‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. فتحي الشوك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. فتحي الشوك. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 7 مايو 2023

لم تنته الحكاية غدا تطير العصافير

 لم تنته الحكاية غدا تطير العصافير

د. فتحي الشوك

في موطن الدّعوة، دعوة الخير والسّلام والنّور والحياة تعلو أصوات تدعو للشرّ والقتل والظّلمة والموت لمن أراد أن يحيي الدّعوة ويعيد لها إشراقها وينفض عنها ما أصابها من شوائب وأدران، سلمان العودة هو مثال وقدوة وهو ليس وحده فمثله العشرات مثل نجوم تضيء في ديجور الظّلمات، الطّريفي، القرني، العمر، الحوالي، العودة وآخرون كلّهم سلمان: سلم للدّارين، وكلّهم العودة، عودة للدّعوة في نسختها المشعّة النّقية الأولى واستعادة لروحها ومقصدها. كتب سلمان ذات مرّة: "إنّ صفاء النّفس، وسلامة القلب من الحقد والجسد، حبّ الخير للنّاس، الفرح بإشراقهم ونجاحهم هي أعظم رصيد لسعادة الدنيا والآخرة"، كتب ذلك في كتابه: "أنا وأخواتها" وسنكتب هذه المرّة عن سلمان العودة وإخوانه، ما الّذي يجعلهم مطاردين، مستهدفين من قوى الظّلم والطّغيان والجهل والظّلمة؟

سلمان العودة دعوة حيّة تتنفّس:

ولد سلمان بن فهد بن عبد الله العودة الجبري الخالدي في 14 ديسمبر (كانون الأوّل) من سنة 1956 بقرية البصر، غربي مدينة بريدة في منطقة القصيم، له دكتوراه في السنّة وهو أستاذ جامعي، باحث ومفكّر، ذو إنتاج غزير وحضور إعلامي مميزّ وهو جدّ مؤثّر، له أكثر من 25 مليون متابع على صفحته في تويتر وله مؤلّفات عدّة (أكثر من 62 كتابا) ذات مواضيع متنوّعة إذ تطرّق إلى المشاكل الّتي تهمّ حياة المسلم المعاصر، تحدّث عن الحرّية وبناء الإنسان وعن الإصلاح والثّورة والمؤسّسات والوطن وهو ما يعتبر تجاوزا للخطوط الحمراء وتناولا للمحظورات والمحرّمات ممّا جعله في مرمى سهام السّلطات الّتي كان يمثّل تحدّيا لها فحاصرته وطاردته وسجنته وسعت جاهدة لإخراس صوته أو كسر إرادته وإعادته إلى طريقها "السّوي المستقيم"، قطيع المصطفّين المستكينين المسبّحين بحمد السّلطان فكان عصيّا عليها أبيّا، أقصى ما فعله نصح ودعاء بإصلاح الحال وهو ما لا يكفي لإبراز الولاء والطّاعة كبرهان.

كتب الدكتور العودة ذات مرّة في كتابه "لو كنت طائرا": سألني فتى عن أهمّ أحلامي؟ فقلت أن أموت وأحلامي تنبض بالحياة، وتواجه التحدّي، تنفخ ضمائر الأمل في قلوب اليائسين والبائسين والمحبطين

يقول الدكتور العودة: "أغلى شيء عندي هو حرّيتي، الحرّية لا تريد أن يصادرها لا حاكم ولا تابع"، هو حرّ يدعو إلى تحرّر الإنسان فمن الطّبيعي أن يكون مستهدفا مّن قبل من لا يؤمنون لا بحرّية ولا بإنسان، فقد حرموه منها لسنوات وهو خبر السّجون والجلّادين فقد اعتقل سنة 1994 لتوقيعه مذكّرة النّصيحة ضمن حملة اعتقالات واسعة شملت دعاة وناشطين طالبوا بإجراء إصلاحات قانونية، اجتماعية، إدارية وإعلامية وكان من بين المعتقلين الدكتور سفر الحوالي، الدكتور عوض القرني والدكتور ناصر العمر، ليفرج عنه بعد خمس سنوات ليتمّ اعتقاله مؤخّرا في 10 سبتمبر2017 بعد نشره لتغريدة على حسابه بموقع توتير يقول فيها: "ربّنا لك الحمد لا نحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك، اللّهمّ ألّف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم".

 

كانت دعوة للتّآلف وجمع الشمل حينما لاح أمل لانفراج الأزمة الخليجية فكانت الإجابة من دعاة الفتنة والفرقة والتّصعيد الاختطاف والسّجن، هو ما كشفه نجله الدكتور عبد الله العودة والّذي كشف أيضا بعضا من ممارسات الجلّادين لكسر أرادته، إذ عانى من الإهمال الطبّي وتعرّض للتعذيب النّفسي والجسدي وهو غير مستغرب في نظام سلطوي قمعي يعيش صراعا محتدما على كرسي الحكم يطمح لأن يعتليه مراهق مغامر تجرّأ على وضع أمّه تحت الإقامة الجبرية وسجن أبناء عمّه وبعضا من أهلة، فكيف ببعض الأصوات الدّاعية للإصلاح والمغرّدين خارج السّرب؟

فالإصلاح ومحاربة الفساد والخوض في الشّأن العام هي مجالات حصريّة لوليّ الأمر ومطالبته بذلك ولو تلميحا هو كفر بوّاح وشرك صريح بصلاحيات السّلطان اللّامتناهية قد يستحقّ من يطلقها السّجن أو القتل "تعزيرا" درءا للفتن وحماية لوطن صار وثنا واختزل في شخص أحد لا يماثله أحد. والإصلاح مثلا لا يجب أن يتجاوز حدود تعويض هاتف نوكيا بايفون، أو في منح الجنسية لروبوت، أو السّماح للمرأة بقيادة السيّارة أو في إجازة الرّقص والغناء وهي حسب مفتيي البلاط من أعمال الشّيطان إلاّ إذا كانت خالصة لوجه السّلطان. أمّا محاربة الفساد فهو عنوان لجمع الأموال ليجد السّلطان ما ينفقه على يخوته وقصوره، ما يدفعه لشراء ذمم منافسيه وخصومه.



الدكتور سلمان العودة دعوة باقية وستبقى:

يمثّل الدّكتور العودة وأمثاله، أصوات الحكمة والاعتدال، دعاة للخير والإصلاح وهم يمثّلون الأمل في إنقاذ سفينة السّعودية المستهدفة والمعرّضة للغرق وسط عواصف هوجاء تواجهها من كلّ جانب، وسيلتهم في ذلك النّصيحة وممارسة حقيقية للأمر بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وفي تطبيق حرفي لقول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِر"، الشّيخ العلّامة سلمان العودة وإخوانه ليسوا بدعاة تقليديين، هم دعوات تمشي على الأرض، لا يحتاجون إلى قلقلة في النّطق ولا إلى تزويق أو تنميق أو تسويق.

 

فيكفي أن تشاهد العودة وهو يصفّف شعر بنيّته ليعوّض أمّها الفقيدة ثمّ وهو يحمل ابنه على كتفيه وهو يحاوره حول وفاة أمّه ويزيل عنه بعض حيرته، من يتذكّر كيف كان يحاور وكيف لا تغادر الابتسامة ثغره سيكتشف أنّ خطواته وسيرته مستلهمة من خالص صفاء سيرته: سيرة الحبيب المصطفى ومن من سار على دربه من أصحابه وأحبّته.هو رجل من طينة الرّجال الّذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى:"مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (23 الأحزاب).

كتب الدكتور العودة ذات مرّة في كتابه "لو كنت طائرا": سألني فتى عن أهمّ أحلامي؟ فقلت أن أموت وأحلامي تنبض بالحياة، وتواجه التحدّي، تنفخ ضمائر الأمل في قلوب اليائسين والبائسين والمحبطين. هكذا اختزل أحلامه في بلد يعتبر فيه الحلم جرما، كلام لا يروق لخفافيش الظّلام وأعداء الحياة لذاك كان هدفا لسهامهم وفخاخهم، قد يكونون نجحوا في وضعه في قفص مظلم لكن يستحيل أن تمنع القضبان من تسلّل الشّعاع. قد يستمرّ ظلمهم لفترة لكن أكيد لن يقدروا على قتل الفكرة. لا تخشوا من اشتداد ظلمة اللّيل فتلك بشائر فجر جديد.. وسنقول ما قاله الدكتور ونعيد: "لم تنته الحكاية غدا تطير العصافير".


الاثنين، 24 سبتمبر 2018

My Incredible Story by Ghanim al Muftah (English)الفتى المعجزة.. غانم الرّابح دائما!

الفتى المعجزة.. غانم الرّابح دائما!



د. فتحي الشوك
طبيب
أدرجت وزارة التربيّة والتّعليم الكويتية قصّة الفتى القطري المعجزة غانم المفتاح ضمن منهاج اللّغة الإنجليزية لطلّاب الصفّ الثّامن، وقد كانت لهذه الخطوة صداها الواسع، فقد أثلجت صدور الكثيرين من محبّي هذا الفتى والمتعاطفين معه وقد تكون أغضبت بعضا ممّن في قلوبهم مرض. فكيف تحوّل هذا الفتى الحامل لإعاقة جسدية بالغة جعلته بنصف جسد تقريبا إلى شبه أسطورة ومثال يحتذي به في تحدّي الإعاقة؟ وكيف نافس وتفوّق على الأصحّاء وأصحاب الأجساد المكتملة؟
غانم المفتاح.. قصّة تحدّي ونجاح:
ولد غانم المفتاح في 5 مايو آيار2002 وهو مصاب بمتلازمة التّراجع الذّيلي (syndrom caudal regression) وهو عيب خلقي نادر يحدث بمعدّل واحد لكلّ 25 إلف شخص، ويتميّز بنموّ غير طبيعي للجنين في بعض أجزائه وخاصّة الأجزاء السفليّة من العمود الفقري، وغالبا ما يغيب العجز والعصعص مع تشوّه في الفقرات القطنية وقد يترافق مع تشوّهات في الجهاز البولي والتّناسلي ممّا قد يؤدّي إلى الفشل الكلوي، كما يمكن أن يبرز في مراحل تقدّم المرض قصور في التنفّس نتيجة لتشوّه في فقرات العمود الفقري الصدري. أمّا عن أسبابه فهو مرتبط أساسا بإصابة الأمّ بمرض السكّري خلال حملها وله أسباب جينية مردّها طفرة جينية تمسّ الجين HB9.

هو مرض "ثقيل" وإعاقة شديدة، ممّا يتطلّب رعاية صحّية (جسدية ونفسية) مكثّفة وإحاطة عائلية واجتماعية لامتصاص أثار المرض الحسّية والمعنوية ولتمكينه من اكتساب بعض الاستقلالية الذّاتية ومن الاندماج في مجتمعه. تلك قصّة مرض الغانم، أمّا قصّته فمختلفة تماما فهو لم يكتف بمجرّد التّعايش مع إعاقته الشّديدة بل يبدو أنّه انتصر عليها وقهرها حيث كافح مع أسرته ليفرض وجوده في مجتمعه وليتحوّل إلى رمز للتحدّي والإصرار والنّجاح، مولّدا شحنات إيجابية ليس فقط لذوي الاحتياجات الخاصّة بل وللأصحّاء أيضا.





عندما ترى غانم وهو يتحدّث بسلاسة وطلاقة، عارضا أفكاره، عندما تشاهده يبتسم ويضحك، يمرح، يسجد ويلعب، يقرأ ويكتب، تكتشف أنّك بحضرة "فلتة وفتى غير عادي استحقّ عن جدارة لقب "قاهر المستقبل الخليجي" بل هو كذلك على المستوى العالمي إذ أنّه وللأمانة لم يتواجد طفل بمثل إعاقته حقّق ما حقّقه من نجاحات، ولو كان متواجدا في الغرب لحوّلت قصّته إلى أفلام ولكان مثالا يدرّس في كلّ المدارس. تحوّل غانم من إنسان ذي احتياجات خاصّة يتطلّب رعاية ومساعدة خاصّة إلى إنسان يقدّم المساعدة والرّعاية لأمثاله من ذوي الاحتياجات الخاصّة وللأصحّاء أيضا. أنشأت أمّه سنة 2008 نادي غانم الرّياضي للسّماح لكلّ الأطفال من ذوي الإعاقة أو الأصحّاء بممارسة الألعاب الرّياضية.
لغانم كتب ومنشورات تحفّز على النّجاح وتحدّي الإعاقة والصّعوبات، وهي ملهمة للجميع، فقد كتب في مقدّمة كتابه "غانم الرّابح دائما" الّذي طبع بواسطة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في قطر: "اسمي غانم، طفل قطري، ولدت في دوحة الخير، عاصمة قطر، وتنسّمت ربيع بلادي، في لغتي: يعني اسمي الرّابح دوما، ولنقرأ ولنسمع حكايتي الجميلة". قام غانم بإنشاء جمعية "غانم الرّابح للكراسي المتحرّكة"، وهي جمعية أهلية يوزّع من خلالها الكراسي المتحرّكة على من يحتاجها. صار غانم مؤثّرا، وتجاوز مرحلة إثارة الشّفقة والعطف لدى الآخرين إلى استثارة النّشاط والتحدّي لديهم، صار علامة مميّزة للنّجاح وتخطّي الصّعاب. سمّي سفيرا للنّوايا الحسنة من قبل مؤسّسة "أيادي الخير نحو آسيا" كما تمّ اختياره من قبل مركز قطر للمال ليكون سفيرا دعائيا لها.

تمّ إدراج قصّة الفتى ضمن المناهج التعليمية القطريّة (منهاج الصفّ الأوّل ثانوي بمادّة المهارات الحياتية المهنيّة، ليقع نفس الشيء منذ أيّام من قبل وزارة التربيّة والتّعليم الكويتي الّتي جعلت قصّته ضمن منهاج الصفّ الثّامن إنجليزي، وهي بادرة طيّبة كان يمكن أن تعمّم خليجيا وعربيّا لولا ما نعيشه من فرقة وتشرذم وبثّ لروح الكراهية والحقد وتمزيق مريع لنسيج من المفترض أن يكون واحدا. قصّة غانم كان من الممكن أن تكون قصّة جامعة، تبثّ الأمل وتحفّز على العمل والتحدّي في وقت عصيب ساد فيه الكسل والإحباط واليأس وكان عنوانه الفشل. كان يمكن أن تلحق في جميع المناهج التّعليمية العربيّة والإسلامية وأن تكون موضوعا لأفلام كرتون وإعمال تلفزيونية وسينمائية تسوّق عالميا ليشاهد العالم أنّنا أمّة تعشق الحياة ولها مشروع ويمكنها أن تساهم في إثراء الحضارة الإنسانية.

غانم المفتاح.. كيف غنم وبأيّ مفتاح؟
أعتقد أنّ سرّ نجاح هذا الفتى المعجزة يكمن في بيئته، فما كان لغانم أن يغنم لولا والديه وخصوصا والدته إيمان العبيدلي الّتي لخّصت المشهد بقولها: "لست أدري من الرّابح، أنا أم أنت؟ ولكنّي أجزم بأنّي رابحة لكوني أمّك وفخورة بأنّك ابني". 
هي أمّ مثالية حقيقيّة وتستحقّ أن تكون كذلك على المستوى العربي،  لتبقى الأمّ والمرأة بصفة عامّة هي مفتاح وسرّ نجاح أيّ تجربة في بناء الإنسان وهي باب تدميره وإفساده. غانم المفتاح يعتبر مفتاحا لقفل الفشل والإحباط الّذي نعيشه اليوم، قصّة هي بمثابة شحنات ايجابية وفسحة أمل في جوّ يسوده اليأس، هي تجربة ملهمة، ستكون علينا حجّة لنستلهم ونعتبر، توقا لغد أفضل.