الجمعة، 22 مايو 2026

في انكشاف لعبة سرديات الصهاينة الزائفة وانهيارها

في انكشاف لعبة سرديات الصهاينة الزائفة وانهيارها

نيقولاوس فان دام

خلال سنوات عملي في وزارة الخارجية الهولندية، نشرتُ القليل عن فلسطين وإسرائيل، ليس أقلّه لأن هذا لم يكن ليُقبل في ظل القواعد السائدة آنذاك. فعلى الرغم من أن النشر كان مسموحاً به رسميّاً، كان على المرء أن يأخذ في الحسبان العواقب السلبية المحتملة، سيما عندما تنحرف النصوص عن السياسة الرسمية. وقد رأى بعض المسؤولين أن مسيرتهم المهنية تضرّرت بعد نشر مقالات اعتُبرت شديدة الانتقاد، بينما نجا آخرون، بمن فيهم أنا، من مثل هذه التداعيات.

في بداياتي داخل الوزارة، كان عليّ أن أعتاد على حقيقة أن التعبير عن التعاطف مع القضية الفلسطينية لم يكن أمراً بديهيّاً، حتى وإن كان مبررّاً بالكامل. ففي أحد الاجتماعات المنعقدة في إطار الحوار الأوروبي- العربي في لاهاي، ألقى ممثل جامعة الدول العربية خطاباً حماسيّاً دعم فيه الفلسطينيين. وانفجر الحضور بالتصفيق، فانضممتُ إليهم بحماس. غير أنني، عندما التفتُّ بضع مقاعد إلى يساري، حيث كان يجلس رئيسي المباشر، رأيته ينظر إليّ بنظرة عتاب، فتصفيقي لم يكن يعكس سياسة الحكومة الهولندية، ولذلك ما كان له أن يحدُث.

في ذلك الوقت، كنت أعتقد أن ما هو سليم علميّاً أو أكاديميّاً لا يمكن الطعن فيه بصورة معقولة لأسباب سياسية. وقد تبيّن أن هذا الافتراض كان ساذجاً، فالتقارير التي كانت تُكتب بصفة مراقب يُفترض فيه الموضوعية حول تطورات الشرق الأوسط لم تكن تلقى دائماً ترحيباً عندما لا تنسجم مع الخط السياسي للوزير أو الحكومة. ولطالما واجهتُ صعوبةً مع الحالات التي لا تُبدي فيها الحكومة استعداداً للإصغاء بجدّية إلى آراء الخبراء. ففي هذه الحالات، كان الجهل يميل إلى أن يسود. أو ربما كان الأمر مجرّد تجاهل متعمّدٍ تدفعه دوافع سياسية أو انتهازية سياسية. وأحياناً ربما لم يكن المسؤولون الحكوميون مدركين جهلهم هم أنفسهم، إذ كان تفكيرهم مدفوعاً أكثر بالتعاطف والانحياز منه بالتحليل العقلاني. وقد تناولتُ لاحقاً هذا التوتر في محاضرة ألقيتها في جامعة لايدن بعنوان: "عدم أهمية البحث الأكاديمي في صنع السياسة الخارجية".

التعاطف مع القضية الفلسطينية لم يكن أمراً بديهيّاً، حتى وإن كان مبررّاً بالكامل

وأتذكر سفيراً هولنديّاً في بيروت كان، في سبعينيات القرن الماضي، يرفع تقارير موضوعية عن القصف الإسرائيلي للبنان. وكانت ردة فعل بعض الشخصيات الأساسية في الوزارة ساخرةً ومستخفّةً: "لقد فقد هذا الرجل صوابه تماماً". وعن دبلوماسي آخر كان قد زار مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، قيل: "كأنه أصبح فلسطينياً بالكامل!".

في سنواتي الأولى في لاهاي، حين كنت أعمل في الإدارة السياسية لشؤون الشرق الأوسط، تلقّى وزير الخارجية مرّة طلباً غير مألوف. فقد سعى مهندس هولندي إلى الحصول على دعم مالي لمشروع يتعلق بغزّة، قدّمه بوصفه "مساهمة عملية" في حل القضية الفلسطينية. وبحكم شهرة الهولنديين في أعمال استصلاح الأراضي وتجفيف البحار، رأى أن بإمكانهم أن يؤدّوا دوراً خاصّاً في هذا المجال. وكان اقتراحه بسيطاً بقدر ما كان لافتاً: لماذا لا يتم إنشاء مساحة من الأراضي المستصلحة، تمتد على عدة كيلومترات مربعة، في البحر قبالة ساحل غزّة؟ ويمكن نقل فلسطينيي قطاع غزّة إلى هذه الجزيرة الاصطناعية الجديدة، ما يخفف الضغط السكاني، بينما يحصل المستوطنون اليهود في غزّة على مساحة أكبر.

وقد طُلب من إدارتنا إعداد ردٍّ على هذا المقترح. وتبعاً لقاعدة عامة، كانت كل رسالة تُوجَّه إلى الوزير، مهما بدت غير مألوفة، تستحق جواباً، ولو مجرّد إشعار مهذّب باستلامها. لكنني، بحكم قلة خبرتي الإدارية آنذاك، شعرتُ بأن هذا الاقتراح، الذي بدا لي غير واقعي تماماً، إن لم يكن مُشيناً، لا يستحق أي ردّ، وربما كان من الأفضل أن يُودَع بهدوء في أحد الملفات. ومن الناحية التقنية، ربما كان الاقتراح مثيراً للاهتمام، أما سياسيّاً فكان غير مقبول إطلاقاً. وكان يكفي فقط عكس المنظور. تخيّلوا اقتراحاً يقضي بنقل جميع اليهود الإسرائيليين إلى جزيرة اصطناعية قبالة سواحل إسرائيل لكي يتخلص الفلسطينيون منهم. عندئذٍ كان من المؤكد أن يُتَّهم صاحب الاقتراح بمعاداة السامية، بغض النظر عن حسن نياته أو افتقاره إلى الوعي السياسي.

غير أن رئيسي الأكثر خبرة كان له رأي مختلف. فقد اعتبرها فكرة مبتكرة تستحق ردّاً مهذباً، مقترحاً أن نشكر المهندس على ابتكاره، مع توضيح أن الوزارة لا تملك الموارد المالية اللازمة لتنفيذ هذا المشروع. وهكذا، وفي الوقت المناسب، أُرسلت رسالة مهذّبة بهذا المعنى باسم وزير الخارجية.

وفي عام 1978 وقع توغل عسكري إسرائيلي واسع في لبنان، وقد استخدمتُ في مذكرة داخلية مصطلح "الغزو" الإسرائيلي. غير أن رئيسي غيّره إلى "عملية"، لإعطاء الانطباع بأن ما يجري أقل خطورة مما هو عليه. وجدير بالذكر أن هذه "العملية" (مع بعض فترات الانقطاع) لا تزال مستمرّة، مترافقة مع عمليات قتل ودمار إسرائيلية واسعة. ولم يكن حزب الله موجوداً في ذلك الوقت؛ إذ لم يظهر إلا لاحقاً نتيجة الغزو الإسرائيلي لبنان عام 1982، تماماً كما تأسّست حركة حماس في ديسمبر/ كانون الأول 1987، بعد فترة قصيرة من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي.

المصطلحات مهمّة بطبيعة الحال، فقد كانت الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 تُوصَف في البداية في إسرائيل بأنها "الأراضي المحتلة"، ثم أصبحت تُسمّى "الأراضي المُدارة" أو "الأراضي المحتجزة"، ثم اختُزلت التسمية لاحقاً إلى مجرّد "الأراضي"، وكأن الاحتلال لم يعد قائماً. وفي الوقت نفسه، بدأ يُشار إلى الضفة الغربية المحتلة بأسمائها التوراتية: يهودا والسامرة. بل جادل رئيس الوزراء مناحيم بيغن، في اجتماعنا مع وزير الخارجية الهولندي كريس فان دير كلاو عام 1981، بأن الأمر لا يتعلق أصلًا بـ"احتلال"، قائلًا: "كيف يمكن لكم الحديث عن احتلال شيء هو ملك لكم أصلاً؟".

تخيّلوا اقتراحاً يقضي بنقل جميع اليهود الإسرائيليين إلى جزيرة اصطناعية قبالة سواحل إسرائيل لكي يتخلص الفلسطينيون منهم

أما النسخة الإنكليزية من قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242 لعام 1967، فتتحدّث عن "انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراضٍ احتُلّت في النزاع الأخير". فهي لا تشير إلى "الأراضي المحتلة" بصيغة التعريف، بل تستخدم تعبيراً عاماً ومبهماً هو "أراضٍ احتُلّت"، ما أحدث، في البداية، انطباعاً بأن إسرائيل قد لا تكون مطالبة بالانسحاب من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967. ومع ذلك، وبما أن القرار نفسه شدّد على "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب"، فقد كان واضحاً أن المقصود هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل. وفي حل وسط، أُدخل غموض متعمَّد (ما يسمى الغموض البنّاء)، لأنه لولا هذا لما كان القرار قد اعتُمد.

ومن خلال الإبقاء سنوات على هذا الغموض بشأن ما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تنسحب بالكامل إلى حدود ما قبل 1967، أُتيحت لها تدريجيّاً فرصة الاستيلاء على الأراضي بصورة غير قانونية وإقامة المستوطنات من دون إثارة احتجاجات واضحة من المجتمع الدولي الغربي. وقد تجلّت حساسية هذه القضية في هولندا عندما جرى، في أوائل 1974، تعليق مهام الناطق باسم وزير الخارجية الهولندي، كريستيان توركوف، لأنه قدّم علناً تفسيراً غير مطابق للسياسة الهولندية، حين أوحى بأن على إسرائيل الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة، الأمر الذي أثار انتقاداتٍ داخل مجلس النواب الهولندي.

بعد فترة قصيرة من حرب الأيام الستة، كان الموقف السائد في سورية على النقيض، ففي 1970، تحدثتُ في حلب مع أحد أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأشرتُ إلى "الأراضي المحتلة". ولأنه استنتج من كلامي أنني أعترف بإسرائيل، ردّ عليّ بشيء من الانزعاج قائلًا: "أي أراضٍ محتلة تقصد بالضبط: أراضي 1948 أم أراضي 1967؟". في ذلك الوقت، كانت وسائل الإعلام السورية تتحدث فقط عن "فلسطين المحتلة" و"الكيان الصهيوني". ثم ظهرت لاحقاً كلمة "إسرائيل" بين علامتي تنصيص. وفي نهاية المطاف، اختفت حتى هاتان العلامتان من الصحافة السورية. وكان هذا يعكس عملية تدريجية من تقبّل إسرائيل ضمن حدود ما قبل 1967.

وعندما رافقتُ وزير خارجيتنا فان دير كلاو إلى سورية عام 1978، سأل وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام نظيره الهولندي عمّا إذا كان يؤيد فكرة قيام دولة فلسطينية إذا كان الفلسطينيون أنفسهم يريدون هذا. 

وأضاف: أليست هولندا تعترف بحق الشعوب في تقرير المصير؟ فأجاب فان دير كلاو بالإيجاب، مؤكدًا أنه يؤيد فكرة الدولة الفلسطينية في تلك الحالة، وكان يعني ما قاله فعلًا. وقد دوّنتُ ذلك بأمانة في التقرير، غير أن رئيسي في الوزارة حذف هذه الفقرة "لأنه كان عليك أن تحمي الوزير من نفسه". 

فبحسب رأي رئيسي، على الأقل، كان من المفترض أن يأخذ الوزير في الاعتبار بالكامل الرأي العام الهولندي المؤيد بقوة لإسرائيل، رغم أنه كان يمتلك السلطة السياسية التي تخوّله اتباع خط مختلف. لكن رئيسي كان محقّاً من زاوية معيّنة، إذ كان يمكن أن يضرّ الاعتراف العلني، في ذلك الوقت، بفكرة الدولة الفلسطينية بصورة خطيرة بالموقع السياسي الداخلي للوزير في هولندا.

المشكلة لا تكمن في نقص بيانات الإدانة، بل في غياب القوة، أو بالأحرى غياب الإرادة لاستخدامها

وخلال فترة عملي في وزارة الخارجية، نشرتُ دراسات عن سورية والعراق، رغم أن القضايا التي تناولتها (الطائفية والعشائرية والإقليمية، وهي موضوعات أطروحتي للدكتوراه)، كانت شديدة الحساسية. وغالباً ما تُعدّ من المحرّمات في تلك البلدان. ومع هذا، بدا أن هذه المنشورات مرّت إلى حدّ كبير من دون أن تُلاحظ داخل وزارة الخارجية في لاهاي. أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فكان الوضع مختلفاً؛ إذ لم يكن النقد يُقبَل بسهولة، سيما في العلن. أما داخليّاً، فقد تناولتُ القضية بصورة أكثر مباشرة. ففي مؤتمر للسفراء عام 1984، ألقيتُ محاضرة عن السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس طائفية وإثنية، وهي سياسات تدميرية أصبح من الواضح بصورة متزايدة، خلال العقود الأربعة الماضية، حجم آثارها، بينما كانت في ذلك الوقت تُعتبر إلى حد كبير أمراً مسلّماً به.

في 1981، وفي أثناء عملي في بيروت، عُيّنتُ أميناً لبعثة الشرق الأوسط التابعة للرئاسة الأوروبية الهولندية، وأُتيحت لي فرصة فريدة لمرافقة وزير خارجيتنا، فان دير كلاو، نحو خمسة أشهر في زيارات إلى إسرائيل و14 دولة عربية. وكانت تلك تجربة فريدة ومثيرة، وأعتقد أنها كانت أوسع بعثة أوروبية إلى الشرق الأوسط. وقد أجرينا محادثاتٍ مهمّة مع ملوك وأمراء ورؤساء وشيوخ وسلاطين وأمراء، إضافة إلى رؤساء حكوماتهم ووزراء خارجيتهم وغيرهم من المسؤولين الحكوميين. والسؤال المطروح: ماذا بقي من هذه الجهود الأوروبية، ومن الجهود اللاحقة، للمساعدة في التوصّل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي بعد نحو 45 عاماً؟ أخشى أن الجواب: لا شيء إيجابي. ... فقد ظلت التصوّرات الإسرائيلية لمفهوم "العدالة" متعارضة جذريّاً مع ما يراه معظم العرب عدالة، الأمر الذي جعل التوصل إلى تسوية وسط أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

لا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمرّاً بلا هوادة، من دون أي حل مُرضٍ يلوح في الأفق؛ بل على العكس، يزداد الوضع سوءاً

وبالنظر إلى الماضي، يمكن للمرء أن يتساءل عن جدوى هذه البعثة والعديد من الجهود الأوروبية الأخرى. لقد مرّ ما يقرب من 60 عاماً على حرب 1967. فما الذي تغيّر؟ أو بالأحرى: ما الذي تحسّن؟ في الواقع، لا شيء يُذكر بالمعنى الإيجابي. فمن وجهة النظر الفلسطينية والعربية، تدهور الوضع بشكل خطير، والسبب الرئيسي أن كل ما قامت به إسرائيل تقريباً جرى التسامح معه، بل وتشجيعه أحياناً.

ولطالما تساءلتُ عمّا إذا كان من الممكن ألا نكون قد رأينا ذلك كله قادماً منذ عقود. ففي بعثتنا عام 1981، أخذنا الإسرائيليين على محمل الجد، وكنا نأمل، بسذاجة تبدو واضحة عند النظر إلى الماضي، أن يصبحوا أكثر "قابلية للاحتكام إلى العقل" خدمةً للسلام. ولكن يمكن القول أيضاً إننا لم نأخذ الإسرائيليين على محمل الجد إطلاقاً، لأننا كنّا نأمل أن يفعلوا شيئاً مختلفاً عمّا كانوا يعلنونه باستمرار. لقد اعتقدنا أن مفهوم "العدالة" سينتصر في نهاية المطاف داخل إسرائيل، ولا يزال بعضهم يعتقد هذا. غير أن التفكير القائم على التمنيات كان متفشياً آنذاك، ولا يزال.

ولا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمرّاً بلا هوادة، من دون أي حل مُرضٍ يلوح في الأفق؛ بل على العكس، يزداد الوضع سوءاً. وتتحمل معظم الدول الغربية مسؤولية مشتركة عن هذا بسبب سياستها، عقوداً، القائمة على التسامح مع إسرائيل ودعمها، وبسبب عدم استعدادها لتطبيق المبادئ والمعاهدات التي أعلنت هي نفسها التزامها بها ووقّعتها. ففي هذه القضية، ثبت بوضوح أن "عدم القيام بأي شيء"، باستثناء إطلاق تصريحات فارغة لا تُحصى، كان خطأً فادحاً، فالمشكلة لا تكمن في نقص بيانات الإدانة، بل في غياب القوة، أو بالأحرى غياب الإرادة لاستخدامها.

ظلّ جزءٌ كبيرٌ من العالم الغربي خاضعاً، أكثر من 80 عاماً، لتأثير دعاية "الهسبارا" الإسرائيلية، والعنصرية الاستعمارية

في 1998، وفي أثناء عملي سفيراً في تركيا، نشرتُ كتاب "السلام الذي لم يتحقّق" بالاشتراك مع الصحافي الهولندي يان كويلِن. تناول الكتاب فلسطين وإسرائيل، إضافة إلى تجاربي في لبنان والأردن وفلسطين وليبيا والعراق ومصر. وقبيل صدور الكتاب، أجريتُ عدة مقابلات نُشرت في الصحف والمجلات يوم صدوره الرسمي. وقد اخترتُ عدم عرض المخطوطة مسبقاً على الوزارة، لأنني توقّعت أن يُطلب إجراء اقتطاعات جوهرية منها، كانت ستجعل من الصعب عليّ تحمّل المسؤولية الشخصية الكاملة عن النص النهائي. فضلًا عن هذا، كان العرض المسبق سيعني ضمناً تقاسم المسؤولية مع الوزارة، وهو ما فضّلت تجنّبه.

مع ذلك، طلبتُ من صحافي صديق أن يراجع المخطوطة بهدف إزالة أي حساسيات غير ضرورية. وقد قدّم لي عدة اقتراحات مفيدة. وبعد ظهور التغطية الإعلامية الأولى، تلقيتُ اتصالاً عاجلاً من قسم الصحافة في الوزارة يسألني عن سبب تقديمي الكتاب مسبقاً إلى الوزارة. فأجبت: "كونوا سعداء لأنني لم أرسله إليكم مسبقاً، وإلا لكنتم الآن مضطرّين إلى التعليق عليه". ولم تنشأ بعد ذلك أي مشكلات. وبعد فترة قصيرة، تم ترشيحي سفيراً لدى ألمانيا، وهي من أهم البعثات الدبلوماسية الهولندية في الخارج.

ومن المذهل حقّاً كيف أن الجزء الأكبر من العالم الغربي استطاع أن يكون أعمى إلى هذا الحد، ولا يزال يتظاهر بهذا، تجاه سلسلة متواصلة من جرائم الحرب الإسرائيلية، والاحتلال، وانتهاكات حقوق الإنسان، والتطهير العرقي، والتمييز العنصري، وانتهاكات القانون الدولي، والخداع والأكاذيب. لقد ظلّ جزءٌ كبيرٌ من العالم الغربي خاضعاً، أكثر من 80 عاماً، لتأثير دعاية "الهسبارا" الإسرائيلية، والعنصرية الاستعمارية، وشعور مضلِّل بالذنب. وقد لعب الصهاينة هذه اللعبة بمهارة، لكن سرديّاتهم الزائفة بدأت تتهاوى تدريجيّاً.




سفير هولندي سابق لدى العراق ومصر وتركيا وألمانيا وإندونيسيا، ومبعوث خاص إلى سورية. عمل دبلوماسياً في لبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة وليبيا. مؤلف كتابي "الصراع على السلطة في سورية" و"تدمير وطن. الحرب الأهلية في سورية".                                                                           

الخميس، 21 مايو 2026

من النكبة إلى المسيرات الفاشية: كيف يهدد اليمين المتطرف في بريطانيا المسلمين واليهود

من النكبة إلى المسيرات الفاشية: كيف يهدد اليمين المتطرف في بريطانيا المسلمين واليهود

ديفيد هيرست
بمجرد أن يبدأ المسلمون بالرحيل، لن يتأخر اليهود كثيرًا. لأنهم سيكونون بالتأكيد الهدف التالي لموجة تفوق العرق الأبيض


في كل عام في يوم النكبة، يذهب زوجان بريطانيان فلسطينيان أعرفهما إلى المسيرة لإحياء ذكرى التهجير الجماعي لأكثر من 700 ألف فلسطيني خلال إنشاء إسرائيل عام 1948.

حدث أمرٌ طريفٌ للزوجين في طريقهما إلى المسيرة هذا العام. كان يجلس في الجهة المقابلة لهما في مترو الأنفاق زوجان بدا عليهما الاستياء مما رأياه.

كانت زوجة صديقي تحمل حقيبة عليها تطريزات ودبابيس فلسطينية كُتب عليها: "حرروا فلسطين"، "أوقفوا تسليح إسرائيل"، و"إسرائيل اخرج من غزة".

حدق الزوجان المقابلان بصمت. حاول أحدهما التقاط صورة للشارات لكنه فشل.

وبعد محطتين نهضوا للنزول، ولكن قبل ذلك استدار أحدهم وقال: "أنت لا تنتمي إلى هنا. يجب أن تعود إلى المنزل!"


سادت حالة من الدهشة الشديدة في العربة بعد مغادرتهم.

بدأ نقاش، وسرعان ما اتضح أن العربة كانت متعاطفة مع أصدقائي الفلسطينيين. كانوا أطباء في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، وقد قدموا من الأردن قبل ثلاثة عقود. كلاهما فلسطينيان، وتنحدر عائلاتهما من يافا وجنين.

قالت امرأة على يمينهم: "أنا أيرلندية. أعرف ما تشعرون به. لقد عانينا من هذا لمدة 800 عام، وكان البريطانيون يعتبروننا دون البشر. وما زالوا ينظرون إلينا كأجانب."

ضحك رجلان بريطانيان أسودان كانا يجلسان في الجهة المقابلة. قال أحدهما: "لقد احتلوا العالم لمدة 200 عام، ولن نرحل. سنبقى هنا".

بمجرد وصول أصدقائي إلى مستوى الشارع، وجدوا الشوارع من جنوب كنسينغتون وصولاً إلى واترلو بليس مكتظة بمؤيدي فلسطين. لم يروا مثل هذه الأعداد طوال فترة إقامتهم في بريطانيا.

كان عدد المتظاهرين في المسيرة المؤيدة لفلسطين أكبر بكثير مما اعترفت به الشرطة . وقد تم تصوير وجود مسيرتين متنافستين في شوارع لندن يوم السبت للشرطة ووسائل الإعلام على أنهما طرفان متناقضان.

لقد تم اختلاق ادعاء كاذب بأن المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين كانوا يعتزمون المرور بجوار كنيس يهودي، في حين أن ذلك لم يكن أبداً ضمن الخطة أو مسارهم.

لكن الأرقام كانت تحكي قصتها الخاصة.

كان عشرات الآلاف مؤيدين لفلسطين، بينما بالكاد استطاع أنصار المحرض اليميني المتطرف تومي روبنسون ، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون، ملء ساحة البرلمان.

الخطاب المعادي للإسلام 

كان من اللافت للنظر بشكل خاص في مسيرة يوم النكبة هذا العام الحضور الصاخب والواضح لليهود البريطانيين، سواء كانوا علمانيين أو متدينين.

"كان الأمر أكثر إشكالية بكثير بالنسبة لليهودي في ساحة الكراهية التي يسيطر عليها الفاشيون البريطانيون، لأسباب أصبحت واضحة بمجرد أن فتح أي شخص فمه.

أيها الرجال،
هل أنتم مستعدون للياقة البدنية؟ هل أنتم مستعدون لتصبحوا أفضل نسخة من أنفسكم؟ بصفتنا رجالاً، بصفتنا رجالاً بريطانيين، نحتاج إلى الاستعداد للمعركة لأن معركة قادمة إلى هذا البلد"، هكذا صرخ ياكسلي لينون .

أجرى ياكسلي-لينون مقابلة واحدة مع عارضة الأزياء البولندية الأمريكية فيرونيكا كاراغوفسكا، التي سألته عما سيفعله كرئيس للوزراء. 
فأجاب : "سأوقف الإسلام. سأنهي التمويل الأجنبي لهذا البلد".

من المفترض أنه كان يقصد بعبارة "إنهاء التمويل الأجنبي" أنه سينهي، أو على الأقل سيعيد الأموال التي حصل عليها بنفسه من منتدى الشرق الأوسط الذي يتخذ من فيلادلفيا مقراً له ، أو من الملياردير الأمريكي روبرت شيلمان ، أو من التحالف الأسترالي للحرية ، أو من رابطة الدفاع اليهودية؟

وتابعت ياكسلي-لينون: "سيتم إخراج جميع المهاجرين من الفنادق وإعادتهم غدًا على يد الجيش. سأؤيد إعادة الهجرة. لقد حان الوقت لكثير من المسلمين لمغادرة هذا البلد. حان وقت الرحيل. لديكم بيوتكم التي تعودون إليها. هذا وطننا، وليس لدينا مكان نذهب إليه. لن نسمح بالتغيير بعد الآن، كما ترون، لقد سئم الناس، سئموا."

كيللي جاي كين، التي تُعرّف نفسها بأنها "ناشطة في مجال حقوق المرأة"، ضخّمت الخطاب المعادي للإسلام قائلةً: "لم يفت الأوان بعد لإخراج الإسلام من فصولنا الدراسية. لم يفت الأوان بعد لإخراج الإسلام من تلك المباني. لم يفت الأوان بعد لإخراج الإسلام من كل مكتب رسمي في هذا البلد، بل أكثر من ذلك - إنه أمر بالغ الأهمية إذا أردنا إنقاذ هذا البلد، علينا إزالة الإسلام من كل موقع سلطة."


شكل ياكسلي-لينون وكين حليفين غير متجانسين بالنسبة للشخصيات المؤيدة لإسرائيل التي مولت هذا التجمع.

كان التوتر الذي خلقوه مع اللوبي الإسرائيلي واضحاً تماماً عندما أجرى بيرس مورغان مقابلة مع المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي جوناثان كونريكوس.

دافع كونريكوس، الذي أعرب عن استمتاعه بالتواجد في ساحة البرلمان، عن كين لدعوته إلى إقصاء الإسلام من جميع المؤسسات الرسمية في المملكة المتحدة. وحاول كونريكوس التمييز بين الإسلام كدين، والمسلمين كشعب يمارسه. إلا أن هذا التمييز تناقض مع تصريح ياكسلي-لينون نفسه الذي دعا المسلمين علنًا إلى "العودة إلى ديارهم".

تساءل مورغان بحق عما إذا كان كونريكوس سيقول الشيء نفسه إذا انقلب اليمين المتطرف على اليهودية. ولم يكن لدى كونريكوس أي رد.
استعراضات الفاشية

لو أزلنا العديد من نجوم داود من ساحة البرلمان، لكان هذا تجمعاً للعنصريين البيض مخصصاً للمسيحيين فقط.

رفعت لافتة من حركة الطليعة البيضاء شعاراً واضحاً للغاية : "أنهوا الاحتلال الصهيوني لبريطانيا. أوقفوا الاستبدال الأبيض".

على عكس الادعاءات الكاذبة بأن قيادة كوربين لحزب العمال جعلت بريطانيا غير آمنة لليهود، سيكون من الصحيح فعلاً أنه مع وصول فاراج إلى السلطة، ستصبح بريطانيا غير آمنة للمسلمين للعيش فيها.








من الواضح أن الحضارة التي جاء هؤلاء الفاشيون لحمايتها قد توقفت عن كونها "يهودية مسيحية". أياً كان معنى ذلك. لقد كان المسيحيون في التاريخ أشد مضطهدي اليهود.

وكتب على لافتة أخرى في المسيرة : "تباً للإسلام، المسيح هو الملك". وهي رسالة من الواضح أن وزير شؤون الشتات الإسرائيلي أميخاي تشيكلي، الذي دعا ياكسلي-لينون إلى إسرائيل في أكتوبر الماضي، لم يدفع مقابل نشرها.

لن يتم اعتقال أو استجواب أي من المتحدثين في مسيرة "توحيد المملكة" بتهمة خطاب الكراهية، وقد تم توضيح عدم المساواة في القانون الذي يُعرّف حاليًا معاداة السامية وخطاب الكراهية المعادي للإسلام، وبالتالي عدم المساواة في تطبيق القانون على هذه المسيرات.

من الواضح أن التعريف القانوني لخطاب الكراهية لا ينطبق على جميع المواطنين البريطانيين بالتساوي.

أي شخص يرفع لافتة تحمل نفس الكلام عن اليهودية كان سيُعتقل فوراً بتهمة معاداة السامية. لكن هذا ليس الخطر الرئيسي من السماح بمثل هذه المسيرات الفاشية، ناهيك عن إقامتها أمام مبنى البرلمان.

هذا الخطر يتجاوز الصراع الفلسطيني، فهو خطر يهدد جميع المواطنين البريطانيين بغض النظر عن أصولهم العرقية أو بلدانهم الأصلية. وقد بات من الشائع الآن مهاجمة جميع المسلمين في بريطانيا، أينما كانوا ومتى قدموا.

مايكل جوف ، الوزير المحافظ السابق؛ ويس ستريتينج ، المرشح لقيادة حزب العمال؛ إيفيت كوبر، وزيرة الداخلية السابقة ووزيرة الخارجية الحالية؛ كيمي بادينوش ، زعيمة حزب المحافظين؛ جميعهم استغلوا الصورة النمطية المعادية للإسلام التي مفادها أن المجتمعات المسلمة ناخبون مشتبه بهم ، وملاجئ للمتطرفين، ويجب التعامل معها على أنها أرض خصبة للإرهابيين.

أشاد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بـ " التأثير التراكمي " للمسيرات المؤيدة للفلسطينيين على معاداة السامية.

مساهمة المسلمين

لقد بالغ جميع السياسيين من جيلهم في تمجيد أيام انتصار بريطانيا على الفاشية في أربعينيات القرن الماضي. ومع ذلك، فإنهم يتجاهلون جميعًا بشكل ملائم الدور الذي لعبه المسلمون في الدفاع عن بريطانيا في أحلك ساعاتها ضد الفاشية.


شارك ما لا يقل عن 2.5 مليون مسلم في القتال إلى جانب قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، و 5.5 مليون في الحرب العالمية الثانية. وقُتل نحو 1.5 مليون مسلم في المعارك.

جاؤوا في الغالب من الهند وأفريقيا، وقاتلوا في الصومال والحبشة ومدغشقر. وقاتل ما بين 9000 و12000 فلسطيني إلى جانب بريطانيا في مصر وبلاد ما بين النهرين.

لكن أعظم إسهام للمسلمين كان في الجيش الهندي البريطاني الذي حارب اليابانيين في حملة الشرق الأقصى. فقد قاتل مليون مسلم في هذا الجيش.

أحفادهم هم الذين يخبرهم سياسيون من طيف واسع من الآراء السائدة بأنهم لم يعودوا بريطانيين بما يكفي للبقاء في هذا البلد.

إذا نجح ستارمر في معركته الأخيرة للبقاء رئيساً للوزراء، فإن حزب العمال سيبقي اليسار منقسماً، وستحصل بريطانيا بالتأكيد على نايجل فاراج ، زعيم حزب الإصلاح البريطاني، كرئيس وزرائها القادم.

مع تولي فاراج منصبه، سيكون لدى كل مسلم في هذا البلد ما يخشاه.

على عكس الادعاءات الكاذبة بأن قيادة جيريمي كوربين لحزب العمال جعلت بريطانيا غير آمنة لليهود، فإن الحقيقة هي أنه مع وصول فاراج إلى السلطة، ستصبح بريطانيا غير آمنة للمسلمين للعيش فيها.

بمجرد أن يبدأوا بالرحيل، لن يتأخر اليهود كثيراً. لأنهم سيكونون بلا شك الهدف التالي لموجة تفوق العرق الأبيض التي يمثلها فاراج ضد وجود "الأجانب".

خطر شديد

بدعمها لليمين المتطرف في جميع أنحاء بريطانيا، فإن إسرائيل تعرض المجتمع اليهودي بأكمله في بريطانيا لخطر شديد.

بدعمها لليمين المتطرف في جميع أنحاء بريطانيا، فإن إسرائيل تعرض المجتمع اليهودي بأكمله في بريطانيا لخطر شديد







عاد أصدقائي الفلسطينيون إلى ديارهم وقد تعززت معنوياتهم بفضل الدعم الذي تلقته عائلاتهم من البيض والسود والآسيويين واليهود والمسلمين على حد سواء في ذكرى اليوم الذي طُردت فيه عائلاتهم من أراضيها.

في الليلة السابقة، اتصلت زوجة صديقي بعمتها في جنين. لقد عانت من عملية عسكرية إسرائيلية ضخمة لتطهير مخيم جنين وتشريد ما يصل إلى 45 ألف فلسطيني.

هذه المرة كانت عمتها في حالة يأس. فقد ظهرت خيام بيضاء للمستوطنين على أرضهم الزراعية شمال غرب جنين. لم يكن هذا يعني إلا شيئًا واحدًا؛ ستتحول الخيام إلى مركز حدودي، وسرعان ما ستختفي أرضهم الزراعية ومصدر دخلهم الوحيد تمامًا.

كما يعلم الجميع الآن، فإن المستوطنين يديرون الضفة الغربية.

"يطلبون منا العودة إلى ديارنا. لا شيء أتمناه أكثر من الذهاب إلى منزل عائلتي في جنين. لكننا هنا في بريطانيا لأننا طُردنا من هذه الأرض، وبريطانيا مسؤولة عما حدث عام 1948 وما يحدث كل يوم منذ ذلك الحين على مدى السنوات الخمس والثمانين الماضية. 
إلى أين تريدنا بريطانيا أن نذهب الآن؟


قال العارفون مع اسعد طه فكرة واحدة تكون بداية الطريق وتغيرك من الداخل

قال العارفون  مع اسعد طه 

 فكرة واحدة تكون بداية الطريق وتغيرك من الداخل





الأربعاء، 20 مايو 2026

وداعا أوروبا.. نحن كإسبان عرفنا الطريق

 وداعا أوروبا.. نحن كإسبان عرفنا الطريق

  
إغناسيو ألفاريز أوسوريو

أستاذ كرسي الدراسات العربية والإسلامية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد.

يمر الاتحاد الأوروبي بواحدة من أخطر لحظاته منذ تأسيسه. فقد مثل الغزو الروسي لأوكرانيا تهديدا واضحا لأمنه، وأظهرت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض أنه لم يعد بإمكان الاتحاد الأوروبي الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان دفاعه، كما كان الحال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

علاوة على ذلك، كشف الصعود المتواصل للصين والهند في الاقتصاد العالمي عجز الاتحاد الأوروبي عن منافسة القوى الآسيوية العملاقة والتكيف مع عالم يزداد عولمة.

لهذه الأسباب، ليس من المستغرب أن يتجدد النقاش في بروكسل حول الحاجة إلى مزيد من الاستقلالية الإستراتيجية في عالم مضطرب، حيث أصبحت التحالفات السابقة متجاوزة.

غير أن هذا النقاش يتناقض بشدة مع حالة الشلل التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي إزاء أزمة الشرق الأوسط، وعجزه عن اقتراح بديل لمشروع الحرب الدائمة الذي تروج له الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.

في عام 1993، لعب الاتحاد الأوروبي دورا بارزا بدعمه لاتفاقيات أوسلو، وسعيه لتحقيق التوازن في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية من خلال الدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، ليصبح بذلك أكبر مانح لها.

وفي عام 2015، تضافرت جهود المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا للترويج للاتفاق بين إدارة أوباما وإيران لكبح برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات المفروضة على النظام الإيراني. وفي كلتا الحالتين، اختارت بروكسل الدبلوماسية كوسيلة لإخماد نيران الصراع المشتعلة في المنطقة.

وفي الظرف الحالي، يتضح جليا أن هناك حاجة ملحة إلى مشاركة أوروبية أوسع في إخماد الأوضاع المتفجرة في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي دعم بشكل مستمر القانون الدولي كوسيلة لحل النزاعات، فإنه أثبت عجزه عن تقديم مقترح سلام لإنهاء الحربين في فلسطين وإيران.

علاوة على ذلك، يبدو الاتحاد الأوروبي أكثر انقساما من أي وقت مضى بشأن التدابير اللازمة للخروج من المأزق الذي يجد نفسه فيه.

في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، سارعت بروكسل إلى فرض سلسلة من العقوبات على موسكو، شملت تجميد أصولها في أوروبا، وحظر توريد الأسلحة إلى النظام الروسي.

وحظيت هذه الإجراءات بإجماع واسع داخل الاتحاد الأوروبي، باستثناء المجر بقيادة أوربان، التي سعت إلى تقويض المساعدات الاقتصادية والإنسانية لأوكرانيا على مدى السنوات الخمس الماضية.

لسوء الحظ، لم تتمكن بروكسل من فرض أي عقوبات على إسرائيل خلال العامين والنصف الماضيين، على الرغم من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في قطاع غزة، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 72 ألف شخص.

وتتجلى بوضوح ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي: فعندما تتعرض دولة أوروبية لهجوم، تتحرك بروكسل بسرعة وحزم دفاعا عن القانون الدولي، أما عندما يتعلق الأمر بأرض عربية، فإنها تبقى غير مبالية، رافضة فرض أي عقوبات رغم خطورة الوضع، وهو ما أدى إلى تضاؤل دورها على الساحة الدولية.

ويعزى السبب الرئيسي لتقاعس أوروبا عن التحرك إزاء الإبادة الجماعية في غزة، والحرب ضد إيران إلى الانقسام العميق بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، ودعم ألمانيا غير المشروط لإسرائيل.

على الرغم من أن بروكسل لا تزال تدعم رسميا حل الدولتين كوسيلة لحل الصراع الاستعماري الإسرائيلي مع الفلسطينيين، فإنها لم تتخذ أي خطوات لتعزيزه منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000.

وبالرغم من أن جميع الحكومات الإسرائيلية، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، انتهجت استعمارا مكثفا للأراضي المحتلة لتعميق الاحتلال وكسر التواصل الجغرافي الفلسطيني، لم يفرض القادة الأوروبيون أي عقوبات على إسرائيل خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.

وقد فسِر هذا الصمت المتواطئ من جانب الاتحاد الأوروبي على أنه شيك على بياض من قِبل القادة الإسرائيليين، الذين فرضوا نظام فصل عنصريٍ في الضفة الغربية، وارتكبوا إبادة جماعية في قطاع غزة لفرض التطهير العرقي.

وبالرغم من أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو لا تخفي أجندتها التوسعية والعنصرية والمسيحانية، فإن بروكسل عاجزة عن فرض حتى أدنى عقوبة، مما يعمق الهوة بين الحكام والمحكومين.

وهكذا فإن الرأي العام الأوروبي يدين بشدة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل، في تناقض صارخ مع تقاعس حكوماتها.

وفي هذا السياق، أصبحت الحكومة الاشتراكية الإسبانية، بقيادة الرئيس بيدرو سانشيز، نموذجا يحتذى به للدول الأوروبية الأخرى بفضل دفاعها القوي عن القانون الدولي.

ففي فبراير/شباط 2024، طالبت إسبانيا بتعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، التي تمنح إسرائيل معاملة تفضيلية، إذ تنص المادة الثانية منها على أنها لا تطبق إلا إذا احترمت الدول الموقعة القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي مايو/أيار من العام نفسه، اعترفت إسبانيا وأيرلندا والنرويج رسميا بدولة فلسطين، وهي خطوة حذت حذوها لاحقا ليتوانيا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال.

وفي يونيو/حزيران، انضمت إسبانيا إلى شكوى جنوب أفريقيا بشأن الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، مؤكدة أن جميع الدول الموقعة على اتفاقية عام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، ملزمة ببذل كل ما يلزم لمنع تكرار الإبادة الجماعية.

أخيرا، في سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت إسبانيا حظرا شاملا على توريد الأسلحة إلى إسرائيل، ودعت دول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى أن تحذو حذوها.

يمر الشرق الأوسط بمرحلة حرجة في تاريخه الحديث، وينبغي للاتحاد الأوروبي أن يستغل أخطاء إدارة ترمب لتعزيز نفوذه على الساحة الدولية، والتحرك نحو الاستقلال الإستراتيجي.

وإذا ما كرر الاتحاد الأوروبي أخطاء الماضي نفسها، فإنه سيصبح حتما قوة هامشية على الساحة الدولية، ويستمر في لعب دور التابع للولايات المتحدة، كما كان عليه الحال في العقود الأخيرة.

أما نحن فقد عرفنا الطريق.

السفهاء

  السفهاء

 المفكر العربي الدكتور عزت السيد أحمد


عندما تفضح أبناء الحرام

من أفاقين أو منافقين أو مجرمين أو ضالين أو مضللين
وأشباههم في ولدنة الحرام
لا يدافعون أنفسهم بالحجة والدليل والبرهان لأنهم لا يمكنهم ذلك
لذلك هم يدافعون عن أنفسهم بالشتائم والاتهامات والإساءات والافتراءات الجديدة
يعني بدل التفكير والعمل للحصول على شيء من التعاطف والمسامحة يزيدون النار عليهم تأجيجا
هذا ليس غباء
هؤلاء هم الذين عميت قلوبهم و أسماعهم وأبصارهم
فهم كالبهائم وأضل سبيلا

وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس

 وقفات مع آيات (28).. حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس

د. مالك الأحمد

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

لما طلب أبناء يعقوب عليه السلام أن يرسل معهم أخا يوسف، تذكّر ما وقع منهم قبل ذلك في شأن يوسف، فلم يركن إلى حفظهم وحده، وإنما فوّض الأمر إلى الله، وقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ والمعنى: أن حفظ الله أكمل وأوثق من حفظ الناس، وأن الأسباب البشرية مهما كانت مهمة تبقى محدودة، أما الحفظ الحقيقي فمن الله وحده.

وأما قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ففيه معنى الرجاء في رحمة الله عند الخوف والفقد والقلق؛ فكأن يعقوب عليه السلام لم يقف عند ألم التجربة السابقة، بل علّق قلبه برحمة الله، ورجا أن يكون حفظ الله أوسع من تقصير البشر وضعفهم.

بعد عزمي على إكمال دراسة الماجستير في بريطانيا، يمّمت وجهي تجاه لندن، وكان الغرض استكمال الإجراءات الرسمية لدى الملحقية في السفارة السعودية هناك. وكانت تلك أول مرة تطأ فيها قدماي لندن.

وعند الوصول استقللت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يوصلني إلى فندق متوسط في المدينة. وصلنا إلى الفندق، ووضعنا الحقائب في الغرفة، وكان الوقت عصرًا، والشارع مليئًا بالمحلات، والجو معتدلًا، فنزلت أنا وزوجتي بعد أن أحكمنا إغلاق الغرفة بالمفتاح الحديدي.

وبعد أقل من ساعة عدنا إلى الفندق، وما إن دخلت حتى أسرع إليّ موظف الاستقبال وقال: هل يمكن أن أتحدث معك على انفراد؟ قلت: بالطبع، ما الأمر؟ قال: للأسف، غرفتكما تعرضت للاقتحام في غيابكما، وأنا آسف لأنقل لك هذا الخبر. اصعد معي لتتفقد أغراضك، وقد اتصلت بالشرطة وهم في الطريق.

صعدت إلى الغرفة، فوجدت الحقائب كلها مفتوحة، والملابس منثورة في وسط الغرفة. قلت للموظف: كيف حصل هذا؟ فاعتذر بأنه لا يعرف، وأنه تفاجأ بالأمر كما تفاجأت.

كان المشهد محزنًا؛ قفل الباب محطم، والحقائب مفتوحة، ونفسي منكسرة. وصلت الشرطة، وبدأوا التحقيق، وأخذوا يرفعون البصمات، وسألوني عمّا فُقد، فقلت: كانت زوجتي تحمل معها ذهبها، ولا أرى له أثرًا. أخذوا إفادتي، ووعدوني خيرًا، وبالطبع لم أسمع منهم بعد ذلك شيئًا.

فزعت زوجتي عندما أخبرتها، ثم دخلت الغرفة لتتفقد الأمتعة، فإذا بها تصيح: الذهب لم يُسرق! قلت: كيف؟ قالت: وضعته أسفل هذه الشنطة، تحت أكياس البهارات، ويبدو أن السارق بعدما رمى الملابس ووصل إلى البهارات تأفف من رائحتها، فلم يكمل البحث.

قلت حينها بعفوية: المال الحلال لا يضيع.

ولم تكن هذه الكلمة عندي قاعدة مطلقة بأن المال الحلال لا يُبتلى صاحبه بفقده؛ فالدنيا دار ابتلاء، وقد يذهب المال الحلال لحكمة يعلمها الله. ولكني شعرت في تلك اللحظة أن الله لطف بنا لطفًا ظاهرًا، وحفظ لنا ما كدنا نجزم بضياعه من طريق لا يخطر على البال. فالأقفال والحذر والشرطة كلها أسباب، لكنها قد تعجز، ويبقى حفظ الله فوق كل سبب.