‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسن العيسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسن العيسي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 فبراير 2026

بحلقة أندرو

آخر كلام       

بحلقة أندرو 



حسن العيسى  

بماذا كان الأمير أندرو يبحلق، عيناه مفتوحتان تحدقان في الفراغ وهو جالس في المقعد الخلفي لسيارة البوليس بعد القبض عليه تلك الليلة؟ ماذا تخبرنا بحلقة الأمير المثيرة، حزن، ندم، حسرات، أسف على أيام طيش شبابي صدع فيها لرغبات جنسية دون حساب لعقاب الأيام؟ هل كان يحدث نفسه موسوساً متحسراً غير مصدق ماذا يجري له؟! 

أمير وشقيق الملك، ابن نظام ملكي مستقر من مئات السنين، ملكية دستورية الآن، كانت ملكية مطلقة، ثم جمهورية وانتهت اليوم بحكم الدستور، الملك يسود ولا يحكم. 

بالتأكيد لم يخطر ببال أندرو، الذي لم يعد أميراً بعد أن جرده شقيقه الملك من اللقب السامي، أن يصل إلى هذا الحال المؤسف بالنسبة له وليس لضحايا أخطبوط المال والفساد إبستين، الذي لخصت سيرته معاني تلك الطبقة التي ارتبطت به. 

كتب روبرت رايخ عن بؤس طبقة إبستين، فهي «ليست فقط الأشخاص الذين لهوا مع جيفري إبستين أو أولئك الذين اعتدوا على فتيات قاصرات. إنها شبكة مترابطة من الرجال شديدي الثراء البارزين، المتعجرفين، النافذين...». 

لا عزاء للأسرة الملكية إزاء ما صنعه أحد أهم أبنائها الذي ربما أساء استعمال منصبه كما يتهم الآن، لم يكن يخطر بباله حين تمكن منه طيش الشباب أن أحكام القانون ليست لعبة أطفال يمكن اللهو بها، تتغير وتتعدل حسب المزاج الحاكم، بل هي قواعد مستقرة تثبت الحقوق وتنشئ الواجب والالتزامات، والعدالة إن لم تنتصر في لحظة ما فسيأتي اليوم الذي تنتصر فيه بوعي شعوبها. 

هل هناك أعظم وأسمى من كلمة الملك تشارلز حين عقب بعد القبض على شقيقه المبحلق في العدم: يجب أن يأخذ القانون مجراه؟

 المصد ر

الأربعاء، 18 فبراير 2026

تجويع الشعوب لمعاقبة الأنظمة

آخر كلام      

تجويع الشعوب لمعاقبة الأنظمة 

حسن العيسى 

ما تصنعه الإدارة الأميركية الآن مع كوبا جريمة كبرى، تقارب في بشاعتها صنف جرائم ضد الإنسانية، كالتطهير العرقي والإبادة الجماعية. حظر تصدير النفط لكوبا لا يعني غير قتل بطيء للشعب الكوبي. الولايات المتحدة بعد اختطافها الرئيس الفنزويلي شددت حصار استيراد الطاقة على كوبا، لا نفط فنزويلياً يصل إلى هذه الدولة، ولا تسامح مع الرئيسة الإنسانية المكسيكية التي حاولت تصدير النفط لكوبا، ومنعت من قبل السوبرمان الأميركي. 

الأخبار المصورة، وهي محدودة بوسائل الإعلام الغربية، التي لم تبدِ أي تعاطف نحو الشعب الكوبي، ترينا القليل من المأساة الكوبية، تجمعت أكوام القمامة، وأضحت كالهضاب في ضواحي هافانا، فسيارات نقل القمامة ليس لديها وقود، عربات الإسعاف أيضاً توقفت عن خدمة حالات الطوارئ، هل هناك إجرام أكثر من ذلك؟  

جريدة الغارديان البريطانية، وهي الجريدة اليتيمة التي تفردت بنقل الحقائق المرة لما يحدث في كوبا، ذكرت أن «نقص الوقود يضرب الكهرباء والمياه ونقص الغذاء... الأزمة النفطية أصابت شركات الطيران، السياحة تتوقف، بدأت عمليات إعادة السياح لبلدانهم... إعدام السياحة لهذه الدولة التي يشكل فيها هذا المرفق ركناً أساسياً للاقتصاد». 

على الجانب النضالي والإنساني للشعب الكوبي تذكر الجريدة: «... سائقو دراجات نارية يعرضون نقل مرضى السرطان وغسيل الكلى مجاناً... حرفيون يصنعون مواقد ألمنيوم للطهي بالحطب بأسعار زهيدة...». 

هل هذا هو الوجه الإنساني لأكبر اقتصاد وأقوى دولة ورمز لعراقة الديموقراطية الليبرالية في العالم؟! هي سياسة «جوع كلبك يتبعك»، والدول التي ترفض الخضوع لهذا الابتزاز الإمبريالي، وهي بالتالي سيدة أقدارها، وترفض حالة الدولة الكلبية التابعة اليوم، مثل كوبا وإيران، تتعرض للتجويع والقتل البطيء... عالم مرعب.

المصدر

الاثنين، 16 فبراير 2026

حسب الأصول المرعية

آخر كلام       

حسب الأصول المرعية 

حسن العيسى 

هل يحق للكتاب والمثقفين العرب أن «يفشوا خلقهم» بالكلام عن الاستبداد والدولة التسلطية في دول سبقت الأنظمة العربية بأشواط طويلة في الديموقراطية والتنمية، ولكن مع ذلك يطفح على السطح فيها نوع من صور الاستبداد رغم وجود مجالس نيابية وقضاء مستقل؟ 

هذا يحدث دائماً في وسائل الإعلام العربية التي في الأغلب تحت سيطرة كاملة للدولة، ففيها يسمح بالحديث عن مساوئ تلك الأنظمة «الأفضل» من الواقع العربي، إلا أنه في النهاية يصبح لسان حال السلطات في أنظمتنا كأنه يقول «ليس نحن فقط» شوفوا حتى في تلك الدول المتقدمة عنا. 

أيضاً يجد المثقفون والكتاب في عالمنا الكئيب وهم يحيون بزنازين الخوف والتهديد بالملاحقة القضائية ضالتهم وعزاءهم حين يرون في أي انحراف بمفاهيم حقوق الإنسان والحريات بالدول التي هامش الحرية فيها لا يمكن مقارنته بحالنا كل الأسباب لعرض سلبيات ممارسة السلطة هناك. مثلاً: انظروا ما يفعل الرئيس الأميركي مع المقيمين الأجانب المخالفين لقوانين الإقامة، انظروا كيف منع عرض برامج انتقادية ساخرة من محطات كبرى بسبب شدة انتقاداتها للرئيس ونهج إدارته المتقلب. 

مقالات وآراء كثيرة من كتابنا نجد فيها كل العزاء ليس من أبواب المجاز بمعنى «إياك أعني واسمعي يا جارة»، وإنما يمارس فيها نوعاً من الهروب للأمام وممارسة شكل من أشكال الوعي الكاذب حين يقنعون أنفسهم وهم تحت طائلة سيف العقوبة المصلت على الرقاب بأن هذا كل ما يمكن أن يقال في مثل حالنا، أكثر من هذا ليس لنا غير الصمت. 

ففي النهاية فقد أدينا واجبنا حسب الأصول المرعية.



السبت، 14 فبراير 2026

يومنا ليس أفضل من أمسنا

 آخر كلام       

يومنا ليس أفضل من أمسنا 

حسن العيسى 

«نتفق أن الماضي لا يموت أبداً، انه ليس ماضياً أبداً... تي إس اليوت يقول: المستقبل مضمن في الزمن الماضي، حياتنا لا تتكشف عبر الزمن فحسب، بل نحن من نقودها خلاله، نشكلها ككل ممتد، نتذكر الماضي ونتفاعل معه، نتوقع المستقبل ونخطط له ونصنعه. 

أن تعيش حياة يعني أن تكون دائماً على دراية بأن الحاضر المتحرك متأصل في تاريخ ممتد، مما يساعد في تحديد ما يفعله المرء أو يشعر به الآن». كانت تلك فقرة من مقال طويل كتبه الفيلسوف توماس نيجل بعنوان «الآن وفيما بعد» ونشره في دورية «لندن رفيو أوف بوكس». يعرض في المقال لكتاب نشر حديثاً لصموئيل شيفر الذي يعيد تأويل الفلسفات الشرقية التي تحث الإنسان كي يكون سعيداً ألا يكون مرتبطاً ومتعلقاً بهموم مشاغل الحياة اليومية، وعليه أن يفك قيوده منها. 

شيفر يرى عدم الارتباط لا يعني تناسي هموم ومشاكل الآخرين، فمثل هذا قد يبدو نوعاً من الأنانية حين يتمحور البشر على ذواتهم كي يعيشوا فقط في اللحظة الحاضرة... «ناو» فقط.   

ويري هذا الكاتب أن الاهتمام والتفاعل مع الآخرين وهمومهم وفرحهم هو لب الإنسانية، وهذا ما يعني أن تحيا لحظة الحاضر. 

لكن هل مثل هذا الرأي مقبول ومعقول في كل مكان وزمان؟ هل الحاضر الذي يمضي محدقاً بعينيه للمستقبل بينما عيناه في قفاه تنظر الماضي أفضل؟! 

في العالم الغربي والأميركي تحديداً يطلقون على الذين ولدوا بعد الحرب الثانية حتى منتصف الستينيات تقريباً «بيبي بومر»، ولعله كان أسعد الأجيال، فالاقتصاد كان في أوج عظمته في الرخاء والرفاهية حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي ثم بدأ التدهور. في دولنا ماضينا أفضل من حاضرنا في الحريات والتقدم، تحدث استثناءات هنا وهناك، لكن لم يكن الاستبداد السياسي وهضم حريات الإنسان متوغلاً كما هو حادث الآن، إذا كانت هناك «لحظات ليبرالية» في الحريات، فإنها سرعان ما أخذت تتلاشى مع الزمن حتى وصلنا لحاضرنا التعيس، ولا ندري عن الغد، فأقدارنا ليست ملكنا كما يجب أن تكون هي تحت مطارقهم يتلاعبون بها كما يشاؤون. 

الاثنين، 9 فبراير 2026

هل نحتاج إلى عقاقير مضادّة للغطرسة؟

آخر الكلام       

هل نحتاج إلى عقاقير مضادّة للغطرسة؟ 




حسن العيسى 

لو أمكن للأطباء النفسيين أن يبتكروا عقاقير مضادّة للعنصرية، للتعالي، للشوفينية، للتكبّر، وللهوس بـ «الأنا»، لاحتجنا – بلا مبالغة – إلى شحنات كاملة من تلك الحبوب، ليس بوصفها علاجاً جسدياً، بل كتحصين رمزي ضد ما يمكن تسميته فيروس الغطرسة الاجتماعية، ذلك الداء النفسي الذي يتفشى بصمت، ويُمارَس أحياناً باعتباره فضيلة لا رذيلة. 

هذه الحالة ليست حكراً على مجتمعات بعينها، فهي ظاهرة عالمية تتغذى على الخوف، وعلى القلق من الآخر، وعلى وهم الامتياز الدائم. 

غير أن الفارق الجوهري يكمن في السياق، ففي البلدان التي قطعت شوطاً في ترسيخ الحريات، يجد المثقفون المهتمون بالشأن الإنساني – ولو عبر منصّات محدودة – فسحة للتعبير عن رفضهم للفاشية الجديدة التي تمدّدت خلال العقود الأخيرة. 

أما في واقعنا، فالمشهد مقلوب، إذ تُفتح المنابر، وتُفرش السجادات الحمراء، لا لخطاب النقد، بل لخطاب الإقصاء والكراهية. 

وعندما يحاول صوت مختلف أن يقدّم قراءة مغايرة أو يخرج عن إجماع «جماعة المزايدين»، تتكاثر العوائق في طريقه، ألف عقدة وألف شوكة، فقط لأنه لم يلتزم بالنغمة المطلوبة، ولم يردّد ما يُراد له أن يُقال. 

في هذا الخطاب السائد، تتجلى كراهية صريحة للوافد، وللبدون، ولمن سُحبت جنسياتهم تحت أي ذريعة. يُنظر إلى هؤلاء جميعاً باعتبارهم «آخرين» جاؤوا فقط للاستفادة من خيرات الوطن، وكأن وجودهم محض صفقة نفعية، أو عبء ينبغي احتماله لا شركاء في المجتمع. 

يُطلب منهم العمل، لكن من دون حق في المساواة، أو حتى في الاعتراض، وكأن المطلوب منهم أن يؤدّوا دورهم بصمت. 

يصف بعض المفكرين هذه الحالة بأنها نمط ما قبل فاشيّ، خضوع آلي للقيم السائدة من دون أي مساءلة، انجذاب دائم إلى الأقوياء وأصحاب النفوذ، تفكير جامد يقوم على القوالب النمطية، وميل إلى الخرافة واللامعقول بدل العقل والتحليل. والأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لا يُقال همساً، بل يُنشر يومياً في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، بلا كلل ولا ملل، حتى ليبدو أن أيدي أصحابه لا تتعب من قرع طبول التزلّف والمداهنة. 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ما العمل مع هؤلاء؟! بل: كيف وصلنا إلى مرحلة يُكافأ فيها هذا الخطاب، ويُضيَّق فيها الخناق على كل محاولة للتفكير خارج السرب؟!

حسن العيسى






اقرأ المزيد: 


الثلاثاء، 3 فبراير 2026

مجتمعات الصمت

آخر كلام       

مجتمعات الصمت 


حسن العيسى 

تخيل أن تشاهد حريقاً يلتهم منزل جارك، ولا يحق لك أن تستغيث أو تحذّر ساكنيه. بل إن مجرد الصراخ قد يعرّضك للمساءلة والعقاب. 

في هذا المشهد العبثي تتجسد ملامح واقع عربي مألوف: 

الكلام جريمة ما لم يُمنح الإذن من السلطة، والتحذير خطر، والرأي المستقل تهمة. 

في هذا الواقع، تغيب حريات الضمير بالكامل، وتُختزل علاقة الشعوب بالأنظمة في واجب الطاعة. السلطة تقرر وتدبّر وتحتكر تعريف الصالح والطالح، في وقت يُطلب من المجتمع أن يصفّق أو يصمت. 

ليست حرية التعبير هنا ترفاً سياسياً أو شعاراً ديموقراطياً، بل هي حجر الأساس لكل الحريات، وشرط لا غنى عنه للنمو والتقدم، فالناس لا يكونون أحراراً ما لم يُسمح لهم بأن يقولوا ما في ضمائرهم، والعقول تضيق وتذبل حين تُغلق في وجهها أبواب التعبير. 

في عالم عربي مختنق بتصريحات المسؤولين 

واستعراضاتهم، وبصورهم التي تقفز في وجوه الناس مع كل نشرة خبر وكل صفحة صحيفة، يعيش الواعون من البشر - من مثقفين وكتّاب ومفكرين - على الهامش. هؤلاء الذين يرفضون لعب دور «ترزية الأنظمة» إما يقبعون في سجون حقيقية لأنهم خالفوا تعليمات السلطة، أو يُزَجّ بهم في زنازين فكرية لا تقل قسوة، حيث يُسمح لهم بالحياة دون صوت. 

يبقى السؤال معلقاً: لماذا هذا الخوف المرضي من الرأي الآخر؟ ولماذا يُلاحق كلام عادي لا يحرض ولا يشتم ولا يقذف، فقط لأنه مختلف؟ لماذا لا يُسمع الرأي المخالف، ولا يُترك ليكتب ويتحدث دون أن تُسلَّط عليه سيوف القوانين والسجون؟ 

تلك القوانين التي لا تمثل إرادة الشعوب، بل تُصاغ كأدوات عبودية، يفرضها نظام يتعامل مع شعبه بصفته وصياً عليه. إن العبودية العقلية أخطر ما يمكن أن يواجه مستقبل أي دولة، فهي حين تُشيَّد على أسس مجتمعات الطاعة، تمحو الذات الإنسانية، وتزرع الخوف الدائم من الأجهزة الأمنية والرقابية. 

في مثل هذا المناخ، لا تزدهر الأفكار ولا تتقدم المجتمعات. 

وقد كتب جورج أورويل عن عوالم القمع في 1984 ومزرعة الحيوان، لكن من المفارقة أنه لم يعش واقعنا العربي المختنق، ولو كان عربياً ربما لم يُتح له أن يكتب أصلاً، وربما عُرف باسم آخر: أورويل الأخرس.


 المصدر

السبت، 31 يناير 2026

لماذا الصمت الغربي عن انتهاكات حقوق الإنسان في عالمنا؟

 آخر كلام       

لماذا الصمت الغربي عن انتهاكات حقوق الإنسان في عالمنا؟ 

حسن العيسى 



طرحت «فايننشال تايمز» قبل فترة سؤالاً بدا دبلوماسياً في صياغته، مباشراً في دلالته: 

«لماذا تحتضن أوروبا أقوياء الشرق الأوسط؟». 

غير أن السؤال، إذا أُزيحت عنه المجاملة، يفترض أن يكون أوضح وأقسى: لماذا تدعم أوروبا المستبدين في الشرق الأوسط؟ 

الولايات المتحدة، بوصفها رائدة المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية - أو بلغة أدق، النفعية - كانت سبّاقة في هذا النهج. وقد جاء دونالد ترامب أكثر صراحة من أسلافه في إعلان دعمه لقوى الاستبداد في المنطقة، متخلياً حتى عن اللغة التلطيفية التي اعتادت الإدارات السابقة استخدامها.

 ليس هذا السلوك جديداً. فالتاريخ الإمبريالي للدول الغربية لم يكن يوماً مكترثاً، في جوهره، بحقوق الإنسان أو الحريات أو الديموقراطية. ومع ذلك، شهدت مراحل سابقة قدراً من التحفّظ: نصائح خجولة، ضغوط محدودة، ومطالبات بالالتزام بالحد الأدنى من الحقوق. اليوم، تلاشى ذلك كله. تُرتكب في عدد من دول الشرق الأوسط انتهاكات فادحة لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، دون أن نسمع اعتراضاً أو حتى تحفظاً جدياً من العواصم الأوروبية، رغم أن كثيراً من هذه الدول كان خاضعاً تاريخياً للاستعمار البريطاني أو الفرنسي.

 تقول «فايننشال تايمز» إن «مسؤولين أوروبيين يعترفون بأن التناقض بين الخطاب والممارسة أضعف مصداقية الاتحاد الأوروبي كمدافع عالمي عن حقوق الإنسان». 

ويشير منتقدون إلى ازدواجية المعايير: 

تشددٌ مع دول صغيرة وفقيرة مثل ميانمار وكمبوديا، ولينٌ واضح أمام دول «أكثر أهمية استراتيجية». 

هنا، يخرس الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تماماً عن أبشع الانتهاكات حين تقع في دول تُصنَّف «استراتيجية». قد يُفهَم هذا الصمت بوصفه مراعاةً لمصالح اقتصادية آنية، لكن ماذا عن المدى البعيد؟ ماذا لو ثار شعب من شعوب المنطقة على الطغيان، كما حدث في الثورة الإيرانية عام 1979؟ أين ستذهب تلك المصالح حينها؟ أليس في هذا النهج قصرُ نظرٍ سياسي، حين تُنفى الأخلاق كلياً من عالم السياسة؟ إن ادّعاء الدفاع عن حقوق الإنسان، دون استعداد لتحمّل كلفة هذا الادّعاء، لا يفرغ الخطاب من معناه فحسب، بل يقوّض أيضاً الثقة العالمية في منظومة القيم التي يرفعها الغرب. فالمصالح قد تتبدّل، أما آثار الصمت - حين يُطبَّع مع القمع - فتبقى.



 

المصدر

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

حين نخشى القادم

آخر الكلام

 حين نخشى القادم 

حسن العيسى 

«عندما تفقد جماعةٌ ذاكرتها، يصبح أفرادها عاجزين عن معرفة بعضهم بعضاً. كيف يمكن لإنسان أن يعرف الآخر إذا كان قد نسي، أو لم يتعلّم أصلاً، حكاياته وقصصه؟ وكيف لهم أن يعرفوا إن كان ينبغي عليهم أن يثق بعضهم ببعض؟... أناسٌ لا يثقون ولا يتعاونون، بل أكثر من ذلك، يخاف بعضهم من بعض. وهذه محنتنا». 

هذه الكلمات لـ Wendell Berry، الشاعر والروائي الأميركي الذي يُستشهَد به كثيراً اليوم، وقد عبّر من خلالها عن رفضه للحداثة الرأسمالية وما أنتجته من تفكك في العلاقات الإنسانية داخل الولايات المتحدة ومجتمعات الغرب. غير أن هذه الكلمات، على اختلاف السياق، تبدو اليوم شديدة الانطباق على واقعنا الراهن، في ظل استفحال نزعات الاستعلاء والغطرسة، كما نراها يومياً في عدد من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. 

روح الفتنة والتعصب لم تنشأ من فراغ. 

هي وليدة ممارسات قديمة في بنية الدولة والمجتمع. لعلّ من أبرزها طريقة توزيع الدوائر الانتخابية وتقسيم المناطق، حين تحولت الجغرافيا من فضاء وطني جامع إلى أوعية فرز وعزل: منطقة لهذه القبيلة، وأخرى لتلك، وثالثة لطائفة بعينها. وبهذا أُنتج نائب لا يمثل الأمة، بقدر ما يمثل منطقته الضيقة، ويُنتظر منه أن يقدّم خدمات الواسطة والمحسوبية لا أن يدافع عن المصلحة العامة. 

ولا يقف الأمر عند حدود السكن والانتخابات، فحتى العمل في المواقع القيادية وشبه القيادية داخل عدد من المؤسسات العامة، بات في كثير من الأحيان محكوماً بمنطق التخصيص غير المعلن، حيث تُمنح بعض المناصب لجماعات محددة بوصفها امتيازاً أو «حقاً مكتسباً»، بلا سند حقيقي من القانون أو الكفاءة. 

أمام هذا الواقع، يبرز السؤال الجوهري: أين هي الذاكرة الجماعية للبلد؟ ومن أين لنا أن نعرف حكايات بعضنا بعضاً، إذا كنا قد حصرنا أنفسنا داخل هويات جانبية ضيقة، وأقمنا بيننا أسواراً نفسية عالية، كأننا جئنا من كواكب متباعدة لا من وطن واحد؟ 

عند هذه النقطة، يصبح الخوف مفهوماً. الخوف من الغد، ومن القادم من الأيام، ليس نابعاً من التشاؤم، بل من قراءة واقعية لمسار اجتماعي وسياسي يتغذى على النسيان والانقسام. 

نعم، لنا كل الحق في أن نخشى القادم، ما دامت الذاكرة المشتركة غائبة، وما دام التعارف والثقة يتآكلان لمصلحة الفرز والعزلة. والخشية، في هذه الحالة، ليست ضعفاً، بل هي إنذار مبكر.


الاثنين، 15 ديسمبر 2025

كلمات للتسلية

  آخر كلام       

كلمات للتسلية 



حسن العيسى

 من المحيط إلى الخليج، هو عالمنا العربي بكل أجزائه وبكل ذرة تراب به لا تجد فيه كلمة حرة، لا توجد فيه صحافة حقيقية، لا توجد فيه آراء تعبر عن واقع هذا الإنسان المهزوم والمستلبة إرادته، لا توجد فيه غير صور منمقة لأشخاص السلطة السياسية بكل غطرستهم وتعاليهم وهم في أوضاع مختلفة، يفتتحون مشروعاً اقتصادياً أو تجارياً وكأنه مفتاح لكنوز مخبأة اكتشفها صاحب السلطة، ستنقذ الشعوب من المستقبل المجهول. 

المستقبل ليس من شأن الناس، وليس من حقهم أن يفكروا فيه، المسؤولون هم مَن يقررون كيف يكون هذا المستقبل، وكيف يكون الفرق بين الصالح والطالح، فعند السلطات الحاكمة الشعوب لا تعرف مصلحتها، والأفراد أطفال لم ولن يبلغوا سن الرشد أبداً. 

المسؤولون هم من يحددون تلك السن بواحد وعشرين عاماً أو مئة عام، هم وشأنهم، وليس لأحد أن يحشر أنفه في شؤون الرعية... وإلا... فإن حراس السلطة في كل مكان يراقبون... يتابعون... ينهكون أنفسهم لخدمة الشأن العام والمصلحة العليا للبلاد والعباد.

 لماذا هناك مقالات وآراء تدور في فلك واحد في صحفنا العروبية؟ هل تحمل سطور جرائد هذا العالم أي فكر جاد ناقد؟ هل يوجد فيها ما ينقل آلام الناس وآمالهم؟ لا توجد أبداً! 

كتابات الرأي والزوايا هي استفراغ إثبات الوجود للهامشيين يرومون التأكيد لنا أنهم موجودون في ترع السلطة والمسموح، وجود زائف، زوايا «فل إن ذ سبيس» (املأ المكان بالكلمة المناسبة) هي التعبير الحقيقي للإعلام العربي. 

يحاول البعض أن يلبس كلماته رداء الثقافة، يتوهم أن ما لا يمكن قوله بالسياسة يمكن أن تحل مكانه الثقافة! أي ثقافة في أوطان تئن من الجهل المركب، ثقافة الأغلبية الفقيرة هي الجري خلف لقمة العيش الصعبة، أما الطبقة المتوسطة، ابنة المرفق العام، ففكرها تم تشكيله بمربع شاشة التلفزيون بالمسلسلات العربية وعبر قنوات هشك بشك، تعيد وتجتر أحداث خيالات حسن الإمام بنهايات الوهم السعيدة. 

هل لنا أن نحلم بعقل حر يكسر أغلال العبودية...؟ ممكن تخيل صاحبه منزوياً في ركن بزنزانة منسية في أوطاننا الحزينة، نسيه الناس فقد مسح من ذاكرتهم التي تعمل بالريموت كونترول بكف أصحاب السلطات العليا، كبسوا زر «أوف» حتى يوم غير معلوم.


السبت، 13 ديسمبر 2025

غياب العين الحمراء

آخر كلام       

غياب العين الحمراء 

حسن العيسى 

ثلاثة كُتّاب في عدد يناير/ فبراير «فورن افيرز» وضعوا إدارة الرئيس ترامب تحت المجهر، ليقولوا إن إدارة الرئيس الأميركي تمثل صورة حقيقية لما يسمى «الاستبداد التنافسي». 

في هذا النظام هناك انتخابات حقيقية لكن الرئيس يسيّس القضاء ويلاحق المعارضين عبر الأداة القانونية، ويمارس الضغط على الإعلام والمجتمع المدني، ويستخدم أجهزة الدولة لتخويف المعارضين.

 ويلاحظ الكتاب الثلاثة أنه في ظل هذه الإدارة يُطبّق القانون انتقائياً عندما تحولت السلطة القضائية من أداة استقرار للمراكز القانونية إلى سلاح سياسي ضد الخصوم، وأن هذا النظام استهدف صحفاً كبرى بدعاوى تشهير، وأنه سيّس الأمن وأجهزة الشرطة، فقد استخدم الحرس الوطني في عدد من الولايات دون موافقتها، ويرفض الكتاب أن يقال، ما يحدث الآن يمثل امتداداً طبيعياً لتاريخ أميركي قديم، مثل المكارثية ووترغيت وغيرهما، فوزارة العدل لم تُسيّس بهذه الصورة من قبل، ولم يحدث أن استُخدِم القضاء لملاحقة المعارضين السياسيين. 

وإذا كانت المحكمة العليا في الولايات المتحدة تاريخياً تمثل نموذجاً لفكرة الفصل بين السلطات، وحدّت من نفوذ السلطة الرئاسية حتى ولو كانت الأخيرة استهدفت الإصلاحات، كما حدث في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت، فالآن يظهر مع تشكيلة الأغلبية المحافظة للقضاة أنها أداة بيد الرئاسة الأميركية.

  المسألة الرئيسية للمقال، وهي الأهم والأخطر بالنسبة لدول عوالم القهر والاستبداد، أن الولايات المتحدة اليوم لم تعد تنظر «بالعين الحمراء» لممارسات تلك الدول الاستبدادية مع شعوبها، فهذا ليس من شأنها، ولا تكترث له طالما بقيت تلك الأنظمة المستبدة تدور حول المركز الأميركي وتحقق مصالحه. 

هذا ليس جديداً على «الواقعية الأميركية» اليوم، فأميركا منذ زمن طويل شجّعت وأيّدت أنظمة سلطوية طالما انتهت تلك الأنظمة لخدمة المصالح الأميركية، إيران والانقلاب على الإصلاحي محمد مصدق تمثل نموذجاً لا يُنسى، ودول أميركا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات - تشيلي كانت مثالاً - هي نماذج أخرى للواقعية الإمبريالية، لكن رغم ما سبق ذكره يبقى هناك حد أدنى تمثله «العين الحمراء» التي لم يعد أحد يراها اليوم، انتهاكات رهيبة لحقوق الإنسان تحدث في دول تستظل بالغمام الأميركي والأوروبي، ومع ذلك لا نسمع أي صوت، ولو كان نشازاً، من تلك الدول مُدعية حقوق الإنسان، يحذر من أن ما يحدث هو مسألة غلط وجريمة بحقوق الإنسان... 

الصمت واللامبالاة هما سمات عالمنا اليوم، وهذا أمر مخيف لكرامات خلق الله. 

الخميس، 11 ديسمبر 2025

حسرة على زمن مضى

آخر الكلام
حسرة على زمن مضى 
حسن العيسى 

شوارع طويلة ممتدة تتلاصق فيها السيارات كأجساد أفاعٍ لا تعرف أين تبدأ رؤوسها وأين تنتهي أذنابها، كوابيس من الأسفلت والحديد اشتبكت ببعضها لترسم صورة شوارعنا الخانقة. الدائري الخامس، الدائري الرابع، كل الدوائر مغلقة في بلد مختنق تماماً بزحمة هذا الجنون من السيارات، لا يوجد أحد في عربات قطارات الكآبة يعرف الآخر، الكل غريب.  

أين اختفت ساحات الأمس؟ أين رحلت فرجان أيام زمان؟ اندثرت مع مدنية بني نفط الخاوية، فرضت الغربة على أهل الوطن، فلا أحد له شأن بالآخر، ما يهم أنك وأسرتك مطمئنون الآن، ربما سمعتم عن أسرتي زيد وعبيد، يقولون إنهم لم يعودوا مواطنين، عرفتم الخبر «صدفة» من الجريدة الرسمية... ماذا حدث لهم...؟ لا ندري... يقولون ويقولون... لا ندري ماذا يقولون لكننا نعلم أنهم قالوا أمراً ما... لا يهم... نحن بخير الآن... لا ينقصنا شيء. 
المجمعات القلاعية مفتوحة ترحب بالمتسوقين... في مدن الأسمنت هذه، السائرون والجالسون في المقاهي لا يتسوقون... هم يجلسون ويتفرجون... الجيب لم يعد كما كان... تكلفة الحياة أضحت صعبة... لكن ليس هذا بذي شأن... الغلاء في كل مكان بالعالم... ما لم تجد لك مكاناً بسيطاً في «دكا» أو قرية هندية صغيرة يمكنك أن تحيا به وتصبح عندهم «إيلون ماسك» الخليجي. 
لا يوجد عمل غير الفرجة... لا تملك غير الفرجة... فيها نعمة وبركة... هناك تغيير وتجديد حين تشاهد نماذج من البشر، بعضهم يختلف عن الآخر... أبداً... لا يوجد خلاف... كلهم نماذج تسير ك «روبوتات»... اجلس وتفرج فستجدد حياتك الهرمة... الزمن يجري... ونهاية الطريق أكيدة تعرفها وتحاول أن تنساها... لا تحاول... لحظة الباي الباي قادمة.
 
