القَبْرُ أوَّلُ منازلِ الآخرة!
في بيت النبي
الموتُ ليس نهايةَ الحكاية، بل بدايتها!
والقبرُ هو البابُ الذي يَعبرُ منه الإنسانُ من ضجيجِ الدُّنيا إلى صمتِ الحقيقة، حيثُ تسقُطُ الأقنعةُ، وتبقى الأعمالُ، ويقفُ المرءُ وحيدًا لا يحملُ معه اسمًا ولا منصبًا ولا متاعًا، بل قلبًا وما قدَّم.
هناك في تلك الحُفرةِ الضيِّقة، يبدأُ الامتحانُ الحقيقيُّ. فإمّا روضةٌ من رياضِ الجنَّة، يتَّسعُ فيها الضِّيق، وتأنسُ فيها الوحشة، ويأتي العملُ الصالحُ في صورةِ رفيقٍ يؤنسُ الليلَ، ويهوِّنُ السُّؤالَ، ويقولُ لصاحبِه: لا تخفْ، هذا يومُك الذي كنتَ تُوعَد. نورٌ، وطمأنينةٌ، وبشارةُ انتظارٍ جميل، كغفوةِ متعبٍ أيقنَ أنَّ الصَّباحَ قريب.
وإمّا حفرةٌ من حُفَرِ النَّار، يضيقُ فيها المكانُ فوق ضيقه، وتُفتَحُ فيها أبوابُ الخوف، ويأتي العملُ السَّيِّئُ ثِقلًا على الصَّدر، ووحشةً في الظَّلام، وتبدأُ الحسرةُ حيثُ لا رجعةَ ولا اعتذار. هناك يُدرِكُ الإنسانُ أنَّ ألفُرَصَ التي أضاعَها كانت عُمرَه كلَّه، وأنَّ التَّسويفَ كان أفدحَ خساراتِه.
القبرُ يُخبِرُنا أنَّ الحياةَ ليست بطولِها، بل بخاتمتِها، وأنَّ النَّجاةَ لا تُصنَعُ بالشِّعارات، بل بالسُّجودِ الخفيّ، والصِّدقِ الصَّامت، والحقوقِ التي لم نأكُلْها، والقلوبِ التي لم نكسِرْها.
هو مرآةُ السَّرائر؛ مَن أصلحَ باطنَه أكرمه اللهُ في قبرِه، ومَن أفسدَ سرَّه ضاقَ عليه موضعُه ولو وُسِّعَ له في الدُّنيا.
القبرُ يُرعِبُ مَن لم يُعِدَّ له جوابًا.
أمّا المؤمنُ، فيدخلُه كما يدخلُ المسافرُ إلى استراحةٍ بعد عناء، يعلمُ أنَّ وراءها طريقًا أقصر، وموعدًا أجمل.
وأمّا الغافلُ، فيدخلُه على حينِ غِرَّة، لأنَّه عاشَ كأنَّه لن يُسألُ ولن يُحاسَب.
فطوبى لِمَن جعل قبرَه روضةً قبل أن يراها، بطاعةٍ صادقة، وقلبٍ سليم، وعملٍ لا يخجلُ منه إذا أُغلِقَتِ الأبواب. وويلٌ لِمَن استهانَ بالآخرة، حتّى جاءَه القبرُ فجأةً، فأخبرَه بما كان يُكذِّب.
هكذا هو القبرُ: إمّا بدايةُ نعيمٍ لا ينقطع، أو أوَّلُ ندمٍ لا يُحتمل. والاختيارُ، ما دمنا أحياء، لا يزالُ بأيدينا!
روى الشَّيخانِ في صحيحيهما، في حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:
دخلتْ عليَّ عجوزانِ من عُجُزِ يهودِ المدينةِ، فقالتا: إنَّ أهلَ القبورِ يُعذَّبونَ في قبورِهم.
فكذَّبتُهما، ولم أُنعِمْ أن أُصدِّقَهما.
فخرجتا، ودخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ، فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عجوزينِ من عُجُزِ يهودِ المدينةِ دخلتا عليَّ، فزعمتا أنَّ أهلَ القبورِ يُعذَّبونَ في قبورِهم.
فقالَ: صدقتا، إنَّهم يُعذَّبونَ عذابًا تسمعُه البهائمُ!
فما رأيتُه بعدُ في صلاةٍ إلَّا يتعوَّذُ من عذابِ القبرِ.
يُعلِّمُنا هذا الحديثُ أنَّ الحقَّ لا يُعرَفُ بمَن قاله، بل بما دلَّ عليه. فكم من كلمةٍ نُكذِّبُها لأنَّها جاءت من حيثُ لا نُحبّ، ولو أنَّنا أنصتنا لها لكانت نجاةً لنا. العاقلُ مَن إذا بانَ له الحقُّ خضعَ له، ولم يجعلِ الكِبرَ حجابًا بينه وبين الهداية.
ويُعلِّمُنا الحديثُ أنَّ الجهلَ ليس عيبًا، وأنَّ الرُّجوعَ إلى الصَّوابِ كرامة. أُمُّنا عائشةُ رضيَ اللهُ عنها لم تستحِ أن تُراجِع، ولم تتردَّدْ أن تسأل، ولم تُكابِرْ حين جاءها البيان. وهكذا القلوبُ السَّليمة؛ إذا أضاءَ لها الحقُّ الطَّريقَ مشتْ فيه مُطمئنَّة.
ثمَّ انظروا كيف يكونُ الإيمانُ حيًّا حين يُخالِطُ القلب. لمّا أُخبِرَ النَّبيُّ ﷺ بعذابِ القبر، لم يمرَّ الخبرُ مرورَ السَّامعين، بل صار دعاءً مُلازِمًا، وتعوُّذًا لا يتركُه في صلاة.
فالإيمانُ الصَّادقُ لا يقفُ عند حدودِ المعرفة، بل يتحوَّلُ إلى خوفٍ يُصلِح، وخشيةٍ تُهذِّب، وعملٍ يُنقِذ.
ويُوقِظُنا الحديثُ من غفلتِنا، ليقولَ لنا: إنَّ وراءَ هذه الحياةِ مرحلةً لا يُمكِنُ تجاهُلُها. القبرُ ليس سكونًا أبديًّا، بل بدايةُ حساب، وموضعُ جزاء. فطوبى لِمَن تذكَّر هذا وهو في فسحةِ الاختيار، ولم ينتظرْ حتّى يُحاصَرَ ولا يملكُ الرُّجوع.
ثمَّ يفتحُ لنا بابَ الأملِ مع بابِ الخوف؛ فما دام العذابُ حقًّا، فإنَّ الاستعاذةَ منه حقٌّ أيضًا.
لم يتركْنا رسولُ الله ﷺ أمامَ الفزعِ وحده، بل دلَّنا على الملجأ: أن نلوذَ بالله، وأن نُكثِرَ من الدُّعاء، وأن نُصلِحَ السَّرائرَ قبل الظَّواهر. فبابُ الله مفتوح، ومَن طرقَه صادقًا لم يُرَدّ!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق