‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة وادب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة وادب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 26 فبراير 2023

بين علاج الجسد وغذاء الروح.. أطباء برعوا في مجال الأدب

 بين علاج الجسد وغذاء الروح.. أطباء  برعوا في مجال الأدب

إبراهيم ناجي كان طبيبا وشاعرا أديبا انضم 
لجماعة أبولو الأدبية واشتهر بقصيدته "الأطلال"

عبد الرحمن أحمد

"والناس تسأل والهواجس جمة     طبٌ وشعر كيف يتفقان

الشعرُ مرحمة النفوس وسِرّه      هِبة السماء ومِنحة الدَّيان

والطبُ مرحمة الجسوم ونبعُهُ   من ذلك الفيض العليّ الشان

ومن الغمام ومن معين خلفه     يجدان إلهاما ويستقيان"

بهذه الأبيات، قدم الطبيب والشاعر المصري الشهير إبراهيم ناجي الإجابة عن تساؤل طالما طرحه الناس كلما نبغ طبيب في مجال الأدب والكتابة، رغم التفاوت والاختلاف بين طبيعة العالمين الطبي والأدبي.

وإذا كانت ظاهرة الأطباء الأدباء معروفة في التراث العالمي والعربي عبر التاريخ، فإن مصر كان لها نصيب كبير من الأطباء المبدعين في مجال الأدب والكتابة، فنظموا الشعر وألفوا القصص والروايات والمسرحيات وأبدعوا في الكتابة الأدبية قبل العلمية.

أحمد زكي أبو شادي شاعر وطبيب، أسس مدرسة "أبولو" 
التي ضمت شعراء الرومانسية 

أدب الـ"بالطو"

وخلال الأيام الماضية، عاد الحديث عن الأطباء المصريين المبدعين في مجال الأدب إلى الواجهة، مع بداية عرض مسلسل "بالطو" (إشارة إلى رداء الأطباء الشهير) المستوحى من رواية ساخرة بعنوان "بالطو وفانلة وتاب" كتبها طبيب العظام المصري الشاب أحمد عاطف فياض.

الرواية المكتوبة بالعامية المصرية صدرت عام 2016، وحظيت بإعجاب كثير من الشباب، إذ تقدم بأسلوب كوميدي ساخر معاناة الأطباء حديثي التخرج.

الطبيب الشاب له كتابان آخران، هما "الحياة على سطح البطيخ"، و"الإنس والجبس"، إلى جانب منشوراته الساخرة على صفحته على فيسبوك، التي تحظى بمتابعة قرابة مليون شخص.

بين الطب والأدب

يمارس فياض الطب إلى جانب الكتابة الساخرة، وهو في ذلك يسير على خطى أطباء مصريين استمروا في ممارسة مهنة الطب، بينما كانت قريحتهم تجود بدرر أدبية خالدة، وآخرين مهدت لهم دراسة الطب والقرب من معاناة المرضى طريقا إلى الكتابة الأدبية التي تفرغوا لها، موقنين بأنه إذا كان الطب يبرئ البدن فإن الأدب يبرئ الروح، ونستعرض سير بعض منهم في الفقرات الآتية:

أحمد زكي أبو شادي (1892-1955)

شاعر مبدع وطبيب ماهر، جمع بين عالمي الأدب والطب، أسس مدرسة "أبولو" الشعرية المعروفة بالرومانسية والقافية المتغيرة، التي ضمت مشاهير الشعراء مثل أحمد شوقي وإبراهيم ناجي.

وأبو شادي لم يمنعه تخصصه في علمي الأمراض الباطنية والجراثيم، ثم علم الحشرات الطبية وعمله طبيبا وأستاذا بكلية الطب، عن الانخراط في الكتابة الأدبية.

ظهرت موهبة أبو شادي الأدبية مبكرا، وأصدر ديوانه الأول "أنداء الفجر" عام 1910، ثم توالى إنتاجه الأدبي، ليكتب عددا من الدواوين مثل "الشفق الباكي" و"أشعة وظلال" و"أطياف الربيع" و"الينبوع" و"شعر الريف" و"قطرة يراع"، كما ألف شعرا بالإنجليزية، حتى وصفه النقاد بالموسوعة الشعرية.

إبراهيم ناجي (1898-1953)

طبيب وشاعر وأديب، عرف بشاعر "الأطلال"، وكان من مؤسسي رابطة الأدب في مصر وأول رئيس لها، ووكيل جماعة "أبولو".

كان ناجي طبيبا متميزا وإنسانا رقيقا، وكان رؤوفا بالمرضى ويعالج الفقراء مجانا، وتوفي وهو يعالج أحد مرضاه، ويظهر أثر ممارسته للطب في تعبيره الدقيق عن المشاعر الإنسانية.

بدأ ناجي نظم الشعر في الـ12 من عمره، ويقول عن نفسه "نشأت أديبا قبل أن أكون طبيبا، فالأدب يجري في دمي، وطريقتي في النظم أني لا أكتبه، وطالما قلت لأصحابي إنني لا أنظم الشعر وإنما أتنفسه"، وفقا لما نقله محمد الخليلي في كتابه "معجم أدباء الأطباء" (1946).

له إنتاج أدبي غزير في الشعر والقصة وعلم النفس وعلم الاجتماع وفن التراجم والسير والخواطر العامة والترجمة، وعرف بخفة ظله.

سعيد عبده (1901-1983)

طبيب متخصص في الصحة العامة والطب الوقائي، وأديب وناقد وشاعر، ظل يمارس الطب إلى جوار الأدب حتى نهاية عمره.

تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1930، وعمل طبيبا وأستاذا جامعيا في كليات عدة في مصر والدول العربية.

ظهرت براعته الأدبية مبكرا، وكتب في مجالات عدة بين العلم والنقد والشعر والزجل والقصة، وتناول قضايا السياسة والاجتماع والنفس، ودخل في مساجلات نقدية مع طه حسين، والكاتب المعروف محمود كامل المحامي.

ومن أشهر أعماله القصصية "هياكل في الريف" و"الجمعة اليتيمة" و"فاتنة الشيطان"، وله كتابات سياسية أبرزها "خطابات مفتوحة إلى العظماء والصعاليك"، بجانب عشرات المقالات العلمية في مجالات الطب.

محمد كامل حسين (1901-1977)

رائد طب العظام في مصر وأديب وفيلسوف بارز، صاحب رواية "قرية ظالمة" التي يعدها نقاد من روائع الأدب العالمي، وأول من جمع بين جائزتي الدولة التقديرية في الأدب وفي العلوم.

كان أول مصري يجمع بين زمالة كلية الجراحين الملكية البريطانية وماجستير جراحة العظام، ومؤسس قسم العظام بكلية طب قصر العيني، وأول رئيس لجمعية جراحة العظام، وأول رئيس لجامعة إبراهيم باشا (عين شمس لاحقا) عام 1952.

تميز بدراساته اللغوية والفكرية وإبداعه الأدبي، وأثرى المكتبة العربية بكتب عدة، منها "التحليل البيولوجي للتاريخ" و"وحدة المعرفة"، و"الوادي المقدس"، و"الذكر الحكيم" و"اللغة العربية المعاصرة"، بجانب القصص القصيرة، والبحوث والدراسات المتنوعة.


مصطفى محمود (1921-2009)

طبيب وأديب وفيلسوف، اشتهر ببرنامجه الموسوعي "العلم والإيمان"، وكتاباته في الفكر والفلسفة والاجتماع والأدب.

كتب القصص القصيرة والشعر والزجل في مرحلة دراسته الثانوية، بجانب ميوله الموسيقية.

درس الطب في جامعة القاهرة وتعلق بشدة بالعلوم والتجارب العلمية، وتخرج عام 1953 متخصصا في الأمراض الصدرية، وعمل في عدد من المستشفيات قبل أن يقدم استقالته عام 1960 ليتفرع للكتابة والأدب.

ألّف ما يقارب 89 كتابا متنوعا في العلم والفلسفة والسياسة والفكر الديني وأدب الرحلات بجانب القصة القصيرة والرواية والمسرح، وكان برنامجه التلفزيوني "العلم والإيمان" هو الأكثر شهرة وانتشارا في عصره، وحاز جائزة الدولة التقديرية عام 1995.

يوسف إدريس (1927-1991)

طبيب وكاتب شهير، اعتزل الطب وعلا نجمه في الأدب والصحافة، وأصبح أحد أهم كتاب القصة القصيرة في الوطن الأدب العربي حتى إنه يلقب بـ"أمير القصة القصيرة".


حصل على بكالوريوس الطب عام 1947 وتخصص في الطب النفسي، وعمل طبيبا لعدة سنوات قبل أن يقرر التفرغ للأدب والكتابة، وتميزت قصصه بالواقعية وأهلته دراسته الطبية إلى سبر أغوار النفس البشرية في أعماله.

بدأ نشر قصصه القصيرة عام 1950، وصدرت أولى مجموعاته القصصية "أرخص ليالي" عام 1954، ثم توالت مجموعاته القصصية مثل "جمهورية فرحات"، و"قاع المدينة"، و"بيت من لحم"، بجانب روايات مثل "العيب"، و"الحرام"، و"العسكري الأسود"، ومسرحيات "ملك القطن" و"المهزلة الأرضية".

نبيل فاروق (1956-2020)

طبيب وكاتب مصري اشتهر بأدب الجاسوسية والخيال العلمي، وحظى بشعبية جارفة بين الشباب في العقدين الأخيرين من القرن الماضي.

تخرج فاروق في كلية الطب بجامعة طنطا عام 1980، وبدأ عمله طبيبا في الوحدة الصحية بقرية أبو دياب في محافظة قنا.

اشتهر في أوساط الشباب بسلسلة المخابرات والجاسوسية "رجل المستحيل" وبطلها "أدهم صبري"، وسلسلة الخيال العلمي "ملف المستقبل"، وبعد نجاحهما قرر ترك الطب والتفرغ للكتابة.

كتب فاروق عديدا من السلاسل القصصية الأخرى مثل "زهور"، و"فارس الأندلس"، و"كوكتيل 2000″، و"سيف العدالة"، و"بانوراما"، و"حرب الجواسيس"، وغيرها من الأعمال الأدبية والمقالات.

أحمد خالد توفيق (1962-2018)

"أما أنا فأريد أن يكتب على قبري (جعل الشباب يقرأ)"، كانت هذه أمنية الطبيب وكاتب أدب الرعب الشهير أحمد خالد توفيق، وتحققت بعد وفاته عام 2018، التي شكلت صدمة لجمهوره الواسع من الشباب المصري الذي يلقبه بـ"العرّاب".


ارتبطت كثير من أعمال توفيق الأدبية بالطب، الذي درسه في جامعة طنطا وعمل بها أستاذا جامعيا، وحصل على الدكتوراه في تخصص طب المناطق الحارة عام 1997.

كان توفيق رائدا في مجال كتابة أدب الرعب والخيال العلمي، وحقق جماهيرية واسعة بين الشباب، بدأت مع سلسلة "ما وراء الطبيعة" في مطلع التسعينيات، ثم توالت سلاسله القصصية "فانتازيا"، و"سفاري" و"WWW"، بجانب ترجمة الروايات العالمية وروايات الرعب.

وكتب توفيق عددا من الروايات أشهرها وأهمها "يوتوبيا" (2008) التي ترجمت إلى لغات عدة، و"سنجة"، و"إيكاروس"، و"ممر الفئران"، و"شآبيب"، فضلا عن مجموعات قصصية وعشرات المقالات المنوعة.


الجمعة، 4 ديسمبر 2015

كتاب هتلر "كفاحي" يُخيف اليهود مجددا



كتاب هتلر "كفاحي" يُخيف اليهود مجددا



حذّر المجلس الأعلى لليهود في ألمانيا من انتشار كتاب "كفاحي" المحرض ضد اليهود من خلال إمكانية إعادة طباعته دون تعليق، وذلك قبل أسابيع قليلة من انتهاء مدة الملكية الفكرية للكتاب.
وطالب رئيس المجلس يوزيف شوستر في تصريح لصحيفة "هاندلزبلات" الألمانية أمس الخميس السلطات القضائية في ألمانيا بالتصدي بكل حزم لنشر الكتاب وبيعه.
يشار إلى أن المعهد الألماني للتاريخ المعاصر في ميونيخ يعتزم نشر نصوص أصلية مفهرسة للزعيم النازي أدولف هتلر معها آلاف التعليقات العلمية ومقدمة، وذلك في مجلدين.
وأوضح شوستر أنه لا يمكن الاعتراض على نشر هذه النصوص إذا توفرت طبعة معلق عليها بشكل علمي لأغراض الأبحاث والتعلم، وقال إن المعلومات التي يحتوي عليها كتاب "كفاحي" لا تزال مهمة لتوضيح حقيقة النازية والمحرقة.
ونشر المجلد الأول من "كفاحي" عام 1925 ولم يعد ينشر في ألمانيا منذ عام 1945، وذلك بعد أن أعلنت ولاية بافاريا أنها صاحبة حقوق الملكية الفكرية للكتاب ومنعت بذلك إعادة نشر طبعات جديدة منه.
غير أن هذه الحقوق تنتهي بنهاية عام 2015، أي بعد 70 عاما من وفاة الدكتاتور النازي.
ويعكف باحثو المعهد الألماني للتاريخ المعاصر في ميونيخ منذ سنوات على إعداد طبعة مذيلة بتعليقات استعدادا لنشرها بعد انتهاء فترة الملكية الفكرية.


المصدر : الألمانية


متعلقات


سيرة ذاتية جديدة لهتلر تصوره ماكرا
بيع البرقية التي دفعت هتلر للانتحار بمزاد
برلين: مسؤولية المحارق تتحملها ألمانيا
نتنياهو ينفي تبرئة هتلر من المحرقة
ألمانيا تكذب نتنياهو بشأن المحرقة

الجمعة، 31 أكتوبر 2014

المكتبة البريطانية بالتعاون مع مكتبة قطر الوطنية تطلق ارشيف الشرق الأوسط الكترونيا


المكتبة البريطانية بالتعاون مع مكتبة قطر الوطنية تطلق ارشيف
الشرق الأوسط الكترونيا



مكتبة قطر الرقمية متاحة للاستخدام بدون مقابل.
يشتمل هذا الموقع على مواد أرشيفية متعلّقة بالثقافة والتاريخ الحديث في الخليج والمناطق المحيطة، ويتيح هذه الموارد لأول مرة على الإنترنت.




الثلاثاء، 14 مايو 2013

امتحان؟ لا.. اختبار؟ ممكن!


امتحان؟ لا.. اختبار؟ ممكن!
محمد الرطيان

‏ هل تشعر أنك تنتمي لشعب راقٍ ومتحضر، أم أنك جزء من شعب متخلف.. حتى وإن كنت أنت كفرد فيك بعض الرقي والتحضر؟
الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى أن تجيب عن الأسئلة التالية.. ودون مراوغة:
- هل تحترم إشارة المرور.. هل تقف قبل أن تصل إلى خط المشاة؟
- هل سبق لك أن تجاوزت بسيارتك صف السيارات حتى تصبح في أول الصف؟
- هل يبهجك صوت منبه سيارة الإسعاف القادمة من خلفك لأنها ستمنحك فرصة قطع إشارة المرور؟
- هل تحترم الطابور؟
- هل تذهب إلى أي مؤسسة أو دائرة حكومية وأنت محمل بالتوصيات وأرقام هواتف العاملين هناك؟
- هل تتعامل مع الناس - كبشر - بغض النظر عن ألوانهم ولهجاتهم وعقائدهم وأفكارهم؟
- شخصيتك المثالية في تويتر والفيس بوك وبقية المواقع الإلكترونية.. هل تشبهك في الحياة العادية؟
- كم " اسمًا مستعارًا" لديك؟
- كم مرة في اليوم الواحد تقول: لو سمحت / من فضلك / يا سيدي / شكرًا؟
- هل يرتفع صوتك في الأماكن العامة؟
- كم كلمة بذيئة تقول في اليوم الواحد؟
- هل تضحكك النكتة العنصرية؟
- كم مرة تبتسم في اليوم الواحد لأناس لا تعرفهم؟
- هل تنهي أي خلاف بالحوار دون أن يرتفع صوتك؟
- هل ترى أن ملابسك الفاخرة ونظارتك الراقية وساعتك الثمينة جزء مهم من رقيّك وتحضّرك ؟
- هل سبق لك أن قمت بتوزيع التهم على المختلفين معك.. وعنك؟
- هل سبق لك أن عممت وصفًا سيئًا على جماعة / شعب / جهة ما؟
- هل تتباهى بجهلك.. لأنه جهلك؟
- كيف تتعامل مع الفنون؟
- عندما تسمع كلمة "امرأة" ما هو أول شيء يخطر على بالك؟
- كيف تتعامل مع عامل النظافة؟
- كم كلمة عنصرية تقول في اليوم الواحد؟
- هل تشتم وأنت تقود السيارة؟
- هل سبق لك تنظيف أنفك في مكان عام؟
- إذا ذكرت أمامك كلمة (حريّة) هل يكفهر وجهك وتنظر لقائلها بريبة وامتعاض وكأنه قال (انحلال)؟
- هل تزعجك الكتابة على الجدران؟
- هل سبق لك أن شاركت في "تخريب" مكان عام؟.. أو شاهدت آخر يفعلها وتعاملت مع الأمر وكأنه لا يعنيك؟
- هل تسخر من كلمات: راقٍ ، متحضر، ذوق؟... هل تعرف ما الذي تعنيه هذه الكلمات؟!
انظر حولك، وحاول أن تكتشف الإجابة عبر "أخلاق" الشارع، وأحداثه اليومية..
إجابة الأسئلة السابقة ستمنحك إجابة السؤال الأول.
twitter | @alrotayyan

الجمعة، 19 أبريل 2013

قادة الثورة يحتفون بسيد قطب!


قادة الثورة يحتفون بسيد قطب!

سيد قطب وجمال عبد الناصر

محمد بركة
كانت العَلاقةُ بين سيد قطب (1906م - 1966م) وضباط 23 يوليو1952م- عَلاقةً حميمة قبل اندلاع الثورة وبعدها، بل كان يُعدُّ سيد قطب الْمُنَظِّر الفكري للثورة؛ فقد كانوا يتشاورون مع سيد قطب حول ترتيبات الثورة وأسس نجاحها، والذي يؤكِّد ذلك أنَّه تم تعيينه من قِبَل قيادة الثورة مستشارًا لها في الأمور الداخلية, وتغيير مناهج التعليم.
وكان سيِّد قطب هو المدني الوحيد الذي يحضر مجلس قيادة الثورة، وكان كِتابُه الفكري الإسلامي الأول "العدالة الاجتماعية في الإسلام" من أوائل الكتب التي كان ضباط الحركة يتدارسونها في لقاءاتهم السرية، وقد شَبَّه بعضهم سيد قطب بخطيب الثورة الفرنسية الشهير "ميرابو".
وكان سيد قطب أول من أطلق لفظ "ثورة" على حركة الضباط التي كانت توصف بأنَّها المبارَكة، وليس طه حسين كما يشاع.
يروي الأديب السعودي "أحمد عبد الغفور عطار" (1915م – 1991م)، مؤسس صحيفة "عكاظ"، والصديق الأثير لسيد قطب- عن صلة سيد قطب برجال الثورة بعد قيامهم بها، فيقول:
"بلغ من احترام الثورة لسيد قطب، وعرفانها بجميله وفضله- أنَّ كل أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا ملتفين حوله، ويرجعون إليه في كثبر من الأمور، حتى إنَّه كان هو المدني الوحيد الذي يحضر جلسات المجلس أحيانًا، وكانوا يترددون على منزله في حلوان...
قرر مجلس قيادة الثورة- ونشرتْ القرار مجلة آخر ساعة- أنْ يُسند إلى سيِّد قطب منصب وزير المعارف، ولكنَّ سيد قطب اعتذر، ورجوه أنْ يتولى منصب المدير العام للإذاعة فاعتذر، وأخيرًا وافق على أنْ يكون السكرتير العام لهيئة التحرير، ولبث فيها شهرًا؛ وبدأ الخلاف بين سيد قطب وبين جمال عبد الناصر وزملائه؛ فاضطر سيد قطب إلى الاستقالة من هيئة التحرير".
قال سيِّد قطب، وهو يحكي عن صلته برجال الثورة بعد قيامها:
"استغرقت في العمل مع رجال ثورة 23 يوليو 52 حتى شهر فبراير 1953م عندما بدأ تفكيري وتفكيرهم يفترق حول: هيئة التحرير، ومنهج تكوينها، وحول مسائل أخرى في ذلك الحين لا داعي لتفصيلها... كنت أعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة- يوميًّا- قريبًا من رجال الثورة".
قادة الثورة يحتفون بسيد قطب
ومن تقدير وتوقير رجال الثورة لسيد قطب أنَّهم أقاموا حفل تكريم له بعد شهر من قيام الثورة... وكان أساس الحفل محاضرة لسيد قطب بعنوان: "التحرر الروحي والفكري في الإسلام"، دُعِي سيِّد لإلقائها في نادي الضباط بالزمالك في شهر أغسطس، وذهب سيِّد لإلقاء المحاضرة في الموعد المحدد، وكان معه صديقه الأديب السعودي، أحمد عبد الغفور عطار، وبدل أنْ يُلقي سيِّد محاضرته حوَّل قادةُ الثورة الحفلَ إلى كلماتٍ وخطابات للإشادة بسيِّد وبيانِ مناقبِه.
قال أحمد عبد الغفور عطار واصفًا الحفل:
"وفي الموعد المحدد حضرتُ معه، وكان النادي مزدحمًا بحدائقه وأبهائه الفسيحة، وحضرها جمع لا يحصى من الشعب، وحضر إلى النادي أبناء الأقطار العربية والإسلامية الموجودون في مصر، وكثير من رجال السلك السياسي، وكبار زعماء الأدب والفكر والقانون والشريعة، وأساتذة من الجامعات والكليات والمعاهد.
وكان مقررًا حضور "محمد نجيب" وتوليه تقديم سيِّد قطب إلَّا أنَّ عذرًا عارضًا اضطر محمد نجيب للتخلف، وبعث برسالةٍ تُليت على الحضور، تلاها أحد الضباط، وموجز كلمة محمد نجيب:
أنَّه كان حريصًا على أنْ يحضر المحاضرة، ويفيد من علم سيد قطب، ووصف سيِّد بأنَّه مُعلِّم الثورة ورائدها وراعيها... وبعث نجيب برسالته مع أنور السادات، وأناب عنه جمال عبد الناصر.
وحوَّل الضباط محاضرة سيِّد إلى مناسبةٍ للاحتفال والاحتفاء به، وبيان مناقبه، وبدل أنْ يحاضِر سيِّد فيهم صار الخطباء يتكلمون عن سيِّد، ويثنون عليه، وهو جالس!.
افتتح أحد الضباط الحفل بآيات من القرآن، وقال أحد كبار الضباط:
كان مقررًا أنْ يقوم الرئيس "محمد نجيب" بتقديم أستاذنا العظيم، ورائد ثورتنا المبارَكة، مفكر الإسلام الأول في عصرنا- الأستاذ سيد قطب، ولكنَّ أمرًا حال دون حضوره... وأُرِيدَ مني تقديم الأستاذ سيد قطب، وإنْ كان غنيًّا عن التقديم وعن التعريف.
وكان حاضرًا الحفلَ الدكتورُ طه حسين؛ فتقدم وألقى كلمة رائعة قال فيها:
إنَّ في سيد قطب خَصلتين، هما: المثالية، والعِناد؛ فهو ليس مثاليًّا فقط، ولكنَّه مثالي في المثالية. وذكر سيِّدَ قطب وأثرَه في الثورة ورجالها، واختتم كلامه بالقول: إنَّ سيد قطب انتهى في الأدب إلى القمة والقيادة، وكذلك في خدمة مصر والإسلام.
ثم وقف سيِّد قطب وألقى كلمةً مرتجلة، وسط تصفيق المصفقين، وهتاف الهاتفين له:
قال عن الثورة: إنَّ الثورة قد بدأت حقًّا، وليس لنا أنْ نثني عليها؛ لأنَّها لم تفعل بعد شيئًا يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام.
ثم قال سيد قطب: لقد كنتُ في عهد الملكية مهيأً نفسيًّا للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضًا؛ فأنا في هذا العهد مهيأٌ نفسيًّا للسجن، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل.
وهنا وقف "جمال عبد الناصر" وقال بصوته الجهوري ما نصه:
أخي الكبير سيِّد: واللهِ، لن يصلوا إليك إلَّا على أجسادنا، جثثًا هامدة، ونعاهدك باسم الله، بل نجدد عهدنا لك على أنْ نكون فداءً لك حتى الموت، وصفق الناس تصفيقًا حادًّا متواصلًا، مع الهتاف المتكرر بحياة سيد قطب!.
ثم وقف الضابط "محمود العزب" وتكلم عن دور سيِّد قطب في التمهيد للثورة، وعن حضوره لبيت سيِّد قبيل الثورة، وأنَّه وجد عنده عبد الناصر، وغيره من ضباط الثورة!، وبيَّن نظرة رجال الثورة لسيِّد.
بينما عقب الأستاذ "أحمد عبد الغفور عطار" على كلام الدكتور طه حسين عن سيِّد، فقال عطار عن سيِّد: إنَّ سيِّد عنيد في الحق؛ فهو إذا اعتقد شيئًا أصر عليه، ولا يعتقد إلَّا الحق، وهو عنيد في كفاحه وجهاده.
وعندما انتهى الحفل كان البكباشي "جمال عبد الناصر" في وداع سيد قطب، وكان الضباط والجنود وجماهير الناس تهتف بحياة سيد.
وكان الإعدام هو الجزاء!
ولكن اعتقل سيد قطب عام 1954م لمدة شهرين مع قيادات الإخوان المسلمين، ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى بعد حادث المنشية، وصدر ضده حكم بالسجن 15 سنة، ثم تَوَسَّطَ له الرئيس العراقي "عبد السلام عارف" فأُفْرِجَ عنه بعفوٍ رئاسي.
وفي عام 1965م أعاد عبد الناصر المواجهة مرة أخرى مع سيِّد قطب؛ فأعلن من موسكو- وكان في زيارة لها- عن اكتشاف مؤامرة دبَّرها الإخوان المسلمون بقيادة سيِّد قطب لاغتياله، وقَلْب نظام الحكم؛ فاعتقل سيد مرة ثالثة، وذاق أصنافًا وألوانًا من العذاب على يد زبانية التعذيب في العهد الناصري!.
وألقى عبد الناصر ورقته الأخيرة إلى قطب لعله يلين إلى السلطان الجالس على الكرسي؛ فأرسل إليه في ليلة تنفيذ الحكم عارضًا عليه الاعتذار، أو أنْ يكتب سطرًا واحدًا يطلب فيه الرحمة من جمال عبد الناصر... ولكنْ ما كان لمثل سيِّد- في جرأته وإيمانه بما يعتقد- أنْ يقبل بمثل هذا العرض؛ فرفض العرض الأخير في حياته كلها،قائلًا كلماته الخالدة:
"إنَّ إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة يَأْبَى أنْ يكتب كلمةً يتقرب بها لحاكم طاغية؛ فإنْ كنتُ مسجونًا بالحق فأنا أرتضى حكم الحق، وإنْ كنتُ مسجونًا بالباطل فأنا أكبرُ من أنْ أسترحم الباطل".
وفي يوم 28 من أغسطس 1966م تلقَّى عبد الناصر رسالةً من الملك فيصل بن عبد العزيز؛ يتوسط فيها للعفو عن سيِّد قطب الذي قضت المحكمة العسكرية بإعدامه، وأوصل "سامي شرف" البرقية لجمال عبد الناصر في ذلك المساء، فقال جمال عبد الناصر لسامي شرف:
أعدموه في الفجر "بكرة"، وأعرض عليَّ الرسالة بعد الإعدام!.
ثم أرسل عبد الناصر برقية اعتذار للملك مُتَعَلِّلًا بأنَّ رسالة الملك وصلته بعد تنفيذ الحكم!.