‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحراك الجزائري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحراك الجزائري. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 20 نوفمبر 2022

قراءة في فقه الثورات والحركات التغييرية والإصلاحية

 قراءة في فقه الثورات والحركات التغييرية والإصلاحية

محمد مصطفى حابس جينيف / سويسرا

لماذا الحديث عن انتقام الثورات المخذولة، عبر العصور؟


مثل ما هو معلوم ومتداول منذ أيام غطت مواضيع عيد الثورة المباركة في الفاتح من نوفمبر الذي صادف اجتماع القادة العرب في الجزائر، أذ غطت هذه الاخبار على الكثير من الأحداث المحلية والدولية، كما جاءت هذه القمة التي استضفتها الجزائر وهي الأولى بعد ثلاث سنوات عجاف، جراء وباء كورونا، كما تناقلت وكالات الانباء، أن اجتماع وزراء الخارجية العرب منذ أيام حقق اختراقاً إيجابيا في ملفات تخص دول الجوار لا بل حتى على نطاق أوسع لامس رقعة دول العالم الثالث، كما نجح اللقاء – ولو مرحليا- في احتواء التوتر المغربي الجزائري ، أما الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والأوضاع في سوريا وليبيا واليمن المدرجة على جدول أعمال القمة، فقد تُعين القادة العرب والوفود المشاركة لإيجاد مخارج دبلوماسية معقدة في صياغة القرارات النهائية – التي يتم تبنيها بالإجماع، علما أن كل دولة عربية لها أجندتها الخاصة بها وقد تكون هذه الاجندة، أمليت عليها، من جهات غربية وغريبة ضاغطة كما هو معلوم للعام و الخاص، الأمر الذي يجعل مفكرينا وساستنا يحسبون ألف حساب وحساب للتاريخ الذي لا ينسى وللأمم التي لا ترحم، و بالتالي تنتقم أجيال من أجيال وثورات من ثورات عند كل تقصير وخيانة، لا ننسى فالتاريخ دول كما هو معلوم، مصداقا لقوله تعالى : ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس ﴾- سورة آل عمران، اية:140.

التاريخ تنحته الثورات المباركة في جباه الأجيال وقلوبهم:
نعم، التاريخ ذاكرة الأمم والشعوب، وهو مادة أصيلة في تربيتها لأبنائها عبر الأجيال، ولا سيما إذا كانت أمة ذات تاريخ عريق ومجيد كالجزائر عبر العصور، فلما نعود لقراءة شعار الدولة الجزائرية الخالد بهدوء وروية، ونتمعن في النشيد الذي يحفظه العام والخاص منا. هذا النشيد الذي نحته في جباه الرجال وقلوبهم وقمم الجبال وهضابها الزعيم الروحي لحرب التحرير، العلامة الامام بن باديس بدمه وعرق جبينه، والذي يعد بحق دستور الأمة الجزائرية عبر العصور، بل يُعد فلسفة حياة الأمة الجزائرية وسر وجودها وبقائها، إذ أنشد يقول، رحمه الله:

شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ*** وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ

مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ *** أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ

أَوْ رَامَ إدمَــاجًــا لَــهُ ***رَامَ الـمُحَـال من الطَّـلَـبْ

و معنى هذه الابيات البسيطة في تراكيبها والعميقة في معانيها، كما تعلمناها ونحن صغرا في المدارس، أن “الجزائر وطننا والاسلام ديننا ونحن قوم أمازيغ ننتسب للعروبة”، من قال غير ذلك فقد كذب علينا وأراد شق صفوفنا و تمزيق وحدة ترابنا.. انتهت القصة، طويت الصحف وجف القلم وبهت الذي كفر، بل وبالتعبير السياسي أوصدت أبواب كل التأويلات الاستعمارية البغيضة والتخمينات العنصرية المقيتة ..

الوحدة العربية على المحك:
قد يتساءل المرء: لماذا العودة اليوم إلى موضوع الوحدة العربية ونهضتها، هذه الوحدة التي وقعت في القرن التاسع عشر الميلادي ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين؟
الجواب ببساطة وصراحة: لأن أوضاع الأمة العربية الإسلامية اليوم أسوأ مما كانت عليه في العصر الذي استوجب يقظة عربية لتغييرها وإصلاحها وتحسينها
كانت الأمة العربية آنذاك مقسمة إلى بلدان تحت حكم الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية أو الفرنسية، ويهيمن الجهل على شعوبها التي ترزح تحت وطأة الفقر والمرض، وانتشرت فيها البدع والخرافات البعيدة عن روح الإسلام. وكانت لغتها العربية مهمشة مهملة.

” لمّا أدعو لاستقلال الجزائر فإني أدعو لاستقلال الأمة العربية”
لا لشيء إلا لأن الإمام عبد الحميد بن باديس، أيامها كان يدرك عمق أبعاد وخطورة تفرقنا وأهمية وحدة الأمة الجزائرية بمختلف مكوّناتها، فكان له في هذا المضمار مواقفه التاريخية الصلبة وصيحاته المدوية، التي يؤكد فيها وبها هذه الحقيقة الناصعة، من ذلك قوله،- إن لم تخني الذاكرة- :” لما أدعو لاستقلال الأمة الجزائرية فإني أدعو لاستقلال المغرب العربي ، ولما أدعو لاستقلال المغربي العربي فإني أدعو لاستقلال الأمة العربية، ولما أدعو لاستقلال الأمة العربية فإني أدعو لاستقلال العالم أجمع”، أو شيء من هذا القبيل، وأما في خطاب أخر خاص بالشعب الجزائري، ألقاه في نادي الترقي بجمعية العلماء، سنة 1936 م، يقول فيه: ” إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمّه الجزائر وأبوه الإسلام.”، ونقل عنه قوله:” .. وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة الدين”، هذا معنى من معاني نصرة القضايا العادلة في الداخل والخارج وعدم خذلنها مهما كانت فاتورة التكلفة على الفرد والمجتمع..

لماذا الحديث عن انتقام الثورات المخذولة؟ :
إلى هذا المعنى في عمومه، كتب أستاذنا المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث منذ مدة وتحدث في مناسبات كثيرة، وفي مقالات وكتب عديدة، عن فكرة، انتقام الأفكار أو الحركات أو الثورات المخذولة من شعوبها، وهو ما قد يجعل بعض القراء الأفاضل يتساءلون لماذا كل هذا التركيز على هذه الفكرة، أي فكرة الخذلان وعدم النصرة؟ 

إذ يقول المفكر الجزائري تحت عنوان مهم لافت في أحد مقالاته:” لماذا الحديث عن انتقام الثورات المخذولة؟ ” أن الأمر لا يعد أن يكون فكرة مركزية أساسية في فقه الثورات والحركات التغييرية والإصلاحية، بل وفي الحياة الإنسانية عامة، لو استوعبها الناس جيدا، وتحوّلت لديهم إلى وعي وثقافة سارية في حياتهم، لتغير كل شيء فيها وفي المجتمع والدولة، لأن من يستوعب حقيقة انتقام الأفكار والحركات المخذولة من خاذليها في العاجل والآجل معا، وسلب الخيرية والبركة والرحمة من حياتهم، وتعريضهم لمحن الحياة الدنيوية والأخروية بسبب ذلك، وفق قانون الجزاء العادل “جزاء وفاقا “، لن يتوانوا في اليقظة والحذر والاحتياط، والخوف من أية مواقف أو سلوكيات أو أعمال تضر بميثاق الثورة أو الحياة عامة، وتتسبب في العودة بالمجتمع إلى حالة الإنحراف والفساد والتناقض مع سنن الحياة مرة أخرى، بعد أن جاءت الثورة لتغيرها وتضع حركة المجتمع في مسارها السنني الصحيح.”

هنا يجول بنا المفكر الجزائري، في رحاب بعض المفاهيم المفتاحية لهذا الموضوع المهم الشيق الشائك، منها باختصار وعلى الترتيب:
مفهوم الثورة – حقيقة الثورة- المفاهيم الجزئية للثورة – عمق الثورة وجوهرها – بركات الثورة – خذلان الثورة – عواقب الخذلان للثورة – انتقام الثورة المخذولة – خطر الحيدة عن منطق السننية الشاملة :

مفهوم الثورة:
الثورة في مفهومها العام، هي تغيير وإصلاح شامل وعميق، لأوضاع متفاقمة المظالم والمفاسد والمضار المناقضة لحقائق الوجود الإلهي، وحقائق وفطر الوجود الكوني والإنساني، والعودة بها إلى حالة الانسجام والتوازن والتكامل والفعالية والخيرية والبركة والرحمة الكونية العامة، التي بها ينجز الإنسان خلافته في الأرض، ويحقق إنسانيته ويترقى في مدارج الكمال الإنساني.

حقيقة الثورة:
هذه هي الثورة في عمقها السنني الحقيقي.. فهي تحرك مجتمعي جاد وحاسم، نحو تحقيق مطابقته أو انسجامه مع حقائق الوجود الإلهي، وحقائق وفطر الوجود الكوني والإنساني بشكل مستمر. وكل ما لا يتحرك نحو التطابق أو الانسجام مع حقائق الوجود الإلهي والكوني والإنساني، فهو وضع مضر بالإنسان والكون، ويقود إلى الفساد والظلم والضنكية بشكل أو آخر، ولذلك يجب تغييره وإصلاحه ومطابقته مع سنن الحياة في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد.
المفاهيم الجزئية للثورة:
وكل ما عدا ذلك من مفاهيم الثورة فهي مفاهيم جزئية أو سطحية، مهما أحدثت من تغييرات مظهرية طفرية آنية، ما لم تذهب وما لم تنفذ إلى عمق التغيير والإصلاح الحقيقي، وهو تحقيق التطابق والانسجام مع حقائق الوجود الإلهي، وحقائق الوجود الكوني والإنساني؛ في التصورات العقدية للإنسان، وفي المنظومات المعرفية التي ينشئها، وفي النظم التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية التي يقيمها.
وكل ثورة أو تغيير أو إصلاح لم يتحرك أو لا يتحرك نحو العمق المشار إليه آنفا، فهو تغيير محدود المدى والجدوى، وسرعان ما يفقد حيويته وفعاليته وهويته الإنسانية، ويجد نفسه قد أعيد استيعابه من أوضاع الفساد والانحراف والظلم والسابق، كما نلحظ ذلك في حركات وثورات كثيرة في التاريخ، تمت إعادة إحتوائها من جديد!

عمق الثورة وجوهرها:
والثورة بهذا المعنى هي في حقيقتها عهد والتزام وميثاق فكري ونفسي وروحي وأخلاقي وسلوكي واجتماعي غليظ، بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين المجتمع، وبينه وبين سنن الله الناظمة للحياة والكون، وبينه وبين الله المحيط بذلك كله، يفرض عليه كفرد وكمجتمع، الحرص الدائم على محاولة ضبط ومطابقة تفكيره وسلوكه وعلاقاته ومواقفه.. مع منطق ومقتضيات السنن التي لا تسمح لأوضاع الظلم والفساد السابقة عليها، بالعودة مرة أخرى، وتدفع بأوضاع الأفراد والمجتمع إلى المزيد من المطابقة أو الانسجام مع حقائق الوجود الإلهي، وحقائق وفطر أو سنن الوجود الكوني والإنساني.

بركات الثورة:
وكلما وعى الإنسان فردا ومجتمعا، هذا العمق في الثورة، وبرمج وأدار حياته وحركته الفكرية والنفسية والروحية والأخلاقية والسلوكية والاجتماعية والحضارية على ضوئها، وجدد وعيه بذلك بشكل مستمر، وحافظ عليه وعلى مكتسباته، من خلال تقديم أهل الكفاءة والخبرة والأمانة والمصداقية و الرسالية العالية في المجتمع والدولة، كلما منحته الثورة خيريتها وبركتها ورحمتها، وارتقت بفعالية إنجازيته الاجتماعية إلى أعلى مستويات كفاءتها وقوتها وتأثيرها في حياته ومحيطه، ومنحت المجتمع مكانته وهيبته اللائقة به في محيطه الإقليمي والعالمي.
خذلان الثورة:
وكلما تجزأ أو اضطرب وتنافر الوعي بهذا العمق في الثورة لدى الناس، وخاصة النخب الفكرية والسياسية والاجتماعية منهم، كلما حصل الابتعاد عن روح الثورة وقيمها وأخلاقياتها ومقاصدها، وأثر ذلك سلبا على علاقة الناس بها، وعلى موقفهم منها، وراحت أسباب وعوامل وشروط الخذلان والخيانة لها ولميثاقها الغليظ، تتجمع وتتراكم تدريجيا، وتفعل فعلها السلبي في النفوس والأفكار والعلاقات والنظم، وتدفع بالأوضاع نحو المزيد من الصراع والتفكك الخفي والمعلن بين مجموعات النخب المؤسسة للثورة والوريثة لها، والمتسللة إليها، والمتربصة بها.. لتستحوذ على المزيد من القوة والنفوذ بأية وسيلة كانت، لتحقق الانفراد بالتحكم في مقدرات الدولة والمجتمع، واستعمالها في قهر وإذلال وترويض وتحييد كل من تشتم منه رائحة الخطر أو المنافسة على المغانم المادية والمعنوية! وهذا ما عبرت عنه المقولة الشهيرة المهمة في علم اجتماع الثورة وهي ” الثورة تأكل أبناءها ” أو ” الثورة تأكل نفسها!”
وفي خضم الصراعات المحمومة بين النخب على إرث الثورة ومغانمها من ناحية، وعلى بناء النفوذ والقوة والسطوة الفردية أو العائلية أو الفئوية أو الطبقية في الدولة والمجتمع من ناحية اخرى، تنفصل هذه النخب فكريا ونفسيا وروحيا وأخلاقيا واجتماعيا عن روح الثورة وعن المجتمع معا، وتشكل طبقة معزولة مترفة مستغلة مستعلية متسلطة، شرسة في التعامل مع مخالفيها، باسم مصالح الثورة! وحماية الثورة! وتعميق الثورة!

عواقب الخذلان للثورات:
فيما يخص هذا الباب يرى المفكر الجزائري أن الامر يتطلب شرحا وافيا فيقول :”لا أريد أن أخوض في تفاصيل عواقب خذلان الثورات، ومظاهرها في حياة الأفراد والدول والمجتمعات، لضيق مجال الحديث هنا، ولكن أؤكد على نتيجة خطيرة تتسلسل عنها نتائج خطيرة شتى، وهي غياب أو ضعف القدوة في النخب المديرة للدولة والمجتمع، الذي يؤدي مع مرور الوقت إلى اهتزاز الثقة بين هذه النخب والمجتمع، والانفصال النفسي والروحي والاجتماعي بينهما، ودخول هذه النخب في محرقة إزدواجية السلوك أو النفاق الاجتماعي، لترضية الجمهور واستغفاله والاستخفاف به، أو محرقة القهر له وفرض الأمر الواقع عليه بالقوة حينا وبإشاعة الفسوق حينا آخر، وهو ما يؤدي إلى تعمق الشعور بالخيانة للثورة وقيمها ومقاصدها لدى عموم الناس، واضطرار بعضهم إلى ولوج محرقة النفاق الاجتماعي للمحافظة على مصالحهم وقضاء حوائجهم، ودفع آخرين إلى المعارضات الجذرية المنهكة، وحمل غيرهم على ركوب مهالك العنف المضاد للدولة والمجتمع، ولجوء بعض القوى المتدافعة أو المتصارعة فيما بينها على المغانم والنفوذ والسطوة.. إلى الاستقواء بغيرها على بعضها البعض، ووضع نفسها ومجتمعها ودولتها بين مخالب القوى الإقليمية أو الدولية المتربصة بها”.. وهلم جرا

انتقام الثورة المخذولة:
هكذا إذن تتسلسل عواقب خذلان الثورات، وتحتد الخصومة بل والمقاتلة الظاهرة والخفية على مواريثها ومغانهما، بين بقية صانعيها، وكثير من المتسللين إليها والمتربصين بها، الذين يسعى كل واحد منهم إلى تحويلها أو تحويل جزء منها إلى سجل تجاري خاص به، يستفيد منه في زيادة أرصدة نفوذه المادي والاجتماعي والسياسي، وبسط سطوته على مقدرات المجتمع ومؤسسات الدولة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وتحويلها إلى ملكية خاصة بأشخاص، أو عائلات، أو مجموعات جهوية، أو أيديولوجية، أو طبقية.. و حرمان الدولة والمجتمع منها! وتحويلها إلى أداة فتاكة في إضعاف الدولة والمجتمع، وتعطيل
النهضة الحضارية التي بها يحقق المجتمع استقلاله وحريته وكرامته وأمنه الحضاري الشامل.

أين ثورتنا العظيمة من كل هذا؟:
عن هذا التساؤل الوجيه في عمومه، يجيب الدكتور برغوث بقوله:” إذا طبقنا مفاهيم ومعطيات هذه الخريطة الوصفية، على مصير ثورتنا العظيمة، التي نحتفل هذه الأيام بعيدها، الثامن والستين في الفاتح من نوفمبر 2022، وحاولنا تقييم علاقتنا بها، وبقيمها وأهدافها ونموذجها، وماذا فعلنا بميراث هذه الثورة العظيمة التي أخرجتنا من العدم الاستعماري؟ فسنجد بأن نسبة الخذلان فيها كبيرة جدا، وأن نسبة الانتقام منا كبيرة جدا كذلك، انسجاما مع قانون ” جزاء وفاقا!”
ويكفي مثالا على هذا الانتقام، ما حصل لنا في السنوات الثلاثين الأخيرة، التي دخلنا فيها في حرب أهلية ضروس، دمرنا فيها جزءا عظيما من احتياطياتنا الاستراتيجية البشرية والمادية والمعنوي الثمينة، وما صاحب ذلك وأعقبه من أشكال أخرى من الهدر والتدمير البشري والمادي والمعنوي لمقدرات المجتمع وشروط نهضته، كما بدأنا نحن عامة الناس نرى بعض عينات منها في المحاكمات البسيطة لبعض رموز السلطة السابقة، وكما رأيناه كذلك في تلك التراجيديا الحزينة التي وجدنا أنفسنا فيها، نُحكم بشخص مشلول مقعد، أو بصورة مكبرة مزروعة في كل مكان، يطوف حولها ويبزنس بها موتى القلوب على حساب كرامة الجزائري، وأمن دولته ومجتمعه ومستقبله ومصيره!

خطر الحيدة عن منطق السننية الشاملة:
حول هذه النقطة الأخيرة تحديدا والتي يعتبرها الكاتب محورية و مفصلية في دراسته هذه للموضوع، حيث يقول:” إن كل هذه الانتقامات للأفكار والثورات المخذولة من خاذليها، وهذه الأثمان الباهظة والقاسية التي تدفعها المجتمعات والدول والأفراد والأجيال بسبب ذلك، تحدث عندما تحيد الفكرة أو الثورة ذاتهما، عن خط السننية الشاملة في الفهم والوعي والحركة والسلوك والعلاقات والمواقف.. أو عندما يحيد ورثة الأفكار والثورات والحركات عن خطها السنني الذي هو روحها وشرط نجاحها، ويسيرون بها في الاتجاهات المناقضة لها، وللأهداف التي كانت تريدها، وللمنجزات التي حققتها، والآمال التي بثتها في النفوس، والآفاق التي فتحتها أمام الأجيال”.

الأهمية القصوى للوعي بمنظور السننية الشاملة وتفعيله في الحياة:
ولهذا – حسب نظر المفكر الجزائري- فإن الشرط الأساس لنجاح الحركات والثورات، وحماية منجزاتها، والاستفادة القصوى منها في تحقيق المزيد من النجاحات، في حياة الأفراد، وفي حركة الدول والمجتمعات، هو الوعي بمنظور السننية الشاملة، وإدارة الحياة الفردية والجماعية على ضوء مقتضياته، لأنه المنظور الذي يتيح للأفراد والدول والمجتمعات، شروط وإمكانية التنمية والإدارة المتوازنة لكل أبعاد الشخصية الإنسانية أولا، ثم التنمية والإدارة المتوازنة.
وهذا ما لم تحض به ثورتنا الكبرى، فضاعت منا الفرصة التاريخية الثمينة الأولى في تاريخنا المعاصر، كما لم تحض به الصحوة الروحية الكبيرة التي تلتها، فضاعت منا الفرصة التاريخية الثمينة الثانية، ونخشى أن لا تحظى به هبتنا الوطنية الجديدة الكبرى، فتضيع منا الفرصة التاريخية الثمينة الثالثة لا قدر الله! ونمضي على طريق التيه والضنكية! وكل ذلك مرهون بمدى وعي نخب المجتمع بمنظور السننية الشاملة، وبمدى قدرتها على تفعيل معطياته في إدارة النفس والدولة والمجتمع.”

راجيا ومتسائلا في ختام بحثه بقوله:” هل تستطيع هذه النخب ذلك؟ أم أنها ستمضي بنا قدما على طريق التجزيئية والتنافرية المنهكة إلى ما شاء الله؟ الأمر بأيدينا، إن شئنا تحركنا على خط السننية الشاملة الصاعد، وإن شئنا مضينا على خط التجزيئية والتنافرية المنهكة، والله سبحانه وتعالى يقول (إن الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ)[الرعد: 11].
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
اللهم فاشد فقد بلغت !!.

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2022

ثورة نوفمبر 1954 الجزائرية أسقطت الجمهورية الرابعة

  ثورة نوفمبر 1954 الجزائرية أسقطت الجمهورية الرابعة

( قراءة في وثيقة بيان أول نوفمبر 1954)


إعداد علجية عيش


بعد انقضاء ثمانية و ستون سنة ( 68) من اندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر 1954 و بعد أن مرت الجزائر طيلة هذه الفترة بتجارب متعددة أفرزت افكارا مختلفة و مواقف و ذهنيات متباينة و كان كل منها يسعى لتبرير مواقفه و الدفاع عن أطروحاته بالرجوع إلى تراث الثورة و رفع شعارها محاولا تفسيرها من إيديولوجيته الخاصة لدرجة أن البعض أبعدها عن إطارها الحضاري، و حاول آخرون دفن الكثير من الحقائق و عدم كشف الأخطاء التي ارتكبت في تلك الفترة، فما حدث عشية الإستقلال إلى غاية الحراك الشعبي مرورا بالمأساة الوطنية ( 1991) بعد توقف المسار الإنتخابي الذي كان من مخلفات تلك الأخطاء التي ظلت دون إخضاعها للمعالجة و التحليل العقلاني، و إن عالجتها بعض الأقلام فهي متناقظة و لا ترسم الصورة الحقيقية للأحداث التي وقعت

في هذه الورقة نستعرض ما حملته وثيقة بيان أول نوفمبر و ما تضمنته من مبادئ عامة و إيديولوجية للثورة الجزائرية و المتمثلة في مبدأ الكفاح تجلت في "جبهة التحرير الوطني" و دعوة البيان كافة الأحزاب و الحركات الوطنية الجزائرية للإنظمام اليها، لقد عبر بيان أول نوفمبر 54 عن إيديولوجية ثورية كاملة شملت المبادئ و الأهداف و وسائل العمل، و من خلال هذا البيان أكدت جبهة التحرير الوطني أن وجودها كان ثمرة نضال طويل خاضه الشعب الجزائري، إن هذه الجهود طبعا سبقتها جهود كثيرة بدءًا من تأسيس نجم شمال افرقيا بقيادة مصالي الحاج إلى غاية الإعلان عن ثورة التحرير المجيدة بقياة جيش و جبهة التحرير الوطني، لعبت فيه الحركة الوطنية الجزائرية دورا جليا من أجل الإستقلال ، دفع فيها الشعب الجزائري ضريبة الدم لدعم الثورة و قادتها من أجل تحقيق الإستقلال و استرجاع السيادة المفقودة.

لقد حددت وثيقة بيان نوفمبر 54 الهدف الرئيسي لجبهة التحرير الوطني في الإستقلال الوطني بواسطة إعادة بناء الدولة الجزائرية ضمن إطار المبادئ الإسلامية و احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني ماعدا التعدد اللغوي الذي يضرب الهوية، لاسيما و هذه الأخيرة تجمع بدورها مجموعة من المقومات كاللغة و الدين و الثقافة، و هذا ما ركزت عليه الحركة الوطنية في محاربة الفرنسة و هو مطلب وجد صداه في أدبيات الحركة الوطنية، بهدف التغيير الشامل بالقضاء على النظام الإستعماري و تجسيد سيادة الدولة الجزائرية الذي يعد الإسلام أحد مقوماتها الأساسية، كما عبرت وثيقة نوفمبر عن مبدأ العدالة و مبدأ السلم و الإنتماء الحضاري و تحقيق وحدة شمال افريقيا، فالبيان حدد الأهداف المتمثلة في تحقيق الإستقلال التام و هنا يكمن في دور الأوفياء في كشف أسرار ثورة التحرير الجزائرية و من هم المساهمين الحقيقيين فيها، و هذا حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود للأجيال القادمة ؟

ثورة نوفمبر 1954 كانت ثورة إفريقية

فالنجاحات التي حققتها الثورة الجزائرية في كل الميادين و صداها الإفريقي و الدولي اصبحت بحق نموذجا لحركات التحرر، بدليل أن استفتاء 1958 في المستعمرات الإفريقية الفرنسية بلور ظهور توجهين رئيسيين للحركات التحررية الأول يدعو إلى الإنخراط في الإتجاه الفرنسي ، و الثاني يدعو إلى التحرر ، فقد دعمت الثورة الجزائرية مثلا غينيا عبر الصحافة و المنتديات الإفريقية ، حتى اصبحت تشكل إحدى أقطاب التحرر، و القوى المعارضة في الدول الواقعة تحت التأثير الفرنسي، في نفس السنة ( 1958 ) انعقد مؤتمر أكرا الذي جمع البلدان الإفريقية المستقلة لأول مرة حيث كان مسرحا للمجابه، كان مؤتمر أكرا أول مؤتمر للشعوب الإفريقية المنعقد من 05 إلى 12 ديسمبر حققت فيه الثورة الجزائرية مكاسب معتبرة اتسم بإنشاء مجموعة افريقية داخل الأمم المتحدة لمناصرة القضية الجزائرية و تشكيل بعثة افريقية إلى أمريكا اللاتينية و الدول الإسكندينافية للتعريف بالقضية الجزائرية، و عن طريق البيانات التي كانت تصدرها جبهة التحرير الوطني كان ةمن الطبيعي أن تستقل 10 دول افريقية و هذا بداية من 1960 ، كانت سنة 1960 عام افريقيا، لولا نضال فرانز فانون ما كانت الحكومة الجزائرية المؤقتة أن تحقق مسعاها في توسيع نشاطها باتجاه القارة، لقد اتخذ نضال الأفارقة صورا و أشكالا عديدة في مواجهة سياسة الجنرال ديغول في افريقيا، و هذا ما يؤكد على أهمية التضامن الإفريقي.

فالثورة إذن هي عملية تغيير وتحول قد تتم بوسائل سلمية أم تكون حربا مسلحة من أجل استعادة حقٍ مغتصبٍ و في كلتا الحالتين يرسم خطوطها وعي فكري و إيديولوجي و تتولى قيادتها طلائع مؤمنة بضرورة التغيير، وسِجِلُّ التاريخ حافل بالأمثلة عن الثورات والإنتفاضات الشعبية و المقاومات و الإنقلابات العسكرية و السياسية و الحروب المسلحة، و هذا يعني ان الثورة تعبر عن حركات التحرر للشعوب المضطهدة من قبل الإستعمار و وحشيته ، أما عن الثورة الجزائرية فقد انفتحت على الإسلام لترد على الذين قالوا فرنسا هي أمنا و تجاهلوا أن للجزائر ماضيها و كان لها تاريخ، منذ العهد القديم إلى غاية ثورة أول نوفمبر مرورا من المقاومات الشعبية و اعتبروا أن الجزائر مستقبلها فرنسي، فللشخصية الجزائرية إطارها التاريخي و السياسي و العسكري و الفكري و الثقافي و الحضاري، و قد خرج من رحمها رجال أشاوس و مفكرين و أدباء و كوادر علمية، و هذا منذ الفتح الإسلامي في القرن السابع و الذي نتج عنه اكتساب الجزائر مقوماتها الحضارية المتمثلة في الدين ألإسلامي و ما يحمله من لغة و نوعية في التفكير لولا الخيانة التي أخرت استقلال الجزائر، كل هذا من أجل التموقع و التنازع على المناصب، خاصة و أن البعض منهم يريد محو الذاكرة الجماعية و عدم الإعتراف بمؤتمر الصومام الذي كان بمثابة الروح التي حركت الثورة و أعطتها النفس القويّ، هذا المؤتمر الذي كان خطوة منهجية نوعية في إطار مسيرة الثورة.

إنهم أولئك الذين يحاولون تقزيم الثورة الجزائرية و رجالاتها الذين أخلصوا و لم يخونوا و لم يغدروا بإخوانهم و رفاقهم، فلا محالة سياتي جيل يطرح أسئلة كثيرة حول ما وقع من أخطاء و اغتيالات خلال الثورة على ايدي رفاق الكفاح، و الأجيال القادمة مطالبة باسترجاع حقوق الشعب الجزائري، هؤلاء الذين اصطدموا مع الواقع بعدما كانوا يعتقدون أن الجزائر المستقلة تعكس أحلام الشهداء، و الذين سجنوا و تعرضوا للتعذيب الوحشي، طبعا كانت مرحلة قاسية جدا عاشتها الجزائر و هي تواجه الإمبراطورية الرابعة، لم يكن الأمر سهلا على شعب آمن أنه لا يمكن للإسلام أن ينتصر إلا بالتضحية بالدم، كانت التضحية شعار المقاومة باسم "الله أكبر" ، و في هذا كله لا يمكن للجزائر أن تنسى المساعدات التي تلقتها من شعوب كثيرة و في مقدمتها الشعوب العربية كانت مساعدات مادية و أخرى على شكل تظاهرات و بعضها كانت مساهماتهم بفتح سفارات ، لكنها كانت ثورة جزائرية خالصة.

و كما قال أميلكار كابرال: " المسيحيون يحجون إلى الفاتيكان و المسلمون إلى مكة و مكة الثوار هي الجزائر"، هو الفخر و الإعتزاز بالجزائر التي كانت مركز الثقل في العالم الثالث، لكن في بداية التسعينيات اختفى ذلك الإنبهار و تراجع الفخر و الإعتزاز، لتتحول الجوار إلى حزن عميق و هي تقف على جثث المواطنين ملقاة على الأرض، لولا تحرك عقلاء إلى عقد المصالح الوطنية بين النظام و الفيس و فتح صفحة جديدة ، هذا العقد الذي شاركت فيها احزاب عديدة و في مقدمتها حظب جبهة التحرير الوطني و شخصيات تاريخية و سياسية و مثقفين فيما عرف بلقاء "سانت إيجيديو" بروما، عاد الأمن و الإستقرار للبلاد التي سعت إلى ترميم ما تم تخريبه في عشر سنوات، و لملمة الجراح، لغم أن هناك جراح لم تندمل إلى يومنا هذا، ربما لتهاون أو غفلة ، إلا أن هذه الجراح حركت مشاعر الجماهير عن طريق الحراك الشعبي الذي انفدر في فيفري 2019 لإعادة النظر في مصير الدولة التي اسقطت الإمبراطورية الرابعة و كانت في وقت ما محركا لتحرر الشعوب.

قمّة الجزائر.. هل هي قمّة نوفمبر الثورة؟

و الجزائر تحضر لإحياء الذكرى الثامنة و الستون لإندلاع الثورة الجزارية في أول نوفمبر 1954 و عقد القمّة العربية ماذا يمكن القول في هذين الحدثين الهامين فهل ستطالب الجزائر في هذه القمّة بحق الشعب الفلسطيني في التحرر و تقرير مصيره ، و هل ستطالب الدول المطبعة بالتراجع عن موقفها و الإعتذار من الشعب الفلسطيني، و هي ستعيد مطلبها باعتذر فرنسا من الجزائر عما ارتكبته من جرائم بشعة في حق الجزائريين، أم أن الأمور ستكون مجرد لعب سياسي لا غير؟، فمن المغالطات الخطيرة و الأحلام السطحية أن نعتبر الثورة الجزائرية ( 1954-1962) قد حققت أهدافها و استكملت رسالتها و مسيرتها بالحصول على الإستقلال، لأن تطلعات المستقبل تفرض القول بأن ما حققته الثورة و ما تم إنجازه لا يتعدى الأهداف العاجلة لتحقيق مشروع المجتمع في جوّ يسوده الأمن و الإستقرار و السلام في ظل ما ن راه اليوم و مسلسل الإعتقالات للناشطين السياسيين ، و استمرار الفقر و البطالة و الأمراض و ضعف القدرة الشرائية للمواطن، و هشاشة المنظمات التربوية و الثقافية و هذا بسبب ضعف الإستراتيجيات التي تتحكم في مقدرات الجزائر في القرن الواحد و العشرين، هذه الإستلااتيديات التي يمكن تلخيصها فيتحقيق الحسم الحضاري و التحرر الثقافي و القضاء على التبعية السياسية و الإقتصادية و التبعية الثقافية.

فبناء دولة قوية يقتضي محاربة الأفكار التي استبدت بالدوائر المتغلغلة في جهاو الدولة الجزائرية التي تعمل على تعطيل عجلة التنمية و كل الأمور المتصلة بالهوية و الشخصيةة الجزائرية من أجل تحقيق مصالحها و تحقيق اجندات أجنبية على حساب السيادة الوطنية ، و لذا بات من الضروري ان نجيب على عدة اسئلة لمعرفة إن كانت الثورة الجزائري مجرد حدث عرضي أم أنها تطور حتمي يندرج ضمن مفهوم و نسق حضاري شامل وماهي العبر التي يمكن أن نستخلصها من ثولاة نوفمبر 1954 ؟ و من استقلال الجزائر 1962 ؟ و ماهي العبر التي يمكن أن نستخلصها من العشرية السوداء 1991؟ و ماهي العبر التي يمكن أن نستخلصها من الحراك الشعبي 2019؟ مرورا طبعا بباقي الأحداث التي عاشتها الجزائر و منها الربيع الأمازيغي أو أحداث أكتوبر 1988 و ما لحق ذلك، فنجاح أي معركة أو حرب لا تقرره الوسائل التكنولوجية أو محاولة التقليد أو التقوقع و الرفض بل الدافع الداخلي و الإرادة المشتركة للأمة، فكيف نؤسس مشروع المجتمع إذا كانت الدولة في وادٍ و الشعب في وادٍ آخر، كيف نحقق مشروع المجتمع في ظل الصراعات و الخلافات داخل مؤسسة الدولة ( البرلمان) ، فما يمكن قوله هو أنه حان الوقت للمحافظة على روح نوفمبر، لأنها الشرط الأساسي لإنجاح عملية البناء الحضاري.

إعداد علجية عيش

الأربعاء، 29 يوليو 2020

الجزائر من الوصاية إلى الحماية

الجزائر من الوصاية إلى الحماية

رضا بودراع
كاتب جزائري وباحث في الشؤون الاستراتيجية

مقدمة

هذا الإعلان هو الوثيقة الرسمية لقيام الجمهورية الجزائرية الثانية التي تستمد شرعيتها من:
١- شرعية الوصاية الفرنسية «وقد بدأت بها الديباجة»
٢- وشرعية الالتزام الكلي بالحرب العالمية على الإرهاب. «كما نصت عليه أسية الدولة في ميثاق المصالحة -المغالطة- الوطنية»

تعقيب

١- يشعر المرء بالقيء مع مطلع ديباجة الوثيقة التي تؤكد على التبعية لفرنسا، وغياب رؤية الطرف الجزائري بدون العدو الفرنسي.
لقد كان النشيد الوطني في الجمهورية الأولى والتي قامت على الشرعية الثورية ومحاربة وطرد المحتل.. يقول وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.
الآن ومع أول ديباجة الإعلان يتم التأكيد وعقد العزم أن تحيا الجزائر تحت حماية فرنسا.
٢- يقر الإعلان انه بيننا وبين فرنسا تاريخا مشتركا!!
تبا لكم عن أي تاريخ مشترك أمضى عليه الرئيس بوتفليقة!؟هل التاريخ الاستعماري يطلق عليه تاريخ مشترك أم تاريخ غزو واحتلال ومحاولات لطمس الهوية ومحو الأنساب وسياسة الأرض المحروقة..هل هذا هو التاريخ المشترك ؟؟
العثمانيون بقوا عندنا بدعوتنا أربعة قرون وبيننا وبينهم تاريخ مشترك مشرق، لا تتكلمون عنه وتاريخ أمكم فرنسا الاستخرابية تعدونه في وثيقة مؤسسة للدولة الجزائرية الجديدة تاريخا مشتركا!؟
٣- يتكلم الإعلان عن روابط إنسانية وعاطفية وثقافية مشتركة!!؟ حتى الحركى «الجزائريون الخونة الذين ساعدوا المحتل ورحلوا معه» لا يتكلمون بهذا اللسان وهذه العاطفة، ثم ما هي هذه العاطفة التي نشأت بين العدو المحتل وبين صاحب الأرض الضحية للوحشية الاستعمارية؟ بالله عليكم هل يوجد عاقل فوق الأرض يشرح لي ماذا يقصدون بالعاطفة؟
والثقافة المشتركة؟ أي ثقافة يقصد بوتفليقة ومن معه الموقع على هذا الإعلان – التاريخ؟ مختلف – اللغة؟ الفرنسية ليست لغتنا الرسمية ولا الوطنية. – الدين؟ حسب علمي لم تدخل فرنسا في الإسلام بعد ولم يرتد الشعب الجزائري عن دينه بعد.. أي ثقافة يقصد؟
ثم يتكلم عن ترقية كل ذلك بما يتطلع إليه الطرفان!! ؟؟
فرنسا تتطلع إلى استرجاع مستعمراتها وإبقاء نفوذها ولا تخفي ذلك، فإلى ماذا يتطلع الطرف الجزائري؟؟ الرجوع إلى الحضن الاستعماري!؟
٤- ثم يتكلم عن وجوب وضع حد للذاكرة!؟ يعني دعوة صريحة لنسيان جرائم فرنسا وأبناءها من الخونة..
إن ذلك ليس من حق بوتفليقة أو غيره ذاكرة الشعب الجزائري كتبتها دماء الشهداء وما كتب بالدم لا يمحوه الحبر.
٥- فيما يخص الحوار السياسي
الوثيقة تقرر ربط ورهن المسار الاستراتيجي للمصالح الوطنية بالتوجهات الاستراتيجية للعدو الفرنسي !!
كيف يمضي الرئيس على ذلك وأطماع فرنسا في الجزائر لا تخفى على أي أحد وهو الذي عايش جيل الثورة!؟
ثم يشير إلى اللجنة الوطنية رفيعة المستوى والتي كشفنا حقيقتها و دورها في تحليلنا ل اتفاقية ايفيان الجديدة المسماة اتفاقية الصداقة والتعاون والدفاع..
والتي كما ترون يحيل إليها الإعلان كمرجع مؤسس للدولة الجزائرية الثانية.!! «أرجو مراجعة كل ذلك على وسم اتفاقية ايفيان الجديدة»
٦- البعد الإنساني
الوثيقة اسمها إعلان الجزائر وهي مؤسسة للدولة كما أسلفنا لك كما هو واضح يمضي عليها أيضا الرئيس الفرنسي إلى جانب الرئيس أو الوالي الجزائري!!
٧- الثقافة والتربية
تم الإشارة إلى الاتفاقية المشتركة الموقعة في ٢٠١١ والتي تم التفصيل فيها خلال هذه السلسلة فلتراجع.. والتي تضمن تهيئة المجتمع الجزائري خلال فترة ٢٠١٣/٢٠١٧ ثقافيا وتربويا ليتقبل مخرجات انتقال الجزائر من الوصاية إلى الحماية.
٨- أخيرا البعد الاقتصادي
وتشير الوثيقة إلى الإعلان الاقتصادي والإنتاجي المشترك والتي تم بموجبه إنقاذ الشركات الفرنسية المفلسة كشركات السيارات والشركات الصناعية للالكترونيات والسلاح وغيرها والتي أدت نتائجها بشهادة خبراءهم.. إلى التنفيس عن الاقتصاد الفرنسي واختناق الاقتصاد الجزائري واستفادة الاتحاد الأوروبي من المبادلات المالية وامتيازات الجمركة..حتى كانت حجم المبادلات المالية في العشر سنوات الماضية 225 $ مليار دولار للاتحاد الأوروبي و25$مليار دولار فقط للجانب الجزائري..هذا للاتحاد فقط بدون فرنسا!
فأين الفرص المتساوية والتكافؤ الاقتصادي الذي يتحدث عنه الإعلان.. وسأتناول بالتفصيل الاتفاقات الاقتصادية المخرجة من هذه الاتفاقات المجحفة لاحقا إن شاء الله.
٩- ختاما

أنا ارفض هذا الإعلان جملة وتفصيلا ولا اعتبره ملزما لأي جزائري حر لا زال يحمل في قلبه شعلة الشهداء الذين حرروا البلد.

الخميس، 16 يوليو 2020

العربي بن مهيدي

العربي بن مهيدي..
 حكيم الثورة الجزائرية وصندوق أفكارها 
قال فيه الجنرال الفرنسي "مارسيل بيجار": لو أن لي ثلة من أمثاله لغزوت العالم.

مؤمن سحنون 
شهدت الأمة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين موجة احتلال جديدة، كانت هذه المرة تحت غطاء استعماري، حملت هذه الحملة نفس الأهداف الصليبية الصهيونية، في نفس السياق القديم الجديد، سياق التدافع المتواصل بين الحق والباطل، حتى أخذ التدافع منحى أممي، تكالبت من ورائه الأمم على أمة الإسلام، وأدى التنافس الاستعماري بين الدول الغربية على مساحة الامبراطورية العثمانية إلى تقسيمها وتوزيع تركتها بين القوى الكبرى، ليعاد تشكيل هذه البلدان وفق سياسة المستعمرين فيها.

لكن وبرغم شدة الهجمة وعدم تكافئها ماديًا إلا أن روح المقاومة بقيت حية في هذه الشعوب، فبرز أبطال جدد لمعارك قديمة، يحركون جمود الخضوع، يهتفون في روع التاريخ برفض الظلم وحرب الطغيان والثورة في وجه كل محتل غاصب وكان العربي بن مهيدي أحد رموز الثورة الجزائرية على المحتل الفرنسي فمن هو بن مهيدي وماهي مراحل حياته وكيف عمل على تفجير الثورة المسلحة.

طفولة العربي بن مهيدي
في مدينة عين مليلة التابعة لولاية أم البواقي الجزائرية ولد لسي عبد الرحمن بن مسعود بن مهيدي في 10 جوان سنة 1923 ابن سماه العربي بن مهيدي، وكان من تقليد العائلة أن يدخل الابن في أول طفولته لكتاب تحفيظ القرآن، فكان أول تعليم تلقاه العربي هو كلام الله وآياته، والتأدب بأخلاق القرآن، وبقي في مدينة عين مليلة حتى سن السابعة، وبعد طلب من خاله وافق سي عبد الرحمن أن ينتقل معه الابن إلى مدينة باتنة حيث بقي إلى أن نال الشهادة الابتدائية في مدرستها، ثم التحق بمدينة بسكرة، بعد أن أمّم الاحتلال الفرنسي مورد رزق أبيه في عين مليلة وأرغمه على الهجرة، في بسكرة واصل العربي الدراسة في المدرسة المسماة حاليًا مدرسة يوسف العمودي.

الفتوة والتربية على التمرد
في بسكرة انضم العربي بن مهيدي للكشافة الإسلامية “فوج الرجاء”، وكان من أهداف إنشاء هذه النشاطات تعليم الشباب الروح الفدائية والانضباط، وبعد أشهر قليلة أصبح بن مهيدي قائد فريق الفتيان، كما نشط في الجمعية الرياضية التي كانت أحد روافد تأطير واختيار الناشطين، كانت هذه الأنشطة بهدف زرع فكرة الانتماء والجهاد والمقاومة في الناشئة، والتذكير بقضية الاحتلال الجاثم بثقله على هذه الأمة، والذي كان من أهدافه محو الهوية واستبدالها بمسخ فرنسي، كان هذا مع الالتزام الديني والأخلاقي المميز لبن مهيدي والذي شهد به كل من تعامل معه، فقد تأثر بشكل مباشر بشخصيتين هما الشيخ بلعابد والشيخ علي مرحوم، وبدأ تبلور الفكر الثوري لبن مهيدي من كل هذه العناصر، امتزج حفظه للقرآن مع التكوين الحركي الكشفي مع النشاط الرياضي الثقافي  مع الرصيد التربوي ليؤذن ببروز هذه الشخصية التي دوخت الاحتلال الفرنسي.

تجربة العمل السياسي
كانت الحركة الوطنية تنظم النشاطات الرياضية والثقافية لاستقطاب شباب جدد لحزب الشعب السري، ووقع الاختيار على حركة بن مهيدي لصفاته المميزة، فاختاره مسؤوله في بسكرة محمد عصامي للدخول للحزب، كما كان بن مهيدي عضو فاعل في حركة أحباب البيان والحرية وأسندت له مهمة الكتابة لمعرفته باللغة العربية.

قدمت فرنسا وعودا بمنح الجزائر الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الجزائريون في شوق وانتظار أن تفي بوعودها، لكنها قامت في المقابل بنفي زعيم حزب الشعب مصالي الحاج في شهر أبريل 1945 للكونغو برازافيل، مما أجج الاحتقان الشعبي ودفع الحزب للدعوة لمظاهرات 8 ماي 1945 المطالبة باستقلال الجزائر والإفراج عن مصالي الحاج، شارك بن مهيدي في تنظيم هذه الاحتجاجات وكان من الفريق الذي أعد اللافتات والشعارات ثم كان في صفوفها الأولى، واستجاب الشعب بالخروج والمطالبة بالاستقلال والحرية، لكن فرنسا واجهته بالوحشية المعتادة، فاستدعت جيش البر والبحر والجو لإرهاب الأهالي بهمجيتها وتعطشها للدماء، وحصدت مجازر 8 ماي 1945 أكثر من 45 ألف قتيل أعزل، بقيت صور جثثهم المكدسة في الطرقات والمنازل والشوارع والخيم والحقول في ذاكرة التاريخ شاهدة على همجية فرنسا وزيف حملها لشعار بلد الحريات وداعمة الديمقراطية، ملأت تلك المشاهد وجدان الثائرين بالحقائق الكاشفة للاحتلال.

وكانت هذه الأحداث سبب في تيقن بن مهيدي ورفاقه بعدم جدوى تحقيق الاستقلال الجزائري وكرامة الشعب عن طريق العمل السياسي السلمي، وأن السبيل الوحيد إلى تحقيق ذلك هو الجهاد المسلح والكفاح والثورة.

التحول إلى المواجهة المسلحة
شنت فرنسا في أحداث 8 ماي 1945 حملة اعتقالات واسعة، سجن على إثرها محمد بن مهيدي مع عدد كبير من الجزائريين، وناله من أصناف التعذيب والترهيب ما ناله طيلة الأسابيع التي قضاها في الأسر، خرج بعدها مقتنعًا بضرورة التحول إلى العمل المسلح، وأن الذي أخذه الاحتلال بالقوة لن يسترجع إلا بالقوة.

وتأسست المنظمة السرية وبدأ انتقاء أعضائها بحرص، فاختير بن مهيدي ليكون رئيس خلية في بسكرة، ثم بدأ يدرب المجموعة على فنون الحرب واستخدام الأسلحة الخفيفة، وقد أظهر نشاط كبير في التنسيق وقدرة على تنظيم الثوار وربط العلاقات مع التجار للحصول على السلاح التي كانت ترسل إلى جبال الأوراس، كان كل هذا يحدث مع إمكانيات مادية بسيطة لكن بإيمان شديد بضرورة الجهاد لاسترداد البلاد، ونظرًا للكفاءة العالية التي أبداها بن مهيدي استدعاه مسؤول المنظمة للإشراف على ناحية مدينة سطيف ثم عين بعدها كنائب لبوضياف، ثم أسندت له مهمة الإشراف على التنظيم في الشرق الجزائري وطيلة هذه المدة نشط في نشر الوعي وزرع الشوق للجهاد ومواجهة الاستعمار في التشكيلات الشبابية التي عاينها أو التي أشرف عليها.

الخلفية الفكرية والعقدية للثورة الجزائرية
منذ اليوم الأول الذي وطأت فيه أقدام فرنسا الجزائر، حملت جيوشها مع مهمة الغزو العسكري والاستعمار، مهمة الغزو الثقافي الديني والتغريب، لقد جاءت فرنسا بحقدها الصليبي المصاحب لأطماعها التوسعية، وكان ذلك واضحًا على ألسنة مسؤوليها منذ أيامها الأولى في الجزائر فبعد سقوط العاصمة صرح رئيس الوزراء الفرنسي (دي بولينياك) إن كان للصراع الذي أوشك أن يبدأ نتيجة هامة فهي التي ينبغي أن تسجل لصالح المسيحية ووقف سكرتير الحاكم بوجو على منبر مسجد بعد ما تم تحويله كمئات المساجد إلى كنيسة وقال:
ان آخر أيام الإسلام قد دنت وفي خلال عشرين عامًا لن يكون للجزائر إله غير المسيح.         

لقد عملت فرنسا بكل ما تملكه من قوة على محو الهوية الإسلامية وإلغاء اللغة العربية من الجزائر، لكن الله قيض لها رجال وقفوا حياتهم خدمة لاستدامة الإسلام في المجتمع، وإحياء لغة القرآن وعلومه في وجه التمدد الفرنكفوني، فقد حملت جمعية العلماء على عاتقها هذه المهمة، وساهمت في حفظ الشخصية الحضارية الإسلامية في الجزائر من الذوبان، وكان من رموزها الحاضرين في وجدان الجزائريين الشيخ ابن باديس الذي كان يعيش مع فكرة الثورة على فرنسا، كما كانت الجمعية من أبرز داعمي الثورة الجزائرية منذ بدايتها، وذلك بالتحريض على المشاركة والالتحاق بالثورة في وقت كانت فيه الأحزاب السياسية والتيارات العلمانية متوجسة تقف موقف المترقب، أصدرت الجمعية بيان يوم 2 نوفمبر 1954 بعنوان مبادئ الثورة الجزائرية كتبه الشيخ البشير الابراهيمي ومما جاء فيه:


إن اللحن الذي يشجي الجزائري هو قعقعة الحديد في معمعة الوغى، وإن الرائحة التي تعطر مشامه هي رائحة هذه المادة التي يسمونها البارود.

كما تتالت بيانات الدعم والتحريض في الأيام الموالية مثل النداء الذي وجهه الابراهيمي والشيخ الورثاني للشعب الجزائري في 15 نوفمبر 1954 بعنوان: “نعيذكم بالله أن تتراجعوا” جاء فيه “إنكم كتبتم البسملة بالدماء في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملؤها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ، وهي إرث العروبة والإسلام فيكم”.

لقد كان المجاهدون في الجبال يرفضون حتى وصف جهادهم بأي وصف، بل كانوا يصرون على أنه جهاد في سبيل الله، يستمد جذوره من تاريخ الاسلام البعيد ومن الصراع القديم الجديد، ويحرصون على إحياء أسماء رموز الجهاد، حتى أن كلمة السر التي كانت إشارة البداية للعمليات العسكرية للثورة في كامل الجزائر كانت الله أكبر … خالد … عقبة.

