‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. عبدالعزيز كامل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. عبدالعزيز كامل. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 22 فبراير 2026

عاد لنعود ..!

عاد لنعود ..!

.. أعاد الله علينا رمضان لعلنا نعود،
فيارب كما مننت علينا بإقبال شهر الخيرات والمكرُمات ونحن سالمين مسلمين؛ فأقبل بقلوبنا فيه إليك، لنكون من الصالحين المصلحين المقربين لديك .. ووفقنا في رمضان أن نكون من أهل الذكر والشكر والرضوان ..
واجعلنا وآباءنا وأمهاتِنا وإخوانِنا وأخواتِنا وذرياتِنا وسائر أحبابِنا _ أحياءً وأمواتًا _ من عتقائك الناجين الفائزين؛ ومع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ..
وانصر يارب أولياءك المؤمنين، وأهلِك الظالمين بالظالمين واجعل هلاكهم نجاة لعبادك المستضعفين في المشارق والمغارب يارب العالمين.
وكل عام وأنتم ومن تحبون .. على خير ما مايحب الله وخير ماترجون..

الثلاثاء، 27 يناير 2026

(عصا العم سام) ودوام العداء للإسلام (٢)

 (عصا العم سام) ودوام العداء للإسلام (٢)

د. عبد العزيز كامل

عداوة الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين للإسلام والمسلمين، هي من البدهيات العقدية، والمسلمات التاريخية التي لا ينكرها إلا الغافلون الذين لا يعقلون. وقد قال الله تعالى :
{ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ( ٥٦) } [الأنفال].
وقال : { ‏مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّل عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة/١٠٥].
وفي ظل غياب مشروع إسلامي جامع للمسلمين منذ إسقاط دولة الخلافة؛ فإن ضرب فريق من الأمة ببعض أصبح استراتيجية غربية، تتكرر بصورة صارت نمطية ..
وكما ذكرت سابقًا؛ فإن الذاكرة ملأى بأحداث استعمال الأعداء لبعض المسلمين أو المنسوبين إليهم؛ كعصًا يضربون بها بعضهم الآخر، ثم يكسرونها، أو يأمرون بكسرها..
و قد بدأ ذلك حتى قبل أن تسقط الخلافة العثمانية..
●● هل نتحدث هنا عما حدث منذ مئتي عام لـ (محمد علي باشا) في حروبه التوسعية التي أراد بها الإضرار بالدولة العثمانية بعد أن كان أحد قادتها؛ حيث حاول الاستقلال بمصر والسودان، ثم طمع في الحجاز ونجد، وتطلع للتوسع في الشام، بل تجرأ على عاصمة الخلافة نفسها بمباركة من الدول الاستعمارية آنذاك؛ حيث كان الأعداء يؤٌزُّونه ويؤازرونه، حتى إذا ما أكمل المهمة المرسومة في شق صف المسلمين تنكروا له ثم انقلبوا عليه، وذلك لما رأوا أنه كاد يقيم كيانًا فتيًّا بديلاً للكيان الموجود بعد أن أصابه الترهل والجمود؛ فاجتمعوا ضده في معركة «نافارين» البحرية عام 1827م، ودمروا أسطوله البحري الذي تطلع أن يقيم به إمبراطورية كبرى، وأجبروه بعد ذلك على القبول بولاية صغرى في مصر يرثها هو وأبناؤه !
●● وهل نستدعي بعد ذلك ذكريات «الشريف حسين»؛ وكيف كرر التجربة البائسة بضرب دولة الخلافة من الظهر بدعوى «الثورة العربية الكبرى» لإنشاء كيان وهمي قادم، على أنقاض كيان حقيقي قائم..
لقد أغروه بوراثة مُلك آل عثمان، ووعدوه بالدعم والمؤازرة!
ثم ماذا كان؟
لقد جحدوه بعد هزيمة تركيا التي شارك في صنعها، وخلعوه من وهم الخلافة قبل أن يحظى بها، حتى مات حسيرًا كسيرًا بعدما سقطت خلافة التُرك، ولم تقم خلافة دولة العرب !
●● وهل نتذكر ما حدث بعد ذلك بعقود مع (جمال عبدالناصر) الذي تُرك يفرِّق العرب باسم الوحدة العربية، ويُوزع الفقر باسم الاشتراكية، ويحارب الدين على أنه «رجعية».. ويتظاهر ببطولات زائفة لم يظهر لها أثر إلا في توهين أمر المسلمين في مصر وغيرها، حتى إذا ما انتهى من معاركه الاستعراضية ضد الأخيار، خلَّى أولياؤه بينه وبين اليهود الأشرار، فهُزِمَ جيشه بقسوة على أيديهم في حرب فضيحة النكسة عام 1967م، التي مات بعدها دون أن يحرر هو ومن معه من الضباط «الأحرار» ما ضاع من فلسطين، بل أضاعوا أضعافًا أخرى منها ومما حولها !
●● ولا ينبغي أن ننسى من مسلسل الأحداث المماثلة ما تكرر مع مَن ضاهى عبد الناصر في رمزية القومية العربية؛ وهو (صدام حسين) فقد سُلط بعمدٍ، وهُيِّئ بقصدٍ لقصقصة أجنحة الكيان الشيعي الثائر في إيران؛ لأن ذاك الكيان كانت له حدود لا ينبغي تعديها، حتى يظل أداة استنزاف للأمة دون أن يتمكن من منافسة الغرب في أكثر بقاع العالم أهمية وحساسية في التجارة الدولية، ولهذا كان ذاك الغرب يقوم بدعم كلا الطرفين المتحاربين في إيران والعراق بالسلاح في حرب الخليج الأولى التي امتدت لثماني سنين، حتى إذا ما كَسَر صدام كبرياء الفرس، وتهيَّأ للزعامة على عموم العرب، أُغروه بنقض عُرى «القومية العربية» التي تزعمها بعد عبد الناصر؛ وذلك عن طريق غزو دولة الكويت، العضو في "الجامعة العربية"؛ وذلك لأسباب رآها مصيرية، لتتسلسل الأحداث بعد ذلك في حرب خليج ثانية عام 1991م أُسقطت فيها هيبته، ثم ثالثة عام 2003م أزيلت فيها دولته، وكُسرت عصاه التي كسروا بها غرور إيران ..!
ثم هاهم اليوم يتهيأون لضرب طهران من خلال تحالف " سني" أمريكي ضدها، بعد أستعملوها للتنكيل بأهل السنة واستباحة حرماتهم واحتلال أربع عواصم من بلدانهم .
●● وفي جولة مكر قريبة من ذلك .. دعونا نتأمل أيضًا: كيف ضرب الغرب عدوهم التقليدي من الروس بالمجاهدين المسلمين الأفغان، بدعم معلن من الغرب والأمريكان، وذلك إبَّان الغزو السوفييتي لبلادهم، ثم أُطلقت - بعد دخول كابل - فتن المخابرات الدولية وتوابعها العربية، للإيقاع بينهم في «معارك ما بعد النصر» حتى كاد المجاهدون القدامى يُفني بعضهم بعضًا في حرب أهلية عبثية!
ثم هُيئت حركة طالبان لتُجهز في بضع سنين على الجميع، كي يُجهَز على دولتها بعد ذلك في بضعة أسابيع !
●● وفي العراق بعد الغزو الأمريكي؛ بدا للعيان أن الأمريكان ومن شايعهم من عملاء إيران مقبلون على هزيمة منكرة على أيدي مجموعات المجاهدين القادمين من وراء الحدود نصرةً لإخوانهم من أهل السنة، فلم يجد الغزاة والمتواطئون معهم مخرجًا من الورطة إلا بإخراج أدعياء من أهل السنة لمقاومة المقاومين و"جهاد" المجاهدين من إخوانهم، وذلك في جيش من العملاء أو المغفلين المنسوبين زورًا للسنة والدين، كان قوامه خمسون ألفًا، تعلوه رايات صليبية وشيعية تحت مسمى «الصحوات» !
فلما تمت المهمة على يد هذا الجيش الغبي؛ سمع العالم عن ( جيش المهدي) بزعامة مقتدى الصدر، ثم الحشد الشعبي، بفتوى من مفتي الفتنة (السيستاني) ، لتصبح الساحة العراقية بعد زمن قليل شبه خالية إلا من وحوش إيران الذين تقاسموا الغنائم مع الأمريكان ! "
●● وفي الصومال: كانت حركة (المحاكم الإسلامية) قد جمعت أوراق شتات الصوماليين بعد أن كاد القراصنة ينشؤون دولة على أشلائها، وكسر رجال حركة المحاكم بزعامة (الشيخ شريف أحمد) ظهر هولاء اللصوص وقُطاع الطرق، وأعادوا الأمور إلى نصابها بعد أن سيطروا على العاصمة مقديشيو عام (2006)، وما أن تهيأوا مجاهدوا الصومال للعودة ببلادهم إلى مصافّ الدول المعترف بها بعد فراغ السلطة لنحو خمسة عشر عامًا؛ حتى سلِّط الغرب أحباش النصارى على منقذي الصوماليين بدعوى مكافحة إرهاب المسلمين؛ فاجتاحت إثيوبيا البلاد، ثم جرى احتواء قائد تلك الحركة بما يشبه الأسر والاستعباد، ليُعين رئيسًا مرؤوسًا لغيره، وليضربوه بعد أن ضَربوا به، لتجيء حركة الشباب الإسلامي بعد ذلك لتطيح به وبما تبقى من الحركات الإسلامية هناك ..!
●● وقد مثلت الثورات العربية وما بعدها.. _ في بعض وجوهها _ نماذج فجة من ضرب الأنظمة بالشعوب، ثم ضرب الشعوب بالأنظمة، وكان لأمريكا أوباما دور خبيث في ذلك..
●● أما اليوم.. فيريد طاغية الغرب ( دونالد ترامب) فرض واقع عالمي جديد، تديره أمريكا وحدها دون أي من شركائها وذلك باستغلال واستعمال العالم الإسلامي ( السني) كعصًا جديدة في نوعها، لمواجهة الصين وحلفائها، ضمن صراعات جديدة دولية .. تحت رايات دينية وأسطورية..
و الهدف الأقرب هذه المرة _ فيما يترجح _ هو سحق رؤوس الدولة الإيرانية، بعد قطع ذيولها الإقليمية، ولو أدى ذلك لحرب عالمية، تدفع قدرا كبيرا من أثمانها الشعوب العربية والإسلامية (السنية) ..!
ومن البدهيات العقدية أن يكون لدى المؤمنين يقين بأن حلف أعداء المسلمين لايقول للشئ كن فيكون..
ولكن تحرك هؤلاء في فضاءاتنا يصادف في الغالب قصورا بل تفريطا في واجباتنا، وفراغا يملأه الماكرون في غفلاتنا..
فاللهم ثباتا ورشادا، تسلم به المسلمين.. وتنزل به سخطك وعقابك وعذابك بأعداء الدين..
اللهم آمين
د. عبد العزيز كامل

الجمعة، 23 يناير 2026

«عصا العم سام» التي يَضربُ بها.. متى يُضرب بمثلها؟ (١)

«عصا العم سام» التي يَضربُ بها.. متى يُضرب بمثلها؟ (١)

د. عبد العزيز كامل

في غمرة فرح المسلمين المستحق بانتصارات السوريين مؤخرا على عصابات ( قَسَد) الانفصالية، المكونة من بقايا الماركسيين المتحالفين في الشمال السوري مع طوائف من زنادقة الأكراد المسيئين لأمجاد هذه الطائفة من المسلمين..
ربما لم يلتفت كثيرون إلى أن تخلي أمريكا عنهم بعد أن كانت تركبهم وتضرب بهم؛ إنما هو استمرار في تكرار لعبة الأمريكيين في ضرب بعض أعدائها من المنسوبين للأمة بفريق آخر منها، مع إعانة كلا الوكيلين، حتى يأكل بعضهم بعضا، ويهلك بعضهم بعضا، ولو بعد حين..
** بعد الثورة السورية في السابع من ديسمبر عام ٢٠٢٤، وبعد بروز قيادة سنية علنية لتلك الثورة، ذات خلفيات جهادية وأنشطة ثورية معروفة لأكثر من خمسة عشر عامًا؛ ظهر تحول غربي ثم عربي غريب من تلك الثورة، حيث انقلبت المواقف المعادية للإسلاميين السُّنيين عامة، والجهاديين منهم خاصة؛ من مواقع التهديد والتنديد والترهيب؛ إلى مواقف تتطور شيئًا فشيئًا من الترقب والتحسب إلى التقريب والترحيب..!
فما الذي جرى..؟
** هل توقفت القوى الغربية وتوابعها العربية عن حربها للإسلام والمسلمين، ولمَّا تجف دماء عشرات الآلاف من الفلسطينيين في حرب الغدر العالمي الكبير بغزة الصغيرة..؟!
ربما تكون الإجابة التفصيلية عن هذا التحول المريب غير كاملة الوضوح حتى وقت قريب، ولكن بمراجعة المواقف والسياسات العالمية وانعكاساتها الإقليمية؛ يمكن القول بأن الحرب المفتوحة على المسلمين السنة منذ عشرات السنين؛ ربما ستأخذ شكلا آخر يشبه المكر الذي جرى ضد المسلمين في حقبة احتلال الروس لأفغانستان، حيث استعمل طغاة الغرب - كعادتهم - شباب أمة المسلمين كعصاة يكسرون بها قوة أعدائهم ثم يكسرونها ! وهي استراتيجية تتكرر مفرداتها التكتيكية كثيرًا .. و قد خسر المسلمون منها خُسرًا كبيرًا..
** كنت قد كتبتُ مقالاً منذ ما يقرب من عشرين سنة بعنوان :(حتى متى نظل عصًا في يد "العم" سام) ! وذلك في مجلة البيان، عدد (234) رصدت فيه تلك الظاهرة الخطيرة الجديرة بالتأمل والدراسة، فقد تكررت كثيرًا خلال عقود الوهن العام الذي اكتنف أحوال أمتنا بعد سقوط أو إسقاط كيانها الإسلام العالمي ممثلاً في دولة الخلافة العثمانية.
والذاكرة ملأى بتجارب مضت في عهود انقضت، وحادثات مماثلة في الماضي القريب، وأحدث منها ماثلة أمام المتابع الرقيب، يمثل "بطل" كل قصة فيها أداة ضرب ونكاية، لا تتعدى في النهاية حال (العصا) التي يُضرب بها ثم تُكسر ..
ولا يعني التحذير من مكر الأمريكيين التقليل من شأن ما جرى في سوريا ضد الانفصاليين الملاحدة العنصريين، فهو مما يثلج الصدور ويشفي القلوب.. ولكنها النصيحة الواجبة للمسلمين من عواقب تكرار مكر الماكرين ..
فما كان لهذا المكر أن يتكرر، لولا أن طوائف من الأمة تُفرط في الحذر من الخطر الذي أشار إليه القرآن المجيد، في قول العزيز الحميد :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }
[ آل عمران / 118 ].
وللحديث بقية بإذن الله

السبت، 17 يناير 2026

يا أصحاب الحجة والبيان ... لا تخطئوا العنوا ن

 يا أصحاب الحجة والبيان ... لا تخطئوا العنوان

د. عبد العزيز كامل

أكثر بياناتنا منذ بدأ الحصار، تطالب وتناشد (المنظمات الدولية)، بأن تطبق مقررات العدل، وتراعي قيم الإنسانية، وتتدخل لإنهاء هذه المأساة، مع علمنا أنهم لا يسمعوننا، ولو سمعوا ما استجابوا لنا!

لا أريد بداية بهذه الكلمات أن أصدر بياناً مستقلًّا، فلست إلى هذا الشأن أو ما يدانيه أصل.
وأؤكد بداية أني لا أقلل من شأن البيانات والتصريحات التي صدرت عن فاجعة غزو غزة، فلست عن أهمية هذا أغفل.
ولا أقصد أن استكثر على أهل غزة أي جهد من القول وإن كان بنصف كلمة، ومن البذل ولو كان بشق ثمرة.

ولكن - ودعوني أقول (ولكن) - أريد لفت الانتباه إلى أننا في أكثر بياناتنا لمعظم ما يصيبنا؛ نصر على حرث البحر، وزرع الهواء، وتلقيح القبور ببذور الزهور، وذلك بتجاهل حقائق ما وراء المواقف، وتجاوزالحكم عليها وبيان الموقف العلمي الشرعي المطلوب فيها، وتعالوا نتأمل في ردود أفعالنا تجاه النوازل المتتابعة التي تعد البيانات الصادرة عن النخب العلمية والفكرية والدعوية أبرز صورها وأقوى صدى لها، لما تمثله من خلاصة رأي الخاصة، التي على العامة أن يأخذوا بها ويتحركوا على وفقها.
وأتجاوز هنا الحديث عن بيانات الهيئات والشخصيات والاتجاهات العلمانية، رسمية كانت أو شعبية، قاصدًا البيانات الصادرة عن فعالياتنا الإسلامية.

ولنأخذ النازلة الأخيرة في غزة نموذجًا،
سواء طوال مدة الحصار، أو ما تلاها من فتح بوابات الجحيم والنار على إخواننا الصامدين:

- فأكثر بياناتنا منذ بدأ الحصار، تطالب وتناشد (المنظمات الدولية)، بأن تطبق مقررات العدل، وتراعي قيم الإنسانية، وتتدخل لإنهاء هذه المأساة، مع علمنا أنهم لا يسمعوننا، ولو سمعوا ما استجابوا لنا! وتدل على ذلك عشرات إن لم تكن مئات المرات التي جرى فيها بيننا وبينهم حوار الطرشان دون إسماع أو إفهام!

- ومعظم البيانات والنداءات منذ بدأ الحصار، تناشد (الأنظمة العربية) أن تدخل "بكل ثقلها" لرفع المعاناة عن إخواننا، ونحن نعلم أن أكثر تلك الأنظمة كانت مشارِكة مشارَكة منظمة في صنع هذه الحالة، بوضع غزة تحت وطأة الحصار، توطئة لإدخالها تحت خط النار، والهدف إخراج حماس من المعادلة، لأن أجندتها لم تعد مناسبة لطريق الاعتراف والتطبيع الذي تتوجه إليه معظم تلك الأنظمة.

- ولم تخل بياناتنا طيلة مدة الحصار؛ من "مناشدة" الحكومة المصرية، بأن تتجمل وتتكرم، وتستجيب للنداء والرجاء والاستجداء، بفتح كوة التنفس من بوابة رفح، مع أن كثيرًا من الموقعين على البيانات التي صدرت سابقًا ولاحقًا يعرفون أن مصر الرسمية في حرب مع الاتجاهات الإسلامية ولو كانت سلمية في مصر والعالم منذ عقود طويلة، ولذلك كان بدهيًّا أن نتوقع استمرار الحصار مضروبًا حتى يحقق هدفه، وهو إسقاط حكومة حماس الجهادية بصيغتها الإخوانية التي ما يزال النظام المصري منهمكًا في حرب مفتوحة مع شقيقتها المصرية رغم سلمية طريقتها ومدنية نشاطها!

- وكل بياناتنا بشأن محنة إخواننا، كانت تنادي ولا تزال تطالب (الإخوة الفرقاء) بالالتقاء، ونسيان الخلافات وتوحيد الطروحات، مع يقيننا بأن الخلاف بين زعماء الفريقين خلاف تضاد منهجي، لا تنوع حركي، ومع علمنا بأن طريقي الإيمان والنفاق لا يلتقيان، وأن الأمانة والخيانة نقيضان لا يمتزجان، وأن صيغة الوحدة الوحيدة المقبولة لدى الأنظمة مصريًّا وفلسطينيًّا وعربيًّا ودوليًّا، هي أن تركع حماس ومعها قيم الإيمان، لتخضع لسلطة عباس ولي الأمريكان، وأن تظل الرايات العلمانية هي المرفوعة مرفرفة إلى جوار رايات الدولة الصهيونية اليهودية.


لهذا قلت وأقول:
تبقى أمور من (البيان) ينبغي أن يراعيها ولا يتجاهل معانيها أي بيان أو تصريح أو فتوى أو تحرك يصدر عن خواص الأمة بشأن نوازل المسلمين حاضرًا أو مستقبلًا، وهي الأمور والقضايا التي تقف خلف المواقف والنوايا المعلنة من الأطراف في كل أزمة، ولا شك أن استكشاف ذلك ثم كشفه مهم، وهو ليس من الأمور المعضلة أو الخفايا الغامضة، بحيث نساهم بسكوتنا عنه أو تجاهلنا له في تحقيق مآرب المخططين، وتغطية سوءات المتآمرين؟ لا يكفي في الأحداث الكبيرة أن يعرف الناس تسلسلها والجديد فيها، بل الأهم من ذلك أن يعرفوا حقيقة ما أدى إليها وما يتوقع من ورائها، وهذه وظيفة الخواص في اقتناص لحظة الحدث لتحقيق (استفاضة البيان) بشأن القضايا التي تتوه في التفاصيل أويطويها النسيان.

إن ما يسمى - مثلًا - (بالنظام الدولي) والذي أجهدنا أنفسنا في مناشدته "بالضغط " لرفع الحصار ثم السعي لوقف العدوان، هو بالضبط من أسبغ على ذلك الحصار ثم ذاك العدوان صبغة "الشرعية الدولية " تمامًا كما فعل في حصار العراق ثم العدوان عليه، وحصار أفغانستان ثم العدوان عليها، والحصارات التي فرضت ويمكن أن تفرض على بلاد أخرى إسلامية تمهيدًا للعدوان عليها، مثل السودان أو الصومال أو غيرها من شعوبنا الإسلامية المتربص بها لأهداف استكبارية، كما أن ذلك النظام الدولي هو الذى أعطى شرعيته الدولية منذ ست عقود لوجود الدولة الصهيونية المعتدية على أرضنا الإسلامية، إضافة إلى ذلك فإن (المجتمع) الدولي الرسمي تحت ذاك النظام هو الذي اجتمع مع أمريكا في حربها العالمية ضد المسلمين المقاومين للعدوان، باسم الحرب على (الإرهاب) التي كان ولابد أن تشمل منظمة حماس وفقًا للتصنيف الأمريكي، والتصفيق العربي.

- وإن ما يعرف (بالنظام العربي) في معظم دوله، كان من البدهي أن نفهم بأنه شريك رسمي معلن لأمريكا في حربها ضد ذلك "الإرهاب" المدعَى، فكان من غير المتوقع أن يرفع ذلك النظام حصارًا فرضته الحليفة الكبرى - أمريكا ـ لأن المحاصرين ليسوا فقط "حركة إرهابية" كما تصنفها الحكومة الأمريكية، ولكن "حكومة إرهابية" كما وصفتها الحكومة الصهيونية، وتبعتها منظمة "التحرير" الفلسطينية!

- وكذلك فإن (النظام المصري) الذي لم يسمح لجماعة الإخوان المسلمين "المسالمة" في مصر بالمشروعية عبر أكثر من نصف قرن مع تسميته لها (بالجماعة المنحلة) في عهوده المتتالية؛ لم يكن ليسمح - كما قال مسئول رفيع في النظام - (بإمارة إسلامية) على حدود مصر، مع أن ذلك النظام وغيره رضوا واعترفوا وطبعوا مع دولة همجية عنصرية توسعية على حدود أربع دول عربية، مع علم الجميع بأنها تستهدف ما تحت كراسيهم، وما فوق عروشهم في خططها المعلنة المستقبلية!

- وهكذا أيضًا - يا موقعون - كيف تتوقعون بل كيف تطالبون في بياناتكم بمزج المنهج العلماني الوضيع، بمنهج الإسلام السامي الرفيع، عن طريق مناشدة الإسلاميين في فلسطين أن يكونوا صفًّا (واحدًا) مع العلمانيين الخائنين للوطن والدين؟ ومتى حدث في التاريخ أن يكون المنافقون والمؤمنون بعضهم أولياء بعض؟!

- ثم إننا نتوهم ونوهم الأخرين، ونظل نتوقع ونوقع الآخرين في تحقق خرافة دعم الأنظمة للحركات المقاومة، ففي كل نازلة ترتفع الأصوات في البيانات والمؤتمرات والندوات منادية تلك الحكومات بإعلان الجهاد، ودعم حركات المقاومة في العالمين العربي والإسلامي، ومدها بما تحتاج إليه من مال وعتاد، مع ضرورة تحريك الجيوش التي تتسلح بالمليارات من ميزانيات قوت أطفالنا، وأدوية مرضانا، ومشاريع تشغيل شبابنا العاطل ومرافقنا المهملة.


نطالب بذلك كل مرة مع تأكدنا بأن تلك الجيوش لم تعد لها وظيفة إلا حماية العروش، ومع يقيننا بأن الدور المناط بمعظم تلك الحكومات هو مقاومة المقاومة، حتى تبقى تلك الأنظمة وحلفاؤها سالمة.

- وأيضًا فإننا نسرف في التعويل على الصراخ والعويل في مظاهراتنا ومسيراتنا (السلمية)، تحت وقع الضربات (الحربية) التي تفتك بالآلاف من المدنيين قبل العسكريين، مطالبين بتدخل الزعماء دعمًا لتحرك الشعوب؛ مع أننا لم نر في أزمة من أزماتنا أن تظاهرات المحتجين وحدها؛ أعادت حقًّا، أو أرجعت أرضًا أو تبعتها مناصرة الرسميين، مدنيين أو عسكريين، خاصة في بلاد المسلمين، ولكن العسكر لو تحركوا، فلقمع المحتجين وتفريق المتظاهرين، أو على الأقل انتظارهم حتى يقضوا وطرهم وينفسوا احتقانهم ثم ينصرفوا "راشدين"!!


ساعة الحقيقة:
إذن نحن أمام ساعة حقيقة قدرية، تحتاج إلى مزيد من (بيان) الحقيقة الشرعية، حيث يتوجب على قادة الأمة من علمائها وأولي الرأي فيها أن يبينوا للناس ما وراء الأحداث، والحكم الشرعي في كل قضية حتى تُبنى عليها المواقف العملية، فالواقع المر أننا نقر في كثير من بياناتنا ونداءاتنا وترجياتنا، بشيء من شرعية ما تقوم به تلك النظم الدولية والإقليمية والمحلية، عندما نصر على إعطائها اعتبارًا ومصداقية، مهما صدر عنها من جنايات، وظهر من خيانات.

وما دام الأمر يتعلق بمطالبات ومناشدات؛ فدعونا نطالب "أعلام الموقعين" على البيانات، ممن نعلم سمعهم ونرجو جوابهم، أن يفيدوا الجماهير الغاضبة الصاخبة، بالأمور الواجبة شرعًا وعقلًا، عندما يستحكم تحالف المنافقين مع الكافرين، ويظهر ما كان مخفيًّا من التآمر عبر سنين، فيبينوا لهم ما هو الحكم الشرعي الواضح في المُصرين على تطبيع العلاقات مع المعتدين، وتنسيق التحركات مع أشد الناس عداوة للذين آمنوا، والتحالف مع الكفار الظاهرين ضد المسلمين المنافحين عن العرض والدين في فلسطين وغير فلسطين؟

نريد من (المبينين) المكلفين بالبلاغ المبين أن يدلوا عموم الأمة على سبل النصرة المتاحة، بعد أن صارت في غالبيتها غير مباحة بعد تحريم الأنظمة لها، وتجريمهم لمقترفها، بدءًا من غلق الحدود أمام المجاهدين، ومحاصرة طرق التواصل مع المقاومين، وإغلاق منافذ توصيل المساعدات والتبرعات المباشرة، ومرورًا بحرمان أصحاب المنابر حتى من النصرة بالحناجر، مع قمع المسيرات ومنع التظاهرات، ووصولًا إلى ما استمر طيلة فترة الحصار من منع القنوت العام في المساجد وتجريم التجمع فيها لمدارسة شئون المسلمين بدعوى عدم خلط السياسة بالدين!!

إن من أعاجيب السلوك الممنهج في أوساط العلماء والمفكرين وطلبة العلم مع قضية فلسطين، التي تتجدد فصول مصائبها كل حين، أنها عبر السنين (الستين) الماضية، لا تزال ملفاتها (الشرعية) شاغرة، إلا من أقل القليل من الدراسات الجادة المعمقة للنوازل المتعلقة بها، والوسائل الشرعية لتحريرها، والفتاوى الموضحة لبيان الفرق بين الباطل والحق في السياسات التي تدار بها، وكذلك الاستراتيجيات السياسية والعسكرية التي تليق بجلال قضيتها.
وقد كان مغرقًا في العجب إلى حد الغضب تلك الضجة التي أحدثتها فتوى الدكتور عوض القرني في ضرورة توسيع دائرة الجهاد ضد اليهود إلى خارج فلسطين، لفتح المجال أمام المسلمين خارج الأرض المقدسة للقيام بواجب مساعدة إخوانهم في الدين في مواجهة المعتدين الكافرين المجرمين!!

يا الله!! أبعد ستين عامًا من احتلال فلسطين ومناطق أخرى حول فلسطين، تطرح لأول مرة مثل تلك القضية في الأوساط العلمية فيثار لأجلها ذلك اللغط، لدرجة أن يتهم صاحبها بالغلط والشطط؟! لست هنا بصدد التأييد أو التنديد بالفتوى، فقد أتفق معها أو أخالفها بزيادة أو نقصان، ولكني أتساءل بل أسائل مجامعنا العلمية، ورموزنا الفقهية والفكرية، ألا يعد مجرد (بحث) هذه القضية وأمثالها في العقود الماضية على درجة من الأهمية بحيث تحتاج إلى مدارسة علمية ومعالجة فقهية ضمن مسائلنا في السياسة الشرعية؟ أم أن (فصل الدين عن السياسة) امتد أثره ليشمل أيضًا أمور السياسة الشرعية؟ أم أننا نقتصر على القريب من المسائل، ونبتعد عن العصيب من النوازل ثم نرمي من يتجرأ على تخطي الخطوط الحمر المسكوت عنها، بالجرأة التي قد تصنع الفتن وتغذي التهور والغلو!

هناك كثير من أمثال تلك المسائل والنوازل تنتظر فتاوى مؤصلة ودراسات مفصلة، تزيل الحيرة، وتضبط المواقف بضوابط الشريعة ومحكمات العقيدة، دون تفريط أو إفراط، فكثير من المسائل (المعلقة) تتعلق بها أمور عقدية وواجبات شرعية، لا يسع تأخير بيانها عن وقت الحاجة، خاصة عندما تشتد الحاجة إليها في مثل أحوال أمتنا الراهنة التي تدهما الأحداث، وتدميها التحديات.

نريد مثلًا فتاوى وبيانات علمية ـ وليست إعلامية ـ في أحكام التعامل مع ما يسمى بمقررات الشرعية الدولية، عندما تتعارض مع قواطع العقائد والشرائع الإسلامية، وعندما تقتطع بها قطاعات كبيرة من حقوقنا ومقدراتنا، ونريد دارسات تقويم شرعي وعقدي لكل ما أصبح شريعة واجبة الاحترام والالتزام من الاتفاقيات والمعاهدات العلنية والسرية التي يبرمها قادتنا السياسيون من وراء ظهر قادتنا الدينيين والفكريين، على الرغم من كونها تخص مستقبل أجيالنا والأجيال من بعدنا، والتي لم يطلب فيها رأي خاصة ولا عامة، قبل إخضاع الأمة لأحكامها، وتكبيلها بقيودها، كاتفاقية المعابر هذه التي صنعت محنة غزة، بحيث أصبح احترامها مقدمًا على محكمات القرآن والسنة وإجماع الأمة!

ونريد تفصيلًا من أهل العلم في الأحكام المتعلقة بالآثار العملية لأحكام الولاء للكافرين والعداء للمؤمنين، وما موقع تلك العقيدة في تحديد من معنا ومن ضدنا؟ وهل تعد مسائل تطبيع العلاقات مع المحاربين وتقطيعها مع الموحدين؛ وكف السلاح عن المحاربين في معاهدات سلمية أبدية، بل التخندق معهم ضد المسلمين المقاومين هل كل ذلك من مسائل "الاجتهاد" الواسعة الأمر أمام ولاة الأمر؟ وهل طاعتهم في هذا الاجتهاد واجبة على عموم الرعية في قطاعاتها المدنية والعسكرية؟ وهل .. وهل .. وهل؟ من الكثير والكثير، مما لا تتسع هذة السطور؟!

إن البيان في هذا وغيره هو جهاد العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والبيان العلمي - لا الإعلامي ـ هو أول واجباتهم، وأسمى ما يُنتظر منهم، أما كتمانه أو إهماله فهو مكمن هوانهم وانصراف الناس عنهم، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، نسأل الله أن ينفع الأمة بعلمهم، وينشر الحق على ألسنتهم.

أقول ختامًا
في شأن محتوى أكثر البيانات والمناشدات والتصريحات والتحركات الصادرة مؤخرًا بشأن نازلة غزة: (أبشروا) .. فلن تغلق سفارات، ولن تقطع علاقات، ولن تتحرك جيوش، ولن يعلن جهاد، ولن يلغى تطبيع، بل ولن تنعقد مؤتمرات قمم لأولي الهمم، إلا بعد أن يطمئن (ولاة الأمر) إلى أن الأمر في غزة، قد انتهى إلى ما يريده الأمريكان وما يمتناه الصهاينة؛ الذين لن يأمروا بفك الحصار أو وقف إطلاق النار، إلا بعد أن يقع أحد أمرين: إسقاط حكومة حماس وإعادة عصابة عباس، أو إسقاط (مبادئ) حماس بجرها إلى التسوية المخزية، وفق شروط (اللجنة الرباعية) الطاغية.

وعندها - أي عند التخلص من المشروع الاسلامي في فلسطين لا قدر الله ـ سوف يرى الجميع كيف ستفتح البوابات الحدودية، وتتدفق المساعدات الإنسانية، وتتوالى مكرمات المراسم الأميرية والملكية والجمهورية، على سكان الأراضي الفلسطينية، بعد رجوعها - لا سمح الله - لسلطة الحكومة العلمانية العميلة الهزيلة التي لم يصدر ـ بالمناسبة - بشأنها بيان أو فتوى، مع أن النظام العربي كله أعطاها الإذن كله، أن تتصرف كما تشاء، لا في شأن غزة وحدها، ولكن في ربوع الأرض المقدسة جميعها، وفوضها في تحديد مصير القدس والأقصى في مفوضاتها السرية، التي لا يدري بشأنها أحد من قياداتنا العلمية أو الفكرية، كما حدث ويحدث فى الاتفاقات والمعاهدات السابقة، وأخواتها اللاحقة التي تنتظر ما تسفر عنه نازلة غزة!


د. عبد العزيز كامل
4 - 1 - 2009

المصدر: لواء الشريعة

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

نعي بعد تأخير.. وتكرار لسابق التحذير..!!

 نعي بعد تأخير.. وتكرار لسابق التحذير..!!

د.عبدالعزيز كامل

سبق أن نشرت على هذه الصفحة نعي رمز الكرامة المقاوِمة.. ( أبو عبيدة)رحمه الله ورفع مقامه في عليين، وذلك منذ إعلان كيان العدوان عن اغتياله في ٢٩ اغسطس ٢٠٢٥، ومما جعلني وقتها أصدق هذا الإعلان ؛ أن حركة المقاومة لم تنف الخبر في حينه، ولم يعلق أي من مسؤوليها عليه بالنفي، فلو كان الخبر كاذبا لتمت المسارعة إلى تكذيبه في وقته.
وسبب الامتناع عن الإعلان في ذاك الوقت يرجع إليهم، وتأجيله لأربعة اشهر أيضا يعود تفسيره لهم..
لكن هذا ليس هو المهم اليوم، بل الأهم من الإعلان المتأخر هو ظرفه الحالي الحرج المتدحرج، بأجوائه الحارة رغم برودتها، و مساراته السريعة نحو الحرب رغم دعاوى السلام..
و لنا مع تلك الأجواء وقفات وتنبيهات..
١ _ تزامَن الإعلان عن استشهاد أبي عبيدة وعدد آخر من قادة المقاومة في وقت تعالي نبرة التحرش العسكري (الإسرائيلي الأمريكي ) بإيران، قبيل بدء فرض أمر واقع جديد في غزة، يُراد فيه الإسراع بتجريد المقاومة من (سلاح الدفاع).. المشروع في كل الأديان والملل والقوانين.
٢_ زيارة النتٍن لأمريكا؛ ولقائه مع كل أصحاب القرار فيها.. ونواله كل آماله على لسان شيطان واشنطن .. يدل على أن الأمر أخطر من حماس، وأبعد من غزة، بل أكبر من مشروع إيران الاثني عشرية ضد الشعوب السنية، فتلك الشعوب يُراد استقطابها بعد ( تهذيبها وتشذيبها ) على الطريقة الأمريكية للانضمام لحلف ( الإبراهيمية) ضد قوة الصين الصاعدة (الشيوعية) ..على طريقة الأمريكان أيام غزو روسيا (الشيوعية) لأفغانستان..
٣_ في معترك مسار الأشرار؛ ضُربت عما قريب مفاصل القوة بكل قسوة في مشروع إيران الاثني عشرية، في حرب الاثني عشر يوما، بعد قصقصة أجنحتها في لبنان وسوريا بعد تدمير غزة، لتكون إيران هي الهدف التالي _ بعد تحجيم أو تجميد أذرعها في اليمن والعراق، لغرض استمرار الابتزاز لدول البترول والغاز، حتى تظل أكبر مستورد للسلاح ( المعطل) في العالم..!
٤_ المسرح الإقليمي مرشح بقوة _ والعلم عند الله _ لحرب إقليمية جديدة، أكبر في حدتها وشدتها مما هو متصور، بالرغم من (سلام البارود) الذي يرفع ترامب شعاره لحساب اليهود، وفي تلك الحرب الإقليمية التي يلوح في الآفاق دخانها؛ يتوقع إقحام دول الخليج العربية في نيرانها، لتصل آثارها إلى البلاد المجاورة لدولة الجور ، سواء في سوريا أو لبنان أو اليمن أو العراق..أو حتى مصر ..
والإشكال في ذلك أنه لا أحد مستعد لتلك الحرب إلا إيران - كما تدعي - فهي تعدها حرب وجود، مع المتربصين بها في (حلف النصارى واليهود)..
٥_ ما يجمع الصديق الصفيق(دونالد ترامب) مع بنيامين النتن، هو المشترك الديني بين العدو الصهيوني التوراتي، والخصم الصهيوني الإنجيلي ..وهدف الامريكان في النهاية هو تسخير تلك الحرب الإقليمية وتجييرها؛ لحسابات الاستراتيجية الأمريكية الغربية، ضد قوى الشرق، بزعامة الصين، وعضوية روسيا وكوريا الشمالية وإيران..
٦_ البُعد الخفي _ أو المخفي الذي نخشاه في تلك الحرب المتوقعة؛ هو ما يتعلق بمقدسات المسلمين الواقعة في القدس ومكة، حيث إن الغاية القصوى هي (الأقصى) في المشروع الصهيوني (التوراتي والإنجيلي) فهما يصران على هدمه، بينما الغاية الكبرى لمشروع الإجرام في إيران..هو المسجد الحرام، الذي يتواطأ شيعة الفرس مع شيعة العرب على احتلاله وأسره..
ولذلك .. على جموع أهل الإسلام عامة، وأهل السنة خاصة؛ أن يرقبوا ويرصدوا مسار المخاطر الحالية والمستقبلية التي تهدد مقدساتهم، بعد استباحة حرماتهم ومقدراتهم..
وعلى عقلائهم والمخلصين فيهم أن يتدبروا أمورهم تجاه التحدي المطلوب والتصدي الواجب للأعداء المتداعين على قصعتهم في ظرف تاريخي حرج، لايملكون فيه مشروعا جامعا للدفاع عن تلك الحرمات والمقدرات والمقدسات..
فاللهم سلِّم المسلمين..
وأنجِ المستضعفين من المؤمنين..
واجمعهم على أرشد أمرهم يارب الأرباب، ويا مجري السحاب، وهازم الأحزاب ..
اللهم آمين.

الخميس، 25 ديسمبر 2025

{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} شريعتنا هي كل ديننا

{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 

شريعتنا هي كل ديننا

 د. عبدالعزيز كامل


الشريعة هي عنوانُ المرحلة الراهنة والمقبلة، فتحكيمها وإقامتها سيظل موضوع حراك الإسلاميين، وموضع خصومة الكارهين من العَلمانيين، والمواقف منها سلباً أو إيجاباً، قبولاً أو رفضاً؛ هي التي ستقرر معالم الفرز الاعتقادي القسري الذي فرضته تداعيات الثورات العربية، وعندها لن يكون التقسيم الواقعي بين الشعوب قائماً على الأسس القومية ولا الوطنية، ولا معتمداً على الفروق الاجتماعية أو الثقافية؛ إنما سيكون مبنياً - قبل هذا أو ذاك - على المعايير الاعتقادية والفروق الفكرية والمذهبية، لتعود القسمة بين الناس ثلاثية كما قررها الوحي المنزل عندما قسمت سورة البقرة في بدايتها الناس إلى ثلاثة أقسام: (مؤمنون... كافرون... منافقون)، فبينما ينحاز المؤمنون إلى خيار العيش في ظلال الشريعة، سيقف الكفار الصرحاء داخل بلدان المسلمين وخارجها بصلابة في وجه الشريعة وحَمَلتها وحُماتها، وستفيء إلى الكافرين الظاهرين فئام المنافقين المتسمّين بأسماء المسلمين، والذين أصبحوا يصرحون علانية بمعارضتهم للاحتكام لها وكراهيتهم للنزول على أحكامها.


نزاع مفاهيم:


جزء كبير من الخصومة في قضية الشريعة يعود إلى خلط المفاهيم حولها، فمع أن مفهوم الشريعة والمعاني المحيطة بالحكم بها بعد التحاكم إليها، من الأمور التي حسمها الوحي كتاباً وسنة؛ فقد ظلت «النخب» الفكرية في لغط وجدال - ولا تزال - حول مرجعيتها وحاكميتها وتنفيذها وإقامتها، ومن يقوم بذلك ومن يُقام عليه ذلك.


بعض المفاهيم الخاطئة حول الشريعة أصبحت - بفعل التراكم - كأنها هي الأصل الواجب الرجوع إليه، ومن ذلك: الظن بأن الشريعة أمر مختص ومختصر في تنفيذ أحكام العقوبات وإقامة الحدود، والظن بأن ذلك التنفيذ واجب على الفور دونما تمهيد أو تأهيل للشعوب. وأيضاً يسود مفهوم خاطئ عن أن القيام بأمر الشريعة أمر خاص بالخاصة من الحكام والقضاة، مع أن ذلك ينصرف إلى جزء قليل منها وهو أحكام الحدود. ومن أخطر صور التلاعب بالمفاهيم في هذا الصدد الادعاء بأن الحكم بالشريعة غير مُلزِم، وأن المسلم يسعه أن يظل في دائرة الإيمان رغم عدم رضاه بحكم الله، أو أن الإيمان بوحدانية الله يكفي عن الخضوع لحاكميته.


ومن صور العبث بالمفاهيم كذلك، تقسيم الشريعة إلى (مبادئ) و(أحكام)، فالمبادئ يسوغ قبولها والتنصيص عليها في الدساتير، مثل: المناداة بالعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان؛ وأما الأحكام فعلى طريقة العَلمانيين لا يُعدُّ أكثرُها مناسباً للعصر أو قابلاً للتطبيق.


ومن ضمن الأسباب التي تساعد على اتساع دائرة الخلط في المفاهيم، استحداث مصطلحات غير مدققة ولا موثقة كي تحل محل المصطلحات الشرعية التي جاء بها الوحي في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك تعبير (تطبيق الشريعة) الذي أعطى ورسخ إيحاءات كثيرة عائمة مائعة توصل أو تؤصل لبعض المفاهيم الخاطئة السابق ذكرها، حيث يتبادر إلى أذهان الناس عند استعمال هذا التعبير أن المقصود من الشريعة هو فقط «تطبيق» الحدود وتنفيذ العقوبات وبعض المعاملات، وفي هذا تقزيم للمعنى العظيم الكامن وراء الدعوة لـ (إقامة) الشريعة بالمعنى الشامل، المتضمن قضايا اعتقادية وأحكاماً فقهية وأموراً تتعلق بأعمال القلوب وآثار السلوك، ونحو ذلك مما يصدق عليه بمجموعه وصف (العبودية لله)، وهو ما لا يكفي للوفاء به أيضاً الحديث عما يُسمى: «تقنين الشريعة».. فالعبودية لا تقنن في قوالب، ولا تنقط في فقرات.


لا شك أن المفاهيم السليمة فيما يتعلق بقضايا الشريعة إنما تُستمد من خطاب الوحي، فالقرآن والسنة الصحيحة بفهم السلف هما الأولى بالتصدير قبل غيرهما في تحديد تلك المفاهيم ووضع مصطلحاتها، وتعيين المراد بها.


في هذا الإطار يأتي الاستهداء بهدي القرآن في ذلك الشأن الشاغل، ولعل الآية المعنون بها لهذا المقال، وأقوال المفسرين فيها، تحسم الجدال في كثير من الأمور، وتؤصل للمفاهيم الصحيحة حول موقع الحكم بالشريعة من الدين.


يقول الله - عز وجل -: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْـمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13].


فالآية خطاب لهذه الأمة بأن تقيم وتستقيم على ما شرعه الله لها وللأمم قبلها على ألسنة الرسل العظام أصحاب الشرائع، ولا يتفرقوا في الطريق الموصل إليه، بل يجتمعوا عليه؛ وأن يعلموا أن رضى أعداء الرسل عنهم محال ما داموا داعين لشرع الله وعاملين به، فليكونوا هم أهل اصطفاء الله ورضاه بالاستمرار في الاهتداء بهداه، والعودة إليه.


ومن خلال ذلك المعنى العام للآية، تظهر لنا حقائق ومفاهيم مستمدة منها، ومما يماثلها من الآيات، وهذه أبرزها:


أولاً: الإقرار بالوحدانية يستلزم إقامة الشريعة:


ذلك أن الله الذي شرع لنا من الدين ما وصى به أولي العزم من الرسل، هو الإله الواحد الذي له مقاليد السماوات والأرض - كما بيَّنت الآية قبلها - والذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وهو بكل شيء عليم، فهذا الإله العظيم أودع آثار صفاته العُلا في شرعه، فقد أنزله بعلمه وحكمته ولطفه وغناه عن خلقه، وقال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. فالذي شرع هو الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. قال القرطبي «{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} أي: الذي له مقاليد السماوات والأرض شرع لكم ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى». أما ما شرعه وأمرنا بإقامته، فهو - كما قال رحمه الله - «توحيده والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وبسائر ما يكون الرجل به مسلماً».


ثانياً: نكون خير أمة بإقامة خير شريعة:


فالله - تعالى - وصانا بمثل ما وصى به أمم الأنبياء السابقين، قال ابن عاشور «والمماثلة: في أصول الدين مما يجب لله - تعالى - من صفات، وفي أصول الشريعة من كليات التشريع، وأعظمها توحيد الله، ثم ما بعده من الكليات الخمس: الضروريات، ثم الحاجيات التي لا يستقيم نظام البشر دونها، فإن كل ما اشتملت عليه الأديان المذكورة من هذا النوع قد أودع مثله في الإسلام».


فإذا كان أولو العزم هم أفضل الرسل الذين أُرسلوا بأكبر الشرائع، فإن أفضلهم جميعاً محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن شريعته هي أكمل الشرائع، ولهذا كان ما شُرع للأنبياء السابقين (وصية) من الله لهم، أما ما شُرع لنبينا صلى الله عليه وسلم فهـو (وحي) من الله، والفرق أن الوحي يشير إلى الإعجاز التشريعي الذي اختص به القرآن عن سائر الكتب المنزلة، وعندما تقيم الأمة شريعة الإسلام الكاملـة فإنها تقيـم بها شـرائع كل الأنبياء، وتكون بذلك خير أمة، وأولى بكل نبي من قومه؛ عندما تحيي من شرعه ما أماته قومه.


ثالثاً: حقيقة إقامة الشريعة هي إقامة الدين كله:


فـ «إقامة الدين» ومن ثم: إقامة الشريعة؛ مصطلح قرآني لا يحل محله غيره كـ (التطبيق) أو (التنفيذ)، وهو أشمل أيضاً من (التحكيم)، فقد يكون التطبيق جزئياً فلا يسمى إقامة، وقد يحصل بعض التنفيذ دون تحكيم اعتقادي، وقد يحصل التحاكم الاعتقادي للشريعة دون إقامتها في الواقع. وقد تكرر في القرآن الأمر بإقامة الدين المستلزم لإقامة الشريعة، قال ابن العربي في تفسير {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} «أي اجعلوه قائماً، يعني دائماً مستمراً، محفوظاً مستقراً، من غير خلاف فيه واضطراب عليه»، وهو يشمل - كما قال - «الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والتزلف إليه بما يردُّ القلب والجارحة إليه والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق، والاعتداء على الحيوان، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات».


رابعاً: الشريعة بمعناها العام ترادف الدين كله:


قال - تعالى -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18]، قال الشوكاني في تفسيرها: «المراد بالشريعة هنا ما شرعه الله لعباده من الدين»، فإذا أمرنا بإقامة الدين، فقد أمرنا بإقامة الشريعة. نقل الطبري عن قتادة في تفسير {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} أنه قال: «بُعث نوح حين بُعث بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام، وهو نفسه ما بُعث به إبراهيم وموسى وعيسى»، ولذلك قال الطبري في تفسير تلك الآية: «وعنى بقوله {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أي اعملوا به على ما شُرع لكم وفُرض». وإذا كان الدين يشمل المعتقدات والتشريعات والسلوكيات، فإن الشريعة بمعناها العام تشمل ذلك، وقال ابن عطية: «{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ}.. إقامة الدين مشروع اتفقت النبوات فيه، وذلك في المعتقدات أو في جملة أمرها، حيث إن كل نبوة مضمونها معتقدات وأحكام، فيجيء المعنى على هذا: شرع لكم شِرعة هي كشرعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، في أنها ذات المعتقدات المشهورة التي هي في كل نبوة».


نخلص من هذا إلى معنى ينبغي تحديده، ومفهوم يجب إحياؤه، وهو أن الشريعة معنى أعظم بكثير مما يردده الإعلام، وما يفهمه الرأي العام، فهي كل الدين الواجب إقامته على كل الأمة، يقول ابن تيمية - رحمه الله - في فتاويه عند شرحه هذه الآية تحت عنوان (قاعدة في الفرقة والجماعة): «فالمشروع لنا هو الموصى والموحى، وهو {أَقِيمُوا الدِّينَ}، فأقيموا الدين مفسر للمشروع لنا الموصى به الرسل، والموحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم».


خامساً: إقامة الشريعة.. لا تطبيق الشريعة:


المعنى المتبادر من التعبير المستحدث (تطبيق الشريعة) يكاد ينصرف عند عموم الناس - كما سبقت الإشارة - إلى تنفيذ باب من أبواب الفقه الإسلامي، وهو باب أحكام العقوبات والحدود وبعض المعاملات، ولذلك فالتعبير يوهم تجزئةً غير جائزة تؤدي إلى تبعيض الشريعة المنهي عنه في قول الله تعالى: {كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْـمُقْتَسِمِـــينَ 90 الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 90 - 91]، أي أعضاء وأجزاء يؤخذ ببعضها ويترك بعضها.. لا شك أن الذين وضعوا مصطلح (تطبيق الشريعة) لم يكونوا يقصدون هذا، لكن هذا ما آل إليه الأمر عندما تُرك التعبير القرآني (إقامة الدين) الذي يعني (إقامة الشريعة)، ولو رحنا نبحث عن المعنى اللغوي في مادة (ط. ب. ق) لكلمة (طبَّق) لوجدنا هذه المادة تدور حول معاني: التغطية والتسوية والتراتب الفوقي والموافقة والاتفاق.


فهل يكون (تطبيق الشريعة) مثلاً: هو تغطيتها، أو تسويتها بسواها، أو موافقتها لغيرها، أو وضعها في ترتيب بعضه فوق بعض؟!


إن معنى (إقامة) الدين ومن ثم (إقامة) الشريعة، أبلغ في الإيضاح والتحديد، ولهذا؛ فهو تعبير بليغ سديد، فالإقامة في اللغة تعني الإتمام والإدامة، ولذلك جاء التكليف بأعظم فروض الإسلام - وهي الصلاة - بلفظ الإقامة أيضاً بمعنى إتمامها وإدامتها، فقال الله تعالى في كثير من الآيات: (وأقيموا الصلاة)، وإقامتها تعني إتمامها - كما قال الزجاج في تفسيره -، فالصلاة تحتاج إلى أمور كثيرة وعظيمة الشأن حتى يصدق على فاعلها أنه (مقيم للصلاة)، قال الطبري في تفسير {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [البقرة: 3] «إقامتها: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فرضت عليه، كما يقال: أقام القوم سوقهم، إذا لم يعطلوها من البيع والشراء»، ونقل - رحمه الله - عن ابن عباس قوله: «إقامة الصلاة: تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها». وقد جاء في الحديث: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)[1].


فإذا كان كل هذا مطلوباً في الصلاة كي يُعدَّ المرءُ مقيماً لها وهي واجب واحد، فما بال الواجب الشامل لكل الواجبات وهو (إقامة الشريعة).. ما المطلوب منا كي نكون مقيمين لها؟


 إن إقامة الشريعة تشمل أموراً أرحب وأعظم من الأمور التي يشير إليها تعبير (تطبيق الشريعة)؛ إنها أمور تتوزع على العقائد والعبادات والمعاملات والسلوكيات لتشمل أعمال القلوب وأعمال الجوارح، إلى جانب الأخلاقيات التي تدعو الشريعة إلى التزامها وعدم الخروج عنها، إضافة إلى الضوابط العامة في الأقوال والأعمال، والمعايير الخاصة في الحكم على الأشخاص والأفكار. وهذه كلها - كما ترى - مهمة الأمة بمجموعها، حيث إنها كلها مخاطبة بإقامة الشريعة وإقامة الدين.


 لذلك نقول إن من إقامة الشريعة: 

إجلال الموحِي بها - سبحانه - وتعظيم الموحَى إليه بها صلى الله عليه وسلم، وتعظيم نصوصها، والتحاكم القلبي إليها، والتحكيم الفعلي لها، والولاء والبراء لأجلها، والحب والبغض على أساسها، والجهاد لرفعة شأنها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضاها، وتحمّل الأذى في سبيلها، وتوقير علمائها، وطاعة الحاكمين بها، ونصرة الداعين إليها، والتزام منهج السلف في فهمها ونصرها ونشرها، وعدم التفرق والاختلاف في الطريق الموصل إليها كما أمر الله {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.


وما أحسن تفسير الشيخ السعدي لمعنى هذه الآية حيث قال رحمه الله «{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ}.. أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين، أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاوِنون على البر والتقوى ولا تعاوِنون على الإثم والعدوان.. {ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أي ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه واحرصوا على ألا تفرّقكم المسائل وتحزّبكم أحزاباً، وتكونوا شيعاً يعادي بعضكم بعضاً مع اتفاقكم على أصل دينكم».


الهوامش

[١] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٧٢٣).

المصدر

د. عبدالعزيز كامل

:: مجلة البيان العدد 302 شوال 1433هـ، أغسطس 2012م.