هل جاء الإسلام بنظام للحكم؟
د. عطية عدلان
أستاذ الفقه والساسة الشرعية
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلام
قرأت لأحدهم كلامًا فيه طُموح إلى التجديد، غير أنّه طموحٌ مُرْسَلٌ في الفضاء بلا رصيد، والعجيب أنّ صاحب هذا الكلام - إذْ يمارس ما يسميه (التجديد!) - في ميدان يُعَدُّ أكثر الميادين تعطشًا للتجديد والتوليد، يبدأ عمله بالنَّسْف والهدم والتقويض، فيدّعي أنّ الإسلام في ميدان الحكم والسياسة أتى فقط بقيم عامة ومبادئ كلية، وترك للعقل البشريّ مهمة إنشاء النظام الذي يناسبه؛ ويزعم أنّ هذا هو ما يناسب طبيعة الإسلام، الذي لا يتدخل - بزعمه - في مثل هذه التفاصيل، وإنّما يترك للعقل البشري الاجتهاد فيها؛ لكونها من قبيل الأمور (الدنيوية!)، واعتمد في ذلك على ما اعتمد عليه بعض أساتذته، من تقسيم تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما هو ديني وما هو دنيوي، وأنّ ما لم يكن منها من قبيل التصرفات الدينية لا تقوم به الحجة، وأنّ النظام السياسي ابن الظروف التاريخية، وعلى المسلم أن يحاول أن يؤثر بعقيدته وفقهه بقدر المستطاع.
ولكونه ناقل ليس إلّا؛ رأيت أن أردّ عليه بالردّ على المنابع التي استقى منها، فهذه الشبهة - ابتداء - تبدو وجيهة من وجوه، الأول: اتفاقها ظاهرا مع خاصية في الشريعة، وهي أنّها تترك فجوات تشريعية واسعة في الأنظمة التي يلزم تجددها مع تجدد الحياة، وتتركها للعقل البشريّ إعمالا لطاقته وتفعيلا لدوره،
الثاني: وجود تصرفات نبويّة من قبيل الأمور الدنيوية ووقوعها خارج دائرة التشريع بالفعل، الثالث: أنّ الجزء الأخطر في الأنظمة على اختلاف ألوانها هو المنظومة القيمية، بما يعني أنّها إن كانت واضحة ومتماسكة في نظام ما فإنَّ هذا يكون مجديًا.
وبرغم ذلك الذي يبدو للنظرة العاجلة والوهلة الأولى وجيهًا نجد أنّ هذا الكلام غير متماسك منطقيًّا ولا واقعيًّا، إضافة إلى منافاته لواقع التشريع الإسلاميّ، وسوف يتبين لنا أن كل تك الوجوه التي تجعل للشبهة شيئًا من الوجاهة مجردُ خيالات موهومة، وربما كان الدكتور محمد عابد الجابريّ هو أول من فتح هذا الباب، ثم تبعه الآخرون على أثره مقررين ومستشهدين، وإن كانوا قد فاقوه في الاستدلال بطريقة أصولية حِرَفِيّة عالية الحذق عميقة الخداع، ومحمد عابد الجابري يعدّ إمام الحداثيين العرب وكبيرهم بلا منازع، فما هي نظريّته.
بعد أن بذل وسعه في تقرير زعمه أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ترك أمر الدولة والحكم لأصحابه ليقرروه؛ راح يقرر المنطلق: "والخلاصة أنه لما كان النبي قد ترك الأمر لصحابته ليفصلوا فيه من بعده؛ فإنّ ما أقره الصحابة وما صنعه الخلفاء من بعدهم وما قاله الفقهاء في الخلافة كل ذلك يؤول أمره إلى الاجتهاد، والاجتهاد في مسألة ترك أمرها للمسلمين سيختلف حتما باختلاف العصور وتغير الظروف ...
وليس هناك نص من هذا النوع يلزم المسلمين بنوع من الحكم معين ولا وجود لنص ينهاهم عن نوع من الحكم معين"([1]).
وبعد أن ادعى على مدى صفحات وجود فراغ دستوري ظهر في عدم تحديد مدة الخلافة وفي عدم تحديد اختصاصات الخليفة يقول:
"وبعدُ فليس هناك نظام للحكم شرع له الإسلام، وإنما أقام مع تطور الدعوة المحمدية نظامًا في الحكم اعتُمد في البداية - وعقب وفاة النبي - نموذج (الأمير على القتال) ... وعندما تطورت الدولة العربية الإسلامية مع الفتوحات والغنائم وانتشار الإسلام بات نموذج (أمير الحرب) غير قادر على استيعاب التطورات التي حصلت فبرز فراغ دستوري"([2])، هكذا (فراغ دستوري!!).
وهو يبتغي من وراء هذا اللف والدوران أن يُثْبِت أنّ نظام الحكم قد تطور متأثرا بالمتغيرات البيئية ومتطلبات الحياة المتجددة، بينما الشريعة قد تركت هذا الأمر برمته للتجربة الإنسانية ووكلته كله إلى العقل البشري؛ ومن ثم فنحن في زماننا هذا نضع نظمنا ابتكارا من عند أنفسنا أو اقتباسا من غيرنا بحرية تامّة دون أن يكون للشريعة سلطان علينا؛ وكيف تتسلط الشريعة على أمر دنيوي كهذا وهي معنية بأمور الدين؟! ذاك كان مقصده، أعلنه أو لم يعلنه؛ فالكلمات تحمل في ثناياها روائحها الدالة على حقائقها.
