الخميس، 2 يوليو 2026

الموصل وتفكيك العقدة السياسية العراقية

 ما وراء البندقية: دروس ثورة العشرين في الموصل وتفكيك العقدة السياسية العراقية

محمد صالح البدراني

"ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان"- محمد صالح البدراني

 مقدمة:


لا يقاس التاريخ بمدى الفخر والاعتزاز بالبطولات والملاحم؛ فما فات من الزمن قد مضى وانقضى، وإنما تُقاس عظمة الأمم بمدى قدرتها على تحويل دماء الماضي إلى دروس حية لفك شفرات الحاضر واستشراف المستقبل، وعند إعادة قراءة وثائق الأرشيف الوطني البريطاني (TNA) الخاصة بعام 1920، يتضح أن ثورة الموصل وتلعفر (أيار/مايو- حزيران/يونيو 1920) لم تكن حدثاً بلا جذور، بل كانت الشرارة التنظيمية الأولى والجزء اللوجستي المتمم لجسد ثورة العشرين الكبرى في الفرات الأوسط، رغم وجود تعتيم تقليدي على ثورة الموصل، والتي كانت حركة النخبة، والتي كانت حركة نخبوية. وهذا التعتيم أساسه متعمد، لإبعاد فكرة التنسيق رغم ضعف الاتصالات بل هي معدومة بالنسبة لغير المحتل آنذاك.

إن تفكيك هذه الجبهة المترابطة (دمشق- دير الزور- الموصل- الفرات) يمنحنا أربعة دروس استراتيجية كبرى تُعد بمثابة المفتاح الأساسي لفهم طبيعة وجذور الواقع السياسي اللاحق في العراق المعاصر.

أولا: واقعية المصالح والبراغْماتية السياسية (صناعة رجال الدولة)

وضعت بريطانيا قادة ثورة الشمال (جميل المدفعي وآخرين) على قوائم الإعدام والملاحقة العسكرية الدولية عام 1920، ولكن بعد ثلاث سنوات فقط (عام 1923)، اضطرت لندن لإصدار عفو شامل عنهم ودفعهم لتولي رئاسة الوزراء والوزارات السيادية ومجلس الأعيان. هذا الاضطرار ليس إرغاما وإنما هو لبناء الدولة والاستقرار، فالملك الذي تحول من سوريا إلى العراق كان يحتاج خبرة رجال دولة، ومن غير ياسين الهاشمي الذي أطلق سراحه توا، والمدفعي المتنقل بين العشائر غالبا في الأردن، وإبداء حسن النية مع العشائر كقبيلة الجحيش التي تمثل ثغرا حدوديا في البو عاج أو البعاج لاحقا.

هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب"

هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب". هذا يفسر لماذا اتسمت النخبة السياسية الحاكمة في العهد الملكي بالصلابة؛ فقد كانوا "رجال ثورة" قادمين من الميدان فرضوا أنفسهم بفرض الأمر الواقع، وليسوا موظفين عُينوا بقرارات إدارية فوقية.

ثانيا: التكامل البنيوي بين "النخبة العسكرية" و"القاعدة الاجتماعية"

نجحت نسبيا ثورة تلعفر والموصل لأن "العقل العسكري والسياسي" تلاحم تلاحماً عضوياً مع "الغطاء القبلي والبشري"، ويفسر هذا الدرس طبيعة الاستقرار والاضطراب في العراق اللاحق؛ فالدولة لا تستقر إلا بتوازن حقيقي بين أجهزتها التنفيذية (الجيش والإدارة) وقواها الاجتماعية والرمزية (العشائر والنخبة)، وأي محاولة لاحقة من الأنظمة السياسية لتهميش البعد الاجتماعي والاعتماد على القوة العسكرية الصرفة، كانت تؤدي سريعاً إلى انفجار الأزمات الداخلية الكبرى.

ثالثا: حتمية الجغرافيا وعقدة "الحدود الرخوة":

إن الحدود السياسية التي خطتها اتفاقية "سايكس بيكو" عاجزة عن قطع الروابط الجغرافية والقبلية.

وهذا هو الدرس الأكثر حيوية وتكراراً في تاريخ العراق الحديث؛ إذ إن "أمن العراق القومي يبدأ من خارج حدوده الغربية والشمالية". إن أي فراغ أمني، أو اضطراب سياسي في منطقة الفرات الأعلى ودير الزور في سوريا، يتحول تلقائياً وفوراً إلى ثغرة أمنية تضرب استقرار الموصل والأنبار ونينوى.

وما شهدناه في العقود اللاحقة وحتى الأحداث المعاصرة من تسلل للجماعات المسلحة والاضطرابات الحدودية، ليس إلا تكراراً حتمياً لنفس الدرس الجغرافي الذي كشفت عنه وثائق عام 1920.

رابعاً: معركة الوعي (سلاح الكلمة قبل البندقية)

رصدت الاستخبارات البريطانية بقلق بالغ المنشورات والدعاية الإعلامية والفتاوى الوطنية التي صاغها عزت الأعظمي وسُربت من دير الزور إلى أسواق الموصل؛ واعتبرتها بريطانيا أخطر من الرصاص لأنها زعزعت ولاء الجنود المحليين وحركت الجماهير الصامتة.

هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة في العهد الملكي والجمهوري، كأدوات أساسية لحسم الصراعات السياسية قبل اللجوء إلى القوة الخشنة.

هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة

إن هذا البلد لا بد أن يكون متحدا ويعلم ما يريد، فرغم فقدان التنسيق كانت الدولة، لكن لن تتم المحافظة عليها إلا بهذه الوحدة والتنسيق، ذلك التنسيق الممكن مع وسائل التواصل الحديثة إن تعذر اللقاء.

الخلاصة الاستراتيجية:

إن الثورات والانتفاضات قد لا تحقق نصراً عسكرياً حاسماً في حينه، لكنها -إذا أديرت بذكاء وتكامل- تفرض واقعاً سياسياً جديداً يجبر القوى العظمى على إعادة الحسابات، فلولا الدماء التي سُفكت في تلعفر والموصل والفرات عام 1920، لما اضطرت بريطانيا لإلغاء "الحكم العسكري المباشر" وتأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول عام 1921.

التاريخ لا يُقرأ للبكاء على الأطلال، بل لفهم أن أحداث اليوم هي صدى مباشر لخطوط النار والتفاهمات التي رُسمت قبل أكثر من قرن من الزمان.

إنّ ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان إن دققنا واستخدمت كل الوسائل من المقاومة السلبية إلى حمل السلاح، بقيادة النخبة أو بتصرف استحضر القيم العليا عندما قرر الخروج، فثورة الموصل لو كانت هنالك اتصالات لتوحدت وأنجزت متحدة مع الضاري وأبو الجون، لكن بغياب التنسيق بسبب اللوجستيات ولأن ليس هنالك دولة تفرقت الطرق وتباعد الرفيق والصديق، دعونا نعيد الإنصاف إلى ذاكرتنا التاريخية باستحضار ثورة الموصل التي حدثت في 4 حزيران/يونيو 1920 في تلعفر، وبحركة نخبة الموصل وعشائرها، بغض النظر عن أنها نُفذت بضباط ومثقفين مع العشائر، فإنها ذات منطلق ثورة أبو الجون والضاري، وحرس الاستقلال، التي أُرّخ لها 30 حزيران/يونيو. والمقال مقدمة ما بعده.




وجاء دور اليهود بعد أن تراجع دور المجوس

 وجاء دور اليهود بعد أن تراجع دور المجوس

لُدِغت فلسطين ومصر والعراق.. فهل ستلدغ سورية من نفس الجحر؟

مضر أبو الهيجاء

غائبٌ عن الوعي من اعتقد لوهلة أن المشروع الغربي الصليبي وأداته اليهودية الشيطانية يمكن أن تسمح للتعافي أن يتحقق على أرض الشام، وأن تنجو من العبث والهلاك التجربة الإسلامية في سورية، الأمر الذي يشير لتحديات مفروضة قائمة ومخاطر مدروسة قادمة، لن يتحقق التعافي في ظلِّها بل شرط تحققه حسن التعامل معها والنجاح في تجاوزها!

أرض الشام المباركة شوكة الإسلام العظيم

لم يترك كثير من الصحابة أرض مكة والمدينة، حيث الحرمين، ويستوطنوا في الشام إلا نتيجة إدراكهم معنى البركة وسرُّ اختيار الله أرض الشام لمعراج نبيه ﷺ للقاء ربه، فاتخذوها مسكنًا ومحلاً لبناء شوكة الإسلام ونشر الدعوة وتجذير رسالة التوحيد حتى أصبحت الشام ركيزة كبرى لرسالة التوحيد ورسالة الأنبياء والمرسلين طالما بقي أهلها بالحق مستمسكين وعلى صراط الله سائرين.

سر أرض المعراج بين الصحابة والصليبيين واليهود!

وكما أدرك الصحابة المعنى العظيم من إسراء ومعراج رسول الله ﷺ، فقد أدركه الصليبيون واليهود من التاريخ كله، فسلطوا سهامهم على الشام ومصر اللتين كانتا سببًا في أفولهم الكبير. وهو الفهم الواسع والعميق الذي جعل الغرب يبني له ركيزتين على أرض الشام، وهما كيان إسرائيل ومنظومة الطائفة الأسدية المجرمة، والتي دعمها حتى آخر أنفاسها، ثم عمل لها إنعاشًا تلو إنعاش حتى خارت قواها وماتت، فلم يعلن وفاتها، بل قرر أن يدير المشهد بخبثه الكبير، مرتكزًا على أفكار شيطانية، ومعتمدًا على أدوات مرحلية، بإشراف منفذه الحقير للسياسات القذرة: كيان إسرائيل.

سورية صاعق التغيير في الأمة وخزانها هو مصر!

يدرك الغرب الصليبي اللعين أن أرض الشام هي صاعق التغيير الذي يحرك ويحرض مجموع الأمة -وهو أحد معاني بركة الشام- حتى إذا تحرك خزانها الكبير في أرض الكنانة مصر حصل التغيير الذي تنكسر أمامه المشاريع الدولية والإمبراطوريات الكبرى ولهذا السبب أقام الغرب إسرائيل ولم يهنأ حتى وقّع اتفاقية السلام بين كيان إسرائيل والرئيس المصري أنور السادات عام 1978 فحيّد مصر وأخرجها من معادلة التغيير فرجحت كفة إسرائيل مقابل كفة عموم العرب والمسلمين وتسارع الانهيار والتدمير فكان سقوط بغداد عام 2003 منعرجا يفرط المسبحة.

إن إسرائيل ليست مشروع سرقة للزعتر والزيتون ولا بقرة صفراء تذبح في الأقصى، بل مشروع سياسي وقاعدة عسكرية للغرب الصليبي يستهدف إتلاف الشام ومصر والعراق ومنع قيام أي نهضة عربية وتهديد دائم لتركيا المسلمة واختراق سياسي للشعب الكردي الصلب والمنتمي، والحيلولة دون نهضة إسلامية في المغرب العربي الأمازيغي الوفي والكبير!

سورية الجديدة طليعة الإصلاح والتغيير

حافظ الغرب الصليبي وأداته التنفيذية، إسرائيل، على سورية الأولى خلال كامل الفترة التي كان يرأسها ويديرها أحد كهنة المعبد منذ عام 1970. وما إن تغيّر ميزان الواقع الموضوعي بسبب حجم التضحيات التي قدمها أهل الشام الكرام في الاتجاه الصحيح، حتى خضع الغرب لاستحقاق التغيير السياسي الذي كرسته عزائم الثوار والمجاهدين، وهنا حصل منعرج التحرير عام 2024.

لم يغادر الغرب أرض الشام، مدركًا أنها منطلق التغيير الذي يؤسس لأفوله، بل غيّر وجهه وخطابه ليقوم بتمثيل سيناريو ليلى والذئب، وذلك من أجل عرقلة وتعطيل ومنع الثوار من استكمال الهدم الواجب لمنظومة الشرّ وبتر ذيولها الباقية، والبناء اللازم لمنظومة الخير والعدل في سورية الجديدة والمنتمية.

وعيُ مخططاتِ الثعلبِ الأمريكي أحدُ شروطِ النجاة.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾.

إن من سنن الله أن يظل التدافع قائمًا بين أهل الحق وأهل الباطل، وإذا كان أهل الباطل لا يهدؤون ولا يكفون عن الإفساد، فإن الأولى ألا يتوقف أهل الحق عن العدل والإصلاح، وألا يكفوا أو يتراجعوا عن القيام بواجبهم.

وإذا كانت النيران المشتعلة جزءًا من الفعل الغربي الأمريكي الصليبي المتصهين، فإن إطفاء تلك النيران هو دور المسلمين، دعاة الحق الساعين لإنقاذ البشرية، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق دون وعيٍ بمخططات الأعداء وفهمٍ لأدواتهم وأساليبهم.

إن من أهم شروط نجاة التجربة الإسلامية على أرض الشام وعيها بالمخططات الأمريكية، وهو ما يفرض عليها أن ترصد سياساتها وتحركاتها، وتعي قدراتها، وتبحث عن أدواتها، لتتمكن من محاصرة نيرانها المشتعلة وإطفائها بإذن الله، الذي يؤيد المؤمنين بقوة من عنده إذا كانوا صادقين وجادين وواعين.

واقع سورية الصعب بين التحدي والاستجابة.

تزداد أوضاع الناس المعيشية سوءًا وصعوبة في سورية بعد التحرير، وهي ظاهرة للعيان -فواتير الكهرباء نموذجا-، غير أن أسبابها الموضوعية تخ في على كثير من العامة، الأمر الذي يحتاج إلى شفافية في البيان، ومسؤولية راشدة وحكيمة وشراكة في المعالجة -أردوغان نموذجاً، لاسيما والغرب الأمريكي لا يزال قابضاً على شرايين سورية ويتحكم بالأوكسجين الذي يغذي قلبها إلى حدٍّ كبير، فكيف يكون الحال وقد أضيف إلى هذا الواقع الصعب اختيار الحكومة السورية لمنظومات تجارية وأسماء مكروهة عليها ملاحظات وشبهات متواترة بين العوام كما الخواص والثقات!

ومما يذكر في هذا المقام أن أقوى الخلفاء الراشدين ابن الخطاب عمر كان يعزل الولاة دون تردد وبشكل مشهود لمجرد أنهم لا يحوزون على رضا وإجماع الناس، فكيف بات اختيار وتمكين بعض المسؤولين الذين يسخط عليهم الجميع ويشير لهم بالاتهام ثم يبقون في مواقعهم متمترسين؟

كما تشهد العدالة الانتقالية في سورية الجديدة تعثراً لأسباب موضوعية، وأخرى ذاتية تشير بأصابع الإتهام إلى تصور غير ناضج، وتعامل غير موفق من قبل رجالات الحكم يدفع الناس إلى إخراج أسوأ ما عندهم في حالة غوغائية قد تهدم الخير وتصنع في محله شروراً نتيجة تغييب دور الناس وتجاوز إرادة الشعب عن شكل التعامل مع أكثر الملفات حساسية وعدالة!

غياب التواضع السياسي آفة الحكم.

لقد تعاظم عند الناس انطباع سيئ نتيجة التجاوز المتكرر لوقائع فاعلة تمسُّ معيشتهم، ونتيجة غياب التواضع السياسي وسلوك متعال متعام عن إدراك حقائق الواقع عند بعض المسؤولين وهي مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق رجالات الحكم القائم، وتحتاج لنصح وتنبيه وتنظيف يرتقي بالقائمين ويقارنهم بنماذج الصحابة، لا أن يخرس الناس ويقارن القائمين بحطب جهنم أمثال بشار الأسد الطاغية، فهذا لعمري ديدن المنافقين وليس ميزان المتقين الذي يرومون وجه الله ويسعون لتحقيق مصالح العباد، فالمسلم ينظر للأعلى لا للأسفل ويقارن حاله بالملائكة وليس بالشياطين!

الاصطياد بالماء العكر في سياق حراك شعبي محق.

من البديهي أن أمريكا غاضبة بسبب رفض الحكومة السورية الإذعان لمخططاتها والتدخل العسكري في لبنان بعد أن أدرك حكامها أنهم سيغرقون في حروب بالوكالة نيابة عن إسرائيل. ولا شك أن إسرائيل المتحرشة، وبعض قيادات الطوائف المتربصة، تبحث عن أي صيد تصطاده في الماء العكر لتعبث في سورية، لاسيما وقد خرج حكمها من أيدي وكلاء الغرب حماة إسرائيل.

وليس مستبعدًا أن يكون الحراك الضخم -وعناوينه صحيحة- مجالًا للاصطياد في الماء العكر من قبل الأعداء لخلق ظروف موضوعية تنقل سورية إلى واقع جديد لا رجعة فيه، وهو مسار التناحر الطائفي والعرقي والمذهبي، الذي لا يحتاج لأكثر من فتيل وشرارة -لا سمح الله-.

انتقال مخطط الحرف والتدمير من الإهلاك الخارجي إلى الإتلاف الداخلي.

إذا كانت الحكومة والنخب السورية المنتمية، قد تنبهت إلى فخ نصبته لها الإدارة الأمريكية وإسرائيل في لبنان عبر محاولة جرها إلى مواجهة بالوكالة مع حزب إيران، فإن أمريكا لن تسكت عن فشل خطتها في إهلاك سورية واستخدامها خارجيًا، بل ستنتقل عبر أدواتها الداخلية والمحيط اللصيق بسورية لمحاولة إتلافها من الداخل -لا سمح الله-.

وهي في ذلك ترتكز على واقع موضوعي وحقائق قائمة يتفاعل معها الجمهور بصورة غوغائية، في حال غياب اهتمام الراعي اهتمامًا صادقًا وجادًا ومسؤولًا ومهمومًا بالرعية، وفي ظل تباطئ معالجة أسباب الاحتقان قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها، فهل يتنبَّه القائمون قبل أن تحلَّ الكارثة؟

الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف سبب هلاك بني إسرائيل!

لم يرسل الله عددًا من الأنبياء إلى أمة كما أرسل لـ بني إسرائيل، فقد كانوا من أسرع الأقوام ضلالًا، وكانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. وقد وصف الله حالهم في كتابه، فاستحقوا اللعن والعقوبة بسبب فسادهم وإصرارهم على الباطل وتركهم واجب الإصلاح.

ومن مظاهر ذلك أنهم كانوا يكيلون بمكيالين؛ فإذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، فاختل ميزان العدل، وانتشر الظلم، وحل بهم ما حل من الهلاك والتيه والعقوبة.

ولم يكن فسادهم مقتصرًا على ترك الإنكار، بل بلغ ببعضهم أن يأمروا بالمنكر وينهوا عن المعروف، وأن يقلبوا الموازين حتى يصبح الباطل حقًا والحق باطلًا، وهو من أعظم أسباب الانحراف والهلاك التي تصيب الأمم حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، وهو أمر يجب أن تحذر منه رجالات سورية الجديدة، لاسيما وأن أهل الباطل لا يزالون في كثير من مؤسسات الدولة متموضعين وممكّنين، فيما لا يزال آلاف الدكاترة المفصولين بقرار من الطاغوت الفار ممنوعين من عودتهم الوظيفية ورد اعتبارهم! فما السرُّ ومن المسؤول؟

دون أدنى شك فإن مكون السلطة الحالية في سورية الحرة لن يستطيع بمفرده أن يبني الدولة، وبقدر ما يتحقق من الشراكات والتكامل بين السلطة والشرائح المجتمعية والعلمية بقدر ما تنجح الخطوات نحو بناء دولة حقيقية تحفظ الهوية الثقافية وترعى مصالح الناس.

ومن المهم الإشارة إليه في هذا المقام هو أن مواجهة التحديات القائمة وتجاوز المخاطر القادمة بنجاح سبب كبير لتعزيز وتحقيق التمكين بشكل تراكمي وبناء الدولة القوية المعبرة عن مصالح وهوية أهلها.

والسؤال يقول:

كيف يمكن مواجهة التحديات القائمة وتجاوز المخاطر القادمة بنجاح؟

الجواب: يمكن مواجهة التحديات القائمة والمخاطر القادمة من خلال صناعة أدوات الكتلة الحرجة وهي:

1/ تشكيل وإنضاج المؤسسات المجتمعية كالاتحادات والنقابات والهيئات.. الخ

2/ تفعيل النخب العلمية واستنطاق قدراتها وامكانياتها وتحقيق شراكة حقيقية تكاملية بينها وبين السلطة الحاكمة في سياق معالجات ملفات اختصاصية بعقلية جماعة الأمة الواحدة.

3/ تشكيل مجلس شعب حقيقي فاعل ومعبر عن الناس يعكس خياراتهم ويتحمل المسؤولية مع السلطة ويشاركها في كل مغرم.

4/ التكامل في الفضاء العربي الرسمي والشعبي.

5/ الحلف الأفقي والعمودي مع تركيا المسلمة والاستفادة لأقصى درجة من حقبة رئيسها رجب الطيب أردوغان.

وعي سلم التحديات وترتيب المخاطر ودراسة الأولويات واجب الوقت بين يدي السياسيين.

من روائع المعاني القرآنية أن الخطاب القرآني كان دائمًا يخاطب المسلمين بوصفهم جماعة، الأمر الذي يشير إلى أن تحقيق الرسالة في واقع الأرض لا يكون إلا من خلال مفهوم الجماعة وعقلها وسلوكها، والمقصود هنا جماعة الأمة التي تجمع فسيفساءها وتعبر عن عموم أهلها ورعاياها وتحفظ مصالح الجميع بمسطرة واحدة، وتفكر وتنظر وتعقل بنسق مفتوح لا المحدود ولا المأزوم ولا المغلق، وليس المقصود جماعة الحزب أو التنظيم أو الحركة.

إن من واجبات الوقت في سورية الحرة والجديدة أن يدرس عقلها الجماعي التحديات والمخاطر التي تواجهها، وأن يضع سلمًا واضحًا للأولويات في إطار الحلول والمعالجات، وأن يرتب الملفات وفق درجة خطورتها وأثرها على حاضر البلاد ومستقبل أهلها.

فلا يمكن النجاح في مواجهة التحديات الكبرى دون وعي دقيق بترتيب المخاطر، ولا يمكن بناء مشروع مستقر إذا اختلطت الأولويات أو طغت المعارك الثانوية على القضايا المصيرية، وهو سبيل النجاح الممكن والراجح، بل والطريق الوحيد لمواجهة التحديات وتحصين التجربة من المخاطر وحماية منجزاتها.

الكنوز السورية المهملة.. تسترد مكانتها وتستعيد دورها في وقت الأزمات؟

إن ما يعصف بسورية حاليًا يشير إلى خطر الانزلاق نحو الاحتراب الطائفي المدفوع من قبل الصهاينة، وهو ما لا يمكن أن تعالجه الحكومة وحدها، لا سيما وهي في مهدها، ودون شراكة حقيقية واسعة ولا خبرة سياسية عميقة وعريقة.

الشيخ أحمد معاذ الخطيب رسول الوحدة والانسجام، والمجتمع السوري المتنوع صمام الأمان في مواجهة المنزلق الطائفي.

شهد التاريخ القريب أن الأمير عبد القادر الجزائري أنقذ المسيحيين في الشام من مقتلة راجحة على أيدي الطائفة الدرزية بعد صراع الجبل في لبنان عام 1860، وهو موقف أخلاقي عظيم لا يعكس قيمة الفرد فحسب، بل يبرز دلالة دين التوحيد وقيم الإسلام العظيم.

وهو ما تشهد عليه حواضر المسلمين، لا سيما وأن عيسى المسيح قد ولِد في الشام، كما كبر نبي الله موسى في مصر. ومهما حاول الغرب المأزوم أخلاقيًا وطائفيًا ومذهبيًا وعرقيًا أن يشوِّه صورتنا التاريخية، فإن حاضرنا كما ماضينا يشهد بأن المسلمين الذين انصهروا مع الأعراق المغايرة والمتنوعة خلال أربعة عشر قرنًا حافظوا طوال عهودهم على الطوائف والأديان المخالفة، بل وصانوا ديارهم وأملاكهم ودور عبادتهم، وذلك انطلاقًا من رؤية وأحكام شرعية تتجاوز رأي الفرد ومزاجه، بل تفرض عليه الانضباط بما شرعه الله من أحكام لها عليه سلطان.

إن خير من طرح رؤية معاصرة في التعامل مع الطوائف والمخالفين في أرض الشام هو الشيخ أحمد معاذ الخطيب الحسني، الذي يعد من كنوز الشام التي لم تأخذ حقها من الحضور ولا دور الشراكة الفاعلة في بناء سورية الجديدة -ولا نزكي على الله أحدا-.

فهل يتنبَّه القائمون على الحكم، ويطرحوا شراكة حقيقية مع علماء وكرام أهل الشام، لحل معضلة ومهلكة محتملة وواقعية، يسعى لصناعتها الكاهن اللعين القابع في تل أبيب والبيت الأبيض؟

وإذا كانت أرض الشام المباركة تشهد تراجعا حقيقياً للمشروع الصفوي بعد أن غرق في دماء الشهداء السوريين -ومن قبلهم العراقيين ومن بعدهم اليمنيين- فإنها اليوم تشهد نشاطاً وحضورا سياسياً وعسكرياً وأمنيا للصهاينة، الأمر الذي يحرِّم على الثوار الصادقين النزول عن جبل الرماة لطالما بقي الخطر حاضرا وراجحا.

إن من واجب الغيورين على التجربة الإسلامية الواعدة في أرض الشام المباركة، أن يستشرفوا الأمور قبل وقوعها عبر تتبعٍ دقيق لخياراتها منذ لحظة نشوئها، فالزوايا تزداد اتساعًا وابتعادًا كلما طال الزمن، لاسيما إذا كان من يقف خلفها أو يتدخل بها مشروعٌ معادٍ لا يريد لأهلها خيرًا، بل يسعى لاستدراجها إلى حفر وفخاخ بعد أن فشل في نحرها من خلال وكيله السابق، النظام الأسدي الطائفي ومنظومة الملالي المجرمة.

البؤسُ القادمُ في سورية عبر صناعةِ الثلثِ المعطِّل بأيدٍ سورية ورعايةٍ أمريكية!

في الوقت الذي يتجه فيه علماءُ ومصلحو المجتمع السوري إلى تقويمه وترميمه ومعالجته من اللوثات التي تداخلت مع تصوراته الفكرية وأخلاقه المجتمعية نتيجة خضوعه لنصف قرن من حكم الطاغوت الأسدي المجرم، ومن لوثة الفكر القومي العربي الاشتراكي والبعثي، فإن السلطة السورية المؤقتة تتجه إلى بناء دولةٍ مفارقة لتوجهات غالبية المجتمع، وبعيدة عن طموح الثوار، ومخالفة لتصورات النخب المنتمية والعلماء الربانيين.

الإدارة الأمريكية هي مهندسُ سورية الثانية عبر كيسنجر الجديد.. توم باراك.

وباعتبار أن حكام سورية الجدد هم من أبناء شعبها وطليعة ثورتها، فلا يمكن تفسير الفجوة التي تتسع اليوم بين شكل الدولة القادم ومسار المصلحين القائم في أرض الشام المباركة إلا من خلال إدراك دور الإدارة الأمريكية الخبيث في هندسة شكل الدولة القادمة، مستفيدة من ضعف السلطة المؤقتة وعقلية اللون الواحد.

الدولةُ السوريةُ القادمة ستولد معاقة ومخصيّة.

إن المتابع لشكل إدارة الملفات الداخلية في سورية، والضعف الواضح في السياسة الخارجية، يرى بوضوح هشاشة المقاربات السورية الرسمية داخليًا وخارجيًا، ولا شك أنه هدف أمريكي يحاول أن يصنع المعضلات في كل مسار سليم يسير فيه حكام أو مصلحو سورية، فإن لم يستطع تعويق المسار حرّك يده التنفيذية إسرائيل وأذرعها الداخلية في سورية المتموضعة في الفلول، وفي بعض الشرائح من الطوائف التي تشكل نسبة ضئيلة في الشعوب الشامية.

إن مشاريع الأعداء والخصوم رضخت أمام حقيقة الثورة السورية، وعزائم الثوار والمجاهدين، واستقامة العلماء والدعاة والمصلحين، لكنها لم تهدأ ولم تكل ولم تمل من محاولة منع التمكين عبر ولادة دولة سورية مشوهة لا تعبر عن أهلها، ومنغولية لا تجيد الفعل الناضج والقويم، وهو أمر لا يتحقق لها دون تجاوب، عن وعي أو دون وعي، من قبل السلطة الحاكمة الدائمة أو المؤقتة.

صناعةُ الثلثِ المعطِّل وتمكينُه من أدوات السلطة!

إنَّ الثلثَ المعطِّل الذي يتبلورُ بخفاءٍ تحت الطاولة في سورية الجديدة، يمثِّل الدورَ البديلَ والأنجعَ في التعطيل بعد انتهاء دور الوكيل ومنظومة الرعب الأسدية، وهو ما يستدعي وعيًا مبكرًا بمخاطره وآثاره قبل أن يتحول إلى واقعٍ يصعب تداركه.

ولعل من أهم النماذج التي يمكن أن يستفيد ويحذر منها السوريون هو النموذج اللبناني بشقيه؛ السلطة والدولة، فلبنان نموذجُ الدولة الفاشلة المخصية، الأمر الذي يشير إليه الهامش الكبير والإمكانية الدائمة للعبث بها من قبل أي مشروع خارجي.

ولا شك أن تلك الهشاشة حصلت نتيجة إرادةٍ غربيةٍ متصهينة، ونتيجة سلطةٍ حاكمةٍ ثلثاها بلا تصورٍ رشيد، ولا قوةٍ فاعلة، ولا تحشيدٍ حقيقي للجماهير، وثلثها الأخير معطِّل لكل مسارٍ في الاتجاه الصحيح.

وهو لم يكتسب قدرته على التعطيل خلال عقودٍ كاملة إلا بصفةٍ رسمية، بعد أن تمكن من اختراق مؤسسات الدولة، كما تحكم في دستورها، ونجح في تحشيد طائفته خلفه، مستفيدًا من أفعال ووقائع الاحتراب الطائفي التي لم تكن انعكاسًا لإرادةٍ شعبية بقدر ما كانت خططًا تديرها المؤسسات الأمنية بخبثٍ ودهاء.

وتلك هي الصورة التي يجب أن يحذر منها أهل الشام الكرام، وعلى وجه الخصوص حكامها المنتمون، وقادة التغيير، والمصلحون المجتمعيون.

أماراتُ البؤسِ القادم على سورية الجديدة.

يمكن استشراف صورة الدولة البائسة التي يرومها الغرب، ويسعى إلى بلورتها في سورية الجديدة وعقر أرض الشام المباركة، ليمنع نهضتها ويعطل تقدمها، ويحول دون استردادها للريادة الحضارية التي ميَّزتها عبر حقب التاريخ العربي والإسلامي. وكما نجح في منع تركيا الحديثة من إقامة نهضة إسلامية متكاملة وحقيقية، وحاصرها في شعابٍ محلية وأوقعها في مآزق مفتعلة وداخلية، فإنه لن يترك جارتها الأصيلة وسبب هدايتها العتيقة تنهض من جديد وتُحدث التغيير، بل سيسعى إلى تعويقها بشكل ماكر وخبيث، وبأدوات ناعمة قبل أن يضطر إلى استخدام أدواته الخشنة، لاسيما في ظل دعمه وتسمينه لكلبه المسعور، كيان إسرائيل.

فما هي الأمارات التي تشي بمستقبل بائس؟ وما هي المسارات التي يجب تقويمها للنجاة من الآثام والفخاخ التي يُعِدُّها ويرعاها بدهاء الكاهن الأمريكي الشرير؟

يمكن ملاحظة عدة أمارات ورصد مسارات تشير بوضوح إلى بؤس قادم على سورية الجديدة إذا لم يتم التراجع عنها وتقويم مسارها من جديد، وإذا لم يتم قطع الأيادي الدولية التي تتدخل بدهاء في سورية، وهي:

1/ الإبقاءُ على الموروثِ القديم ومنعُ عودةِ المنتمين والرساليين ثغرة تؤسسُ لنموذج جماعة فتح الله غولن في سورية!

يمكن تفهُّمُ السياسةِ المتَّبعة حاليًّا ومرحليًّا من قِبَل السلطة السورية المؤقتة في الإبقاء والمحافظة على الموروث القديم من الأساتذة والموظفين الكبار والموجهين المتموضعين في مؤسسات الدولة بشكلٍ كبير، أمّا الذي لا يمكن تفهُّمه إلا من خلال إدراك عبث الأنامل ودهاء العقول الخارجية، فهو منعُ عودة المتقين والرساليين الذين فُصلوا وطُردوا بقرارٍ تعسفي من قِبَل بشار الأسد وزمرته؛ عقوبةً لهم على مواقفهم الثورية، وانحيازهم لشعبهم، وحرصهم على سورية، وانتمائهم لهوية الإسلام العظيم!

تشكيلُ مؤسَّساتِ الدولةِ في ظلِّ تهميشِ صنَّاع الثورةِ ورموزها المنتمين!

واليوم، وبعد تحقق نعمة التحرير، ووصول الثوار إلى دمشق، وتفكيك المؤسسة الأمنية المرعبة والجيش الطائفي المجرم، لا يزال عشرات الآلاف من النخب والطاقات والقدرات ممنوعين -عمليًّاـ من العودة إلى وظائفهم في مؤسسات الدولة التي طُردوا منها، رغم خبرتهم وصدقهم وانتمائهم وتضحياتهم!

تشكُّلُ الوعيِ المضطربِ في ظلِّ تهميشِ الأسوياءِ المنتمينَ والمتقين!

ومن المفزع أن آلاف الدكاترة والأساتذة في الجامعات السورية، من ذوي الخبرات الأكاديمية والمهارات التعليمية، ما زالوا ممنوعين من العودة إلى جامعاتهم ومكاتبهم، عبر تعطيلٍ وعضلٍ إداريٍّ بيروقراطي لا يمكن تفسيره ولا قبوله، في ظل الإبقاء والمحافظة على موروث حقبة النظام المتموضع في مؤسسات الدولة، ولا سيما الجامعات!

وينبغي الانتباه إلى أن الذين يرسمون خيارات المجتمع ويوجهونه ويحشدونه خلف خياراتهم بشكل متقدم وبقوة هم النخب العلمية المتموضعة في المراكز والمؤسسات الرسمية، وليست النخب الخارجة عن المؤسسات أو المطرودة والمفصولة منها، فالمجتمعاتُ لا تتكوَّنُ رؤاها من فراغ، وإنما يصوغُ وعيَها العلماءُ والمربُّون والمصلحون وأصحابُ المشاريعِ الكبرى، فإذا غُيِّب هؤلاء أو حُوصروا أو أُبعِدوا عن مواقعِ التأثير، تقدَّم غيرُهم لملءِ الفراغ، ولو كانوا أقلَّ علمًا أو أضعفَ انتماءً أو أشدَّ اضطرابًا في التصورِ والسلوك.

وفي ظل هذا الحال، فإن الفجوة القاتلة ـالتي تؤسس لاصطراعٍ داخلي وتحول دون التوافق والانسجام المجتمعي بين أبناء الثقافة الواحدةـ تتسع بين شرائح مجتمعية يقودها مصلحون وعلماء ودعاة على المنابر وفي الشوارع، وبين شرائح مجتمعية طليعية يُكوِّنها ويؤطرها من يكتسبون صفةً رسمية في مؤسسات الدولة الجديدة.

فهل هذا الحال والمسار سيبني مجتمعًا قويًّا متمسكًا بالدولة ولصيقًا بها؟ أم أنه خيارٌ يصنع الفجوة بذكاء، لتتسع كل يوم بين الدولة ورجالاتها وموظفيها وأساتذتها المتموضعين في المكاتب الرسمية من جهة، وبين شرائح مجتمعية تستمع وتسير خلف مصلحين ودعاة وأساتذة ومنظِّرين ليست لهم أي صفة رسمية، بل هم أقرب إلى التهميش والإقصاء؟

2/ التسامحُ في غيرِ محلِّه، وإعادةُ المجرمينَ والملوَّثينَ إلى مفاصلِ مؤسساتِ الدولة، خطأٌ جسيمٌ يُهدِّدُ مستقبلَ الدولةِ ويُقوِّضُ مشروعَ بنائِها.

لم يعد خافيًا على أحد أن شخصيات كثيرة متهمة أو مشبوهة تعود إلى مؤسسات الدولة، وتتموضع من جديد دون شفافية أو وضوح حول من يقف خلف عودتها إلى الدولة الجديدة، وهو ما يعني بناءً تراكميًا للثلث المعطل الذي يزداد قوة يومًا بعد يوم، فيما تضعف قدرة الثوار على تطهير البلاد منه، وتضطرب وتتراجع مشروعية الثورة في موقفها الابتدائي منه.

ولا شك أن بناء دولة جديدة لا يتحقق بمجرد تغيير الوجوه والعناوين، بل يحتاج إلى إعادة تشكيل البنية المؤسسية على أسس من العدالة والكفاءة والنزاهة، الأمر الذي يجعل التهاون في ملفات التمكين والإحلال والتقييم خطرًا حقيقيًا على مستقبل التجربة برمتها.

وإذا كان من الممكن تفهم بعض الإجراءات المرحلية التي تفرضها ضرورات الإدارة والواقع، فإن تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والإبقاء على عناصر موضع ريبة أو اتهام في مواقع التأثير وصناعة القرار، يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأدوات جديدة، ويمنح خصوم التغيير فرصة لإعادة التموضع والتأثير من داخل مؤسسات الدولة نفسها.

ومن هنا فإن الحفاظ على مكتسبات الثورة، وصيانة تضحيات الشهداء والمعتقلين والمهجرين، يقتضي وضوحًا أكبر في السياسات، وعدالة أعلى في المعايير، وحزمًا يمنع تشكل مراكز نفوذ جديدة قد تتحول مع الزمن إلى ثلث معطل يعرقل مسار الإصلاح ويضعف مشروع النهوض.

3/ تعويقُ العدالةِ الانتقاليةِ وإفقادُ مجلسِ الشعبِ الفاعلية!

لعل العدالة الانتقالية من أهم الملفات في الحالات الثورية عبر التاريخ القديم والحديث، وهي تكتسب أعلى درجات الحساسية في مجتمع كان ربعه الأول شهيدًا، وربعه الثاني شريدًا، وربعه الثالث طريدًا، وربعه الأخير قابعًا في الأسر طيلة نصف قرن، لم يشهد فيه كامل الوطن العربي ما شهدته أرض الشام من عذابات مريعة يشيب منها الولدان.

وإذا كانت الحكومة والسلطة الحالية عاجزتين عن التعامل مع ملف العدالة الانتقالية لكونهما في المهد، ولكونه ملفًا ثقيلًا وله ارتدادات مدوية، فلماذا لا تُشرك مجلس الشعب وتورِّطه في تحملِ المسؤولية والشراكة في مغارم استحقاق جديِّ مرحلي لا مفرَّ من مواجهته، بدل أن تُهمِّش هذا المجلس الذي اختاره الشعب، إلى درجة منع انعقاده وتغييب فاعليته في صناعة كل قرارات المرحلة؟

إن مجلس الشعب الذي يعبر بصدق عن توجهات الشرائح الشعبية في الجغرافيا السورية هو صمام أمان يمنع انفجار الحالات الشعبية في وجه الحكومة بشكل غوغائي لا يرعى حجم المسؤوليات والتحديات والتهديدات العميقة والحقيقية.

فلماذا لا تسارع الحكومة الحالية إلى إلقاء هذا الملف وهذا الهمّ الثقيل والكبير على عاتق مجلس شعب مختار بشفافية، ليُقارَع فيه الرأي بالرأي ويزين المصالح والمفاسد بمسؤولية وشراكة شعبية حقيقية، ويصل إلى نتائج سوية تُنفِّس الاحتقان، وتمنع الانفجار، وتبني صورة مجتمعية أكثر استقرارًا واتزانًا؟

4/ المُقاربةُ الواجبةُ بينَ المؤسسةِ العسكريةِ ومؤسساتِ الدولةِ والمجتمعِ في ظلِّ علوٍّ صهيونيٍّ وحلولٍ أمريكيةٍ.

من الطبيعي أن تتجه الحكومة السورية التي جاءت بعد ثورة إلى إعطاء أهمية كبيرة للمؤسسة العسكرية والأمنية، فتعمل على إعادة بنائها بصورة وازنة وقوية، لا سيما أن الحق لا ينتصر في ظل غياب قوة تحميه.

وإذا كان أحد أسباب نجاح الرئيس أردوغان هو إبعاد العسكر عن السياسة، فإن أحد عوامل نجاح الثوار في بناء الدولة الجديدة هو بناء المؤسسة العسكرية والأمنية من منطلق عقدي وإيماني، ومن خلال الاصطباغ بهوية الأمة الثقافية، لا سيما وقد عانت بلاد الشام طويلًا من بطش الأقلية الطائفية وهيمنتها الثقافية.

ورغم الفوارق بين التجربة التركية والتحديات القائمة في سورية، فإن الثابت الذي لا يتغير هو أن الأرضية التي تحمي التجارب هي المجتمعات، وأن الإطار الذي يرعى حقوق الناس ويحفظ الهوية هو الدولة، الأمر الذي يشير إلى أهمية المؤسسات المجتمعية ومؤسسات الدولة بأضعاف أهمية المؤسسة العسكرية وحدها، وذلك في ظل علو صهيوني مشهود، وحضور أمريكي قادر على إضعاف المؤسسة العسكرية أو فرض إخراجها من المعادلة السياسية، لا سيما وأن المطروح اليوم هو نموذج الدولة المدنية المخصية والمقصية عن الفعل الحضاري.

وخلاصة القول: إن المسار القائم في سورية بتعزيز المؤسسة العسكرية والأمنية في أيدي الثوار وأهل البلاد المنتمين، لا ينبغي أن يعطي درجة أقل من الاهتمام لتشكيل وبناء وإنضاج المؤسسات المجتمعية ومؤسسات الدولة، من خلال نسيج أهل الشام الكرام الذين تجمعهم وحدة ثقافية قائمة على الدين والقرآن والسنة، فهذا هو صمام الأمان الذي يضمن استقامة الحال، ويحفظ أمن وحقوق جميع المخالفين ما داموا صادقين في عهد المواطنة والانتماء للبلاد والوقوف خلف الدولة.

إن إمكانية تهميش وإقصاء المؤسسة العسكرية والأمنية عن رسم خيارات سورية الحرة والجديدة تبقى راجحة من خلال معادلات يحيط بها الكاهن الأمريكي اللعين، وتترقبها بعناية الأعين الصهيونية، وأمام هذه الحقيقة لا بد من الإسراع في البناء الحقيقي لمؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة من خلال نسيج ثوري وشعبي منتمٍ وأصيل، فهو الحامي للتجربة الإسلامية الواعدة على أرض الشام بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.