الخميس، 22 أكتوبر 2026

من هو المثقف؟

  من هو المثقف؟

زكريا نمر

كاتب وباحث سوداني


بعض المثقفين لا يدافعون عن الحقيقة، بل يدافعون عن القبيلة والمسؤول الفاسد والجهة التي ينتظرون منها مصلحة. 

وحين تتعارض مصالحهم مع مصلحة المجتمع، لا يترددون في التضحية بالحقيقة، حتى لو كان الثمن مزيدا من الفقر والجهل والانقسام. 

هؤلاء لا يستخدمون المعرفة لفهم الواقع وتغييره، بل يوظفونها لتبرير أخطائه وحماية المسؤولين عن فشله.

المثقف الذي لا يستطيع انتزاع نفسه من الانتهازية، ولا يملك الشجاعة لمواجهة جماعته عندما تخطئ، لا يؤدي دورا حقيقيا في المجتمع.

 فالشهادة الأكاديمية لا تمنح صاحبها وعيا نقديا تلقائيا، والقدرة على الحديث في المنابر وكتابة المنشورات لا تجعل الإنسان مثقفا بالضرورة.

قيمة المثقف في قدرته على التفكير المستقل، وكشف الفساد، ومساءلة السلطة، ومواجهة الأفكار التي تدفع المجتمع نحو الصراع والتخلف، حتى عندما تصدر هذه الأفكار عن أشخاص ينتمي إليهم.

في الواقع السياسي والاجتماعي، نجد من يقدم نفسه باعتباره مثقفا، لكنه يقف في صف المسؤول الفاسد لمجرد أنه ينتمي إلى قبيلته، ويدافع عن أبناء السلطة مهما كانت أخطاؤهم، ويبحث عن المبررات لكل فشل يصدر عن جماعتهم. لا يناقش الوقائع ولا يسأل عن الأموال العامة التي أهدرت، ولا عن المؤسسات التي تعطلت، ولا عن المدارس التي تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم الحديث.

كل ما يهمه هو حماية الأشخاص الذين يرى أن الدفاع عنهم واجب قبلي أو سياسي.

هذا النوع من المثقفين لا يكتفي بالصمت عن الفساد، بل يمنحه غطاء اجتماعيا، ويحول النقاش من محاسبة المسؤول إلى الدفاع عن هويته.

فإذا انتقد أحدهم مسؤولا فاسدا، سارع إلى اتهامه باستهداف القبيلة، وإذا طالب بمحاسبة أحد أبناء السلطة، جرى تصويره عدوا للجماعة.

وبهذه الطريقة تصبح القبيلة وسيلة لإسكات النقد، ويصبح الفساد قضية انتماء بدلا من أن يكون قضية قانون ومسؤولية عامة.

ما الذي يجعل شخصا متعلما يدافع عن مسؤول يعرف أنه فاسد، ثم يطالب الناس باحترام موقفه باعتباره موقفا فكريا؟

هل فقد القدرة على التمييز بين المصلحة العامة ومصلحة جماعته، أم أنه يعرف الحقيقة لكنه يفضل تجاهلها حتى لا يخسر موقعه أو علاقاته؟

في الحالتين، لا يمكن إعفاءه من المسؤولية؛ لأن الجهل بشيء يختلف عن معرفة الخطأ ثم الدفاع عنه.

المشكلة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتبرير الفساد، بل يسهمون في إدخال المجتمعات في صراعات داخلية عبر خطابات الكراهية والتحريض والتخوين.

بدلا من البحث عن أسباب الأزمات، يوجهون غضب الناس نحو قبائل أخرى أو جماعات سياسية منافسة، ويقدمون الخلافات باعتبارها معارك بين جماعات متناحرة، لا صراعا حول السلطة والموارد والحقوق والمسؤولية.

وهكذا ينشغل المواطن بالعداء لجاره، بينما يواصل أصحاب النفوذ إدارة مصالحهم بعيدا عن المساءلة.

إن الخطاب الذي يحرض الناس على بعضهم لا يصبح وطنيا لمجرد أن صاحبه يتحدث باسم قبيلته، ولا يصبح سياسيا واعيا لمجرد أنه يعرف كيف يهاجم خصومه.

عندما يستخدم المتعلم معرفته لإنتاج الكراهية، فهو لا يساهم في حل الأزمة، بل يزيدها تعقيدا. والمجتمع الذي يتحول فيه المثقف إلى محرض، ويصبح فيه المتعلم مدافعا عن التعصب، لن تنقذه زيادة عدد الشهادات؛ لأن المشكلة لم تعد في نقص التعليم وحده، بل في غياب المسؤولية الأخلاقية والفكرية.

أما المثقف الذي يراقب السلطة والمعارضة والقيادات القبلية، فلا يجوز أن يختار لهم معايير مختلفة للمحاسبة.

ليس من المقبول أن يرفع صوته ضد الفساد عندما يصدر عن خصمه، ثم يخفضه عندما يرتكبه شخص من جماعته.

وليس من المنطقي أن يطالب بالعدالة عندما يكون المتضرر من قبيلته، ثم يتجاهل حقوق الآخرين عندما يكون الظلم واقعا عليهم. هذه ليست مواقف نقدية، بل انتقائية تحكمها المصالح والانتماءات.

والسؤال الذي يستحق النقاش هو: كم من هؤلاء قدم مبادرة حقيقية لإصلاح السياسة، أو تطوير التعليم، أو نشر ثقافة المواطنة، أو الحد من خطاب الكراهية؟ كم واحدا منهم انشغل بتقديم أفكار قابلة للتطبيق لتحسين المدارس، وتأهيل المعلمين، وتشجيع البحث العلمي، وتوسيع فرص الشباب، وبناء مؤسسات تحترم القانون؟ وكم واحدا اكتفى بكتابة منشورات التأييد والهجوم، ثم اعتبر نفسه صاحب مشروع فكري؟

ليس المطلوب من المثقف أن يحل جميع مشكلات المجتمع بمفرده، لكن المطلوب ألا يجعل قلمه أداة لتعطيل الحلول. يستطيع أن يكتب دراسة، أو يفتح نقاشا عاما، أو ينظم مبادرة للتوعية، أو يقدم تصورا لإصلاح قطاع التعليم، أو يواجه خطاب الكراهية بالحجة والمعرفة.

وقد لا تنجح كل مبادرة، لكن غياب المحاولة مع الاستمرار في توزيع الاتهامات يكشف أن بعض المتحدثين باسم التغيير لا يريدون تحمل مسؤولية عملية تجاه المجتمع.

إن إصلاح السياسة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بمراجعة الثقافة التي تسمح للمسؤول الفاسد بالاختباء خلف القبيلة، وللقيادة الفاشلة بالاستمرار في الحكم دون محاسبة، ولأبناء الطبقات النافذة بالحصول على الامتيازات بينما يدفع بقية المواطنين ثمن سوء الإدارة.

والمثقف الذي لا يناقش هذه القضايا، ولا يطالب بقواعد عادلة لتوزيع الفرص والموارد، ولا يرفض تحويل مؤسسات الدولة إلى ممتلكات خاصة، يترك المجال مفتوحا أمام استمرار الأزمة.

ولا ينفصل التعليم الحديث عن هذه المعركة.

فالمجتمع يحتاج إلى تعليم ينمي القدرة على التفكير والتحليل والبحث، لا إلى تعليم يكتفي بتخريج أشخاص يحملون الشهادات ويكررون ما يسمعونه.

يحتاج الطلاب إلى تعلم احترام الاختلاف، وفهم حقوق الإنسان، والتمييز بين النقد والإهانة، وبين الانتماء القبلي والمواطنة.

كما يحتاج المعلمون والمؤسسات التعليمية إلى بيئة تساعدهم على أداء دورهم، بعيدا عن التوظيف السياسي والتمييز والمحسوبية.