فرح النقيب قالت منذ سنوات في كتابٍ لها عن التغيرات التي حدثت بعد النفط... حللت وفككت الكثير من عقد الانغلاق بين المواطنين وغير المواطنين، ثم بين المواطنين أنفسهم وعزل بعضهم عن بعض... لم ينصت لها الكثيرون... قالت: «... كانت المدينة بنية عضوية متشابكة، أسواق، ساحات، سواحل وأحياء، تشكل فضاء عاماً غنياً بالاختلاط والتعاون، حيث كان السكان متنوعين عرقياً ومذهبياً واجتماعياً، لكن تحكمهم شبكات القرب والاعتماد المتبادل...». انتهى كل هذا... الآن لا شيء غير شوارع الأفاعي المزدحمة بالسيارات المتلاصقة... لا ساحات ولا مكان للتنفس... الناس انطوت على ذاتها... لا يوجد جيران... لا يوجد أناس تعرفهم... لا أحد يعرف أحداً... ليست نوستولوجيا عن الماضي... هي حسرات على ضياع فريج وساحة ترابية...

الأحد، 7 ديسمبر 2025

كونوا شطاراً واسمعوا الكلام

آخر كلام       

كونوا شطاراً واسمعوا الكلام 

حسن العيسى 


اجلس، اقعد، لا تتحرك، ارفع عن كتفك الكوفية الفلسطينية، لا تهز رأسك فرحاً، لا تبتهج، «انثبر»، أنت في مركز جابر، هذه ليست حفلة كما تتخيلها، لا يهمنا سعر التذكرة التي اشتريتها لهذا الفنان الوافد الذي أراد أن يحتفي بدوره ويُظهر تضامنه مع أهل غزة ووضع الكوفية على كتفيه، فهو لم يحصل أساساً على موافقة الجهات المختصة لوضع الكوفية، تذكرة بخمسين أو ستين ديناراً، ادفعها واصمت.. كن صخرة جامدة.. كن شيئاً غير عضوي... كن جسداً بلا حياة.. ويلك إن حركت رأسك طرباً.. تضربك أشعة أقلام الليزر من حراس الرقابة من كل مكان.. لا تدري من أين، ترافقها كلمة اقعد.. اقعد أحسن لك.. المهم أن تصلك الرسالة... رسالة أن تكون بلا حياة.. بلا انفعال.. أنت «زومبي» في بلاد المرح والفرح.. آسف لا فرح ولا يحزنون... اضبط ذاتك وإلّا وإلّا... نعم ستكون «الديرة» بلداً سياحياً استثمارياً من الدرجة الأولى، هذا ما سنصنعه لكم، لا نريد مشاركتكم ولا آراءكم، فهي قد تثير الفتنة... قد تسيء لعلاقاتنا مع الغير... أطيعوا واسكتوا. تدجنوا.. إذا كنتم لا تعرفون كيف يتم ذلك فسنعلّمكم.. الكل مراقب أو قابل أن يكون موضوعاً للرقابة.. الرقابة ضرورية.. فهي تقيكم شر الفتن.. والفتنة أشد من القتل.. لا مكان للاعتراض... نحن نقرر، وعليكم أن تتقبلوا وإلّا... نعم لدينا رقابة أفقية... وسائل التواصل الاجتماعي تقوم بها، والآن نمارس الرقابة الرأسية ونحن نبدع فيها، فنحن في الأعلى وأنتم في الأسفل.... إنها تتشعب كأشعة شمس صيف حارقة من الأعلى للأدنى... الآن يمكن ضبط حركة الأجساد... فلا أحد سيصنع ما لا نريد... وقت قصير وستتعودون كل أنواع الرقابة، رقابة الفكر، رقابة الفرح، رقابة الكدر، رقابة في كل شيء... لا حاجة لنضع فوق رؤوسكم حراس الرقابة... فأنتم ستراقبون أنفسكم... «أولاد شاطرين» يسمعون الكلام ويتبعونه... شكراً لكم... ابتهجوا... افرحوا... ماذا تريدون أكثر من ذلك؟!


المصدر

مَن يتعظ؟!

   آخر كلام       

مَن يتعظ؟! 



حسن العيسى 

مهما بلغت الدول - أيّ دولة - من درجات التقدّم والرقي، تبقى النزعات العنصرية والفاشية كامنةً في بعض الجماعات، تتوارثها الأجيال كما لو كانت بقايا حمضٍ نووي ثقافي لا يموت.  

وفي لحظة غفلة، تتمكّن تلك الجماعات من الوصول إلى الحكم، فيطفو على السطح أبشعُ ما في التاريخ من صور الإقصاء والاستعلاء. 

هذا ما يُناقَش اليوم في الولايات المتحدة، التي تجد نفسها أمام سؤال أخلاقي وقانوني خطير: 

هل تُعدّ عمليات الإجهاز على الناجين من قواربٍ دمّرتها القوات الأميركية - بحجّة تهريب المخدرات من كولومبيا وفنزويلا - جريمةً واضحة وخروجاً على قواعد القانون الدولي؟ 

أم أنها، كما يفاخر وزير الدفاع الأميركي «ضرورةٌ لحماية الشعب الأميركي»؟ 

إن طريقة النظر إلى هؤلاء البشر - الذين لا ذنبَ لهم سوى أنهم وُجدوا على قارب خطأ في توقيت خطأ - بوصفهم «حشراتٍ مزعجة» يجب التخلّص منها، ليست سوى صورة مستعادة من أرشيف العنصرية والكراهية. 

والمؤسف أنها لم تعد استثناءً، بل باتت جزءاً من لغة إدارةٍ تظن أنّ الأمن يُصنع على جثث الضعفاء. 

وفي فرنسا، يتكرّر المشهد، فالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي كان قابعاً خلف القضبان بتهم تلقّي رشاوى، صرخ يوماً: «إمّا أن تحبّ فرنسا أو تغادرها». هكذا ببساطة، خطاب إقصائي مباشر، وجهٌ آخر للفاشية التي تُحوّل المواطنة إلى امتحان ولاء، لا إلى حقٍّ قانوني. 

ومع ذلك، لا تزال هذه النزعات - في الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما - مُحاطةً بشبكة من الآليات التي تُبطئ تمدّدها: محاكم مستقلة، مجتمع مدني، منظمات حقوقية. 

لكنّ السؤال الأهم: ماذا لو نجحت النخب المتشدّدة في ابتلاع تلك المؤسسات نفسها؟ 

هذا السؤال يُطلّ برأسه اليوم في الولايات المتحدة، حيث تراجع المحكمة العليا شرعية منح الجنسية لأبناء المهاجرين المخالفين لقوانين الإقامة، فإذا قضت المحكمة بإلغاء الحق الدستوري المكرّس بمبدأ «المواطنة بالولادة»، فإنها لن تنسف قاعدة قانونية فقط، بل ستمنح الشرعية لأعتى أشكال الإقصاء.

 سنوات ما بعد الحرب الأهلية الأميركية تقدّم درساً لا يُنسى: 

فإلغاء العبودية لم يُنهِ العنصرية، إذ بقيت قوانين «جيم كرو» تحاصر السود في المدارس والأماكن العامة عقوداً طويلة، فالقوانين قد تتغيّر، لكن الثقافة المتعالية داخل الجماعات المهيمنة قد تبقى راسخة، بل وتستمد قوتها من مزاج سياسي يُغذّي الخوف من الآخر.

 الأنظمة والجماعات العنصرية تلجأ دائماً إلى الأسطورة لتبرير استمرارها... أسطورة التفوّق العرقي، أو حقّ منحه «القدر» لفئة دون أخرى، أو وهمُ حماية الهوية من «الدخلاء». 

وهذه الأساطير ليست جديدة، لكنها - منذ تسعينيات القرن الماضي - اكتسبت طاقة جديدة مع انهيار الأنظمة الاشتراكية وصعود القطب الأميركي الأوحد، مما فتح الباب واسعاً أمام قوميات متشدّدة تعيد صياغة العالم على طريقتها.  إن صعود هذه الفاشيات الجديدة ليس مجرّد انحراف سياسي، إنه دمار كامل الدسم للمستقبل الإنساني. 

