‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدرر السنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدرر السنية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 13 ديسمبر 2025

الأغاني عرض ونقد: القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية

الدرر




عنوان الكتاب: الأغاني
النـاشـر: دار الكتب العلمية – بيروت
الطبعة: الثانية
سـنة الطبع: 1412هـ
عرض ونقد: القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية

كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أحد كتب الأدب التاريخية المشهورة, حيث طار صيته في الآفاق, وانتشرت نسخه شرقًا وغرباً, واعتمد عليه كثير من الباحثين والمستشرقين في كتاباتهم, واستشهدوا برواياته التاريخية, حتى رسم البعض صورة مغلوطة للمجتمع المسلم من خلال روايات أبي الفرج وما فيها من مجون وفحش وخلاعة وخمر وغناء، وسنستعرض من خلال هذه السطور أهم ما تضمنه كتاب الأغاني وأهم المؤاخذات عليه.
عرض الكتاب:
كتاب الأغاني كتاب موسوعي, جمع في الأدب, والغناء, والشعر, مبتدئاً بالعصر الجاهلي, ثم صدر الإسلام, ثم العهد الأموي، والعباسي, إلى عهد الخليفة العباسي المعتضد بالله، المتوفى سنة 289 هجرية، بعدها لم يرد عن الخلفاء أو الأمراء أو غيرهم شيء.
وقد تناول فيه علوماً شتى, وأغراضًا متنوعة من تفسير, وحديث, ولغة, وسير وأخبار, ومسامرات, وأحوال لسراة الناس وكبرائهم من خلفاء وأمراء ووزراء وعلماء وغيرهم.

وسبب تسميته بـ ((الأغاني)) هو تدوينه وجمعه عددًا من الأغاني والأصوات العربية وما يتبعها من نصوصها الشعرية وألحانها. وقد بنى مادة الكتاب على مائة صوت كان الرشيد أمر مغنيَه إبراهيم الموصلي أن ينتخبها له، وضمَّ إليها أبو الفرج الأصوات التي زيدت للخليفة الواثق، ثم ما اختاره أبو الفرج لنفسه من أصوات من مصادر أخرى. مع نسبة كل ما ذكره إلى قائله, سواء كان شاعرًا, أو صانع لحن, ويذكر ما يتعلق به من طريقة إيقاعه وغيرها. وتناول ما أورده من هذه الأمور بالشرح والبيان, والتلخيص, وتفسير المشكل, وإيضاح الغريب, والإعراب, وما يتعلق بالشعر من عروض وغيره.

الكتاب ألفه أبو الفرج الأصفهاني في خمسين عاماً, حتى إذا انتهى من تصنيفه قدمه كهدية إلى سيف الدولة الحمداني, فما كان من الأخير إلا أن أعطاه مقابل ذلك ألف دينار, إلا أن هذا الثمن لم يرق للصاحب ابن عباد, فاستقلها, ورأى أنها غير مجزية لعمل كهذا, وقال: (لقد قصر سيف الدولة, وإنه ليستحق أضعافها).
لماذا كتاب الأغاني؟
ربما يتساءل بعض القرَّاء الكرام لماذا نتعرض لهذا الكتاب بالنقد والتمحيص, والتفتيش عن أخطائه وسقطاته, بينما الكتاب لا يعدو أن يكون كتاب أدب وأخبار ومسامرات كغيره من الكتب؟ ولعلنا نجمل الإجابة في الآتي:

أولاً: ما يحتويه الكتاب من تشويه مخز للتاريخ الإسلامي لاسيما الخلفاء والأمراء والعلماء وغيرهم, حيث لم يفتأ يصورهم في صورة من لا خلاق لهم ولا دين, لا يردعهم رادع عن اقتراف المحرمات, ولا يمنعهم مانع عن ركوب الشهوات.

ثانيًا: ما يتمتع به هذا الكتاب من شهرة وانتشار, واعتماد الكثير من الباحثين في التاريخ الإسلامي على أخباره, وما يورده من قصص كمصدر أصيل من مصادر التاريخ الإسلامي, مما يجعله مادة دسمة لكثير من المتصيدين في الماء العكر, الذين يقتنصون الأخطاء, ويتتبعون الهفوات في محاولة منهم لإثبات أن الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها كانت مليئة بالخلاعة والمجون بجميع أشكالها وألوانها.
وهذا ما يتبادر إلى ذهن القارئ مباشرة عند استعراضه لأخبار هذا الكتاب حتى ليخيل له وللوهلة الأولى أن المجتمعات الإسلامية ومدن الإسلام وحواضره ما هي إلا مواخير للخلاعة, وحوانيت لمعاقرة الخمر, واستماع الغناء والملاهي.

ثالثًا: الطريقة التي يعرض فيها المؤلف أخباره, ويروي بها قصصه, حيث يقرن الخبر بالإسناد, ويسلسله بالرجال حتى يضفي إلى أخباره صبغة المصداقية والقوة, ويستطيع من خلال ذلك تمرير ما يصبو إليه من قدح في أعلام الأمة وساداتها.
كما اعتمد في ذلك على طريقة ماكرة, يدس فيها السم في الدسم, وذلك بنقله للروايات المتواترة, والحقائق التاريخية والأحداث والوقائع بشيء من المصداقية, ثم يضيف هو على ذلك أضعافه من الكذب, والتدليس, والتضليل, فيخيل للقارئ أن ما أورده في طيات كتابه هو الحق الذي لا شبهة فيه.

رابعًا: الاهتمام المبالغ فيه بالكتاب من قبل المستشرقين, حيث إنهم اعتبروه مصدرًا مهمًّا لا يستغنى عنه لمعرفة ما كانت عليه المجتمعات الإسلامية في تلك الحقب من التاريخ، وراحوا يروِّجون له ويشيدون بقيمته؛ لأنه يخدم أغراضهم الخبيثة.

خامساً: ومما يدعونا إلى التنبيه على محتويات الكتاب شخصية صاحبه المشبوهة, وتحذير العلماء منه, ووصمهم له بأوصاف تخرجه عن دائرة العدالة وتنفي عنه الثقة في نقل الأخبار, وإليك بعضًا مما قاله فيه أهل العلم:
قال ابن الجوزي: (... وكان يتشيع، ومثله لا يوثق بروايته، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب ((الأغاني)) رأى كل قبيح ومنكر) [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (14/ 185) ].
وقال الحسن بْن الحسين النوبختي: (كان أَبُو الفرج الأصبهاني، أكذب الناس، كان يدخل سوق الوراقين وهي عامرة، والدكاكين مملوءة بالكتب، فيشتري شيئا كثيرا من الصحف ويحملها إِلَى بيته ثم تكون رواياته كلها منها)[ تاريخ بغداد وذيوله ط العلمية (11/ 398).].
وقال الإمام الذهبي وهو يتحدث عنه: 
( شيعي، وهذا نادر في أموي, كان إليه المنتهى في معرفة الأخبار وأيام الناس، والشعر, والغناء, والمحاضرات، يأتي بأعاجيب بحدثنا وأخبرنا).[ميزان الاعتدال (3/ 123)].
إضافة إلى ذلك إغراق الرجل في الشعوبية الحاقدة, الناقمة على كل ما هو عربي, الشعوبية التي تفيض من سطور الكتاب, وتفوح رائحتها من بين حروفه وكلماته.

ما يؤخذ على كتاب الأغاني:
لعلنا بعد هذه المقدمات نستطيع أن نلج في الكتاب ونستخرج بعض خباياه وما أخذ عليه, مستشهدين على ذلك بما لا يخدش الحياء, ولا تستقبحه الأسماع معرضين عن غيره:

1- فمما يؤخذ على كتاب الأغاني أن صاحبه أكثر من نقل الخلاعة والمجون, وركز على هذا الجانب حتى طفح به الكتاب وفاض, مصرحًا بذلك لا معرضًا, مستخدمًا الألفاظ الفاحشة, والعبارات القبيحة, ولولا تنزهينا لأسماع القرَّاء, وألسنتهم لعرضنا جانبًا من هذا الفحش والبذاء.
ولعل وَلَعَهُ بهذه الأخبار يعكس جانبًا من سلوكياته الأخلاقية, وما طبع عليه من طباع, فمن لا يتنزه عن قول الخنا, والمفاكهة به لا يتورع عن فعله.

2- ومن المآخذ التي تؤخذ على هذا الكتاب استخفافه بالعقائد والطعن فيها, ونقلها والسكوت عنها, فتراه ينقل الكفر البواح, والاستهزاء بالصلاة, وما إلى ذلك, ويتضح ذلك من خلال بعض ما سنورده من نقول مقتضبة أبقينا فيها على الشاهد, وحذفنا ما ننزه سمعك ولسانك عنه.
ففي أحد الأخبار التي نقلها الأصفهاني يقول بعد نقل السند:
(اجتمع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس وجميع أصحابهم فشربوا أياما تباعا فقال لهم يحيى ليلة من الليالي وهم سكارى ويحكم ما صلينا منذ ثلاثة أيام فقوموا بنا حتى نصلي فقالوا نعم فقام مطيع فأذن وأقام ثم قالوا من يتقدم فتدافعوا ذلك فقال مطيع للمغنية تقدمي فصلي بنا فتقدمت تصلي بهم عليها غلالة رقيقة مطيبة ....) [ الأغاني (13/ 350)] إلى آخر ما ورد في هذا الخبر. وفي خبر آخر يقول: (حَدَّثَنِي حمزة النوفلي ، قال :صلى الدلال المخنث إلى جانبي في المسجد ، فضرط ضرطة هائلة سمعها من في المسجد ، فرفعنا رؤوسنا وهو ساجد وهو يقول في سجوده رافعًا بذلك صوته: سبح لك أعلاي وأسفلي، فلم يبق في المسجد أحد إلا فتن وقطع صلاته بالضحك)[ الأغاني (4/ 273)].

ومن الأمثلة على نقله لتحريف القرآن وسكوته عنه, ما نقله عن الفرزدق إذ سمع رجلًا يقول: ({وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] فقال الفرزدق: فاقطعوا أيديهما والله غفور رحيم فقال: ينبغي أن يكون هذا هكذا، قال: فقيل له: إنما هو: عزيز حكيم، قال: هكذا ينبغي أن يكون)[ الأغاني (21/ 364).] .
وإليك هذا الخبر الذي ينقل فيه لعن دين الإسلام إذ يحكي في قصة طويلة أن عمر فرق بين منظور بن زبان وبين امرأة أبيه لما تزوجها, وزعم أنه لم يعلم بالتحريم, ثم تزوجت فـ(رآها منظور يوما وهي تمشي في الطريق، وكانت جميلة رائعة الحسن، فقال: يا مليكة، لعن الله دينًا فرق بيني وبينك، فلم تكلمه وجازت... وبلغ عمر رضي الله عنه الخبر فطلبه ليعاقبه، فهرب منه)[ الأغاني (12/ 228)].

3- ومما يؤخذ على الكتاب أيضًا أخطاؤه التاريخية التي أوردها مؤلفه فيه, ومن ذلك على سبيل المثال قوله [الأغاني (14/ 174).]: أن هارون الرشيد (قد أخذ صالح بن عبد القدوس وعلي بن الخليل في الزندقة) بينما من قتله هو المهدي, وحينها لم يكن عمر الرشيد يتعدى الخمس سنوات.
ومن ذلك أيضًا روايته عن الوليد بن عقبة أنه قال: (لما فتح رسول الله مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح على رؤوسهم فجيء بي إليه وأنا مخلق فلم يمسسني وما منعه إلا أن أمي خلقتني بخلوق فلم يمسسني من أجل الخلوق) [الأغاني (5/ 154).] .والغريب أن الوليد ابن عقبة أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقًا إلى بني المصطلق يجمع منهم الزكاة, فكيف يكون يوم فتح مكة صبيًّا؟! قال ابن عبد البر رحمه الله: (الحديث منكر مضطرب لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صبيًّا يوم الفتح)
[الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1553)].

4- ويؤخذ على الكتاب كذلك التشويه البالغ, لأعلام الإسلام من خلفاء وعلماء وقادة, فنقل عنهم الأخبار الملفقة, والأقاصيص الكاذبة التي تصورهم على غير ما هم عليه, ولا يخفى على العاقل المنصف ما تخلفه هذه الأخبار في نفس قارئها, من تشويه لأعلام ظنهم لبرهة من الزمن يتربعون على عروش العفاف, ويتحلون بحلية الوقار, فإذا هو يصدم بالازدواجية الأخلاقية لهذه الشخصيات.

وللأصفهاني في عرض شخصياتهم دهاء ومكر فهو يعرض لاسم واحد من أفاضل الأمة مشفوعا بما يليق به من صيغ التكريم، حتى إذا استوثق من ثقة القارئ المغفَّل رماه بباقعة تجعله موضع الهزء والسخرية!. وقلما سلم من بوائقه هذه فرد أو جماعة أو حزب ممن لهم حميد الذكر بين العرب والمسلمين منذ العهد الراشدي مروراً بالأموي فالعباسي حتى أيام الأصفهاني[انظر كتاب: جولة في كتابي (الأغاني) و(السيف اليماني) (ص: 419)].

وممن طعن فيهم الأصفهاني: 

النعمان بن البشير الأنصاري, والإمام أبو حنيفة، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم الكثير, ولم يسلم من أذاه آل البيت النبوي, والذي كان يتشيع لهم, ويظهر حبه وتقديره لهم, بينما تكذبه أقواله وما ينقل عنهم, فقد نالوا منه النصيب الأكبر من الإقذاع والتعدي، إذن هو عدو الجميع, لا صديق له يمتنع عن لسانه, ولا صاحب يتورع عنه.

وهاك بعض النقول عنه تبين طعونه في سرات الإسلام وساداتهم:
قال: كان أبو حنيفة الفقيه صديقًا لحماد عجرد فنسك أبو حنيفة وطلب الفقه فبلغ فيه ما بلغ ورفض حمادا وبسط لسانه فيه فجعل حماد يلاطفه حتى يكف عن ذكره وأبو حنيفة يذكره فكتب إليه حماد بهذه الأبيات:
 

إن كان نسكُكَ لا يتمُّ

بغير شَتمي وانتقاصي

أو لم تكن إلاَّ به

ترجو النجاة من القصاص

فاقعد وقم بي كيف شئـ

ـتَ مع الأداني والأقاصي

فلطالما زكّيْتَنِي

وأنا المقيم على المعاصي

أيّام تَأخذها وتُعـ

ـطِي في أباريقِ الرَّصاصِ


قال فأمسك أبو حنيفة رحمه الله بعد ذلك عن ذكره خوفا من لسانه)[ الأغاني (14/ 326).].


وهذا افتراء على الإمام الأعظم إذ لم يعرف عن الإمام أي شيء عن صلته بحماد عجرد وأمثاله.
ومن طعونه في آل البيت النبوي ذكره أن الحسين بن علي رضي الله عنه أقر يزيد على شربه للخمر [الأغاني (15/ 281)]. 

ومن ذلك ذكره أن المغنين يجتمعون عند الحسن بن الحسن[الأغاني (1/ 227)].


ومن ذلك تعديه على حرماتهم وحديثه عن نسائهم, فهاهو ينقل عن سكينة بنت الحسين مواعدتها لابن أبي ربيعة الشاعر هي وصويحباتها ومحادثته إلى الفجر[الأغاني (2/ 369)], كما ينقل عنه أنها تحكم بين المغنين وتفصل بينهم [الأغاني (2/ 359)] إلى ما هنالك من هذه النقول التي يطفح بها هذا الكتاب.
5- كما يؤخذ على الكتاب أيضًا تصويره الفترة الزمنية التي تمثل صدر الإسلام بأنها فترة دموية مليئة بالدسائس والمؤمرات, والمكر والخديعة, وهذا ما لا يحتاج إلى دليل ولا برهان، فالكتاب مليء بمثل هذه الأخبار والأقاصيص, ومن رجع إليها وجدها ظاهرة للعيان, غير خفية على من تتبعها.

وبعد أيها القارئ الكريم:
فهذه بعض المآخذ على كتاب قد ملأ السمع والبصر, واشتهر وانتشر, واحتفى به أعداء الأمة من المستشرقين والمستغربين لما يقضيه من مآربهم, ويحقق من أمانيهم في ذم الإسلام وأهله, 

ومن أراد الاستزادة فنحيله على كتاب:


- جولة في كتابي (الأغاني) و (السيف اليماني) لمحمد مصطفى المجذوب.
- ((السيف اليماني في نحر الأصفهاني)) لوليد الأعظمي.

الاثنين، 21 أبريل 2025

علماء الأمة الإسلامية والدور المنتظر منهم

 علماء الأمة الإسلامية والدور المنتظر منهم



أحمد بن سعد الغامدي

فإنه من المسلمات شرعاً وعقلاً أن علماء الأمة الإسلامية هم خيارها عند الله تعالى، لما عرفوا من الحق كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: من الآية 11]، ولما لهم من السمع والطاعة على الأمة باعتبارهم على الراجح هم ولاة أمرها كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء: 59].


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فإنه من المسلمات شرعاً وعقلاً أن علماء الأمة الإسلامية هم خيارها عند الله تعالى، لما عرفوا من الحق كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: من الآية 11]، ولما لهم من السمع والطاعة على الأمة باعتبارهم على الراجح هم ولاة أمرها كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء: 59]، قال البغوي رحمه الله في تفسيره: "اختلفوا في: {أُولِي الأمْرِ} قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: "هم الفقهاء والعلماء الذين يعلِّمون الناس معالِمَ دينهم"، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله قوله تعالى: {ولو رَدُّوُه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطٌونَهُ منهم} [النساء: من الآية 83]" (ج 2 / ص 239).

وما دام الشأن كذلك فإنه يجب على العلماء ما لا يجب على غيرهم لما أخذ الله عليهم من البيان وعدم الكتمان،كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] من أجل ذلك كله كان العلماء قديماً وحديثاً محط أنظار الأمة الإسلامية، الذين يؤمل فيهم ما لا يؤمل في غيرهم من النصح للأمة ورعايتها وحمايتها وتفوقها.

فمن هؤلاء العلماء؟ وما درجاتهم؟ وما صفاتهم؟ وما هو الدور المنتظر منهم؟ وكيف يمكنهم القيام به؟ هذه أسئلة مهمة للغاية الإجابة عليها بصدق وبجلاء تسهم بقوة في النهوض بالأمة الإسلامية من جديد، وإعادة دولتها ووحدتها ودورها في الحياة بعامة، كما كانت من ذي قبل.

 

أولاً: من العلماء؟

العلماء هم الذين تعلموا العلم وأتقنوه وعقلوه، وعملوا به وعلموه، العدول الذين استقاموا لله تعالى بالدين والمروءة الذين يخشونه ولا يخشون أحداً سواه. والمقصود بالعلم هنا علم الكتاب العزيز والسنة النبوية من حيث معرفة الأوامر والنواهي والحلال والحرام والكراهة والاستحباب. فكل من عقل عن الله تعالى ذلك العلم وامتثل أوامره واجتنب مساخطه، وعلم من سأله، وأفرد الله تعالى بالخوف منه على وجه التعظيم له فهو العالم حقاً.

وفي تفسير ابن كثير رحمه الله (ج 6 / ص 545)، قال الحسن البصري: العالم مَن خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سَخط الله فيه، ثم تلا الحسن: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر/28]. وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية.وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن صالح المصري: معناه: أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: "نور" يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري، عن أبي حيان التميمي، عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله.

فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله عز وجل. وفي تفسير القرطبي (ج 14/ ص 343ـ 344): قال الربيع بن أنس: "من لم يخش الله تعالى فليس بعالم". وقال مجاهد: "إنما العالم من خشي الله عز وجل". وعن ابن مسعود: "كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلاً". وقيل لسعد ابن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: "أتقاهم لربه عز وجل". وعن مجاهد قال: "إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل". وعن علي رضي الله عنه قال: "إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها".

ومن هذا كله يتلخص لنا أن شروط العالم وهي:

1. العدالة، ونعني بها استقامة الدين بالسلامة من الفسق وخوارم المروءة.

2. الضبط، ونعني به ضبط مسائل العلم وفقهها بعيداً عن الخطأ.

3. العمل بالعلم وامتثاله باطناً وظاهراً.

4. تعليمه لمن سأل عنه.

5. الخوف من الله تعالى المشوب بتعظيمه دون سواه.

وها هنا يجب على العالم الحذر كل الحذر من ثلاثة أمور وهي:

الأول: الحذر الشديد من حمل العلم دون العمل به حتى لا يكون كالحمار يحمل كتب العلم ولا ينتفع بها كما قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5].

والثاني: الحذر الشديد أن يكون الباعث الأصلي من تعلم العلم هو حظوظ الدنيا، ومن ذلك لصرف وجوه الناس إليه أو ليقال هو عالم، أو للمماراة به، أو ليأكل به باطلاً، كما قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175]. وفي سنن ابن ماجه (ج 1/ ص 303)عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ»، وقال تعالى مؤكداً على تجنب ذلك كله: {وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ . وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 41، 42]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .

والثالث: الحذر الشديد من شرك الطاعة وذلك بطلب العالم له أو لغيرهم من الحكام والكبراء الطاعة فيما حرم الله تعالى، لأن من يدعوا لذلك فقد جعل نفسه أو غيره من الكبراء والحكام طاغوتاً يعبد من دون الله تعالى، وانظر مصداق ذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، وفي قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وفي حديث الطبراني في (المعجم الكبير: [ج 12/ ص 7]) عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ».

 

ثانياً: ما هي درجات العلماء؟

العلماء درجات بقدر تبحر العالم في العلوم والقيام بها بقدر تقدمه فيها ورفعته بين العلماء بها، لأن العلم مسائل فكل من استزاد منها مسئلة استزاد في العلم درجة. والعلماء هنا ليسوا على حد سواء فمنهم المقلون من العلم وهم صغار العلماء، ومنهم المستكثرون منه وهم كبار العلماء، ولا يحيط بالعلم أحد مهما بذل له.

 

ثالثاً: ما هي صفات العلماء؟

جاء في الذكر الحكيم أن للعلماء صفتان، وهما كالآتي:

الصفة الأولى: العلماء الربانيون، كما قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] قال البغوي رحمه الله في تفسيره (ج 2 / ص 60): "واختلفوا في قوله: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ قال علي وابن عباس والحسن: " كونوا فقهاء علماء"، وقال قتادة: "حكماء وعلماء"، وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "فقهاء معلمين". وقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: "علماء حكماء نُصحاء لله في خلقه"، قال أبو عبيدة: سمعت رجلا عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العالم بأنباء الأمة ما كان وما يكون، وقيل: "الربانيون فوق الأحبار"، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال المؤرّج: "كونوا ربانيين تدينون لربكم، من الربوبية"... وقال المبرد: "هم أرباب العلم سُموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم". قلت: ولا خلاف فاللفظ محتمل ذلك كله".

والصفة الثانية: العلماء الراسخون في العلم، كما قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] قال البغوي رحمه الله في تفسيره (ج 2 / ص 10): "هم الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته".

 

رابعاً: ما هو الدور المنتظر من العلماء؟

الدور المنتظر من العلماء على سبيل الواجب أمران وهما مقتضى النصيحة الدينية:

الأمر الأول: صيانة الكتاب والسنة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. روى البيهقي في السنن الكبرى (ج 10 / ص 209) عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين». وأحسن ما رأيت في تأويل هذا الحديث أنه يخرج من صيغة الخبر إلى الإنشاء الطلبي أي ليرث هذا العلم من الأقوام المتأخرين العدول الذين ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين في جميع أبواب العلم.

والأمر الثاني: سياسة الأمة ورعايتها بالشريعة الإسلامية في جميع مناشط حياتها الدينية والدنيوية، لأن العلماء هم ورثة الأنبياء والأنبياء كانت تسوس الناس بالشرع، كما في صحيح البخاري (ج 11/ ص 271) عن أبي حَازِمٍ قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». وهذا ما كان في زمن الخلفاء الراشدين فإنهم أئمة العلم وقد ساسوا الأمة بالشرع، أما من عداهم فليس سياسته بسنة لخروجها عن السنن النبوية والراشدية في الحكم، وهكذا يجب على العلماء العودة بسياسة الأمة إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده، فإن لم يقوموا بذلك اتخذ الناس أئمة ضلال يسوسونهم بغير الشرع فيضلوا عن الهدى كما جاء في صحيح البخاري (ج 1 / ص 176) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، وهذا الحديث صريح في وجوب رياسة أهل العلم للأمة وسياستهم شؤونها بالشرع السليم من البدع والخرافات التي لم يقم عليها دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة .

وها هنا يجب التنبيه على أمور منها:

1. أن الحاجة ماسة للعلوم الشرعية، وكلما ازدادت الحاجة للعلم ازداد الواجب على العلماء، واليوم لا يشك عاقل في شدة حاجة الأمة لعلوم الشريعة بعد أن طمس التغريب والتبشير والبدع والخرافات كثيراً من معالم الدين لا سيما في باب السياسة والحكم.

2. أن الأمة لم تعد جسداً واحداً كما أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بل تقطعت دويلات ومزقت وحدتها، وتعززت القطرية والعصبية والطائفية والفئوية، وعدت الدعوت لوحدة الأمة عند كثير من المنهزمين ضرباً من الخيال الذي لا يمكن تحقيقه، متناسين أن ذلك من الواجبات على الأمة فضلاً عن علمائها.

3. أن استقلالية العالم وتحرر فتواه من هيمنة السلاطين تراجعت، وغدت مسائل من الدين وجمل من الفتاوى خادمة للقهر والاستبداد ومكرسة للظلم ومصادرة للحقوق والحريات، مما جعل الناس يفتنون في دينهم ويرتمي طائفة منهم في أحضان المذاهب الفكرية والأنظمة السياسية العلمانية وغيرها.

4. أن عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة من واجبات العلماء قبل غيرهم، وليت شعري لو أن العلماء تدبروا اشتغال علماء الصحابة رضي الله عنهم بتنصيب الخليفة قبل دفن جثمان النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يعني ذلك؟ أليس من الدلالة بوضوح أن اشتغال العلماء بعودة الخلافة الراشدة مقدم على كثير من الواجبات والتكاليف الشرعية، باعتبار خلو الأمة من منصب الخلافة الراشدة يعطل كثيراً من المصالح الدينية والدنيوية، وهو حق في ذاته دون غيره، إذا كان الأمر كذلك فلما هذا التغييب الصارخ لمفهوم الأمة الواحدة ووجوب تنصيب الخليفة الواحد الذي توافرت فيه شروط الإمامة وبايعته الأمة عن رضاً واختيار، والتعايش المشين مع الأنظمة السياسية القائمة على غير سنن الهدى، ففي كل قطر من أقطار المسلمين لحن بالقول يصرف الأنظار عن هذا الواجب الشرعي على العلماء والأمة بعامة .

5. أن كثيراً من العلماء بالغوا في التواضع حتى وصلوا إلى الاستخزاء، مما جعل الساسة يزيدونهم ذلة وهواناً يقربونهم عند حاجتهم ويعرضون عنهم عند الغنى عنهم، فأصبح أبناء الأمة لما يرون من هوان وضعة لكثير من العلماء يمجدون الرموز الثورية وإن كانت شيوعية، ويعرضون عن علوم الشريعة حتى لا ينالهم نصيبهم من الذلة والهوان الذي أصاب أولئك العلماء، وصدق القاضي الجرجاني حين قال:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم  

                ولو عظموه في النفوس لعظم

أي لو عظموا العلم الذي يحملونه ولم يذلوه لعظم شأنهم ورفع مكانتهم .

6. أن كثيراً من العلماء المعاصرين لا يعملون بعلمهم إلا في ضوء ما يسمح به السلاطين، بل والأشد خطراً من ذلك أنهم يبررون له ذلك ويحملون الناس على وجوب طاعته في ترك الطاعات، وهذا الشأن القبيح جعل الأمة تفقد الثقة العلمية والدينية في هؤلاء العلماء، مما جعلهم يلتمسون العلم عند صغار العلماء فيختلط حينها الحابل بالنابل .

7. أن السواد الأعظم من العلماء غدوا شذر مذر لا تجمعهم رابطة وترعاهم مؤسسة بحيث يقوي بعضهم بعضاً، ويفتح بعضهم على بعض مما يجعل جنابهم أكثر صوناً وعلومهم ورياساتهم أكثر قبولاً .

8. أن كثيراً من العلماء عندما انهزم نفسياً في التعامل مع هذا الواقع المرير للأمة انعكس ذلك على أدائه في درسه وتأليفه فغدا من حيث يشعر أو لا يشعر يعزز مذهب الإرجاء، ويشجع العزلة ويحبذ ترك العامة، ويقلل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على الأنظمة وأرباب السياسات والرياسات، وكأن الأمر والنهي إنما يكون من أهله على الضعفاء والمساكين، وما علم هذا العالم أن هذا من نقص الدين كما جاء في سنن أبي داود (ج 11 / ص 412) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ»، ثُمَّ قَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 78- 82]، ثُمَّ قَالَ: «كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا».

9. أن من العلماء من ظاهر الظالمين، وخاصم عنهم ونسي قول الله تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 15- 17]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ . وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 85- 88]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]، وقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا . يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا . هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 107- 109].

10. أن من العلماء من يهون من شأن إخوانه العلماء، وبل ويتعدى الأمر عند قلة إلى الهمز واللمز والتنفير، لمجرد خلاف سائغ، أو اجتهاد يعذر صاحبه، أو الأخذ برخصة، أو ضعف في موقف، وهذا الأمر أبعد الشقة بين الأتباع وكان الأولى التزام أدب الخلاف والتماس العذر، والقيام بواجب النصح والإصلاح، وما علم من هذا شأنه من العلماء أن الحامل على ذلك هو الحسد المذموم أو الظن الفاسد، وأن ذلك ينقص من قدر قائله أكثر ممن المقول فيه، وأين هؤلاء من حديث الترمذي في السنن (ج 7 / ص 166) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ».

 

خامساً: كيف يمكن العلماء القيام بدورهم المنتظر منهم؟

يمكن العلماء القيام بدورهم المنتظر منهم إذا توافرت عدة أمور منها:

1. أن يتحلى العلماء بالشجاعة العلمية.

2. أن يأخذ العلماء بزمام المبادرة.

3. أن يعيد العلماء جسور التواصل مع عامة الأمة من خلال المواقف الحازمة، والسعي في مصالح الشعوب.

4. أن يتنادى العلماء عبر وسائل التواصل الحديثة لمشروع جامع للأمة.

5. أن يؤسس طليعة من العلماء رابطة علماء الأمة الإسلامية الشعبية المستوعبة للجميع دون تمييز، وأن يختار لها البلد المناسب الذي لا يتدخل أو يملي عليها شروط أياً كانت.

 

وهنا أسهم بمسودة مشروع يمكن أن يكون خطوطاً عريضة لرابطة علماء الأمة الإسلامية، وهو كالآتي:

أولاً: المبادئ: أن تؤمن الرابطة بالأصول التالية:

1ـ الإسلام دين الدولة والأمة مصدر السلطة والشريعة مصدر التشريع.

2ـ الخلافة الراشدة نظام الحكم بالشورى والرضا والاختيار.

3ـ وحدة الأمة واستقلالها وسيادتها حق لها وواجب عليها.

4ـ الحقوق والحريات العامة والخاصة مصونة.

5ـ العدل والمساواة والحياة الكريمة حق للجميع.

 

ثانياً: الأهداف: أن تسعى الرابطة إلى تحقيق الأهداف المرحلية والنهائية التالية:

1 ـ تحرير الأمة وشعوبها من الاستعمار والاستبداد بكل صوره وأسلمة كافة القوانين والتشريعات.

2ـ تحقيق الوحدة بين دولها وتعزيز التكامل السياسي والاقتصادي والتشريعي والعسكري بينها.

3ـ اختيار الأمة لحكوماتها بالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.

4 ـ حماية أموال الأمة وثرواتها وتوزيعها بالعدل.

5ـ تحقيق النهضة والتنمية والتطوير في جميع المجالات.

 

ثالثاً: الوسائل: أن تعمل الرابطة لتحقيق أهدافها بكل الوسائل السلمية والمشروعة ومن ذلك:

1ـ الدعوة العامة والخاصة للمشروع بكل وسائل النشر .

2ـ المشاركة السياسية للوصول للسلطة التشريعية والتنفيذية.

3ـ التعاون مع الجميع بما يحقق هذه الأهداف أفرادا كانوا أو جماعات.

4ـ تأسيس الأحزاب السياسية والاتحادات الطلابية والنقابات العمالية والجمعيات المهنية والمراكز الثقافية والقنوات الفضائية والصحف.

رابعاً: النظام الداخلي للرابطة:

1ـ تتكون الرابطة من الأعضاء المؤسسين كممثلين عن التنظيمات القطرية وتكون اجتماعاته دورية ويرأسه أكبر الأعضاء سنا وتتخذ قراراته بالأغلبية مع حق التحفظ لكل تنظيم.

2ـ تختار الرابطة المنسق العام الذي يقوم بترتيب اجتماعاته وجدول أعماله ودعوة أعضائه وتسجيل قراراته وتوصياته.

3ـ لكل قطر اختيار ثلاثة أعضاء ممثلين له في الرابطة بصوت واحد ويتم تزكيتهم من الأعضاء المؤسسين أو من يخلفهم ويمكن زيادة أعضاء بعض الأقطار عند الحاجة بصوت واحد .

4ـ تحدد الرابطة مواردها المالية ويضع ميزانيته السنوية وبرامج عمله .

5ـ يتم الإعلان عن الرابطة واختيار مكتبها الأمانة العامة لها بعد موافقة الثلثين .

المصدر: موقع الدرر السنية

الثلاثاء، 3 أكتوبر 2023

أحاديث نبوية صحيحة وتفسيرها

 أحاديث نبوية صحيحة وتفسيرها


كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.
الراوي : حذيفة بن اليمان | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 1847 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

الواجب على المسلم أن يجتنب مواضع الفتن؛ لأنه لا أحد يأمن على نفسه منها، والمعصوم من عصمه الله تعالى، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى ما يجب فعله في وقت الفتن، وحذرها من سوء عاقبة الانخراط فيها.
وفي هذا الحديث يخبر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر، وكان الناس يسألونه عن الخير، وعلل ذلك بأنه كان يسأل عن الشر؛ مخافة أن يدركه ذلك الشر، واجتناب الشرور مقدم على فعل الخيرات، والشر: الفتنة ووهن عرى الإسلام، واستيلاء الضلال، وفشو البدعة، والخير عكسه، فقال حذيفة رضي الله عنه: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، أي: ببعثك، وتشييد مباني الإسلام، وهدم قواعد الكفر والضلال؛ فهل بعد هذا الخير من شر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال حذيفة: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، أي: كدر غير صاف ولا خالص، وقيل: الدخن الأمور المكروهة، فقال حذيفة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، أي: لا يستنون بسنتي، وفيهم خلط بين الأمور، فترى منهم أشياء موافقة للشرع، وأشياء مخالفة له، وعليك أن تعرف منهم الخير فتشكره، والشر فتنكره، فقال حذيفة: فهل بعد ذلك الخير المشوب بالكدر من شر؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم؛ دعاة إلى أبواب جهنم؛ وذلك باعتبار ما ينتهي إليه شأنهم؛ فإنهم يدعون الناس إلى الضلالة، ويصدونهم عن الهدى بأنواع من التلبيس؛ فلذا كانوا بمنزلة أبواب جهنم، من أجابهم إلى الخصال التي تؤول إلى النار، قذفوه فيها.
قال حذيفة رضي الله عنه: يا رسول الله، صف لنا هؤلاء الدعاة، فقال صلى الله عليه وسلم: هم من جلدتنا، أي: من أنفسنا وعشيرتنا من العرب، أو من أهل ملتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وقيل: يتكلمون بما قال الله ورسوله من المواعظ، والحكم، وليس في قلوبهم شيء من الخير، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، قال حذيفة رضي الله عنه: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وعامتهم التي تلتزم بالكتاب والسنة، وإمامهم، وهو أميرهم العادل الذي اختاروه، ونصبوه عليهم، وقيل: تلزم الجماعة التي أمر الشارع بلزومها جماعة أئمة العلماء؛ لأن الله تعالى جعلهم حجة على خلقه، وإليهم تفزع  العامة في أمر دينها، وقيل: هم جماعة الصحابة الذين قاموا بالدين، وفرقوا عماده، وثبتوا أوتاده، والجامع بين كل هذه المعاني هو التمسك بصحيح الدين في أوامره ونواهيه.
فقال حذيفة رضي الله عنه: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام يجتمعون على طاعته؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن لم يكن لهم إمام يجتمعون عليه، فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو كان الاعتزال بالعض على جذع شجرة، فلا تعدل عنه، والعض هو الأخذ بالأسنان والشد عليها، والمراد المبالغة في اعتزال المرء للفتن، حتى يدركه الموت وهو على تلك الحالة من الاعتزال. أعاذنا الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وفي الحديث: علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بأمور مختلفة من الغيب لا يعلمها إلا من أوحي إليه بذلك من الأنبياء والمرسلين.
وفيه: الأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، والنهي عن فراقهم بتفريق كلمتهم، وشق عصاهم فيما هم عليه مجتمعون من تأميرهم إياه.