لكن من الصعب المطالبة بتعليم ينتج عقولا مستقلة بينما يدافع بعض المتعلمين عن الولاء الأعمى، ويهاجمون كل من يخالفهم، ويبررون تجاوزات المسؤولين باسم الانتماء.

كيف يمكن لشخص أن يدعو إلى نهضة المجتمع، ثم يرفض محاسبة أحد أبناء جماعته؟ وكيف يطالب بالعدالة، ثم يقبل أن تكون الفرص والوظائف والامتيازات مرتبطة بالقرب من السلطة؟

إن التناقض بين الخطاب والممارسة هو ما يجعل كثيرا من الدعوات إلى الإصلاح بلا قيمة عملية.

المثقف ليس مطالبا بالتخلي عن قبيلته أو إنكار جذوره الاجتماعية، لكنه مطالب بفهم الفرق بين الانتماء والتعصب.

يستطيع أن يحب جماعته دون أن يبرر أخطاءها، وأن يدافع عن حقوق أبنائها دون أن ينكر حقوق الآخرين، وأن ينتقد خصومها دون أن يختلق ضدهم الاتهامات.

أما تحويل الانتماء إلى مبرر للفساد والتمييز والكراهية، فهو إضرار بالمجتمع وبالجماعة نفسها؛ لأن القبيلة التي تحمي الفاسد تضعف فرص أبنائها في العيش داخل دولة عادلة.

ولا أرى أن المشهد الثقافي والسياسي يعكس حضورا كافيا للمثقف المستقل الذي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

هناك من يمتلكون المعرفة والخبرة، لكن بعضهم يختار الصمت عندما تكون المحاسبة مكلفة، أو يغير خطابه بحسب موقعه من السلطة، أو يجعل من خصومه هدفا دائما بينما يتجنب أخطاء حلفائه.

وعندما يصبح النقد انتقائيا، يفقد المجتمع وسيلة مهمة لكشف الخلل وتصحيح المسار.

المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون معارضا دائما، كما لا يحتاج إلى أن يكون مؤيدا دائما. عليه أن يفحص المواقف والقرارات والنتائج، وأن يحدد موقفه بناء على الوقائع لا على هوية صاحب القرار.

فقد تتخذ السلطة قرارا صحيحا يستحق الدعم، وقد تقدم المعارضة موقفا خاطئا يستحق النقد. الاستقلال الفكري يعني القدرة على قول ذلك دون الخضوع لضغط الجماعة أو إغراء المنصب أو الخوف من خسارة العلاقات.

كما أن مسؤولية المثقف لا تتوقف عند نقد المسؤولين، بل تشمل نقد المجتمع نفسه عندما يقبل الظلم أو يبرر العنف أو يشارك في نشر الكراهية.

فليس كل ما يصدر عن المجتمع صحيحا، وليس كل ما تتفق عليه الجماعة عادلا. أحيانا يحتاج المجتمع إلى من يواجهه بحقيقة لا يرغب في سماعها، ويذكره بأن حقوق الإنسان لا تتغير بتغير القبيلة، وأن دماء المواطنين لا تختلف قيمتها بحسب انتماءاتهم.

إن النهضة الإنسانية تبدأ عندما يصبح الإنسان قيمة في ذاته، لا مجرد رقم داخل قبيلة أو أداة في يد حزب أو وسيلة للوصول إلى السلطة.

ولا يمكن بناء مجتمع يحترم الإنسان إذا كان المثقف نفسه يبرر إهانته أو يحرض عليه أو يصمت عندما تنتهك حقوقه.

الدفاع عن الإنسان لا يحتاج إلى شروط قبلية أو سياسية، والعدالة التي تستثني أبناء الجماعة لا تستحق أن تسمى عدالة.

أزمة المثقف ليست في أنه لا يتحدث، بل في أنه قد يتحدث كثيرا دون أن يقدم معرفة أو نقدا أو مبادرة.