فالعالم المتشابك لا يحتمل هذه الرؤى الضيقة التي تقسّم الإنسانية إلى درجات، وتحوّل الحدود إلى أسوار نفسية قبل أن تكون جغرافية. مَن يتعظ؟!

المصدر

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

فقهاء كبار... وترزية

آخر كلام       

فقهاء كبار... وترزية 


حسن العيسى

من رحم الكلمة الألمانية «رايخستات» (Rechtsstaat) وُلد مفهوم دولة حكم القانون، ذلك الركن الأعلى في البناء الدستوري الحديث. 

كانت جمهورية فايمار المعمل الأول الذي تبلورت فيه الفكرة: الدولة لا تتقدم إلا إذا خضعت للقانون، والقانون بدوره لا يكون قانوناً إلا إذا كان معيارياً، يقف على قمة الهرم الدستوري، كما صوّره الفقيه النمساوي هانس كيلسن في نظريته الخالدة. 

لكن ما إن ننتقل إلى خصمه الشهير كارل شميت حتى نجد النقيض: تأسيس فكرة الاستثناء وأولوية القرار السيادي على القاعدة القانونية. هذه النظرية، التي بدت حينها جدلاً فلسفياً، ستتحوّل لاحقاً إلى أحد الأعمدة التي بنى عليها النظام النازي شرعية «الجماهير» فوق القانون. 

أما في مصر، قبل ثورة يوليو 1952، فقد كان المشهد مختلفاً. تسرّبت أفكار الدولة القانونية عبر فقهاء درسوا في ألمانيا وفرنسا، وفي مقدمتهم عبدالرزاق السنهوري، أحد أعمدة التشريع العربي في القرن العشرين.

 لم يستخدم السنهوري عبارة «دولة حكم القانون» نصاً، لكنه صاغ مفاهيمها بدقّة: مبدأ الشرعية، خضوع الدولة للقانون، الدولة القانونية. جوهر المعنى واحد، حتى وإن اختلف اللفظ. فالفكرة الألمانية ذاتها تشدّ جذورها إلى الثورة الإنكليزية المجيدة، حين نطق إدوارد كوك عبارته التي لا تُمحى من ذاكرة التاريخ: «القانون فوق الجميع». 

بهذه الكلمات وُلدت الحضارة الدستورية الغربية.

 وبهذه الكلمات نكتشف - مراراً - كم نحن بعيدون عنها في تقاليدنا وثقافتنا السياسية العربية. 

تأملوا المفارقة 

فقهاء كبار، مثل السنهوري، يبدعون ويضحون. الرجل ضُرب أمام مجلس الدولة بتحريض سياسي مباشر، لأنه دافع عن استقلال القضاء. 

وعلى الضفة الأخرى من عالمنا العربي، يظهر من يقدّم نفسه فقيهاً وهو لا يفعل أكثر من تفصيل مقاسات السلطة، تماماً كما يفعل «الترزية»، لكن بعمامة أكاديمية وشهادة عليا. 

مثلاً، كيف يمكن لمن يزعم الفقه القانوني أن يدعو لنسف مبدأ المساواة بين المواطنين؟ كيف يجرؤ أحدهم على إطلاق أحكام كارثية مثل الادعاء بأن «8

0 ألف مواطن حصلوا على الجنسية دون وجه حق»؟ أي فقه هذا؟ وأي دولة تتحمل هذا القدر من الشوفينية المدمّرة؟ 

ثم ماذا يبقى من أهل الكويت إذا صار المجتمع نفسه مشكوكاً في أصله وهويته؟ 

الدول لا تستقيم بالثروة ولا بالقوة المجردة، تستقيم بالأمان القانوني، ذاك الشعور العميق بأن العدالة مظلة الجميع. قد تمر الدولة بأزمات اقتصادية قاسية، وقد يتراجع النمو، لكن طالما بقيت قاعدة المساواة صلبة، وطالما علمت الأغلبية أن القانون - وليس الأهواء المريضة - هو الضمان، فإن الغد لا يخيف.

 أما حين يتحوّل «الفقهاء» إلى ترزية سلطة فحينها لا يتهدد القانون وحده، بل تهتز روح الدولة ذاتها.


المصدر

التنفس تحت الماء

 آخر كلام       

التنفس تحت الماء


حسن العيسى 

 

لا تعرف المنطقة العربية، ولا الدول التي تشبهها في معايير القمع وتكلّس مؤسسات الحكم، شيئاً اسمه دولة حكم القانون. فالتعبير في أصله يصف منظومة قانونية فعّالة تستند إلى أسس أخلاقية، ويهدف إلى تقييد السلطة وحماية الفرد من تغوّل الدولة. هذا جوهر فكرة Rule of Law، كما يوضح عزيز حق في كتابه حكم القانون: مقدمة صغيرة. غير أن السؤال يظل معلّقاً: كيف يمكن أن يتحقق ذلك في بيئات تفتقر إلى الحدّ الأدنى من استقلال القضاء وفصل السلطات؟ 

ولعلّ المقارنة بالمكارثية في الولايات المتحدة خلال الخمسينيات تكشف شيئاً من طبيعة الانهيار حين يتحوّل القانون إلى أداة رعب. فالسيناتور جوزيف مكارثي لم يبتدع نصوصاً استثنائية، ما فعله ببساطة أنه استغل القوانين القائمة في ذروة «الرُّهاب الأحمر» ليشنّ حملة مطاردة ضد كل مشتبه في ميله لليسار. جلسات استجواب، قوائم سوداء، اتهامات تشمل الفنانين والمثقفين في هوليوود - حتى شابلن وأرثر ميلر لم يسلما. صار المواطن مُداناً إلى أن يثبت العكس، وصار «العدو من الداخل» ذريعة تُعطّل الحرية العامة. 

لكن المكارثية - رغم قسوتها - لم تدم طويلاً، فقد انهارت حين وقف رجال شجعان في وجه ماكينة التخويف، أبرزهم المدعي العسكري جوزيف ويلش، الذي خاطب مكارثي بجملته الشهيرة: 

«ألا يوجد لديك أي قدر من الكرامة؟». 

عند تلك اللحظة، استعاد المجتمع الأميركي وعيه، وبدأت الحقوق المدنية تعود إلى مسارها الطبيعي.

 غير أنّ المكارثية لم تكن التجربة الوحيدة التي كشفت كيف يمكن للقانون أن يتحوّل إلى سلاح. ففي الفلبين، أطلق الرئيس السابق رودريغو دوتيرتي حربه المفتوحة على تجارة المخدرات، مانحاً الشرطة ضوءاً أخضر لقتل كل مشتبه فيه. وبحلول 2019، كانت حصيلة القتلى - وفق تقارير الشرطة نفسها - تقارب 19 ألف إنسان، كثير منهم لم يكن إلا عابر طريق، صادف وجوده في المكان الخطأ. 

هل يمكن تسمية هذا حكم قانون؟ 

هل الشرعية السياسية تمنح الحاكم حق تحويل الشبهة إلى حكم إعدام ميداني؟ 

حكم القانون لا يعني مطلقاً محاسبة الناس على النوايا، ولا على زلات اللسان، ولا على ما «تتوهمه» أجهزة الأمن، بل يعني وجود سلطة تُحاسَب، وقضاء مستقل، وصحافة حرة، ومجتمع مدني قادر على أن يقول «لا». وهذه كلها افتقرت إليها دولنا، خصوصاً بعد وأد ما تبقى من مبادرات المجتمع المدني عقب الربيع العربي - ذلك الحراك الذي كان محاولة إصلاح أكثر منه ثورة سياسية مكتملة. 

أمام هذا المشهد الرديء، قد يبدو السؤال مخيفاً: ما العمل؟ كيف يمكن للإنسان العربي أن يتنفّس، وهو واقعٌ في بيئة تعتبر الحرية رفاهية، والحقوق كماليات، والاعتراض جريمة؟ 

ربما لا يجد المرء ما يعبّر عن حاله إلا ما غنّاه عبدالحليم حافظ:

«إنّي أتنفّس تحت الماء... إنّي أغرق... أغرق».

المصدر


الاثنين، 1 ديسمبر 2025

لحظة انفعال

  آخر كلام       

لحظة انفعال 

حسن العيسى 

 إعدام، سجن مؤبّد، «لن ترى النور ولو في قبرك»، غرامة مليون - «لا يا شيخ، خلّها مئة مليون... معقولة». 

أمن دولة، مباحث، مخابرات، تغريدات تهزّ «الأمن الوطني» وتهدّد «مصلحة الدولة العليا» - قاموس كامل يُلقى في وجهك قبل أن تخطو خطوة واحدة خارج الطائرة. 

أتيت من بلدٍ يُباح فيه كل شيء ما دمت لا تضرّ أحداً، فإذا بي أصل إلى مطار الكويت العظيم... لأكتشف سريعاً أن النور هنا يُقاس بعدّاد مختلف. 

«قف هنا». 

«انزع الحزام الذي يحمل شنطتك الصغيرة». 

الشنطة التي لا تحتوي سوى محفظتك ومفتاح سيارتك، لكن لا بأس... العامل البنغالي سيحملها نيابة عنك بكل لياقة ليمرّرها عبر جهاز الأشعة «سي تي سكان» - جهاز تمت استعارة نسخته المصغّرة من مركز حسين مكي جمعة للكشف المبكر عن الأورام... فقط للتأكد مما إذا كانت الشنطة تحمل «زجاجة بلاك ليبل»، ذلك الورم الخبيث الذي يهدد السياحة العليا والاستثمارات الفائقة التي جعلت بلادنا تنافس سويسرا وبريطانيا والنمسا، بل وحتى جزر الواق الواق، كما كانت تخبرنا أخبار جهينة عبر إذاعة الكويت التي «تُنير كل بيت». 

طبعاً البلاك ليبل منكر مُحرّم، ووجوده يدمّر السياحة التي تشكل - بعد القرارات الحكومية المتسامحة - ثلاثة أرباع الدخل القومي... 

السياحة والاستثمارات لدينا أكثر من عشرين أو خمسين مرة في الخليج، وأكثر من ألف مرّة من سويسرا، وأكثر من بريطانيا والنمسا وأكثر من القدرة على التنفس. 

ولا تنسَ - وأنت تمرّ بالجهاز - أن تؤدي التحية الصامتة لعدد من الجناسي المسحوبة، فستجد الخبر هو ختمة معظم صحفنا الدسمة بالأخبار الحكومية المفرحة، فرحت أو لطمت، مَن يكترث؟ 

فقد اتخذوا القرار وانتهى الأمر. فالتحية هنا ليست واجباً وطنياً بقدر ما هي ختام «سويت» يجب أن تتعوّد عليه معدة المواطن من الآن فصاعداً. 

أما أهالي تلك الدول «المتخلفة»، فهم ما زالوا حتى اللحظة يفكّرون كيف يطوّرون قوانين الأحوال الشخصية. 

يا حرام، هم لم يتنعّموا بعد بما وصلنا إليه نحن من «المعايير العالمية للرقيّ والحريات»، ولم يتسنّ لهم أن يقولوا للمرأة: «انثبري في البيت حتى يرجع الزوج من الديوانية بعد كوت بوستة». 

لا تنسوا «الوصية الواجبة» - ذلك الحدّ الأدنى للعدالة الاجتماعية - فقد كانت يوماً «اجتهاداً شرعياً» لم يعترض عليه أحد من الفقهاء، قبل أن يكتشف «فقه الإسلام الرسمي» فجأة - وبقدرة قادر - أنها دخيلة على عاداتنا وتقاليدنا، تماماً مثل شجرة عيد الميلاد أيام التحريم العظيم. 

انتهى المجلس... ولم ينتهِ الفكر المزايد ولا الثقافة الاجتماعية. 

ولأن «الدنيا ربيع والجو بديع» - الأغنية التي غنّتها سندريلا الشاشة في أيامنا الجميلة - فقد نجد مَن يغنيها لنا اليوم إذا وجدنا مخلوقاً من الجينات الفنية للراحلة نجمة إبراهيم ملقاة في جهاز ال CT Scan، نسيها أحدهم وهو يصفّق فرحاً بالمطار الحضاري العظيم. طوّروا تلك الجينات، لعلّها تُنجب لنا مخلوقة فرانكشتاينية - آخر منتجات «ريا وسكينة» - تغنّي: «الدنيا ربيع... والجو كسيف». 

وكل عام وأنتم بخير.


االمصدر

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

عالم وينستون العربي

 عالم وينستون العربي 


حسن العيسى
 

 في رواية جورج أورويل «1984» يعيش وينستون سميث تحت عين الأخ الأكبر، في عالم لا مكان فيه للصدق أو الحرية، حيث اللغة نفسها تُفكَّك لتُعاد صياغتها بما يخدم السلطة. 

لكن السؤال الأكثر وجعاً: أليس الوطن العربي، بمجمله، هو عالم أورويل ذاته؟ 

صحيح أن درجات القمع والرقابة تختلف من بلد إلى آخر، إلّا أن شعار «الأخ الأكبر يراقبك» يلاحق وينستون العربي في كل زاوية من حياته. بل إن التوصيف الأدق ربما يكون: «الأب الكبير يراقبك»، في عالم قمعي بطركي يتحكم فيه الأب السيد بكل تفاصيل الحياة العامة والخاصة. 

الأب هنا ليس حنوناً، ولا يسعى لمستقبل أبنائه، كما يتوهم البعض، بل لمستقبله هو، لصورة سلطته كما يتخيلها هو. فالإنسان العربي الواعي مطالَبٌ دائماً بإلغاء عقله، بتعطيل وعيه، لأن الثقافة حين تنطق تُصبح خطراً على الدولة الأبوية، ولأن الكلمة الحرة هي الخطيئة الكبرى في ممالك الطاعة. 

يحيا وينستون العربي دائماً وهو تحت عين الكاميرا، عين المراقبة التي لا ترمش. 

وإن كان موظفاً في «وزارة الحقيقة» أي الإعلام فإن مهمته ليست قول الحقيقة، بل إعادة تشكيلها بما يتناسب مع رواية السلطة. 

التاريخ يُعدّل، والوقائع تُقلَب، واللغة تُمسخ لتخدم «الأب المهيمن». 

وفي النهاية، لا قيمة لوينستون في معادلة الدولة، فهو مجرد موظف صغير من الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى في بلاد الموظفين. 

وجوده أو غيابه لا يغيّر شيئاً، إنه بُرغي زائد عن الحاجة في ماكينة القطاع العام الهائلة، ماكينة تدور لتعيد إنتاج الخضوع فقط. 

الدولة نفسها لا تختلف عن القطاع العام، لا بل هي القطاع العام بعينه. 

هي ماكينة عملاقة تحرّك الحياة اليومية لجهاز بيروقراطي مستبد يملكه الأب ملكية مطلقة. يعيّن مَن يشاء، ويمنح الرواتب والمعاشات، ويوزع الامتيازات كما يوزع الولاءات، ويراقب الجميع كما لو كانوا تروساً في مصنع واحد. 

مصنع لا ينتج شيئاً سوى علب الطاعة المعلّبة، تُوزع مع الرواتب الشهرية، ممهورة بختم الولاء الأبدي. هل يمكن أن يتغير عالم وينستون العربي؟ 

ربما. 

فقد كانت هناك محاولة حين تمرّد هذا العالم في ربيع 2011، طلباً للخبز والحرية. لكن الحلم تعثّر، وانقلب الربيع إلى خريف طويل. 

عاد الأب الراعي إلى صهوة الحكم بقبضة أشد وأقسى. 

انتصرت الثروة على الثورة، أو ربما لم تكن ثورة بالمعنى الكامل، بل محاولة إصلاح عفوية وذلك، كما يقول بعض المحللين - كان الخطأ التاريخي الأكبر. في النهاية، لا يزال وينستون العربي يعيش في عالمه المقموع، يحلم أن يكتب الحقيقة دون خوف، أن يرى العالم بلا كاميرات ولا شعارات مزيّفة. 

لكن حتى إشعار آخر، ما زال صوت الأب الكبير يهمس في أذنه: 

«احذر أن تفكر بصوت عالٍ، فالكلمات أيضاً لها عيون».



الثلاثاء، 14 أكتوبر 2025

أكره اللامبالين

آخر كلام     

أكره اللامبالين 


حسن العيسى 

 تشاهد وتتابع بملل متعالٍ مناظر كارثة إنسانية عبر شاشة تلفزيونية أو تقرأ خبراً صحافياً عن آلاف البشر يموتون من حرب ظالمة أو زلزال مدمر، أو قد تراقب مجاعة مدمرة كتلك التي تحدث في غزة أو بالسودان أو أي بلد مبتلى من حكامه أو من عصابات مسلحة لها شهواتها السادية في الحكم، فلا تكترث، بل تكمل حديثك الجانبي، ويظل فمك مشغولاً يفرم طبقك، وتبقى كما أنت بوجه جامد كتمثال أبي الهول لا تعابير ولا اكتراث. 

وإذا كنت تتخيل بوهم كاذب أنك كاتب مرموق أو صاحب فكر – هو فكر خاوٍ- فتبدأ تنظر وتحلل أوضاع المأساة وتتلمس الأعذار ليس للناس المنكوبين بحالهم، بل لأنصاف المتعلمين وجهلة التاريخ لتريحهم من عبء المسؤولية الإنسانية وتظل بدورك تتلذذ ببؤس وضحالة حالك، فأنت مارست «سوء الطوية» بتعبير سارتري (نسبة لسارتر) وتلبسك الدور الزائف الذي سعيت إليه فأصبح جزءاً من ذاتك المتغطرسة.

 الإعلامي الأميركي كريس هيدجز ناضل عقوداً من أجل القضايا الإنسانية، وكرّس حياته الإعلامية لفضح ممارسات النظام الإمبريالي والصهيونية وفقدَ بالتالي عمله كعقوبة لمواقفه الشجاعة، وقد كان أفضل مراسل لصحيفة نيويورك تايمز، لم يتحسر ولم يندم، بل صمد ببطولة على رأيه، وكان يقول إن أصحاب البلايين هم بشر خالون من مشاعر العطف المشارك، الكلمة بالإنكليزية هي «إمبثي» وهي روح المشاركة الصادقة مع المنكوبين وليس «سمبثي» أي مجرد التعاطف معهم. 

قبل مئة عام كتب المناضل الإيطالي المفكر غرامشي عدة مقالات جُمعت فيما بعد بكتاب «دفاتر السجن». ثم قدم لمجموعة منها وراجع ترجمتها العربية محمد ايت أحمد، وكان عنوانها «أكره اللامبالين». 

فيها فكك غرامشي بنية اللامبالاة وحلل شخصية اللامبالين. 

حدد المبالاة بأنها «... الافتقار إلى العمق الروحي وتبلد الإحساس وانعدام التعاطف الإنساني... و(اللامبالاة) هي انعدام الخيال الدرامي». 

الله يحفظكم من عنجهية وغطرسة اللامبالين، فهم أصنام بأشكال بشرية تمشي على الأرض. 

الجمعة، 10 أكتوبر 2025

غزة بين الغدر والتفاؤل الحذر

  آخر كلام      

 غزة بين الغدر والتفاؤل الحذر 

حسن العيسى 

لم يكن الغدر الإسرائيلي ونقض الاتفاق الأخير مع حركة حماس مفاجأة لأحد، فتاريخ إسرائيل حافل بخرق اتفاقيات الهدنة والسلام، وغالباً بغطاء أميركي أو بصمت دولي مريب. 

ومع ذلك، ورغم مرارة التجربة، لا نملك اليوم سوى التفاؤل الحذر. 

فالمأساة الغزّية مستمرة منذ أكثر من عامين، وحصدت ما يقرب من سبعين ألف قتيل — معظمهم من النساء والأطفال — وسط مجاعة خانقة ودمار شامل. 

ليس لأحد أن يزايد بشعارات البطولة من بعيد، فكما يقول المثل: «الذي يده في النار ليس كالذي يده في الماء»، وأهل غزة أيديهم وأجسادهم في النار منذ سنوات، وبطونهم تتلوى من الجوع. 

لذلك، فإن أي خطوة تخفف مأساتهم أو تفتح باباً لإنهاء هذا الكابوس يجب أن تُبارَك دون تردد. 

من البديهي توقّع نقض إسرائيل للاتفاق أو التلاعب بتفسير بنوده وشروطه، لكن ما البديل اليوم؟ 

ليس أمامنا إلا أن «نلحق الكذاب إلى الباب»، علّه هذه المرة يتوقف عن الكذب والغدر. 

فالتاريخ السياسي العربي منذ الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية هو تاريخٌ طويل من الخيانات والعهود المنكوثة من القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة التي ورثت عنهما سياسة الخداع والسيطرة في الشرق الأوسط وسواه. 

الكاتب وضابط الاستخبارات السويسري جاك بود قدّم قبل خمس سنوات كتاباً لافتاً بعنوان «السيطرة بواسطة الأخبار الكاذبة»، عرض فيه نماذج لعمليات التضليل الدعائي التي مارستها القوى الغربية والولايات المتحدة لتبرير تدخلاتها. 

من حكايات الجنجويد في السودان، إلى قصف سورية بصواريخ «توماهوك» عام 2017 بذريعة استخدام السلاح الكيماوي، مروراً بصناعة تنظيم القاعدة في أفغانستان لتبرير الغزو. 

وفي لقاء حديث على «يوتيوب»، قدّم بود تحليلاً دقيقاً لما يجري في غزة، يفضح فيه لعبة السرديات الإعلامية الغربية ولعبة الغرب في الضحك على الذقون، وستكون لنا وقفة تفصيلية في مقال قادم.


حسن العيسى 

 10-10-2025

السبت، 25 مايو 2024

سيف دوماكليس

  آخر كلام      
 سيف دوماكليس 
       حسن العيسى

يحكى أن دوماكليس كان من جلساء الملك الإغريقي ديونيس، ملك سيراكيوس، وكان جباراً رهيباً، وأخذ دوماكليس يثني ويغبط الملك بأن حياته كملك عظيم طيبة وسهلة، فهو ملك مطاع، ويمكنه أن يملك كل ما يشتهي، فاقترح عليه الملك أن يبدل الدور مع جليسه دوماكليس فيكون ملكاً فترة محدودة. 

فرح دوماكليس بحياة الرفاه والرغد التي يتنعم بها الملك، فهناك الشراب والأكل دون حدود، لكنه لاحظ فجأة أن سيفاً معلقاً فوق رأسه، ومربوطاً بشعرة من ذيل حصان، ذعر دوماكليس وطلب من الملك إعفاءه من بقية المدة.

 كانت رسالة الملك ديونيس لدوماكليس واضحة، فالسلطة لا توفر لصاحبها الراحة والدعة التي يتخيلها الناس، بل هي مسؤولية وعبء ثقيلان، والخطر من أعدائها يهددها دائماً. وكما تقول القاعدة الفقهية الإسلامية «الغنم بالغرم»، فكما تغنم من أمر ما ستدفع ثمنه ربما فيما بعد. 

يمكن تصور سيف دوماكليس المعلق بشعرة، لا يقتصر على صاحب السلطة ملكاً أو رئيساً أياً كان، يمكن أن نتخيله كمصير أكيد لكل من يتصدر أي موضوع في الشأن العام، فالكاتب الصحافي والأديب والمثقف الذي يتبنى قضايا وطنية، ويرى ما هو أبعد مما يراه العامة، ويتلمس بحساسية مرهفة قضايا الحريات والحقوق الإنسانية، هو يحيا في خطر سيف دوماكليس بصورة مستمرة، في أنظمة عالمنا الثالث المنكوب في أرزاق بشره وحرياتهم يبقى هذا السيف رمزاً مخيفاً لكل من يقول كلمة «لا». 

سيف دوماكليس يرمز إلى القلق والهواجس الدائمين حين تسدل ستائر الظلام على النفوس، فلا يعرف صاحب الرأي أين يقف وأين ينتهي. حكم القانون في الدول المدنية المتقدمة يزيح هذا السيف جانباً، لتحل مكانه المحاكم المستقلة، حين تطبق نصوص القانون والعدالة، ويحيا الإنسان الحر عندها بطمأنينة وسعادة الحرية.