استخرج الفاعل من حرب السودان إلى تقسيم الصومال
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
مشاريع التقسيم أصبحت واقعاً على الأرض، وبدأت ملامحها تتشكل في بعض الأقطار، بل أغرى نجاح بعضها إلى استنساخ صورة منها في بلاد أخرى، كما في حالة اللواء خليفة حفتر في ليبيا، الذي أصبح شريكاً وطريقاً لاستنساخ تجربته في السودان، ولعلنا نتفهم ولع كبار الضباط بالسلطة، وحرصهم على الوصول إلى سدة الحكم، لا سيما وهم يرون أن مجرد الخلفية العسكرية يكفي كمؤهل سائغ للرئاسة، ولكن في حالة حميدتي الذي بلا خلفية، إلا ما لبسه من بزة عسكرية مزورة، لا يسندها تعليم أو تدريب، إلا ما كان في بيع الإبل وقطع الطريق، فمن الذي فتح عينه ومناه بسلخ دارفور وحكمها؟
ينبغي أن تكون نظرتنا إلى مشاريع التمرد والانفصال نظرة واحدة، وأن نجاحها في مكان سيصب حتماً في مصلحة بقية المشاريع، ولا نحتاج في إثبات ذلك إلى إقناع أو تدليل، لأن الهدف من وراء التقسيم جلي واضح، كما أن الجهات الداعمة تجاوزت مرحلة التخفي والإدارة من وراء ستار، إلى الظهور العلني والوضوح إلى درجة الفضوح.
أصبح من المسلمات الواضحات أن حرب السودان تسعرها الإمارات، وأن حميدتي وإخوانه ليس لهم من الأمر إلا تنفيذ التعليمات، والحفاظ على صورة أن الخلاف اقتتال داخلي بين السودانيين، والواقع أن طبيعة الشعب السوداني وتركيبة مجتمعه، لا يمكن أن تقبل بصورة هذا النموذج، لذا كانت عامة المليشيات من فيالق المرتزقة، التي تؤجرها الدول، أو تستثمر فيها شركات المافيا العابرة للقارات، وقد أعلن رئيس كولومبيا على وسائل الإعلام أسفه على استخدام بعض أبناء شعبه كمرتزقة في حرب السودان، وإلا فمن أين لحميدتي بتكلفة هذه الحرب المستعرة على مدار عامين كاملين، ورواتب قوافل المرتزقة المتدفقة من كل صوب وحدب، وإذا كان لديه من مخزون بيع الذهب المسروق ما يؤمن له ذلك، فمن أين جاء بطواقم تسيير المسيرات وإدارة الرادارات، وقد فشل قبل الحرب في إتمام الشهادة الابتدائية !
إن الدعم السخي الذي تقدمه أبوظبي لعصابة حميدتي جعلت من مليشياته اسماً على مسمى: “الدعم السريع”، ورأيناها تمثله في الرباعية الدولية وتتحدث نيابة عنه، واكتملت صورة المشروع بصورة متسارعة وخطوات متتابعة، من خلال زعزعة استقرار حضرموت في اليمن، ودعم مشاريع الانفصال هناك، ثم جاء القرار الذي قطع جهيزة كل خطيب، وأزاح ورقة التوت عن سوأة التخادم مع إسرائيل وأنها تلعب دور الكفيل، بإعلانها الاعتراف بانفصال إقليم صومالاند عن دولة الصومال، وهو أول اعتراف من نوعه، وكان القشة التي ألهبت ظهر البعير، وكشفت اللثام عن بشاعة المخطط الحقير، وسارعت الدول العربية بإصدار بيان موحد، تستنكر فيه هذه الخطوة الصهيونية، وكذلك فعلت بعض الدول الإسلامية، ولم يخرق الإجماع العربي إلا أبوظبي ومن يدور في فلكها من الدول التي يصدق فيها قول الشاعر :
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ** ولا يستأمرون وهم شهود
وليس بعيداً عن هذا كله ما يحدث من حديث الصهاينة العلني باسم الدروز في سوريا، وإمدادهم بما يساعدهم على دعوى الانفصال التي يقودها الهجري، وأصبح من توضيح الواضحات بيان أن هذه المشاريع خطوات ممهدة لما يسعى “نتن ياهو” إلى تحقيقه فيما يسمونه: “إسرائيل الكبرى”، ولو نظرت إلى هذه النقاط على الخريطة ستجد أنها بعيداً عن مقصد التقسيم والتفتيت، ستجد فيها صورة الحصار والتضييق على نقاط القوة الكبرى في الأمة: مصر والسعودية وتركيا، واستهداف مصر مضاعف وأكثر من غيرها، فهي الجائزة الكبرى ومن نيلها يبدأ حلم الصهاينة المزعوم، حيث أصبحت بين تمرد حفتر في ليبيا، ومليشيات حميدتي في السودان، وعصابة أبو شباب عملاء الاحتلال في غزة، ثم جاءت الضربة الأخيرة في عمقها الأفريقي حيث أرض الصومال.
ومما يحسب لرجال المقاومة في غزة أنهم طبقوا سنة غزوة الأحزاب، وكروا مبكراً لاستئصال خيانة بني قريظة، بقطع رأس الفتنة واستهداف ياسر أبو شباب، مما ألقى الرعب في نفوس بقية الشباب!
ظهرت في الأيام الأخيرة تصريحات مصرية تدل على استفاقة متأخرة بشأن حرب السودان، وهي لا شك خير من استمرار الغيبوبة، فإن نار الحرب ليست في دولة جوار، وإنما في عمق داري، ووصلت إلى أكمامي وذيل أثوابي.
حجم الجرائم التي وقعت في السودان في العامين الماضيين، أكبر من جرائم حقبة الاحتلال والاستعمار، فلم يكتب تاريخ بلادنا عن قتل مليون شخص وتهجير عشرة ملايين إلا في حقبة بشار وحلفائه، ويبدو أن حميدتي وحلفائه يتطلعون إلى تحطيم أرقام جزار الشام، وتصدر قائمة جرائم الحرب والإبادة الجماعية، التي لم تتخذ الدول العربية أي خطوات جادة لإيقافها، حتى أصبحت السودان على أبواب أندلس جديد، يقال بعدها: كان هنا سودان.
فهل تتسع دائرة الإفاقة العربية، وتتلاقى الجهود لاستنقاذ البلد الكبير من شبح التقسيم، ويحدث الدعم اللائق من الأشقاء لجيش السودان وحكومته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق