‏إظهار الرسائل ذات التسميات بصائر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بصائر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 12 مارس 2024

لا تكونوا مِن مدمني “خمر الغفلة” وأنتم لا تعلمون!

لا تكونوا مِن مدمني “خمر الغفلة” وأنتم لا تعلمون!





"خمر الغفلة"... مصطلح نحته المفكر الإسلامي الراحل، الشيخ محمد الغزالي، واصطكَّه من واقع واسع الانتشار في أوساط المسلمين في زمننا المعاصر.

وفي حقيقة الأمر، فإن الغفلة هي من أكثر الأمور التي تقود الإنسان إلى المهاوي والضياع، وخطورتها في أنها خطر كامن، غير منظور، لا يمكن للإنسان إدراكه إلا بعد فوات الأوان ، إلا أن يكلأه اللهُ تعالى برحمته ويرزقه البصيرة قبل ذلك.

وتتصل هذه القضية بحزمة من الأمور التي لا تتصل بقضية الرقائق والمروءة كما قد يظن البعض، حيث الأمر متصل بأكثر من جانب، هي الأهم في عقيدة الإنسان، وفي عمله بشريعة ربه.

ويكفي في هذا الصدد الإشارة إلى أن غفلة الإنسان، تعني انصرافه عن أكثر من مركزية، منها القيم والأخلاقيات التي دعاه الدين إليها، وكذلك عدم إدراكه لحقيقة دوره ورسالته في الحياة الدنيا، ويشمل ذلك أداء العبادات بشكل سليم، ومراعاة المسلم للهِ تعالى في السرِّ والعلن.

والغفلة لها أكثر من معنىً بين اللغة والاصطلاح، فهي لغةً، تعني السهو الآتي من قِلَّة التحوُّط واليقظة، وغيبة الشيء عن بال الإنسان، وعدم تذكُّره له، وبالتالي إهماله والإعراض عنه.

أما في الاصطلاح، وهو المعنى الذي نقصده، فهي تعني متابعة النفس على ما تشتهيه، وبالتالي فهي تتصل بقضية الإعراض والإهمال المشار إليه.

وبالتالي فإن الغفلة تعني بشكل عام، الابتعاد عن الدين، سواء إهمالاً أو نسيانًا ، وهو من أخطر الأمور، كما يتضح من الطريقة التي تكلم بها القرآن الكريم عن هذا الأمر.

وحتى عندما يقوم هؤلاء ممَّن طُمِسَتْ نفوسهم وأرواحهم بخمر الغفلة، بالتورُّع عن ذنوب يعرفونها، فإنهم إنما يتورَّعون بحكم أنهم لم يعتادوها في بيئتهم، ولكن ليس عن مُكوِّن أخلاقي أو باعث قيمي مرتبط بالدين، أو ما شابه، ولكنه –في واقع الأمر– في غفلة وجهالة وهو لا يدري.

ولكنها أسوأ من تيه الخمر وجنونها على عقل الإنسان، ففي القرآن الكريم آيات تتناول هذا المعنى، وهو من علامات غضب الله تعالى على الإنسان والعياذ بالله، في بعض الأحيان.

ومن ذلك قول الله تعالى في وصف أهل الضلال والكفر: {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} [سُورة الذاريات- الآية:11]، ويقول أيضًا: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [سُورة الأنعام- من الآية: 91]".

والغفلة وفق المفهوم القرآني، ومَن أصدق من اللهِ حديثًا! هي صنو الضلال، وارتبطت بأمراض القلوب... يقول تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ(1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ(3)} [سُورة الأنبياء].
ولعل الغفلة هي من أكثر الأمور ارتباطًا بفعل الشيطان الرجيم مع الإنسان، فهي سببٌ لوساوسه عليه لعنات الله والملائكة والناس أجمعين، كما أنها نتيجة لهذه الوساوس، حيث يضل الإنسان في النهاية ويشقى.
الغفلة هي من أكثر الأمور ارتباطًا بفعل الشيطان الرجيم مع الإنسان، فهي سببٌ لوساوسه عليه لعنات الله والملائكة والناس أجمعين، كما أنها نتيجة لهذه الوساوس، حيث يضل الإنسان في النهاية ويشقى

وفي عالمنا المعاصر، فإن "خمر الغفلة" التي يتعاطاها البعض عن قصد أو من دون قصدٍ، باتت مرتبطة بكثير من الأمور والساحات الواسعة التي تستوجب من المسلم أخذ جانب الحذر.

فهناك الإعلام، وهناك أزمات لقمة العيش، وهناك ضعف الخطاب الديني في المجال التطبيقي، الذي يُعنى بتبصرة المسلم بحقيقة دينه، ودقائق رسائله وواجباته في الحياة الدنيا وفق منظور الشريعة الإسلامية.

وكذلك نقف في هذا الموضع عند أثر الحياة المعاصرة، بكل بريقها ومغرياتها، في استدراج الإنسان إلى تطلعات وطموحات، وأولويات مغايرة، تخرج به عن رسائله في هذه الحياة، وبالتالي يحدث التقصير، بل والانصراف عن الواجبات التي سوف يحاسَب عليها المرء أمام ربه.

نقف في هذا الموضع عند أثر الحياة المعاصرة، بكل بريقها ومغرياتها، في استدراج الإنسان إلى تطلعات وطموحات، وأولويات مغايرة، تخرج به عن رسائله في هذه الحياة، وبالتالي يحدث التقصير، بل والانصراف عن الواجبات التي سوف يحاسَب عليها المرء أمام ربه

ولعل هذه القضية، أن تكون على قائمة جدول أولويات الصحوة الإسلامية في وقتنا الراهن، حيث هي –وفق الرؤية السابقة– مرتبطة بأهم القضايا التي تُعنى بها الصحوة، وهي إعادة ربط المسلمين بدينهم، وتصحيح رؤيتهم له، وما يفترضه عليهم من أمور وواجبات ومهام.

ونقف هنا عند الموقف الذي دفع الشيخ الغزالي إلى نحت مصطلح "خمر الغفلة"؛ لكي نأخذ منه دروسًا مستفادة في هذا الصدد.
الموقف يتلخص في أنه قد التقى ذات يوم رجلاً اعتاد شرب الخمر وطلب منه التوبة إلى الله تعالى، فطلب منه هذا الرجل، أن يدعو الله سبحانه له بالهداية.

الغزالي يقول: "تأملت في حال الرجل، ورقّ له قلبي. إن بكاءه شعور بمدى تفريطه في جنب الله، وحزنه على مخالفته، ورغبته فى الاصطلاح معه، إنه مؤمن يقينًا، ولكنه مبتلىً! وهو ينشد العافية ويستعين بي على تقريبها".

ثم يضيف: "قلت لنفسي: قد يكون حالي مثل هذا الرجل أو أسوأ. صحيح أننى لم أذق الخمر قط، فإن البيئة التي عشت فيها لا تعرفها، لكني ربما تعاطيت من خمر الغفلة ما جعلنى أذهل عن ربي كثيرًا، وأنسى حقوقه. إنه يبكي لتقصيره، وأنا وأمثالي لا نبكي على تقصيرنا، قد نكون بأنفسنا مخدوعين".

ويقول إنه قد أقبل على هذا الرجل، وقال له: "تعالَ ندع لأنفسنا معًا... (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)".

وهناك خلاصات كثيرة يمكن الخروج بها من هذه العبارات الموجزة، والموقف الذي قد يبدو قصيرًا، ولكنه عظيم القيمة.

أول شيء، هو ضرورة عدم تعالي القائمين على أمر الدعوة، على فكرة أنهم هم أنفسهم من المقصرين، وألا يتعالوا على عوام الناس بما يظنون أنهم قد وصلوا إليه من "مكانة" أو "ارتقاء إيماني".

الداعية مطلوب منه دائمًا المراجعة الذاتية التي تساعد على معالجة أوجه الخلل العديدة التي تأتي بالأساس من الغفلة

الدرس الثاني، هو المراجعة، حيث الداعية مطلوب منه دائمًا المراجعة الذاتية التي تساعد على معالجة أوجه الخلل العديدة التي تأتي بالأساس من الغفلة. غفلة تعاظُم الانشغالات. غفلة أمراض القلوب، أيًّا كان سببها.

وذلك يفتَرِض على الدعاة أمرَيْن. الأول- التفقُّه في الدين، والمراجعة المستمرة للمعلومات الفقهية في مختلف المجالات، والثاني- المثابَرة والعزيمة على الأمر، بكل واجبات هذه المثابَرة، وعلى رأسها الامتزاج بالجمهور، والتعاطف معهم، حيث غرض الداعية المسلم هو هداية الناس، لا النفور منهم بسبب معصيتهم، وبالتالي تنفيرهم من فكرة التديُّن، وإشاعة صورة سلبية عن الإسلام، من أنه يغلق الباب أمام العصاة والمذنبين، حيث هذا أبعد ما يكون عن طبيعة هذا الدين.

الأحد، 29 أكتوبر 2023

المقاومة الإسلامية في فلسطين وخمسة اعتذارات واجبة لها!

 

المقاومة الإسلامية في فلسطين وخمسة اعتذارات واجبة لها!



المقاومة الإسلامية في فلسطين عمومًا، وفي غزة خصوصًا، أصبحت تاج رأس الأمة، ومصدر فخرها وعزتها الوحيد في تاريخ الذل والعار والصغار، وكم أخطأت الأمة الإسلامية في حقها، بالكلام والفعل، فوجبت لها من الأمة الآن - في ظل معركتها التاريخية اليوم، معركة طوفان الأقصى - خمسة اعتذارات كبرى.


أولًا/ اعتذار عن الخذلان وعدم النصرة:

فإن الأمة العربية والإسلامية كلها آثمة، عندما تقف هذا الموقف المخزي من قضية القضايا (قضية فلسطين والمسجد الأقصى) ولا تمد المقاومة هناك بكل ما تحتاجه من المال والسلاح، بعد ما لم تمدها بالجيوش والرجال.

ولا يقولنَّ قائل: إن الأنظمة الحاكمة تستنكر وتشجب، فإن هذا الاستنكار وهذا الشجب لهو أخزى الخزي وأكثر أوجه العار عارًا، فكما قال الشاعر يومًا:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا :: مضر كوضع السيف في موضع الندى

فإننا نقول اليوم:

ووضع الكلام في موضع السيف بالعلا :: مُضرٌّ كوضع السيف في موضع الكلام

(نعتذر بالتأكيد عن عدم ضبط الوزن فيه)


الأمة العربية والإسلامية كلها آثمة، عندما تقف هذا الموقف المخزي من قضية القضايا (قضية فلسطين والمسجد الأقصى) ولا تمد المقاومة هناك بكل ما تحتاجه من المال والسلاح، بعد ما لم تمدها بالجيوش والرجال

وإن الصورة التي شاهدناها يوم أن انعقد مؤتمر السلام في القاهرة، وقد كانت شاشة التلفاز مقسومة نصفين، نصفٌ للمتحدثين في المؤتمر، يشجبون ويستنكرون، ونصفٌ للقصف الإسرائيلي على رؤوس العزل في غزة، والبث المباشر لكلا المشهدين قائم في ذات اللحظة، وقد مثل ذلك أبأس صورة معبرة عن واقعنا العربي والإسلامي المعاصر.

وإن ما في الصورة من بؤس لم يتوقف عند هذا الحد، بل ووصل إلى أن لم يتفق المؤتمرون على إدانة إسرائيل واستنكار ظلمها وجبروتها، بل واستنكر بعضهم المقاومة الفلسطينية، ورموها بالإرهاب.

وقد كان ذلك من عماية وجهل الداعين للمؤتمر، الذين دعوا الأوروبيين والأمريكان، أولئك الذين تغلغلت الصهيونية في تركيبهم العقدي والسياسي، حتى أصبحوا صهاينة أكثر من اليهود أنفسهم، ولعله لا يكون من العماية والجهالة، ويكون عن علم وقصد!


ثانيًا/ اعتذار عن التطبيع مع إسرائيل:

لم تكتف الأمة العربية والإسلامية بخذلان المقاومة الفلسطينية، وعدم إمدادها بالمال والسلاح، بل وبالغت في خذلانها هذا، بأن سارعت آحادًا وجماعاتٍ إلى التطبيع مع العدو الصهيوني، وإقامة علاقات سياسية ودبلوماسية كاملة.

وقد كنا نعيب في الماضي على الأنظمة التي بدأت بالمناداة بالسلام مع إسرائيل، مع أنها كانت تنادي بالسلام مع إعطاء الحقوق الفلسطينية كاملة لأهل فلسطين.

أما اليوم فقد ابتلينا بأنظمة تُطبِّعُ مع إسرائيل، ولا تضع في اعتبارها الحقوق الفلسطينية البتة، بل وتوالي الصهاينة الإسرائيليين، وتسميهم بالأصدقاء والحلفاء، وتعادي المقاومة الإسلامية في فلسطين، وتسميها بالإرهابية والمتطرفة.

فأي اعتذار يمكنه أن يمحو هذا العار؟!

ابتلينا بأنظمة تُطبِّعُ مع إسرائيل، ولا تضع في اعتبارها الحقوق الفلسطينية البتة، بل وتوالي الصهاينة الإسرائيليين، وتسميهم بالأصدقاء والحلفاء، وتعادي المقاومة الإسلامية في فلسطين، وتسميها بالإرهابية والمتطرفة


ثالثًا/ اعتذار عن اتهام المقاومة بالعمالة لإيران وحزب الله:

إن خذلان الأمة العربية والإسلامية، لم يتوقف عند حد عدم إمداد المقاومة بالمال والسلاح، والتطبيع الكامل مع العدو الصهيوني، بل وصل لرفض اليد الواحدة التي تمتد لها بالنصرة والمساعدة.

تتهم الأنظمة العربية والإسلامية المقاومة الفلسطينية بالعمالة لإيران وحزب الله، لا لشيء؛ إلا لأنهما الوحيدان اللذان يقدمان لها النصرة والعون.

وما على المقاومة من بأس، إن قبلت المدد والعون من أيّ كائنٍ كان، المهم أن لا تعطي في مقابل ما تأخذه أي تنازل من عقيدتها وأفكارها وممارساتها، والمقاومة بفضل الله لم تعط شيئًا من ذلك، بل ظلت مقاومة سنيّة، لا تنشغل إلا بقضيتها الفلسطينية، ولا تدخل نفسها في صراع إقليمي، مذهبيًا كان أو سياسيًا.

وقد خرجت من قبل من سوريا، رافعة رأسها، رافضة الخوض في الحرب الأهلية السورية، التي يتقاتل فيها الشيعة والسنة، مع أنها خسرت بذلك دعمها السوري، الذي كان كبيرًا، بل وكان حينها أكبر من الدعم الإيراني وأهم.

المقاومة الإسلامية في فلسطين هي أشرف مقاومة في تاريخ الأمة؛ أشرف مقاومة لشرف القضية، وأشرف مقاومة لشرف المقاومين، الذي يزداد ظهورًا ووضوحًا يومًا بعد يوم، والذي يجب أن تعتذر له الأمة كلها، وأنظمتها الحاكمة على وجه الخصوص.


وما على المقاومة من بأس، إن قبلت المدد والعون من أيّ كائنٍ كان، المهم أن لا تعطي في مقابل ما تأخذه أي تنازل من عقيدتها وأفكارها وممارساتها


رابعًا/ اعتذار عن اتهامها بالإرهاب، وإدخالها في الصراعات السياسية الداخلية للدول:

وقد أشرنا إلى أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية قد اتهمت المقاومة الإسلامية في فلسطين بالإرهاب، وليتها وقفت عند هذا الحد من الكذب، بل وبالغت وأدخلت المقاومة الإسلامية الفلسطينية في صراعاتها السياسية الداخلية.
فعمدت بعض البلاد المتاخمة لفلسطين، إلى اتهام المقاومة الإسلامية فيها بأنها اقتحمت السجون في هذه البلاد المتاخمة، وأخرجت المسجونين السياسيين، عندما كانت الثورات الشعبية مشتعلة فيها، في ثورات الربيع العربي.

ولا تنسى الأنظمة العربية الحاكمة - بل والأنظمة الإسلامية كذلك - أن المقاومة الإسلامية في فلسطين جزء من الحركة الإسلامية الكبرى، التي توجد فروعها في هذه البلدان، وتنافس أنظمتها الحاكمة، وتدافعها من أجل الوصول للحكم.

والمقاومة الإسلامية في فلسطين - على الرغم من صحة ذلك - أعلنت وتعلن في كل حين، أنها لا تعمل إلا من أجل قضيتها الكبرى، قضية تحرير فلسطين، وتحرير مسجدها الأقصى، ولا تدخل نفسها في أي صراعات سياسية، إقليميةً كانت أو محليةً.

بل وإن الحركة الإسلامية الكبرى، تؤكد هي الأخرى، على أن المقاومة الإسلامية في فلسطين هي مقاومة فلسطينية خالصة، ليست لها غاية إلا تحرير أرضها ومقدساتها، وأنها مقاومة إسلامية، بنسبة انتمائها للأمة الإسلامية، قبل أن تكون مقاومة إسلامية، بنسبة انتمائها للحركة الإسلامية.

وقد كان على الأمة الإسلامية كلها، وعلى الأمة العربية خاصة، أن تتعامل مع المقاومة الفلسطينية على هذا الأساس، إن كانت أنظمة تنظر أو تعقل، وهي ليست كذلك بالطبع، وقد وجب عليها الاعتذار لذلك، ولن تعتذر بالطبع.


المقاومة الإسلامية في فلسطين هي أشرف مقاومة في تاريخ الأمة؛ أشرف مقاومة لشرف القضية، وأشرف مقاومة لشرف المقاومين، الذي يزداد ظهورًا ووضوحًا يومًا بعد يوم، والذي يجب أن تعتذر له الأمة كلها، وأنظمتها الحاكمة على وجه الخصوص


خامسًا/ اعتذار عن رميها المقاومة بترك المقاومة والسير على خطى حركة فتح:

كل الاعتذارات السابقة واجبة على الأنظمة الحاكمة خصوصًا، أما هذا الاعتذار فواجب على بعض أبناء الأمة، بل وعلى بعض الإسلاميين منهم، الذين رموا المقاومة بترك الجهاد، والركون إلى التفاوض، كما فعلت حركة فتح من قبلها.

ولا ضير أن نحذر المقاومة الإسلامية بين الحين والحين من ذلك؛ كي لا تسير في ذلك الطريق الذي سارت فيه فتح، ووصل بها إلى ما وصل من خنوع واستسلام وذلة وعار.

المقاومة الإسلامية مقاومة بشر غير معصومين، والفتنة لا تؤمن على حي، وليس مستحيلًا أن يتحول المقاومون المناضلون اليوم، إلى خانعين مستسلمين غدًا.

لكن، إن كان علينا أن نحذر، فليس علينا أن نقطع إلا بالبينة القاطعة، والمقاومة الإسلامية في فلسطين لم تترك سلاحها البتة، وقدمت في العشرين سنة الاخيرة كل قادتها الكبار تقريبًا شهداء، وتخوض الحروب مع إسرائيل حربًا بعد حرب، وهي المقاومة المحصورة من عدوها المخذولة من أمتها العربية والإسلامية.

المقاومة الإسلامية بما فعلته في السابع من أكتوبر، صفعت كل من اتهمها بالتخاذل والاستكانة على أقفيتهم، وأذهلتهم بيوم تاريخي في قصة المقاومة والأرض المقدسة.

وجب على هؤلاء الذين شككوا في المقاومة الإسلامية في فلسطين في الفترة الأخيرة أن يعتذروا، وألَّا يتوقفوا عن الإكبار والاعتذار، فإن الذي فعلته المقاومة أذهل الجميع، الأعداء والأصدقاء، المتشككين والواثقين.


الثلاثاء، 12 أكتوبر 2021

حقائق الفاتحة والمشاريع الدولية

 حقائق الفاتحة والمشاريع الدولية

أ. د. عبدالسلام المجيدي

مهما تعمق العلماء في بحور الغيث القرآني فإنهم يقفون عند شواطئها وإن غاصوا فقريبا من سطحها، وكم من جواهر ودرر استخرجوها فكانت نورا للسائرين وبصائر للسالكين وهداية للعالمين، وبالتدبر والتفكر تشرق الأنوار وتظهر الحقائق، فتعال معي في جولة بصائرية مع بعض الحقائق التي تبرزها الآيات الأربع الأولى من سورة (الفاتحة):


إن “(الفاتحةُ) هي البناء للنفس الإنسانية، والشفاء من الأمراض والأدواء بالثناء على أرحم الرحماء”، ومقاصد الفاتحة التي ذكرتها في كتابي الإسلام في سبع آيات تمثل أقوى المقاصد الفكرية التي تبني العقلية الإنسانية. فالبشرية تحتاج إليها احتياج العطشان للماء، وتفتقر إليها افتقار التائه الخائف الحيران المحتاج لمن يعينه في الظلماء، وتحتوي تلك الآيات على الحقائق الآتية:


الحقيقة الأولى: احتوت الآيات الأربع الأولى من الفاتحة على أعظم بصائر التنزيل القرآني التي ترسم الخريطة الحقيقية للحياة الإنسانية: والبيان الوافي لها يوجد في القرآن الكريم لا في الكتب المنزلة المحرَّفة، ولا في المشاريع الدولية البشرية الوضعية المزيفة، ويمكن أن نلخص هذه الخريطة الحقيقية في البصائر الكلية الآتية:

البصيرة الأولى: قاعدة (التوحيد المقترن بأعظم التمجيد)، ونجد هذه البصيرة في الآيات الأربع الأُول، ويترتب عليها حقوق المعبود وحقوق العبيد.
البصيرة الثانية: تربية الله تعالى للعالم، وذلك في قوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].
البصيرة الثالثة: إرادة الرحمة بالكون -ابتداءً وانتهاءً-، وذلك في قوله سبحانه: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3].
البصيرة الرابعة: حتمية المصير العادل الذي يعقبه الخلود، وذلك في قوله سبحانه: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4].
ومن خلال هذا المقصد تظهر الإجابة الواضحة عن التساؤلات الكونية الكبرى: (من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟)، وهذه الأسئلة هي التي بسبب عدم معرفتها يُلْحِدُ الضالون، ويُبطل المبطلون.


الـحقيقة الثانية: احتوت الآيات الأربع الأولى من الفاتحة على أعظم الثناء الإلهي الذي يمكن أن يقوله الأنبياء: فالله -تقدس مجده- ذَكَرَ في الحديث القدسي أن هذه الآيات الأربع تحتوي على الثناء عليه: حيث قال: ((إِذا قال العبد {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال اللَّه تعالى: حمدنى عبدي، وإذا قال {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال اللَّه تعالى: أثنى عَليَّ عبدي، وإذا قال {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مَجَّدَنى عبدي).

وقد اختار اللهُ كلماتِ (الفاتحة) لتكون مقدمة كتابه في التعريف به، والثناء عليه -جلَّ اسمه-: ومنها يتعلم عبده كيف يُثْني عليه، وحسبك بذلك، فهذا خطيب الأولين والآخرين، سيد الفصحاء، وإمام البلغاء، لـمـّا سمع حمده -تعالى- لنفسه، ومدحه -سبحانه- لحقّه، علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن منتهى العلم أن يقول فى هذه الحالة: ((لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)).

والله -تعالى- ذكر في نصف (الفاتحة) الأول ستةَ أسماء هي أصول أسمائه -جلَّ في علاه-وقابلها في نصفها الثاني بستة أحوال للعبد:
أما أسماؤه الستة المذكورة في (الفاتحة) فترجع جميع الأسماء الحسنى والصفات العُلى إليها:

الاسم الأول: (الله)، ورد هذا الاسم في الآية الأولى (البسملة)، وفي الآية الثانية (الحمدلة)، وترجع إليه جميع الأسماء الحسنى، ومنها أسماء الإلهية الحقة كالواحد الأحد.
الاسم الثاني، والاسم الثالث: الرحمن الرحيم، ورد هذان الاسمان مرتين في البسملة وفي الآية الثالثة، وترجع إليهما جميع أسماء الرحمة واللطف: كاللطيف، والحليم، والودود، والرؤوف، والوهاب، والرزاق، والغفار، والغفور.
الاسم الرابع: رب العالمين (الرب)، ورد هذا الاسم العظيم في الآية الثانية في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، وترجع إليه جميع أسماء التربية: رحمةً ورفقًا ووُدًّا، وحزمًا وقوةً، وحكمةً وخبرةً وعلمًا.
الاسم الخامس والسادس: {ملك يوم الدين}، و{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]-على القراءتين-: وترجع إلى هذين الاسمين جميع أسماء الحكم والقوة والعدل والقهر والفصل وصفاتها كالعظيم، والكبير، والمتعال، والقهار، والجبار، والفعال لما يريد.


وتقابل هذه الأسماء الستة العليا ستةُ أحوالٍ للعبد ذكرها الله في النصف الثاني من (الفاتحة)، وهي: العُبُوديَّة، والاستعانة، وطَلَبُ الهداية، وطَلَبُ الاستقامة، وطَلبُ النِّعمة، وطلب الحماية من طرق الضَلال والإضلال.

ومن حكم ترتيب الأسماء الستة الواردة في سورة (الفاتحة): التعرف الكامل إلى الله، فهو -تعالى ذِكْرُهُ- جعل الاسم الأول (اللَّه) اسمًا لنفسه، فهو مختصٌّ به مع تضمنه لمعنى الإلهية الحقة إذا جعلنا الكلمة مشتقةً من (إله)، وجعل الخمسة التي أتت بعده أوصافًا له، وهي: الرَّبُّ، وَالرَّحْمَنُ، وَالرَّحِيمُ، وَالْمَلِكُ، والمالك، ومن هذه الأسماء الستة تنبثق سائر الأسماء الحسنى والصفات العلى، ويتعرف العبد إليه تعالى بها، فمثلًا: يمكنك أن تتَصَوُّر أن الله كَأَنَّهُ يَقُولُ لك: خَلَقْتُكَ أَوَّلًا فَأَنَا إِلَهٌ، وعرفتك بي فاسمي هو (الله)، ثُمَّ رَبَّيْتُكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ فَأَنَا رَبٌّ، ثُمَّ جعلت خِلقَتك ونِظامَ شريعتك الذي تسير عليه وفق مبدأ الرحمة فأنا رحمن رحيم، ثم عَصَيتَ فَسترْتُ عليك فأنا رَحمنٌ، ثُمَّ تبت فَغَفرتُ لك فأنا رحيمٌ، ثُمَّ لم تخرج عن ملكي وسلطاني ولن تخرج، وسأوصل الْجَزَاء إِلَيْكَ؛ فَأَنَا مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ، ومالكه، وترتيب المطابقة هنا فقط للتلذذ في المخاطبة، وإلا فيجوز غير ذلك.


الحقيقة الثالثة: جمعت هذه الآيات أسباب ثناء العبد على أرحم الراحمين في أبهى صورها: ويظهر ذلك من خلال أسباب الثناء؛ فإنك لا تُثني على أحدٍ فتحْمَدُه إلا لِأَحَدِ أسبابٍ أَرْبعَةٍ:

السبب الأول: تحمده وتثني عليه لكماله الذاتي فِي الذات والصِفَاتِ، وهو المنزه عَنْ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ، وهذا السبب لا يمكن أن يوجد إلا في رب العالمين، وَقد أشار الله إليه في قوله: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة: 1، 2]، فكل ما في العالمين من كمال، فهو شيءٌ لا يذكر أمام كمال الكبير المتعال، وكل ما في العالمين من نقصان، فالله مُنَزَّهٌ عنه فهو العظيم الشان، ولذا نحمده -جل في علاه- لذاته، ونحمده على كمال صفاته.

السبب الثاني: تحمده وتثني عليه لإحسانه المتعدي الباطن والظاهر، والإنعام في الماضي والحاضر، وأعظم الإحسان في الحاضر إنما تجده من الله الملك الرحمن، فكل ذرةٍ من النعم فهي منه، فهو {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2، 3]، فنحمده على خلقه لنا من العدم، ونحمده على عظيم النعم، ونحمده على أن أعطانا الآلات والوسائل التي توصلنا إلى الإيمان به، فهو عظيم الجود والكرم، ونحمده على أن دفع عنا النقم، وحَبَّبَ إلينا الإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.

السبب الثالث: تحمده وتثني عليه لرجاء الإحسان فِي مُسْتَقْبَلِ الأزمان، فالله هو الذي يمدنا بكل إحسانٍ نطمع أن يصلنا في المستقبل القريب والبعيد، فهو {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 3، 4]، فنحمده على أنه دلنا على الطاعة التي تُصلِح الجسد، وتعمر البلد، وتعالج ما فسد، ثم أعطانا الوسائل الجسدية للقيام بها، ثم كافأنا عليها -جل في علاه-، ولذا قال الصالحون: “إذا أراد أن يُظهر فضله عليك، خَلَق وأَعطى، ونسب إليك”؛ أي يعطيك النعمة، ويخلق لك وسيلة الاستفادة منها، ويعينك على شكرها بالطاعة، ثم ينسب إليك هذه الطاعة.

السبب الرابع: تحمده وتثني عليه للخوف من قهره وَقُدْرَتِهِ، وَرجاء الأمن من عظيم سَطْوَتِهِ: إنه ربُّ العالمين في الدنيا، وهو مالك يَوْمِ الدِّينِ في الآخرة؛ مما يجعل الإنسان يُثني عليه خوفًا من عقابه، وهربًا من عتابه… اللهم اجعلنا من أعظم المكرمين المقربين إليك، بفضلك يا أرحم الراحمين، والحمد لله حمدًا يبلغنا رضاه، ويجزل لنا به أعظم عطاياه، ويجعلنا به مع نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وآله وسلم.

الحقيقة الرابعة: الثناء على الله علامة الاتصال الأعظم أهميةً في حياة الإنسانية: إنه الاتصال بين الله وعباده.. بين الخالق والكون المخلوق، وهو مفتاحٌ من مفاتيح إجابة الدعاء، فمن أراد أن تُقضى له الحاجاتُ، وتُفَرَّجَ عنه الكرباتُ، وتُدْفَعَ عنه الآفاتُ، فليُثْنِ على مُدَبِّر الأرض والسماوات، وليُقَدِّمْ بين يدي طلبه جميلَ الثناء، وطَيِّبَ الحمد؛ ليُجاب له الدعاء، فإذا كنتَ مريضًا وقصدتَ طبيبًا متخصصًا ذا سمعةٍ جيدةٍ، فإنك تُثني عليه، ليَرفُق بك، ويهتم بمعالجة مرضك، وتقولُ له طالبًا اهتمامه وعنايته: أتيتُك لشهرتك، ومعرفتك، وقصدتُك دون بقية الأطباء، فانظر إلى هذا الداء.

كل هذا الثناء تقدمه لبشرٍ، فإذا أردت أن تُفْتح لك خزائن الخير في الدنيا والآخرة فانظر إلى من بيده مقاليد البشر، وله الأمر الظاهر والـمُسْتَتِر، وهو مالك القُوى والقُدَر، فهو الطبيبُ على الحقيقة -جل في علاه-، فعن أبي رِمثة -رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي فرأى التي بظهره فقال: يا رسول الله، ألا أعالجها لك، فإني طبيب. قال: ((أنت رفيقٌ، والله الطبيب))()، وعند ثنائك عليه تحظى بمحبته؛ لأن الله يحب العبد المتملق له.

فعن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ثلاثة يحبهم الله -وذكر منهم- وقومٌ ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحبَّ إليهم مما يُعدَل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقني، ويتلو آياتي))()، وعن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ولا أحد أحبُّ إليه المدحة من الله؛ فلذلك مدح نفسه)).

فالثناء على الله -تعالى ذكره- من أهم مقاصد القرآن الكريم، فالله سمَّى باسمه المبارك أربع سورٍ: سورة فاطر، وسورة غافر، وسورة الرحمن، وسورة الأعلى، وقريب منها سورة الـمُلْك (فالملك من صفاته سبحانه)، وأنزل سبعًا من السور تسمى المسبِّحات بدايتها التسبيح لله تعالى، كما جعل خمسًا من السور بداياتها الحمد هي المحمِّدات، وكل ذلك لبيان منزلة الثناء على رب الأرض والسماء، فمِنْه يُستَمَد كل عطاء، وتَنزِل كل نعماء.