‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ.د. جمال عبدالستار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ.د. جمال عبدالستار. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 16 فبراير 2026

رحلة إلى الأعماق

رحلة إلى الأعماق
أ.د. جمال عبدالستار

هلمَّ بنا نرحل لا إلى أرضٍ تُرى، ولا إلى أفقٍ تُدركه الأبصار، بل هي رحلةٌ إلى الأعماق؛ حيث يسكن الكنز الدفين، وتُخبَّأ الثروة الضائعة، ويتوارى نورٌ خافتٌ ينتظر من يوقظه، إنها رحلةٌ لا تحتاج زاداً من متاع الدنيا، بل تفتقر إلى شجاعة مواجهة، وصدق بحث، وحنينٍ لم ينطفئ تماماً في أفئدتنا، سنبحر معاً في عباب الداخل، نُنقّب بين طبقات النفس عن شوقٍ باهتٍ أرهقته الغفلة، وعن يقينٍ غطّاه غبار الأيام، وعن بوصلةٍ اضطربت حين تكاثرت الاتجاهات؛ لسنا هنا لنجلد ذواتنا، ولا لنغرق في عتمة العتاب، بل لنستعيد توازن القلب، ونضبط مؤشر الروح على جهة السماء.

فهيا بنا نغوص.. نُزيح الركام عن معادننا الأصيلة، ونمسح الضباب عن مرآة أرواحنا، حتى يعود النور أوضح، والشوق أصدق، والبوصلة أثبت، إنها رحلة إصلاحٍ لا استعراض، وعودة لا هروب، واكتشاف يعيد إلينا أنفسنا كما أرادها الله: حيّةً، واعيةً، متجهةً إليه بالكلية.

افتح باب قلبك

أغمِض عينيك الآن.. واستشعر في صمتك ذاك النداء الخالد: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات: 50)، إن هذا الفرار ليس هروباً من الدنيا بحد ذاتها، بل هو نزوحٌ مقدس من ضجيجها المنهِك إلى سكينة محبته ورحمته الواسعة سبحانه؛ أغمضهما جيداً، وكأنك في هذه اللحظة توصد أبواب السوق بكل صخبه ومساوماته، لتفتح بقلبك باب الآخرة بكل أحداثه ومشاهده، دع عنك تلك الزخارف التي تتلألأ في عينيك ساعةً ثم تخبو كأن لم تغنَ بالأمس، وتذكر قوله سبحانه: (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185)، ليس المطلوب منك أن تهجر الدنيا بجسدك، بل أن تمارس أصعب أنواع الزهد العرفاني؛ أن تُنزلها من عرش قلبك لتسكن تحت قدميك.

تفقد مواضع النظر الرباني

انزل الآن إلى غور قلبك، فتّش في زواياه عن موضع نظر الله إليك؛ ألم يخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»؟ فما حال ذاك القلب لو كُشف الغطاء ونظر إليه ربك في هذه اللحظة؟ ما الذي سيراه الملك في داخلك؟ فتّش.. وأخرج ما لا يليق بمقام النظر الإلهي، أخرج الغيرة المذمومة، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس، والرغبة المحمومة في رضاهم، انزع الشحناء، واغسل البغضاء، وحرّر قلبك من أسر المقارنات المادية؛ فقد قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، وقال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) (طه: 131).

كنزك المفقود

تفقّد داخلك ستجد غناك هناك، لا في الممتلكات والثروات؛ بل في صدق إيمانك بالغني المغني سبحانه، وحسن توكلك عليه، واكتفائك به عن جميع خلقه، فسعادتك التي أعياك البحث عنها مخبأةٌ في قلب الرضا والتسليم، ومطويةٌ في طمأنينة الامتنان؛ ولن يبحث عن السعادة والمكانة عند الناس إلا مَن فقدها في حضرة نفسه، وكلما ذهل المرء عن جوهره النفيس، بالغ في بيع روحه بثمنٍ بخيس.

الرضا والافتقار

اعلم أن الرضا ليس كلمةً تُقال، بل هو مقامٌ وجودي يُعاش، هل رضيت بالله رباً حقاً؟ هل رضيت بحكمه حين وافق هواك وحين خالفه؟ هل سلّمت لحكمته حين فهمت وحين لم تفهم؟ أم أن في أعماقك اعتراضاً خفياً يتزيّا بلباس السؤال؟

ثم تفقد قلبك من الكِبر؛ ذلك الدخيل الخفيّ الذي قد يتسلل في ثنايا الطاعة نفسها، تذكّر قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ ذرةٌ واحدة قد تحجبك عن جنة عرضها السماوات والأرض، فاخضع لله سجوداً، واعترف بفقرك، وردد من أعماقك: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ إنها كلمة العارفين حين تنكشف لهم حقيقتهم: عجزٌ كامل أمام قدرةٍ كاملة.

أنوار التوحيد وأشواق اللقاء

ابحث عن التوحيد في ثنايا الروح؛ هل الله في وجدانك حقاً أكبرُ من خوفك؟ أكبرُ من طموحك الذي يؤرقك؟ وأعظمُ من خساراتك التي كسرتك؟ ابحث فيه عن المحبة؛ هل إذا ذُكر الله اقشعر قلبك شوقاً، أم أن الذكر بات مجرد عادة يجري بها اللسان؟ ابحث عن الرجاء؛ هل تترقب رحمته بلهفة من ينتظر رزقاً أو فرصةً دنيوية؟ وابحث عن الشوق الصادق؛ هل تحنُّ حقاً إلى لقائه؟ فمن كان يرجو ذلك اللقاء، فإن أجل الله لآتٍ لا محالة.

مشهد العبور والسِّر المكنون

تخيّل تلك اللحظة في أول ليلةٍ بقبرك، حين يُغلق اللحد، وتنصرف خطى الأحباب، وتبقى وحيداً إلا من عملك، هناك، في ذاك الضيق، لا ينفعك إلا صدقك، ولا يؤنس وحشتك إلا ذكرك، ولا يضيء عتمتك إلا إخلاصك الذي ادخرته.

تخيّل نفسك الآن في مشهد العرض العظيم: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: 9)؛ هناك لن يُسأل عن ظاهرك المنمّق، بل عما كان في سرّك المخبوء، وحين يُقال لك: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) (الإسراء: 14)، تأمل حالك؛ هل ستقرأ بطمأنينة الواثق، أم بارتجاف المفرّط؟

رمضان والاستغناء بالله

أغمِض عينيك مرةً أخرى، واسأل نفسك بصدق: كيف ستطأ قدماك عتبات رمضان؟ أبقلبٍ مشتّتٍ في أودية الدنيا، أم بقلبٍ فارغٍ من كل شيء إلا من الله؟ اجعل لك في هذه الأيام سرّاً لا يعلمه إلا هو؛ دمعةً تسيل في خلوة، صدقةً تخرجها بيمينك فتخفيها عن شمالك، أو ركعةً في ظلام الليل لا يشهدها إلا جبار السماوات والأرض.

تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»؛ فاحفظ حدود قلبك من الأغيار، يحفظ الله روحك من الشتات والضياع.

دعك من ضجيج الناس وأخبارهم قليلًا، واشتغل بالله كثيراً؛ فلا تضيع عمرك في تتبّع شؤونهم فتفوّت على نفسك خبر نفسك، إن أعظم المشاريع قاطبة هو إصلاح الداخل، لأنه إذا أصلحت السريرة، تولّى ربك إصلاح الظاهر؛ فمن أصلح سره أصلح الله علانيته.

إن رمضان بابٌ يُفتح كل عام، لكنه لا يُفتح إلا لمن قصد الدخول بصدق، فأقبِل بقلبٍ منكسر، وروحٍ مشتاقة، ونفسٍ تائبة، وقل بلسان حالك: يا رب، لا أريد رمضان عادةً أكررها، بل أريده قُرباً منك أعيش به ولأجله.

تذكر أن رمضان ليس موسم جوعٍ للأبدان، بل هو رحلة عودةٍ للأرواح إلى مآبها، تأمل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين يحلّ الشهر؛ كيف يتغير كيانه، فيكون أجود ما يكون، ويعتكف بقلبه، ويُقبِل بكليّته على مولاه، لم يكن رمضان في مدرسته برنامجاً زمنياً، بل كان مقاماً وجودياً يتنفس فيه العبد أنوار القدس.

اللهم اجعلنا ممن إذا دخل رمضان، غمرته رحمتك، وإذا خرج منه، خرج مغفوراً له، وقد انقاد قلبه إليك بالكلية، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد؛ ذاك الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه حباً وشوقاً، ثم يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، فكن أنت ذاك العبد؛ الذي يبحث عن الله في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء؛ فإن وجدته وجدت كل شيء، وإن فقدته فقدت كل شيء.

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

الأمة.. والطاقات المعطلة

 الأمة.. والطاقات المعطلة 

الأستاذ الدكتور جمال عبد الستار  

الأمين العام لرابطة علماء أهل السنة

لم تكن الأمة في إفقار إلى الإمكانات، ولا في نقصٍ من الطاقات، بل على العكس تماماً؛ فقد حباها الله تعالى سائر المقومات ووافر المقدرات، ومن أكثر المفارقات إيلاماً في الواقع العربي المعاصر أن وفرة الطاقات البشرية والعقلية ليست موضع شك، بل هي من الحقائق المشهودة إحصائياً وواقعياً.
فالمجتمعات العربية تزخر بعقول مبدعة، وكفاءات علمية عالية، ومواهب استثنائية في مجالات الطب والهندسة والعلوم الدقيقة والتقنية والإنسانيات والفنون.. غير أن هذه الوفرة لم تتحول في الغالب إلى قوة حضارية فاعلة، لا لعجز في الإنسان، بل في تعطيل الطاقات وإهدار الإمكانات، وتتبلور معالم التعطيل التي أدت الى تلك المأساة الحضارية في نقاط جوهرية:


أولاً: غياب الرأس الناظم:

تتجلى مشكلة إدارة تلك الإمكانات في غياب «الرأس الناظم» والقيادة البصيرة التي تحرك الطاقات في الاتجاه الصحيح، وقد فطن العدو لهذه الثغرة، فصنع من «التفرقة» شباكاً يصطاد بها المؤثرين ليوقعهم في أتون معارك طاحنة لا طائل من ورائها، معارك يُعدُّ الجهل بها غنيمة والعمل بها مضيعة؛ وذلك على المستويات كافة.
ولم يستورد يوسف عليه السلام إمكانات ولا طاقات من الخارج ليعالج الكارثة التي أصابت الناس، ولكنه أعاد هندسة إدارة الطاقات والإمكانات المتاحة، فأحدث حلولاً ناجعة، وكذلك فعل ذو القرنين، حيث حول الطاقة الخامدة إلى قوة فاعلة تعتمد على إمكاناتها وتكتشف مواهبها، بدلاً من أن تظل عاطلة تعتمد على غيرها في كل أمورها؛ أولئك الذين وصفهم الحق بقوله: (لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (الكهف: 93).


ثانياً: غياب المشروع الجامع:

يكمن الخلل الآخر في غياب «المشروع الكلي» الذي يستوعب تلك الطاقات ويؤطر تلك الإمكانات؛ ما جعل الأمة تبدو في ظاهرها أفقر الأمم رغم عظيم ثرواتها، وأجهل الأمم رغم نبوغ أفرادها، والمفارقة الصارخة تكمن في أنَّ الكثير من البلاد الإسلامية تُستنزف أموالها وتُهدر مقدراتها، في حين يبلغ علماؤها -والعرب منهم خاصة- الغاية في المجالات العلمية والبحثية والمهنية والفكرية حين يوضعون في بيئات الغرب المنظمة، حيث وصل الكثير منهم إلى مناصب سامقة ومراتب عالمية، لا لشيء إلا لأنهم وجدوا النظام الذي يقدّر الإبداع والمشروع.


ثالثاً: غياب البيئة الحاضنة:

فقدان البيئة الآمنة، التي تحتضنه وتمنحه الثقة، وتوفر له شروط الاستمرار والنمو، غياب البيئة التي تسمح بالخطأ، وتشجع على السؤال، وتحمي المبادرة من الإقصاء، وتربط الكفاءة بالاستحقاق لا بالانتماء، وحين تغيب هذه البيئة؛ يتحول التفوق إلى عبء، والاختلاف إلى مخاطرة، والإبداع إلى عزلة.
والمفارقة الأشد دلالة أن هذه الإمكانات ذاتها، حين انتقلت إلى البيئات الغربية، أبدت قدرة لافتة على التميز والإبداع، وأسهمت في نهضة البحث العلمي، وتقدّم الجامعات، وتطوير الصناعات المعرفية والتقنية، ولم يكن ذلك نتيجة تحوّل جوهري في الإنسان ذاته، بل نتيجة اختلاف السياق؛ سياق يحكمه مشروع معرفي واضح، ومؤسسات راعية، وقواعد شفافة، وثقافة تقدّر الجدارة وتكافئ الإنجاز، والحقيقة المركزية أن العقل العربي حين يُوضع في بيئة منظمة، عادلة، وآمنة، ينتج بالقدر ذاته، وربما أكثر مما ينتجه في أي سياق عالمي متقدم.


رابعاً: غياب المعرفة المنهجية:

العقل العربي ليس عاجزاً عن الإبداع ولا عن الفهم، لكنه يعمل –في الغالب– دون إطار منهجي جامع، ودون مشروع حضاري يستوعب نتاجه ويوجهه، فيتحول العلم إلى جهد فردي معزول، أو إلى معرفة مؤسسية بلا روح، أو إلى تكديس معلومات لا تُترجم إلى أثر في الواقع، والمشكلة هنا ليست في نقص المعرفة، بل في غياب السؤال الكبير الذي تنتظم حوله المعرفة.
إنَّ غالب المنظومة التعليمية في العالم العربي لم يتبقَّ لها من «العربية» إلا الاسم وبعض المعلومات السطحية؛ أما العمق التربوي، والتأثير الوجداني، واكتشاف المهارات، وصناعة الرواد، فإنَّ مناهجنا أبعد ما تكون عن صياغة هذا النموذج، بل إنَّ جلَّ المناهج في العالم العربي إنما هي ثمرة إشراف وصناعة غربية؛ لذا أضحى التغريب متمثلاً في قلب غربي وعقل غربي، يرتديان ثوباً عربياً، ولا علاقة لهما باستحقاقات العربية ومنظومتها القيمية.


خامساً: غياب المهمة وفقْد الذات:


ويتجلى التعطيل كذلك في الإنسان العربي نفسه؛ لا من حيث الكفاءة، بل من حيث الموقع والدور، فالإنسان هنا كثيراً ما يُقصى عن صناعة القرار، أو يُستنزف في صراعات جانبية، أو يُدفع إلى الهجرة القسرية، أو يُفرَّغ من المعنى ليغدو مجرد أداة في مشروع لا يصنعه، وهكذا تُهدر الطاقة الإنسانية، لا لأنها عاجزة، بل لأنها غير مُحتضَنة ضمن رؤية واضحة؛ بل إن هناك حالة إهدار متكاملة الأركان، حتى أضحى المرء لا يعلم مَن هو ولماذا وجِد؟ وذلك من شدة ما صار هملاً بلا هوية أو تأثير!


سادساً: التعطيل القيمي:


على المستوى القيمي، فإن الأمة تمتلك رأسمال أخلاقياً فريداً، قوامه مفاهيم العدل، والأمانة، والاستخلاف، وكرامة الإنسان؛ غير أن هذه القيم غالباً ما تُحبس في الخطاب الوعظي، أو تُوظَّف توظيفاً انتقائياً يخدم الصراع لا البناء، وحين تُفصل القيم عن وظيفتها الحضارية، تتحول من قوة توجيه إلى شعارات مستهلكة، ومن منطلق للنهوض إلى وسيلة للتخدير، فأضحت قيمه التي يسمعها لا أثر لها في واقعه المجتمعي أو حتى القطري أو الأممي؛ فكثير من الدول العربية تعرضت لحملات تجريف وتحريف، أزالتها عن منصة القيادة القيمية والنمذجة الأخلاقية.


سابعاً: غياب الوعي:


الوعي العربي المعاصر –في كثير من صوره– وعيٌ مجزّأ، متردد، يعيش ردّ الفعل أكثر مما يصنع الفعل، ويُرجع إخفاقاته إلى المؤامرة الخارجية وحدها، دون مساءلة البنية الداخلية التي سمحت لتلك المؤامرة أن تنفذ وتستقر، وحين يتحول الوعي من أداة تشخيص وتغيير إلى أداة تبرير وتنفيس، تفقد الأمة بوصلتها، وتغدو أسيرة الدوران في الحلقة ذاتها.


يمكن أن نختم بالقول: إنه لا سبيل إلى تجاوز هذا الواقع إلا عبر منهجية فكرية رشيدة، تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مركز المشروع، وبالانتقال من منطق الانفعال إلى منطق الفعل المقصود، ومن الشعارات العامة إلى البرامج القابلة للتراكم، كما لا نهضة دون تحويل القيم إلى أنظمة، والمفاهيم إلى سياسات، والرؤية إلى مؤسسات.
الأمة العربية لا تحتاج إلى معجزة خارقة، ولا إلى استيراد ذاتٍ بديلة، بل إلى استرداد ذاتها المعطَّلة، وحين تدرك أن أزمتها ليست فيما فُرض عليها فحسب، بل فيما عطَّلته في داخلها، تبدأ أولى خطوات الخروج من زمن التيه إلى زمن الفعل، ومن حالة الإمكان المؤجَّل إلى واقع الإنجاز الممكن

الأحد، 8 فبراير 2026

حين يضيع الطريق من أهله

 حين يضيع الطريق من أهله 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾



الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

في محراب الحوت فقه المراجعة وميلاد الفجر الجديد

 في محراب الحوت

فقه المراجعة وميلاد الفجر الجديد


لقد تباينت أنظارُ المفسرين وتعددت مسالكُهم في قراءة ما جرى لنبي الله يونس عليه السلام، بيد أنَّ أقربها إلى فقه النفس وأسلمها لمرادِ الدرس، هي تلك الرؤية التي ترى في خروجه غضباً بشرياً اشتعل من لظى الاستخفاف ومرارة الإعراض؛ فلقد استمرأ قومُه الإمهال، وأمعنوا في المكابرة، حتى ضاق صدرُ الداعية بطولِ اللجاج، فغادر ميدانَه قبل أن يُؤذن له، منطلقاً من طريقٍ هندستهُ رؤيتُه الخاصة لا مَهمتُه المقدسة، وانبثق من أنينِ ألمه لا من صرامةِ تكليفه.

وتلك هي «رؤيةُ المُغضَب» التي تُولد دائماً من رحم الانفعال، والرؤية إذا استمدت نورها من نار الغضب كانت أولى بالتريث لا بالتنفيذ، إذ القرار في لحظاتِ الفوران غالباً ما يكونُ خصماً للحكمة، وعدواً لدوداً للبصيرة؛ ألم تأتِ البشرى لموسى عليه السلام حين كبح جماحَ انفعاله فكان الجزاءُ: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ) (الأعراف: 154)؟ فكان «سكوتُ الغضب» العتبةَ الضرورية لحمل الألواح، لأن الأمانة الكبرى لا يقوى على حملها قلبٌ ترجفهُ رياحُ الاضطراب.

لم تكن قصةُ يونس حادثة عابرة طواها الزمن، بل جعلها الله عبرة تتردد أصداؤها في جَنباتِ التاريخ، وصرخةً نذيرة وجّهها لنبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن ورائه كلُّ من سلك دربه إلى يوم الدين في قوله: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ) (القلم: 48).

إنه نداءٌ يحذرُ كلَّ منتسبٍ للدعوة، فرداً كان أو تياراً، نظاماً أو منظومة، مهما بلغت سطوتُه أو عظُم أثرُه، من أن يركب سفينة رؤيته الشخصية ويُبحر في يمّ منهجيته الخاصة، منفصلاً عن مِشكاة التكليف وميدان التشريف.

فالسُنّة الجارية تقضي بأنَّ السفن إذا داهمتها العواصفُ، وجب عليها أن تتخفف من أثقالها حمايةً لمسارها، وليس أثقل على سفنِ الحق من النفوس المدخولة والقلوب القاسية وأصحاب المنافع الذين قد يُلقى بهم في اليمِّ لتستمر المسيرة، وحاشا نبي الله يونس من ذلك، فللأنبياء مقامُهم وعصمتُهم، لكنَّ العبرة تبقى في أنَّ سفينة النجاة لا تتعدد، وهي أن تُحمل الرسالةُ حتى الكلمةِ الأخيرة، ويُقبضَ على جمرها حتى اللحظةِ الأخيرة.

ثم يمتد المشهدُ ليصور المصير المحتوم، حين التقم الحوتُ يونس عليه السلام في غيابات الظلمة والضيق، ليجد من ترك الألواح نفسه في مواجهة حتمية مع حوتِ القهر، وحوتِ الشدة، وحوتِ غيابِ المنطق وضياعِ الأسباب.

وبطنُ الحوت ليس جغرافيا لنبيٍّ واحد، بل هو مآلٌ لكل يونس بَحَثَ عن نجاةٍ منفصلةٍ عن التكليف، فمن ألقى الألواح لا ينتظرُ في الأحشاء فلاحاً؛ فهناك لهيبٌ يحرق الجميع، وضيقٌ يخنُق الجميع، حيث لا متسع هناك لصراعٍ على مقام، ولا فسحة لتنظيرٍ أو معسولِ كلام، فالأزمةُ ليست في الأخ المحشور معك في الضيق، بل في المنهج الذي اعوجّ، والتقدير الذي ساء، والقيادة التي فقدت البوصلة.

إنَّ الزمن في بطن الحوت ليس دواءً بحد ذاته، بل قد يكون توطيناً للشقاء لولا تداركُ الرحمة، فالبقاء في الأحشاء لافتةٌ كُتب عليها بالخط العريض: من ترك رسالة مولاه؛ ضيّق الله عليه دنياه، وتلك هي حقيقةُ قوله: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)؛ أي لن نُضيّق عليه، فكان الضيقُ هو المختبر الذي يُعيد صياغة المعادلة.

لكنَّ رحمةَ الله جعلت من يونس نموذجاً للتدارك الإعجازي، حين أيقن بخطئه ولم ينشغل بلومِ من ألقوه، ولا بقسوةِ البحر، بل أمسك بمددِ السماء، وجدّد العهد توحيداً وإقراراً بالتقصير، فصرخ في جوفِ العدم:

(لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87).

فجاء الجوابُ سرمدياً: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: 88)؛ 

ليعلم السالكون أنَّ في بطن الحوت لا مكان للكِبر أو التعالي، بل هو مقامُ الإخبات والاعتراف الشجاع، فالإصرارُ على عدم المراجعة هو تزكيةٌ مهلكة تطيلُ أمد البلاء، بينما الخروجُ من المأزق يبدأ من نقطةِ الصدق مع النفس واللجوء الصادق لرب القدير.

لقد خرج يونس عليه السلام وقد استوى في قلبه الدرسُ، فنال مقام الاجتباء، وجُعل من الصالحين، حتى قال فيه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى تطييباً وتكريماً»(1)، وهكذا يخرجُ الله من بطن كل محنة كلَّ من صدقت توبته، وطهرت سريرته، واستقامت سيرته، فيمنحه من فيوضات كرمه ما يستر عورته ويشد عروقه، وتبقى السُّنة قائمة تتحدى الزمان؛ إما قبضة على الألواح يعقبها اجتباء، وإما انحرافٌ عن المنهج يعقبه غرقٌ وابتلاء.


(1)خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 6420

الاثنين، 15 ديسمبر 2025

فإِنِّي قَرِيبٌ

فإِنِّي قَرِيبٌ


ما إن تُتلى الآية الكريمة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (البقرة: 186)، حتى يستيقظ في القلب شعورٌ خفيّ يشبه عودة

 الروح إلى أصلها الفطري؛ فليست هذه مجرد آية تُخبر عن

 صفة، بل هي كلمةٌ إلهية تكشف للعبد حقيقةً كبرى لطالما

 نسيها؛ أن قرب الله من عباده ثابتٌ أزليٌ لا يتغيّر، وأن البعد

 الذي يعيش فيه الإنسان ليس إلا أثرَ غفلتِه هو، فالله تعالى لا

 يغيب ولا يبتعد، وإنّ قربه سبحانه لا يقاس بالأماكن، أو

 يُحجب بالأزمنة، فهو خالق المكان والزمان، وهو أقرب إلينا من

 حبل الوريد، لكن القلوب تحتاج إلى مفتاح لإدراك هذا القرب

 المطلق.

وإذا سألك عبادي عني؛ ما أعمقها من مقدمة! وما أجلها من 

رعاية! إنه يكشف لعباده عن إجابة السؤال الذي لم يطرحوه 

بعد، فهو البادئ بالعطاء، والسابق بالمنح، وهو فاتح باب 

الدعاء، وهو من دل عليه، وهو من أطلق اللسان به، وهو من 

قدر العطاء فأجرى به على اللسان الدعاء، فأي رعاية وأي 

قرب وأي كرم وأي رحمة تلك!

إنه القريب سبحانه، وهذه أولُ لطائف القرب؛ أن يُعرّفك ربُّك 

بنفسه قبل أن تبحث عنه، وأن يفتح لك باب الوصول قبل أن 

تخطو نحوه خطوة واحدة، إنها آية يبدأ الله فيها بنفسه، لا انتظاراً

 لدعاء، ولا جواباً لمسألة، بل رعاية تليق بمقامه، ورحمة تليق

 بجوده، وعناية تليق بكرمه.

أين قربك من قربه؟

من هنا يبدأ طريق الفهم العميق، فإذا كان الله قريبًا 

على الدوام، فالسؤال الذي يواجهك ولا يمكن الفرار منه: هل 

كنتَ أنت قريبًا؟ إن الغفلة حين تتراكم لا تجعل الله بعيدًا، 

بل تُطفئ في القلب القدرة على الإحساس بقربه سبحانه 

فتحدث الوحشة في القلب، وتُفقد الروح حساسيتها لندائه، 

فيظنّ المرء أنّ بينه وبين مولاه مسافات طويلة، بينما الحقيقة 

الصارخة أنّ الحجاب حجابه هو، والظلمة ظلمته هو؛ الحجاب 

في الداخل، في تراكم الذنوب، وفي الانشغال الزائف الذي 

يُنسي القلب.

الحجاب في داخلك فلا تصطنع معارك وهمية في الخارج مع 

الأفكار والأشخاص والأحوال والأجواء والطباع، بل عد إلى 

داخلك فنادِ ربك نداءً خفياً، وتقرَّب إليه بفقرك لا بغناك، 

بضعفك لا بقوتك، بانكسارك لا بتجلدك، فلربما ناداك في 

محراب مناجاتك ببشارة القبول، أو فتح لك باب الوصول، 

فيذيقك من لذة مناجاته ما يغنيك عن كل آمالك، وينسيك كل 

آلامك.

مفارقة السعي والغفلة

تأمّل في حال الناس، فإذا بالعبد يطلب كل شيء إلا أقرب 

الأشياء إليه، يبحث عن رزقه وينسى بركته، ويُحسن السعي في 

دنياه وينسى طريق نجاته، ويُتقن تعليم أبنائه كل فنٍّ، ثم يعجز أن

 يُعلّمهم اسم الباب الذي تُفتح به السعادة الحقيقية؛ باب ربّهم،

 وسرّ قربه، وصفاء رضاه، يجهد الإنسان في إقامة عالمه المادي،

 ويغفل عن عالمه الروحي الباطني الذي هو مصدر السكينة

 الحقيقية، يعيش متعبًا من الركض في فضاء واسع، بينما الحل

 يكمن في نقطة واحدة؛ نقطة القلب المفتوح على نور الله.

القرب ليس علماً فحسب.. بل رحمة وإجابة

عند هذه اللحظة يتجلّى المعنى الذي تُحكم به علاقة العبد بربه

 وهو أن القرب الذي يعلمنا الله إياه ليس قربَ علمٍ فقط، بل

 هو قرب شامل للخلق كلهم، إنه قربُ رحمة، قربُ إجابة،

 قربُ لطفٍ وعناية فائقة، ولهذا جاءت الآية في نسقٍ واحدٍ لا يقبل الانفصال: (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) (البقرة:

 186)؛ فكأنها تقول: مَن تيقن بقربي دعا، ومَن دعا بصدق أجبته.

وليست المسألة في علو الصوت أو فصاحة اللسان، بل لأن

 القلب وقف على باب الحقيقة، ولأن القرب في ذاته يمثل باباً

 من أبواب الإجابة التي لا تُردّ، إن لحظة الدعاء الصادق هي

 لحظة رفع الحجاب الداخلي، هي اللحظة التي يتطابق فيها

 شعور العبد مع حقيقة الرب؛ أنه قريب.

سؤالٌ يعقبه عطاء

العجيب أن الإجابة ليست دائمًا على قدر السؤال الظاهري،

 وهذا من تمام رحمة القرب، فالعبد يسأل بما يعرف، والربّ

 يعطي بما يَعلم، فيُعطيه ما يصلحه ولو خالف ما طلبه أو تمناه،

 قد يمنع عنه سؤاله لحكمة، ويُعطيه عوضاً سكينة وصبراً، وهنا

 يدرك السالك أنّ الدعاء ليس حركة يدين أو فصاحة لسان،

 وإنما حال عميقة بين يدي الكريم، وأن الطريق بين السماء

 والأرض لا يُقاس بزمنٍ ولا مسافة، بل بصدق التوجّه وثبات

 القلب، فالدعاء بوصلة القلب التي تضبط مساره الوجودي.

سرّ القرب بلا وسائط

ثم تكشف الآية عن أرقّ الأسرار وأجلّها؛ أنّ القرب الإلهي بلا

 أبواب ولا وسطاء ولا حجّاب؛ فالله لم يقل: قل لهم إني قريب، بل أسقط الواسطة كلها في الخطاب المباشر وقال: (فَإِنِّي قَرِيبٌ

 وكأنها كلمةُ محبٍّ ينادي عبده الغافل: أنا قريب فافتح قلبك،

 أنا مجيب فادعُني أعطك، أنا الهادي فاستجِب لي أرشدك

 وأثبتك، وحينها تنجلي الغفلة، وتتولّد الحقيقة التي يختم بها

 القلب رحلته؛ أن من عرف قرب الله اهتدى، ومن ذاق حلاوة

 الإجابة رُشد، ومن أقبل بقلبه فاز بقلبٍ لا يتيه بعدها أبداً.

وهكذا يصبح القرب ليس فكرة تُقرأ، وإنما حياة تُعاش، ومنهج

 يُسلك، وحين يعيشها العبد، يعرف تماماً أن الله ما ابتعد عنه

 يومًا، بل هو الذي يعود إلى فطرته كلما اقترب.

إن يقظة القلب هي ثمرة إدراك أن القرب صفة ثابتة

 للمولى، وأن التقرّب إليه هو جهدنا الوحيد لنتذوق طعم هذا

 القرب الإلهي العظيم.

وأخيراً أقول: لو أيقظتَ قلبك لبرهة، لأدركتَ أن الحجاب كله

 من جلود غفلتك، وأن الغربة التي تعيشها ليست قضاءً إلهياً بل

 أثرُ جفائك أنت، لقد تركك القريب لتشتاق، وبقيتَ أنت في

 انشغالك حتى نُسّيت.

حين تتحقق بالقرب، لا تعود بحاجة إلى شيء؛ لأنك وصلت إلى

 مُدبّر الحاجات، حيث يصبح القرب هو الإجابة الكبرى،

 والوصول إلى المنادي هو كل الغاية، فماذا يطلب من يوقن أنه

 في حضرة من لا يغفل؟ وماذا يسأل من ذاق أن القرب نفسه

 هو النعيم!