‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ ابن باديس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ ابن باديس. إظهار كافة الرسائل

السبت، 11 أبريل 2020

جزائري أفشل مشروع فرنسا في بلاده بالعلم والوعي

جزائري أفشل مشروع فرنسا في بلاده بالعلم والوعي (بورتريه)
لنشر فكره الإصلاحي عمل بالصحافة من خلال إصدار جريدة "المنتقد" عام 1925-

قاوم الاستعمار الفرنسي بالعلم والوعي في صفوف الشباب الجزائري، فحاربه الاستعمار ومنعه من التدريس.

يحمل في جعبته عدة ألقاب فهو "المصلح الثوري"، و"الشاعر" و"الصحفي"، و"العالم المفسر"، و"المعلم المربي" و"الكاتب السياسي"، وأكثر صفة ارتبط بها اسمه كانت العلم، من هنا جاء احتفال الجزائر بيوم العلم في ذكرى رحيله.

نشأ عبد الحميد بن باديس، المولود عام 1889 بمدينة قسنطينة بالجزائر، في كنف أسرة معروفة بالتدين والعلم والأدب، فوالده كان حافظا للقرآن ومن أعيان المدينة، وعمل قاضيا وعضوا في المجلس الجزائري الأعلى، ومن رجال أسرته المعز بن باديس الذي أعلن انفصال "الدولة الصنهاجية" عن "الدولة الفاطمية" وأعلن فيها مذهب "أهل السنة والجماعة".

حفظ عبدالحميد القرآن الكريم في عمر الثالثة عشرة، والتحق بجامع الزيتونة بتونس عام 1910، ليكمل تعليمه على يد صفوة من العلماء فنال شهادة "التطويع العالمية"، وبعد أن أنهى تحصيل العلم في تونس توجه إلى الحجاز عام 1913، لأداء فريضة الحج حيث تعرف على أبرز العلماء الجزائريين آنذاك ونصحه معلمه بالعودة إلى الجزائر، واستثمار علمه في الإصلاح، إذ لا خير في علم ليس بعده عمل.

أدرك أن التعليم هو الخطوة الأولى لمحاربة الاستعمار الفرنسي الذي عمل منذ بداية احتلالها للجزائر على القضاء على منابع الثقافة الإسلامية، فأغلق نحو ألف مدرسة ابتدائية وثانوية، كانت تضم 150 ألف طالب.

كما وضع الاستعمار قيودا على فتح المدارس، التي اقتصرت على حفظ القرآن لا غير، مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن خاصة الآيات التي تدعو إلى التحرر، وتنادي بمقاومة الظلم والاستبداد.

ومنعت دراسة تاريخ الجزائر، والتاريخ العربي الإسلامي، والأدب العربي، وتحريم دراسة المواد العلمية والرياضية.

جاهد ابن باديس في نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الضالة التي تكاتفت مع المستعمر. وبدأ جهوده الإصلاحية بإلقاء دروس في تفسير القرآن بالجامع الأخضر بقسنطينة، فجذب المئات من طلاب العلم الذين تبنوا فكره الجديد ودعوته إلى تطهير العقائد من الأوهام والأباطيل التي علقت بها.

كانت إصلاحاته في مجال التعليم في الجزائر تعتبر ثورة في وجه الاستعمار الفرنسي الذي حاول ترسيخ الجهل بشتى الطرق. فأولى التربية والتعليم اهتماما بالغا في نشاطه الإصلاحي، وتوج ذلك بتأسيس مكتب للتعليم الابتدائي العربي عام 1926 انبثقت عنه في عام 1930 مدرسة "جمعية التربية والتعليم الإسلامية"، وهي الجمعية التي أصبح لها نحو 170 فرعا في مختلف مناطق الجزائر.

ولنشر فكره الإصلاحي عمل بالصحافة من خلال إصدار جريدة "المنتقد" عام 1925، التي تولى رئاسة تحريرها، ثم جريدة "الشهاب" في نفس العام. وعلى أثر احتفال الاستعمار الفرنسي بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر أنشأ مع مجموعة من العلماء "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" عام 1931 وانتخب رئيسا لها، وجعل شعارها "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا".

ونجحت "الجمعية" في توحيد الصفوف لمحاربة المستعمر الفرنسي وحشد الجزائريين ضدها، وبعث الروح الإسلامية في النفوس، ونشر العلم بين الناس. وعملت على إنشاء المدارس في المساجد لتحقيق أهدافها، بالإضافة إلى الوعاظ الذين كانوا يجوبون المدن والقرى، لتعبئة الناس ضد المستعمر، ونشر الوعي بينهم.

أسهم ابن باديس في إثراء الفكر السياسي الجزائري فدعا عام 1936 لعقد مؤتمر إسلامي بالجزائر لإفشال فكرة اندماج الجزائر مع فرنسا، كما شارك ضمن وفد المؤتمر الإسلامي المنعقد بباريس في نفس العام.


ولم تقتصر إصلاحاته في مجال التعليم على الجزائر، بل تعدتها إلى جارتها تونس حيث شارك في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح.

وإلى جانب كون ابن باديس أحد أشهر علماء عصره المتفانين في نشر العلم والمعرفة، كان أيضا مجاهدا سياسيا. فقد جاهر بعدم شرعية الاحتلال الفرنسي، وأعاد إحياء فكرة الوطن الجزائري بعد أن ظن كثيرون أن فرنسا نجحت في جعل الجزائر مقاطعة فرنسية.

وهو بذلك يعد من أبرز المساهمين في إفشال فكرة اندماج الجزائر مع فرنسا التي خُدع بها كثير من الجزائريين. كما دعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع الاتفاق مع الاستعمار، وأعلن رفضه مساعدة فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

وكان دخوله في معركة مع الحاكم الفرنسي عام 1933 أكبر دليل على مدى تأثيره على الشارع الجزائري. حيث تم اتهامه بالتدخل في الشؤون الدينية للجزائر على نحو مخالف للدين والقانون الفرنسي.

لم يترك ابن باديس أية مؤلفات منشورة ويقال إنه اشتغل في بناء وتأليف الرجال وليس الكتب، غير أن تلاميذه جمعوا الكثير من أعماله أهمها: "تفسير ابن باديس" عام 1948، الذي أعيد نشره تحت عنوان "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير" عام 1982، ومرة ثالثة تحت عنوان مختلف هو "مجالس التذكير من حديث البشير النذير" عام 1983.

كما ترك كتاب "العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية" الذي طبع عام 1963، وكتاب "رجال السلف ونساؤه" عام 1966، ثم كتاب "مبادئ الأصول" عام 1988. وخلف آثارا عديدة نشرت على شكل مقالات وخطب ومحاضرات وقصائد شعر في صحف بينها المنتقد، والشهاب، والنجاح، والشريعة المطهرة، والسنة المحمدية، والبصائر.

توفي عبد الحميد بن باديس في 16 نيسان/ إبريل عام 1940 بمسقط رأسه قسنطينة، وحمل طلبة الجامع الأخضر جثمانه عصر اليوم التالي، وشيعوه في جنازة شارك فيها عشرات الآلاف من الأشخاص الذين توافدوا من كافة مناطق الجزائر.

وتحول ذلك اليوم إلى رمز للعلم، واعترافا بدوره في الحفاظ على هوية الجزائر العربية والإسلامية في مواجهة من كانوا يسعون إلى "فرنسة " الجزائر وتغريبها عن تراثها الإسلامي.
اقرأ أيضا:الجزائر وقيادة الأمة العربية

الأحد، 24 مارس 2013

أصول الولاية في الإسلام من خطبة الصديق رضي الله تعالى عنه


أصول الولاية في الإسلام
من خطبة الصديق رضي الله تعالى عنه
للشيخ ابن باديس
لما بويع لأبي بكر الصديق- رضي الله عنه- بالخلافة رقي المنبر، فخطب في الناس خطبة اشتملت على أصول الولاية العامة في الإسلام، مما لم تحققه بعض الأمم إلا من عهد قريب، على اضطراب منها فيه.
وهذا نص الخطبة:
(يا أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم. ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم).
الأصل الأول: لا حقَّ لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة، فالأمة هي صاحبة الحق والسلطة في الولاية والعزل، فلا يتولَّى أحد أمرها إلا برضاها، فلا يورث شيء من الولايات، ولا يستحقُّ الاعتبار الشخصي. وهذا الأصل مأخوذ من قوله: (وُلِّيت عليكم) أي: قد ولَّاني غيري، وهو أنتم.
الأصل الثانيالذي يتولَّى أمرًا من أمور الأمة هو أكفؤها فيه، لا خيرها في سلوكه. فإذا كان شخصان اشتركا في الخيرية والكفاءة، وكان أحدهما أرجح في الخيرية، والآخر أرجح في الكفاءة لذلك الأمر- قُدِّم الأرجح في الكفاءة على الأرجح في الخيرية، ولا شكَّ أنَّ الكفاءة تختلف باختلاف الأمور والمواطن، فقد يكون الشخص أكفأ في أمر وفي موطن؛ لاتصافه بما يناسب ذلك الأمر، ويفيد في ذلك الموطن، وإن لم يكن كذلك في غيره فيستحق التقديم فيه دون سواه. وعلى هذا الأصل ولَّى النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص غزاة ذات السلاسل، وأمدَّه بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، فكانوا تحت ولايته، وكلُّهم خير منه. وعليه عقد لواء أسامة بن زيد على جيش فيه أبو بكر وعمر. وهذا الأصل مأخوذ من قوله: (ولست بخيركم).
الأصل الثالث: لا يكون أحد بمجرَّد ولايته أمرًا من أمور الأمة خيرًا من الأمة، وإنما تُنال الخيرية بالسلوك والأعمال، فأبو بكر إذا كان خيرهم، فليس ذلك لمجرَّد ولايته عليهم، بل ذلك لأعماله ومواقفه، وهذا الأصل مأخوذ أيضًا من قوله: (ولست بخيركم). حيث نفى الخير عند ثبوت الولاية.
الأصل الرابع: حقُّ الأمة في مراقبة أُولي الأمر؛ لأنَّها مصدر سلطتهم، وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم.
الأصل الخامس: حقُّ الوالي على الأمة فيما تبذله له من عون، إذا رأت استقامته فيجب عليها أن تتضامن معه وتؤيده؛ إذ هي شريكة معه في المسؤولية. وهذا –كالذي قبله- مأخوذ من قوله: (إذا رأيتموني على حقٍّ فأعينوني).
الأصل السادس: حقُّ الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده، ودلالته على الحقِّ إذا ضلَّ عنه، وتقويمه على الطريق إذا زاغ في سلوكه. وهذا مأخوذ من قوله: (وإذا رأيتموني على باطل فسدِّدوني).
الأصل السابع: حقُّ الأمة في مناقشة أولي الأمر، ومحاسبتهم على أعمالهم، وحملهم على ما تراه هي، لا ما يرونه هم، فالكلمة الأخيرة لها لا لهم، وهذا كلُّه من مقتضى تسديدهم وتقويمهم، عندما تقتنع بأنهم على باطل، ولم يستطيعوا أن يقنعوها أنهم على حقٍّ. وهذا مأخوذ أيضًا من قوله: (وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني).
الأصل الثامن: على من تولَّى أمرًا من أمور الأمة أن يبيِّن لها الخطَّة التي يسير عليها؛ ليكونوا على بصيرة، ويكون سائرًا في تلك الخطَّة عن رضى الأمة. إذ ليس له أن يسير بهم على ما يرضيه، وإنَّما عليه أن يسير بهم فيما يرضيهم، وهذا مأخوذ من قوله: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم). فخطته هي طاعة الله، وقد عرفوا ما هو طاعة الله في الإسلام.
الأصل التاسع: ...مأخوذ من قوله: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم). فهم لا يطيعونه هو لذاته، وإنما يطيعون الله باتِّباع الشرع الذي وضعه لهم، ورضوا به لأنفسهم، وإنما هو مكلف منهم بتنفيذه عليه وعليهم، فلهذا إذا عصى وخالف لم تبقَ له طاعة عليهم.
الأصل العاشر: الناس كلُّهم أمام القانون سواء، لا فرق بين قويِّهم وضعيفهم، فيطبق على القوي دون رهبة لقوته، وعلى الضعيف دون رِقَّة لضعفه.
الأصل الحادي عشر: صون الحقوق؛ حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، فلا يضيع حقُّ ضعيف لضعفه، ولا يذهب قويٌّ بحقِّ أحد لقوته عليه.
الأصل الثاني عشر: حفظ التوازن بين طبقات الأمة عند صون الحقوق. فيُؤخذ الحقُّ من القويِّ، دون أن يُقسى عليه لقوته، فيُتعدَّى عليه حتى يضعف وينكسر. ويُعطى الضعيف حقَّه دون أن يُدلَّل لضعفه، فيطغَى عليه، وينقلب معتديًا على غيره. وهذا الأصل واللذان قبله مأخوذة من قوله: (ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه).
الأصل الثالث عشر: شعور الراعي والرعية بالمسؤولية المشتركة بينهما في صلاح المجتمع، وشعورهما دائمًا بالتقصير في القيام بها؛ ليستمرُّوا على العمل بجدٍّ واجتهاد، فيتوجَّهان بطلب المغفرة من الله الرقيب عليهما، وهذا مأخوذ من قوله: (أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم).
هذا ما قاله ونفذه أول خليفة في الإسلام، منذ أربعة عشر قرنًا، فأين منه الأمم المتمدنة اليوم؟! فهل كان أبو بكر ينطق بهذا من تفكيره الخاص، وفيض نفسه الشخصي؟ كلا! بل كان يستمدُّ ذلك من الإسلام، ويخاطب المسلمين يوم ذاك بما علموه، وما لا يخضعون إلا له، ولا ينقادون إلا به. وهل كانت هذه الأصول معروفة عند الأمم فضلًا عن العمل بها؟ كلا! بل كانت الأمم غارقة في ظلمات من الجهل والانحطاط، ترسف في قيود الذلِّ والاستعباد، تحت نير الملك ونير الكهنوت، فما كانت هذه الأصول- والله إذن- من وضع البشر، وإنما كانت من أمر الله الحكيم الخبير.
 نسأله- جل جلاله- أن يتداركنا ويتدارك البشرية كلَّها بالتوفيق للرجوع إلى هذه الأصول، التي لا نجاة من تعاسة العالم اليوم إلا بها.

المصدر: كتاب آثار ابن باديس- إعداد دكتور عمار الطالبي، الناشر الشركة الجزائرية- الطبعة الثالثة 1417هـ، المجلد الثاني – الجزء الأول ص 401 بتصرف