مراحل تفجير الثورة
كان المشهد السياسي الجزائري تفرقه التصدعات الحزبية، ما دفع المنظمة الخاصة المؤمنة بالحل العسكري إلى تنظيم اجتماع مارس 1954 الذي حضره مجموعة الـ 22 في منزل إلياس درويش، كان هدف الاجتماع تجميع الفرقاء على العمل الثوري لمواجهة الاستعمار عسكريًا، وأثناء المناقشات وقع تردد داخل المجموعة عن اختيار الحل العسكري فقال العربي بن مهيدي عبارته الشهيرة: “ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب…”، قررت المجموعة انتخاب لجنة الخمسة، وهم: رئيسها مصطفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي ومراد ديدوش ومحمد بوضياف ورابح بيطاط، ثم رأت المجموعة ضرورة زيادة ممثل عن منطقة القبائل فأضيف كريم بلقاسم، ثم اجتمع الستة في بيت مراد بوقشورة يوم 23 أكتوبر 1954 لترتيب موعد تفجير الثورة، كان الاتفاق على أن يتوزع العمل الثوري على خمس مناطق، مصطفى بن بولعيد على المنطقة الأولى وهي الأوراس ومراد ديدوش على المنطقة الثانية وهي شمال قسنطينة وبلقاسم كريم على المنطقة الثالثة وهي القبائل ورابح بيطاط على المنطقة الرابعة وهي وسط الجزائر والعربي بن مهيدي على المنطقة الخامسة وهي وهران، وعلى أن يكون موعد تفجير الثورة يوم الفاتح من نوفمبر 1954 وساعة الصفر منتصف الليل.

وفي الساعة المحددة انطلقت رصاصات المجاهدين في ليلة الثورة الأولى وخرجت الأسلحة القليلة من مخابئها ونُشر إعلان الثورة في المدن والشوارع لتتصاعد بعدها المواجهة بين الجيش الفرنسي بأعتى إمكانياته ضد المجاهدين في جبال الأوراس ببضع بنادق وقنابل يدوية، لكن بإرادة كبيرة وايمان عميق، وانتشرت الثورة على كامل الجزائر وتصاعد معها توحش جيش الاحتلال وقمعه للمدنيين وملاحقته للثوار، أبدى المجاهدون صمود وثبات في وجه الآلة العسكرية الفرنسية التي عملت على تشويههم ما زاد في التفاف الشعب حول الثورة وتصاعد دعمه لها بالأعداد الملتحقة بالمجاهدين.

في هذه الأثناء عمل بن مهيدي على التنسيق لجلب السلاح من الخارج وتجديد الثورة التي فقدت عدد من رموزها بين شهيد وأسير، فكان هذا موضوع رحلته للقاهرة إذ التقى هناك بالمجاهد عبد الكريم الخطابي وأحمد بن بلة ورئيس المخابرات المصرية فتحي الذيب، وتم الاتفاق على تزويد الثورة بالسلاح، وصلت سفينة أولى إلى مرسى الناظور المغربي، وتقاسم الاخوة الجزائريون والمغاربة السلاح رغم قلته، ما يدل على التعاون المشترك في مواجهة الاستعمار.

ترأس بن مهيدي اجتماع الصومام الذي أعيد فيه هيكلة الثورة ومراجعة نتائجها ودراسة المرحلة اللاحقة، ثم قرر أن يتوجه للعاصمة ليبدأ صراع جديد ضد المستعمر، بعد القناعة بضرورة انهاكه بالهجمات المباغتة داخل المدن، بأسلوب حرب العصابات، أدار بن مهيدي شبكة من الفدائيين والفدائيات وصانعي المتفجرات، الذين كانت مهمتهم تنفيذ عمليات نوعية واستهداف كل أشكال تواجد العدو داخل العاصمة، وقال قولته الشهيرة: “سأحول مدينة الجزائر إلى ديان بيان فو ثانية”، وهي المدينة الفيتنامية التي شهدت هزيمة الاستعمار الفرنسي المدعوم من حلف الناتو.

أثارت عمليات الفدائيين الجزائريين الرعب في صفوف القوات الفرنسية، خاصة وأنها تميزت بالخفاء والمفاجأة، أظهر خلالها الفدائيون والفدائيات ثبات وشجاعة فائقين، ما جعل الوصول إلى الرأس المدبر لهذه العمليات أولى أولويات فرنسا، كما تم إنشاء جناح اعلامي للثورة عبر جريدة المجاهد، والتي كتب بن مهيدي في بعض أعدادها.

اختار بن مهيدي حي القصبة في العاصمة ليسكن فيه، وهو منطقة شعبية عتيقة تمتاز بكثرة الأزقة وتعقيد شبكة طرقاتها وارتفاع عدد سكانها ونشاطهم، وقد زادت عمليات معركة الجزائر المستهدفة للعدو من ثقة الشعب وألهبت حماسه، كما أربكت الفرنسيين وجنودهم، مما صاعد عمليات التفتيش الشاملة والاحتياطات الأمنية، في هذا الوقت كان بن مهيدي يتحرك بأوراق تعريف مزيفة أعدها يوسف سعدي.

لقد تحولت مدينة الجزائر كما خطط العربي لجحيم في وجه الفرنسيين، تهتز أرضها وجدرانها في وجوههم من كل جانب وفي كل لحظة مباغتة، وأنستهم أصوات العمليات الفدائية طعم النوم الآمن فوق أجساد المستضعفين، وطردت أوهامهم باستتباب الأمور لطغيانهم ولغطرستهم، لقد واجههم الثوار باللغة التي يفهمونها، وأسمعت رسائل الحرية الآذان الصماء.

وكخطوة تصعيدية جديدة ولإشراك الشعب في المعركة وبيان وقوفه مع الثورة في وجه الاحتلال، نظم بن مهيدي إضراب شامل لقي استجابة كبيرة من الجزائريين، ومرة أخرى ألقيت الثورة إلى الشارع فاحتضنها الشعب بحرارة، ما استفز الفرنسيين وألجأهم لمحاولة كسر الإضراب بالقوة ومحاصرة العاصمة لإخفاء الدعم الشعبي الكبير للمجاهدين الذي أصبح ظاهرًا لكل العالم.

اعتقال العربي بن مهيدي واستشهاده
قامت عساكر فرنسا بحملة تفتيش شاملة، يقتاد فيها الرجال من المنازل لينتقلوا إلى التعذيب والاستنطاق، وألقى جنود المظلات القبض على بن مهيدي في 23 من شهر فبراير سنة 1957، لم يدرك الجنود الذين اعتقلوه للوهلة الأولى أن من يقتادونه هو العقل المدبر للعمليات التي جرّت عليهم الويلات، وما أن اكتشفوا هويته حتى بدأت مساومته على تقديم معلومات عن رفاقه وعن الجهاد، حتى أنهم حاولوا إيهامه بأن رفاقه هم من خانوه، لكنه في كل مرة كان يجيب برفض إعطاء أي كلمة تخدم فرنسا، كان يجيبهم في هدوء الواثق بقضيته، المطمئن بقدر الله، المعتز بجهاده، والمبتسم في وجه أعدائه تلك الابتسامة الساخرة التي سجلها التاريخ وسجلتها شهادات معذبيه وأعدائه، فعندما سئل عن استعمال الفدائيين للحقائب المتفجرة والقنابل أجاب “أعطونا دباباتكم وطائراتكم فنعطيكم طواعيتًا حقائبنا وقنابلنا”،وحين طلب منه تقديم ما يفيد الاحتلال كان يكرر عبارة:

أمرت فكري بألا أقول لكم شيئاً.

ومع تكرار المحاولات فقد السجانون أعصابهم، وبدأوا في تعذيبه، سلخوا جلد وجهه واقتلعوا أظافره وكسروا أسنانه لكنهم لم يأخذوا منه إلا البصق في وجوههم وشتمهم. انتزع صمود بن مهيدي إعجاب حتى سجانيه الذين قدموا له التحية العسكرية قبل إعدامه، حتى أن الجنرال مارسيل بيجار قال: “لو كان لي ثلة من أمثال العربي بن مهيدي لغزوت العالم”.

وفي عام 2001 قدم كبير سفاحي جنرالات فرنسا في الجزائر شهادة جاء فيها: “أسابيع من التعذيب، نزعنا أظافره.. جلده.. أجزاءً من جسده.. ولا كلمة خرجت من فمه، بل واصل تحدينا بشتمنا والبصق على وجوهنا قبل تنفيذ حكم الإعدام”.

وحين استنفذوا وسائلهم القذرة قرروا إعدامه لينهوا هذا الصراع الذي ربحه السجين المقيد وخسره السجان، وأعدم العربي بن مهيدي بين 3 و4 مارس 1957، وفي آخر ثواني حياته طلب أن يعدم مكشوف العينين بلا عصابة، لكن جنود الاحتلال انهزموا حتى في هذه ورفضوا طلبه، رهبة من عينين لاحقتا الاستعمار في كل درب، وبكل وسيلة.

دار في أحد الأيام حوار بين العربي بن مهيدي وأمه، وقد كانت مشفقة على ابنها الذي لم يتزوج بعد، في حين ترى هي أحفاد أقرانها في زياراتها لهم، وحين عبرت الأم عن شوقها لرؤية أبناء ابنها المنهمك في قضيته وجهاده، قال لها:


  إن أنا عشت بعد الاستقلال سأنجب لك الكثير من الأبناء وإن أنا مت يا أمي فالجزائريون كلهم                          أبناؤك.                                    

هذه هي الوصية التي تركها بن مهيدي للأجيال من بعده، وهذه القضية التي هي حري بأن يحملوا مشعلها ويسلكوا بها الطريق الذي سلكه هو وأسلافه، إن الاستعمار الذي قاومه مجاهدو هذه الأمة لايزال قائمًا بأوجه مختلفة، يبدل جلدته في كل مرة، ويفوض من يقوم عنه بمهامه، لكن آثاره لا تخفى على عاقل، وإن أمة أنجبت أمثال العربي بن مهيدي لحرية بأن يخاف أعداؤها من إفاقتها من جديد، لذلك يسعون بكل طاقاتهم لاستمرار الغفلة، وإخماد النور المنبعث بين شبابها, لكن الله متم نوره.

الاثنين، 29 أبريل 2019

صورة اليوم

الليبية العنود ارحيم الفارسي أُلتقطت لها هذه الصوره سنة1922
بعد سماعها مقتل زوجها وأبنائها في معركة جليانه ضد الإستعمار الإيطالي هبّت للقتال
وقد أطلقت قولتها التي اشتهرت
( " يخلص دين وراه وليّه يا بال دين وراه رجال " )
وقد شاركت ببسالة في الجهاد فأبلت بلاءً حسنا
وانتشرت هذ الصورة في أواخر عام 2018 عندما شارك بها احد المؤرخين في معرض للصور في أوروبا ....

منقول






















الأحد، 7 أبريل 2019

الحراك الجزائري وأعداء الثورات العربية

الحراك الجزائري وأعداء الثورات العربية


المهدي مبروك
كان طيف من التونسيين، ولا يزال، يعادي كل الاحتجاجات في بلاد العرب. وعلى الرغم من أن الأمر لا يعنيهم مباشرة، فإنهم يتحوّلون، أحيانا، إلى ناطقين باسم تلك الأنظمة التي تناوئها تلك التحرّكات، بل يزايدون عليها. كتب مناضل قومي في تونس، يعاتب الرئيس الجزائري المستقيل، عبد العزيز بوتفليقة، على الاعتذار الذي توجه به إلى الشعب الجزائري، ويرى أنه إن كانت له أخطاء، فهي حصرا تنازله للجماهير الغاضبة واعتذاره لهم (!).
انتعشت هذه المواقف منذ انتكاسات الثورات العربية في حالات عديدة، على غرار الحالات المصرية والليبية والسورية.. وظل أصحابه يترصدون أي تحركٍ شعبي، يندلع في بلد عربي، حتى يعيدوا سرد جملة المخاطر المحدقة "بالأمن القومي"، بشكل كارثي، حتى يجعلنا على حافّة القيامة.
مشارب هؤلاء متعدّدة، فهم خليط من بقايا النظام السابق، وبعض المواطنين غير المتسيسين أصلا الذين لا تعنيهم قيم الكرامة والحرية، وإنما أفق طموحهم الرغيف المتوفر والأمن المستتب، حتى ولو كان على حساب حد أدنى من الحريات الفردية والجماعية وبعض القوميين الذين لم يتصالحوا بعد مع الفكرة الديمقراطية، وما زالوا يعتبرونها مؤامرة. وإذا وجدنا مبرّرات ما للصنفين الأولين، فإن المحيّر أن يصدر الموقف عن "مثقفين" من حملة الأطروحة القومية تحديدا. يستند هؤلاء عموما في تبرير رفضهم المطلق التحركات الشعبية في أي بلد عربي إلى مآلات الحالتين، الليبية والسورية، فهم يرون في سورية وليبيا ومصر والجزائر قلاعا للممانعة والنضال الوطني، والكل يعلم أن هذه الأنظمة قُطرية حتى النخاع، ولم تطلق رصاصة واحدة تقريبا تجاه العدو، بل نكّل بعضها في مواقع عديدة بالفلسطينيين، ودفعوهم إلى المنافي، حيت تشرّدوا شتاتا.
كل هؤلاء، وإن اختلفت مشاربهم وخلفياتهم الفكرية، التقوا على مساندة أنظمة شمولية، مارست شتى أنواع العسف والعنف على مواطنيها، وعلى الرغم من انكشاف الفظاعات التي اقترفتها  
في حق شعوبها، ما زالوا يصرون على أنها الوصفة الناجحة لأمن الأوطان وتقدمها. يرتكب هؤلاء هفوات فكرية فادحة، حين يجردون الأوطان من شعوبها، حيث يظل الوطن، قطريا أو قوميا، مقولة فضفاضة، أنه وعاء خاو لا يتسع إلا إلى تلك الأيديولوجيا السطحية، فيطمسون الشعوب، والشعب في الأصل وحدة سياسية، تحتاج أن تكرس إرادتها وفق مبادئ الديمقراطية والقانون، من خلال مختلف الآليات التي توفرها الديمقراطية، ولعل أهمها الانتخابات الحرة والنزيهة. لا يعترف هؤلاء بالإرادة العامة، ولا بالانتخابات، كما صاغتها الفلسفة السياسية الحديثة، وحسمتها الديمقراطيات، ويستعينون بدلا عنها بإرادة القائد الملهم والزعيم الفذ الذي يحبذ القوميون أن يكون عسكريا. ثمّة ولع ووله غير مبّررين، ومرضيان أحيانا، بالعسكريين تحديدا (النموذج البيسماركي وتنظيرات بعض القوميين المبكرة والتأسيسية)، حتى أن عديدين منهم يهتفون باسم القائد العسكري في ليبيا، خليفة حفتر، ويحرّضونه على اقتحام طرابلس، حتى لو سالت دماء الليبيين أنهارا. لا يُذكر لهؤلاء العسكر خوض معركة شرف واحدة باسم القضايا القومية، وحتى القُطرية. خارج هذه الأبعاد العسكرية الأمنية التي يستند إليها معادو الثورات العربية، فإنهم يعجزون، خارج سرديات الوهم والشوفينية والبطولات الوهمية، أن يذكروا لهذه الأنظمة منجزا واحدا، يمكن أن نفاخر به  
أشباهنا من دول العالم الثالث، من دون أن نمد بصرنا إلى جيراننا من الفرس أو الترك أو الفرنجة، فهي حالاتٌ لا تجيز لنا المقارنة أصلا. ما الذي أنجزته هذه الأنظمة خلال أكثر من ثلاثة عقود حكمت فيها: نسب نمو منخفضة، تبعية اقتصادية مذلة، أنظمة صحة ورعاية اجتماعية شبه بدائية. هل يذكر لها اكتشافات علمية، براءات اختراع، تصنيع سيارة، ترتيب متقدم في الجامعات العالمية، جوائز واختراعات علمية، أنظمة بيئية متقدمة، تصنيع عسكري منيع؟ لا نكاد نذكر لهذه الأنظمة منجزا واحدا يستحق أن نتمسّك بها، لأجله على حساب حاجات الأجيال الراهنة من الشباب إلى الحريات الفردية والجماعية والكرامة والديمقراطية والعمل الكريم، وهي التي تفتح سبل الابتكار والإبداع، وتخلق مناخا إنسانيا مواتيا لمناعة الأوطان.
ستقدّم الجزائر حتى من خلال ما تم إنجازه ردا قاسيا على بعض تلك الأطروحات، حين تسفه توقعاتهم وأحلامهم، فهؤلاء كانوا يدعون ربهم سرا وعلانية أن تفشل التحرّكات حفاظا على الجزائر، والحقيقة غير هذا.
لم يستسلم الجزائريون إلى الريع الذي فشل في شراء توقهم للحرية، فنجاح الحالة الاحتجاجية في الجزائر سيجعلها تقدم نموذجا مغايرا لثورات الربيع العربي، لكونه يأتي من دولة نفطية، يكون فيها الريع عادة أداةً لمقايضة الناس على حريتهم، من خلال فيض الخدمات الاجتماعية المقدمة لهم. ولكونه يأتي أيضا من بلد كواه الإرهاب، ومع ذلك، لم يتب ناسه عن عشقهم الحرية. لا أحد ينكر أن الجزائريين، مقارنة مع حيرانهم وتحديدا منذ مجيء بوتفليقة، تحسّنت أحوال معاشهم، وتضاعفت أجورهم، من خلال سياسات الدعم السخية وبرامج السكن الاجتماعي وغيره من الخدمات ذات الأصل الريعي، ولكنهم آثروا الحرية والكرامة على الريع السخي المشوب بالفساد وشراء الذمم والكرامة. كما تدحض الجزائر أطروحة أن الثورات العربية وأشكال الاحتجاجات العارمة مؤامرات خارجية، ذلك أن للجزائر تقاليد وثقافة جعلت من هذا الحراك "شأنا عائليا" كما يقولون حكما ومعارضة. ولكن هذا الشأن العائلي ستكون له جاذبية لا تقوم لدى الجوار، وما أكثرهم.