقة، تُدار جميعها من خلال التمويل والرقابة، ويمكن تلخيص جوهر عملها في الآتي:

* إدارة المساعدات الإنسانية وتوزيعها وفق آليات تخضع للتدقيق الأمني.

* الإشراف على مشاريع الإعمار وربطها بشروط الممولين وجدولهم الزمني وأولوياتهم السياسية.

* تنظيم الخدمات المدنية الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية دون امتلاك قرار استراتيجي بشأنها.

* ضبط الفضاء العام ومنع أي نشاط يُصنَّف على أنه مهدد للاستقرار.

* التعامل مع ملف نزع سلاح المقاومة كشرط ضمني لاستمرار التمويل والإعمار.

بهذا المعنى، لا تقوم اللجنة بدور البناء بقدر ما تؤدي وظيفة الإدارة المقيّدة، حيث تُختزل السياسة في إجراءات، وتُفرَّغ السيادة من مضمونها. فهي ليست معنية بإعادة صياغة مستقبل غزة أو حماية حقها في مقاومة الاحتلال، بل بتأمين انتقال ناعم نحو واقع جديد تُدار فيه الحياة اليومية لسكان القطاع دون المساس بجوهر الهيمنة الإسرائيلية.

تُدرك المقاومة الفلسطينية، في لحظتها الراهنة، أن المواجهة دخلت طورًا أكثر تعقيدًا من سابقاته. فبعد أن فشلت آلة الحرب في كسرها عسكريًا، انتقلت محاولات الإخضاع إلى مساحات السياسة والإدارة والاقتصاد. هذا التحول لم يفاجئ المقاومة، بل جاء منسجمًا مع قراءتها المبكرة لطبيعة المشروع الصهيوني، القائم على استبدال الاحتلال الصريح بأنماط وصاية ناعمة تُفرغ القضية الفلسطينية من جوهرها. ومن هنا، يبدو موقفها الحالي قائمًا على وعي مركّب بأن المعركة لم تنتهِ بوقف إطلاق النار، بل بدأت مرحلة جديدة لا تقل خطورة. ويتجلى هذا الوعي في رفض المقايضة بين الإعمار ونزع السلاح، وفي الإصرار على الفصل بين الاحتياجات الإنسانية المشروعة وبين الشروط السياسية المفروضة.

تنطلق المقاومة الفلسطينية من حقيقة تاريخية ثابتة: كل تجربة جُرِّدت فيها الشعوب من أدوات قوتها، وعودًا بالاستقرار أو التنمية، انتهت إلى تكريس التبعية لا إنهاء الاحتلال. من الجزائر في خمسينيات القرن الماضي، إلى جنوب لبنان قبل عام 2000، أثبتت الوقائع أن نزع القوة قبل زوال الاحتلال لم يكن يومًا مدخلًا للسلام، بل وصفة لإدامة السيطرة بأشكال أقل كلفة للمحتل. لذا فإن المقاومة الفلسطينية لا تتعامل مع السلاح بوصفه غاية بحد ذاته، بل كأداة ردع تمنع فرض الحلول من طرف واحد.

أما على مستوى المستقبل، فتراهن المقاومة على عامل الزمن وعلى الذاكرة الجمعية الفلسطينية. فهي تعلم أن المشاريع المفروضة، مهما بدت محكمة، تحمل في داخلها بذور فشلها حين تصطدم بإرادة شعبية رافضة. التجربة الفلسطينية نفسها، منذ الانتداب البريطاني مرورًا باتفاق أوسلو، تؤكد أن محاولات الالتفاف على الحقوق الوطنية عبر هياكل إدارية أو حلول انتقالية لم تُنهِ الصراع، بل أجّلته وزادته تعقيدًا. ومن هنا، تستند يقظة المقاومة إلى درس: الصمود ليس فقط في الميدان، بل في القدرة على قراءة اللحظة، وعدم تسليم المفاتيح تحت ضغط المعاناة، والحفاظ على جوهر القضية حيًا، مهما تغيّرت الأشكال والواجهات. فالإعمار الذي لا يمر عبر السيادة ليس إعمارًا، والسلام الذي يُبنى على نزع الحقوق ليس سلامًا، بل استراحة تكتيكية في حرب لم تُغلق فصولها بعد، لأن فلسطين، ببساطة، لم تقل كلمتها الأخيرة.