والحقيقة أنّ الكثيرين أساءوا فهم حديث "أنتم أعلم بأمور دنياكم" وبنوا عليه جبالا من الأوهام، وجاء تقسيم السنة النبوية إلى سنة تشريعية وغير تشريعية معتمدا على هذا الحديث وعلى جملة من الأحاديث قليلة العدد ضعيفة الدلالة على ما راموا من التقسيم، وقد كان من أبرز الأسماء التي تعرضت لهذا التقسيم:
الدكتور محمد سليم العوا، وسعد الدين العثماني رئيس وزراء الحكومة المغربية السابق، وغيرهم، وهؤلاء - مع تباين أقوالهم توسيعا وتضييقا - اعتمدوا على هذا الحديث، مع قطوف لبعض العلماء، وضعوها على غير مواضعها.
والحقيقة أنّ حديث تأبير النخل من أروع الأحاديث التي تُقَرِّر أصلا كبيرا في هذا الدين العظيم، وهو أنّ أمور الدنيا موكولة إلى العقول البشرية والعلوم الإنسانية والخبرات والتجارب، موكولة للإنسان الخليفة يجتهد فيها بما وهبه الله تعالى من العقل والحكمة والنظر، وأنّ الشريعة لا تتدخل في تفاصيلها وإنّما فقط بالحياطة الخارجية عبر قواعد عامة تضبط السلوك والتصرف بما يعظم المنفعة ويدفع المضرة، وهذا من أعظم وأهم خصائص الشريعة الإسلامية العظيمة، ومن أهم السمات التي تؤهلها للعالمية والديمومة.
لكن ما هي على وجه التحديد الأمور الدنيوية؟
هذا هو السؤال الجوهريّ الذي يحمي العقل والفهم من الانزلاق في هذه المسألة الخطيرة، فإنّه من المستحيل شرعاً أن يكون البيع والشراء والرهن والهبة والشركة والمضاربة والحجر والتفليس والدين والقرض من الأمور الدنيوية بإطلاق، مع أنها ليست من العبادات ولا العقائد ولا الشعائر التعبدية، ومثلها مسائل المعاهدات والمهادنات والتحالفات والجهاد والفيء والغنائم وما شابهها، ومثلها عقد البيعة للإمام وعزله عند الاقتضاء والشورى وغيرها، ومثلها القضاء وشروط القاضي والبينات والدعاوى وغيرها، يستحيل أن تكون هذه الأمور - التي ليست من أمور الآخرة وليست من العقائد ولا الشعائر التعبدية - أن تكون بإطلاق من الأمور الدنيوية، من المستحيل أن تكون كتأبير النخل ينطبق عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم).
فجميع هذه الأمور من بيع وشراء ورهن وربا وقطعٍ ليد السارق وعقوبةٍ للمحارب وإشهادٍ ومعاهدات وتخميسٍ للغنائم وغيرها، مما تعرضت لبيان حكمه آيات وأحاديث، هي في حقيقتها أمور من قبيل تنظيم المجتمع وترتيب أحوال الخلق وتنظيم العلاقات بين الناس، وليست من قبيل العبادات والأمور الأخروية؛ فهل نقول إنّها من الأمور الدنيوية على المعنى الذي ورد به الحديث؛ فيكون الناس أعلم بها من الرسول بل من الله الذي أنزل حكمها في كتابه؟! هذا - بلا ريب - كلام ظاهر البطلان والبوار.
إنّ الجانب الدنيوي في البيع يكون في طريقة المساومة، وفن عرض السلعة، والأدوات التي يستعملها في نقل السلعة وعرضها، والأسواق التي تنظم ذلك، وما شابه ذلك، أمّا شروط صحة البيع، والمحرمات من البيوع، وغير ذلك مما تعرض له القرآن والسنة ببيان الأحكام، كنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغرر وعن الربا، وعن بيع ما يحرم استعماله، فهذه قطعا ليست من الأمور الدنيوية على المعنى الذي جاء في حديث تأبير النخل، وقِسْ على ذلك كل ما ذكرناه وما لم نذكره من الموضوعات التي تعرض القرآن والسنة لبيان أحكامها بالحل أو الحرمة أو الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة أو الصحة أو البطلان.
ومن خلال الاستقراء نستطيع أن نقول: إنّ الفرق بين الأمور الدنيوية وبين الأحكام الشرعية التي هي من "العاديات" كالفرق بين تأبير النخل وبين "المزابنة"، وكالفرق بين زراعة القمح في الشتاء لا في الصيف وبين "المحاقلة"، وكالفرق بين صك النقود وطباعة أوراق البنكنوت وبين "الصرف"، وكالفرق بين وسائل وأساليب التحقيق وبين "الدعاوى والبينات"، وكالفرق بين صناعة السلاح وبين "الجهاد"، وهكذا ..
