في المعارضات للأنظمة الشمولية الغاشمة؛ من الأخلاق ما يشبه تارة الأنظمة من الاستبداد؛ وما يشبه أخرى أخلاق الشعب التي خرجت منه، وفي المعارضين المخلص ذو المنهج البيِّن وفيهم المتسلِّق الوصولي مبتغي الشهرة والمنصب وفيهم وفيهم..
وأنَّى لعاقل أنْ يتطلَّب الشهرة والمنصب في ما أهون أثمانه الروح!
فمن كانت معارضته لدنيا يصيبها أو صيت عابر فقد خاب وخسر.
وحياة معارضة الأنظمة ليست نزهةً أو رحلة في صيد، وإنما هي عناءٌ طويل تنقطع دونه حيازيم الصبر وفيافي الهمم، والمعارضة ليست غضبا من حال معينة كمن غضب من لمحة وكزة أو عنَّ له خاطرٌ من "زعلٍ" من "أعمامه" أخذ به على سيده ففر مغاضباً، كلَّا.. فسبيل المعارضة لأنظمتنا التي جثمت على صدور شعوبنا ردحاً من الزمن، وصاغت نفوس الخلق ولوَّنتْ ثقافتهم، لا يصلح لها مخنثو العزائم "فالطريق شاقٌّ طويلٌ، ناح لأجله نوح" وهو درب الاغتيالات والتصفية والدهس وتلطيخ السمعة والتجسس على المعارضين، كل ذلك مما قد يعرض لهم فيما اختاروه من سبيل.
والحياة مبنية على الإختيار، وهذا قانونها الذي إنْ اختلَّ اختلَّتْ الموازين، فلذلك خيار كل إنسان له من القداسة مثل ما له من المحاسبة بعد. والإنسان سياسيا أو مناضلاً مجاهداً حينما يختار طريقه دون أنْ يُلجئه أحد لسلوك طريق معين؛ فغالبا ما تراه ثابتاً على الطريق ـ سيما ـ إنْ اجتمع له حسن التفكير وسلامة النفس من العوائق والنظر لمغبَّات الطريق وعواقبه.
فالحياة كلها مصاعب ومتاعب وليس من عاقل يتصورها نوعا من اللهو المجرد عن دفع الأثمان التي من سنتها أنْ يدفع ضربيتها سالكها، هذا فيما هو معتاد من حياة البشر في الوظيفة والتجارة والحياة مع الزوجة والأطفال وقديما قال المتنبي:
الجودُ يفقر والإقدام قتَّال
فكيف إنْ كانت الطريق غير مسلوكة من قبل؛ أو غير سالكة بيسْر كطريق مناصبة الأنظمة المستبدة العداء أو الرغبة في إصلاح ما فسد منها وقضايا من هذا القبيل فإن المشقة معلومة بالضرورة العقلية والتجربة.
فكل سالك لطريق جهاد الأنظمة العربية تحديدا فليعلم سلفا أنه قد وضع قدميه على طريق زلَّتْ فيه أفهام وانزلقتْ فيه أقدام، فلذلك من نافلة العقل والفهم أنه قد حطَّ رجليْه في العُسْرة والكربة والشِّدَّة فليستعد لكل خيارات الطريق وعوائق المسير.
وعلينا أنْ نعلم نحن في مثل مواجهة نظام آل سعود أنه نظام عتِيٌّ ماحق ونظام ضرب في الفِدَادة بكل سهم من العنف والإرهاب، فالمعارض له يجب أن يعلم سلفاً أنه قادمٌ على شأن كُبَّار وخطر نهاية طريقه الراحة والعمر والثمن المؤجل أو المقدَّم السمعة وتلطيخ الحال وكل ما اعترى كل مصلح من الأنبياء والمناضلين في كل الأعصار.
خطورة هذا النظام تكمن في ثلاثة أثافٍ:
المعارضة في الأعوام الأربعين المنصرمة الأخيرة كان حظُّها التطور التكنولوجي الخارق الحارق للنظام؛ فوصل صوتها للداخل في الحجاز وعسير والأحساء والقطيف ونجد وحائل مع ظروف الثورة في إيران والجهاد في أفغانستان وحركة جهيمان وثورات الربيع العربي.
*مؤرخ حجازي