وقد يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بالتحليلات، لكنه يتجنب سؤالا بسيطا: ماذا فعلت لتغيير الواقع الذي تنتقده؟ لا أقصد أن الكتابة وحدها عاجزة عن التغيير، بل إن الكتابة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى تكرار للمواقف نفسها، دون بحث أو مراجعة أو محاولة لتقديم بدائل.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الأشخاص الذين يبررون أخطاء جماعتهم، أو يلمعون المسؤولين، أو يحولون الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية.

نحن بحاجة إلى مثقفين يواجهون الفساد مهما كان مصدره، ويرفضون التحريض مهما كان صاحبه، ويقدمون أفكارا ومبادرات في السياسة والتعليم وبناء السلام، ويعاملون الإنسان على أساس حقوقه لا على أساس قربه من السلطة أو انتمائه القبلي.

السؤال الذي أطرحه ليس كم لدينا من حملة الشهادات، ولا كم شخصا يكتب عن الوعي والتغيير، بل كم واحدا يستطيع أن ينتقد قبيلته عندما تخطئ، ويحاسب المسؤول الذي يدعمه، ويرفض الدفاع عن الفساد حتى لو كان المستفيد منه أقرب الناس إليه؟

وكم واحدا مستعدا لأن يقدم للمجتمع فكرة أو مبادرة أو عملا يساهم في تحسين حياة الناس بدلا من دفعهم إلى مزيد من الصراع؟

إذا كان المثقف لا يستطيع مخالفة جماعته عندما تخطئ، ولا مساءلة السلطة عندما تفسد، ولا تقديم بديل عندما ينتقد، فما الذي يميزه عن أي تابع آخر؟

وما الفائدة التي يجنيها المجتمع من معرفة تتحول إلى وسيلة لحماية المصالح وتبرير الفشل؟

المشكلة ليست في قلة المتعلمين، بل في أن بعضهم لم يجعل من المعرفة مسؤولية تجاه المجتمع.

وحين يتحول القلم إلى مدافع عن الفساد، ويصبح المتعلم أداة في صراع القبائل والسلطة، يفقد المثقف دوره، ويصبح جزءا من الأزمة التي يدعي أنه يريد إصلاحها.


«لم يبقَ أحد على قيد الحياة»: كيف دفن المتطوعون 600 جثة في شمال كردفان بالسودان

«لم يبقَ أحد على قيد الحياة»: كيف دفن المتطوعون 600 جثة في شمال كردفان بالسودان
تحذير: تحتوي مقاطع الفيديو والصور والشهادات التي حصل عليها موقع ميدل إيست آي على مشاهد صادمة تكشف عن الدمار الذي خلفته المجازر مع استمرار الحرب في السودان.

متطوع يدفن جثة في بارا، شمال كردفان، السودان (MEE)

محمد أمين في الأبيض، السودان

محمد أمين صحفي سوداني متخصص في الجغرافيا السياسية وانتهاكات حقوق الإنسان في السودان وجنوب السودان، بالإضافة إلى مناطق أخرى في شمال شرق أفريقيا. يعمل لدى العديد من وسائل الإعلام الإقليمية والدولية. في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، منحته مؤسسة روري بيك جائزة مارتن أدلر عن عمله في موقع ميدل إيست آي، حيث غطى مجازر مجموعة فاغنر والانقلاب السوداني.
تاريخ النشر:٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ ٠٧:٣٤ بتوقيت بريطانيا الصيفي | آخر تحديث: منذ ٢٠ ساعة و٣٥ دقيقة




تطلّب الأمر 50 متطوعاً لجمع ودفن أكثر من 600 جثة.

امتلأت شوارع مدينة بارا، بولاية شمال كردفان السودانية ، بالجثث. وتناثرت الجثث في القرى المحيطة، كما تُركت على الطريق الذي يربط بارا بعاصمة الولاية، مدينة الأبيض ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة.

وقال شهود عيان إن معظمهم قتلوا في هجمات انتقامية نفذتها قوات الدعم السريع شبه العسكرية .

أدى تراكم أعداد كبيرة من الجثث إلى تحويل بارا إلى أرض قاحلة خالية من السكان، حيث تلوثت أرضها وانتشر فيها الحشرات والعقارب.

ينتشر مرض مجهول بسرعة بسبب الجثث، ويعمل المتطوعون، الذين يرتدون بدلات واقية وأقنعة، بأقصى جهد ممكن للتخلص من الرفات بأمان.

تُظهر مقاطع الفيديو والصور التي تم مشاركتها حصرياً مع موقع ميدل إيست آي ضحايا المجازر التي وقعت خلال فترة من القتال العنيف في يوليو، عندما استعادت القوات المسلحة السودانية المنطقة من قوات الدعم السريع.

أفادت مصادر محلية متعددة، من بينها ناشطون ومتطوعون شاركوا في عملية انتشال الجثث ودفنها، لموقع ميدل إيست آي أن معظم الجثث تعود لمدنيين، أما البقية فكانوا لمقاتلين من القوات المسلحة السنغافورية وقوات الدعم السريع.


جثة سوداني قُتل في بارا، شمال كردفان (MEE)


بالإضافة إلى أكثر من 600 جثة تم جمعها، تقول المصادر إن هناك المئات من الجثث الأخرى لا تزال تتحلل في بارا والمناطق الريفية المحيطة بها.

اتهم النشطاء، بمن فيهم غرف الاستجابة للطوارئ المستقلة ، بالإضافة إلى متطوعين من المقاومة الشعبية الذين عملوا تحت قيادة القوات المسلحة السنغافورية، قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي ترعاها الإمارات العربية المتحدة والتي خلصت الأمم المتحدة والولايات المتحدة إلى أنها ارتكبت إبادة جماعية ، بارتكاب مجازر وعمليات قتل جماعي في منطقة بارا في أكتوبر 2025.
مقابر جماعية وجثث مكشوفة

أفاد أحد المتطوعين لموقع ميدل إيست آي أنهم فتحوا 200 مقبرة جماعية في المنطقة، ثم قاموا بدفن جميع الجثث المتراكمة فيها دفناً لائقاً. وأضاف المصدر أنه تم دفن 400 جثة أخرى.

وأوضح قائلاً: "تم تمويل هذه الجهود من قبل العديد من الجماعات المحلية بما في ذلك نساء ورجال بارا، بالإضافة إلى آخرين في الشتات، وخاصة أولئك الذين يعيشون في دول الخليج، وآخرين في الأبيض".



وقال المصدر إن وزارة الصحة السودانية والهلال الأحمر السوداني ومبادرات محلية أخرى زودت المتطوعين بالحقائب والأكياس.

لا تزال المجموعة منخرطة في عملية تنظيف وتعقيم لمنع انتشار المرض. وقال المتطوع: "ما زلنا بحاجة إلى الكثير من الإمدادات والمستلزمات، بما في ذلك الوقود والقفازات والكمامات ومعقمات اليدين والحقائب وغيرها من المواد".

وقال عبد الرحمن، وهو عضو بارز في لجنة مقاومة بارا، لموقع ميدل إيست آي: "تم العثور على هذه الجثث في الشوارع والساحات وكذلك داخل المنازل".

"تم العثور على آخرين في قرى حول بارا، ولا تزال العملية جارية لأننا نعتقد أن العدد أعلى مما ورد في التقارير الميدانية."
متطوع يضع جثة في كيس (MEE)

وقال عبد الرحمن إن هناك مئات الجثث لا تزال عالقة

 في مناطق حول بارا، بما في ذلك في جيريجيخ

 وجبرات الشيخ وأم سيالة.

زعمت وزارة الإعلام السودانية أن انتهاكات قوات

 الدعم السريع امتدت إلى أكثر من 100 قرية حول

 بارا، حيث اضطر جميع سكان المنطقة إلى الفرار من

 منازلهم بسبب الهجمات.

بعد اجتماع عقد مؤخراً بين القادة المحليين في بارا

 ووزير الإعلام السوداني خالد إسماعيل أحمد علي

 العيسير، قالت الوزارة إن الحكومة ستدعم ضحايا

 انتهاكات قوات الدعم السريع من خلال المساعدة في

 الرعاية الطبية وإعادة الإعمار.

تحولت الأجساد إلى هياكل عظمية

تُظهر الصور ومقاطع الفيديو التي تم مشاركتها

 حصرياً مع موقع ميدل إيست آي ونشرها هنا جثثاً

 ملقاة في العراء لشهور. 

تحللت بعض الجثث، بينما تحولت جثث أخرى إلى

 هياكل عظمية، وهي عملية يمكن أن تستغرق بضعة

 أسابيع فقط في مناخ حار مثل مناخ السودان. 


قام عشرات المتطوعين الذين يرتدون قفازات وملابس

 واقية بجمع الجثث، التي تحول بعضها إلى مجرد

 عظام. قاموا بتعبئتها في سيارات قديمة أو شاحنات

 صغيرة ودفنوها جماعياً. 




كانت الهياكل العظمية من مختلف الأعمار، بما في ذلك الأطفال وكبار السن. أما الجثث الأخرى الأحدث فكانت لأفراد عسكريين.

وصف المتطوعون ظروفاً قاسية، وأرضاً قذرة وملوثة تعج بأسراب الفراشات والحشرات الأخرى، وتزورها العقارب، ومليئة بالحيوانات والطيور النافقة.
جثة بارا شمال كردفان
تتحلل الجثث بسرعة عند تركها في العراء لأشهر (MEE)


قال أحد المتطوعين لموقع ميدل إيست آي: "لم تعد هناك حياة في بارا". وأضاف أن البيئة انهارت تماماً بسبب العدد الهائل من الجثث الذي أدى إلى انتشار سريع لأمراض مجهولة.

"هذا العمل شاق، ونحن نقوم به دون مساعدة مباشرة من السلطات أو المنظمات غير الحكومية الدولية. الشيء الوحيد الذي حصلنا عليه هو أكياس نقل الموتى من الهلال الأحمر السوداني"، هكذا قال المتطوع.

قال إسماعيل كرم الدين، وهو متطوع وعضو بارز في المقاومة، لموقع ميدل إيست آي عبر الهاتف: "إن غالبية الجثث التي انتشلناها من بارا وقرى أخرى هي لمدنيين قُتلوا في هجمات انتقامية في المدينة بعد دخول قوات الدعم السريع إليها العام الماضي".

"هذه الجهود لا يقوم بها إلا متطوعو أهالي بارا بقيادة المقاومة الشعبية في المدينة. أما الهلال الأحمر ووزارة الصحة المحلية فقد اقتصر دورهما على توفير الصناديق والأكياس لحفظ الجثث ودفنها."


تستمر الحرب في السودان وسط تدخلات خارجية


بدأت الحرب في السودان في أبريل 2023، وهي الآن أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث نزح أكثر من 11 مليون شخص قسراً من ديارهم، ويعتقد أن 150 ألف شخص على الأقل لقوا حتفهم.

وقد اتُهمت كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، في حين تبين أن قوات الدعم السريع قد ارتكبت إبادة جماعية في أجزاء مختلفة من دارفور، غرب السودان.

تحظى منظمة دعم اللاجئين بدعم الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من أن أبو ظبي لا تزال تنفي تورطها على الرغم من الأدلة المتزايدة، بما في ذلك تلك التي قدمتها بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان.
متطوعو بارا

مجموعة من المتطوعين في صورة التُقطت في مدينة بارا بالسودان (MEE)



يوم الاثنين، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام خريطة قسمت السودان بين الغرب الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، والذي تم تصنيفه على أنه صديق لإسرائيل والإمارات العربية المتحدة، وبقية البلاد، والتي تم تصنيفها على أنها صديقة لتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وباكستان.

تتلقى القوات المسلحة السودانية دعماً عسكرياً من تركيا ومصر ؛ وقد قتلت الأخيرة مؤخراً ما لا يقل عن 114 شخصاً في غارة جوية على منجم ذهب على الحدود السودانية المصرية.

شهدت شمال كردفان تقدماً عسكرياً واسع النطاق للقوات المسلحة السعودية في الأسابيع الأخيرة، حيث سيطر الجيش على مناطق سودار وأم بدر والمزروب وغيرها، تاركاً معظم الولاية تحت سيطرته.

قال مصدر عسكري لموقع ميدل إيست آي إن القوات المسلحة السعودية ستتقدم نحو ولاية غرب كردفان المجاورة، وخاصة مدينتي النهود والخويي، الواقعتين في مناطق غنية بالصمغ العربي.

في السابق، كانت هذه المناطق تنتج أكثر من 80 بالمائة من الصمغ العربي في العالم، وهو مكون حيوي للشركات متعددة الجنسيات مثل كوكاكولا وبيبسي، ويستخدم أيضًا في الأدوية ومستحضرات التجميل.

من جانبها، وسعت قوات الدعم السريع نطاق هجمات الطائرات بدون طيار لتشمل البلاد بأكملها، بما في ذلك الأبيض، وكوستي في ولاية النيل الأبيض، وعطبرة في الشمال، والعاصمة الخرطوم، ومدينة أم درمان التوأم.

لا تزال الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب غير فعالة.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

الوحدة التركية أم الوحدة الإسلامية؟

 الوحدة التركية أم الوحدة الإسلامية؟


آيدن أونال 

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

عندما أوشكت الدولة العثمانية، التي كانت دولة عالمية، على التفكك، بدأت نقاشات حول «العثمانية أم الوحدة التركية أم الوحدة الإسلامية»، باعتبارها استراتيجية دفاعية وطريقًا للخروج من الأزمة.

يمكننا القول إنه لم يبقَ من «العثمانية» إلا القليل، لكن النقاشات حول الوحدة التركية والوحدة الإسلامية لا تزال تحتفظ بحرارتها حتى بعد مرور 150 عامًا.

بدأت روسيا، اعتبارًا من عام 1850، احتلال الأراضي التركية في تركستان والقوقاز. 

وتحت تأثير المثقفين الذين لجؤوا من هذه المناطق إلى الدولة العثمانية، بدأت في أوساط المثقفين بإسطنبول حركة «رومانسية تركية»، في ظل التشاؤم واليأس اللذين خلّفتهما الهزيمة في البلقان. 

وقد أكد علي سعاوي، وسليمان حسني باشا، وأحمد وفيق باشا، وأحمد مدحت، وإسماعيل غاسبرينسكي، ويوسف أقجورا، وزيا غوغ ألب، وعمر سيف الدين، وأغاؤ أوغلو أحمد، والعديد من الأسماء الأخرى، أن خلاص الدولة العثمانية يمر عبر الاتحاد التركي.

 وظهر في تلك الفترة شعار «من البحر الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم»، كما كتب زيا غوغ ألب في تلك السنوات الأبيات التالية: «الوطن ليس تركيا بالنسبة إلى الأتراك، ولا تركستان / الوطن بلد عظيم وأبدي: توران».

عندما تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، عادت الدول التركية إلى مسرح التاريخ واحدة تلو الأخرى. وكان أكبر عائق أمام «الوحدة التركية» قد زال، وبات من الممكن أن يتحول الحلم الكبير إلى حقيقة. لكن الأمور لم تسر كما كان متوقعًا. 

فقد شعوب تركستان والقوقاز التركية والمسلمة، إلى  حد كبير، قيمها الأصيلة تحت وطأة القمع الروسي    والسوفيتي الذي استمر قرنًا ونصف القرن. فضلًا عن ذلك، لم يختفِ الظل الروسي تمامًا عن هذه المناطق.

مرّ أكثر من 30 عامًا، ولا يزال قيام تحالف أو اتحاد أو وحدة في العالم التركي بعيد المنال. فالآليات التي أُنشئت لا تحقق النتائج المرجوة.

في الحقيقة، لا تقتصر المسألة على الاحتلال الروسي فحسب. فحتى ما قبل الاحتلال الروسي، ظل العالم التركي، على مدى آلاف السنين، في حالة من التنازع والتناحر والاقتتال فيما بينه. 

إن تاريخ آسيا الوسطى هو تاريخ الحروب بين الأتراك أنفسهم. فقد ذبح الهون، والغوكتورك، والقرلوق، والقراخانيون، والغزنويون، والأوغوز، والخوارزمشاهيون، والشروانشاهيون بعضهم بعضًا؛ وفي الغرب، اضطرت الدولتان السلجوقية والعثمانية إلى حماية أراضيهما من الأتراك أكثر مما اضطرتا إلى محاربة الصليبيين، كما عايشتا الغزو التيموري وفترة الاضطراب التي أعقبته. 

وسالت دماء الأتراك أنهارًا في الحروب التي خاضوها مع الغزنويين، والآق قويونلو، والقراقويونلو، والصفويين، والمماليك، ونادر شاه، والقاجاريين، وغيرهم الكثير.

يُقال: «ليس للتركي صديق سوى التركي»، لكن الحقيقة القائمة على أرض الواقع، وفي الممارسة العملية، وعلى مسرح التاريخ، هي أن «ليس للتركي عدو سوى التركي». وعندما لم تجد الدول التركية من تقاتله، انقسمت فيما بينها، وحاربت بعضها بعضًا، وانشغلت بالتمردات الداخلية.

إننا نواجه مجددًا في هذه الأيام حقيقة استحالة قيام «اتحاد تركي».

في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية، ظهرت «الوحدة الإسلامية» أيضًا بوصفها وسيلة دفاعية، تمامًا مثل «الوحدة التركية». 

غير أن الوحدة الإسلامية، مقارنة بالوحدة التركية، تمثل «التفاحة الحمراء» أكثر رسوخًا على أرض الواقع، وأكثر قابلية للتحقق، وأكثر عملية، وأعمق جذورًا. 

فالإسلام، في المقام الأول، هو عقيدة تقوم على مبدأ «الأخوّة». 

فعلى سبيل المثال، فإن التحالف الذي تقيمه تركيا اليوم مع باكستان الأوردية، وسوريا العربية، والبوسنة والهرسك البوشناقية، والشركس، وإفريقيا المسلمة، والأهم من كل ذلك مع الأكراد، والقيم المشتركة التي تتقاسمها معهم، تفوق بأضعاف مضاعفة ما يجمعها بأخيها التركي.

ولنضف إلى ذلك أمرًا آخر: ففي حين أن خصوم الأتراك والمسلمين لا يخشون القومية الإثنية، بل يشجعونها، وينشرون، منذ رينان، الادعاء القائل إن الإسلام عائق أمام التقدم، ويعملون على إبعاد الهوية التركية عن أصولها وعزلها من خلال خطاب «التأثير العربي و/أو الفارسي»، فإنهم يخشون الاتحاد الإسلامي، وقد كرّسوا كل جهودهم خلال القرن ونصف القرن الأخيرين لمنع الوحدة الإسلامية. واليوم، فإن «الطورانية» أو «العنصرية التركية»، لا القومية بمعناها العام ولا توليفة الترك والإسلام، ليست سوى محاولة لمحو التركي المسلم، وبالتالي التركي، من مسرح التاريخ.

إن طريق الخلاص أمام المسلمين، بل أمام البشرية  جمعاء، هو الوحدة الإسلامية؛ أما ما عدا ذلك، فهو  محض أوهام، كما نرى بوضوح في هذه الأيام أيضًا. 

فلا تنخدعوا بحالة الانقسام التي يشهدها العالم الإسلامي؛ إذ يمكنه أن يتحد ويتكامل ويصبح كأصابع اليد الواحدة. 

فهذا ممكن وواقعي. و«التفاحة الحمراء» الوحيدة التي تستحق أن نعيش من أجلها ونموت في سبيلها هي هذه فحسب.