فتأبير النخل وزراعة القمح وصك النقود وصناعة السلاح وما شابهها من الأمور الدنيوية، التي تركت في الأصل للتجربة البشرية، ولا تتدخل الشريعة إلا بالحياطة الخارجية التي تحفظ النشاط البشريّ من الانزلاق، وتعظم من الاستفادة به، أما المزابنة، والمحاقلة، والصرف والجهاد والإعداد للجهاد والدعاوى والبينات والمعاهدات وآثار الحرب وغير ذلك فهي من "العاديات"، التي هي من أمور الدين وإن لم تكن من العبادات، والتي تنظمها الأحكام الشرعية وإن كان الأصل فيها العفو، وخذ على ذلك مثالاً واحداً: تأبير النخل من الأمور الدنيوية، ولكن المزابنة وهي نوع من بيع منتج ذلك النخل ليست من الأمور الدنيوية، وإلا لقال الرسول عن المزابنة أنتم أعلم بأمور دنياكم مثلما قال عن التأبير، وقس على ذلك.
هذه الأمور الدنيوية يوجد منها في عالم السياسة وفي النظم السياسية الكثير المتنوع، فأغلب ما يدخل في باب الآليات والأدوات وما هو من قبيل الأمور التقنية المادية هو من أمور الدنيا، ومناهج الإدارة للدولة ومؤسساتها، وكذلك أساليب التعامل الدبلوماسي، وما شابه ذلك مما هو موكول إلى قدرات البشر يُعَدُّ من أمور الدنيا، وما دامت كذلك فليست مما يشمله التشريع، وإنما هي متروكة للإبداع الإنسانيّ، وللحكمة الإنسانية، وللتجارب البشرية المتراكمة، أمّا الأحكام الشرعية فشأن آخر؛ فإنّ: "شؤون الدنيا يتعلق بها أمران، الأمر الأول: ما يختص بكيفية هذه الشئون من ناحية الصنع والإدارة؛ فهي متروكة للمختصين، وأمّا الأمر الثاني: فهو ما يتعلق بالناحية التكليفية، من حيث الحل والحرمة فهذا خاص بالشرع"([3]).
إنّ أسس النظام الإسلاميّ كالعدل والشورى وسيادة الشريعة وسلطان الأمة من الأمور الدينية، وكذلك الأحكام الشرعية التي تحقق هذه الأسس في واقع الناس وتنظمها كالأحكام المتعلقة بتحقيق العدالة في الحكم والقضاء والاقتصاد وتوزيع الثروة وغير ذلك؛ جميعها من الدين وليست من أمور الدنيا، وكذلك الأحكام المؤطرة والمنظمة لمؤسسات النظام الإسلاميّ والتي اسْتُخْلِصت من السنة القولية والعملية ومن سنة الخلفاء الراشدين التي دلنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كلها من أمور الدين لا من أمور الدنيا، وكذلك الأحكام التي تنظم الممارسة السياسية؛ بما يتفق مع مقاصد الشريعة ومع أسس وقواعد النظام الإسلامي، مثل أحكام الحرب وآثارها والمهادنات وشروطها، كل ذلك من أمور الدين لا من أمور الدنيا.
فإذا أخذنا مؤسسة الخلافة مثالًا لما يشتمل على أمور دينية شرعية تنظمها أحكام الشريعة وأمور دنيوية متروكة لاجتهاد العقول وللتجربة البشرية؛ فإننا نجد أنّ شروط من يتولى الخلافة وطريقة توليته ووجوب طاعته وشروط هذا الوجوب، وواجباته تجاه الرعية، وتنظيم العلاقة بينه وبين الرعية، وما يجب له وما يجب عليه داخليا وخارجيا، وأحكام إنهاء ولايته أو انتهائها، وغير ذلك من أمور الدين التي يجب أن تؤخذ من النصوص الشرعية أو من الاجتهاد الشرعيّ، أمّا الأمور التقنية وآليات الاختيار ومؤسسات الخلافة المادية والتقنية والتنظيمية، وأساليب إدارته وبروتوكولات دبلوماسيته وغير ذلك فهذه أمور دنيوية، فمن حق الأمة أن تستبدل بالبيعة صناديق الانتخاب بشروط معينة تجعلها متفقة مع أحكام الشريعة، ومن حقها - بل من واجبها - أن تطور المؤسسات فنيا وتنظيميا بما يناسب الزمان ويساعد على تحقيق مقاصد الشريعة.
وإذا كان في تاريخ الخلفاء خطأ قد وقع يستحق أن نقف عنده وننسبه إلى ذلك الجيل الطهور فهو غفلة الأمة عن واجب كبير من واجبات الوقت، وهو نقل مؤسسات الدولة الإسلامية - وعلى رأسها مؤسسة أهل الحل والعقد ومؤسسة السلطة التشريعية - من الطور البسيط الذي كان مناسباً وكافياً للحياة البدوية البسيطة إلى الطور الحضاري المعقد الذي يواكب انفتاح الأمة الإسلامية على العالم من حولها ويلبي الحاجة التي فرضتها سرعة الفتوح، وذلك عبر تطوير الجوانب الفنية في هذه المؤسسات ووضع آليات جديدة تستجيب للطفرة الكبيرة التي حدثت بعد الفتوح الهائلة، سواء كان ذلك بالابتكار أو بالاقتباس.
ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في غاية اليقظة يوم أن افتتح مسيرة مباركة لم تكتمل بعده إلا في عهد عبد الملك بن مروان؛ بما وضعه من دواوين، وبما أدخله على بيت المال من تعديلات في اللوائح التنظيمية والقرارات الإدارية، التي تعد من قبيل الأمور الدنيوية، والسبب في توقف هذه المسيرة هو الفتنة التي عاجلت الأمة فأذهلتها عن كثير من واجبتها، وأعتقد - إلى درجة اليقين - أن مؤسسة كمؤسسة أهل الحل والعقد لو وضع لها ما ينظم عملها من تراتيب إدارية ولوائح تنظيمة وغير ذلك من الأمور الدنيوية التي إن أخذت حكم الوجوب فإنما هو من قبيل مالا يتم الواجب به فهو واجب؛ لو كان ذلك لما وقع الانحراف الذي غير - بشكل جذريّ - مسار السياسة في الإسلام، ولكان للأمة شأن لا يدانيه شأن.
ولا شك أن آليات اختيار الحاكم وانتخابه، وآليات إدارة الشورى، وكذلك كل ما يمكن أن يقتبس من الغير إذا احتاجت الأمة إليه كالفصل بين السلطات وتوقيت عقد الإمامة وغير ذلك، ومثله جميع ما يدخره الزمان من مبتكرات العقل البشريّ في ميدان الآليات والأدوات؛ كل هذا من أمور الدنيا.
وقد اعتمد سعد الدين العثمانيّ التقسيم الذي ذهب إليه الإمام القرافيّ رحمه الله، حيث قسم تصرفات النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى تصرفات بالفتوى، وتصرفات بالقضاء وتصرفات بالإمامة، وبنى العثمانيّ على هذا التقسيم أنّ تصرفات الرسول بالفتوى هي الدين التعبديّ؛ فهي تشريعية، أمّا تصرفاته بالقضاء والإمامة فليست تشريعية لكونها من أمور الدنيا؛ فلا يقع بها التأسي والاقتداء، وهي اجتهادات بشرية لا عصمة لها ولا حجة فيها، ومن ثم فنحن موسَّعٌ علينا في هذه الأبواب، نأخذها من الحكمة والتجارب.
ومن عاد إلى كلام القرافيّ سيصيبه الذهول من حجم التزوير والتزييف الذي يمارسه الرجل على قرائه؛ فليس في كلام القرافيّ قَطّ ما يدل على أنّ هذا هو قصده من التقسيم الذي ذهب إليه، "فليس المقصود بهذا التمييز إخراج تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة من الأمور التشريعية وحصرها في الأمور الدنيوية، وإنما المقصود هو تصحيح تلقي الناس لها وتعاملهم معها، فما كان من تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالقضاء فلا يوكل إلى آحاد الناس التصرف بها إلا عن طريق قاضي الوقت، وما كان منها بالإمامة فلا يصح لآحاد الناس أن يتصرفوا فيها إلا عن طريق إمام الوقت، أما ما كان بطريق البلاغ أو الفتيا فموكول إلى كل فرد التصرف به مباشرة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتوقف على إمام أو قاضي([4]).
وهذا هو ما بينه القرافيّ نفسه في الفروق والذخيرة وفي تمييز الأحكام، فانظر إليه يقول: "فما فعله عليه السلام بطريق الإمامة كقسمة الغنائم وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود وترتيب الجيوش ... ونحو ذلك فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه، فكان ذلك شرعاً مقرِّراً لقوله تعالى: (واتبعوه لعلكم تهتدون)، وما فعله عليه الصلاة والسلام بطريق الحكم كالتمليك بالشفعة، وفسوخ الأنكحة والعقود ... فلا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر ... وأما تصرفه عليه الصلاة والسلام بالفتيا والرسالة والتبليغ فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين، يلزمنا أن نتبع كل حكم مما بلغه إلينا عن ربه بسببه، من غير اعتبار حكم حاكم ولا نظر إمام "([5])، وقد انطلق القرافيّ في تقسيمه هذا من التعظيم لكل ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان أنّ الغلط في التنزيل لا يكون بسببه هو وإنما بسبب الاختلاف في فهم موقع التصرف النبويّ؛ ذلك "أنه صلى الله عليه وسلم له أن يتصرف بطريق الإمامة؛ لأنه الإمام الأعظم، وبطريق القضاء؛ لأنه القاضي الأحكم، وبطريق الفتيا؛ لأنه المفتي الأعلم، ويتفق العلماء في بعض التصرفات وإضافته إلى أحد هذه العبارات ويختلفون في بعضها"([6]).
وبذلك يتبين لنا أنّ هذا التقسيم لا حجة فيه لما ذهب إليه الدكتور العثمانيّ، ولا ينبغي أنْ ننسى أنّ الأصل في تصرفات النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّها للتأسي والاقتداء، وأنّها حجة على العباد، إلا ما ورد فيه دليل أو قامت معه قرينة تخرجه عن ذلك لكونه من خصائص النبيّ صلى الله عليه وسلم أو من الأمور الجبلية أو من أمور الدنيا، يقول الآمديّ: "إذا فعل النبي عليه السلام فعلاً ولم يكن بياناً لخطاب سابق، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب أو الإباحة ... فمعظم الأئمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا مُتَعَبَّدون بالتأسي به في فعله واجباً كان أو مندوبا أو مباحا ... والمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والإجماع، أما النص فقوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا}، ولولا أنه متأسَّى به في فعله ومتَّبَع، لما كان للآية معنى ... وأيضا قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} ووجه الاستدلال به أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة، فلو لم تكن المتابعة له لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة وذلك حرام بالإجماع، وأيضا قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}، ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي بالنبي عليه السلام من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر، ويلزم من عدم التأسي عدم الملزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر ... وأما الإجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة وهو حرام، وفي تقبيله عليه السلام للحجر الأسود، وجواز تقبيله وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا تحصى"([7]).
وقد تعامل الصحابة مع هذه الحقيقة المستقرة بفقه ووعي، فإنّك "إذا تدبرت أحوال الصحابة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وجدت هذا ظاهراً في تعاطيهم مع ما كان يصدر عنه من تصرفات، فالأصل أنها موضع التسليم والانقياد، فإذا اشتبه عليهم طبيعة هذا التصرف بادروا إلى السؤال للتحقق بما يؤكد أو ينفي الطبيعة التي صدر عنها هذا التصرف بعد وجود قرينة دفعت لحالة الاشتباه، ولو كان لهم عزل السنة الدنيوية أو السياسية أو العسكرية عن التشريع لبادروا إلى الاعتراض، وإنّما كان سؤالهم ناشئا عن قضية طارئة على تصرف مخصوص مع استصحاب الأصل الذي تصدر عنه التصرفات النبوية"([8]).
أمّا الأمور الدنيوية فهي شيء آخر مختلف عن كل هذه التقسيمات، يعرفها كل عارف بالفرق بين الدين والدنيا، فمن ذلك تأبير النخل، والغيلة التي همّ النبي بالنهي عنها، وغير ذلك مما يدخل في فنون الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو الطب أو الهندسة أو المعمار والبناء وغير ذلك، ويمكن أن تقع في باب القضاء، كمهارة القاضي في استخلاص الحقيقة من أقوال المدَّعِيَيْنِ، فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله؛ فإنما أقطع له قطعة من النار؛ فلا يأخذها "([9])، فالطرائق العقلية التي يهتدي من خلالها القاضي إلى الحقيقة باستقراء كلام المتخاصمين أمر دنيويّ، بينما الأحكام المنظمة للقضاء والمتعلقة بالدعاوى والبينات وطرق الإثبات وشروط القاضي وأحوال نقض حكم القاضي وغير ذلك من الأمور الدينية التشريعية، بل إنها تقع في باب العبادة، من ذلك ما اعتبره بعض العلماء وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفاقا، ولم يُرِدْ به أن يتأسى به الناس، فقد خرّج مسلم عن عائشة: «نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج»([10])، وعن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رمل بالبيت، وأن ذلك سنة، فقال: صدقوا وكذبوا ... قلت: ويزعم قومك أنه طاف بين الصفا والمروة على بعير، وأن ذلك سنة. فقال: صدقوا وكذبوا. ..." ([11])، وبين له أنّهم صدقوا في أنّ الرسول فعله، وكذبوا في قولهم بأنّه سنة.
أمّا استدلال بعضهم بأنّ الصحابة اختلفت طرائقهم في اختيار من يحكمهم على عدم وجود نظام للحكم فهو - لعمر الحق - مجازفة أجرأ من المجازفة بالنفيس من المال في مقامرة خاسرة، فالثابت أنّ جميع الخلفاء تم اختيارهم عبر مرحلتين: مرحلة البيعة الخاصة ومرحلة البيعة العامة، فأمّا بيعة الخاصة فهي اختيار وعقد وتولية، وأما بيعة العامة فهي إقرار وإعلان للسمع والطاعة، وهي بمثابة استفتاء للأمة على اختيار نوابها وولاة أمرها للإمام؛ فإن أجازته الأمة ببيعة العامة أو الاستفتاء العام ثبت العقد واستقرت الإمامة، وإلا كان على أهل الحل والعقد أن يعيدوا الاختيار، هذا هو الثابت الذي لم يتغير.
أما الذي تغير من حالة لأخرى فهو بعض الإجراءات التي يمكن أن تدخل في حيز الأمور الاجتهادية والأحكام المتغيرة، مثل مشاركة الإمام لأهل الحلّ والعقد وترشيحه لأحد الصالحين للإمامة لتختاره الأمة، فيما سمي بالاستخلاف، وهو إجراء لا يلغي الحكم الثابت المستمر وهو البيعة بنوعيها: بيعة الخاصة وبيعة العامة، ومثل ترشيح عدد تختار منهم الأمة من شاءت كما فعل عمر، وكل هذه الإجراءات لا تضر بالأصل المستمر، وهو البيعة واختيار الأمة للحاكم، وكونها مصدر شرعية الحاكم.
وسياق الرواية التي روت استخلاف أبي بكر لِعُمَرَ أوضحُ دليل على أنّ الاستخلاف لم يكن سوى مشاركة في الشورى والاختيار، روى ابن الجوزيّ في مناقب عمر: «لما ثقل أبو بكر رضي الله تعالى عنه واستبان له من نفسه، جمع الناس فقال: إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا لمأتي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي، فقاموا في ذلك وحلوا عنه فلم تستقم لهم، فقالوا: أرئ لنا يا خليفة رسول الله ...»([12]). وبدأت بعدها المشورة ثم البيعة، فقوله: ردّ الله عليكم أمركم اعتراف منه وإقرار بانّ السلطان للأمة، وقولهم: أرئ لنا بعدما حاروا في الأمر ولم تستقم لهم استدعاء منهم له ليشاركهم في القرار، وعليه فليس هناك تغير في أصل طريقة التولية، وإنما التغير في بعض التفاصيل التي تنتسب إلى الأمور الاجتهادية أو إلى الأمور الدنيوية، والتي لا تضر بثبات المنهج.
وإذا عدنا لقولهم إنّ الإسلام لم يأت في باب السياسة إلا بمبادئ عامّة ثم ترك الأمة تضع في ضوء هذه المبادئ نظامها المناسب لكل عصر من عصورها، وجدنا أنفسنا مضطرين إلى طرح جملة من الأسئلة الجادة، أولها وأهمها: ما المقصود بهذه المبادئ العامة والقيم الكلية، أهي تلك التي يسلم بها الخلق أجمعون على اختلاف مللهم ومذاهبهم؟ أهي القيم الإنسانية العامّة كالعدل والحرية وما شابه ذلك؟ أم تقصدون بها القواعد والأسس المقَوْنَنَةِ التي تميز النظام السياسي الإسلامي وتحدد معالمه الرئيسية، ولكل جواب من الجوابين رَدٌّ يَرُدُّ الدعوى من جذرها على مدعيها، فإن كانوا يقصدون بالمبادئ والقيم بالمعنى الأول، وهذا وارد بقوة، بل هو الظاهر في أقوالهم؛ فهذا القصد والمعنى يثير جملة من الإشكاليات، فهذه المبادئ لها عند كل قوم تفسير، ولها عند كل أمة من الناس قوانين تنظمها، فليس الجديد في موافقتك لكافة الخلق في الإقرار بمبدأ العدل ولا بمبدأ الحرية ولا حتى بجميع مبادئ حقوق الإنسان، وإنّما الجديد المفيد يتمثل في القوانين والأحكام المفسرة والمنظمة لهذ المبادئ، ومحالٌ أن يقال إنّ الإسلام مثلا أقر مبدأ العدل، ثم ترك تنظيمه لما يهتدي إليه الخلق من قوانين وأحكام تنظم هذا المبدأ وتحققه في واقع الناس؛ فهذا خرف يتعارض مع طبيعة الإسلام، وهذا مما يعرف بالبداهة ولا يحتاج إلى تطويل بذكر الشاهد أو الدليل.
بل إنّك واجدٌ بلا أدنى مشقة في فروع الشريعة المتفق عليها أحكاما ثابتة راسخة وردت في سياق العدل مرفوضةً في ثقافات أخرى جملة وتفصيلا، ومثلها في ميدان الحريات والحقوق؛ فكيف السبيل إلى تطبيق المبادئ والقيم؟ فإن قلنا بما ينتجه البشر في تجاربهم وبما يبدعونه في تشريعاتهم فقد خرجنا على الشريعة جملة وتفصيلا، وإن قلنا بأنّه لا سبيل إلى ذلك إلا بما ورد في الشريعة فقد بطل الادعاء من أصله ولزم القول الذي لا محيد عنه وهو أنّ الإسلام لم يقف فقط عند حدود المبادئ العامة والقيم الكلية.
ثم إنّ نظرة هؤلاء إلى القيم نظرة جزئية مختلة؛ لأنّهم يهملون القيم الحاكمة التي تتغير حتما من أمّة لأخرى، والتي تتدخل بحسم للبت في مسألة الهوية العامّة للأمة، والتي يكون لها دور فاعل في توجيه القيم الإنسانية العامّة، فإنّك إن نظرت في منظومة القيم لأمّة من الأمم وجدت القيم العامة كالعدل والحريات والحقوق محكومة بقيم نوعية تختص بها هذه الأمة، فمثلا قيم الحداثة ومبادئها قيم عليا حاكمة في الغرب، كقيمة سيادة الإنسان على الكون والحياة، وهي القيمة المقابلة في الأمة الإسلامية بقيمة الاستخلاف، تجد أنّ هذه القيمة حاكمة وفاصلة؛ بما يجعلها تؤثر في تفسير وفهم وتطبيق سائر المباديء، وهكذا.
وإن كانوا يقصدون بالمبادئ العامّة مقاصد الشريعة الكلية، كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض، قلنا إنّ هذه المقاصد العليا لا سبيل إلى تحقيقها إلا بالأحكام الشرعية المفصلة في شريعة الله تعالى؛ فالعباد مخاطبون بفروع الشريعة ومُتَعبَّدُون بها لا بمقاصدها، وما عرف العلماء المقاصد إلا باستقراء هذه الفروع، ثم إنّه لا يقول بإمكان تحقيق هذه المقاصد بأيّ قوانين ينتجها البشر ولو خالفت أحكام الشريعة إلا منابذٌ للشرع قد مرق من الدين كما يمرق السهم من الرميّة.
أمّا إن قصدوا بذلك الأسس والقواعد الحكمية والدستورية المقوننة فقد وضعوا أيدينا وأيديهم على أول السُّلَّم التشريعي للنظام السياسي الإسلاميّ؛ لأنّ هذا النوع من المبادئ يتسم بالسمات الحكمية القانونية القواعدية، فمثلا: عندما نقول إنّ للديمقراطية مبادئَ وأُسُسًا تقوم عليها، وذكرنا من ذلك هذين الأصلين القانونيين: السيادة للشعب، والأمة مصدر السلطات؛ فقد دخلنا عمليا في تفصيلات النظام الحاكم، ووضعنا أيدينا على أول السلم التشريعي في النظام الديمقراطيّ، وكذلك إن قلنا: إنّ من أهم مباديء وأسس النظام السياسي الإسلاميّ: السيادة للشرع والسلطان للأمة؛ فقد دخلنا عمليا في تفصيلات النظام الحاكم، ووضعنا أيدينا على أول السلم التشريعيّ للنظام الإسلاميّ.
لقد وضع الإسلام أُسُسًا عامّة من هذا القبيل، ووضع آليات تشريعية لتحقيق كل أساس من هذه الأسس، وإذا كان النظام الديمقراطيّ قد حدد أجهزة تقوم على هذه الأسس كالسلطة التشريعية والسلطة القضاية والسلطة التنفيذية، فإنّ الإسلام حدد كذلك أجهزة وجدت في الشريعة كما وجدت في الواقع التاريخي للأمة، كمؤسسة الخلافة ومؤسسة المجتهدين ومؤسسة أهل الحل والعقد ومؤسسة بيت المال ومؤسسات القضاء والمظالم والحسبة؛ فلماذا يقال عن الإسلام إنّه لم يأت إلا بمبادئ عامّة وقيم كلية ثم لا يقال مثل ذلك عن الديمقراطية؟!
صحيحٌ أنّ الإسلام لم يأت بقوالب جامدة، ولم يتوسع في التفاصيل بما يغلق أبواب الاجتهاد والتجديد، لم يفعل الإسلام هذا لا في باب السياسة ولا في غيره من الأبواب، وما وقع في بعض فقرات التاريخ من قولبة وجمود لا يسأل عنه الإسلام ولا تتحمل تبعته كل أجيال المسلمين، بل إنّه لَمِنَ الْمُسَلَّمِ به لدى كافّة العلماء أنّ الشريعة الإسلامية قد تركت فجوات واسعة وأفسحت كثيرا في مساحات العفو التشريعيّ، وذلك في الميادين التي تتجدد بتجدد مرافق الحياة، كالميدان السياسي، لكنّ هذه المساحات وهذه الفجوات والفراغات جاءت في سياق نظام؛ لذلك كانت مقصودة لا منسية ولا مهملة، كانت مقصودة لإحداث المرونة اللازمة لتحقيق عموم الشريعة وبقائها على مدى الزمن وامتداده.
وتتجلى هذه المساحات المتروكة للاجتهاد البشريّ في دائرتين منظمتين مؤطرتين، الدائرة الأولى دائرة الأمور الاجتهادية، أو موارد الاجتهاد الفرعيّ، وهي تلك التي لم يرد فيها نصّ، وتحتاج إلى اجتهاد شرعيّ مؤطر بالشرع، بأدوات الاجتهاد الشرعيّ المرتبطة بالمصدر الرئيس وهو الكتاب والسنة، كالقياس والاستحسان والمصلحة وغير ذلك، وأمّا الدائرة الثانية فهي دائرة الأدوات والآليات والأمور الفنية والتقنية، فهذه متروكة للتجربة الإنسانية وللخبرة البشرية، وليس من شرطها أن يرد بها شرع ولو بالاجتهاد، وإنّما شرطها الذي يؤطرها شرعا هو ألا تكون مصادمة للشرع وأن تكون محققة للمصلحة.
أمّا القول بأنّ النظام السياسي ابن الزمان المكان والظرف، وأنّ المسلم مطالب ألا يعيش خارج الزمان والمكان والظرف الذي هو فيه، وأنّ عليه أن يحاول أن يقيم ما استطاعه من الدين تحت سقف هذا النظام، كما يقول - مثلا - الدكتور جاسم سلطان وغيره؛ فهذا حقّ وما فيه شك ولا ريب، صحيح أنّ نظام الحكم ابن الزمان والمكان والظرف التاريخي، وأنّه يولد من رحم المرحلة التي يمر بها، وصحيح كذلك أنّ المسلم مطالب بأن يتعامل مع الوضع القائم ويحاول أن يؤثر فيه بدينه وعقيدته ما استطاع، ولا يكلفه الله بما لا يستطاع، ولا يصح أن يعيش المسلم خارج الواقع المعاش، بل عليه أن يحياه محاولا تغييره ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لكنّ هذا لا يعني أنّ الإسلام لم يأت بنظام للحكم، ولا يعني أنّ المسلمين غير مطالبين إلا بالنزول على حكم الزمان والمكان والظرف نزولا كاملا، فإذا كان النظام السياسي ابن الزمان والمكان والظرف؛ فإنّ الأمة الإسلامية مطالبة بتغيير الظروف والأحوال في كل زمان ومكان بما يجعله مهيئًا لإقامة دين الله كله بما في ذلك النظام السياسي، والأمة مطالبة بذلك بالتدرج، وعبر مراحل، وليس على وجه العسف وركوب الصعب، فإنّ الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، فمشكله من يقول هذا القول أنّه يسحب حكم الرخصة على حال العزيمة، ولا يفرق بين حال الاضطرار وحال الاختيار، ولا ينظر إلى المشروع الإسلاميّ الواجب التحقيق إلا من الزاوية السياسية وحسب، فإنّ مشروع الأمة الواجب التحقيق يشتمل فيما يشتمل على رفع حال الأمة في جوانبها كافّة حتى تكون مهيأة لوضع نظامها الخاص بها في كل الميادين وليس فقط في ميدان السياسة، أليس هذا من فكر النهضة؟ أم النهضة تبعية للآخر؟!
يجب علينا أن نفرق بين حال الاختيار وحال الاضطرار، فأمّا في حال القدرة والاختيار؛ فالواجب هو إقامة النظام الإسلاميّ بكافّة أحكامه، وأمّا في حال الضعف والاضطرار؛ فالواجب إعمال قواعد الضرورة، مثل: اختيار أهون الشرين، وارتكاب أخفّ الضررين، والميسور لا يسقط بالمعسور، وغير ذلك، ويجب على الأمة أن تضع مشروعها للتمكين والنهوض والانبعاث الحضاريّ بحيث يكون لديها التصور الأصليّ للنظم الإسلامية في الميادين السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها، ولديها كذلك تصور للمراحل التي سوف تسلكها في طريق التمكين وطبيعة كل مرحلة، والقواعد الكلية التي تضبط السير فيها.
أمّا شكل وصورة النظام السياسيّ الإسلاميّ الذي طُبّق في عهد الراشدين، والذي يجب علينا العمل به حال القدرة والاختيار، والسعي نحوه والاقتراب منه قدر الإمكان في حال الاقتهار والاضطرار، فهذا ما يجب علينا أن نجتهد في استخراجه وإقراره لا في طمسه وإنكاره، كما يجب علينا أن نجتهد في صياغته في قوالب معاصرة؛ مستثمرين الخاصية العبقرية في هذا النظام، وهي خاصية المرونة التي اكتسبها من ترك مساحات الآليات والأدوات للاجتهاد البشريّ، هذا هو التجديد، أمّا أن نبادر بالقول بعدم وجود هذا النظام فهذا ليس بتجديد ولا توليد وإنّما هو في حقيقته وجوم وجمود وتصرف بليد.
وفي الختام أحبُّ أن أهدي القرّاء النموذج الذي رسمته للنظام السياسي الإسلامي، والذي يجمع بين التأصيل الشرعي والتفصيل المعاصر، في كتابي (النظام السياسي الإسلامي ومؤهلات التفوق)، والمطبوع بمكتبة الأصول العلمية باسطنبول، وكتابي: (النظرية العامّة لنظام الحكم في الإسلام)، والمطبوع بدار اليسر في مصر، وهو متوفر على الإنترنت على مواقع المكتبات الأليكترونية مثل مكتبة نور وغيرها، ونسأل الله القبول والتوفيق والسداد، (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).
([1]) الدين والدولة وتطبيق الشريعة - د. محمد عابد الجابري - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت - ط أولة 1996م صــــــ70-71
([2]) الدين والدولة وتطبيق الشريعة - د. محمد عابد الجابري - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت - ط أولة 1996م صـــ 80-81
([3]) التشريع من السنة وكيفية الاستنباط منها - د. علي القره داغي - مجلة مركز بحوث السنة والسيرة - العدد الثاني 1987م صـــ 365
([4]) ر: نظرية الدكتور سعد الدين العثمانيّ عرض ونقض – د. عطية عدلان صــــ 26
([5]) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام - للإمام القرافيّ - ط ثانية 1995 - دار البشائر الإسلامية بيروت صــــــ 108
([6]) الذخيرة - أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس الشهير بالقرافي - دار الغرب الإسلامي- بيروت - ط: الأولى، 1994م (6/ 157)
([7]) الإحكام في أصول الأحكام - للآمدي ت: عبد الرزاق عفيفي - المكتب الإسلامي، بيروت- 1/186 - 187
([8]) ينبوع الغواية الفكرية - عبد الله بن صالح العجيري - مجلة البيان - فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية - ط أولى 1443ه - صـــــ576
([9]) رواه البخاري (2680)
([10]) صحيح مسلم (2/ 951)
([11]) مسند أحمد ط الرسالة (4/ 437)
([12]) مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - أبو الفرج ابن الجوزي - دار ابن خلدون - الإسكندرية - مصر (ص55).
د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق