الأحد، 31 مايو 2026

أفراح مؤجلة حتى حين

 أفراح مؤجلة حتى حين

نور الدين العلوي


نجمِّع اللحظة أكبر قدر من الغباء الروحي لنقدم أضحية ولا نلتفت إلى غزة أو السودان ولا لأي بقعة عربية مسلمة تحترق. نرصّف التبريرات من قبيل أن الحياة لا يجب أن تتوق، وأن ألم البعض لا يمنع فرح آخرين، ونزيد: هل علينا أن نقيم مناحة أبدية؟ لقد أسعفنا الدعاء في السوشيال ميديا فخفف عنا وزر غزة وأخواتها؛ نحن ندعو لهم وهذا سيحررهم فلنحتفل. نحن لم ندرك معنى الطوفان لذلك فنحن نقدم الأضاحي ونُتْخَم أحيانا، لنخفف وزر غزة بوزر آخر(كآلية دفاع ضد تأنيب الضمير).


نحن لا نفلح في تجميع ثمن أضحية، ذهب كثير منا إلى الأسواق وتأمل الأسعار والخرفان وعاد باكيا. لقد صارت الأضحية حكرا على طبقة ضيقة بينما تراقب الغالبية بحرقة. هناك خبر يقين يمكن أن ينجينا من الغم؛ سوريا تصدر الخرفان للجزائر وقد تثبتُّ فوجدت الخبر صحيحا. عجبي، الدولة الخارجة من حرب أهلية دمرت كل شيء تستعيد عافيتنا لتصدر فائض إنتاج حيواني لبلد مستقر منذ سبعين عاما ونفطي فوق البيعة؟ يبدو أننا سنصاب بالجنون.

لنفرح لسوريا
كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق نشطة قبل أن تفكر في التصدير

أخبار سوريا تسر النفس؛ وهذه جملة تخفى ببراعة أن أخبار تونس تصيب بالغم. كيف استطاع الفلاح السوري ترميم القطيع في سنة واحدة وإنتاج فائض أزعج به جاره الأردني فاتخذ رسوما جمركية ليحمي سوقه، ثم يصدر السوري إلى العراق وإلى الخليج العربي ثم يفاجئنا بالتصدير إلى الجزائر. ما تزال النقاشات في تونس تدور حتى الآن حول لماذا لم يشن أحمد الشرع حرب تحرير الجولان؟ يبدو أن الشرع خاض حرب تحرير الفلاح السوري، لقد التقطنا أخبارا عن احتمال تحقيق الاكتفاء الذاتي السوري من الحنطة بعد سنة مطيرة واحدة، لننتظر نهاية موسم الحصاد، بينما تعيش الدول المستقر مثل تونس والجزائر وقد قيل المغرب أيضا أزمة أضاحي. كأن الفلاح في هذه البلدان توقف عن تربية الحيوان؟ كانت السنة مطيرة في بلدان شمال أفريقيا، ويؤدي هذا نظريا إلى كلفة أقل في الأعلاف بما ينعكس على خصوبة القطيع وعلى نقص في الأسعار، لقد حصل العكس تماما، وهو ما يعجزنا عن فهم السياسات الزراعية في بلاد مستقرة سياسيا وتنتج لسوق نشطة قبل أن تفكر في التصدير.

لا أدري بدقة ما فعل السوري بقطيعه فنما فأفاض، ولكن أعرف أن السياسات الزراعية في بلدي لا تستجيب لحاجة السوق المحلي فضلا عن التفكير في التصدير. هناك خبرة تاريخية متراكمة في تربية الحيوان في تونس (لقد كنا ذات يوم مجتمعا رعويا يعيش من قطيع ويكتفي)، لكن يبدو أننا بقينا في الأسلوب القديم ولم نطور النشاط رغم ما يحيط بنا من تجارب ناجحة. هنا ينفتح الحديث عن السياسات الزراعية في تونس، فنجد أن النشاط بقي نشاطا ثانويا ضمن اهتمامات الدولة، وكل ما فعلته هو تقنين توزيع الأعلاف المدعومة، لذلك وجد الفلاح دوما صعوبات جمة في زيادة عدد الرؤوس. وقد عانى لوحده أثر الجفاف في السنوات الماضية، وهذا سبب رئيسي لتقلص العدد، لقد كان مربي الأغنام يبيع النصف ليعلف بثمنه النصف الباقي، في عملية تراجع مستمر أقرب إلى حفظ الوجود الأدنى من التطور الذاتي.

تقوم الجزائر -بجوار تونس لمن يجهل الجغرافيا- خلال هذه الصائفة بتوريد ثلاثين ألف بقرة حلوب ضمن نشاط شركة "بلدنا" القطرية الجزائرية. هذا عبور عملاق لتطوير قطاع تربية الحيوان، وهو غير بعيد عن تونس ويمكن استراق النظر إليه. لماذا استثمر القطري في الجزائر وقد كان مر بتونس ذات يوم؟ هنا نعود إلى النقاش المركزي في تونس والذي يستغرق كل الجهد وكل التفكيرالماذا لم يقم أحمد الشرع بتحرير الجولان؟

نخبة المعارك الخاطئة هي السبب

كيف يمكن بناء هذا الربط اللاسلكي بين تحرير الجولان وتربية الخرفان؟ لا يحتاج الأمر إلى إطالة السجع، يحتاج إلى متابعة اهتمامات النخبة التونسية الغارقة في قضاياها المزيفة منذ سبعين عاما. تتميز هذه النخبة بقدرة عالية على صرف الأنظار عن عجزها باختلاق قضايا لا تهمها، وهي تعيش مما تختلق وتكرر. فالشرع هنا ليس شخصا بل هو احتمال سياسي يرعب النخبة التونسية، فهو تجربة جديدة في ترتيب الأولويات فيقدم الضروري الحيوي ويعتبره استراتيجيا قبل خوض معارك ضرورية ولكنها قابلة للتأجيل. ومقالنا في الأصل ليس عن الشرع وسياساته، بل عن نقيضه الذي يبذل جهدا جبارا في المزايدة عليه ويغفل في الأثناء أزماته الحيوية.

إن تربية الحيوان وتوفير أضاحٍ كافية وكسر أسعار اللحوم لتكون في متناول الفقراء ليس من النانوتكنوجيا، إنه أبسط من ذلك، يكفي الدولة فيه أن تتحرك في سوق الأعلاف العالمية لتوفر للفلاح كفايته في سنوات الجفاف، ويكفي أن ترافقه بالبيطرة في حفظ صحة قطيعه ليجمع خبرته مع الدعم فيكون نماء. هنا تفقد النخبة مواضيعها الأثيرة، فهي لم تتدرب على خطاب التنمية بل ظلت تحبس نفسها وتقتات من قضايا مثل تحرير الجولان من تونس.

هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في العيد، وسواء كان حزنه تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون

لنواصل الربط اللاسلكي، عدم تحرير الجولان يعني أن حاكم سوريا الإسلامي خائن وعميل للاستعمار، وهذا ينسحب على كل إسلامي سواء كان مع الشرع أم ضده ويخالفه الرأي والفتوى. هو نفس موقف النخبة التونسية التي تقول الآن أن الكيان الصهيوني خلق حركة حماس ليحارب بها حركة فتح الثورية، أي والله هذا الكلام يكتب في تونس وهو موقف علني. (لم ننس مثقفا تونسيا كتب من قلب باريس في حرب 2014 أن حماس تمارس البرنوغرافيا السياسية بعرض صور شهدائها).

هذه النخبة بهذه القضايا جعلت التونسي لا يفرح في العيد، وسواء كان حزنه تعاطفا مع غزة المحرومة أو من عجزه وفقره فالحزن واحد. لكن لنفرح رغم كل الحزن، فأزمة الأضاحي ستفجر ثورة في قطاع تربية الماشية، مماثلة لثورة غراسة الزيتون. لقد تجاوز الفلاح التونسي المجهول والذي أنقذ نفسه من الغرق في قضايا النخبة كل المحاذير الرسمية وانطلق يغرس الزيتون؛ لم يقتصد في ماء الطبقات الجوفية ولم يخضع لشركة الكهرباء العمومية. يثقب الأرض في الليل يستخرج الماء بالطاقة الشمسية، ويغرس الزيتون ويدخل أسواق الزيت في العالم بنفس الإرادة الحرة، ويستعيد مكانة تونس في بورصة الزيت العالمية متغلبا على الطليان والإسبان واليونان. سيفعل نفس الشيء في قطاع تربية الحيوان وهذه سبب كاف للفرح، لا لجهة توفير الأضاحي فهذا تحصيل حاصل، بل لقدرة عبقرية على تجاوز النخبة المشغولة بلحية أحمد الشرع.

فرحنا القليل قادم من فعل هذا الفلاح المجهول، إنه أقرب بروفايل مواطني يمكن أن يقارن بالمواطن الغزاوي صاحب الطوفان، إنه عبقري الاعتماد على الذات الناحت من لحمه مستقبل بلد ضيعته النخب.

نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

 نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

حلمي الأسمر

   الطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى  
  من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" 
                              في التوسع رغم كل هذا التقدم.                                               



كيف تحوّل نظام غذائي بسيط إلى أحد أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في العالم العربي؟

تخيّل أنك أخبرت إنسانًا قبل مئة عام أن حبة بطاطا (أو صحن أرز مثلا!) قد تساعد بعض الناس على استعادة صحتهم. غالبًا لن يستغرب كثيرًا، فالبشر عاشوا آلاف السنين وهم يرون الطعام جزءًا من الحياة وجزءًا من الشفاء في الوقت نفسه. لكن جرّب أن تقول الشيء ذاته اليوم، في عصر المختبرات العملاقة والمستشفيات الذكية وشركات الدواء العابرة للقارات، وستجد نفسك متهمًا بالشعبوية أو الجهل أو الترويج للخرافة والهرطقة العلمية. والسؤال الذي يستحق التأمل ليس إن كانت البطاطا تشفي أم لا، ولا إن كان الأرز دواءً أم مجرد طعام، بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

نحن نعيش في أكثر العصور تقدمًا من الناحية الطبية في تاريخ البشرية. لم يمتلك الإنسان يومًا هذا العدد الهائل من الأطباء والمستشفيات والأجهزة التشخيصية والعقاقير المتطورة. ينفق العالم اليوم أكثر من عشرة تريليونات دولار سنويًا على الصحة، وتقترب قيمة سوق الدواء العالمية من تريليوني دولار، وتُضخ مئات المليارات في الأجهزة والمستلزمات الطبية ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا الحيوية.

ومع ذلك، فإن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كنا نعيش العصر الذهبي للطب، فلماذا يبدو أننا نعيش أيضًا العصر الذهبي للمرض؟ هل هناك سر في الأمر؟ أهي مؤامرة كونية لاستعباد المريض لحبة الدواء كي يبقى طيلة حياته ملزما بدفع "اشتراك شهري" لمنتجي أدوية الأمراض "المزمنة"؟ أم أن هناك عنصرا خطرا في المشهد يجعل كل من يقترب من فهمه خطرا على استثمارات بمليارات الدولارت؟

هذا السؤال هو الذي منح الجدل حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي رحمه الله كل هذه الحرارة. فالرجل لم يأتِ بعقار جديد، ولم يكتشف عضوًا مجهولًا في جسم الإنسان، ولم يقدّم معادلة سحرية لإطالة العمر. كل ما فعله أنه أعاد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي نعدّها اليوم قدرًا محتومًا مرتبطة بالطريقة التي نأكل بها أكثر مما نتصور؟ وماذا لو كان جزء من الحل (وربما كله) موجودًا في المطبخ قبل أن يكون موجودًا في الصيدلية؟

ولأن السؤال كان كبيرًا ومزعجًا، جاءت ردود الفعل متطرفة بالقدر نفسه. فريق رأى فيه ثورة صحية تعيد الاعتبار لحكمة الجسد وقدرته على التعافي، وذهب أكثر من هذا، حين تحول محبو العوضي والمؤمنون به إلى "طائفة!" عقائدية متعصبة لا تطيق نقده أو رميه ولو بوردة، وفريق آخر اعتبره تبسيطًا مخلًا لمشكلات معقدة لا يمكن حلها بطبق أرز أو حبة بطاطا. بل إنه تحول إلى رمز للسخرية لدي كثيرين، فسمى نظامه نظام النوتيلا، وصاحب نظرية: تناولوا نصف كيلو من السكر(!) والأخطر من كل هذا رأينا مئات الفيديوهات التي يعلن أصحابها على منصات الإعلام الشعبي أنهم تعافوا من أمراض مستعصية فور تطبيقهم لنظام الطيبات، ويقابلهم في هذا من يسرد حالات وفاة أو انهيار صحي خطير تسبب فيها النظام، لكن المدهش أن الفكرة التي أثارت كل هذا الجدل ليست جديدة أصلًا.

 ففي عام 1939، وبينما كانت خيارات علاج ارتفاع ضغط الدم الخبيث والفشل الكلوي وقصور القلب محدودة للغاية، كان الطبيب الأمريكي والتر كيمبنر في جامعة ديوك يحقق نتائج أذهلت المجتمع الطبي من خلال نظام غذائي بسيط قائم أساسًا على الأرز والفواكه مع خفض شديد للملح والدهون. لم يكن الرجل مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يكن يبيع مكملات غذائية أو دورات تدريبية، بل كان أستاذًا في واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية. ومع ذلك فقد شهد مرضاه تحسنًا ملحوظًا في ضغط الدم ووظائف الكلى وحجم القلب وضبط السكر والوزن، ودخلت تجربته التاريخ الطبي باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الغذائية إثارة للجدل والاهتمام.

وبعد عقود جاء الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال ليطرح سؤالًا لا يقل إحراجًا: إذا كانت البطاطا والأرز والذرة والشوفان قد شكلت عبر التاريخ الغذاء الأساسي لشعوب كاملة، فكيف تحولت فجأة إلى متهمين على موائدنا الحديثة؟ وكيف أصبح الإنسان الذي عاش أجداده قرونًا على هذه الأطعمة يخاف منها أكثر مما يخاف من المنتجات فائقة التصنيع التي لم يعرفها أي جيل سابق؟ لم يكن ماكدوغال يدافع عن البطاطا بوصفها معجزة، بل كان يذكّر العالم بحقيقة بسيطة: أن كثيرًا من الأمراض الحديثة لم تظهر في الفراغ، بل ظهرت بالتوازي مع التحول الجذري في طبيعة الغذاء نفسه، وفي الحقيقة كان لي تجربة شخصية مع حمية البطاطا فقد طبقتها قبل سنوات لضبط وزني، حتى أن أحد الأصدقاء الصحفيين ظل يدعوني لسنوات بأبي البطاطا، لكثرة ما كان يراني آكل البطاطا!

وهنا ربما نقترب من جوهر المشكلة. فالقصة ليست قصة الأرز ولا البطاطا ولا حتى نظام الطيبات. القصة أن الإنسان المعاصر يعيش داخل أكبر تجربة غذائية في تاريخ البشرية دون أن يشعر. آلاف المواد المضافة، ومئات المنكهات والمثبتات والمحسنات، وزيوت صناعية لم يعرفها أجدادنا، وسكريات فائقة التركيز، وأطعمة مصنعة لا تشبه أصلها الطبيعي إلا بالاسم. ثم نقف بعد ذلك أمام الارتفاع المتواصل في معدلات الأمراض ونتساءل بدهشة: لماذا يمرض الناس أكثر من أي وقت مضى؟

والأكثر غرابة أننا أصبحنا نتعامل مع الطعام الطبيعي وكأنه المتهم الذي يجب أن يثبت براءته، بينما لا يثير استغرابنا أن يقضي إنسان نصف عمره متنقلًا بين العيادات والصيدليات. ويحمل في حقيبته حيثما حل "صرة" من الأدوية، بل يندر أن تجد إنسانا اليوم تجاوز الثلاثين لا يتناول يوميا قرصا أو أكثر من الأدوية والمكلمات الغذائية (وتلك قصة أخرى!) لقد اعتدنا رؤية المرض إلى درجة أننا بدأنا نعتبره جزءًا طبيعيًا من التقدم. بل إن كثيرًا من الناس باتوا يعتقدون أن الشيخوخة تعني بالضرورة قائمة طويلة من الأدوية، وأن الصحة استثناء مؤقت لا أكثر.

هناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

ولكي نكون منصفين، فإن الطب الحديث ليس خصمًا مطلقا في هذه القصة. فاللقاحات والمضادات الحيوية والجراحات الدقيقة وزراعة الأعضاء وتقنيات التصوير المتقدمة أنقذت ملايين الأرواح ولا يستطيع عاقل إنكار ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين إنقاذ الحياة وصناعة الصحة، بين رسالة الطب السامية وبين شهوة وجشع المستثمرين،. فالطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" في التوسع رغم كل هذا التقدم. وهنا يعود الغذاء ونمط الحياة والنوم والحركة والضغوط النفسية إلى الواجهة بوصفها عناصر لا تقل أهمية عن الدواء نفسه.

ولعل من أكثر المفارقات إثارة أن جائزة نوبل في الطب عام 2016 ذهبت إلى العالم الياباني يوشينوري أوسومي بسبب أبحاثه حول الالتهام الذاتي عن طريق الصوم، وهو عنصر أساس في نظام الطيبات، وهي الآلية التي تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها والتخلص من مكوناتها التالفة وإعادة تدويرها. فجأة عاد العلم ليتحدث بلغة بدت مألوفة للكثيرين ممن آمنوا طويلًا بقدرة الجسم على الإصلاح الذاتي. لم يعد الجسد يُنظر إليه بوصفه آلة معطلة تحتاج دائمًا إلى تدخل خارجي، بل منظومة ذكية تمتلك أدواتها الخاصة في التجدد والصيانة إذا توافرت لها الظروف المناسبة. وهنا تلتقي أبحاث أوسومي مع أفكار أطباء وباحثين كثر، من والتر كيمبنر إلى جون ماكدوغال، ومن الدكتور محمد العبيدي إلى الدكتور ضياء العوضي، رغم اختلاف المدارس والمناهج والأزمان.

غير أن المشكلة الحقيقية أن بعض الناس حوّلوا هذه الفكرة إلى عقيدة، بينما حوّلها آخرون إلى تهمة. فهناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

وربما لهذا السبب لم يكن الجدل حول ضياء العوضي في جوهره جدلًا حول الأرز أو البطاطا أو اللحوم أو الخضروات أو النوتيلا والسكر. لقد كان جدلًا حول شيء أعمق بكثير: حول الطريقة التي نفهم بها الصحة نفسها. لقد تعود الإنسان الحديث أن يثق بحبة الدواء أكثر مما يثق بخلاياه، وبالوصفة الطبية أكثر مما يثق بقدرته على التغيير، وبالصيدليات أكثر مما يثق بالمطبخ. ولذلك لم يكن السؤال الذي طرحه العوضي مزعجًا لأنه يتعلق بالطعام، بل لأنه أعاد فتح ملف ظل مغلقًا لعقود: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي ننفق المليارات لإدارتها تبدأ أصلًا من الأشياء التي نضعها في أفواهنا كل يوم؟

هذا السؤال لا يعني أن الطعام سيغني عن الطب، ولا أن الأدوية مؤامرة بحتة، ولا أن كل مريض يستطيع التخلي عن علاجه والاعتماد على نظام غذائي معين. لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية وربما أكثر إزعاجًا: أننا قد نكون أصبحنا بارعين جدًا في علاج المرض (أو بالأحرى  إدارته!)، إلى درجة أننا نسينا كيف نصنع الصحة، ونزيد قائمة الأدوية التي نتناولها بشكل يومي وطيلة العمر، مع أننا لا نشفى بل نزداد مرضا، والغريب هنا واللافت، أن كثيرا من الأدوية تعالج أو تتعامل مع عرض لمرض ما، فيما تسبب أمراضا أخرى يسميها الأطباء وشركات الأدوية: "أعراضا جانبية!"، وغالبا ما يكتب الطبيب دواء للسيطرة على هذه الأعراض الجانبية(!) فنأخذ دواء للسيطرة على المرض، ودواء آخر للمرض الذي يسببه الدواء المفترض فيها أن يشفيني!

قبل أن نرفض أطروحة ضياء العوضي، فليحاكمها ثلة محكمة من العلماء وليخضعوها للتجربة السريرية العلمية تمام كما تفعل الأبحاث الصيدلانية من الأدوية والعقاقير الجديدة، فربما يكون فيها شفاء فعليا لكثير من الأمراض المستعصية، وإن ثبت عكس هذا، فسيكون ردا مفحما على من اعتبروه "مخلصا" ومنقذا لهم من الاستعباد لحبة الدواء طيلة حياتهم.


رانيا العباسي وأطفالها.. كبدُ الأمةِ المستباح! إضاءاتٌ إنسانيةٌ أخلاقيةٌ ومُقارباتٍ سياسيةٌ


رانيا العباسي وأطفالها.. كبدُ الأمةِ المستباح!
إضاءاتٌ إنسانيةٌ أخلاقيةٌ ومُقارباتٍ سياسيةٌ
مضر أبو الهيجاء

تعيشُ شرائحُ واسعةٌ من الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ حالةً من المرارةِ في عيدِ الأضحى المبارك، نتيجةَ استمرارِ المعاناةِ وتكاثرِ الضحايا المسلمين الذين يتساقطون في أكثرَ من ساحةٍ وميدان، في ظلِّ مشاهدَ متواصلةٍ من القتلِ والتشريدِ والاعتقالِ والفقدان في غزة واليمن ومصر والسودان ولبنان وسورية والعراق.

ومن بين هذه القضايا تبرزُ قضيةُ الدكتورةِ رانيا العباسي وأطفالِها، بوصفِها واحدةً من أكثرِ القضايا إيلامًا في الذاكرةِ السوريةِ المعاصرة، لما أحاط بها من غموض، وما ارتبط بها من أسئلةٍ إنسانيةٍ موجعةٍ لم تجد إلى اليوم إجاباتٍ شافية، إلا عند من يدركون تاريخَ وجوهرَ وطبيعةَ أهدافِ المشاريعِ الطائفيةِ المجرمة التي زادها الغربُ قوةً وصلابةً، ومكَّنها من وسائلِ القوةِ الخشنةِ والأرضيةِ السياسيةِ المصطنعة.

إنَّ استحضارَ هذه القضايا في مواسمِ الأعيادِ ليس استدعاءً للأحزانِ بقدرِ ما هو تذكيرٌ بواجبِ الوفاءِ للضحايا، ورفضِ النسيان، والتأكيدِ على أنَّ كرامةَ الإنسانِ وحقَّه في الحياةِ والأمنِ والعدالةِ ليست قضايا عابرة، بل هي من أعظمِ القيمِ التي ينبغي أن تجتمعَ عليها ضمائرُ الأحرار، كما يجب أن تؤيدَها الحكوماتُ النزيهةُ المنحازةُ لشعوبها.

إنَّ قضيةَ رانيا العباسي وزوجِها وأطفالِها ليست قضيةً سوريةً فحسب، بل هي قضيةٌ فلسطينيةٌ غزِّية، ويمنيةٌ صنعانية، وسودانيةٌ بامتياز، وكرديةٌ واسعة، وعراقيةٌ يعيها شعبُ العراق الذي تناهزُ آلامُه الصامتةُ مجموعَ آلامِ الأمةِ المعلنة.

وأمام أيقونةِ رانيا العباسي وأسرتِها، وهي صورةٌ شائعةٌ ومكررةٌ في أرجاءِ بلادِنا العربيةِ وأقاليمِنا الإسلامية، لا بدَّ من طرحِ سؤالِ الوقتِ الجادِّ، وهو:

كيف تخرجُ شعوبُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ من حالةِ الذلِّ واستباحةِ أعراضِها ودمائِها على نطاقٍ واسع، في واقعٍ تداخلت فيه مشاريعُ الهيمنةِ والصراعاتِ المتعددة، حتى باتت المآسي تتكررُ في غزة وجنين ودمشق وحمص وصنعاء والخرطوم وبغداد، على نحوٍ جعل سقطَ المتاعِ وحطبَ جهنم يمارسون إجرامَهم بلا حسيبٍ ولا رقيب، ولا خوفٍ ولا وجل؟

الجواب:

لن تتوقفَ المذابحُ في شعوبِ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ ما دامت لا تملك مشروعًا سياسيًّا يعبرُ عن مجموعِها، لا سيما بعدما زال الإطارُ السياسيُّ الذي كان يعبرُ عن هويتها الثقافية. وفي ظلِّ وجودِ الدولِ الوطنيةِ التي صنعها الغربُ عن وعيٍ كبديلٍ عن الإطارِ السياسيِّ المعبرِ عن الأمةِ والجامعِ لها، فإنَّ المشروعَ الإسلاميَّ النهضويَّ يحتاجُ إلى عقولٍ فذَّةٍ، ونفوسٍ راقيةٍ، ومواقفَ جريئةٍ، يُغبِّشُ عليه اليومَ شريحةٌ من النخبِ التي ربطت على خصرِها زنارَ الرقص، وبدأت تميِّعُ شكلَ الواجبِ في سياقِ تزلُّفِها الرخيصِ لحكامِ الوقتِ العابرين.

وبكلمةٍ يمكنُ القولُ:

إنَّ واجبَ الوقتِ هو بلورةُ مشروعٍ سياسيٍّ عمليٍّ واقعيٍّ معبِّرٍ عن الأمةِ التي تجمعُها وحدةٌ ثقافيةٌ قائمةٌ على القرآنِ والسنة. ولعلَّ ما تعيشُه الأمةُ من ظروفٍ يجعلُ الأرضَ غايةً في الخصوبةِ لمثلِ هذا المشروعِ الذي تتعطشُ له الشعوب، وهي مستعدةٌ لأن تقدِّمَ أضعافَ ما قدَّمته في حقبةِ الربيعِ العربي، على أن ترى مشروعًا قويمًا واضحًا، وقيادةً تتميزُ بالفهمِ والصدقِ وشجاعةِ الموقفِ والانحيازِ لعمومِ الأمة.

الأمرُ الذي يشيرُ إلى موطنِ العَوَرِ الحقيقي، وهو عدمُ تشكُّلِ تلك القيادةِ كخطوةٍ رئيسيةٍ نحو مشروعٍ واعد، وأمةٍ تنتظرُه بشوقٍ كبير، ودماؤُها المسفوكةُ ما تزالُ تسيل.

أَزْمَةُ الأُمَّةِ في القِيادَةِ وَضَعْفُهَا فِي المَشْرُوعِ

أمام حجمِ الدماءِ المهدورةِ والأعراضِ المنتهكةِ في دمشقَ وغزةَ والخرطومِ وصنعاءَ وبغدادَ وكردستانَ وشرق الصين وبنغلاديش ومواطنِ الشدةِ الأخرى، لم تَعُدْ هناك مساحةٌ للمجاملةِ أو التراخي في قولِ الحقيقة. وأقولُ بكلِّ وضوحٍ:

إنَّ الجرأةَ والنَّباهة في طرحِ مشروعٍ نهضويٍّ عمليٍّ واقعيٍّ تراكميٍّ مسألةٌ واجبة، وهي في متناولِ كوكبةٍ متوفرةٍ من نخبِ الأمةِ الواعيةِ وعلمائِها الصادقين، غيرَ أنَّ الرقمَ الصعبَ في المعادلةِ هو تشكُّلُ القيادةِ المؤمنةِ الواعية التي لا بدَّ أن تتهيأَ لدفعِ الثمن بتجاوزها للأصنام الفكرية والحظوظ الدنيوية، ابتداءً من تجاوزِها لصنمِ القُطرية، وترفُّعِها عن الدونيةِ المالية، وتمسُّكِها بعزتِها واستقلالِ قرارِها أمام النُّظم الحاكمةِ وأمام ضغط واغراءات الأجنداتِ الخارجية.

وهنا فإننا سنجدُ أنفسَنا أمامَ نموذجين ربانيين: أصحابِ الكهفِ، وأتباعِ طالوتَ عليه السلام، وقد تجسَّدت معانيهما في أكملِ صورها في سيرةِ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وصحبِه الكرام المعدلين بنص القرآن الكريم. فهل نهتدي بهديهم، ونقتدي بهم من جديد؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 31/5/2026

الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!

 الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!

سليم عزوز


انتَقَلنا في الكتابة من الطقوس إلى النظرية العلمية؛ فباحثة من النرويج توصلت، من خلال دراسة على المخ، إلى الفروق في نشاط الدماغ بين الكتابة اليدوية والكتابة على الكيبورد، فهل أصدقها وأكذب نفسي؟!
أتذكر عندما انتشَرت الكتابة بواسطة الكيبورد، أن من بين الكُتَّاب من كان يقول إن هذا هو المستحيل بعينه، فالإلهام لا يتنزل عليه إلا وهو ممسك بالقلم ليكتب به، وينشط به قريحته، وهو يحك به فروة رأسه محاولًا الإمساك بالفكرة المراوغة، أو بالجملة التالية، وهكذا.
وقبل أربعين عامًا نَشرت صفحة الأدب بجريدة «الأخبار» اليومية تحقيقًا صحفيًا يحمل عنوان «كيف يبدعون؟»، وتحدث فيه عدد من الأدباء الكبار عن طقوسهم في الكتابة ولحظة التجلي أو الإلهام، وكل واحد منهم وطريقته، التي تختلف عن الآخر، فهناك من يكتب صباحًا، ومن يكتب إذا جن الليل وحل السكون، وهناك يوسف إدريس الذي يظل الليل كله يطارد فكرة للإمساك بها وهي تتمنع، حتى الصباح، فينظر من شرفة منزله، ويحسد عامل النظافة الذي وقف يستريح متكئًا على عصا مِقَشَّته!
وكان من فضول القراء معرفة نوع القلم الذي يكتب به الكاتب، ولا أدري لماذا لم تستغلهم مصانع الأقلام في الترويج لمنتجاتها بهذه الطريقة، ولست متأكدًا أن كاتبًا كبيرًا يمكن أن يوافق على استغلاله في الدعاية لمنتج، ولو كان قلمه المفضل!
وكان من عادة الكُتَّاب أن تُلتقط لهم صور للنشر مع إنتاجهم، فقد كان للقلم في هذه الصور نصيب، فهناك من كانوا ينشرون مقالاتهم مع أقلامهم وبأوضاع مختلفة، بشكل لا يظهر نوع القلم أو ماركته، وكان الشائع هذه الصورة التي يضع فيها الكاتب رأسه على راحته، أو يمسك بسماعة التليفون المنزلي أو المكتبي، وقد ظلت مجلة «المصور» تنشر مقال الساخر الكبير محمود السعدني مع صورته بالسماعة، حتى ظهور الهاتف النقال!
وكان البعض يطلب أحيانًا من كاتب أن يهديه قلمه، وكأنه سينتقل إليه بإلهامه، وفي ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب قديمًا، قالت فتاة ليوسف إدريس، بعد محاضرة له، إنها في بداية حياتها الصحفية وتريد منه أن يهديها قلمه، وكتبت هذا في ورقة أرسلتها له عبر جامع الأسئلة من القاعة، وبعد أن قرأها بصوت مسموع، طلب منها أن تأتي لاستلام هديتها، فكشفت عن نفسها!
ويبدو أنها فهلوة الأجيال الجديدة، وكل جيل جديد يظن أنه على درجة من الذكاء، بشكل يجعله يمارس «الشطارة» على الأجيال السابقة لأنهم «دقة قديمة». فلما كان اليوم التالي أرسلت للمنصة نفس الرسالة، ولكنها إلى الكاتب صلاح منتصر، الذي استهان بالسؤال، وأعلن أنه لا قلم ثابتًا له، وأنه يكتب بأي قلم. وقطع عليها الطريق لكي تتحول إلى جامعة أقلام كبار الكُتَّاب، ولم تعد لهذا الأسلوب مع آخرين من كبار الكُتَّاب.
لقد بدأتُ حياتي المهنية مع رحلة البحث عن نوع ملائم من الأقلام، ومن الجاف إلى الحبر، إلى أن اهتديت إلى القلم الاختراع، الذي لا يزال يلازمني إلى الآن، لأدون به ملاحظاتي الجانبية، بعد الانتقال إلى الكيبورد، ولا أعرف إن كان كتابة اسمه من الدعاية المنهي عنها مهنيًا أم لا؟!
وكل كان يختار قلمه حسب طبيعته الخاصة، وكنت بحاجة إلى قلم سيال، بغض النظر عن لونه، فأتنقل بين ألوانه، لكن عندما كنا محررين صغارًا لم نكن نستخدم ألوانًا سوى الأسود والأزرق، وأحيانًا نكتب العناوين الفرعية باللون الأحمر للتمييز، ربما لنعوض حرمانًا من هذا اللون، الذي كان حكرًا على المعلمين، يستخدمونه في تصحيح الاختبارات والواجبات المدرسية!
كنت، كأي عصبي، لا أميل إلى الأقلام الجافة التي أضغط عليها فيرهقني الضغط، ويشعرني بالتعب، كما أنني بحاجة إلى سيولة ليمشي القلم على الورق، لعله يستوعب تدفق الأفكار، ولهذا ولغيره أعتبر الانتقال للكتابة على الكمبيوتر اختراعًا عظيمًا؛ لأنه مهما كان تدفق القلم، فإنه لا يعادل الكيبورد، كما أن القلم، في مسيرته لصياغة الأفكار، ينتج كلمات غير واضحة، وكنت أبذل جهدًا مضاعفًا في فك هذه الرسوم!
وقد بدأت الكتابة على الكمبيوتر قبل سبعة وعشرين عامًا، ومنذ البداية لم أشعر بقصة الإلهام الذي لا يتنزل إلا إذا أمسكنا بالقلم، ورأيي أن الطقوس جميعها هي مسألة اعتياد لا أكثر، بيد أن عالمة الأعصاب النرويجية أودري فان دير مير أكدت أن الكتابة بالقلم أكسب، وأن نشاط الدماغ يكون أكثر من نشاطه عند الكتابة بالكيبورد.
ربما نكتب بنصف دماغ!

السبت، 30 مايو 2026

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

مصطفى البرغوثي

في خطوة تكشف بوضوح الطبيعة الحقيقية للمخططات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، قراره احتلال 70% من قطاع غزّة، في تصعيد خطير لا يمكن وصفه إلا بأنه تجديدٌ مباشرٌ لحرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أبناء شعبنا أكثر من عامين. لا يمثّل هذا القرار مجرّد إجراء عسكري أو تكتيكاً حربياً، بل يشكل جزءاً من مشروع متكامل للتطهير العرقي، يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتدمير مقوّمات حياتهم الوطنية والإنسانية.

تتضاعف خطورة هذا الإعلان لأنه يأتي مترافقاً مع تصريحات سابقة لوزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، عمّا سمّاها "الهجرة الطوعية" لسكان غزّة، وهي تسمية مضللة لعملية تهجير قسري ممنهجة، ترقى إلى مستوى جريمة حرب مكتملة الأركان. فالحديث عن السيطرة على غالبية مساحة القطاع يعني عملياً دفع أكثر من مليوني فلسطيني إلى مزيدٍ من الحصار والتجويع والتشريد، وتحويل غزّة إلى منطقة غير قابلة للحياة، في محاولةٍ لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية والإرهاب الجماعي، خصوصاً بعد أن أقدمت حكومة نتنياهو على مسح كل وجود للحياة أو البناء في المناطق التي تحتلها من قطاع غزّة، والتي وصلت نسبتها حتى إعلان نتنياهو إلى 64% من مساحة القطاع، في ما يمثل تكراراً حرفياً للتدمير الذي قامت به عصابات الحركة الصهيونية وحكومة إسرائيل في ما لا يقل عن 523 قرية وبلدة فلسطينية عام 1948، وينتمي إليها كثيرون من سكان قطاع غزّة اللاجئين، الذين تطاردهم إسرائيل بالتطهير العرقي المرّة تلو الأخرى.

أثبتت الشهور الماضية أن حكومة نتنياهو لا تعبأ بأي قانون دولي أو اعتبارات إنسانية، بل تستند إلى شعور كامل بالإفلات من العقاب نتيجة التواطؤ الأميركي والصمت الدولي المخزي. فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتكب جيش الاحتلال ما يقارب ثلاثة آلاف خرق موثق للاتفاق، أدّت إلى استشهاد نحو 930 فلسطينياً وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف، رغم أن الجانب الفلسطيني لم يقابل هذه الخروق بأي ردٍّ عسكري. ومع هذا، لم نشهد أي تحرّك دولي جدّي لمحاسبة إسرائيل، أو حتى ممارسة ضغط فعلي عليها لوقف جرائمها.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية

شجّع هذا الصمت الدولي نتنياهو على المضي في سياسات التوسع والاحتلال وتجديد العدوان. بل إن نتنياهو، من خلال إعلاناته المتكرّرة وخروقه المتواصلة، لم يتردّد في إهانة جميع الوسطاء الدوليين والعرب، بما فيهم الإدارة الأميركية نفسها، والرئيس دونالد ترامب، وكل الجهات التي تحدثت عن ترتيبات لوقف الحرب أو ما يسمّى "مجلس السلام". ورغم هذا، ما زال الموقف الأميركي يفتقر إلى أي إجراءات رادعة حقيقية، بينما تواصل بعض الدول الغربية تقديم الغطاءين، السياسي والعسكري، لحكومة الاحتلال.

لا يمكن فصل ما يجري في قطاع غزّة عما يحدث في الضفة الغربية، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين الإرهابيين وعمليات التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية اليومية، في إطار مشروع استعماري واحد، هدفه تكريس الاحتلال ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم أكثر القوى تطرّفاً وعنصرية في تاريخ إسرائيل، تسعى إلى استغلال حالة العجز الدولي لفرض وقائع نهائية على الأرض عبر القوة العسكرية والإرهاب المنظم، مضمونها الضم والتهويد والتطهير العرقي.

لقد بات واضحاً أن الحركة الصهيونية لا تريد سلاماً ولا حلاً سياسياً، بل تسعى إلى فرض معادلةٍ تقوم على التهجير والإخضاع بالقوة العارية. وما يجري اليوم في غزّة يمثل أخطر مرحلة في المشروع الإسرائيلي منذ عقود، لأن الهدف ليس فقط إخضاع الفلسطينيين، بل محاولة اقتلاعهم بالكامل وتصفية القضية الفلسطينية ومحاولة تحويل ما يتبقى منها إلى مسألة إنسانية بلا أبعاد سياسية أو وطنية. وقد تجاوزت وقاحة نتنياهو كل الحدود، عندما أعلن تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم ليس فقط كل فلسطين والأردن ولبنان، بل ثلثي سورية ونصف العراق وجميع الكويت وثلث السعودية ونصف مصر. وللأسف لم يسمع نتنياهو ردّاً حاسماً على هذه الوقاحة.

ستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة إليه

ومن هنا، تقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وخصوصاً الدول العربية والإسلامية ودول الاتحاد الأوروبي، التي لا يجوز لها الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة الشكلية. المطلوب اليوم اتخاذ خطوات عملية وفورية لوقف هذا الانحدار الخطير نحو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. فقد أصبح فرض مقاطعة شاملة وعقوبات فورية على حكومة نتنياهو ضرورة ملحة، بما في ذلك فرض حظر عسكري كامل ووقف كل أشكال التعاون التي تساهم في استمرار العدوان، فالتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تمارس الاحتلال والعنصرية والأبارتهايد لا تتراجع إلا تحت ضغط حقيقي وعزلة دولية شاملة، كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كذلك إن القوى الحية في العالم، من حركات التضامن والنقابات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبة اليوم بتصعيد حملات المقاطعة والعزل السياسي والأكاديمي والاقتصادي لإسرائيل، دفاعاً عن القيم الإنسانية وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والاستقلال.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية. وكل محاولات كسر إرادته أو تهجيره ستفشل كما فشلت كل المشاريع الاستعمارية السابقة. فغزة، التي أصبحت رمزاً عالمياً للصمود والمقاومة الإنسانية، ستبقى شاهدة على فشل القوة العسكرية في إخضاع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها.

وإذا لم يتحرّك العالم اليوم لوقف هذه الجرائم، لن تتوانى إسرائيل عن تجديد حرب الإبادة وستجر المنطقة بأسرها إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية الكاملة عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة بكاملها إليه. ... فمتى يأتي الردّ على نتنياهو؟

وقفات مع آيات (30).. النجاة في القرآن

 وقفات مع آيات (30).. النجاة في القرآن



وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن النجاة، لا بوصفها حادثة عابرة، بل بوصفها سنّة من سنن الله في عباده؛ فهو سبحانه ينجي من يشاء برحمته، ويفتح لعباده أبواب الفرج حين تضيق عليهم الأسباب.

ويتكرر هذا المعنى في قصص الأنبياء، ومن ذلك قوله تعالى في شأن يونس عليه السلام:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ 

فقد كان في ظلمات متراكبة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فنادى ربه بقلب منكسر: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فجاءت الاستجابة، وجاء معها هذا الوعد الواسع: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. 

فكأن الآية تقول: ليست هذه النجاة خاصة بيونس وحده، بل باب الله مفتوح لكل مؤمن صدق في لجوئه، وأخلص في دعائه، واعترف بضعفه وتقصيره.

والنجاة في القرآن لها معنيان كبيران: 

نجاة خاصة بأهل الإيمان والتقوى، وهي نجاة نصر ورحمة وتثبيت ومآل حسن، ونجاة عامة قد تقع لبعض الناس في الدنيا، رحمةً وإمهالًا وفتحًا لباب الرجوع. غير أن أعظم النجاة أن ينجو العبد بدينه وقلبه، وأن يردّه الخوف إلى ربه، لا أن يخرجه من خطر عارض فحسب.

وقد عرفت معنى النجاة معرفة قريبة حين اقتربت يومًا من الموت. كان ذلك في ماليزيا، قبل أكثر من ربع قرن، في أول سفرة لي إلى شرق آسيا. كنت مع أحد أقاربي، وذهبنا إلى شلال يبعد بضع ساعات عن كوالالمبور. نزلنا نسبح في النهر، في موضع ظننته غير عميق؛ فأنا لا أتقن السباحة، وإن كنت أستطيع التحرك داخل الماء دقائق معدودة.

اقتربت قليلًا من الشلال، وفجأة شعرت بشيء يجذبني إلى الأسفل. حاولت الابتعاد، لكن الشد كان يزداد، وقوتي تضعف. كنت أقاوم لأبقى على سطح الماء، ثم أغيب، ثم أعود، ثم تغلبني الدوامة من جديد. أدركت حينها أن الأمر ليس خوفًا عابرًا؛ لقد كنت في قبضة دوامة مائية لا ترحم.

صرخت بأقوى ما أستطيع. وكان بالقرب مني شاب ماليزي، يبدو أنه سباح ماهر، فانتبه إلى حالي، وأسرع نحوي، وأمسك بي، ثم أخذ يسحبني بعيدًا عن موضع الدوامات حتى أوصلني إلى الضفة. خرجت من الماء منهكًا، وسقطت شبه مغشيٍّ عليّ من هول الصدمة والخوف.

في تلك اللحظة رأيت الموت أمام عيني، وشعرت بمعنى أن يكون الإنسان عاجزًا تمامًا، لا يملك من أمره شيئًا. كنت أدفع عن نفسي، وأحاول النجاة، لكن النجاة لم تكن بقوتي ولا بحيلتي، وإنما بلطف الله الذي سخّر لي ذلك الشاب في اللحظة المناسبة.

حمدت الله كثيرًا، وبقي ذلك الموقف درسًا لا أنساه: أن الإنسان قد يكون بينه وبين الهلاك لحظات، ثم يفتح الله له باب نجاة من حيث لا يحتسب. 

ومن عرف ضعفه في مثل تلك اللحظات، أدرك أن المنجي على الحقيقة هو الله، وأن العبد مهما أخذ بالأسباب، فلا نجاة إلا برحمته ولطفه.




وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس